١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
119
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } أي أهل الاختلاف له، وأهل الرحمة لها {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ } وهي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ } الجِنّ {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} من أهل الحق، أو في الحق والباطل إلا من رحم بالطاعة، أو في الرزق غني وفقير إلا من رحم بالقناعة، أو في السعادة والشقاوة إلا من رحم بالتوفيق، أو في المغفرة إلاَّ من رحم بالجنة، أو يخلف بعضهم بعضاً يأتي قوم بعد قوم، خلفوا واختلفوا كقتلوا واقتتلوا. {وَلِذَلِكَ} للاختلاف، أو للرحمة، أو للشقاوة والسعادة "ع"، أو للجنة والنار.
النسفي
تفسير : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } إلا ناساً عصمهم الله عن الاختلاف فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } أي ولما هم عليه من الاختلاف فعندنا خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه، كذا في شرح التأويلات {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وهي قوله للملائكة لأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} لعلمه بكثرة من يختار الباطل. {وَكُلاًّ } التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل: وكل نبأ وهو منصوب بقوله {نَقُصُّ عَلَيْكَ } وقوله: {مِنْ أَنْبَاء ٱلرُّسُلِ } بيان لكل وقوله: {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } بدل من {كلا} {وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ } أي في هذه السورة أو في هذه الأنباء المقتصة ما هو حق {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } ومعنى تثبيت فؤاده زيادة يقينه لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } من أهل مكة وغيرهم {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها {إِنَّا عَامِلُونَ } على مكانتنا {وَٱنْتَظِرُواْ } بنا الدوائر {إِنَّا مُنتَظِرُونَ } أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله تعالى من النقم النازلة بأشباهكم {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } لا تخفى عليه خافية مما يجري فيهما فلا تخفى عليه أعمالكم {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك فينتقم لك منهم. {يُرجع} نافع وحفص {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } فإنه كافيك وكافلك {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وبالتاء: مدني وشامي وحفص، أي أنت وهم على تغليب المخاطب. قيل: خاتمة التوراة هذه الآية وفي الحديث «حديث : من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى».
اسماعيل حقي
تفسير : {الا من رحم ربك} استثناء متصل من الضمير فى مختلفين وان شئت من فاعل لا يزالون اى الا قوما هداهم الله بفضله الى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه اى لم يخالفوه {ولذلك} اى وللرحمة بتأويل ان مع الفعل {خلقهم} الضمير لمن قاله ابن عباس اى خلق اهل الرحمة للرحمة كما خلق اهل الاختلاف للاختلاف: وفى المثنوى شعر : جون خلقت الخلق كى يربح على لطف توفرمود اى قيوم وحى لا لان تربح عليهم جودتست كه شود زو جمله ناقصها درست عفو كن زين بند كان تن برست عفو از درياى عفو اوليترست تفسير : {وتمت كلمة ربك} اى وجب قول ربك للملائكة او حكمه وهو {لأملان جهنم من الجنة والناس اجمعين} اى من عصاتها اجمعين او منهما اجمعين لا من احدهما فهو لتأكيد العموم للنوعين والثلان هما النوعان المخلوقان للاختلاف فى دين الله الموصوفان بكفران نعم الله ونسيان حقه وهما سيان فى الحكم فلاشقياء الجن ما لاشقياء الانس من العقاب. واعلم ان الناس فى الاديان على اربعة اقسام سعيد. بالنفس والروح فى لباس السعادة وهم الانبياء واهل الطاعة. والثانى شقى بالنفس فى لباس الشقاوة