Verse. 1591 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلَوْ شَاۗءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ اُمَّۃً وَّاحِدَۃً وَّلَا يَزَالُوْنَ مُخْتَلِفِيْنَ۝۱۱۸ۙ
Walaw shaa rabbuka lajaAAala alnnasa ommatan wahidatan wala yazaloona mukhtalifeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شاء ربك لجعل الناس أمَّة واحدة» أهل دين واحد «ولا يزالون مختلفين» في الدين.

118

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى: أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر؛ كما قال تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي: ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، وقال عكرمة: مختلفين في الهدى، وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق، يسخر بعضهم بعضاً، والمشهور الصحيح الأول. وقوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} أي: إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ووازروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية؛ كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضاً: «حديث : إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة» تفسير : قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «حديث : ما أنا عليه وأصحابي» تفسير : رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة، وقال عطاء: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} يعني: اليهود والنصارى والمجوس {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} يعني: الحنيفية، وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم، وقوله: {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم، وقال مكي بن أبي طلحة عن ابن عباس: خلقهم فريقين؛ كقوله: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} تفسير : [هود: 105] وقيل: للرحمة خلقهم. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن طاوس: أن رجلين اختصما إليه، فأكثرا، فقال طاوس: اختلفتما وأكثرتما، فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا، فقال طاوس: كذبت، فقال: أليس الله يقول: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: لم يخلقهم ليختلفوا، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة؛ كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم، ولم يخلقهم للعذاب، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة، ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] وقيل: بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم؛ كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: الناس مختلفون على أديان شتى {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} فمن رحم ربك غير مختلف، فقيل له: لذلك خلقهم؟ قال: خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه. وكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش، وقال ابن وهب: سألت مالكاً عن قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيد الفراء. وعن مالك فيما روينا عنه من التفسير: {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: للرحمة وقال قوم: للاختلاف. وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره؛ لعلمه التام، وحكمته النافذة: أن ممن خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار، وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً يسكن فضل الجنة، وأما النار فلا تزال تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع عليها رب العزة قدمه، فتقول: قط قط وعزتك»ـ

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } أهل دين واحد {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } في الدين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمّةً واحدةً} فيه وجهان: أحدهما: على ملة الإسلام وحدها، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أهل دين واحد، أهل ضلالة وأهل هدى، قاله الضحاك. {ولا يزالون مختلفين إلا من رَحِمَ ربّك} فيه ستة أقاويل: أحدها: مختلفين في الأديان إلا من رحم ربك من أهل الحق، قاله مجاهد وعطاء. الثاني: مختلفين في الحق والباطل إلا من رحم ربك من أهل الطاعة، قاله ابن عباس. الثالث: مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير إلا من رحم ربك من أهل القناعة. قاله الحسن. الرابع: مختلفين بالشقاء والسعادة إلا من رحم ربك بالتوفيق. الخامس: مختلفين في المغفرة والعذاب إلا من رحم ربك بالجنة. السادس: أنه معنى مختلفين أي يخلف بعضهم بعضاً، فيكون من يأتي خلفاً للماضي لأن سوءاً في كل منهم خلف بعضهم بعضاً، فاقتتلوا ومنه قولهم: ما اختلف الجديدان، أي جاء هذا بعد ذاك، قاله ابن بحر. {ولذلك خلقهم} فيه أربعة أقاويل: أحدها: للاختلاف خلقهم، قاله الحسن وعطاء. الثاني: للرحمة خلقهم، قاله مجاهد. الثالث: للشقاء والسعادة خلقهم، قاله ابن عباس. الرابع: للجنة والنار خلقهم، قاله منصور بن عبد الرحمن.

ابن عطية

تفسير : المعنى: لجعلهم أمة واحدة مؤمنة - قاله قتادة - حتى لا يقع منهم كفر ولا تنزل بهم مثلة، ولكنه عز وجل لم يشأ ذلك، فهم لا يزالون مختلفين في الأديان والآراء والملل - هذا تأويل الجمهور - قال الحسن وعطاء ومجاهد وغيرهم: المرحومون المستثنون هم المؤمنون ليس عندهم اختلاف. وقالت فرقة: {لا يزالون مختلفين} في السعادة والشقاوة، وهذا قريب المعنى من الأول إذ هي ثمرة الأديان والاختلاف فيها، ويكون الاختلاف - على هذا التأويل - يدخل فيه المؤمنون إذ هم مخالفون للكفرة؛ وقال الحسن أيضاً: لا يزالون مختلفين في الغنى والفقر. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد معناه من معنى الآية، ثم استثنى الله تعالى من الضمير في {يزالون} من رحمه من الناس بأن هداه إلى الإيمان ووفقه له. وقوله: {ولذلك خلقهم} اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة: ولشهود اليوم المشهود - المتقدم ذكره- خلقهم، وقالت فرقة: ذلك إشارة إلى قوله - قبل - {أية : فمنهم شقي وسعيد} تفسير : [هود: 105] أي لهذا خلقهم. قال القاضي أبو محمد: وهذان المعنيان وإن صحا فهذا العود المتباعد ليس بجيد؛ وروى أشهب عن مالك أنه قال: ذلك إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير. قال القاضي أبو محمد: فجاءت الإشارة بذلك إلى الأمرين: الاختلاف والرحمة وقد قاله ابن عباس واختاره الطبري ويجيء - عليه - الضمير في {خلقهم} للصنفين وقال مجاهد وقتادة ذلك عائد على الرحمة التي تضمنها قوله: {إلا من رحم}، أي وللرحمة خلق المرحومين، قال الحسن، وذلك إشارة إلى الاختلاف الذي في قوله: {ولا يزالون مختلفين}. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بخلقهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إن قاعدة الشرع أن الله عز وجل خلق خلقاً للسعادة وخلقاً للشقاوة، ثم يسر كلاًّ لما خلق له، وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو أمارة الشقاوة وبه علق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا وللاختلاف خلقهم: أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة. ويصح أن يجعل اللام في قوله: {ولذلك} لام الصيرورة أي وخلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك، وإن لم يقصد بهم الاختلاف. قال القاضي أبو محمد: ومعنى قوله {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] أي لآمرهم بالعبادة، وأوجبها عليهم، فعبر عن ذلك بثمرة الأمر ومقتضاه. وقوله، {وتمت كلمة ربك} أي نفذ قضاؤه وحق أمره، واللام في {لأملأن} لام قسم إذ "الكلمة" تتضمن القسم. و "الجن" جمع لا واحد له من لفظه وهو من أجن إذا ستر و"الهاء" في {بالجنة} للمبالغة. وإن كان الجن يقع على الواحد فالجنة جمعه.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةً وَاحِدَةً} على الإسلام، أو على دين واحد من ضلالة أو هدى، {مُخْتَلِفِينَ} في الأديان.

