١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
121
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الأعذار والإنذار، والترغيب والترهيب، أتبع ذلك بأن قال للرسول: {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ولم تؤثر فيهم هذه البيانات البالغة {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ } وهذا عين ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه، والمعنى: افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر، فنحن أيضاً عاملون. وقوله: {ٱعْمَلُواْ } وإن كانت صيغته صيغة الأمر، إلا أن المراد منها التهديد، كقوله تعالى لإبليس: { أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } تفسير : [الإسراء: 64] وكقوله: { أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29] وانتظروا ما يعدكم الشيطان من الخذلان فإنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: {وَٱنْتَظِرُواْ } الهلاك فإنا منتظرون لكم العذاب. ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدسة فقال: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. واعلم أن مجموع ما يحتاج الإنسان إلى معرفته أمور ثلاثة. وهي: الماضي والحاضر والمستقبل. أما الماضي فهو أن يعرف الموجود الذي كان موجوداً قبله، وذلك الموجود المتقدم عليه هو الذي نقله من العدم إلى الوجود، وذلك هو الإله تعالى وتقدس. واعلم أن حقيقة ذات الإله وكنه هويته غير معلومة للبشر ألبتة، وإنما المعلوم للبشر صفاته، ثم إن صفاته قسمان: صفات الجلال، وصفات الإكرام. أما صفات الجلال، فهي سلوب، كقولنا: إنه ليس بجوهر ولا جسم، ولا كذا ولا كذا. وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال، لأن السلوب عدم، والعدم المحض والنفي الصرف، لا كمال فيه، فقولنا لا تأخذه سنة ولا نوم إنما أفاد الكلام لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير ولولا ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلاً، ألا ترى أن الميت والجماد لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله: { أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام: 14] إنما أفاد، الجلال والكمال والكبرياء، لأن قوله: {وَلاَ يُطْعَمُ } يفيد كونه واجب الوجود لذاته غنياً عن الطعام والشراب بل عن كل ما سواه، فثبت أن صفات الكمال والعز والعلو هي الصفات الثبوتية، وأشرف الصفات الثبوتية الدالة على الكمال والجلال صفتان: العلم والقدرة، فلهذا السبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح. أما صفة العلم فقوله: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والمراد أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات والمعدومات والموجودات والحاضرات والغائبات، وتمام البيان والشرح في دلالة هذا اللفظ على نهاية الكمال ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }تفسير : [الأنعام: 59] وأما صفة القدرة، فقوله: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } والمراد أن مرجع الكل إليه، وإنما يكون كذلك لو كان مصدر الكل ومبدأ الكل هو هو والذي يكون مبدأ لجميع الممكنات وإليه يكون مرجع كل المحدثات والكائنات، كان عظيم القدرة نافذ المشيئة قهاراً للعدم بالوجود والتحصيل جباراً له بالقوة والفعل والتكميل، فهذان الوصفان هما المذكوران في شرح جلال المبدأ ونعت كبريائه. والمرتبة الثانية: من المراتب التي يجب على الإنسان كونه عالماً بها أن يعرف ما هو مهم له في زمان حياته في الدنيا، وما ذلك إلا تكميل النفس بالمعارف الروحانية والجلايا القدسية، وهذه المرتبة لها بداية ونهاية. أما بدايتها فالاشتغال بالعبادات الجسدانية والروحانية. أما العبادات الجسدانية، فأفضل الحركات الصلاة، وأكمل السكنات الصيام، وأنفع البر الصدقة. وأما العبادة الروحانية فهي: الفكر، والتأمل في عجائب صنع الله تعالى في ملكوت السموات والأرض، كما قال تعالى: { أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 191] وأما نهاية هذه