١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
120
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة. الفائدة الأولى: تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلى بمحنة وبلية فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول هذه القصص، وعلم أن حال جميع الأنبياء صلوات الله عليهم مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه. والفائدة الثانية: قوله: {وَجَاءكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } وفي قوله: {فِي هَـٰذِهِ } وجوه: أحدها: في هذه السورة. وثانيها: في هذه الآية. وثالثها: في هذه الدنيا، وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع. واعلم أنه لا يلزم من تخصيص هذ السورة بمجيء الحق فيها أن يكون حال سائر السور بخلاف ذلك، لاحتمال أن يكون الحق المذكور في هذه السورة أكمل حالاً مما ذكر في سائر السور، ولو لم يكن فيها إلا قوله: { أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } تفسير : [هود: 112] لكان الأمر كما ذكرنا، ثم إنه تعالى بين أنه جاء في هذه السورة أمور ثلاثة الحق والموعظة والذكرى. أما الحق: فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة. وأما الذكرى: فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال الباقية الصالحة. وأما الموعظة: فهي إشارة إلى التنفير من الدنيا وتقبيح أحوالها في الدار الآخرة، والمذكرة لما هنالك من السعادة والشقاوة، وذلك لأن الروح إنما جاء من ذلك العالم إلا أنه لاستغراقه في محبة الجسد في هذا العالم نسي أحوال ذلك العالم فالكلام الإلهي يذكره أحوال ذلك العالم، فلهذا السبب صح إطلاق لفظ الذكر عليه. ثم ههنا دقيقة أخرى عجيبة: وهي أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل ومن موجب، وقابلها هو القلب، والقلب ما لم يكن كامل الاستعداد لقبول تلك المعارف الإلهية والتجليات القدسية، لم يحصل الانتفاع بسماع الدلائل، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر إصلاح القلب، وهو تثبيت الفؤاد، ثم لما ذكر صلاح حال القابل، أردفه بذكر الموجب، وهو مجيء هذه السورة المشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا الترتيب في غاية الشرف والجلالة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ} «كُلاًّ» نصب بـ «نقص» معناه وكلّ الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقصّ عليك. وقال الأخفش: «كُلاًّ» حال مقدّمة، كقولك: كُلاًّ ضربت القوم. {مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ} أي من أخبارهم وصبرهم على أذى قومهم. {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} أي على أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك فيها من الأذى. وقيل: نزيدك به تثبيتاً ويقيناً. وقال ٱبن عباس: ما نشدّ به قلبك. وقال ٱبن جُريج: نُصبّر به قلبك حتى لا تجزع. وقال أهل المعاني: نُطيّب، والمعنى متقارب: و «ما» بدل من «كلاً» المعنى: نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} أي في هذه السورة؛ عن ابن عباس وأبي موسى وغيرهما؛ وخصّ هذه السورة لأنّ فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار. وقيل: خصّها بالذّكر تأكيداً وإن كان الحقّ في كل القرآن. وقال قَتَادة والحسن: المعنى في هذه الدنيا، يريد النبوّة. {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} الموعظة ما يُتّعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة؛ وهذا تشريف لهذه السّورة؛ لأن غيرها من السّور قد جاء فيها الحقّ والموعظة والذّكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التّخصيص. «وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ» أي يتذكرون ما نزل بمن هلك فيتوبون؛ وخصّ المؤمنين لأنهم المتّعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين، وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك، أي: قلبك يا محمد ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة، وقوله: {وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} أي: هذه السورة. قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف، وعن الحسن في رواية عنه وقتادة: في هذه الدنيا، والصحيح في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم، وأهلك الكافرين، جاءك فيها قصص حق، ونبأ صدق، وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون. قوله تعالى: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }. يقول تعالى آمراً رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي: على طريقتكم ومنهجكم {إِنَّا عَامِلُونَ} أي: على طريقتنا ومنهجنا {وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أي: {أية : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}تفسير : [الأنعام: 135] وقد أنجز الله لرسوله وعده، ونصره وأيده، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم. قوله تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه إليه المرجع والمآب، وسيؤتي كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه، فإنه كاف من توكل عليه، وأناب إليه، وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد بل هو عليم بأحوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والاخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن رباح عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود. آخر تفسير سورة هود عليه السلام ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكُلاًّ } نُصِبَ «بنقصُّ» وتنوينه عوض عن المضاف إليه: أي كلما يُحتاجُ إليه {نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا } بدل من (كلاً) {نُثَبِّتُ } نطمئن {بِهِ فُؤَادَكَ } قلبك {وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ } الأنباء أو الآيات {ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان بخلاف الكفار.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبتُ به فؤادك} أي نقوّي به قلبك وتسكن إليه نفسك، لأنهم بُلُوا فصبروا، وجاهدوا فظفروا. {وجاءَك في هذه الحقُّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في هذه السورة، قاله ابن عباس وأبو موسى. الثاني: في هذه الدنيا، قاله الحسن وقتادة. الثالث: في هذه الأنباء، حكاه ابن عيسى.
ابن عطية