البقاعي

تفسير : ولما كان مثل هذه الآيات ربما أوهم أن إيمان مثل هؤلاء مما لا يدخل تحت المشيئة، نفى ذلك الوهم مبيناً انفكاك المشيئة عن الأمر بقوله: {ولو شاء ربك} أي المحسن إليك بكل إحسان يزيدك رفعة {لجعل الناس} أي كلهم {أمة واحدة} على الإصلاح، فهو قادر على أن يجعلهم كلهم مصلحين متفقين على الإيمان فلا يهلكهم، ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء اختلافهم والأمر تابع لمشيئته فاختلفوا {ولا يزالون مختلفين} أي ثابتاً اختلافهم لكونهم على أديان شتى {إلا من رحم ربك} أي المحسن إليك بالتأليف بينهم في جعلهم من أهل طاعتك فإنهم لا يختلفون في أصول الحق. ولما كان ما تقدم ربما أوجب أن يقال: لمَ لم يُقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم عن موجبات الردى إذا كان قادراً؟ قال تعالى مجيباً عن ذلك: {ولذلك} أي الاختلاف {خلقهم} أي اخترعهم وأوجدهم من العدم وقدرهم، وذلك أنه لما طبعهم سبحانه على خلائق من الخير والشر تقتضي الاختلاف لتفاوتهم فيها، جعلوا كأنهم خُلقوا له فجروا مع القضاء والقدر، ولم يمكنهم الجري على ما تدعو إليه العقول في أن الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة، فاستحق فريق منهم النار وفريق جنة، وليس ذلك مخالفاً لقوله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] بل هو من شكله، أي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ومنحهم العقول مع نصب الأدلة، كان ذلك مهيئاً للعبادة فكانوا كأنهم ما خلقوا إلا لها أي ما خلقتهم إلا ليعرفون بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم فيعبدون، أي يخضعوا لي فمن كان منهم طائعاً فهو عابد حقيقة، ومن كان عاصياً كان عابداً مجازاً، أي خاضعاً للأمر لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال تعالى {أية : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} تفسير : [الرعد: 15]، فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي خلقهم للاختلاف، لأن جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسجود لغة، وذلك أن مادتي عبد وسجد تدوران على الخضوع والذل والانقياد، وبذلك كان الكل عبيد الله، أو الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ويظهر عدله فيمن خذلهم. ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي أرسل رسله بالقتال عليه، كان ربما ظن أنه بغير مشيئته، فبين أنه إنما هو بمراده ولا اعتراض عليه فقال: {وتمت} أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم معرضين عن أوامره ولم تغن عنهم عقولهم، وتمت حينئذ {كلمة ربك} أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي سبقت في الأزل وهي وعزتي {لأملأن جهنم} أي التي تلقى المعذب فيها بالتجهم والعبوسة {من الجنة} أي قبيل الجن، قدمهم لأنهم أصل في الشر، ثم عم فقال: {والناس أجمعين*} فمشوا على ما أراد ولم يمكنهم مع عقولهم الجيدة الاستعدد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد، فمن قال: إنه يخلق فعله أو له قدرة على شيء فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ثم يفعله ليتم قوله. وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه إليه بقالبه وقلبه. ولما أخبر سبحانه بما فعل بالقرى الظالمة، وحذر كل من فعل أفعالهم بسطواته في الدنيا والآخرة، وأمر باتباع أمره والاعراض عن اختلافهم الذي حكم به وأراده، عطف على قوله {نقصه عليك} قوله: {وكلاًّ نقص} أي ونقص {عليك} كل نبأ أي خبر عظيم جداً {من أنباء الرسل} مع أممهم: صالحيهم وفاسديهم، فعم تفخيماً للأمر، ولما كان الذي جرّ هذه القصص ما مضى من قوله: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك}، وكان ساكن الصدر القلب، وهو الفؤاد الذي به قوام الإنسان بل الحيوان، وهو أحرّ ما فيه، ولذا عبر عنه بما اشتق من الفأد وهو الحرف، وكان من لازم الحرارة الاضطراب والتقلب الذي اشتق منه القلب فيضيق به الصدر، أبدل من {كلاًّ} قوله: {ما نثبت} أي تثبيتاً عظيماً {به فؤادك} أي فيسكن في موضعه ويطمئن أو يزداد يقينه فلا يضيق الصدر من قولهم {لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} ونحوه، وبهذا تبين أن المراد بذلك العام خاص لحصوله المقصود له، وهو التسلية نظراً إلى قوله تعالى {وضائق به صدرك} لأن المشاركة في الأمور الصعبة تهون على الإنسان ما يلقى من الأذى، والإعلام بعقوبات المكذبين فيها تأنيس للمكروب؛ والتثبيت: تمكين إقامة الشيء؛ والفؤاد: العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب الحال فيه، من المفتأد وهو المستوي. ولما بين أن كل ما قص عليه من أخبارهم يستلزم هذا المقصود، بين أنه ليس كما يعلل به غالباً من الأخبار الفارغة والأحاديث المزخرفة الباطلة ولا مما ينقله المؤرخون مشوباً بالتحريف فقال: {وجاءك في هذه} أي الأخبار {الحق} أي الكامل في الثبات الذي لا مرية فيه، وفائدة الظرف التأكيد لعظم المقصود من آية {فلعلك} وصعوبته. ولما كان الحق حقاً بالنسبة إلى كل أحد عرفه ونكر ما هو خاص بقوم دون قوم فقال: {وموعظة} أي مرقق للقلوب {وذكرى} أي تذكير عظيم جداً {للمؤمنين*} أي الراسخين في الإيمان، وقد تضمنت الآية الاعتبار من قصص الرسل بما فيها من حسن صبرهم على أممهم واجتهادهم على دعائهم إلى عبادة الله بالحق وتذكير الخير والشر وما يدعو إليه كل منهما من عاقبة النفع والضر للثبات على ذلك جميعه اقتداء بهم. ولما ذكر نفع هذا الحق، كان كأنه قيل: فعظهم بذلك وذكرهم به، فعطف عليه قوله: {وقل} ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله {واصبر} أي اصبر على ما أمرناك به من تبليغ وحينا وامتثاله، وقل {للذين} أي لم تؤثر فيهم هذه الموعظة فهم {لا يؤمنون} أي لا يتجدد لهم إيمان منذراً لهم {اعملوا} متمكنين {على مكانتكم} أي طريقتكم التي تتمكنون من العمل