المرتبة، فالانتهاء من الأسباب إلى مسببها، وقطع النظر عن كل الممكنات والمبدعات، وتوجيه حدقة العقل إلى نور عالم الجلال، واستغراق الروح في أضواء عالم الكبرياء، ومن وصل إلى هذه الدرجة رأى كل ما سواه مهرولاً تائهاً في ساحة كبريائه هالكاً فانياً في فناء سناء أسمائه. وحاصل الكلام: أن أول درجات السير إلى الله تعالى هو عبودية الله، وآخرها التوكل على الله، فلهذا السبب قال: {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ }. والمرتبة الثالثة: من المراتب المهمة لكل عامل معرفة المستقبل وهو أنه يعرف كيف يصير حاله بعد انقضاء هذه الحياة الجسمانية، وهل لأعماله أثر في السعادة والشقاوة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } والمقصود أنه لا يضيع طاعات المطيعين ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقطمير ويعاتبوا في الصغير والكبير، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير، فظهر أن هذه الآية وافية بالإشارة إلى جميع المطالب العلوية، والمقاصد القدسية، وأنه ليس وراءها للعقول مرتقى ولا للخواطر منتهى والله الهادي للصواب، تمت السورة بحمد الله وعونه، وقد وجد بخط المصنف رضي الله عنه في النسخة المنتقل منها تم تفسير هذه السورة قبل طلوع الصبح ليلة الاثنين من شهر رجب ختمه الله بالخير والبركة سنة إحدى وستمائة، وقد كان لي ولد صالح حسن السيرة فتوفي في الغربة في عنفوان شبابه، وكان قلبي كالمحترق لذلك السبب، فأنا أنشد الله إخواني في الدين وشركائي في طلب اليقين وكل من نظر في هذا الكتاب وانتفع به أن يذكر ذلك الشاب بالرحمة والمغفرة، وأن يذكر هذا المسكين بالدعاء وهو يقول: { أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } تفسير : [آل عمران: 8] وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} تهديد ووعيد. {إِنَّا عَامِلُونَ} {وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} تهديد آخر، و قد تقدّم معناه. قوله تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي غيبهما وشهادتهما؛ فحذف لدلالة المعنى. وقال ٱبن عباس: خزائن السموات والأرض. وقال الضّحاك: جميع ما غاب عن العباد فيهما. وقال الباقون: غيب السموات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض. وقال أبو علي الفارسيّ: «وَلِلَّهَ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» أي عِلم ما غاب فيهما؛ أضاف الغيب وهو مضاف إلى المفعول توسعاً؛ لأنه حذف حرف الجر؛ تقول: غبت في الأرض وغبت ببلد كذا. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} أي يوم القيامة؛ إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه. وقرأ نافع وحفص «يُرْجَعُ» بضم الياء وبفتح الجيم؛ أي يُرَد. {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} أي ٱلجأ إليه وثِق به. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي يجازي كلا بعمله. وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء على المخاطبة. الباقون بياء على الخبر. قال الأخفش سعيد: «يعملون» إذا لم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم معهم؛ قال: بعضهم وقال: «تعملون» بالتاء لأنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قل لهم «وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ». وقال كعب الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة «هود» من قوله: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى آخر السورة
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } حالتكم {إِنَّا عَـٰمِلُونَ } على حالتنا تهديد لهم.
الماوردي
تفسير : وفي هذا {الحق} وجهان: أحدهما: صدق القصص وصحة الأنباء وهذا تأويل من جعل المراد السورة. الثاني: النبوة، وهذا تأويل من جعل المراد الدنيا. {وموعظةُ} يحتمل وجهين: أحدهما: القرآن الذي هو وعظ الله تعالى لخلقه. الثاني: الاعتبار بأنباء من سلف من الأنبياء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : والسعيد من وعظ بغيره ".