تفسير : قوله: {وكلاًّ} مفعول مقدم بـ {نقص} وقيل: هو منصوب على الحال، وقيل على المصدر. قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، و {ما} بدل من قوله: {كلاًّ}، و {نثبت به فؤادك} أي نؤنسك فيما تلقاه، ونجعل لك الأسوة في مَنْ تقدمك مِن الأنبياء، وقوله: {في هذه} قال الحسن: هي إشارة إلى دار الدنيا، وقال ابن عباس: إلى السورة والآيات التي فيها ذكر قصص الأمم، وهذا قول الجمهور. قال القاضي أبو محمد: ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها بـ {الحق} - والقرآن كله حق - أن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر، أي جاءك في هذه السورة الحق الذي أصاب الأمم الظالمة، وهذا كما يقال عند الشدائد: جاء الحق وإن كان الحق يأتي في غير شديدة وغير ما وجه، ولا يستعمل في ذلك: جاء الحق، ثم وصف أيضاً أن ما تضمنته السورة هي {موعظة وذكرى للمؤمنين}؛ فهذا يؤيد أن لفظة {الحق} إنما تختص بما تضمنت من وعيد للكفرة. وقوله تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون} الآية، هذه آية وعيد، أي {اعملوا} على حالاتكم التي أنتم عليها من كفركم. وقرأ الجمهور هنا: {مكانتكم} واحدة دالة على جمع وألفاظ هذه الآية تصلح للموادعة، وتصلح أن تقال على جهة الوعيد المحض والحرب قائمة. وقوله تعالى: {ولله غيب السماوات والأرض} الآية، هذه آية تعظم وانفراد بما لا حظ لمخلوق فيه، وهو علم الغيب، وتبين أن الخير والشر، وجليل الأشياء وحقيرها - مصروف إلى أحكام مالكه، ثم أمر البشر بالعبادة والتوكل على الله تعالى، وفيها زوال همه وصلاحه ووصوله إلى رضوان الله. وقرأ السبعة - غير نافع - "يرجعُ الأمرُ" على بناء الفعل للفاعل، وقرأ نافع وحفص عن عاصم: "يُرجع الأمرُ" على بنائه للمفعول ورواها ابن أبي الزناد عن أهل المدينة، وقرأ "تعملون" بالتاء من فوق، نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وهي قراءة الأعرج والحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمرو وقتادة والجحدري، واختلف عن الحسن وعيسى، وقرأ الباقون "يعملون" بالياء على كناية الغائب.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِى هَذِهِ} السورة "ع"، أو في الدنيا، أو الأنباء، {الْحَقُّ} صدق الأنباء إذا كانت الإشارة للسورة، أو النبوة إذا كانت الإشارة للدنيا.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} لما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة قصص الأمم الماضية والقرون الحالية وما جرى لهم مع أنبيائهم خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله وكلاًّ نقص عليك يا محمد من أنباء الرسل يعني من أخبار الرسل وما جرى لهم مع قومهم ما نثبت به فؤادك يعني ما نقوي به قلبك لتصبر على أذى قومك وتتأسى بالرسل الذين خلوا من قبلك وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع هذه القصص وعلم أن حال جميع الأنبياء مع أتباعهم هكذا سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه {وجاءك} يا محمد {في هذه الحق} اختلفوا في هذا الضمير إلى ماذا يعود فقيل معناه وجاءك في هذه الدنيا الحق وفيه بعد لأنه لم يجر للدنيا ذكر حتى يعود الضمير إليها وقيل في هذه الآية وقيل في هذه السورة وهو الأقرب وهو قول الأكثرين فإن قلت جاءه الحق في سورة القرآن فلم خص هذه السورة بالذكر قلت لا يلزم من تخصيص هذه السورة بالذكر أن لا يكون قد جاءه الحق في غيرها من السور بل القرآن كله حق وصدق وإنما خصها بالذكر تشريفاً لها {وموعظة وذكرى للمؤمنين} أي وهذه السورة موعظة يتعظ بها المؤمنون إذا تذكروا أحوال الأمم الماضية وما نزل بهم {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} فيه وعيد وتهديد يعني اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة ذلك العمل فهو كقوله: إعملوا ما شئتم {إنا عاملون} يعني ما أمرنا به ربنا {وانتظروا} يعني ما يعدكم به الشيطان {إنا منتظرون} يعني ما يحل بكم من نقمة الله وعذابه إما في الدنيا وإما في الآخرة {ولله غيب السموات والأرض} يعني يعلم ما غاب عن العباد فيهما يعني أن علمه سبحانه وتعالى نافذ في جميع الأشياء خفيها وجليها وحاضرها ومعدومها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء {إليه يرجع الأمر كله} يعني إلى الله يرجع أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة {فاعبده} يعني أن من كان كذلك كان مستحقاً للعبادة لا غيره فاعبده ولا تستغل بعبادة غيره {وتوكل عليه} يعني وثق به في جميع أمورك فإنه يكفيك {وما ربك بغافل عما تعملون} قال أهل التفسير هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم والمعنى أنه سبحانه وتعالى يحفظ على العباد أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. قال كعب الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ }، و«كُلاًّ» مفعولٌ مقدَّم بـــ «نَقُصُّ»، و«ما» بدلٌ من قوله: «وكُلاًّ»، و{نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} أي: نؤنِّسك فيما تلْقَاه، ونجعل لك الإِسْوَة. {وَجَاءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} قال الحسنُ: {هَـٰذِهِ } إِشارة إِلى دار الدنيا، وقال ابن عباس: {هَـٰذِهِ }، إِشارة إِلى السورة، وهو قولُ الجمهور. قال * ع *: ووجه تخصيص هذه السُّورة بوَصْفها بحقٍّ، والقرآن كلُّه حق أنَّ ذلك يتضمَّن معنى الوعيد للكفَرَة، والتنبيهِ للنَّاظر، أي: جاءك في هذه السورة الحَقُّ الذي أصَابَ الأُمَم الماضيةَ، وهذا كما يقالُ عند الشدائدِ: جَاءَ الحَقُّ، وإِن كان الحَقُّ يأتي في غَيْر الشدائدِ، ثم وصَف سبحانَه أنَّ ما تضمَّنته السورةُ هو موعظةٌ وذكْرَى للمؤمنينَ. وقوله سبحانه: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ...} الآية: آيةُ وعيدٍ. وقوله تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: أية تعظيمٍ وٱنفرادٍ بما لا حَظَّ لمخلوقِ فيهِ، ثم أمر سبحانه العَبْدَ بِعِبَادَتِهِ، والتوكُّلِ عليه، وفيهما زوالُ هَمِّهِ وصَلاَحُهُ، ووصُولُهُ إِلى رضوان اللَّه تعالى، فقال: {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، اللَّهم، ٱجعلْنَا مِمَّن توكَّل عليك، ووفَّقْتَهُ لِعَبَادَتِكَ كما ترضَى، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً، والحمد لله على جزيلِ مَا بِهِ أَنْعَمَ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} لتعلم يا محمد ما لقيت الرسل من قبلك من أممهم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس {وجاءك في هذه الحق} قال: في هذه السورة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري {وجاءك في هذه الحق} قال: في هذه السورة. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير. مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة {وجاءك في هذه الحق} قال: في هذه الدنيا. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد قال: كان قتادة يقول في هذه السورة، وقال الحسن: في الدنيا. وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي رجاء عن الحسن {وجاءك في هذه الحق} قال: في هذه السورة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}. سكَّنَ قلبه بما قصَّ عليه من أنباء المرسلين، وعرَّفه أنه لم يُرَقِّ أحداً إلى المحلِّ الذي رقّاه إليه، ولم يُنْعِمْ على أحد بمثل ما أنعم عليه. ويقال قَصَّ عليه قِصَصَ الجميع، ولم يذكر قصَـته لأحد تعريفاً له وتخصيصاً. ويقال لم يكن ثباتُ قلبه بما قصَّ عليه ولكن لاستقلال قلبه بِمَنْ كان يقص عليه، وفَرْقٌ بين من يعقل بما يسمع وبين مَنْ يَستقل بِمَنْ منه يسمع، وأنشدوا: شعر : وَحَدَّثَتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتَنِي حَنِيناً فَزِدْنِي مِنْ حديثِكَ يا سعدُ
