٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
159
Tafseer
الرازي
تفسير : المسألة الأولى: في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } قولان. أحدهما: أنه كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين. والثاني: أنه ليس يجري على ظاهره في العموم ثم من هؤلاء من زعم أنه في اليهود خاصة قال ابن عباس: إن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الأحكام، فكتموا، فنزلت الآية وقيل: نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والربيع والسدي والأصم. والأول أقرب إلى الصواب لوجوه. أحدها: أن اللفظ عام والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين لايقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وثانيها: أنه ثبت أيضاً في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف. وثالثها: أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ } فحملت الآية على العموم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة. وتلا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ } واحتج من خص الآية بأهل الكتاب، أن الكتمان لا يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فأما القرآن فإنه متواتر، فلا يصح كتمانه، قلنا: القرآن قبل صيرورته متواتراً يصح كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه عند الواحد صح كتمانه وكذا القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية. المسألة الثانية: قال القاضي: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً، فلما كان ما أنزله الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان، كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان، إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها، وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر، لأن الكتمان مما يشق على النفس. المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَإِذ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187] وقريب منهما قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [البقرة: 174] فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهاً للناس وزاجرة عن كتمانها، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } تفسير : [التوبة: 122] وروى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار» تفسير : . أما قوله تعالى: {مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ } فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً وحياً دون أدلة العقول، وقوله تعالى: {وَٱلْهَدْىَ } يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فإن قيل: فقد قال: {وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ } فعاد إلى الوجه الأول قلنا: الأول هو التنزيل والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلاً تحت الآية فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين في الوعيد، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجاً إليها ثم تركها أو كتم شيئاً من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم. المسألة الرابعة: هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه إذا أظهر البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقيين إظهاره مرة أخرى. المسألة الخامسة: من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال: دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجباً وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ } تفسير : [البقرة: 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان ومأموراً بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟ قلنا: هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم. المسألة السادسة: احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم لأن الآية لما دلت على وجوب ذلك التعليم كان أخذ الأجرة عليه أخذاً للأجرة على أداء الواجب وأنه غير جائز ويدل عليه أيضاً قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [البقرة: 174] وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعاً لأن قوله: {أية : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [البقرة: 174] مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه. أما قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ } قيل في التوراة والإنجيل من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الأحكام، وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين، والثاني: ما في القرآن. أما قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ } فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب. أما قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ } فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا العموم لا محالة، ويؤكده قوله تعالى: {أية : إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [البقرة: 161] والناس ذكروا وجوهاً أخر. أحدها: أن اللاعنين هم دواب الأرض وهوامها، فإنها تقول: منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال: {ٱللَّـٰعِنُونَ } ولم يقل اللاعنات لأنه تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ }. تفسير : [يوسف: 4] و {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } تفسير : [النمل: 18] و {أية : قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } تفسير : [فصلت: 21]، {أية : وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 33]. وثانيها: كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس، فإن قيل: كيف يصح اللعن من البهائم والجمادات؟ قلنا: على وجهين: الأول: على سبيل المبالغة، وهو أنها لو كانت عاقلة لكانت تلعنهم. الثاني: أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه. وثالثها: أن أهل النار يلعنونهم أيضاً حيث كتموهم الدين، فهو على العموم. ورابعها: قال ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى. وخامسها: عن ابن عباس: إن لهم لعنتين: لعنة الله. ولعنة الخلائق. قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل: ما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن ربك؟ فيقول: ما أدري فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن، فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه، ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت، كذلك كنت في الدنيا. وسادسها: قال أبو مسلم: (اللاعنون) هم الذين آمنوا به، ومعنى اللعن منهم: مباعدة الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه. قال القاضي: دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه اللعن، ويدل على أن أحداً من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان داخلاً في الآية.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البيّنات والهُدَى ملعون. وٱختلفوا مَن المراد بذلك؛ فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتم اليهودُ أمرَ الرجم. وقيل: المراد كل من كتم الحق؛ فهي عامة في كل من كتم علماً من دين الله يحتاج إلى بَثّه؛ وذلك مفسّر في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سئل عن علم (يعلمه) فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار»تفسير : . رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص، أخرجه ٱبن ماجه. ويعارضه قول عبد اللَّه بن مسعود: ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وقال عليه السلام: «حديث : حدّث الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله»تفسير : . وهذا محمول على بعض العلوم، كعلم الكلام أو ما لا يستوي في فهمه جميع العوام؛ فحكم العالِم أن يُحدّث بما يُفهم عنه، وينزل كل إنسان منزلته؛ والله تعالى أعلم. الثانية: هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدّثتكم حديثاً. وبها ٱستدلّ العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، دون أخذ الأجرة عليه؛ إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فِعله، كما لا يستحق الأجرة على الإسلام. وقد مضى القول في هذا. وتحقيق الآية هو: أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأمّا من سُئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يُسلم، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحِجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يُعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله، ولا السلطان تأويلاً يتطرّق به إلى مكاره الرعية، ولا ينشر الرُّخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقاً إلى ٱرتكاب المحظورات، وترك الواجبات ونحو ذلك. يُرْوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها»تفسير : . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تعلّقوا الدُّرّ في أعناق الخنازير»تفسير : يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. وقد قال سُحْنون: إن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة. قال ٱبن العربي: والصحيح خلافه؛ لأن في الحديث «حديث : مَن سُئل عن علم» تفسير : ولم يقل عن شهادة، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله؛ والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: {مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} يعمّ المنصوص عليه والمستنبط؛ لشمول ٱسم الهُدَى للجميع. وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد؛ لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله، وقال: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} تفسير : [البقرة: 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل: إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيًّا عن الكتمان ومأموراً بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر. قلنا: هذا غلط؛ لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم موجباً للعلم؛ والله تعالى أعلم. الرابعة: لما قال: {مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} دلّ على أن ما كان من غير ذلك جائز كَتْمه، لاسيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال: حفِظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وِعاءَيْن؛ فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البُلْعوم. أخرجه البخاري. قال أبو عبد اللَّه: البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثّه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلّق بالبينات والهدى؛ والله تعالى أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} الكتابة في «بيناه» ترجع إلى ما أنزل من البينات والهدى. والكتاب: اسم جنس؛ فالمراد جميع الكتب المنزلة. السادسة: قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} أي يتبرّأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم: عليكم لعنتي؛ كما قال للّعين: {أية : وإِنْ عَلَيْكَ لَعْنَتي} تفسير : [ص: 78]. وأصل اللعن في اللغة الإبعاد والطرد؛ وقد تقدم. السابعة: قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} قال قتادة والربيع: المراد بـ «اللاعنون» الملائكة والمؤمنون. قال ٱبن عطية: وهذا واضح جارٍ على مقتضى الكلام. وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. قال الزجاج: والصواب قول من قال: «اللاعنون» الملائكة والمؤمنون؛ فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذَيْنِك شيئاً. قلت: قد جاء بذلك خبر رواه بن عازب رضي الله عنه قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} قال. «دواب الأرض»"تفسير : . أخرجه ٱبن ماجه عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي المِنْهال عن زاذان عن البراء؛ إسناد حسن. فإن قيل: كيفَ جَمعَ مَن لا يعقل جَمع مَن يعقل؟. قيل: لأنه أسند إليهم فعل من يعقل؛ كما قال {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }تفسير : [يوسف: 4] ولم يقل ساجدات، وقد قال: {أية : لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} تفسير : [فصلت: 24]، وقال: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 198]، ومثله كثير، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال البراء بن عازب وٱبن عباس: «اللاعنون» كل المخلوقات ما عدا الثقلين: الجن والإنس؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكافر إذا ضُرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثَّقَلَين ولعنه كل سامع»تفسير : . وقال ٱبن مسعود والسُّدي: هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلاً لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلاً فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى؛ فهو قوله: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} فمن مات منهم ٱرتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود.
ابن كثير
تفسير : هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاء به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله، قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضاً عن أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار»تفسير : والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله، ما حدثت أحداً شيئاً {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ} الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عمار ابن محمد عن ليث بن أبي سليم عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمرو، عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال: «حديث : إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، يسمعها كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: {أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} يعني دواب الأرض»تفسير : ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح، عن عامر بن محمد به، وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجن والإنس، وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض، قال البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم، وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} يعني: تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث أن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضاً، وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو كان له عقل، ويوم القيامة، والله أعلم. ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} أي: رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه {فَأُوْلَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة، إذا تاب إلى الله، تاب الله عليه. وقد ورد أن الأمم السابقة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأنّ { عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة، لهم في نار جهنم التي {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} فيها، أي: لا ينقص عما هم فيه {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك. قال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. (فصل) لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة، يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأما الكافر المعين، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية: { إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله عليه السلام في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله»تفسير : فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في اليهود {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } الناس {مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ } كآية الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَٰبِ } التوراة {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ } يبعدهم من رحمته {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ } الملائكة والمؤمنون أو كل شيء بالدعاء عليهم باللعنة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } إلى آخر الآية فيه الإخبار بأن الذي يكتم ذلك ملعون، واختلفوا مَن المراد بذلك؟ فقيل أحبار اليهود، ورهبان النصارى، الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل كل من كتم الحق، وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع من اليهود، والنصارى من الكتم، فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية كل من كتم الحق. وفي هذه الآية من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره، فإن من لعنه الله، ولعنه كل من يتأتي منه اللعن من عباده، قد بلغ من الشقاوة، والخسران إلى الغاية التي لا تلحق، ولا يدرك كنهها. وفي قوله: {مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ } دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك، كما قال أبو هريرة: «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاءين: أما أحدهما، فبثثته، وأما الآخر، فلو بثثته قطع هذا البلعوم» أخرجه البخاري. والضمير في قوله: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ } راجع إلى ما أنزلنا. والكتاب اسم جنس، وتعريفه يفيد شموله لجميع الكتب. وقيل: المراد به التوراة. واللعن: الإبعاد والطرد. والمراد بقوله: {ٱللَّـٰعِنُونَ } الملائكة، والمؤمنون قاله، الزجاج وغيره، ورجحه ابن عطية. وقيل: كل من يتأتى منه اللعن، فيدخل في ذلك الجن؛ وقيل هم الحشرات والبهائم. وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } الخ، فيه استثناء التائبين، والمصلحين لما فسد من أعمالهم، والمبينين للناس ما بينه الله في كتبه، وعلى ألسن رسله. قوله: {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } هذه الجملة حالية، وقد استدل بذلك على أنه لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من لعنه لقوم من الكفار بأعيانهم؛ لأنه يعلم بالوحي ما لا نعلم، وقيل: يجوز لعنه عملاً بظاهر الحال كما يجوز قتاله. قوله: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ } الخ، استدل به على جواز لعن الكفار على العموم. قال القرطبي: ولا خلاف في ذلك. قال: وليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر؛ بل هو جزاء على الكفر، وإظهار قبح كفره، سواء كان الكافر عاقلاً، أو مجنوناً. وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من جُنّ، أو مات منهم لا بطريق الجزاء، ولا بطريق الزجر. قال: ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله، والملائكة، والناس بلعنهم، لا على الأمر به. قال ابن العربي: إن لعن العاصي المعين لا يجوز باتفاق، لما روى: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتى بشارب خمر مراراً، فقال بعض من حضر: لعنه الله ما أكثر ما يشربه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم»تفسير : والحديث في الصحيحين. وقوله: {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } قيل: هذا يوم القيامة، وأما في الدنيا ففي الناس المسلم، والكافر، ومن يعلم بالعاصي، ومعصيته ومن لا يعلم، فلا يتأتى اللعن له من جميع الناس. وقيل: في الدنيا، والمراد أنه يلعنه غالب الناس، أو كل من علم بمعصيته منهم. وقوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي: في النار. وقيل: في اللعنة. والإنظار: الإمهال، وقيل: معنى لا ينظرون: لا ينظر الله إليهم، فهو من النظر. وقيل: هو من الانتظار، أي: لا ينتظرون ليعتذروا، وقد تقدّم تفسير: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }. وقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك، والإشارة إلى أن أوّل ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس؛ قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل، وخارجة ابن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا } الآية. وقد روي عن جماعة من السلف أن الآية نزلت في أهل الكتاب لكتمهم نبوّة نبينا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء بن عازب؛ قال: كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: "حديث : إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فتسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ } يعني دوابّ الأرض"تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، عن عطاء قال: الجنّ، والإنس، وكل دابة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن مجاهد قال: إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني آدم. وأخرج عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان قال في تفسير الآية: إن دوابّ الأرض، والعقارب، والخنافس يقولون: إنما مُنِعْنا القطْرَ بذنوبهم، فيلعنونهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر قال: يلعنهم كل شيء حتى الخنفساء. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتم العلم، والوعيد لفاعله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ } قال: أصلحوا ما بينهم، وبين الله. وبينوا الذي جاءهم من الله، ولم يكتموه، ولم يجحدوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } يعني: أتجاوز عنهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: إن الكافر يوقف يوم القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: يعني بالناس أجمعين: المؤمنين. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } يقول: خالدين في جهنم في اللعنة. وقال في قوله: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يقول: لا ينظرون، فيعتذرون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } قال: لا يؤخرون. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } و {الم * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ }" تفسير : [آل عمران: 1 ــ 2]. وأخرج الديلمي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس شيء أشدّ على مردة الجن من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ }»تفسير : الآيتين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا} قيل: هم رؤساء اليهود، كعب ابن الأشرف، وكعب بن أسد، وابن صوريا، وزيد بن التابوت، هم الذين كتموا ما أنزل الله. {مَنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} فيه قولان: أحدهما: أن البينات هي الحجج الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والهدى: الأمر باتباعه. والثاني: أن البينات والهدى واحد، والجمع بينهما تأكيد، وذلك ما أبان عن نبوته وهدى إلى اتباعه. {مَنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ} يعني القرآن. {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} فيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم كل شيء في الأرض من حيوان وجماد إلا الثقلين الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس والبراء بن عازب. والثاني: اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت اللعنة على اليهود، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: أنهم البهائم، إذا يبست الأرض قالت البهائم هذا من أجل عُصاةِ بني آدم، وهذا قول مجاهد وعكرمة. والرابع: أنهم المؤمنون من الإنس والجن، والملائكة يَلعنون مَنْ كَفَر بالله واليوم الآخر، وهذا قول الربيع بن أنس. {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} يعني بالإسلام من كفرهم {وَأَصْلَحُوا} يحتمل وجهين: أحدهما: إصلاح سرائرهم وأعمالهم. والثاني: أصلحوا قومهم بإرشادهم إلى الإسلام {وَبَيَّنُوا} يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتَباعه {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِم} والتوبة من العباد: الرجوع عن الذنب، والتوبة من الله تعالى: قبولها من عباده. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} وإنما شرط الموت على الكفر لأن حُكْمَهُ يستقر بالموت عليه ويرتفع بالتوبة منه. {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ} واللعنة من العباد: الطرد، ومن الله تعالى: العذاب. {وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقرأ الحسن البصري: {وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعُونَ} بالرفع، وتأويلها: أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون. فإن قيل: فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم، قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس، فغلب حكم الأكثر على الأقل. والثاني: أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال تعالى: {أية : يَومَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تفسير : [العنكبوت: 25]. ثم قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} فيه تأويلان: أحدهما: لا يخفف بالتقليل والاستراحة. والثاني: لا يخفف بالصبر عليه والاحتمال له. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يؤخرون عنه ولا يمهلون. والثاني: لا ينظر الله عز وجل إليهم فيرحمهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف وابن صوريا، وزيد بن التابوه. {الْبَيِّنَاتِ} الحجج الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَالْهُدَى} الأمر باتباعه، أو كلاهما واحد يراد بهما ما أبان نبوته وهدى إلى اتباعه. {بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ} أي القرآن. {الَّلاعِنُون} ما في الأرض من جماد وحيوان إلاَّ الثقلين، أو المتلاعنان إذا لم يستحق اللعنة واحد منهما رجعت على اليهود، وإن استحقها أحدهما رجعت عليه، أو البهائم إذا يبست الأرض قالوا: هذا بمعاصي بني آدم. أو المؤمنون من الثقلين والملائكة فإنهم يلعنون الكفرة.
