Verse. 1581 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَاَمَّا الَّذِيْنَ سُعِدُوْا فَفِي الْجَنَّۃِ خٰلِدِيْنَ فِيْہَا مَا دَامَتِ السَّمٰوٰتُ وَالْاَرْضُ اِلَّا مَا شَاۗءَ رَبُّكَ۝۰ۭ عَطَاۗءً غَيْرَ مَجْذُوْذٍ۝۱۰۸
Waamma allatheena suAAidoo fafee aljannati khalideena feeha ma damati alssamawatu waalardu illa ma shaa rabbuka AAataan ghayra majthoothin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأما الذين سَُعدوا» بفتح السين وضمها «ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا» غير «ما شاء ربك» كما تقدم، ودل عليه فيهم قوله «عطاءً غير مجذوذ» مقطوع وما تقدم من التأويل هو الذي ظهر وهو خال من التكلف والله أعلم بمراده.

108

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} وهم أتباع الرسل {فَفِى ٱلْجَنَّةِ} أي: فمأواهم الجنة {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها أبداً {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} معنى الاستثناء ههنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائماً، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. وقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار، ثم أخرجوا منها، وعقب ذلك بقوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: غير مقطوع، قاله مجاهد وابن عباس وأبو العالية وغير واحد؛ لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعاً، أو لبساً، أو شيئاً، بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع؛ كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائماً مردود إلى مشيئته، وأنه بعدله وحكمته عذبهم، ولهذا قال: {أية : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 107] كما قال: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23] وهنا طيب القلوب، وثبت المقصود بقوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} وقد جاء في الصحيحين: «حديث : يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت»تفسير : ، وفي الصحيح أيضاً: «حديث : فيقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ } بفتح السين وضمها {فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ } غير {مَا شَآءَ رَبُّكَ } كما تقدّم، ودلّ عليه فيهم قوله {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } مقطوع وما تقدّم من التأويل هو الذي ظهر، وهو خال من التكلف، والله أعلم بمراده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وأمّا الذين سُعدُوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} فيها خمسة تأويلات: أحدها: دامت سموات الدنيا وأرضها إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها في الخلود فيها: الثاني: إلا ما شاء ربك من مدة يوم القيامة. الثالث: إلا ما شاء ربك من مدة مكثهم في النار إلى أن يخرجوا منها، قاله الضحاك. الرابع: خالدين فيها يعني أهل التوحيد، إلا ما شاء ربك يعني أهل الشرك، وهو يشبه قول أبي نضرة. الخامس: خالدين فيها إلا ما شاء ربك أي ما شاء من عطاء غير مجذوذ، فتكون {إلا} هنا بمعنى الواو كقول الشاعر: شعر : وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان. تفسير : أي والفرقدان. {عطاءً غير مجذوذ} فيه وجهان: أحدهما: غير مقطوع. الثاني: غير ممنوع.

ابن عبد السلام

تفسير : {سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ} إلا ما شاء ربك من مدة مكثهم في النار، أو {إِلاَّ} بمعنى الواو. {مَجْذُوذٍ} مقطوع، أو ممنوع.

