١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
109
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة والسلام أحوال الكفار من قومه فقال: {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } والمعنى: فلا تكن، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن النون إذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوه، والمعنى: فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع. ثم قال تعالى: {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابَاؤهُم مّن قَبْلُ } والمراد أنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد. ثم قال: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } فيحتمل أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب. ويحتمل أن يكون المراد أنهم وإن كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم من إزالة العذر وإزاحة العلل وإظهار الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويحتمل أيضاً أن يكون الكل مراداً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} المشركون، إنه باطل وجهل وضلال؛ فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، فيعذب كافرهم عذاباً لا يعذبه أحداً، وإن كان لهم حسنات، فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة. قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} قال: ما وعدوا من خير أو شر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص. ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، فاختلف الناس فيه، فمن مؤمن به، ومن كافر به، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنك تكذيبهم لك، ولا يَهِيْدَنَّكَ ذلك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم، لقضى الله بينهم، ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة: أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه؛ كما قال: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] فإنه قد قال في الآية الأخرى: {أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} تفسير : [طه: 129-130] ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فقال: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، وفي هذه الآية قراءات كثيرة يرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه؛ كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } تفسير : [يس: 32].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلاَ تَكُ } يا محمد {فِى مِرْيَةٍ } شك {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاء } من الأصنام إنا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءَابآؤهُم } أي كعادتهم {مِن قَبْلُ } وقد عذبناهم {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ } مثلهم {نَصِيبَهُمْ } حظهم من العذاب {غَيْرَ مَنقُوصٍ } أي تامّا.
الشوكاني
.تفسير : لما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة، وبيان حال السعداء والأشقياء، سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن النهي له عن الامتراء في أن ما يعبدونه غير نافع ولا ضار، ولا تأثير له في شيء. وحذف النون في «لا تك» لكثرة الاستعمال، والمرية: الشك. والإشارة بهؤلاء إلى كفار عصره صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى: لا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء. وقيل: لا تك في شك من سوء عاقبتهم. ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وهذا النهي له صلى الله عليه وسلم هو تعريض لغيره ممن يداخله شيء من الشك. فإنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك أبداً. ثم بيّن له سبحانه أن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم، أو أن عبادتهم كعبادة آبائهم من قبل، وفي هذا استثناء تعليل للنهي عن الشك. والمعنى: أنهم سواء في الشرك بالله وعبادة غيره. فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من قومك، فهم كمن قبلهم من طوائف الشرك، وجاء بالمضارع في {كما يعبد آباؤهم} لاستحضار الصورة. ثم بيّن له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } من العذاب كما وفينا آباءهم، لا ينقص من ذلك شيء، وانتصاب غير الحال، والتوفية لا تستلزم عدم النقص، فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص، كما يجوز أن يوفى وهو كامل. وقيل: المراد نصيبهم من الرزق، وقيل: ما هو أعمّ من الخير والشرّ. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } أي: التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } أي: في شأنه وتفاصيل أحكامه، فآمن به قوم، وكفر به آخرون، وعمل بأحكامه قوم، وترك العمل ببعضها آخرون، فلا يضق صدرك يا محمد بما وقع من هؤلاء في القرآن {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي: لولا أن الله سبحانه قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح لقضى بينهم: أي بين قومك، أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه مختلفين، فأثيب المحقّ وعذب المبطل؛ أو الكلمة هي: أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك. وقيل: إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بأنهم في شك من الكتاب فقال: {وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ } أي: من القرآن، إن حمل على قوم محمد صلى الله عليه وسلم، أو من التوراة، إن حمل على قوم موسى عليه السلام، والمريب: الموقع في الريبة. ثم جمع الأوّلين والآخرين في حكم توفية العذاب لهم، أو هو والثواب فقال: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } قرأ نافع وابن كثير وأبو بكر «وإن» بالتخفيف على أنها إن المخففة من الثقيلة وعملت في {كلا} النصب، وقد جوّز عملها الخليل وسيبويه، وقد جوّز البصريون تخفيف "إن" مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائي وقال: ما أدري على أيّ شيء قرىء {وإن كلا}؟ وزعم الفراء أن انتصاب {كلا} بقوله: {ليوفينهم}، والتقدير: وإن ليوفينهم كلا، وأنكر ذلك عليه جميع النحويين. وقرأ الباقون بتشديد {إن} ونصبوا بها {كلا}. وعلى كلا القراءتين فالتنوين في {كلا} عوض عن المضاف إليه: أي وإن كل المختلفين. وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر {لما} بالتشديد، وخففها الباقون. قال الزجاج: لام {لما} لام إن، و"ما" زائدة مؤكدة، وقال الفراء: "ما" بمعنى من كقوله: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ }تفسير : [النساء: 72] أي: وإن كلاً لمن ليوفينهم! وقيل: ليست بزائدة بل هي اسم دخلت عليها لام التوكيد، والتقدير: وإن كلاً لمن خلق. قيل: وهي مركبة، وأصلها لمن ما، فقلبت النون ميماً واجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى حكي ذلك النحاس عن النحويين. وزيف الزجاج هذا وقال: "من" اسم على حرفين فلا يجوز حذف النون. وذهب بعض النحويين إلى أن "لما" هذه بمعنى إلا، ومنه قوله تعالى: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ }تفسير : [الطارق: 4] وقال المازني: الأصل لما المخففة ثم ثقلت. قال الزجاج: وهذا خطأ، إنما يخفف المثقل ولا يثقل المخفف. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لممت الشيء ألمه: إذا جمعته، ثم بنى منه فعلى كما قرىء: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } تفسير : [المؤمنون: 44] وأحسن هذه الأقوال أنها بمعنى إلا الاستثنائية. وقد روي ذلك عن الخليل، وسيبويه، وجميع البصريين، ورجحه الزجاج ويؤيده أن في حرف أبيّ «وإن كلا إلا ليوفينهم» كما حكاه أبو حاتم عنه. وقرىء بالتنوين: أي جميعاً. وقرأ الأعمش «وإن كل لما» بتخفيف إن ورفع كل وتشديد لما، وتكون إن على هذه القراءة نافية {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ } أيها المختلفون {خَبِيرٌ } لا يخفى عليه منه شيء، والجملة تعليل لما قبلها. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه، فقال: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } أي: كما أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه، لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله، وأمته أسوته في ذلك، ولهذا قال: {وَمَن تَابَ مَعَكَ } أي: رجع من الكفر إلى الإسلام، وشاركك في الإيمان، وهو معطوف على الضمير في {فاستقم}؛ لأن الفصل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف عليه يقوم مقام التأكيد: أي: وليستقم من تاب معك، وما أعظم موقع هذه الآية وأشدّ أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة، والذوات المقدسة، ولهذا يقول المصطفى: «شيبتني هود» كما تقدّم {وَلاَ تَطْغَوْاْ } الطغيان: مجاوزة الحد، لما أمر الله سبحانه بالاستقامة المذكورة بين أن الغلوّ في العبادة، والإفراط في الطاعة على وجه تخرج به عن الحد الذي حدّه، والمقدار الذي قدّره ممنوع منه منهيّ عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: «حديث : أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني»تفسير : . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته تغليباً لحالهم على حاله، أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يجازيكم على حسب ما تستحقون، والجملة تعليل لما قبلها. قوله: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }، قرأ الجمهور بفتح الكاف، وقرأ طلحة بن مصرّف، وقتادة، وغيرهما "تركنوا" بضم الكاف. قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس، قال أبو عمرو: وقراءة الجمهور هي لغة أهل الحجاز، قال: ولغة تميم بكسر التاء وفتح الكاف، وهم يكسرون حرف المضارعة في كل ما كان من باب علم يعلم. وقرأ ابن أبي عبلة بضم التاء وفتح الكاف على البناء للمفعول من أركنه. قال في الصحاح: ركن إليه يركن بالضم. وحكى أبو زيد: ركن إليه بالكسر، يركن ركوناً فيهما: أي مال إليه وسكن قال الله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وأما ما حكى أبو زيد ركن يركن بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين. انتهى. وقال في شمس العلوم: الركون: السكون. يقال: ركن إليه ركوناً، قال الله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } انتهى. وقال في القاموس: ركن إليه، كنصر وعلم، ومنع ركوناً: مال وسكن، انتهى. فهؤلاء الأئمة من رواة اللغة فسروا الركون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد بما قيده به صاحب الكشاف حيث قال: فإن الركون هو الميل اليسير، وهكذا فسره المفسرون، بمطلق الميل والسكون من غير تقييد إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب الكشاف؛ ومن المفسرين من ذكر في تفسير الركون قيوداً لم يذكرها أئمة اللغة. قال القرطبي في تفسيره: الركون حقيقته الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به. ومن أئمة التابعين من فسر الركون بما هو أخصّ من معناه اللغوي. فروي عن قتادة، وعكرمة في تفسير الآية أن معناها: لا تودوهم ولا تطيعوهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير الآية: الركون هنا: الإدهان، وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم. وقال أبو العالية: معناه لا ترضوا أعمالهم. وقد اختلف أيضاً الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة بالمشركين أو عامة؟ فقيل خاصة، وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين، وأنهم المرادون بالذين ظلموا، وقد روي ذلك عن ابن عباس. وقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون، لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإن قلت: وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة، بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في بعض ألفاظ الصحيح: «حديث : أطيعوا السلطان وإن كان عبداً حبشياً رأسه كالزبيبة»تفسير : . وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة، وما لم يظهر منهم الكفر البواح، وما لم يأمروا بمعصية الله. وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مراتبه، وفعلوا أعظم أنواعه مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح، فإن طاعتهم واجبة حيث لم يكن ما أمروا به من معصية الله؛ ومن جملة ما يأمرون به تولي الأعمال لهم. والدخول في المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها من معصية الله؛ ومن جملة ما يأمرون به: الجهاد، وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا، وإقامة الشريعة بين المتخاصمين منهم، وإقامة الحدود على من وجبت عليه. وبالجملة، فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم في كل ما يأمرون به مما لم يكن من معصية الله، ولا بدّ في مثل ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم، ونحو ذلك مما لا بدّ منه، ولا محيص عن هذا الذي ذكرناه من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة، لتواتر الأدلة الواردة به، بل قد ورد به الكتاب العزيز: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ تفسير : [النساء: 59] بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة، وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا كما في بعض الأحاديث الصحيحة: «حديث : أعطوهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم» تفسير : بل ورد الأمر بطاعة السلطان، وبالغ في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال: «حديث : وإن أخذ مالك وضرب ظهرك»تفسير : . فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون، فمجرّد هذه الطاعة المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهراً وباطناً فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر، لأمر يقتضي ذلك شرعاً كالطاعة، أو للتقية ومخافة الضرر منهم، أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن، ولا محبة، ولا رضا بأفعالهم. قلت: أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية الله، فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها، مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدّمنا الإشارة إليها، ولا شك في هذا ولا ريب، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله، كالمناصب الدينية، ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه، فذلك واجب عليه فضلاً عن أن يقال جائز له. وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين، والأمراء جمعاً بين الأدلة، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم، وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا، فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، ولا تخفى على الله خافية؛ وبالجملة فمن ابتلي بمخالطة من فيه ظلم، فعليه أن يزن أقواله وأفعاله، وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك: «فعلى نفسها براقش تجني» ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته، فهو الأولى له، والأليق به. يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وقوّنا على ذلك ويسره لنا، وأعنا عليه. قال القرطبي في تفسيره: وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. انتهى. وقال النيسابوري في تفسيره: قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة. أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب؛ فأما مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخلة في الركون. قال: وأقول هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر: 36]. انتهى. قوله: {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ } بسبب الركون إليهم، وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار، أو كالنار، ومصاحبة النار توجب لا محالة مسّ النار، وجملة: {وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } في محل نصب على الحال من قوله: فتمسكم النار. والمعنى: أنها تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم، وينقذكم منها {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } من جهة الله سبحانه، إذ قد سبق في علمه أنه يعذبكم بسبب الركون الذي نهيتم عنه، فلم تنتهوا عناداً وتمرّداً. قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } لما ذكر الله سبحانه الاستقامة خصّ من أنواعها إقامة الصلاة لكونها رأس الإيمان، وانتصاب {طرفي النهار} على الظرفية، والمراد: صلاة الغداة والعشيّ، وهما: الفجر والعصر. وقيل: الظهر موضع العصر، وقيل: الطرفان الصبح والمغرب. وقيل: هما الظهر والعصر. ورجح ابن جرير أنهما الصبح والمغرب، قال: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدلّ على أن الطرف الآخر المغرب {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } أي: في زلف من الليل، والزلف: الساعات القريبة بعضها من بعض، ومنه سميت المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة، وقرأ ابن القعقاع وأبو إسحاق وغيرهما «زلفاً» بضم اللام جمع زليف، ويجوز أن يكون واحده زلفة. وقرأ ابن محيصن بإسكان اللام. وقرأ مجاهد: «زلفى» مثل فعلى. وقرأ الباقون: «زلفاً» بفتح اللام كغرفة وغرف. قال ابن الأعرابي: الزلف الساعات واحدتها زلفة. وقال قوم: الزلفة أوّل ساعة من الليل بعد مغيب الشمس. قال الأخفش: معنى {زلفاً من الليل}: صلاة الليل {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } أي: إن الحسنات على العموم، ومن جملتها بل عمادها الصلاة يذهبن السيئات على العموم. وقيل: المراد بالسيئات: الصغائر، ومعنى {يذهبن السيئات}: يكفرنها حتى كأنها لم تكن، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ } إلى قوله: {فَٱسْتَقِمْ } وما بعده. وقيل: إلى القرآن ذكرى للذاكرين أي: موعظة للمتعظين {وَٱصْبِرْ } على ما أمرت به من الاستقامة، وعدم الطغيان، والركون إلى الذين ظلموا! وقيل: إن المراد الصبر على ما أمر به دون ما نهى عنه، لأنه لا مشقة في اجتنابه، وفيه نظر، فإن المشقة في اجتناب المنهيّ عنه كائنة، وعلى فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر، فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: يوفيهم أجورهم ولا يضيع منها شيئاً فلا يهمله ولا يبخسه بنقص. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } قال: ما قدّر لهم من خير أو شرّ. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في الآية قال: من العذاب. وأخرجا عن أبي العالية. قال من الرزق. وأخرجا أيضاً عن قتادة في قوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } قال: أمر الله نبيه أن يستقيم على أمره، ولا يطغى في نعمته، وأخرج أبو الشيخ، عن سفيان، في الآية قال: استقم على القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكاً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج {وَمَن تَابَ مَعَكَ } قال: آمن. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن العلاء بن عبد الله بن بدر، في قوله: {وَلاَ تَطْغَوْاْ } قال: لم يرد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى الذين يجيئون من بعدهم. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس {وَلاَ تَطْغَوْاْ } يقول: لا تظلموا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، قال: الطغيان: خلاف أمره وارتكاب معصيته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قال: يعني الركون إلى الشرك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه {وَلاَ تَرْكَنُواْ } قال: لا تميلوا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، أيضاً قال: {وَلاَ تَرْكَنُواْ } لا تدهنوا. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال: أن تطيعوهم أو تودّوهم أو تصطنعوهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } قال: صلاة المغرب والغداة {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } قال: صلاة العتمة. وأخرجا عن الحسن قال: الفجر والعصر {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } قال: هما زلفتان: صلاة المغرب وصلاة العشاء. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما زلفتا الليل». وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في الطرفين قال: صلاة الفجر، وصلاتي العشيّ: يعني الظهر والعصر {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } قال: المغرب والعشاء. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } قال: ساعة بعد ساعة، يعني صلاة العشاء الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه كان يستحبّ تأخير العشاء، ويقرأ {زلفاً من الليل}. وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن مردويه، عن ابن مسعود، في قوله: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } قال: الصلوات الخمس. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، ومحمد بن نصر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } قال: الصلوات الخمس، والباقيات الصالحات: الصلوات الخمس. وأخرج البخاري ومسلم، وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها، فأنزلت عليه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذه؟ قال: "حديث : هي لمن عمل بها من أمتي"تفسير : . وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود وغيرهم عن أبي أمامة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أقم فيّ حدّ الله مرّة أو مرّتين، فأعرض عنه، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ قال: "حديث : أين الرجل؟" تفسير : قال: أنا ذا، قال حديث : أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً؟ قال: نعم. قال: فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد»تفسير : ، وأنزل الله حينئذ على رسوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ}. وفي الباب أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة، ووردت أحاديث أيضاً «حديث : أن الصلوات الخمس كفارات لما بينهنّ»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، في قوله: {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ } قال: هم الذين يذكرون الله في السرّاء والضرّاء، والشدّة والرخاء، والعافية والبلاء. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: لما نزع الذي قبل المرأة تذكر، فذلك قوله: {ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد. الثالث: ما وعدوا به من خير أو شر،قاله ابن عباس.
