Verse. 1580 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

خٰلِدِيْنَ فِيْہَا مَا دَامَتِ السَّمٰوٰتُ وَالْاَرْضُ اِلَّا مَا شَاۗءَ رَبُّكَ۝۰ۭ اِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيْدُ۝۱۰۷
Khalideena feeha ma damati alssamawatu waalardu illa ma shaa rabbuka inna rabbaka faAAAAalun lima yureedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض» أي مدة دوامهما في الدنيا «إلا» غير «ما شاء ربك» من الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له والمعنى خالدين فيها أبدا «إن ربك فعال لما يريد».

107

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ } أي مدّة دوامهما في الدنيا {إِلاَّ } غير {مَا شَآءَ رَبُّكَ } من الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له، والمعنى خالدين فيها أبداً {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ} سماء الدنيا وأرضها {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} من الزيادة عليها بعد فناء مدتها، أو ما دامت سماوات الآخرة وأرضها إلا ما شاء من قدر وقوفهم في القيامة، أو إلا من شاء ربك إخراجه منها من أهل التوحيد "ع"، أو "حديث : إلا من شاء أن لا يدخله إليها من أهل التوحيد " تفسير : مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلا من شاء أن يخرجه منها من موحد ومشرك إذا شاء "ع"، أو الاستثناء من الزفير والشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي ليست بزفير ولا شهيق مما سماه أو لم يسمِّه ثم استأنف فقال: {مَا دَامَتِ}، أو المعنى لو شاء أن لا يخلدهم لفعل ولكنه شاء ذلك وحكم به. وقدر خلودهم بسماوات الدنيا وأرضها على عادة العرب وعرفها. زهير: شعر : ألا لا أرى على الحوادث باقياً ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا

الخازن

تفسير : {خالدين فيها} يعني لابثين مقيمين في النار {ما دامت السموات والأرض} قال الضحاك: يعني ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما ولا بد لأهل الجنة وأهل النار من سماء تظلهم وأرض تقلهم فكل ما علاك فأظلك فهو سماء وكل ما استقر عليه قدمك فهو أرض وقال أهل المعاني هذه عبارة عن التأبيد وذلك على عادة العرب فإنهم يقولون لا آتيك ما دامت السموات والأرض وما اختلف الليل والنهار يريدون بذلك التأبيد. وقوله سبحانه وتعالى: {إلا ما شاء ربك} اختلف العلماء في معنى هذين الإستثناءين فقال ابن عباس والضحاك: الإستثناء الأول المذكور في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها فيكون استثناء من غير الجنس لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله تعالى من الأشقياء ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله سبحانه وتعالى يخرج قوماً من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة"تفسير : وفي رواية "حديث : إن الله يخرج ناساً من النار فيدخلهم الجنة"تفسير : أخرجه البخاري ومسلم، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يخرج من النار قوم بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين"تفسير : وفي رواية "حديث : ليصيبن أقواماً سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة لهم ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته فيقال لهم الجهنميون"تفسير : (خ) عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين"تفسير : وأما الاستثناء الثاني المذكور في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبث هؤلاء في النار قبل دخولهم الجنة فعلى هذا القول يكون معنى الآية فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها فيدخلهم الجنة {إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} أن يدخله النار أولاً ثم يخرجه منها فيدخله الجنة فحاصل هذا القول إن الاستثناءين يرجع كل واحد منهما إلى قوم مخصوصين هم في الحقيقة سعداء أصابوا ذنوباً استوجبوا بها عقوبة يسيرة في النار ثم يخرجون منها فيدخلون الجنة لأن إجماع الأمة على أن من دخل الجنة لا يخرج منها أبداً وقيل إن الاستثناءين يرجعان إلى الفريقين السعداء والأشقياء وهو مدة تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما بين الموت إلى البعث ومدة وقوفهم للحساب ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار، وقيل: معنى إلا ما شاء ربك سوى ما شاء ربك فيكون المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من الزيادة على ذلك وهو كقولك لفلان علي ألف إلا ألفين أي سوى ألفين وقيل إلا بمعنى الواو بمعنى وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وخلود هؤلاء في الجنة فهو كقوله تمجدو تعالى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا فيها، قال الفراء: هذا استثناء استثناه الله ولا يفعله كقوله والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزمه أن يضربه فهذه الأقوال في معنى الاستثناء ترجع إلى الفريقين والصحيح هو القول الأول ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {إن ربك فعال لما يريد} يعني من إخراج من أراد من النار وإدخالهم الجنة فهذا على الإجمال في حال الفريقين فأما على التفصيل فقوله إلا ما شاء ربك في جانب الأشقياء يرجع إلى الزفير والشهيق وتقريره أن يفيد حصول الزفير والشهيق مع خلود لأنه إذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل فيه هذا المجموع والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة يعني إلا ما شاء ربك من الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود، وقيل: إن الاستثناء الأول في جانب الأشقياء معناه إلا ما شاء ربك من أن يخرجهم من حرّ النار إلى البرد والزمهرير وفي جانب السعداء معناه إلا ما شاء ربك أن يرفع بعضهم إلى منازل أعلى منازل الجنان ودرجاتها والقول الأول هو المختار ويدل على خلود أهل الجنة في الجنة أن الأمة مجتمعة على من دخل الجنة لا يخرج منها بل هو خالد فيها. وقوله سبحانه وتعالى في جانب السعداء {عطاء غير مجذوذ} يعني غير مقطوع قال ابن زيد: أخبرنا الله سبحانه وتعالى بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى عطاء غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار وروي عن ابن مسعود أنه قال "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً" وعن أبي هريرة نحوه، وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة: فمحمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار من النار بعد إخراجهم منها لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين وخلود الكفار فيها أو يكون محمولاً على إخراج الكفار من حر النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذاباً فوق عذابهم والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ }: يُرْوَى عن ابن عباس: أَنَّ اللَّه خلق السمٰوات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إِلى هنالك في الآخرة، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل: معنى: {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ }: العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول: لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السمٰوات والأرْضُ، وقيل غير هذا. قال * ص *: وقيل: المراد سَمٰواتُ الآخرةِ، وأَرْضها؛ يدلُّ عليه قوله: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [إبراهيم:48] انتهى. وأما قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ }: في ٱلاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنه متَّصل، أي: إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين؛ وعلَى هذا يكونُ قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ...} عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون ٱلاستثناء من {خَـٰلِدِينَ}، وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ. الثَّاني: أنَّ هذا ٱلاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق ٱلاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام؛ فهو على نحو قوله: { أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الفتح:27] }. الثالث: أَنَّ «إِلا» في هذه الآية بمعنى «سوى»، وٱلاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر ٱلاستثناء المنقطع بـــ «سِوَى» وسيبَوَيْهِ يقدِّره بـــ «لكن»، أيْ: سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك؛ ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، وقيل: سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل: ٱلاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل: ٱلاستثناءُ؛ في الآية الأولى: من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا. قال * ع *: وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً. * ت *: وهذا هو الصوابُ - إِن شاء اللَّه - وهو تأويل صاحب «العاقبة»؛ أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام»: { أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } تفسير : [الأنعام:128] }. قال * ع *: والأقوال المترتِّبة في ٱلاستثناءِ الأوَّلِ مرتبةٌ في ٱلاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال: هو ٱستثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم؛ فإِنه لا يترتَّب هنا، والـــ {مَجْذُوذٍ}: المقْطُوع، والإِشارة بقوله: {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاءِ} إِلى كفَّار العرب، {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} معناه: من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ }: قال: ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى. وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ }: أي: ٱخْتَلَفَ الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك. وقال * ص *: «فيه»: الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل: «في» بمعنى «على»، أي: عليه، انتهى. والـــ {كَلِمَةٌ}؛ هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: أي: لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر؛ بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب؛ تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله: {وَإِنَّ كُـلاًّ }، وقرأ نافع وابن كثير: «وإِنْ كُلاًّ لَمَا» وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد «إِنَّ»، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد «إِنَّ»، وتشديد «لَمَّا»، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى فـــ «إِنَّ» فيهما على بابها، و«كُلاًّ»، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر «إِنَّ»، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما بـــ «ما»؛ هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ }، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية: أنَّ كل الخَلْقِ موفًّى في عَمَلَهُ. وقوله عز وجل: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ }: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بٱلاستقامةِ، وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوْمِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: « شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا »، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ؟ فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }. قال * ع *: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مِثْلَ ذلك شَيَّبه عليه السلام.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} يرجى من كرم الله ولطفه ان الكفار اذا حشروا يدخلهم النار بلا حساب ثم يحشر المومنين الى عند الميزان وتبدل الارض ويقلع السماء من البين ويحاسب المؤمنون حسابا يسيرا وهو قادر ان يحاسبهم بلحظة فاذا اراد ان يدخلهم الجنة يخرج الكفار من النار ويلقيهم فى بحر الحيوان ويدخلهم مع المؤمنين فى الجنان لانه تعالى وعد انهم فى النار ما دامت السماوات والارض فاذا زالت السماء والارض كملت الحجة وهذا شئ مرجوا ليس بمعتقد اهل السنة ومعنى قوله الا ما شاء ربك الا من امن بقلبه قبل معاينة الاخرة بلمحة ولم يطلع عليه احد غير الله فان دخله ورود على الصراط كالمؤمن يكون كذلك ان شاء الله فانه تعالى مستغن عن عذاب الكافرين كما يستغنى عن ايمان المؤمنين وطاعتهم وايش يضربه ان يدخل الكفار فى الجنة وساحة كبريائه منزهة عن خلل الحدثان واذا انشر بساط الكرم يدخل الولون والاخرون والمؤمنون والكافرون فى حاشية من حواشى بساط رحمته وهو صادق فيما وعدوا اعدوا انما العلم عند الله وتاكيد ما ذكرنا قول ابى مجلز هو جزاؤهم الا ان يشاء ربك يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار وقال ابن مسعود لياتين على جهنم زمان تحقق ابوابها ليس فيها احد وذلك بعد ما يلبثون فيها احقابا وقال الشعبى جهنم اسرع الدارين عمرانا اسرعهما خرابا وتصديق هذه الاقوله قوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} وان هذا مما يؤيد انشاء الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {خالدين فيها} مقيمين دائمين فيها حال مقدرة من ضمير الاستقرار فى الظرف وهو قوله فى النار هذا ان اريد حدوث كونهم فى النار. وقال بعضهم لا حاجة هنا الى جعل الحال مقدرة كما فى قوله تعالى {أية : فادخلوها خالدين} تفسير : لان الخلود بعد الدخول وهى ههنا حال من استقر فيها فلا حاجة الى التقدير {ما دامت السموات والأرض} ما مصدرية والمصدر المسؤول قائم مقام الظرف. والمعنى مدة دوامهما وهو عبارة عن التاييد ونفى الانقطاع على عادة العرب وذلك انهم اذا وصفوا شيئا بالابد والخلود قالوا ما دامت السموات والارض لانهما باقيتان ابد الآباد على زعمهم فمثلوا ما قصد تأبيده بهما فى عدم الزوال فورد القرآن على هذا المنهاج وان اريد تعليق قرارهم فيها بدوام السموات والارض فالمراد سموات الآخرة وارضها وهى دائمة مخلدة ويدل عليه قوله {أية : يوم تبدل الارض غير الارض والسموات} تفسير : وقوله {أية : واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} تفسير : وان اهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل اما سماء يخلقها الله فتظلهم او يظلهم العرش وكل ما علاك فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدمك فهو ارض ولا فساد فى التشبيه بما لا يعرف اكثر الخلق وجوده ولا مانع ونظيره تشبيه الشيء بالكيمياء او بمدينة ارم وغير ذلك [حضرت شيخ قدس سره درفتوحات آورده كه دوام آسمان وزمين از حيثيت جوهر ايشان مرادست نه از حيثيت صورت ايشان] وقال اهل التأويل سموات الارواح والقلوب وارض النفوس والبشرية {الا ما شاء ربك} استثناء من الخلود فى النار لان بعض اهل النار وهم فساق الموحدين يخرجون منها وذلك كافة فى صحة الاستثناء لان زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض ويجوز اجتماع