عليها. ولما كان العمل واجباً عليه صلى الله عليه وسلم وعلى كل من تبعه فهم عاملون لا محالة سواء عمل الكفار أو لا، قال مؤكداً لأجل إنكار الكفار أن يدوموا على العمل المخالف لهم مع ما يصل إليهم لأجله من الضر، معرياً له عن فاء السبب لذلك والاستئناف: {إنا} أي أنا ومن معي {عاملون*} أي ثابت عملنا لا نحول عنه لأن ما كان لله فهو دائم بدوامه سبحانه، وحذف النون الثانية اكتفاء بمطلق التأكيد لأنه كافٍ في الإعلام بالجزم في النية، وفيه تأدب بالإشارة إلى أن المستقبل أمر لا اطلاع عليه لغير الله فينبغي أن لا يبلغ في التأكيد فيه غيره، وهذا بخلاف ما في سورة فصلت مما هو جارٍ على ألسنة الكفرة {وانتظروا} أي ما أنتم منتظرون له من قهرنا {إنا منتظرون*} أي ما وعدنا الله في أمركم، فإن الله مهلكهم ومنجيك لأنه عالم بغيب حالك وحالهم وقادر عليكم؛ والانتظار: طلب الإدراك لما يأتي من الأمر الذي يقدر النظر إليه؛ والتوقع: طلب ما يقدر أنه يقع، وهما يكونان في الخير والشر ومع العلم والشك، والترجي لا يكون إلا مع الخير والشك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏ولا يزالون مختلفين‏} ‏ قال‏:‏ أهل الحق وأهل الباطل ‏ {‏إلا من رحم ربك‏} ‏ قال‏:‏ أهل الحق ‏{‏ولذلك خلقهم‏}‏ قال‏:‏ للرحمة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك‏}‏ قال‏:‏ إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال ‏ {‏لا يزالون مختلفين‏} ‏ في الهوى‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح ‏ {‏ولا يزالون مختلفين‏}‏ أي اليهود، والنصارى، والمجوس، والحنيفية، وهم الذين رحم ربك الحنيفية‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال‏:‏ الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك غير مختلف ‏ {‏ولذلك خلقهم‏} ‏ قال‏:‏ للاختلاف‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ‏{‏ولا يزالون مختلفين‏} ‏ قال‏:‏ أهل الباطل ‏ {‏إلا من رحم ربك‏} ‏ قال‏:‏ أهل الحق ‏ {‏ولذلك خلقهم‏} ‏ قال‏:‏ للرحمة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة ‏ {‏ولا يزالون مختلفين‏}‏ قال‏:‏ اختلاف الملل ‏ {‏إلا من رحم ربك‏}‏ قال‏:‏ أهل القبلة ‏ {‏ولذلك خلقهم‏} ‏ قال‏:‏ للرحمة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال‏:‏ أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت أبدانهم ‏ {‏ولذلك خلقهم‏} ‏ للرحمة والعبادة ولم يخلقهم للاختلاف‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏ولذلك خلقهم‏} ‏ قال‏:‏ خلقهم فريقين‏:‏ فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف‏.‏ وكذلك قوله ‏{‏أية : فمنهم شقي وسعيد‏} ‏تفسير : [‏هود: 105‏]‏‏. وأخرج ابن المنذر عن قريش قال‏:‏ كنت عند عمرو بن عبيد، فجاء رجلان فجلسا فقالا‏:‏ يا أبا عثمان ما كان الحسن يقول في هذه الآية ‏ {‏ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم‏} ‏‏؟‏ قال‏:‏ كان يقول ‏{أية : ‏فريق في الجنة وفريق في السعير‏} تفسير : ‏[‏الشورى: 7‏]‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏{‏ولذلك خلقهم‏} ‏ قال‏:‏ خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وخلق هؤلاء لرحمته وهؤلاء لعذابه‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن أبي نجيح‏.‏ أن رجلين تخاصما إلى طاوس فاختلفا عليه فقال‏:‏ اختلفتما علي فقال أحدهما لذلك خلقنا‏.‏ قال‏:‏ كذبت‏.‏ قال‏:‏ أليس الله يقول ‏ {‏ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم‏} ‏‏؟‏ قال‏:‏ إنما خلقهم للرحمة والجماعة‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} مجتمعةً على الحق ودين الإسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه أحدٌ ولكن لم يشأ ذلك فلم يكونوا متفقين على الحق {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} في الحق أي مخالفين له كقوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ }تفسير : [البقرة: 213] {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} إلا قوماً قد هداهم الله تعالى بفضله إلى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه أي لم يخالفوه، وحملُه على مطلق الاختلاف الشاملِ لِما يصدر من المُحق والمُبطل يأباه الاستثناءُ المذكور {وَلِذٰلِكَ} أي ولما ذكر من الاختلاف {خَلْقَهُمْ} أي الذين بقُوا بعد الثنيا وهو المختلِفون، فاللامُ للعاقبة أو للترحم فالضميرُ لمن واللام في معناها أو لهما معاً فالضميرُ للناس كافةً واللام بمعنى مجازيَ عامّ لكلا المعنيـين {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} أي وعيدُه أو قولُه للملائكة {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي من عُصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من أحدهما، {وَكُلاًّ} أي وكلَّ نبأ فالتنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه {نَقُصُّ عَلَيْكَ} نجبرك به وقوله تعالى: {مِنْ أَنْبَاء ٱلرُّسُلِ} بـيانٌ لكُلاًّ وقوله تعالى: {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} بدلٌ منه والأظهر أن يكون المضافُ إليه المحذوفُ في كلاًّ المفعولَ المطلق لنقصُّ أي كلَّ أسلوبٍ من أساليبه نقصُّ عليك من أنباء الرسل، وقوله تعالى: {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} مفعولُ نقصّ وفائدتُه التنبـيهُ على أن المقصودَ بالاقتصاص زيادةُ يقينه عليه السلام وطُمأنينةُ قلبه وثباتُ نفسه على أداء الرسالة واحتمالِ أذية الكفارِ بالوقوف على تفاصيل أحوالِ الأممِ السالفة في تماديهم في الضلال وما لقيَ الرسلُ من جهتهم من مكابدة المشاقّ {وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ} السورة أو الأنباءِ المقصوصة عليك {ٱلْحَقّ} الذي لا محيد عنه {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي الجامعُ بـين كونه حقاً في نفسه وكونهِ موعظةً وذكرى للمؤمنين ولكون الوصفِ الأولِ حالاً له في نفسه حُلّي باللام دون ما هو وصفٌ له بالقياس إلى غيره، وتقديمُ الظرفِ أعني (في هذه) على الفاعل لأن المقصودَ بـيانُ منافعِ السورةِ أو الأنباءِ المقصوصةِ فيها واشتمالِها على ما ذكر من المنافع المفصلةِ لا بـيانُ كونِ ذلك فيها لا في غيرها ولأن عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ تبقى النفسُ مترقبةً إليه فيتمكن فيها عند الورودِ فضلُ تمكّنٍ ولأن في المؤخَّر نوعَ طولٍ يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}. لو شاء لَجَعلهم أربابَ الوفاق ثم لا يوجبون لمُلْكِه زَيْناً، ولو شاء لجعلهم أرباب الخلافِ ثم لا يوجِبُون لمُلْكِه شَيْنا. ثم قال: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} لأنه كذلك أراد بهم. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] في سباق حكمه فعصمهم عن الخلاف في حاصل أمورهم، وأقامهم به، ونصبهم له، وأثبتهم في الوفاق والمحبة والتوحيد. قوله جلّ ذكره: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. أي لا تبديل لقوله، ولا تحويلَ لحُكْمه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} اى على سبيل === من توحيده ومعرفته وقربته ومشاهدته ولكن حكمته الازلية وعلومه القدمية تفرقهم فى طرق المعارف === كل واحد منهم سبيلا يسلك فيه من معرفة ذاته وصفاته جميعا فيسيرون اليه بسبيل الصفات وطريق الذات على حسب مذاقهم ومشاربهم فبعض فى المعرفة وبعض فة التوحيد وبعض فى المحبة وبعض فى العشق وبعض فى الشوق وبعض فى الارادة وبعض فى الحالات وبعض فى المعاملات ولا يشبه حال المريدين حال المتوسطين ولا حال المتوسطين وبعض الارادة وبعض فى الحالات وبعض فى المعاملات ولا يشبه حال المريدين حال المتوسطين ولا حال المتوسطين حال العارفين وحال العارفين حالا الانبياء والمرسلين وتقدر علومهم معرفتهم ولم يرتفع الاختلاف بينهم قال الله تعالى {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} اى مختلفين فى الاحوال والمقامات والافعال والاقوال {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} يبلغه الى مقام الغيبة عنه من ولهه فى انوار القدم وفنائه فى سطوات الازل وايضا الامن يبلغه مقام الصحو والتمكين حتى يطلع على الكل فلا تخالفهم فيما هم فيه لانه فى مقام الاتصاف ونعت المكين خارجا عن التلوين {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} اى طباعهم مجبولة باختلاف ترقى المقامات ودرجات الحالات وهذا سنة الله جرت فى الجميع قال تعالى كل اناس مشربهم ويمكن ان الجميع خلقهم للمخالفة فى البدايات وللموافقة فى النهايات فى هذه المقامات وهذه الدرجات ويمكن ان الجميع خلقوا للرحمة وهى الموافقة فى النهاية بعد عبورهم على بحار الاحوال والاعمال اذا وصلوا الى بحرا المشاهدة فيفرقون فيها ولا يعرف هناك فى تلك الساعة الوضيع من الشريف لانها منازل الشرفات وحقائق المدانات وهو بجميعهم رؤوف رحيم شعر : اذا اطلع الصباح لنجم راح تساوى فيه سكران وصاحى تفسير : قال الجنيد خلقهم للاختلاف لو خلقهم للموافقة لما رجعوا عنه الى سواه الا من رحم ربك منهم فايدهم بانوار الموافقة فلزموا الشدة ولا يلتفتوا الى الاغيار.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شاء ربك} مشيئة قسر كما فى الكواشى {لجعل الناس امة واحدة متفقة على الحق ودين الاسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه احد كما كانوا قبل الاختلاف قال الله تعالى {أية : وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا} تفسير : وكما يكونون بعد الاختلاف فى آخر الزمان فى عهد عيسى عليه السلام على ما فى بعض الروايات ولكن لم يشأ ذلك لما علم انهم ليسوا باهل لذلك فلم يكونوا امة متفقة على الحق. يقول الفقير وقع الاتفاق فى اول النشأة الانسانية ثم آل الامر الى الاختلاف بمقتضى الحكمة الالهية الى عهد عيسى عليه السلام ويعود فى زمانه على ما كان عليه قبل. ففيه اشارة الى اتحاد سر الازل والابد فافهم جدا. واما الاختلاف الواقع قبل آدم فغير معتبر لكونه من جنس الناس وكذا بعد عيسى عليه السلام لكونه بعد انقطاع الولاية المطلقة وانتقالها الى نشأة اخرى {ولا يزالون} اى الناس {مختلفين} فى الحق ودين الاسلام اى مخالفين له كقوله تعالى {أية : وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} تفسير : او على انبيائهم كما قال عليه السلام "حديث : ان الله بعثنى رحمة للعالمين كافة فادوا عنى رحمكم الله ولا تختلفوا كما اختلف الحواريون على عيسى فانه دعاهم الى الله مثل ما ادعوكم اليه " تفسير : وفى الآية اثبات الاختيار للعبد لما فيها من النداء على انهم صرفوا قدرتهم وارادتهم الى كسب الاختلاف فى الحق فان وجود الفعل بلا فاعل محال سواء كان موجبا اولا وهو جبر متوسط وقول بين القولين وذلك لان الجبرية اثنتان متوسطة تثبت كسبا فى الفعل كالاشعرية من اهل السنة والجماعة وخالصة لا تثبته كالجهمية وان القدرية يزعمون ان كل عبد خالق لفعله لا يرون الكفر والمعاصى بتقدير الله تعالى فنحن معاشر اهل السنة نقول العبد كاسب والله خالق اى فعل العبد حاصل بخلق الله اياه عقيب ارادة العبد وقصده الجازم بطريق جرى العادة بان الله يخلقه عقيب قصد العبد ولا يخلقه بدونه فالمقدور الواحد داخل تحت القدرتين المختلفتين لان الفعل مقدور الله من جهة الايجاد ومقدور العبد من جهة الكسب يقول الفقير قوله تعالى {أية : وما رميت اذ رميت} تفسير : ونحوه لا ينافى الاختيار لان ذلك بالنسبة الى فناء العبد فى الحق ولا كلام فى ان المؤثر على كل حال هو الله تعالى: كما قال المولى الجامى قدس سره شعر : حق فاعل وهرجه جز حق آلات بود تأثير زآلت از محالات بود هستى مؤثر حقيقى است يكيست باقى همه اوهام وخيالات بود

