٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
158
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه. أحدها: أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال: {أية : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة:150] وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية. وثانيها: أنه تعالى لما قال: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ } تفسير : [البقرة: 155] إلى قوله: {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ } قال: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ } وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات. وثالثها: أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة. أحدها: ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولاً وهو قوله: {أية : اذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } تفسير : [البقرة: 152] فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول. وثانيها: ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الإبتلاء والامتحان على ما قال: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ } تفسير : [البقرة: 155] فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً. وثالثها: الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكراً لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله: قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي، ورحا وأرحاء قال الراجز:شعر : كأن متنيه من النفي مواقع الطير من الصفي تفسير : وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير:شعر : إنا إذا قرع العدو صفاتنا لاقوا لنا حجراً أصم صلودا تفسير : وفي كتاب الخليل: الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس، وإذا نعتوا الصخرة قالوا: صفاة صفواء، وإذا ذكروا قالوا: صفا صفوان. فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل: من الحجارة ما كان أبيض أملس صلباً شديد الصلابة، وقاله غير: هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب:شعر : حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشاعر كل يوم يقرع تفسير : وأما {شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، قال الله تعالى: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحج: 36] أي علامة للقربة، وقال: {أية : ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } تفسير : [الحج: 32] وشعائر الحج: معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام: وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علماً على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك: شعرت بكذا، أي علمت. المسألة الثالثة: الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك، أو نحملها على مواضع العبادات والنسك، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف، لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه، وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } تفسير : [البقرة: 128] واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضاً من أبعاض الحج، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال: {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا }. المسألة الرابعة: الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل عليه السلام أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه غياث المستغيثين، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين. المسألة الخامسة: ذكر القفال في لفظ الحج أقوالاً. الأول: الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. الثاني: قال قطرب: الحج الحلق يقال: احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى: حج فلان أي حلق، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } تفسير : [الفتح: 27] أي حجاجاً وعُمّاراً، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق. الثالث: قال قوم الحج القصد، يقال: رجل محجوج، ومكان محجوج إذا كان مقصوداً، ومن ذلك محجة الطريق، فكان البيت لما كان مقصوداً بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجاً، قال القفال: والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه. وأما العمرة فقال أهل اللغة: الاعتمار هو القصد والزيارة، قال الأعشى:شعر : وجاشت النفس لما جاء جمعهم وراكب جاء من تثليث معتمر تفسير : وقال قطرب: العمرة في كلام عبد القيس: المسجد، والبيعة، والكنيسة، قال القفال: ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ينصرف كالزائر، وأما الجناح فهو من قولهم: جنح إلى كذا أي مال إليه، قال الله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } تفسير : [الأنفال: 61] وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع: جوانح لاعوجاجها، وجناح الطائر من هذا، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضاً فمعنى: لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، ومنهم من قال: بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به. وقوله: {أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } تفسير : [المدثر: 1]، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } تفسير : [المزمل: 1] أي المتدثر والمتزمل، ويقال: طاف وأطاف بمعنى واحد. المسألة السادسة: ظاهر قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ } أنه لا إثم عليه، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر، إذا عرفت هذا فنقول: مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن، ويقوم الدم مقامه، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه. أحدها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«حديث : إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا»، تفسير : فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو، ذلك غير واجب قلنا: لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 9] والعدو فيه غير واجب، وقال الله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] وليس المراد منه العدو، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية، سلمنا أنه يدل على العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة، فيبقى أصل المشي واجباً. وثانيها: ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال: «حديث : إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به»تفسير : فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر، أما القرآن: فقوله تعالى: {وَٱتَّبِعُوهُ } وقوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى } تفسير : [آل عمران: 31] وقوله: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 21] وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : خذوا عني مناسككم»تفسير : والأمر للوجوب. وثالثها: أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركناً كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين. أحدهما: هذه الآية وهي قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } وهذا لا يقال في الواجبات. ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فبين أنه تطوع وليس بواجب. وثانيهما: قوله: «الحج عرفة» ومن أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، ترك العمل به في بعض الأشياء، فيبقى معمولاً به في السعي والجواب عن الأول من وجوه. الأول: ما بينا أن قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ } تفسير : [النساء: 101] والقصر عند أبي حنيفة واجب، مع أنه قال فيه: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } فكذا ههنا. الثاني: أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما، وعندنا الأول غير واجب، وإنما الثاني هو الواجب. الثالث: قال ابن عباس: كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم، أو دم البراغيث عندنا، فقيل: لا جناح عليك أن تصلي فيه، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة. الرابع: روي عن عروة أنه قال لعائشة: إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما، فقالت: بئس ما قلت لو كان كذلك لقال: أن لا يطوف بهما، ثم حكى ما تقدم من الصنمين، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين، فإن قالوا: قرأ ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) واللفظ أيضاً محتمل له كقوله: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الأعراف: 172] معناه: أن لا تقولوا، قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً. الخامس: كما أن قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } لا يطلق على الواجب، فكذلك لا يطلق على المندوب، ولا شك في أن السعي مندوب، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها. وأما التمسك بقوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فضعيف، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولاً، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئاً آخر قال الله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } تفسير : [البقرة: 184] ثم قال: {أية : فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } تفسير : [البقرة: 184] فأوجب عليهم الطعام، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيراً، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفاً إلى شيء آخر وهو من وجهين. أحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر. الثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعاً وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول: ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قراءة حمزة وعاصم والكسائي (يطوع) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما، وهذا أحسن لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن، وأما الباقون من القراء فقرؤا (تطوع) على وزن تفعل ماضياً وهذه القراءة تحتمل أمرين. أحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزماً. الثاني: أن لا يجعل (من) للجزاء، ولكن يكون بمنزلة (الذي) ويكون مبتدأ والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] فما مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها خبر له، ونظيره قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 38] إلى قوله: {أية : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } تفسير : [البقرة: 274] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [البروج: 10] إلى قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } وقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } وقوله: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } وقوله: {مَن جَاءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } وقوله: {وَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ونذكر هذه المسألة إن شاء الله عند قوله:{أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً } تفسير : [البقرة: 274]. المسألة الثانية؛ قال أبو مسلم: (تطوع) تفعل من الطاعة وسواء قول القائل: طاع وتطوع، كما يقال: حال وتحول وقال وتقول وطاف وتطوف وتفعل بمعنى فعل كثيراً، والطوع هو الانقياد، والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك. المسألة الثالثة: الذين قالوا: السعي واجب، فسروا هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة وقال الحسن: المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ. أما قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } فاعلم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام عليه، وذلك في حق الله تعالى محال، فالشاكر في حقه تعالى مجاز، ومعناه المجازي على الطاعة: وإنما سمي المجازاة على الطاعة شكراً لوجوه. الأول: أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مبالغة في الإحسان إليهم، كما قال تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] وهو تعالى لا يستقرض من عوض، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل: من ذا الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم. الثاني: أن الشكر لما كان مقابلاً الإنعام أو الجزاء عليه سمي كل ما كان جزاء شكراً على سبيل التشبيه. الثالث: كأنه يقول: أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل وبالجملة فالمقصود بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات. وأما قوله: {عَلِيمٌ } فالمعنى أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى: {عَلِيمٌ } تعلق بشاكر ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه، وتحذير من خلاف ذلك.
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: روى البخاريّ عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الصَّفا والمَرْوَة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما؛ فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وخرّج الترمذيّ عن عروة قال: «قلت لعائشة ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئاً، وما أبالي ألاّ أطوف بينهما. فقالت: بئس ما قلت يا بن أختي! طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون، وإنما كان من أَهَلَّ لِمَنَاة الطاغية التي بِالمُشَلَّل لا يطوفون بين الصفا والمروة؛ فأنزل الله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ولو كانت كما تقول لكانت: «فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا». قال الزُّهْرِيّ: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك وقال: إن هذا لَعِلْمٌ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف (بالبيت) ولم نؤمر به بين الصفا والمَرْوَة؛ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء. قال: «هذا حديث حسن صحيح». أخرجه البخاري بمعناه، وفيه بَعْدَ قوله فأنزل الله تعالى {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}: «قالت عائشة وقد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما»؛ ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لَعِلْمٌ ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس ـ إلاَ من ذكرتْ عائشةُ ـ ممن كان يُهِلّ بمَنَاة كانوا يطوفون كلهم بالصّفا والمروة؛ فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حَرَج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرّجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرَّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام؛ من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. وروى الترمذيّ عن عاصم بن سليمان الأحْوَل قال: «سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة فقال: كانا من شعائر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما؛ فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قال: هما تطوّع، {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. قال: هذا حديث حسن صحيح». خرّجه البخاري أيضاً. وعن ٱبن عباس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل كله بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة، فلما ظهر الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة فإنهما شرك؛ فنزلت. وقال الشعبيّ: كان على الصفا في الجاهلية صنم يُسَمَّى «إسَافاً» وعلى المَرْوة صنم يسمَّى «نائلة» فكانوا يمسحونهما إذا طافوا؛ فامتنع المسلمون من الطواف بينهما من أجل ذلك؛ فنزلت الآية. الثانية: أصل الصّفا في اللغة الحجر الأملس؛ وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضاً؛ ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذُكِر الصفا لأن آدم المصطفى صلى الله عليه وسلم وقف عليه فسُمِّيَ به، ووقفت حوّاء على المروة فسُمِّيت بٱسم المرأة، فأَنث لذلك؛ والله أعلم. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يسمى «إسافا» وعلى المروة صنم يدعى «نائلة» فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدّم المذكّر، وهذا حسن؛ لأن الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى. وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا؛ حتى رفع الله الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زَنَيَا في الكعبة فمسخهما الله حجرين فوضعهما على الصفا والمروة ليُعتبر بهما؛ فلما طالت المدّة عُبِدا من دون الله؛ والله تعالى أعلم. والصفا (مقصور): جمع صَفاة، وهي الحجارة الملس. وقيل: الصفا ٱسم مفرد وجمعه صُفِيّ (بضم الصاد) وأصفاء على مثل أرحاء. قال الراجز:شعر : كأن مَتْنَيْه من النَّفِيّ مواقعُ الطير على الصُّفِيّ تفسير : وقيل: من شروط الصفا البياض والصلابة؛ وٱشتقاقه من صفا يصفو، أي خَلَص من التراب والطين. والمروة (واحدة المَرْو) وهي الحجارة الصغار التي فيها لين. وقد قيل إنها الصلاب. والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظّى وترقّ حاشيته؛ وفي هذا يقال: المرو أكثر ويقال في الصليب. قال الشاعر:شعر : وتولّى الأرض خفًّا ذابلاً فإذا ما صادف المرو رضخ تفسير : وقال أبو ذؤيب: شعر : حتى كأني للحوادث مَرْوة بصَفَا المُشَقَّر كل يوم تُقْرَعُ تفسير : وقد قيل: إنها الحجارة السود. وقيل: حجارة بيض برّاقة تكون فيها النار. الثالثة: قوله تعالى: {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} أي من معالمه ومواضع عباداته؛ وهي جمع شعيرة. والشعائر: المتعبّدات التي أشعرها الله تعالى؛ أي جعلها أعلاما للناس، من الموقف والسَّعْي والنّحر. والشِّعار: العلامة؛ يقال: أشعر الهَدْيَ أعلَمَه بغرز حديدة في سَنَامه؛ من قولك: أشعرت أي أعلمت، وقال الكُميت:شعر : نُقتِّلهم جِيلاً فجيلاً تَرَاهُمُ شعائِرَ قُرْبَانٍ بهم يُتقرَّبُ تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ} أي قصد. وأصل الحج القصد، قال الشاعر:شعر : فأشهدُ مِن عَوْفٍ حُلولاً كثيرةً يَحُجّون سِبّ الزِّبْرِقان المُزَعْفَرَا تفسير : السِّب: لفظ مشترك. قال أبو عبيدة: السِّبّ (بالكسر) الكثير السِّباب. وسبُّك أيضاً الذي يُسابُّك؛ قال الشاعر:شعر : لا تَسُبَّنني فلست بِسبِّي إنّ سِبِّي مِن الرّجال الكريمُ تفسير : والسِّب أيضاً الخمار، وكذلك العمامة؛ قال المُخَبَّل السّعدي:شعر : يَحجُّون سِبَ الزِّبْرِقان المُزَعْفَرَا تفسير : والسِّب أيضاً الحبل في لغة هذيل؛ قال أبو ذؤيب:شعر : تَدَلّىٰ عليها بين سِبٍّ وخَيْطَة بجَرْدَاءَ مثلِ الوكفِ يكبُو غُرابُها تفسير : والسُّبوب: الحبال. والسِّبْ: شُقّة كَتَّان رقيقة، والسَّبيبة مثله؛ والجمع السُّبوب والسبائب؛ قاله الجوهري. وحجّ الطبيب الشَّجَّة إذا سبرها بالمِيل؛ قال الشاعر:شعر : يحجّ مأمُومةً في قعرها لَجَفٌ تفسير : اللَّجَف: الخَسْف. تلجَّفَت البئر: ٱنخسف أسفلها. ثم ٱختص هذا الاسم بالقصد إلى البيت الحرام لأفعال مخصوصة. الخامسة: قوله تعالى: {أَوِ ٱعْتَمَرَ} أي زار. والعُمْرة: الزيارة؛ قال الشاعر:شعر : لقد سما ٱبن مَعْمَرٍ حين ٱعْتَمَرْ مَغْزًى بعِيداً من بعيد وَضَبْر تفسير : السادسة: قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} أي لا إثم. وأصله من الجنوح وهو الميل؛ ومنه الجوانح للأعضاء لاعوجاجها. وقد تقدّم تأويل عائشة لهذه الآية. قال ٱبن العربي: «وتحقيق القول فيه أن قول القائل: لا جناح عليك أن تفعل؛ إباحة الفعل. وقوله: لا جناح عليك ألاّ تفعل؛ إباحة لترك الفعل؛ فلما سمع عروة قول الله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قال: هذا دليل على أن ترك الطواف جائز، ثم رأى الشريعة مطبقة على أن الطواف لا رخصة في تركه فطلب الجمع بين هذين المتعارضين. فقالت له عائشة: ليس قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} دليلاً على ترك الطواف، إنما كان يكون دليلاً على تركه لو كان {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف، ولا فيه دليل عليه؛ وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرّج منه في الجاهلية، أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصداً للأصنام التي كانت فيه؛ فأعلمهم الله سبحانه أن الطواف ليس بمحظور إذا لم يقصد الطائف قصدا باطلاً». فإن قيل: فقد روى عطاء عن ٱبن عباس أنه قرأ «فلا جناح عليه ألاّ يطوف بهما» وهي قراءة ٱبن مسعود، ويروى أنها في مصحف أَبَيّ كذلك، ويروى عن أنس مثل هذا. والجواب أن ذلك خلاف ما في المصحف، ولا يترك ما قد ثبت في المصحف إلى قراءة لا يدرى أصحّت أم لا؛ وكان عطاء يكثر الإرسال عن ٱبن عباس من غير سماع. والرواية في هذا عن أنس قد قيل إنها ليست بالمضبوطة؛ أو تكون «لا» زائدة للتوكيد؛ كما قال:شعر : وما ألوم البِيض ألا تسخرا لما رأينَ الشّمطَ القَفَنْدَرَا تفسير : السابعة: روى الترمذي عن جابر حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فطاف بالبيت سبعاً فقرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وصلى خلف المقام، ثم أتى الحجر فٱستلمه ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا وقال: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}"تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا قبل المروة؛ فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه ويبدأ بالصفا. الثامنة: وٱختلف العلماء في وجوب السعي بين الصفا والمروة؛ فقال الشافعي وٱبن حنبل: هو ركن؛ وهو المشهور من مذهب مالك؛ لقوله عليه السلام: «حديث : ٱسْعوْا فإن الله كتب عليكم السعي»تفسير : . خرّجه الدارقطني. وكتب بمعنى أوجب؛ لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}، وقوله عليه السلام: «حديث : خمس صلوات كتبهن الله على العباد»تفسير : . وخرّج ٱبن ماجه «حديث : عن أمّ ولدٍ لشَيْبة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يُقطع الأبطح إلا شَدًّا»تفسير : فمن تركه أو شوطاً منه ناسياً أو عامداً رجع من بلده أو من حيث ذكر إلى مكة، فيطوف ويسعى؛ لأن السعي لا يكون إلا متصلاً بالطواف. وسواء عند مالك كان ذلك في حج أو عُمْرة وإن لم يكن في العمرة فرضاً، فإن كان قد أصاب النساء فعليه عُمرة وهَدْيٌ عند مالك مع تمام مناسكه. وقال الشافعي: عليه هَدْيٌ، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشعبي: ليس بواجب، فإن تركه أحدٌ من الحاج حتى يرجع إلى بلاده جبره بالدّم؛ لأنه سُنّة من سنن الحج. وهو قول مالك في العتبية. وروي عن ٱبن عباس وٱبن الزبير وأنس بن مالك وٱبن سيرين أنه تطوّع؛ لقوله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً}. وقرأ حمزة والكسائي «يطوّعْ» مضارع مجزوم، وكذلك {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} الباقون «تطوّع» ماضٍ؛ وهو ما يأتيه المؤمن من قِبل نفسه فمن أتى بشيء من النوافل فإن الله يشكره. وشُكر الله للعبد إثابته على الطاعة. والصحيح ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى لمَا ذكرنا، وقوله عليه السلام: «حديث : خذوا عنّي مناسككم»تفسير : فصار بياناً لمجمل الحج؛ فالواجب أن يكون فرضاً؛ كبيانه لعدد الركعات، وما كان مثل ذلك إذا لم يتفق على أنه سُنّة أو تطوّع. وقال طُليب: رأى ٱبن عباس قوماً يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أُمكم أم إسماعيل. قلت: وهذا ثابت في صحيح البخاري، على ما يأتي بيانه في سورة «إبراهيم». التاسعة: ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكباً إلا من عذر؛ فإن طاف معذوراً فعليه دم، وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة البيت، وإن غاب عنه أَهْدَى. إنما قلنا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بنفسه وقال: «حديث : خذوا عني مناسككم»تفسير : . وإنما جوّزنا ذلك من العذر؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره وٱستلم الركن بمِحْجَنِهِ. «حديث : وقال لعائشة وقد قالت له: إني أشتكي؛ فقال: طُوفِي من وراء الناس وأنت راكبة»تفسير : . وفرّق أصحابنا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان؛ فإن طاف على ظهر إنسان لم يجزه؛ لأنه حينئذ لا يكون طائفاً، وإنما الطائف الحامل. وإذا طاف على بعير يكون هو الطائف. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وهذه تفرقة ٱختيار، وأما الإجزاء فيجزىء؛ ألا ترى أنه لو أغمي عليه فَطِيف به محمولاً، أو وقف به بعرفات محمولاً كان مجزئاً عنه.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} هما علما جبلين بمكة. {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} من أعلام مناسكه، جمع شعيرة وهي العلامة {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ} الحج لغة القصد، والاعتمار الزيارة. فغلبا شرعاً على قصد البيت وزيارته على الوجهين المخصوصين. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} كان إساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما. فلما جاء الإِسلام وكسرت الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك فنزلت. والإِجماع على أنه مشروع في الحج والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه. فعن أحمد أنه سنة، وبه قال أنس وابن عباس رضي الله عنهم لقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} فإنه يفهم منه التخيير وهو ضعيف، لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه واجب، يجبر بالدم. وعن مالك والشافعي رحمهما الله أنه ركن لقوله عليه الصلاة والسلام: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً، أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة، أو طواف أو تطوع بالسعي إن قلنا إنه سنة. و {خَيْرًا} نصب على أنه صفة مصدر محذوف، أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه، أو بتعدية الفعل لتضمنه معنى أتى أو فعل. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب، وأصله يتطوع فأدغم مثل يطوف {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} مثيب على الطاعة لا تخفى عليه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} كأحبار اليهود. {مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} كالآيات الشاهدة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم. {وَٱلْهَدْىَ} وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإِيمان به. {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ} لخصناه. {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} في التوراة. {أُولَـئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي أنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة، قال: قلت: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}؟ قلت: فوالله ما على أحد جناح أن لا يتطوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا بن أختي إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت: فلا جناح عليه ألاّ يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إن الناس ـ إلا من ذكرت عائشة ـ كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء. ورواه البخاري من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحو ما تقدم. ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنساً عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}، وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي: كان إساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية (قلت): ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافاً ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:شعر : وحيثُ يُنيخُ الأَشعرون ركابَهُمْ لمفضى السيولِ من إسافٍ ونائِلِ تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} ثم قال: «حديث : أبدأ بما بدأ الله به»تفسير : وفي رواية النسائي: «حديث : ابدؤوا بما بدأ الله به»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: «حديث : اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي»تفسير : ثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: «حديث : كتب عليكم السعي فاسعوا»تفسير : وقد استدل بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه، ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك. وقيل: إنه واجب، وليس بركن، فإن تركه عمداً أو سهواً جبره بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول طائفة، وقيل: بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية. قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} والقول الأول أرجح؛ لأنه عليه السلام طاف بينهما، وقال: «حديث : لتأخذوا عني مناسككم»تفسير : فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم، وقد تقدم قوله عليه السلام: «حديث : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي»تفسير : فقد بين الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس، أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله عز وجل، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجل، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها «طعام طعم، وشفاء سقم» فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله، في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه. وأن يلتجىء إلى الله عز وجل، لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة؛ كما فعل بهاجر عليها السلام. وقوله: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع، أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيراً في سائر العبادات، حكى ذلك الرازي، وعزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم، وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي: يثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء، فلا يبخس أحداً ثوابه، و {أية : لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 40].
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ } جبلان بمكة {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ } أعلام دينه جمع (شعيرة) {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ } أي تلبس بالحج أو العمرة وأصلهما القصد والزيارة {فَلاَ جُنَاحَ } إثم عَلَيْهِ {أَن يَطَّوَّفَ } فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء {بِهِمَا } بأن يسعى بينهما سبعاً، نزلت لما كره المسلمون ذلك لأنّ أهل الجاهلية كانوا يَطّوفون بهما وعليهما صنمان يمسحونهما، وعن ابن عباس أنّ السعي غير فرض لما أفاده رفع الإثم من التخيير وقال الشافعي وغيره: ركن وبيَّن صلى الله عليه وسلم فريضته بقوله « حديث : إن الله كتب عليكم السعي » تفسير : رواه البيهقي وغيره وقال: « حديث : ابدأوا بما بدَأ الله به » تفسير : يعني الصفا رواه مسلم {وَمَن تَطَوَّعَ } في قراءة (من تطوع) بالتحتية وتشديد الطاء مجزوماً وفيه إدغام التاء فيها {خَيْرًا } أي بخير أي عمل ما لم يجب عليه من طواف وغيره {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ } لعمله بالإثابة عليه {عَلِيمٌ } به.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} أما الصفا والمروة فهما مبتدأ السعي ومنتهاه. وفيه قولان: أحدهما: أن الصفا: الحجارة البيض، والمروة الحجارة السود. واشتقاق الصفا من قولهم صفا يصفو إذا خَلَص، وهو جمع واحده صفاة. والثاني: أن الصفا: الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً، والمروة الحجارة الرخوة، وهذا أظهر القولين في اللغة. يدل على الصفا قول الطرماح: شعر : أبت لي قوتي والطول إلاّ يؤيسَ حافراً أبداً صفاتي تفسير : ويدل على المروة قول الكميت: شعر : ويُوَلّي الأرضَ خفاً ذابلاً فإذا ما صادف المَرْوَ رضخ تفسير : وحُكِيَ عن جعفر بن محمد قال: نزل آدم على الصفا، وحواء على المروة، فَسُمِّي الصفا باسم آدم المصطفى وسميت المروة باسم المرأة. وقيل إن اسم الصفا ذكّر بإساف وهو صنم كان عليه مذكر الاسم، وأنثت المروة بنائلة وهو صنم كان عليه مؤنث الاسم. وفي قوله: {مِن شَعَائِرِ اللهِ} وجهان: أحدهما: يعني من معالم الله التي جعلها لعباده معلماً، ومنه قول الكميت: شعر : نقتّلهم جيلاً فجيلاً تراهُمُ شعائر قربان بها يُتَقَرَّبُ تفسير : والثاني: إن الشعائر جمع شعيرة وهو الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه، وهي من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم من الطواف بهما، وهذا قول مجاهد. ثم قال تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} أما الحج ففيه قولان: أحدهما: أنه القصد، سمي به النسك لأن البيت مقصود فيه، ومنه قول الشاعر: شعر : وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا تفسير : يعني بقوله يحجون أي يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته، فسمي الحج حجاً لأن الحاج يأتي قِبَلَ البيت ثم يعود إليه لطواف الإفاضة، ثم ينصرف إلى منى ويعود إليه لطواف الصدر، فلتكرر العَوْد إليه مرة بعد أخرى قيل له: حاجّ. وأما العمرة ففيها قولان: أحدهما: أنها القصد أيضاً، وكل قاصد لشيء فهو معتمر، قال العجاج: شعر : لقد غزا ابن معمر حين اعتمر مَغْزىً بعيداً من بعيد وصَبَر تفسير : يعني بقوله حين اعتمر أي حين قصد. والقول الثاني: أنها الزيارة ومنه قول الشاعر: شعر : وجاشت النفسُ لمَّا جاءَ فَلُّهم وراكب جاءَ من (تثليث) معتمرا تفسير : أي زائراً. ثم قال تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ورفع الجناح من أحكام المباحث دون الواجبات. فذهب أبو حنيفة على أنّ السعي بين الصفا والمروة غير واجب في الحج والعمرة منسكاً بأمرين: أحدهما: قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ورفع الجناح من أحكام المباحات دون الواجبات. والثاني: أن ابن عباس وابن مسعود قَرَء: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وذهب الشافعي، ومالك، وفقهاء الحرمين، إلى وجوب السعي في النسكين تمسكاً بفحوى الخطاب ونص السنة، وليس في قوله: {فَلاَ جُنَاحَ} دليل على إباحته دون وجوبه، لخروجه على سبب، وهو أن الصفا كان عليه في الجاهلية صنم اسمه إساف، وعلى المروة صنم اسمه نائلة، فكانت الجاهلية إذا سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيماً لإساف ونائلة، فلما جاء الإسلام وألغيت الأصنام تَكَرَّهَ المسلمون أن يُوَافِقُوا الجاهلية في الطواف حول الصفا والمروة، مجانبةً لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة، فأباح الله تعالى ذلك لهم في الإسلام لاختلاف القصد فقال: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وأما قراءة ابن مسعود، وابن عباس: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن (لا) صلة في الكلام إذا تقدمها جَحْد، كقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] بمعنى ما منعك أن تسجد، وكما قال الشاعر: شعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عُمَرُ تفسير : {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ومن تطوع بالسعي بين الصفا والمروة، وهذا قول مَنْ أسقط وجوب السعي. والثاني: ومن تطوع بالزيادة على الواجب، وهذا قول من أوجب السعي. والثالث: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء فرضهما. {فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} يحتمل تأويلين: أحدهما: شاكر للعمل عليم بالقصد. والثاني: شاكر للقليل عليم بالثواب.
