Verse. 1663 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَقَالَ يٰبَنِيَّ لَا تَدْخُلُوْا مِنْۢ بَابٍ وَّاحِدٍ وَّادْخُلُوْا مِنْ اَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَۃٍ۝۰ۭ وَمَاۗ اُغْنِيْ عَنْكُمْ مِّنَ اللہِ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۭ اِنِ الْحُكْمُ اِلَّا لِلہِ۝۰ۭ عَلَيْہِ تَوَكَّلْتُ۝۰ۚ وَعَلَيْہِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُوْنَ۝۶۷
Waqala ya baniyya la tadkhuloo min babin wahidin waodkhuloo min abwabin mutafarriqatin wama oghnee AAankum mina Allahi min shayin ini alhukmu illa lillahi AAalayhi tawakkaltu waAAalayhi falyatawakkali almutawakkiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال يا بني لا تدخلوا» مصر «من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة» لئلا تصيبكم العين «وما أغني» أدفع «عنكم» بقولي ذلك «من الله من» زائدة «شيء» قدَّره عليكم وإنما ذلك شفقة «إن» ما «الحكم إلا لله» وحده «عليه توكلت» به وثقت «وعليه فليتوكل المتوكلون».

67

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر. وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } وفيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا ههنا مقامان. المقام الأول: إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه: الأول: إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك. والثاني: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: « حديث : أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة » تفسير : ويقول هكذا كان يعوذ إبراهيم إسمعيل وإسحق صلوات الله عليهم. والثالث: ما روى عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت إليه آخر النهار فرأيته معافى فقال: « حديث : إن جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل عين وحاسد الله يشفيك » تفسير : قال فأفقت، والرابع: روي أن بني جعفر ابن أبي طالب كانوا غلمناً بيضاً فقالت أسماء: يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين فقال لها نعم. والخامس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين فقال أفلا تسترقون له من العين. والسادس: قوله عليه السلام: «العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر» والسابع: قالت عائشة رضي الله عنها: كن يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين الذي أصيب بالعين. المقام الثاني: في الكشف عن ماهيته فنقول: إن أبا علي الجبائي أنكر هذا المعنى إنكاراً بليغاً ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلاً عن حجة، وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوهاً: الأول: قال الحافظ: إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار، وإن كان مخالفاً في جهة التأثير لهذه الأشياء قال القاضي: وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال، لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف وذلك لأنه إذا استحسن شيئاً فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه، وقد يكره بقاءه أيضاً كما إذا أحس الحاسد بشيء حصل لعدوه، فإن كان الأول فإنه يحصل له عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب فحينئذ يسخن القلب والروح جداً، ويحصل في الروح الباصرة كيفية قوية مسخنة وإن كان الثاني: فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه. والحزن أيضاً يوجب انحصار الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة، فثبت أن عند الاستحسان القوي تسخن الروح جداً فيسخن شعاع العين بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة فظهر الفرق بين الصورتين، ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصابته العين بالاغتسال. الوجه الثاني: قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون العين حقاً، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحساناً كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقاً به، فهذا المعنى غير ممتنع، ثم لا يبعد أيضاً أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه تقية ذلك، فعنده تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق. الوجه الثالث: وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعاً على الأرض، قدر الإنسان على المشي عليه ولو كان موضوعاً فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة، وأيضاً أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذياً له حصل في قلبه غضب، ويسخن مزاجه جداً فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان. فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان وأيضاً جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك. وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده. القول الثاني: وهو قول أبي علي الجبائي: أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم. فقال: {لاَ تَدْخُلُواْ } تلك المدينة {مِن بَابٍ وَاحِدٍ } على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال: لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم، واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه، ونقل عن الحسن أنه قال: خاف عليهم العين، فقال: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ } ثم رجع إلى علمه وقال: {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول: ليس في قوله: {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره. القول الثالث: أنه عليه السلام كان عالماً بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال: {لا * تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة، وهذا قول إبراهيم النخعي، فأما قوله: {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } فاعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضاً بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر، فإن الإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة، والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازماً بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } فهو إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله: {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى التوحيد المحض والبراءة عن كل شيء سوء الله تعالى وقول القائل: كيف السبيل إلى الجمع بين هذين القولين، فهذا السؤال غير مختص به، وذلك لأنه لا نزاع في أنه لا بد من إقامة الطاعات، والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من سعد في بطن أمه، وأن الشقي من شقي في بطن أمه فكذا ههنا نأكل ونشرب ونحترز عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله تعالى، فكذا ههنا، فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام، بل هو بحث عن سر مسألة الجبر والقدر، بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة، وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فإنه يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فلا بد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحكمته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى، فقال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ }. واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر، وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكماً لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب «إحياء علوم الدين» فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين؛ فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب؛ وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلاً لرَجُل واحد؛ وكانوا أهل جَمال وكمال وبَسْطة؛ قاله ابن عباس والضّحاك وقَتَادة وغيرهم. الثانية: إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرّز من العين، والعين حق؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن العين لتدخِل الرجل القبر والجمل القِدر». تفسير : وفي تعوّذه عليه السلام: «حديث : أعوذ بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامَّة» تفسير : ما يدلّ على ذلك. وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حُنيف بالخرّار فنزع جُبّة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عَذْراء! فوُعك سهل مكانه واشتدّ وَعْكه، فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلاً وُعِك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله؛ فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عَلاَمَ يقتل أحدكم أخاه أَلاَ بَرَّكْت إنّ العين حق تَوضأْ له» تفسير : فتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس؛ في رواية «ٱغتسلْ» فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صبّ عليه؛ فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس. وركب سعد بن أبي وَقّاص يوماً فنظرت إليه ٱمرأة فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكَشْحين؛ فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له؛ ففي هذين الحديثين أن العين حق، وأنها تقتل كما قال (النبيّ) صلى الله عليه وسلم؛ وهذا قول علماء الأمّة، ومذهب أهل السنة؛ وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمّة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود؛ فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أدخلته القِدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 102]. قال الأصمعي: رأيت رجلاً عَيُوناً سمع بقرة تحلب فأعجبه شَخْبها فقال: أيتهنّ هذه؟ فقالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعاً، المورَى بها والمورَي عنها. قال الأصمعيّ. وسمعته يقول: إذا رأيتُ الشيء يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عينيّ. الثالثة: واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يُبَرِّك؛ فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة؛ ألا ترى قوله عليه السلام لعامر: «حديث : ألا برّكت» تفسير : فدلّ على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا بَرَّك العائن، وأنها إنما تعدو إذا لم يُبَرِّك. والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين! اللهم بارك فيه. الرابعة: العائن إذا أصاب بعينه ولم يُبَرِّك فإنه يؤمر بالاغتسال، ويُجبر على ذلك إنْ أباه؛ لأن الأمر على الوجوب، لا سيما هذا؛ فإنه قد يخاف على ٱلمَعِين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه. الخامسة: من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعاً لضرره؛ وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته؛ وإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به، ويكفّ أذاه عن الناس. وقد قيل: إنه يُنفى؛ وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال؛ فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون الرجل الصالح عائناً، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسّق به؛ ومن قال: يحبس ويؤمر بلزوم بيته. فذلك ٱحتياط ودفع ضرر، والله أعلم. السادسة: روى مالك عن حميد بن قيس المكّي أنه قال: حديث : دُخِل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما: «ما لي أراهما ضَارِعَين» فقالت حاضنتهما: يا رسول الله! إنه تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نَسْتَرْقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٱسْتَرْقُوا لهما فإنه لو سبق شيء القدَر سبقته العين»تفسير : . وهذا الحديث منقطع، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عُمَيس الْخَثْعمية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة متصلة صحاح؛ وفيه أن الرُّقَى مما يُستَدفع به البلاء، وأن العين تؤثر في الإنسان وتَضْرَعه، أي تضعفه وتنحله؛ وذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ويقال: إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار، والله أعلم. السابعة: أمر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أُمامة العائن بالاغتسال للمَعِين، وأمر هنا بالاسترقاء؛ قال علماؤنا: إنما يسترقي من العين إذا لم يعرف العائن؛ وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة، والله أعلم. قوله تعالى: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي من شيء أحذره عليكم؛ أي لا ينفع الحذر مع القدر. {إِنِ ٱلْحُكْمُ} أي الأمر والقضاء. {إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي ٱعتمدت ووثقت. {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.]

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن يعقوب عليه السلام: إنه أمر بنيه، لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر، أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد: إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه، وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب. وقوله: {وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ} أي: إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع، {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} قالوا: هي دفع إصابة العين لهم {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه. وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ } مصر {مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } لئلا تصيبكم العين {وَمَآ أُغْنِى } أدفع {عَنْكُمْ } بقولي ذلك {مِنَ ٱللَّهِ مِن } زائدة {شَىْءٍ } قدّره عليكم وإنما ذلك شفقة {إن } ما {ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } وحده {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } به وثقت {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ }.