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ } هما علمان للجبلين. {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ } من أعلام مناسكه ومتعبداته جمع شعيرة وهي العلامة {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ } قصد الكعبة {أَوِ ٱعْتَمَرَ } زار الكعبة، فالحج: القصد، والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } فلا إثم عليه {أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا }، أي يتطوف فأدغم التاء في الطاء. وأصل الطوف المشي حول الشيء والمراد هنا السعي بينهما. قيل: كان على الصفا «إساف» وعلى المروة «نائلة» وهما صنمان يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله. وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية فرفع عنهم الجناح بقوله «فلا جناح». وهو دليل على أنه ليس بركن كما قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. وكذا قوله {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } أي بالطواف بهما مشعر بأنه ليس بركن. «ومن يطوع»: حمزة وعلي أي يتطوع فأدغم التاء في الطاء {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ } مجاز على القليل كثيراً {عَلِيمٌ } بالأشياء صغيراً أو كبيراً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } من أحبار اليهود {مَا أَنَزَلْنَا } في التوراة {مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ } من الآيات الشاهدة على أمر محمد عليه السلام {وَٱلْهُدَىٰ} الهداية إلى الإسلام بوصفه عليه السلام {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ } أوضحناه {لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ } في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين فكتموه {أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ } الذين يتأتى منهم اللعن وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } عن الكتمان وترك الإيمان {وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم {وَبَيَّنُواْ } وأظهروا ما كتموا {فَأُوْلَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أقبل توبتهم {وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ * إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً. والمراد بالناس المؤمنون أو المؤمنون والكافرون إذ بعضهم يلعن بعضاً يوم القيامة قال الله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا }تفسير : [الأعراف: 38]. {خَـٰلِدِينَ } حال من هم في «عليهم» {فِيهَا } في اللعنة أو في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } من الإنظار أي لا يمهلون أو لا ينتظرون ليعتذروا أو لا ينظر إليهم نظر رحمة {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } فرد في ألوهيته لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمى غير إلها {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تقرير للوحدانية ينفي غيره وإثباته. وموضع «هو» رفع لأنه بدل من موضع «لا إله» ولا يجوز النصب هنا لأن البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني، والمعنى في الآية على ذلك والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول. ورفع «الرّحمٰن الرّحيم» أي المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ولا شيء سواه بهذه الصفة فما سواه إما نعمة وإما منعم عليه على أنه خبر مبتدأ، أو على البدل من «هو» لا على الوصف لأن المضمر لا يوصف. ولما عجب المشركون من إله واحد وطلبوا آية على ذلك نزل {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } في اللون والطول والقصر وتعاقبهما في الذهاب والمجيء {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو بنفع الناس و«من» في {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} لابتداء الغاية وفي {مِن مَّاءٍ} مطر لبيان الجنس لأن ما ينزل من السماء مطر وغيره. ثم عطف على «أنزل» {فَأَحْيَا بِهِ } بالماء {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها ثم عطف على «فأحيا» {وَبَثَّ } وفرق {فِيهَا } في الأرض {مِن كُلِّ دَابَّةٍ } هي كل ما يدب {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ } «الريح»: حمزة وعلي. أي وتقليبها في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقماً ولواقح. وقيل: تارة بالرحمة وطوراً بالعذاب. {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ } المذلل المنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء {بَيْنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } في الهواء {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها. وفي الحديث ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} نزلت في علماء اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرها من الأحكام التي كانت في التوراة. وقيل: إن الآية على العموم فيمن كتم شيئاً من أمر الدين لأن اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن قال بالقول الأول، وإنها في اليهود قال: إن الكتم لا يصح إلاّ منهم لأنهم كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إلى بيانه وإظهاره، فمن كتم شيئاً من أمر الدين فقد عظمت مصيبته (ق) عن أبي هريرة قال: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئاً أبداً: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} وقوله: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} تفسير : [آل عمران: 187] إلى آخر الآيتين، وهل إظهار علوم الدين فرض كفاية أو فرض عين؟ فيه خلاف والأصح، أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه لم يبق مكتوماً، وقيل: متى سئل العالم عن شيء يعلمه من أمر الدين يجب عليه إظهار وإلاّ فلا {من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} يعني في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون المراد بالناس علماء بني إسرائيل، ومن قال: إن المراد بالكتاب جميع ما أنزل الله على أنبيائه من الأحكام قال المراد بالناس العلماء كافة {أولئك} يعني الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى {يلعنهم الله} أي يبعدهم من رحمته وأصل اللعن في اللغة الطرد والإبعاد {ويلعنهم اللاعنون} قال ابن عباس: جميع الخلائق إلاّ الجن والإنس وذلك أن البهائم تقول إنما منعنا القطر بمعاصي بني آدم. وقيل: اللاعنون هم الجن والإنس لأنه وصفهم بوصف من يعقل وقيل: ما تلاعن اثنان من المسليمن إلاّ رجعت إلى اليهود والنصارى الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم استثنى فقال تعالى: {إلاّ الذين تابوا} أي ندموا على ما فعلوا فرجعوا عن الكفر إلى الإسلام {وأصلحوا} يعني الأعمال فيما بينهم وبين الله تعالى {وبينوا} يعني ما كتموا من العلم {فأولئك أتوب عليهم} أي أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم {وأنا التواب} أي المتجاوز عن عبادي الرجاع بقلوبهم المنصرفة عني إلي {الرحيم} يعني بهم بعد إقبالهم علي. قوله عز وجل: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} قيل: هذا اللعن يكون يوم القيامة يؤتى بالكافر فيوقف فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس أجمعون. فإن قلت: الكافر لا يلعن نفسه ولا يلعنه أهل دينه وملته فما معنى قوله والناس أجمعين. قلت فيه أوجه: أحدها: أنه أراد بالناس من يعتد بلعنه وهم المؤمنون. الثاني:أن الكفار يلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. الثالث: أنهم يلعنون الظالمين والكفار من الظالمين فيكون قد لعن نفسه {خالدين فيها} أي مقيمين في اللعنة وقيل: في النار وإنما أضمرت لعظم شأنها {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي لا يمهلون ولا يؤجلون. وقيل: لا ينظرون ليعتذروا. وقيل: لا ينظر إليهم نظر رحمة. فصل فيما يتعلق بهذه الآية من الحكم قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم فلعله يموت على الإسلام وقد شرط الله في هذه الآية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر ويجوز لعن الكفار يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" تفسير : وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله وأما العصاة من المؤمنين فلا يجوز لعنة أحد منهم على التعيين وأما على الإطلاق فيجوز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده" تفسير : ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله ولعن من غير منار الأرض، ومن انتسب لغير أبيه وكل هذه في الصحيح. قوله عز وجل: {وإلهكم إله واحد} سبب نزول هذه الآية، أن كفار قريش قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فأنزل الله هذه الآية وسورة الإخلاص ومعنى الوحدة الانفراد، وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعض ولا ينقسم والواحد في صفة الله أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء وقيل واحد في ألوهيته وربوبيته وليس له شريك لأن المشركين أشركوا معه الآلهة فكذبهم الله تعالى بقوله: {وإلهكم إله واحد} يعني لا شريك له في ألوهيته ولا نظير له في الربوبية والتوحيد، هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله تعالى واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في مصنوعاته وواحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا يشبهه شيء من خلقه {لا إله إلاّ هو} تقرير للوحدانية بنفي غيره من الألوهية وإثباتها له سبحانه وتعالى: {الرحمن الرحيم} يعني أنه المولى لجميع النعم وأصولها وفروعها فلا شيء سواه بهذه الصفة لأن كل ما سواه إما نعمة وأما منعم عليه. وهو المنعم على خلقه الرحيم بهم. عن أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إله واحد لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم}، وفاتحة آل عمران: {الم الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم}" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح. وقيل: لما نزلت هذ الآية. قال المشركون: إن محمداً يقول: "إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان صادقاَ".
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا...} قال ابن عرفة: من الناس من ينظر وجه المناسبة بين الآية وما قبلها كابن الخطيب، ومنهم من لا يلتزمه في كل آية كالزمخشري وابن عطية، ومنهم من يمنع النظر في ذلك ويحرمه لئلا يعتقد أنّ المناسبة من إعجاز القرآن فإذا لم تظهر المناسبة فقد يدرك الناظر وهن في دينه وخلل في معتقده. ابن عرفة: ووجه المناسبة هنا أنه لما تقدم الإخبار بحكم شرعي عقبه ببيان عقوبة العالم إذا كتم علمه. ابن عطية: والمراد بـ {ٱلَّذِين} أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين يكتمون أمر محمد ويتناول من علم علماً من دين الله محتاجا إلى بثه وكتمه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار"تفسير : وهذا إذا لم يخف ضررا في بثه. قال ابن عرفة: ولا يحل للعالم أن يذكر للظالم تأويلا أو رخصة يتمادى منها إلى مفسدة كمن يذكر للظالم ما قال الغزالي في الإحياء من أن يبث المال إذا ضعف و اضطر السلطان إلى ما يجهز به الجيش ويدفع (به) الضرر عن المسلمين فلا بأس أن يوظّف على الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة. قال ابن عرفة: وذكر هذا مما يحدث ضررا (فادحا) في الإسلام. قال ابن عرفة: والبينات إما الأدلة، والهدى نتائجها، أو العكس. ويحتمل أن يكون البينات هو الأدلة الشرعية السمعية والهدى الدليل العقلي أو العكس. قال ابن عرفة: وقع هذا الوعيد في هذه الآية مشوبا بالرجاء لقوله: {تَكْتُمُونَ} بلفظ المستقبل ولم يقل كتموا بالماضي (تنبيها على أن ما وقع منهم قبل ذلك معفو عنه لا يتناوله هذا الوعيد). ثم أكد هذا الرجاء برجاء آخر وهو أن الكتم الصادر منهم في المستقبل إنما يعاقبون عليه مع الإصرار عليه والمداومة لقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}. قال ابن عرفة: وكرر لفظ {يَلعَنُهُمُ} لوجهين: إما تشريفا لله بذكره وحده إشعارا بالتفاوت الذي بينه وبين (اللاّعنين)، وإما تنبيها على أن لعنة الله تعالى أشد من لعنة (اللاّعنين) فهو إما للتفاوت بين اللّعنين، وهذا كما قال ابن التلمساني في المسألة الثامنة من الباب الأول في حديث الخطيب القائل: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى". وتقدم جواب القرافي وعز الدين بن عبد السلام فيه. قال ابن عرفة: وفي الآية عندهم حجة (للعمل) بالإجماع السّكوتي لأن المجتهد إذا بلغه مذهب غيره في المسألة النازلة فإمّا أن يظهر له موافقته أو مخالفته فإن وافقه فهو المطلوب، وإن ظهر له مخالفته وسكت بطل العمل بقوله لأنه عاص (في كتمه) العلم. فإن قلت: تبقى منهم ثالث وهو أن لايظهر (له) في الحال موافقة ولا مخافة. قلنا: لا يكون إذ ذاك مجتهدا. وقال القرطبي: فيها حجة (لوجوب) العمل بخبر الواحد قال: لأنه لا يجب عليه (البيان) إلا بعد قبول قوله وقال: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ}تفسير : فحكم بوقوع البيان بخبرهم ورده ابن عرفة بأن أول احتجاحه على العمل والكلام في كتم العلم وفرق بين العمل بخبر الواحد وبين العلم به.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا...} الآيةَ: المراد بـــ «الذين»: أحبار اليهود، ورهبانُ النصارَى الذين كتموا أمْرَ محمَّد صلى الله عليه وسلم وتتناول الآية بَعْدُ كلَّ من كتم علمًا من دين اللَّه يُحْتَاجُ إلى بَثِّهِ، وذلك مفسَّر في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ». تفسير : قال ابن العربيِّ: وللآية تحقيقٌ، وهو أن العَالِمَ إِذا قصد الكتمانَ، عصَىٰ، وإِذا لم يقصده، لم يلزمْهُ التبليغُ، إذا عرف أن معه غيره، وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدِّثان بكلِّ ما سمعا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ عند الحاجةِ، وكان الزُّبَيْرُ أقلَّهم حديثاً، ثم قال ابنُ العَرَبِيِّ: فأما من سئل، فقد وجَبَ عليه التبليغُ لهذه الآية، وأما إِن لم يُسْأل، فلا يلزمُ التبليغ إِلا في القرآن وحْده، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضيلةِ التبْلِيغِ بأنَّه قال: «حديث : نَضَّرَ اللَّهُ ٱمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا»تفسير : انتهى من «أَحْكَامِ القُرْآن». و {ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ}: أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم ثم يعمُّ بعدُ كلَّ ما يكتم من خير، و {فِي ٱلْكِتَـٰبِ } يراد به التوراةُ والإنجيلُ، ويدخل القرآن في عموم الآية. واختلف في «اللاَّعِنينَ». فقال قتادة، والربيع: الملائِكةُ والمؤمنون، وهذا ظاهرٌ واضحٌ، وقيل: الحشرات والبهائمُ، وقيل: جميع المخلوقات ما عدا الثقلَيْن الجِنَّ والإِنْسَ، وهذان القولانِ لا يقتضيهما اللفظُ، ولا يثبتان إلا بسندٍ يقطعُ العُذْر، ثم ٱستَثنَى اللَّه سبحانه التائبين. {وَأَصْلَحُواْ }، أي: في أعمالهم وأقوالهم. {وَبَيَّنُواْ }، أي: أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم.