ابن عطية
تفسير : {الصفا والمروة}: جبيلان بمكة، و {الصفا} جمع صفاة، وقيل: هو اسم مفرد جمعه صفى وأصفاء، وهي الصخرة العظيمة، قال الراجز: [الرجز] شعر : مواقعُ الطَّيرِ على الصَّفى تفسير : وقيل: من شروط الصفا البياض والصلابة، و {المروة} واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، ومنه قول الذي أصاب شاته الموت من الصحابة "فذكيتها بمروة"، ومنه قيل الأمين: "اخرجني إلى أخي فإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة"، وقد قيل في المرو: إنها الصلاب. قال الشاعر: [الوافر] شعر : وَتَوَلَّى الأَرْضَ خِفّاً ذَابِلاً فإذَا ما صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ تفسير : والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته، وفي هذا يقال المرو أكثر، وقد يقال في الصليب، وتأمل قول أبي ذؤيب: [الكامل] شعر : حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشقر كل يوم تقرع تفسير : وجبيل {الصفا} بمكة صليب، وجبيل {المروة} إلى اللين ماهق، فبذلك سميا، قال قوم: ذكر {الصفا} لأن آدم وقف عليه، ووقفت حواء على المروة فانثت لذلك. وقال الشعبي: "كان على الصفا صنم يدعى إسافاً، وعلى المروة صنم يدعى نائلة"، فاطرَد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر، و {من شعائر الله} معناه من معالمه ومواضع عبادته، وهي جمع شعيرة أو شعارة، وقال مجاهد: ذلك راجع إلى القول، أي مما أشعركم الله بفضله، مأخوذ من تشعرت إذا تحسست، وشعرت مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب، والشعار مأخوذ من الشعر، ومن هذه اللفظة هو الشاعر: و {حج} معناه قصد وتكرر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وأَشْهَدُ مِنْ عوفٍ حلولاً كثيرةً يحجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا تفسير : ومنه قول الآخر: [البسيط] شعر : يحج مأمومةً في قَعْرِها لجفُ تفسير : و {اعتمر} زار وتكرر مأخوذ من عمرت الموضع، والــ {جناح} الإثم الميل عن الحق والطاعة، ومن اللفظة الجناح لأنه في شق، ومنه قيل للخبا جناح لتمايله وكونه كذي أجنحة، ومنه: {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : [الأنفال: 61]، و {يطوف} أصله يتطوف سكنت التاء وأدغمت في الطاء. وقرأ أبو السمال "أن يطاف" وأصله يطتوف تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول، كما جاء في مدكر، ومن لم يجز ذلك قال قلبت طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء، وفي هذا نظر لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف. وروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب أنهم قرؤوا "أن لا يتطوف" وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب "أن لا يطوف"، قيل: "أن لا يطوف" بضم الطاء وسكون الواو. وقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما. وقوله {فلا جناح} ليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء، لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، وإنما المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب، واختلف في كيفية ذلك فروي أن الجن كانت تعرف وتطوف بينهما في الجاهلية فكانت طائفة من تهامة لا تطوف بينهما في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا من الطواف. وروي عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك في الأنصار وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالاً لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت هذه الآية، وروي عن الشعبي أن العرب التي كانت تطوف هنالك كانت تعتقد ذلك السعي إجلالاً لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هنالك إذ كان بسبب الصنمين. واختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزيء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن أبي حنيفة: إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود "أن لا يطوف بهما" وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها "أرأيت قول الله: {فلا جناح أن يطوف بهما}؟ فما نرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما" قالت: "يا عروة كلا لو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بها". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وأيضاً فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون "لا" زائدة صلة في الكلام، كقوله {أية : ما منعك ألا تسجد} تفسير : [الأعراف: 12]، وكقول الشاعر: [البسيط] شعر : ما كان يرضى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ والطِّيبانِ أبو بَكْرٍ ولا عمرُ تفسير : أي وعمر وكقول الآخر: [الرجز] شعر : وما ألومُ البِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا تفسير : ومذهب مالك وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها، وقرأ قوم من السبعة وغيرهم "ومن يطوع" بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في قوله {فإن}، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم "تطوع" على بابه في المضي، فــ {من} على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله {فإن} للإبهام الذي في {من}، حكاه مكي، وقال أبو علي: يحتمل "تطوع" أن يكون في موضع جزم و{من} شرطية، ويحتمل أن تكون {من} بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال: معنى {تطوع} أي زاد براً بعد الواجب، فجعله عاماً في الأعمال، وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال: المعنى من تطوع بالسعي بينهما، وفي قراءة ابن مسعود "فمن تطوع بخير" ومعنى {شاكر} أي يبذل الثواب والجزاء، {عليم} بالنيات والأعمال لا يضيع معه لعامل بر ولا غيره عمل. وقوله تعالى {إن الذين يكتمون} الآية، المراد بالذين أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، قال الطبري: "وقد روي أن معينين منهم سألهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عما في كتبهم من أمره فكتموا فنزلت، وتتناول الآية بعد كل من كتم علماً من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار"، وهذا إذا كان لا يخاف ولا ضرر عليه في بثه. وهذه الآية أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله "لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً". وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم". وهذه الآية أراد عثمان رضي الله عنه في قوله: "لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه"، ومن روى في كلام عثمان "لولا أنه في كتاب الله" فالمعنى غير هذا. و {البينات والهدى}: أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يعم بعد كل ما يكتم من خير، وقرأ طلحة بن صرف "من بعد ما بينه" على الإفراد، و {في الكتاب} يراد به التوراة والإنجيل بحكم سبب الآية وأنها في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم يدخل القرآن مع تعميم الآية، وقد تقدم معنى اللعنة. واختلف في اللاعنين فقال قتادة والربيع: الملائكة والمؤمنون، وهذا ظاهر واضح جار على مقتضى الكلام، وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. قال القاضي أبو محمد: وذكروا بالواو والنون كمن يعقل لأنهم أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال {أية : رأيتهم لي ساجدين} تفسير : [يوسف: 4]، وقال البراء بن عازب {اللاعنون} كل المخلوقات ما عدا الثقلين الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين فلعنه كل سامع"تفسير : ، وقال ابن مسعود: المراد بها ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن كل متلاعنين إن استحقا اللعنة وإلا انصرفت على اليهود ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال الثلاثة لا يقتضيها اللفظ ولا تثبت إلا بسند يقطع العذر، ثم استثنى الله تعالى التائبين وقد تقدم معنى التوبة، و {أصلحوا} أي في أعمالهم وأقوالهم، و {بينوا} قال من فسر الآية على العموم: معناه بينوا توبتهم بمبرز العمل والبروع فيه، ومن فسرها على أنها في كاتمي أمر محمد قال: المعنى بينوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم فتجيء الآية فيمن أسلم من اليهود والنصارى، وقد تقدم معنى توبة الله على عبده وأنها رجوعه به عن المعصية إلى الطاعة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الصَّفَا} جمع صفاة، وهي الحجارة البيض. {وَالْمَرْوَةَ} حجارة سود، والأظهر أن الصفا: الحجارة الصلبة التي لا تنبت والمروة: الحجارة الرخوة، وقد قيل ذُكِّر الصفا باسم إساف، وأُنثت المروة بنائلة. {شَعَآئِرِ اللَّهِ} التي جعلها لعبادته معلماً، أو أنه أشعر عباده وأخبرهم بما عليهم من الطواف بهما. {حَجَّ} الحج: القصد، أو العود مرة بعد أخرى، لأنهم يأتون البيت قبل عرفة وبعدها للإفاضة، ثم يرجعون إلى منى، ثم يعودون إليه لطواف الصَّدَر، والعمرة: القصد، أو الزيارة. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أّن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية تعظيماً لإساف ونائلة تحرجوا بعد الإسلام أن يضاهوا ما كانوا يفعلونه في الجاهلية فنزلت. وقرأ ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أّن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فلذلك أسقط أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ السعي، ولا حجة في ذلك، لأن "لا" صلة مؤكدة كـ {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } تفسير : [الأعراف: 12] {وَمَن تَطَوَّعَ} بالسعي بينهما عند من لم يوجبه، أو من تطوع بالزيادة على الواجب، أو من تطوع بالحج والعمرة بعد أدائهما.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الصفا جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، وقيل هي الحجارة الصافية. والمروة الحجر الرخو، وجمعها مرو ومروات وهذان أصلهما في اللغة، وإنما عنى الله بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام وشعائر الله أعلام دينه وأصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل ما كان معلماً لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة، ودعاء وذبيحة فهو شعيرة من شعائر الله. ومشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس ويقال: شعائر الحج فالمطاف والموقف والمنحر، كلها شعائر والمراد بالشعائر هنا المناسك التي جعلها الله أعلاماً لطاعته فالصفا، والمروة منها حيث يسعى بينهما {فمن حج البيت} قصد البيت هذا أصله في اللغة وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة لإقامة المناسك {أو اعتمر} أي زار البيت والعمرة الزيارة ففي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة {فلا جناح عليه} أي فلا إثم عليه وأصله من جنح إذا مال عن القصد المستقيم {أن يطوف بهما} أي يدور بهما ويسعى بينهما. وسبب نزول هذه الآية، أنه كان على الصفا والمروة صنمان يقال لهما إساف ونائلة فكاف إساف على الصفات ونائلة على المروة وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيماً للصنمين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، تحرج المسلمون عن السعي بين الصفا والمروة فأنزل الله هذه الآية وأذن في السعي بينهما وأخبر أنه من شعائر الله (ق) عن عاصم بن سليمان الأحول قال قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. وفي رواية قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت {إن الصفا والمروة من شعائر الله}. فصل اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة، فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن: وإليه ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه تطوع. وهو قول ابن عباس: وبه قال ابن سيرين وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنه ليس بركن وعلى من تركه دم وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء أن من تركه فلا شيء عليه واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك فروي عنه أن من ترك السعي بين الصفا والمروة لم يجزه حجه وروي عنه أنه لا شيء في تركه عمداً، ولا سهواً ولا ينبغي أن يتركه ونقل الجمهور عنه أنه تطوع وسبب هذا الاختلاف أن قوله تعالى: {فلا جناح عليه} يصدق عليه أنه لا إثم عليه في فعله، فدخل تحته الواجب والمندوب والمباح فظاهر هذه الآية، لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام الثلاثة لا دلالة فيه على خصوصية أحدهما، فإذا لا بد من دليل خارج يدل على أن السعي واجب أو غير واجب فحجة الشافعي ومن وافقه في أن السعي بين الصفا والمروة، ركن من أركان الحج والعمرة، ما روى الشافعي بسنده عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني بنت أبي تجزاة واسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبته وسمعته يقول: "حديث : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" تفسير : وصححه الدارقطني (ق) عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما فقالت عائشة: كلا لو كان كما تقول كانت فلا جناح عليه، أن لا يطوف بهما إنما نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية (م) عن جابر في حديثه الطويل في صفة حجة الوداع قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: "حديث : إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا" تفسير : الحديث فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وجب علينا السعي لقوله تعالى: فاتبعوه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عني مناسككم" تفسير : والأمر للوجوب ومن القياس أن السعي أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ويؤتى به في إحرام كامل فكان ركناً كطواف الزيارة واحتج أبو حنيفة ومن لا يرى وجوب السعي بقوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. وهذا لا يقال في الواجبات ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {ومن تطوع خيراً} فبين أنه تطوع وليس بواجب. وأجيب عن الأول بأن قوله تعالى: {فلا جناح عليه} ليس فيه إلاّ أنه لا إثم على فعله وهذا القدر مشترك بين الواجب، وغيره كما تقدم بيانه فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب. وعن الثاني وهو التمسك بقوله تعالى: {ومن تطوع خيراً} فضعيف لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور، أولاً بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئاً أخر يدل على ذلك قول الحسن: إن المراد من قوله: {ومن تطوع خيراً} جميع الطاعات في الدين يعني فعل فعلاً زائداً على ما افترض عليه من صلاة وصدقة وصيام وحج وعمرة، وطواف، وغير ذلك من أنواع الطاعات. وقال مجاهد: ومن تطوع خيراً بالطواف بهما وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضاً وقيل معناه ومن تطوع خيراً فزاد في الطواف بعد الواجب والقول الأول أولى للعموم {فإن الله شاكر} أي مجاز على الطاعة {عليم} أي بنيته وحقيقة الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام عليه والشكر هو تصور النعمة، وإظهارها والله تعالى لا يوصف بذلك لأنه لا يلحقه المنافع والمضار، فالشاكر في صفة الله تعالى مجاز فإذا وصف به أريد به أنه المجازي على الطاعة بالثواب، إلاّ أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مظاهرة في الإحسان إليهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...}. قال ابن عطية: الصفا والمروة جبلان بمكة. قال الجوهري: في الصحاح موضعان بمكة. والصفاء بالمدّ ضد (الكدرة) والتغيّر. ابن عطية: والصفا جمع صفاة. ابن عرفة: وجعله أبو حيان اسم جنس وهو الصواب. ابن عطية: وقيل إنه مفرد وجمعه صفى وأصفاء، وهي الصخرة العظيمة. قال الراجز: (كأن منبته من النفي مواقع الطير على الصفا) وقيل: من شرط الصفا البياض والصلابة وشرط الجوهري فيه الملوسة ولم يشترط الصلابة. ابن عطية: والمروة واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين ومنه قولهم (ذكيتها بمروْة). ابن عرفة: الصواب العكس لأن التذكية إنما تأتي بالصلب لا باللين. ابن عطية: ومنه قول (الأمين أخرجني) فإن قتلني بمروة قتلته بمروة. ابن عرفة: الأمين والمأمون ولدا هارون الرشيد وكان الأمين أراد أن (يغدر) أخاه المأمون فقال هذه المقالة. الجوهري: الصفا والمروة علمان للجبلين كالصمان والمقطم. الجوهري: الصّمان جبل قرب (الرملة) بالشام والمقطم جبل بمصر. أبو حيان: فالألف واللاّم فيهما زائدة كزيادتهما في الاسم العلم، وقيل للغلبة كالنجم والثريا. ابن عرفة: فرق بينهما بأنّ التي للغلبة يمتنع إسقاطها فلا تقول: صفا ومروة، وتريد هذين الموضعين والزائدة يصح إسقاطها. ابن عطية: والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة أي من أعلام (مناسكه) ومتعبداته، أي من معالمه ومواضع عبادته. ابن عرفة: أي عباداته الخاصة المؤقتة وإلا فكلّ مسجد من (مواضع) عباداته، فالمراد من معالمه التي وقّتها الشارع لهذه العبادة الخاصة. ابن عرفة: وعلى هذا لا يحتاج إلى ما قال أبو حيان إن الآية على حذف مضاف (لأن). المعنى: أن الصفا والمروة بعض (مواضع) عبادة الله إلاّ على تأويل، ذكره مختصرا. ابن الخطيب: المراد من عبادة الله فيحتاج أن يقال إن طواف الصفا والمروة. واحتج بعض الأصوليين بالآية مع حديث "حديث : إبدؤوا بما بدأ الله به"تفسير : . على أنّ الواو تفيد الترتيب. وقال الآخرون: لو كانت تفيد الترتيب لما سألوه وهم عرب فصحاء، والصواب أنّها لا تقتضيه ولا (تنافيه) لكن يحتج بها على ترجيح تقديم ما قدمه الشارع في لفظه. وقرىء "أَنْ لاَ يَطُوف بِهِمَا". أبو حيان: لا فرق بين ذكر "لا" وإسقاطها والمعنى واحد. ابن عرفة: بل مختلف كقولك: لاجناح عليك أن تصلي العصر عند الغروب ولا جناح عليك أن لا تصليها عند الغروب. ابن عطية: وليس المقصد إباحة الطواف للحاج وإنما المقصد زوال ما وقع فى نفوسهم من كراهة الطواف بهما. واختلف في أصل ذلك كيف كان؟ فروي أن الجن كانت تطوف بهما فى الجاهلية (فتحرج) المسلمون (من الطواف) بينهما لذلك. وروي عن عائشة: أن الأنصار كانوا يهلون لمناة التي بالمشلل (حذو) (قُدَيْد) ويعظمونها فكانوا (لا يطوفون) حذو أساف ولا نائلة إجلالا لتلك. فلما جاء الإسلام (تحرجوا) فنزلت الآية. ابن عرفة: هذا لا يناسب ولا يليق بالمؤمنين أن يفعلوه. ابن عطية: وعن الشعبي أنهم كانوا يطوفون بهما معتقدين ذلك (السعي) إجلالا لأساف ونائلة وهما صنمان فتحرج المسلمون من ذلك فنزلت الآية. ابن عرفة: هذا صواب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {من يطوع} بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي. الوقوف: {شعائر الله} ج للشرط مع فاء التعقيب {بهما} ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم {عليم}، {في الكتاب} لا لأن "أولئك" خبر "إن" {اللاعنون} لا للاستثناء {أتوب عليهم} ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال {الرحيم} ه {أجمعين} لا لأن "خالدين" حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن {والملائكة} وما بعده بالرفع {فيها} ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار {ينظرون} ه. التفسير: إن في تعليق الآية بما قبلها وجوهاً منها: أن السعي بين الصفا والمروة من شرائع إبراهيم عليه السلام كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة الذي فيه إحياء شرع إبراهيم. ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى. ومنها أن أقسام التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير إلى ذلك بقوله {أية : فاذكروني أذكركم واشكروا لي} تفسير : [البقرة: 152] وثانيها ما ركز في العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً وذلك قوله {أية : ولنبلونكم} تفسير : [البقرة: 155] الآية، وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبداً محضاً وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميماً للأحكام واستيفاءً لجميع الأقسام. والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين المعروفين بمكة - زادها الله شرفاً. والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل "ما تندى صفاته" والجمع صفا مقصور وأصفاء وصفي على "فعول" وإذا نعتوا الصخرة قالوا "صفاة صفواء" وإذا ذكروا قالوا "صفا صفوان" قال تعالى {أية : كمثل صفوان عليه تراب} تفسير : [البقرة: 264] وعن الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة. والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة. وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أوهما من متعبداته. وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك كما مر قوله {أية : وأرنا مناسكنا} تفسير : [البقرة: 138] وليس السعي عبادة تامة في نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضاً من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله {فمن حج البيت أو اعتمر} والحج لغة القصد. رجل محجوج أي مقصود وهو أيضاً كثرة الاختلاف والتردد، وحج فلان فلاناً إذا أطال الاختلاف إليه. ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة للنسك. والحاج يأتي البيت أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها. والاعتمار لغة الزيارة. فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ينصرف. والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف. والجناح الحرج والإثم من قولهم "جنح لكذا" أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل. أو لأن الناس يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله {لا جناح عليه} يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح. وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر. فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم مقامه لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا"تفسير : وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت لقوله تعالى {أية : فاسعوا إلى ذكر الله} تفسير : [الجمعة: 9] ولما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم سعى فيجب علينا اتباعه لقوله تعالى {واتبعوه} ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : خذوا عني مناسككم"تفسير : والأمر للوجوب. وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم. وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج دليل الإباحة لقوله بعد ذلك {ومن تطوع خيراً} أجاب الشافعي بما يروى أنه كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلةٍ وهما صنمان. كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك فرفع عنهم الجناح. فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه. فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا غلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت "لا جناح عليه أن يطوّف بهما" وأصل "يطوف" "يتطوف" فأدغم كمن قرأ "يطوع" بالتشديد وأصله "يتطوع" والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير إيجاب عليك. ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب. وعن الحسن: المراد منه جميع الطاعات. وهذا أولى لعموم اللفظ {فإن الله شاكر}، أي مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكراً تشبيهاً بجزاء النعمة، وفيه تلطف العباد مثل {أية : من ذا الذي يقرض الله} تفسير : [البقرة: 245] كأنه يقول: إني وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح عليّ أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل. {عليم} بالسرائر فيوفي كل ذي حق حقه. وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضاً يحتمل التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة {إن الذين يكتمون} كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين. وقيل: هم أهل الكتاب. وقيل: اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته صلى الله عليه وسلم ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله تعالى فيعم الحكم حسب عموم الوصف. ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان. وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم. عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله تعالى يقول {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات} فحملت الآية على العموم. وعن أبي هريرة قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة وتلا {إن الذين يكتمون} قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً. فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها. وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس. وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل. والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل. وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. ولقوله {من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور. وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى. وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟ وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم. ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} فحكم بوقوع البيان بخبرهم. واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب. وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام. والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس. وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن {أولئك} تبعيد لهم عن درجة الاعتبار {يلعنهم الله} يبعدهم عن كل خير {ويلعنهم} يدعو عليهم باللعن {اللاعنون} الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين. وقيل: يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم. واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير لأنه تعالى وصفهم بصفات العقلاء مثل {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} تفسير : [يوسف: 4] {أية : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} تفسير : [النمل: 18] {أية : وقالوا لجلودهم لم شهدتم} تفسير : [فصلت: 21] وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه. وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين {أية : كلما دخلت أمة لعنت أختها} تفسير : [الأعراف: 38] وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه. وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق. قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟ فيقول: لا أدري. فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت {إلا الذين} استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه. وقد مر أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً {وأصلحوا} ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم {وبينوا} ما كتموه أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ويقتدى بهم غيرهم من المفسدين {فأولئك أتوب عليهم} أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله {وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا} عام في كل من كان كذلك. وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين. ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره. والمراد بالناس اللاعنين من يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضاً فيعم المؤمن والكافر. وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا تأمل في حاله. وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافراً وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال. وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على الكفر لم يكن ملعوناً ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط {خالدين فيها} في اللعنة. وقيل: في النار. وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً لمكانها. والأول أولى لتقدم ذكره لفظاً، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ولأنها تصح في الحال والمآل جميعاً بخلاف النار فإنها في الاستقبال. فمن فسر "الذين كفروا" بالكاتمين وجوّز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث الطويل وقد سلف مثل ذلك {لا يخفف عنهم العذاب} بل يتشابه في الأوقات باقياً على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه {ولا هم ينظرون} إذا استنظروا من الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا الله تعالى من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله. التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى. ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله تعالى {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى} تفسير : [النجم: 39 - 40]. ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة. فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار. شعر : أهوى هواها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر تفسير : حسبي الله ونعم الوكيل.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالَىٰ: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ}: الصَّفَا: جمع صَفَاةٍ، وهي الصَّخْرة العَظيمة، والمَرْوَة واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارة الصِّغَار الَّتي فيها لِينٌ، و {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ } معناه: معالمه، ومواضع عبادته، وقال مجاهدٌ: ذلك راجعٌ إِلى القول، أي: مما أشعركم اللَّه بفضله: مأخوذٌ من شَعَرْتُ، إِذا تحسَّست. و {حَجَّ}: معناه: قصد، وتكرَّر، و {ٱعْتَمَرَ}: زار وتكرَّر مأخوذٌ من عَمَرْتُ الموضعَ، والجُنَاحُ: الإِثمُ، والمَيْلُ عن الحقِّ والطاعةِ، ومن اللفظةِ الجناح؛ لأنه في شِقٍّ؛ ومنه: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا }، تفسير : [الأنفال:61] و {يَطَّوَّفَ}: أصله يتطوَّف، فقوله: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ...} الآيةَ: خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما، وقوله: {فَلاَ جُنَاحَ } ليس المقصودُ منه إباحة الطوافِ لمن شاءه؛ لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيمُ، وإِنما المقصودُ رفْعُ ما وقع في نفوسِ قومٍ من العربِ من أنَّ الطوَافَ بينهما فيه حرجٌ، وإِعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غيرُ صوابٍ، وفي الصحيح عن عائشَةَ - رضي اللَّه عنها: «أنَّ ذَلِكَ فِي الأنْصارِ». ومذهبُ مالكٍ والشافعيِّ؛ أنَّ السعْيَ بينهما فرضٌ لا يجزىء تاركه، إِلاَّ العودة، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» والدليلُ علَىٰ ركنيَّته ما رُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ، فَٱسْعَوْا»تفسير : ، صحَّحه الدارقطنيُّ؛ ويعضِّده المعنى، فإنه شعار، أي: معلم لا يخلو عنه الحجُّ والعمرة، فكان ركناً كالطواف. انتهى. {وَمَن تَطَوَّعَ }: أي: زاد بِرًّا بعد الواجبِ في جميع الأعمال، وقال بعضهم: معناه: من تطوَّع بحجٍّ أو عمرةٍ بعد حجَّةِ الفريضةِ، ومعنى {شَاكِرٌ }، أي: يبذل الثوابَ والجزاءَ، {عَلِيمٌ }: بالنيات والأعمال لا يضيعُ معه لعاملٍ عَمَلٌ.
ابن عادل
تفسير : في تعلُّق هذه الآية بما قبلها وُجُوهٌ. أحدُهَا: أَنَّهُ سبحانَهُ وتعالَى بَيَّنّ أَنَّهُ إِنَّمَا حَوَّل القبْلةَ إلى الكعبة؛ ليتُمَّ إِنْعامَه علَى محمَّد [صلواتُ البَرِّ الرِّحيم وسلامُهُ علَيْه] وأمّتِهِ بإِحْيَاءِ شَرِيعَةِ إِبْرَاهيم - علَيه الصَّلاةُ والسلام - لقوله تعالى: {أية : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 150]، وكان السَّعْيُ بَيْن الصَّفَا والمَرْوَة مِنْ شَرِيعَة إِبْرَاهِيمَ [علَيْه الصَّلاةُ والسَّلاَمُ] فذكَرَ هذا الحُكْمَ عَقبَ تلْكَ الآيَةِ. وقِيلَ: إنَّه تبارك وتَعالَى [لَمَّا] أَمَرَ بالذِّكْر مُطْلَقاً في قَوْله تعالى: "فَاذكرُونِي" بيّن الأَحوالَ الَّتي يذكر فيها وإحداها الذِّكْر مُطْلقاً. والثَّانية: الذكْرُ في حَال النِّعْمَةِ، وهو المرادُ بقوله تعالى: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي}تفسير : [البقرة: 152]. الثالثةُ: الذّكْر في حَال الضَّرَّاءِ، فقال تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفِ وَٱلْجُوعِ}تفسير : [البقرة: 155] إلى قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 155] ثم بَيَّنَ في هذه الآيةِ المَوَاضِع الَّتِي يُذْكَرُ فيها، ومِنْ جُمْلَتِها عنْد الصَّفَا والمَرْوَةِ، وبَقِيَّة المشَاعِر. وثانيها: أَنَّهُ لمّا قال سبْحَانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ}[الآية] إلى قوله سبحانَهُ: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِين}، ثم قَالَ [عَزَّ وَجَلَّ]: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ}، وإنما جَعَلَهَا كذلك، لأنَّها مِن أثار "هَاجَرَ، وإسْمَاعِيل"، وما جَرَى [عليْهمَا] من البَلْوَى ويُستَدَلُّ بِذلك عَلَى أَنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى البَلْوَى، لا بُدَّ وأَنْ يَصِلَ إِلَى أَعْظَمِ الدَّرَجَاتِ. وثالثها: أنَّ [أقسام] التَّكْليفِ ثَلاثَةٌ: أحدها: ما يَحْكُمُ العاقلُ [بِحُسْنِهِ] في أَوْلِ الأَمْرِ، فَذَكَرَهُ أَوَّلاً، وهو قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}تفسير : [البقرة: 152]؛ فَإنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ المُنْعِمِ بالمَدْحِ، والشُّكْرِ، أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العَقْلِ. وثانيها: ما يَحْكُمُ العَقْلُ [بقُبْحِهِ] في أوَّل الأَمْر، إلاَّ أنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الشَّرْع به، وَبَيَّنَ الحِكْمَةَ فِيهِ، [وهي] الابْتِلاءُ، والامْتِحَانُ؛ عَلى ما قال تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [البقرة: 155]، فَحِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ المسلمُ حُسْنَهُ، وكَوْنَهُ حِكْمَةً وَصَوَاباً. [وثالثها]: ما لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى حُسْنِهِ، وَلاَ إلى [قُبْحِه]، بَل [يراها] كالعَبَثِ الخَالِي عن المنفَعَةِ والمَضَرَّةِ، وهُوَ مِثْلُ أَفْعالِ الحجِّ مِنَ السَّعِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فذكر الله تعالى هذا القِسْمَ عَقِيبَ القِسْمَين الأَوَّلَيْنِ؛ ليكونَ قد نَبَّهَ على جميع أقْسَامِ التكاليفِ. قوله [تعالى]: "إنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ": [الصَّفَا:] اسمُ "إنَّ"، و"مِنْ شَعَائِر الله" خَبَرُهَا. قال أبُوا البَقَاءِ - رحمه الله تعالى -: وفي الكَلاَم حَذْفُ مُضَافٍ، تقديره "طَوَافُ الصَّفَا، أَوْ سَعْيُ الصَّفَا". وألفُ "الصَّفَا" [مُنْقَلِبَةٌ] عن وَاوٍ؛ بِدَلِيل قَلْبِهَا في التثنية وَاواً؛ قالوا: صَفَوَانِ؛ والاشْتِقَاقُ يَدُلُّ عليه أيضاً؛ لأنَّهُ مِنَ الصَّفْو، وهو الخُلُوصُ، [والصَّفَا: الحَجَرُ الأمْلَسُ]. وقال القُرْطُبِي: "والصَّفَا مقصورٌ" جمع صَفَاة، وهي الحِجَارة المُلْسُ. وقيل: الصَّفَا اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ وجمعه "صُفِيٌّ" - بِضَمِّ الصاد - [وَأصْفَاء]؛ على [وزن] أَرْجَاء. قال [الرَّاجِزُ]: [الرجز] شعر : 850 - كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ تفسير : وقيل: مِنْ شُرُوط الصَّفَا: البَيَاضُ والصَّلاَبَةُ، واشتقاقُهُ مِنْ: "صَفَا يَصْفُو"، أيْ: [أُخْلِصَ مِن] التُّرابِ والطِّينِ، والصَّفَا: الحَجَرُ الأَمْلَسُ. وفي كتاب الخَلِيل: الصَّفَا: الحَجَرُ الضَّخْمُ الصُّلْبُ الأَمْلَسُ، وإذا [نَعتُوا] الصَّخْرةَ، قالوا: صَفَاةٌ صَفْوَاءُ، وإذَا ذَكَّرُوا، قالوا: "صَفاً صَفْوَان"، فجعلوا الصَّفَا [والصَّفَاة] كَأَنَّهما في معنى واحد. قال المُبَرِّدُ: "الصَّفَا": كُلُّ حَجَرٍ أَمْلَسَ لا يُخالِطُهُ غَيْرُهُ؛ مِنْ طِين أو تُرَابٍ، وَيَتَّصِلُ به، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ وَاحِدِهِ وَجَمْعِهِ تَاءُ التأنيث؛ نحْوُ: صَفاً كَثِيرٌ، وَصَفَاةٌ وَاحِدَةٌ، وقد يُجْمَعُ الصَّفَا على: فُعُولٍ، وأَفْعَال؛ قالوا: صُفِيٌّ، بِكَسْر الصاد، وضَمِّها؛ كعُِصِيٍّ، [وأصْفَاء]، والأصلُ صُفووٌ، وأضْفَاوٌ، وقُلِبَتِ الواوُ في "صُفُووٌ" يَاءَين، والواوُ في "أَصْفَاو" هَمْزةً؛ كـ"كِسَاء" وبابه]. والمَرْوَةُ: الحجارةُ الصِّغَارُ، فقيل: اللَّيِّنَة. وقال الخَلِيلُ: البيضُ الصُّلْبَة، الشَّدِيدَةُ [الصَّلاَبَة]. وقِيل: المُرْهَفةُ الأَطْرافِ. وقِيل: البيضُ. وَقِيلَ: السُّودُ. وهُمَا في الآية عَلَمَان لِجَبَلَينِ مَعْرُوفَيْنِ، والألِفُ واللاَّمُ فيهما لِلْغَلَبَةِ؛ كهما في البيت، والنَّجْم، وجَمْعُها مَرْوٌ؛ كقوله [في ذلك]: [الرمل] شعر : 851 - وَتَرَى المَرْوَ إذَا ما هَجَّرَتْ عَنْ يَدَيْهَا كَالْفَرَاشِ المُشْفَتِرْ تفسير : وقال بعضهم: جَمْعُه في القَليلِ: مَرَواتٌ، وفي الكثير: مرو. قال أبو ذُؤَيْب: [الكامل] شعر : 852 - حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوِادِثِ مَرْوَةٌ [بِصَفَا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ] تفسير : فصل في حد الصفا والمروة قال الأَزْرَقِيّ: [ذَرْعُ] ما بَيْن الصَّفا والمَرْوَة: [سَبْعمائة ذراع وسِتَّةٌ وَسِتُّون ذِرَاعاً] وَنِصْفُ ذِرَاعٍ. قال القُرْطُبِيُّ: وَذَكَرَ الصَّفَا؛ لأنَّ آدَمَ [المُصْطَفى - [صلواتُ الله، وسلامه عليه] - وَقَفَ عَلَيْهِ، فسُمِّيَ به؛ وَوَقَفَتْ حَوَّاءُ عَلَى المَرْوَةِ، فَسُمِّيَتْ بِاسم المَرْأةِ، فأنثت لذلك، والله أعلم]. قَالَ الشَّعْبِيُّ: كان عَلَى الصَّفَا صنمٌ يُدْعَى "إسَافاً"، وعلى المَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعَى نَائِلَةَ، فاطّرد ذلك في [التذكير والتأنيث]، وقُدّم المُذَكَّرُ، وما كان كَرَاهةُ مَنْ كَرِهَ الطَّوَافَ بينهما إلاَّ مِنْ أَجْلِ هذا، حتَّى رفع الله الحَرَجَ من ذلك، وزعَمَ أَهْلُ الكِتَابِ: أَنَّهما كانا آدميّين زنيا في الكَعْبَة، فمسَخَهُما اللَّهُ حَجَرَين، فوضَعَهُما على الصَّفَا، والمَرْوَة؛ ليُعتبر بهما؛ فلمَّا طالَت المُدَّةُ، عُبدا مِن دُون الله، والله - تعالى - أعلم. فصل في معنى "الشعائر" و"الشَّعَائِرُ": جَمْهُ شَعِيرَةٍ، وهي العلامة، فَكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَماً مِنْ أعلام طاعةِ الله، فهو من شَعَائِر الله تعالى. قال تبارك وتعالى: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الحج: 36]، أي: عَلامَةً [للقُرْبَة]، ومنه: إشعارُ السَّنَام [وَهُو أن تُعْلَمَ بالمُدْيَة] وَمِنْهُ: الشِّعارُ في الحَرْب، [وهي العلامةُ الَّتي يتبيَّن بها إحدى الفئَتَين من الأخْرَى] ومنه قولُهُمْ: شَعَرْتُ بِكَذَا، أي: عَلِمْتُ به، وقيل: الشَّعَائِرُ جمع [شَعِيرَةٍ]، والمرادُ بها في الآية الكريمة مَنَاسِكُ الحَجِّ، ونقل الجَوْهَرِيُّ أنَّ الشَّعَائِرَ هي العباداتُ، والمَشَاعِرَ أماكنُ العبَادَاتِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الشَّعَائِرِ وَالمَشَاعِرِ. وقال الهَرَوِيٌّ: الأجْوَدُ: لا فَرْقَ بينهما، والأَجْوَدُ شَعَائرُ بالهَمْز؛ لزيادة حَرْفِ المَدِّ، وهو عكسُ "مَعَايش" و "مصايب". فصل في الشعائر هل تحمل على العبادات أو على موضع العبادات الشَّعَائِرُ: إمَّا أنْ نَحْمِلَهَا على العبادات، أو النُّسُك، أو نَحْمِلَهَا على مَوْضِع العبادات والنُّسُكِ؟! [فإن قُلْنَا بالأَوَّلِ، حَصَلَ في الكَلاَم حَذْفٌ؛ لأنَّ نَفْسَ الجَبَلين لا يَصِحُّ وَصْفُهُمَا بأنَّهُمَا دِينٌ وَنُسُكٌ؛ فالمرادُ بِهِ أنَّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا أو السَّعْيَ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. وإنْ قُلنا بالثاني: اسْتَقَامَ ظَاهِرُ الكلام؛ لأنَّ هَذَين الجَبَلَيْنِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَا مَوْضِعَيْنِ لِلْعِبَادَةِ والنُّسُكِ]. وكيف كان؛ فالسَّعْيُ بينهما من شعائر الله، ومن أعلام دِينهِ، وقد شَرَعَهُ الله [تَعَالى] لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - [ولإبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام]، قبل ذلك، وهو من المَنَاسِكِ الَّتي عَلَّمها الله [تَعَالى] لإبْرَاهِيمَ - عليه الصلاة والسلام - إجابةً لِدَعْوَتِهِ في [قولِهِ تَعَالى]: {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}تفسير : [البقرة: 128]. وَاعْلَمْ أنَّ [السَّعْيَ ليْسَ] عبادَةً تامَّةً في نَفْسِهِ، بل إنما يَصِيرُ عبادة إذا صار بعضهاً من أبْعاضِ الحجِّ والعُمْرَةِ، فلهذا بَيَّنَ الله تبارك وتعالى المَوْضِعَ الَّذِي يَصِيرُ فيه السَّعْيُ عبادةً، فقال [سبحانه]: {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. والحكمةُ في شَرْعِ هذا السّعي: ما حُكِيَ أن هَاجَرَ حينَ ضاق بها الأَمْرُ في عَطَشها، وعطشِ ابْنها إسْمَاعيلَ، سَعَتْ في هذا المكانِ إلى أن صَعِدَتِ الجَبَلَ، ودَعَتْ، فأَنْبَعَ اللَّه لَهَا زَمْزَمَ، وأجاب دُعَاءَها، وجعل فِعْلَها طاعةً لجميع المكلَّفين إلى يَوْم القيَامَة. قوله [تعالَى]: "فَمنْ حَجَّ البَيْتَ". "مَنْ": شَرْطِيَّةٌ في محلِّ رفع بالابتداءِ و"حَجَّ": في مَوْضِع جزمٍ بالشرط و"البيت" نصبٌ على المفعول به، لا على الظَّرْف، والجوابُ قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ}. و"الحَجُّ": قال القَفَّال - رحمه الله - فِيه أَقْوَالٌ: أحدها: أنَّ الحَجَّ في اللغةِ كَثْرَةُ الاخْتِلافِ إلى الشَّيءِ والتردُّد إليه، فإنَّ الحاجَّ يأتيه أوّلاً؛ لِيَزُورَهُ، ثُمَّ يعودُ إلَيْه للطَّوَاف، ثم ينصرفُ إلى مِنَى، ثم يَعُودُ إليه؛ لطَوَافِ الزِّيارة، [ثم يَعُودُ لطَوافِ الصَّدر]. وثانيها: قال قُطْرُبٌ [الحَجُّ] الحَلْقُ، يقال: احْجُجْ شَجَّتَكَ، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشَّجَّة؛ ليدخل القدحُ في الشَّجَّة. وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 853 - وَأشْهَد مِنْ عوفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُعَصْفَرَا تفسير : "السِّبُّ": لفظٌ مشتَرَكٌ، قال أبُو عُبَيْدَةَ: السِّبُ، بالكَسْرِ: السِّبَابُ، وَسِبُّكَ أيضاً: الذي يُسَابُّكَ؛ قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 854 - لاَ تَسُبَّنَّني فَلَسْتَ بِسِبِّي [إنَّ سِبِّي] مِنَ الرِّجَالِ الكَرِيمُ تفسير : والسِّبُّ أيضاً: الخِمَارُ والعِمَامَةُ. قال المُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ: [الطويل] شعر : 855 -.................... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُعَصْفَرَا تفسير : والسِّبُّ أيضاً: الحَبْلُ في لغة هُذَيل؛ قال أبُو ذُؤَيْبٍ: [الطويل] شعر : 856 - تَدَلَّى عَلَيْهَا بَيْنَ سِبٍّ وَخَيْطَةٍ بِجَرْدَاءَ مِثْل الوكْفِ يَكْبُوا غُرابُهَا تفسير : والسُّبُوبُ: الحِبَالُ، والسِّبُّ: شُقّة كتان رقيقة والسُّبيبة مثله، والجَمْعُ: السُّبُوب والسَّبَائب، قاله الجَوْهَرِيُّ؛ فيكون المَعنَى: حَجَّ فلانٌ، أي: حَلَّقَ. قال القَفَّالُ - رحِمَهُ الله تعالى -: وهذا مُحْتَملٌ؛ كقوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}تفسير : [الفتح: 27]، أي: حُجَّاجاً وعُمَّاراً؛ فَعَبَّرَ عَنْ ذلك بالحَلْق، فلا يَبْعُدُ أن يكون الحَجُّ مُسَمَّى بهذا الاسمِ لمعنى الحَلْقِ. وثالثها: الحَجُّ: القَصْدُ. ورابعها: الحَجُّ في اللغة: القَصْدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 857 - يَحُجَّ مَأْمُومَةً في قَعْرِهَا لَجَفٌ ......................... تفسير : اللَّجَفُ: الخَسْفُ أسْفَلَ البئرِ، نقله القُرْطُبيُّ. يُقَالُ: رَجُلٌّ مَحْجُوجٌ، أي: مَقْصُودٌ، بمعنى: أنَّه يُخْتَلَفُ إِلَيْه مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. قال الراغبُ: [الرجز] شعر : 858 - لِرَاهِبٍ يَحُجُّ بَيْتَ المَقْدِسِ في مِنْقَلٍ وَبُرْجُدٍ وَبُرْنُسِ تفسير : وكذلك مَحَجَّةُ الطَّريقِ: وهي التي كَثُر فيها السَّيْرُ، وهذا شَبِيهٌ بالقَوْل الأوَّل. قال القَفَّالُ: "والأول أشْبَهُ بالصَّوَاب". والاعْتِمَارُ: الزِّيَارَةُ. وقِيلَ: مُطْلَقُ القَصْدِ، ثم صارا عَلَمَين بالغَلَبَةِ في المعاني؛ كالَبْيت [والنَّجْم] في الأعيان. وقال قُطْرُبٌ: العُمْرَةُ في لُغَةِ [عَبْد] القَيْسِ: المَسْجِدُ والبِيعَةَ والكَنِيسَةُ. قال القَفَّالُ: والأشْبَهُ بالعُمْرَةِ إذَا أُضِيفَتْ إلى البيت أن تَكُون بمعنى الزِّيَارةِ؛ لأنَّ المُعْتَمِرَ يَطُوف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم ينصرف كالزَّائر. قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} الظاهرُ: أنَّ "عَلَيْه" خَبَرُ "لاَ"، و "أن يَطَّوَّفَ": أَصْلُهُ ["في أنْ يَطَّوَّفَ"]، فحذف حَرْفَ الجَرِّ، فيَجيءُ في محلِّها القولان النصبُ، أو الجَرُّ، والوقْفُ في هذا الوجه على قوله "بهما"، وأجازوا بَعْدَ ذلك أوجُهاً ضَعِيفةً. منها: انْ يَكُونُ الكلامُ قَدْ تَمَّ عند قوله: "فَلاَ جُنَاحَ"؛ على أن يكون خبر "لا" محذوفاً، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ "فلا جناح في الحج"، ويُبْتَدأُ بقوله "عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوفَ" فيكون "عَلَيْهِ" خبراً مقدماً وأن يطوف في تأويل مصْدرٍ مَرْفُوعٍ بالابْتِدَاءِ؛ فإنَّ الطوافَ وَاجبٌ. قَالَ أبُو البَقَاءِ - رحمه الله -: والجيدُ أَنْ يَكُونَ "عَلَيْهِ" في هذا الوجه خَبَراً، و"أَنْ يَطَّوَّفَ" مُبْتَدَأ. وَمِنْهَا: "أَنْ يكُون "عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ" مِنْ بِابِ الإِغْرِاءِ؛ فيكونَ "أَنْ يَطَّوَّفَ" في محلِّ النصْب؛ كقولك: "عَلَيْكَ زَيْداً" أي: "الْزَمْهُ"، إلاَّ أنَّ إغرار الغَائِب ضَعِيفٌ، حكى سيبَوَيْهِ: "عَلَيْهِ رَجُلاً لَيْسَنِي" قال: وهو شاذٌّ. ومنها: أنَّ "أنْ يَطَّوَّفَ" في مَحَلِّ رفع خبراً ثانياً لـ"لا"، [والتقديرُ: فَلاَ جُنَاحَ عليه في الطَّوَاف بِهِمَا. ومنها: "أنْ يَطَّوَّفَ": في محلِّ نصبٍ على الحال من الهَاءِ في "عَلَيْهِ"، والعامل في الحالِ العَامِلُ في الخَبَرِ]. والتقديرُ: {فلا جُنَاحَ عَلَيْهِ في حالِ طَوَافِهِ بهما} وهذان القولان ساقِطان ذَكَرْتُهُما تنبيهاً على غلطهما. وقراءةُ الجمهور: "أنَّ يَطَّوَّفَ" بغير "لا" وقرأ أنس، وابن عباس - رضي الله عنهما - وابنُ سيرين، وشهر بن حوشب: "أنْ لاَ يَطَّوَّفَ"، قَالُوا: وكذلك في مُصْحَفَيْ أَبَيٍّ، وعبد الله، وفي هذه القراءة احتمالان: أحدهما: أنها زائدةٌ؛ كهي في قوله: {أية : أَلاَ تَسْجُدَ}تفسير : [الأعراف: 12]، وقوله [الرجز] شعر : 859 - وَمَا أُلُومُ البِيضَ أَلاَّ تَسْخَرَا لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا تفسير : وحينئذٍ يتَّحِدُ معنى القراءتَينِ. والثَّاني: أنَّها غيرُ زائدةٍ: بمعنى: أنَّ رفع الجُنَاح في فعل الشيء، هو رفعٌ في تركه؛ إذ هو تمييزٌ بَيْنَ الفعلِ والتَّرْك؛ نحو: "فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا" فتكون قراءة الجُمْهُور فيها رفعُ الجُنَاحِ في فِعْلِ الطَّوافِ نَصًّا، وفي هذِهِ رَفْعُ الجُنَاحِ في التَّرك نصًّا، والجُنَاحُ: أصْلُه من المَيْل؛ من قولهم: جَنَحَ إلى كذا، أي: مال إليه؛ قال سبحانه وتعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}تفسير : [الأنفال: 61] وجَنَحَتِ السَّفينةُ: إذَا لَزِمَت المَاءَ، فلم تَمْضِ. وقيل للأضْلاَعِ، "جَوَانِحُ"؛ لاعوجَاجِها، وجَنَاحُ الطَّائِر مِن هذا؛ لأنَّه يَمِيلُ في أَحَدِ شِقَّيْهِ، ولا يطيرُ على مستوى خلقته. قال بعضهم: وكذلك أيضاً عُرْفُ القرآنِ الكَرِيمِ، فمعناه: لا جُنَاحَ عليه: أي: لا مَيْلَ لأَحدٍ عليه بمطالبَةِ شَيءٍ من الأشياء. ومنهم من قال: بَلْ هو مختصٌّ بالمَيْل إلى البَاطِلِ، وإلى ما يؤْلَمُ به. و"أنْ يَطَّوَّفَ" أي: "يَتَطَوَّفَ"، فأُدْغِمَت التَّاءُ في الطاء؛ كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}تفسير : [المزمل: 1]، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}تفسير : [المدثر: 1] ويقال: طَافَ، وأَطَافَ: بمعنىً واحدٍ. وقرأ الجُمْهُور "يَطَّوَّفَ" بتشديد الطاء، والواو، والأصل "يَتَطَوَّفَ"، وماضيه كان أًصله "تَطَوَّفَ"، فلما أرد الإدْغام تخفيفاً، قُلِبَتِ التاء طاء، وأُدْغِمَتْ في الطاء، فاحتيجَ إلى هَمزةِ وصْلٍ؛ لِسُكُونِ أوَّله؛ لأجل الإدغام، فأتى بها فجاء مضارعُهُ عليه "يَطَّوَّفَ"، فانحذفت همزة الوصل؛ لتحصُّنِ الحرفِ المُدْغَم بحرف المضارعة ومصْدَره على "التَّطَوُّف"؛ رجوعاً إلى أصل "تَطَوَّفَ". وقرأ أبو السَّمَّال: "يَطُوفَ" مخفَّفاً من: طَافَ يَطُوفُ، وهي سهلة، وقرأ ابن عباس: "يَطَّافَ" بتشديد الطاء، [مع الألِفِ، وأصله "يَطتَوف" على وزن "يَفْتَعِل"، وماضيه على "اطْتَوَفَ" افْتَعَلَ، تحرَّكَتِ الواوُ، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، ووقعت تاء الافتعال بعد الطاء؛ فوجب قلبها طاء، وإدغام الطاء] فيها؛ كما قالوا: اطَّلَبَ يَطَّلِبُ، والأصل: "اطْتَلَبَ، يَطْتَلِبُ"، فصار "اطَّافَ"، وجاء مضارعُهُ عليه: "يَطَّافُ" هذا هو تصريفُ هذه اللفْظَة من كون تاء الافْتِعَالِ تُقَلَبُ طاءَ، وتُدْغَمُ فيها الطاءُ الأولى. وقال ابن عَطِيَّة: فجاء "يَطْتَافُ" أُدْغِمَتِ [التاءُ بعد الإسكان في الطاء على مَذْهَبِ مَنْ أجاز إدْغَام الثَّاني] في الأوَّل، كما جاء في "مُدَّكِرٍ" ومن لم يُجِزْ ذَلِكَ، قال: قُلِبَتِ التاءُ طاءً، ثم أدغمت الطاء في الظَّاء، وفي هذا نَظَرٌ، لأنَّ الأصْلِيَّ أُدْغِمَ في الزائدِ، وذلك ضعيفٌ. وقول ابنِ عَطيَّة فيه خطأٌ من وجهين: أحدهما: كونُهُ يَدَّعِي إدْغَامَ الثَّاني في الأوَّل، وذلك لا نَظِيرَ له، إنَّمَا يُدْغَمُ الأَوَّل في الثَّاني. والثاني: قوله: كَمَا جَاءَ في "مُدَّكر"؛ لأنَّه كان يَنْبَغِي على قوله: أن يُقَالَ: "مُذَّكر" بالذَّال المُعَجَمة، لا الدَّال المهملة [وهذه لغةَ رَدِيئةٌ، إنَّما اللُّغة الجيِّدة بالمهملة؛ لأنَّا قَلَبْنَا تَاءَ الافتعالِ بَعَدَ الذَّال المعجمةِ دَالاً مهملةً]، فاجتمع متقاربَان، فقلَبْنَا أوَّلَهُما لجنْسِ الثَّاني، وأدغَمْنَا، وسيأتي تحقيقُ ذلك. ومصدر "اطَّافَ" على "الأطِّيَافِ" بوزن "الافْتِعَالِ"، والأصلُ "اطِّوَافِ" فكسر ما قبل الواو، فقُلِبَتْ ياءً، وإنَّمَا عادَتِ الواوُ إلى أصْلها؛ لزوالِ مُوجِبِ قَلْبها ألفاً؛ ويوضِّح ذلك قولهم: اعْتَادَ اعْتِيَاداً والأصل: "اعْتِوَادٌ" ففُعِلَ به ما ذكرتُ [لك]: قوله تعالى: "وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً" قرأ حَمْزَةُ والكِسَائيُّ "يَطَّوَّعْ" هنا وفي الآية الَّتي بعدها بالياء وجزم العين فعلاً مضارعاً. قال ابن الخَطِيبِ - رحمه الله -: وهذا أحْسَنُ أيضاً؛ لأنَّ المعنى على الاسْتقْبَال والشرط، والجزاء، والأحْسَنُ فيهما الاستقبال، وإن كان يَجُوز أن يقال: "مَنْ أتَانِي أَكْرَمْتُهُ". وقرأها الباقُونَ بالتاء فعلاً ماضياً، فأما قراءة حَمْزَة، فتكون "مَنْ" شرطيَّةً، فتعمل الجَزْمَ، وافق يَعْقُوبُ في الأُوْلَى، وأصل "يَطَّوَّعُ" "يتَطَوَّعُ" فأدغمَ على ما تقدَّم في "تَطَوَّفَ"، و"مَنْ" في محل رفع بالابتداء، والخَبَر فعْلُ الشَّرْطِ؛ على ما هو الصحيح كما تقدَّم تحقيقُهُ. وقوله: "فإنَّ اللَّه" جملةٌ في محلِّ جَزْمٍ، لأنَّها جوابُ الشَّرط، ولا بُدَّ مِن عائِد مقدَّر، أي: فإنَّ الله شاكِرٌ له. فصل قال أبو البَقَاءِ: وإذا جُعِلَتْ "مَنْ" شَرْطاً، لم يَكُنْ في الكلام حَذْفُ ضمير؛ لأنَّ ضمير "مَنْ" في "تَطَوَّعَ" وهذا يخالفُ ما تقدَّم عن النُّحَاةِ؛ من أنَّه إذَا كَانَ أدَاةُ الشَّرطِ اسماً، لَزِمَ أن يكون في الجواب ضميرٌ يَعُودُ عليه، وتقدَّم تحقيقه. وأما قراءةُ الجُمْهُور، فتحملُ وجْهَيْن: أحدهما: أن تكون شرطيَّةً، والكلام فيها كما تَقَدَّمَ. والثاني: أن تكون موصولةً، و"تَطَوَّعَ" صلتها، فلا محَلَّ لها من الإعراب حينئذٍ، وتكون في مَحَلِّ رفْع بالابتداء أيضاً، و"فإِنَّ الله" خبَرُهُ، ودَخلَتِ الفاءُ؛ لما تضمَّن "مَنْ" مَعْنى الشَّرط، والعائدُ محذوفٌ كما تقدَّم، أي: شَاكِرٌ لَهُ. وانتصاب "خَيْراً" على أحَدِ أوْجُهٍ: أحدها: إمَّا على إسْقَاط حَرْفِ الجَرِّ، أي: تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ، فلمَّا حذف الحَرْف، انتصب؛ نَحْو قوله: [الوافر] شعر : 860 - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تعُوجُوا ........................ تفسير : وهو غير مقِيسٍ. والثاني: أن يكونهَ نعْتَ مصْدرٍ محذوفٍ، أي:"تَطَوُّعاً خَيْراً". والثالث: أن يكونَ حالاً مِنْ ذلك المَصْدرَ المقدَّر معرفةً. وهذا مذهَبُ سِيبَوَيْهِ، وقد تقدَّم [غَيْرَ مرَّة]، أو على تضمين "تَطَوَّعَ" فعلاً يتعدَّى، أي: من فَعَلَ خَيْراً مُتَطَوَّعاً به. وقد تَلَخَّصَ مما تقدَّم أنَّ في قولِهِ: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} وجْهَين: أحدهما: الجزمُ على القَوْل بكَوْن "مَنْ" شرطيَّةً. والثاني: الرَّفْعُ؛ عَلَى القَوْلِ بِكَوْنها موصولةً. فصل في ظاهر قوله: "لا جُنَاحَ عَلَيْهِ" ظاهرُ قَوْله - تبارك وتعالى -:"لاَ جَنَاحَ عَلَيْهِ": أنه لا إثْم عليهِ، [وأن الذي يَصْدُقُ عليه: أنَّه لا إثْمَ عليه] في فعله يَدْخُلُ تحته الواجبُ والمَنْدُوبُ، والمُبَاحُ، فلا يتميَّز أحدُهُما، إلاَّ بقِيْدٍ زائدٍ، فإذَنْ: ظاهرُ الآية لا يدلُّ على أنَّ السَّعْيَ بين الصَّفا والمَرْوة واجبٌ، أو مسنونٌ؛ لأنَّ اللَّفظ الدَّالَّ على القَدْرِ المُشْتَرَكِ بين الأقسام لا دلالة فيه ألبتة على خصوصيَّة كلِّ واحدٍ من تلك الأقسام، فإذَنْ، لا بُدَّ من دليلٍ خارجيٍّ، يدلُّ على وجوب السَّعْي، أو مسنونِيَّتِهِ، فذهب بعضهم إلى أنه ركْنٌ، ولاَ يقومُ الدَّمُ مَقَامه. وعند أبي حنيفَة - رضي الله عنه -: أنه ليس بركنٍ، ويُجْبَرُ بالدم، وعن ابن الزُّبَيْرِ، ومجاهدٍ، وعَطَاءٍ: أنَّ مَنْ تركه، فلا شيء عليه. احتجَّ الأَوَّلُون بقوله عليه [أفْضَلُ] الصَّلاة والسَّلام - "حديث : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ، فَاسْعَوا " تفسير : فإن قيل: هذا متروك الظَّاهر، لأنَّه يقتضي وجُوبَ السَّعْي، وهو العدوُ، وذلك غير واجبٍ. قلنا: لا نسلِّم أنَّ السَّعْيَ عبارةٌ عن العدو؛ [بدليل قوله تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 9] والعَدْوُ فيه غَيْرُ واجبٍ] وقال - تبارك وتعالى -: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39] وليس المراد منه العَدْوَ، بل الجِدَّ، والاجتهاد، سلَّمنا أنه العَدْوُ، ولكنَّ العدو مشتملٌ على صفة تُرك العملُ به في هذه الصِّفات، فيبقى أصل المشي واجباً: واحتجُّوا أيضاً: بأنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما دنا من الصَّفا، قال: "حديث : إنَّ الصَّفَا والمَروَةَ مِنْ شَعَائِر اللَّهِ، ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ به" فبدأ بالصَّفَا فرقي عليه، ثم سعى، وقال صلى الله عليه وسلم: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ}تفسير : [الأعراف: 158] وقال تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}تفسير : [الأحزاب: 21] وقالوا: إنه أشواطٌ شُرعت في بقعة من بِقَاعِ الحَرَمِ ويُؤْتَى به في إحرامٍ كاملٍ، فكان جِنْسُهَا رُكناً؛ كطَوَافِ الزِّيَارة، ولا يلْزَمُ طَوَافُ الصَّدرِ، لأنَّ الكلامَ للجنسِ؛ لوجوبه مرة. واحتجَّ أبو حنيفة - رضي الله عنه - بوجوهٍ: منها: قوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وهذا لا يقال في الواجبات، وأكَّد ذلك بقوله: "وَمَنْ تَطَوَّعَ" فبيَّن أنه تطوُّع ولَيْسَ بواجبٍ. ومنها: [قوله]: "حديث : الحَجُّ عَرَفَةُ فمن أدرك عرفة، فقد تمَّ حَجُّهُ"تفسير : ، وهذا يقتضي التمام من [جميع] الوجوه؛ ترك العمل به في بعض الأشياء؛ فيبقى معمولاً به في السَّعْي. والجوابُ عن الأوَّل من وجوه: الأوَّل: ما بيَّنَّا [أن قوله]: "لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ"[ليس فيه إلاَّ أنه لا إثم على فاعله] وهذا القدر مشتركٌ بين الواجب، وغيره؛ فلا يكون فيه دلالةٌ على نفي الوجوب، وتحقيق ذلك قوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ}تفسير : [النساء: 101] والقصر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - واجبٌ، مع أنَّه قال فيه: "فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ" كذا ههنا. الثاني: انه رفع الجُنَاحَ عن الطَّوَاف [بهما لا عن الطَّوَاف بينهما]. والأوَّل عندنا غير واجب، والثاني هو الواجب. الثالث: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كان على الصَّفا صنمٌ، [وعلى المَرْوَة صنمٌ، وكان الذي على الصَّفَا] اسمُهُ: "إسَافٌ"، والذي على المَرْوَة صنمٌ اسمه "نَائِلَة" وكان أهل الجاهليَّة يطوفون بهما، فلمَّا جاء الإسلام، كره المسلمون الطَّوَافِ بهما؛ لأجل الصنمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة. إذا عرفت هذا، فنقول: انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطَّواف، لا إلى نفس الطَّوَاف؛ كما لو كان في الثَّوب نجاسةٌ يسيرةٌ عندكم، أو دم البراغيث عندنا، فقيل: لا جُنَاحَ عليكم أن تصلوا فيه، فإنّ رفع الجُنَاحِ ينصرف إلى مكان النجاسة، لا إلى نفس الصلاة. الرابع: كما ان قوله: "لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ" لا يطلق على الواجب، فكذلك لا يطلق على المندوب؛ ولا شكَّ في أنَّ السَّعْيَ مندوبٌ، فقد صارت الآية متروكة الظاهر، والعمل بظاهرها، وأما التمسُّك بقوله: {أية : فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}تفسير : [البقرة: 184] فضعيفٌ، وإنه لا يمكن أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطَّوَافَ المذكور، بل يجوز أن يكون المراد منه شيئاً آخر؛ كقوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}تفسير : [البقرة: 184] ثم قال: "فَمَن تَطَوَّعَ خيراً" فأوجب عليه الطَّعام، ثم ندبهم إلى التَّطوُّع بالخيرِ، فكان المعنى: فمن تَطَوَّعَ؛ فزاد على طعام مسكينٍ، كان خيراً له، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوُّع مصروفاً إلى شيء آخر؛ وهو من وجهين. أحدهما: أنه يزيد في الطَّوَاف، فيطُوفُ أكْثَرَ من الطَّوَافِ الواجبِ، مثلُ أن يطُوفَ ثمانية أو أكثر. والثاني: أن يتطوَّع بعد فرض الحجِّ وعمرته بالحجِّ والعمرة مرةً أخرى؛ حتى طاف بالصَّفَا والمَرْوَة تطوُّعاً. وقال الحَسَنُ وغيره: أراد سائر الأعمال، يعني: فعل غير الفرض؛ من صلاةٍ، وزكاةٍ، وطواف، وغيرها من أنواع الطَّاعات. وأصل الطاعة الانقيادُ. وأما الحديث: فنقول فيه إنه عام، وحديثنا خاص، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. قال ابنُ الخَطِيبِ: اعلَمْ أنَّ الشاكِرَ في اللُّغة هو المظهر للإنعام عليه، وذلك في حقِّ الله محالٌ، فالشاكر في حقِّه - تبارك وتعالى - مجازٌ، ومعناه المجازيُّ على الطاعة، وإنما سمى المجازاة على الطَّاعة، شكراً؛ لوجوه: الأول: أن اللفظ خرج مخرج التلطُّف للعبادة، ومبالغة في الإحسان إليهم؛ كما قال تعالى {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة: 245] وهو سبحانه وتعالى لا يستقرض من عوض، ولكنه تلطف في الاستدعاء؛ كأنه قيل: من ذا الذي يعمل عمل المقرض؛ بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدّم. الثاني: أنَّ الشُّكر لما كان مُقابلاً [للإنعام أو الجزاء] عليه، سُمِّي كلُّ ما كان جزاء شكراً؛ على سبيل التشبيه. الثالث: أن الشكر اسم لما يجازى به، والله تعالى هو المجازي، فسمِّي شاكراً، لعلاقة المجازاة. [وقال غيره:] بل هو حقيقةٌ؛ لأنَّ الشكر في اللُّغة: هو الإظهار؛ لأنَّ هذه المادَّة، وهي الشين، والكاف، والراء تدلُّ على الظُّهور، ومنه: كَشَرَ البَعِيرُ عن نَابه، إذا أظهره؛ فإنَّ الله تعالى يظهر ما خَفِيَ من أعمال العبد من الطَّاعة، ويُجَازِي عليه. وقيل: الشُّكْرُ: الثناء، والله تعالى يُثْني على العبد، حين يفعل الطَّاعة. وقوله: "عَلِيمْ" بذات المعنى أنَّه يعلم قدر الجزاء، فلا يبخس المستحقَّ حقَّه، لأنَّه عالمٌ بقدره، ويحتمل أنه يريد أنَّه عليمٌ بما يأتي العَبْدُ، فيقوم بحقِّه من العبادة والإخلاص.
السيوطي
تفسير : أخرج مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف معاً وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن عائشة "أن عروة قال لها: أرأيت قول الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما} فما أرى على أحد جناحاً أن يطوّف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوّلتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله...} الآية. قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما". وأخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم وابن السكن والبيهقي عن أنس. أنه سئل عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله} . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله} . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله}. وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت الشياطين في الجاهلية تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، فكانت فيها آلهة لهم أصنام، فلما جاء الإِسلام قال المسلمون: يا رسول الله ألا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شيء كنا نصنعه في الجاهلية؟ فأنزل الله {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما} يقول: ليس عليه اثم ولكن له أجر. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله...} الآية. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبيش قال: سألت ابن عمر عن قوله {إن الصفا والمروة...} الآية. فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد. فأتيته فسألته فقال: إنه كان عندهما أصنام، فلما أسلموا امسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت {إن الصفا والمروة...} الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إن الصفا والمروة من شعائر الله...} الآية. وذلك أن ناساً تحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره الطواف بينهما أحب إليه، فمضت السنة بالطواف بينهما. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عامر الشعبي قال: "كان وثن بالصفا يدعى أساف ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ويمسحون الوثنين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين وليس الطواف بهما من الشعائر! فأنزل الله {إن الصفا والمروة...} الآية. فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأُنِّثَتْ المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثاً". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: قالت الأنصار إنما السعي بين هذين الحجرين من عمل أهل الجاهلية، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله} قال: من الخير الذي أخبرتكم عنه فلم يحرج من لم يطف بهما {ومن تطوّع خيراً فهو خير له} فتطوّع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن، فكان عطاء يقول: يبدل مكانه سبعين بالكعبة إن شاء. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال "كان ناس من أهل تهامة في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وكان من سنة إبراهيم وإسمعيل الطواف بينهما. وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية، ومناة صنم بين مكة والمدينة. قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله...} الآية. قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فقالت: يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول {إن الصفا والمروة من شعائر الله} قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فقال: هذا العلم. قال أبو بكر: ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وأن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟ فأنزل الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله...} الآية كلها. قال أبو بكر: فاسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، فيمن طاف وفيمن لمن يطف". وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته، ولأن الله قال {إن الصفا والمروة من شعائر الله} . وأخرج عبد بن حميد ومسلم عن أنس قال: كانت الأنصار يكرهون السعي بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فالطواف بينهما تطوّع. وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن الأنباري عن ابن عباس. أنه كان يقرأ {فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عطاء قال: في مصحف ابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن حماد قال: وجدت في مصحف أبي (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). وأخرج ابن أبي داود عن مجاهد. أنه كان يقرأ {فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما}. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس. أنه قرأ {فلا جناح عليه أن يطوّف} مثقلة، فمن ترك فلا بأس. وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن عباس. أنه أتاه رجل فقال: أبدأ بالصفا قبل المروة، وأصلي قبل أن أطوف، أو أطوف قبل. وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عباس: خذوا ذلك من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ، قال الله {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فالصفا قبل المروة، وقال {أية : ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} تفسير : [البقرة: 196] فالذبح قبل الحلق. وقال {أية : وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} تفسير : [الحج: 26] والطواف قبل الصلاة. وأخرج وكيع عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس لم بدىء بالصفا قبل المروة؟ قال: لأن الله قال: إن الصفا والمروة من شعائر الله. وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في سننه عن جابر قال "حديث : لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجته قال: إن الصفا والمروة من شعائر الله، ابدأوا بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه ". تفسير : وأخرج الشافعي وابن سعد وأحمد وابن المنذر وابن قانع والبيهقي عن حبيبة بنت أبي بحران قالت "حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: "حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا ". تفسير : وأخرج وكيع عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: سألت ابن عباس عن السعي بين الصفا والمروة قال: فعله إبراهيم عليه السلام. وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي الطفيل قال "قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وإن ذلك سنة، قال: صدقوا أن إبراهيم لما أمر بالمناسك اعترض عليه الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم". وأخرج الحاكم عن ابن عباس. أنه رآهم يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا مما أورثتكم أم إسمعيل. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن سعيد بن جبير قال: أقبل إبراهيم ومعه هاجر وإسمعيل عليهم السلام، فوضعهم عند البيت فقالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: فعطش الصبي فنظرت فإذا أقرب الجبال إليها الصفا، فسعت فرقت عليه، فنظرت فلم تر شيئاً، ثم نظرت فإذا أقرب الجبال إليها المروة، فنظرت فلم تر شيئاً، قال: فهي أول من سعى بين الصفا والمروة، ثم أقبلت فسمعت حفيفاً أمامها قال: قد أسمع فإن يكن عندك غياث فهلم، فإذا جبريل أمامها يركض زمزم بعقبه فنبع الماء، فجاءت بشيء لها تقري فيه الماء فقال لها: تخافين العطش؟ هذا بلد ضيفان الله لا تخافون العطش. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لاقامة ذكر الله لا لغيره ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال: السنة في الطواف بين الصفا والمروة أن ينزل من الصفا، ثم يمشي حتى يأتي بطن المسيل، فإذا جاءه سعى حتى يظهر منه، ثم يمشي حتى يأتي المروة. وأخرج الأزرقي من طريق مسروق عن ابن مسعود أنه خرج إلى الصفا فقام إلى صدع فيه فلبى فقلت له: إن ناساً ينهون عن الإِهلال ههنا قال: ولكني آمرك به هل تدري ما الإِهلال؟ إنما هي استجابة موسى لربه، فلما أتى الوادي رمل وقال: رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم. وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن مسعود. أنه قام على الصدع الذي في الصفا وقال: هذا، والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أما قوله تعالى: {ومن تطوّع خيراً} . أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله {ومن تطوع بخير} . وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر "أنه كان يدعو على الصفا والمروة يكبر ثلاثاً، سبع مرات يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وكان يدعو بدعاء كثير حتى يبطئنا وإنا لشباب، وكان من دعائه: اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ويحب رسلك ويحب عبادك الصالحين، اللهم حببني إليك، وإلى ملائكتك، وإلى رسلك، وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من الأئمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين. اللهم إنك قلت {ادعوني أستجب لكم}، وإنك لا تخلف الميعاد. اللهم إذ هديتني للإِسلام فلا تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى توفاني على الإِسلام وقد رضيت عني. اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: من قدم منكم حاجاً فليبدأ بالبيت فليطف به سبعاً، ثم ليصل ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم ليأت الصفا فليقم عليه مستقبل الكعبة، ثم ليكبر سبعاً بين كل تكبيرتين حمد الله وثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله لنفسه، وعلى المروة مثل ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن: إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي جمع، وعند الجمرات. وأخرج الشافعي في الأم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى عرفات وبجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميت ". تفسير : أما قوله تعالى {فإن الله شاكر عليم} . أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: لا شيء أشكر من الله، ولا أجزي بخير من الله عز وجل.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} علمانِ لجبلين بمكةَ المعظمةِ كالصَّمّان والمُقَطَّم {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} من أعلام مناسكِه جمعُ شعيرةٍ وهي العلامة {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ} الحجُّ في اللغة القصدُ والاعتمارُ الزيارة غلباً في الشريعة على قصدِ البـيت وزيارتِه على الوجهين المعروفين كالبـيت والنجم في الأعيان، وحيث أُظهر البـيتُ وجب تجريدُه عن التعلق به {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي في أن يطوفَ بهما أصلُه يتطوف، قلبت التاءُ طاءً فأدغمت الطاءُ في الطاء، وفي إيراد صيغةِ التفعُّل إيذانٌ بأن من حق الطائفِ أن يتكلف في الطواف ويبذُل فيه جُهدَه، وهذا الطواف واجبٌ عندنا، وعن الشافعي ومالك رحمهما الله أنه ركنٌ، وإيرادُه بعدم الجُناح المشعرِ بالتخيـير لما أنه كان في عهد الجاهلية على الصفا صنمٌ يقال له إساف، وعلى المروة آخرُ اسمُه نائلة وكانوا إذا سعَوْا بـينهما مسَحوا بهما، فلما جاء الإسلامُ وكسَّر الأصنامَ تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بـينهما لذلك، فنزلت. وقيل: هو تطوُّع، ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود فلا جُناحَ عليه أن لا يطوفَ بهما {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي فعلَ طاعةً فرضاً كان أو نفلاً أو زاد على ما فُرض عليه من حج أو عمرةٍ أو طوافٍ، وخيراً حينئذ نُصب على أنه صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي تطوعاً خيراً، أو على حذف الجار وإيصال الفعل إليه، أو على تضمين معنى فَعلَ، وقرىء يَطوَّع وأصلُه يتطوع مثل يطَّوّف وقرىء ومن يَتَطَوَّع بخيرٍ {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} أي مُجازٍ على الطاعة عُبّر عن ذلك بالشكر مبالغةً في الإحسان إلى العباد {عَلِيمٌ} مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقاديرَ أعمالِهم وكيفياتِها فلا يَنْقُصُ من أجورهم شيئاً، وهو علةٌ لجواب الشرطِ قائم مقامَه، كأنه قيل: ومن تطوعَ خيراً جازاه الله وأثابه فإن الله شاكرٌ عليم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} [الآية: 158]. قيل: إن من صعد الصفا ولم يصف سرُّه لله لم يبنِ عليه من شعائر الحج شىءٌ، ومن صعد المروة ولم تبين له حقائق المغيبات لم يظهر عليه من شعائر الحق شىء. وقيل الصفا موضع المصافاة مع الحق، فمن لم يتجرد لمصافاة الحق معه فليعلم بتضييع أيامه وسعيه فى حجه. سمعت منصورًا يقول بإسناده عن جعفر قال: الصفا: الروح لصفائها من درن المخالفات والمروة: النفس لاستعمالها المروءة فى القيام بخدمة سيدِها وقال: الصفا صفاء المعرفة والمروة مروءة العارف. وقال الصفا التصفية من كدورات الدنيا وهوى النفس، والسعى هو الهرب إلى الله، فإذا اجتمع سعيك بالهرب إلى الله فلا تبطله بالنظر إلى غيره. قوله عز وجل: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الآية: 62، 112، 262، 274، 277]. قال ابن عطاء: لا خوف عليهم عند الموت لما يلقون من البُشرى، ولا هم يحزنون على ما خلفوا من الأهل والأولاد؛ لعلمهم بأن الله تعالى خليفته عليهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}. تلك المشاهد والرسوم، وتلك الأطلال والرقوم، تُعَظَّم وتُزَار، وتُشدُّ إليها الرحال لأنها أطلال الأحباب، وهنالك تلوح الآثار: شعر : أهوى الديار لمن قد كان ساكنها وليس في الدارِ همٌّ ولا طَرَبُ تفسير : وإن لتُرابِ طريقهم بل لغبار آثارهم - عند حاجة الأحباب - أقداراً عظيمة، وكل غبرة تقع على (حافظات طريقهم) لأعزُّ من المِسْك الأذفر: شعر : وما ذاك إلا أن مشت عليه أميمةٌ في ترِبها وجرَّت به بُردا تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. حَظَى الصفا والمروة بجوار البيت فَشُرعَ السعي بينهما كما شرع للبيت الطواف، فكما أن الطواف ركن في النُّسك فالسعي أيضاً ركن، والجارُ يُكْرَمُ لأجل الجار.