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الاستثناء من ضمير "يزالون". يقول الحق جل جلاله: {ولو شاء ربك لجعل الناسَ أمةً واحدة}، متفقين على الإيمان أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف؛ ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة؛ فاسمه: الرحيم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم: أهل الإيمان. واسمه: المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الاتنقام والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي: وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه. هـ. {ولا يزالون مختلفين}؛ بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم؛ وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب، {إلا من رَّحِمَ ربك}؛ إلا ناساً هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاؤوا به، وهم المؤمنون. وقوله: {ولذلك خلقهم}؛ إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي: ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم، وإن كان الضمير يعود على "من"، فالإشارة إلى الرحمة، أي: إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه. {وتمت كلمة ربك} الأزلية على ما سبق له الشقاء، أي: نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء، أو هي قوله للملائكة: {لأَملأَنِّ جهنم من الجَنَّة والناس أجمعين}؛ أي من أهل العصيان منهما، لا من جميعهما. الإشارة: الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيدَ عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلف هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهباً. ولا تجد علماً من علوم إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم: المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا ـ رحمه الله ـ: شعر : مَذاهبُ الناس على اختلاف ومذاهب القوم على ائتلاف تفسير : وأما قول من قال: [ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم]، فالمراد بالاختلاف: تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : خلاف أمتي رحمة"تفسير : . المراد: الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب؛ ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار؛ لأن من قلد عالماً لقي الله سالماً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة سرد قصص الأنبياء: فقال: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ}.