الشقاوة والسعادة فى شخص والسعادة فى شخص واحد باعتبارين كما قال فى التأويلات النجمية {الا ما شاء ربك} من الاشقياء وذلك لان اهل الشقاوة على ضربين شقى واشقى فيكون من اهل التوحيد شقى بالمعاصى سعيد بالتوحيد فالمعاصى تدخله النار والتوحيد يخرجه منها ويكون من اهل الكفر والبدعة اشقى يصليه كفره وتكذيبه النار فيبقى خالدا مخلدا انتهى. وعن ابن مسعود رضى الله عنه ليأتين على جهنم زمان ليس فيها احد بعد ما يلبثون فيها احقابا. وعن ابى هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص مثله ومعناه عند اهل السنة ان لا يبقى فيها احد من اهل الايمان فتبقى طبقتهم خالية واما مواضع الكفار فممتلئة ابدا: قال الحافظ شعر : دلا طمع مبراز لطف بى عنايت دوست كه ميرسد همه را لطف بى نهايت او تفسير : وفى هذا البيت اشارة الى سر خفى لا يدركه الا اهل الالهام. قال بعض الكبار الترقى والتدلى انما يجرى فى هذا العالم واما فى الآخرة فلا ترقى فيها. فان قلت فقد ترقى العاصى الى مرتبة الجنة بعد الخروج من النار قلت ذلك الترقى كان فى الدنيا بسبب الايمان غير ان ظهوره كان فى الآخرة فعذب اوّلا ثم دخل الجنة {ان ربك فعال لما يريد} من تخليد البعض كالكفار واخراج البعض كالفساق من غير اعتراض عليه. وانما قيل فعال لان ما يريد ويفعل فى غاية الكثرة. وقال المولى ابو السعود {الا ما شاء ربك} استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى {أية : لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى} تفسير : وقوله {أية : ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف} تفسير : وقوله {أية : حتى يلج الجمل فى سم الخياط} تفسير : غير ان استحالة الامور المذكورة معلومة بحكم العقل واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل يعنى انهم مستقرون فى النار فى جميع الازمنة الا فى زمان مشيئة الله تعالى لعدم قرارهم فيها واذلا امكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا امكان لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما عسى يتوهم من كون استحالة تعلق المشيئة بطريق الوجوب على الله تعالى قال {ان ربك فعال لما يريد} يعنى انه فى تخليد الاشقياء فى النار بحيث يستحيل وقوع خلافه فعال بموجب ارادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية الى ترتب الاجزئة على افعال العباد ولك ان تقول انهم ليسوا بمخلدين فى العذاب الجسمانى بل لهم من العقوبات والآلام الروحانية ما لا يعلمه الا الله تعالى وهذه العقوبات وان كانت تعتريهم وهم فى النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسون بها ألا ترى ان من دهمه الغم المفرط وادهشه خطب جليل فانه لا يحس بقرص النملة والبرغوث ونحوهما وقس عليه الحال فى جانب السرور كما سيأتى

الجنابذي

تفسير : {خَالِدِينَ فِيهَا} حال عن واحد ممّا سبق بطريق التّداخل او التّرادف {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} ظرف للخلود او لكون الزّفير لهم او لثبوتهم فى النّار استقلالاً او على سبيل التّنازع {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} استثناء من مدّة الخلود او مدّة كونهم فى النّار لا من مدّة زفيرهم وشهيقهم ليوافق قسيمه ولفظة ما نافية او مصدريّة او موصولة او موصوفة، ولمّا كان المتوهّم من استثناء مدّة عن مدّة ان يكون المستثناة آخر المدّة المستثنى منها اشكل الآية على القائلين بدوام العذاب والخلود فى النّار واستدلّ القائلون بانقطاع العذاب او خروج اهل النّار من النّار بامثالها. بيان فى خلود اهل النّار وعدم خلودهم اعلم، انّ المتشرّعين من المتكلّمين والفقهاء رضوان الله عليهم قالوا بدوام العذاب وخلود اهل النّار الّذين لا يدركهم شفاعة الشّفعاء فى النّار وفى العذاب واستدلّوا على ذلك بظواهر الآيات والاخبار، وعلى هذا فالاستثناء من مدّة الخلود باعتبار اوّلها نظيره ان يقال: حبست يوم الجمعة الاّ ساعة من اوّله، فانّ اهل النّار قبل دخول نار الآخرة معذّبون فى البرازخ او غير مستفيقين من غشيهم واماتتهم بالنّفخة الاولى وحالهم حينئذٍ كحال النّائم والمغشىّ عليه، او الاستثناء من مدّة الخلود باعتبار آخر المدّة لكن بالنّسبة الى من يدركه شفاعة الشّافعين كأنّه قال: الاّ ما شاء الله لمن شاء الله او الاستثناء من مدّة الخلود باعبتار آخرها لكنّ المراد بالنّار نار البرازخ المعبّر عنها بنار الدّنيا كما فى الاخبار، وتلك النّار وان مكثوا فيها ما مكثوا لكنّهم يخرجون عنها اخيراً الى نار الآخرة وسنحقّق نار الدّنيا ونار الآخرة وكذا جنان الدّنيا وجنان الآخرة عن قريبٍ ان شاء الله، وقد ذكر فى تصحيح الاستثناء وجوه اخر لا فائدة فى ذكرها ولا تليق بهذا المختصر. وبعض الحكماء من المشّائين والاشراقييّن قالوا بخلود النّار وتسرمد العذاب على النّوع بتعاقب الافراد وامّا الافراد فلا يتسرمد العذاب علهيم بل امّا يصير العذاب عذباً كما قال بعض او يخرجون من الجحيم والنّار الى النّعيم، او يخرج بعضهم ويصير العذاب عذباً على بعضهم، واستدلّوا على ذلك باصولهم المقرّرة عندهم من انّ القسر لا يكون دائميّاً ولا اكثريّاً والاّ بطل الحكمة فى ايجاد القوّة المقسورة واذا لم يكن القسر دائميّاً ولا اكثريّاً فان كان الانسان مخلّداً فى النّار فليبدّل القوّة المتألّمة منه بقوّة ملائمة للنّار حتّى يتسريح منها ويلتذّ بها، او يخرج من النّار ويصل الى ما يلائمه، واعتقد جمع من المتصوفّة ايضاً عدم تسرمد العذاب واستدلّوا على ذلك باصولهم الذّوقيّة وشواهدهم الكشفيّة من انّ الرّحمة ذاتيّة وسابقة على الغضب وشاملة للكلّ وانّ الغضب عرضىّ لا حق للمرحوم بالذّات، والعرضىّ يزول والذّاتىّ لا يزول فبعد مدّة العذاب اللاّئق بحال المعذّب يصير العذاب عذباً للكلّ كما قال بعض او يخرج المعذّبون جميعاً وينبت من قعر الجحيم والجرجير كما قال بعض، او يتسرمد العذاب على النّوع بتعاقب الاشخاص وخروجهم تدريجاً كما قال جمع، او يخرج بعض ويبقى بعض فى الجحيم ملتذّاً بنارها وحيّاتها وعقاربها مثل ما قال الحكماء، ولا اشكال فى الاستثناء على قولهم لكن هذا القول يشبه قول اليهود وقد كذّبهم الله فى قوله: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة:80] {إِنَّ رّبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تعليل لسابقه.

اطفيش

تفسير : {خَالدِينَ فيهَا ما دَامت السَّماواتُ والأرضُ} وهن دائمات أبدا لا ينقطعن، فهم خالدون فى النار أبدا، لا يخرجون منها، سواء المشرك، والموحد المصر، والمراد سماوات الآخرة وأرضها، تفنى سماوات الدنيا وأرضها، وتعقبها سماوات الآخرة وأرضها، وهى أرض الجنة، وهى دائمة ولا يفنين، قال الله سبحانه: {أية : يوم تبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات} تفسير : وقال: {أية : وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء }. تفسير : ويجوز أن يراد بالسماوات طبقات الجو والعرش، فجمع السماء نظر لأجزاء العرش، فإن كل جزء منه سماء لما تحته، أو المراد بالسماوات ما يعلو أهل الجنة من سقوف حسان، وأهل النار من طبقات النيران، وبالأرض أرض الجنة وأرض النار. وإن قلت: ذلك تشبيه بما لا يعرف، وأكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرف ذلك فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعذاب، فلا يجزى له التشبيه؟ قلت: نكفى معرفة البعض بذلك كرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبين من عرف لمن لم يعرف، بل لا نسلم أن ذلك تشبيه بما لا يعرف، بل هو تشبيه ما لا يعرف بما يعرف، إذ شبهت تلك الدار بهذه، أو ثبتت لها ما لهذه من سماء وأرض، ووجه الشبه أنهما جسمان، وليس فى ذلك حكم بدوام هذه، فضلا عن أن يقال: إثبات الدوام للمشبه به مبنى على عرف المشركين من العرب وعادتهم ونحوهم ممن يعتقد دوامها. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: خلق الله السماوات والأرض من نور العرش، ثم يردهما فى الآخرة بعد فنائهما، فلهما بقاء دائم، وقيل: ذلك عبارة عن التأييد كما تقول: لا أكلمك ما دام الجبل فى موضعه، وفى قلبك قطع الكلام عنه، ولو أزال الله الجبل من موضعه، واختار الصفاقصى ما ذكرته أولا مستدلا بقوله سبحانه وتعالى: {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} تفسير : والمراد ارتباط الدوام فى النار، بدوام السماوات والأرض فى تلك الأقوال، إلا القول الأخير، وبل لو أريد الارتباط على هذا القول الأخير لم يلزم من زوال السماوات والأرض زوال الأشقياء عن النار، ولا من دوامهما فيها، لأن المفهوم وهو هنا ما فهم من دوام تقييد بدوامهما، لا يقوم المنطوق وهو سائر النصوص الدالة على تأييد دوامهم فيها لقوله هنا: {خالدين فيها} كما زعم بعض، لأنه محل البعث. {إلاَّ ما شاءَ ربُّك} أى إلا ما سبقهم به من دخل النار قبلهم قاله الشيخ هود، وهو نقص من مبدأ معين، كما ينقص من انتهاء وهذا فى نفسه صحيح، لكنه لا يلائم الآية لأنها ليست فى أشقياء ثواب مسبوقين بأشقياء أوائل فى الدخول، بل هى فى مجموع الأشقياء، اللهم إلا أن يعتبر المسبوق منهم، فيرد الاستثناء إلى جانبه، فإن مخالفة البعض كاف فى صحة الاستثناء، وذلك استثناء عن خلود على قوله مطلقا. والواضح أن المراد الاستثناء من الخلود فى خصوص العذاب بالنار، فيكون المعنى إنهم خالدون فى التعذيب بحرارة النار، إلا ما شاء الله من تعذيبهم فى بعض الأزمنة بالزمهرير، وأنواع أخرى من العذاب، كلدوغ الحياة والعقارب لهم فى موضع لا نار فيه، ويغضب الله عليهم، وخسته لهم وأمانته إياهم، فإن ذلك كله عذاب أيضا. روى أنهم يدعون مالكا ويجيبهم بعد أربعين خريفا: إنكم ماكثون، ثم تدعون الله فيجيبهم بعد عمر الدنيا مرتين: {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون} تفسير : فما يكون إلا الزفير والشهيق أبدا، فذلك قوله عز وجل: {أية : لهم فيها زفير} تفسير : إلى آخره. ويجوز أن يكون الاستثناء من أصل الحكم وهو الكون فى النار، والمستثنى لبثهم فى القبور إن كان الحكم مطلقا غير مقيد باليوم إن قلنا: إن مدة اللبث فى القبور حتى يحشر ليست من ذلك اليوم الأخير، وإن قلنا إنها منه صح التقييد به، والمستثنى زمان كونهم فى الموقف، فإن مقتضى السياق سابق أن يكونوا فى النار من أول يوم البعث، فالنقص على الوجهين من المبدأ. ويجوز أن يكون الاستثناء من قوله: {أية : لهم فيها زفير وشهيق} تفسير : حيث كانوا يسكتون عنهما فى بعض الأوقات، أو حيث سبقهم عدم الزفير والشهيق حتى قيل: "اخشوا" كما مر هذا: فيكون النقص من أول، وقيل: إلا بمعنى سوى كقولك: عليه ألفان إلا أربعة آلاف قديمات، أى سواهن، فيكون المجموع ستة آلاف، فالمعنى سوى ما شاء ربك، من الزيادة على مثل بقاء السماوات والأرض فى الدنيا، وهى زيادة لا آخر لها، وهذا قول الفراء، وهو يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن، وقيل: لا بمعنى الواو، أى وما شاء ربك من الزيادة على تلك المدة، وهى زيادة لا آخر لها، أو خالدين فيها، وفيما شاء ربك كالزمهرير، وقيل: ذلك استثناء الله ولا يفعله. وفائدة الإعلام بأنه لا يقع إلا ما شاء كقولك: والله لأضربنك إلا أن يرى غير ذلك وعزمك أن تضربه، وهو رواية عن الفراء، وقيل: ذلك هو الاستثناء الذى دب إليه الشرع فى كل كلام مثل: {أية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} تفسير : ولا بأس بتلك الأقوال من حيث الاعتقاد، لكن بعضها أقوى من بعض، وبعضها ضعيف. وزعم قومنا أن ذلك استثناء من الخلود فى النار، لأن من دخلها من الموحدين خارج منها، وذلك كاف فى صحة الاستثناء، لأن زوال الحكم عن البعض تغيير لاحق بالمجموع من حيث التغيير بالبعض، وإطلاق السعادة عليهم لاعتبار شرفهم لسعادة الإيمان، ولأن مرجعهم الجنة، وأما دخولهم النار فعقاب على قدر الذنب، كما يعاقب الإنسان فى الدنيا بمصيبة، وبجلد وقطع ونحوهما، وليسوا أشقياء إلا باعتبار دخولهم النار بمعصيتهم، واجتماع الشقاوة والسعادة فى شخص باعتبارين جائز، وإنما يجب كون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه من حيث الجهة الواحدة، لا بتعدد الجهة، ذكر ذلك القاضى والسعد، وزدته بيانا وإيضاحاً. ونقول معشر الأباضية: إن ذلك باطل، لأن أصل الاستثناء العود إلى بدليل، ولا دليل لهم فى كلام مروى عن ابن عباس، وأحاديث عن جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن حصين، أن الاستثناء فى عصاة يدخلون النار بذنوبهم، ثم ينجون بإيمانهم وفضل الله، يسمون الجهنميين، فإن ذلك كذب من قومنا على من ذكر من الصحابة على مخالفته كتاب الله عز وجل، كقوله: {أية : ومن يقتل مؤمنا متعمدا} تفسير : الآية، وليس فيها تقييد بأنه قتله لكونه مؤمنا، فيكون مشركا وقوله: {أية : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} تفسير : الآية، وإضافة الحدود للحقيقة لا للاستغراق، فضلا عن أن يقال: من تعدى الحدود كلها مشرك. وقوله: {أية : من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} تفسير : الآية، والمراد بإحاطتها غلبتها له بأن لم يمحها بالتوبة، ولأن عقاب الآخرة بالنار وثوابها بالجنة ليس كعقاب الدنيا وثوابها، وإنما يعاقب بالنار من غضبت عليه لفعله ما يوجب العقاب، ومن غضب عليه لا يرضى عنه أبدا، وإلا لزم بطلان حكمه، ولزم أن تبدوا له البداوة، وإنما يثاب من ليس معه ما يوجب دخول النار، وعقابا وغضبا عليه، ولزم على قولهم كون مرضيا عنه مغضوبا عليه، مثابا فى الآخرة، معاقبا فيها بالنار، مع أنه لا يصح ذلك فى الآخرة، لما مر من أنها ليست كالدنيا فى جواز اجتماع الثواب والعقاب، وكافرا مؤمنا وموالٍ لله ومعادٍ له بفتح اللام والدال، ولأنه ولو جاز أن يدخل النار من يخرج منها لجاز أن يدخله الجنة، من يخرج منها، ولو جاز أن يدخل النار مؤمن لجاز أن يدخل الجنة كافر، فكل من دخل النار كافر ما بين كفر نفاق، أو كفر شرك، لا يخرج منها. وزعمت الجهمية أن الجنة والنار تفتيان بما فيهما ليتمحضوا البقاء لله، فلا يشاركه فيه مخلوق محدث، فالاستثناء من طول المدة، وذكر الأبد تأكيدا لطول الخلود، وهو قول باطل مخالف للأمة، ونصوص القرآن، والأحاديث، وليس بقاؤهم الدائم مستلزما لاشتراك المخلوق مع الخالق فى الصفة، لأن بقاء الله بالذات من غير مادة ولا احتياج ولا تقدم، عدم وبقائهم إنما هو بإبقاء الله إياهم، ومادة منه لهم، واحتياج منهم، وإدامة الله سبحانه لهم، ولأن البقاء المختص بالله البقاء الذى لم يسبق بعدم، وهو البقاء المستحق بالذات. وزعم بعض أن جهنم تفنى بعد أحقاب هى ومن فيها، فلزمه أن المشركين لا يخلدون، وهذا والعياذ بالله كفر، وزعموا أن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن مسعود لباتين على جهنم يوم تصفق فيها أبوابها، ليس فيها أحد بعد ما يلبثون أحقابا، وذلك كذب منهما، فإن صح عنهما فالمراد أوقات كونهم فى الزمهرير، وحمله قومنا على إمكان العصاة موحدين فيها. وإن قالت الجهمية مطلقا، وقومنا فى جانب الموحد العاصى أن الخلود للمكث الطويل؟ قلت: اذكر الأبد وما تقدم زادان على الجهمية، مع أن الأصل فى الخلود الدوام وما تقدم، وكون الأصل فى الخلود الدوام زادان على قومنا. {إنَّ ربَّكَ فعَّالٌ لما يُريدُ} لا يعارضه أحد، ولا يفعل بالقهر.