ابن عادل
تفسير : ثم قال تعالى: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}. وهذا تهديدٌ ووعيدٌ؛ لأنَّه تعالى لمَّا بالغ في الإعذار والإنذار والتَّرغيب والتَّرهيب، أتبع ذلك بأن قال للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولم تؤثر فيهم هذه البيانات البالغة: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} وهذا عين ما حكاه عن شعيب - عليه السلام - أنه قال لقومه {أية : وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} تفسير : [هود:93]، والمعنى: افعلوا كلَّ ما تقدرُون عليه في حقِّي من الشر، فنحن أيضاً عاملون. وقوله: "اعملُوا" وإن كان صيغته صيغة أمر، إلاَّ أنَّ المراد به التَّهديد، كقوله: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} تفسير : [الإسراء:64] وكقوله: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف:29] "وانتَظِرُوا" ما يعدكم الشيطان من الخذلان فـ "إنَّا مُنتَظِرُونَ" ما وعدنا الرَّحمن من أنواع الغفران والإحسان، قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "وانتَظِرُوا" الهلاك فـ "إنَّا مُنتَظِرُونَ" لكم العذاب وقيل: "انتظرُوا" ما يحلُّ بنا من رحمة الله "إنَّا مُنتظِرُونَ" ما يحل بكم من نقمته. ثم إنَّه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشَّريفة فقال: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [هود:123] أي: علم ما غاب من العبادِ، أي: أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات، والمعدومات، والموجودات {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّه} في المعاد. قرأ نافع وحفص "يُرجَع" بضم الياءِ وفتح الجيم، أي: يرد. وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الجيم، أي: يعودُ الأمرُ كلُّه إليه حتَّى لا يكون للخلق أمر {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وثق به {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرأ نافع وابن عامر وحفص "تَعْمَلُون" بالخطاب، لأنَّ قبله "اعْمَلُوا" والباقون بالغيبة رجوعاً على قوله: {لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} وهذا الخلاف أيضاً في آخر النمل. قال كعبُ الأحبار: خاتمة التَّوارة خاتمة سورة هود. روى عكرمة عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله قد شبت، فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : شَيَّبتْنِي هُودٌ والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعمَّ يتَساءَلُون، وإذا الشَّمسُ كُوِّرَتْ" تفسير : ويروى: "حديث : شَيَّبتْنِي هودٌ وأخواتها" تفسير : ويروى: "حديث : شَيَّبتْنِي هودٌ وأخواتها الحاقَّةُ، والواقعةُ، وعمَّ يتساءَلُون، وهل أتاكَ حديث الغاشيةِ ". تفسير : قال الحكيم: الفزع يورث الشَّيْب، وذلك أنَّ الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسدِ، وتحت كُلِّ شعره منبع، ومنه يعرق، فإذا انتشف الفزغُ رطوبته يبست المنابع؛ فَيبس الشَّعر وابيض، كما ترى الزَّرعَ بسقائه، فإذا ذهب سقاءهُ يبس فابيض، وإنَّما يبيضّ شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويُبْسِ جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله بالأهوال؛ فتذبل وينشِّف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به، ومنه تشِيب؛ قال تعالى: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} تفسير : [المزمل:17] وقال الأصمُّ: ما حلَّ بهم من عاجل أمر الله، فأهلُ اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكهِ وسلطانهِ البطش بأعدائهِ، فلو ماتُوا من الفزع لحق لهم، ولكن الله - تبارك وتعالى - يلطف بهم في الأحيان حتَّى يقرؤوا كلامهُ، وكذلك آخر آية في سورة هود، فإنَّ تلاوة هذه السُّورة ما يكشف لقلوب العارفين سلطانهُ وبطشهُ ما تذهل منه النفوس، وتشيب منه الرءوس. قال القرطبيُّ: وقيل: إنَّ الذي شَيَّبَ النبي صلى الله عليه وسلم من سورة "هود" قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} تفسير : [هود:112] وقال عمرو بن أبي عمرو العبدي: قال يزيد بن أبان رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقرأت عليه سورة هود، فلمَّا ختمتها قال لي "حديث : يا يزيدُ قرأت فأيْنَ البُكاء" تفسير : واسند أبو محمد الدَّارمي في مسندهِ عن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقْرَؤُوا سُورة هود يوم الجمعة" تفسير : والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {اعملوا على مكانتكم} أي منازلكم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {وانتظروا إنا منتظرون} قال: يقول: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم. وفي قوله {وإليه يرجع الأمر كله} قال: فيقضي بينهم بحكمه العدل. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة هود {ولله غيب السماوات والأرض} إلى قوله {بغافل عما تعملون} .