البقاعي

تفسير : ولما تم أمر الأشقياء، عطف عليه قسيمهم فقال: {وأما الذين سعدوا} أي فازوا بمطالبهم وتيسر أمرهم {ففي الجنة} أي التي صارت معلومة من الدين بالضرورة {خالدين فيها} دائماً أبداً {ما دامت السماوات والأرض} على ما جرت به عادة العرب في إرادة التأبيد بلا آخر بمثل هذا {إلاّ ما شآء ربك} وأدل دليل على ما قلت في الاستثناء قوله: {عطاء} هو نصب على المصدر {غير مجذوذ} أي مقطوع ولا مكسور ولا مفصول - لعطاء من الأعطية ولا مفرق ولا مستهان به: لأنهم لو انفكوا من النعيم حقيقة أو معنى ولو لحظة لكان مقطوعاً أو منقوصاً؛ وفي الختم بذلك من الجزم بالدوام طمأنينة لأهل الجنة زيادة في نعيمهم عكس ما كان لأهل النار؛ قال أبو الحسن الرماني: والزفير: ترديد النفس مع الصوت حتى تنتفخ الضلوع، وأصله الشدة من المزفور الخلق، والزفر: الحمل على الظهر، لشدته، والزفر: السيد لأنه يطيق حمل الشدائد، وزفرت النار - إذا سمعت لها صوتاً في شدة توقدها، والشهيق: صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس، وأصله الطول المفرط من قولهم: جبل شاهق أي ممتنع طولاً؛ والخالد: الكائن في الشيء أبداً، والدائم: الباقي أبداً، ولهذا يوصف الله تعالى بالدائم دون الخالد. ولما أخبره تعالى بوقوع القضاء بتمييز الناس في اليوم المشهود إلى القسمين المذكورين على الحكم المشروح مرهباً ومرغباً، كان ذلك كافياً في الثبات على أمر الله والمضيّ لإنفاذ جميع ما أرسل به وإن شق اعتماداً على النصرة في ذلك اليوم بحضرة تلك الجموع، فكان ذلك سبباً للنهي عن القلق في شيء من الأشياء وإن جل وقعه وتعاظم خطبه، فقال تعالى: {فلا} ولما كان ما تضمنه هذا التقسيم أمراً عظيماً وخطباً جسيماً، اقتضى عظيم تشوف النفس وشديد شوقها لعلم ما سبب عنه، فاقتضى ذلك حذف النون من "كان" إيجازاً في الكلام للإسراع بالإيقاف على المراد والإبلاغ في نفي الكون على أعلى الوجوه فقال: {تك} أي في حالة من الأحوال {في مرية} والمرية: الشك مع ظهور الدلالة للتهمة - قاله الرماني {مما يعبد هؤلآء} أي لا تفعل فعل من هو في مرية بأن تضطرب من أجل ما يعبدون مواظبين على عبادتهم مجددين ذلك في كل حي فتنجع نفسك في إرادة مبادرتهم إلى امتثال الأوامر في النزوع عن ذلك بالكف عن مكاشفتهم بغائظ الإنذار والطلب لإجابة مقترحاتهم رجاء الأزدجار كما مضى في قوله تعالى {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} - الآية، وذلك أن مادة مرى - بأيّ ترتيب كان - تدور على الاضطراب، وقد يلزمه الطرح والفصل: رمى يرمي رمياً، والمرماة: ظلف الشاة لأنه يطرح، والرمي: قطع من السحاب رقاق؛ والريم: البراح، ما يريم يفعل كذا: ما يزال، والريم: الدرج للاضطراب فيها، والقبر لنبذه في جانب من الأرض وطرح الميت فيه، وريم فلان بالمكان: أقام به مجاوزاً لغيره منفصلاً عنه كأنه رمى بنفسه فيه، وريمت السحابة - إذا دامت فلم تقلع، لأن من شأنها رمي القطر، ومرى الضرع: مسحه للحلب، والريح تمري السحاب، والمري: المعدة لقذفها ما فيها، والمرية: الشك، أي تزلزل الاعتقاد، والميرة: جلب الطعام؛ ثم استأنف تعالى خبراً هو بمنزلة العلة لذلك فقال: {ما يعبدون} أي يوقعون العبادة على وجه الاستمرار {إلاّ كما يعبد آباؤهم} ولما كانت عبادتهم في قليل من الزمن الماضي أدخل الجار فقال: {من قبل} أي أنهم لم يفعلوا ذلك لشبهة إذا كشف عنها القناع رجعوا، بل لمحض تقليد الآباء مع استحضارهم لتلبسهم بالعبادة كأنهم حاضرون لديهم يشاهدونهم مع العمى عن النظر في الدلائل والحجج كما كان من قصصنا عليك أخبارهم من الأمم في تقليد الآباء سواء بسواء مع عظيم شكيمتهم وشدة عصبتهم للأجانب فكيف بالأقارب فكيف بالآباء! فأقم عليهم الحجة بإبلاغ جميع ما نأمرك به كما فعل من قصصنا عليك أنباءهم من إخوانك من الرسل غير مخطر في البال شيئاً مما قد يترتب عليه إلى أن ينفذ ما نريد من أوامرنا كما سبق في العلم فلا تستعجل فإنا ندبر الأمر في سفول شأنهم وعلو شأنك كما نريد {وإنا} بما لنا من العظمة {لموفوهم نصيبهم} من الخير والشر من الآجال وغيرها وما هو ثابت ثباتاً لا يفارق أصلاً؛ ولما كانت التوفية قد تطلق على مجرد الإعطاء وقد يكون ذلك على التقريب، نفى هذا الاحتمال بقوله: {غير منقوص} والنصيب: القسم المجعول لصاحبه كالحظ؛ والمنقوص: المقدار المأخوذ جزء منه؛ والنقص: أخذ جزء من المقدار. ولما ذكر في هذه الآية إعراضهم عن الإتباع مع ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب، سلاه بأخيه عليهما السلام لأن الحال إذا عم خف، وابتدأ ذكره بحرف التوقع بما دعا إلى توقعه من قرب ذكره مع فرعون مع ذكر كتابه أول السورة فقال تعالى: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي التوراة الجامعة للخير. ولما كان الضار والمسلي نفس الاختلاف، بني للمفعول قوله: {فاختلف فيه} فآمن به قوم وكفر به آخرون مع أنه إمام ورحمة وكتب سبحانه له فيه من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، وكان معجباً لأهل ذلك الزمان كما اختلف في كتابك مع إعجابه لأهل هذا الزمان وبيانه للهدى أتم بيان، إشارة إلى أن الخلق مهما جاءهم عن الله، وهو لا يكون إلاّ مصحوباً بالأدلة القاطعة نأوا عنه واختلفوا فيه، ومهما تلقفوه عن آبائهم تلقوه بالقبول وناضلوا عنه و سمحوا فيه بالمهج وإن كان منابذاً للعقول، فكان قوم موسى باختلافهم في الكتاب كل قليل يأبى فريق منهم بعض أحكامه ويريدون نقض إبرامه كما سلف بيانه غير مرة عن نص التوراة وسفر يوشع إلى أن آل أمرهم الآن إلى أن صاروا ثلاث فرق: ربانيين، وقرابين، وسامرة؛ يضلل بعضهم بعضاً، ومع ذلك فلم يعاجلهم بالأخذ مع قدرته على ذلك كما فعل بمن قص أمره من الأمم لما سبق من حكمه بتأخيرهم إلى الأجل المعدود، وفصل بين هذا وبين قصة موسى عليه السلام مع فرعون ليكون مع ما دعا إلى تقديم ما تقدم من الآيات أوقع في التسلية وأبلغ في التعزية والتأسية كما هو شأن كل ما ألقي إلى المحتاج شيئاً فشيئاً {ولولا كلمة} أي عظيمة لا يمكن تغييرها لأنها من كلام الملك الأعظم {سبقت من ربك} أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك رحمة للعالمين {لقُضي} أي لوقع القضاء {بينهم} أي بين من اختلف في كتاب موسى عاجلاً، ولكن سبقت الكلمة أن القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة كما قال في سورة يونس {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} - الآية. ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين أنه به، فقال مؤكداً لأن كل طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك: {وإنهم لفي شك} أي عظيم محيط بهم {منه} أي من القضاء أو الكتاب {مريب} أي موقع في الريب والتهمة والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله ورؤية ما كان يتجلى في جبل الطور من الجلال ويتبدى لهم في قبة الزمان من خارق الأحوال {وإن كلاًّ} من المختلفين في الحق من قوم موسى وغيرهم ممن هو على الحق وممن هو على الباطل؛ و{إن} عند نافع وابن كثير وأبي بكر عن عاصم عاملة مع تخفيفها من الثقيلة في قراءة غيرهم اعتباراً بأصلها {لما} هي في قراءة ابن عامر وحمزة وعاصم بالتشديد الجازمة حذف فعلها - قال ابن الحاجب: وهو شائع فصيح، وفي قراءة غيرهم بالتخفيف مركبة من لام الابتداء و {ما} المؤكدة بنفي نقيض ما أثبته الكلام ليكون ثبوته مع نفي نقيضه على أبلغ وجه. ولما كان الشرط في حذف الفعل بعد "لما " الجازمة أن يكون مما يتوقع بوقوع فعل قبلها يدل عليه، كان التقدير: يقض بينهم، وسيقضي وهو معنى ما قرن بعدها بلام القسم من قوله: {ليوفينهم ربك} أي المحسن إليك بإقامتك على المنهاج الأعدل والفضل من العباد {أعمالهم} لا يدع منها شيئاً لأنه لا يخفى عليه منها شيء، والسياق يقتضي أن يكون {ما} في {لما} في قراءة التخفيف للتأكيد على النحو الذي مر غير مرة أن النافي إذا زيد في سياق الإثبات كان كأنه نفي النقيض تأكيداً لمثبت {إنه بما يعملون} قدم الظرف لتأكيد الخبر {خبير} فإذا علمت أن شأنك في أمتك شأن الرسل في أممهم وأنه لا بد من الاختلاف في شأن الرسول والكتاب كما جرت بذلك السنة الإلهية وأن الجزاء بالأعمال كلها لا يد منه {فاستقم} أي أوجد القوم بغاية جهدك بسبب أنك لا تكلف إلاّ نفسك وأن الذي أرسلك لا يغفل عن شيء، ومن استقام استقيم له. ولما كان من المقطوع به أن الآمر له صلى الله عليه وسلم مَن له الأمر كله، بني للمفعول قوله: {كمآ أمرت} أي كما استقام إخوانك من الأنبياء في جميع الأصول والفروع سواء كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلاً بين الإفراط والتفريط ولا يضيق صدرك من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات وإرادتهم أن تترك بعض ما يوحى إليك من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل صارحهم بالأمر واتركهم وأهواءهم، نحن ندبر الأمر كما نريد على حسب ما نعلم. ولما كان الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير المستتر، عطف عليه قوله: {ومن} أي وليستقم أيضاً من {تاب} عن الكفر مؤمناً {معك} على ما أمروا تاركين القلق من استبطائهم للنصرة كما روى البخاري وابو داود والنسائي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: حديث : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمر وجهه فقال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلونتفسير : ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد ولا أشق من هذه الآية. والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة. ولما كانت وسطاً بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر، وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله، وكان الإفراط يورث إعجاباً، وربما أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال: {ولا تطغوا} أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطاً، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه، فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد، ويجوز أن يكون المعنى: ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة. ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحاً، فأفهم النهي عن التفريط، وهو النقص عن المأمور تلويحاً من باب الأولى، على ذلك مؤكداً تنزيلاً لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال: {إنه بما تعملون} قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار {بصير*} ومادة "طغى" واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو، فالغطاء: ما ستر به الشيء عالياً عليه، ولا يكون ساتراً لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده، وغطى الليل - إذا غشي، وكل شي ارتفع فهو غاط. وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير، والبحر: هاجت أمواجه، والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان، والغائط والغيط: المطمئن من الأرض، لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريّاً فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلك، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر.