وهم الكفرة المصرون. والثالث شقى بالنفس فى لباس السعادة مثل بلعم بن باعورا وبرصيصا وابليس. والرابع سعيد بالنفس فى لباس الشقاوة كبلال وصهيب وسليمان فى اوائل امرهم ثم بدل الله لباسهم بلباس التقوى والهداية فاصل الاصول هو العناية الازلية والهداية الالهية والسعادة الاصلية. قال فى الاحياء المانع من الوصول عدم السلوك والمانع من السلوك عدم الارادة والمانع من الارادة عدم الايمان وسبب عدم الايمان عدم الهداية انتهى شعر : قرب توبا سباب وعلل نتوان يافت بى سابقه فضل ازل نتوان يافت تفسير : قال فى التأويلات النجمية {أية : ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة} تفسير : فى طلب الحق {أية : ولا يزالون} تفسير : الخلق {أية : مختلفين} تفسير : فى الطلب فمنهم من طلب الدنيا ومنهم من طلب الآخرة ومنهم من طلب الحق {الا من رحم ربك} فاخرجهم بنور رحمته من ظلمة طبيعتهم الجسمانية والروحانية الى نور طلب الربوبية فلا يكونون طلابا للدنيا والعقبى بل يكونون طلاب جمال الله وجلاله {ولذلك خلقهم} اى ولطلب الله تعالى خلقهم واكرمهم بحسن استعداد الطلب ورحمهم على توفيق الطلب وفضلهم على العالمين بفضيلة الوجدان {وتمت كلمة ربك} فى الازل اذ قال "حديث : هؤلاء فى الجنة ولا ابالى وهؤلاء فى النار ولا ابالى" تفسير : {لاملأن جهنم من الجنة} اى من الارواح المستهلكة المتمردة وهم ابليس واتباعه {والناس} وهم النفوس الامارات بالسوء {اجمعين} كلهم من الفريقين المعرضين عن الله تعالى وطلبه انتهى: قال المولى الجامى قدس سره شعر : يا من ملكوت كل شيء بيده طوبى لمن ارتضاه ذخرا لغدة اين بس كه دلم جز تونداردكامى توخواه بده كام دلم خواه مده تفسير : وقال المغربى قدس سره شعر : نيست درباطن ارباب حقيقت جز حق جنت اهل حقيقت بحقيقت اينست تفسير : فاذا عرفت حقيقة الحال وسر هذا الكلام فجرد همتك من لباس علاقة كل حال ومقام وصر واصلا الى الله حاصلا عنده وهو غاية المرام
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} قد مرّ مراراً انّ الولاية المطلقة هى رحمة الحقّ وانّ صورتها النّازلة المتصوّرة بصور الحروف والنّقوش المعبّر عنها بالايمان الدّاخل فى القلب وانّ ملكوت الامام السّاكنة فى القلب صورة الرّحمة وحقيقتها وقد حقّق ايضاً انّ الدّاخلين فى الولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة وجهتهم واحدة ومقصدهم واحد الاّ اذا اخرجوا وارتدّوا فطرة بعد ما آمنوا وانّ غيرهم سواء كانوا متحلين لملّةٍّ واحدةٍ او لمللٍ مختلفة او لم يكونوا ينتسبون الى ملّة آلهيّةٍ كلّهم مختلفون لانّهم لا قائد لهم من ولىٍّ مرشدٍ ولا سائق من دليلٍ ناصرٍ ولا اتّصال لهم بشيخٍ واحدٍ وملكوتٍ واحدةٍ وقد قال المولوىّ قدّس سرّه تفسيراً للآية: شعر : جان حيوانى ندارد اتّحاد تو مجو اين اتّحاد ازجان باد جان كركان وسكان ازهم جداست متّحد جانهاى شيران خداست همجو آن يك نور خورشيد سما صد بود نسبت بصحن خانه ها ليك يك باشد همه انوارشان جونكه بركيرى توديوار ازميان تفسير : {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} لانّ فيه تعمير الدّنيا وبه بقاء اهلها وتكميل الاتقياء وتطهيرهم من وسخ الدّنيا وقد فسّر المرحوم فى الاخبار بشيعة آل محمّد (ص)، وانّهم متّحدون وانّ غيرهم مختلفون وان كانوا صورة على طريقة واحدة {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} عطف على خلقهم اى ولذلك تمّت كلمة ربّك فيكون اشارة الى حكمة الاختلاف او على مجموع لذلك خلقهم {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَكُـلاًّ} اى من الاقتصاص على ان يكون نائباً للمصدر او كلاًّ من الانباء على ان يكون مفعولاً به {نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} حتّى لا يعتريه خوف واضطراب ولا شكّ وارتياب ولا ينصرف عن طريق الطّاعة الى غيرها ولفظة ما مفعولٌ به على الاوّل وبدل او عطف بيان على الثّانى {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ} القصص لافى غيرها {ٱلْحَقُّ} فلا تملّ من تطويلها وتكرارها فانّ فائدتها وهى مجيء الحقّ وثبات الفؤاد اعظم الفوائد واسناها والمراد بمجيء الحقّ هو ظهور الملكوت والملكوتيّين عليه فانّها صورة الحقّ لانّ الحقّ هو مقام الولاية والجبروت والملكوت صورتها والملك ايضاً بجهة حقيّة صورتها لكنّه لاكتناف الباطل به اختفى الحقّ عنه ولذلك لا يسمّى حقّاً على الاطلاق ولمّا لم يكن مجيء الولاية الاّ بصورة ولىّ الامر على الاشخاص البشريّة فالمراد بمجيئها هو نزول السّكينة الّتى هى ملكوت ولىّ الامر وبها ثبات فؤاد البشر {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} يعنى انّ الاوليين لك خاصّة وهاتين لجملة المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {إلا مَنْ رَحِم ربُّكَ} وفقهم للدين الحق، فلم يتخالفوا فيه {ولذَلكَ خَلَقهم} اللام للعاقبة والمال، لا للتعليل، والإشارة إلى الاختلاف كما قال الحسن وعطاء، أو إليه وإلى الرحمة، والهاء للناس، ويجوز أن تكون الهاء لمن، فالإشارة إلى المذكور من الرحمة كما قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. ويجوز عود الإشارة إلى الاختيار الذى كان عنه الاختلاف، فإن الكلام يتضمنه ويترتب على اختيارهم الثواب والعقاب، ويجوز أن تكون اللام للتعليل، أى خلقهم لثمرة ذلك وهو الثواب والعقاب، وبه قال أشهب عن مالك. {وتمَّت كلمةُ ربَّكَ} وعيده أو قضاؤه، أو قوله للملائكة ولى {لأملأنَّ جهنَّم من الجِنَّةِ والنَّاسِ} بعصاتهم، فحذفه، ومن للابتداء، ويجوز أن تكون بمعنى الباء على حذف مضاف، أى بعصاة الجنَّة والناس، فلا يقدر قولى بعصاتهم بعد ذلك، وذلك لعلمه بكثرة من يختار الباطل، ويجوز جعلها للابتداء على تقدير مضاف، أى من عصاة الجِنَّة والناس، لجواز أن يقال: ملئت يدى من الكيس، ولو نفذ فيها ما فى الكيس {أجْمعينَ} توكيد للعصاة المقدر، أو للجِنَّة والياس، أى الأمن عصاة الجنة فقط، أو الناس فقط، والقسم المقدر وجوابه محكى بالكلمة، لأنها بمعنى القول أو بدل منها لإرادة اللفظ.
اطفيش
تفسير : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} فلا يختلفون عن الحق بل يتفقون عليه، والاستثناءُ متصل إِذا اُريد بمختلفين أَن بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل، فإن أَهل الحق لا يختلفون ولو اختلفوا فى الفروع، ومنقطع إِذا أُريد الاختلاف فى العقائِد، كذا قيل، والمستثنى منه ولا يزالون أَو المستتر فى مختلفين {وَلِذَلِكَ} الإِشارة إِلى الاختلاف أَو له وللرحمة بتأْويل ما ذكر،وقيل الإِشارة إلى كون الناس شقيا وسعيدا، وقيل لجمع الناس ليوم مشهود، وقيل لشهود ذلك اليوم أَو حضوره وقيل للجنة والنار وقيل للعبادة بتأْويل ما ذكر والهاءُ فى قوله {خَلَقَهُمْ} للناس أَو الإِشارة للرحمة بتأْويل ما ذكر والهاءُ لمن واللام للعاقبة، إِذ لو خلقهم لأَجل الاختلاف لم يعذبهم عليه إِذا أَطاعوه به، ويكون مخالفا لقوله تعالى: "أية : وما خلقت الجن والإِنس إِلا ليعبدون"تفسير : [الذاريات: 56] بل باعتبار أَن أَفعاله لا تعلل بالأَغراض، تكون للعاقبة فى حق الله مطلقا، ولو جعلنا الضمير للاختلاف والرحمة معاُ لأَنهما معا عاقبة، ولو خلقهم لأَجل أَن يختلفوا لم يعاقبهم على الاختلاف، قال عطاءٌ عن ابن عباس فى معنى الآية: إِن الله خلق أَهل الرحمة للرحمة وأَهل الاختلاف للاختلاف وخلق الجنة وخلق لها أَهلا وخلق النار وخلق لها أَهلا قال الزجاج: ويدل لهذا قوله عز وجل {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أى من كفار الجن وكفار الإِنس، وليس يبقى أَحد من كفارهم بلا دخول، أَو المراد أَنها تعمر من الثقلين لا من غيرهم للتعذيب، فذلك عموم للأَنواع لا عموم للأَفراد، والمراد أَنها لا تملأْ من الإِنس فقط ولا من الجن فقط بل منهما جميعا، وهذا معنى قوله: أَجمعين، بعضهم من الجنة وبعضهم من الناس، ولا يخفى