ابو السعود
تفسير : {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بهذا الحقِّ ولا يتعظون به ولا يتذكرون {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} على حالكم وجِهتِكم التي هي عدمُ الإيمان {إِنَّا عَامِلُونَ} على حالنا وهو الإيمانُ به والاتعاظُ والتذكرُ به {وَٱنْتَظِرُواْ} بنا الدوائرَ {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أن ينزل بكم نحوُ ما نزل بأمثالكم من الكفرة {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} فيرجع لا محالة أمرُك وأمرُهم إليه وقرىء على البناء للفاعلِ من رجع رجوعاً {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} فإنه كافيك، والفاءُ لترتيب الأمرِ بالعبادة والتوكلِ على كون مرجعِ الأمور كلِّها إلى الله تعالى، وفي تأخير الأمرِ بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعارٌ بأنه لا ينفع دونها {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فيجازيهم بموجبه وقرىء تعملون على تغليب المخاطَب أي أنت وهم فيجازي كلاًّ منك ومنهم بموجب الاستحقاق. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورةَ هودٍ أُعطيَ من الأجر عشرُ حسناتٍ بعدد مَنْ صدّق كلَّ واحدٍ من الأنبـياء المعدودين فيها عليهم الصلاة والسلام وبعدد مَنْ كذّبهم وكان يوم القيامة من السعداء بفضل الله سبحانه وتعالى«
القشيري
تفسير : إن الذين يجحدون التوحيد، ويؤثِرون على الحقِّ غيرَ الحق، ولم يُصَدِّقوا الوعيد، يوشِكُ أَنْ يَنْصَبّ عليهم الانتقامُ فيغرقون في بحار العقوبة، ويسقطون في وهاد الهوان، فلا لويلهم انتهاءٌ، ولا لِذُلِّهم انقضاءٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل للذين لا يؤمنون} بهذا الحق ولا يتعظون به ولا يتذكرون من اهل مكة وغيرهم {اعملوا على مكانتكم} اى حالكم وجهتكم التى هى عدم الايمان {انا عاملون} على حالنا وهو الايمان به والاتعاظ والتذكير به {وانتظروا} بنا الدوائر والنوائب على ما يعدكم الشيطان {انا منتظرون} ان ينزل بكم ما نزل بامثالكم من الكفرة على ما وعد الرحمن فهذا تهديد لهم لا ان الآية منسوخة بآية السيف. واعلم ان تثبيت القلوب على الدين والطاعة الى الله تعالى لا الى غيره لانه تعالى اسنده الى ذاته الكريمة وان التثبت يكون منه بالواسطة وبغير الواسطة فاما بالواسطة فههنا كما قال {أية : ما نثبت به} تفسير : اى بالانباء عن اقاصيص الرسل كقوله تعالى {أية : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} تفسير : واما غير الواسطة فكقوله تعالى {أية : ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا} تفسير : وهذا التثبيت من انزال السكينة فى قلبه بغير واسطة كقوله {أية : فانزل سكينته على رسوله} تفسير : وكقوله {أية : هو الذى انزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم } تفسير : واعلم انه كما يزداد الايمان بالسكينة فكذلك يزداد اليقين على اليقين باستماع قصص الانبياء والامم السالفة كما قيل حكايات الصالحين جند من جنود الله تعالى وهذا لم يثبت الله بقلبه لا لمن يزداد شكه على الشك وكفره على الكفر كأبى جهل ونحوه لان الله تعالى اودع فى كل شيء لطفه وقهره فمن فتح عليه باب لطفه اغلق عليه باب قهره ومن فتح عليه باب قهره اغلق عليه باب لطفه: قال فى المثنوى شعر : ماهيانرا بحر نكذارد برون خاكيانرا بحر