الشوكاني

تفسير : لما تجهز أولاد يعقوب للمسير إلى مصر خاف عليهم أبوهم أن تصيبهم العين؛ لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر، وثياب حسنة مع كونهم أولاد رجل واحد، فنهاهم أن يدخلوا مجتمعين من باب واحد، لأن في ذلك مظنة لإصابة الأعين لهم، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، ولم يكتف بقوله: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ } عن قوله: {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } لأنهم لو دخلوا من بابين مثلاً كانوا قد امتثلوا النهي عن الدخول من باب واحد، ولكنه لما كان في الدخول من بابين مثلاً نوع اجتماع يخشى معه أن تصيبهم العين، أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرّقة، قيل: وكانت أبواب مصر أربعة. وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي هاشم، والبلخي، أن للعين تأثيراً، وقالا: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به. وليس هذا بمستنكر من هذين وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنّة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأيّ مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك؟ وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حقّ، وأصيب بها جماعة في عصر النبوّة، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي والتنطع في العبارات كالزمخشري في تفسيره، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدّعيه على العقل حتى يضمّ إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة، والمذاهب الزائفة، وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتدّ به من هذه الأمة سلفاً وخلفاً، وبما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب. وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين، فقال قوم: يمنع من الاتصال بالناس دفعاً لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته. وقيل: ينفي، وأبعد من قال إنه يقتل، إلاّ إذا كان يتعمد ذلك، وتتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك، فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل. ثم قال يعقوب لأولاده {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } أي: لا أدفع عنكم ضرراً ولا أجلب إليكم نفعاً بتدبيري هذا، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة. قال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرّقهم كاجتماعهم. وقال آخرون: ما كان يغني عنهم يعقوب شيئاً قط، حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا لله سبحانه فقال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لله} لا لغيره ولا يشاركه فيه مشارك في ذلك {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في كل إيراد وإصدار لا على غيره أي: اعتمدت ووثقت {وَعَلَيْهِ } لا على غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } على العموم، ويدخل فيه أولاده دخولاً أوّلياً. {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } أي: من الأبواب المتفرقة ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد. وجواب لما {مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ } ذلك الدخول {مِنَ ٱللَّهِ } أي: من جهته {مِن شَىْء } من الأشياء مما قدّره الله عليهم لأن الحذر لا يدفع القدر، والاستثناء بقوله: {إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } منقطع، والمعنى: ولكن حاجة كانت في نفس يعقوب، وهي شفقته عليهم، ومحبته لسلامتهم، قضاها يعقوب، أي: أظهرها لهم، ووصاهم بها غير معتقد أن للتدبير الذي دبره لهم تأثيراً في دفع ما قضاه الله عليهم. وقيل: إنه خطر ببال يعقوب أن الملك إذا رآهم مجتمعين مع ما يظهر فيهم من كمال الخلقة، وسيما الشجاعة أوقع بهم حسداً وحقداً أو خوفاً منهم، فأمرهم بالتفرّق لهذه العلة. وقد اختار هذا النحاس وقال: لا معنى للعين ها هنا. وفيه أن هذا لو كان هو السبب لأمرهم بالتفرّق، ولم يخصّ النهي عن ذلك بالاجتماع عند الدخول من باب واحد؛ لأن هذا الحسد أو الخوف يحصل باجتماعهم داخل المدينة، كما يحصل باجتماعهم عند الدخول من باب واحد. وقيل: إن الفاعل في {قضاها} ضمير يعود إلى الدخول لا إلى يعقوب. والمعنى: ما كان الدخول يغني عنهم من جهة الله شيئاً، ولكنه قضى ذلك الدخول حاجة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } أي: وإن يعقوب لصاحب علم لأجل تعليم الله إياه بما أوحاه الله من أن الحذر لا يدفع القدر، وأن ما قضاه الله سبحانه فهو كائن لا محالة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } بذلك كما ينبغي. وقيل: لا يعلمون أن الحذر مندوب إليه، وإن كان لا يغني من القدر شيئاً، والسياق يدفعه. وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون. {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ أوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } أي: ضمّ إليه أخاه بنيامين، قيل: إنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل فبقي أخوه منفرداً فضمه إليه و {قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } يوسف، قال له ذلك سرّاً، من دون أن يطلع عليه إخوته {فَلاَ تَبْتَئِسْ } أي: فلا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها؛ وقيل: إنه لم يخبره بأنه يوسف، بل قال له: إني أخوك مكان أخيك يوسف فلا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الجفاء حسداً وبغياً. وقيل: إنه أخبره بما سيدبره معهم من جعل السقاية في رحله. فقال: لا أبالي، وقيل: إنه لما أخبر يوسف أخاه بنيامين بأنه أخوه قال: لا تردّني إليهم، فقال قد علمت اغتمام أبينا يعقوب، فإذا حبستك عندي ازداد غمه، فأتى بنيامين فقال له يوسف: لا يمكن حبسك عندي إلاّ بأن أنسبك إلى ما لا يجمل بك، فقال: لا أبالي، فدس الصاع في رحله، وهو المراد بالسقاية وأصلها المشربة التي يشرب بها جعلت صاعاً يكال به. وقيل: كان تسقى بها الدوابّ ويكال بها الحبّ، وقيل: كانت من فضة. وقيل: كانت من ذهب، وقيل غير ذلك. وقد تقدم تفسير الجهاز والرحل، والمعنى: أنه جعل السقاية التي هو الصواع في رحل أخيه الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر {ثُمَّ } بعد ذلك {أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } أي: نادى منادٍ قائلاً {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ } قال الزجاج: معناه يا أصحاب العير، وكل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير. وقيل: هي قافلة الحمير. وقال أبو عبيدة: العير الإبل المرحولة المركوبة {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } نسبة السرق إليهم على حقيقتها؛ لأن المنادي غير عالم بما دبره يوسف. وقيل: إن المعنى إن حالكم حال السارقين كون الصواع صار لديكم من غير رضا من الملك. {قَالُواْ } أي: إخوة يوسف {وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ } أي حال كونهم مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك {مَّاذَا تَفْقِدُونَ } أي: ما الذي فقدتموه؟ يقال: فقدت الشيء: إذا عدمته بضياع أونحوه، فكأنهم قالوا ماذا ضاع عليكم؟ وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة {قَالُواْ } في جوابهم {نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ }. قرأ يحيـى بن يعمر "صواغ" بالغين المعجمة، وقرأ أبو رجاء "صُوع" بضم الصاد المهملة وسكون الواو بعدها عين مهملة. وقرأ أبيّ "صياع". وقرأ أبو جعفر: "صاع"، وبها قرأ أبو هريرة، وقرأ الجمهور: {صواع} بالصاد والعين المهملتين، قال الزجاج: الصواع: هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وهو السقاية، ومنه قول الشاعر:شعر : نشرب الخمر بالصواع جهارا تفسير : {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } أي قالوا: ولمن جاء بالصواع من جهة نفسه حمل بعير. والبعير: الجمل، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار، والمراد بالحمل ها هنا: ما يحمله البعير من الطعام، ثم قال المنادي {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } أي: بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية، والزعيم هو الكفيل، ولعل القائل: {نفقد صواع الملك} هو المنادي، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحداً منهم، ثم رجع الكلام إلى نسبة القول إلى المنادي وحده، لأنه القائل بالحقيقة. {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ} التاء بدل من واو القسم عند الجمهور. وقيل: من الباء، وقيل: أصل بنفسها، ولا تدخل إلاّ على هذا الاسم الشريف دون سائر أسمائه سبحانه، وقد دخلت نادراً على الرب، وعلى الرحمٰن، والكلام على هذا مستوفي في علم الإعراب، وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة جانبهم، وطهارة ذيلهم، عن التلوّث بقذر الفساد في الأرض، الذي من أعظم أنواعه السرقة. لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرّة الأولى، وهذه المرّة من التعفف والزهد عما هو دون السرقة، بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم بأنهم ليسوا بمن يتجارأ على هذا النوع العظيم من أنواع الفساد، ولو لم يكن من ذلك إلاّ ردّهم لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم، والمراد بالأرض هنا: أرض مصر. ثم أكدوا هذه الجملة التي أقسموا بالله عليها بقولهم: {وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ } لزيادة التبرّي مما قذفوهم به والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة والرذيلة الشنعاء. {قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ } هذه الجملة مستأنفة كما تقدّم غير مرّة في نظائرها. والقائلون: هم أصحاب يوسف، أو المنادي منهم وحده كما مرّ، والضمير في {جزاؤه} للصواع على حذف مضاف أي: فما جزاء سرقة الصواع عندكم، أو الضمير للسارق، أي: فما جزاء سارق الصواع عندكم {إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ } فيما تدّعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة، وذلك بأن يوجد الصواع معكم، فأجاب أخوة يوسف وقالوا: {جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي: جزاء سرقة الصواع، أو جزاء سارق الصواع. وجزاؤه مبتدأ، والجملة الشرطية: وهي {من وجد في رحله فهو جزاؤه} خبر المبتدأ، على إقامة الظاهر مقام المضمر فيها، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو، فيكون الضمير الثاني عائداً إلى المبتدأ، والأوّل إلى "من"، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ: و{من وجد في رحله} والتقدير: جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد في رحله، وتكون جملة {فهو جزاؤه} لتأكيد الجملة الأولى، وتقريرها. قال الزجاج: وقوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ } زيادة في البيان أي: جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير. قال المفسرون: وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة، فلذلك استفتوهم في جزائه {كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي: مثل ذلك الجزاء الكامل نجزي الظالمين لغيرهم من الناس بسرقة أمتعتهم، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة يوسف، ويجوز أن تكون من كلام أصحاب يوسف، أي: كذلك نحن نجزي الظالمين بالرق. ثم لما ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين الأمر، فأقبل يوسف على ذلك، فبدأ بتفتيش {أوعيتهم} أي: أوعية الإخوة العشرة {قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ} أي: قبل تفتيشه لوعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة ورفعاً لما دبره من الحيلة {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا } أي: السقاية أو الصواع؛ لأنه يذكر ويؤنث {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } أي: مثل ذلك الكيد العجيب كدنا ليوسف يعني: علمناه إياه أوحيناه إليه، والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية لا على البداية، قال القتيبي: معنى {كدنا} دبرنا، وقال ابن الأنباري: أردنا. وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعاً ثابتاً. {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } أي: ما كان يوسف ليأخذ أخاه بنيامين في دين الملك، أي: ملك مصر، وفي شريعته التي كان عليها، بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة، كما هو دين يعقوب وشريعته، وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفاً لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأراده حتى وجد السبيل إليه، وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم: إن جزاء السارق الاسترقاق، فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره، وهو معنى قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أي: إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له، وهذه الجملة: أعني {ما كان ليأخذ أخاه} إلخ، تعليل لما صنعه الله من الكيد ليوسف، أو تفسير له {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف بذلك {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ } ممن رفعه الله بالعلم {عَلِيمٌ } أرفع رتبة منهم وأعلى درجة لا يبلغون مداه، ولا يرتقون شأوه. وقيل: معنى ذلك أن فوق كل أهل العلم عليم وهو الله سبحانه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَقَالَ يا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} قال: رهب يعقوب عليهم العين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: خشي عليهم العين. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن النخعي في قوله: {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } قال: أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } قال: خيفة العين على بنيه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } قال: إنه لعامل بما علم، ومن لا يعمل لا يكون عالماً. وأخرج هؤلاء عنه في قوله: {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } قال: ضمه إليه، وفي قوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ } قال: لا تحزن ولا تيأس، وفي قوله: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } قال: قضى حاجتهم، وكال لهم طعامهم، وفي قوله: {جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ } قال: هو إناء الملك الذي يشرب منه {فِى رَحْلِ أَخِيهِ } قال: في متاع أخيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس في قوله: {جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ } قال: هو الصواع، وكل شيء يشرب منه فهو صواع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، ابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ } قال: كانت العير حميراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } قال: حمل حمار طعام، وهي لغة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } يقول: كفيل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله: {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلاْرْضِ } يقول: ما جئنا لنعصي في الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {فَمَا جَزَاؤُهُ } قال: عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا: من وجد في رحله فهو جزاؤه. وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترقّ. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ } قال: ذكر لنا أنه كان كلما فتح متاع رجل استغفر تأثماً مما صنع حتى بقي متاع الغلام قال: ما أظن أن هذا أخذ شيئاً. قالوا: بلى فاستبره. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } قال: كذلك صنعنا ليوسف {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } يقول: في سلطان الملك. قال: كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله فيعطيه المسروق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } يقول: في سلطان الملك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } قال: إلا بعلة كادها الله ليوسف فاعتلّ بها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } قال: يوسف وإخوته أوتوا علماً فرفعنا يوسف في العلم فوقهم درجة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث، فقال رجل عنده: {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } فقال ابن عباس: بئس ما قلت. الله العليم الخبير، وهو فوق كل عالم. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال: سأل رجل علياً عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل ليس هكذا ولكن كذا وكذا، قال عليّ: أصبت وأخطأت {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة في قوله: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } قال: علم الله فوق كل عالم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد...} يعني لا تدخلوا مصر من باب واحد، وفيه وجهان: أحدها: يعني من باب واحد من أبوابها. {وادخلوا من أبواب متفرقة}، قاله الجمهور. الثاني: من طريق واحد من طرقها {وادخلوا من أبواب متفرقة} أي طرق، قاله السدي. وفيما خاف عليهم أن يدخلوا من باب واحد قولان: أحدهما: أنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذوي صور وجمال، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنه خاف عليهم الملك أن يرى عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسداً أو حذراً، قاله بعض المتأخرين. {وما أغني عنكم من الله من شيءٍ}أي من أي شيء أحذره عليكم فأشار عليهم في الأول، وفوض إلى الله في الآخر. قوله عز وجل: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيءٍ}أي لا يرد حذر المخلوق قضاءَ الخالق. {إلاَّ حاجة في نفس يعقوب قضاها}وهو حذر المشفق وسكون نفس بالوصية أن يتفرقوا خشية العين. {وإنه لذو علم لما علمناه}فيه ثلاثة أوجه. أحدها: إنه لعامل بما علم، قاله قتادة. الثاني: لمتيقن بوعدنا، وهو معنى قول الضحاك. الثالث: إنه لحافظ لوصيتنا، وهو معنى قول الكلبي.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَدْخُلُواْ} مصر من باب من أبوابها عند الجمهور، أو عبّر عن الطريق بالباب فأراد طريقاً من طرقها خشي عليهم العين لجمالهم، "ع"، أو خاف عليهم الملك أن يرى عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسداً. {وَمَآ أُغْنِى عَنكُم} من شيء أحذره أشار بالرأي أولاً، وفوض إلى الله أخيراً.