ولو على العوام، أَن هذه ليس معناها أَن الجنة كلهم فيها وأَن الناس كلهم فيها، ومن للابتداءِ، والابتداءُ من الشىءِ لا يدل على استفراغه، تقول لأََملأَن الجراب من هذا البر ومن هذا الشعير فتملأُ ويبقى قليل أَو كثير، وتأكيد التثنية بأَجمعين جائِز على حد رد ضمير الجمع إِليها وإِشارته ولا سيما أَن كل طريق منها هنا متضمن لأَنواع وأَفراد وهما فريق الجنة وفريق الناس، وقيل المراد بالجنة والناس الكفار باعتبار العهد كقوله تعالى: {أية : لأَملأَن جهنم منك وممن تبعك منهم أَجمعين} تفسير : [ص: 85]، على أَن لا يلزم من الابتداءِ من الشىءِ البقاءُ منه ولا إِشكال على هذا القول فى التأكيد بأَجمعين، وكلمة ربك قضاؤه بالوعيد والخذلان أَو قوله للملائِكة سوقوهم إِلى النار، فلأَملأَن تفسير للكلمة، وإن شئْت فقل محكى بكلمة وليس فى قوله تعالى: "أية : ولو شاءَ ربك لجعل الناس أُمة واحدة"تفسير : [هود: 118] ما يدل على العموم فلا يخالف قوله عز وجل: {أية : وما كان الناس إِلا أُمة واحدة} تفسير : [يونس: 19]. كذا قيل وفيه أَنه لا يخفى العموم، وإِنما الجواب أَنهم كانوا أُمة واحدة ثم اختلفوا ولا يزالون مختلفين، أَو إِلا من رحم ربك فجعلهم أُمة واحدة على الإِيمان.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} متصل على الأول وهو الذي اختاره أبو حيان وجماعة، وعلى الثاني منقطع حيث لم يخرج من رحمه الله تعالى من المختلفين كأئمة أهل الحق فإنهم أيضاً مختلفون فيما سوى أصول الدين من الفروع، وإلى هذا ذهب الحوفي ومن تبعه. {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} أي الناس، والإشارة ـ كما روي عن الحسن وعطاء ـ إلى المصدر المفهوم من {أية : مُخْتَلِفِينَ }تفسير : [هود: 118] ونظيره. شعر : إذا نهى السفيه جرى إليه تفسير : كأنه قيل: وللاختلاف خلق الناس على معنى لثمرة الاختلاف من كون فريق في الجنة وفريق في السعير خلقهم، واللام لام العاقبة والصيرورة لأن حكمة خلقهم ليس هذا لقوله سبحانه: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم على ارتكاب الباطل كذا قال غير واحد، وروي عن الإمام مالك ما يقتضيه، وعندي أنه لا ضير في الحمل على الظاهر ولا منافاة بين هذه الآية والآية التي ذكروها لما ستعلمه إن شاء الله تعالى من تفسيرها في الذاريات، وما يروى فيها من الآثار وأن الخلق من توابع الإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم في نفسه والتعذيب أو الإثابة ليس إلا لأمر أفيض على المعذب والمثاب بحسب الاستعداد الأصلي، وربما يرجع هذا بالآخرة إلى أن التعذيب والإثابة من توابع ذلك الاستعداد الذي عليه المعذب أو المثاب في نفسه، ومن هنا قالوا: إن المعصية والطاعة أمارتان على الشقاوة والسعادة لا مقتضيتان لهما، وبذلك يندفع قولهم: ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم، ولما قررناه شواهد كثيرة من الكاتب والسنة لا تخفى على المستعدين لإدراك الحقائق، وقيل: ضمير {خَلْقَهُمْ} لمن باعتبار معناه، والإشارة للرحمة المفهومة من {رَّحِمَ}، والتذكير لتأويلها بأن والفعل أو لكونها بمعنى الخير، وروي ذلك عن مجاهد وقتادة. وروي عن ابن عباس أن الضمير للناس والإشارة للرحمة والاختلاف أي لاختلاف الجميع ورحمة بعضهم خلقهم، وجاءت الإشارة لاثنين كما في قوله تعالى: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة: 68] واللام على هذا قيل: بمعنى / مجازي عام للمعنى الظاهر والصيرورة وعلى ما قبله على معناها، وأظهر الأقوال في الإشارة والضمير ما قدمناه، والقولان الآخران دونه، وأما القول بأن الاشارة لما بعد، وفي الكلام تقديم وتأخير أي وتمت كلمة ربك لأملان جهنم الخ ولذلك أي لملء جهنم خلقهم فبعيد جداً من تراكيب كلام العرب ومن هذا الطرز ما قيل: إن (ذلك) إشارة إلى شهود ذلك اليوم المشهود وكذا ما قيل: إنه إشارة إلى قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } تفسير : [هود: 105] أو إلى الشقاوة والسعادة المفهومتين من (ذلك) أو إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير أو إلى النهي المفهوم من قوله سبحانه: {أية : يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [هود: 116] أو إلى الجنة والنار أو إلى العبادة إلى غير ذلك من الأقوال التي يتعجب منها. وذهب بعض المحققين في معنى الآية إلى أن المراد من الوحدة الوحدة في الدين الحق، ومن الاختلاف الاختلاف فيه على معنى المخالفة له كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}تفسير : [البقرة: 213] والمراد ـ بمن رحم ـ الذين هداهم الله تعالى ولم يخالفوا الحق، والإشارة للاختلاف بمعنى المخالفة، وضمير {خَلْقَهُمْ} للذين بقوا بعد الثنيا وهم المختلفون المخالفون، واللام للعاقبة كأنه قيل: ولو شاء ربك لجعل الناس على الحق ودين الإسلام لكنه لم يشأ فلم يجعل، ولا يزالون مخالفين للحق إلا قوماً هداهم سبحانه بفضله فلم يخالفوا الحق، ولما ذكر من الاختلاف خلق المختلفين المخالفين ولا يخفى ما فيه من ارتكاب خلاف الظاهر وإن أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ما يقتضي بعضه. ومن الغريب ما روي عن الحسن أن المراد من الاختلاف الاختلاف في الأرزاق والأحوال وتسخير بعضهم بعضاً، وقال ابن بحر: المراد أن بعضهم يخلف بعضاً فيكون الآتي خلفاً للماضي، ومنه ما اختلف الجديدان أي ما خلف أحدهما صاحبه، وإلى هذا ذهب أبو مسلم إلا أنه قال: يخلف بعضهم بعضاً في الكفر تقليداً، وفي ذلك ما فيه، وأياً مّا كان فالظاهر من (الناس) العموم وليتأمل هذه الآية مع قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [يونس: 19] وليراجع تفسير ذلك. وقال الفاضل الجلبـي: ليس في هذه الآية ما يدل على عموم الناس حتى تخالف {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ} الخ، وفيه نظر، والجار والمجرور أعني {وَلِذٰلِكَ} متعلق ـ بخلق ـ بعده، والظاهر أن الحصر المستفاد من التقديم إذا قلنا: إن التقديم له إضافي والمضاف هو إليه مختلف حسب اختلاف الأقوال في تعيين المشار إليه، وهو على الأول الاتفاق وعلى ما عداه يظهر أيضاً بأدنى التفات. هذا واستدل بالآية على أن الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل وإن ما أراده سبحانه يجب وقوعه. وذكر بعض العارفين أن منشأ تشييب سورة هود له صلى الله عليه وسلم اشتمالها على أمره عليه الصلاة والسلام بالاستقامة على الدعوة مع إخباره أنه سبحانه إنما خلق الناس للاختلاف وأنه لا يشاء اجتماعهم على الدين الحق وهو كما ترى. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} أي نفذ قضاؤه وحق أمره، وقد تفسر الكلمة بالوعيد مجازاً وقد يراد منها الكلام الملقى على الملائكة عليهم السلام؛ والأول أولى، والجملة متضمنة معنى القسم، ولذا جيء باللام في قوله سبحانه: {لأَملأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} والجنة والجن بمعنى واحد؛ وفي «تفسير ابن عطية» أن الهاء في الجنة للمبالغة وإن كان الجن يقع على الواحد، فالجنة جمعه انتهى، فيكون من الجموع التي / يفرق بينها بين مفردها بالهاء ككمء وكمأة على ما ذكرناه في «تعليقاتنا على الألفية»، وفي الآية سؤال مشهور وهو أنها تقتضي بظاهرها دخول جميع الفريقين في جهنم والمعلوم من الآيات والأخبار خلافه، وأجاب عن ذلك القاضي بما حاصله أن المراد ـ بالجنة والناس ـ إما عصاتهما على أن التعريف للعهد والقرينة عقلية لما علم من الشرع أن العذاب مخصوص بهم وأن الوعيد ليس إلا لهم، وفي معنى ذلك ما قيل: المراد ـ بالجنة والناس ـ أتباع إبليس لقوله سبحانه في الأعراف و ص [58] {لأَملأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} فاللازم دخول جميع تابعيه في جهنم ولا محذور فيه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، ولا حاجة إلى تقدير عصاة مضافاً إلى الفريقين كما قيل ـ فأجمعين ـ لاستغراق