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} انهم رزقك الله فهم خطابه فان الصادق العارف اذا وقع فى بحر الازل ويرى عجائب كشوف الصفات وانوار الذات سبحانه تعجب بشانه وظن ان واقعته لم تقع على احد غيره خاصة فى بداية حاله وبديهة كشفه فظن انه فريد فى حاله فعرف الله سبحانه احوال ما مضى على اوليائه ليعلم ان حاله لم يكن غريبا بل يكون معروفا عند العارفين ومعلوما عند الصديقين ومشروحا عند المرسليم ليفرح بسنة الله التى جرت باصطفائية اوليائه فى اوليائه فى الازل ولا يغيرها طوارق الحدثان قال تعالى سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا والشئ اذا كانمعروفا عند العلماء والاولياء لا مدخل فيه للمعارضات والشبهات قال ابو بكر الكتانى سالت الجنيد عن مجارات الحكايات قال هى جنود من جنود الله فى ارضه يقوى بها احوال المريدين فقلت اله اصل فى الكتاب قال تعالى وكلا نقص عليك الاية قوله تعالى {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} اى الكشف لك فى هذه الخطابات على اثر كل خطاب جمال الحق سبحانه وكشوف صفاته على وفاق الخطاب فحيث يخبر الخطاب عن الكبرياء ينكشف لك الكبرياء وكذلك العظمة والجلال والعزة والقدم والبقاء وان اخبر عن الذات يكشف لك الذات صرفا فاذا كان صلى الله عليه وسلم فى منازل الابتداء يقويه الحق بذكر احوال اخوانه من الانبياء ليطيق ان يحمل بدائع الواردات العجيبات له فاذا قوى بها يثبته بكشف جماله وجلاله حتى يطيق ان يعبر على بحار نكرات القدم ولا يتغير بطوارق المكربات والامتحانات ثم او الله سبحانه يقوى قلوب تابعيه من الاولياء والمؤمنين بما جرى عليه من احكام الغيب وانباء الازلية ليطيقوا ان يحملوا اثقال ما اوحى اليه فثبت قلب النبى صلى الله عليه وسلم بقصة الرسل وما كشف لهم وثبت قلوبهم الامة بقصته وحاله فما اشرف هذه الاية حيث هو عليه السلام سبب تثبيت قلوبهم وتصديق ما ذكرنا قوله تعالى {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} صورة القرآن موعظة لاهل المعاملات وحقائقه تبصرة لاهل المعاينات يعرف الكل من بحار القرآن ما يوافق حاله وفهمه وادراكه فالعموم متعلقون بظاهره والخصوص متعلقون بباطنه وخصوص الخصوص فى تجلى الحق فيه وحقيقة القرآن هو الصفة الازلية فاذا انكشف القرآن باصله فقد انكشف الحق فيه لمن خص بخصوصية الصفة واخبر بذلك امير المؤمنين على ابن ابى طالب كرم الله وجهه فقال ان الله يتجلى لعباده فى القرآن قال ابو يزيد فوائد القرآن على حسب ما يوصل له مستمعه فمن سمعه من امثاله ففائدته فيه علم احكامه ومن سمعه كانما سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ على امته موعظته منه بان معجزته وانشارح صدره بلطائف خطابه ومن سمعه من جبرئيل عليه السلام كانما يقرأ الى النبى صلى الله عليه وسلم فمشاهدته فى ذلك مطالعات الغيوب والنظر الى ما فيه من الموعود من سمع الخطاب فيه من الحق فنى تحته === صفاته وصار موصوفا بصفات التحقيق يعنى من علم اليقين وعين اليقين ويحصل فى درجات حق اليقين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكلا} مفعول به لنقص وتنوينه عوض عن المضاف اليه المحذوف اى كل نبأ وخبر {نقص عليك} نخبرك به {من انباء الرسل} بيان لكل اوصفة لما اضيف اليه كل لا لكلا لان الفصيح وصف المضاف اليه ومن للتبعيض {ما نثبت به فؤادك} بدل من كلا او صفة لما اضيف اليه والا ظهر ان يكون المضاف اليه المحذوف فى كلا المفعول المطلق اى كل اقتصاص اى كل اسلوب من اساليبه نقص عليك من انباء الرسل. وقوله ما نثبت به فؤادك مفعول نقص اى ما نشد به قلبك حتى يزيد يقينك ويطيب به نفسك وتعلم ان الذى فعل بك قد فعل بالانبياء قبلك والانسان اذا ابتلى بمحنة وبلية فرأى جماعة يشاركونه فيها خف على قلبه بليته كما يقال البلية اذا عمت خفت وطابت قال القاشانى رحمه الله فى شرح التائية للقلب وجه الى الروح يسمى فؤادا وهو فى محل الشهود كما قال سبحانه {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى} تفسير : ووجه الى النفس يسمى صدرا وهو محل صور العلوم والقلب عرش الروح فى عالم الغيب كما ان العرش قلب الكائنات فى عالم الشهادة انتهى {وجاءك فى هذه} السورة على ما فسره ابن عباس رضى الله عنهما فى منبر البصرة وعليه الاكثر {الحق} ما هو حق وبيان صدق وتخصيصها بالحكم بمجيئ الحق فيها مع ان ما جاءه فى جميع السور حق يحق تدبره واذعانه والعمل بمقتضاه تشريفا لها ورفعا لمنزلتها {وموعظة} ونصيحة عظيمة {وذكرى} وتذكرة {للمؤمنين} لانهم هم المنتفعون بالموعظة والتذكير بايام الله وعقوبته. قال فى الارشاد اى الجامع بين كونه حقا فى نفسه وكونه موعظة وذكرى للمؤمنين ولكون الوصف الاول حالا له فى نفسه باللام دون ما هو وصف له بالقياس الى غيره وتقديم الظرف اعنى فى هذه الفاعل لان المقصود بيان منافع السورة لا بيان ذلك فيها لا فى غيرها
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "وكُلاً" مفعول "نقص"، و"ما نثبت به": بدل، أو "ما " مفعول "نَقُصُّ"، و "كلا": مصدر. أي: ونقص. علك كُلاً من الاقتصاص ما نثبت به فؤادك. يقول الحق جل جلاله: وكل نبأ {نقص عليك} من أخبار الرسل، ونخبرك به {ما نثبت به فؤادك}، ليزيدك يقيناُ وطمأنينة، وثباتاً بما تسمع من أخبارهم، وما جرى لهم مع قومهم، وما لقوا من الأذى منهم، فتتسلى بهم، وتثبت على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار. {وجاءك في هذه} السورة، أو الأنباء المقتصة عليك، {الحق} أي: ما هو حق، {وموعظة وذكرى للمؤمنين} فيتحملون، ويصبرون لما يواجههم من الأذى والإنكار. الإشارة: ذكر أحوال الصالحين، وسيرهم وكراماتهم؛ جند من جنود القلب، وذكر أشعارهم ومواجيدهم جند من جنود الروح، وقد ورد: أن عند ذكرهم تنزل الرحمة، أي: رحمة القلوب باليقين والطمأنينة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بتهديد من خالفه، فقال: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ}.
الطوسي
تفسير : قوله {وكلاً} نصب على المصدر، وتقديره، كل القصص نقص عليك. وقال قوم: نصب على الحال، فقدم الحال قبل العامل، كما تقول: كلا ضربت، ويجوز ان يكون نصباً على انه مفعول به، وتقديره: وكل الذي تحتاج اليه نقص عليك، ويكون {ما نثبت به فؤادك} بدلاً منه - في قول الزجاج - والقصص الخبر عن الأمور بما يتلو بغضه بغضاً، مأخوذاً من قصه يقصه اذا اتبع أثره، ومنه قوله {أية : قالت لأخته قصيه}تفسير : أي اتبعي اثره. والانباء جمع نبأ، وهو الخبر بما فيه عظم الشأن، وكذلك يقولون لهذا الأمر نبأ، والتثبيت تمكين اقامة الشيء ثبته تثبيتاً اذا مكنه، ومعنى {ما نثبت به فؤادك} يحتمل ان يكون ذلك بتسكينه، ويحتمل ايضاً ان يكون بالدلالة على وجوده. والفؤاد القلب مأخوذ من المفتاد، وهو المشوي قال النابغة: شعر : كان خارجاً من حيث صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد. تفسير : ومعنى {وجاءك في هذه الحق} قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: يعني في هذه السورة. وقال الجبائي يعني جاءك في هذه الأنباء. وقال الزجاج: يعني في هذه الأزمان. وقال قتادة: معناه في هذه الدنيا. والأول أصح، والتقدير وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك في سائر السور. ومعنى (الآية) الاعتبار بقصص الرسل لما فيه من حسن صبرهم على أمتهم واجتهادهم في دعائهم الى عبادة الله مع الحق الذي من عمل عليه نجا، ومع الوعظ الذي يلين القلب لسلوك طريق الحق، ومع تذكر الخير والشر، وما يدعو اليه كل واحد منهما في عاقبة النفع أو الضرر. وقوله {وموعظة} يعني جاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله. وقوله {وذكرى للمؤمنين} معناه تذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا يفعلوا غير الواجب.