ابن عادل
تفسير : في "الكاتِمِينَ" قولان: أحدهما: أنه كلامٌ مستأنفٌ يتناولُ كلَّ من كتم شيئاً من الدين. الثاني: عن ابن عبَّاس، ومجاهد، والحسن، وقتادة والرَّبيع، والسُّدِّيِّ، والأصَمِّ: أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى. الثالث: نزلت في اليهود والَّذين كتموا ما في التَّوراة من صفة محمد - صلوات الله وسلامه عليه -. قال ابن الخَطِيبِ: والأوَّل أقرب إلى الصَّواب؛ لوجوه: الأوَّل: أن اللفظ عامٌّ، وثبت في "أُصُول الفقه" أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب. الثاني: ثبت أيضاً في "أُصُول الفقه" أن العبرة بعموم اللَّفظ، وأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب [مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة]، وكتمانُ الدِّين يُناسبُ استحقاق اللَّعن؛ فوجب عموم الحكم عند عموم الوصف. الثالث: أن جماعةً من الصحابة - رضي الله عنهم - حملوا هذا اللَّفظ على العموم؛ كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "مَنْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شَيْئاً مِنَ الوَحْي، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ تَعَالَى"، واللَّهُ تَعَالَى يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 159]" فحملت الآية على العموم. وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال [لَوْلاَ آية] من كتاب الله، ما حَدَّثْتُ حديثاً بعد أن قال النَّاس: أكْثَرَ أبو هُرَيْرَة، وتَلاَ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ}. احتجَّ من خصَّ الآية بأهل الكتاب: أنَّ الكتمان لا يصحُّ إلاَّ منهم في شرع نبوَّة محمَّد - صلواتُ الله، وسلامه عليه - وأمَّا القرآن، فإنَّه متواترٌ، فلا يصحُّ كتمانُهُ. والجواب: أنَّ القرآن الكريم قبل صَيْرُورَتِهِ متواتراً يَصِحُّ كتمانُهُ، والكلامُ إنَّما هو فيما يحتاج المكلَّف إليه. فصل في تفسير "الكتمان" قال القاضي: الكتمانُ ترك إظهار الشَّيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهار؛ لأنَّه متى لم يكن كذلك، لا يُعَدُّ من الكتمان، فدلَّت الآية على أنَّ ما يتَّصلُ بالدِّين، ويحتاج المكلَّف إليه، لا يجوز كتمانه. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}تفسير : [البقرة: 174] وقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}تفسير : [آل عمران: 187] فهذه كلُّها زواجرُ عن الكتمان. ونظيرها في بيان العلم، وإن لم يكن فيه ذكر الوعيد لكاتمه، قوله سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}تفسير : [التوبة: 122]. وروى أبو هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ كَتَمَ عِلْماً يَعْلَمُهُ جِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " تفسير : واعلم أن العالم، إذا قصد كتمان العلم، عصى، وإن لم يقصده، لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره، وأما من سئل، فقد وجب عليه التبليغ؛ لهذه الآية، وللحديث. واعلم أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن، ولا العلم؛ حتى يسلم، ولا يجوز تعليم المبتدع الجدال، والحجاج، ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجَّةً، ليقتطع بها ماله، ولا السُّلطان تأويلاً يتطرَّق به على مكاره الرَّعيَّة، ولا ينشر الرُّخص من السُّفهاء، فيجعلوا ذلك طريقاً إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات، ونحو ذلك. [وقال - صلوات الله وسلامه عليه -:"حديث : لاَ تَمْنَعُوا الحِكْمَةَ أَهْلَهَا؛ فَتَظْلِمُوهُمْ، وَلاَ تَضَغُوهَا في غَيْرِ أَهْلِهَا، فَتَظْلِمُوهَا " تفسير : وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : لاَ تُعَلِّقُوا الدُّرَّ في أَعْنَاقِ الخَنَازِيرِ"تفسير : يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. قوله تعالى: "مَا أَنْزَلْنَا" مفعول بـ"يَكْتُمُونَ"، و"أَنْزَلْنَا" صلته، وعائده محذوف، أي: أنزلناه، و"مِنَ البَيِّنَاتِ" [يجوز فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أنها حالٌ من "ما" الموصولة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: كائناً من البَيِّنَات. الثاني: أن يتعلَّق بـ"أَنْزَلْنَا" فيكون مفعولاً به، قاله أَبُو البَقَاءِ، وفيه نظرٌ من حيث إنَّه إذا كان مفعولاً به، لم يتعد الفعل إلى ضمير، وإذا لم يتعدَّ] إلى ضمير الموصول، بقي الموصول بلا عائد. الثالث: أن يكون حالاً من الضمير العائد على الموصول، والعامل في "أَنْزَلْنَا"؛ لأنه عامل في صاحبها. فصل في المراد من "البيِّنات" والمراد من "البَيِّنَاتِ" ما أنزلنا على الأنبياء من الكتاب والوحي، دون أدلَّة العقل. وقوله "والهُدَى" يدخل فيه الدَّلالة العقليَّة، والنَّقْليَّة؛ لما تقدَّم في دليل قوله {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 3] أنَّ الهدى عبارةٌ عن الدلائل، فيعمُ الكُلَّ. فإن قيل: فقد قال: {وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الكِتَابِ} فعاد إلى الوجه الأوَّل. قلنا: الأوَّل: هو التنزيل، والثاني: ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. وهذه الآية الكريمة تدلّ على أن من أمكنه بيان أصول الدِّين بالدلائل العقليَّة لمن كان محتاجاً إليها، ثم تركها، أو كتم شيئاً من أحكام الشرع مع الحاجة إليه، فقد لحقه هذا الوعيد. قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ} متعلِّق بـ"يَكْتُمُونَ"، ولا يتعلَّق بـ"أَنْزَلْنَا" لفساد المعنى؛ لأنَّ الإنزال لم يكن بعد التَّبيين، وأمَّا الكتمان فبعد التَّبيين، والضمير في ["بَيَّنَّاهُ" يعودُ على "ما" الموصولة. وقرأ الجمهور "بَيَّنَّاهُ"، وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف "بَيَّنَهُ" على ضمير الغائب، وهو التفاتٌ من التكلّم إلى الغيبة، و"للنَّاس" متعلِّق بالفعل قبله. وقوله: "في الكِتَابِ" يحتمل وجهين: أحدهما: أنه متعلِّق بقوله: "بَيَّنَّاهُ". والثاني: أنه يتعلَّق بمحذوف؛ لأنَّه حالٌ من الضَّمير المنصوب في] "بَيَّنَّاهُ" أي: بيَّنَّاهُ حال كونه مستقرّاً كائناً في الكتاب، والمراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة. فصل في حكم هذا "البيان" قال بعضهم: هذا الإظهار فرضٌ على الكفاية، لأنَّه إذا أظهره البعض، صار بحيث يتمكنَّ كلُّ أحدٍ من الوصول إليه، فلم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان، لم يجب على الباقين إظهاره مرةً أخرى، والله أعلم. فصل في الاحتجاج بقبول خبر الواحد من الناس من يحتجُّ بهذه الآيات على قبول خبر الواحد، لأنَّ أظهار هذه الأحكام واجبٌ، [ولو لم يجب العمل]، لم يكن إظهارها واجباً، وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ}تفسير : [البقرة: 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد كان منهيّاً عن الكتمان، ومأموراً بالبيان؛ [ليكثر المخبرون]؛ فيتواتر الخبر. فالجواب: هذا غلط؛ لأنَّهم ما نهوا عن الكتمان، إلاَّ وهم ممن يجوز عليهم الكتمان، ومن جاز منهم التَّواطؤ على الكتمان، جاز منهم التواطُؤُ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم، والمراد من [الكتاب] قيل: التَّوراة والإنجيل، وقيل: القرآن، وقيل: أراد بالمُنْزَل الأوَّل ما فيه كتب المتقدِّمين، والثَّاني ما في القرآن. قوله تعالى: "أولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ" يجوز في "أولَئِكَ" وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ، و"يَلْعَنُهُم" خبره، والجملة خبرُ "إنَّ الَّذِينَ". والثاني: أن يكون بدلاً من "الَّذِينَ" و "يَلْعَنُهُمُ" الخبر؛ لأن قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} يحتمل أن يكون معطوفاً على ما قبله، وهو {يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ} وأن يكون مستأنفاً، وأتى بصلة "الَّذِينَ" فعلاً مضارعاً، وكذلك بفعل اللَّعنة؛ دلالةً على التجدُّد والحدوث، وأن هذا يتجدَّد وقتاً فوقتاً، وكُرِّرَت اللعنة؛ تأكيداً في ذمِّهم. وفي قوله "يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ" التفاتٌ؛ إذ لو جرى على سنن الكلام، لقال: "نَلْعَنُهُمُ"؛ لقوله: "أَنْزَلْنَا"، ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير. فصل في معنى اللعنة، والمراد باللاعنين اللَّعْنَةُ في أصْلِ اللُّغَة: هي الإبْعَادُ، وفي عُرْف الشَّرْع، الإبعادُ من الثَّوَاب، واختلَفُوا في الَّلاعِنِينَ، مَنْ هُمْ؟ فقيل: دوَابُّ الأرض وهوامُّها؛ فإنَّها تقول: مُنِعْنَا القَطْرَ بمعَاصِي بَنِي آدَمَ، نقله مجاهدٌ، عن عِكْرِمَة. وقال: "اللاَّعِنُونَ"، ولم يقل "اللاعِنَات"؛ لأنَّه تعالَى وصَفَها بصفةِ مَنْ يعقلُ، فجمعَها جَمْعَ مَنْ يعقلُ؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4] و{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل: 18] {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا}تفسير : [فصلت: 21]. و{أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40] وقيل: "كُلُّ شيْءٍ إِلاَّ الإنْسَ والجِنَّ" قاله ابنُ عَبَّاس. فإن قيل: كَيْفَ يصحُّ اللعْنُ من البهائِمِ، والجَمَادَاتِ؟ فالجواب مِنْ وجْهين: الأول: على سبيلِ المُبَالغَةَ، وهي أنَّها لو كانت [عاقلةً]، لكانَتْ تَلْعَنُهُمْ. الثاني: أنها في الآخِرَة، إذا أُعِيدَت، وجُعِلَتْ من العُقَلاء فإنَّها تَلْعَنُ مَنْ فَعَل ذلك في الدُّنْيا، ومَاتَ عَلَيْهِ. وقيل: إنَّ أهْلَ النَّار يَلْعَنُونَهُمْ وقيل يلْعَنُهُمُ الإنْسُ والجِنُّ. وقال ابنُ مَسْعُود - رضي الله تعالَى عَنْه -: ما تَلاَعنَ اثْنَانِ من المُسْلِمِينَ إلاَّ رجَعَتْ تلْكَ اللَّعْنَةُ على اليَهُود والنَّصَارَى الَّذين كَتَمُوا أَمْرَ محمَّد - صلواتُ اللَّه وسلامهُ علَيْه - وصِفَتَهُ. وعن ابْنَ عَبَّاس: أنَّ لهم لعنتَيْنِ لعنة اللَّه، ولَعْنَة الخَلاَئِقِ، قال: وذلك إذَا وُضِعَ الرَّجُلُ في قَبْرِهِ، فَيُسْأَلُ ما دِينُكَ؟ وما نَبِيُّكَ؟ وما رَبُّكَ؟ فيقول: لا أَدرِي فيُضْرَبُ ضربةً يسمعها كلُّ شَيْءٍ إلاَّ الثَّقَلَيْنِ، فلا يَسْمَعُ شيْء صَوْتَه إلاَّ لَعَنَهُ، ويقول المَلَكُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، كذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا. وقال أَبُوا مُسْلِمٍ: "اللاَّعِنُون هم الَّذِين آمَنُوا به، ومعْنَى اللَّعْنَة، مباعدةُ المَلْعُون، ومُشَاقَّتُه، ومخالَفَتُه مع السَّخَط عليه. وقيل: الملائكةُ، والأنبياءُ، والصالحُون؛ ويؤكِّده قولُهُ تعالَى: {أية : إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [البقرة: 161]. وقال قتادة: "الملائكةُ". قال الزَّجَّاجُ: والصوابُ قَوْلُ مَنْ قال: "اللاَّعِنُونَ الملائكة والمؤمنونَ"، فأمَّا أن يكون ذلك لدوَابِّ الأَرْضِ فلا يُوقَفُ على حقيقته إلاَّ بنَصٍّ أو خَبَرٍ لاَزِمٍ، ولم يوجَدْ شيءٌ من ذلك. قال القرطبِيُّ: قد جَاءَ بذلك خَبَرٌ رَوَاهُ البَرَاء بن عَازِب، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى الله عليه وعلى آلِهِ، وسَلَّم، وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - في قوله تعالى: "يَلْعَنُهُمُ اللاَّعنُونَ" قال: حديث : دوابُّ الأَرْضتفسير : أخْرَجَه ابْنُ ماجَةَ. وقال الحَسَن: "جميعُ عبَادِ اللَّه". قال القاضِي: "دلَّتِ الآيةُ على أنَّ هذا الكِتْمَان من الكَبَائر لأنَّه تعالَى أَوْجبَ فيه اللَّعْن.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل، وخارجة بن زيد أخو الحرث بن الخزرج، نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} قال: هم أهل الكتاب. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...} الآية. قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهو دين الله، وكتموا محمداً، وهم {أية : يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنحيل}تفسير : [الأعراف: 157] {ويلعنهم اللاعنون} قال: من ملائكة الله المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: هم أهل الكتاب كتموا محمداً ونعته، وهم يجدونه مكتوباً عندهم حسداً وبغياً. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: زعموا أن رجلاً من اليهود كان له صديق من الأنصار يقال له ثعلبة بن غنمة، قال له: هل تجدون محمداً عندكم؟ قال: لا. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} قال: الجن والإِنس، وكل دابة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني آدم. فقالت: تحبس عنا الغيث بذنوبهم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: إن البهائم إذا اشتدت عليهم السنة قالت: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: دواب الأرض العقارب والخنافس يقولون: إنما منعنا القطر بذنوبهم فليعنونهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. وأخرج عبد بن حميد عن أبي جعفر في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: كل شيء حتى الخنفساء. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إن الكافر يضرب ضربتين بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله {ويلعنهم اللاعنون} يعني دواب الأرض ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: قال البراء بن عازب: إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح لا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين الجن والإِنس. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {ويلعنهم اللاعنون} قال: الكافر إذا وضع في حفرته ضرب ضربة بمطرق، فيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإِنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الوهاب بن عطاء في قوله {إن الذين يكتمون...} الآية. قال: سمعت الكلبي يقول: هم اليهود. قال: ومن لعن شيئاً ليس هو بأهل رجعت اللعنة على يهودي، فذلك قوله {ويلعنهم اللاعنون} . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق محمد بن مروان، أخبرني الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود في هذه الآية قال: هو الرجل يلعن صاحبه في أمر يرى أن قد أتى إليه، فترتفع اللعنة في السماء سريعاً، فلا تجد صاحبها التي قيلت له أهلاً، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده لها أهلاً، فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله {ويلعنهم اللاعنون} فمن تاب منهم ارتفعت عنهم اللعنة، فكانت فيمن بقي من اليهود وهو قوله {إلا الذين تابوا...} الآية. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سئل عن علم عنده فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والمرهبي في فضل العلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أيما عبد آتاه الله علماً فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجماً بلجام من نار ". تفسير : واخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامه ملجماً بلجام من نار ". تفسير : وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو مثله. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان قال: علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحداً بشيء أبداً، ثم تلا هذه الآية {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى.....} الآية. وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} إلى قوله {اللاعنون} ثم استثنى فقال {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا...} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء {إلا الذين تابوا وأصلحوا} قال: ذلك كفارة له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {إلا الذين تابوا وأصلحوا} قال: أصلحوا ما بينهم وبين الله {وبينوا} الذي جاءهم من الله ولم يكتموه ولم يجحدوا به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {أتوب عليهم} يعني أتجاوز عنهم. أما قوله تعالى: {وأنا التوّاب} . أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي زرعة عمرو بن جرير قال: إن أول شيء كتب أنا التواب أتوب على من تاب.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} قيل: نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ما في التوراة من نُعوت النبـي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام. وعن ابن عباس ومجاهدٍ وقَتادةَ والحسنِ والسُّدي والربـيع والأصمِّ أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقيل: نزلت في كل من كتم شيئاً من أحكام الدين لعموم الحكمِ للكل، والأقربُ هو الأول فإن عمومَ الحُكم لا يأبىٰ خصوصَ السبب والكَتم والكتمان تركُ إظهارِ الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحققِ الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد سَترِه وإخفائِه وقد يكون بإزالته ووضْعِ شيءٍ آخرَ في موضعه، وهو الذي فعله هؤلاء. {مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} من الآيات الواضحة الدالةِ على أمر محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلْهُدْىَ} أي والآياتِ الهاديةِ إلى كُنه أمرِه ووجوب اتباعِه والإيمانِ به، عَبَّر عنها بالمصدر مبالغةً ولم يُجمَعْ مراعاةُ للأصل وهي المرادة بالبـينات أيضاً والعطفُ لتغايُر العنوان كما في قوله عز وجل: {أية : هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ } تفسير : [البقرة، الآية 185] الخ وقيل: المراد بالهدى الأدلةُ العقلية ويأباه الإنزالُ والكتم {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ} متعلق بـيكتمون والمرادُ بالناس الكلُّ لا الكاتمون فقط واللام متعلقة ببـيناه، وكذا الظرف في قوله تعالى: {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} فإن تعلقَ جارَّيْن بفعلٍ واحدٍ عند اختلافِ المعنى مما لا ريب في جوازه أو الأخيرُ متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعوله أي كائناً في الكتاب وتبـيـينُها لهم تلخيصُه وإيضاحُه بحيث يتلقاه كلُّ أحد منهم من غير أن يكون له فيه شُبهةٌ، وهذا عنوانٌ مغايرٌ لكونه بـيناً في نفسه، و(هدىً) مؤكداً لقبح الكتم، أو تفهيمُه لهم بواسطة موسى عليه السلام والأول أنسبُ بقوله تعالى في الكتاب، والمرادُ بكتمه إزالتُه ووضعُ غيرِه في موضعه فإنهم محَوْا نعته عليه الصلاة والسلام وكتبوا مكانه ما يخالفه كما ذكرناه في تفسير قوله عز وعلا: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [البقرة، الآية 79] الخ {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إليهم باعتبار ما وصفوا به للإشعار بعلِّيته لما حاق بهم، وما فيه من معنى البعدُ للإيذان بتَرامي أمرهم وبُعد منزلتِهم في الفساد {يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ} أي يطرُدهم ويبعدهم من رحمته، والالتفاتُ إلى الغَيبة بإظهار اسمِ الذاتِ الجامعِ للصفاتِ لتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعةِ والإشعارِ بأن مبدأ صدورِ اللعن عنه سبحانه صفةُ الجلالِ المغايرةِ لما هو مبدأ الإنزال والتبـيـينِ من وصَفِ الجمالِ والرحمة {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} أي الذين يتأتىٰ منهم اللعنُ أي الدعاءُ عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني الثقلين، والمرادُ بـيانُ دوام اللعنِ واستمرارُه، وعليه يدور الاستثناءُ المتصلُ في قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} أي عن الكِتمان {وَأَصْلَحُواْ} أي ما أفسدوا بأن أزالوا الكلامَ وكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف {وَبَيَّنُواْ} للناس معانيَه فإنه غير الإصلاح المذكور، أو بـينوا لهم ما وقع منهم أولاً وآخراً، فإنه أدخلُ في إرشاد الناس إلى الحق، وصرفُهم عن طريق الضلال الذي كانوا أوقعوهم فيه أو بـيّنوا توبتَهم ليمحُوا به سِمةَ ما كانوا فيه ويقتديَ بهم أضرابُهم، وحيث كانت هذه التوبة المقرونةُ بالإصلاح والتبـيـين مستلزمةً للتوبة عن الكفر مبـينةً عليها لم يصرَّحْ بالإيمان. وقولُه تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ للإشعار بعلّيته للحكم، والفاءُ لتأكيد ذلك {أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أي بالقَبول وإفاضةِ المغفرة والرحمة، وقوله تعالى: {وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي المبالغُ في قبول التوْب ونشرِ الرحمةِ، اعتراضٌ تذيـيليٌّ محققٌ لمضمون ما قبله، والالتفاتُ إلى التكلم للافتنان في النظمِ الكريم مع ما فيه من التلويحِ والرمزِ إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فِعليه تعالىٰ السابقِ واللاحِقِ.