نكذارد درون اصل ما هى زاب وحيوان از كاست حيله وتدبير اينجا باطلست قفل رفتست وكشاينده خدا دست در تسليم زن اندر رضا تفسير : ومن فتح الله عليه باب لطفه جاء الحق من هذا الباب كما قال الله تعالى {أية : وجاءك فى هذه الحق} تفسير : اى انك لست بقادر ان تجيئ فى هذه بالحق لان ابواب اللطف والقهر مغلوقة والمفتاح بيد الفتاح لا يقدر غير المفتاح ان يفتحه فاذا هو الذى يفتح باب لطفه فى كل شيء على العبد ويجيئ بكرمه فيه اليه بلا كيف ولا اين {أية : وموعظة وذكرى للمؤمنين} تفسير : ليطلبوا الحق من باب لطفه فى كل شيء ولا يطلبوا من باب قهره شعر : اطلبوا الارزاق من اسبابها ادخلوا الابيات من ابوابها تفسير : {وقل للذين يؤمنون} بطلب الحق ووجدانه {اعملوا على مكانتكم} فى طلب المقاصد من باب قهر الحق تعالى {انا عاملون} فى طلب الحق من باب قهره {انا منتظرون} وجد ان الحق من باب لطفه وقد ثبت عند اهل التحقيق ان الوجود العينى تابع لعلم الله تعالى وهو تابع للمعلوم الذى هو عين ثابتة لكل فرد من افراد الانسان وهم قد سألوا بلسان الاستعداد فى تلك المرتبة اى حين كونهم اعيانا ثابتة كل مالهم وعليهم فسلوكهم فى هذه النشأة الى طريق الاعمال القهرية ودقهم باب الجلال الالهى انما هو من نتائج استعدادتهم ومقتضيات اسئلتهم السابقة وقس عليه اهل اللطف والجمال وكما ان الله تعالى نصر انبياءه كذلك ينصر اولياءه وصالح المؤمنين ويفتح عليهم ابواب لطفه وكرمه ويؤيدهم ويثبتهم ويحفظهم من تزلزل الاقدام بحسب مراتبهم ويدفع عن قلوبهم الألم وانما الألم من فقدان العيان -يحكى- ان شابا ضرب تسعة وتسعين سوطا فما صاح ولا استغاث الا فى واحدة بعدها فتبعه الشبلى رحمه الله فسأله عن امره فقال ان العين التى ضربت من اجلها كانت تنظر الىّ فى التسعة والتسعين وفى الواحدة حجبت عنى: وفى المثنوى شعر : هركجا باشد شه مارا بساط هست صحرا كربود سم الخياط هركجا يوسف رخى باشد جوماه جنتست آن كرجه باشد قعرجام تفسير : فالكلام انما هو فى كون المرء مع الحق وشهوده فى كل وقت
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم}: حالهم، {إنا عاملون} على حالنا، {وانتظروا} وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله؛ فإنه نازل بكم، {إنا منتظرون} ما وعدنا ربنا من النصر والعز. {ولله غيبُ السموات والأرض} لا يعلمه غيره؛ فلا يعلم غيب العواقب، ووقت وقوع المواعد إلا هو. {وإليه يُرجع الأمرُ كلُّه} فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، {فاعبدوه وتوكل عليه}؛ فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال. {وما ربك بغافل عما تعملون} أنت وهم، فيجازي كلاّ ما يستحقه. أو عما يعمل الكافرون، فيمهلهم ولا يهملهم. الإشارة: {فاعبده وتوكل عليه}: يقول تعالى: يا عبدي؛ قُم بخدمتي أقم لك بقسمتي، قف ببابي وانتسب لجنابي؛ أكفك شؤونك، وتكن من أحبابي. أأدعوك لداري، وأمنعك من وجودي إبراري، أأكلفك بخدمتي، ولا أقوم لك بقسمتي، فثق بي كفيلاً، واتخذني، وكيلاً، أعطك عطاء جزيلاً، وأمنحك فخراً جليلاً. قال القشيري: ويقال: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ. ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه، أو الا كتفاء بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان، إن شاء الله. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.