ابو السعود

تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الكلامُ فيه كالكلام فيما سبق خلا أنه لم يُذكر هٰهنا أن لهم فيها بهجةً وسروراً كما ذكر في أهل النارِ من أنه لهم فيها زفيرٌ وشهيق لأن المقام مقامُ التحذيرِ والإنذار {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} إنْ حمل على طريقة التعليقِ بالمُحال فقوله سبحانه: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} نُصب على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله تعالى: {فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} يقتضي إعطاءً وإنعاماً فكأنه قيل: يعطيهم عطاءً وهو إما اسمُ مصدرٍ هو الإعطاءُ أو مصدرٌ بحذف الزوائدِ كقوله تعالى: {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : وإن حُمل على ما أعد الله لعباده الصالحين من النعيم الروحاني الذي عبّر عنه بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمِعت ولا خطَر على قلب بشر فهو نصبٌ على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة، أو تميـيزٌ فإن نسبةَ مشيئةِ الخروج إلى الله تعالى يحتمل أن تكون على جهة عطاءٍ مجذوذ وعلى جهة عطاءٍ غيرِ مجذوذ فهو رافعٌ للإبهام عن النسبة. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنةِ فقال: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} ولم يُخبرنا بالذي يشاء لأهل النارِ ويجوز أن يتعلق بكلا النعيمين أو بالأول دفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناءِ من انقطاعه.

القشيري

تفسير : لهم اليوم جناب القُربة، ولهم غداً جناب المثوبة. والكفار اليوم في عقوبة الفرقة، وغداً في عقوبة الحرقة. {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} فلا استثناء لبعض أوقات أهل الجنة من أول أمرهم قبل دخولهم الجنة أو بعده. أو يحتمل أنه يزيد على مدة السماوات والأرض. وفي قوله {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} - أي عطاءً غير مقطوع - دليلٌ على أن تلك النعم غير مقطوعة ولا ممنوعة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ} الذين سبقت لهم فى الازل العبادة الكبرى وهى التوحيد والمعرفة على قواصير النور على رفارف الجنان تحت سرادق العرش {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} سماء الجنة وارضها سماءها العرش وارضها الدرمكة البيضاء من مسك اذ فى {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وقع المشية على العارفين والمحبين والمشتاقين فانهم يجتازون على الجنان ويدخلون فى انوار جمال الرحمن ابد الابدين قال الله تعالى {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} وقال ايضا فى فاكهة اهل الجنة فى اهل الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة وقال ابن عطا الا ما شاء ربك من الزوائد لاهل الجنة من الثواب ومن الزوائد لاهل النار من العقاب وقال الجنيد الشقى من حرم الرحمة والسعيد من رزقها وقال ابراهيم الخواص الشقى من اعتمد تدبيره وقوته والسعيد من فوض امره الى ربه والسعيد الذى ساعده التوفيق الازلى فى كل ما يريد من المقامات وتسهيل الطاعات والشقى ميت القلب عن مورد تجلى رؤية الرب.