البقاعي

تفسير : ولما سمح لهم بخروجه معهم، أتبع تعالى ذلك الخبر عن أمره لهم بالاحتياط من المصائب لأنهم أحد عشر رجلاً إخوة أهل جمال وبسطة، وكانوا قد شهروا عند المصريين بعض الشهرة، بسبب ما دار بينهم وبين يوسف عليه الصلاة والسلام من الكلام في المرة الأولى، فكانوا مظنة لأن ترمقهم الأبصار ويشار إليهم بالأصابع، فيصابوا بالعين، ولم يوصهم في المرة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين، مع شغل الناس بما هم فيه من القحط، فقال حكاية عنه: {وقال} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عندما أرادوا السفر: {يابني} محذراً لهم من شر الحسد والعين - {لا تدخلوا} إذا قدمتم إلى مصر {من باب واحد} من أبوابها؛ والواحد على الإطلاق: الذي لا ينقسم، وأما المقيد بإجرائه على موصوف كباب واحد، فهو ما لا ينقسم في معنى ذلك الموصوف {وادخلوا من أبواب} واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جداً، فقال: {متفرقة} أي تفرقاً كبيراً، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا بالعين - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة والضحاك والسدي، فإن العين حق، وهي من قدر الله، وقد ورد شرعنا بذلك، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : العين حق"تفسير : وفي رواية عند أحمد وابن ماجه: "حديث : يحضرها الشيطان وحسد بن آدم"تفسير : ولمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : العين حق، ولو شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا" تفسير : ولأبي نعيم في الحلية عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال:"حديث : إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر" تفسير : ولأبي داود عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وإنما لتدرك الفارس فتدعثره"تفسير : ولأحمد والترمذي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"تفسير : . قال الإمام الرازي: ومنشأ إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه. وقد تقدم معنى ذلك في رواية أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان، وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها، لأنها من القدر، لا من من باب التحرز من القدر، كما روى مسلم وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان"تفسير : . معناه - والله أعلم: افعل فعل الأقوياء، ولا تفعل فعل العجزة، وذلك بأن تنعم النظر، تمعن في التأمل وتتأنى، حتى تعلم المصادر والموارد، فلا تدع شيئاً يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا يضرك إلا فعلته، ولا تدع أمراً يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت منه جهدك، فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند الله بخلاف مرادك كنت جديراً بأن لا تقول في نفسك: لو أني فعلت كذا، فإنك لم تترك شيئاً، وأما إذا فعلت فعل العجزة، وتركت الجزم فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب، فما أقربك إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من "لو". ولما خاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر، نفى ذلك مبيناً أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر بعد ذلك إليه: إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها، وإن شاء أبطل تلك الأسباب وأقام أسباباً تضادها ويتأثر عنها المحذور، فقال: {وما أغني} أي أجزي وأسد وأنوب {عنكم من الله} أي بعض أمر الملك الأعظم، وعمم النفي فقال: {من شيء} أي إن أراد بكم، سواء كنتم مفترقين أو مجتمعين، وهذا حكم التقدير، ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي ما {الحكم} وهو فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة {إلا لِلَّه} أي الذي له الأمر كله، لا يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره، ولهذا المعنى - وهو أنه لا ينفع أصلاً سبب إلا بالله - أنزل الله التسمية مقرونة بهاء السبب أول كتابه، وأمر بها أول كل شيء؛ وروى أبو نعيم في الحلية في ترجمة إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس يوماً فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه، ولو مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع. وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر. وكل إفراط له مفسد. قال: فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين؟ أخبرنا عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال بيت مظلم فلا تدخله، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال: سر الله فلا تتكلفه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين، لا جبر ولا تفويض، فقال: يا أمير المؤمنين! إن فلاناً يقول بالاستطاعة وهو حاضرك، فقال: عليّ به! فأقاموه، فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع فقال: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب عنقك! فقال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: قل: أملكها بالله الذي إن شاء ملكنيها. وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند { أية : إن الله يفعل ما يشاء} تفسير : [الحج: 18] ما يتصل بهذا. ولما قصر الأمر كله عليه سبحانه، وجب رد كل أمر إليه، وقصر النظر عليه، فقال منبهاً على ذلك: {عليه} أي على الله وحده الذي ليس الحكم إلا له {توكلت} أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله {وعليه} أي وحده {فليتوكل المتوكلون *} أي الثابتون في باب التوكل، فإن ذلك من أعظم الواجبات، من فعله فاز، ومن أغفله خاب، ثم إنه سبحانه صدق يعقوب فيما قال، مؤكداً لما أشار إلى اعتقاده، فقال: {ولما} وعطفه بالواو يدل على أنهم ما أسرعوا الكرة في هذه المرة خوفاً من أن يقول لهم: لم يفرغ ما عندكم حتى تضطروا إلى الاستبدال به، والزمان زمان رفق، لا زمان تبسط {دخلوا} أي أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام عند وصولهم إلى مصر {من حيث أمرهم} أي به {أبوهم} من أبواب متفرقة، قالوا: وكان لمصر أربعة أبواب {ما كان} ذلك الدخول {يغني} أي يدفع ويجزي {عنهم من الله} أي الملك الأعلى الذي لاراد لأمره، وأعرق في النفي فقال: {من شيء} كما تقدم من قول يعقوب عليه الصلاة والسلام {إلا حاجة} أي شيئاً غير أتم حاجة {في نفس يعقوب} وهو الدخول على ما أمر به شفقة عليهم {قضاها} يعقوب، وأبرزها من نفسه إلى أولاده، فعملوا فيها بمراده فأغنى عنهم ذلك الإخلاص من عقوق أبيهم فقط، فإنهم ابتلوا في هذه السفرة بأمر عظيم لم يجدوا منه خلاصاً، وهو نسبهم إلى السرقة، وأسر أخيهم منهم، قال أبو حيان: وفيه حجة لمن زعم أن "لما" حرف وجوب لوجوب، لا ظرف زمان بمعنى "حين"، إذا لو كان ظرف زمان ما جاز أن يكون معمولاً لما "بعد" ما النافية - انتهى. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه لا فائدة في الاحيتاط، أشار تعالى إلى رده بمدح يعقوب عليه الصلاة والسلام، حثاً على الاقتداء به في التسبب مع اعتقاده أن الأمر بيد الله فقال: {وإنه} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أمره لبنيه بذلك {لذو علم} أي معرفة بالحكمين: حكم التكليف، وحكم التقدير، واطلاع على الكونين عظيم {لما} أي للذي {علمناه} إياه من أصول الدين وفروعه، ويجوز أن يكون المعنى: لذو علم لأجل تعليمنا أياه. فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب، مع اعتقاد أنه لا أثر لها إلا أن أمضاها الواحد القهار، فبهذا التقدير يتبين أن الاستثناء متصل، وفائدة إبرازه - في صورة الأستثناء عند من جعله منقطعاً - الإشارة إلى تعظيم يعقوب عليه الصلاة والسلام، وأنه جدير بأن يكون ما يأمر به مغنياً، لأنه من أمر الله، فلو كان كل شيء يغني من قدر الله لأغنى ما أشار به، وإنما فسرت "يغنى" بـ "يدفع" لأن مادة "غنى" - بأي ترتيب كان - تدور على الإقامة، فيكون أغنى للسلب، وهو معنى للدفع، بيانه أن غنى بمعنى أقام، وعاش، ولقي، ومغنى الدار: موضع الحلول، ويلزم من الإقامة الكفاية والتمول، لأن الفقير منزعج مضطرب، والغني - كإلى: التزوج، وإذا فتح مد، والاسم الغنية - بالضم، وذلك لأن التزوج لازم الإقامة، والغانية: المرأة تُطلَب ولا تَطلُب، أو الغنية بحسنها عن الزينة، أو الشابة المتزوجة، أو الشابة العفيفة ذات زوج كانت أم لا، ومثلها يلزم المنزل ويقصر في الخيام، وأغنى عنه غناء فلان: ناب عنه منابه وأجزأ مجزأه، وحقيقته جعل إقامة كذا متجاوزة عنه، فالمفعول محذوف، فإذا قال مثلاً: فلان أغنى عني في الحرب، كان المعنى: أغنى عني ضرب الأبطال أو شدة الحرب، أي أزال إقامة ذلك عني فجعله متجاوزاً، ولا شك أن معنى ذلك: دفعه عني، وكذا كل ما كان من ذلك، وما فيه غناء ذاك، أي إقامته والاضطلاع به، ويلزم أيضاً - من الإقامة التي هي المدار والكفاية التي هي سببها - الغناءُ - بالكسر والمد، وهو التطريب بالصوت، والغناء أيضاً: الرمل - لإقامته، وغنى بالمرأة: تغزل، أي نظم فيها الغزل، وغنى بزيد: مدحه أو هجاه - من لوازم الإقامة والكفاية، ومنه غنى الحمام: صوت؛ ونغى - كرمى: تكلم بكلام يفهم - لأن ذلك يسكن الخاطر عن القلق، ومنه المناغاة - وهي تكليم الصبي بما يهوى، ونغيت إليه نغية، أي ألقيت إليه كلمة، والنغية - كالنغمة: أول الخبر قبل أن تستثبته، من تسمية الجزء باسم الكل، وناغاه: داناه، ومنه الموج يناغي السماء - إذا ارتفع، وناغاه: باراه أي عارضه، والمرأة: غازلها، أي حادثها - كل ذلك من لوازم الإقامة؛ والغين: حرف هجاء مجهور مستعل - كأنها لقوتها مقيمة في مخرجها غير متزعزعة عنه كالراء والحروف الهوائية وغيرها، والغين: العطش - لأنه الأصل لاقتضاء الحرارة له والريّ حادث، والغين: الغيم - لإقامته في الهواء، والغينة: أرض - لأنها موضع الإقامة، والأشجار الملتفة بلا ماء، هي أيضاً موضع لذلك، لأنها ظليلة ولا ماء بأرضها يمنع من الانتفاع بشيء من ظلها، والغيناء: الخضراء من الشجر، وبئر، وبالقصر: قنة ثبير من الأثبرة السبعة - لأن ذلك كله موضع للإقامة، ولعل قنة هذا الجبل كثيرة الشجر فترجع إلى الشجرة، والأغين: الطويل - إما تشبيه بقنة الجبل، أو بالشجرة، والغانة: حلقة رأس الوتر في القوس، وغين على قلبه: غطى عليه أي أقام عليه ساتراً له فصار كالسماء بالنسبة إلى الغيم، ومنه غين عليه - إذا تغشته الشهوة وألبس أو غشي عليه، أو أحاط به الرين وهو الطبع والدنس، والغينة - بالكسر: الصديد وما سل من الميت - كأنه من سلب الإقامة، وكذا الغين بالكسر - لموضع كثير الحمى، وغانت نفسي تغين: غثت، والإبل: غامت، أي حصل لها داء كالقلاب غير أنه لا يقتل - انتهى. ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك، أي يعلم ما علمه، نفى ذلك سبحانه بقوله: {ولكن أكثر الناس} أي لأجل ما لهم من الاضطراب {لا يعلمون *} أي ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفرغ قواهم في الاهتمام بما وقع التكفل لهم به من أحوال الدنيا، ومغالبة فطرهم القويمة السليمة بردها إلى ما تدعو إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون فيها طب مخلوق.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد ...} قال: رهب يعقوب عليهم العين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - في قوله {لا تدخلوا من باب واحد} قال: خشي عليهم العين. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {لا تدخلوا من باب واحد} قال: خشي يعقوب على ولده العين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لا تدخلوا من باب واحد} قال: خاف عليهم العين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لا تدخلوا من باب واحد} قال: كانوا قد أوتوا صوراً وجمالاً، فخشي عليهم أنفس الناس. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ، عن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في قوله {وادخلوا من أبواب متفرقة} قال: أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} قال: خيفة العين على بنيه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وإنه لذو علم لما علمناه} قال: إنه لعامل بما علم، ومن لا يعمل لا يكون عالماً.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ} ناصحاً لهم لمّا أزمع على إرسالهم جميعاً {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ} مصر {مِن بَابٍ وَاحِدٍ} نهاهم عن ذلك حِذاراً من إصابة العين، فإنهم كانوا ذوي جمالٍ وشارةٍ حسنة وقد كانوا تجمّلوا في هذه الكرّة أكثرَ مما في المرة الأولى وقد اشتهروا في مصر بالكرامة والزلفى لدى الملِك بخلاف النَّوْبة الأولى فكانوا مَئِنّةً لدنوّ كل ناظر وطُموح كل طامح، وإصابةُ مُعْين بتقدير العزيز الحكيم ليست مما يُنكر وقد ورد عنه عليه السلام: «حديث : إن العينَ حق» تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : إنَّ العينَ لتُدخِلُ الرجلَ القبرَ والجملَ القِدْرَ» تفسير : وقد كان عليه السلام يعوّذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله: «حديث : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامّة ومن كل عين لامّة» تفسير : وكان عليه السلام يقول: «حديث : كان أبوكما يعوّذ بها إسماعيلَ وإسحاقَ عليهم السلام» تفسير : رواه البخاري في صحيحه وقد شهدت بذلك التجارِبُ. ولمّا لم يكن عدمُ الدخول من باب واحد مستلزماً للدخول من أبواب متفرّقة وكان في دخولهم من بابـين أو ثلاثةٍ بعضُ ما في الدخول من باب واحد من نوع اجتماعٍ مصحِّحٍ لوقوع المحذورِ قال: {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ} بـياناً لِما المرادُ بالنهي وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزماً له إظهاراً لكمال العنايةِ وإيذاناً بأنه المرادُ بالأمر المذكور لا تحقيقاً لشيء آخر {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ} أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبـيري {مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء} أي شيئاً مما قضى عليكم فإن الحذرَ لا يمنع القدَر ولم يرد به عليه السلام إلغاءَ الحذر بالمرة كيف لا وقد قال عز قائلاً: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }تفسير : [البقرة: 195] وقال: {أية : خُذُواْ حِذْرَكُمْ }تفسير : [النساء: 71] بل أراد بـيانَ أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المرادَ لا محالة بل هو تديبرٌ في الجملة وإنما التأثيرُ وترتُّبُ المنفعةِ عليه من العزيز القدير وأن ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانةٌ بالله تعالى وهربٌ منه إليه. {إِنِ ٱلْحُكْمُ} مطلقاً {أَلاَ لِلَّهِ} لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء {عَلَيْهِ} لا على أحد سواه {تَوَكَّلْتُ} في كل ما آتي وأذر، وفيه دَلالةٌ على أن ترتيبَ الأسباب غيرُ مُخلَ بالتوكل {وَعَلَيْهِ} دون غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ} جُمع بـين الحرْفين في عطف الجملةِ على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص مقيَّداً بالواو عطف فعلٍ غيرِه ـ من تخصيص التوكل بالله عز وجل ـ على فعل نفسه وبإلقاء سببـية فعلِه لكونه نبـياً لفعل غيره من المقتدين به فيدخل فيهم بنوه دخولاً أولياً وفيه ما لا يخفى من حسن هدايتِهم وإرشادِهم إلى التوكل فيما هم بصدده على الله عز وجل غيرَ مغترّين بما وصاهم من التدبـير.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}[67] فسئل ما حقيقة التوكل؟ قال: الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد. فقيل: ما حق التوكل؟ فقال: أوله العلم وحقيقته العمل، ثم قال: إن المتوكل إذا كان على الحقيقة لا يأكل طعاماً، وهو يعلم أن غيره أحق منه.