الطوسي
تفسير : آيتان في الكوفي والبصري، وإِحدى المدينين تمام الاولى انا عاملون، وآية فيما سوى ذلك. أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقول للكفار الذين لا يصدقون بتوحيد الله ولا يعترفون بنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم {اعملوا على مكانتكم} والمكانة الطريقة التي يتمكن من العمل عليها، ويقال: له مكانة عند السلطان - أي جاه، وقدر - وهذا خرج مخرج التهديد، وهو مثل قوله {أية : اعملوا ما شئتم}. تفسير : وقوله {إنا عاملون} معناه إنا عاملون على الايمان الذي أمرنا الله به ودعانا اليه. وقوله {وانتظروا} أي توقعوا، وقد فرق بينهما بأن التوقع طلب ما يقدر أنه يقع، لأنه من الوقوع. والانتظار طلب ما يقدر النظر اليه، لأنه من النظر. والفرق بين الانتظار والترجي، أن الترجي للخير خاصة، والانتظار في الخير والشر. ولو دخلت الفاء في قوله {إنا} لأفاد أن الثاني لأجل الأول وحيث لم تدخل لم تفد ذلك. ومتعلق الانتظار يحتمل أمرين: احدهما - انتظروا ما يعدكم الشيطان من الغرور، فانا منتظرون ما يعدنا ربنا من النصر والعلوّ، في قول ابن جريج. الثاني - انتظروا ما يعدكم ربكم على الكفر من العذاب، فانا منتظرون ما يعدنا على الايمان من الثواب.
الجنابذي
تفسير : {وَقُل} عطف باعتبار المقصود اى فذكّرهم وعظهم بها وقل {لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} يعنى انذرهم {إِنَّا عَامِلُونَ} اشرك المؤمنين لانّ المراد بالعمل العمل على الدّين المدّعى صحّته وهم شركاء له (ص) فيه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقُلِ لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على ناحيتكم، على كفركم. يخوفهم العذاب إن ثبتوا على كفرهم {إِنَّا عَامِلُونَ} أي: على ديننا {وَانتَظِرُوا} أي: ما ينزل بكم من العذاب، أي: الذين تقوم عليهم الساعة، يعني آخر كفار هذه الأمة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه. {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أي: أن يأتيكم العذاب. قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: لا يعلم غيب السماوات والأرض إلا هو. وهو مثل قوله: (أية : يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) تفسير : [الفرقان:6]. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ} أي: يوم القيامة {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} لا يغفل، ولا تخفى عليه خافية.
اطفيش
تفسير : {وقُلُ للَّذِينَ لا يؤْمِنُونَ} إبعادا لهم {اعْملُوا عَلى مَكانَتِكُم} على قدر إمكانكم أو قوتكم أو حالكم أو جهتكم {إنَّا عَامِلُون} على مكانتنا {وانتَظِرُوا} بنا الدوائر أو انتظروا عاقبة أمركم {إنَّا منْتظِرُونَ} ما ينزل بكم، وعن الحسن: ينزل عذاب الاستئصال بأواخر الأمة الدائنين بدين أبى جهل والكفار، كأنهم جملة واحدة {وللهِ} لا لغيره {غَيبُ السَّماواتِ والأرْضِ} أى علم ما فيهما من غيب {وإليْهِ} لا إلى غيرهِ {يرْجعُ} بالبناء المفعول عند نافع، وحفص، وقرأ الباقون بفتح الياء وكسر الجيم، أى فى الدنيا والآخرة، أو المراد هنا فى الآخرة للجزاء {الأمرُ} أمرك وأمرهم وأمر غيرهم {كلُّه} وذلك تعظم وتفرد بما لاحظ المخلوق فيه {فاعبدْه} أطعه أو وحِّده، وقدم العبادة على التوكل لأنه لا ينفع الا بها {وتوكَّل عَليْه} ثق به فإنه كافيك. {وما ربُّكَ بغَافلٍ عمَّا تعْملُون} أنت وهم فيجازى كلا على عمله، وهو بتاء الخطاب هنا وفى آخر النمل عند نافع، وابن عامر، وحفص، وقرأ الباقون بالمثناة التحتية. قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة سورة "هود" والله أعلم.
اطفيش
تفسير : {وقُلْ لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بنبوتك وتوحيد الله {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} جهدكم فى الكفر {إِنَّا عَامِلُونَ} جهدنا فى التوحيد والطاعة.