القشيري
تفسير : الإشارة في هذه الآية لمن كاشفه الحقُّ سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضنّ بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصَّر فيه لما أخَّر من تعليم المستحِق.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن الذين يكتمون} الآية نزلت فى رؤساء اليهود واحبارهم او فى كل من كتم شيأ من احكام الدين وهو الاقرب لان اللفظ عام وعموم الحكم لا يأبى خصوص السبب والكتم والكتمان ترك اظهار الشئ قصدا مع الحاجة اليه وحصول الداعى الى اظهاره وذلك قد يكون بمجرد ستره واخفائه وقد يكون بازالته ووضع شىء آخر فى موضعه وهو الذى فعه هؤلاء فى نعوت النبى صلى الله عليه وسلم وغيرها {ما انزلنا} حال كونه {من البينات} اى من الآيات الواضحة الدالة على امر محمد عليه السلام وعلى الرجم وتحويل القبلة الحرام والحلال {والهدى} اى والآيات الهادية الى كنه امره ووجوب اتباعه عليه السلام والايمان به {من} متعلق بيكتمون {بعدما بيناه} اى اوضحناه ولخصناه {للناس} جميعا لا الكاتمين فقط {فى الكتاب} اى التوراة وتبيينه لهم ايضاحه بحيث يتلقاه كل احد من غير ان يكون فيه شبهة. قال ابن الشيخ فى حواشيه فالمراد بالبينات ما انزل على الانبياء من الكتب والوحى دون ادلة العقل وان قوله والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية وقوله تعالى فى حق الهدى من بعد ما بيناه وما لخصناه فى الكتاب لا يقتضى اتحادهما وان يكون العطف لتغاير اللفظين لان كون ما بينّاه فى الكتاب كما يجوز ان يكون بطريق كونه من جملة التنزيل يجوز ان يكون بطريق كونه فائدة ملخصة اى مستفادة منه {اولئك} اى اهل هذه الصفة {يلعنهم الله} اى يطردهم ويبعدهم من رحمته بسبب كتمهم الحق {ويلعنهم اللاعنون} اى الذين يتأتى منهم اللعن اى الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمنى الثقلين. وعن ابن مسعود رضى الله عنه ما تلاعن اثنان الا ارتفعت اللعنة بينهما فان استحقها احدهما والا رجعت على اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام او اللاعنون البهائم والهوام تلعن العصاة تقول اللهم العن عصاة بنى آدم فبشؤمهم منع عنا القطر.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الضمير في {فيها}: يعود على اللعنة أو النار، وإضمارها قبل الذكر تفخيماً لشأنها، وتهويلاً لأمرها. يقول الحقّ جلّ جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {إن الذين يكتمون} ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - عليه الصلاة والسلام - من الآيات لاواضحات في شأنه، وبيان صفته وبلده وشريعته، وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به، {من بعد ما بيناه للناس} في التوراة، {أولئك} الكاتمون {يلعنهم الله} ويطردهم عن ساحة رحمته، {ويلعنهم} الجن والإنس، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. {إلا الذين تابوا} من الكتمان، وكل ما يجب أن يتاب منه، {وأصلحوا} ما أفسدوا من الدين بالتدارك، {وبينوا} ما كتموا {فأولئك أتوب عليهم} وأرحمهم {وأنا التّواب الرحيم} أي: المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك {عليهم لعنة الله}، ومن يُعْتَدّ بلعنته من {الملائكة والناس أجمعين} خالدين في اللعنة أو في النار {لا يخفف عنهم العذاب} ساعة، ولا هم يمهلون عنه، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء. الإشارة: ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة، الذين ملكتهم جيفة الدنيا، وأسرهم الهوى، الذين يقبضون الرّشَا على الأحكام، فيكتمون المشهور الواضح، ويحكمون بشهوة أنفسهم، فأولئك يلعنهم اللاعنون، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله -: شعر : وهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا تفسير : وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته: (يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية؟). إلا مَن تاب وأصلح ما أفسد، وبيَّن ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم. تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام: قسم يجب إظهاره، ومَنْ كَتَمَه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعيَّن على المسؤول بحيث لم يُوجَد من يُفتِي في تلك النازلة. وقسم يجب كتمه، وهو علم سرّ الربوبية، أعني التوحيدَ الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نَفْسَه وفَلْسَهُ وخَرقَ عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عن إذا طلبه. وقسم يُستحب كتمه، وهو أسرار القدَر المُغَيَّبَات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم. هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم...}، وإنما تخلَّل الكلامَ ذكرُ إبراهيم وبنيه توطئةً لنسخ القبلة الذي أنركوه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجزَّ الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلَّهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قيل في المعني بهذه الآية قولان: احدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والحسن، وقتادة، والسدي، واختاره الجبائي، وأكثر أهل العلم: انهم اليهود، والنصارى: مثل كعب بن الاشرف وكعب بن أسيد، وابن صوريا، وزيد بن تابوه، وغيرهم من علماء النصارى ألذين كتموا أمر محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونبوته: وهم يجدونه مكتوباً في التوراة والانجيل مبينا فيهما. والثاني - ذكر البلخي: أنه متناول لكل من كتم ما أنزل الله وهو أعم، لأنه يدخل فيه أولئك وغيرهم، ويروى عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة، فكتموهم اياه، فانزل الله عزوجل {إن الذين يكتمون} الآية. وإنما نزل فيهم هذا الوعيد، لان الله تعالى علم منهم الكتمان، وعموم الآية يدل: على أن كل من كتم شيئاً من علوم الدين، وفعل مثل فعلهم في عظم الجرم أو أعظم منه، فان الوعيد يلزمه، وأما ما كان دون ذلك، فلا يعلم بالآية بل بدليل آخر. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:حديث : من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نارتفسير : . وقال ابو هريرة: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم وتلا {إن الذين يكتمون ما أنزل الله} الآية، فهذا تغليظ للحال في كتمان علوم الدين. وكتمان الشيء اخفاؤه مع الداعي الى اظهاره، لانه لا يقال لمن أخفى مالا يدعوا الى اظهاره داع: كاتم. والكتاب الذى عني ها هنا قيل التوارة. وقيل كل كتاب أنزله الله. وهو أليق بالعموم. وقال الزجاج: هو القرآن، واستدل قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخير الواحد من حيث أن الله تعالى توعد على كتمان ما أنزله، وقد بينا في اصول الفقه أنه لا يمكن الاعتماد عليه، لأن غاية ما في ذلك وجوب الاظهار، وليس إذا وجب الاظهار وجب القبول، كما أن على الشاهد الواحد يجب إقامة الشهادة وإن لم يجب على الحاكم قبول شهادته، حتى ينضم اليه ما يوجب الحكم بشهادته، وكذلك يجب على النبي (صلى الله عليه وسلم) إظهار ماحمله، ولا يجب على أحد قبوله حتى يقترن به المعجز الدال على الصدق، ولذلك نظائر ذكرناها. على أن الله تعالى بين أن الوعيد إنما توجه على من كتم ما هو بينة وهدى وهو الدليل، فمن أين أن خبر الواحد بهذه المنزلة، فاذاً لا دلالة في الآية على ما قالوه، والبينات والهدى هي الادلة وهما بمعنى واحد، وإنما كرر لاختلاف لفظهما. وقيل: إنه اراد بالبينات الحجج الدالة على نبوته (صلى الله عليه وسلم) وبالهدى إلى ما يؤديه إلى الخلق من الشرائع، فعلى هذا لا تكرار. اللغة: واللعن في الاصل الابعاد على وجه الطرد قال الشماخ: شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : أراد مقام الذئب اللعن. واللعين في الحكم: الابعاد - من رحمة الله - بايجاب العقوبة، فلا يجوز لعن ما لا يستحق العقوبة. وقول القائل: لعنه الله دعاء، كأنه قال: أبعده الله، فاذا لعن الله عبداً، فمعناه الاخبار بأنه أبعده من رحمته. المعنى: والمعني بقوله و {يلعنهم اللاعنون} قيل فيه أربعة أقوال: احدها - قال قتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وغيرهما: انهم الملائكة والمؤمنون - وهو الصحيح -، لقوله تعالى في وعيد في الكفار{أية : أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين}تفسير : فلعنة اللاعنين كلعنة الكافرين. الثاني - قال مجاهد، وعكرمة: إنها دوابّ الأرض، وهو انها تقول منعنا القطر لمعاصي بني آدم. الثالث - حكاه الفراء أنه كل شيء سوى الثقلين الانس والجن، رواه عن ابن عباس. الرابع - قاله ابن مسعود: أنه إذا تلاعن الرجلان رجعت اللعنة على المستحق لها، فان لم يستحقها واحد منهم رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله. فان قيل: كيف يجوز على قول من قال: المراد به البهائم اللاعنون، وهل يجوز على قياس ذلك الذاهبون؟ قلنا لما أضيف اليها فعل ما يعقل عوملت معاملة ما يعقل كما قال تعالى {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين}تفسير : فان قيل: كيف يجوز إضافة اللعن إلى مالا يعقل من البهيمه والجماد؟ قيل: لامرين احدهما - لما فيه من الآية التي تدعوا الى لعن من عمل بمصية الله. والثاني - أن تكون البهائم تقول على جهة الالهام لما فيه من الاعتبار.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} اعلم أنّ أمثال هذه الآيات ما مضى منها وما يأتى نازلة فى شأن علىٍّ (ع) وولايته سواء كان نزولها فى أهل الكتاب او فى غيرهم فانّ المقصود منها التّعريض بولاية علىٍّ (ع) فالمعنى انّ الّذين يكتمون ما أنزلنا على محمّد (ص) من دلائل ولاية علىٍّ (ع) الّتى لم يخف على احدٍ بعد وفاة محمّد (ص) {وَٱلْهُدَىٰ} المطلق الّذى هو ولاية علىٍّ (ع) فانّه حقيقة الهدى، وكلّما يدلّ على الولاية فهو هدىً باعتبار انتهائه الى الهدى المطلق {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} اى الهدى الّذى هو الولاية {لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ} اى القرآن وأخبار الرّسول {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} اى الّذين يتأتّى منهم اللّعن من الملائكة والثقلين حتّى أنفسهم فانّهم يقولون: لعن الله الكافرين كما فى تفسير الامام (ع) او من كلّ شيءٍ فانّ الكل باعتبار شعورهم بقدر وجودهم يلعنون الملعونين، وهذا لا ينافى جريانه فى أهل الكتاب الكاتمين لامر محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وفى سائر العلماء الكاتمين لمطلق الحقّ وفيمن علم شيئاً من الحقّ فكتمه، ونسب الى ابى محمّدٍ (ع) انّه قال: قيل لامير المؤمنين (ع): من خير خلق الله بعد ائمّة الهدى ومصابيح الدّجى؟ - قال: العلماء اذا صلحوا، قيل: فمن شرّ خلق الله بعد ابليس وفرعون ونمرود وبعد المتسمّين بأسمائكم والمتلقّبين بألقابكم والآخذين لامكنتكم والمتأمّرين فى ممالككم؟ - قال: العلماء اذا فسدوا؛ هم المظهرون للاباطيل الكاتمون للحقائق وفيهم قال الله عزّ وجلّ: {أية : أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}تفسير : [البقرة: 159]، ونسب الى الباقر (ع) انّه قال: انّ رجلاً اتى سلمان الفارسىّ رحمه الله فقال: حدّثنى فسكت عنه؛ ثمّ عاد فسكت ثمّ عاد فسكت فأدبر الرّجل وهو يتلو هذه الآية: انّ الّذين يكتمون (الى آخره) فقال له: أقبل انّا لو وجدنا أميناً حدّثناه (الحديث).
الأعقم
تفسير : {إن الذين يكتمون} الآية، وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، وقيل: هو عامٌ في كل من كتم {ويلعنهم اللاعنون} قيل: الملائكة والمؤمنون، وقيل: دواب الأرض {وإلهكم إله واحد} قيل: قال المشركون: كيف يسع الناس اله واحد فأنزل الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} واعتقابهما لأن كل واحد منهما يعقب الآخر، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية فمحَّ بها ولم يتفكر فيها ولم يعتبر بهَا" تفسير : وقيل: اختلافهما في الجنس واللون والطول والقصر، ويقال: لم قدم الليل؟ قلنا: لأن الليل هو الأصل والضياء طارئ عليه لأنه تَعالى خلق الارض مظلمة ثم خلق الشمس والقمر، وروي ان المشركين قالوا: أرنا يا محمد آية فنزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} الى قوله: {لآيات لقوم يعقلون} وقيل: لما نزل قوله تعالى: {والهكم اله واحد} قال المشركون: كيف يسع الناس اله واحد فأنزل الله تعالى: {ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر} يعني السفن التي تجري في البحر {بما ينفع الناس} بركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب {وما انزل الله من السماء من ماءٍ} يعني المطر واختلفوا في الماء المنزل فقيل: انه ينزل من السماء على الحقيقة ولا مانع من ذلك وهو الظاهر، وقيل: انه ينزل من السحاب، وقال بعضهم: انه تعالى بقدرته يحيل السحاب ميَاه البحر مع ملوحته ثم ينزل من السحاب بقدر الحاجة عذباً فراتا {فأحيى به الارض بعد موتها} يعني أحيى الارض بالنبات {وتصريف الرياح} تقلّبها شمالاً وجَنوباً وقبولاً ودبوراً، وقيل: مجيئها مرة بالرحمة ومرة بالعذاب {والسحاب المسخر} أي المذلل يصرفها {بين السماء والارض} كيف يشاء، ان في ذلك {لآيات} يعني لحجج ودلالات {لقوم يعقلون} ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون لانها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة {ومن الناس من يتخذ من دون الله انداداً} قيل: أشباهاً، وقيل: أضداداً {يحبونهم كحب الله} يعني يحبون اصنامهم كحب المؤمنين لله تعالى {ولو يرى الذين ظلموا} قيل: خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد غيره يعني ولو ترى هذا الظالم عند رؤية العذاب كيف يتجادلون لعجبتَ، وقيل: لو تراهم حين يتبرأ بعضهم من بعضٍ {اذ تبرأ الذين اتبعوا} الآية، قيل: القادة والرؤساء من المشركين، وقيل: هم الشياطين الذين اتبعوا بالوسوسَة من الجن، وقيل: شياطين الانس والجن، وقيل: من كان يدعونه شريكاً وإلهاً {بهم الاسباب} قيل: الوصلات التي كانت بينهم {وقال الذين اتبعوا} يعني الاتباع للقادة {لو ان لنا كرة} أي عودة ورجعةً إلى الدنيَا {يأيها الناس كلوا مما في الارض حلالاً طيباً} الآية، خطابٌ لجميع المكلفين من بني آدم، وقيل: الطيب الحلال، وقيل: المستلذ واعلم وفق الله الجميع لما يرضيه أن الله تعالى لما اذن في الحلال كان ذلك منعاً من الحرام {خطوات الشيطان} قيل: اعماله، وقيل: خطاياه، وقيل: طاعتكم له {انه لكم عدو مبين} اي ظاهر العداوة.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} قال الكلبي: يعني أهل الكتاب. قال الكلبي: أما البينات فالذي يكتمون من نعت نبي الله في كتابهم، وأما الهدى فما آتاهم به أنبياؤهم. وقال بعضهم: كتموا الإِسلام وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم. قال: {أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّٰعِنُونَ} أي من ملائكة الله والمؤمنين. وقال بعضهم: دوابّ الأرض؛ والتأويل ما وصفناه أولاً. قال الحسن: هذا الميثاق أخذه الله على العلماء ألا يكتموا علمهم. ذكروا عن عطاء أنه قال: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار. قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} أمر محمد أنه حق. يعني بهذا أهل الكتاب {فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. فبرحمته جعل لهم متاباً ومرجعاً. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. يعني بالناس هاهنا المؤمنين. {خاَلِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ولا هم يؤخرون بالعذاب. قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ} لا إله غيره ولا معبود سواه. قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} حين لم يكن فيها نبات فأنبتت {وَبَثَّ فِيهَا} أي خلق فيها {مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} والرياح أربعة: الجَنوب والشَّمال والصَّبا والدَّبور. فالجنوب ـ فيما بلغنا ـ من مطلع الشمس إلى مطلع سهيل، والشمال من مغرب الشمس إلى بنات نعش، والصبا من بنات نعش إلى مطلع الشمس، والدبور من مطلع سهيل إلى مغرب الشمس. قال: {وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذينَ يكْتُمونَ}: أحبار اليهود والنصارى، ودخل غيرهم فى حكم الآية بالمعنى، من كل كاتم لعلم أو حق، ويجوز أن يكون المراد فى الآية كل كاتم من اليهود والنصارى وغيرهم، لعموم لفظ الذين يكتمون، ولو كان سبب نزول الآية خاصا وهو اليهود والنصارى، وهم أول من فتح كتمان أمر محمد، صلى الله عليه وسلم، ودخل الأحبار وغيرهم أيضا من كل من علم بالسمع عن كتاب الله، او عن خبر صحيح من أسلافه، أو عن غير ذلك كعامة اليهود والنصارى، والكتمان هو ترك إظهار الشئ مع الحاجة إلى بيانه، وإن شئت فقل إخفاءه مع الحاجة إلى بيانه، بل هذا أحسن لأنه يشمل ما إذا ظهر أو كان يظهر ثم أخفاه. {ما أنزلْنَا}: فى التوراة والإنجيل، ودخل غيرهما فى ذلك بالمعنى، كالقرآن وغيره من كتب الله جل وعلا، ويجوز أن يكون المراد ما أنزلنا فى التوراة والإنجيل والقرآن وغيره من الكتب الإلهية، ولو كان سبب نزول الآية كتمان ما أنزل الله جل وعلا فى التوراة والإنجيل، لعموم لفظ ما أنزلنا. {من البيِّنات}: العلامات الواضحة على نبوة محمد، صلى الله عليهِ وسلم، ورسالته صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين كلهم وصفته. {والهُدَى}: هو سائر أحكام الله وحدوده وأمره ونهيه كآية الرجم، أو المعنى ما يهدى إلى وجوب اتباعه والإيمان به، صلى الله عليه وسلم، وعن الكلبى: البينات ما كتموه من نعت الله، عز وجل، سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، فى كتبهم، والهدى ما آتاهم به أنبياؤهم، وقيل البينات الإسلام لظهور كونه حقا، والهدى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه يهدى إلى الحق، أى ومن أمر الهادى أو ذى الهدى وسماه الهدى مبالغة. {مِن بَعْدِ ما بيناه للنَّاس}: عموماً اليهود والنصارى وغيرهم، وقيل المراد اليهود والنصارى، والمراد بالذين يكتمون: أحبار اليهود والنصارى، وقيل أحبار اليهود ودخل غيرهم بالمعنى. {فى الكِتَابِ}: التوراة والإنجيل، فأل للجنس الصادق باثنين، وقيل التوراة، ودخل غير ذلك من كتب الله، جل وعلا، بالمعنى. وقيل المراد: التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها من كتب الله سبحانه وتعالى. {أُولئِك يَلْعنُهم الله}: يبعدهم عن رحمته ورضاه، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة، بلجام من النار" تفسير : رواه الشيخ هود، رحمه الله، موقوفاً على عطاء، وهو مرفوع كما رأيت. قال ابن العربى: من قصد الكتمان عصى، وإن لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أن معه غيره، يعنى ما لم ير البدع وهو ما خالف دين الله. روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة: لولا آيتان أنزلهما الله فى كتابه ما حدثت شيئاً أبداً {إنَّ الَّذِين يكْتُمون ما أنزلْنا مِنَ البيِّنات والهدَى}، {أية : وإذْ أخذَ الله مِيثاقَ الَّذين أوتوا الكِتابَ لتبيننه للناس ولا تكتمونه} تفسير : إلى آخر الآيتين. وإظهار علم الدين فرض كفاية عندنا وعند جمهور الأمة، وقيل فرض عين ليشهر الإسلام، ويتمكن فى قلوب الناس، وصحح بعض الشافعية أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه، لم يكن مكتوما يعنى ما لم تر البدع، وإلا وجب نشره، وقيل متى سئل عن شئ من أمر الدين وجب عليه إظهاره وإلا فلا يعنى ما لم ير البدع، ويعنى سؤال استرشاد، وكان أبو بكر وعمر لا يحدثان، رضى الله عنهما، بكل ما سمعا من النبى، صلى الله عليه وسلم، وإنما يحدثان عند الحاجة وكان الزبير أقلهم حديثاً. وقال ابن العربى: أما من سئل فقد وجب عليهِ التبليغ لهذه الآية، وأما إن لم يسأل فلا يلزم التبليغ إلا فى القرآن وحده، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : نظر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها كما سمعها"تفسير : ومعنى نظر: رحم. وهو بالظاء المشالة. وإن كان بالضاد المعجمة غير المشالة فمعناه أضاءه ونعمه وصيره جميلا، وتشدد الضاد على هذا فيكون من معنى قوله تعالى: {أية : وجوهٌ يومئذٍ ناضِرة}تفسير : ثم رأيت بالضاد المعجمة المشددة، وأنهُ روى بالتشديد وهو الكثير، وبالتخفيف، ورجح بعضهم كالروبانى من الشافعية، رواه النووى بالتشديد، وفى رواية أنظر الله بالهمزة، وحكى ابن العربى عن ابن بشكوال وهما معا من الأندلس أنه بالصاد المهملة، وهى خفيفة وهو شاذ، والمشهور الصحيح أنه بالضاد المعجمة، وهو من رواية الترمذى عن ابن مسعود، وقال حسن صحيح، ورواه ابن حبان فى صحيحه، والحاكم فى مستدركه، عن جبير بن مطعم، وقال صحيح على شرط البخارى ومسلم، وراوه أبو داود وابن ماجة والترمذى عن زيد بن ثابت، وقال حسن، وفى رواية صحيحة: "حديث : نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فأداه عنا كما شمعه فرب مبلّغ (أى بفتح اللام) أوعى من سامع". تفسير : وفى رواية أخرى صحيحة أيضاً: "حديث : نضر الله رجلا سمع منا كلمة فبلغها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع" تفسير : وقيل معنى النضرة فى الحديث تحسين وجهه فى الخلق، أى جعله فيهم ذا وجاهة، وجاه وقدر وهو بعيد. {ويلْعنُهم}: يدعو عليهم بالسوء وبأن يلعنهم الله. {اللاعنون}: المتأهلون للعن، وهم الملائكة ومؤمنوا الإنس والجنس، قيل الملائكة والإنس كلهم، والجن كلهم، وقيل الجن والإنس. وقال قتادة والربيع: هم الملائكة والمؤمنون، فيحتمل أنهما أرادا مؤمنى الإنس والجن، كما فسرت به ويحتمل أن يريدا مؤمنى الإنس. والأول أولى، لأن الجن مكلفون كما نحن، وفيهم مؤمنون كذلك، وعن ابن عباس: هم الخلائق كلها إلا الجن والإنس، وذلك أن البهائم تقول منعنا القطر بمعاصى بنى آدم، وقيل الحشرات والبهائم، وهذان القولان لا يقتضيهما اللفظ، لأن جمع المذكر السالم للعقلاءِ، وقيل دواب الأرض وفيه ذلك الإشكال، وقيل كل ذى روح فغلب العاقل، وأراد ابن عباس: الخلائق الظاهر، فالملائكة مستثنون كما استثنى الإنس والجن، وذكر بعض قومنا ما تلا عن اثنان من المسلمين إلا رجعت إلى اليهود والنصارى الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يصح هذا، بل ترجع إلى اللاعن إن لم يستحقها الملعون، وإن قلت كيف يصح أن يلعنهم الجن والإنس كلهم؟ قلت: أما المؤمن فيلعنه بلسانهِ وقلبه ويلعنهم جسده، وأما الكافر فيلعنهم جسده، وقد يلعن الظالم أو ذا صفة فيدخلهم لعنة صاحب تلك الصفة على الملعون.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} من اليهود والنصارى بالمحو، أو بتبديل غيره به، أو بتفسيره بغير معناه، أو إخفاء لفظه، أو محله عن الناس، والكتم ترك إظهار الشىء قصداً مع مسيس الحاجة إليه، وذلك بمجرد إخفائه أو بإزالته، ووضع لشىء آخر موضعه، واليهود لعنهم الله مرتكبون للأمرين {مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَٰتِ وَالْهُدَى} الآيات الدالات على الرجم، ونعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماهن آيات، لأنهن دلائل هدى، وسماهن، لأنه يوصل بهن إلى المقصود، وقيل الهدى الدلائل العقلية كقوله تعالى "أية : قدر فهدى" تفسير : [الأعلى: 3] ولا يأباه الإنزال والكتم، لأن العطف حينئذ عل مالا على البينات، ولا مانع من أن يظهر الحجة العقلية لإنسان ويكتمها، إلا أنه خلاف المتبادر {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ} الكاتمين وغيرهم {فِي الْكِتَٰبِ} التوراة والإنجيل، وقيل التوراة وغيرها ملحق بها، وهو أولى، لأن سبب النزول اليهود، وقيل القرآن، وعليه فالناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وبيناه أوضحناه فيه، بحيث يكون متبينا لكل من رآه أو سمعه، المشهورون بالكتمان اليهود، وهم سبب النزول. سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما فى التوراة، فكتموا، فنزلت، وقيل: نزلت فى الكاتمين من اليهود والنصارى، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم، فالآية تعم من كتم من أهل التوحيد ما لا يجوز له كتمة من أمر الدين. قال أبو هريرة لولا هذه الآية ما حدثت أحدا بشىء، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار"تفسير : ، وذلك شامل للنساء لا يحل لهن الكتم ولا يعذر المسئول بل يكفر إلا إن علم أنه إن لم يجب سئل غيره وأجاب {أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ} يبعدهم عن رحمته، ويذيقهم العذاب، مقتضى الظاهر أولئك نلعنهم ويلعنهم اللاعنون بالنون، إلا أنه بالياء، ولفظ الجلالة تفخيما للحكم، يبعدهم الله عن رحمته أو يذمهم للملائكة، وفى اللوح المحفوظ {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّٰعِنُونَ} أى يتلفظون بلعنهم، كل وكلامه، حتى الجمادات، وقد علم الله تسبيحها، أو يدعون بإبعادهم عن الرحمة، وتلعنهم أجسامهم وأجسام غيرهم من الكفرة والمسلمين، وقيل الملائكة والثقلان، وقال ابن عباس: غير الثقلين، وقال عطاء: الثقلان، وقال مجاهد: البهائم حتى العقارب والخنافس إذا أقحطت بذنوب بنى آدم، فجمع السلامة للمذكر تنزيل لها منزلة ما قل إذا دعت، أو تعد من العقلاء إذ ذاك.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد نفراً من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وعن قتادة أنها نزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى، وقيل نزلت في كل من كتم شيئاً من أحكام الدين لعموم الحكم للكل فقد روى البخاري وابن ماجه وغيرهما عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لولا آية في كتاب الله تعالى ماحدثت أحداً بشيء أبداً ثم تلا هذه الآية، وأخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار»تفسير : والأقرب أنها نزلت في اليهود والحكم عام كما تدل عليه الأخبار وكونها نزلت في اليهود لا يقتضي الخصوص فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فالموصول/ للاستغراق ويدخل فيه من ذكر دخولاً أولياً، والكتم والكتمان ترك إظهار الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر موضعه واليهود قاتلهم الله تعالى ارتكبوا كلا الأمرين {مَا أَنَزَلْنَا} على الأنبياء {مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ} أي الآيات الواضحة الدالة على الحق ومن ذلك ما أنزلناه على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. {وَٱلْهَدْىَ} عطف على {ٱلْبَيِّنَـٰتُ} والمراد به ـ ما يهدى ـ إلى الرشد مطلقاً ومنه ـ ما يهدى ـ إلى وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم والإيمان به وهي الآيات الشاهدة على صدقه عليه الصلاة والسلام، والعطف باعتبار التغاير في المفهوم كجاءني الآكل فالشارب، وقيل: إنه عطف على {مَا أَنَزَلْنَا} الخ، والمراد بالأول الأدلة النقلية، وبالثاني ما يدخل فيه الأدلة العقلية، أو المراد بالأول: التنزيل، وبالثاني: ما يقتضيه من الفوائد، ولا يخفى أنه تكلف يأبى عنه قرب المعطوف عليه والتبيين الدال على كمال الوضوح في قوله سبحانه: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ} أي شرحناه وأظهرناه لهم والظرف متعلق ـ بيكتمون ـ واللام في ـ الناس ـ صلة ـ بينا ـ أو لام الأجل، والمراد بهم الجنس أو الاستغراق، وفي تقييد الكتمان بالظرف إشارة إلى شناعة حالهم بأنهم يكتمون ما وضح ـ للناس ـ وإلى عظم الإثم بأنهم يكتمون ما فيه النفع العام. {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} متعلق ـ ببيناه ـ وتعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف المعنى مما لا ريب في جوازه، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله، والمراد به الجنس، وقيل: التوراة، وقيل: هي والإنجيل، وقيل: القرآن، والمراد من الناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الناس من حمل ـ البينات ـ على ما في القرآن وعلق {مِن بَعْدِ} بـ {أَنزَلْنَا}، وفسر (الكتاب) بالتوراة ـ والكتمان ـ بعدم الاعتراف بالحقية، ولعل ما ذهبنا إليه أولى من جميع ذلك. {أُولَٰـئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ} أي يبعدهم عن رحمته ويذيقهم أليم نقمته والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات لتربية المهابة والإشعار بأن مبدأ صدور اللعن صفة الجلال المغايرة لما هو مبدأ الإنزال والتبيين من صفة الجمال، ولم يؤت بالفاء في هذه الجملة التي هي خبر الموصول كما أتى به فيما بعد من قوله سبحانه: {أية : فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } تفسير : [البقرة: 160] مع أن الموصول متضمن لمعنى الشرط وقصد السببية في الموضعين ولذا أورد اسم الإشارة الذي تعليق الحكم به كتعليقه بالمشتق، قيل: لئلا يتوهم أن ـ لعنهم ـ إنما هو بهذا السبب بناءاً على أن ـ فاء ـ السببية في الأصل لكونه ـ فاء ـ التعقيب يفيد أن حصول المسبب بعد السبب بلا تراخ، وقد يقصد منه ذلك بمعونة المقام كما في الآية بعد، وليس كذلك بل له أسباب جمة وبهذا علم أن اسم الإشارة لا يغني عن الفاء لأنه يشعر بالسببية ولا يشعر بالتعقيب الموهم للانحصار بناءاً على امتناع التوارد. {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} أي من يتأتى منه اللعن عليهم من الملائكة والثقلين، فالمراد ـ باللاعنون ـ معناه الحقيقي وليس على حد "من قتل قتيلاً" في المشهور؛ والاستغراق عرفي أي كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف، وليس بحقيقي حتى يرد أنه لا يلعنهم كل لاعن في الدنيا، ويحتاج إلى التخصيص وإنما أعاد الفعل لأن لعنة اللاعنين بمعنى الدعاء عليهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى، وروى البيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد تفسير اللاعنين بدواب الأرض حتى العقارب والخنافس، ولعل الجمع حينئذ على حد قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] واستدل بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرم كتمانه لكن اشترطوا لذلك أن لا يخشى العالم على نفسه وأن يكون متعيناً وإلا لم يحرم عليه الكتم إلا إن سئل فيتعين عليه الجواب ما لم يكن إثمه أكبر/ من نفعه قالوا: وفيها دليل أيضاً على وجوب قبول خبر الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله، وقد يستدل بها على عدم وجوب ذلك على النساء بناءاً على أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال.