ابن عطية
تفسير : لفظ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى له ولأمته، ولم يقع لأحد شك فيقع عنه نهي ولكن من فصاحة القول في بيان ضلالة الكفرة إخراجه في هذه العبارة، أي حالهم أوضح من أن يمترى فيها، والـ {مرية}: الشك، و {هؤلاء} إشارة إلى كفار العرب عبدة الأصنام؛ ثم قال: {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل}. المعنى: أنهم مقلدون لا برهان عندهم ولا حجة، وإنما عبادتهم تشبهاً منهم بآبائهم لا عن بصيرة؛ وقوله: {وإنَّا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} وعيد، ومعناه: العقوبة التي تقتضيها أعمالهم، ويظهر من قوله: {غير منقوص} أن على الأولين كفلاً من كفر الآخرين. وقرأ الجمهور "لموَفّوهم" بفتح الواو وشد الفاء، وقرأ ابن محيصن "لموفوهم" بسكون الواو وتخفيف الفاء. وقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} الآية، تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر قصة موسى مثل له، أي لا يعظم عليك أمر من كذبك، فهذه هي سيرة الأمم، فقد جاء موسى، بكتاب فاختلف الناس عليه. وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك} إلى آخر الآية، يحتمل أن يريد به أمة موسى، ويحتمل أن يريد به معاصري محمد عليه السلام؛ وأن يعمهم اللفظ أحسن -عندي - ويؤكد ذلك قوله: {وإن كلاً} و"الكلمة" ها هنا عبارة عن الحكم والقضاء والمعنى {لقضي بينهم} أي لفصل بين المؤمن والكافر، بنعيم هذا وعذاب هذا.... ووصف "الشك" بالمريب تقوية لمعنى الشك. وقرأ الكسائي وأبو عمرو: "وإنَّ كلاًّ لمَا" بتشديد النون وتخفيف الميم من {لما} وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ حمزة بتشديدهما، وكذلك حفص عن عاصم؛ وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - بتخفيف "إنْ" وتشديد الميم من "لمّا" وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: "وإن كلاًّ لمَّاً" بتشديد الميم وتنوينها. وقرأ الحسن بخلاف: "وإنْ كلّ لما" بتخفيف "إن" ورفع "كلٌّ" وشد "لمّا" وكذلك قرأ أبان بن تغلب إلا أنه خفف "لما"، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود "وإن كل إلا ليوفينهم" وهي قراءة الأعمش، قال أبو حاتم: الذي في مصحف أبيّ: "وإن من كل إلا ليوفينهم أعمالهم". فأما الأول فـ "إن" فيها على بابها، و "كلاًّ" اسمها، وعرفها أن تدخل على خبرها لام. وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضاً على خبر "إن" فلما اجتمع لامان فصل بينهما بـ "ما" - هذا قول أبي علي - والخبر في قوله {ليوفينهم}، وقال بعض النحاة: يصح أن تكون "ما" خبر "إن" وهي لمن يعقل لأنه موضع جنس وصنف، فهي بمنزلة من، كأنه قال: وإن كلاًّ لخلق ليوفينهم؛ ورجح الطبري هذا واختاره، اما أنه يلزم القول أن تكون "ما" موصوفة إذ هي نكرة، كما قالوا: مررت بما معجب لك، وينفصل بأن قوله: {ليوفينهم} يقوم معناه مقام الصفة، لأن المعنى: وإن كلاً لخلق موفى عمله، وأما من خففها - وهي القراءة الثانية في ترتيبنا فحكم "إن" وهي مخففة حكمها مثقلة، وتلك لغة فصيحة، حكى سيبويه أن الثقة أخبره: أنه سمع بعض العرب يقول: إن عمراً لمنطلق وهو نحو قول الشاعر: شعر : ووجه مشرق النحر كأن ثدييه حقان تفسير : رواه أبو زيد. ويكون القول في فصل "ما" بين اللامين حسبما تقدم، ويدخلها القول الآخر من أن تكون "ما" خبر "إن" وأما من شددهما أو خفف "إنْ" وشدد "الميم" ففي قراءتيهما إشكال، وذلك أن بعض الناس قال: إن "لما" بمعنى إلا، كما تقول: سألتك لما فعلت كذا وكذا بمعنى إلا فعلت قال أبو علي: وهذا ضعيف لأن "لما" هذه لا تفارق القسم، وقال بعض الناس: المعنى لمن ما أبدلت النون ميماً، وأدغمت في التي بعدها فبقي "لمما" فحذفت الأولى تخفيفاً لاجتماع الأمثلة، كما قرأ بعض القراء {أية : والبغي يعظكم} تفسير : [النحل: 90] به بحذف الياء مع الياء وكما قال الشاعر: شعر : وأشمت العداة بنا فأضحوا لدى يتباشرون بما لقينا تفسير : قال أبو علي وهذا ضعيف؛ وقد اجتمع في هذه السورة ميمات أكثر من هذه في قوله: {أية : أمم ممن معك} تفسير : [هود: 48] ولم يدغم هناك فأحرى أن لا يدغم هنا. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض الناس أصلها: لمن ما، فـ "من" خبر "إن" و "ما" زائدة وفي التأويل الذي قبله أصله: لمن ما، فـ "ما" هي الخبر دخلت عليها "من" على حد دخولها في قول الشاعر: شعر : وإنا لمن ما نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم تفسير : وقالت فرقة "لما" أصلها "لماً" منونة، والمعنى: وإن كلاً عاماً حصراً شديداً، فهو مصدر لم يلم، كما قال: {أية : وتأكلون التراث أكلاً لمَّاً} تفسير : [الفجر: 19] أي شديداً قالت: ولكنه ترك تنوينه وصرفه وبني منه فعلى كما فعل في تترى فقرىء: تترى. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، حكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في "لما"، قال أبو علي: وأما من قرأ "لمَّا" بالتنوين وشد الميم فواضح الوجه كما بينا، وأما من قرأ: "وإن كل لما" فهي المخففة من الثقيلة، وحقها - في أكثر لسان العرب - أن يرتفع ما بعدها، و"لما" هنا بمعنى إلا، كما قرأ جمهور القراء: {أية : إن كل نفس لما عليها حافظ} تفسير : [الطارق: 4]. ومن قرأ "إلا" مصرحة فمعنى قراءته واضح، وهذه الآية وعيد. وقرأ الجمهور: "يعملون" بياء على ذكر الغائب، وقرأ الأعرج "تعملون" بتاء على مخاطبة الحاضر.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَصِيبَهُمْ} من خير أو شر "ع"، أو الرزق، أو العذاب.
النسفي
تفسير : {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء } أي فلا تشك بعدما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم ووعيداً. لهم ثم قال: {ما يعبدون إلاّ كَما يَعبدُ ءَابآؤهم من قَبلُ} يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية و«ما» في {مما} و{كما} مصدرية أو موصولة أي من عبادتهم وكعبادتهم، أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما يعبدون منها {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم {غَيْرَ مَنقُوصٍ } حال من {نصيبهم} أي كاملاً .