القشيري

تفسير : يحتمل أن يكون أراد تفريقهم في لدخول لعلَّ واحداً منهم يقع بَصَرُه على يوسف، فإن لم يره أحدهم قد يراه الآخر. ويقال ظنَّ يعقوب أنهم في أمر يوسف كانوا في شدة العناية بشأنِه، ولم يعلم أنهم كارهون لمكانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال} يعقوب ناصحا لبنيه لما ازمع على ارسالهم جميعا {يا بنى لا تدخلوا} مصر {من باب واحد} وكان لها اربعة ابواب {وادخلوا من ابواب متفرقة} اى من طرق شتى وسكك مختلفة مخافة العين فان العين والسحر حق اى كائن اثرهما فى المعين والمسحور وصاهم بذلك فى هذه الكرة لانهم كانوا ذوى جمال وهيئة حسنة مشتهرين فى مصر بالقربة عند الملك فخاف عليهم ان دخلوا جماعة واحدة ان يصابوا بالعين ولم يوصهم فى الكرة لانهم كانوا مجهولين حينئذ مغمورين بين الناس غير متجملين تجملهم فى الثانية وكان الداعى اليها خوفه على بنيامين [در لطائف آورده كه يعقوب در اول مهر بدرى بيدا كرد وآخر عجز بندكى آشكار كرد كه كفت] {وما اغنى عنكم} اى لا انفعكم ولا ادفع عنكم بتدبيرى {من الله} وقضائه {من} من رائدة لتأكيد النفى {شيء} اى شيئا فان الحذر لا يمنع القدر شعر : من جهد همى كنم قضا ميكويد بيرون زكفايت توكار دكرست تفسير : ولم يرد به الغاء الحذر بالمرة كيف لا وقد قال تعالى {أية : ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة} تفسير : وقال {أية : خذوا حذركم} تفسير : بل اراد بيان ان ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة بل هو تدبير فى الجملة وانما التأثير وترتب المنفعة عليه من العزيز القدير وان ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانة بالله وهرب منه اليه {ان الحكم} اى ما الحكم مطلقا {الا الله} لا يشاركه احد ولا يمانعه شيء فلا يحكم احد سواه بشيء من السوء وغيره {عليه} لا على احد سواه {توكلت} فى كل ما آتى واذر. وفيه دلالة على ان ترتيب الاسباب غير مخل بالتوكل {وعليه} دون غيره {فليتوكل المتوكلون} الفاء لافادة التسبب فان فعل الانبياء سبب لان يقتدى بهم. قال سهل بن عبد الله التسترى قدس سره للعباد على ثلاثة اشياء تكليفهم وآجالهم والقيام بامرهم ولله على العباد ثلاثة التوكل عليه واتباع نبيه والصبر على ذلك الى الموت. ومعنى ذلك ان الثلاثة الاول دخول العبد فيها تكلف اذ لا يتصور وجودها بسبب منه ولا يجب على الله شيء. والثلاثة الاخر لا بد من قيام العبد بها اذ لا بد من تسببه فيها. واعلم انه قد شهدت باصابة العين تجاريب العلماء من الزمن الاقدم وتطابق السنة الانبياء على حقيتها: قال الكمال الجندى شعر : عقل باطل شمردجشم توهر خون كه كند ظاهرا بى خبر ازنكته العين حقست تفسير : وفى الحديث "حديث : ان العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر" تفسير : وعن على رضى الله عنه حديث : ان جبريل اتى النبى صلى الله عليه وسلم فوافقه مغتما فقال يا محمد ما هذا الغم الذى اراه فى وجهك فقال "الحسن والحسين اصابهما عين" فقال يا محمد صدقت فان العين حق وتحقيقه ان الشيء لا يعان الا بعد كماله تفسير : وكل كامل فانه يعقبه النقص بقضاء ولما كان ظهور القضاء بعد العين اضيف ذلك اليها فالتأثير الحاصل عقبيه هو فعل الله على وفق اجراء عادته اذلا تأثير للعين حقيقة على ماهو مذهب اهل السنة. وقال بعضهم تأثير المؤثر فى غيره لا يجب ان يكون مستندا الى القوى الجسمانية بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ويدل عليه ان اللوح الذى يكون قليل العرض اذا كان موضوعا على الارض يقدر الانسان على المشى عليه ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين يعجز عن المشى عليه وما ذلك الا لان خوفه من السقوط يوجب سقوطه منه فعلمنا ان التأثيرات النفسانية موجودة من غير ان يكون للقوى الجسمانية مدخل لها وايضا اذا تصور الانسان كون فلان مؤذيا له حصل فى قلبه غضب يسخن بذلك مزاجه جدا فمبدأ تلك السخونة ليس الاذاك التصور النفساني ولان مبدأ الحركات البدنية ليس الا التصورات النفسانية فلما ثبت ان تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد ايضا ان يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتيها الى سائر الابدان فثبت انه لا يمتنع فى العقل ان يكون بعض النفوس مؤثرا في سائر الابدان فان جواهر النفس مختلفة بالماهية فجاز ان يكون بعض النفوس بحيث يؤثر فى تغيير بدن حيوان آخر بشرط ان يراه ويتعجب منه. وقال بعضهم وجه اصابة العين ان الناظر اذا نظر على شىء واستحسنه ولم يرجع الى الله والى رؤية صنعه قد يحدث الله فى المنظور علة بجناية نظره على غفلة ابتلاء من الله لعباده ليقول المحق انه من الله وغيره من غيره فيواخذ الناظر لكونه سببا. وقال بعضهم صاحب العين اذا شاهد الشىء واعجب به كانت المصلحة له فى تكليفه ان يغير الله ذلك الشىء حتى لا يبقى قلب المكلف متعلقا به. وقال بعضهم لا يستبعد ان ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين فيتضرر بالهلاك والفساد كما قيل مثل ذلك في بعض الحيات فان من انواع الافاعى ما اذا وقع بصرها على عين انسان مات من ساعته والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسيمة بل بعضها بالمقابلة والرؤية وبعضها لا يحتاج الى المقابلة بان يتوجه الروح اليه ونحوه. ومن هذا القبيل شر الحسود المستعاذ منه حتى قال بعضهم ان بعض العائنين لا يتوقف عينهم على الرؤية بل ربما يكون اعمى فيوصف له الشئ فتؤثر نفسه فيه بالوصف من غير رؤية. قال القزويني ويختص بعض النفوس من الفطرة بامر غريب لا يوجب مثله لغيرها كما ذكر ان فى الهند قوما ما اذا اهتموا بشئ اعتزلوا عن الناس وصرفوا همتهم الى ذلك الشئ فيقع على وفق اهتمامهم. ومن هذا القبيل ذكر ان السلطان محمود غزا بلاد الهند وكانت فيها مدينة كلما قصدها مرض فسأل عن ذلك فقيل له ان عندهم جمعا من الهند اذا صرفوا همتهم الى ذلك يقع المرض على وفق مااهتموا فاشار اليه بعض اصحابه بدق الطبول ونفخ البوقات الكثيرة لتشويش همتهم ففعل ذلك فزال المرض واستخلصوا المدينة فهذا تاثير الهمة. واما تأثير المحبة فقد حكى ان بعض الناس كان يهوى شابا يلقب ببدر الدين فاتفق انه توفى فى ليلة البدر فلما اقبل الليل وتكمل البدر لم يتمالك محبة رؤيته من شدة الحزن وانشد يخاطب البدر. شعر : شقيقك غيب فى لحده وتطلع يا بدر من بعده فهلا خسفت وكان الخسوف لباس الحداد على فقده تفسير : فخسف القمر من ساعته فانظر الى صدق هذه المحبة وتأثيرها فى القمر وصدق من قال ان المحبة مغناطيس القلوب وتأثير الارواح فى الاجسام امر مشاهد محسوس فالتأثير للارواح ولشدة ارتباطها بالعين نسبت اليها. قال بعض الحكماء ودليل ذلك ان ذوات السموم اذا اقتلت بعد لسعها خف اثر لسعها لان الجسد تكيف بكيفية السم وصار قابلا للانحراف فما دامت حية فان نفسها تمده بامتزاج الهواء بنفسها وانتشاق الملسوع به وهذا مشاهد ولا اقول ان خاصية قتلها منحصرة فيها فقط بل هى احدى فوائدها المنقولة عنها واصل ذلك كله من اعجاب العائن بالشئ فيتبعه كيفية نفسه الخبيثة فيستعين على تنفيذ سميتها بعينه وقد يعين الرجل نفسه بغير ارادة منه وهذا اردى ما يكون. وينبغى ان يعلم ان ذلك لا يختص بالانس بل قد يكون فى الجن ايضا وقيل عيونهم انفذ من اسنة الرماح. وعن ام سلمة رضى الله عنها ان النبى عليه السلام رأى فى بيتها جارية وفى وجهها صفرة فقال استرقوا لها فان بها النظرة واراد بها العين اصابتها من الجن. قال الفقهاء من عرف بذلك حبسه الامام واجرى له النفقة الى الموت فلما كان اصل ذلك استحسانه. قال عثمان رضى الله عنه لما رأى صبيا مليحا دسموا نونته لئلا تصيبه العين اى سودوا نقرة ذقته . قالوا ومن هذا القبيل نصب عظام الرؤس فى المزارع والكروم ووجهه ان النظر الشؤم يقع عليه اولا فتكسر سورته فلا يظهر اثره وقد جعل الله لكل داء دواء ولكل شئء ضدا فالدعوات والانفاس الطيبة تقابل الاثر الذى حصل من النفوس الخبيثة والحواس الفاسدة فتزيله - حديث : وروى - عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت اليه آخر النهار فرأيته معافى فقال "ان جبريل عليه السلام اتانى فرقانى وقال بسم الله ارقيك من كل شئ يؤذيك ومن كل عين وحاسد الله يشفيك قال عليه السلام فافقت" تفسير : وفيه وفيما ذكر من حديث ام سلمة دلالة على جواز الاسترقاء وعليه عامة العلماء هذا عذا كانت الرقى من القرآن او الاذكار المعروفة اما الرقى التي لا يعرف معناها فمكروهة. وعن عائشة رضى الله عنها انها قالت له صلى الله عليه وسلم "هلا تنشرت" اى تعلمت النشرة وهى الرقية. قال بعضهم وفيه دليل على عدم كراهية استعمال النشرة حيث لم ينكر عليه السلام ذلك عليها وكرهها جمع واستدلوا بحديث فى سنن ابى داود مرفوعا "حديث : النشرة من عمل الشيطان" تفسير : وحمل ذلك على النشرة التي تصحبها العزائم المشتملة على الاسماء التي لا تفهم كما قال المطرزى فى المغرب. انما تكره الرقية اذا كانت بغير لسان العرب ولا يدرى ما هو ولعله يدخل فيه سحرا وكفرا. واما ما كان من القرآن وشئ من الدعوات فلا بأس به. واما تعليق التعويذ وهو الدعاء المجرب أو الآية المجربة او بعض اسماء الله لدفع البلاء فلا باس به ولكن ينزعه عند الخلاء والقربان الى النساء كذا في التتار خانية وعند البعض يجوز عدم النزع اذا كان مستورا بشئ والاولى النزع. وكان عليه السلام يعوذ الحسن والحسين رضى الله عنهما فيقول "حديث : اعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة فعوذوا بها اولادكم فان ابراهيم كان يعوذ بها اسماعيل واسحاق" تفسير : رواه البخارى فى صحيحه. وكلمات الله كتبه المنزلة على انبيائه او صفات الله كالعزة والقدرة وغيرهما وكونها تامة لعرائها عن النقص والانفصام. وكان احمد بن حنبل يستدل بقوله بكلمات الله التامة على ان القرآن غير مخلوق ويقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق وما من كلام مخلوق الا وفيه نقص فالموصوف منه بالتمام غير مخلوق وهو كلام الله تعالى. يقول الفقير جاءت الاستعاذة بمخلوق فى قول على رضى الله عنه اذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل اعوذ بدانيال وبالجب من شر الاسد وذلك ان دانيال لما ابتلى بالسباع كما ذكرناه عند قوله تعالى {فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين} جعل الله الاستعاذة به فى ذلك تمنع شر الذى لا يستطاع كما فى حياة الحيوان. قال بعضهم هذا مقام من بقى له التفات الى غير الله فاما من توغل فى بحر التوحيد حيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يستعذ الا بالله ولم يلتجئ الا الى الله والنبى عليه السلام لما ترقى عن هذا المقام قال "اعوذ بك منك". والهامة احدى الهوام وهى حشرات الارض. وقال الخطابى ذوات السموم كالحية والعقرب ونحوهما واما حديث ابن عجرة "أيؤذيك هوام رأسك" فالمراد بها القمل على الاستعارة. واللامة الملمة من المت به اى نزلت وجيئ على فاعلة ولم يقل ملمة للازدواج بهامة ويجوز ان يكون على ظاهرها بمعنى جامعة للشر على المعيون من لمه يلمه اذا جمعه يقال ان دراك تلم الناس اي تجمعهم. وفى الفتوحات المكية ان التأثير الحاصل من الحروف واسماء الله تعالى من جنس الكرامات اي اظهار الخواص بالكرامة فان كل احد لا يقدر استخراج خواص الاشياء. وعن عائشة رضى الله عنها يؤمر العائن ان يتوضأ ثم يغتسل منه المعين وهو الذى اصيب بالعين. وعن الحسن دواء اصابة العين ان تقرأ هذه الآية {أية : وان يكاد الذين كفروا ليزلقونك بابصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون انه لمجنون وما هو الا ذكر للعالمين} تفسير : وليس فى الباب انفع من هذه الآية لدفع العين. وعن عائشة رضى الله عنها ان النبي عليه السلام اذا أوى الى فراشه كل ليلة جمع كفيه فقرأ قل هو الله احد والمعوذتين فنفث فيهما ثم يمسح بهما ماس استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه يفعل ذلك ثلاث مرات وقد قيل ان ذلك امان من السحر والعين والهوام وسائر الامراض والجراحات. والسنة لمن رأى شيئا فاعجبه فخاف عليه العين ان يقول ما شاء الله لا قوة الا بالله ثم يبرك عليه تبريكا فيقول بارك الله فيك وعليك. وذكر ان اعجب ما فى الدنيا ثلاثة. البوم لا تظهر بالنهار خوف ان تصيبها العين لحسنها كما قال فى حياة الحيوان ولما تصور فى نفسها انها احسن الحيوان لم تظهر الا بالليل. والثانى الكركى لا يطأ الارض بقدميه بل بأحداهما فاذا وطئها لم يعقد عليها خوف ان تخسف الارض. والثالث الطائر الذى يقف على سوقه فى الماء من الانهار ويعرف بمالك حزين يشبه الكركى لا يشبع من الماء خشية ان يفنى فيموت عطشا. ونظيره ان دودا بطبرستان يكون بالنهار من المثقال الى الثلاثة يضئ فى الليل كضوء الشمع ويطير بالنهار فيرى له اجنحة وهى خضراء ملساء لا جناحين له فى الحقيقة غذاؤه والتراب لم يشبع قط منه خوفا من ان يفنى تراب الارض فيهلك جوعا. يقول الفقير ذلك الطائر وهذا الدود اشارة الى اهل الحرص والبخل من اهل الثروة فانهم لا يشبعون من الطعام بل من الخبز خوفا من نفاذ اموالهم مع كثرتها ونعوذ بالله وقد التقطت الى هنا من انسان العيون وشرح المشارق لابن الملك وشرح الشرعة لابن السيد على انوار المشارق وشرح الطريقة لمحمد الكرديى والاسرار المحمدية ولغة المغرب وحياة الحيوان وشرح الحكم وحواشى ابن الشيخ وحواشى سعد المفتى