الأعقم
تفسير : {وكلاّ نقص عليك من أنباء الرسل} أي أخبارها {ما نثبِّت به فؤادك}، قيل: نسدده {وجاءك في هذه الحق}، قيل: في هذه السورة وسائر السور، وقيل: في هذه الرسالة يعني الصدق من الأنباء والوعد والوعيد {وموعظة} أي تخويف وزجر {وذكرى للمؤمنين} الذين يتقون معاصي الله تعالى {وانتظروا إنا منتظرون} أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله من النقم النازلة بأمثالكم {ولله غيب السموات والأرض} عن كعب الأحبار أنه قال: خاتمة التوراة هذه الآية {فاعبده} يعني إذا كان هو المالك للأمور فهو المستحق للعبادة فاعبده وتذلل به ولا تصفه بالشرك {وتوكل عليه} ثق به وفوّض الأمر إليه {وما ربك بغافل عما تعملون} أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازي كل أحد بعمله.
الهواري
تفسير : قوله: { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} فتعلم أن الأنبياء قد لقِيَت من الأذى ما قد لَقِيَت. قوله: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ} قال بعضهم: وجاءك في هذه السورة الحق. وقال الحسن: في هذه الدنيا الحق. وتفسير مجاهد: في هذه السورة. ذكروا أن أبا بكر قال: يا رسول الله، ألا أراك قد شِبْتَ. قال: حديث : شيَّبتني هود والواقعة والمرسلات وعمَّ يتساءلون وإذا الشمس كوّرت تفسير : قوله: { وَمَوْعِظَةٌ} أي: ما في القرآن من مواعظ. {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وكُلاًّ} أى كل نبى، أو كل ما يحتاج إليه مفعول لقوله: {نَقصُّ عليْكَ من أنباءِ} أخبار الرسل، بيان لكلا أو تبعيض {ما} بدل من كلاًّ أو عطف بيان {نُثبِّتُ به فُؤادكَ} قلبك فى أداء الرسالة، والصبر على الأذى، والزيادة فى الطاعة، أو كلا مفعول مطلق، أى نقص عليك كل قص، والمراد كل نوع من أنواع الاقتصاص، على طرق مختلفة، وما مفعول لنقص، وذلك أنه إن أعلم أن الأمم مع رسلهم مثل أمته معه، بل أكثر فى الأذى صبر واطمئنان. {وجَاءكَ فى هَذهِ} قال مجاهد: فى هذه السورة، ونسب لابن عباس، والجمهور، وهو أقرب، وجاء الحق فى غيرها أيضا، وخصت بالذكر تشريفا، ولأنها الحاضرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين النزول، وقيل فى هذه الآية، وقال الحسن: فى هذه الدنيا، قيل: وهو بعيد، لأنه لم يتقدم لها ذكر. قلت: الدنيا حاضرة مجازة للمشارة عليها، وإن لم تذكر، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الأنباء، أو إلى كل لوقوعه جمل أنباء. {الحقُّ ومَوْعظة وذِكْرَى للمؤمِنينَ} إشارة إلى الفؤاد الزائدة على التثبيت، وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون.
اطفيش
تفسير : {وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} كلا مفعول مطلق أَى كل قص نقص عليك قدم على عاملة بطريق الاهتمام فى كلام العرب أَو للحصر وما مفعول به لنقص، والمعنى نقص عليك من أخبار الرسل ما نثبت به فؤادك، كل نوع من أنواع القص، وإِن جعلنا كلا مفعولا به فما بدل من كل أَو خبر لمحذوف، أًى هو ما نثبت به فؤادك أَو منصوب بأًعنى، ومعنى تثبيت الفؤاد زيادة ثبات أَو إِزالة ما قد يعتريه من الضيق بأَذى قومه، وذلك بالإِخبار بأَن الرسل قبلك قد لقوا من أُممهم المخالفة كما لقيت، وتحملوا فاصبر كما صبر أُولو العزم، والبلية تخف بالمشاركةِ فيها، كما شهر أَن المصيبة إِذا عمت هانت {وَجَاءَكَ فِى هَذِهِ} فى هذه السورة أَو فى هذه الدنيا أًو فى هذه الأَنباءِ أَو فى هذه الآيات، وقيل فى هذه السورة ونظائِرها أَو هذه السورة وآياتها جمعت ما لم يجمعه غيرها من إِهلاك الأُمم وبيان أَحوالهم {الْحَقُّ} أَل للحقيقة أو العهد وهو دلائِل التوحيد والنبوة {وَمَوْعِظةٌ وَذِكْرَى} نكرهما تفخيما {لِلْمُؤْمِنِينَ} تذكر للمؤمنين فيكونون يزيدون نشاطا.
الالوسي
تفسير : {وَكُلاًّ} أي وكل نبأ فالتنوين للتعويض عن المضاف إليه المحذوف، ونصب ـ كل ـ على أنه مفعول به لقوله سبحانه: {نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي نخبرك به، وقوله تعالى: / {مِنْ أَنْبَآء ٱلرُّسُلِ} صفة لذلك المحذوف لا ـ لكلا ـ لأنها لا توصف في الفصيح كما في «إيضاح المفصل»، و {مِنْ} تبعيضية، وقيل: بيانية، وقوله عز وجل: {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} قيل: عطف بيان ـ لكلا ـ بناءاً على عدم اشتراط توافق البيان والمبين تعريفاً وتنكيراً، والمعنى هو ما نثبت الخ. وجوز إن يكون بدلاً منه بدل كل أو بعض، وفائدة ذلك التنبيه على أن المقصود من الاقتصاص زيادة يقينه صلى الله عليه وسلم وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذى الكفار، وجوز أيضاً أن يكون مفعول {نَقُصُّ} {وَكُلاًّ} حينئذ منصوب إما على المصدرية أي كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك الذي دنثبت به فؤادك من أنباء الرسل، وإما على الحالية من {ما} أو من الضمير المجرور في {بِهِ} على مذهب من يرى جواز تقديم حال المجرور بالحرف عليه، وهو حينئذ نكرة بمعنى جميعاً أي نقص عليك من أنباء الرسل الأشياء التي نثبت بها فؤادك جميعاً. واستظهر أبو حيان كون {كَلاَّ} مفعولاً له لنقص، و {مِنْ أَنْبَآء} في موضع الصفة له وهو مضاف في التقدير إلى نكرة، و {مَا} صلة كما هي في قوله تعالى: {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 3] ولا يخفى ما فيه. {وَجَآءكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} أي الأمر الثابت المطابق للواقع، والإشارة بهذه إلى السورة كما جاء ذلك من عدة طرق عن ابن عباس وأبـي موسى الأشعري وقتادة وابن جبير. وقيل: الإشارة إليها مع نظائرها وليس بذاك ككونها إشارة إلى دار الدنيا، وإن جاء في رواية عن الحسن، وقيل: إلى الأنباء المقتصة، وهو مما لا بأس به {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} عطف على {ٱلْحَقّ} أي جاءك الجامع المتصف بكونه حقاً في نفسه وكونه موعظة وذكرى للمؤمنين، ولعل تحلية الوصف الأول باللام دون الأخيرين لما قيل: من أن الأول حال للشيء في نفسه والأخيران وصفان له بالقياس إلى غيره. وقال الشهاب: الظاهر أن يقال إنما عرف الأول لأن المراد منه ما يختص بالنبـي صلى الله عليه وسلم من إرشاده إلى الدعوة وتسليته بما هو معروف معهود عنده، وأما الموعظة والتذكير فأمر عام لم ينظر فيه لخصوصية، ففرق بين الوصفين للفرق بين الموصوفين، وفي التخصيص بهذه السورة ما يشهد له لأن مبناها على إرشاده صلى الله عليه وسلم على ما سمعت عن صاحب «الكشف»، وتقديم الظرف على الفاعل ليتمكن المؤخر عنه وروده أفضل تمكن ولأن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم.