اسماعيل حقي

تفسير : {واما الذين سعدوا} من سعد بمعنى اسعد لغتان حكاهما الكسائى اى قدر لهم السعادة وخلقوا لها {ففى الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والارض الا ما شاء ربك}. قال قتادة الله اعلم بثنياه. وقال الضحاك الا ما مكثوا فى النار حتى ادخلوا الجنة فان التأبيد من مبدأ معين كما ينقص باعتبار الانتهاء فكذلك باعتبار الابتداء. وقال المولى ابو السعود فى تفسيره ان حمل على طريقة التعليق بالمحال فقوله {عطاء غير مجذوذ} نصب على المصدرية من معنى الجملة لان قوله {ففى الجنة خالدين فيها} يقتضى اعطاء وانعاما فكأنه قيل يعطيهم اعطاء غير مقطوع بل ممتدا لا الى نهاية وهو اما اسم مصدر هو الاعطاء او مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى {أية : انبتكم من الارض نباتا} تفسير : وان حمل على ما اعد الله لعباده الصالحين من النعيم الروحانى الذى عبر عنه (بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فهو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة. قال بعض الكبار اهل الجنة يبقى فى مرتبة الجنة واهل الترقى يتجاوز ويترقى الى ما فوقها. وتحقيقه على ما فى التأويلات النجمية ان اهل السعادة على ضربين سعيد واسعد فالسعيد من يبقى فى الجنة ودرجاتها وغرفاتها الى العليين بحسب العبادة والعبودية والاسعد من يدخل الجنة ويعبر عن درجاتها وغرفاتها الى مقامات القربة بحسب المعرفة والتقوى والمحبة كقوله تعالى {أية : ان المتقين فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر} تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان اهل الجنة ليرون اهل العليين كما يرى احدكم الكوكب الدرى فى افق السماء وان ابا بكر وعمرو منهم فى انعم مكان فمن كان من اهل الجنة واهل العليين فلهم خلود فى الجنة ومن كان فى مقام مقعد الصدق فهو فى انعم مقام من الجنة فلهم الخروج من الجنة من بجذبات العناية الى عالم الوحدة" تفسير : والسر فى هذا ان السالك يسلك بقدم المعاملات الى اعلى مقام الروحانية من حضيض البشرية وهو بعد فى مقام الاثنينية وهو سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فلا عبور عن هذا المقام للملك المقرب ولا للنبى المرسل الا برفوف جذبة العناية فانها توازى عمل الثقلين وبها يصل العبد الى عالم الوحدة فافهم جدا فما بقى هناك الدخول والخروج والاستثناء بقوله {الا ما شاء ربك} راجع الى هذا المقام ولهذا قال {عطاء غير مجذوذ} لانه لا انقطاع له ولا تغيير فيه انتهى. يقول الفقير على ما تلقف من فم حضرة الشيخ العلامة ابقاه الله بالسلامة ان اهل الجنة يصلون بمقتضى الاستثناء الذى هو قوله تعالى {الا ما شاء ربك} الى مقام لا يشابه ما قبله اصلا وذلك بعد تطاول الزمان وتباعد التنعم فى الجنان وعند ذلك يظهر سر الازل فى مرآة الابد فكما ان مبدأ التعينات وهو شئونات الغيبية ازل الازال كذلك مقام هذا التجلى المخصوص ابد الآباد فالأبد المضاف هو ما بعد هذا التجلى لا الى نهاية والمضاف اليه ما كان قبله مذ دخولهم الجنة وكذا الازل فان ما فوق المبدأ المذكور هو الازل المضاف وما تحته هو الازل المضاف اليه ونظير هذا هو ما يصل اليه اهل الفناء الكلى فى الدنيا وذلك انهم استوفوا حظهم من الارزاق المعنوية بحيث لم يبق لهم بحسب مرتبتهم وتعينهم الخاص شيء لم يصلوا اليه من اسرار الافعال والصفات والذات فى جميع المراتب والتعينات فعند ذلك يتجلى الله لهم بصورة اخرى لا تشابه ما قبلها اصلا فيحيون حياة ابدا باقية. ثم السر المذكور المنسوب الى اهل الجنة والعليين جار على اهل النار لكنهم اهل الجلال ومقامهم مقام الفردية ولذا لا تزوج لهم ولا تنعم بما يتنعم به اهل الجنان واهل الجنة اهل الجمال ومقامهم مقام الصفة ومقتضاه التنعم والتلذذ. فالفرق بين اهل الجنة واهل النار ان لاهل الجنة ظهورا بالصفات وفى الظهور بطون وهو سر الذات وان لاهل النار بطونا وليس فى البطون ظهور وأهل الكمال احاطة وسعة بحيث لا توصف وذلك فى الدارين فالمقربون واقفون على احوال الابرار ومكاشفون عن مقاماتهم ومواطنهم وهم محجوبون عن المقربين فى ذلك وكذا الابرار واقفون على احوال اصحاب المشأمة وهم محجوبون عن الابرار فقس على حال الدنيا البرازخ والآخرة ولذا قال بعض الكبار ان الروح بعد خلاصه من حبس البدن ان كان علويا بعضه يقطع برزخا وبعضه اكثر الى ان يسموا البرازخ فكلما قطع برزخا ازداد احاطة حتى يصل الى المحيط الحقيقى فهناك يضمحل الكل فهو محيط الكل واما اذا كان سفليا فانه فى البلاء والعياذ بالله تعالى. ثم ان العلم الالهى انما يستكمل بعد اربعين سنة من اول المكاشفة والظهور كما ان العقل انما يستكمل فى سن الاربعين يعنى ان الوصول الى منتهى المراتب انما يحصل فى تلك المدة وقد اجرى الله عادته على ذلك فلا يطمع احد فيه قبلها فان العلم يزداد الى ذلك الحد ثم يحصل التحقق وتصير الاوصاف الطبيعية والنفسانية كلها تحت تسخيره وفى يده غالبا عليها باذن الله تعالى وعونه فانظر الى طول الطريق وعزة المطلب فاختر لك دليلا الى ان تصل الى الله الله الرب: وفى المثنوى شعر : بيررا بكزين بى بير اين سفر هست ره برآفت وخوف وخطر آن رهى كه بارها تورفته بى قلاوز اندر آن آشفته بس رهى راكه ند يدستى توهيج هين مروتنها زرهبر سرمييج كرنباشد سايه بيرا يفضول بس تراسر كشته دارد بانك غول تفسير : اللهم خذ بايدينا وجد علينا كل حين

الطوسي

تفسير : القراءة واللغة: قرأ أهل الكوفة الا أبا بكر {سعدوا} بضم السين. الباقون بفتحها. قال ابو علي: حكى سيبويه: سعد يسعد سعادة، فهو سعيد. وينبغي أن يكون غير متعد، كما أن خلافه الذي هو (شقي) كذلك، واذا لم يكن متعدياً لم يجب أن يبني منه المفعول به، وإذا كان كذلك، ضم السين مشكل الا ان يكون سمع فيه لغة خارجة عن القياس أو يكون من باب (فعل وفعلته) نحو غاض الماء وغضته، وحزن وحزنته، ولعلهم استشهدوا على ذلك بقولهم (مسعود) فانه على سعد فهو مسعود، ولا دلالة في ذلك، لأنه يجوز ان يكون مثل أجنه الله فهو مجنون، واحبه فهو محبوب، فالمفعول جاء في هذا على أنه حذفت الزيادة منه، كما حذف من اسم الفاعل في نحو (ويكشف جمانة دلو الدالي) وانما هو المدلي، ومثله {أية : وأرسلنا الرياح لواقح}تفسير : يعني ملاقح فجاء على حذف الزيادة، فعلى هذا يكون أصله أسعدوا بحذف الزائد. وحكى البلخي انهما لغتان - ضم السين - لغة هذيل، وفتحها لغة سائر العرب. المعنى: لما اخبر الله تعالى أن الذين شقوا بفعلهم المعاصي واستحقوا الخلود في النار، اخبر ان الذين سعدوا بطاعات الله والانتهاء عن معاصيه يكونون في الجنة {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} ومعنى ما دامت السموات والارض المصدر، كأنه قال دوام السموات والارض الا مشيئة ربك، وفيه حسن التقابل، وفيه جميع ما ذكرناه في الاستثناء من الخلود في النار إلا الوجهين الذين ذكرناهما في جواز إخراج بعض الاشقياء ممن تناول الوعيد لهم وإخراجهم من النار بعد دخولهم فيها، فان ذلك لا يجوز - ها هنا - لاجماع الأمة على أن كل مستحق للثواب لا بد أن يدخل الجنة، ولا يخرج منها بعد دخوله فيها. وقيل فيه وجه آخر يوافق ما قلناه في الآية الاولى، وهو أن يكون المعنى "ان الذين سعدوا" بطاعات الله يدخلون الجنة خالدين فيها، واستثنى من جملتهم من كان مستحقاً للنار، واراد الله عقابهم. ثم إخراجهم منها فكأنه قال خالدين فيها الا مدة ما كانوا معاقبين في النار، ذهب اليه الضحاك وهو يليق بقولنا في الارجاء. وقوله {عطاء غير مجذوذ} يعني غير مقطوع - في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك - يقال جذّه يجذه جذّاً فهو جاذ، وجذ الله أثرهم قال النابغة: شعر : يجذّ السلوقي المضاعف نسجه ويوقد بالصفاح نار الحباحب تفسير : ويقال جذه الله جذ الصليانة، وهي نبات. وقوله {عطاء} نصب على المصدر بما يدل عليه الأول كأنه قال اعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ.