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء} يعني فلا تك في شك يا محمد في هذه الأصنام التي يعبدها هؤلاء الكفار فإنها لا تضر ولا تنفع {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} يعني أنه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام مستند إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فعبدوها مثلهم {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} يعني وإنا مع عبادتهم هذه الأصنام نرزقهم الرزق الذي قدرناه لهم من غير نقص فيه ويحتمل أن يكون المراد من توفية نصيبهم يعني من العذاب الذي قدر لهم في الآخرة كاملاً موفراً غير ناقص. قوله عز وجل: {ولقد آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {فاختلف فيه} يعني في الكتاب فمنهم مصدق به ومكذب به كما فعل قومك يا محمد بالقرآن ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {ولولا كلمة سبقت من ربك} يعني بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقونه من تعجيل العقوبة في الدنيا على كفرهم وتكذيبهم وهو قوله تبارك وتعالى: {لقضي بينهم} يعني لعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم وإهلاكهم {وإنهم لفي شك منه} يعني من القرآن ونزوله عليك يا محمد {مريب} يعني أنهم قد وقعوا في الريب والتهمة {وإن كلاًّ} يعني من الفريقين المختلفين المصدق والمكذب {لما ليوفينهم ربك أعمالهم} اللام لام القسم تقديره والله ليوفينهم جزاء أعمالهم في القيامة فيجازي المصدق على تصديقه الجنة ويجازي المكذب على تكذيبه النار {إنه بما يعملون خبير} يعني أنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده وإن دقت ففيه وعد للمحسنين المصدقين وفيه وعيد وتهديد للمكذبين الكافرين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : سلوا الله العافية فإنه لم يعط أحد أفضل من معافاة بعد يقين، وإياكم والريبة فإنه لم يؤت أحد أشر من ريبة بعد كفر ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} قال: ما قدر لهم من خير وشر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وإنا لموفوهم نصيبهم} قال: موفوهم نصيبهم من العذاب. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه {وإنا لموفوهم نصيبهم} قال: من الرزق. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تبارك وتعالى يوفي كل عبد ما كتب له من الرزق فاجملوا في المطلب، دعوا ما حرم وخذوا ما حل ".
ابو السعود
تفسير : {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ} أي في شك، والفاءُ لترتيب النهي على ما قُصّ من القصص وبُـيّن في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية {مّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء} أي من جهة عبادةِ هؤلاء المشركين وسوءِ عاقبتها أو من حال ما يعبُدونه من الأوثان في عدم نفعِه لهم. ولمّا كان مَساقُ النظمِ الكريم قبـيل الشروعِ في القصص لبـيان غايةِ سوءِ حال الكفرةِ وكمالِ حسنِ حال المؤمنين، وقد ضُرب لهم مثلُ فقيل: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [نوح: 17] وقد قُص عَقيبَ ذلك من أنباء الأممِ السالفة مع رسلهم المبعوثةِ إليهم ما يتذكر به المتذكِّرُ ـ نُهي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كونه في شك من مصير أمرِ هؤلاءِ المشركين في العاجل والآجلِ ثم علل ذلك بطريق الاستئناف فقيل: {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابَاؤهُم} الذين قُصّت عليك قصصُهم {مِن قَبْلُ} أي هم وآباؤُهم سواءٌ في الشرك، ما يعبدون عبادةً إلا كعبادتهم أو ما يعبدون شيئاً إلا مثلَ ما عبدوه من الأوثان، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها، أو مثلَ ما كانوا يعبدونه فحُذف كان لِدلالة قولهِ: (من قبل) عليه، ولقد بلغك ما لحق بآبائهم فسيلحقهم مثلُ ذلك فإن تماثلَ الأسبابِ يقتضي تماثل المسبَّبات {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ} أي هؤلاء الكفرة {نَصِيبَهُمْ} أي حظَّهم المعيَّنَ لهم حسب جرائمِهم وجرائرِهم من العذاب عاجلاً وآجلاً كما وفّينا آباءَهم أنصباءَهم المقدّرة لهم، أو من الرزق المقسومِ لهم فيكون بـياناً لوجه تأخُّرِ العذاب عنهم مع تحقق ما يوجبه {غَيْرَ مَنقُوصٍ} حالٌ مؤكدة من النصيب كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }تفسير : [التوبة: 25] وفائدتُه دفعُ توهّم التجوّزِ وجعلُها مقيدةً له لدفع احتمالِ كونِه منقوصاً في حد نفسه مبنيٌّ على الذهول عن كون العاملِ هو التوفيةَ فتأمل. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراةَ {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي في شأنه وكونِه من عند الله تعالى فآمن به قومٌ وكفر به آخرون فلا تبالِ باختلاف قومِك فيما آتيناك من القرآن وقولِهم: {أية : لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } تفسير : [هود: 12] وزعمِهم أنك افتريتَه {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهي كلمةُ القضاءِ بإنظارهم إلى يوم القيامةِ على حسب الحِكمةِ الداعيةِ إلى ذلك {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي لأوقع القضاءَ بـين المختلفين من قومك بإنزال العذابِ الذي يستحقه المبطِلون ليتميّزوا به عن المُحِقّين، وقيل: بـين قوم موسى وليس بذاك {وَإِنَّهُمْ} أي وإن كفارَ قومِك أريد به بعضُ من رجع إليهم ضميرُ بـينهم للأمن من الإلباس {لَفِى شَكّ} عظيم {مِنْهُ} أي من القرآن وإن لم يجْرِ له ذكر، فإن ذكرَ إيتاءِ كتابِ موسى ووقوعِ الاختلافِ فيه لا سيما بصدد التسليةِ ينادي به نداءً غيرَ خفي {مُرِيبٍ} مُوقِع في الريبة.
القشيري
تفسير : لا يريد أنَّه عليه السلام في شَكٍ، ولكنه أراد به تحقيق كونهم مُضَاهين لآبائهم، كما تقول: لا شكَّ أنَّ هذا نهارٌ. ويقال الخطابُ له والمرادُ به لأُمَّتِه. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ}: تجازيهم على الخبر بخير وعلى الشر بضُر.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلا تك} اصله لا تكن حذفت النون لكثرة الاستعمال اى اذا تبين عندك ما قصصت عليك من قصص المتقدمين وسوء عاقبتهم فلا تكن {فى مرية} اى فى شك {مما يعبد هؤلاء} ما مصدرية اى من جهة عبادة هؤلاء الحاضرين من المشركين وكن على يقين فى انها ضلال سيئ العاقبة كأنه قيل لم لا اكون فى شك فاجيب لانهم {ما يعبدون الا كما} كان {يعبد آباؤهم من قبل} اى حالهم كحال آبائهم من غير تفاوت فهم على الباطل والتقليد على الحق والتحقيق. وفيه اشارة الى ان اهل الفترة الذين عبدوا الاصنام من اهل النار فان الذى ينادى على ذلك {وانا لموفوهم} توفية الشيئ تأديته واعطاؤه على وجه التمام والضمير لهؤلاء الكفرة {نصيبهم} اى حظهم المتعين لهم من العذاب الدنيوى والاخروى كما وفينا آباءهم انصباءهم المقدرة حسب جرائمهم فسيلحقهم مثل ما لحق بآبائهم فان التماثل فى الاسباب يقتضى التماثل فى المسببات. فان قيل لا سبب عندنا الا الله. قلنا يكفينا السببية العادية وهو ما يفضى الى الشيء بحسب جريان العادة {غير منقوص} حال مؤكدة من النصيب كقوله {أية : هو الحق مصدقا} تفسير : وفائدته مع دفع توهم التجوز تقرير ذى الحال اى جعله مقررا ثابتا لا يظن انه غيره. وفى الآية ذم للتقليد وهو قبول قول الغير بلا دليل وهو جائز فى الفروع والعمليات ولا يجوز فى اصول الدين والاعتقاديات بل لا بد من النظر والاستدلال لكن ايمان المقلد صحيح عند الحنفية والظاهرية وهو الذى اعتقد جميع ما وجب عليه من حدوث العالم ووجود الصانع وصفاته وارسال الرسل وما جاؤا به حقا من غير دليل لان النبى صلى الله عليه وسلم قبل ايمان الاعراب والصبيان والنسوان والعبيد والاماء من غير تعليم الدليل ولكنه يأثم بترك النظر والاستدلال لوجوبه عليه ولا يحصل اليقين الا بترك التقليد وبالوصول الى عين التوحيد: قال المولى الجامى قدس سره شعر : سيراب كن زبحر يقين جان تشنه را زين بيش خشك لب منشين برسر آب ريب تفسير : ثم ان اهل التقليد وارباب الطبيعة انما