الطوسي

تفسير : آيتان في الكوفي والبصري تمام الاولى عند قوله مختلفين وهي آية فيما سوى ذلك. هذه الآية تتضمن الاخبار عن قدرته تعالى بأنه لو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة أي على دين واحد، كما قال {أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة}تفسير : وقال {أية : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة}تفسير : أي على دين واحد بأن يلجئهم الى الاسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو داموا على غير ذلك لمنعوا منه، لكن ذلك ينافي التكليف ويبطل الغرض بالتكليف لأن الغرض به استحقاق الثواب. وقوله {ولا يزالون مختلفين} معناه في الاديان كاليهود والنصارى والمجوس وغير ذلك من اختلاف المذاهب الباطلة في قول مجاهد وقتادة وعطا والاعمش والحسن في رواية، وفي رواية أخرى عن الحسن أنهم يختلفون بالارزاق والاحوال ويتحيز بعضهم لبعض. والاول أقوى. والاختلاف هو اعتقاد كل واحد نقيض ما يعتقده الآخر، وهو ما لا يمكن أن يجتمعا في الصحة وان امكن ان يجتمعا في الفساد، ألا ترى أن اليهودية والنصرانية لا يجوز أن يكونا صحيحين مع اتفاقهما في الفساد، ويجوز ان يكون في اختلاف اهل الملل المخالفة للاسلام حق، لأن باعتقاد اليهودي ان النصرانية باطلة واعتقاد النصراني ان اليهودية فاسدة حق. وقوله {إلا من رحم ربك} استثناء منقطع، ولذلك جعل رأس آية، ولو كان متصلاً لم يجز ذلك، وانما كان استثناء منقطعاً، لان الاول على انهم يختلفون بالباطل، وليس كذلك من رحم لاجتماعهم على الحق. والمعنى {ولا يزالون مختلفين} بالباطل {إلا من رحم ربك} بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب، فان من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل. وقوله {ولذلك خلقهم} قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ان المراد وللرحمة خلقهم وليس لاحد ان يقول لو أراد ذلك لقال: ولتلك خلقهم لأن الرحمة مؤنثة اللفظ وذلك ان تأنيث الرحمة ليس بتأنيث حقيقي، وما ذلك حكمه جاز ان يعبر عنه بالتذكير، ولذلك قال الله تعالى {أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين}تفسير : ولم يقل قريبة على انه لا يمتنع ان يكون المراد: ولأن يرحم خلقهم، لأن الرحمة تدل على ذلك، فعلى هذا يكون التذكير واقعاً موقعه. الثاني - ان يكون اللام لام العاقبة، والتقدير أنه خلقهم وعلم أن عاقبتهم. تؤل الى الاختلاف المذموم، كما قال {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً} تفسير : وكما قلنا في قوله {أية : ولقد ذرانا لجهنم}تفسير : وهو المروي عن ابن عباس والحسن وعطاء ومالك، وقد يكون اللام بمعنى (على) كقولك اكرمتك على برّك بي اي لبرّك بي، فيكون التقدير، وعلى ذلك خلقهم، ولا يجوز ان يكون اللام لام الغرض، ويرجع الى الاختلاف المذموم، لان الله تعالى لا يخلقهم ويريد منهم خلاف الحق، لانه صفة نقص يتعالى الله عن ذلك. وايضاً فلو أراد منهم ذلك الاختلاف، لكانوا مطيعين له، لأن الطاعة هي موافقة الارادة والأمر، ولو كانوا كذلك لم يستحقوا عقاباً. وقد قال تعالى {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.تفسير : فبيّن تعالى انه خلقهم وأراد منهم العبادة، فكيف يجوز مع ذلك ان يكون مريداً لخلاف ذلك، وهل هذا الا تناقض؟! يتعالى الله عن ذلك. على ان في اختلاف أهل الضلال ما يريده الله، وهو اختلاف اليهود والنصارى في التثليث، واختلاف النصارى لليهود في تأبيد شرع موسى. وقيل ان معنى الاختلاف ها هنا هو مضي قوم ومجيء قوم آخرين، كما قال {أية : هو الذي جعل الليل والنهار خلفة}.تفسير : وهذا الاختلاف يجوز ان يريده الله. وقال الحسن قوله {ولذلك خلقهم} مردود على قوله {أية : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}تفسير : والمعنى خلقهم ليكون عدله فيهم، هذا، لا أن يهلكهم وهم مصلحون. وقوله {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} على الايمان، وهذه مشيئة القدرة {ولذلك خلقهم} ان تكون مشيئته وقدرته عليهم، {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال ليخالف اهل الحق اهل الباطل، وهو كقوله {أية : لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير}. تفسير : ويقوي هذا التأويل قوله {أية : وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون}.تفسير : وقوله {أية : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد},تفسير : فيكون الله خلقهم ليخالفوا الكافرين والمبطلين. وقال عمر عن الحسن: ان معنى {ولذلك خلقهم} ليكون أمر الكفار مختلفاً بكفرهم وتكذيبهم. وقال البلخي: أخبر أنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم، فانهم غير مختلفين، هذا معنى الآية، والا فلا معنى لها. ثم قال {ولذلك خلقهم} اي لان يكونوا أمة واحدة متفقين غير مختلفين. وقوله {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، معناه التحذير لكل احد ان يكون ممن تملأ جهنم به، وتمامها وقوع مخبرها على ما تقدم بها، وهذا يمين أقسم الله به، وتقديره يميناً لاملأن، كما تقول: حلفي لاضربنك، وبدا لي لأضربنك. وكل فعل كان تأويله كتأويل بلغني، أو قيل لي أو انتهى اليّ، فان (اللام) و (ان) يصلحان فيه، فتقول بدا لي لأضربنك، وبدا لي ان اضربك، فلو قيل وتمت كلمة ربك أن يملأ جهنم من الجنة والناس كان صواباً.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} على دينٍ واحدٍ متوجّهين الى مقصدٍ واحدٍ دفع توهّمٍ نشأ من التّهديد والتّرغيب من انّهم مستقلّون فى الاصلاح والاجرام وتسلية للنّبىّ (ص) عن حزنه على اختلافهم {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ابداً كما لم يزالوا مختلفين ازلاً.

اطفيش

تفسير : {ولو شَاء ربُّك لجَعَل النَّاسَ أمةً واحِدةً} جماعة متفقة على الإسلام والصواب، والآية دليل على أن الله سبحانه لم يرد الإيمان من كل أحد إلا وقد آمن بعض وكفر بعض، كان مغلوبا عما أراد وعاجزا حاشاه أن يكون كذلك، وإنما يقال أمر كل أحد بالإيمان، ورغَّبه، ولم يجبر عليه، ووكل كلا إلى اختياره ليأتى الثواب والعقاب، والمراد بالجعل القضاء، وقيل: الجبر، والصحيح الأول، أى ولو شاء ربك لقضى عليهم أن يتفقوا على الإسلام، ولكن يشأ فاختار بعضهم الإيمان، وبعضهم الكفر كما قال. {ولايَزالُونَ مخْتلفِينَ} دينا كيهود، ونصارى، ومجوس، ووثنى، ومسلم، كل أهل دين مختلفون أيضا، والآية تشتمل ذلك كله، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين، وهذه الأمة، على ثلاث وسبعين كلها هالكة إلا فرقة، وهى من وافقت القرآن وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل يدعيها، والحق لا يخفى على ذى بصيرة، وفى رواية سادة غير مقبولة كلها ناجية إلا واحدة كما ذكره الإمام أبو يعقوب، يوسف بن إبراهيم.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةُ وَاحِدَةً} فى دين الإِسلام، وهذا كما قال الله عز وجل: {أية : ولو شئْنا لآتينا كل نفس هداها} تفسير : [السجدة: 13]، وهذا أَولى مما قيل على هدى كلهم أَو على ضلال كلهم، وأَولى من أَن يقال المراد الاتحاد فى الكفر كما قيل كان الناس أُمة واحدة لأَجل السياق والأَمر غير الإِرادة والمشيئَة لأَنه يتخلف بمعنى أَنه يأْمر العباد بشىءٍ ولا يفعلونه وهما لا تتخلفان فمن أَراد كفره كفر ولا بد أَو إِيمانه آمن لا محالة، والنهى كالأَمر يتخلف، وكذا الحب لأَن معنى أَحب الله كذا أمر به، ولما كان لولا الامتناع صارت الجملة كالجملة منفية وكأَنه قيل ما كان الناس أُمة واحدة بل اختلفوا ولذلك عطف عليها بقوله {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} بعضهم مؤمن وبعضهم كافر، وقيل مختلفين فى أُصول الديانة وقيل فى الفروع والأُصول لعدم مخصص، وهذا وما قبله لا ينافيان قوله تعالى: "أية : وما كان الناس إلا أُمة واحدة فاختلفوا" تفسير : [يونس: 19] لأَن هذا على عهد آدم قبل قتل هابيل أَو بعد الطوفان، قال أَبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود على إِحدى وسبعين فرقة أَو اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة من النار وواحدة فى الجنة "تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود على إِحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها فى النار إِلا واحدة"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت المجوس على سبعين فرقة وافترقت اليهود على إِحدى وسبعين فرقة وافترفت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إِلا واحدة"تفسير : ، وروى أَنه قال: "حديث : الناجية هى التى على ما أَنا عليه وأَصحابى"تفسير : ، وشذت رواية كلها ناجية ماخلا واحدة.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وٰحدَةً} مجتمعين على الدين الحق بحيث لا يقع من أحد منهم كفر لكنه لم يشأ سبحانه ذلك فلم يكونوا مجتمعين على الدين الحق، ونظير ذلك قوله سبحانه: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا }تفسير : [السجدة: 13] وروي هذا عن ابن عباس وقتادة، وروي عن الضحاك أن المراد لو شاء لجمعهم على هدى أو ضلالة {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل. أخرج ذلك ابن أبـي جاتم عن ابن عباس، ولعل المراد الاختلاف في الحق والباطل من العقائد التي هي أصول الدين بقرينة المقام، وقيل: المراد ما يشمل الاختلاف في العقائد والفروع وغيرهما من أمور الدين لعدم ما يدل على الخصوص في النظم فالاستثناء في قوله سبحانه: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}.