ابن عاشور
تفسير : عود بالكلام إلى مهيعه الذي فصل عنه بما اعترض من شرع السعي بين الصفا والمروة كما علمته آنفاً. قال المفسرون إن هاته الآية نزلت في علماء اليهود في كتمهم دلائل صدق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفاته وصفات دينه الموجودة في التوراة وفي كتمهم آية الرجم، وهو يقتضي أن اسم الموصول للعهد فإن الموصول يأتي لما يأتي له المعرف باللام وعليه فلا عموم هنا، وأنا أرى أن يكون اسم الموصول هنا للجنس فهو كالمعرف بلام الاستغراق فيعم ويكون من العام الوارد على سبب خاص ولا يخصص بسببه ولكنه يتناول أفراد سببه تناولاً أولياً أقوى من دلالته على بقية الأفراد الصالح هو للدلالة عليها لأن دلالة العام على صورة السبب قطعية ودلالته على غيرها مما يشمله مفهوم العام دلالة ظنية، فمناسبة وقع هاته الآية بعد التي قبلها أن ما قبلها كان من الأفانين القرآنية المتفننة على ذكر ما قابل به اليهود دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتشبيههم فيها بحال سلفهم في مقابلة دعوة أنبيائهم من قبل إلى مبلغ قوله تعالى: { أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } تفسير : [البقرة: 75] إلى قوله: { أية : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البقرة: 101] الآية وما قابل به أشباههم من النصارى ومن المشركين الدعوة الإسلامية، ثم أفضى ذلك إلى الإنحاء على المشركين قلة وفائهم بوصايا إبراهيم الذي يفتخرون بأنهم من ذريته وأنهم سدنة بيته فقال: { أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله } تفسير : [البقرة: 114] الآيات، فنوه بإبراهيم وبالكعبة واستقبالها وشعائرها وتخلل ذلك رد ما صدر عن اليهود من إنكار استقبال الكعبة إلى قوله: { أية : وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } تفسير : [البقرة: 146] (يريد علماءهم) ثم عقب ذلك بتكملة فضائل الكعبة وشعائرها، فلما تم جميع ذلك عطف الكلام إلى تفصيل ما رماهم به إجمالاً في قوله تعالى: {إن فريقاً منهم} فقال: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا} الخ، وهذه طريقة في الخطابة هي إيفاء الغرض المقصود حقه وتقصير الاستطراد والاعتراض الواقعين في أثنائه ثم الرجوع إلى ما يهم الرجوع إليه من تفصيل استطراد أو اعتراض تخلل الغرض المقصود. فجملة: {إن الذين يكتمون} الخ استئنافُ كلام يعرف منه السامع تفصيل ما تقدم له إجماله، والتوكيد بإنَّ لمجرد الاهتمام بهذا الخبر. والكتم والكتمان عدم الإخبار بما من شأنه أن يُخْبَر به من حادثٍ مسموع أو مرئي ومنه كتم السر وهو الخبر الذي تخبر به غيرك وتأمره بأن يكتمه فلا يخبره غيره. وعبر في: {يكتمون} بالفعل المضارع للدلالة على أنهم في الحال كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع بلفظ الماضي لتوهم السامع أن المعني به قوم مضوا مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين. ويعلم حكم الماضين والآتين بدلالة لحن الخطاب لمساواتهم في ذلك. والمراد بما أنزلنا ما اشتملت عليه التوراة من الدلائل والإرشاد، والمراد بالكتاب التوراة. والبينات جمع بينة وهي الحجة وشمل ذلك ما هو من أصول الشريعة مما يكون دليلاً على أحكام كثيرة، ويشمل الأدلة المرشدة إلى الصفات الإلٰهية وأحوال الرسل وأخذ العهد عليهم في اتباع كل رسول جاء بدلائل صدق لا سيما الرسول المبعوث في إخوة إسرائيل وهم العرب الذين ظهرت بعثته بينهم وانتشرت منهم، والهدى هو ما به الهدى أي الإرشاد إلى طريق الخير فيشمل آيات الأحكام التي بها صلاح الناس في أنفسهم وصلاحهم في مجتمعهم. والكتمان يكون بإلغاء الحفظ والتدريس والتعليم، ويكون بإزالته من الكتاب أصلاً وهو ظاهره قال تعالى: { أية : وتخفون كثيراً } تفسير : [الأنعام: 91]، يكون بالتأويلات البعيدة عن مراد الشارع لأن إخفاء المعنى كتمان له، وحذف متعلق {يكتمون} الدال على المكتوم عنه للتعميم أي يكتمون ذلك عن كل أحد ليتأتى نسيانه وإضاعته. وقوله: {من بعد} متعلق بــــ (يكتمون) وذكر هذا الظرف لزيادة التفظيع لحال الكتمان وذلك أنهم كتموا البينات والهدى مع انتفاء العذر في ذلك لأنهم لو كتموا ما لم يبين لهم لكان لهم بعض العذر أن يقولوا كتمناه لعدم اتضاح معناه فكيف وهو قد بين ووضح في التوراة. واللام في قوله: {للناس} لام التعليل أي بيناه في الكتاب لأجل الناس أي أردنا إعلانه وإشاعته أي جعلناه بيناً، وفي هذا زيادة تشنيع عليهم فيما أتوه من الكتمان وهو أنه مع كونه كتماناً للحق وحرماناً منه هو اعتداء على مستحقه الذي جعل لأجله ففعلهم هذا تضليل وظلم. والتعريف في (الناس) للاستغراق لأن الله أنزل الشرائع لهدي الناس كلهم وهو استغراق عرفي أي الناس المشرع لهم. وقوله: {أولئك} إشارة إلى {الذين يكتمون} وسط اسم الإشارة بين اسم {إنَّ} وخبرها للتنبيه على أن الحكم الوارد بعد ذلك قد صاروا أحرياء به لأجل تلك الصفات التي ذكرت قبله بحيث إن تلك الصفات جعلتهم كالمشاهدين للسامع فأشير إليهم وهو في الحقيقة إشارة إلى أوصافهم، فمن أجل ذلك أفادت الإشارة التنبيه على أن تلك الأوصاف هي سبب الحكم وهو إيماء للعلة على حد: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : [البقرة: 5]. واختير اسم إشارة البعيد ليكون أبعث للسامع على التأمل منهم والالتفات إليهم أو لأن اسم الإشارة بهذه الصيغة هو الأكثر استعمالاً في كلامهم. وقد اجتمع في الآية إيماآن إلى وجه ترتب اللعن على الكتمان وهما الإيماء بالموصول إلى وجه بناء الخبر أي علته وسببه، والإيماء باسم الإشارة للتنبيه على أحرويتهم بذلك، فكان تأكيد الإيماء إلى التعليل قائماً مقام التنصيص على العلة. واللعن الإبعاد عن الرحمة مع إذلال وغضب، وأثره يظهر في الآخرة بالحرمان من الجنة وبالعذاب في جهنم، وأما لعن الناس إياهم فهو الدعاء منهم بأن يبعدهم الله عن رحمته على الوجه المذكور، واختير الفعل المضارع للدلالة على التجدد مع العلم بأنه لعنهم أيضاً فيما مضى إذ كل سامع يعلم أنه لا وجه لتخصيص لعنهم بالزمن المستقبل. وكذلك القول في قوله: {ويلعنهم اللاعنون}، وكرر فعل {يلعنهم} مع إغناء حرف العطف عن تكريره لاختلاف معنى اللعنين فإن اللعن من الله الإبعاد عن الرحمة واللعن من البشر الدعاء عليهم عكس ما وقع في { أية : إن الله وملائكته يصلون } تفسير : [الأحزاب: 56] لأن التحقيق أن صلاة الله والملائكة واحدة وهي الذكر الحسن. والتعريف في: {اللاعنون} للاستغراق وهو استغراق عرفي أي يلعنهم كل لاعن، والمراد باللاعنين المتدينون الذين ينكرون المنكر وأصحابَه ويغضبون لله تعالى ويطلعون على كتمان هؤلاء فهم يلعنونهم بالتعيين وإن لم يطلعوا على تعيينهم فهم يلعنونهم بالعنوان العام أي حين يلعنون كل من كتم آيات الكتاب حين يتلون التوراة. ولقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يبينوا التوراة ولا يخفوها كما قال: { أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } تفسير : [آل عمران: 187]. وقد جاء ذكر اللعنة على إضاعة عهد الله في التوراة مرات وأشهرها العهد الذي أخذه موسى على بني إسرائيل في (حوريب) حسبما جاء في سفر الخروج في الإصحاح الرابع والعشرين، والعهد الذي أخذه عليهم في (مؤاب) وهو الذي فيه اللعنة على من تركه وهو في سفر التثنية في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين ومنه: «أنتم واقفون اليوم جميعكم أمام الرب إلٰهكم... لكي تدخلوا في عهد الرب وقسمه لئلا يكون فيكم اليوم منصرف عن الرب... فيكون متى يسمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه... حينئذٍ يحل غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة هذا... لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة». وفي الإصحاح الثلاثين: «ومتى أتت عليك هذه الأمور البركة واللعنة جعلتهما قدامك» وفيه: «أشهد عليكم اليوم السماء والأرض قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة». فقوله تعالى: {ويلعنهم اللاعنون} تذكير لهم باللعنة المسطورة في التوراة فإن التوراة متلوة دائماً بينهم فكلما قرأ القارئون هذا الكلام تجددت لعنة المقصودين به، والذين كتموا ما أنزل من البينات والهدى هم أيضاً يقرأون التوراة فإذا قرأوا لعنة الكاتمين فقد لعنوا أنفسهم بألسنتهم فأما الذين يلعنون المجرمين والظالمين غير الكاتمين ما أنزل من البينات والهدى فهم غير مشمولين في هذا العموم وبذلك كان الاستغراق المستفاد من تعريف اللاعنون باللام استغراقاً عرفياً. واعلم أن لام الاستغراق العرفي واسطة بين لام الحقيقة ولام الاستغراق الحقيقي. وإنما عدل إلى التعريف مع أنه كالنكرة مبالغة في تحققه حتى كأنه صار معروفاً لأن المنكَّر مجهول، أو يكون التعريف للعهد أي يلعنهم الذين لعنوهم من الأنبياء الذين أوصوا بإعلان العهد وأن لا يكتموه. ولما كان في صلة {الذين يكتمون} إيماء كما قدمناه فكل من يفعل فعلاً من قبيل مضمون الصلة من غير أولئك يكون حقيقاً بما تضمنه اسم الإشارة وخبره فإن من مقاصد القرآن في ذكر القصص الماضية أن يعتبر بها المسلمون في الخير والشر، وعن ابن عباس أن كل ما ذمّ الله أهلَ الكتاب عليه فالمسلمون محذَّرون من مثله، ولذا قال أبو هريرة لما قال الناسُ أكثر أبو هريرة من الرواية عن رسول الله فقال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً بعد أن قال الناس أكثر أبو هريرة: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية وساق الحديث. فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هُدى للناس لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيراً للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي تومىء إليه العلة أن يبث في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يُلقنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « حديث : حدثوا الناس بما يفْهمون أتحبُّون أنْ يكذَّب اللَّهُ ورسولهُ » تفسير : وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعَه. وفي «صحيح البخاري» أن الحجَّاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الراعي واستاقوا الذود فقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا، فلما بلغ ذلك الحسن البصري قال وددت أنه لم يحدثه، أو يتلفقون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه معذرة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم، قال ابن عرفة في «التفسير»: لا يحل للعالم أن يذكر للظالم تأويلاً أو رخصة يتمادى منها إلى المفسدة كمن يذكر للظالم ما قال الغزالي في «الإحياء» من أن بيت المال إذا ضعف واضطر السلطان إلى ما يجهز به جيوش المسلمين لدفع الضرر عنهم فلا بأس أن يوظف على الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة، قال ابن عرفة وذكر هذه المظلمة مما يحدث ضرراً فادحاً في الناس. وقد سأل سلطان قرطبة عبد الرحمن بن معاوية الداخل يحيى بن يحيى الليثي عن يوم أفطره في رمضان عامداً غلبته الشهوة على قربان بعض جواريه فيه فأفتاه بأنه يصوم ستين يوماً والفقهاء حاضرون ما اجترأوا على مخالفة يحيى فلما خرجوا سألوه لِمَ خصصته بأحد المخيرات فقال لو فتحنا له هذا الباب لوطىء كل يوم وأعتق أو أطعم فحملته على الأصعب لئلا يعود اهــــ. قلت فهو في كتمه عنه الكفارتين المخير فيهما قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حُرمة فريضة الصوم. فالعالم إذا عين بشخصه لأن يبلغ علماً أو يبين شرعاً وجب عليه بيانه مثل الذين بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإبلاغ كتبه أو لدعوة قومهم، وإن لم يكن معيناً بشخصه فهو لا يخلو إما أن يكون ما يعلمه قد احتاجت الأمة إلى معرفته منه خاصة بحيث يتفرد بعلمه في صقع أو بلد حتى يتعذر على أناس طلب ذلك من غيره أو يتعسر بحيث إن لم يعلمها إياه ضلت مثل التوحيد وأصول الاعتقاد، فهذا يجب عليه بيانه وجوباً متعيناً عليه إن انفرد به في عصر أو بلد، أو كان هو أتقن للعلم فقد روى الترمذي وابن ماجه حديث : عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم يتفهمون أو يتعلمون فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً»تفسير : . وإن شاركه فيه غيره من أمثاله كان وجوبه على جميع الذين يعلمون ذلك على الكفاية، وإما أن يكون ما يعلمه من تفاصيل الأحكام وفوائدها التي تنفع الناس أو طائفة منهم، فإنما يجب عليه عيناً أو كفاية على الوجهين المتقدمين أن يبين ما دعت الحاجة إلى بيانه، ومما يعد قد دعت الحاجة إلى بيانه أن تعين له طائفة من الناس ليعلمهم فحينئذٍ يجب عليه أن يعلمهم ما يرى أن في علمهم به منفعة لهم وقدرة على فهمه وحسن وضعه، ولذلك وجب على العالم إذا جلس إليه الناس للتعلم أن يلقي إليهم من العلم ما لهم مقدرة على تلقيه وإدراكه، فظهر بهذا أن الكتمان مراتب كثيرة وأن أعلاها ما تضمنته هذه الآية، وبقية المراتب تؤخذ بالمقايسة، وهذا يجيء أيضاً في جواب العالم عما يلقى إليه من المسائل فإن كان قد انفرد بذلك أو كان قد عين للجواب مثل من يعين للفتوى في بعض الأقطار فعليه بيانه إذا علم احتياج السائل ويجيء في انفراده بالعلم أو تعيينه للجواب وفي عدم انفراده الوجهان السابقان في الوجوب العيني والوجوب الكفائي. وفي غير هذا فهو في خيرة أو يجيب أو يترك. وبهذا يكون تأويل الحديث الذي رواه أصحاب «السنن الأربعة» أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة » تفسير : فخصص عمومه في الأشخاص والأحوال بتخصيصات دلت عليها الأدلة قد أشرنا إلى جماعها. وذكر القرطبي عن سحنون أن الحديث وارد في كتمان الشاهد بحق شهادته. والعهدة في وضع العالم نفسه في المنزلة اللائقة به من هذه المنازل المذكورة على ما يأنسه من نفسه في ذلك وما يستبرىء به لدينه وعرضه. والعهدة في معرفة أحوال الطالبين والسائلين عليه ليجريها على ما يتعين إجراؤها عليه من الصور على ما يتوسمه من أحوالهم والأحوال المحيطة بهم، فإن أشكل عليه الأمر في حال نفسه أو حال سائله فليستشر أهل العلم والرأي في الدين. ويجب أن لا يغفل عن حكمة العطف في قوله تعالى: {والهدى} حتى يكون ذلك ضابطاً لما يفضي إليه كتمان ما يكتم. وقوله: {إلا الذين تابوا} استثناء من {الذين يكتمون} أي فهم لا تلحقهم اللعنة، وهو استثناء حقيقي منصوب على تمام الكلام من {الذين يكتمون ما أنزلنا} الخ. وشُرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم، فالتوبة هنا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه رجوع عن كتمانهم الشهادة له الواردة في كتبهم وإطلاق التوبة على الإيمان بعد الكفر وارد كثيراً لأن الإيمان هو توبة الكافر من كفره، وإنما زاد بعده {وأصلحوا وبينوا} لأن شرط كل توبة أن يتدارك التائب ما يمكن تداركه مما أضاعه بفعله الذي تاب عنه. ولعل عطف {وبينوا} على {أصلحوا} عطف تفسير. وقوله: {فأولئك أتوب عليهم} جملة مستأنفة لغير بيان بل لفائدة جديدة لأنه لما استثنى {الذين تابوا} فقد تم الكلام وعلم السامع أن من تابوا من الكاتمين لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون، وجيء باسم الإشارة مسند إليه يمثل النكتة التي تقدمت. وقرنت الجملة بالفاء للدلالة على شيء زائد على مفاد الاستثناء وهو أن توبتهم يعقبها رضى الله عنهم. وفي «صحيح البحاري» عن ابن مسعود قال رسول الله: « حديث : للَّهُ أَفْرَحُ بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده » تفسير : . فجاء في الآية نظم بديع تقديره إلاّ الذين تابوا انقطعت عنهم اللعنة فأتوب عليهم، أي أرضى، وزاد توسط اسم الإشارة للدلالة على التعليل وهو إيجاز بديع.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}. لم يبين هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله: {أية : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِين} تفسير : [البقرة: 161].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 159- وأولئك الذين أنكروا عليكم أمر دينكم فريقان: فريق من أهل الكتاب الذين يعرفون الحق ويخفونه على علم وعناد، وفريق المشركين الذين عميت قلوبهم عن الحق، فاتخذوا أرباباً من دون الله، فأهل الكتاب الذين عرفوا براهين صدقك تبينوا الحق فى دينك ثم أخفوا هذه الدلائل وكتموها عن الناس، أولئك يصب الله عليهم غضبه ويبعدهم عن رحمته، ويدعو عليهم الداعون من الملائكة ومؤمنى الثقلين - الجن والإنس - بالطرد من رحمة الله. 160- ولا يستثنى من أهل الكتاب إلا من تاب وأحسن فرجع عن الكتمان، وتدارك أمره بإظهار ما كان يخفيه من وصف الرسول والإسلام، فإن الله يتقبل توبته ويمحو ذنبه، فهو الذى يقبل التوبة من عباده رأفة منه ورحمة. 161- أما الذين استمروا على الكفر، وماتوا على ذلك دون توبة ولا ندم، فجزاؤهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. 162- وسيستمرون فى هذه اللعنة وفى النار لا يخفف عنهم العذاب، ولن يمهلوا أو يؤخروا، ولو طلبوا الإمهال والتأخير لن يجابوا إليه. 163- إن إلهكم الذى ينفرد بالعبودية واحد، فلا إله غيره، ولا سلطان لسواه، ثم هو قد اتصف بالرحمة فهو رحيم بعباده فى إنشائهم وتكوينهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يكتمون: يخفون ويغطون حتى لا يظهر الشيء المكتوم ولا يعرف فيؤخذ به. البينات: جمع بينة وهي ما يثبت به شيء المراد إثباته، والمراد به هنا ما يثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من نعوت وصفات جاءت في كتاب أهل الكتاب. الهدى: ما يدل على المطلب الصحيح ويساعد على الوصول إليه والمراد به هنا ما جاء به رسول الله من الدين الصحيح المفضي بالآخذ به إلى الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة. في الكتاب: التوراة والانجيل. اللعنة: الطرد والبعد من كل خير ورحمة. اللاعنون: من يصدر عنهم اللعن كالملائكة والمؤمنين. أصلحوا: ما أفسدوه من عقائد الناس وأمور دينهم بإظهار ما كتموه والإيمان بما كذبوا به وأنكروه. ولا هم ينظرون: أي بأن يمهلوا ليعتذروا، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36]. معنى الآيات: عاد السياق بعد الإجابة عن تحرج بعض المسلمين من السعي بين الصفا والمروة عاد إلى التنديد بجرائم علماء أهل الكتاب، ودعوتهم إلى التوبة بإظهار الحق والإيمان به فأخبر تعالى أن الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى في التوراة والإنجيل من صفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإيمان به وبما جاء به من الدين، هؤلاء البعداء يلعنهم الله تعالى وتلعنهم الملائكة والمؤمنون. هذا ما تضمنته الآية الأولى [159] وفي الآية التي بعدها [160] استثنى تعالى من المبعدين من رحمته من تاب من أولئك الكاتمين للحق بعدما عرفوه فبينوا وأصلحوا فهؤلاء يتوب عليهم ويرحمهم وهو التواب الرحيم. وفي الآية الثالثة [161] والرابعة [162] أخبر تعالى أن الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم بنبيه ودينه ولم يتوبوا فماتوا على كفرهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولذا فهم مطرودون مبعدون من الرحمة الإِلهية وهي الجنة خالدون في جهنم لا يخفف عنهم عذابها، ولا يمهلون فيعتذرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة كتمان العلم وفي الحديث الصحيح "حديث : من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار ". تفسير : وقال أبو هريرة رضي الله عنه في ظروف معينة: (لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم حديثاً) وتلا {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} إلخ... 2- يشترط لتوبة من أفسد في ظلمه وجهله إصلاح ما أفسد ببيان ما حرف أو بدل وغير، وإظهار ما كتم، وأداء ما أخذه بغير الحق. 3- من كفر ومات على كفره من سائر الناس يلقى في جهنم بعد موته خالداً في العذاب مخلداً لا يخفف عنه ولا ينظر فيعتذر، ولا يفتر عنه العذاب فيستريح. 4- جواز لعن المجاهرين بالمعاصي كشراب الخمر والمرابين، والمتشبهين من الرجال بالنساء ومن النساء بالرجال.