يعبدون الدنيا والهوى فى الحقيقة فلا بد من ترك الهوى واتباع الهدى. يقال لما وقع الازدواج بين آدم وحواء وقع الازدواج بين ابليس والدنيا فتولد من الازدواج الاول نوع البشر ومن الثانى الهوى فجميع الاديان الباطلة والاخلاق المذمومة من تأثير ذلك الهوى. قال بعض المحققين لما جعل الله سلطان الروح ملكا فى ملك البدن وجعل العقل وزيره جعل النفس خليلة الروح فمالت النفس الى الهوى فسئل الوزير عن حالها فقال وزير العقل ايها الملك ان ههنا مسمى بالهوى قد اضل النفس فتوجه الروح الى الله تعالى بالتضرع والابتهال فانقادت النفس للروح بالصلاح وحسن الحال فمن اراد اصلاح نفسه فليرجع الى القادر المتعال. يقال ان ضرر البدعة والهوى اكثر من ضرر المعصية فان صاحب المعصية يعلم قبحها فيستغفر ويتوب بخلاف صاحب البدعة والهوى. ثم ان البدعة والهوى عندنا معاشر الصوفية خلاف العمل بسنة النبى عليه السلام وسنة الاصحاب العظام وسنة المشايخ الكرام والاتباع بالعقل الجزئى والطبع فى كل فعل وترك. فعلى السالك ان لا يخالف السنن مطلقا ولا يخرج عن آثار الاخيار ولا يلتفت الى طعن الاغيار فان الحق احق ان يتبع شعر : دين ما عشقست اى زاهد مكوبيهوده بند ما بترك دين خود كفتن تخواهيم ازكذاف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلا تك} يا محمد {في مرية}. في شك {مما يعبد هؤلاء} المشركون، أي: لا تشك في فساد ما هم فيه، بعد ما أنزل عليك من حال الناس، وتبيين ما لأهل السعادة الموحدين، مما لأهل الشقاء المشركين، {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبلُ}، وهو تعليل للنهي، أي: ما يعبدون عبادةً إلا كعبادة آبائهم. أو ما يعبدون شيئاً إلا مثل ما عبد آباؤهم من الأوثان؛ تقليداً من غير برهان، وقد بلغك ما لحق آبائهم من العذاب فسيلحقهم مثل ذلك؛ لاتفاقهم في سبب الهلاك. {وإنا لموفوهم نصيبهم} حظهم من العذاب، كآبائهم، {غير منقوص} من نصيبهم شيء. فالتوفية لا تقتضي التمام، تقول: وفيته حقه، وتريد وفاء بعضه. والله تعالى أعلم. الإشارة: فلا تكن أيها العارف في مرية مما يعبد هؤلاء العوام، من جمع الدنيا، والتكاثر منها، وصرف الهمة إلى تحصيلها، واستعمال الفكر في أسباب جمعها، وانهماك النفس في حظوظها وشهواتها. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، ممن سلك هذا المسلك الذميم، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص بانحطاط درجتهم عن درجة المقربين. قال بعض الحكماء: دار الدنيا كأحلام المنام، وسرورها كظل الغمام، وأحدثها كصوائب السهام، وشهواتها: كمشرب الشمام، وفتنتها كأمواج الطوام. هـ. ولما ذكر رسالة موسى عليه السلام، وشأن فرعون ووبال من تبعه، ذكر نزول التوراة عليه، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ}.
الطوسي
تفسير : نهى الله تعالى نبيه - والمراد به أمته - ان يكونوا في شك من عبادة هؤلاء يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم، وانه باطل. و (المرية) - بكسر الميم وضمها - الشك مع ظهور الدلالة البينة. وأصله مري الضرع ليدر بعد دروره، فلا معنى له إلا العبث بفعله. وقوله {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} أنهم مقلدون في عبادتهم الأوثان، كما كان آباؤهم كذلك. وقوله {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} أخبار منه تعالى انه يعطيهم - على جهة الوفاء - قسمتهم من خير أو شر على قدر استحقاقهم - في قول ابن عباس - وقال ابن زيد: ما يستحقونه من العذاب من غير ان ينقص منه شيء على وجه العقوبة بعد أن يوفوا ما حكم لهم به من الخير في الدنيا. و (النصيب) القسم المجعول لصاحبه ومنه انصباء الورثة. والنصيب الحظ والنقص البخس والمنقوص المبخوس.
الجنابذي
تفسير : {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} الخطاب عامّ او خاصّ بمحمّد (ص) لكن على طريقة، ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، والفاء للجزاء الا اذا علمت حال آلهة الامم السّابقة وانّها لا تغنى عن عابديها شيئاً بما قصصناه عليك وبما شاهدت من آثارهم فلا تك فى مريةٍ {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} من عبادة هؤلاء لانّ عبادتهم مثل عبادة اسلافهم او من الالهة الّتى يعبدها هؤلاء فانّ حالها كحال آلهة السّالفين {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم} اى الامم السّالفة الّذين قصصتهم عليك والتّقدير كما كان يعبد آباؤهم فحذف لدلالة قوله {مِّن قَبْلُ} عليه {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} اى قسطهم من العذاب كآبائهم او نصيبهم من ارزاقهم الى آجالهم حتّى نذهب بهم الى دار شقائهم {غَيْرَ مَنقُوصٍ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة وصورته التّوارة كما آتيناك الكتاب {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} كما اختلف فى كتابك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بامهالهم حتّى يخوضوا فى طغيانهم {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بين المختلفين من قوم موسى (ع) او من قومك بتمييز المبطل عن المحقّ واهلاك المبطل وابقاء المحقّ {وَإِنَّهُمْ} اى منكرون قومك {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} من كتابك {مُرِيبٍ} بالغ سواء كان من قبيل ظلّ ظليل او بمعنى موقع للغير فى الشّكّ على ان يكون من ارابه بمعنى اوقعه فى الشّكّ.
فرات الكوفي
تفسير : {وإنا لَمُوَفّوهُمْ نصيبهم غير منقوص109} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدثنا عباد قال: حدثنا نصر بن مزاحم عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى: ر، ش] {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} يعني: بني هاشم نوفيهم [أ: يوفيهم] ملكهم الذي أوجب الله لهم {غير منقوص} قال ابن عباس: وهو ستون ومائة سنة. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عمر في قوله: {وإنا لموفوهم نصيبهم} ملكهم الذي أوجب الله لهم {غير منقوص} وهو مائة وستون سنة {وإنا لموفوهم نصيبهم} يعني بني هاشم من الملك غير منقوص.
اطفيش
تفسير : {فَلا تَكُ} يا محمد بعد ما أنزل إليك من سوء عاقبة أمم الكفر فى {مِريَةٍ} شك {ممَّا يعبُدُ} ما موصول اسمى أو حرف فى {هؤلاء} مشركو العرب فى أنا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم، ممن يعبد الأصنام مثلهم، أو فى أن عبادة الأصنام تضر ولا تنفع، فهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعيد لهم أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم. {ما يعْبُدونَ إلا كما يعْبُد آباؤهُم مِنْ قَبلُ} تعليل للنهى، أى لا تشك فى عبادتهم الأصنام أنهم يعذبون عليها، أو تضر ولا تنفع أو فى وبال عبادتها، لأنهم ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم من قبل، أو لأنهم ما يعبدون شيئا إلا مثل ما يعبد آباؤهم من قبل، وقد بلغك ما أنزل بآبائهم لتلك العبادة فلا يؤمنوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بآبائهم، لأنهم قد عبدوا كعبادتهم، وما فى هذه أيضا اسم أو حرف. ويجوز أن تكون هذه إشارة إلى أنه لا مسند لهم فى عبادة الأصنام إلا تقليد الآباء، ويعبد حكاية للحال الماضية، وقيل: على تقدير كان أى كما كان يعبد آباؤهم من قبلهم، فحذف لدلالة لفظ الآباء ولفظ قبل. {وإنَّا لموفُوهُم} اسم فاعل مضاف الأصل موفيهم بكسر الفاء، نقلت ضمة الياء لثقلها إلى الفاء، فكانت ساكنة فحذفت للساكن بعدها، وضمير النصب لمشركى العرب {نَصيبَهُم} من العذاب كما أوفينا آباءهم أنصباءهم، ويجوز أن يراد عذاب الآخرة، أو نصيبهم من الرزق، فيكون عذر التأخر العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه من الكفر، وعبادة الأصنام، وعن ابن عباس: نصيبهم ما قدر لهم من خير أو شر، حكاه الداوودى. {غيْرَ منْقُوصٍ} منه حال مؤكدة لعاملها، فإن توفية الشئ الإتيان به غير منقوص، ويجوز أن تكون مؤسسة باعتبار بأنه يقال، وفيه شطر حقه وثلثه وحقه إلا قليلا، وحقه ناقصا ووفيته حقه مع أن الموفى بعضه.