الالوسي
تفسير : {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي جهتكم وحالكم التي أنتم عليها {أَنَاْ عَـٰمِلُونَ} على جهتنا وحالنا التي نحن عليها.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : وجاءك في هذه الحق}تفسير : [هود: 120] الآية، لأنّها لما اشتملت على أنّ في هذه القصة ذكرى للمؤمنين أمَر بأن يخاطب الذين لا يؤمنون بما فيها خطاب الآيِس من انتفاعهم بالذكرى الذي لا يعبأ باعراضهم ولا يصدّه عن دعوته إلى الحقّ تألبهم على باطلهم ومقاومتهم الحق. فلا جرم كان قوله: {وقل للذين لا يؤمنون} عديلاً لقوله: {أية : وموعظة وذكرى للمؤمنين}تفسير : [هود: 120]. وهذا القول مأمور أن بقوله على لسانه ولسان المؤمنين. وقوله: {اعملوا على مكانتكم إنّا عاملون} هو نظير ما حكي عن شعيب ـ عليه السّلام ـ في هذه السورة آنفاً. وضمائر {إنّا عاملون} {وإنّا منتظرون} للنبي والمؤمنين الذين معه. وفي أمر الله رسوله بأن يقول ذلك على لسان المؤمنين شهادة من الله بصدق إيمانهم. وفيه التفويض إلى رأس الأمّة بأن يقطع أمراً عن أمته ثقة بأنّهم لا يردّون فعله.حديث : كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهوازن لما جاءوا تائبين وطالبين رَدّ سباياهم وغنائمهم «اختاروا أحدَ الأمرين السبيَ أو الأموال»تفسير : . فلمّا اختاروا السبي رجع السبي إلى أهله ولم يسْتشر المسلمين، ولكنّه جعل لمن يُطيب ذلك لهوازن أن يكون على حقه في أوّل ما يجيء من السبي، فقال المؤمنون: طيّبنا ذلك. وقوله: {وانتظروا إنّا منتظرون} تهديد ووعيد، كا يقال في الوعيد: سوف ترى.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَامِلُونَ} (121) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ - عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ - لِلَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ وَالاسْتِكْبَارِ: اعْمَلُوا عَلَى طَرِيقَتِكُمْ وَمَنْهَجِكُمْ، وَمَا هُوَ مُسْتَطَاعُكُمْ وَإِمْكَانُكُمْ (عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، وَإِنَّنا سَنَعْمَلُ عَلَى طَرِيقَتِنا وَمَنْهَجِنا، وَمَا يُقَدِّرُهُ اللهُ لَنَا، وَنَحْنُ مَاضُونَ فِي طَرِيقِنَا، ثَابِتُونَ عَلَى عَمَلِنَا. مَكَانَتِكُمْ - طَرِيقَتِكُمْ، أَوْ غَايَةِ مَا يُمْكِنُكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: اصنعوا ما شئتم، ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم مستندٌ إلى رصيد قويّ من الإيمان بإلهٍ لا يهوله أن يستعد له الخصم؛ فهو صلى الله عليه وسلم والذين معه لا يواجهون الخصم بذواتهم؛ ولا بعدَدهم وعُددهم؛ وإنما يواجهونه بالركن الركين الذي يستندون إليه، وهو الحق سبحانه وتعالى. ونحن نرى في حياتنا اليومية أن أي قائد في معركة إنما يشعر بالثقة حين يصل إلى علمه أن مدداً سوف يصله من الوطن الذي يحارب من أجله؛ لأنه سيعزز من قوته، فما بالنا بالمدد الذي يأتي ممن لا ينفد ما عنده؛ وممن لا يُجير عليه أحدٌ؛ فهو يُجير ولا يُجَار عليه. ولذلك نلاحظ أن الأنبياء استظلوا بتلك المظلة، فموسى - عليه السلام - حين كاد الفرعون أن يلحق به؛ ورأى قومه أنْ لا نجاة لهم؛ فالبحر أمامهم والعدو وراءهم؛ صرخوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ..}تفسير : [الشعراء: 61]. لكن موسى - عليه السلام - يطمئنهم: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. فموسى - عليه السلام - يعلم أنه مُستند بقوة الله لا بقوة قومه، وأمدَّه الله - سبحانه - بمعجزة جديدة: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ..}تفسير : [الشعراء: 63]. فينفلق البحر؛ ليفسح بين مياهه طريقاً يابسة؛ وسار موسى عليه السلام وقومه، وفكر موسى في قطع السبيل على عدوه حتى لا يسير في نفس الطريق المشقوق بأمر الله عبر معجزة ضرب البحر بالعصا، وأراد موسى - عليه السلام - أن يضرب البحر ضربة ثانية ليعود البحر إلى حالة السيولة مرة أخرى، فيقول له الله - سبحانه: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 24]. أي: اتركه على ما هو عليه؛ لينخدع فرعون ويسير في الطريق اليابسة، ثم يعيد الحق - سبحانه - البحر كما كان، وبذلك أنْجَى الحق - سبحانه - وأهْلَكَ بالشيء الواحد؛ وهذه لا يقدر عليها غير الله - سبحانه وتعالى وحده. وهكذا يَهَبُ الحق - سبحانه - المؤمنين به القدرة على تحدي الكافرين. والإيمان كله معركة من التحدي؛ تحدٍّ في صدق الرسول كمبلِّغ عن الله، ومعه معجزة تدل على رسالته، وتحدٍّ في نصرة الرسول ومَنْ معه من قلة مؤمنة؛ فيغلبون الكثرة الكافرة. والحق - سبحانه يقول: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 249]. وهكذا يشيع التحدي في معارك الإيمان. وقد تميَّز كل رسول بمعجزة يتحدى بها أولاً؛ ثم ينتهي دورها؛ لينزل له بعدها منهج من السماء؛ ليبشِّر به قومه، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تميَّز بمعجزة لا تنتهي، وهي عَيْنُ منهجه؛ لأنه رسول إلى كل الأزمان وإلى كل الأمكنة؛ فكان لا بد من معجزة تصاحب المنهج إلى يوم القيامة. ولذلك نجد كل مؤمن بالرسالة المحمدية يقول: محمد رسول الله والقرآن معجزته إلى أن تقوم الساعة. والحق - سبحانه - يقول هنا: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ..} [هود: 121]. ونحن نعلم أن كل كائن منَّا له مكان، أي: له حَيِّز وجِرْم. ويقال: فلان له مكانة في القوم، أي: له مركز مرموق؛ إذا خلا منه لا يستطيع غيره أنْ يشغله، وهو مكان يدلُّ على الشرف والعظمة والسيادة والوجاهة ونباهة الشأن. فقول الحق: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ..} [هود: 121]. أي: اعملوا على قَدْر طاقتكم من عُدة ومن عَدد، فإن لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رباً سيهديه وينصره، وفي هذا تهديد لهم؛ وليس أمراً لهم؛ لأنهم ككفار لن يمتثلوا لأمر مِنْ عَدوِّهم. ولو أنهم امتثلوا لأمر محمد وربِّ محمد لَمَا كانوا كافرين؛ بل لأصبحوا من الطائعين. وحين يقول لهم - سبحانه - في آخر الآية: {إِنَّا عَامِلُونَ} [هود: 121]. فمعنى ذلك أن كل ما في قدراتكم هو محدود لأنكم من الأغيار الأحداث؛ أما فعل الله - تعالى - فهو غير محدود؛ لأنه - سبحانه - قديمٌ أزليٌّ لا تحده حدود، ولن يناقض عمل المُحدَث الحادث عمل القديم الأزلي، فقوة الحادث المُحدَث موهوبة له من غيره، أما قوة الحق - سبحانه - فهي ذاتية فيه. ونحن نعلم أن أيَّ عمل إنما يُقَاس بقوة فاعله، وخطأ المستقبلين لمنهج الله أنهم إذا جاء عمل؛ نَسَوا مَنِ الذي عَمِلَ العمل، ولو كان العمل من فعل البشر لَحقَّ للإنسان أن يتكلم، لكن إذا ما كان العمل من الله - تعالى - فليلزمِ الإنسان حدوده. ومثال ذلك: هؤلاء الذين جادلوا في مسألة الإسراء التي قال فيها الحق - تبارك وتعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ..}تفسير : [الإسراء: 1]. وقالوا: إننا نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، فكيف يقول إنه أتاها في ليلة؟ وكان الرد عليهم: إن محمداً لم يَقُلْ إنه سَرَى من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى بقوته هو، بل أُسْرِيَ به، والذي عمل ذلك هو الله - سبحانه - وليس محمداً، فقيسوا هذا العمل بقوة الله تعالى وليس بقوة محمد. ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: {وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):