البقلي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} الصفا المروة مخصوصات بانوار الجلى لقوله عليه السلام جاء الله من سينا واستعلن يساغير واشرق من جبال فاران وهما ملتبسان بصفاء اشراق شمس العزة ومن صعد اليهما فينبغى ان يرى فيهما ضياء لباس القدرة مستغرقا في نور المشاهدة وتقدس بنظره اليهما عن دورات البشرية ويظهر فيه الاخلاق المحمودة بنعت صفاء المعرفة وايضا ذكر الصفا والمروة اشرة الا سرادق الملكوت والجبتروت لان الصفا والمروة حجابات لمكة ومكة حجاب الحرم والحرم حجاب البيت هكذا سرادق الحضرة وايضا جبل الصفا مصعد العراقيين لاجل تصفية الاروح بنور المعرفة طلبا المشاهدة وجبل المروة مدرج الزاهدين لتزكية الاشباح مبدامع الندم سعيا في طلب معاملة الاخرة وطمعا للجزاء والمثوبة وايضا الصفا اشارة الى الزل والمروة اشارة الى الابد لانهما من شعائر الله تعالى وايضا الصفا هو الروح والمروة هى القلب وقيل ان من صعد الصفا ومل يصف سره لله لم يتبين عليه من شعائر الحج شئ ومن صعد المروة ولم يتراى له حقائق المغيبات لم يظهر له من شعائر الحق شئ وقيل ان الصفا موضع المضافاة مع الحق من لم يجرد لمضافات الحق معه فليعلم تضيع ايماه وسعيه في حجة وروى الشيخ ابو عبد الرحمن السلمى رحمه الله قال سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت ابا القاسم يقل سمعت ابا جعفر يقول عن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال الصفا الروح لصفائها عن درن المخالفات والمروة النفس لاستعمالها المروة في القيام بخدمة سيدها وقال الصفا صفا والمروة مروة العارف.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الصفا} علم لجبل بمكة وسمى الصفا لانه جلس عليه آدم صفى الله {والمروة} علم لجبل فى مكة ايضا وسمى المروة لانها جلست عليها امرأة آدم حواء عليهما السلام {من شعائر الله} جمع شعيرة بمعنى العلامة اى من اعلام طاعة الله فان كل واحد من المواقف والمساعى والمنحر جعله الله تعالى علامة لنا نعرف به العبادة المختصة ـ روى ـ انه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له اساف وصنم على المروة على صورة امرأة يقال لها نائلة يروى انهما كانا رجلا وامرأة زنيا فى الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان اهل الجاهلية اذا سعوا بين الصفا والمروة مسحوهما تعظيما لهما فلما جاء الاسلام وكسرت الاوثان كره المسلمون الطواف بينهما لانه فعل الجاهلية فاذن الله تعالى فى الطواف بينهما واخبر انهما من شعائر الله. والحكمة فى شرعية السعى بين الصفا والمروة ما حكى ان هاجر لما ضاق عليها الامر فى عطشها وعطش اسماعيل سعت فى هذا المكان الى ان صعدت الجبل ودعت فأنبع الله لها زمزم واجاب دعاءها فجلعها طاعة لجميع المكلفين الى يوم القيامة. وفى الخبر "حديث : الصفا والمروة بابان من الجنة وموضعان من مواضع الاجابة ما بينهما قبر سبعين الف نبى وسعيهما يعدل سبعين رقبةbr>". تفسير : {فمن حج البيت او اعتمر} الحج فى اللغة القصد والعمرة الزيارة وفى الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة {فلا جناح عليه} اى لا اثم عليه واصله من جنح اى مال عن القصد والخير الى الشر {ان يطوف بهما} اى فى ان يطوف بهما ويدور فأزال عنهم الجناح لانهم توهموا أن يكون فى ذلك جناح عليهم لاجل فعل الجاهلية وهو لا ينافى كون هذا الطواف واجبا كما عند الحنفية لان قولنا لا اثم فى فعل امر كذا يصح اطلاقه على الواجب واصل يطوف يتطوف وفى ايراد التفعل ايذان بان من حق الطائف ان يتكلف فى الطواف ويبذل فيه جهده {ومن تطوع خيرا} اصل التطوع الفعل طوعا لا كرها كانه قيل من فعل او اتى ما يتقرب به طائعا فنصب خيرا بتضمين تطوع فعلا يتعدى بنفسه او التطوع بمعنى التبرع من قولهم طاع يطوع اى تبرع فكأنه قيل من تبرع بما لم يفرض عليه من القربات مطلقا فانتصاب خيرا حينئذ على اسقاط حرف الجر اى من تطوع تطوعا بخير {فإن الله شاكر} له اى مجاز بعمله فان الشاكر فى وصف الله تعالى بمعنى المجازى على الطاعة بالاثابة عليها. قال ابن التمجيد فى حواشيه الشكر من الله بمعنى الرضى عن العبد والاثابة لازم الرضى والرضى ملزوم الشكر فالشكر مجاز فى معنى الرضى ثم التجوز منه الى معنى الاثابة مجاز فى المرتبة الثانية {عليم} بطاعة المتطوع ونيته فيها. وفى الآية حث على نوافل الطاعات كما على فرائضها فمن اتى بنافلة واحدة فان الله شاكر عليم فكيف باكثر منها فبالصوم تحصيل قهر النفس وبالزكاة تزكيها وبالصلاة المعراج الروحانى وبالحج الوصول. وعن سفيان الثورى قال حججت سنة ومن رأيى ان انصرف من عرفات ولا احج بعد هذا فنظرت فى القوم فاذا انا بشيخ متكىء على عصا وهو ينظر الى مليا فقلت السلام عليك يا شيخ قال وعليك يا سفيان ارجع عما نويت فقلت سبحان الله من اين تعلم نيتى قال ألهمنى ربى فوالله لقد حججت خمسا وثلاثين حجة وكنت واقفا بعرفات ههنا فى الحجة الخامسة والثلاثين انظر الى هذه الرحمة وأتفكر فى امرى وامرهم ان الله هل يقبل حجهم وحجى فبقيت متفكرا حتى غربت الشمس وأفاض الناس من عرفات الى مزدلفة ولم يبق معى احد وجن الليل ونمت تلك الليلة فرأيت فى النوم كأن القيامة قد قامت وحشر الناس وتطايرت الكتب ونصبت الموازين والصراط وفتحت ابواب الجنان والنيران فسمعت النار تنادى وتقول اللهم وق الحجاج حرى وبردى فنوديت يا نار سلى غيرهم فانهم ذاقوا عطش البادية وحر عرفات ووقوا عطش القيامة ورزقوا الشفاعة فانهم طلبوا رضاى بانفسهم واموالهم قال الشيخ فانتبهت وصليت ركعتين ثم نمت ورأيت كذلك فقلت فى نومى هذا من الرحمن او من الشيطان فقيل لى بل من الله مد يمينك فمددت فاذا على كفى مكتوب من وقف بعرفة وزار البيت شفعته فى سبعين من اهل بيته قال سفيان وارانى المكتوب حتى قرأته ثم قال الشيخ فلم تمر على منذ حينئذ سنة الا وانا حججت حتى تم لى ثلاث وسبعون حجة كذا فى زهرة الرياض. قال فى الاشباه والنظائر بناء الرباط بحيث ينتفع به المسلمون افضل من الحجة الثانية والحج تطوعا افضل من الصدقة النافلة وحج الفرض اولى من طاعة الوالدين بخلاف النفل وحج الغنى افضل من حج الفقير لان الفقير يؤدى الفرض من مكة وهو متطوع فى ذهابه وفضيلة الفرض افضل من فضيلة التطوع. فعلى العاقل ان يقصد بيت الله ويزوره فان لم يساعده المال فلتساعده الهمة والحال فان المعتبر هو توجه القلب الى جانب الغيب لا مجرد توجه القالب: قال فى المثنوى شعر : ميل تو سوى مغيلا نست و ريك تا جه كل جينى زخار مرده ريك تفسير : وفى التأويلات القاشانية {إن الصفا} وجود القلب {والمروة} وجود النفس {من شعائر الله} من اعلام دين الله ومناسكه القلبية كاليقين والتوكل والرضى والاخلاص والنفسية كالصبر والشكر والذكر والفكر {فمن حج البيت} اى بلغ مقام الوحدة الذاتية ودخل الحضرة الآلهية بالفناء الكلى الذاتى {واعتمر} زار الحضرة بالبلوغ الى مقام المشاهدة بتوحيد الصفات والفناء فى انوار تجليات الجمال والجلال {فلا جناح} فلا حرج {عليه} حينئذ فى {أن يطوف بهما} اى يرجع الى مقامهما ويتردد بينهما لا بوجودهما التلوينى فانه جناح وذنب بل بالوجود الموهوب الحقانى بعد الفناء عند التمكين ولهذا نفى الجناح فان فى هذا الوجود سعة بخلاف الاول {ومن تطوع خيرا} اى ومن تبرع خيرا من باب التكميل والتعليم والارشاد وشفقة الخلق فى مقام القلب ومن باب الاخلاق وطرف البر والتقوى ومعاونة الضعفاء والمساكين وتحصيل الهمم فى مقام النفس بعد كمال السلوك حال البقاء بعد الفناء {فان الله شاكر} شكر عمله بثواب المزيد {عليم} بانه من باب التصرف فى الاشياء بالله لا من باب التلوين والابتلاء والفترة انتهى كلام القاشانى شعر : يا خفى الذات محسوس العطاء انت كالماء ونحن كالرحاء انت كالريح ونحن كالغبار يختفى لاريح وغبراه جهار
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الصفا} في أصل الوضع: جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، كحصاة وحصى، وقطاع وقطا، ونواة ونوى. وقيل: مفرد، وتثنيته: صفوان، وجمعه: أصفاء، و {المروة} مَا لاَنَ من الحجارة وجمعه مرو ومروات، كتمرة وتمر وتمرات. والمراد هنا جَبَلانِ بمكة، و {شعائر الله}: أعلام دينه، جمع شعيرة أو شعارة، والشعيرة: كل ما كان معلماً لقربان يتقرب به إلى الله تعالى، من دعاء أو صلاة أو أداء فرض أو ذبيحة. والحج في اللغة: القصد، والعمرة: الزيارة، ثم غلباً شرعاً في العبادتين والمخصوصتين. وقرأ الأخَوَان وخلف: {يَطّوعْ} بلفظ المضارع، مجزوم اللفظ، وهو مناسب لقوله {أن يطوف}، أصله: يتطوع، أُدغمت التاء في الطاء لقرب المخرج، والباقون بلفظ الماضي، مجزوم المحل، وهو مناسب لقوله: {فمن حج البيت}. و {الجُناح}: الإثم، من جَنَحَ إذا مال، كأن صاحب الإثم مال عن الحق إلى الباطل، و {خيراً}: صفة لمصدر محذوف، أو على إسقاط الخافض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن} الطواف بين {الصفا والمروة} من معالم دينه ومناسك حجه، {فمن} قصد {البيت} للحج أو العمرة {فلا جناح عليه أن يطوف} بينهما، ولا يضره الصنمان اللذان كانا عليهما في الجاهلية؛ فإن الله محا ذلك بالإسلام، {ومن تطوع} لله بخير من حج أو عمرة أو صلاة أو غير ذلك، {فإن الله} يشكر فعله ويجزل ثوابه. واختلف في حكمه، فقال مالك والشافعي: ركن لا يجبر بالدم، وقال أبو حنيفة: فرض يجبر بالدم، وقال أحمد: سنة، والله تعالى أعلم. الإشارة: الصفا والمروة إشارة إلى الروح الصافية والنفس اللينة الطيبة، فالاعتناء بتطهيرهما وتصفيتهما من معالم الطريق، وبهما يسلك إلى عين التحقيق، فمن قصد بيت الحضرة لحج الروج بالفناء في الذات، أو عمرة النفس بالفناء في الصفات، فلا جناح عليه أن يطوف بهما؛ ويشرب من كأسهما، حتى يغيب عن حسّهما، ومن تطوّع خيراً ببذل روحه لله، والغيبة عنها في شهود مولاه، فإن الله يشكر فعله، وينشر فضله ويظهر خيره، ويتولى أمره، والله ذو الفضل العظيم.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة والكسائي {ومن يطوع} بالياء، وتشديد الطاء، والواو، وسكون العين. الباقون بالتاء على فعل ماض. اللغة: الصفا - في الاصل - الحجر الاملس مأخوذ من الصفوّ. قال المبرد: الصفا: كل حجر لا يخلط غيره، من طين أو تراب يتصل به حتى يصير منه، وانما اشتقاقه من صفا يصفو - إذا خلص - وهو الصافي الذي لا يكدّره شيء يشوبه. وقيل واحد الصفا: صفاء، وقيل بل هو واحد يجمع اصفاء أو صفى - وأصله من الواو -، ولانك تقول - في تثنيته: صفوان، ولانه لا يجوز فيه الامالة. والمروة في الاصل: هي الحجارة الصلبة اللينة. وقيل: الصفا: الصغير، والمروة: لغة في المرو. وقيل انه جمع مثل تمرة وتمر، قال ابو ذؤيب: شعر : حتى كأني للحوادث مروة تفسير : والمرو: نبت. والاصل الصلابة. والنبت سمي بذلك لصلابة بزره. والصفا والمروة: هما الجبلان المعروفان بالحرم، وهما من الشعائر، كما قال الله تعالى. والشعائر: المعالم للاعمال، فشعائر الله: معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة، وهي أعلام متعبداته من موقف، أو مسعى، أو منحر، وهو مأخوذ من شعرت به: أي علمت، وكل معلم لعبادة من دعاء، أو صلاة، أو اداء فريضة، فهو مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر شعيرة، فشعائر الله أعلام متعبداته قال الكميت بن زيد: شعر : نقتلهم جيلا فجيلا نراهم شعائر قربان بهم نتقرب تفسير : والحج: قصد البيت بالعمل المشروع من الاحرام، والطواف، والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة. واشتقاقه من الحج الذي هو القصد - على وجه التكرار والتردد قال الشاعر: شعر : وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا تفسير : يعني يكثرون التردد اليه بسؤدد. وقال آخر: شعر : يحجّ مأمومة في قعرها لجف تفسير : وأما العمرة في الأصل فهي الزيارة وهي ها هنا زيارة البيت بالعمل المشروع: من طواف الزيارة والأحرام. وأخذت العمرة من العمارة لان الزائر للمكان يعمره بزيارته له، وقوله: {فلا جناح عليه}. فالجناح هو الميل عن الحق، وأصله من جنح إليه جنوحاً إذا مال اليه. قال صاحب العين: الاجناح: الميل. اجنحت هذا فأجتنح أي املته فمال. وقوله: {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : أي مالوا إليك لصلح فمل إليهم. وجناحا الطائر: يداه، ويدا الانسان: جناحاه. وجناحا العسكر جانباه، وجناحا الوادي: مجريان عن يمينه وشماله. وجنحت الأبل في السير إذا أسرعت. وإنما قيل للاضلاع جوانح، لاعوجاجها. وجنحت السفينة إذا مالت في أحد شقيها. وكل مائل إلى شيء فقد جنح إليه {ولا جناح عليكم} أي ميل إلى مأثم. وكل ناحية: جناح، ومرّ جنح من الليل أي قطعة نحو نصفه. وأصل الباب الميل. والطواف: الدور حول البيت. ومنه الطائف: الدائر بالليل. والطائفة الجماعة كالحلقة الدائرة. ويطّوف أصله يتطوف، فادغمت التاء في الطاء، لانها من مخرجها، والطاء أقوى بالجهر منها. والفرق بين الطاعة والتطوع: ان الطاعة موافقة الارادة في الفريضة والنافلة. والتطوع التبرز بالنافلة خاصة. واصلها الطوع الذي هو الانقياد. المعنى: وإنما قال {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وهو طاعة، من حيث أنه جواب لمن توهم أن فيه جناحاً، لصنمين كانا عليه: احدهما إساف، والآخر نائلة، في قول الشعبي، وكثير من أهل العلم. وروى ذلك عن ابي جعفر وابي عبدالله (ع) وكان ذلك في عمرة القضاء ولم يكن فتح مكة بعد، وكانت الاصنام على حالها حول الكعبة وقال قوم: سبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما، فكره المسلمون ذلك خوفاً أن يكون من أفعال الجاهلية، فانزل الله تعالى الآية. وقال قوم عكس ذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون السعي بينهما، فظن قوم أن في الاسلام مثل ذلك، فأنزل الله تعالى الآية. وجملته أن في الآية رّداً على جميع من كرهه، لاختلاف أسبابه. والطواف بينهما فرض عندنا في الحج والعمرة، وبه قال الحسن وعائشة وغيرهما، وهو مذهب الشافعي، وأصحابه. وقال أنس بن مالك، وروى عن ابن عباس: أنه تطوع وبه قال ابو حنيفة، وأصحابه، واختاره الجبائي. وعندنا ان من ترك الطواف بينهما متعمداً، فلا حج له حتى يعود فيسعى، وبه قالت عائشة، والشافعي. وقال ابو حنيفة، وأصحابه، والنوري: إن عاد، فحسن، وإلا جبره بدم، وقال عطاء ومجاهد يجزيه ولا شيء عليه. وقوله تعالى: {ومن تطوع خيراً} قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها {من تطوع خيراً} اي بالحج أو العمرة بعد الفريضة. الثاني - {ومن تطوع خيراً} أي بالطواف بهما عند من قال إنه نفل. الثالث - {من تطوع خيراً} بعد الفرائض، وهذا هو الأولى، لانه أعم. وفي الناس من قال: وهو الجبائي، وغيره: إن التقدير فلا جناح عليه ألا يطوف بهما كما قال: {يبين الله لكم أن تضلوا} ومعناه ألاّ تضلوا وكما قال: {أية : أن تقولوا يوم القيامة}.تفسير : ومعناه الا تقولوا. وقال آخرون: إن ذلك لا يجوز وهو اختيار الرماني. وهو الصحيح، لأن الحذف يحتاج الى دليل. ومعنى القرائتين واحد لا يختلف. ووصف الله تعالى بأنه شاكر مجاز، لأن الشاكر في الاصل هو المظهر للانعام، والله لا يلحقه المنافع، والمضار - تعالى عن ذلك - ومعناه ها هنا المجازي على الطاعة بالثواب، وخروج اللفظ مخرج التلفظ حثّاً على الاحسان اليهم، كما قال {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً}تفسير : والله لا يستقرض من عوز، لكن تلطف في الاستدعاء كأنه قال: من ذا الذي يعمل عمل المقرض، بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته الى ذلك فكذلك، كأنه قال: {من تطوع خيراً فإن الله} يعامله معاملة الشاكر، يحسن المجازاة، وايجاب المكافاة. والفرق بين التطوع والفرض أن الفرض يستحق بتركه الذّم والعقاب، والتطوع لا يستحق بتركه الذم، ولا العقاب. وروي عن جعفر بن محمد: أن آدم نزل على الصفا، وحواء على المروة، فسمى المرو باسم المرأة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} ابتداء كلامٍ منقطعٍ بظاهره عن سابقه لبيان حكمٍ من الأحكام التّكليفيّة ولذا قطعه من سابقه، والصّفا والمروة جبلان بمكّة يسعى بينهما نحو الهرولة وهو من مناسك الحجّ، والصّفا الحجر الاملس يذكّر ويؤنّث ويستعمل فى المفرد وفى الجمع، والمرو الحجارة البيض البرّاقة او أصلب الحجارة، وفى الخبر انّما سمّى الصفا صفاً لأنّ آدم المصطفى هبط عليه فقطع للجبل اسم من اسم آدم (ع) وهبطت حوّاء على المروة فسمّيت مروة لانّ المرأة هبطت عليها فقطع للجبل اسم من اسم المرأة؛ وهذا يناسب التّأويل فانّ الصفا كما سيجيء فى تفسير: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 96] ؛ فى سورة آل عمران الجهة العليا من النّفس، والمروة الجهة السّفلى منها الّتى تلى الحيوانيّة والطّبع وهما باعتبارٍ مهبط لآدم (ع) وحوّاء وباعتبارٍ متّحدتان معهما ولهذا الاتّحاد اخذ اسم لهما من اسمهما، وباعتبار هذا التّأويل يرتبط الآية بسابقها، والسّعى فى المسعى كناية عن لزوم تردّد الانسان مضطرباً بين صفا النّفس الانسانيّة ومروة النّفس الحيوانيّة فانّه بالتردّد بينهما وقضاء وطر قواهما يبقى الانسان فى هذا البنيان وبذلك البقاء يستكمل فى ذاته وصفاته واتباعه، وبهذا الاستكمال يستحقّ الحضور عند الرّحمن والخلّة والامامة فكما انّ الصّفا والمروة والسّعى بينهما من مناسك حجّ البيت المبنىّ من الاحجار كذلك الصّفا والمروة النّفسانيّتان والتّردّد بنحو الاضطراب بينهما لاصلاح حال أهلهما وقضاء وطرهم {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} الشّعائر جمع الشّعار بكسر الشين بمعنى العلامة، او جمع الشّعار بالكسر والفتح بمعنى الثّوب الملاصق بالبدن؛ او جمع شعار الحجّ بالكسر بمعنى مناسكه، او جمع الشّعيرة بمعنى معظم المناسك الّتى ندب الله اليها {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ} الحجّ القصد والكفّ والقدوم والتردّد وقصد مكّة للنسك، وفى الشّرع اسم للنّسك المخصوصة المقرّرة الّتى هى فى مقابل العمرة ويناسبه كلّ من معانيه اللّغويّة، والعمرة الزّيارة وفى الشّرع اسم للمناسك المخصوصة الّتى هى فى مقابل الحجّ {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قيل كان على الصّفا والمروة صنمان لقريشٍ كانوا فى الجاهليّة اذا سعوا بينهما مسحوا الصّنمين فلمّا جاء المسلمون وكسر الاصنام تحرّج المسلمون ان يطّوّفوا بهما لذلك فنزلت الآية ولا دلالة للآية على نفى الوجوب فانّها تفيد الجواز والجواز أعمّ من الوجوب ويستفاد الوجوب من الاخبار فالتّمسّك بالآية على نفى الوجوب كما تمسّك بها بعض العامّة ليس فى محلّه، ونسب الى الصّادق (ع) انّه سئل عن السّعى بين الصّفا والمروة فريضة ام سنّة؟ - فقال (ع): فريضة، قيل: اوليس قال الله عزّ وجلّ: فلا جناح عليه ان يطّوّف بهما؟ - قال كان ذلك فى عمرة القضاء انّ رسول الله (ص) شرط عليهم ان يرفعوا الاصنام من الصّفا والمروة فتشاغل رجل عن السّعى حتّى انقضت الايّام وأعيدت الاصنام فجاؤا اليه فقالوا: يا رسول الله (ص) انّ فلاناً لم يسع بين الصّفا والمروة وقد أعيدت الاصنام فأنزل الله عزّ وجلّ {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} الى قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} اى وعليهما الاصنام ونسب اليه (ع) أيضاً انّ المسلمين كانوا يظنّون انّ السّعى بين الصّفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله هذه الآية ولا يبعد ان يقال: انّ السّعى بينهما بطريق الهرولة شيءٌ يستقبحه العقول الجزئيّة ويستنكف منه النّفوس الأبيّة فكان مظنّة للتّحرّج لمن لا يدرك من الاشياء الاّ ظواهرها فرفع ذلك التّحرّج {وَمَن تَطَوَّعَ} تنفّل {خَيْراً} صفة مفعول مطلق محذوف، او المعنى تطوّع بخيرٍ، او هو مبنىّ على التّجريد اى من عملٍ خير، او المراد بالخير الطّواف والسّعى، او مطلق مناسك الحجّ والعمرة، او مطلق الاعمال الحسنة فرضاً كان ام ندباً {فَإِنَّ ٱللَّهَ} يجزيه بالخير لأنّه {شَاكِرٌ} لا يدع العمل الخير من العباد بلا جزاءٍ {عَلِيمٌ} لا يعزب عنه عمل عاملٍ.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} أي: من حرمات الله. {فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. ذكر عاصم الأحول أنه قال: قرأت هذه الآية على أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلت له: أكنتم تكرهون الطواف بينهما؟ قال: نعم؛ إنهما كانتا من شعائر الجاهلية؛ فلما أسلمنا قالوا: يا رسول الله، هل علينا من حرج إن طفنا بينهما؟ فأنزل الله هذه الآية. قال أنس: والطواف بينهما تطوّع. وقال بعضهم: كان حي لا يطوفون بينهما، فأمر الله بالطواف بينهما؛ وكانت ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل. ذكر عن جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب النبي عليه السلام أنه قال: لا حج لقريب ولا لبعيد إلا بطواف بين الصفا والمروة. وسئل جابر بن عبد الله: هل تحل النساء للرجال قبل الطواف بين الصفا والمروة؟ فقال: لا. وقال جابر: أما من كان من أهل الآفاق فإنه لا يطوف بينهما قبل أن يأتي منى، وأما من كان من أهل مكة فبعد ما يرجع من منى. ذكروا عن عطاء قال: أهل مكة يبدأون بمنى، وأهل الآفاق يبدأون بالطواف.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الصَّفا}: جبل بمكة، وأصله جمع صفاة وهى الصخرة الملساء، وقيل الحجر الصافى. {والمرْوةَ}: جبل بمكة وأصله الرخو، والثلاثة فصاعداً مرو ومروات وأل فيهما اللمح الأصل، فهما علمان على الجبلين الصغيرين الواقعين فى طرفى المسعى. {مِنْ شَعَائرِ الله}: أى من الأشياء التى هى علامات دين الله عز وجل فإن الشعائر جمع شعيرة وهى العلامة، من قولك: شعرت بالشئ، أى علمت به، وشعر الشئ فهو شعيرة، أى علامة، وكل ما كان معلما يتقرب به إلى الله من صلاة ودعاء وذبيحة وغير ذلك فهو شعيرة، وشهر استعمالها فى مواضع أداء الحج، كالصفا والمروة وما بينهما، وعرفات ومنى والمزدلفة، وتفسير الشعائر بالحرمات تفسير بما فى نفس الأمر لا تفسير بمعناه اللغوى، وقال مجاهد: معنى قوله: {من شعائر الله}، مما أشعركم الله بفضله، فهو من الإشعار بالكلام، ومن كلمك بشئ فقد أشعرك به، وشعرت به أحسست به من سمعى، وشعرت أحسست بإحدى المحسات. {فمن حج البيت}: أى من قصد الكعبة بإحرام، والذهاب لمنى والوقوف بعرفات، والمبيت بالمزدلفة، والرمى والسعى والطواف والذكر فى ذلك كله، وظهر لك بهذا أن الحج فى الآية لغوى صادق على الشرعى، بدليل تعديته إلى البيت بنفسه، ووجه ذلك أن اللغوى أعم، والشرعى أخص، والعام يصدق بالخاص، فلو قلت: الإنسان حيوان لصدقت، بمعنى أن فيه حياة، وكان إخباراً لا تعريفاً تاماً، بل كل جزء من الحج الشرعى وهو الإتيان بما ذكرت من الإحرام وما بعده حج لغوى، لأنه مقصود، واللغوى قصد، وإنما ذكر البيت وحده مع أن تلك المواضع المذكورة والمشار إليها كلها تقصد، لأنها تقصد مرتبة على شأن البيت وتعظيمه {أو اعْتَمر}: أى اعتمره إذا زاره، أعنى البيت بمعنى أنه زار الكعبة بإحرام وسعى وطواف وذِكر، فالاعتمار لغوى أيضاً صادق بالشرع صدق العام بالخاص، مستعملا فى الخاص على حد ما مر فى الحج. {فلا جُناحَ عَليْه}: لا إثم عليه، وأصله من جنح إذا مال عن حق أو باطل، أطلق على الإثم، لأن فيه ميلا عن الحق، وهو (بضم الجيم) ويحتمل أن يكون من معناه ومادته جناح الطائر (بفتح الجيم)، لأنه فى جانب مائل عن الجانب الآخر وعن وسط الظهر. {أنْ يَطَّوَّف بهِما}: أى يدور بهما ويسعى بينهما، فإن الطواف والدوران، كما يطلقان على الإحاطة بالشئ من جوانبه، يطلقان على التردد عليه، أو بينه وبين الآخر، والباء للإلصاق، وأصل يطوف يتطوف أبدلت التاء طاءً وسكنت وأدغمت فى الطاء. وقرئ يطوف (بفتح الياء وضم الطاء خفيفة وإسكان الواو). وقال القرطبى فى تفسيره: ذكَّرَ الصفا لأن آدم وقف عليه، وأنث المروة لأن حواء وقفت عليها، ويعنى بتذكير الصفا كونه بلا تاء، وقد كان يمكن أن يكون بالتاء تسمية بالمفرد، ويعنى بتأنيث المروة كونه بالتاء، ويجوز أن يكون تذكير الصفا لأنه كان عليه إساف، وهو اسم صنم، ولا علامة تأنيث فى إساف، وأنث المروة لأنه كان عليه نائلة وهو اسم صنم، وفيه علامة التأنيث وهى التاء، زعم أهل الكتاب أن إساف ونائلة رجل وامرأة زنيا فى الكعبة، فمسخا حجرين، وجعل إساف على الصفا وجعلت نائلة على المروة، ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا من دون الله، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوا بهما، فلما جاء الإسلام، وكسر الأصنام، تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما، فنزلت الآية. وقيل إن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما تعظيما لهما، وكان السعى قبل ذلك عبادة، أصله قصة هاجر، وروى البخارى ومسلم عن عاصم بن سليمان الأحول أنهُ قال: قلت لأنس كنتم تكرهون السعى بين الصفا والمروة. فقال: نعم، لأنهما كانا من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: {إن الصَّفا والمرْوَة مِنْ شَعائِر اللهِ فَمنْ حَجَّ البَيْتَ أو اعْتَمر فلا جُناح عليه أن يَطوَّف بِهِما} وأراد بقوله: كنتم خطاب الصحابة إجمالا أو الأنصار إجمالا، وإلا فأنس صحابى صغير السن، ليس قبل نزول الآية بحيث يحج ويكره الطواف بين الصفا والمروة. وفى رواية كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى نزل: {إنَّ الصَّفا والمرْوَة من شعائر الله} وقال أبو عبيدة: بلغنى عن عروة بن الزبير، أنه قال: قلت لعائشة زوج النبى، صلى الله عليه وسلم، وأينا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تعالى: {إنَّ الصَّفا والمروةَ مِنْ شعائِر الله فمن حج البيْتَ أو اعْتَمر فَلا جُناحَ عَليْه أن يطَّوَّف بِهِما} فما أرى على أحد شيئاً أن يطوف بهما؟ قالت عائشة: كلا لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، وإنما نزلت هذه الآية فى الأنصار، كانوا يهلون بمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك، فنزلت هذه الآية. قال الربيع: مناة حجر بقديد كان أهل الجاهلية يعبدونه، وقال البخارى فى روايته: كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التى كانوا يعبدونها عند المشلل كمعظم جبل يهبط منه إلى قديد. قال ابن حجر: يهلون يحجون، ومناة (بفتح الميم وتخفيف النون) صنم فى الجاهلية، وقيل: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحى لهذيل يعبدونها، والطاغية صفة إسلامية. قال البخارى: وكل من أهل منهم يتحرج أن يطوف بهما. قال ابن حجر: ظاهره أنهم كانوا لا يطوفون بينهما، ويقتصرون على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام فى ذلك، وذكروا آيات كلها صريحة فى عدم الطواف منها: إنا كنا لا نطوف بينهما تعظيما لمناة، ومنها أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بينهما، وكان ذلك سنة فى آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة. وأخرج مسلم من طريق أبى معاوية هذا الحديث مخالفا ما تقدم ولفظه: إنها كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون لصنمين على شط البحر، قال لهما إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما لما كانوا يصنعونه قبل هذه الرواية، تقتضى أن تحرجهم إنما كان لئلا يفعلوا فى الإسلام شيئاً مما كانوا يفعلونه فى الجاهلية، لأن الإسلام أبطل أفعالها إلا ما أذن بهِ الشارع، فخشوا أن يكن ذلك مما أبطله، فذكروا آيات تدل على أنهم كانوا يطوفون بينهما، فلما جاء الإسلام تحرجوا، فأنزل الله الآية، فذكروا أن الصنمين كانا على الجبلين حتى تحرجوا، فنزلت الآية فأزيلا عنهما وطافوا. وذكر عياض أن قولهُ فى الرواية المتقدمة: لصنمين على شط البحر وَهمْ فإنهما ما كانا قط فى ذلك، وإنما كانا على الصفا والمروة، قلت لا يلزم مما قال لجواز أن ينقلا إلى الشط من الصفا والمروة من الشط، ثم إنه يحتمل أن الأنصار فى الجاهلية منهم من يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبى معاوية، ومنهم من لا يفر بهما على ما اقتضته رواية الزهرى، واشترك الفريقان فى الإسلام فى التوقف عن الطواف بينهما، لكونه كان عندهم جميعاً من أفعال الجاهلية، وأشار إلى ذلك ابن حجر كالبيهقى، وفى القواعد أن سبب السعى بينهما أن إسماعيل، صلى الله عليه وسلم، لما حضر هنالك طفلا مع أمه هاجر عطش، فقامت أمه تطلب له الماء من ناحية الصفا والمروة مترددة بينهما إلى أن أنبع الله لها عين زمزم من تحت قدمه، وجعل الله الطواف بينهما من شعائر الله. انتهى. ولا منافاة بين كون مناة حجرا بقديد وكونهُ حذو قديد، أى مقابلهُ، لجواز الجمع بأنهُ قريب منه، فسماه أنهُ فيه، وقديد بالتصغير قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه، وذكر البخارى أنها بالمشلل (بضم الميم وفتح الشين المعجمة، واللام المشددة وبعدها لام) وهو ثنية مشرفة على قديد، ولعلها المسماة الآن بعقبة السكر، وأجمعوا أن الطواف بين الصفا والمروة مشروع بالقرآن والسنة، فذهب جمهور أصحابنا إلى أنه سنة تجبر بالدم، وفى الإيضاح أنهُ سنة واجبة معمول بها، وقيل فريضة أيضا من تركه لزمهُ دم، وكذا من ختمه بالصفا وانصرف على ستة أشواط وحل لزمهُ دم، وكذا ذكر الشيخ إسماعيل فى مناسكه، وذكر أن بعض أصحابنا يقولون إنه فريضة، وكذا قال أهل الكوفة والحسن وقتادة، وقال أبو حنيفة إنه واجب يجبر بالدم، وفى القواعد أن القول بفرضه هو قول عائشة والشافعى وأحمد ومالك وإسحاق، ولا حج لمن لم يسع عندهم، ولزمه من قابل أى إذا لم يسع حتى وطئ النساء، أو أخرج وقته إن كان له وقت كالطواف عند بعض وذهب قوم إلى أنه تطوع، واحتج من قال بوجوبه بما روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يسعى ويقول: "حديث : اسعوا فقد كتب الله عليكم السعى" تفسير : بأن الأصل فى هذه العبادة أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على خلافه، وقيل الوقف على (فلا جُناح) وما بعده إغراء يوجب التطوف بالصفا والمروة. قال ابن هشام: يرده أن إغراء الغائب ضعيف كقول بعض، وقد بلغه أن إنسانا تهدده عليه رجلا ليسى ثم إيجاب التطوف بها لا يتوقف على كون عليه إغراء، بل كلمة تقتضى ذلك مطلقا، فلو جعل الوقف على {فلا جُناح} وجعل {عليه} خبراً وأن يطوف مبتدأ لا، فإن الوجوب انتهى بإيضاح وعمدة، من لم يوجبه قوله تعالى: {فلا جُناحَ عليه أن يَطَّوَّف بهما}، معناه فلا جناح عليه فى ألاَّ يطوف بهما، وقراءة ابن مسعود ألاَّ يَطوَّف بهما كقوله تعالى: {أية : بيِّن الله لكم أن تضلُّوا}،تفسير : معناه لئلا تضلوا قبل، وحمل الأولون الآية على ظاهرها، وأن السعى من أفعاله، صلى الله عليه وسلم، واستدل من لم يوجبه برفع الجناح، وما فيه من التخيير بين الفعل والترك، كقوله: فلا جناح عليهما أن يتراجعا وبقوله تعالى: {ومَنْ تَطوَّع خَيراً} كقوله: {أية : ومَنْ تَطوَّع خَيراً فهو خَيْر له}تفسير : ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن مسعود: {فلا جناح عليه ألا يطوف بهما}. وتقدم كلام ابن الزبير ومع عائشة فى رواية أبى عمر والربيع بن حبيب عن أبى عبيدة، وفى البخارى عنه عن ابن الزبير، فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بهما، قال ابن حجر: محصله أن عروة ـ يعنى ابن الزبير ـ احتج للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجباً لما اكتفى بذلك، لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المندوب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك، ومحصل جواب عائشة: أن الآية ساكنة على الوجوب وعدمه، مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، والمباح يحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة فى التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين لتوهمهم من كونهم كانوا يفعلون ذلك فى الجاهلية ألاَّ يستمروا فى الإسلام، فخرج الجواب مطابقاً لسؤالهم، والوجوب مستفاد من دليل آخر، ولا يلزم من نفى الإثم عن الفاعل نفيه عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفى الإثم عن التارك فذكر قراءة ابن مسعود وأبىّ بن كعب، وتأولها على زيادة لا، وأن الشاذ لا يحتج به إذا خالف المشهور، وممن قال بوجوبه: ابن عمرو وجابر بن عبدالله والحسن. وروى عن ابن عباس وابن سيرين: أنه تطوع لا دم على تاركه، وكذا روى عن مجاهد وعطاء كما هو قول ابن الزبير، وروى عن أحمد: أن من تركه لا حج له، وروى عنه أنه حج حجة، ولا دم عليه تركه عمداً أو سهواً، ولكن لا ينبغى أن يترك، ونقل الأكثرون عنه أنه تطوع. والصحيح عندى وجوبه لقول عائشة لابن الزبير: لو كان غير واجب كما قلت لقال ألا يطوف بهما، وتقدم ذلك، وتقدم أن قراءة عبدالله ابن مسعود ألا يطوف شاذة أو أن لا زائدة، ولقول حبيبة إحدى بنى عبدالدار: دخلت مع نسوة من قريش داراً لبنى حسين ننظر إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرايته يسعى وأن مئزره ليدور من شدة السعى، حتى لأقول إنى أرى ركبته، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى" رواه الشافعى بسنده، وصححه الدارقطنى، ولرواية مسلم عن جابر فى حديثه الطويل فى صفة حجة الوداع قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إن الصَّفا والمَرْوَة منْ شَعائر الله} أبدأ بما بدأ الله، فبدأ بالصفا. فإذا ثبت أن النبى، صلى الله عليه وسلم، سعى وجب علينا السعى، لقوله تعالى: {فاتَّبِعُوه}، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عنى مناسككم" تفسير : والأمر للوجوب، ومن القياس أن السعى أشواط شرعت فى بقعة من بقاع الحرم، ويؤنى فى إحرام، فكان ركناً كطواف الزيارة. وعن أنس: كان السعى بينهما ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، حديث : وعن جابر بن عبدالله الأنصارى، صاحب النبى، صلى الله عليه وسلم، أنهُ قال: لا حج لغريب ولا لقريب إلا بطواف بين الصفا والمروة. وسأل جابر بن عبدالله: هل تحل النساء للرجال قبل الطواف بين الصفا والمروة؟ فقال: لا. أما من كان من أهل الآفاق فإنه يطوف بينهما قبل أن يأتى منى، وأما من كان من أهل مكة فبعد ما يرجع من منى. وعن عطاء: أهل مكة يبدءون بمنى، وأهل الآفاق يبدءون بالطواف. تفسير : واختار ابن العربى أنهُ فرض كذلك، وحجة من قال إنه غير واجب قوله تعالى: {فلا جُنَاح} فإن مثل هذا يقال فى غير الواجب، وقوله عز وعلا: {ومَنْ تطوعَ خيراً} قال مجاهد: يعنى من تنقل بالسعى وأدخله فى حجه أو عمرته، وأجيب بأن نفى الجُناح صادق فى الواجب والمندوب والمباح، وصادق بالجائز المقابل للمنوع والجائز المقابل للممنوع صادق بالواجب وغير الواجب، فلا يكون دليلا على عدم الوجوب، وبأن تطوع الخبر مراد به سائر العبادات النافلة، كصلاة نفل وصومه وحجه وعمرته وصدقته وطوافه بالبيت ونحو ذلك. قاله الحسن، وهو الأولى من قول مجاهد، أن المراد زاد فى الطواف بعد الواجب. {ومَنْ تطوَّع خَيْراً}: عالج طاعة واكتسبها فرضا كانت أو نفلا، وليس التطوع مختصا بالنفل، كما يستعمل فى عبارات المصنفين، أو عالج طاعة زائدة على ما وجب عليه من حج أو عمرة أو طواف أو عالج نفلا بالسعى، كما مر عن مجاهد، وعلى كل فالنفل للعلاج. وقرأ حمزة والكسائى ويعقوب: يطوع (بمثناة تحتية وتشديد الطاء كالواو مفتوحتين وإسكان العين) أصله يتطوع، أبدلت التاء طاء وأدغمت فى الطاء، وقرأ عبدالله بن مسعود: يتطوع على الأصل بلا إبدال ولا إدغام، وخيراً نعت لمصدر محذوف، أى زمن تطوع تطوعاً خيراً، أو منصوب على نزع الخافض، أى ومن تطوع بخير أو مفعول به لتطوع على تضمينه معنى أتى أو فعل، أى ومن أتى خيراً أو فعل خيراً أو نحو ذلك، مثل عالج خيراً أو اكتسب خيراً. {فإنَّ الله شَاكِرٌ}: مثيب على الطاعة، استعمل الشكر بمعنى الإثابة، لأنه من المخلوق سببها من الله، وملزوم لها أو لشبهة بها فى الجملة، وحقيقته إظهار النعمة على جهة المدح للمنعم بها، والله تعالى لا يوصف بذلك لأنه الغنى عن كل شئ فى كل زمان، وقيل الازمان، وهو النافع الضار، كل نعمة منه لا يوصف بنفع ولا بضر. {عَليمٌ}: بذلك الخير المتطوع به، وبالنيات وبكل شئ، لا يخفى عنه قول ولا عمل ولا اعتقاد.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} علمان بالغلبة على جبلين بمكة، فإن الصفا جمع صفاة فى الأصل، وهى الصخرة الصلبة الملساء، أو الحجر الذى لا يخالطه طين أو تراب متحجر، أو ضعف، مأخوذ من الصفوة، وهى الخلوص. والمروة فى الأصل الحجر اللين، أو الأبيض البراق، أو الأسود البراق، أو المحددة الأطراف، أو الصلبة، قيل: سمى الصفا لوقوف صفّى الله آدم عليه السلام عليه، وذكر لذلك، وسميت المروة لوقوف المراة عليه، وهى حواء، وأنث لذلك، ولا يقال فيه، إن مادة المروة غير مادة المرأة، لأن المراد بتأنيثه أنه قرن بالتاء، كما أن المراد بتذكير الصفا أنه لم يقرن بها {مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} أى علاماته، أى علامات دينه، أو المواضع التى يقام فيها دينه، وهى مواضع الحج كالمطاف وعرفة والمزدلفة ومنى، أو من علاماته التى تعبَّد خلقه بها، فهما يسعى بينهما {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} قصده ليقف بعرفة، ويبيت بالمزدلفة، ويرمى ويحلق ويطوف ويسعى {أَوِ اعْتَمَرَ} زار البيت ليطوف ويسعى، وأصل الحج القصد مطلقا، أو إلى معظَّم، والعمرة الزيارة أخذاً من العمارة، والزائر يعمر المكان بزيارته {فَلاَ جُنَاحَ} لا إثم، وأصله الميل مطلقا، سمى به الذنب لأنه ميل عن الحق {عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ} فى أن يتطوف {بِهِمَا} بينهما، كما زعم المسلمون قبل نزول الآية، أنه لا يجوز السعى بينهما، لأنه كان فوق كل منهما صنم، يمسهما المشركون بأيديهم، ويمسحون بهما وجوههم، ويعظمونهما، فكرهوا أن يشبه سعيهم، ولو كانوا لا يمسحونهما لا يعظمونهما سعى المشركين المعظمين لهما الماسحين، أحدهما إساف بكسر الهمزة، والآخر نائلة، صنمين من أول، ورجح هذا، وقيل، كانا رجلا وامرأة زنيا فى الكعبة فمسخهما الله وجعلهما الناس على الجبلين، ليعتبر بهما، فطالت المدة، فعبدا من دون الله، ونسب هذا القول لأهل الكتاب، وقيل: واضعهما على الجبلين عمرو بن لحى، وهو أول من سن عبادة الأصنام من عرب مكة، والباء للإلصاق المجازى، والطواف بهما واجب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا"تفسير : ، وأما قول عائشة رضى الله عنها، لعمرى، ما أتم الله تعالى حج من لم يسع، فمعناه حج ناقص لا باطل، فالطواف بهما واجب، لا يبطل الحج والعمرة بتركه، كما روى، أن عروة بن مضرس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، فقال، حديث : يا رسول الله، جئت من جبل طيء ما تركت جبلا إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال: من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك، ليلا أو نهاراً، فقد أتم حجة وقضى تفثهتفسير : ، فأخبره صلى الله عليه وسلم بإدراك الحج بلا ذكر للسعى بيهما، ولو كان واجباً يبطل الحج بتركه لبينه له، لأنه سائل جاهل، ولا حجة فيه لمن قال بأنه غير واجب لأحاديث الوجوب، وهذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة، وإن لم يسع لزمته شاة، وقيل، بدنة، وقال مالك والشافعى، يبطل الحج بتركه للحديث، وقال أحمد، سنة غير واجبة، ويرده الحديث، وأجيب بأنه يجوز كون كتب بمعنى استحب كقوله تعالى: {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين...} تفسير : [البقرة: 180] قلت، الوصية للوالدين كانت واجبة. ثم نسخت بالميراث، وكذا القرابة الوارثون فلا يصح تأويل كتب باستحب ولا حجة أيضاً فى قراءة ابن مسعود، ألا يطوف لأنها شاذة مخالفة للجمهور، لفظا وعملا، بل لم نر من عمل بها، فيقرب تأويلها بزيادة لا، ولنا الحديث دليل للوجوب، ولا دليل للشافعى ومالك على أنه ركن يبطل الحج بتركه، ولا يقال، تم الكلام فى جناح واستنأنف أن عليه التطوف، لأنه لا يتوهم أحد أن فى الحج والعمرة جناحا إلا أن يقال إنهم توهموا الجناح فى الحج والعمرة، لأن فيهما الطواف بين محلى الصنمين {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً} عالج الطاعة بفعل فرض أو سنة، أو نفل من حج أو عمرة أو طواف، أو صلاة، أو غير ذلك، وذلك أصل التطوع فى اللغة، وأما تخصيصه بالنفل فهو فى عرف الاصطلاح، قيل، والشرع، وكأنه قيل، ومن فعل خيراً، أو زاد خيراً أو تطوع بخير، وليس المراد من تطوع بالطواف بينهما، كما قيل لأحاديث وجوبه {فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ} أى يثيبه ثواباً عظيماً، أو مثن عليه عند الملائكة، لأن الله شاكر، أو هذه علة وبرهان عظيم، أو من تطوع خيراً فإن الله شاكره، أى مثيبه أو مثن عليه فى ملأ خير من ملئه وفى التعبير بشكره تعالى له من الإثابة أو الإثناء مبالغة {عَلِيمٌ} بتطوعه وبكل شىء، أو بكل شىء، فيكون برهانا للعلم بتطوعه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} لما أشار سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج فكأنه جمع بين الحج والغزو، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال، وقيل: لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج/ لما فيه من الأمور المحتاجة إليه، والصفا في الأصل الحجر الأملس مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص، واحده صفاة ـ كحصى وحصاة، ونوى ونواة ـ وقيل: إن الصفا واحد قال المبرد وهو كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب، وأصله من الواو لأنك تقول في تثنيته صفوان ولا يجوز إمالته، والمروة في الأصل الحجر الأبيض اللين ـ والمرو ـ لغة فيه، وقيل: هو جمع مثل تمرة وتمر، ثم صارا في العرف علمين لموضعين معروفين بمكة للغلبة، واللام لازمة فيهما، وقيل: سمي الصفا لأنه جلس عليه آدم صفي الله تعالى، وسمي ـ المروة ـ لأنه جلست عليه امرأته حواء، و ـ الشعائر ـ جمع شعيرة، أو شعارة ـ وهي العلامة ـ والمراد بهما أعلام المتعبدات أو العبادات الحجية، وقيل: المعنى إن الطواف بين هذين الجبلين من علامات دين الله تعالى، أو أنهما من المواضع التي يقام فيها دينه، أو من علاماته التي تعبد بالسعي بينهما لا من علامات الجاهلية. {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ} الحج لغة القصد مطلقاً أو إلى معظم، وقيده بعضهم بكونه على وجه التكرار، و ـ العمرة ـ الزيارة أخذاً من العمارة كأن الزائر يعمر المكان بزيارته فغلبا شرعاً على المقصد المتعلق بالبيت وزيارته على الوجهين المخصوصين، والبيت خارج من المفهوم، والنسبة مأخوذة فيه فلا بد من ذكره فلا يرد أن البيت مأخوذ في مفهومهما فيكفي من حج أو اعتمر ولا حاجة إلى أن يتكلف بأنه مأخوذ في مفهوم الاسمين خارج عن مفهوم الفعلين، وعلى تقدير أخذه في مفهومهما يعتبر التجريد ليظهر شرف البيت. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي لا إثم عليه في أن يطوف. وأصل الجناح الميل، ومنه {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ }تفسير : [الأنفال: 61] وسمي الاسم به لأنه ميل من الحق إلى الباطل، وأصل يطوف يتطوف فأدغمت التاء في الطاء، وسبب النزول ما صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله تعالى فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومنه يعلم دفع ما يتراءى أنه لا يتصور فائدة في نفي الجناح بعد إثبات أنهما من الشعائر بل ربما لا يتلازمان إذ أدنى مراتب الأول الندب وغاية الثاني الإباحة، وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف بينهما في الحج والعمرة لدلالة نفي الجناح عليه قطعاً لكنهم اختلفوا في الوجوب، فروي عن أحمد أنه سنة ـ وبه قال أنس وابن عباس وابن الزبير ـ لأن نفي الجناح يدل على الجواز، والمتبادر منه عدم اللزوم كما في قوله تعالى: {أية : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا }تفسير : [البقرة: 230] وليس مباحاً بالاتفاق ولقوله تعالى: {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} فيكون مندوباً، وضعف بأن نفي الجناح وإن دل على الجواز المتبادر منه ـ عدم اللزوم إلا أنه يجامع الوجوب فلا يدفعه ولا ينفيه ـ والمقصود ذلك ـ فلعل هٰهنا دليلاً يدل على الوجوب كما في قوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلٰوةِ } تفسير : [النساء: 101] ولعل هذا كقولك لمن عليه صلاة الظهر مثلاً وظن أنه لا يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فإنه جواب صحيح ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر، وعن الشافعي ومالك أنه ركن ـ وهو رواية عن الإمام أحمد ـ واحتجوا بما أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا»تفسير : ومذهب إمامنا أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه واجب يجبر بالدم لأن الآية لا تدل إلا على نفي الإثم المستلزم للجواز، والركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد، والحديث إنما يفيد/ حصول الحكم معللاً ومقرراً في الذهن، ولا يدل على بلوغه غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفوته لتتحقق الركنية وهو ظني السند وإن فرض قطعي الدلالة فلا يدل على الفرضية، وما روى مسلم عن عائشة أنها قالت ـ لعمري ما أتم الله تعالى حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته ـ ليس فيه دليل على الفرضية أيضاً سلمنا لكنه مذهب لها، والمسألة اجتهادية فلا تلزم به على أنه معارض بما أخرجه الشعبـي عن عروة بن مضرس الطائي أنه قال: أتيت النبـي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله جئت من جبل طي ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال: «حديث : من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» تفسير : فأخبر صلى الله عليه وسلم بتمام حجه، وليس فيه السعي بينهما، ولو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه بجهله، وقرأ ابن مسعود وأبـيّ ـ (أن لا يطوف) ـ ولا تصلح أن تكون ناصرة للقول الأول لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها ولاحتمال أن (لا) زائدة كما يقتضيه السياق. {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي من انقاد انقياداً ـ خيراً، أو بخير، أو آتيا بخير ـ فرضاً كان أو نفلاً، وهو عطف على {فَمَنْ حَجَّ } الخ مؤكد أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي، أو من تبرع تبرعاً ـ خيراً ـ أو بخير أو آتيا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق، وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور الثلاثة، وفائدة {خَيْرًا} على الوجهين مع أن التطوع لا يكون إلا كذلك التنصيص بعموم الحكم بأن من فعل خيراً أي خير كان يثاب عليه، أو من تبرع تبرعاً خيراً أو بخير أو آتيا بخير من السعي فقط بناءاً على أنه سنة، والجملة حينئذ تكميل لدفع ما يتوهم من نفي الجناح من الإباحة، وفائدة القيد التنصيص بخيرية الطواف دفعاً لحرج المسلمين. وقرأ ابن مسعود (ومن تطوع بخير) وحمزة، والكسائي، ويعقوب (يطوع) على صيغة المضارع المجزوم لتضمن {مِنْ} معنى الشرط وأصله ـ يتطوع ـ فأدغم. {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} أي مجاز على الطاعة بالثواب وفي التعبير به مبالغة في الإحسان إلى العباد {عَلِيمٌ } مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئاً، وبهذا ظهر وجه تأخير هذه الصفة عما قبلها، ومن قال: أتى بالصفتين هٰهنا ـ لأن التطوع بالخير يتضمن الفعل والقصد فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل وذكر العلم باعتبار القصد وأخر صفة العلم وإن كانت متقدمة على الشكر كما أن النية متقدمة على الفعل لتواخي رءوس الآي ـ لم يأت بشيء. وهذه الجملة علة لجواب الشرط المحذوف قائم مقامه كأنه قيل: ـ ومن تطوع خيراً جازاه الله تعالى أو أثابه فإن الله شاكر عليم.
سيد قطب
تفسير : يستهدف هذا الدرس تصحيح عدد من القواعد التي يقوم عليها التصور الإيماني الصحيح؛ مع الاستمرار في مواجهة يهود المدينة الذين لا يكفون عن تلبيس الحق بالباطل في هذه القواعد؛ وكتمان الحق الذي يعلمونه في شأنها؛ وإيقاع البلبلة والاضطراب فيها.. ولكن السياق يتخذ في هذا الدرس أسلوب التعميم؛ وعرض القواعد العامة، التي تشمل اليهود وغيرهم ممن يرصدون للدعوة. وكذلك يحذر المسلمين من المزالق التي تترصدهم في طريقهم بصفة عامة. ومن ثم نجد بياناً في موضوع الطواف بالصفا والمروة، بسبب ما كان يلابس هذا الموضوع من تقاليد الجاهلية. وهو بيان يتصل كذلك بمسألة الاتجاه إلى المسجد الحرام في الصلاة، وإقرار شعائر الحج إلى هذا البيت. لذلك يليه في السياق بيان في شأن أهل الكتاب الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى؛ وحملة عنيفة عليهم؛ مع فتح باب التوبة لمن يريد أن يتوب. فأما الذين يصرون على الكفر فيعدهم اللعنة الجامعة، والعذاب الشديد الدائم. ثم بيان لوحدانية الله، وتوجيه إلى الآيات الكونية الشاهدة بهذه الحقيقة. وتنديد بمن يتخذون من دون الله أنداداً. وعرض مشهد من مشاهد القيامة للتابعين منهم والمتبوعين. يتبرأ بعضهم من بعض وهم يرون العذاب. وبمناسبة ما كان يجادل فيه اليهود من الحلال والحرام في المطاعم والمشارب، مما نزل به القرآن وبيانه عندهم فيما يكتمونه من التوراة.. تجيء دعوة إلى الناس كافة للاستمتاع بالطيبات التي أحلها الله؛ وتحذير من الشيطان الذي يأمرهم بالسوء والفحشاء. تليها دعوة خاصة للذين آمنوا للاستمتاع بما أحل الله لهم والامتناع عما حرم عليهم، وبيان هذه المحرمات التي يجادل فيها اليهود ويماحلون وهم يعلمون. ومن ثم حملة عنيفة على الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً. وتهديد رعيب بما ينتظرهم في الآخرة من إهمال وغضب واحتقار. وفي نهاية الدرس يرد بيان عن حقيقة البر يتضمن قواعد الإيمان والعمل الصالح، يصحح به التصور الإيماني؛ فليس هو شكليات ظاهرية، وتقليباً للوجوه قبل المشرق والمغرب، ولكنه شعور وعمل وارتباط بالله في الشعور والعمل.. وتبدو العلاقة بين هذا البيان والجدل الذي ثار حول القبلة واضحة. وهكذا نجد السياق ما يزال في المعركة.. المعركة في داخل النفوس لتصحيح التصورات والموازين. والمعركة مع الكيد والدس والبلبلة التي يقوم بها أعداء المسلمين.. {إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما، ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم}.. هناك عدة روايات عن سبب نزول هذه الآية، أقربها إلى المنطق النفسي المستفاد من طبيعة التصور الذي أنشأه الإسلام في نفوس المجموعة السابقة إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار.. الرواية التي تقول: إن بعض المسلمين تحرجوا من الطواف بالصفا والمروة في الحج والعمرة، بسبب أنهم كانوا يسعون بين هذين الجبلين في الجاهلية، وأنه كان فوقهما صنمان هما أساف ونائلة. فكره المسلمون أن يطوفوا كما كانوا يطوفون في الجاهلية. قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان: قال سألت أنساً عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية. فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}.. وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية. ولم يرد تحديد لتاريخ نزول هذه الآية. والأرجح أنها نزلت متأخرة عن الآيات الخاصة بتحويل القبلة. ومع أن مكة قد أصبحت دار حرب بالنسبة للمسلمين، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين كانوا يتمكنون أفراداً من الحج ومن العمرة. وهؤلاء هم الذين تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة.. وكان هذا التحرج ثمرة التعليم الطويل، ووضوح التصور الإيماني في نفوسهم، هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرزون ويتوجسون من كل أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية. إذ أصبحت نفوسهم من الحساسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كل ما كان في الجاهلية، وتتوجس أن يكون منهياً عنه في الإسلام. الأمر الذي ظهر بوضوح في مناسبات كثيرة.. كانت الدعوة الجديدة قد هزت أرواحهم هزاً وتغلغلت فيها إلى الأعماق، فأحدثت فيها انقلاباً نفسياً وشعورياً كاملاً، حتى لينظرون بجفوة وتحرز إلى ماضيهم في الجاهلية؛ ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالاً كاملاً فلم يعد منهم، ولم يعودوا منه؛ وعاد دنساً ورجساً يتحرزون من الإلمام به! وإن المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة في حياة القوم ليحس بقوة أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس. يحس التغير الكامل في تصورهم للحياة. حتى لكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمسك بهذه النفوس فهزها هزة نفضت عنها كل رواسبها، وأعادت تأليف ذراتها على نسق جديد؛ كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان! وهذا هو الإسلام.. هذا هو: انسلاخاً كاملاً عن كل ما في الجاهلية، وتحرجاً بالغاً من كل أمر من أمور الجاهلية، وحذراً دائماً من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية. حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه.. فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى، مما لا يرى فيه بأساً. ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي. فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية؛ ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام، تستمد أصلها من الإسلام. وهنا نجد مثالا من هذا المنهج التربوي العميق. إذ يبدأ القرآن بتقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}.. فإذا أطوف بهما مطوف، فإنما يؤدي شعيرة من شعائر الله؛ وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى الله. ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث؛ وتعلق الأمر بالله - سبحانه - لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية! ومن ثم فلا حرج ولا تأثم. فالأمر غير الأمر، والاتجاه غير الاتجاه: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}.. وقد أقر الإسلام معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها، ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية، وربط الشعائر التي أقرها بالتصور الإسلامي الجديد، بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها (وسيأتي تفصيل هذا عند الكلام على فريضة الحج في موضعه من سياق السورة).. فأما العمرة فكالحج في شعائرها فيما عدا الوقوف بعرفة دون توقيت بمواقيت الحج. وفي كلا الحج والعمرة جعل الطواف بين الصفا المروة من شعائرهما. ثم يختم الآية بتحسين التطوع بالخير إطلاقاً: {ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم}.. فيلمح إلى أن هذا الطواف من الخير، وبذلك ينفي من النفوس كل حرج، ويطيب القلوب بهذه الشعائر، ويطمئنها على أن الله يعدها خيراً، ويجازي عليها بالخير. وهو يعلم ما تنطوي عليه القلوب من نية وشعور. ولا بد أن نقف لحظة أمام ذلك التعبير الموحي: {فإن الله شاكر...}.. إن المعنى المقصود أن الله يرضى عن ذلك الخير ويثيب عليه. ولكن كلمة {شاكر} تلقي ظلالاً ندية وراء هذا المعنى المجرد. تلقي ظلال الرضى الكامل، حتى لكأنه الشكر من الرب للعبد. ومن ثم توحي بالأدب الواجب من العبد مع الرب. فإذا كان الرب يشكر لعبده الخير، فماذا يصنع العبد ليوفي الرب حقه من الشكر والحمد؟؟ تلك ظلال التعبير القرآني التي تلمس الحس بكل ما فيها من الندى والرفق والجمال. ومن بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة ينتقل السياق إلى الحملة على الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، وهم اليهود الذين سبق الحديث عنهم طويلا في سياق السورة. مما يوحي بأن دسائسهم لم تنقطع حول مسألة الاتجاه إلى المسجد الحرام وفرض الحج إليه أيضاً: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم، وأنا التواب الرحيم. إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون}.. ولقد كان أهل الكتاب يعرفون مما بين أيديهم من الكتاب مدى ما في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من حق، ومدى ما في الأوامر التي يبلغها من صدق، ومع هذا يكتمون هذا الذي بينه الله لهم في الكتاب. فهم وأمثالهم في أي زمان، ممن يكتمون الحق الذي أنزله الله، لسبب من أسباب الكتمان الكثيرة، ممن يراهم الناس في شتى الأزمنة وشتى الأمكنة، يسكتون عن الحق وهم يعرفونه، ويكتمون الأقوال التي تقرره وهم على يقين منها، ويجتنبون آيات في كتاب الله لا يبرزونها بل يسكتون عنها ويخفونها لينحوا الحقيقة التي تحملها هذه الآيات ويخفوها بعيداً عن سمع الناس وحسهم، لغرض من أغراض هذه الدنيا.. الأمر الذي نشهده في مواقف كثيرة، وبصدد حقائق من حقائق هذا الدين كثيرة.. {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}.. كأنما تحولوا إلى ملعنة، ينصب عليها اللعن من كل مصدر، ويتوجه إليها - بعد الله - من كل لاعن واللعن: الطرد في غضب وزجر، وأولئك الخلق يلعنهم الله فيطردهم من رحمته، ويطاردهم اللاعنون من كل صوب. فهم هكذا مطاردون من الله ومن عباده في كل مكان.. {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا. فأولئك أتوب عليهم، وأنا التواب الرحيم}.. هؤلاء يفتح القرآن لهم هذه النافذة المضيئة - نافذة التوبة - يفتحها فتنسم نسمة الأمل في الصدور، وتقود القلوب إلى مصدر النور، فلا تيئس من رحمة الله، ولا تقنط من عفوه. فمن شاء فليرجع إلى الحمى الآمن، صادق النية. وآية صدق التوبة الإصلاح في العمل، والتبيين في القول، وإعلان الحق والاعتراف به والعمل بمقتضاه. ثم ليثق برحمة الله وقبوله للتوبة، وهو يقول: {وأنا التواب الرحيم} وهو أصدق القائلين. فأما الذين يصرون ولا يتوبون حتى تفلت الفرصة وتنتهي المهلة، فأولئك ملاقون ما أوعد الله من قبل به، بزيادة وتفصيل وتوكيد: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار. أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون}.. ذلك أنهم أغلقوا على أنفسهم ذلك الباب المفتوح، وتركوا الفرصة تفلت، والمهلة تنقضي، وأصروا على الكتمان والكفر والضلال: {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين}.. فهي لعنة مطبقة لا ملجأ منها ولا صدر حنون! ولم يذكر السياق لهم عذاباً آخر غير هذه اللعنة المطبقة؛ بل عدها عذاباً لا يخفف عنهم، ولا يؤجل موعده ولا يمهلون فيه، وإنه لعذاب دونه كل عذاب. عذاب المطاردة والنبذ والجفوة. فلا يتلقاهم صدر فيه حنان، ولا عين فيها قبول، ولا لسان فيه تحية. إنهم ملعونون مطرودون منبوذون من العباد ومن رب العباد في الأرض وفي الملأ الأعلى على السواء.. وهذا هو العذاب الأليم المهين.. بعد هذا يمضي السياق في إقامة التصور الإيماني على قاعدته الكبيرة. قاعدة التوحيد. ويعرض من مشاهد الكون ما يشهد بهذه الحقيقة شهادة لا تقبل الجدل. ثم يندد بمن يتخذون من دون الله انداداً؛ ويصور موقفهم المتخاذل يوم يرون العذاب، فيتبرأ بعضهم من بعض؛ فلا ينفعهم هذا التبرؤ، ولا تفيدهم حسراتهم ولا تخرجهم من النار. {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون. ومن الناس من يتخذ من دون الله انداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله. ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب. إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتبعوا: لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار}.. إن وحدة الألوهية هي القاعدة الكبيرة التي يقوم عليها التصور الإيماني. فلم يكن هناك جدل حول الاعتقاد بوجود إله - تختلف التصورات حول ذاته وحول صفاته وحول علاقاته بالخلق ولكنها لا تنفي وجوده - ولم يقع أن نسيت الفطرة هذه الحقيقة، حقيقة وجود إله، إلا في هذه الأيام الأخيرة حين نبتت نابتة منقطعة عن أصل الحياة، منقطعة عن أصل الفطرة، تنكر وجود الله. وهي نابتة شاذة لا جذور لها في أصل هذا الوجود؛ ومن ثم فمصيرها حتماً إلى الفناء والاندثار من هذا الوجود. هذا الوجود الذي لا يطيق تكوينه، ولا تطيق فطرته بقاء هذا الصنف من الخلائق المقطوعة الجذور! لذلك اتجه السياق القرآني دائما إلى الحديث عن وحدة الألوهية، بوصفها التصحيح الضروري للتصور، والقاعدة الأساسية لإقامة هذا التصور.. ثم لإقامة سائر القواعد الأخلاقية والنظم الاجتماعية، المنبثقة من هذا التصور.. تصور وحدة الألوهية في هذا الوجود: {وإلهكم إله واحد}.. {لا إله إلا هو}.. {الرحمن الرحيم}.. ومن وحدانية الألوهية التي يؤكدها هذا التأكيد، بشتى أساليب التوكيد، يتوحد المعبود الذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة؛ وتتوحد الجهة التي يتلقى منها الخلق قواعد الأخلاق والسلوك؛ ويتوحد المصدر الذي يتلقى منه الخلق أصول الشرائع والقوانين؛ ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق في كل طريق. وهنا والسياق يستهدف إعداد الأمة المسلمة لدورها العظيم في الأرض، يعيد ذكر هذه الحقيقة التي تكرر ذكرها مرات ومرات في القرآن المكي، والتي ظل القرآن يعمق جذورها ويمد في آفاقها حتى تشمل كل جوانب الحس والعقل، وكل جوانب الحياة والوجود... يعيد ذكر هذه الحقيقة ليقيم على أساسها سائر التشريعات والتكاليف.. ثم يذكر من صفات الله هنا: {الرحمن الرحيم}.. فمن رحمته السابغة العميقة الدائمة تنبثق كل التشريعات والتكاليف. وهذا الكون كله شاهد بالوحدانية وبالرحمة في كل مجاليه: {إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل النهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض.. لآيات لقوم يعقلون}.. وهذه الطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون. العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس، وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين، متوفز الحس، حي القلب. وكم في هذه المشاهد المكرورة من عجيب. وكم فيها من غريب وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة؛ ثم الفتها ففقدت هزة المفاجأة، ودهشة المباغتة، وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب. تلك السماوات والأرض.. هذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق المسحورة، والعوالم المجهولة.. هذا التناسق في مواقعها وجريانها في ذلك الفضاء الهائل الذي يدير الرؤوس.. هذه الأسرار التي توصوص للنفس وتلتف في رداء المجهول.. هذه السماوات والأرض حتى دون أن يعرف الإنسان شيئاً عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارها التي يكشف الله للبشر عن بعضها حينما تنمو مداركهم وتسعفهم أبحاث العلوم.. واختلاف الليل والنهار.. تعاقب النور والظلام.. توالي الإشراق والعتمة. ذلك الفجر وذلك الغروب.. كم اهتزت لها مشاعر، وكم وجفت لها قلوب، وكم كانت أعجوبة الأعاجيب.. ثم فقد الإنسان وهلتها وروعتها مع التكرار. إلا القلب المؤمن الذي تتجدد في حسه هذه المشاهد؛ ويظل أبداً يذكر يد الله فيها فيتلقاها في كل مرة بروعة الخلق الجديد. والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.. وأشهد ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا، والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا. والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك. ولا شيء إلا قدرة الله، وإلا رعاية الله، وإلا قانون الكون الذي جعله الله، يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرعيب! وما أنزل الله من السماء من ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض.. وكلها مشاهد لو أعاد الإنسان تأملها - كما يوحي القرآن للقلب المؤمن - بعين مفتوحة وقلب واع، لارتجف كيانه من عظمة القدرة ورحمتها.. تلك الحياة التي تنبعث من الأرض حينما يجودها الماء.. هذه الحياة المجهولة الكنه، اللطيفة الجوهر، التي تدب في لطف، ثم تتبدى جاهرة معلنة قوية.. هذه الحياة من أين جاءت؟ كانت كامنة في الحبة والنواة! ولكن من أين جاءت إلى الحبة والنواة؟ أصلها؟ مصدرها الأول؟ إنه لا يجدي الهرب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على الفطرة.. لقد حاول الملحدون تجاهل هذا السؤال الذي لا جواب عليه إلا وجود خالق قادر على إعطاء الحياة للموات. وحاولوا طويلاً أن يوهموا الناس أنهم في طريقهم إلى إنشاء الحياة - بلا حاجة إلى إله! - ثم أخيراً إذا هم في أرض الإلحاد الجاحد الكافر ينتهون إلى نفض أيديهم والإقرار بما يكرهون: استحالة خلق الحياة! وأعلم علماء روسيا الكافرة في موضوع الحياة هو الذي يقول هذا الآن! ومن قبل راغ دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء من مواجهة هذا السؤال! ثم تلك الرياح المتحولة من وجهة إلى وجهة، وذلك السحاب المحمول على هواء، المسخر بين السماء والأرض، الخاضع للناموس الذي أودعه الخالق هذا الوجود.. إنه لا يكفي أن تقول نظرية ما تقوله عن أسباب هبوب الريح، وعن طريقة تكون السحاب.. إن السر الأعمق هو سر هذه الأسباب.. سر خلقة الكون بهذه الطبيعة وبهذه النسب وبهذه الأوضاع، التي تسمح بنشأة الحياة ونموها وتوفير الأسباب الملائمة لها من رياح وسحاب ومطر وتربة.. سر هذه الموافقات التي يعد المعروف منها بالآلاف، والتي لو اختلت واحدة منها ما نشأت الحياة أو ما سارت هذه السيرة.. سر التدبير الدقيق الذي يشي بالقصد والاختيار، كما يشي بوحدة التصميم ورحمة التدبير.. إن في ذلك {لآيات لقوم يعقلون}.. نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة، فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد، ونظرة مستطلعة، وقلب نوّره الإيمان. ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة. تلفت عينه كل ومضة، وتلفت سمعه كل نأمة، وتلفت حسه كل حركة، وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي ما تني تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر.. إن هذا هو ما يصنعه الإيمان. هذا التفتح. هذه الحساسية. هذا التقدير للجمال والتناسق والكمال.. إن الإيمان رؤية جديدة للكون، وإدراك جديد للجمال، وحياة على الأرض في مهرجان من صنع الله، آناء الليل وأطراف النهار.. ومع هذا فإن هناك من لا ينظر ولا يتعقل، فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به تصميم الوجود، والنظر في وحدة الناموس الكوني العجيب: {ومن الناس من يتخذ من دون الله انداداً يحبونهم كحب الله}.. من الناس من يتخذ من دون الله انداداً.. كانوا على عهد المخاطبين بهذا القرآن أحجاراً وأشجاراً، أو نجوماً وكواكب، أو ملائكة وشياطين.. وهم في كل عهد من عهود الجاهلية أشياء أو أشخاص أو شارات أو اعتبارات.. وكلها شرك خفي أو ظاهر، إذا ذكرت إلى جانب اسم الله، وإذا أشركها المرء في قلبه مع حب الله، فكيف إذا نزع حب الله من قلبه وأفرد هذه الأنداد بالحب الذي لا يكون إلا لله؟ إن المؤمنين لا يحبون شيئاً حبهم لله. لا أنفسهم ولا سواهم. لا أشخاصاً ولا اعتبارات ولا شارات ولا قيماً من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس: {والذين آمنوا أشد حباً لله}.. أشد حباً لله، حباً مطلقاً من كل موازنة، ومن كل قيد. أشد حباً لله من كل حب يتجهون به إلى سواه. والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق. فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب. صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي. صلة المودة والقربى. صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود. {ولو يرى الذين ظلموا - إذ يرون العذاب - أن القوة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب. إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتبعوا: لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار}.. أولئك الذين اتخذوا من دون الله انداداً. فظلموا الحق، وظلموا أنفسهم.. لو مدوا بأبصارهم إلى يوم يقفون بين يدي الله الواحد! لو تطلعوا ببصائرهم إلى يوم يرون العذاب الذي ينتظر الظالمين! لو يرون لرأوا {أن القوة لله جميعاً} فلا شركاء ولا أنداد.. {وأن الله شديد العذاب}. لو يرون إذ تبرأ المتبوعون من التابعين. ورأوا العذاب. فتقطعت بينهم الأواصر والعلاقات والأسباب، وانشغل كل بنفسه تابعاً كان أم متبوعاً. وسقطت الرياسات والقيادات التي كان المخدوعون يتبعونها، وعجزت عن وقاية أنفسها فضلاً عن وقاية تابعيها. وظهرت حقيقة الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة، وكذب القيادات الضالة وضعفها وعجزها أمام الله وأمام العذاب. {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا}.. وتبدى الحنق والغيظ من التابعين المخدوعين في القيادات الضالة. وتمنوا لو يردون لهم الجميل! لو يعودون إلى الأرض فيتبرأوا من تبعيتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة في حقيقتها، التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب! إنه مشهد مؤثر: مشهد التبرؤ والتعادي والتخاصم بين التابعين والمتبوعين. بين المحبين والمحبوبين! وهنا يجيء التعقيب الممض المؤلم: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}.. بعد هذا يمضي السياق يدعو الناس إلى التمتع بطيبات الحياة، والبعد عن خبائثها، محذراً من اتباع الشيطان، الذي يأمرهم بالخبائث، والادعاء على الله في التحليل والتحريم بغير إذن منه ولا تشريع؛ ويحذرهم من التقليد في شأن العقيدة بغير هدى من الله، ويندد بالذين يدعون من دون الله ما لا يعقل ولا يسمع.. وبهذا يلتقي موضوع هذه الفقرة بموضوع الفقرة السابقة في السياق: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون}.. لما بين الله - سبحانه - أنه الإله الواحد، وأنه الخالق الواحد - في الفقرات السابقة - وأن الذين يتخذون من دون الله أنداداً سينالهم ما ينالهم.. شرع يبين هنا أنه الرازق لعباده، وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام وهذا فرع عن وحدانية الألوهية كما أسلفنا. فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل. وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك. وهنا يبيح الله للناس جميعاً أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالاً طيباً - إلا ما شرع لهم حرمته وهو المبين فيما بعد - وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة، وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا، لأنه عدوهم؛ ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل؛ ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله.. كما كان اليهود مثلاً يصنعون، وكما كان مشركو قريش يدعون: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}.. وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض - إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصاً - يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون وفطرة الناس. فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعله له حلالاً، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد. ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق.. كل أولئك بشرط واحد، هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق. لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة. لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء، وإلا بالتجديف على الله، والإفتراء عليه، دون تثبت ولا يقين! {وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا}.. وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام، وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه، وهجر ما ألفوه في الجاهلية مما لا يقره الإسلام. أو كانوا هم اليهود الذين كانوا يصرون على ما عندهم من مأثور آبائهم ويرفضون الاستجابة للدين الجديد جملة وتفصيلاً.. سواء كانوا هؤلاء أم هؤلاء فالآية تندد بتلقي شيء في أمر العقيدة من غير الله؛ وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}. أولو كان الأمر كذلك، يصرون على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم؟ فأي جمود هذا وأي تقليد؟! ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود، صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا يعني! بل هم أضل من هذه البهيمة، فالبهمية ترى وتسمع وتصيح، وهم صم بكم عمي: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء. صم بكم عمي فهم لا يعقلون}! صم بكم عمي. ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون. ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون. فكأنها لا تؤدي وظيفتها التي خلقت لها، وكأنهم إذن لم توهب لهم آذان وألسنة وعيون. وهذه منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره، ويغلق منافذ المعرفة والهداية، ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة.. وهنا يتجه بالحديث - خاصة - إلى الذين آمنوا. يبيح لهم الأكل من طيبات ما رزقهم. ويوجههم إلى شكر المنعم على نعمه. ويبين لهم ما حرم عليهم، وهو غير الطيبات التي أباحها لهم. ويندد بالذين يجادلونهم في هذه الطيبات والمحرمات من اليهود. وهي عندهم في كتابهم: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله. فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. إن الله غفور رحيم. إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناَ قليلاً، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار! ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد}.. إن الله ينادي الذين آمنوا بالصفة التي تربطهم به سبحانه، وتوحي إليهم أن يتلقوا منه الشرائع؛ وأن يأخذوا عنه الحلال والحرام. ويذكرهم بما رزقهم فهو وحده الرازق، ويبيح لهم الطيبات مما رزقهم؛ فيشعرهم أنه لم يمنع عنهم طيباً من الطيبات، وأنه إذا حرم عليهم شيئاً فلأنه غير طيب، لا لأنه يريد أن يحرمهم ويضيق عليهم - وهو الذي أفاض عليهم الرزق ابتداء - ويوجههم للشكر إن كانوا يريدون أن يعبدوه وحده بلا شريك. فيوحي إليهم بأن الشكر عبادة وطاعة يرضاها الله من العباد.. كل أولئك في آية واحدة قليلة الكلمات: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون}.. ثم يبين لهم المحرمات من المآكل نصاً وتحديداً باستعمال أداة القصر {إنما}.. {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله}.. والميتة تأباها النفس السليمة وكذلك الدم. فضلاً على ما أثبته الطب - بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن الله - من تجمع الميكروبات والمواد الضارة في الميتة وفي الدم، ولا ندري إن كان الطب الحديث قد استقصى ما فيهما من الأذى أم إن هناك أسباباً أخرى للتحريم لم يكشف عنها بعد للناس. فأما الخنزير فيجادل فيه الآن قوم.. والخنزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم.. ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة). ويقول الآن قوم: إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت، فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توافرها وسائل الطهو الحديثة.. وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة. فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها، وندع كلمة الفصل لها، ونحرم ما حرمت، ونحلل ما حللت، وهي من لدن حكيم خبير! أما ما أهل به لغير الله. أي ما توجه به صاحبه لغير الله. فهو محرم، لا لعلة فيه، ولكن للتوجه به لغير الله. محرم لعلة روحية تنافي صحة التصور، وسلامة القلب، وطهارة الروح، وخلوص الضمير، ووحدة المتجه.. فهو ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية على هذا المعنى المشترك للنجاسة. وهو ألصق بالعقيدة من سائر المحرمات قبله. وقد حرص الإسلام على أن يكون التوجه لله وحده بلا شريك.. ومن هنا تتجلى علاقة التحليل والتحريم في هذه الآيات، بالحديث عن وحدانية الله ورحمته كذلك في الآيات السابقة. فالصلة قوية ومباشرة بين الاعتقاد في إله واحد، وبين التلقي عن أمر الله في التحليل والتحريم.. وفي سائر أمور التشريع.. ومع هذا فالإسلام يحسب حساب الضرورات، فيبيح فيها المحظورات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات، بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. إن الله غفور رحيم}.. وهو مبدأ عام ينصب هنا على هذه المحرمات. ولكنه بإطلاقه يصح أن يتناول سواها في سائر المقامات. فأيما ضرورة ملجئة يخشى منها على الحياة، فلصاحبها أن يتفادى هذا الحرج بتناول المحظور في الحدود التي تدفع هذه الضرورة ولا زيادة. على أن هناك خلافاً فقهياً حول مواضع الضرورة.. هل فيها قياس؟ أم هي الضرورات التي نص عليها الله بأعيانها.. وحول مقدار ما تدفع به الضرورة؟ هل هو أقل قدر من المحظور أم أكلة أو شربة كاملة.. ولا ندخل نحن في هذا الخلاف الفقهي. وحسبنا هذا البيان في ظلال القرآن. ولقد جادل اليهود جدالاً كثيراً حول ما أحله القرآن وما حرمه فقد كانت هناك محرمات على اليهود خاصة وردت في سورة أخرى: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم}تفسير : .. بينما كانت هذه مباحة للمسلمين. ولعلهم جادلوا في هذا الحل. وكذلك روي أنهم جادلوا في المحرمات المذكورة هنا مع أنها محرمة عليهم في التوراة.. وكان الهدف دائما هو التشكيك في صحة الأوامر القرآنية وصدق الوحي بها من الله. ومن ثم نجد هنا حملة قوية على الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمناً قليلاً، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة. فما أصبرهم على النار! ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد}. والتنديد بكتمان ما أنزل الله من الكتاب كان المقصود به أولاً أهل الكتاب. ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة، يكتمون الحق الذي يعلمونه، ويشترون به ثمناً قليلاً. إما هو النفع الخاص الذي يحرصون عليه بكتمانهم للحق، والمصالح الخاصة التي يتحرونها بهذا الكتمان، ويخشون عليها من البيان. وإما هو الدنيا كلها - وهي ثمن قليل حين تقاس إلى ما يخسرونه من رضى الله، ومن ثواب الآخرة. وفي جو الطعام ما حرم منه وما حلل يقول القرآن عن هؤلاء: {ما يأكلون في بطونهم إلا النار}.. تنسيقاً للمشهد في السياق. وكأنما هذا الذي يأكلونه من ثمن الكتمان والبهتان نار في بطونهم! وكأنما هم يأكلون النار! وإنها لحقيقة حين يصيرون إلى النار في الآخرة، فإذا هي لهم لباس، وإذا هي لهم طعام! وجزاء ما كتموا من آيات الله أن يهملهم الله يوم القيامة، ويدعهم في مهانة وازدراء والتعبير القرآني عن هذا الإهمال وهذه المهانة وهذا الازدراء هو قوله: {لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم}.. لتجسيم الإهمال في صورة قريبة لحس البشر وإدراكهم.. لا كلام ولا اهتمام ولا تطهير ولا غفران.. {ولهم عذاب أليم}.. وتعبير آخر مصور موح: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة}.. فكأنما هي صفقة يدفعون فيها الهدى ويقبضون الضلالة! ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب.. فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة. فقد كان الهدى مبذولاً لهم فتركوه وأخذوا الضلالة. وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب.. {فما أصبرهم على النار!}.. فيا لطول صبرهم على النار، التي اختاروها اختياراً، وقصدوا إليها قصداً. فيا للتهكم الساخر من طول صبرهم على النار! وإنه لجزاء مكافىء لشناعة الجريمة. جريمة كتمان الكتاب الذي أنزله الله ليعلن للناس. وليحقق في واقع الأرض، وليكون شريعة ومنهاجاً. فمن كتمه فقد عطله عن العمل. وهو الحق الذي جاء للعمل: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق}.. فمن فاء إليه فهو على الهدى، وهو في وفاق مع الحق، وفي وفاق مع المهتدين من الخلق، وفي وفاق مع فطرة الكون وناموسه الأصيل. {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد}.. شقاق مع الحق، وشقاق مع ناموس الفطرة، وشقاق فيما بينهم وبين أنفسهم.. ولقد كانوا كذلك، وما يزالون. وتلحق بهم كل أمة تختلف في كتابها. فلا تأخذ به جملة، وتمزقه تفاريق.. وعد الله الذي يتحقق على مدار الزمان واختلاف الأقوام. ونحن نرى مصداقه واقعاً في هذا العالم الذي نعيش فيه. وأخيراً وفي آية واحدة يضع قواعد التصور الإيماني الصحيح، وقواعد السلوك الإيماني الصحيح، ويحدد صفة الصادقين المتقين: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب؛ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين؛ وآتى المال - على حبه - ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة؛ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس.. أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}.. والراجح أن هناك صلة بين هذا البيان وبين تحويل القبلة وما ثار حوله من جدل طويل. ولقد سبق الكلام عن حكمة تحويل القبلة. فالآن يصل السياق إلى تقرير الحقيقة الكبرى حول هذه القضية وحول سائر القضايا الجدلية التي يثيرها اليهود حول شكليات الشعائر والعبادات، وكثيراً ما كانوا يثيرون الجدل حول هذه الأمور. إنه ليس القصد من تحويل القبلة، ولا من شعائر العبادة على الإطلاق، أن يولي الناس وجوهم قبل المشرق والمغرب.. نحو بيت المقدس أو نحو المسجد الحرام.. وليست غاية البر - وهو الخير جملة - هي تلك الشعائر الظاهرة. فهي في ذاتها - مجردة عما يصاحبها في القلب من المشاعر وفي الحياة من السلوك - لا تحقق البر، ولا تنشىء الخير.. إنما البر تصور وشعور وأعمال وسلوك. تصور ينشئ أثره في ضمير الفرد والجماعة؛ وعمل ينشئ أثره في حياة الفرد والجماعة. ولا يغني عن هذه الحقيقة العميقة تولية الوجوه قبل المشرق والمغرب.. سواء في التوجه إلى القبلة هذه أم تلك؛ أو في التسليم من الصلاة يمينا وشمالاً، أو في سائر الحركات الظاهرة التي يزاولها الناس في الشعائر. {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين... الآية}. ذلك هو البر الذي هو جماع الخير.. فماذا في تلك الصفات من قيم تجعل لها هذا الوزن في ميزان الله؟ ما قيمة الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين؟ إن الإيمان بالله هو نقطة التحول في حياة البشرية من العبودية لشتى القوى، وشتى الأشياء، وشتى الاعتبارات.. إلى عبودية واحدة لله تتحرر بها النفس من كل عبودية، وترتفع بها إلى مقام المساواة مع سائر النفوس في الصف الواحد أمام المعبود الواحد؛ ثم ترتفع بها فوق كل شيء وكل اعتبار.. وهي نقطة التحول كذلك من الفوضى إلى النظام، ومن التيه إلى القصد، ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه. فهذه البشرية دون إيمان بالله الواحد، لا تعرف لها قصداً مستقيماً ولا غاية مطردة، ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة، كما يتجمع الوجود كله، واضح النسب والارتباطات والأهداف والعلاقات.. والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء؛ وبأن حياة الإنسان على هذه الأرض ليست سدى ولا فوضى بغير ميزان. وبأن الخير لا يعدم جزاءه ولو بدا أنه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء.. والإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب الذي هو مفرق الطريق بين إدراك الإنسان وإدراك الحيوان، وتصور الإنسان لهذا الوجود وتصور الحيوان. الإنسان الذي يؤمن بما وراء الحس والحيوان المقيد بحسه لا يتعداه.. والإيمان بالكتاب والنبيين هو الإيمان بالرسالات جميعاً وبالرسل أجمعين، وهو الإيمان بوحدة البشرية، ووحدة إلهها، ووحدة دينها، ووحدة منهجها الإلهي.. ولهذا الشعور قيمة في شعور المؤمن الوارث لتراث الرسل والرسالات. وما قيمة إيتاء المال - على حبه والاعتزاز به - لذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب؟ إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة. انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق، ويقبض النفوس عن الأريحية، ويقبض الأرواح عن الانطلاق. فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال. وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال. لا في الرخيص منه ولا الخبيث. فيتحرر من عبودية المال، هذه العبودية التي تستذل النفوس، وتنكس الرؤوس. ويتحرر من الحرص. والحرص يذل اعناق الرجال. وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام، الذي يحاول دائماً تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها، يقيناً منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس؛ وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات!.. ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة.. هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس، وكرامة الأسرة، ووشائج القربى. والأسرة هي النواة الأولى للجماعة. ومن ثم هذه العناية بها وهذا التقديم.. وهي لليتامى تكافل بين الكبار والصغار في الجماعة، وبين الأقوياء فيها والضعفاء؛ وتعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية والرعاية الأبويتين؛ وحماية للأمة من تشرد صغارها، وتعرضهم للفساد، وللنقمة على المجتمع الذي لم يقدم لهم براً ولا رعاية.. وهي للمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون - وهم مع ذلك ساكنون لا يسألون ضناً بماء وجوههم - احتفاظ لهم بكرامة نفوسهم، وصيانة لهم من البوار، وإشعار لهم بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة، التي لا يهمل فيها فرد، ولا يضيع فيها عضو.. وهي لابن السبيل - المنقطع عن ماله وأهله - واجب للنجدة في ساعة العسرة، وانقطاع الطريق دون الأهل والمال والديار؛ وإشعار له بأن الإنسانية كلها أهل، وبأن الأرض كلها وطن، يلقى فيها أهلاً بأهل، ومالاً بمال، وصلة بصلة، وقراراً بقرار.. وهي للسائلين إسعاف لعوزهم، وكف لهم عن المسألة التي يكرهها الإسلام. وفي الإسلام لا يسأل من يجد الكفاية أو من يجد عملاً، فهو مأمور من دينه أن يعمل ولا يسأل، وأن يقنع ولا يسأل. فلا سائل إلا حيث يعييه العمل والمال.. وهي في الرقاب اعتاق وتحرير لمن أوقعه سوء عمله في الرق بحمل السيف في وجه الإسلام - حتى يسترد حريته وإنسانيته الكريمة. ويتحقق هذا النص إما بشراء الرقيق وعتقه، وإما بإعطائه ما يؤدي به ما كاتب عليه سيده في نظير عتقه. والإسلام يعلن حرية الرقيق في اللحظة التي يطلب فيها الحرية، ويطلب مكاتبته عليها - أي أداء مبلغ من المال في سبيلها، ومنذ هذه اللحظة يصبح عمله بأجر يحسب له، ويصبح مستحقاً في مصارف الزكاة، ويصبح من البر كذلك إعطاؤه من النفقات غير الزكاة.. كل أولئك ليسارع في فك رقبته، واسترداد حريته.. وإقامة الصلاة؟ ما قيمتها في مجال البر الذي هو جماع الخير؟ إن إقامة الصلاة شيء غير التولي قبل المشرق والمغرب. إنها توجه الإنسان بكليته إلى ربه، ظاهراً وباطناً جسماً وعقلاً وروحاً. إنها ليست مجرد حركات رياضية بالجسم. وليست مجرد توجه صوفي بالروح. فالصلاة الإسلامية تلخص فكرة الإسلام الأساسية عن الحياة. إن الإسلام يعترف بالإنسان جسماً وعقلاً وروحاً في كيان؛ ولا يفترض أن هناك تعارضاً بين نشاط هذه القوى المكونة في مجموعها للإنسان، ولا يحاول أن يكبت الجسم لتنطلق الروح، لأن هذا الكبت ليس ضرورياً لانطلاق الروح. ومن ثم يجعل عبادته الكبرى.. الصلاة. مظهراً لنشاط قواه الثلاث وتوجهها إلى خالقها جميعاً في ترابط واتساق. يجعلها قياماً وركوعاً وسجوداً تحقيقاً لحركة الجسد، ويجعلها قراءة وتدبراً وتفكيراً في المعنى والمبنى تحقيقا لنشاط العقل؛ ويجعلها توجها واستسلاماً لله تحقيقا لنشاط الروح.. كلها في آن.. وإقامة الصلاة على هذا النحو تذكر بفكرة الإسلام كلها عن الحياة، وتحقق فكرة الإسلام كلها عن الحياة.. في كل ركعة وفي كل صلاة. وإيتاء الزكاة؟.. إنه الوفاء بضريبة الإسلام الاجتماعية التي جعلها الله حقاً في أموال الأغنياء للفقراء، بحكم أنه هو صاحب المال، وهو الذي ملكه للفرد بعقد منه، من شروطه إيتاء الزكاة. وهي مذكورة هنا بعد الحديث عن إيتاء المال - على حبه - لمن ذكرتهم الآية من قبل على الإطلاق؛ مما يشير إلى أن الإنفاق في تلك الوجوه ليس بديلا من الزكاة، وليست الزكاة بديلة منه.. وإنما الزكاة ضريبة مفروضة، والإنفاق تطوع طليق.. والبر لا يتم إلا بهذه وتلك. وكلتاهما من مقومات الإسلام. وما كان القرآن ليذكر الزكاة منفردة بعد الإنفاق إلا وهي فريضة خاصة لا يسقطها الإنفاق، ولا تغني هي عن الإنفاق. والوفاء بالعهد؟ إنه سمة الإسلام التي يحرص عليها، ويكررها القرآن كثيراً؛ ويعدها آية الإيمان، وآية الآدمية وآية الإحسان. وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد وعلاقات الجماعات وعلاقات الأمم والدول. تقوم ابتداء على الوفاء بالعهد مع الله. وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعاً قلقاً لا يركن إلى وعد، ولا يطمئن إلى عهد، ولا يثق بإنسان، ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمة لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله، ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام. والصبر في البأساء والضراء وحين البأس؟.. إنها تربية للنفوس وإعداد، كي لا تطير شعاعاً مع كل نازلة، ولا تذهب حسرة مع كل فاجعة، ولا تنهار جزعاً أمام الشدة. إنه التجمل والتماسك والثبات حتى تنقشع الغاشية وترحل النازلة ويجعل الله بعد عسر يسراً. إنه الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله. ولا بد لأمة تناط بها القوامة على البشرية، والعدل في الأرض والصلاح، أن تهيأ لمشاق الطريق ووعثائه بالصبر في البأساء والضراء وحين الشدة. الصبر في البؤس والفقر. والصبر في المرض والضعف. والصبر في القلة والنقص. والصبر في الجهاد والحصار، والصبر على كل حال. كي تنهض بواجبها الضخم، وتؤدي دورها المرسوم، في ثبات وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال. ويبرز السياق هذه الصفة.. صفة الصبر في البأساء والضراء وحين البأس.. يبرزها بإعطاء كلمة {الصابرين} وصفاً في العبارة يدل على الاختصاص. فما قبلها من الصفات مرفوع أما هي فمنصوبة على الاختصاص بتقدير: "وأخص الصابرين".. وهي لفتة خاصة لها وزنها في معرض صفات البر.. لفتة خاصة تبرز الصابرين وتميزهم، وتخصص هذه السمة من بين سمات الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين وإيتاء المال - على حبه - وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد.. وهو مقام للصابرين عظيم، وتقدير لصفة الصبر في ميزان الله، يلفت الأنظار.. وهكذا تجمع آية واحدة بين أصول الاعتقاد، وتكاليف النفس والمال، وتجعلها كلاً لا يتجزأ، ووحدة لا تنفصم. وتضع على هذا كله عنواناً واحداً هو "البر" أو هو "جماع الخير" أو هو "الإيمان" كما ورد في بعض الأثر. والحق أنها خلاصة كاملة للتصور الإسلامي ولمبادىء المنهج الإسلامي المتكامل لا يستقيم بدونها إسلام. ومن ثم تعقب الآية على من هذه صفاتهم بأنهم: {أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون}.. أولئك الذين صدقوا ربهم في إسلامهم. صدقوا في إيمانهم واعتقادهم، وصدقوا في ترجمة هذا الإيمان والاعتقاد إلى مدلولاته الواقعة في الحياة. وأولئك هم المتقون الذين يخشون ربهم ويتصلون به، ويؤدون واجبهم له في حساسية وفي إشفاق.. وننظر نحن من خلال هذه الآية إلى تلك الآفاق العالية التي يريد الله أن يرفع الناس إليها، بمنهجه الرفيع القويم.. ثم ننظر إلى الناس وهم ينأون عن هذا المنهج ويتجنبونه، ويحاربونه، ويرصدون له العداوة، ولكل من يدعوهم إليه.. ونقلب أيادينا في أسف، ونقول ما قال الله سبحانه: يا حسرة على العباد! ثم ننظر نظرة أخرى فتنجلي هذه الحسرة، على أمل في الله وثيق، وعلى يقين في قوة هذا المنهج لا يتزعزع، ونستشرف المستقبل فإذا على الأفق أمل. أمل وضيء منير. أن لا بد لهذه البشرية من أن تفيء - بعد العناء الطويل - إلى هذا المنهج الرفيع. وأن تتطلع إلى هذا الأفق الوضيء.. والله المستعان.