ابن عاشور

تفسير : لمّا كان النعي على الأمم الذين لم يقع فيهم من ينهون عن الفساد فاتّبعوا الإجرام، وكان الإخبار عن إهلاكهم بأنّه ليس ظلماً من الله وأنهم لو كانوا مصلحين لَمَا أهلكوا، لمّا كان ذلك كله قد يثير توهّم أن تعاصي الأمم عمّا أراد الله منهم خروج عن قبضة القُدرة الإلهية أعقب ذلك بما يرفع هذا التوهّم بأنّ الله قادر أن يجعلهم أمّة واحدة متفقة على الحق مستمرّة عليه كما أمرهم أن يكونوا. ولكن الحكمة التي أقيم عليها نظامُ هذا العالم اقتضت أن يكون نظام عقول البشر قابلاً للتطوّح بهم في مسلك الضّلالة أو في مسلك الهدى على مبلغ استقامة التفكير والنظر، والسلامة من حجب الضلالة، وأن الله تعالى لمّا خلق العقول صالحة لذلك جعل منها قبول الحق بحسب الفطرة التي هي سلامة العقول من عوارض الجهالة والضلال وهي الفطرة الكاملة المشار إليها بقوله تعالى: {أية : كان الناس أمّةً واحدة}تفسير : ، وتقدّم الكلام عليها في سورة [البقرة: 213]. لم يدّخرهم إرشاداً أو نصحاً بواسطة الرُّسُل ودعاة الخير ومُلقّنيه من أتباع الرسل، وهم أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض، فمن الناس مهتد وكثير منهم فَاسِقُونَ ولو شاء لَخلق العقولَ البشرية على إلهام متّحد لا تَعْدوه كما خلق إدراك الحيوانات العُجم على نظام لا تتخطّاه من أوّل النشأة إلى انقضاء العالم، فنجد حال البعير والشّاة في زمن آدم ـ عليه السّلام ـ كحالهما في زماننا هذا، وكذلك يكون إلى انقراض العالم، فلا شكّ أن حكمة الله اقتضت هذا النظام في العقل الإنساني لأنّ ذلك أوفى بإقامة مراد الله تعالى من مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا الزائلة المخلوطة، لينتقلوا منها إلى عالم الحياة الأبديّة الخالصة إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فلو خلق الإنسان كذلك لما كان العمل الصالح مقتضياً ثواب النعيم ولا كان الفساد مقتضياً عقاب الجحيم، فلا جرم أنّ الله خلق البشر على نظام من شأنه طريان الاختلاف بينهم في الأخور، ومنها أمر الصلاح والفساد في الأرض وهو أهمّها وأعظمها ليتفاوت الناس في مدارج الارتقاء ويَسْموا إلى مراتب الزلفى فتتميز أفراد هذا النوع في كل أنحاء الحياة حتى يعد الواحد بألف {أية : ليميز اللّهُ الخبيث من الطيب}تفسير : [الأنفال: 37]. وهذا وجه مناسبة عطف جملة {وتمّت كلمة ربك لأملأنّ جهنم من الجِنة والناس أجمعين} على جملتي {ولا يزالون مختلفين} {ولذلك خلقهم}. ومفعول فعل المشيئة محذوف لأنّ المراد منه ما يُساوي مضمون جواب الشرط فحُذف إيجازاً. والتقدير: ولو شاء ربك أن يجعل الناس أمّة واحدة لجعلهم كذلك. والأمّة: الطائفة من الناس الذين اتّحدوا في أمر من عظائم أمور الحياة كالموطن واللّغة والنّسب والدّين. وقد تقدمت عند قوله تعالي: {أية : كان الناس أمّةً واحدةً}تفسير : في سورة [البقرة: 213]. فتفسر الأمّة في كل مقام بما تدل عليه إضافتها إلى شيء من أسباب تكوينها كما يقال: الأمّة العربيّة والأمّة الإسلاميّة. ومعنى كونها واحدة أن يكون البشر كلّهم متّفقين على اتّباع دين الحق كما يدل عليه السياق، فآل المعنى إلى: لو شاء ربك لجعل الناس أهل ملّة واحدة فكانوا أمّة واحدة من حيث الدّين الخالص. وفهم من شرط (لو) أنّ جعلهم أمّة واحدة في الدّين منتفية، أي منتف دوامها على الوحدة في الدّين وإنْ كانوا قد وُجدوا في أوّل النشأة متّفقين فلم يلبثوا حتّى طرأ الاختلاف بينَ ابنيْ آدم ـ عليه السّلام ـ لقوله تعالى: {أية : كان النّاس أمّة واحدة}تفسير : [البقرة: 213] وقوله: {أية : وما كان النّاس إلاّ أمّةً واحدةً فاختلفوا}تفسير : في سورة [يونس: 19]؛ فعلم أنّ الناس قد اختلفوا فيما مضى فلم يكونوا أمّة واحدة، ثم لا يدري هل يؤول أمرهم إلى الاتّفاق في الدّين فأعقب ذلك بأنّ الاختلاف دائم بينهم لأنّه من مقتضى ما جُبِلت عليه العقول. ولمّا أشعر الاختلاف بأنه اختلاف في الدّين، وأنّ معناه العدول عن الحق إلى الباطل، لأنّ الحق لا يقبل التعدّد والاختلاف، عُقّب عموم {ولا يزالون مختلفين} باستثناء من ثبتوا على الدين الحق ولم يخالفوه بقوله: {إلاّ من رحم ربك}، أي فعصمهم من الاختلاف. وفهم من هذا أنّ الاختلاف المذموم المحذّر منه هو الاختلاف في أصول الدّين الذي يترتّب عليه اعتبار المخالف خارجاً عن الدين وإن كان يزعم أنّه من مُتّبعيه، فإذا طرأ هذا الاختلاف وجب على الأمّة قصمه وبذل الوسع في إزالته من بينهم بكلّ وسيلة من وسائل الحقّ والعدل بالإرشاد والمجادلة الحسنة والمناظرة، فإنْ لم ينجع ذلك فبالقتال كما فعل أبو بكر في قتال العرب الذين جحدوا وجوب الزكاة، وكما فعل عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ في قتال الحروريّة الذين كفّروا المسلمين. وهذه الآية تحذير شديد من ذلك الاختلاف. وأما تعقيبه بقوله: {ولذلك خلقهم} فهو تأكيد بمضمون {ولا يزالون مختلفين}. والإشارة إلى الاختلاف المأخوذ من قوله: {مختلفين}، واللاّم للتعليل لأنّه لمّا خلقهم على جِبِلّة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريداً لمقتضى تلك الجبلّة وعالماً به كما بيّناه آنفاً كان الاختلاف علّة غائية لخلقهم، والعلّة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي أنها غاية الفعل، وقد تكون معها غايات كثيرة أخرى فلا ينافي ما هنا قولُه: {أية : وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] لأنّ القصر هنالك إضافيّ، أي إلاّ بحالة أن يعبدوني لا يشركوا، والقصر الإضافي لا ينافي وجود أحوال أخرى غير ما قُصدَ الردّ عليه بالقصر كما هو بيّن لمن مارس أساليب البلاغة العربية. وتقديم المعمول على عامله في قوله: {ولذلك خلقهم} ليس للقصر بل للاهتمام بهذه العلّة، وبهذا يَندفع ما يوجب الحيرة في التفسير في الجمع بين الآيتين. ثم أعقب ذلك بقوله: {وتمّت كلمة ربّك لأملأنّ جهنم من الجِنّة والنّاس أجمعين} لأنّ قوله: {إلاّ من رحم ربّك} يؤذن بأنّ المستثنى منه قوم مختلفون اختلافاً لا رحمة لهم فيه، فهو اختلاف مضاد للرحمة، وضدّ النعمة النقمة فهو اختلاف أوجب الانتقام. وتمام كلمة الرب مجاز في الصّدق والتحقّق، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً}تفسير : في سورة [الأنعام: 115]، فالمختلفون هم نصيب جهنم. والكلمة هنا بمعنى الكلام. فكلمة الله: تقديره وإرادته. أطلق عليها {كلمة} مجازاً لأنّها سبب في صدور كلمة (كن) وهي أمر التكوين. وتقدّم تفصيله في قوله تعالى: {أية : وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً}تفسير : في سورة [الأنعام: 115]. وجملة {لأملأنّ جهنّم} تفسير للكلمة بمعنى الكلام. وذلك تعبير عن الإرادة المعبّر عنها بالكلام النفسي. ويجوز أن تكون الكلمة كلاماً خَاطَبَ به الملائكةَ قبل خلق الناس فيكون {لأمْلأنّ جهنّم} تفسيراً لـ{كلمة}. و{من الجِنّة والنّاس} تبعيض، أي لأمْلأن جهنم من الفريقين. و{أجمعين} تأكيد لشمول تثنية كِلا النوعين لاَ لِشُمُول جميع الأفراد لمنافاته لمعنى التبعيض الذي أفادته {من}.