الجنابذي

تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} قرئ بفتح السّين وضمّها من سعده الله بمعنى اسعده {فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} الاستثناء هنا باعتبار المبدأ كما سبق او باعتبار المنتهى لكنّ المراد بالجنّة جنّة الدّنيا كما فى اخبارنا، فالمعنى {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} ان يخرجوا منها الى جنّات المأوى ومقام الرّضوان ويدلّ عليه التّقييد بدوام السّماوات والارض فانّها باقية فى الجنّات الدّانية، وامّا جنّات المأوى فليس فيها سماء ولا ارض ليس عند ربّنا صباح ولا مساء ويدلّ عليه ايضاً قوله {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} فانّهم ان خرجوا منها لا الى مثلها او ما فوقها كان العطاء مجذوذاً لا محالة. شرح فى عوالم البرازخ والمثال والآخرة اعلم، انّ الانسان من اوّل استقرار نطفته ومادّة بدنه فى الخلع واللّبس والموت والبعث فله فى كلّ آنٍ موت وحشر وخلع لصورة ولبس لاخرى الى آخر حياته الدّنيويّة واوّل مماته الطّبيعية، لكنّه لمّا كان بنحو الاتّصال التّدريجىّ فى عالم واحد طبيعىّ خصوصاً بعد تولّده الى آخر عمره ولا يظهر على اهل الحسّ ظهوراً غير مغفول عنه ما سمّوه فى الشّريعة المطهّرة موتاً وحشراً، ويذهل اهل الحسّ عن تبدّله وخلعه ولبسه مع انّه مشهود معلوم لكلّ احد من حيث انّه يشهد انّ النّطفة اضعف جماد ويعلم انّه مادّة البدن ثمّ يراها حيواناً ثمّ انساناً صبيّاً ثمّ مراهقاً ثمّ شابّاً وكهلاً وهرماً، لكن خلعه البدن وانتقاله الى عالم آخر لمّا كان من عالم الى عالم ومن مادّة طبيعيّة الى صورة اخرويّة مجرّدة ودفعة لا تدريجاً صار ممتازاً عمّا قبله منظوراً اليه مسمّى بالموت والارتحال كما انّ خروجه من رحم امّه وانفصاله منها لمّا كان دفعة وانتقالاً من عالم الى عالم وخروجاً من مضيق الرّحم وظلماته الثّلاث صار ممتازاً منظوراً اليه مسمّى بالولادة؛ وبعد خروجه من بطن الدّنيا ورحم غلاف البدن ومشيمة اغشية الاهواء، ولادته فى الآخرة له حالات وانتقالات وفى كلّ انتقال موت وحياة وخلع ولبس وقبر وبعث. فاوّل حالاته الاماتة التّامّة والغشى العامّ الحاصل بالنّفخة الاولى ونفخة الاماتة ويمكث فى تلك الحالة ما شاء الله كما اشير اليه فى اخبارنا، وبعد ما يبعث من تلك الحالة بالنّفخة الثّانية ونفخة الحياة له حالات وانتقالات من صورة الى صورة بحسب ما اكتسبه فى الدّنيا من الاعمال والاخلاق، فان كان من اهل الشّقاوة يتقلّب فى الصّور الموذية والنّار الدّانية الى ان ينتهى الى نار الآخرة وان كان من اهل السّعادة وكان عليه شوب من الاعمال السّيّئة والاخلاق الرّذيلة يتقلّب فى الصّور المؤذية الى ان يتخلّص منها الى الصّور البهيّة، وان لم يكن عليه شوب من ذلك يتقلّب فى الصّور البهيّة الى ان ينتهى الى جنان الآخرة وجنّة المأوى ويسمّى عالم التّقلّبات برزخاً بين عالم الطّبع وعالم الآخرة وفى هذا العالم يكون ترقّيات وتنزّلات فى الآخرة، ونصوص الآيات والاخبار تدلّ على ذلك، وقرّره العرفاء الشّامخون والصّوفيّة المكاشفون والعقل لا يأباه فلا اعتناء بما قاله بعض المتفلسفة من عدم التّرقىّ والتّنزّل بعد الموت بناء على انكار عالم البرزخ والمثال او على انقطاع المادّة والاستعداد وانّ التّرقّى والتّنزّل لا يكونان الاّ بالمادّة والاستعداد. امّا عالم البرزخ المثال فقد أثبتته الآيات والاخبار وحقّقه المكاشفون الاخيار واحتجّ عليه الاشراقيّون من الحكماء الابرار ومحلّ تحقيقه الحكمة العالية. وامّا انقطاع الاستعداد فمسلّم لكن لا ينافيه ظهور المكسوبات بالاستعداد فى الدّنيا بعد الموت بصورٍ مناسبة لها متعاقبة لعدم سعة النّفس لظهور الصّور تماماً واستجماعها دفعة حتّى تنتهى الصّور الى صورة لا خروج للنّفس منها بحسب آخر اعمالها فى السّعادة او الشّقاوة، كما هو شأن اصحاب اليمين واصحاب الشّمال، او تخرج النّفس من عالم الصّورة الى عالم المجرّدات الصّرفة كما هو شأن المقرّبين، وهناك ما لا عينٌ رأت ولا اذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر وخروجها الى عالم المجرّدات الصّرفة لا ينافى سعتها وتنعّمها بنعيم الجنان الصّوريّة بحسب مراتبها النّازلة وجنودها الدّانيّة فانّ المقرّبين مشاركون لاصحاب اليمين فى لّذاتهم الصّورية وهم لا يشاركون المقرّبين فى لذّاتهم المعنويّة فالنّفوس الانسانيّة بعد الموت والخروج من غلاف البدن مثلها بعد التّولّد والخروج من غلاف الرّحم، فكما أنّها بعد التّولّد تنمو وتشبّ بحسب بدنه وتخرج من الدّنيا، كذلك بعد الموت تنمو وتشبّ وتخرج من عالم الصّورة والمثال ان كانت من المقرّبين، او تخرج من البرزخ فقط وتقف فى صورة هى مقرّها ان كانت من اصحاب اليمين او اصحاب الشّمال سواء كان موتها اختياريّاً او اضطراريّاً، وبعد خروجها من عالم الصّور الى عالم المجرّدات الصّرفة وانتهائها الى صورة لا تتجاوز عنها يكون قيامتها الكبرى ودخولها فى مقامها من جنّات عدن او الجنان الصّوريّة بمراتبها او الجحيم بمراتبها، وقبل القيامة الكبرى تكون فى جنان الدّنيا او فى نار الدّنيا كما فى اخبارنا، وهما اللّتان تكونان فى البرازخ قبل الوصول الى محلّ القرار؛ وقد فسّر الجنّة والنّار فى هذه الآية بولاية آل محمّد (ص) وولاية اعدائهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} أي: إلا ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم. وذكر ها هنا ما افترت الفرقة الشاكة من أن قوماً يدخلون النار. ثم يخرجون منها بالشفاعة؛ فإن هذا موضعه وموضع الرد عليهم. قوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: غير مقطوع. قوله: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم. فلا تك في شك { مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ} يعني مشركي العرب. { مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم} أي: إلا ما كان يعبد آباؤهم {مِّن قَبْلُ} أي: كانوا يعبدون الأوثان. { وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي: من العذاب {غَيْرَ مَنقُوصٍ}. وهو كقوله:(أية : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً)تفسير : [الإسراء:63]. قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} [أي: آمن به قوم وكفر به قوم] {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} ألا يعذب بعذاب الآخرة في الدنيا { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: لقضى الله بينهم في الدنيا، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ولكن أخر ذلك إلى يوم القيامة. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} يعني المشركين. وقوله مريب، من قِبَلِ الريبة.