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن يعقوب أنه قال لبنيه حين أنفذ اخاهم معهم {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} وقيل في سبب قوله ذلك قولان: احدهما - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي، والحسن: انه خاف عليهم العين، لانهم كانوا ذوي صور حسنة وجمال وهيبة. وقال الجبائي: انه خاف عليهم حسد الناس لهم، وان يبلغ الملك قوتهم وشدة بطشهم فيقتلهم خوفاً على ملكه، وانكر العين. وقال لم ثثبت بحجة. وانما هو شيء يقوله الجهال العامة. والذي قاله غير صحيح في امر العين بل غير منكر ان يكون ما قال المفسرون صحيحاً، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : العين حق"تفسير : ، وانه عوذ الحسن والحسين (ع)، فقال في عوذته: "حديث : وأعيذكما من كل عين لامّة"تفسير : وقد رويت فيه أخبار كثيرة، وقد جرت العادة به. واختاره البلخي، والرماني واكثر المفسرين، وليس يمتنع ان يكون الله تعالى أجرى العادة لضرب من المصلحة أنه متى ما نظر انسان الى غيره على وجه مخصوص اقتضت المصلحة اهلاكه أو إمراضه أو اتلاف ماله، فالمنع من ذلك لا وجه له. وقوله {وما أغني عنكم من الله من شيء} اعتراف منه بأنه لا يملك الامر، ولا يغني عمن يريده الله بسوء. والغنى ضد الحاجة. وقوله {إن الحكم إلا لله} اي ليس للفصل بين الامور على ما تقتضيه الحكمة الا الله. وقوله {عليه توكلت} اي فوضت امري الى الله يدبره كيف يشاء. والتوكل من صفات المؤمنين.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} لمّا علم انّ الملك واعوانه عرفوهم وعلموا انّهم بنوابٍ واحدٍ خاف عليهم العين فوصّيهم بحسب البشريّة بالتّدبير له فى العين {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} ولمّا لم يعتمد على تدبيره قال {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} وامرى بهذا التّدبير كان لمحض التّوسّل بالاسباب الّذى امر الله عباده به التّوكّل {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} من الابواب المتفرّقة {مَّا كَانَ} ابوهم او تدبيره او دخولهم بحسب تدبيره {يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} من تقدير الله {مِن شَيْءٍ} شيئاً من الاغناء او شيئاً من التّقدير فنسبوا الى السّرقة واخذ بنيامين {إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ} وهى التّوسّل بالتّدبير مع التّوكّل على الله مع العلم بعدم اغناء التّدبير عن التّقدير {قَضَاهَا} امضيها والاستثناء منقطع {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ} بانّ التّدبير لا يغنى من التّقدير {لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} لاجل تعليمنا ايّاه او بالّذى علّمناه لا بكلّ الاشياء والآية اشارة الى سعته وكماله (ع) فى مرتبة البشريّة والعمل بمقتضاها من حيث انّها تقتضى التّوسلّ بالاسباب والمرتبة العقليّة من حيث انّها تقتضى الانقطاع عن الاسباب والعلم باستقلال المسبّب فى كلّ ذى سبب وانّ الاسباب حُجُبٌ لظهور اثر المسبّب {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} انّ الحذر لا يغنى من القدر او لا يتّصفون بمرتبة العلم استدراك لما يتوهّم من انّه ان كان ذو علم ينبغى ان لايظهر مقتضى البشريّة الّذى يوهم الجهل يعنى انّه، وان كان ذو علم ولكنّ اكثر النّاس ليس لهم علم فابرز مقتضى البشريّة لموافقتهم ومنهم أبناؤه المخاطبون له، او المعنى أنّه لذو علمٍ ومقتضى علمه التّوسّل بالاسباب فى التّوكلّ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} انّ مقتضى العلم التّوسّل بالاسباب ما لم يخرجوا من عالم الاسباب.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}. قال بعضهم: خشى على بنيه العين؛ وكانو ذوي صورة وجمال. ذكروا عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله، إن بني جعفر أسرع شيء إليهم العين، أفأسترقى لهم؟ فقال: حديث : استرقي لهم. لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين . تفسير : ذكروا عن داود بن حصين عن علي بن عبدالله بن عباس أن يتيمة كانت عند ميمونة، فافتقدها النبي صلى الله عليه وسلم، حديث : فسأل عنها. فقالوا: اشتكت عينيها. فقال: استرقوا لها، فإنه أعجبتني عيناها . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه عان سهل بن حنيف فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا أعجب أحدَكم أخوه فليبرّك تفسير : قوله: { وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {وقالَ يَا بنىَّ لا تدْخُلوا} مصر، وقيل ذلك فى الفرماء، وهى من أعمال مصر {مِنْ بابٍ واحدٍ وادْخُلوا مِن أبْوابُ مُتفرقةٍ} ولها يومئذ أربعة أبواب: باب الشام، وباب المغرب، وباب اليمن، وباب الروم، وقيل خمسة بزيادة باب النون. وقال السدى: أراد بالأبواب الطرق، والذى سبق فى حفظى أولا أنه أمر كل واحد أن يدخل من باب غير باب الآخر، وطريق غير طريقه، فيكون لمصر أحد عشر بابا أو أكثر. ولم أر وفى المسألة شيئاً من شيخى، وقيل: أمرهم بذلك لأنه قد علم أن ملك مصر هو يوسف، إلا أن الله لم يأذن له فى إظهار ذلك، وكان غرضه أن يضل بنيامين إلى أخيه يوسف قبل إخوته فى وقت الخلوة، وقيل: علم يعقوب أن يوسف بمصر من رسالة الأعرابى المذكورة فيما مر، فقال لأولاده: ادخلوا من أبواب متفرقة، لعلكم تجدون يوسف، قيل: ولم يدر أن يوسف وصل الملك. وقال ابن منبه: أمرهم بذلك مخافة أن يغتالوا أحدا لما ظهر له فى أرض مصر من التهمة بالحسد، والصحيح أنه فعل ذلك مخافة العين عليهم، إذا كانوا ذوى جمال وقوة، وامتداد قامة، وكانوا أولاد رجل واحد، وهو قول الجمهور، وبه قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وفى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : العين حق لو كان شئ يسبق القدر لقلت العين لا تزال بالرجل حتى تورده القبر، ولا بالجمل حتى تورده القدر، ولا بالنخلة حتى توردها التنور، وإذ استغسلتم فاغسلوا"تفسير : قالت عائشة: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعاين فيتوضأ ثم يغسل منه المعين.تفسير : وقالت أسماء بنت عميس: حديث : يا رسول الله صلى الله عليك وسلم إن بنى جعفر أسرع شئ إليهم العين، أفأسترقى لهم؟ فقال: "استرقى لو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين ". تفسير : وقال ابن عباس: حديث : إن يتيمة كانت عند ميمونة، فافتقدها النبى صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها قيل له: اشتكت عينيها، فقال: "استرقوا لها فإنها أعجبتنى عيناها ". تفسير : وقال سهل بن حنيف: إذا أعجب أحدكم شئ فليبارك وصفه وضوء العاين، ما ذكروا أن سهل بن حنيف أصيب العين عند اغتساله، فأمر صلى الله عليه وسلم عاينه أن يتوضأ. وذكروا أنه يؤتى بقدح ولا يوضع فى الأرض لتؤخذ منه غرفة فيتمضمض بها ثم يمجها فى القدح، ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به وجهه، ثم يأخذ ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، ثم بشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثم يغسل قدمه اليمنى ثم اليسرى، ثم ركبته اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة، وكل ذلك فى القدح، ثم داخله إزاره وهو الطرف المتدلى الذى يلى حقوه الأيمن، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن القدح، وجمهور العلماء على ما قدمنا. وهذا الوضوء واجب على العاين، ويجبر عليه ويصبه من خلفه على رأس المعين صبة واحدة، وهذا ونحوه هو المراد بقوله: "فإذا استغسلتم فاغسلوا" والأمر للوجوب فيه على الصحيح، وقيل: لغير الوجوب، وحدث والد سهل المذكور حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وساروا نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الحرام من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد محباة، فلبط سهل، أى صرع، فأتى أبوه حنيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل تتهمون أحداً؟" قال: عامر بن ربيعة، فدعا عامرا فتغيظ عليه، فقال: "علام يقتل أحدكم أخاه هلا إذا رأيت ما يعجبك تبركت" ثم قال: "اغتسل له" فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخله إزاره فى قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفى القدح ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس . تفسير : وذكر عياض: أن المراد بداخلة إزاره ما يلى جسده من الإزار، وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل: وركه، لأنه معقد الإزار، وعن مالك ما يلى الجسد من الثوب مطلقا، وتلك الرقيا لا تعرف علتها فلا ترد، وقد عضدتها التجربة، وصدقتها المعاينة، فإن التوقف فيها متشرع. قلنا له: قل: الله أعلم أو متفلسف فالرد عليه أظهر، لأن الأدوية عنده تفعل بتواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواصر، ومن المتحرز ستر محاسن من يخاف أن يعان. رأى عثمان بن عفان صبيا مليحاً فقال: دسموا نونته وهى النقرة التى تكون فى ذقن الصغير، وكان رجل يقال له أبو عبد الله الساجى فى حجة أو غزوة على ناقة فارهة، وكان فى رفقة الرجل عاين، فما نظرإلى شئ إلا أتلف، فقيل لأبى عبد الله: احفظ ناقتك من العاين، فقال: ليس له إليها سبيل فأخبر العاين بقوله، فتحين غيبة إلى الله فجاء إلى رحله فنظر إليها فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العاين قد عانها وهى كما ترى، فقال: دلونى عليه فوقف عليه فقال: باسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، اردد عين العاين عليه فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، فخرجت حدقتا لعاين، وسالتا على خده، وقامت الناقة لا بأس بها. والعين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد ولو من الرجل المحب، ومن الرجال الصالح أو الذى يعجبه الشئ يبادر إلى الدعاء للذى يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقيا منه، كما يستفاد من الحديثين السابقين، ويستفاد منه ومن التجربة أن العين تقتل. واشتهر أن من رأى ما يعجبه فليصل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرت، كلاما فى مختصر القواعد والحاشية، والذى أقول به: إن العاين إذا أتلف شيئا ضمنه، وإن قتل فالقصاص أو الدية، وإن تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة كما يقتل الساحر قصاصا كما قال القرطبى، وإلا لزمه ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وقيل: يقتل الساحر بكفره ولو لم يتلف نفسا، ومنعت الشافعية قتل العاين قصاصا، لأنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا. قال النووى: منهم لا دية فيها، ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال، مما لا انضباط له كيف ما لم يمنع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد، وتمن بزوال النعمة، وقد يكون الموت بغير عين الذى عانه، بل بشئ آخر، ويرد عليه الساحر إلا إن قال: لا يقتل إلا كفرا وينبغى للإمام. بل يجب عندى منع العاين إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرا أرزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذى منعه عمر من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذى منع الشارع أكله من حضور الجماعة، ومعنى كون العين حقا إن الإصابة بها شئ ثابت موجود، وأنكرتها طوائف من المبتدعة، والحق ثبوتها للأحاديث والتجربة، وأنها تضر عند نظر العاين بعادة أجرها الله سبحانه وتعالى، أن يحدث الضرر عند نظره، وأنه لا قطع بأن ثم جواهر حقيقة لطيفة غير مرئية تنبعث من