اطفيش

تفسير : {خالِدِين فِيهَا مَا دامَتِ السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ} المراد الخلود بلا غاية، والسماوات والأَرض منقطعة، ولكن مثل بدوامهما على طريقة العرب فى التمثيل لما لا انقطاع له بما له انقطاع بعيد كما يمثلون لا إِياس بالسبعين، ويقولون لا أَكلمك ما دامت السماءُ والأَرض حاضت البنت وما أَطت الإِبل، وما أَورق الشجر وما أَينع الثمر، وما سال سائِل وما جن ليل وما طلع فجر وما لاح كوكب وما طرق طارق وما نطق الحق وما غنت حمامة، ومرادهم أَنه لا يكون كذا أبدا، ومعلوم أَنهم لا يعيشون مدة بقاءِ السماءِ والأَرض ولا مدة ما ذكر ولو أُريد ظاهر الآية لم يبق إِلا المفهوم، إِذ يفهم أَنه إِذا زالت السماوات والأَرض خرجوا منها بل يبقون فيها إِلى زوالهما وبعد زوالهما لا يخرجون للنصوص الدالة على الأَبدية المبطلة لهذا المفهوم، فليس هذا المفهوم مرادا فى الآية، ثم إن السماوات والأَرض تفنيان يوم القيامة فكيف يدومون فى النار ما دامتا فالمراد والله أَعلم التمثيل لخلودهم فيها بمقدار بقائِها، وقيل المراد سماوات النار وأَرضها وهما أَبديتان وسماواتها سقوفها كما قال الله جل وعلا: " أية : يوم تبدل الأَرض غير الأَرض والسماوات"تفسير : [إبراهيم: 48] وفى هذه أَيضاً أَن المخاطبين لا يعرفون ثبوت هذا ولا قيام الساعة، ويجاب عن هذا والذى قبله أَنه لا مانع من خطابهم بما لم يعرفوا لفائِدتين إِحداهما الاحتجاج مثلا والأُخرى الإِخبار بذلك الشىءِ، وقيل ما دامت السماوات والأَرض قبل زوالهن فإِذا زالت أَبدلهم الله خلودا {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّك} من مدة، وهى ما بين قيام الساعة إِلى دخول النار فإِنهم يعذبون فى قبورهم بنار تارة، وتعذب أَرواحهم فى سجين تارة بها، والمستثنى منه هو المصدر الظرفى وهو دوام السماوات والأَرض، لكن يبقى من يموت بقيام الساعة، فإِنه لم يعذب قبله، فإِِما أَن يحمل الكلام على الغالب لأَن من مات وعذب قبل قيامها أَكثر أَو يحمل الاستثناءُ فى بابه على الاستثناءِ من أَول ولا مانع من اختلاف أَحوال المستثنى،أَو المدة المستثناة هى مدة كونهم فى الزمهرير فإِنهم تارة فى النار، وتارة فى الزمهرير، أَو المراد إِلا ما شاءَ ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأَرض، وهى زيادة لا منتهى لها وإِلا فى هذا الوجه كالنعت أَو البدل، أَى مدة دوام السماوات والأَرض التى هى غير ما يزداد بعدها، كقولك: لى عليك أَلف غير الأَلف السابق أَو غير الأَلف الذى سيكون من جهة كذا، ذكر أَولا ما يعرف من المدة وزاد بعدها ما لا ينتهى، ويجوز أَن يكون المستثنى مدة لبثهم فى الدنيا وبرازخهم والموقف، وبرزخ كل أَحد ما بين موته إِلى بعثه كأَنه قيل نعم أَصحاب النار، لا يخلون عنها إِلا ما سبق من المدة قبل وقت دخولها، ويجوز الاستثناءُ من الزفير والشهيق والمعنى لهم فيها زفير وشهيق فى جميع أَوقاتها إِلا بعض الأَحيان فينقطع فيها زفيرهم وشهيقهم، إِلا أَن هذا يشكل بأَنه ليس استثناءً تاما لعدم ذكر المستثنى منه، ولا مفرغا لعدم السلب، وبعض النحاة يكتفى بالمقدر فى ذلك كما رأيت، والأَولى فى هذا جعل الاستثناءِ منقطعا، وقيل المعنى: إِلا ما شاءَ ربك لو فرض أَنه تعالى وعز وجل يشاءُ إِخراجهم فهو تعليق بالحال فيكون ذلك برهانا على الأَبدية كقوله تعالى عز وجل: " أية : حتى يلج الجمل فى سم الخياط"تفسير : [الأَعراف: 40] أَو كقوله: لأَضربنك إِلا أَن أَرى غير ذلك، وأَنت لا ترى إِلا ضربه، وكأَنه قيل لا يخرجهم ولو شاءَ لأَخرجهم، وقيل الاستثناءُ تعليم للاستثناءِ لمشيئة الله عز وجل وفى الكلام والتبرك به وهو فى حكم الشرط كقوله تعالى: "أية : لتدخلن المسجد الحرام إِن شاءَ الله" تفسير : [الفتح: 27]. {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} لا راد لفعله ولا معارض، ذكر الله وعيدهم إِنذارا لقومه صلى الله عليه وسلم وتسلية له صلى الله عليه وسلم، وذكر السعادة لهم ولمن اتبعهم تنشيطا لهم وإِرغاما للكفرة بقوله {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع عنهم بفنائِهم، أَو مرضهم أَو خروجهم، أَو عدم الانتفاع، كل ذلك لا يكون ونصب عطاءِ على أَنه مفعول مطلق، أَى أُعطوا ذلك عطاءً، ومعنى جذ العطاءِ إِبطاله والرجوع فيه فالاستثناءُ فيه بالنقص كما استثنى فى الكفار بالزيادة، وما شاءَ ربك مدة برزخ قيام الساعة وما بعدها إِلى دخولها أَو ما شاءَ ربك من الزيادة، أَى خالدين فيها قدر مدة الدنيا غير ما يزداد عليها ولا ينتهى أَو إِلا فى الموضعين كما قيل فى قوله تعالى: "أية : إِلا من ظلم"تفسير : [النساء: 148] بمعنى الواو العاطفة فهى عاطفة وهو وجه ضعيف أَو الاستثناءُ تبريك فليس متصلا ولا منفصلا كقوله تعالى: "أية : لتدخلن المسجد الحرام إٍن شاءَ الله"تفسير : [الفتح: 27].