اطفيش

تفسير : {وأمَّا الذينَ سعِدُوا} وقرأ الحسن، وحمزة، والكسائى، وحفص: سعدوا بالبناء للمفعول من سعد المتعدى {فَفى الجنَّةِ} أى هم فى الجنة ويقدر المتعلق مضارعا، لأنه مستقبل أى يثبتون فى الجنة، أو وصفا مستقبلا، أو فعلا أو وصفا ماضيين، لأن ذلك واقع لا محالة، فكأنه واقع، وكان ذلك اليوم قد وقع، وكذا يقال فى قوله: {أية : ففى النار }. تفسير : {خَالدِينَ} حال مقدرة، وصاحبها الضمير فى قوله: {فى الجنة} وكذا فى قوله: {أية : لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها} تفسير : {فِيها ما دَامتِ السَّماواتُ والأرضُ} مثل ما مر {إلا ما شَاءَ ربُّكَ} من سبق بعض لبعض فى الجنة، فالنقص من البدء على ما مر، أو مما يتفضل به عليهم سوى الجنة، مما يعرف غايته وحقيقته، إلا الله مما هو أعظم منها كالرضوان، وزيادة درجات، أو من مدة اللبث فى القبر إلى دخولها، أو المحشر إلى دخولها: فبذلك نقص من البدء، أو سوى ما شاء الله مما هو غير ذلك زيادة عليه، أو ما شاء الله من الزيادة، وزيادة فى الوجهين لا آخر لها، أو خالدين فيها وفيما شاء ربك، أو استثناء لا يفعله الله، أو استثناء تعليم وتأديب. وزعم قومنا أن هذا الاستثناء باعتبار البدء منظور فيه إلى من يدخل النار، ثم يخرج منها، فإنه لم يخلد كل وقت الخلود بل بعضها، لكنه بعض دائم، وفاته وقت كونه فى النار، وزعمت الجهمية أنه استثناء لكون الجنة وأهلها يفنون كما مر. {عَطاءً} مفعول مطلق مؤكد لمعنى الجملة قبله، وهو من المؤكد لغيره لا من المؤكد لنفسه وعامله محذوف، أى أعطوا عطاء، ومثله أنت ابنى حقا، أو حال من الجنة، أو من ضميرها فى فيها أى معطاة {غَيْر مجْذوذٍ} أى مقطوع، بل هو دائم، فهذا نص فى أن قوله: {ما دامت السماوات والأرض} ليس حدا ينتهى إليه.