العاين، فتصل بالمعين فتتخلل مسام جسمه، فيخلق الله جل وعلا الهلاك عندها، ولا تقى، بل جاز أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة وأخطأ من قطع بذلك. روى جابر بن عبد الله: أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس يعنى العين، وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص فى الأجسام والأوراح، كالحمرة عند نظر من تحتشمه إليك والاصفرار عند رؤيتك من تخافه، وكثير يسقم بمجرد النظر إليه. قيل: الذى يخرج من عين العاين سهم معنوى إن صادف البدن لا وقاية له ولا أثر فيه، ولو لم يفيد، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسبى، والوقاية حفظ الله، وزعم بعض أهل الطبائع، أن العاين تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالعين فتهلكه أو تفسده، كإصابه السم من نظر الأفعى، وطبائع الناس تختلف، وقد تكون ذلك من سم يصل من عين العاين فى الهوى إلى المعين لشدة خبث روح صاحب تلك الطبيعة قبل التأثير بالروح، وهو على كل حال بإرادة الله. قال بعض العاينين: إذا رأيت شيئا يعجبنى وجدت حرارة تخرج من عينى، ويقرب من ذلك أن المرأة الحائض تضع يدها فى إناء اللبن فيفسده، ولو وضعته بعد طهر لم يفسد، وأن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد، قلنا: إن كان هذا المنبعث عند القابل عرضا رد بأن العرض لا يقبل الانتقال، لأنه لا يستقل بنفسه، قيل: وإن كان جوهرا رد بأن الجواهر متجانسة، فليس بعضها أولى بأن يكون مفسد البعض من عكسه، وللعين علاج بأشياء من الطب. وأنشاء من الأدعية منها ما كان صلى الله عليه وسلم يعيذ الحسن والحسين به:"حديث : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة، ومن كل عين لامه"تفسير : الهامة مفرد الهوام، وهو كل ذى سم يقتل كالحية وما يسم، ولا يقتل فهو السام، والجميع سوام كالزنبور والعقرب، قد تقتل، وقد يطلق لفظ هامة على كل ذى روح يدب، ولامه الملمة وهى النازلة وعبر بالملامة ليناسب الهامة، أو اللامة على ظاهره من لممت الشئ جمعته، فهى بمعنى جامعة شر، ولا محل للتطويل بطب العين وأدعيتها هنا. ولم يخف يعقوب عليهم العين أول مرة، لأنهم حينئذ مجهلون فى أهل مصر، بخلاف المرة الثانية، فإنهم يعرفون، ويشار إليهم بالأصابع أن هؤلاء اضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم وما أحقهم بالإكرام، أو كان الداعى إلى ذلك خوفه على بنيامين، وما مجردهم فلم يخطر بباله أنهم يعانون، ولو خطر ما قصر. {وما أغْنى عنكُم من الله مِنْ شىْءٍ} أى ما أدفع عنكم من الله شيئا من الدفع أو من الضر إن قضاه الله، فإن الحذر لا يدفع القدر، وذلك منه جمع بين التسبب والتوكل بما أشرت عليكم من الدخول من أبواب متفرقة. قال الشبلى: أجل طريق عمل الأسباب فى الظواهر، وخلوا الباطن من تعليق بغير الله، وذلك جمع بين الحكمة وحقيقة التوحيد، ولذا مدح الله يعقوب بقوله:{أية : وإنه لذو علم لما علمناه}تفسير : وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شذ فى رفض السعى بالكلية، وقنع بالماء ويقبل البرية. {إن الحُكم إلا لله} يصيبكم ما قضى أن يصيبكم إن كان قد قضى عليكم بشئ {عليْه توكَلتُ وعليْهِ فلْتوكَّل المتوكِّلون} الفاء صلة وعليه متعلق بما بعدها وإنما ساغ الجمع بين الواو والفاء للفصل بينهما بعليه، وإنما قدم عليه فى الموضعين للحصر، وإنما لم يسقط الفاء لأنها فى الأصل للتسبب، فأتى بما هو صورة للتسبب وصفة له، وفعل الأنبياء سبب لأن يقتدى به.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ} لهم {يَا بَنِىَّ لاَ تَدْخُلُوا} مصر {مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةِ} لئلا تصابوا بالعين، فقد جمع عليه السلام بين التوكل مقدما له والحذر المأْمور به شرعا، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : اعقلها وتوكل"تفسير : وكما ظاهر بذرعين وقد توكل وقال الله تعالى: "أية : خذوا حذركم" تفسير : [النساء: 71] "أية : ولا تلقوا بأَيديكم إِلى التهلكة "تفسير : [البقرة: 195] قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : العين حق لو كان شىءٌ يسبق القدر لقلت العين " تفسير : وروى "حديث : لسبقته العين، إِذا استغسلتم فاغتسلوا"تفسير : أَى إِذا طلب ممن خيف منه العين فليغسل وجهه ويديه ومرفقيه وأطراف رجليه وداخل إِزاره وهو ما يلى جسده من الإِزار، وقيل وركيه، وقيل مذاكيره، ويصب ماءَ ذلك على رأْس المعين بقوله: أَعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ويقول: كان أَبوكما يعوذ بهما إِسماعيل وإِسحاق، والعين يضر يإِذن الله تعالى، ومن قال يضر استقلالا أَشرك، ولا نعتقد أَن شيئاً ينفصل من عين العائن إِلى المعين فيضره كما قيل، والرقية من العين جائِزة، ومن عرف بالعين حبس عن الناس ورزق من بيت المال إِن كان فقيراً، ويروى أن نبيا استكثر قومه فمات فى ليلة مائة أَلف فشكا إِلى الله سبحانه، فقال الله سبحانه: إنك استكثرتهم فعينتهم هلا حصنتهم إِذ استكثرتهم، قال: يا رب كيف أَحصنهم؟ قال: تقول: حصنتكم بالحى القيوم الذى لا يموت أَبدا، أَو دفعت عنكم السوءَ بألف أًلف لا حول ولا قوة إِلا بالله، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إِنى أَعوذ بكلماتك التامة من كل هامة ومن كل عين لامة"تفسير : والهامة بالشد واحدة الهوام الحية، وكل ذى سم، والعين اللامة الجامعة للشر على من يصاب بالعين، وكانوا طوالا سمانا ذوى جمال ومهابة مشهورين بالكرامة عند الملك، وكانوا بنو أَب واحد ولم يوصهم بذلك فى المرة الأْولى لأَنهم مجهولون أَولا، أًو لمزيد خوفه على بنيامين، قيل المراد الدخول من أَبواب متفرقة الدخول جملة واحدة فلو دخلوا واحدا واحدا لا بمرة لجاز، فالواحدة اعتبارية، والأَبواب أَربعة فيما قيل، فكأَنه لمصر أَحد عشر بابا على عددهم أَو أَكثر من أَحد عشر، والدخول من اثنين أَو ثلاثة محتمل للمحذور أَيضاً، وأَما الدخول من أًربعة فلا قيد عليه إِذ لم يكن لمصر أَكثر من أَربعة {وما اُغْنِى عَنْكُم مِّنَ اللهِ} من قضاءِ الله {مِنْ شَىْءٍ} لا أُغنى عنكم شيئاً أَى إغناءً أَو لا أَدفع عنكم شيئاً، أَو أَى إِعناء أُغنى عنكم {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلْيِهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلونَ} عليه، قدم على متعلقه وهو يتوكل، ولا صدر للام الأَمر، والفاءُ للسببية فإِن التوكل من يعقوب موجب وسبب لتوكل غيره لأَنه نبى من الله يجب اتباعه فيما لم ينسخ، ولما قدم قوله عليه عن قوله فليتوكل كان فاصلا بين الواو والفاءِ فساغت الواو لمطلق الجمع، والفاءُ للسببية، ويجوز تقدير معطوف بالواو عليه توكلت الآن، كما قيل: وأَتوكل بعد، أَو توكلت قبل تكلمى هذا وأَتوكل الآن، وإِنما ساغ تقديم ما بعد الفاءِ على الفاءِ لأَنها هنا لمجرد السببية دون العطف.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ} ناصحاً لهم لما عزم على إرسالهم جميعاً {يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ} مصر {مِن بَابٍ وَاحِدٍ } نهاهم عليه السلام عن ذلك حذراً من إصابة العين فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة وقد اشتهروا بين أهل مصر بالزلفى والكرامة التي لم تكن لغيرهم عند الملك فكانوا مظنة لأن يعانوا إذا دخلوا كوكبة واحدة، وحيث كانوا مجهولين مغمورين بين الناس لم يوصهم بالتفرق في المرة الأولى، وجوز أن يكون خوفه عليه السلام عليهم من العين في هذه الكرة بسبب أن فيهم محبوبه وهو بنيامين الذي يتسلى به عن شقيقه يوسف عليه السلام ولم يكن فيهم في المرة الأولى فأهمل أمرهم ولم يحتفل بهم لسوء صنيعهم في يوسف، والقول أنه عليه السلام نهاهم عن ذلك أن يستراب بهم لتقدم قول أنتم جواسيس ليس بشيء أصلاً، ومثله ما قيل: إن ذلك كان طمعاً أن يتسمعوا خبر يوسف عليه السلام؛ والعين حق كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح أيضاً بزيادة «حديث : ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين» تفسير : و «حديث : إذا استغسلتم فاغتسلوا»تفسير : وقد ورد أيضاً: «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» وقد كان صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله: «حديث : أعوذ بكلمات الله تعالى التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» تفسير : وكان يقول: «حديث : كان أبوكما يعوذ بهما إسماعيل وإسحٰق عليهم السلام»تفسير : . ولبعضهم في هذا المقام كلام مفصل مبسوط لا بأس بإطلاعك عليه، وهو أن تأثير شيء في آخر إما نفساني أو جسماني وكل منهما إما في نفساني أو جسماني، فالأنواع أربعة يندرج تحتها ضروب الوحي والمعجزات/ والكرامات والإلهامات والمنامات وأنواع السحر والأعين والنيرنجات ونحو ذلك. أما النوع الأول: أعني تأثير النفساني في مثله ـ فكتأثير المبادى العالية في النفوس الإنسانية بإفاضة العلوم والمعارف، ويندرج في ذلك صنفان: أحدهما: ما يتعلق بالعلم الحقيقي بأن يلقى إلى النفس المستعدة لذلك كمال العلم من غير واسطة تعليم وتعلم حتى تحيط بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية كما ألقي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم علوم الأولين والآخرين مع أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يتلو من قبل كتاباً ولا يخطه بيمينه. وثانيهما: ما يتعلق بالتخيل القوي بأن يلقى إلى من يكون مستعداً له ما يقوى به على تخيلات الأمور الماضية والإطلاع على المغيبات المستقبلة، والمنامات والإلهامات داخلة أيضاً تحت هذا النوع، وقد يدخل تحته نوع من السحر وهو تأثير النفوس البشرية القوية فيها قوتا التخيل والوهم في نفوس بشرية أخرى ضعيفة فيها هاتان القوتان كنفوس البله والصبيان والعوام الذين لم تقو قوتهم العقلية فتتخيل ما ليس بموجود في الخارج موجوداً فيه وما هو موجود فيه على ضد الحال الذي هو عليها؛ وقد يستعان في هذا القسم من السحر بأفعال وحركات يعرض منها للحس حيرة وللخيال دهشة ومن ذلك الاستهتار في الكلام والتخليط فيه. وأما النوع الثاني: ـ أعني تأثير النفساني في الجسماني ـ فكتأثير النفوس الإنسانية في الأبدان من تغذيتها وإنمائها وقيامها وقعودها إلى غير ذلك ومن هذا القبيل صنف من المعجزات وهو ما يتعلق بالقوة المحركة للنفس بأن تبلغ قوتها إلى حيث تتمكن من التصرف في العالم تمكنها من التصرف في بدنها كتدمير قوم بريح عاصفة أو صاعقة أو زلزلة أو طوفان وربما يستعان فيه بالتضرع والابتهال إلى المبادي العالية كأن يستسقي للناس فيسقون ويدعو عليهم فيهلكون ولهم فينجون، ويندرج في هذا صنف من السحر أيضاً كما في بعض النفوس الخبيثة التي تقوى فيها القوة الوهمية بسبب من الأسباب كالرياضة والمجاهدة مثلاً فيسلطها صاحبها على التأثير فيمن أراده بتوجه تام وعزيمة صادقة إلى أن يحصل المطلوب الذي هو تأثره بنحو مرض وذبول جسم ويصل ذلك إلى الهلاك. وأما النوع الثالث: وهو تأثير الجسماني في الجسماني فكتأثير الأدوية والسموم في الأبدان ويدخل فيه أنواع النيرنجات والطلسمات فإنها بتأثير بعض المركبات الطبيعية في بعض بسبب خواص فيها كجذب المغناطيس للحديد واختطاف الكهرباء التبن، وقد يستعان في ذلك بتحصين المناسبات بالأجرام العلوية المؤثرة في عالم الكون والفساد كما يشاهد في أشكال موضوعة في أوقات مخصوصة على أوضاع معلومة في مقابلة بعض الجهات ومسامتة بعض الكواكب يستدفع بها كثير من أذية الحيوانات. وأما النوع الرابع: وهو تأثير الجسماني في النفساني فكتأثير الصور المستحسنة أو المستقبحة في النفوس الإنسانية من استمالتها إليها