ابن عاشور
تفسير : هذا تذييل وحوصلة لما تقدّم من أنباء القرى وأنباء الرسل... فجملة {وكُلاّ نَقُصّ عليك من أنباء الرسل} إلى آخرها عطفُ الإخبار على الإخبار والقصة على القصة، ولك أن تجعل الواو اعتراضيّة أو استئنافية. وهذا تهيئة لاختتام السورة وفذلكة لما سيق فيها من القصص والمواعظ. وانتصب {كُلاّ} على المفعولية لفعل {نقُصُّ}. وتقديمه على فعله للاهتمام ولِمَا فيه من الإبهام ليأتي بيانه بعده فيكون أرسخ في ذهن السامع. وتنوين {كُلاّ} تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف المبيّن بقوله: {من أنباء الرسل}. فالتقدير: وكلّ نبأ عن الرسل نقصّه عليك، فقوله: {من أنباء الرسل} بيان للتّنوين الذي لحق (كلاّ). و{ما نثبّت به فؤادك} بدل من {كلاّ}. والقصص يأتي عند قوله تعالى: {أية : نحن نقصّ عليك أحسن القصص}تفسير : في أوّل سورة [يوسف: 3]. والتثبيت: حقيقته التسكين في المكان بحيث ينتفي الاضطراب والتزلزل. وتقدّم في قوله تعالى: {أية : لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً}تفسير : في سورة [النساء: 66]، وقوله: { أية : فثبتوا الذين آمنوا}تفسير : في سورة [الأنفال: 12]، وهو هنا مستعار للتقرير كقوله:{أية : ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : [البقرة: 260]. والفؤاد: أطلق على الإدراك كما هو الشّائع في كلام العرب. وتثبيت فؤاد الرّسول صلى الله عليه وسلم زيادة يقينه ومعلوماته بما وعده الله لأن كل ما يعاد ذكره من قصص الأنبياء وأحوال أممهم معهم يزيده تذكراً وعلماً بأنّ حاله جار على سنن الأنبياء وازداد تذكراً بأنّ عاقبته النصر على أعدائه، وتجدّد تسلية على ما يلقاه من قومه من التكذيب وذلك يزيده صبراً. والصبر: تثبيت الفؤاد. وأنّ تماثل أحوال الأمم تلقاء دعوة أنبيائها مع اختلاف العصور يزيده علماً بأنّ مراتب العقول البشريّة متفاوتة، وأن قبول الهدي هو منتهى ارتقاء العقل، فيعلم أن الاختلاف شنشنة قديمة في البشر، وأنّ المصارعة بين الحق والباطل شأن قديم، وهي من النواميس التي جُبِلَ عليها النظام البشري، فلا يُحْزنه مخالفة قومه عليه، ويزيده علماً بسمُوّ أتباعه الذين قبلوا هداه، واعتصموا من دينه بعراه، فجاءه في مثل قصة موسى ـ عليه السّلام ـ واختلاف أهل الكتاب فيه بيان الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين فلا يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب. والإشارة من قوله: {في هذه} قيل إلى السورة وروي عن ابن عبّاس، فيقتضي أن هذه السورة كانت أوفى بأنباء الرسل من السور النازلة قبلها وبهذا يجري على قول من يقول: إنها نزلت قبل سورة يونس. والأظهر أن تكون الإشارة إلى الآية التي قبلها وهي {أية : فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض} تفسير : [هود: 116] إلى قوله {أية : من الجنة والنّاس أجمعين}تفسير : [هود: 119]. فتكون هذه الآيات الثلاث أول ما نزل في شأن النهي عن المنكر. على أن قوله: {وجاءك في هذه الحق} ليس صريحاً في أنه لم يجىء مثله قبل هذه الآيات، فتأمل. ولعلّ المراد بـ{الحق} تأمين الرسول من اختلاف أمته في كتابه بإشارة قوله: {أية : فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيّة}تفسير : [هود: 116] المفهم أنّ المخاطبين ليسوا بتلك المثابة، كما تقدّمت الإشارة إليه آنفاً. وتعريفُه إشارة إلى حق معهود للنبي؛ إمّا بأن كان يتطلّبه، أو يسأل ربه. والموعظة: اسم مصدر الوعظ، وهو التّذكير بما يَصُدّ المرء عن عمل مضرّ. والذكرى: مجرد التّذكير بما ينفع. فهذه موعظة للمسلمين ليحذروا ذلك وتذكيراً لهم بأحوال الأمم ليقيسوا عليها ويتبصّروا في أحوالها. وتنكير {موعظة وذكرى} للتعظيم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وكلاّ نقص: أي وكل ما تحتاج إليه من أنباء الرسل نقصه عليك تثبيتاً لفؤادك. ما نثبت به فؤادك: أي نقص عليك من القصص ما نثبت به قلبك لتصبر على دعوتنا وتبليغها. وجاءك في هذه الحق: أي في هذه السورة الحق الثابت من الله تعالى كما جاءك في غيرها. وموعظة وذكرى: أي وجاءك فيها موعظة وذكرى للمؤمنين إذ هم المنتفعون بها. ولله غيب السماوات والأرض: أي ما غاب علمه فيهما فالله يعلمه وحده وليس لغيره فيه علم. فاعبده: أي وَحِّدْهُ في العباده ولا تشرك به شيئا. وتوكل عليه: أي فوض أمرك إليه وثق تمام الثقة فيه فإِنه يكفيك. معنى الآيات: لما قص تعالى على رسوله في هذه السورة الشريفة ما قصه من أنباء الرسل مع أممهم مبيّناً ما لاقت الرسل من أفراد أممهم من تكذيب وعناد ومجاحدة وكيف صبرت الرسل حتى جاءها النصر أخبر تعالى رسوله بقوله {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} أي ونقص عليك كل ما تحتاج إليه في تدعيم موقفك وقوة عزيمتك من أنباء الرسل أي من أخبارها مع أممها الشيء الذي نثبت به قلبك حتى تواصل دعوتك وتبلغ رسالتك. وقوله {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ} أي السورة الحق من الأخبار كما جاءك في غيرها {وَمَوْعِظَةٌ} لك تعظ بها غيرك، {وَذِكْرَىٰ} يتذكر بها المؤمنون فيثبتون على الحق ويصبرون على الطاعة والبلاء فلا يجزعوا ولا يملوا، وقوله {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أي وقل يا رسولنا للذين لا يؤمنون من قومك ممن هم مصرون على التكذيب والشرك والعصيان اعملوا على حالكم وما أنتم متمكنون منه إنا عاملون على حالنا كذلك، وانتظروا أيّنا ينتصر في النهاية أو ينكسر. وقوله ولله غيب السماوات والأرض فهو وحده يعلم متى يجيء النصر ومتى تحق الهزيمة. وإليه يرجع الأمر كله أمر الانتصار والانكسار كأمر الهداية والاضلال والإِسعاد والاشقاء، وعليه فاعبده يا رسولنا وحده وتوكل عليه وحده، فإِنه كافيك كل ما يهمك من الدنيا والآخرة، وما ربك بغافل عما تعملون أيها الناس وسيجزي كلاّ بما عمل من خَيْرٍ أو غيرٍ وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فائدة القصص القرآني وهي أمور منها: أ) تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم. ب) إيجاد مواعظ وعبر للمؤمنين. ج) تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- علم الغيب لله وحده لا يعلمه غيره. 3- مرد الأمور كلها لله بداءاً وعوداً ونهاية. 4- وجوب عبادة الله تعالى والتوكل عليه.