اطفيش
تفسير : {فَلاَ تَكُ} لا تكن يا محمد {فِى مِرْيَةِ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤْلاَءِ} على حذف مضاف أًى من عاقبة عبادة ما يعبد هؤْلاءِ أَو فى عاقبة عبادة ما يعبد هؤُلاءِ، أَو فى ضياع عبادة ما يعبدون أَو من ضياع عبادة إِلخ أَو ما مصدرية، أَى من عبادة هؤُلاءِ أَصنامهم، أَى من عاقبة عبادتهم أَو ضياعها وإِنما جاز أَن تفسر من بفى لتعلقها بمرية لا بما تعلقت به الأُولى {مَا يَعْبُدُونَ} أصنامهم {إِلاَّ كَمَا يعْبُدُ آبَاؤُهُمْ} وما مصدرية أَى إِلا كعبادة آبائِهم {مِنْ قَبْلُ} وقد أُهلكوا إِلى النار لعبادتها، فكذلك نهلك من عبد من قومك الأَصنام إِن لم يبت وقد أُهلكوا يوم بدر إِلى النار، وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قرن بالفاءٍ وكأَنه قيل: إِذا علمت ذلك فلا تك إِلخ، فإنا لا نمهلهم ولو أَمهلناهم بعض إِمهال، ومن شأْنه كذلك لا يضيق به صدرك وقد يقدر، فلا تك فى مرية فى شأْن ما يعبدون، فما لهم إِلا تقليد آَبائِهم المهلكين بما قلدوهم فيه، وإِنما عبدوا مثل ما عبد آباؤُهم، ومقتضى الظاهر إِلا كما عبد آباؤُهم إِلا أَنه جىءَ بالمضارع تنزيلا للماضى منزلة الحاضر المشاهد وليدل على التكرير، وكأَنه قيل: إِلا ما كان يعبد آباؤُهم، والاستثناءُ من العبادة، ويجوز من المعبودات أَى لا يعبدون شيئاً إِلا مثل ما يعبد آباؤُهم {وَإِنَّا لَمُوفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} نوفى قومك نصيبهم من العذاب كما وفينا آباءَهم نصيبهم، أَو نوفى قومك نصيب آبائِهم أَى مثل نصيب آبائِهم وذلك تهكم بهم لأَن النصيب تعورف فيما ينتفع به فهو استعارة أو موفوهم نصيبهم من الرزق يعقبهم العذاب بعد فراغه فلا تعجل فما بينهم وبين العذاب إِلا تمام أَجلهم، وعن ابن عباس: من الخير والشر، والوجه الأَول أَشد زجرا لهم وإِضافة نصيب للحقيقة فشملت أَنصباءَ وكأَنه قيل لموفوهم أَنصباءَهم غير منقوصة {غَيْر مَنْقُوصٍ} حال مؤكدة على أَن التوفية إِعطاءُ الشىءٍ وافيا وحملها فى الجملة من سائِر الكلام على احتمال وفاءِ البعض فقط مسامحة أَو ذهول من الخلق يحتاج لدليل فالتوفية عدم النقص، وهم لم يوافوا حق أَبى حيان إِذ ردوا عليه نحو هذا، اللهم إِن اعتبرنا ما يجرى بين الناس من أَن يقال قضى فلان دينه إِذا برأَت ذمته ولو بمسامحة فى بعض أَو اعتبرنا ما يجرى فى كرم الله تعالى من المسامحة فتكون حالا مبينة لدفع احتمال الكمال، وأَما أَن يكون كرمه قرينة لأَن كونه كريما فى الجملة لا يوجب أَن يكون قد سامح فى هذه القصة، وعنه صلى الله عليه وسلم:" حديث : السعيد من بطن أُمه والشقى من بطن أُمه"تفسير : ، ومعناه يظهر سعادته وشقاوته للملك من حين كان فى بطنها حين كان نطفة، وإِلا فسعادته وشقاوته معلومة لله سبحانه وتعالى بلا أَول، وقيل: الأُم الثبوت العلمى الأَزلى، أَى من جهة العلم الأَزلى الذى كان كالخزانة للخارج وفيه عدم أَدب.
الالوسي
تفسير : {تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي في شك، والفاء لترتيب النهي على ما قص من القصص وبين في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية أي فلا تك في شك بعد أن بين لك ما بين {مّمَّا يَعْبُدُ هَٰـؤُلاءِ} أي من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبة عبادتهم ـ فمن ـ ابتدائية، وجوز أن تكون بمعنى في، و {مَا} مصدرية، وجوز أن تكون موصولة وفي الكلام مضاف محذوف أي من حال ما يعبدونه من أنه لا يضر ولا ينفع إذ لا معنى للمرية في أنفسهم {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤهُم مّن قَبْلُ} استئناف في بياني وقع تعليلاً في المعنى للنهي عن المرية، والاستثناء إما من مصدر مقدر أو مفعول محذوف أي هم وآباؤهم سواء في الشرك ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم أو ما يعبدون شيئاً إلا مثل الذي عبدوه من الأوثان وقد بلغك ما لحق آباؤهم بسبب ذلك فيلحقهم مثله لأنه التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، ومعنى {كَمَا يَعْبُدُ} كما كان عبد / فحذف لدلالة {قَبْلُ} عليه، وكأن اختيار هذا للإشارة إلى أن ذلك كان عادة مستمرة لهم. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ} يعني هؤلاء الكفرة {نَصِيبَهُمْ} حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم حظوظهم أو من الرزق فيكون عذراً لتأخر العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه، وفي هذا من الإشارة إلى مزيد فضل الله تعالى وكرمه ما لا يخفى حيث لم يقطع رزقهم مع ما هم عليه من عبادة غيره، وفي التعبير ـ بالنصيب ـ على الأول تهكم لأنه ما يطلب ويراد والعذاب بمعزل عن ذلك، وتفسيره بما ذكر مروي عن ابن زيد، و ـ بالرزق ـ عن أبـي العالية، وعن ابن عباس أن المراد به ما قدر من خير أو شر. وقرأ ابن محيصن {لموفوهم} مخففاً من أوفى {غَيْرَ مَنقُوصٍ} حال مؤكدة من النصيب كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}تفسير : [التوبة: 25]وفائدته دفع توهم التجوز، وإلى هذا ذهب العلامة الطيبي، وقال: إنه الحق. وفي «الكشاف» أنه جيء بهذه الحال عن النصيب الموفى لأنه ((يجوز أن يوفى وهو ناقص ويوفى وهو كامل ألا تراك تقول: وفيته شطر حقه وثلث حقه وحقه كاملاً وناقصاً)) انتهى، وتعقبه أبو حيان ((بأن هذه مغلطة لأنه إذا قيل: وفيته شطر حقه فالتوفية إنما وقعت في الشطر وكذا ثلث حقه، والمعنى أعطيته الشطر أو الثلث كاملاً لم أنقصه منه شيئاً، وأما قولك: وفيته حقه كاملاً فالحال فيه مؤكدة لأن التوفية تقتضي الإكمال، وأما قولك: وفيته حقه ناقصاً فغير صحيح للمنافاة)) انتهى. وقال ابن المنير: إنه وهم لأن التوفية تقتضي عدم نقصان الموفى كاملاً كان أو بعضاً فقولك: وفيته نصف حقه يستلزم عدم نقصان النصف الموفى، فالسؤال عن وجه انتصاب هذه الحال قائم بعد، والأوجه أن يقال: استعملت التوفية بمعنى الإعطاء كما استعمل التوفي بمعنى الأخذ، ومن قال: أعطيت فلاناً حقه كان جديراً أن يؤكده بقوله: {غَيْرَ مَنقُوصٍ} انتهى، وفي «الكشف» أقول في تعليق التوفية بالنصف مع أن الكل حقه ما يدل على مطلوبه إذ لا فرق بين قولك: نصف حقه وحقه منصفاً، فجاز وفيته نصيبه منصفاً ونصيبه ناقصاً، ويحسن فائدة التأكيد ويظهر أن الواهم من هو فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على القصص الماضية فإنها تكسب سامعها يقيناً بباطل ما عليه عبدة الأصنام وبخيبة ما أملوه فيهم من الشّفاعة في الدنيا وإن سابق شقائهم في الدنيا بعذاب الاستئصال يُؤذن بسوء حالهم في الآخرة، ففرع على ذلك نهي السامع أن يشك في سوء الشّرك وفساده. والخطاب في نحو {فلا تك في مرية} يقصد به أيُّ سامع لا سامعٌ معيّن سواء كان ممّن يظنّ به أن يشكّ في ذلك أم لا إذ ليس المقصود معيّناً. ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويكون {فلا تك} مقصوداً به مجرّد تحقيق الخبر فإنّه جرى مجرى المثل في ذلك في كلام العرب مثل كلمة: لا شكّ، ولا محالة، ولا أعرفنّك، ونحوها. ويجوز أن يكون تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه من التصلّب في الشرك، أي لا تكن شاكّاً في أنّك لقيت من قومك من التكذيب مثل ما لقيه الرّسل من أممهم فإنّ هؤلاء ما يعبدون إلاّ عبادة كما يعبد آباؤهم من قبل متوارثينها عن أسلافهم من الأمم البائدة. و{في} للظرفية المجازية. والمرية ـ بكسر الميم ـ: الشكّ. وقد جاء فعلها على وزن فَاعَل أو تَفاعل وافتعل. ولم يجىء على وزن مجرّد لأنّ أصل المراد المجادلة والمدافعة مستعاراً من مريْتُ الشاة إذا استخرجت لبنها. ومنه قولهم: لا يجارى ولا يُمارى. وفي القرآن {أية : أفتمارونه على ما يرى}تفسير : [النجم: 12]. وقد تقدّم الامتراء عند قوله: {أية : ثم أنتم تمترون}تفسير : في أوّل [الأنعام: 2]. و{ما} في قوله: {ما يعبد} مصدريّة، أي لا تك في شكّ من عبادة هؤلاء، والإشارة بهؤلاء إلى مشركي قريش. وقد تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدته عَنَاهُمْ باسم الإشارة هذا في نحو أحد عشر موضعاً وهو ممّا ألهمت إليه ونبّهتُ عليه عند قوله تعالى: {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : في سورة [النساء: 41]. ومعنى الشكّ في عبادتهم ليس إلاّ الشكّ في شأنها، لأنّ عبادتهم معلومة للنبي صلى الله عليه وسلم فلا وجه لنفي مريته فيها، وإنّما المراد نفي الشك فيما قد يعتريه من الشكّ من أنهم هل يعذّبهم الله في الدنيا أو يتركهم إلى عقاب الآخرة. وجملة {ما يعبدون إلاّ كما يعبد آباؤهم من قبل} مستأنفة، تعليلاً لانتفاء الشكّ في عاقبة أمرهم في الدّنيا. ووجه كونه علّة أنّه لمّا كان دينهم عين دين من كان قبلهم من آبائهم وقد بلغكم ما فعل الله بهم عقاباً على دينهم فأنتم توقنون بأنّ جزاءهم سيكون مماثلاً لجزاء أسلافهم، لأنّ حكمة الله تقتضي المساواة في الجزاء على الأعمال المتماثلة. والاستثناء بقوله: {إلاّ كما يعبد} استثناء من عموم المصادر. وكاف التشبيه نائبة عن مصدر محذوف. التّقدير: إلاّ عبادة كما يعبد آباؤهم. والآباء: أطلق على الأسلاف، وهم عاد وثمود. وذلك أنّ العرب العدنانيين كانت أمّهم جرهمية، وهي امرأة إسماعيل، وجرهم من إخوة ثمود، وثمود إخوة لعاد، ولأنّ قريشاً كانت أمهم خزاعيّة وهي زوج قصيّ. وعبادة الأصنام في العرب أتاهم بها عمرو بن يحيى، وهو جدّ خزاعة. وعبّر عن عبادة الآباء بالمضارع للدّلالة على استمرارهم على تلك العبادة، أي إلاّ كما اعتاد آباؤُهم عبادتهم. والقرينة على المضي قوله: {من قبلُ}، فكأنّه قيل: إلاّ كما كان يعبد آباؤهم. والمضاف إليه {قَبْلُ} محذوف تقديره: من قبلهم، تنصيصاً على أنّهم سلفهم في هذا الضّلال وعلى أنّهم اقتدوا بهم. وجملة {وإنّا لموفّوهم نَصيبَهُمْ} عطف على جملة التّعليل، والمعطوف هو المعلول، وقد تسلّط عليه معنى كاف التّشبيه لذلك. فالمعنى: وإنّا لموفوهم نصيبَهم من العذاب كما وفّينا أسلافهم. والتوفية: إكمال الشيء غير منقوص. والنصيب: أصله الحظ. وقد استعمل (موفوهم) و(نصيبَهم) هنا استعمالاً تهكّمياً كأنّ لهم عطاء يسألونه فَوُفوه، فوقع قوله {غيرَ منقوص} حالاً مؤكدة لتحقيق التّوفية زيادة في التهكم، لأنّ من إكرام الموعود بالعطاء أن يؤكد له الوعد، ويسمى ذلك بالبشارة. والمراد نصيبهم من عذاب الآخرة، فإنّ الله لم يستأصلهم كما استأصل الأمم السابقة ببركة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «حديث : لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ».
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَاؤُهُم} (109) - فَلاَ تَكُ فِي شَكٍّ (مِرْيَةٍ) مِنْ أَنَّ مَا يَعْبُدُهُ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بِاطِلٌ وَضَلاَلٌ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ مَا عَبَدَ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ، لَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِيمَا هُمْ فِيهِ، إِلاّ اتِّبَاعُ الآباءِ فِي الضَّلاَلِ وَالجَهْلِ، وَسَيَجْزِيهِمُ اللهُ عَلَيهِ أَتَمَّ الجَزَاءِ. (فَأَعْمَالُ الخَيْرِ التِي يَعْمَلُونَها فِي الدُّنْيَا: كَبِرِّ الوَالِدَينِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ ... يُوَفَّوْنَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيا بِسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَشْفِ الضُّرِّ ...، وَلاَ يُجْزَونَ عَلَيهَا فِي الآخِرَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مرية؟ هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في شك؟ لا، ولكنه قول الآمر الأعلى سبحانه للأدنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صدد هذا الأمر؛ وبذلك ينصرف أمر الحق سبحانه إلى الدوام. مثلما قال الحق سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..}تفسير : [الإسراء: 78]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيم الصلاة قبلها، ولكن قول الحق سبحانه هنا إنما يمثل بداية التشريع. ومثل هذا أيضاً قول الحق سبحانه في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..}تفسير : [الأحزاب: 1]. فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقي الله؟ نقول: لا، إنما هو لإدامة التقوى، فإنه إذا أمر الأعلى الأدنى بأمر هو بصدد فعله، انصرف هذا الأمر إلى الدوام، واتباع أمته للتقوى والإعراض عن النفاق والكفر، وهو خطاب للرسول وأمته، فللرسول الدوام والترقي والحصانة، ولأمته الاتباع لمنهج الله. ومثل هذا قوله تعالى: {أية : يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [البقرة: 153]. وهو سبحانه يناديهم بالإيمان؛ لأنهم اعتقدوا اعتقاد الألوهية الواحدة، ومن يسمع منهم هذا الخطاب عليه أن يداوم على الإيمان. وما دام قد آمن بالإله الواحد قبل الخطاب، فقد استحق أن ينال التكريم من الحق سبحانه بأن يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين، فإذا نُودِي عليهم بهذه الصفة فهي علامة السمو المقبول. وإذا طُلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه، فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها، وفي الاستمرارية ارتقاء. وقول الحق سبحانه هنا: {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ ..} [هود: 109]. نجد أن التحقيق لا يثبت لهم عبادة؛ لأن معنى العبادة ائتمار عابدٍ بأمر معبود. وهؤلاء إنما يعبدون الأصنام، وليس للأصنام منهج يسير عليه من آمنوا بها. ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الأصنام، وهم قد قالوا من قبل: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3]. وهو إيمان فقد حجية التعقل الإيماني، أي: أن تستقبل أنت بذاتك القضية الإيمانية وتناقشها لتدخل عليها باقتناع ذاتك. وهم قد دخلوا إلى الإيمان بعبادة الأصنام باقتناع الغير، وهم الآباء، فإيمانهم إيمان تقليد، وفي التقليد جفاف الفطرة السليمة وهو لا ينفع. ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل النِّسَب في الكون إما ليثبت نسبة إيجابية، أو نسبة سلبية. {مَا يَعْبُدُونَ ..} [هود: 109]. أي: على ما قالوا إنه عبادة، ولكنه ليس عبادة، لأن العبادة تقتضي أمراً ونهياً، وليس للأصنام أوامر أو نواهٍ، وعبادتهم هي عبادة تقليدية للآباء؛ ولذلك قالوا: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ..}تفسير : [البقرة: 170]. ولذلك يقرر الحق سبحانه هنا جزاءهم، فيقول تعالى: {.. وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} [هود: 109]. أي: سنعطيهم جزاءهم كاملاً؛ لأنهم يفسدون في الكون، رغم أن الحق سبحانه قد جعل لكل منهم حق الاختيار في أن يفعل الشيء أو لا يفعله، وإن لم تنضبط حركة الاختيار، فالتوازن الاجتماعي يصير إلى اختلال. وما دام للإنسان حق الاختيار؛ فقد أنزل الحق سبحانه له المنهج الذي يضم التكاليف الإيمانية. وهم حين قلدوا الآباء قد ساروا في طريق إفساد الكون؛ لذلك يُوفِّيهم الحق سبحانه نصيبهم من العذاب. والمفهوم من كلمة "النصيب" أنها للرزق، ويذكرها الحق سبحانه هنا لتقرير نصيب من العذاب، وفي هذا تهكم عليهم، وسخرية منهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي مِرْيَةٍ} معناهُ فِي شَكٍّ.