وتنفيرها عنها وعد من ذلك تأثير أصناف الأغاني والرقص والملاهي في بعض النفوس وتأثير البيان فيمن له ذوق كما يشير إليه قوله عليه الصلاة السلام: «حديث : إن من البيان لسحراً»تفسير : . إذا تمهد هذا فاعلم أنهم اختلفوا في إصابة العين فأبو علي الجبائي أنكرها إنكاراً بليغاً ولم يذكر لذلك شبهة فضلاً عن حجة وأثبتها غيره من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم إلا أنهم اختلفوا في كيفية ذلك فقال الجاحظ: إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه تأثير السم في الأبدان فالتأثير عنده من تأثير الجسماني في الجسماني. وضعف ذلك القاضي بأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن تؤثر العين في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيرها فيما يستحسن. وتعقبه الإمام بأنه تضعيف ضعيف، وذلك لأنه إذا استحسن العائن شيئا فأما أن/ يحب بقاءه كما استحسن ولده مثلاً وإما أن يكره ذلك كما إذا أحس بذلك المستحسن عند عدوه الحاسد هو له، فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله وهو يوجب انحصار الروح في داخل القلب، فحينئذ يسخن القلب والروح جداً ويحصل في الروح الباصر كيفية قوية مسخنة، وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان هم شديد وحزن عظيم بسبب حصول ذلك المستحسن لعدوه، وذلك أيضاً يوجب انحصار الروح وحصول الكيفية القوية المسخنة، وفي الصورتين يسخن شعاع العين فيؤثر ولا كذلك في عدم الاستحسان فبان الفرق، ولذلك السبب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصيب بالاغتسال ا هـ. وما أشار إليه من أن العائن قد يصيب ولده مثلاً مما شهدت له التجربة، لكن أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن أبـي هريرة، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العين حق يضرها الشيطان وحسد ابن آدم»تفسير : وظاهره يقتضي خلاف ذلك، وأما ما ذكره من الأمر بالوضوء والاغتسال فقد جاء في بعض الروايات، وكيفية ذلك أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره أي ما يلي جسده من الإزار، وقيل وركيه: وقيل: مذاكيره ويصب الغسالة على رأس المعين وقد مر «حديث : إذا استغسلتم فاغسلوا» تفسير : وهو خطاب للعائنين أي إذا طلب منكم ما اعتيد من الغسل فافعلوا والأمر للندب عند بعض، وقال الماوردي تبعاً لجماعة: للوجوب فيجب على العائن أن يغسل ثم يعطي الغسالة للمعين لأنه الذي يقتضيه ظاهر الأمر ولأنه قد جرب ذلك وعلم البرء به ففيه تخليص من الهلاك كإطعام المضطر، وذكر أن ذلك أمر تعبدي وهو مخالف لما أشار إليه الإمام من كون الحكمة فيه تبريد تلك السخونة، وهو مأخوذ من كلام ابن القيم حيث قال في تعليل ذلك: لأنه كما يؤخذ درياق لسم الحية من لحمها يؤخذ علاج هذا الأمر من أثر الشخص العائن، وأثر تلك العين كشعلة نار أصابت الجسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، وهو على علاته أوفى من كلام الإمام. ويرد على ما قرره في الانتصار للجاحظ أنه لا يسد عنه باب الاعتراض على ما ذكره في كيفية إصابة العين، إذ يرد عليه ما ثبت من أن بعض العائنين قد يصيب ما يوصف له ويمثل ولو كان بينه وبينه فراسخ، والتزام امتداد تلك الأجزاء إلى حيث المصاب مما لا يكاد يقبل كما لا يخفى على ذي عين. ((وقال الحكماء واختاره بعض المحققين من أهل السنة: إن ذلك من تأثير النفساني بالجسماني وبنوه على أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسياً محضاً كما يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل عرض إذا كان موضوعاً على الأرض يقدر كل إنسان على المشي عليه ولو كان موضوعاً بين جدارين مرتفعين لم يقدر كل أحد على المشي عليه وما ذاك إلا لأن الخوف من السقوط منه يوجب السقوط وأيضاً إن الإنسان إذا تصور أن فلاناً مؤذياً له حصل في قلبه غضب وتسخن مزاجه، فمبدأ ذلك ليس إلا التصور النفساني بل مبدأ الحركات البدنية مطلقاً ليس إلا التصورات النفسانية، ومتى ثبت أن تصور النفس/ يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان، وأيضاً جواهر النفوس مختلفة فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث تؤثر في تغير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه أو ترى مثاله على ما نقل وتتعجب منه، ومتى ثبت أن ذلك غير ممتنع وكانت التجارب شاهدة بوقوعه وجب القول به من غير تلعثم))، ولأن وقوع ذلك أكثري عند أعمال العين والنظر بها إلى الشيء نسب التأثير إلى العين وإلا فالمؤثر إنما هو النفس، ونسبة التأثير إليها كنسبة الإحراق إلى النار والري إلى الماء ونحو ذلك، والفاعل للآثار في الحقيقة هو الله عز سلطانه بالإجماع، لكن جرت عادته تعالى على خلقها بالأسباب من غير توقف عقلي عليها كما يظن جهلة الفلاسفة على ما نقل عن السلف أو عند الأسباب من غير مدخلية لها بوجه من الوجوه على ما شاع عن الأشعري. فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : العين حق» تفسير : أن اصابة النفس بواسطتها أمر كائن مقضى به في الوضع الإلهي لا شبهة في تحققه وهو كسائر الآثار المشاهدة لنحو النار والماء والأدوية مثلاً. وأنت تعلم أن مدار كل شيء المشيئة الإلهية فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لَم يكن، وحكمة خلق الله تعالى التأثير في مسألة العين أمر مجهول لنا. وزعم أبو هاشم وأبو القاسم البلخي أن ذلك مما يرجع إلى مصلحة التكليف قالا: لا يمتنع أن تكون العين حقاً على معنى أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحساناً كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقاً به، ثم لا يبعد أيضاً أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه سبحانه بقاء ذلك تتغير المصلحة فيبقيه الله تعالى ولا يفنيه وهو كما ترى. ثم ان ما أشار إليه من نفع ذكر الله تعالى والالتجاء إليه سبحانه حق، فقد صرحوا بأن الأدعية والرقي من جملة الأسباب لدفع أذى العين بل إن من ذلك ما يكون سبباً لرد سهم العائن إليه. فقد أخرج ابن عساكر أن سعيد الساحي قيل له: احفظ ناقتك من فلان العائن فقال: لا سبيل له إليها فعانها فسقطت تضطرب فأخبر الساحي فوقف عليها فقال: حبس حابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه وعلى كبده وكليتيه رشيق وفي ماله يليق {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } تفسير : [الملك: 3] الآية فخرجت حدقتا العائن وسلمت الناقة. ويدل على نفع الرقية من العين مشروعيتها كما تدل عليه الآثار، وقد جاء في بعضها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا رقية إلا من عين أو حمة»تفسير : والمراد منه أنه لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والحمة وإلا فقد رقى صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه من غيرهما. وينبغي لمن علم من نفسه أنه ذو عين أن لا ينظر إلى شيء نظر إعجاب وأن يذكر الله تعالى عند رؤية ما يستحسن. فقد ذكر غير واحد من المجربين أنه إذا فعل ذلك لا يؤثر، ونقل الأجهوري أنه يندب أنه يعوذ المعين فيقول اللهم بارك فيه ولا تضره ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وفي "تحفة المحتاج" أن من أدويتها أي العين المجربة التي أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بها أن يتوضأ العائن إلى آخر ما ذكرناه آنفاً وأن يدعو للمعين وأن يقول المعين ما شاء الله لا قوة إلا بالله حصنت نفسي بالحي القيوم الذي لا يموت أبداً ودفعت عنها السوء بألف لا حول ولا قوة إلا بالله، ويسن عند القاضي لمن رأى نفسه سليمة وأحواله معتدلة أن يقول ذلك. وفي "شرح مسلم" ((عن العلماء أنه على السلطان منع من عرف بذلك من مخالطة الناس ويرزقه من بيت المال إن كان فقيراً فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر رضي الله تعالى عنه من مخالطة الناس)). ورأيت لبعض أصحابنا أيضاً القول بندب/ ذلك، وأنه لا كفارة على عائن قيل: لأن العين لا تعد مهلكاً عادة على أن التأثير يقع عندها لا بها حتى بالنظر للظاهر، وهذا بخلاف الساحر فإنهم صرحوا بأنه يقتل إذا أقرّ أنَّ سحره يقتل غالباً. ونقل عن المالكية أنه لا فرق بين الساحر والعائن فيقتلان إذا قتلا؛ ثم إن العين على ما نقل عن الرازي لا تؤثر ممن له نفس شريفة لما في ذلك من الاستعظام للشيء. وفيما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ما يؤيد المدعى، واعترض بما رواه القاضي أن نبياً استكثر قومه فمات منهم في ليلة مائة ألف فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال له سبحانه وتعالى: إنك استكثرتهم فعنتهم هلا حصنتهم إذا استكثرتهم فقال: يا رب كيف أحصنهم؟ قال: تقول حصنتكم بالحي القيوم إلى آخر ما تقدم وقد يجاب بأن ما ذكر الرازي هو الأغلب بل يتعين تأويل هذا إن صح بأن ذلك النبـي عليه السلام لما غفل عن الذكر عند الاستكثار عوتب فيهم ليسأل فيعلم فهو كالإصابة بالعين لا أنه عان حقيقة هذا والله تعالى أعلم. ثم إنه عليه السلام لم يكتف بالنهي عن الدخول من باب واحد بل ضم إليه قوله: {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } بيانا للمراد به وذلك لأن عدم الدخول من باب واحد غير مستلزم للدخول من أبواب متفرقة وفي دخولهم من بابين أو ثلاثة بعض ما في الدخول من باب واحد من نوع اجتماع مصحح لوقوع المحذور، وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزماً للنهي السابق إظهاراً لكمال العناية به وإيذاناً بأنه المراد بالأمر المذكور لا تحقيق شيء آخر {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ } أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبيري {مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } أي من قضائه تعالى عليكم شيئاً فإنه لا يغني حذر من قدر، ولم يرد بهذا عليه السلام ـ كما قيل ـ الغاء الحذر بالمرة كيف وقد قال سبحانه: {أية : خُذُواْ حِذْرَكُمْ } تفسير : [النساء: 71] وقال عز قائلاً: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة بل هو تدبير وتشبث بالأسباب العادية التي لا تؤثر إلا بإذنه تعالى وإن ذلك ليس بمدافعة للمقدر بل هو استعانة بالله تعالى وهرب منه إليه. {إِنِ ٱلْحُكْمُ } أي ما الحكم مطلقاً {أَلاَ لِلَّهِ } لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء {عَلَيْهِ } سبحانه دون غيره {تَوَكَّلْتُ } في كل ما آتى به وأذر، وفيه دلالة على أن ترتيب الأسباب غير مخل بالتوكل، وفي الخبر «حديث : اعقلها وتوكل» تفسير : . {وَعَلَيْهِ } عز سلطانه دون غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } أي المريدون للتوكل، قيل: جمع بين الواو والفاء في عطف الجملة على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص ليفيد بالواو عطف فعل غيره من تخصيص التوكل بالله تعالى شأنه على فعل نفسه وبالفاء سببية فعله لكونه نبياً لفعل غيره من المقتدين به، وهي على ما صرح به بعضهم زائدة حيث قال: ولا بد من القول بزيادة الفاء وإفادتها السببية، ويلتزم أن الزائد قد يدل على معنى غير التوكيد، وذكر أنه لو اكتفى بالفاء وحدها وقيل: فعليه فليتوكل الخ أفاد تسبب الاختصاص لا أصل التوكل وهو المقصود، وكل ذلك لا يخلو عن بحث. واختار بعضهم أنه جيىء بالفاء إفادة للتأكيد فقط كما هو الأمر الشائع في الحروف الزائدة فتدبر، وأياً ما كان فيدخل بنوه عليه السلام في عموم الأمر دخولاً أولياً، وفي هذا الأسلوب ما لا يخفى من حسن هدايتهم وإرشادهم إلى التوكل فيما هم بصدده على الله تعالى شأنه غير معتمدين على ما وصاهم به من التدبير.