الأفراد المرادة حسبما علمت، وأما ما يتبادر منهما ويراد من التأكيد بيان أن ملء جهنم من الصنفين لا من أحدهما فقط وهذا لا يقتضي شمول أفراد كلا الفريقين ويكون الداخلوها منهما مسكوتاً عنه موكولاً إلى شيء آخر، واعترض الأخير بأنه مبني على وقوع {أَجْمَعِينَ} تأكيداً للمثنى وهو خلاف ما صرحوا به، وفيه أن ذلك إذا كان لمثنى حقيقي لا إذا كان كل فرد منه جمعاً فانه حينئذ تأكيد للجمع في الحقيقة فلا ورود لما ذكر. نعم يرد على الشق الأول أن التأكيد يقتضي دخول جميع العصاة في النار والمعلوم من النصوص خلافه اللهم إلا أن يقال: المراد العصاة الذين قدر الله تعالى أن يدخلوها، وأجاب بعضهم بأن ذلك لا يقتضي دخول الكل بل قدر ما يملأ جهنم كما إذا قيل: ملأت الكيس من الدراهم ولا يقتضي دخول جميع الدراهم في الكيس، ورده الجلال الدواني بأنه نظير أن يقال: ملأت الكيس من جميع الدراهم وهو بظاهره يقتضي دخول جميع الدراهم فيه، والسؤال عليه كما في الآية باق بحاله، ثم قال: والحق في الجواب أن يقال: المراد بلفظ {أَجْمَعِينَ} تعميم الأصناف، وذلك لا يقتضي دخول جميع الأفراد كما إذا قلت: ملأت الجراب من جميع أصناف الطعام لا يقتضي ذلك إلا أن يكون فيه شيء من كل صنف من الأصناف لا أن يكون فيه جميع أفراد الطعام، وكقولك: امتلأ المجلس من جميع أصناف الناس فإنه لا يقتضي أن يكون في المجلس جميع أفراد الناس بل أن يكون فيه من كل صنف فرد وهو ظاهر، وعلى هذا يظهر فائدة لفظ {أَجْمَعِينَ} إذ فيه رد على اليهود وغيرهم ممن زعم أنهم لا يدخلون النار انتهى، وتعقبه ابن الصدر بقوله: فيه بحث لأنهم صرحوا بأن فائدة التأكيد ـ بكل وأجمعين ـ دفع توهم عدم الشمول والإحاطة بجميع الأفراد، وما ذكره من المثالين فإنما نشأ شمول الأصناف فيه من إضافة لفظ الجميع إلى الأصناف كيف ولو قيل: ملأت الجراب من جميع الطعام بإسقاط لفظ الأصناف كان الكلام فه كالكلام فيما نحن فيه، وأيضاً ما ذكره من أن في ذلك رداً على اليهود الخ غير صحيح لأن اليهود قالوا {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }تفسير : [البقرة:80] فكيف يزعمون أنهم لا يدخلونها أصلاً فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك. وأجاب بعضهم بمنزع صوفي وهو أن المراد من {ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} الذين بقوا في مرتبة الجنية والانسية حيث انغمسوا في ظلمات الطبيعة وانتكبوا في مقر الأجرام العنصرية ولم يرفعوا إلى العالم الأعلى واطمأنوا بالحياة الدنيا ورضوا بها وانسلخوا عن عالم المجردات وهم المشركون الذين قيل في حقهم: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} تفسير : [التوبة: 28] الخ فإنهم لا يستأهلون دار الله تعالى وقربه، ثم قال: ولهذا ترى الله تعالى شأنه يذم الإنسان ويدعو عليه في غير ما موضع.
الواحدي
تفسير : {إلاَّ من رحم ربك} يعني: أهل الحقِّ {ولذلك خلقهم} أَيْ: خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرَّحمة للرَّحمة. {وكلاًّ نقصُّ عليك} أَيْ: كلَّ الذي تحتاج إليه {من أنباء الرسل} نقصُّ عليك {ما نثبت به فؤادك} ليزيدك يقيناً {وجاءك في هذه} أَيْ: في هذه السُّورة {الحق} يعني: ما ذُكر من أقاصيص الأنبياء ومواعظهم، وذكر السَّعادة والشَّقاوة، وهذا تشريفٌ لهذه السُّورة؛ لأنَّ غيرها من السُّور قد جاء فيها الحقُّ {وموعظة وذكرى للمؤمنين} يتَّعظون إذا سمعوا هذه السُّورة، وما نزل بالأمم لمَّا كذَّبوا أنبياءهم. {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} أمر تهديد، أَيْ: اعملوا ما أنتم عاملون. {وانتظروا} ما يعدكم الشَّيطان {إنَّا منتظرون} ما يعدنا ربُّنا من النَّصر. {ولله غيب السموات والأرض} أَيْ: علم ما غاب عن العباد فيهما {وإليه يرجع الأمر كله} في المعاد حتى لا يكون لأحدٍ سواه أمرٌ {وما ربك بغافل عما تعملون} أَيْ: إنَّه يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءَته.