الأندلسي
تفسير : {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} الآية، لما ذكر تعالى قصص عبدة الأوثان من الأمم السالفة واتبع ذلك بذكر أحوال الأشقياء والسعداء شرح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال الكفار من قومه وأنهم متبعوا اياتهم. كحال من تقدم من الأمم السالفة في اتباع آبائهم في الضلال. وهؤلاء إشارة إلى مشركي العرب باتفاق وانّ ديدنهم كديدن الأمم الماضية. في التقليد والعمى عن النظر في الدلائل والحجج. وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم إذ حالهم في ذلك حال الأمم السالفة والأمم السالفة قد قصصنا عليك ما جرى لهم من سوء العاقبة والتشبيه في قوله: كما يعيد، معناه أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت وقد بلغك ما نزل باسلافهم فسينزل بهم مثله وما يعبدون استئناف جرى مجرى التعليل للنهي عن المرية مما كان يحتمل أن تكون مصدرية وبمعنى الذي والنصيب هنا. قال ابن عباس: ما قدر لهم من خير وشر. وقال الزمخشري: فإِن قلت: كيف نصب غير منقوص حالاً عن النصيب الموفي؟ قلت: يجوز أن يوفي وهو ناقص، ويوفي وهو كامل، ألا تراك تقول: وفيّته شطر حقه وثلث حقه وحقه كاملاً وناقصاً. "انتهى". وهذه مغلطة إذ قال: وفيته شطر حقه فالتوفية وقعت في الشطر وكذا ثلث حقه، فالمعنى أعطيته الشطر أو الثلث كاملاً لم أنقصه عنه شيئاً، وأما قوله: وحقه كاملاً وناقصاً أما كاملاً فصحيح وهي حال مؤكدة لأن التوفية تقتضي الاكمال، واما وناقصاً فلا يقال: المنافاة التوفية. والخطاب في فلا تك متوجه إلى من داخله الشك لا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والمعنى والله أعلم قل يا محمد لمن شك لا تك في مرية مما يعبد هؤلاء فإِن الله لم يأمرهم بذلك وإنما اتبعوا في ذلك آبائهم تقليداً لهم وإعراضاً عن حجج العقول. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} الآية، والكتاب: التوراة، فاختلفوا فيه فقبله بعض وأنكره بعض. والظاهر عود الضمير في فيه على الكتاب لقربه. ويجوز أن يعود على موسى عليه السلام ويلزم من الاختلاف في أحدهما الاختلاف في الآخر. {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} الآية، الظاهر عموم كل وشموله للمؤمن والكافر. وقرىء: وإن كلاً بالتشديد وكلاً اسمها. وقرىء: وانْ بالتخفيف وكلا اسمها وأعمالها مخففة ثابت في لسان العرب، ففي كتاب سيبويه ان زيد المنطلق بتخفيف ان. وقرىء: لما بتخفيف الميم فاللام هي الداخلة في خبر انّ المخففة والمشددة، وما زائدة واللام في ليوفينهم جواب قسم محذوف، وذلك القسم في موضع خبر ان وليوفينهم جواب القسم المحذوف فالتقدير وان كلاً لأقسم ليوفينهم. وقرىء: لما بالتشديد وهي لما الجازمة حذف الفعل المجزوم لدلالة المعنى عليه وتقديره وان كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل على قوله تعالى: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} لما اخبر بانتفاء نقص جزاء أعمالهم أكده بالقسم قالت العرب: قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها لدلالة المعنى عليه. {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} الآية، أمر بالاستقامة وهو عليها وهو أمر بالدوام والثبوت، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من الكفر ولسائر الأمة بالمعنى، وأمرت مخاطبة تعظيم واستفعل هنا للطلب أي اطلب الإِقامة على الدين كما تقول: استغفر، أي اطلب الغفران. ومن تاب معك معطوف على الضمير المستكن في فاستقم وأغنى الفاصل عن التوكيد. {وَلاَ تَطْغَوْاْ} قال ابن عباس: في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم آمركم به. {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قال ابن عباس: ومعنى الركون الميل. {فَتَمَسَّكُمُ} جواب للنهي منصوب بإِضمار ان بعد الفاء كقوله تعالى: {أية : لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ}تفسير : [طه: 61]. "انتهى". {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} الآية، سبب نزولها ما في صحيح مسلم من حديث الرجل الذي عالج امرأة أجنبية منه فأصاب منها ما سوى إتيانها فنزلت وانظر إلى الأمر والنهي في هذه الآيات حيث جاء الخطاب في الأَمر فاستقم كما أمرت وأقم الصلاة موحّداً في الظاهر وان كان المأمور به من حيث المعنى عاماً. وجاء الخطاب في النهي ولا تطغوا ولا تركنوا موجّهاً إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً به أمته فحيث كان الأمر بأفعال الخير توجه الخطاب إليه وحيث كان النهي عن المحظورات عدل عن الخطاب عنه إلى غيره من أمته وهذا من جليل الفصاحة ولا خلاف أن المأمور بإِقامتها هي الصلاة المكتوبة وإقامتها دوامها. وانتصب طرفي النهار على الظرف وطرف الشىء يقتضي أن يكون من الشىء فالذي يظهر أنهما الصبح والعصر لأنهما طرفا النهار، والزلف مثل المغرب والعشاء. والظاهر أن الإِشارة بقوله: ذلك، إلى أقرب مذكور وهو قوله: أقم الصلاة، أي إقامتها في هذه الأوقات ذكرى، أي سبب عظة. وتذكرة للذاكرين، أي المتعظين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول الله تعالى، لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ } المشركون، أي: لا تشك في حالهم، وأن ما هم عليه باطل، فليس لهم عليه دليل شرعي ولا عقلي، وإنما دليلهم وشبهتهم، أنهم { مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ }. ومن المعلوم أن هذا، ليس بشبهة، فضلا عن أن يكون دليلا لأن أقوال ما عدا الأنبياء، يحتج لها لا يحتج بها، خصوصا أمثال هؤلاء الضالين، الذين كثر خطأهم وفساد أقوالهم، في أصول الدين، فإن أقوالهم، وإن اتفقوا عليها، فإنها خطأ وضلال. { وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ } أي: لا بد أن ينالهم نصيبهم من الدنيا، مما كتب لهم، وإن كثر ذلك النصيب، أو راق في عينك، فإنه لا يدل على صلاح حالهم، فإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين الصحيح، إلا من يحب. والحاصل أنه لا يغتر باتفاق الضالين، على قول الضالين من آبائهم الأقدمين، ولا على ما خولهم الله، وآتاهم من الدنيا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 373: 24 : 26 - سفين في قراءة عبد الله {أما الذين سعدوا ففي الجنة}. 374 : 25 : 9 - سفين عن جابر عن مجاهد عن بن عباس في قوله {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} قال، ما قدر لهم من خير وشر. [الآية 109].
همام الصنعاني
تفسير : 1253- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}: [الآية: 109]، قال: ما يصيبُهم من خير أو شرّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):