القطان
تفسير : كتم الشيء: ستره واخفاه. البينات: الأدلة الواضحة. الكتاب: يراد به الكتب المنزلة من عند الله. اللعن: الطرد والإبعاد. الكلام هنا في عناد اليهود ومن تابَعهم من المنافقين. لذلك انتقل من بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة الى الحملة على هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى. والظاهر ان هناك من اعترض منهم أيضاً على مناسك الحج، لكن حكم الآية ههنا شامل لكل من كتم علماً فرض الله بيانه للناس. ان أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام، ونبوة محمد رغم انهم يجدون ذلك لديهم في التوراة والانجيل، والذين عرفوا براهين صدق نبوته ثم أخفوا هذه الدلائل وكتموها عن الناس ـ اولئك يصب الله غضبه عليهم ويبعدهم من رحمته. ثم استثنى الحقُّ مَن تاب، فقال: إلا الذين تابوا، وأصلحوا حال أنفسهم بالتقرب الى الله بصالح الأعمال ـ فهؤلاء يتوب الله عليهم، ويفيض عليهم مغفرته، وهو التواب الرحيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْبَيِّنَاتِ} {بَيَّنَّاهُ} {ٱلْكِتَابِ} {أُولَـٰئِكَ} {ٱللاَّعِنُونَ} (159) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى بِاللَّعْنَةِ الذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلى النَّاسِ فِي كُتُبِهِ مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ، وَالهُدَى النَّافِعِ، وَيَقْصُدُ بِهِمْ أَهْلَ الكِتَابِ، الذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ التِي وَرَدَتْ في كُتُبِهِمْ، وَمَا بَشَّرَتْ بِهِ هذِهِ الكُتُبُ مِنْ قُربِ مَبْعَثِ نَبِيٍّ عَرَبيٍّ، يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنينَ. فَهؤُلاءِ الذِينَ يَكْتُمُونَ دِينَ اللهِ وَأَوامِرَهُ عَنِ النَّاسِ لِيُضِلُّوهُمْ، وَيَصْرِفُوهُمْ عَنِ الحَقِّ، فَإِنَّ الله يَلعَنُهُمْ، وَتَلْعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ والمُؤْمِنُونَ (الَّلاعِنُونَ). (وحُكْمُ هذِهِ الآيةِ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَتَمَ عِلْماً فَرَضَ اللهُ بَيَانَهُ لِلناسِ، وَلِذلِكَ قَالَ الأَئِمَّةُ: إِنَّ الذِي يَرَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنْتَهَكُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَالدِّينَ يُداسُ جَهَاراً بَيْنَ يَدَيهِ، وَالضَّلاَلَ يَغْشَى الهُدَى، ثُمَّ هُوَ لاَ يَنْتَصِرُ لِدِينِ اللهِ يَكُونُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ وَعِيدَ اللهِ). يَلْعَنُهُمْ - يَطْرُدُهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه حين يعرض هذه القضية، يبين لنا موقف الجزاء من الذين يكتمون ما أنزل الله، لقد كتم بعض من أهل الكتاب البينات التي أنزلها الله في الكتاب الذي معهم، بينات تثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته، وهذا الكتمان سيورث شروراً، وكلما نال العالم شراً من كتمانهم فسيلعنهم، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. والحق سبحانه وتعالى ينبه المؤمنين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الجزاء من الطرد ومن اللعن ليس مقصوراً على هؤلاء، وإنما ينسحب ويشمل كل مَنْ يكتم ما أنزل الله من البينات، إذن فذلك فيه واقع مما حدث من أهل الكتاب، وفيه - أيضاً - تحذير للذين يؤمنون بالإسلام أن يكتموا بينات الله؛ وإلا صاروا إلى ما صار إليه هؤلاء، وهو اللعن. وكلمة "اللعن" وردت في القرآن إحدى وأربعين مرة، وساعة تأتي للعذاب تكون للطرد والإبعاد بغضب، وهو الخلود في النار، وساعة يكون الطرد إبعاد تأديب، فلا يوجد بغضب؛ لأن المؤدب لا يغضب على مَنْ يؤدبه، وإنما يغضب لمن يؤدبه. وعندما يحدث الطرد من بعد غضب، فذلك دليل على أنه ليس من بعد ذلك رجعة، فالإنسان إذا ترك لشيء صامت ليعذب به كالنار، يقول لنفسه: "ربما جاء من يرق لحالي ويعطف عليّ فيخرجني من النار"، إنه يقول ذلك لنفسه: لأن الذي يعذب به صامت لا عاطفة له، لكن ما المخرج إذا كانت اللعنة من الله والملائكة والناس؟ كما يقول الحق في آية أخرى:{أية : أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [آل عمران: 87]. ويتضح لنا هنا أن لعنة الله تكون في الدنيا وفي الآخرة، ويلعنهم اللاعنون من الناس، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا فيها نجد أن اللعنة أشمل، لأن "اللاعنون" تضم الناس وغير الناس من الكائنات الأخرى، كأن كل مَنْ في الوجود يشترك في لعنهم، وعلى سبيل المثال، إذا حبس الله الماء عن قوم لعصيانهم، فالنبات يلعنهم لأنه حُرم من الماء، وتلعنهم الحيوانات لأنها حُرمت من الماء، وتلعنهم الأمكنة لأنهم خالفوا ما عليه الأمكنة من التسبيح لله. أما لعنة الآخرة حيث لا ري لنبات أو حيوان؛ فسيكون اللعن لهم صادرا من الله والملائكة والناس أجمعين. والناس هم بنو آدم إلى أن تقوم الساعة، وهؤلاء منهم كافر ومنهم مؤمن، كيف - إذن - يوجد اللعن ممَّنْ كفر مع أنه هو أيضا ملعون؟ نقول: نحن في الدنيا نجد مَنْ يخدع غيره في دين الله، وهناك مَنْ ينخدع، فإذا ما انجلت الأمور في الآخرة، وانفضح الخادعون، وأسقط في يد المخدوعين، فهنا يتبرأ الذين اتُّبِعُوا من الذين اتَّبَعُوا، يتبرأ الخادع من المخدوع، ويتبرأ المخدوع من الخادع، وكلما دخلت أمة من المخدوعين إلى النار لعنت الأمة التي خدعتها، وكلما دخلت أمة خادعة إلى النار، فإنها تلعن الذين استسلموا للخديعة، يتبادلون اللعن. يقول الحق: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ..}تفسير : [البقرة: 166]. ويقول أيضا:{أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ..}تفسير : [الأعراف: 38]. إذن، فاللعنة موجودة بين الكافرين بعضهم لبعض، كما هي موجودة في الدنيا أيضاً، فالذين يكفرون بمنهج الله وينحرفون ويظلمون، هؤلاء يتلقون اللعنة من أهل منهج الله، ويتلقون اللعنة من المظلومين منهم، ثم يأتي لهم موقف آخر، يأتي لهم مَنْ يظلمهم، فيلعنونه ويلعنهم، وهكذا يلعنهم الناس أجمعون. واللعن بطرد وغضب وزجر يختلف عن اللعن التأديبي الذي يأخذ صيغة الإبعاد، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المتخلفين في غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانوا يسمونها غزوة العسرة، لأنها جاءت في مشقة من كل جهاتها، لبعد المكان بين تبوك والمدينة، ومشقة أخرى من نقص الدواب التي تحمل المقاتلين، فقد كان كل عشرة من المقاتلين يتناوبون على دابة واحدة، ومشقة وعسرة في الزاد، حتى أنهم كانوا يأكلون التمر بدوده، وكانوا يأكلون الشحم والدهن والإهالة الزنخة، وعسرة في الماء حتى أنهم كانوا يذبحون البعير ليشربوا من فرثه وكرشه الماء، وعسرة في الجو القائظ الشديد الحرارة، كانت كل الظروف صعبة وقاسية وتحتم ألا يخرج للغزوة إلا الصادق في يقينه. لقد كانت تلك الغزوة اختباراً وابتلاء للإيمانية في نفوس الناس، ولذلك فإن بعضهم استسلم لحديث النفس في أن يظل بالمدينة، وقال واحد منهم: "أظل ظليل وراحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القيظ؟! والله لا يكون هذا أبداً"، ثم قام وتبع جيش المؤمنين، وآخر عنده بستان فيه ظلال وثمار؛ فنظر إلى بستانه وقال: "أأنت الذي منعتني أن أكون في ركاب رسول الله؟! والله لا تكون ملكي بعد الآن، وأنت لله في سبيل الله"، وثالث جلس في بيته وأمامه زوجته الجميلة وحوله أشجار وزروع، فقال: "أأجلس في ظل ورطب وماء وامرأة حسناء ورسول الله في حَمارة القيظ، والله لا يكون هذا أبداً"، وامتطى حصانه إلى الصحراء لينضم لجيش المسلمين. وعندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصراً اعتذر له مَنْ لم يشاركوه رحلة النصر بأنهم كانوا لا يملكون وسائل الحرب من دواب ودروع وسيوف ونبال، فقبل رسول الله علانيتهم وترك سرائرهم لله، إلا ثلاثة صدقوا وقالوا: "يا رسول الله ما كنا أغنى منا ساعة امتنعنا عن الذهاب معك فعندنا عدة الحرب والدواب". لقد أمر رسول الله الناس ألا يكلموهم ولا يتعاملوا معهم، واستكان اثنان منهم وظلا في بيتهما، وهما هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أما كعب بن مالك فكان يخرج ويلقى الناس فلا يكلمه أحد، ويذهب للصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسارق النظر إلى النبي ويسلم عليه، لكن رسول الله لا يرد، ويغض طرفه ويعرض عنه، حتى أن كعباً يقول: "فانظر هل حرك رسول الله شفتيه برد السلام أم لا؟". لماذا كل ذلك؟. لقد أرادها النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة إيضاح لكيفية إبعاد التأديب. وضاقت الدنيا على الثلاثة، وذهب كعب إلى ابن عمه أبي قتادة وتسلق عليه الحائط، لأنه يعلم أنه لو طرق الباب فلن يفتح له. ورغم تسلق الحائط إلا أن ابن العم أعرض عنه، فقال راجيا: "أنشدك الله، أنشدك الله، أنشدك الله" كل ذلك وابن عمه لا يرد عليه، ثم قال له: "تعلم أني أحب رسول الله". فلم يرد عليه ابن العم وظل يتوسل سائلاً عن موعد العفو، فقال أبو قتادة: "الله ورسوله أعلم". فلما مضت أربعون ليلة على هذا الإبعاد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَعّدُ التأديب فيطلب من الرجال الثلاثة - من خلال رسول أرسله إليهم - ألا يقربوا نساءهم. لقد دخل العزل إلى دائرة جديدة هي دائرة المجتمع الخاص حيث الرجل وامرأته، فقال كعب لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطلق زوجتي"؟. قال الرسول: "بل لا تقربها". وقال قوم لكعب: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فلتذهب امرأتك لتستأذنه في أن تظل معك لتخدمك؛ فقد استأذنت امرأة هلال بن أمية رسول الله؛ فأذن لها أن تخدم زوجها. فقال كعب: والله لا أفعل، لأن امرأة هلال حينما ذهبت إلى رسول الله قال لها: "لا يقربنك" فقالت: "يا رسول الله والله إن هلالا ما به حركة لشيء" فأذن لها أن تظل لتخدمه. لكني رجل شاب وأخاف أن أستأذن رسول الله فلا يعطيني هذا الحق. هكذا كان إبعاد التأديب، وليس بالطرد الكامل من حظيرة الإيمان، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل مَنْ يتلقوْن التأديب أهلاً لأوامر يلقيها عليهم، ثم جاءت البشرى بالإفراج بعد عشرة أيام عندما أنزل الحق قوله:{أية : وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [التوبة:118]. وهكذا لم يقفل الحق الباب بل جعله مفتوحاً أمام الإنسان، حتى لمن كفر، وحتى لمن كتم، فلا يظن أن سابق كفره أو كتمانه أو تراخيه عن نصرة الحق سيغلق أمامه الباب، أو يحول بينه وبين ربه، لذلك يقول الحق: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰئِكَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ} [الآية: 165]. يعني مباهاة ومضادة للحق بالأَنداد: بالأَوثان. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} [الآية: 165]. من الكفار لآلهتهم. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} [الآية: 166]. يعني: المودة.
الصابوني
تفسير : [5] كتمان العلم الشرعي التحليل اللفظي {يَكْتُمُونَ}: الكتمان: الإخفاء والستر، قال الراغب: الكتمان ستر الحديث يقال كتمته كتماً وكتماناً. قال الألوسي: "الكتم ترك إظهار الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه، وتحقيق الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر موضعه، واليهود - قاتلهم الله - ارتكبوا كلا الأمرين". {ٱلْبَيِّنَاتِ}: الآيات الواضحات الدالة على الحق، جمع بينة وهي في اللغة الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو حسيّة، وسمي البيان بياناً لكشفه عن المعنى المقصود. والمراد بالبينات في الآية: ما أنزله الله في التوراة والإنجيل من أمر محمد عليه الصلاة والسلام. {وَٱلْهُدَىٰ}: الهدى كلّ ما يدل على الخير، ويهدي إلى الرشد، من الهداية وهي الدلالة على الشيء. قال أبو السعود: المراد بالهدى الآيات الهادية إلى وجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، عبّر عنها بالمصدر مبالغة. {يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ}: أي يطردهم ويبعدهم من رحمته، وأصل اللعن: الإبعاد والطرد قال الشماخ: شعر : مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : أي الطريد. {ٱللاَّعِنُونَ}: قال ابن عباس: اللاعنون كلّ شيء على وجه الأرض إلا الثقلين. وقال مجاهد: هم دواب الأرض وهوامّها، تقول: مُنِعنا القطر بمعاصي بني آدم. والصحيح أنهم: (الملائكة، والأنبياء، وجميع الناس) لقوله تعالى: بعد هذه الآية: {أية : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [البقرة: 161] والقرآن يفسّر بعضه بعضاً. {تَابُواْ}: أي رجعوا عن الكتمان. وأصل التوبة الرجوعُ والندم على ما صدر من الإنسان. {وَأَصْلَحُواْ}: أي أصلحوا ما أفسدوا بأن أزالوا الكلام المحرّف، أو أصلحوا سيرتهم وأعمالهم. {وَبَيَّنُواْ}: أي أظهروا للناس ما كانوا كتموه من أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم أو ما كتموه من دين الله. {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}: أي المبالغ في قبول التوبة، الرحيم بالعباد، وهما من صيغ المبالغة. وجه المناسبة كان أهل الكتاب (اليهود والنصارى) يكتمون بعض ما في كتبهم بعدم ذكر نصوصه للناس عند الحاجة إليه، أو السؤال عنه، ويتعمدون إخفاء ما ورد من البشارات ببعثة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا يؤمن به الناس، كما يخفون بعض الأحكام الشرعية كحكم رجم الزاني، ويكتمون بعضها بتحريف الكلم عن مواضعه، والتأويل للآيات على غير معانيها إتباعاً للأهواء، ففضحهم الله تعالى بهذه الآيات، التي سجّلت عليهم وعلى أمثالهم اللعنة العامة الدائمة. المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: إن الذين يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أنه رسول الله، ويتعمدون أن يكتموا أمر البشارة به عليه السلام مع أنهم يعلمون حق العلم أوصافه. لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157] هؤلاء الكاتمون لأوصاف الرسول، المتلاعبون بأحكام الدين، المحرفون للتوراة والإنجيل، يستحقون الطرد والإبعاد من رحمة الله، ويستوجبون اللعنة من الملائكة والناس أجمعين، إلاّ من تاب عن كتمانه، وأصلح أمره بالإيمان بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيّن ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائه، فلم يكتمه ولم يُخفه، فهؤلاء يتوب الله عليهم، ويفيض عليهم مغفرته ورحمته، وهو جل ثناؤه كثير التوبة على العباد، يتغمدهم برحمته، ويشملهم بعفوه، ويصفح عمّا فرط منهم من السيئات. سبب النزول 1 - نزلت هذه الآية الكريمة من أهل الكتاب حين سئلوا عمّا جاء في كتبهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكتموه، ولم يخبروا عنه حسداً وبغضاً.. روى السيوطي في "الدر المنثور" عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ (معاذ بن جبل) وبعض الصحابة سألوا نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبرونهم، فأنزل الله فيهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ}. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى {فِي ٱلْكِتَابِ} المراد بالكتاب الكتب التي أنزلها الله لهداية البشرية، فـ (أل) تكون (للجنس) مثلها في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ* إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْر} تفسير : [العصر:1-2] وقيل: المراد بالكتاب التوراةُ والإنجيل، فتكون (أل) للعهد الذهني. اللطيفة الثانية: عبّر باسم الإشارة البعيد {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} تنبيهاً على قبح عملهم وغاية بعده في الإجرام، والإفساد، وأبرز الخبر في صورة جملتين توكيداً وتعظيماً لخطورته، وأتى بالفعل المضارع المفيد للتجدد لتجدد مقتضيه، وأبرز اسم الجلالة {يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} على سبيل الإلتفات لتربية المهابة، وإدخال الروعة، إذ لو جرى على نسق الكلام المتقدم لقال (أولئك نلعنهم). اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} ضربٌ من البديع يسمى (الجناس المغاير) وهو أن يكون إحدى الكلمتين إسماً، والأخرى فعلاً كما في هذه الآية. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} جاء اللفظان بصيغة المبالغة، لأن (فعّال) و(فعيل) من صيغ المبالغة كما قال ابن مالك: شعر : فعّال أو مفعال أو فعول في كثرةٍ عن فاعل بديل تفسير : والمعنى: كثير التوبة، واسع المغفرة والرحمة. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل هذه الآية خاصة بأحبار اليهود والنصارى؟ الآية الكريمة نزلت في أهل الكتاب من أحبار اليهود، وعلماء النصارى، الذين كتموا صفات النبي عليه الصلاة والسلام كما دلّ على ذلك سبب النزول، ولكنها تشمل كل كاتم لآيات الله، مخفٍ لأحكام الشريعة، لأن العبرة - كما يقول علماء الأصول - بعموم اللفظ لا (بخصوص السبب)، والآيات وردت عامة بصيغة اسم الموصول {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} لذلك تعم. قال أبو حيان: "والأظهر عموم الآية في الكاتمين، وفي الناس، وفي الكتاب، وإن نزلت على سبب خاص، فهي تتناول كلّ من كتم علماً من دين الله، يُحتاج إلى بثه ونشره. وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" تفسير : وقد فهم الصحابة من هذه الآية العموم، وهم العرب الفُصح، المرجوع إليهم في فهم القرآن، كما روي عن أبي هريرة: "لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بحديث ثم تلا قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ}" الآية. الحكم الثاني: هل يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين؟ استدل العلماء من قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ...} الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن، أو تعليم العلوم الدينية، لأن الآية أمرت بإظهار العلم ونشره وعدم كتمانه، ولا يستحق الإنسان أجراً على عملٍ يلزمه أداؤه، كما لا يستحق الأجر على الصلاة، لأنها قربة وعبادة، لذلك يحرم أخذ الأجرة على تعليمها. غير أن المتأخرين من العلماء لمّا رأوا تهاون الناس، وعدم اكتراثهم لأمر التعليم الديني، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، ورأوا أن ذلك يصرف الناس عن أن يعنوا بتعلم كتاب الله، وسائر العلوم الدينية، فينعدم حفظة القرآن، وتضيع العلوم، لذلك أباحوا أخذ الأجور، بل زعم بعضهم أنه واجب للحفاظ على علوم الدين، وما هذه الأوقاف والأرصاد التي حبسها الخيّرون إلا لغرض صيانة القرآن وعلوم الشريعة، وسبيل لتنفيذ ما وعد الله به من حفظ القرآن في قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] غير أننا نجد المتقدمين من الفقهاء متفقين على حرمة أخذ الأجرة على علوم الدين. لأن العلم عبادة وأخذ الأجرة على العبادة غير جائز. قال أبو بكر الجصاص: "وقد دلت الآية على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه، فهي دالة على امتناع جواز أخذ الأجرة عليه، إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما عليه فعله، ألا ترى أنه لا يجوز استحقاق الأجر على الإسلام؟! ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 174] وظاهر ذلك يمنع أخذ الأجر على الإظهار والكتمان جميعاً، لأن قوله تعالى: {أية : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 174] مانع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه، إذ كان الثمن في اللغة هو البدل، قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : إن كنت حاولت دنيا أو أصبت بها فما أصبت بترك الحج من ثمن تفسير : فثبت بذلك بطلان الإجارة على تعليم القرآن، وسائر علوم الدين". وقال الفخر الرازي: "احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم، لأن الآية لما دلت على وجوب التعليم، كان أخذ الأجرة أخذاً على أداء الواجب، وأنه غير جائز، وقوله تعالى: {أية : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 174] مانعٌ أخذ البدل عليه من جميع الوجوه". أقول: هذه النظرة الفقهية الدقيقة تسمو بالعلم إلى درجة العبادة، وهي نظرة جديرة بالتقدير، ولكنّ علوم الشريعة تكاد تضيع مع الأخذ بفتوى المتأخرين، من إباحة أخذ الأجرة على التعليم، فكيف لو أخذنا بفتوى المتقدمين ومنعنا أخذ الرواتب والأجور؟ إذن لم يبق من يعلّم أو يتعلم وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - اليهود والنصارى كتموا صفات النبي لصدّ الناس عن الإيمان به. 2 - كتم العلم خيانة للأمانة التي جعلها الله في أعناق العلماء. 3 - يجب نشر العلم وتبليغه إلى الناس لتعمّ الهداية جميع البشر. 4 - من كتم شيئاً من أحكام الشرع الحنيف استحق اللعنة المؤبدة. 5 - لا تكفي التوبة وحدها بل لا بدّ من إصلاح السيرة، وإخلاص العمل. خاتمة البحث: حكمة التشريع جاءت الشرائع السماوية، لهداية البشرية، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وقد أمرنا الإسلام بتعليم الجاهل، وهداية الضال، ودعوة الناس إلى الله، حتى تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحدٍ عذر عند الله يوم القيامة. ولمّا كان ما أنزله الله من البينات والهدى، لم ينزل إلاّ لخير الناس، وهداية البشرية إلى الطريق المستقيم، وكان كتم العلم وعدم تبليغه إلى الناس فيه تعطيل لوظيفة الرسالة، التي بعث الله بها رسله وأنبياءه، وفيه خيانة للأمانة التي ائتمن الله عليها العلماء {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ...} تفسير : [آل عمران: 187] لذلك فقد شدّد الله النكير على من كتم شيئاً ممّا يحتاج الناس إليه، وخاصة من أمور الدين، وأوعد بالعذاب الأليم لكل من كتم آيات الله، أو أخفى أحكام الشريعة، لأن الكتمان جرم عظيم، يستحق مرتكبه اللعن والإبعاد من رحمة الله عز وجل. وفي هذا دلالة واضحة، على عناية الإسلام العظيمة، بنشر العلم والثقافة، لتبليغ دعوة الله إلى الناس وانتشال الأمة من براثن الجهل والضلالة، فنشر العلم عبادة، وكتمه جناية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : بلّغوا عين ولو آية" تفسير : وقال صلوات الله وسلامه عليه: "حديث : من سُئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ".
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} معناهُ هوامُّ الأَرضِ مثل الخَنافِسِ والعَقارِبِ، ومَا أَشبههَا. ويقالُ المَلائِكةُ عليهمُ السَّلامُ.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} هم اليهود. {مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} أي في التوراة كتموا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتموا الرجم. وقرىء {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} ومن بعد ما بينه وهو التفات خرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب كما خرج فيما أنزلنا من الغيبة إلى التكلم. في قوله: فإِن الله. وقوله: ما أنزلنا. {فِي ٱلْكِتَابِ} التوراة أو القرآن أو كتب الله وكتمه بعد تبيينه أعظم في الاثم. وقد يكتم الانسان الشيء ولا يكون مبيّناً للناس. {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} أولئك إشارة لمن اتصف بهذه الوصف القبيح وأبرز خبره في صورة جملتين تعظيماً لهذا الوصف الذي حل بهم واللاعنون الملائكة. ومن تتأتى منهم اللعنة كمؤمن الثقلين أو كل شيء وغلب العاقل في الجميع. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} عن الكفر والكتمان. {وَأَصْلَحُواْ} قلوبهم بالنية الصالحة والأعمال الظاهرة. {وَبَيَّنُواْ} الحق الذي كتموه. {فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أي اعطف. {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا} ذكر حال من كتم، ثم حال من تاب، ثم ذكر حال من وافى مصراً على الكفر، وجعل اللعنة قد تجللتهم وغشيتهم. {وَهُمْ كُفَّارٌ} جملة حالية ومجيئها بالواو في مثل هذا التركيب أكثر. و{لَعْنَةُ} مرفوع على الفاعلية إذ الجار والمجرور قد اعتمد لكونه خبراً. وقرىء والملائكة. {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقرىء برفع الثلاث وكل من وقفنا على كلامه من معرب ومفسر جعله عطفاً على الموضع وقدروه أن يلعنهم الله وإن لعنهم الله وهذا لا يصح على قول المحققين من النحويين لأن من شرط العطف وجود المحرز الذي لا يتغير. وأيضا فلا يظهر أن لعنة هنا مصدر ينحل لحرف مصدري والفعل إذ لا يراد به العلاج، وكان المعنى أن عليهم لعنة الله كما جاء إلا لعنة الله على الظالمين وأضيف هذا المصدر على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث وتخرج هذه القراءة على إضمار فعل يدل عليه ما قبل أي وتلعنهم الملائكة. أو على حذف مضاف أقيم المضاف إليه مقامه أي ولعنة الملائكة أو على أن الملائكة مبتدأ خبره محذوف تقديره أخيراً يعلنونهم. {خَالِدِينَ فِيهَا} في اللعنة أو في النار لدلالة اللعنة عليها ودلالة قوله: {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} ولا يخفف حال من ضمير خالدين. وخالدين حال من ضمير عليهم أو هما حالان من ضمير عليهم على مذهب من يجيز حالين من ذي حال واحد وهو الصحيح. قالوا يا محمد صف لنا ربك فنزلت: {وَإِلَـٰهُكُمْ} الآية وسورة الاخلاص. والهكم {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي لا يتجزأ ولا نظير له ولم يكن معه في الأزل شيء. {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} توكيد لمعنى الوحدانية ودلت على حصر الألوهية فيه تعالى ولا يجوز أن يكون إلا هو خبراً. عن لا على مذهب الأخفش ولا خبراً عن مجموع لا إله إلا الله إذ هو في موضع مبتدأ على مذهب سيبويه لأن هو معرفة. وقالوا: هو بدل من اسم لا على الموضع وهو مشكل لأنه لا يمكن تقدير تكرار العامل لا تقول: لا رجل لا الا زيد. والذي ظهر لي فيه أنه ليس بدلاً من لا إله إلا الله ولا الا زيد بدل من لا رجل. بل هو بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف إذ التقدير لا رجل كائن أو موجود إلا زيد. كما تقول: ما أحد يقوم إلا زيد. وإلا زيد: بدل من الضمير في يقوم، فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع. وقول من قال: لا يحتاج إلى حذف سهو. و{ٱلرَّحْمَـٰنُ} خبر مبتدأ محذوف. و{ٱلرَّحِيمُ} كذلك أي خبر لمبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر. أو خبران. أو صفة لقوله: والهكم وفصل بالخبر ولا إله إلا الله خبر ثان أو اعتراض. {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} لما تقدم اختصاصه تعالى بالالهية استدل بهذا الخلق الغريب استدلالاً بالأثر على المؤثر، وبدا بالعالم العلوي وآياتها ارتفاعها من غير عمد تحتها ولا علائق فوقها وما فيها من النيرين الشمس والقمر والنجوم السيارة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نيّرة وممحوة وعظم إجرامها وارتفاعها، حتى قال أرباب الهيئة: إن الشمس قدر الأرض مائة وأربعة وستين مرة، وإن أصغر نجم في السماء قدر الأرض. سبع مرات وآية الأرض بسطها لا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها وأنهارها وجبالها ونباتها ومعادنها، واختصاص كل موضع بما هُيء فيه ومنافع نباتها ومضارها. وذكر أرباب الهيئة: ان الأرض نقطة في وسط الدائرة ليس لها جهة وان البحار محيطة بها والهواء محيط بالماء والنار محيطة بالهواء والأفلاك وراء ذلك. {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} بإِقبال هذا وإدبار هذا وبالنور والظلمة والطول والقصر والتساوي وقدم الليل لسبقه في الخلق. {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} الفلك قيل واحدة. فلك كاسد وأسْد ويكون مفرداً وجمعاً فهو حركاته في الجمع غير حركاته في المفرد وإذا كان مفرداً ثنى قالوا: فلكان. وقيل: إذ أريد به الجمع فهو اسم جمع. والذي أذهب إليه أنه لفظ مشترك حركاته في الجمع حركاته في المفرد ولا يقدر بغيرها وإذا كان مفرداً كان مذكراً. وقيل: قد يكون مؤنثاً وآيتها تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها ولو رميت حصاة لغرقت وتبليغها المقاصد. والباء في بما للسبب وما موصولة ونفعهم بما يتأتى به من المتجر والبضائع والنقل من بلد إلى بلد والحج والغزو وذكر النفع وإن كانت قد تجري بما يضر لأنه في معرض الامتنان. {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ} أي من جهة السماء. ومن ماء: بدل اشتمال. {فَأَحْيَا} عطفه على صلة ما بالفاء المقتضية للتعقيب وسرعة النبات وكني بالاحياء عن ظهور ما أودع فيها من النبات. وبالموت عن استقرار ذلك فيها وعدم ظهوره. {وَبَثَّ فِيهَا} معطوف على ما قبلها من الصلة أي نشر وفرق. والرابط به أي وبث به أي بالماء وحذف لدلالة قوله به في قوله: فاحيا به الأرض لأن الدّواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة. أو يقدر موصول محذوف لفهم المعنى معطوف على قوله: وما أنزل، أي: وما بث فيها. وكلا هذين التخريجين مسموع من كلام العرب وإن لم يقسه بعض النحويين. وآية الدواب اختلاف أشكالها وصفاتها وانتقالاتها ومنافعها ومضارها وما أودع في كل شكل شكل من الأسرار العجيبة. {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} هبوبها قبولاً ودبوراً، وجنوباً وشمالاً، حارة وباردة، عاصفة ورخاء، لواقح ونكباً. وقرىء بالجمع والافراد والياء منقلبة عن واو لكسرة ما قبلها. {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} السحاب اسم جنس. واحده سحابة ويذكر السحاب ولذلك وصفه بالمسخر ويجوز تأنيثه وقد يوصف بالجمع رعياً لأفراده إذ هو اسم جنس، كقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} تفسير : [الأعراف: 57] وتسخيره بعثه من مكان إلى مكان وثبوته بين السماء والأرض بلا علاقة وانتصب بين المسخر. {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ} أي كائنة لقوم. {يَعْقِلُونَ} لأنه لا يتفكر في هذه الآيات العظيمة إلا العقلاء وهذه الآيات منها مدرك بالبصيرة وهو خلق السماوات والأرض ومدرك بالبصر وهو ما بعد ذلك. فقيل: لقوم يعقلون، ولم يقل: يبصرون. تغليباً لحكم العقل إذ مآل ما يشاهد بالبصر راجع بالعقل نسبته إلى الله تعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب، وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله { مِنَ الْبَيِّنَاتِ } الدالات على الحق المظهرات له، { وَالْهُدَى } وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم، من طريق أهل الجحيم، فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم، بأن يبينوا الناس ما منّ الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه، فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين، كتم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، فأولئك { يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ } أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته. { وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ } وهم جميع الخليقة، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير، يصلي الله عليه وملائكته، حتى الحوت في جوف الماء، لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم، وقربهم من رحمة الله، فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله، مضاد لأمر الله، مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد. { إِلا الَّذِينَ تَابُوا } أي رجعوا عما هم عليه من الذنوب، ندما وإقلاعا، وعزما على عدم المعاودة { وَأَصْلَحُوا } ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن. ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضا، حتى يبين ما كتمه، ويبدي ضد ما أخفى، فهذا يتوب الله عليه، لأن توبة الله غير محجوب عنها، فمن أتى بسبب التوبة، تاب الله عليه، لأنه { التَّوَّابُ } أي: الرجاع على عباده بالعفو والصفح، بعد الذنب إذا تابوا، وبالإحسان والنعم بعد المنع، إذا رجعوا، { الرَّحِيمُ } الذي اتصف بالرحمة العظيمة، التي وسعت كل شيء ومن رحمته أن وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا، ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم، لطفا وكرما، هذا حكم التائب من الذنب. وأما من كفر واستمر على كفره حتى مات ولم يرجع إلى ربه، ولم ينب إليه، ولم يتب عن قريب فأولئك { عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } لأنه لما صار كفرهم وصفا ثابتا، صارت اللعنة عليهم وصفا ثابتا لا تزول، لأن الحكم يدور مع علته، وجودا وعدما. و { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: في اللعنة، أو في العذاب والمعنيان. { لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } بل عذابهم دائم شديد مستمر { وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } أي: يمهلون، لأن وقت الإمهال وهو الدنيا قد مضى، ولم يبق لهم عذر فيعتذرون.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 50 : 2 - سفين عن منصور بن المعتمر عن مجاهد في قوله {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} قال، العقارب والخنافس والدواب يقولون: "حبس عنا المطر بذنوب بني آدم". [الآية 159].
همام الصنعاني
تفسير : 117- سعيد بن م نصور، عن إسماعيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}: [الآية: 159]، قال: البهائمُ، إذا أجدبت الأرْضُ قالت البهائم: هذا من أجل عُصاةِ بني آدم، لعَن الله عُصاتَهم. 118- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمر، وأخبرني الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن ابن عباس مثله. 119- عبد الرزَّاق، قالَ: أخبرنا الثَّوري، عن محمد بن المسيّب، عن أبي صالح عن ابن عبَّاس، مثله. 150- عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن الزّهْرِيّ، عن الأعرج، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ}: [الآية: 159]، قال أبو هُرَيْرة:حديث : إنكم لتقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، وإنكم لتقولون: ما بال المهاجِرينَ لا يُحدثُون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث، وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليْها، وإني كنت امرءاً مِسْكيناً وكنتُ أكثر مُجَالَسَة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، حدثنا يوماً فقال: "مَنْ يَبسُطُ ثَوْبه حتى أُفرغ مِنْ حديثي، ثم يقبضه إليه فإنه لن ينسى شيئاً سمعه منّي أبداً"، قال: فبَسطْتُ ثوبي أو قال سترتي فحدَّثنا، فقبضت ثوبي إليَّ، فوالله ما نسيت شيئاً سمعته، وأيم الله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبداً ثم تلا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} . تفسير : 151- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: بلغني عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، قال: "حديث : من سُئِلَ عن عِلْمٍ عنده، فكَتَمَهُ، أتى يوم القيامَةِ مُلَجَّماً بلجامٍ من النار ". 152تفسير : - عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}: [الآية: 159]، قال: الملائكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):