الالوسي

تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} الكلام فيه ما علمت خلا أنه لم يذكر هٰهنا أن لهم بهجة وسروراً كما ذكر في أهل النار {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}تفسير : [هود: 106] لأن المقام مقام التحذير والإنذار، و {سُعِدُواْ} بالبناء للمفعول قراءة حمزة والكسائي وحفص، ونسبت إلى ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش، وقرأ جمهور السبعة {سُعِدُواْ} بالبناء للفاعل، واختار ذلك علي بن سليمان، وكان يقول: عجباً من الكسائي كيف قرأ {سُعِدُواْ} مع علمه بالعربية، وهذا عجيب منه فإنه ما قرأ / إلا ما صح عنده ولم يقرأ بالرأي ولم يتفرد بذلك، وروي عنه أنه احتج لذلك بقولهم: مسعود، وتعقب بأنه لا حجة فيه لاحتمال أنه كان مسعود فيه، وذكر أن الفراء حكى أن هذيلاً تقول: سعده الله تعالى بمعنى أسعده، وقال الجوهري ((سعد بالكسر فهو سعيد مثل قولهم: سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود)) وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري: ورد سعده الله تعالى فهو مسعود وأسعده الله تعالى فهو مسعَد. وما ألطف الإشارة في ـ شقوا وسعدوا ـ على قراءة البناء للفاعل في الأول والبناء للمفعول في الثاني، فمن وجد ذلك فليحمد الله تعالى ومن لم يجد فلا يلومنّ إلا نفسه. {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم، ومصدره الجذ، وقد جاء جذذت وجددت بالذال المعجمة والدال كما قال ابن قتيبة، وبالمعجمة أكثر. ونصب {عَطَآءً} على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله سبحانه: {فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} يقتضي إعطاءً وإنعاماً فكأنهم قيل: يعطيهم إعطاءً وهو إما اسم مصدر هو الاعطاء أو مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى: {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 17]، وقيل: هو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة. أو تمييز، فإن نسبة مشيئة الخروج إلى الله تعالى تحتمل أن تكون على جهة عطاء مجذوذ، وعلى جهة عطاء غير مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة، ولعل النصب على المصدرية أولى وكأنه جيء بذلك اعتناءً ومبالغة في التأبيد ودفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناء من الانقطاع، وقيل: إن ذلك لبيان أن ثواب أهل الجنة ـ وهو إما نفس الدخول أو ما هو كاللازم البين له ـ لا ينقطع فيعلم منه أن الاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على ترادف نعم ورضوان من الله تعالى؛ أو لبيان النقص من جانب المبدأ ولهذا فرق في النظم بين التأبيد من حيث تمم الأول بقوله سبحانه: {أية : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 107] للدلالة على أنه ينعم بعض من يعذبه ويبقى غيره كما يشاء ويختار؛ والثاني بقوله تعالى: {عَطآءً} الخ بياناً لأن إحسانه لا ينقطع، ومن الناس من تمسك بصدر الآية أنه لا يبقى في النار أحد ولم يقل بذلك في الجنة، وتقوى مطلبه ذاك بما أخرجه ابن المنذر عن الحسن قال: قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه، وبما أخرج إسحاق بن راهويه عن أبـي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ}تفسير : [هود: 106] الآية، وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَآء رَبُّكَ} قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تصفق فيه أبوابها، وأخرج ابن جرير عن الشعبـي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً إلى غير ذلك من الآثار. وقد نص ابن الجوزي على وضع بعضها كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص يأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين، وأول البعض بعضها؛ ومر شيء من الكلام في ذلك، وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى، ولا يقاوم واحداً منها كثير من هذه الأخبار، ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف لما علمته من الوجوه فيها ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها كما روي عن السدي بل لا يكاد يصح القول بالنسخ في مثل ذلك، هذا وقد ذكر أن في الآية صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم أما الجمع ففي قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }تفسير : [هود: 105] فإن النفس كما تقرر عامة لكونها نكرة في سياق النفي، وأما التفريق ففي قوله تعالى: أية : {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} تفسير : [هود: 105] وأما التقسيم ففي قوله سبحانه: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ }تفسير : [هود: 106] الخ ونظيرها في ذلك قول الشريف القيرواني:شعر : / لمختلفي الحاجات جمع ببابه فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العليا وللمعدم الغني وللمذنب العتبـى وللخائف الأمن تفسير : ومن هنا يعلم حال الفاءين فاء {فَمِنْهُمْ} وفاء {فَأَمَّا} الخ، قيل: وفي العدول عن فأما الشقي ففي النار خالداً فيها الخ وأما السعيد ـ أو المسعود ـ ففي الجنة خالداً فيها الخ إلى ما في النظم الجليل إشارة إلى سبق هذه الشقاوة والسعادة وأن ذلك أمر قد فرغ منه كما يدل عليه ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله أما تخبرنا؟ فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم أجلهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وأن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده فنبذهما وقال: فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير»تفسير : وجاء في حديث «حديث : الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه»تفسير : وحمل ذلك بعضهم على ظهور الأمر للملك الموكل بالنطفة وإلا فالأمر قبل ذلك، وبعضهم فسر الأمر بالثبوت العلمي الذي يظهر المعلوم منه إلى هذا الوجود الخارجي وهو ضرب من التأويل كما لا يخفى، ولا يأبـى هذه الإشارة عند التأمل ما أخرجه الترمذي وحسنة وأبو يعلى وابن مردويه وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : لما نزلت {فَمِفَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} قلت: يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له»، تفسير : وقيل: كان الظاهر هنا التعبير بالمضارع إلا أنه عبر بالماضي إشارة إلى تحقق الوقوع وأتى بالموصول جمعاً إيذاناً بأن المراد ـ بشقي وسعيد ـ فريق شقي وفريق سعيد، ولم يقل أشقياء وسعداء لأن الإفراد أوفق بما قبل، وقيل: الإفراد أولا للاشارة إلى أن كل فريق من حيث اتصافه بالشقاوة أو السعادة كشيء واحد، وجمع ثانياً لما أن دخول كل فريق في الجنة والنار ليس جملة واحدة بل جمعاً جمعاً وزمرة وله شواهد من الكتاب والسنة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 108- وأما الذين رَزقهم الله السعادة فيدخلون الجنة خالدين فيها من أول لحظة، بعد انتهاء موقف الحساب إلى ما لا نهاية، إلا الفريق الذى يشاء الله تأخيره عن دخول الجنة مع السابقين، وهم عصاة المؤمنين، الذين يتأخرون فى النار بمقدار توقيع الجزاء عليهم، ثم يخرجون منها إلى الجنة، ويعطى ربك هؤلاء السعداء فى الجنة عطاء عظيماً مستديماً، غير منقوص ولا مقطوع. 109- وإذا كان أمر الأمم المشركة الظالمة فى الدنيا ثم فى الآخرة، هو ما قصصنا عليك - أيها النبى - فلا يكن عندك أدنى شك فى مصير عبّاد الأوثان من قومك، إن استمروا على ضلالهم، لأنهم كالسابقين من آبائهم، الذين قصصنا عليك قصصهم من قبل، كلهم مشركون، وإنا لموفّون هؤلاء الكفرة استحقاقهم من العذاب كاملا على قدر جرائمهم، لا يُنقَصون منه شيئاً. 