الالوسي

تفسير : {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} خلا أنه إن أريد حدوث كونهم في النار فالحال مقدرة {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي مدة دوامهما، وهذا عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب: لا أفعل كذا ما لاح كوكب وما أضاء الفجر وما اختلف الليل والنهار وما بل بحر صوفة وما تغنت حمامة إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم لا تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها وانقطاع دوامهما، وروي هذا عن ابن جرير. وجوز أن يحمل ذلك على التعليق والمراد بالسماوات والأرض سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة للأبد، قال الزمخشري: والدليل على أن لها سماوات وأرضاً قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ }تفسير : [إبراهيم: 48] وقوله سبحانه: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآء }تفسير : [الزمر: 74] ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء انتهى. قال القاضي: وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما عرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه. وأجاب عنه صاحب «الكشف» بأنه إذا أريد ما يظلهم وما يقلهم فهو ظاهر السقوط لأن هذا القدر معلوم الوجود لكل عاقل وأما الدوام فليس مستفاداً من دليل دوام الثواب والعقاب بل مما يدل على دوام الجنة والنار سواء عرف أنهما دار الثواب والعقاب وأن أهلهما السعداء والأشقياء من الناس أولاً على أنه ليس من تشبيه ما يعرف بما لا يعرف بل العكس انتهى. وتعقبه الجلبـي بأن قوله: لكل عاقل غير صحيح فانه لا يعترف بذلك إلا المؤمنون بالآخرة، وقوله الدوام مستفاد مما يدل على دوام الجنة والنار لا يدفع ما ذكره القاضي لأنه يريد أن المشبه به ليس أعرف من المشبه لا عند المتدين لأنه يعرف كليهما من قبل الأنبياء عليهما السلام وليس فيه ما يوجب أعرفية دوام سماوات الآخرة وأرضها وليس مراده أن دوامهما مستفاد من خصوص الدليل الدال على الثواب والعقاب بعينه فإنه لا يهمه ليمنع ولا عند غير المتدين فانه لا يعترف به ولا بها ولا يعرفه، وقوله: على أنه ليس من تشبيه الخ مبني على أنه تشبيه تلك الدار بهذه الدار وليس بذلك، وإنما المراد التشبيه الضمني لدوامهم بدوامهما انتهى، وفيه بحث. والحق أن صحة إرادة ذلك مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، وفي الأخبار عن ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم ما يقتضيه، ومن تأمل منصفاً بعد تسليم أن هناك تشبيهاً يظهر له أن المشبه به أعرف من المشبه وأقرب إلى الذهن، واتحاد طريق العلم بهما لا يضر في ذلك شيئاً بداهة أن ثبوت الحيز أعرف وأقرب إلى الذهن من ثبوت ما تحيز فيه وإن وردا من طرق السمع كما لا يخفى على أن اشتراط كون المشبه به أعرف في كل تشبيه غير مسلم عند الناظر في المعاني، نعم المتبادر من السماوات والأرض هذه الأجرام المعهودة عندنا، فالأولى أن تبقى على ظاهرها ويجعل الكلام خارجاً مخرج ما اعتادته العرب في محاوراتهم عند إرادة التبعيد والتأبيد، وهو أكثر من أن يحصى، ولعل هذا أولى أيضاً مما في «تفسير ابن كثير» من حمل السماوات والأرض على الجنس الشامل لما في الدنيا والآخرة أي المظل والمقل في كل دار. وفي «الدرر» أنه يمكن أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدة بقاء السماوات والأرض التي يعلم انقطاعها ثم يزيدهم سبحانه على ذلك ويخلدهم ويؤبد مقامهم، ولعله أراد مدة بقائهما منذ خلقهما الله تعالى إلى أن يبدلهما لا مدة بقائهما بعد دخولهم النار يوم القيامة لأنهما يبدلان قبل دخولهم، والآية على هذا من قبيل قوله سبحانه: {أية : لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً }تفسير : [النبأ: 23]. {إِلاَّ مَا شَآء رَبُّكَ} قيل: هو استثناء من الضمير المستكن في {خَـٰلِدِينَ } وتكون {مَا} واقعة على نوع من يعقل كما في قوله سبحانه: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَآء} تفسير : [النساء: 3] أو واقعة على من يعقل على مذهب من يرى وقوعها عليه مطلقاً. والمراد بمن شاء فساق الموحدين فإنهم يخرجون منها كما نطقت به الأخبار، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، والتأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، ألا ترى أنك إذا قلت: مكثت يوم الخميس في البستان إلا ثلاث ساعات جاز أن يكون ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوله ومن آخره، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال: فعلى هذا لا يكون قوله سبحانه: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }تفسير : [هود: 105] تقسيماً صحيحاً لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط حيث الانفصال حقيقي أو مانع من الجمع، وهٰهنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون من القسمين وأن حالهم لا تخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص واحد باعتبارين انتهى، وهو ما ذكره الإمام وآثره القاضي. واعترض بأنه لا دلالة في اللفظ على المبدأ المعين ولو سلم فالاستثناء يقتضي إخراجاً عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول، فكيف ينتقض بما سبق عليه؟ كيف وقد سبق قوله تعالى: {فِي ٱلْجَنَّةِ}؟ ثم قيل: فإن قلت: زمان تفرقهم عن الموقف هو الابتداء وهو آخر يوم يأتي قلت: إن ادعي أن الابتداء من ابتداء ذلك الزمان جاز أن يسلم دلالة اللفظ عليه ولا ينفع لأن الكل في الدارين غير خالدين على هذا التقدير، وأما جعل ابتداء المدة من انتهائه فلا، وبأن تقابل الحكمين يدل على تقابل القسمين بمعنى منع الجمع مطلقاً؛ وأجيب ـ بعد غمض العين عما في ذلك من الخروج عن آداب المناظرة ـ بأن مبدأ زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول أهل النار في النار، ويدل على ذلك اتحاد معيار الخلودين، وهو {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإنه يدل على زمان خلودهما ولا اتحاد مع الاختلاف في المبدأ، والاستثناء عن حكم الخلود من مبدأ معين يكون بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة. وخلاصة المعنى على هذا أن السعداء كلهم خالدون في الجنة من زمان دخول أهل النار في النار إلا العصاة منهم الذين أراد الله سبحانه دخولهم في النار مدة معينة علمها عنده جل وعلا، وما ذكر من حديث تقابل الحكمين إن أريد تقابلهما بمعنى منع الجمع فلا تقابل فيهما بهذا المعنى لاجتماعهما في العصاة، وإن أريد مطلقاً فلا دلالة على تقابل القسمين بذلك المعنى انتهى. ولا يخفى على المنصف ما في ذلك القول من التكلف ومخالفة الظاهر والانتصار له بما ذكر لا يجديه نفعاً، وقيل: هو استثناء من الضمير المتقدم إلا أن الحكم الخلود في عذاب النار، وكذا يقال فيما بعد: إن الحكم فيه الخلود في نعيم الجنة وأهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى منها كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله تعالى الذي هو أكبر وما يتفضل به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو سبحانه وتعالى، وإلى هذا ذهب الزمخشري سالاً سيف البغي والاعتزال، وقد رده العلامة الطيبـي وأطال الكلام في ذلك. وقال «صاحب الكشف»: إن ذلك في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهرير، والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليباً أما دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فكلا، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : نَاراً تَلَظَّىٰ}تفسير : [الليل: 14]{أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ }تفسير : [التحريم: 6] وكم وكم، وأما رضوان الله تعالى عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف وقوله سبحانه: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلاً عن انفرادها بتنعمهم إلا أن يخصص بجنة الثواب لا محض التفضل، وكفاه بطلاناً التخصيص من غير دليل، واعترض بأن لك أن تقول: هجر الأصل في الآيتين اللتين ذكرتا علم من الوصف، وفي هذه الآية ذكرها في مقابلة الجنة يعضد أن المراد بها دار العقاب