القطان
تفسير : نقص عليك: نخبرك. من انباء الرسل: من اخبارهم. نثبت: نقوي. على مكانتكم: على تمكنكم واستطاعتكم. في خاتمة السورة خطاب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن في قصص الأنبياء والأمم القديمة فائدةً عظمى له وللمؤمنين، وهي تثّبت الفؤاد وتُلقي العظمة. {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}. إننا نقصّ عليك ايها النبي كلّ نبأ من انباء الرسُل المتقدمين مع أممهم كيما نقوي قلبك على تحمل اعباء الرسالة. وقد جاءك في هذه الأنباء بيان الحق الذي تدعو اليه مثلما دعا اليه السابقون من الرسل، وفيها موعظة وذكرى وعبرة ينتفع بها المؤمنون. {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ}. ايها النبيّ، قل للذين يصرّون على العناد والكفر: اعملوا ما تستطيعون من محاربة الاسلام وايذاء المؤمنين، فاننا ماضون في طريقنا على قدر ما نستطيع من الثبات على الدعوة وتنفيذ أمر الله. {وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}. وانتظروا بنا ما تترقبون لنا. إننا كذلك منتظرون وعدَ الله لنا بنجاح الدعوة والانتصار. {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. ولله وحده علم الغيب في هذا الكون كله، واليه وحده يرجع تصريف كل أمر من الأمور. واذا كان الامر كذلك فاعبد ربك وحده، وتوكل عليه، وامتثل ما أُمرت به من دوام التبليغ والدعوة وما ربك بغافل عما تعملون جميعا ايها المؤمنون والكافرون. وقد صدق وعده ونصر عبده، واظهر دينه على الدين كله.
د. أسعد حومد
تفسير : (120) - كُلُّ مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، وَمَا احْتَمَلَهُ كُلُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ، وَكَيْفَ نَصَرَ اللهُ حِزْبَهُ مِنَ المُؤْمِنينَ، وَخَذَلَ أَعْدَاءَهُ مِنَ الكَافِرِينَ ... إِنَّمَا قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، وَنُقَوِّيَ عَزْيمَتَكَ، وَلِتَتَأَسَّى بِإِخْوَانِكَ المُرْسَلِينَ. وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، المُشْتَمِلَةِ عَلَى قَصَصِ الأَنْبِياءِ، وَتَفَاصِيلِ مَا جَرَى لَهُمْ مَع أَقْوَامِهِمْ، القَصَصُ الحَقُّ، وَالنَّبَأ الصِّدْقُ، وَالمَوْعِظَةُ التِي يَرْتَدِعُ بِهَا الكَافِرُونَ، وَيَتَذَكَّرُ بِهَا المُؤْمِنُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة ترى التنوين في قوله الحق {وَكُـلاًّ} فاعلمْ أن المقصود هو قصة كل رسول جاء بها الحق - سبحانه - في القرآن الكريم. وحين يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن فعل قد أحدثه؛ فلنا أنْ ننظر: هل هذا الفعل مأخوذ من صفة له - سبحانه - أم مأخوذ من اسم موجود؟ فيحقّ لنا أن نأخذ الاسم ونأخذ الفعل مثل قوله - تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ ..}تفسير : [النحل: 70]. نعلم منه أنه - سبحانه - خالق، ولكن إنْ جاء فعل ليس له أصل في أسماء الله الحسنى، فإياك أنْ تشتقَّ من الفعل اسماً لله. ومثال ذلك قوله - سبحانه: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ ..} [هود: 120]. والذي يقصُّ هنا هو الله - سبحانه - لكن لا أحد في إمكانه أن يقول: إن الله قصَّاص، مثلما لا يحق لأحد أن يقول: إن الله ماكر، رغم أن الله - سبحانه - قد قال: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 30]. وكذلك لا يصح لأحد أن يقول: الله المخادع، رغم أن الحق - سبحانه قد قال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ..}تفسير : [النساء: 142]. وهكذا نتعلم أدب الحديث عن الله المتصف بكل صفات الكمال والجلال؛ وأن نكتفي بقول: إن مثل هذا الفعل جاء للمشاكلة ما دام ليس له وجود ضمن أسماء الله الحسنى. وهنا يقول الحق - سبحانه: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ ..} [هود: 120]. و"أنباء" جمع "نبأ"، وهو الخبر العظيم الذي له أهمية، والذي يختلف به الحال عند العلم به، وأخبار الرسل - عليهم السلام - تتناثر لقَطاتٍ مختلفة عَبْرَ سور القرآن الكريم، موضحة ما جاء به كل رسول معالجاً الداء الذي عانى منه قومه، وكذلك ما عاناه كل رسول من عَنَت القوم المبعوث لهم، وجاء ذكر تلك الأنباء في القرآن لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول سيصادف في الدعوة المتاعب والصعاب. وقد ذكر القرآن بعضاً من تلك المواقف، يقول الحق - سبحانه: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 214]. ويقول الحق - سبحانه - مصوِّراً حال المؤمنين: {أية : إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ}تفسير : [الأحزاب: 10]. ومثل هذه المواقف تقتضي تثبيت الفؤاد؛ بمعنى تسكينه على منطق اليقين الإيماني بربٍّ أرسله رسولاً ليبلِّغ منهجاً، وما كان الله سبحانه ليرسل رسولاً ليبلِّغ منهجاً ثم يُسلمه لأعدائه. فإذا ما ذكر له أخبار الرسل والصعاب التي تعرضوا لها تهون عليه المصاعب التي يتعرض لها، ويثبت فؤاده. و"الفؤاد" هو ما نقول عنه: "القلب"، وهو وعاء العقائد، بمعنى أن المخ يستقبل من الحواس - وسائل الإدراكات من عين ترى، ومن أذن تسمع، ومن أنف يشُم، ومن فَمٍ يستطعم، ومن كفٍّ تلمس - فتتولد المعلومات التي يصنفها المخ، ويرتبها كقضايا عقلية. ويناقش المخ تلك القضايا العقلية إلى أن تصح القضية العقلية صحة لا يأتي بعدها ما ينقضها، فيسقطها المخ في الفؤاد لتصير عقيدة؛ لا تطفو بعدها إلى العقل لتُناقش من جديد؛ ولذلك يسمونها "عقيدة" - من العقدة - فلا تتذبذب بعد ذلك. إذن: فالفؤاد هو الوعاء القابل للقضايا التي انتهى المخ من تمحيصها تمحيصاً وصل فيه إلى الحق، وأسقطها على القلب ليدير حركة الحياة على مُقْتضاها. وعلى سبيل المثال: نجد الشاب الذي يفكر في مستقبله، فيدرس مزايا وعيوب المهن المختلفة ليختار منها التخصص الذي يتناسب مع مواهبه؛ وأحلامه، ثم يدرس المحسَّات التي استقبلها بحواسه ليُمحِّصها بعقله؛ وما ينتهي إليه عقله يسقطه في قلبه؛ ليصير عقيدة يدير بها حركة حياته. مثال هذا: أنه قد استقر في وجدان الناس وعقولهم أن النار مُحْرقة، ولكن من أين جاء هذا اليقين في أن النار محرقة؟ نقول: جاء من أمر حسي بأن شاهد الناس أن مَنْ مسَّته النار أحرقته. لا بد - إذن - أن يكون القلب ثابتاً؛ غير مذبذب. ولذلك يقول الحق - سبحانه: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..