110- ونؤكد لك - أيها النبى - أننا أعطينا موسى التوراة، فاختلف قومه من بعده فى تفسيرها ومعناها، حسب أهوائهم وشهواتهم، كل يريد إخضاعها لشهواته، فتقرقوا شيعا، وابتعد الكثير منهم عن الحق الذى جاءتهم به، ولولا وعد من الله سابق بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لحل بهم فى دنياهم قضاء اللَّه وحكمه بإهلاك المبطلين ونجاة المحقين، كما حل بغيرهم من الأمم التى جاءتهم بها، بعد اختلاف أسلافهم فى فهمها وتحريفهم لها، مما جعل إدراك الحقائق منها أمرا عسيرا. وإن هؤلاء الذين ورثوا التوراة لفى حيرة وبعدٍ عن الحقيقة. 111- إن كل فريق من هؤلاء سيوفيهم ربك حتما جزاء أعمالهم، إنه سبحانه خبير بهم، محيط بدقائق ما يعملون من خير أو شر، ويجازى كلاً منهم حسب عمله.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِدِينَ} {ٱلسَّمَاوَاتُ} (108) - أَمَّا السُّعَدَاءُ الذِينَ اتَّبَعُوا الرُّسُلَ، وَآمَنُوا بِاللهِ، وَعَمِلُوا صَالِحاً، فَيَصِيرُونَ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَمْكُثُونَ فِيهَا خَالِدينَ أَبداً، مَا دَامَتْ هُنَاكَ سَمَاوَاتٌ وَأَرْضٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ. (وَهذا الاسْتِثْنَاءُ يَعنِي أَنَّ وُجُدَهُمْ فِي النَّعِيمِ لَيْسَ أَمْراً وَاجِباً بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إِلى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، فَلَهُ المِنَّةُ عَلَيهِمْ دَائِماً، وَعَطَاؤُهُ دَائِمٌ مُتَوَاصِلٌ لاَ يَنْقَطِعُ). غَيْرَ مَجْذُوذٍ - غَيْرَ مَقَطُوعٍ عَنْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالحق سبحانه يعطي المؤمنين ما شاء، ويؤكد خلودهم في الجنة، وعطاؤه لهم لا مقطوع ولا ممنوع. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} معناهُ غَيرُ مَقطُوعٍ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ} [هود: 108] في جوار الحق وقربه، {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ} [هود: 108] سماوات الأرواح والقلوب، {وَٱلأَرْضُ} [هود: 108] أرض النفوس والبشرية به يشير إلى الأرواح والقلوب والنفوس باقيات إلى الأبد. {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} [هود: 108] من السعداء؛ وذلك لأن أهل السعادة على ضربين: سعيد وأسعد، فالسعيد من يبقى في الجنة ودرجاتها وغرفاتها العليين بحب العبادة والعبودية، والأسعد من يدخل الجنة، ويعبر عن درجاتها إلى مقامات القربة بحسب المعرفة والتقوى والمحبة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 54-55]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أهل الجنة ليرون أهل العليين كما يرى أحدكم الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمرو منهم في أنعم مكان" فمن كان من أهل الجنة وأهل العليين فلهم خلود في الجنة، ومن كان في مقام مقعد الصدق فهو في أنعم مقام من الجنة فلهم الخروج من الجنة بجذبات العناية إلى عالم الوحدة"تفسير : والسر في هذا أن السالك يسلك بقدم المعاملات إلى أعلى مقام الروحانية من حضيض البشرية وهو بعد في مقام الاثنينية وهو سدرة المنتهى عندها جنة المأوى؛ فلا عبور عن هذا المقام للملك المقرب ولا للنبي المرسل إلا برفرف جذبه العناية فإنها توازى عمل الثقلين وبها يصل العبد إلى عالم الوحدة فافهم جدّاً. فما أبقى هناك الدخول والخروج والاستثناء بقوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} راجع إلى هذا المقام ولهذا قال: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108]؛ لأنه لا انقطاع له ولا تغيير فيه. {فَلاَ تَكُ} [هود: 109] يا محمد، {فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} [هود: 109] يعني: أهل الدنيا فإنهم يعبدون الهوى، وبالهوى يعبدون مَا يَعْبُدُونَ من دون الله؛ لأنهم أهل التقليد لا أهل التحقيق. {مَا يَعْبُدُونَ} [هود: 109] الهوى، {إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم} [هود: 109]، {مِّن قَبْلُ} بالطبع، {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [هود: 109] الذي قدرنا لهم في قسمة الأزل من السعادة والشقاوة والقرب والبعد واللطف والعنف، {غَيْرَ مَنقُوصٍ} [هود: 109] مما قسمناه لهم مثقال ذرة، ولو اجتمعت الجن والإنس على أن ينقصوا منها شيئاً لم يقدروا. ثم أخبر عن اختلاف طبائع الإنسان من أهل العناية والخذلان بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} [هود: 110] إلى قوله: {لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113] قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} يشير به إلى أن كتاب الله هو محل النفوس وهو الصراط المستقيم إلى الله تعالى، والنفوس مختلفة فمنها قابلة للاستقامة على الصراط، ومنها غير قابلة لها، فالمؤمن بالكتاب، والفاعل به هو قابل للاستقامة، والكافر به هو غير قابل للاستقامة، {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} [هود: 110] في الأزل، {مِن رَّبِّكَ} [هود: 110] لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر، وتأخيرهما لاستكمال السعادة والشقاوة لنفسها ولغيرها في الأزل، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [هود: 110] بالعذاب والهلاك يعني: بين أهل السعادة والشقاوة. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ} [هود: 110] أي: إنما أخرنا القضاء؛ لأنهم في شك، {مِّنْهُ} [هود: 110] من الكتاب هل ينزل من الله أم لا؟ فبالشك تكمل شقاوتهم في مدة حياتهم، {مُرِيبٍ} [هود: 110] لغيرهم في هذه المدة؛ المعنى: إنما أخرناهم ليكملوا في الشقاوة أنفسهم ويكملوا فيها غيرهم، {وَإِنَّ كُـلاًّ} [هود: 111] أي: الكامل في الشقاوة والمكمل، {لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 111] التي يكمل بها الشقاوة، {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ} [هود: 111] من الأعمال المكملة للشقاوة، {خَبِيرٌ} [هود: 111] لأنه قدرها في الأزل لهم. ثم خصص أمة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها قابلة للاستقامة فقال: {فَٱسْتَقِمْ} [هود: 112] أي: استقامة، {كَمَآ أُمِرْتَ} [هود: 112] في الأزل بأمر التكوين، {وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] أي: كما آمن من آمن، ورجع إلى الله {مَعَكَ} فيه إشارة إلى النفوس جبلت على الاعوجاج عن طريق الاستقامة إلا ما اختص منها بالأمر عند التكوين بالاستقامة فإنها قابلة للاستقامة، وهي التي تهدي إلى الصراط المستقيم. ثم قال: {وَلاَ تَطْغَوْاْ} كما أمرهم بالاستقامة نهاهم عن الطغيان فما طغوا، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: بما تعملون في الدنيا، {بَصِيرٌ} [هود: 112] به في الأزل؛ لأنه جعل في جبلتكم مركوزاً، وهيأنا لكم أسباب إخراجه منكم، ذلك تقدير العزيز العليم، {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [هود: 113] وهذا خطاب أيضاً مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تاب معه عند الأمر بالتكوين لا جرم ما ركنوا إلى الذين ظلموا. وفي قوله: {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} [هود: 113] إشارة إلى أن الركون إلى الظالمين موجب لعذاب النار لكائن من كان. {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} [هود: 113] يشير إلى أن الله تعالى هو ناصر أوليائه، ووليهم في الأزل إلى الأبد لا غيره؛ يعني: إن استنصرتم من غير الله الذي هو ناصركم لا ينصركم الله، {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113] من غير الله؛ لأن إن النصر إلا من عند الله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 372 : 23 : 3 - سفين عن رجل عن الضحاك {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ} الا من استثنى الله من أهل القبلة. [الآية 108].