مطلقاً. وقيل: إن الاستثناء مفرغ من أعم الأوقات و {مَا} على أصلها لما لا يعقل وهو الزمان والحكم الكون في النار، والمعنى أما الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زماناً شاء الله تعالى فيه عدم / كونهم فيها وهو زمان موقف الحساب، واعترض بأن عصاة المؤمنين الداخلين النار إما سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى وليس كذلك أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار وهو خلاف مذهب أهل السنة، وأيضاً تأخره عن الحال ـ ولا مدخل لها في الاستثناء ـ لا يفصح، والإبهام بقوله سبحانه: {إِلاَّ مَا شَآء رَبُّكَ} والتفخيم الذي يعطيه لا يبقى له رونق، وأجيب بأنه قد يقال: إن القائل بذلك يخص الأشقياء بالكفار والسعداء بالأتقياء ويكون العصاة مسكوتاً عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان سنياً وإن كان معتزلياً فقد وافق سنن طبعه، ويجاب عما بعد بالمنع، وقيل: أمر الاستثناء ما علمت إلا أن المستثنى مدة لبثهم في الدنيا أو البرزخ ويقطع النظر عن {أية : يَوْمَ يَأْتِ }تفسير : [هود: 105] والمعنى أنهم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زماناً شاء الله تعالى لبثهم في الدنيا أو البرزخ، والمراد مع زمان الموقف إذ ليسوا في زمانه أيضاً في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فلا يحتاج للمعية لكن يرد أنهم معذبون في البرزخ أيضاً إلا أن يقال: لا يعتد بذلك لأنه عذاب غير تام لعدم تمام حياتهم فيه، وأورد عليه ما أورد على ما قبله، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأول وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه ما يدل على تعيين زمان حتى لا يمكن الزيادة عليه وهو كما ترى. وقيل: هو استثناء من قوله سبحانه: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}تفسير : [هود: 106] ورد بأن المقابل لا يجري فيه هذا ويبقى الإشكال، وأجيب بأن المراد ذكر ما تحتمله الآية والإطراد ليس بلازم، وتعقب بأنه ليس المراد إلا بيان ضعف هذا الوجه وكفى بعدم الإطراد ضعفاً، وقيل: {إِلا} بمعنى سوى كقولك: لك عليّ ألفان إلا الألف التي كانت يعني سواها، ونقل ذلك عن الزجاج والفراء والسجاوندي، والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض، والاستثناء في ذلك منقطع، ويحتمل أن يريدوا أن {إِلا} بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها مقدار مدة السماوات والأرض سوى ما شاء الله تعالى مما لا يتناهى، وضعف هذا القيل بأنه يلزم حمل السماوات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غير نظر إلى معنى التأييد وهو فاسد، وقيل: {إِلا} بمعنى الواو أي وما شاء ربك زائداً على ذلك، واستشهد على مجيئها بمعنى الواو بقوله: شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك (إلا) الفرقدان تفسير : وفيه أن هذا قول مردود عند النحاة، وقال العلامة الطيبـي: الحق الذي لا محيد عنه أن يحمل {مَا} على من لإرادة الوصفية وهي المرحومية، و {خَـٰلِدِينَ} حال مقدرة من ضمير الاستقرار أن في النار، والمعنى وأما الذين شقوا ففي النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله تعالى أن لا يستقر مخلداً فيفيد أن لا يستقر فيها مطلقاً أو يستقر غير مخلد، وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص، وفي ذلك إيذان بأن إخراجهم بمحض رحمة الله تعالى فينطبق عليه قوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} وتعقب بأنه لا يجري في المبال إلا بتأويل الإمام وقد مر ما فيه، أو بجعله من أصل الحكم ويقتضي أن لا يدخلوا أصلاً، وإذا أول بمقدرين فلو جعل استثناء من مقدرين لم يتجه، ومن قوله تعالى: {فِي ٱلنَّارِ} فلا يكون لهم دخول أصلاً، ودلالة {مَا} لإبهامها إما على التفخيم أو التحقير ولا يطابق المقام، وقيل: وقيل، والأوجه أن يقال: إن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير فمعنى إلا ما شاء إن شاء لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان مستثنى من مدة خلودهم لكن ذلك لا يقع لدلالة القواطع على عدم وقوعه، / وهذا كما قال الطيبـي من أسلوب {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمّ ٱلْخِيَاطِ }تفسير : [الأعراف: 40] {أية : وَلاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ }تفسير : [الدخان: 56] وذكر أنه وقف على نص من قبل الزجاج يوافق ذلك. وفي «المعالم» عن الفراء أيضاً ما يوافقه حيث نقل عنه أنه قال: هذا استثناء استثناه سبحانه ولا يفعله كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه، وحذو القذة بالقذة ما نقله قبل عن بعضهم أن المعنى لو شاء لأخرجهم لكنه لا يشاء لأنه سبحانه حكم لهم بالخلود. وفي «البحر» عن ابن عطية نقلاً عن بعض ما هو بمعناه أيضاً حيث قال: ((وأما قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} فقيل فيه: إنه على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام فهو على نحو قوله جل وعلا: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ }تفسير : [الفتح: 27] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قيل: إن شاء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع)) وممن ذهب إلى ذلك أيضاً الفاضل ميرزاجان الشيرازي في «تعليقاته على تفسير القاضي» ونص على أنه من قبيل التعليق بالمحال حتى يثبت محالية المعلق ويكون كدعوى الشيء مع بينة، وهو أحد الأوجه التي ذكرها السيد المرتضى في «درره». وتفسير الاستثناء الأول بالشرط أخرجه ابن مردويه عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك الجلال السيوطي في الدر المنثور، ولعل النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل: إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لاحق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ}. وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه كما ذهب إليه المعتزلة حيث أخبر به جل وعلا مؤكداً، والمراد ـ بالذين شقوا ـ على هذا الوجه الكفار فقط فإنهم الأحقاء بهذا الاسم على الحقيقة ـ وبالذين سعدوا ـ المؤمنون كافة مطيعهم وعاصيهم فيكون التقسيم في قوله سبحانه: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} تفسير : [هود: 105] للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى: {أية : فَفِي ٱلْجَنَّةِ }تفسير : [هود: 108] لأنه يصدق بالدخول في الجملة. وفي «الكشف» بعد نقل أن الاستثناء من باب {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ }تفسير : [الأعراف: 40] فإن قلت: فقد حصل مغزى الزمخشري من خلود الفساق، قلت: لا كذلك لأنهم داخلون في السعداء، والآية تقتضي خلود السعيد وذلك بعد دخوله فيها لا محالة، ولا تنفي كينونته في النار قبل دخوله في الجنة فإن اللفظ لا يقتضي أن يدخلوا ـ أعني السعداء ـ كلهم في الجنة معا كيف والقاطع يدل على دخولهم أولا فأولا عى حسب مراتبهم انتهى فتأمل، فإن الآية من المعضلات. وإنما لم يضمر في {إِنَّ رَبَّكَ} الخ كما هو الظاهر لتربية المهابة وزيادة التقرير، واللام في {لَّمّاً} قيل: للتقوية أي فعال ما يريده سبحانه لا يتعاصى عليه شيء بوجه من الوجوه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ}. قيد تعالى خلود أهل الجنة وأهل النار بالمشيئة. فقال في كل منهما: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّك} ثم بين عدم الانقطاع في كل منهما، فقال في خلود أهل الجنة: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذ}تفسير : [هود: 108] {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}تفسير : [ص: 54]. وقال في خلود أهل النار: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}تفسير : [الإسراء: 97]. ومعلوم أن {كُلَّمَا} تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها. وقد أوضحنا هذه المسألة إيضاحاً تاماً في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 128] وفي سورة النبأ في الكلام. على قوله تعالى: {أية : لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} تفسير : [النبأ: 23].