ابن عاشور

تفسير : {وقال يا بني} عطف على جملة { أية : قال الله على ما نقول وكيل } تفسير : [يوسف: 66]. وإعادة فعل {قال} للإشارة إلى اختلاف زمن القولين وإن كانا معاً مسبّبَيْن على إيتاء موثقهم، لأنه اطمأن لرعايتهم ابنَه وظهرت له المصلحة في سفرهم للإمتار، فقوله: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد} صادر في وقت إزمَاعهم الرحيل. والمقصود من حكاية قوله هذا العبرة بقوله: {وما أغني عنكم من الله من شيء} الخ. والأبواب: أبواب المدينة. وتقدم ذكر الباب آنفاً. وكانت مدينة (منفيس) من أعظم مدن العالم فهي ذات أبواب. وإنما نهاهم أن يدخلوها من باب واحد خشية أن يسترعي عددهم أبصارَ أهل المدينة وحُراسها وأزياؤهم أزياء الغرباء عن أهل المدينة أن يُوجسوا منهم خيفة من تجسس أو سرقة فربما سجنوهم أو رصدوا الأعين إليهم، فيكون ذلك ضرّاً لهم وحائلاً دون سرعة وصولهم إلى يوسف ــــ عليه السلام ــــ ودون قضاء حاجتهم. وقد قيل في الحكمة: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». ولما كان شأن إقامة الحراس والأرصاد أن تكون على أبواب المدينة اقتصر على تحذيرهم من الدخول من باب واحد دون أن يحذرهم من المشي في سكة واحدة من سكك المدينة، ووثق بأنهم عارفون بسكك المدينة فلم يخش ضلالهم فيها، وعلم أن (بنيامِين) يكون في صحبة أحد إخوته لئلا يضل في المدينة. والمتفرقة أراد بها المتعددة لأنه جعلها في مقابلة الواحد. ووجه العدول عن المتعددة إلى المتفرقة الإيماء إلى علة الأمر وهي إخفاء كونهم جماعة واحدة. وجملة {وما أغني عنكم من الله من شيء} معترضة في آخر الكلام، أي وما أغني عنكم بوصيتي هذه شيئاً. و{من الله} متعلق بــــ {أغني}، أي لا يكون ما أمرتكم به مُغنياً غَنَاء مبتدِئاً من عند الله بل هو الأدب والوقوف عندما أمر الله، فإنْ صادف ما قدره فقد حصل فائدتان، وإن خالف ما قَدّره حصلت فائدة امتثال أوامره واقتناع النفس بعدم التفريط. وتقدم وجه تركيب {وما أغني عنكم من الله من شيء} عند قوله تعالى: { أية : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً } تفسير : في سورة العقود (41). وأراد بهذا تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة تأدباً مع واضع الأسباب ومقدّر الألطاف في رعاية الحالين، لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال فعلينا أن نتعرفها بعلاماتها ولا يكون ذلك إلا بالسعي لها. وهذا سرّ مسألة القدر كما أشار إليه قول النبي حديث : اعمَلوا فكلٌ ميسّر لما خلق لهتفسير : ، وفي الأثر إذا أراد الله أمراً يَسّر أسبابه قال الله تعالى: { أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً } تفسير : [سورة الإسراء: 19]. ذلك أن شأن الأسباب أن تحصُل عندها مسبباتها. وقد يتخلف ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب حاصلة في وقت واحد، أو لكون السبب الواحد قد يكون سبباً لأشياء متضادة باعتبارات فيخطىء تعَاطي السبب في مصادفة المسبّب المقصود، ولولا نظام الأسباب ومراعاتها لصار المجتمع البشري هملاً وهمجاً. والإغناء: هنا مشتق من الغَناء بفتح الغين وبالمدّ، وهو الإجزاء والاضطلاع وكفاية المهم، وأصله مرادف الغِنى بكسر الغين والقصر وهما معاً ضد الفقر، وكثر استعمال الغناء المفتوح الممدود في الإجزاء والكفاية على سبيل المجاز المرسل لأن من أجزأ وكفى فقد أذهب عن نفسه الحَاجة إلى المغنين وأذهب عمن أجزأ عنه الاحتياج أيضاً، وشاع هذا الاستعمال المجازي حتى غلب على هذا الفعل، فلذلك كثر في الكلام تخصيص الغَناء بالفتح والمد بهذا المعنى، وتخصيص الغِنى بالكسر والقصر في معنى ضد الفقر ونحوه حتى صار الغَناء الممدود لا يكاد يسمع في معنى ضد الفقر. وهي تفرقة حسنة من دقائق استعمالهم في تصاريف المترادفات. فما يوجد في كلام ابن بري من قوله: إن الغناء مصدر ناشىء عن فعل أغنى المهموز بحذف الزائد الموهم أنه لا فِعل له مجرّد فإنما عَنى به أن استعمال فِعل غَنِيَ في هذا المعنى المجازي متروك مُمات لا أنه ليس له فعل مجرد. ولذلك فمعنى فعل (أغنى) بهذا الاستعمال معنى الأفعال القاصرة، ولم يفده الهمز تعديةً، فلعل همزته دالة على الصيرورة ذا غنى، فلذلك كان حقه أن لا ينصب المفعول به بل يكون في الغالب مرادفاً لِمفعول مطلق كقول عمرو بن معديكرب: شعر : أُغْني غَناء الذاهبـ ين أُعَدُّ للحدثان عَدّا تفسير : ويقولون: أغنى فلان عن فلان، أي في أجزاه عوضه وقام مقامه، ويأتون بمنصوب فهو تركيب غريب، فإن حرف (عن) فيه للبدلية وهي المجاوزة المجازية. جعل الشيء البدل عن الشيء مجاوزاً له لأنه حلّ محلّه في حال غيبته فكأنه جاوزه فسموا هذه المجاوزة بدلية وقالوا: إنّ (عن) تجيء للبدلية كما تجيء لها الباء. فمعنى {ما أغني عنكم} لا أجزي عنكم، أي لا أكفي بدلاً عن إجزائكم لأنفسكم. و{من شيء} نائب مناب شيئاً، وزيدت {من} لتوكيد عموم شيء في سياق النفي، فهو كقوله تعالى: { أية : لا تغني عني شفاعتهم شيئاً } تفسير : [سورة يس: 23] أي من الضرّ. وجوز صاحب الكشاف في مثله أن يكون {شيئاً} مفعولاً مطلقاً، أي شيئاً من الغناء وهو الظاهر، فقال في قوله تعالى: { أية : واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً } تفسير : [سورة البقرة: 48]، قال: أي قليلاً من الجزاء، كقوله تعالى: { أية : ولا يظلمون شيئاً }؛ تفسير : لكنه جوز أن يكون {شيئاً} مفعولاً به وهو لا يستقيم إلا على معنى التوسع بالحذف والإيصال، أي بنزع الخافض. وجملة {إن الحكم إلا لله} في موضع التعليل لمضمون {وما أغني عنكم من الله من شيء}. والحكم: هنا بمعنى التصرف والتقدير، ومعنى الحصر أنه لا يتم إلا ما أراده الله، كما قال تعالى: { أية : إن الله بالغٌ أمره } تفسير : [سورة الطلاق: 3]. وليس للعبد أن ينازع مراد الله في نفس الأمر ولكن واجبه أن يتطلب الأمور من أسبابها لأن الله أمر بذلك، وقد جمع هذين المعنيين قوله: {وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء}. وجملة {عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} في موضع البيان لِجملة {وما أغني عنكم من الله من شيء} ليبين لهم أن وصيته بأخذ الأسباب مع التنبيه على الاعتماد على الله هو معنى التوكّل الذي يَضل في فهمه كثير من الناس اقتصاراً وإنكاراً، ولذلك أتى بجملة {وعليه فليتوكل المتوكلون} أمراً لهم ولغيرهم على معنى أنه واجب الحاضرين والغائبين، وأن مقامه لا يختص بالصدّيقين بل هو واجب كل مؤمن كامل الإيمان لا يخلط إيمانه بأخطاء الجاهليات.

القطان

تفسير : اطمأنّ يعقوبُ الى عهد أبنائه، ثم دفعتْه الشفقة والحرص عليهم الى ان يوصيهم بدخول مصر من ابواب متفرقة، لكي يلفتوا الأنظار عنهم عند دخولهم، ولا تترقّبهم أعين الطامعين. ثم قال: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} وليس في قدرتي ان ادفع عنكم أذى، فالحكم في تدبير العالم ونَظْم الاسباب لله وحده، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}. ولقد استجابوا لوصية ابيهم، فدخلوا من أبوابٍ متفرقة، وما كان ذلك ليدفع عنهم أذًى كتبه الله لهم، ولكنها حاجةٌ في نفس يعقوب، وكان من باب شفقة الأب على أبنائه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰبَنِيَّ} {وَاحِدٍ} {أَبْوَابٍ} (67) - وَأَمَرَ يَعْقُوبُ بنِيهِ بِأَنْ لاَ يَدْخُلُوا، حِينَما يَصِلُونَ إِلى مِصْرَ، مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ لِكَيْلا يَلْفِتُوا الأَنْظَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبَوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لأَِنَّهُ خَشِيَ عَلَيهِمْ العَيْنَ إِنْ دَخَلُوا جَمِيعاً مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ ذلِكَ مِنْ بَابِ الاحْتِرَازِ، لأَِنَّ قَدَرَ اللهِ نَافِذٌ، وَقَضَاءَهُ لاَ يَرُدُّهُ شَيءٌ بِغَيرِ إِرَادَتِهِ وَمِشِيئَتِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يُعِدَّ العُدَّةَ لِلأَمْرِ الذِي يَبْغِيهِ، وَيَبْذُلَ جُهْدَهُ، وَيَكِلَ أَمْرَ النَّجَاحِ إِلى اللهِ، وَيَطْلُبَ مِنْهُ المَعُونَةَ وَالتَّوْفِيقَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد قال يعقوب عليه السلام ذلك الكلام في المرة الثانية لذهابهم إلى مصر، بعد أن عَلِم بحُسْن استقبال يوسف لهم، وأن بضاعتهم رُدَّتْ إليهم، وعلم بذلك أنهم صاروا أصحاب حَظْوة عند عزيز مصر. وساعةَ ترى إنساناً له شأن؛ فترقب أن يُعادى، لذلك توجَّس يعقوب خِيفة أن يُدبِّر لهم أحد مكيدة؛ لأنهم أغراب. ومن هنا أمرهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة، وكانت المدن قديماً لها أبواب؛ تُفتح وتقفل في مواعيد محددة، وحين يدخلون فُرادى فلن ينتبه أحد أنهم جماعة. وقد خاف يعقوب على أبنائه من الحسد، ونعلم أن الحسد موجود. وقد علَّمنا سبحانه أن نستعيد به سبحانه من الحسد؛ لأنه سبحانه قد عَلِم أزلاً أن الحسد أمر فوق طاقة دَفْع البشر له، وهو القائل: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} تفسير : [الفلق: 1-5]. وفي أمر الحسد أنت لا تستطيع أن تستعيذ بواحد مُسَاوٍ لك؛ لأن الحسد يأتي من مجهول غير مُدْرَك، فالشعاع الخارج من العين قد يتأجج بالحقد على كل ذي نعمة، وإذا كان عصرنا، وهو عصر الارتقاءات المادية قد توصَّل إلى استخدام الإشعاع في تفتيت الأشياء. إذن: فمن الممكن أن يكون الحسدُ مثل تلك الإشعاعات؛ والتي قد يجعلها الله في عيون بعض خلقه، وتكون النظرة مثل السهم النافذ، أو الرصاصة الفتاكة. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [المدثر: 31]. وإنْ قال قائل: ولماذا يُعطي الحق سبحانه بعضاً من خلقه تلك الخواص؟ أقول: إنه سبحانه يعطي من الإمكانات لبعض من خلقه، فيستخدمونها في غير موضعها، وكلُّ إنسان بشكل ما عنده إمكانية النظرة، ولكن الحقد هو الذي يولد الشرارة المُؤْذية، ويمكنك أن تنظر دون حسد إنْ قُلْتَ: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بارك. بذلك لا تتحقق الإثارة اللازمة لتأجُّج الشرارة المؤذية، ويمكنك أن تستعيذ بالله خالق البشر وخالق الأسرار، وتقرأ قول الحق سبحانه: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} تفسير : [الفلق: 1-5]. وأن تقول كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يُعوِّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: "حديث : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان أبوكما - إبراهيم - يُعوِّذ بها إسماعيل وإسحاق عليهم السلام ". تفسير : كما أنه صلى الله عليه وسلم: حديث : كان إذا حَزَبَهُ أمر قام وصلى"تفسير : ، لأن معنى حَزْب أمر للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لواحد من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر يخرج عن قدرة البشر. وهنا على الإنسان أن يأوي إلى المُسبِّب، فهو الركن الشديد، بعد أن أخذتَ أنت بالأسباب الممدودة لك من يد الله، وبذلك يكون ذهابك إلى الحق هو ذهاب المُضطر؛ لا ذهاب الكسول عن الأخذ بالأسباب. والحق سبحانه يقول: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ ..} تفسير : [النمل: 62]. والمضطر هو من استنفد كل أسبابه، ولم يَدْعُ ربه إلا بعد أن أخذ بكل الأسباب الممدودة، فلا تطلب من ذات الله قبل أن تأخذ ما قدمه لك بيده سبحانه من أسباب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد يعقوب عليه السلام وقد أوصى أبناءه ألاَّ يدخلوا مصر من باب واحد؛ بل من أبواب متفرقة خشية الحسد، وتنبهت قضية الإيمان بما يقتضيه من تسلم لمشيئة الله، فقال: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ..} [يوسف: 67]. أي: لست أُغْني عنكم بحذري هذا من قدر الله، فهو مجرد حرص، أما النفع من ذلك الحرص والتدبير فهو من أمر الله، ولذلك قال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67]. فكل الخَلْق أمرهم راجع إلى الله، وعليه يعتمد يعقوب، وعليه يعتمد كل مؤمن. ونفَّذَ أبناءُ يعقوب ما أمرهم به أبوهم، يقول سبحانه: {وَلَمَّا دَخَلُواْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ} على البلدة {مِن بَابٍ وَاحِدٍ} مجتمعين {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} فرادى، حتى لا تتضرروا من العيون اللامة {وَ} اعلموا أني {مَآ أُغْنِي} وأدفع بقولي لكم هذا {عَنكُمْ مِّنَ} قضاء {ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ} أي: ما الحكم والأمر {إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ} لا على غيره من الأظلال {تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ} في كل الامور {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67] إذ لا رجوع للكل إلا إليه. {وَلَمَّا دَخَلُواْ} مصر {مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} متفرقين من أبواب متعدد {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ} ويدفع تدبير أبيهم {مِّنَ} قضاء {ٱللَّهِ} الذي قدر لهم {مِن شَيْءٍ} إذ الأمر والقضاء لله ولا معقب لحكمه {إِلاَّ} يعني: سوى ما كان {حَاجَةً} تختلج {فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} بالوصية لأبنائه تفاؤلاً وتفريجاً {وَإِنَّهُ} أي: يعقوب عليه السلام {لَذُو عِلْمٍ} كامل مفاض له من لدنا، متعلق بما لا مرد لقضائنا، لذلك قال: وما أغني عنكم من الله من شيء، {لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} بطريق الوحي والإلهام إياه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الجهل والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 68] أن قضاءنا لا يرد، وأن الحذر لا يغني عن القدر؛ لذلك أصاب بهم ما خفوا عنه. {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} مع بنيامين، أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على سماطٍ، فبقي بنيامين وحيداً، فبكى وتأوى متحسراً، وقال: ألو كان أخي يوسف حياً لما بقيت وحيداً، ولما رأى يوسف حنينه وبكاءه {آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} ورجع نحوه وضم نفسه إلى نفسه، وأجسله على سماطه، ثم أمر يوسف أن ينزولهم كل أثنين بمنزل احد، فبقي بنيامين لا ثاني له، فاغتم حينئذٍ أشد اغتمام، فذهب به يوسف إلى منزله، فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: فمن يجد مثلك أخاً، غير أنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل. ثم لما رأى يوسف زيادة همه وحزنه وكثرة تأسفه وغمه {قَالَ} لا تحزن ولا تغتم {إِنِّيۤ} بشخصي {أَنَاْ أَخُوكَ} يوسف بن يعقوب وراحيل، قد احتال عليَّ اخوتك وخادعوني بأنواع الحيل والخداع إلى أن فرقوا بيني وبينك وبين أبي مدة مديدة حسداً، فأنقذني الله عن مكرهم وكيدهم، وخلصني عن قيد الرقية والسجن وأنواع المحن ورفع قدري ومكانتي وشرفني برؤيتك، وأعطاني من المكرمات ما لا يحصى {فَلاَ تَبْتَئِسْ} ولا تحزن يا أخي {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يوسف: 59] معي ومعك من أنواع الصغار والهوان وأصناف الأذيات. ثم لما قرت عينا بنيامين بوجه يوسف وسر قلبه لقياه بعدما آيس وقنط، قال: يا أخي لا أفارقك أبداً، قال يوسف؛ لا يتيسر هذا إلا بعد أن أتهمك بتهمة، فأخذك لأجلها إن رضيت، قال: رضيت بأي تهمة اتهمتني بها.

همام الصنعاني

تفسير : 1322- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}: [الآية: 67]، قال: كانوا قد أوتوا صُورَةً وجَمَالاً فخشي عليم أنفس الناس.