د. أسعد حومد

تفسير : (118) - يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِنَّكَ حَرِيصٌ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِكَ، وَحَزِينٌ لإِعْرَاضِهِمْ، أَوْ إِعْرَاضِ أَكْثَرِهِمْ، عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِكَ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، بِمُقْتَضَى الغَرِيزَةِ وَالفِطْرَةِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الاسْتِعْدَادِ، وَكَسْبِ العِلْمِ. وَكَانُوا فِي أَطْوَارِهِمْ الأُولَى لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَاجَاتُهُمْ وَتَنَوَّعَتْ، وَكَثُرَتْ مَطَالِبُهُمْ، فَظَهَرَ فِيهِم الاسْتِعْدَادُ لِلاخْتِلاَفِ، وَهُمْ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي شُؤُونِهِمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، تَبَعاً لِمُيُولِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَاسْتِعْدَادِهِم الفِطْرِيِّ، يَتَعَصَّبُ كُلُّ فَرِيقٍ لِرَأْيِهِ، وَلِمَا وَجَدَ عَليهِ آبَاءَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونحن نعلم أن الإنسان قد طرأ على هذا الكون بعد أن خلق الله - سبحانه - في هذا الكون كل مقومات الحياة؛ المسخرة بأمر الله لهذا الإنسان؛ ليمارس مهمة الخلافة في الأرض؛ ولم تتأبَّ تلك الكائنات على خدمة الإنسان، سواء أكان مؤمناً أم كافراً؛ لأن الحق - سبحانه - هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام قد استدعاه؛ فهو - سبحانه - لن يضن عليه بمقومات هذا الوجود؛ من بقاء حياة، وبقاء نوع. وهذا هو عطاء الربوبية الذي كفله الله - سبحانه - لكل البشر: مؤمنهم وكافرهم، وهو عطاء يختلف عن عطاء الألوهية المتمثل في المنهج الإيماني: "افعل" و "لا تفعل". ومن يأخذ عطاء الألوهية مع عطاء الربوبية فهو من سعداء الدنيا والآخرة. إذن: فقدرة الله - سبحانه - قد أرغمت الكون - دون الإنسان - أن يؤدي مهمته، وكان من الممكن أن يجعل البشر أمة واحدة مهتدية لا تخرج عن نظام أراده الله - سبحانه وتعالى - كما لم تخرج الشمس أو القمر أو الهواء أو أي من الكائنات الأخرى المسخَّرة عن إرادته. لأن الحق - تبارك وتعالى - أثبت لنفسه طلاقة القدرة في تسخير أجناس لمراده؛ بحيث لا تخرج عنه، وذلك يثبت لله - سبحانه - القدرة ولا يثبت له المحبوبية. أما الذي يثبت له المحبوبية فهو أن يخلق خَلْقاً؛ ويعطيهم في تكوينهم اختياراً. ويجعل هذا الاختيار كلَّ واحدٍ فيهم صالحاً أن يطيع، وصالحاً أن يعصي، فلا يذهب إلى الإيمان والطاعة إلا لمحبوبية الله - تعالى. وهكذا نعلم أن الكون المسخَّر المقهور قد كشف لنا سَيَّال القدرة، والجنس الذي وهبه الله الاختيار إن أطاع فهو يكشف لنا سيال المحبوبية. والحق - سبحانه - هو القائل: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..}تفسير : [الكهف: 29]. ولكن أيُترك الإنسان حتى يأتي له الغرور في أنه يملك الاختيار دائماً؟ لا.. فمع كونك مختاراً إياك أن تغتر بهذا الاختيار؛ لأن في طيِّك قهراً، وما دام في طيك قهر فعليك أن تتأدب؛ ولا تتوهَّم أنك مختار في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن؛ ولا تتوهم أنك مُنفلت من قبضة الله - تعالى - فهو يملك زمامك في القهريات التي تحفظ لك حياتك مثل: الحيوان والنبات والجماد، ولكنه - سبحانه - ميَّزك بالعقل. وخطأ الإنسان دائماً أنه قد يعطي الأسماء معاني ضد مسمياتها، فكلمة "العقل" مأخوذة من "عقل" وتعني: "ربط"؛ فلا تجمح بعقلك في غير المطلوب منه؛ لأن مهمة العقل أن يكبح جماحك. وتذكر دائماً: في قبضة من أنت؛ وفي زمام من أنت؛ وفي أي الأمور أنت مقهور؟ وما دُمْتَ مقهوراً في أشياء فاختر أن تكون مقهوراً لمنهج الله سبحانه واحفظ أدبك مع الله، واعلم أنه قد وهبك كل وجودك سواء ما أنت مختار فيه أو مقهور عليه. وانظر إلى من سلبهم الحق - سبحانه - بعض ما كانوا يظنون أنها أمور ذاتية فيهم، فتجد من كان يحرك قدمه غير قادر على تحريكها، أو يحاول أن يرفع يده فلا يستطيع. ولو كانت مثل هذه الأمور ذاتية في الإنسان لما عَصَتْه، وهذا دليل على أنها أمور موهوبة من الله، وإنْ شاء أخذها، فهو - سبحانه - يأخذها ليؤدِّب صاحبها. وما دام الإنسان بهذا الشكل، فليقُل لنفسه: إياك أن تَغترَّ بأن الله جعل فيك زاوية اختيار، وتذكّر أنك على أساس من هذه الزاوية تتلقَّى التكليف من الله بـ"افعل"، و"لا تفعل"؛ لأن معنى "افعل كذا": أنك صالحٌ ألاّ تفعل؛ ومعنى "لا تفعل كذا": أنك صالحٌ أنْ تفعل؛ لأن لديك منطقة اختيار؛ ولكن لديك في زواياك الأخرى منطقة قَهْرٍ وتسخير، فتأدَّبْ في منطقة الاختيار، كما تأدبت في منطقة الاضطرار والقهر. وقد وصف الحق - سبحانه - الإنسان بأنه كنود، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}تفسير : [العاديات: 6]. لإن الإنسان لا يتذكر أحياناً أن مهمة عقله الأولى هي أن يعقل حدوده، وأن يقول لنفسه: ما دامت الحيوانية فيَّ مقهورة، وما دامت الجمادية فيَّ مقهورة؛ فَلأكُنْ مؤدباً مع ربي، وأجعل منطقة الاختيار على مراد منهج الله. وأنت إنْ أردتَ أن تضع إحصائية لـ "افعل" ولا "تفعل" لوجدت ما لم يَرِدْ فيه تكليف بـ "افعل" و"لا تفعل" لا يقل عن خمسة وتسعين في المائة من حركة الحياة، وهو المباح. وأنزل الله - سبحانه - التكليف لتنضبط به حركة حياتك كلها - إنْ جعلت التكليف هو مرادك - وهو لن يأخذ أكثر من خمسة في المائة من حركة الحياة، ويعود خير ذلك عليك. فساعة يقول لك التكليف: عليك أن تزكِّي عن مالك، فلا بد لك من أن تقدِّر المقابل، لأنك إن افتقرتَ واحتجْتَ؛ سيأتيك من زكاة الآخرين ما يلبِّي احتياجاتك، فمن "افعل" التي تلتزم بها ويلتزم بها غيرك تأتي الثمرة التي تسدُّ عجز أي ضعف في المجتمع الإيماني بالتراحم المتبادل النابع عن اليقين بالمنهج. وحين يقول لك التكليف: لا تعتدِ على حُرمات الغير، فهو يقيِّد حريتك في ظاهر الأمر، لكنه يحمي حُرماتك من أن يعتدي عليها الغير، وحين تتعقل أوامر التكليف كلها ستجدها لصالحك؛ سواء أكان الأمر بـ"افعل" أو"لا تفعل". وهنا يقول الحق - سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ..} [هود: 118]. و"لو" تفيد الامتناع. أي: أن الله - تعالى - لم يجعل الناس أمة واحدة، بل جعلهم مختلفين. وقد حاول بعض من الذين يريدون أن يدخلوا على الإسلام بنقد ما، فقالوا: ألاَ تتعارض هذه الآية مع قول الله: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ ..}تفسير : [البقرة: 213]. وظن أصحاب هذا القول أن البشر لم يلتفتوا إلى خالقهم من البداية؛ ثم بعث الله الأنبياء ليلفتهم إلى المنهج. ونقول لهؤلاء: لا، فقد ضمن الحق - سبحانه - للناس قُوتَهم وقوام حياتهم، وكذلك ضمن لهم المنهج الإيماني منذ أن أمر آدم وزوجه بالهبوط إلى الأرض لممارسة مهمة الخلافة فيها، وقال الله - سبحانه: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ ..}تفسير : [طه: 123]. ولو استقصى هؤلاء الآيات التي تعالج هذا الأمر، وهي ثلاث آيات؛ فهنا يقول الحق - سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ..} [هود: 118]. وفي الآية التي ظنوا أنها تتعارض مع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول - سبحانه: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [البقرة: 213]. وهكذا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى أنزل المنهج مع آدم - عليه السلام - ثم طرأتْ الغفلة؛ فاختلف الناس، فبعث الله الأنبياء ليحكموا فيما اختلف فيه الناس. إذن: فقول الله - تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ..} [هود: 118]. يعني أنه - سبحانه - لو شاء لجعل الناس كلهم على هداية؛ لأنه بعد أن خلقهم؛ وأنزلهم إلى الأرض؛ وأنزل لهم المنهج؛ كانوا على هداية، ولكن بحكم خاصية الاختيار التي منحها الله لهم، اختلفوا. ثم يقول الحق - سبحانه: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ..} [هود: 118]. أي: أنهم سيظلون على الخلاف. ويأتي الحق - سبحانه وتعالى - في الآية التالية بالاستثناء فيقول: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق، فيما قاله، والضلال في قول غيره. { إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم، سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي. وأما من عداهم، فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم. وقوله: { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة، ليتبين للعباد، عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء. { وَ } لأنه { تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } فلا بد أن ييسر للنار أهلا يعملون بأعمالها الموصلة إليها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 379 : 30 : 22 - سفين في قوله {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} قال، منهم اليهود والنصارى. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} قال، جعلها استثناء للمسلم. {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال، للرحمة [الآية 118-119].

همام الصنعاني

تفسير : 1263- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ}: [الآية: 119]، قال للرحمة خلقهم. 1264- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن جع فر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}: [الآية: 118-119] قال: إهل رحمته فإنهم لا يختلفون، ولذلك خلقهم. 1265- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فقال: وعزتك لا أخرج من صدر عبدك حتى تخرج نفسه، فقال الله تعالى: وعزتي لا أحجب توبتي عن عبدي حتى يخرج نفسه. 1266- حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عَمْرو بن عُبَيْدٍ عن الحسن قال: للاختلاف خلقهم.