ابن عاشور
تفسير : هذا كلام وقع معترضاً بين محاجة أهل الكتاب والمشركين في أمر القبلة، نزل هذا بسبب تردد واضطراب بين المسلمين في أمر السعي بين الصفا والمروة وذلك عام حجة الوداع، كما جاء في حديث عائشة الآتي، فهذه الآية نزلت بعد الآيات التي قبلها وبعد الآيات التي نقرؤها بعدَها، لأن الحج لم يكن قد فُرِض، وهي من الآيات التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإلحاقها ببعض السُّوَر التي نزلت قبل نزولها بمدة، والمناسبةُ بينها وبين ما قبلها هو أن العدول عن السعي بين الصفا والمروة يشبه فعل من عبر عنهم بالسفهاء من القبلة وإنكار العدول عن استقبال بيت المقدس، فموقع هذه الآية بعد إلحاقها بهذا المكان موقعُ الاعتراض في أثناء الاعتراض، فقد كان السعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج من زمن إبراهيم - عليه السلام - تذكيراً بنعمة الله على هاجر وابنها إسماعيل إذ أنقذه الله من العطش كما في حديث البخاري في كتاب بدء الخلق عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : أن هاجر أم إسماعيل لما تركها إبراهيم بموضع مكة ومعها ابنها وهو رضيع وترك لها جِراباً من تمر وسِقاءً فيه ماء، فلما نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظُر إليه يَتَلَوَّى فانطلقتْ كراهيةَ أن تنظُرَ إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً فهبطت من الصفا وأتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فلذلك سَعَى الناسُ بينهما، فسَمِعَت صوتاً فقالت في نفسها صه ثم تسمَّعَتْ فسَمِعَتْ أيضاً فقالت قد أَسْمَعْتَ إن كان عندَكَ غُواث، فإذا هي بالمَلك عند موضع زمزم فبحثَ بعقبه حتى ظهر الماء فشربت وأرضعَتْ ولَدَها»تفسير : ، فيحتمل أن إبراهيم سَعَى بين الصفا والمروة تذكُّراً لشكر النعمة وأمَرَ به إسماعيل، ويحتمل أن إسماعيل ألحقهُ بأفعال الحج، أو أن من جاء من أبنائه فَعَل ذلك فتقرر في الشعائر عند قريش لا محالة. وقد كان حوالي الكعبة في الجاهلية حجران كانا من جملة الأصنام التي جاء بها عَمْرو ابن لُحَيَ إلى مكة فعبدها العرب إحداهما يسمى إِسَافاً والآخر يُسمى نَائِلَةَ، كان أحدهما موضوعاً قرب جدارِ الكعبة والآخر موضوعاً قرب زمزم، ثم نقلوا الذي قرب الكعبة إلى جهة زمزم، وكان العرب يذبحون لهما، فلما جَدَّد عبد المطلب احتفار زمزم بعد أن دثَرَتْها جُرْهُمُ حين خروجِهم من مكة وبنَى سقاية زمزم نقل ذينك الصنمين فوضع إِسافاً على الصفا ونائلةَ على المروة، وجعل المشركون بعد ذلك أصناماً صغيرة وتماثيل بين الجبلين في طريق المسعى، فتوهم العرب الذين جاءوا من بعد ذلك أن السعي بين الصفا والمروة طواف بالصنمين، وكانت الأوس والخزرج وغسان يعبدون مناة وهو صنم بالمُشَلَّلِ قُرْب قُدَيْد فكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة تحرجاً من أن يطوفوا بغير صنمهم، في البخاري فيما علَّقه عن معمر إلى عائشة قالت «كان رجال من الأنصار مِمَّن كان يُهل لمناة قالوا يا نبيء الله كُنا لا نطوف بين الصفا والمروة «تعظيماً لمناة». فلما فتحت مكة وأزيلت الأصنام وأبيح الطواف بالبيت وحج المسلمون مع أبي بكر وسعت قريش بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي بين الصفا والمروة وسأل جمع منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هل علينا من حرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله هذه الآية. وقد روى مالك رحمهُ الله في «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال قلت لعائشة وأنا يومئذٍ حديث السن أرأيتِ قولَ الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}، فما على الرجُل شيء أن لا يَطَّوَّف بهما فقالت عائشة كَلاَّ لو كان كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هاته الآية في الأنصار كانوا يُهلون لمناة وكانت مناةُ حذوَ قُديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله: {إن الصفا والمروة}» الآية. وفي البخاري عن أنس كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكْنا عنهما فأنزل الله {إن الصفا والمروة}، وفيه كلام معمر المتقدم أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة. فتأكيد الجملة بإنَّ لأن المخاطبين مترددون في كونهما من شعائر الله وهم أَمْيَلُ إلى اعتقاد أن السعي بينهما من أحوال الجاهلية، وفي «أسباب النزول» للواحدي أن سؤالهم كان عام حجة الوداع، وبذلك كله يظهر أن هذه الآية نزلت بعد نزول آية تحويل القبلة بسنين فوضعها في هذا الموضع لمراعاة المناسبة مع الآيات الواردة في اضطراب الفرق في أمر القبلة والمناسك. والصفا والمروة اسمان لجُبَيْلَين متقابلين فأما الصفا فهو رأس نهاية جبل أبي قبيس، وأما المَرْوَة فرأس هو منتهى جبلُ قعَيقِعَان. وسُمي الصفا لأن حجارته من الصَّفا وهو الحجر الأملس الصُّلْب، وسميت المَروةُ مَروةً لأن حجارها من المَرْو وهي الحجارة البيضاء اللينة التي توري النار ويذبح بها لأن شَذْرها يخرج قطعاً محددة الأطراف وهي تضرب بحجارة من الصفا فتتشقق قال أبو ذؤيب: شعر : حتى كأنِّي للحَوَادِث مَرْوَة بِصَفَا المُشقَّرِ كلَّ يوم تفرع تفسير : وكأن الله تعالى لطف بأهل بمكة فجعل لهم جبلاً من المروة للانتفاع به في اقتداحهم وفي ذبائحهم، وجعل قبالته الصفا للانتفاع به في بنائهم. والصفا والمروة بقرب المسجد الحرام وبينهما مسافة سبعمائة وسبعين ذراعاً وطريق السعي بينهما يمر حذو جدار المسجد الحرام، والصفا قريب من باب يسمى باب الصفا من أبواب المسجد الحرام ويصعد الساعي إلى الصفا والمروة بمثل المدرجة. والشعائر جمع شعيرة بفتح الشين وشعارة بكسر الشين بمعنى العلامة مشتق من شعر إذا علم وفطن، وهي فعيلة بمعنى مفعولة أي معلم بها ومنه قولهم أشعر البعير إذا جعل له سمة في سنامه بأنه معد للهدي. فالشعائر ما جعل علامة على أداء عمل من عمل الحج والعمرة وهي المواضع المعظمة مثل المواقيت التي يقع عندها الإحرام، ومنها الكعبة والمسجد الحرام والمقام والصفا والمروة وعرفة والمشعر الحرام بمزدلفة ومنى والجمار. ومعنى وصف الصفا والمروة بأنهما من شعائر الله أن الله جعلهما علامتين على مكان عبادة كتسمية مواقيت الحج مواقيت فوصفهما بذلك تصريح بأن السعي بينهما عبادة إذ لا تتعلق بهما عبادة جعلا علامة عليها غير السعي بينهما، وإضافتهما إلى الله لأنهما علامتان على عبادته أو لأنه جعلهما كذلك. وقوله: {فمن حج البيت} تفريع على كونهما من شعائر الله، وأن السعي بينهما في الحج والعمرة من المناسك فلا يريبه ما حصل فيهما من صُنع الجاهلية لأن الشيء المقدس لا يزيل تقديسه ما يحف به من سيء العوارض، ولذلك نبه بقوله {فلا جناح} على نفي ما اختلج في نفوسهم بعد الإسلام كما في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها. والجناح بضم الجيم الإثم مشتق من جنح إذا مال لأن الإثم يميل به المرء عن طريق الخير، فاعتبروا فيه المَيل عن الخير عكس اعتبارهم في حنف أنه ميل عن الشر إلى الخير. والحج اسم في اللغة للقصد وفي العرف غلب على قصد البيت الحرام الذي بمكة لعبادة الله تعالى فيه بالطواف والوقوف بعرفة والإحراممِ ولذلك صار بالإطلاق حقيقة عرفية في هذا المعنى جِنْساً بالغلبة كالعَلَم بالغلبة ولذلك قال في «الكشاف» «وهما (أي الحج والعُمرة) في المعاني كالنجْم والبيت في الذَّوات»، فلا يحتاج إلى ذكر مضاف إليه إلاّ في مقام الاعتناء بالتنصيص ولذلك ورد في القرآن مقطوعاً عن الإضافة نحو {الحجُّ أَشْهُرٌ معلومات} إلى قوله: { أية : ولا جدال في الحج } تفسير : [البقرة: 197]، وورد مضافاً في قوله: { أية : ولله على الناس حج البيت } تفسير : [آل عمران: 97] لأنه مقام ابتداء تشريع فهو مقام بيان وإطناب. وفِعْل حَج بمعنى قصد لم ينقطع عن الإطلاق على القصد في كلام العرب فلذلك كان ذكر المفعول لزيادة البيان. وأما صحة قولك حج فلان وقوله - صلى الله عليه وسلم - « حديث : إن الله كتب عليكم الحج فحُجُّوا » تفسير : بدون ذكر المفعول فذلك حذفٌ للتعويل على القرينة فغلبة إطلاق الفعل على قصد البيت أقل من غلبة إطلاق اسم الحج على ذلك القصد. والعمرة اسم لزيارة البيت الحرام في غير وقت الحج أو في وقته بدون حضور عرفة فالعمرة بالنسبة إلى الحج مثل صلاة الفذ بالنسبة لصلاة الجماعة، وهي بصيغة الاسم علم الغلبة على زيارة الكعبة، وفعلُها غلب على تلك الزيارة تبعاً لغلبة الاسم فساواه فيها ولذلك لم يذكر المفعول هنا ولم يسمع. والغلبة على كل حال لا تمنع من الإطلاق الآخر نادراً. ونفي الجناح عن الذي يطوف بين الصفا والمروة لا يدل على أكثر من كونه غير منهي عنه فيصدق بالمباح والمندوب، والواجب والرُّكنِ، لأن المأذون فيه يصدق بجميع المذكورات فيُحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر ولذلك قالت عائشة لعروة «لو كان كما تقول لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، قال ابن العربي في «أحكام القرآن» إن قول القائل لا جناج عليك أن تفعل إباحة للفعل وقوله لا جناح عليك أن لا تفعل إباحة لترك الفعل فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف ولا فيه دليل عليه وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان تحرج منه في الجاهلية أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصداً للأصنام التي كانت فيه اهــــ. ومراده أَنَّ لا جناح عليك أن تفعل نص في نفي الإثم عن الفاعل وهو صادق بالإباحة والندب والوجوب فهو في واحد منها مجمل، بخلاف لا جناح عليك أن لا تفعل فهو نص في نفي الإثم التالي وهو صادق بحرمة الفعل وكراهيته فهو في أحدهما مجمل، نعم إن التصدي للإِخبار بنفي الإثم عن فاعل شيء يبدو منه أن ذلك الفعل مظنة لأن يكون ممنوعاً هذا عرف استعمال الكلام فقولك لا جناح عليك في فعل كذا ظاهر في الإباحة بمعنى استواء الوجهين دون الندب والوجوب إذ لا يعمد أحد إلى واجب أو فرض أو مندوب فيقول فيه إنه لا جناح عليكم في فعله، فمن أجْل ذلك فهم عروة بن الزبير من الآية عدم فرضية السعي، ولقد أصاب فهماً من حيث استعمال اللغة لأنه من أهل اللسان، غير أن هنا سبباً دعا للتعبير بنفي الإثم عن الساعي وهو ظن كثير من المسلمين أن في ذلك إثماً، فصار الداعي لنفي الإثم عن الساعي هو مقابلة الظن بما يدل على نقيضه مع العلم بانتفاء احتمال قصد الإباحة بمعنى استواء الطرفين بما هو معلوم من أوامر الشريعة اللاحقة بنزول الآية أو السابقة لها، ولهذا قال عروة فيما رواه « حديث : وأنا يومئذٍ حديثُ السن » تفسير : يريد أنه لا علم له بالسنن وأسبابا النزول، وليس مراده من حداثة سنه جهلَه باللغة لأن اللغة يستوي في إدراك مفاداتها الحديث والكبير، ولهذا أيضاً قالت له عائشة «بئسما قلتَ يا ابنَ أختي» تريد ذَم كلامه من جهة ما أداه إليه من سوء فهم مقصد القرآن لو دام على فهمه ذلك، على عادتهم في الصراحة في قول الحق، فصار ظاهر الآية بحسب المتعارف مؤولاً بمعرفة سبب التصدي لنفي الإثم عن الطائف بين الصفا والمروة. فالجناح المنفي في الآية جُناح عَرَض للسعي بين الصفا والمروة في وقت نصب إساف ونائلةَ عليهما وليس لذات السعي، فلما زال سببه زال الجناح كما في قوله تعالى: { أية : فلا جناح عليهما أن يُصلحا بينهما صلحاً والصلح خير } تفسير : [النساء: 128] فنفى الجناح عن التصالح وأثبت له أنه خير فالجناح المنفي عن الصلح ما عَرَض قبله من أسباب النشوز والإعراضِ، ومثله قوله: { أية : فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه } تفسير : [البقرة: 182] مع أن الإصلاح بينهم مرغب فيه وإنما المراد لا إثم عليه فيما نقصَ من حق أحد الجانبين وهو إثم عارض. والآية تدل على وجوب السعي بين الصفا والمروة بالإخبار عنهما بأنهما من شعائر الله فلأجل هذا اختلفت المذاهب في حكم السعي فذهب مالك رحمه الله في أَشْهَر الروايتين عنه إلى أنه فرض من أركان الحج وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور، ووجهه أنه من أفعال الحج وقد اهتم به النبي - صلى الله عليه وسلم - وبادر إليه كما في حديث «الصحيحين» و«الموطأ» فلما تردد فعله بين السنية والفرضية قال مالك بأنه فرض قضاء لحق الاحتياط ولأنه فعل بسائر البدن من خصائص الحج ليس له مثيل مفروض فيُقاس على الوقوف وطواف الإفاضة والإحرامِ، بخلاف ركعتي الطواف فإنهما فعل ليس من خصائص الحج لأنه صلاة، وبخلاف ترك لبس المخيط فإنه تَرْك، وبخلاف رَمي الجمار فإنه فعل بعضو وهو اليد. وقولي ليس له مثيل مفروض لإخراج طواف القودم فإنه وإن كان فعلاً بجميع البدن إلا أنه به مثيل مفروض وهو الإفاضة فأغنى عن جعله فرضاً، ولقوله في الحديث: « حديث : اسْعَوْا فإن الله كتب عليكم السعي »، تفسير : والأمرُ ظاهر في الوجوب، والأصل أن الفرض والواجب مترادفان عندنا في الحج، فالواجب دون الفرض لكن الوجوب الذي هو مدلول الأمر مساوٍ للفرض. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب ينجبر بالنسك واحتج الحنفية لذلك بأنه لم يثبت بدليل قطعي في الدلالة فلا يكون فرضاً بل واجباً لأن الآية قطعية المتن فقط والحديث ظني فيهما، والجواب أن مجموع الظواهر من القول والفعل يدل على الفرضية وإلاّ فالوقوف بعرفة لا دليل على فرضيته وكذلك الإحرام فمتى يثبت هذا النوع المسمى عندهم بالفرض؟ وذهب جماعة من السلف إلى أنه سنة. وقوله: {ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم} تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعي بين الصفا والمروة بمفاد قوله: {من شعائر الله}، والمقصد من هذا التذييل الإتيان بحكم كلي في أفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل أو نوافل فقط فليس المقصود من {خيراً} خصوص السعي لأن خيراً نكرة في سياق الشرط فهي عامة ولهذا عطفت الجملة بالواو دون الفاء لئلا يكون الخير قاصراً على الطواف بين الصفا والمروة بخلاف قوله تعالى في آية الصيام في قوله: { أية : وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خيرٌ له } تفسير : [البقرة: 184] لأنه أريد هنالك بيان أن الصوم مع وجود الرخصة في الفطر أفضلُ من تركه أو أن الزيادة على إطعام مسكين أفضل من الاقتصار عليه كما سيأتي. وتطوَّع يطلق بمعنى فعل طاعة وتكلفها، ويطلق مطاوعَ طوَّعه أي جعله مطيعاً فيدل على معنى التبرع غالباً لأن التبرع زائد في الطاعة. وعلى الوجهين فانتصاب {خيراً} على نزع الخافض أي تطوع بخير أو بتضمين {تطوع} معنى فَعَل أو أتى. ولما كانت الجملة تذييلاً فليس فيها دلالة على أن السعي من التطوع أي من المندوبات لأنها لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع عظيم، على أن {تطوع} لا يتعين لكونه بمعنى تبرع بل يحتمل معنى أتى بطاعة أو تكلف طاعة. وقرأ الجمهور: {ومن تطوع} بصيغة الماضي، وقرأه حمزة والكسائي ويعقوب وخلَف يَطَّوَّع بصيغة المضارع وياء الغيبة وجزم العين. و{مَنْ} هنا شرطية بدليل الفاء في جوابها. وقوله: {فإن الله شاكر عليم} دليل الجواب إذ التقدير ومن تطوع خيراً جوزي به لأن الله شاكر أي لا يضيع أجر محسن، عليم لا يخفى عنه إحسانه، وذكر الوصفين لأن ترك الثواب عن الإحسان لا يكون إلاّ عن جحود للفضيلة أو جهل بها فلذلك نفيا بقوله: {شاكر عليم} والأظهر عندي أن {شاكر} هنا استعارة تمثيلية شبه شأن الله في جزاء العبد على الطاعة بحال الشاكر لمن أسدي إليه نعمة، وفائدة هذا التشبيه تمثيل تعجيل الثواب وتحقيقه لأن حال المحسن إليه أن يبادر بشكر المحسن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الصفا والمروة: جبل مقابل البيت في الجهة الشرقية الجنوبية، والمروة جبل آخر مقابل الصفا من الجهة الشمالية والمسافة بينهما قرابة (760) ذراعاً. شعائر الله: أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة على عبادة الله تعالى فالسعي بين الصفا والمروة شعيرة لأنه دال على طاعة الله تعالى. الحج: زيارة بيت الله تعالى لأداء عبادات معينة تسمى نسكاً. العمرة: زيارة بيت الله تعالى للطواف به والسعي بين الصفا والمروة والتحلل بحلق شعر الرأس أو تقصيره. الجناح: الإثم وما يترتب على المخالفة بترك الواجب أو بفعل المنهي عنه. يطوَّف: يسعى بينهما ذاهباً جائياً. خيراً: الخير إسم لكل ما يجلب المسرة، ويدفع المضرة والمراد به هنا العمل الصالح. معنى الآية الكريمة: يخبر تعالى مقرراً فرضية السعي بين الصفا والمروة، ودافعاً ما توهمه بعض المؤمنين من وجود إثم في السعي بينهما نظراً إلى أنه كان في الجاهلية على الصفا صنم يقال له إسافٌ، وآخر على المروة يقال له نائلة يتمسح بهما من يسعى بين الصفا والمروة فقال تعالى: إن الصفا والمروة يعني السعي بينهما من شعائر الله أي عبادة من عباداته إذ تعبد بالسعي بينهما نبيه إبراهيم وولده إسماعيل والمسلمون من ذريتهما. فمن حج البيت لأداء فريضة الحج أو اعتمر لأداء واجب العمرة فليسع بينهما أداءً لركن الحج والعمرة ولا إثم عليه في كون المشركين كانوا يسعون بينهما لأجل الصنمين: اساف ونائلة. ثم أخبر تعالى واعداً عباده المؤمنين أن من يتطوع منهم بفعل خير من الخيرات يجزه به ويثبه عليه، لأنه تعالى يشكر لعباده المؤمنين أعمالهم الصالحة ويثيبهم عليها لعلمه بتلك الأعمال ونيات أصحابها، هذا معنى قوله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. هداية الآية الكريمة: من هداية هذه الآية: 1- وجوب السعي بين الصفا والمروة لكل من طاف بالبيت حاجاً أو معتمراً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"تفسير : . (رواه الدارقطني ولم يعل) وسعى صلى الله عليه وسلم في عمراته كلها وفي حجه كذلك. 2- لا حرج في الصلاة في كنيسةٍ حولت مسجداً، ولا يضر كونها كانت معبداً للكفار. 3- الترغيب في فعل الخيرات من غير الواجبات، وذلك من سائر النوافل كالطواف والصلاة والصيام والصدقات والرباط والجهاد.
القطان
تفسير : الصفا والمروة: جُبيلان في مكة في الحرم. شعائر الله والمشاعر: المناسك والعبادات. الحج: الذهاب الى بيت الله الحرام في ايام موقوتة وذلك على من استطاع. العمرة: معناها في اللغة الزيارة، وفي الشرع الزيارة لأداء مناسكها. فلا جناح عليه: لا اثم عليه. التطوع: التبرع بالخير. كان بين الصفا والمروة سوق تجارية عامة فكان في السعي بينهما بعض المتاعب، نتيجة لما يصادفه الساعي من الاحتكاك بالناس والحيوان. والمسافة بينهما نحو 760 ذراعا. وقد ازيل السوق وضم الى الحرم، ونظم السعي حيث جعل على قسمين: قسم للذهاب وآخر للاياب وبينهما حاجز. ومهما كان في السعي من زحام فان المرء يسعى بكل راحة واطمئنان. وقد كان في زمن الجاهلية على كل من الصفا والمروة صنم يطوف به أهل مكة ويتبركون. فلما جاء الاسلام تحرج بعض المسلمين، وقالوا كيف نطوف في هذا المكان وقد كان المشركون يتبركون بالاصنام فيه؟ كذلك كان أهل يثرب يحجون الى مناة، الصنم المشهور، فقالوا: بعد اسلامهم: يا رسول الله، إنا كنا في الجاهلية لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج ان نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...} الآية. ان هذين الموضعين من مناسك الحج والعمرة، فمن أدى فريضة الحج أو اعتمر فلا يتخوف من الطواف بينهما، ولا حرج على من زاد وأكثر من الطاعة في العبادة فان الله تعالى يجازيه على الإحسان احسانا. ذلك انه مهما استكثر المؤمن من عمل الخير فان الله يزيده من الأجر أضعافا مضاعفة. وفي هذا تعليم لنا وتأديب كبير، فاذا كان الله تعالى يشكرنا على تأدية الواجبات وعمل الطاعات فإن معنى هذا أن نشكر الله على ما أسبغ علينا من النعم الكثيرة. كذلك فيه تعليم لنا ان نشكر كل من أسدى الينا معروفا، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. القراءات: قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "ومن يطَّوَّع" بالياء والادغام.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَعَآئِرِ} (158) - كَانَ الأَنْصَارُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ عِنْدَ المُشَلِّلِ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بالصَّفَا والمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّنا كُنَّا نَتحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فِي الجَاهِلِيَّة، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم السَّعيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَيسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطُّوافَ بِهِمَا سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ الصَّنَمُ (أَسَاف) عَلَى الصَّفَا، وَكَانَتْ نَائِلَةُ (صَنَمٌ) عَلَى المَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا، فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الإِسْْلامِ مِنَ الطَّوافِ بَيْنَهُما، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَمَنْ تَطَوَّعَ للهِ فَزَادَ فِي طَوَافِهِ شَوْطاً ثَامِناً أوْ تَاسِعاً، أَوْ مَنْ تَطَوَّعَ فِي عِبَادَتِهِ فَزَادَ فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُثِيبُهُ عَلَى ذلِكَ، وَلاَ يَبْخَسُ أحَداً ثَوَابَ عَمَلٍ عَمِلَهُ. الشَّعَائرُ - هِيَ مَا شَرَعَهُ اللهُ لِمَصْلَحَةٍ لاَ يُعْرَفُ سِرُّهَا كَالحَجِّ وَالسَّعيِ. فَلاَ جُنَاحَ عَليهِ - فَلا إِثْمَ وَلاَ حَرَجَ. يَطَّوَّفَ بِهِمَا - يَسْعَى بَيْنَهُمَا.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس: شعر : لها كفل كصفا المسيل أبرز عنها جحاف مضر تفسير : يقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفا مثل رجا وأرجاء، وصَفا وصَفيِ مثل عصا وعصي، قال الراجز: شعر : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصّفي تفسير : والمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي: شعر : حتّى كأنّي للحوادث مروة بصفا المشرق كل يوم تقرع تفسير : أي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته: شعر : وترى الأرض خفاً زائلاً فإذاما صادف المرو رضخ تفسير : وإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلُّ كان معلّما لقربان يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ من دعاء وصلاة من ذبيحة واداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة. قال الكميت بن زيد: شعر : نقتلهم جيلاً فجيلاً تراهم شعائر قربان بهم يتقرب تفسير : وأصلها من الأشعار وهي الاعلام على الشيء. وفي الحديث إنّ قائلاً قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دماً، وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله عزّ وجلّ إعلاماً لطاعته، وقال مجاهد: يعني من الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله عباده أمر الصفا والمروة. وتقدير الآية: إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله، فترك ذكر الطّواف وإكتفى بذكرهما (وذلك) معلوماً عند المخاطبين. {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ} أصل الحجّ في اللغة: القصد. قال الشاعر: شعر : كراهب يحجّ بيت المقدس ذي موحد ومنقل (وبرنس) تفسير : وقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. وقال المحمل السعدي: شعر : واشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون بيت الزبرقان المزعفرا تفسير : أي يكثرون التردد إليه لودده ورئاسته. وقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمَّ ينصرف عنه إلى منى ثمَّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج: {أَوِ ٱعْتَمَرَ} من العمرة وهي الزيارة. قال العجاج: شعر : لقد سما ابن معمر حين اعتمر معزى بعيداً من بعيد وضبر تفسير : أي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: {أَوِ ٱعْتَمَرَ} أي حلّ بمكّة بعد الطواف والسّعي ففعل ما يفعل الحلال. والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: اصلاحه ومرمّته. وعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينّفي الكير خبث الحديد ". تفسير : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} الجناح الإثمّ وأصله من جنح إذا مال عن القصد. يقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته. وجنحت السفينه: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} تفسير : [الأنفال: 61] ومنه جناح الطائر. {أَن يَطَّوَّفَ} أي يدور وأصله يتطوف فادغمت التاء في الطّاء. وقرأ أبو حيوة الشّامي: يطوف مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب تنزيلها. قال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية. وقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: إنطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة إمرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة. وزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله عزّ وجلّ حجرين فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة: كان [حي من تهامة لايسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم وإسماعيل عليه السلام. وروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: حديث : قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} الآية، والله ما على أحد جناح ألاّ يطوف بين الصفا والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولّها ما كان عليه جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّهما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (رضي الله عنها) قد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما. فليس لأحد تركه . تفسير : قال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام. فقال: هذا العلم. وقال مقاتل بن حيّان: حديث : إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمساً لتشددّهم في دينهم والحماسة والشجّاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية . تفسير : واختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض واحد ومن تركه لزمه القضاء والاعادة فلا تجزية فدية ولا شيء إلاّ العود إلى مكّة والطّواف بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلاّ قضاؤه بعينه. وقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والآخر بين الصفا والمروة وحكمها واحد. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. وقال أنس بن مالك وعبدالله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل يكن محسناً، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جُناح عليه أن لا يطّوف بهما بإثبات لا، وكذلك هو في مصحف عبدالله والجواب عنه أن (لا): زيادة صلة كقوله {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12]، وكقوله {أية : أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 95]، و {أية : لاَ أُقْسِمُ} تفسير : [القيامة: 1، 2] [البلد: 1]، وقال الشاعر: شعر : فلا ألوم البيض آلاّ تسخرا لمّا رأين الشمط القفندرا تفسير : فأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه (تمجّح) حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام. ثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه أعادة الحج ناسياً تركه أو عامداً بظاهر الأخبار. إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وأمر به. روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصّفا في حجّته قال: "حديث : إنّ الصفا والمروة من شعائر الله إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى ". تفسير : وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا ". تفسير : قال كليب: رأى ابن عبّاس قوماً يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل إنطلقت حين عطش إبنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ سعت سعي الأنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرّات. وقال محمّد: حجّ موسى صلى الله عليه وسلم على جبل أحمر وعليه عبائتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله عزّ وجلّ لبيّك عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجداً. {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} قرأ حمزة والكسائي تطوّع بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً بقراءة عبدالله ومن تطوع بالتّاء. وقرأ الباقون: تطوّع بالتاء وضعف العين على المضي. قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من النبيينّ. وقال مقاتل والكلبي: ومن تطوّع خير زاد في الطواف ففيه الواجب. وقال ابن زيد: ومن تطوّع خيراً فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع. وقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه. وقال الحسن وغيره: ومن تطوّع خيراً يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها. {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} مجاز بعمله. {عَلِيمٌ} بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب: دابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال والحرام. {وَٱلْهُدَىٰ} يعني وأمر محمّد صلى الله عليه وسلم ونعته. {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ} لبني إسرائيل. {فِي ٱلْكِتَابِ} في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له: {أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} تفسير : [الحجر: 34] [ص: 77]. قال الشّماخ: وذكر ما ورده: شعر : ذعرت به القطا وبقيت فيه مقام الذّئب كالرّجل اللّعين تفسير : وقال النّابغة: شعر : فبتّ كانّني خرج لعين نفاه النّاس أو أدنف طعين تفسير : فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار قولاً. {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللّهمّ إلعنهم واختلف المفسّرون في هؤلاء اللاّعنين. قال قتادة: هم الملائكة. عطاء: الجنّ والأنس. الحسن: عباد الله أجمعون. ابن عبّاس: كلّ شيء إلاّ الجنّ والأنس. الضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلاّ الثّقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلاّ لعنه فذلك قوله {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}. البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلاّ لعنه ولا يبقى شيء إلاّ سمع صوته غير الثقلين. ابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها الّذي قيلت له أهلاً لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلاً فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله عزّ وجلّ {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من اليهود. مجاهد: اللاّعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم. عكرمة: دوّاب الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللاّعنون ولم يقل اللاعنات؛ لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئاً من الجمادات والبهائم وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4] ولم يقل ساجدات، وقوله للأصنام {أية : قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 63]، وقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} تفسير : [النمل: 18]، وقوله {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} تفسير : [فصلت: 21] الآية ثمَّ استثنى فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} من الكفر. {وَأَصْلَحُواْ} الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم. {وَبَيَّنُواْ} صفة محمّد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. {فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم. {وَأَنَا التَّوَّابُ} الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني. {الرَّحِيمُ} بهم بعد إقبالهم عليّ. {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} واو حال. {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ} أي ولعنة الملائكة. {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين. أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله عزّ وجلّ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه النّاس أجمعين. السّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلاّ وجبت تلك اللعنة على الكافر لإنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه. {خَالِدِينَ فِيهَا} مقيمين في اللعنة والنّار. {لاَ يُخَفَّفُ} لا يرفّه عنهم العذاب. {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية: لا ينظرون: فيعذرون كقوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35-36].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والصفا والمروة جبلان صغيران، يعرفهما الذين زاروا الأماكن المقدسة، والذين لم يذهبوا؛ أسأل الله أن يروهما عين اليقين، وحين يرونهما يكون هذا علم اليقين. وهذان الجبلان كانت سيدتنا هاجر أم إسماعيل قد ترددت بينهما لتطلب الماء لولدها، بعد أن تركهما إبراهيم عليه السلام عند بيت الله الحرام. وبالله عليك، فبماذا تفكر امرأة عندما يتركها زوجها مع رضيعها في مكان لا طعام فيه ولا ماء؟ هنا قالت هاجر قولتها المشهورة: - إلى من تكلنا؟ آلله أمرك بذلك؟ فقال سيدنا إبراهيم: نعم، فقالت: إذن لن يضيعنا، لقد استغنت بالخالق عن المخلوق، ولم تنطق مثل هذا القول إلا بوحي من المسبب، وهذه أول قضية إيمانية مع ملاحظة الأرضية الإيمانية التي وجدت عليها، حينما دعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلاً:{أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..}تفسير : [إبراهيم: 37]. وإذا قرأت "غير ذي زرع" فاعلم أنه غير ذي ماء، فحيث يوجد الماء؛ يوجد الزرع، فالماء هو الأصل الأصيل في استبقاء الحياة، وعندما يغيب الماء عن أم ووليدها، فماذا يكون حالهما؟ لقد عطش ولدها وأرادت أن تبحث عن نبع ماء أو طير ينزل في مكان لتعلم أن فيه ماء، أو ترى قافلة تسير ومعها ماء؛ لذلك خرجت إلى أعلى مكان وتركت الوادي، وصعدت إلى أعلى جبل الصفا فلم تجد شيئاً، فنظرت إلى الجهة الأخرى؛ إلى المروة، وصعدت عليها فلم تجد شيئاً، وظلت تتردد بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ولنا أن نتصور حالتها، امرأة في مثل سنها، وفي مثل وحدتها، وفي مثل عدم وجود ماء عندها، ولابد أنها عطشت كما عطش وليدها، وعندما بلغ منها الجهد، انتهت محاولاتها، وعادت إلى حيث يوجد الوليد. ولو أن سعيها بين الصفا والمروة أجدى، فرأت ماء لقلنا: إن السعي وحده قد جاء لها بالماء، لكنها هي التي قالت من قبل: "إذن لن يضيعنا"، وهي بهذا القول قد ارتبطت بالمسبِّب لا بالسبب، فلو أنه أعطاها بالسبب المباشر وهو بحثها عن الماء لما كان عندها حجة على صدقها في قولها: "إذن لن يضيعنا". ويريد الحق أن ينتهي سعيها سبع مرات بلا نتيجة، وتعود إلى وليدها؛ فتجد الماء عند قدم الوليد. وهكذا صدقت هاجر في يقينها، عندما وثقت أن الله لن يضيعها، وأراد الله أن يقول لها: نعلم لن أضيعك، وليس بسعيك؛ ولكن بقدم طفلك الرضيع؛ يضرب بها الأرض، فينبع منها الماء. وضرب الوليد للأرض بقدمه سبب غير فاعل في العادة، لكن الله أراده سبباً حتى يستبقى السببية ولو لم تؤد إلى الغرض. وحين وجدت هاجر الماء عند قدم رضيعها أيقنت حقاً أن الله لم يضيعها. وظل السعي شعيرة من شعائر الحج إلى بيت الله الحرام، استدامة لإيمان المرء بالمسبب وعدم إهماله للسبب، وحتى يقبل الإنسان على كل عمل وهو يؤمن بالمسبب. ولذلك يجب أن نفرق بين التوكل والتواكل. إن التوكل عمل قلب وليس عمل جوارح، والتواكل تعطيل عمل جوارح. ليس في الإسلام تواكل، إنما الجوارح تعمل والقلوب تتوكل. هكذا كان توكل هاجر، لقد عملت وتوكلت على الله؛ فرزقها الله بما تريد بأهون الأسباب، وهي ضربة قدم الوليد للأرض، وبقيت تلك المسألة شعيرة من شعائر الحج وهي سبعة أشواط بين الصفا والمروة. وعندما غفل الناس عن عبادة الله، ودخلت عبادة الأصنام في الجزيرة العربية، أوجدوا على جبل الصفا صنما أسموه "إسافاً" وعلى المروة صنماً أسموه "نائلة"، وكانوا يترددون بين إساف ونائلة، لا بين الصفا والمروة، لقد نقلوا العبادة من خالصية التوحيد إلى شائبية الوثنية. فلما جاء الإسلام أراد الله ألاَّ يوجه المسلمين في صلاتهم إلى البيت المحرم إلا بعد أن يطهر البيت ويجعله خالصاً لله، فلما ذهب بعض المؤمنين إلى الكعبة تحرجوا أن يسعوا بين الصفا والمروة؛ لأن "إسافاً" و"نائلة" فوق الجبلين، فكأنهم أرادوا أن يقطعوا كل صلتهم بعادات الجاهلية، واستكبر إيمانهم أن يترددوا بين "إساف" و"نائلة"، فأنزل الله قوله الحق: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]. أي لا تتحرجوا في هذا الأمر، لأنكم ستسعون بين الصفا والمروة؛ لا بين إساف ونائلة كما كان يفعل المشركون الوثنيون، إذن فالعمل هنا كان بالنية. لقد كانت نية السعي الأولى عند هاجر هي الإيمان بالله والأخذ بالأسباب، لكن الوثنية قلبت قمة الإيمان إلى حضيض الكفر، وكان لابد أن يستعيد المسلمون نية الإيمان الأولى عند زيارة البيت المحرم بالسعي بين الصفا والمروة، فنحن في الإسلام نرضخ لأمر الآمر، قال لنا: "قَبِّلوا الحجر الأسود"، وفي الوقت نفسه أمرنا أن نرجم الحجر الذي يرمز إلى إبليس، هكذا تكون العبرة بالنية؛ وليس بشكل العمل، وتكون العبرة في إطاعة أمر الله. وكأن الحق بهذه الآية يقول للمؤمنين: إن المشركين عبدوا "إسافاً" و"نائلة"، لكن أنتم اطرحوا المسألة من بالكم، واذهبوا إلى الصفا والمروة، فالصفا والمروة من شعائر الله، وليستا من شعائر الوثنية، ولكن ضلال المشركين هو الذي خلع عليهما الوثنية في إساف وفي نائلة. لقد أراد الوثنيون بوضع "إساف" على الصفا "ونائلة" على المروة أن يأخذوا صفة التقديس للأوثان، فلولا أن الصفا والمروة من المقدسات سابقاً لما وضعوا عليهما أحجارهم ولما جاءوا بأصنامهم ليضعوها على الكعبة، هذا دليل على أن قداسة هذه الأماكن أسبق من أصنامهم، لقد حموا وثنيتهم بوضع "إساف" و"نائلة" على الصفا والمروة. وبعد أن بَيَّن الحق للمؤمنين أن الصفا والمروة من شعائر الله، ينبه على أن المكين - ساكن المكان - لا ينجس المكان، بدليل أن الإيمان عندما كُتِبَتْ له الغلبة، كسر الأصنام وأزالها من الكعبة وأصبح البيت طاهراً، وعندما كان المؤمنون يتحرجون عن أن يفعلوا فعلاً من أفعال الجاهلية طمأنهم الحق سبحانه وتعالى، وقال لهم: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 158]. وكلمة "صفا" معناها الحجر الأملس، وأصبح كذلك من كثرة الملامسين له على مر الزمان، وقيل: إن الصفا منسوبة إلى اصطفاء آدم، وقيل: إن المروة منسوبة إلى المرأة التي هي حواء، لكنه كلام يقال لا نتوقف عنده كثيراً، لأنه علم لا ينفع وجهل لا يضر، فالمهم بالنسبة لنا أنه مكان ترددت بينه هاجر وهي تطلب الماء لابنها، إن الحق جعل السعي بينهما من شعائر الله، والشعائر هي معالم العبادة، وتطلق دائماً على المعالم المكانية، ويقال: هذا مطاف، وهذا مسعى، وهذا مرمى الجمرات، وهذا المشعر الحرام. إن كلمة "المشعر" تعني المكان الذي له عبادة مخصوصة، وبما أن الصفا والمروة مكانان، فقد جاء وصفهما بأنهما {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 158]. {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] كأن الحج والعمرة لهما شيء يجعلهما في مقام الفرضية ولهما شيء آخر يجعلهما في مقام التطوع، فإن أدى المسلم الحج والعمرة مرة يكون قد أدى الفرض، وهذا لا يمنع من أن تكرار الحج والعمرة هو تطوع مقبول بإذن الله، له شكر من الله. وساعة نقول: "لا جناح عليك أن تفعل كذا" فمعنى ذلك أنك إن فعلت فلا إثم عليك، لكن ليس خطأ في أن تفعل، وليس فرضاً في أن تفعل، وهذا ما جعل بعض الناس يقولون: إن السعي بين الصفا والمروة ليس ركناً من أركان الحج، ونقول لهؤلاء: هذه آية جاءت لسبب، وهو أنهم كانوا يتحرجون من الطواف في مكان يطوف فيه المشركون فقال لهم: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]. إن نفي الجناح لا يعني أنك إن لم تفعل يصح، لا، إنه سبحانه يرد على حالة كانوا يتحرجون منها، وقوله تعالى: {يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] يستدعي منا وقفة، إن الحاج أو المعتمر يسعى بين الصفا والمروة، فلماذا وصف الحق هذا السعي بـ {يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]؟. لكي نعرف ذلك؛ لابد أن نوضح معنى "طاف" و"جال" و"دار". إنَّ "طاف" تعني "دار حول الشيء"، فما هي الدورة التي بين الصفا والمروة؛ حتى يسميها الحق طوافاً؟. إن الدائر حول الدائرة يبدأ من أي نقطة منها كبداية، لتكون تلك النقطة نهاية، فكل طواف حول دائرة تجد فيه أن كل بداية فيها تعتبر نهاية، وكل نهاية تعتبر بداية، وأي حركة من وإلى شيء واحد يصنع دائرة. وصحيح أن من يسعى بين الصفا والمروة لا يدور، ولكنه سيذهب من الصفا إلى المروة ثم ينقلب عائداً إلى الصفا، ثم منها إلى المروة، وهكذا يصير الأمر طوافاً. ومثال آخر من حياتنا اليومية، إن الشرطي الذي يطوف لحراسة الشوارع والمنازل بالليل، قد يلف المدينة كلها، ويمكن أن يلف شارعاً واحداً هو مكان حراسته، هذا الدوران في الشارع من أوله إلى آخره عدة مرات يسمى طوافاً بينهما، وهكذا نفهم معنى {يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، أي يمشي بينهما عدة مرات من بداية إلى نهاية. وهكذا نجد أن السعي بين الصفا والمروة هو جزء من شعائر الحج والعمرة. ونجد أن الفرضية في الحج والعمرة أساسية، والتطوع بتكرار الحج والعمرة هو خير. {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] وهذا القول يقتضي أن نفهم أن الشاكر أصابته نعمة من المشكور، فما الذي أصاب الحق هنا من تكرار الحج؟. إن المؤمن عندما يؤدي ما افترضه الله عليه فهو يؤدي الفرض، لكن عندما يزيد بالتطوع حباً في النسك ذاته فهذه زيادة يشكره الله عليها، إذن، فالشكر من الله عز وجل يفيد أن نعمة ستجيء، والحق سبحانه وتعالى حين يفترض على عبدا كذا من الفروض يلتزم العبد بذلك، فإذا زاد العبد من جنس ما افترضه الله عليه، فقد دل ذلك على حبه وعشقه للتكليف من الله، وإذا ما أحب وعشق التكليف من الله بدون أن يطلبه الله منه ويلزمه به بل حببه إليه، فهو يستحق أن يشكره الله عليه، وشكر الله للعبد هو عطاء بلا نهاية. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بذكره وشكره ودعا المؤمنين إِلى الاستعانة بالصبر والصلاة، أعقب ذلك ببيان أهمية الحج وأنه من شعائر دين الله، ثم نبّه تعالى على وجوب نشر العلم وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله من البيّنات والهدى، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم فاستحقوا اللعنة والغضب والدمار. اللغَة: {شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} جمع شعيرة وهي في اللغة: العلامة ومنه الشِّعار، وأشعر الهَدْي جعل له علامة ليعرف بها، والشعائر: كلُّ ما تعبّدنا الله به من أمور الدين كالطواف والسعي والأذان ونحوه. {حَجَّ} الحجُّ في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد البيت العتيق لأداء المناسك من الطواف والسعي {ٱعْتَمَرَ} العمرة في اللغة: الزيارة ثم صار علماً لزيارة البيت للنُّسك {جُنَاحَ} الجُناح: الميل إِلى الإِثم وقيل: هو الإِثم نفسه سمي به لأنه ميل إِلى الباطل يقال: جنح إِلى كذا إِذا مال قال ابن الأثير وأينما ورد فمعناه الإِثم والميل {يَكْتُمُونَ} الكتمان: الإِخفاء والستر {يُنْظَرُونَ} يُمهلون. التفسِيْر: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} اسم لجبلين بمقربة من البيت الحرام {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} أي من أعلام دينه ومناسكه التي تعبَّدنا الله بها {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ} أي من قصد بيت الله للحج أو قصده للزيارة بأحد النسكين "الحج" أو "العمرة" {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي لا حرج ولا إِثم عليه أن يسعى بينهما، فإِذا كان المشركون يسعون بينهما ويتمسحون بالأصنام، فاسعوا أنتم لله رب العالمين، ولا تتركوا الطواف بينهما خشية التشبه بالمشركين {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} أي من تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيراً فرضاً كان أو نفلاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي إِنه سبحانه شاكرٌ له طاعته ومجازيه عليها خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده أجر المحسنين {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} أي يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ} أي من بعد توضيحه لهم في التوراة أو في الكتب السماوية كقوله تعالى {أية : ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157] {أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} أي أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال، الكاتمون لأوصاف الرسول، المحرّفون لأحكام التوراة يلعنهم الله فيبعدهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة والمؤمنون {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أي إِلا الذين ندموا على ما صنعوا، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان، وبينوا للناس حقيقة ما أنزل الله فأولئك يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أي كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم، أصفح عما فرط منهم من السيئات {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} أي كفروا بالله واستمرّوا على الكفر حتى داهمهم الموت وهم على تلك الحالة {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي يلعنهم الله وملائكته وأهل الأرض جميعاً، حتى الكفار فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً {خَالِدِينَ فِيهَا} أي خالدين في النار - وفي إِضمارها تفخيم لشأنها - {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع لا يخف عنهم طرفة عين {أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} تفسير : [الزخرف: 75] {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} أي ولا يمهلون أو يؤجلون بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة الدنيا. سَبَبُ النّزول: عن أنسٍ رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}. البَلاَغَة: 1- {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} أي من شعائر دين الله ففيه إِيجاز بالحذف. 2- {شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي يثيب على الطاعة قال أبو السعود: عبّر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإِحسان على العباد فأطلق الشكر وأراد به الجزاء بطريق المجاز. 3- {يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} فيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ الأصل "نلعنهم" ولكن في إظهار الاسم الجليل {يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} إِلقاء الروعة والمهابة في القلب. 4- {يَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} فيه جناس الاشتقاق. وهو من المحسنات البديعية. 5- {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في اللعنة أو في النار وأضمرت النار تفخيماً لشأنها وتهويلاً لأمرها. 6- {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} إيثار الجملة الإِسمية لإِفادة دوام النفي واستمراره. الفوَائِد: الأولى: كان على الصفا صنم يقال له "إِساف" وعلى المروة صنم يقال له "نائلة" فكان المشركون إِذا طافوا تمسحوا بهما فخشي المسلمون أن يتشبهوا بأهل الجاهلية ولذلك تحرجوا من الطواف لهذا السبب فنزلت الآية تبيّن أنهما من شعائر الله وأنه لا حرج عليهم في السعي بينهما فالمسلمون يسعون لله لا للأصنام. الثانية: الشكر معناه مقابلة النعمة والإِحسان بالثناء والعرفان، وهذا المعنى محالٌ على الله إِذ ليس لأحد عنده يدٌ ونعمة حتى يشكره عليها ولهذا حمله العلماء على الثواب والجزاء أي أنه تعالى يثيبه ولا يضيع أجر العاملين أقول: والصحيح ما عليه السلف من إثبات الصفات كما وردت، فهو شكر يليق بجلاله وكماله.
الصابوني
تفسير : [4] السعي بين الصفا والمروة التحليل اللفظي {ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ}: الصفا في أصل اللغة: الحجرُ الأملس، واشتقاقه من صفا إذا خلص، ومنه الصفوان وهو الحجر الأملس الصلب قال تعالى: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} تفسير : [البقرة: 264]، والصفا جمعٌ مفردة (صفاة) قال جرير: شعر : إنّا إذا قرع العدو صفاتنا لاقوالنا حجراً أصمّ صلوداً تفسير : قال المبرّد: الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من تراب أو طين. وأما المروة: فقال الخليل: هي من الحجارة ما كان أبيض أملس صلباً شديد الصلابة، وجمعها (مرو) مثل تمرة وتمرٌ قال أبو ذؤيب: شعر : حتى كأني للحوادث مَرْوةٌ بصفا المشاعر كلّ يوم يُقرع تفسير : قال الألوسي: وقد صار في العُرف علمين لموضعين (جبلين) معروفين بمكة للغلبة. {شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}: جمع شعيرة وهي في اللغة العلامة، ومنه الشعار للعلامة، وأشعر الهدي أي جعل له علامة ليعرف أنه هديٌ قال الشاعر: شعر : نقتّلهمْ جيلاً فجيلاً تراهُمُ شعائر قُربانَ بهمُ يتقرب تفسير : والمراد أن هذين الموضعين من علامات دين الله، ومن معالمه ومواضع عباداته. والشعائر تطلق على كل معالم الدين التي تعبدنا الله تعالى بها كالطواف، والسعي والأذان الخ. {حَجَّ}: الحجّ في اللغة: القصدُ وإكثار التردّد إلى الشيء، قال الشاعر: شعر : ألم تعلمي يا أمّ عمرةَ أنني تخاطأني ريبُ الزمان لأكبرا وأشهد من عوفٍ حلولاً كثيرة يحجّون بيتَ الزّبرقان المزغفرا تفسير : يعني يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته. وفي الشرع: هو قصد البيت العتيق لأداء المناسك من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة وسائر الأعمال. {ٱعْتَمَرَ}: العمرة في اللغة: الزيارة، والمعتمر: الزائر لأنه يعمر المكان بزيارته له قال الشاعر: شعر : "لقد سَمَا ابنُ مَعْمرٍ حين اعتمر" تفسير : وفي الشرع: زيارة البيت لأداء نُسك معين من الطواف، والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير. وليس في العمرة وقوف بعرفة، ولا مبيت بمزدلفة، ولا رمي جمار إلى آخر ما هو معروف في الفقه. {جُنَاحَ}: الجناح بالضم: الميلُ إلى الإثم، وقيل: هو الإثم نفسه، سمي جناحاً لأنه ميل إلى الباطل. قال في "لسان العرب": جنح: مال. وجنحت الناقة: إذا مالت على أحد شقيها، وجنحت السفينة إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض. قال ابن الأثير: وقد تكرر الجناح في الحديث فأين ورد فمعناه الإثم والميل. والمعنى: لا إثم عليكم ولا حرج ولا تضييق في السعي بين الصفا والمروة. {يَطَّوَّفَ}: أي يتطوّف أدغمت التاء في الطاء، مثل (المزمّل) و(المدّثر) أصله المتزمل والمتدثر، وطاف وأطاف بمعنى واحد. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: إن الصفا والمروة - أيها المؤمنون - من علامات دين الله، التي جعلها الله لعباده معلماً ومشعراً، يعبدونه عندها بالدعاء، والذكر، وسائر أنواع القربات. والسعيُ بين هذين الجبلين شعيرة من شعائر الدين، ومنسك من مناسك الحج لا يصح التفريط فيه، لأنه تشريع الحكيم العليم، الذي أمر به خليله إبراهيم عليه السلام، حين سأل ربه أن يريه مناسك الحج {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 128]. فمن قصد منكم - أيها المؤمنون - بيت الله العتيق للحج، أو قصده للزيارة، فلا يتحرجنّ من الطواف بينهما، إذ لا إثم عليه ولا حرج لأنه إنما يسعى لله، امتثالاً لأمره، وطلباً لرضاه، والمشركون يطوفون للأصنام، وأنتم تطوفون لله ربّ العالمين. فلا تتركوا الطواف بينهما خشية التشبه بالمشركين، فهم يطوفون بهما كفراً، وأنتم تطوفون بهما إيماناً وتصديقاً لرسولي، وطاعة لأمري، فلا إثم ولا جناح عليكم في الطواف بهما، ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكر له طاعته، ومجازيه عليها خير الجزاء يوم الدين. سبب النزول أ - عن عائشة رضي الله عنها أن عُروة بن الزبير قال لها: أرأيتِ قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا...} فما أرى على أحدٍ جُناحاً ألاّ يطّوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوّلتها كانت "فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما" ولكنها إنما نزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله: إنّا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...} قالت عائشة ثمّ قد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس لأحدٍ أن يدع الطواف بهما. ب - وأخرج البخاري والترمذي عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا والمروة فقال: "كنّا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ..}. وجوه القراءات قرأ الجمهور: (ومن تَطوّعَ) بالتاء وفتح العين على أنه ماضٍ من التطوع، وقرأ حمزة والكسائي (ومن يَطوّعْ) بالياء مجزوم على أنه فعل مضارع إلا أنّ التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}. قال العكبري: في الكلام حذف مضاف تقديره: إن سعي الصفا، وألف الصفا مبدلة عن (واو) لقولهم في تثنيته صفوان و(من شعائر الله) خبر إنّ. 2 - قوله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} مَنْ: اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ، وجملة {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} خبر المبتدأ، وأجاز بعضهم أن تكون (من) شرطية والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قال الإمام الفخر: "اعلم أن تعلّق هذه الآية بما قبلها، هو أن الله تعالى بيّن أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة، ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، بإحياء شرائع إبراهيم ودينه، وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم كما في قصة بناء الكعبة، وسعي هاجر بين الجبلين، فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية". اللطيفة الثانية: السعيُ بين الصفا والمروة إمّا فرض أو واجب، أو مسنون، فكيف نفى الله تعالى الجناح (الإثم) عمن سعى بينهما؟ والجواب: إنه كان على الصفا صنم يقال له: (إساف) وعلى المروة صنم يقال له: (نائلة) كما قال ابن عباس وكان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما، فخشي المسلمون أن يتشبهوا بأهل الجاهلية، وتحرجوا من الطواف لهذا السبب، فنزلت الآية تدفع الحرج عنهم، لأنهم إنما يسعون لله لا للأصنام. اللطيفة الثالثة: الشكر معناه مقابلة النعمة والإحسان، بالثناء والعرفان، وهذا المعنى محال على الله، إذ ليس لأحد عنده يد ونعمة حتى يشكره عليها، فقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} محمول على الثواب والجزاء أي أنه تعالى يثيبه ولا يضيع أجر العاملين. قال العلامة أبو السعود: "المعنى أنه تعالى مجازٍ له على الطاعة، عبّر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإحسان على العباد" فبهذا المعنى سميت مقابلة العامل بالجزاء الذي يستحقه شكراً، وسمى الله تعالى نفسه شاكراً، على سبيل المجاز. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل السعي بين الصفا والمروة فرض أو تطوع؟ اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال: 1 - القول الأول: أنه ركن من أركان الحج، من تركه يبطل حجه وهو مذهب (الشافعية والمالكية) وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو مروي عن ابن عمر، وجابر، وعائشة من الصحابة. 2- القول الثاني: أنه واجب وليس بركن، وإذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب (أبي حنيفة والثوري). 3 - القول الثالث: أنه تطوع (سنّة) لا يجب بتركه شيء، وهو مذهب ابن عباس، وأنس، ورواية عن الإمام أحمد. دليل المذهب الأول: استدل القائلون بأن السعي ركن وهم (الجمهور) بما يلي: أ - قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السعي ". تفسير : ب - ما ثبت حديث : أنه عليه الصلاة والسلام سعى في حجة الوداع، فلما دنا من الصفا قرأ {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} فبدأ بالصفا وقال: "أبدؤوا بما بدأ الله به" ثم أتمّ السعي سبعة أشواط وأمر الصحابة أن يقتدوا به فقال: "خذوا عني مناسككم" تفسير : والأمر للوجوب فدل على أنه ركن. جـ - حديث عائشة: (لعمري ما أتمّ الله حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة). د - وقالوا: إنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، وهو نسك في الحج والعمرة، فكان ركناً فيهما كالطواف بالبيت. دليل المذهب الثاني: واستدلّ (أبو حنيفة والثوري) على أنه واجب وليس بركن بما يلي: أ - إن الآية الكريمة رفعت الإثم عمّن تطّوف بهما {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ورفعُ الجناح يدل على الإباحة لا على أنه ركن، ولكنّ فعل النبي صلى الله عليه وسلم جعله واجباً فصار كالوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، وطواف الصدر، يجزئ عنه دم إذا تركه. ب - واستدل بما روى الشعبي عن (عروة بن مضرس الطائي) قال: "حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت يا رسول الله: جئت من جبل طي، ما تركتُ جبلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال عليه الصلاة والسلام: من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه ". تفسير : ووجه الاستدلال في الحديث من وجهين: أحدهما: إخباره بتمام الحج وليس فيه السعي بين الصفا والمروة. والثاني: أنه لو كان من فروضه وأركانه لبيّنه للسائل لعلمه بجهله بالحكم. دليل المذهب الثالث: واستدل من قال بأنه تطوع وليس بركنٍ ولا واجب بما يلي: أ - قوله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} فبيّن أنه تطوع وليس بواجب، فمن تركه لا شيء عليه عملاً بظاهر الآية. ب - حديث (حديث : الحج عرفة) تفسير : قالوا: فهذا الحديث يدل على أنّ من أدرك عرفة فقد تمّ حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، العمل ترك به في بعض الأشياء، فبقي العمل معمولاً به في السعي. قال ابن الجوزي: "واختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في السعي بين الصفا والمروة، فنقل الأثرم أنّ من ترك السعي لم يجزه حجه، ونقل أبو طالب: لا شيء في تركه عمداً أو سهواً، ولا ينبغي أن يتركه، ونقل الميموني أنه تطوع". الترجيح: ورجّح صاحب "المغني" المذهب الثاني وقال: هو أولى لأن دليل من أوجبه دلّ على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الواجب إلا به، وقول عائشة مُعَارَضٌ بقول من خالفها من الصحابة. أقول: الصحيح قول الجمهور لأن النبي عليه الصلاة والسلام سعى بين الصفا والمروة وقال:"حديث : خذوا عني مناسككم" تفسير : والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم واجب ودعوى من قال: إنه تطوع أخذاً بالآية غير ظاهر لأن معناها كما قال الطبري: أن يتطوع بالحج والعمرة مرة أخرى والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - الصفا والمروة من شعائر دين الله وأعلام طاعته التي تعبدنا الله بها. 2 - السعي بين الصفا والمروة إحياء لحادثة تاريخية وقعت لأم إسماعيل عليها السلام. 3 - تمسّحُ المشركين بالأصنام في الجاهلية عند السعي لا يمنع المؤمنين من السعي بينهما. 4 - السعي واجب على من حج بيت الله العتيق أو زاره للعمرة. 5 - التطوع بالحج والعمرة في غير الفريضة من مظاهر كمال الإيمان. 6 - الله شاكر لعباده يثيب الطائع على طاعته ويجزيه عليها خير الجزاء. خاتمة البحث: حكمة التشريع أمر جل ثناؤه المؤمنين بالسعي بين الصفا والمروة، عند الحج أو العمرة، وجعل السعي من شعائر دين الله، ومن معالم طاعته، وذلك إحياء لحادثة تاريخية من أروع الذكريات في تاريخ الإنسانية، تلك هي حادثة إسماعيل عليه السلام مع أمه (هاجر) المؤمنة الصابرة، بعد أن تركهما الخليل إبراهيم عليه السلام في مكان قفر ليس فيه أنيس، ولا سمير، ولا ساكن.. تركهما امتثالاً لأمر الله سبحانه في هذه الصحراء الشاسعة الواسعة، التي لا يسكنها أحد، لأن الله عز وجل يريد أن يعمرها بالسكان، ويجعل هذه البقعة المباركة مكاناً لبناء بيته العتيق، ومهوى لأفئدة الملايين من البشر. وكان إسماعيل طفلاً رضيعاً، فلما أراد إبراهيم عليه السلام الرجوع، تبعته (أم إسماعيل) فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا المكان القفر، الذي لا أنيس فيه ولا سمير!؟ فجعل لا يلتفت إليها مخافة أن تصرفه عن تنفيذ أمر الله، ثم قالت يا إبراهيم: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيّعنا الله. ثم رجعت وانطلق إبراهيم عليه السلام، حتى إذا كان عند الثنيّة بحيث يراهم ولا يرونه، استقبل بوجهه جهة البيت ثم دعا بهذه الدعوات المباركات، التي ذكرها القرآن الكريم: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تفسير : [إبراهيم: 37]. ثم انطلق يقطع الصحارى والقفار، حتى عاد إلى وطنه الأول في أرض فلسطين، بعد أن ترك زوجه وولده في رعاية الله وحفظه. بقيت (أم إسماعيل) وحيدة مع طفلها ترضعه، وتشرب من ذلك السقاء الذي معها، وتأكل من الثمر الذي تركه لها إبراهيم عليه السلام، حتى إذا نفذ ما في السقاء، ولم يبق عندها ماء، عطشت عطشاً شديداً، وعطش ولدها (إسماعيل) فجعلت تنظر إليه يتلوّى من شدة العطش، يكاد يهلكه الظمأ، فانطلقت تفتش له عن ماء، فوجدت الصفا أقرب جبل يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً؟ ولكنها لم تر أحداً، فهبطت من الصفا ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى وصلت إلى المروة فلم تر أحداً، فأخذت تهرول وتسعى بين (الصفا والمروة) سبع مرات. قال ابن عباس: "فذلك سعي الناس بينهما" حتى إذا أشرفت على الهلاك، وتلاشت قواها سمعت صوتاً من بعيد، فقالت: قد أسمعتَ فأغثْ إن كان عندك غواث، ثمّ نظرت فإذا هي برجلٍ جميل الطلعة عند مكان زمزم، فهرولت نحوه تظنه بشراً، فإذا هو ملك من ملائكة الله، فضرب بجناحه الأرض فإذا بالماء يفور كأنه نبع دافق، وكانت (زمزم) التي هي آية من آيات الله، ثم قال لها الملك: لا تخافي الضياع فإن لله هٰهنا بيتاً سوف يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لن يضيّع أهله. هذه خلاصة تلك الحادثة التاريخية، والذكرى الخالدة، التي أراد الله أن يعمر بها بيته العتيق، ويجعل منها مناسك للحج وشعائر لدينه الإسلامي المجيد.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} فالصَّفا والمَروَةُ جميعاً: الحَجَرُ. ويُثنى الصَّفا؛ فيقالُ صفوان، ويُجمعُ. فيقالُ أَصْفاءٌ وصِفِيٌّ وصَفا وصُفِيٌّ. وتُثنى المَرْوَةُ؛ فيقالُ مَرْوتان وتُجمعُ؛ فيقالُ ثَلاثُ مَرْواتٍ، والكَثيرُ المَروُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} فالشَّعَائِرُ: ما أُشْعِرَ لِموقفٍ. أَي ما أُعْلِمَ لِذَلِكَ. واحدتُها شَعِيرةٌ.
الجيلاني
تفسير : ثم لما نبه سبحانه إلى الكعبة الحقيقية بالكعبة الصورية، أراد أن ينبه على علاماتها بعلاماتها: { إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} أي: الظاهر والباطن {مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} وعلامات توحيجه {فَمَنْ حَجَّ} قصد {ٱلْبَيْتَ} الممثل من المنزل الحقيقي والمرجع الأصلي على الوجه المفروض {أَوِ ٱعْتَمَرَ} على الوجه المسنون قاصداً فيه التوجه إلى الذات الأحدي، معرضاً عن العلائق المانعة منه {فَلاَ جُنَاحَ} لا تعب ولا ضيق {عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي: يسعى بينهما، معتقداً ارتباطهما إلى أن ينكشف باتحادهما {وَمَن تَطَوَّعَ} توجه نحوه {خَيْراً} زائداً على ما أمر وفرض {فَإِنَّ ٱللَّهَ} الميسر له {شَاكِرٌ} راضٍ بفعله {عَلِيمٌ} [البقرة: 158] بحاله. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} يسترون {مَآ أَنزَلْنَا} في التوراة {مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} الدالة على ظهور من يغلب عليه توحيد الذات {وَٱلْهُدَىٰ} المشير إلى أنه مبعوث إلى كافة البرايا، ناسخ لجميع الأديان؛ إذ به يتم أمر التكميل ولا بعثه بعد ظهوره، بل ختم به صلى الله عليه وسلم أمر الإرسال والإنزال والتديين والتشريع، والحال أن كتمانهم {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} أوضحناه بلا ستره {لِلنَّاسِ} الناظرين {فِي ٱلْكِتَابِ} أي: التوراة {أُولَـٰئِكَ} الكاتمون المفرطون {يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ} أي: يطردهم ويبعدهم عن عز حضوره لخروجهم عن اعتدال العبودية بكتمان ما أراد الله ظهوره {وَيَلْعَنُهُمُ} أيضاً {ٱللاَّعِنُونَ} [البقرة: 159] المتمتعون باعتدال العبودية المستقيمون على ما أمروا بقدر وسعهم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} رجعوا منهم عن الكتمان، وأظهروا ما ظهر لهم في كتابهم {وَأَصْلَحُواْ} بإظهار ما أفسدوا بالكتمان {وَبَيَّنُواْ} ما بينه الله في كتابه من وصف نبيه المبعوث المرسل إلى كافة الأمم {فَأُوْلَـئِكَ} التائبون منهم، المصلحون المبينون ما ظهر لهم في كتابهم {أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} قبل توبتهم واتجاوز عن سيئاتهم {وَأَنَا التَّوَّابُ} الرجاع لهم عما جرى عليهم من العصيان والكفر {الرَّحِيمُ} [البقرة: 160] لهم بعدما رجعوا إلي مخصلين. ثم قال: {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا} بكتمان ما بين الله في كتابه {وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} كاتمون {أُولَئِكَ} المصرون المعاندون في أمر الكتان بعد الظهور مكابرة، وتنزل {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ} طرده وتبعيده دائماً مستمراً منحصراً عليهم، غر منفكٍ عنهم على ما يقتضيه حال الجلمة المعبر عنها بخلاف اللعن السابق {وَ} تنزل عليهم أيضاً لعنة {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} المستغفرين لمن تاب {وَ} أيضاً لعنة {ٱلنَّاسِ} العارفين لحقوق الله المتحققين بآدابه المعتكفين ببابه {أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161] مجتمعين عليها دائماً لخروجهم عن ربتة العبودية. {خَالِدِينَ فِيهَا} بحيث {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} المترتب عليها لحظة ليتنفسوا {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 162] يمهلون ساعة ليعتذروا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان { مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } أي أعلام دينه الظاهرة، التي تعبد الله بها عباده، وإذا كانا من شعائر الله، فقد أمر الله بتعظيم شعائره فقال: {أية : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } تفسير : فدل مجموع النصين أنهما من شعائر الله، وأن تعظيم شعائره، من تقوى القلوب. والتقوى واجبة على كل مكلف، وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة، كما عليه الجمهور، ودلت عليه الأحاديث النبوية وفعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : خذوا عني مناسككم ". تفسير : { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } هذا دفع لوهم من توهم وتحرج من المسلمين عن الطواف بينهما، لكونهما في الجاهلية تعبد عندهما الأصنام، فنفى تعالى الجناح لدفع هذا الوهم، لا لأنه غير لازم. ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما في الحج والعمرة، أنه لا يتطوع بالسعي مفردا إلا مع انضمامه لحج أو عمرة، بخلاف الطواف بالبيت، فإنه يشرع مع العمرة والحج، وهو عبادة مفردة. فأما السعي والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار فإنها تتبع النسك، فلو فعلت غير تابعة للنسك، كانت بدعة، لأن البدعة نوعان: نوع يتعبد لله بعبادة، لم يشرعها أصلا ونوع يتعبد له بعبادة قد شرعها على صفة مخصوصة، فتفعل على غير تلك الصفة، وهذا منه. وقوله: { وَمَنْ تَطَوَّعَ } أي: فعل طاعة مخلصا بها لله تعالى { خَيْرًا } من حج وعمرة، وطواف، وصلاة، وصوم وغير ذلك { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } فدل هذا، على أنه كلما ازداد العبد من طاعة الله، ازداد خيره وكماله، ودرجته عند الله، لزيادة إيمانه. ودل تقييد التطوع بالخير، أن من تطوع بالبدع، التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء، وليس بخير له، بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم مشروعية العمل. { فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } الشاكر والشكور، من أسماء الله تعالى، الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه، العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره، وامتثل طاعته، أعانه على ذلك، وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورا وإيمانا وسعة، وفي بدنه قوة ونشاطا، وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق. ثم بعد ذلك، يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا، لم تنقصه هذه الأمور. ومن شكره لعبده، أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا، تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا، تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي، أتاه هرولة، ومن عامله، ربح عليه أضعافا مضاعفة. ومع أنه شاكر، فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل، بحسب نيته وإيمانه وتقواه، ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد، فلا يضيعها، بل يجدونها أوفر ما كانت، على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 49 : 103 - وقال سفين، كان ابن عباس يقرؤها {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح (عليه) ان لا يطوف بهما}. وكان أنس بن مالك يقول، هو شعار كان في الجاهلية. [الآية 158].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} [158] 29- أنا محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين - قراءة عليه - عن ابن القاسم قال: حدثني مالك، عن هشام بن عُروة، عن أبيه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - وأنا يومئذ حديث السِّنِّ: أرأيت قول الله عز وجل { إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فما أُرى على أحد شيئا ألا يطَّوَّف بهما، قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت لا جناح عليه أّلاَّ يطَّوَّف بهما، إنما أُنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهِلُّون بِمَنَاة، وكانت مَنَاة حَذْو قُدَيد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصَّفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ / أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):