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِدِينَ} {ٱلسَّمَاوَاتُ} (107) - وَيَبْقُونَ فِي النَّارِ خَالِدِينَ، مَا دَامَتْ هُنَاكَ سَمَاوَاتٌ تُظِلُّ المَخْلُوقَاتِ، وَأَرْضٌ يَقِفُونَ عَلَيها، إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ، إِذْ يُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ العُصَاةَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَمْتَنُّ عَلَى الآخَرِينَ فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَهُوَ القَادِرُ والفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "الخلود" تفيد المكث طويلاً؛ مكوثاً له ابتداء ولا نهاية له؛ وإذا أبِّد فهو تأكيد للخلود. والذين شقوا إنما يدخلون النار؛ بدءاً من لحظة: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..}تفسير : [هود: 105]. وهو عذاب لا نهاية له بالنسبة للكافرين. وأما عذاب المسلم العاصي على ما ارتكب من آثام؛ فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن تنتهي فترة عذابه المناسبة لمعاصيه؛ ويدخل الجنة من بعد ذلك. ولهذا قال الحق سبحانه: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ..} [هود: 107]. وهكذا ينقص الحق سبحانه الخلود في النار بالنسبة لأنصاف المؤمنين، فالحق سبحانه {.. فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] ولا يحكمه أي شيء. وإياكم أن تظنوا أن قدر الله يحكمه؛ فالقدر فِعْلُه، ولا أحد يسأل الله سبحانه عمَّا يفعل؛ لأن ذات الله هي الفاعلة؛ فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاصٍ في النار؛ فالنقص يكون في النهاية؛ وبذلك يتحقق أيضاً نقص خلوده في الجنة، لأنه لا يدخلها إلا بعد أن يستوفي عقابه. وبهذا التصور ينتهي الإشكال الذي اختلف حوله مائة وخمسون عالماً؛ فقد ظن بعضهم أن الحق سبحانه يغلق أبواب النار على من أدخلهم إياها، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية، وكذلك من دخل الجنة من البداية سيظل فيها أبداً، ولن يُلحق الله أصحاب الكبائر بالجنة، ومن قال بذلك الرأي إنما يُسوِّي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بالله، وهذا أمر غير متصور، وهو بعيد عن رحمة الله. وإذا كان هذا البعض من العلماء قد استدل على رأيه بالآية الكريمة التي جاءت في سورة الجن، والتي يقول فيها الحق سبحانه: {أية : إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}تفسير : [الجن: 23]. فنحن نقول: إن الحق سبحانه يربِّب لطفه للكافر حتى يؤمن، وللعاصي حتى يتوب، وهذا من رحمة الله سبحانه، فتأبيد الخلود في العذاب لم يرد إلا في آيتين، وهذا دليل على عظيم رحمة الله وسِعَة عفوه سبحانه. ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه رحمة الله للعالمين؛ وكلمة "العالمين" جمع "عالَم" والعالَم هو ما سِوى الله تعالى. ولذلك هناك رحمة للكافر؛ هي عطاء الله له في الدنيا. وهكذا نعلم أن الله سبحانه هو الذي يملك نواميس الكون، ولم يتركها تفعل وحدها، بل يزاول سبحانه سلطانه عليها، وما دام القدر هو فعله سبحانه؛ فهو يغيِّر فيه كما يشاء. فهو سبحانه رب الزمان والمكان والحركة، وما دام هو رب كل شيء فإنه فعال لما يريد، وهنا تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته. وقول الحق سبحانه: {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..} [هود: 107]. نفهم منه أن الجنة أو النار لا بد أن يوجد لهما ما يعلوهما ويظللهما، ولا بد أن يوجدا فوق أرض ما. وإذا قال قائل: إن الحق سبحانه قد ذكر في القرآن أن السماء سوف تمور وتنفطر. نقول رداً عليه: لا تأخذ آية في القرآن إلا بضميمة مثيلاتها. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ ..}تفسير : [إبراهيم: 48]. والحق سبحانه يورث أرض الجنة لمن يشاء؛ لأنه سبحانه هو القائل على لسان المؤمنين يوم القيامة: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ..}تفسير : [الزمر: 74]. أو لأن الإنسان له أغيار، وما حوله له أغيار. ومن العجيب أن الإنسان المخدوم بالمادة الجامدة؛ وبالنبات النامي؛ وبالحيوان الذي يحس ويتحرك؛ هذا الإنسان قد يكون أطول عمراً من بعض المخلوقات المسخَّرة لخدمته؛ لكنه أقل عمراً من الشمس ومن القمر. لكن الحق سبحانه هنا يصور عمر الإنسان في الآخرة؛ فكأنه سبحانه يعطي الأمد على أطول ما عرفنا من الأعمار؛ ولذلك قال سبحانه: {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..} [هود: 107]. وإذا علَّق الله سبحانه شيئاً على شيء، فلا بد أن يوجد هذا التعليق. والحق سبحانه يتكلم عن أهل النار من الكفار، فيقول تعالى: {أية : وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ..}تفسير : [الأعراف: 40]. فهل سيلج الجمل في سَمِّ الخِياط؟ إن ذلك محال. ولذلك أقول: فلنأخذ التعليقات في نطاق أنه سبحانه: {.. فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107]. وقد جاء في الكتاب قول سيدنا عيسى عليه السلام: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [المائدة: 118]. فكان مقتضى السياق أن يقول سبحانه: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم. وهذه نظرة سطحية لمدلولات القرآن، بعقول البشر، أما ببلاغة الحق سبحانه فيكون الأمر مخالفاً، فأمر التعذيب أو الغفران موكول لله سبحانه بيده وحده، وليس لأحد أن يسأله لِمَ فعل هذا؟ ولِمَ ترك هذا؟ لذلك كان هذا هو معنى العزة؛ ولذلك كان سبحانه عزيزاً، وهو سبحانه أيضاً حكيم في أي أمر يحكم فيه سواء أكان بالتعذيب أو المغفرة. لذلك جاء سبحانه بالخاتمة التي تثبت للحق سبحانه التعذيب أو المغفرة. ففي تعذيب الكافرين قال سبحانه: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107]. وفي الكلام عن الطائعين الذين أدخلوا الجنة قال سبحانه: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 371 : 22 : 2 - سفين عن رجل عن الضحاك في قوله {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} قال، الا من استثنى من اهل القبلة الذين أُخرجوا من النار [الآية 107].