د. أسعد حومد
تفسير : (119) - إِلاَّ الذِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ فَإِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ مُتَمَسِّكِينَ بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَغَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، وَلَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللهِ أَنَّ النَّاسَ سَيَكُونُونَ مُخْتَلِفِينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقاً سَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَتَكُونُ الجَنَّةُ مَصِيرَهُمْ وَمَأْوَاهُمْ، وَقَدْ قَضَى اللهُ، لِحِكْمَةٍ يَرَاهَا هُوَ، أَنَّهُ سَيَمْلأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنِّ وَمِنَ البَشَرِ جَمِيعاً. تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ - وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن الحق - سبحانه - قد خَلَقَ الخَلْق للرحمة والاختلاف. وساعة نرى "اسم إشارة" أو "ضميراً" عائداً على كلام متقدِّم، فنحن ننظر ماذا تقدم. والمتقدم هنا: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ..}تفسير : [هود: 118-119]. والحق - سبحانه وتعالى - حين تكلم عن خلق الإنسان قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]. ومعنى العبادة هو طاعة الله - سبحانه - في "افعل" و"لا تفعل" وهذا هو المراد الشرعي من العبادة؛ ولكن المرادات الاجتماعية تحكَّمتْ فيها خاصية الاختيار، فحدث الاختلاف، ونشأ هذا الاختلاف عن تعدُّد الأهواء. فلو أن هَوَانَا كان واحداً؛ لما اختلفنا، ولكنّا نختلف نتيجة لاختلاف الأهواء، فهذا هواه يميني؛ وذاك هواه يساري؛ وثالث هواه شيوعيٌّ؛ ورابع هواه رأسماليّ؛ وخامس هواه وجوديّ، وكل واحد له هوى. ولذلك قال الحق - سبحانه: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. ولم يكن العالم ليستقيم؛ لو اتبع الله - سبحانه - أهواء البشر المختلفة، ولكن أحوال هذا العالم يمكن أن تستقيم؛ إذا صدرتْ حركته الاختيارية عن هوًى واحد؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به ". تفسير : وفي حياتنا اليومية نلاحظ أن الأعمال التي تسير بها حركة الحياة وبدون أن ينزل تكليف فيها؛ نجد فيها اختلافاً لا محالة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لو شاء لخلقنا كلنا عباقرة في كل مناحي الحياة؛ أو يخلقنا كلنا شعراء أو أطباء أو فلاسفة. ولو شاء - سبحانه - ذلك فمن سيقوم بالأعمال الأخرى؟ فلو أننا كنا كلنا أطباء فمن يقوم بأعمال الزراعة وغيرها؟ ولو كنا جميعاً مهندسين؛ فمن يقوم بأعمال التجارة وغيرها؟ وقد شاء الحق - سبحانه - أن يجعل مواهبنا مختلفة ليرتبط العالم ببعضه ارتباط تكاملٍ وضرورة؛ لا ارتباط تفضُّل. ولذلك يقول الحق - سبحانه: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ..}تفسير : [الزخرف: 32]. وهكذا نعرف أن رفع الدرجات لا يعني تلك النظرة الحمقاء الرعناء، والتي تدعي أن في ذلك التقسيم رفعة للغنى وتقليلاً لشأن الفقير؛ لأن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب ما يُحسنه فيها؛ ومرفوع عليه في جهة أخرى بسبب ما لا يُحسنه ويُحسنه غيره، وغيره مكمل له. وهكذا يتبادل البشر ما يحققه اختلاف مواهبهم، واختلاف المواهب هي مقومات التلاحم. ولذلك قلنا: إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع مجموع سمات ومواهب كل إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى؛ وقيمة كل امرىء ما يُحسنه. وقد ترى صاحب السيارة الفارهة وهو يرجو عامل إصلاح السيارات الذي يرتدي ملابس رثة ومتسخة؛ ليصلح له سيارته؛ فيقول له العامل: لا وقت عندي لإصلاح سيارتك؛ فيلحّ صاحب السيارة الفارهة بالرجاء؛ فيرضى العامل ويرق قلبه لحال هذا الرجل صاحب السيارة الفارهة ويذهب لإصلاحها. لذلك أقول: إذا نظرتَ لمن هو دونك في أي مظهر من مظاهر الحياة؛ فلا تغترَّ بما تفوقتَ وتميزتَ به عليه؛ ولكن قُلْ لنفسك: لا بد أن هذا الإنسان متفوق في مجال ما. ونحن نعلم أن الله - سبحانه وتعالى - ليس له أبناء ليميز واحداً بكامل المواهب، ويترك آخر دون موهبة. ولذلك يقول الحق - سبحانه - هنا: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ..}تفسير : [هود: 118-119]. وإن كان الاختلاف في المقدرات والمنهج؛ فهذا ما يولِّد الكفر أو الإيمان، ولنا أن نعرف أن الكفر له رسالة؛ بل هو لازم ليستشعر المؤمن حلاوة الإيمان. ولو لم يكن للكفر وظيفة لما خلقه الله. وقد قلت قديماً: إن الكفر يعاون الإيمان؛ مثلما يعاوِن الألم العافية، فلولا الألم لما جئنا بالطبيب ليشخِّص الداء، ويصفَ الدواء الشافي بإذن الله. ولذلك نقول: الألم رسول العافية. والحق سبحانه يقول هنا: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ..}تفسير : [هود: 118-119]. وأنت إن دقَّقت النظر في الاختلاف لوجدته عين الوفاق. ومثال ذلك: اختلاف أبنائك فيما يحبونه من ألوان الطعام، فتجد ابناً يفضِّل صدر الدجاجة، وآخر يفضل الجزء الأسفل منها "الوَرِك"، وتضحك أنت لهذا الاختلاف، لأنه اختلاف في ظاهر الأمر، ولكن باطنه وِفَاق، لو اتفقنا جميعاً في الأمزجة لوجدنا التعاند والتعارض؛ وهذا ما ينتشر بين أبناء المهنة الواحدة. ولمن يسأل: هل الخلق للاختلاف أم الخلق للرحمة؟ نقول: إن الخلق للاختلاف والرحمة معاً، لأن الجهة مُنفكَّة. ثم يقول - سبحانه - في نفس الآية: {.. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]. والحق سبحانه قد علم أزلاً بمن يختار الإيمان ومن يختار الكفر، وهذا من صفات العلم الأزليّ لله - سبحانه وتعالى - ولذلك قال - سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: علم - سبحانه - مَنْ مِنْ عباده سيختار أن يعمل في الدنيا عملَ أهل النار، ومن سيختار أن يعمل عملَ أهل الجنة؛ لسبْق علمه الأزليّ بمرادات عباده واختياراتهم. وسبق أن ضربنا مثلاً - ولله المثل الأعلى - بعميد الكلية الذي يعلن للأساتذة ضرورة ترشيح المتفوقين في كل قسم؛ لأن هناك جوائز في انتظارهم، فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين لمسَ فيهم النبوغ والإخلاص للعلم، ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته أن يضعوا امتحانات مفاجئة لمجموع الطلاب؛ ويُفاجأ العميد بتفوق الطلبة الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ والإخلاص للعلم، وهنا يتحقق العميد من صدق تنبؤ الأساتذة الذين يعملون تحت قيادته. ولكن قد تحدث مفاجأة: أن يتخلف واحد من هؤلاء الطلبة لمرض أصابه أو طارىء يطرأ عليه من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك؛ وبهذا يختلّ تقدير أستاذه؛ لكن تقدير الحق - سبحانه - مُنزَّه عن الخطأ، وما عَلِمه أزلاً فهو مُحقَّق لا محالة؛ لذلك بيَّن لنا أنه عِلْم أزليّ، ويتحدى الكافر به أن يغيره. وكلنا يعرف أن الحق - سبحانه - أنزل قوله الكريم: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}تفسير : [المسد: 1]. وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلان الإيمان - ولو نفاقاً. وقول الحق: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} تبيِّن لنا أن الحق - سبحانه - إنْ قال شيئاً فهو قد تَمَّ بالفعل؛ فلا رادَّ لمشيئته، أما نحن فعلينا أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول: {أية : إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الكهف: 24]. لأن الحق يقول لنا: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الكهف: 23-24]. وفي هذا احترامٌ لوضعنا البشري، وإيمانٌ بغلبة القهر، ومعرفة لحقيقة أننا من الأغيار؛ لأن كل حدث من الأحداث يتطلب فاعلاً؛ ومفعولاً يقع عليه الفعل؛ ومكاناً؛ وزماناً؛ وسبباً؛ ولا أحدَ مِنَّا يملك أيَّ واحد من تلك العناصر. فإن قُلْتَ: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تكون قد عصمتَ نفسك من أن تكون كاذباً، أو أن تَعِدَ بما لا تستطيع، لكن إذا كان مَنْ يقول هو مالك كل شيء، ولا قوة تخرجه عَمَّا قال، فهو وحده القادر على أن ينفِّذ ما يقول. ولذلك قلنا: إن كل فعل يُنسب إلى الله - تعالى - يتجرد عن الزمن؛ فلا نقول: "فعل ماضٍ" أو "فعل سيحدث في المستقبل" أو "فعل مضارع"؛ لأن تلك الأمور إنما تُقاسُ بها أفعال البشر، لكن أفعال الله - سبحانه - لا تقاس بنفس المقياس، فسبحانه حين يقرر أمراً فنحن نأخذه على أساس أنه قد وقع بالفعل. والحق - سبحانه - يقول: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1]. وقوله سبحانه: {أَتَىٰ} بمعنى: تَقرَّر الأمر ولم يُنفَّذ - بعد - فلا تتعجَّلوه؛ وهذا هو تحدِّي القيومية القاهرة، ولا توجد قوة قادرة على أن تمنع وقوع أمر شاءه الله - سبحانه وتعالى - فهو يحكم فيما يملك، ولا مُنَازِع له سبحانه. وقوله الحق: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ..} [هود: 119]. فسببه أن الإنس والجن هما الثقلان المكلَّفان. ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):