} [هود: 120]. لأن الفؤاد هو الوعاء الذي من مهمته أن يكون مستعداً لاستقبال كلمة الحق؛ وليقبل تنبيه الذكرى، وجلال الموعظة، وكمال الوارد من الحق - سبحانه - وما يأتي من الحق - سبحانه - هو الحق أيضاً، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير. وحق الحق ينبوع العقيدة الذي ستصدر عنه طاعة التكليف، ولا بد أن يكون الإنسان على ثقة من حكمة المكلِّف قبل أن يُقبِلَ على التكليف؛ لذلك لزم أن يأتي الدليل على وجود الحق - سبحانه - وهو قمة الوجود الأعلى - قبل أن تأتي الموعظة، ويكون الإيمان بالوجود الأعلى الذي لا يتغير ولا تطرأ عليه الأغيار هو السابق لمجيء تلك الموعظة. لأن الموعظة قد تتطلب من الإنسان شيئاً يكره أن يلتزم به، وهي هنا صادرة من الحق - سبحانه - الذي خلق، ولا يمكن أن يغش أو يخدع مخلوقاته، ويحملها لك رسول منه - سبحانه. وقد تكره الموعظة إن صدرت عن إنسان مثلك؛ لأنه لن يَعِظك إلا بكمال يتميز به ليعدد نقصاً فيك، وإن لم يكن الواعظ يتمتع بالكمال الذي يعظ به؛ بالموعوظ سيردُّ على الواعظ قائلاً: فَلْتعِظْ نفسك أولاً. ولذلك نجد قول الحق - سبحانه: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3]. لأن الواعظ الذي يَعِظُ بما لا يطبقه على نفسه يعطي الحجة للموعوظ ليرفض الموعظة؛ وليقول لنفسه: "لو كان في هذا الأمر خير لطبَّقه على نفسه". وهكذا بيَّنت الآية الكريمة موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمُثَبَّتٍ، وأيضاً موقف المؤمنين برسالته كمذكَّرين من الرسول بأنهم سيتعرضون للمتاعب؛ متاعب مشقة التكليف التي سيعاني منها مَنْ لا يأخذ التكليف بعمق الفهم. فقد يرى بعض المكلَّفين - مثلاً - أن الأمر بغَضِّ الطَّرْف حرمانٌ من شهوة طارئة ولا يَسْبر غورَ الفهم بأن في غَضِّ الطَّرْف أمراً لكافة المؤمنين أن يغضوا الطرف عن محارمه، وقد يرى في الزكاة أنها أخْذٌ من ماله، ولا يَسْبر غور الفهم بأن في الزكاة تأميناً له إنْ مرَّت عليه الأغيار وصار فقيراً؛ عندئذ سيقدم له المجتمع الإيماني التأمين الاجتماعي الذي يحميه وعياله من مَغبَّة السؤال. وعمق الفهم أمر مطلوب؛ لأن الحق - سبحانه - هو القائل: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ ..}تفسير : [النساء: 82]. لأنك حين تتدبر المعاني ستعلم أن التكليف هو تشريف لك؛ وستقول لنفسك: "ما كلفني الله إلا لخير نفسي؛ وإن ظهر أنه لخير الناس". ومن المتاعب أيضاً ما يلقاه المؤمنون من عنت المستفيدين من الفساد؛ هؤلاء الذين يعيشون على الانتفاع من المفاسد، ويواجهون كل من يريد أن يقضي على الفساد؛ لأن الفساد في الأرض لا يعيش إلا إذا وُجِد منتفعٌ بهذا الفساد؛ والمنتفع بالفساد يكره ويعلن الخصومة لكلِّ مقاومٍ له. إذن: فموقف خصوم النبي صلى الله عليه وسلم موقف طبيعي لصالحهم، ولكنهم - لحمقهم - حددوا الصالح بمصالحهم الآنية في الحياة الدنيا؛ ولم ينظروا إلى عاقبة ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة نعيماً أو عذاباً. ولو أنهم امتلكوا البصيرة؛ لعرفوا أن من مصلحتهم أن يوجد مَنْ يُقوِّمهم حتى لا يقدموا لأنفسهم شراً يوجد لهم في الآخرة. ولو أنهم فَطِنوا؛ لعلموا أن الرسول كما جاء لصلاح المستضعفين المستغلين بالفساد؛ جاء أيضاً لصالحهم، ولو أنهم كانوا على شيء من التعقل؛ لكانوا من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكان من الواجب عليهم كلما حدثتهم أنفسهم بالسعي إلى الفساد؛ وسمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينتظرهم نتيجة لهذا الفساد؛ أن يتبعوه وأن يشكروه؛ لأنه خلَّصهم من طاقة الشر الموجودة فيهم. وهنا يوضح الحق - سبحانه - لرسوله: أنت لست بدعاً من الرسل، وكل رسول تعرَّض للمتاعب مثلما تتعرض أنت لمثلها، وأنت الرسول الخاتم، ولأن الدين الذي جئتَ به لن يأتي بعده دين آخر؛ لذلك لا بد أن تتركز المتاعب كلها معك؛ فكُنْ على ثقة تماماً أنك مُصادِفٌ للمتاعب. ولذلك نثبِّت فؤادك بما نقصُّه عليك من أنباء الرسل؛ لأن هذا الفؤاد هو الذي سيستقبل الحقائق الإيمانية من قمة "لا إله إلا الله" إلى أن يكون ذكرى تذكّرك والمؤمنين معك. وهكذا بيَّنتْ الآية موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمثَّبت؛ وموقف المؤمنين كمذكَّرين من الرسول؛ لأنهم سيتعرضون للمتاعب أيضاً. ونحن نعرف جميعاً ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار حين بايعوه في العقبة على نصرته، وقالوا: إنْ نحن وفينا بما عاهدناك عليه؛ فماذا يكون لنا؟ ولم يَقُلْ لهم صلى الله عليه وسلم: "ستملكون الدنيا، وستصبحون سادة الفُرْس والروم"، بل قال لهم: "حديث : لكم الجنة ". تفسير : لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن منهم مَنْ سيموت قبل أن تتحقق تلك الانتصارات؛ لذلك وعدهم بالقَدْر المشترك الذي يتساوى فيه مَنْ يموت بعد إعلانه للإيمان، وبين مَنْ سيعيش ليشهد تلك الانتصارات. وهكذا تبينا كيف تضمَّنت الآية الكريمة تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وكيفية إعداد هذا الفؤاد لاستقبال الحق والموعظة وذكرى المؤمنين معه. هذا هو الطرف الأول، فماذا عن الطرف الثاني؛ الطرف المكذِّب للرسول؟ كان ولا بد أن يتكلم الحق - سبحانه - هنا عن المكذِّبين للرسول؛ لأن استدعاء المعاني يجعل النفس قابلة للسماع عن الطرف الآخر. وما دام الحق - سبحانه - قد تكلم عن تثبيت وعاء الاستقبال، والموعظة، وتذكير المؤمنين؛ لحظة أن تخور منهم العزائم، فلا بُدَّ - إذن - أن يتكلم - سبحانه - عن القسم الآخر؛ وهو القسم المكذِّب، فيوضح - سبحانه - لرسوله أن له أن يتحداهم ولا يتهيَّب. يقول الحق - سبحانه: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَكُـلاًّ} أي: كل قصة {نَّقُصُّ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ} العظام من جملة {مَا نُثَبِّتُ بِهِ} ونقرر على التوحيد {فُؤَادَكَ} إذ بكل قصة من القصص المذكورة ينشرح صدرك للتوحيد {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} أي: الشهود والانكشاف التام خاصة {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] الذين يصدقونك ويقتفون أثرك. {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بك وبدينك ويكتابك مماراة لهم ومباهلة {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي عمل شئتم {إِنَّا عَامِلُونَ} [هود: 121] على مكانتنا وشأننا بتوفيق اللهز {وَٱنْتَظِرُوۤاْ} بأي شيء انتظرتم {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [هود: 122] العلم عند الله. إذ {وَلِلَّهِ} لا لغيره {غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: الإطلاع عليهما وعلى مكنوناتهما {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره {يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} إذ لا شيء ولا أمر إلا هو {فَٱعْبُدْهُ} حق عبادته {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} حق التوكل والتفويض {وَمَا رَبُّكَ} يا أكمل الرسل المحيط علمه بجميع ذرائر الأكوان إحاطة حضور {بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] من الإخلاص في العبادة والتبتل والتوكيل والتفويض والرضاء ةالتسليم. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المأمور بتهذيب الأخلاق من الرذائل، والأوصاف من الذمائم، والأوصاف والأفعال من القبائح، والأقوال من الكواذب، والأطوار من المخالفة المنافية لصرافة التوحيد أن تستقيم بعزائمك هذه على الوجه المأمور لنبيك الذي هو قبلة لجميع مقاصدك بقوله تعالى: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} [هود: 112] أي: فاعتدل بجميع ما صدر عنك، فلك أن تقتفي أثره صلى الله عليه وسلم في جميع حالاتك من امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتهذيب الأخلاق؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم زبدة أرباب التوحيد الواصلين بمقعد الصدق ومنزل التفريد، والسابقون واللاحقون كلهم يقتبسون من مشكاة أنواره صلى الله عليه وسلم. فعليك أيها المستعد المستشرد من الكلام المجيد أن تضبط جميع أحوالك على الاستقامة والاعتدال، وتجتنب عن كلا طرفي الإفراط والتفريط، وتستعيذ بالله عن مداخلة الرياء والسمعة المنافقيين للإخلاص. واعلم أن خير فرينك في طريقك هذا الرضا والتسليم والتفويض إلى العزيز العليم، ولك العزلة عن الخلطة والانخراط في سلك أهل الثروة والغفلة، والقناعة بالكفاف والعزوبة بالعفاف. وعليك ألاَّ تفرق خاطرك وهمك في أمور دنياك ولو لحظة حتى لا تورثك هماً كثيراً وحزناً طويلاً؛ ذ المسافر في منزله لا يتصرف إلا مقدار مقيله، أمَا تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب"؟. أو: "اشدد حيازيمك للموت والرحيل كأنك عابر سبيل". وبالجملة: لا تغتر بحياتك في دار الغرور، وعد نفسك من أصحاب القبور، فإنه دأب أهل السرور، ديدنة أرباب الحضور.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الاعتبار في الأخبار بقوله تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] إلى آخر السورة، قوله تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} ليشير إلى أن تثبيت القلوب على الدين، والطاعة إلى الله تعالى لا إلى غيره؛ لأنه قال: {نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} وإنه يكون منه بالواسطة وبغير الواسطة: فأمَّا الواسطة: فهاهنا كما قال الله تعالى: {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} أي: بالأنباء عن أقاصيص الرسل، وكقوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ}تفسير : [إبراهيم: 27]. وأمَّا بغير الواسطة كقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74] وهذا التثبيت من إنزال السكينة في قلبه بغير واسطة كقوله تعالى: {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ}تفسير : [الفتح: 26]، وكقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ}تفسير : [الفتح: 4]. فاعلم أنه كما يزاد الإيمان بالسكينة فكذلك يزداد اليقين على اليقين باستماع الأنبياء - صلوات الله على نبينا وعليهم - والأمم السالفة لمن يثبت الله به قلبه، ومن لم يثبت الله قلبه يزداد شكه على الشك وكفره على الكفر؛ لأن الله تعالى أودع في كل شيء لطفه وقهره، فمن فتح عليه لطفه أغلق عليه باب قهره، ومن فتح عليه باب قهره أغلق عليه باب لطفه، ومن فتح عليه باب قهره ولطفه جاءه الحق من هذا الباب، كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} [هود: 120] وفيه إشارة إلى أنك لست بقادر أن تجيء في هذا الحق؛ لأن أبواب اللطف والقهر مغلوقة والمفتاح بيد الفتاح ولا يقدر غير الفتاح أن يفتحه، فإذا هو الذي يفتح باب لطفه في كل شيء على العبد ويجيء بكرمه فيه بلا كيف وأين. {وَمَوْعِظَةٌ} [هود: 120] أي: وفي هذا المعنى موعظة، {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] ليطلبوا الحق من باب لطفه في كل شيء، ولا يطلبوه من باب قهره، {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود: 121] بطلب الحق من باب لطفه ووجدانه. {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} [هود: 121] في طلب القاصد من باب قهر الحق، {إِنَّا عَامِلُونَ} [هود: 121] في طلب الحق من باب لطفه، {وَٱنْتَظِرُوۤاْ} [هود: 122] قهر الحق من باب قهره، {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [هود: 122] وجدان الحق من باب لطفه. {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [هود: 123] أي: من غاب عنكم مما أودع من لطفه في سماوات القلوب، ومن قهره في أرض النفوس، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} [هود: 123] بأن يفتح على أهل السعادة ابواب قلوبهم؛ ليصلوا إلى لطفه وبلطفه يصلوا إليه، ويفتح على أهل الشقاوة أبواب نفوسهم؛ ليصلوا إلى قهره وبقهره يحتجبوا عن الوصول والوصال، {فَٱعْبُدْهُ} [هود: 123] أيها الطالب المحق ولا تعبد غيره في الدنيا والآخرة لتجده. {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] في الطلب لا على طلبك، فإنك إن كنت بك طالباً له لا تجده، وإن كنت به طالباً له فهو الواجد والمطلوب والطالب الموجود، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] إلى الأبد؛ لأنه قدركم وما تعلمون قبل أن خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، ويعلم ما تعملون، وأنتم لا تعلمون ما تعملون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر في هذه السورة من أخبار الأنبياء، ما ذكر، ذكر الحكمة في ذكر ذلك، فقال: { وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } أي: قلبك ليطمئن ويثبت ويصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن النفوس تأنس بالاقتداء، وتنشط على الأعمال، وتريد المنافسة لغيرها، ويتأيد الحق بذكر شواهده، وكثرة من قام به. { وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ } السورة { الْحَقُّ } اليقين، فلا شك فيه بوجه من الوجوه، فالعلم بذلك من العلم بالحق الذي هو أكبر فضائل النفوس. { وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: يتعظون به، فيرتدعون عن الأمور المكروهة، ويتذكرون الأمور المحبوبة لله فيفعلونها. وأما من ليس من أهل الإيمان، فلا تنفعهم المواعظ، وأنواع التذكير، ولهذا قال: { وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ } بعد ما قامت عليهم الآيات، { اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي: حالتكم التي أنتم عليها { إِنَّا عَامِلُونَ } على ما كنا عليه. { وَانْتَظِرُوا } ما يحل بنا { إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } ما يحل بكم. وقد فصل الله بين الفريقين، وأرى عباده، نصره لعباده المؤمنين، وقمعه لأعداء الله المكذبين. { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: ما غاب فيهما من الخفايا، والأمور الغيبية. { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ } من الأعمال والعمال، فيميز الخبيث من الطيب { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } أي: قم بعبادته، وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه، وتوكل على الله في ذلك. { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من الخير والشر، بل قد أحاط علمه بذلك، وجرى به قلمه، وسيجري عليه حكمه، وجزاؤه. تم تفسير سورة هود، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وسلم. [ وكان الفراغ من نسخه في يوم السبت في 21 من شهر ربيع الآخر 1347 ]. المجلد الرابع من تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرب المنان لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 380 : 31 : 14 - سفين عن الأعمش عن أبي جعفر عن بن عباس {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} قال، في هذه السورة. [الآية 120].
همام الصنعاني
تفسير : 1267- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ}: [الآية: 120]، قال: في هذه السورة. 1268- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ}: [الآية: 120]، قال: في هذه السورة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):