١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه: العهد الذي يوثق به فهو مصدر بمعنى المفعول يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهداً موثوقاً به وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ } أي عهداً موثوقاً به بسبب تأكده بإشهاد الله وبسبب القسم بالله عليه، وقوله: {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } دخلت اللام ههنا لأجل أنا بينا أن المراد بالموثق من الله اليمين فتقديره: حتى تحلفوا بالله لتأتنني به. وقوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } فيه بحثان: البحث الأول:قال صاحب «الكشاف»: هذا الاستثناء متصل. فقوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } مفعوله له، والكلام المثبت الذي هو قوله: {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } في تأويل المنفي، فكان المعنى: لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة. البحث الثاني: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان: القول الأول: أن قوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } معناه الهلاك قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذراً عندي، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى: { أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } تفسير : [الكهف: 42] أي أصابه ما أهلكه. وقال تعالى: { أية : وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } تفسير : [يونس: 22] وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه، فقيل: لكل من هلك قد أحيط به. والقول الثاني: ما ذكره قتادة {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين، فلا تقدرون على الرجوع. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يريد شهيد، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {تُؤْتُونِ} أي تعطوني. {مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي عهداً يوثق به قال السدّي: حلفوا بالله ليردّنه إليه ولا يُسلمونه؛ واللام في {لَتَأْتُنَّنِي} لام القسم. {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} قال مجاهد: إلا أن تَهْلِكوا أو تموتوا. وقال قتادة: إلا أن تُغلبوا عليه. قال الزجاج: وهو في موضع نصب. {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل. الثانية: هذه الآية أصل في جواز الحَمَالة بالعين والوثيقة بالنفس؛ وقد ٱختلف العلماء في ذلك؛ فقال مالك وجميع أصحابه وأكثر العلماء: هي جائزة إذا كان المتحمَّل به مالاً. وقد ضعّف الشافعي الحَمَالة بالوجه في المال؛ وله قول كقول مالك. وقال عثمان البَتِّي: إذا تكفّل بنفس في قصاص أو جراح فإنه إن لم يجىء به لزمه الدية وأَرْش الجراح، وكانت له في مال الجاني، إذ لا قصاص على الكفيل؛ فهذه ثلاثة أقوال في الحمالة بالوجه. والصواب تفرقة مالك في ذلك، وأنها تكون في المال، ولا تكون في حدّ أو تعزير، على ما يأتي بيانه.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ } إذ رأيت منكم ما رأيت. {حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي عهداً مؤكداً بذكر الله. {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب القسم إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به. {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعاً وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال والتقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به، في تأويل النفي أي لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم: أقسمت بالله إلا فعلت، أي ما أطلب إلا فعلك. {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } عهدهم. {قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ } من طلب الموثق وإتيانه. {وَكِيلٌ } رقيب مطلع. {وَقَالَ يَا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا، ولعله لم يوصهم بذلك في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذ، أو كان الداعي إليها خوفه على بنيامين. وللنفس آثار منها العين والذي يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في عوذته «حديث : اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»تفسير : {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } مما قضى عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة لتقدم الصلة للاختصاص كأن الواو للعطف والفاء لإفادة التسبب، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم. {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } أي من أبواب متفرقة في البلد. {مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ } رأي يعقوب واتباعهم له. {مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } مما قضاه عليهم كما قال يعقوب عليه السلام. فسُرِقُوا وَأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب. {إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ } استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه، يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا. {قَضَاهَا} أظهرها ووصى بها. {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } بالوحي ونصب الحجج، ولذلك قال {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء} ولم يغتر بتدبيره. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } سر القدر وأنه لا يغني عنه الحذر. {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل روي: (أنه أضافهم فأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزل كل اثنين منكم بيتاً وهذا لا ثاني له فيكون معي فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و {قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن افتعال من البؤس. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في حقنا فيما مضى. {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ } المشربة. {فِى رَحْلِ أَخِيهِ } قيل كانت مشربة جعلت صاعاً يكال به وقيل: كانت تسقى الدواب بها ويكال بها وكانت من فضة. وقيل من ذهب وقرىء و «جعل» على حذف جواب فلما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } نادى مناد. {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } لعله لم يقله بأمر يوسف عليه الصلاة والسلام أو كان تعبية السقاية والنداء عليها برضا بنيامين. وقيل معناه إنكم لسارقون يوسف من أبيه أو أئنكم لسارقون، والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تتردد، فقيل لأصحابها كقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : يا خيل الله اركبي»تفسير : وقيل جمع عير وأصله فعل كسقف فعل به ما فعل ببيض تجوز به لقافلة الحمير، ثم استعير لكل قافلة. {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ } أي شيء ضاع منكم، والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، وقرىء {تَفْقِدُونَ } من أفقدته إذا وجدته فقيداً. {قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ } وقرىء «صاع» و «صوع» بالفتح والضم والعين والغين و «صواغ» من الصياغة. {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } من الطعام جعلاً له. {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } كفيل أؤديه إلى من رده. وفيه دليل على جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل. {قَالُواْ تَٱللَّهِ } قسم فيه معنى التعجب، التاء بدل من الباء مختصة باسم الله تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ } استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك مما يدل على فرط أمانتهم كرد البضاعة التي جعلت في رحالهم وكعم الدواب لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا } عهدا {مِنَ ٱللَّهِ } بأن تحلفوا {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } بأن تموتوا أو تغلبوا فلا تطيقوا الإتيان به، فأجابوه إلى ذلك {فَلَمَّآءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } بذلك {قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ } نحن وأنتم {وَكِيلٌ } شهيد، وأرسله معهم.
ابن عطية
تفسير : أراد يعقوب عليه السلام أن يتوثق منهم. و "الموثق" - مفعل - من الوثاقة. فلما عاهدوه أشهد الله بينه وبينهم بقوله: {الله على ما نقول وكيل} و"الوكيل" القيم الحافظ الضامن. وقرأ ابن كثير "تؤتوني" بياء في الوصل والوقف، وروي عن نافع أنه وصل بياء ووقف دونها. والباقون تركوا الياء في الوجهين. وقوله: {لا تدخلوا من باب واحد} قيل: خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة. قال ابن عباس والضحاك وقتادة وغيره: والعين حق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر" تفسير : ، وفي تعوذه عليه السلام: "حديث : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامة" تفسير : . وقيل: خشي أن يستراب بهم لقول يوسف قبل: أنتم جواسيس ويضعف هذا ظهورهم قبل بمصر. وقيل: طمع بافتراقهم أن يستمعوا أو يتطلعوا خبر يوسف - وهذا ضعيف يرده: {وما أغني عنكم من الله من شيء} فإن ذلك لا يتركب على هذا المقصد. وقوله: {إلا أن يحاط بكم} لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسر والمعنى تعمكم الغلبة من جميع الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجه تخلص. وقال مجاهد: المعنى: إلا أن تهلكوا جميعاً. وقال قتادة: إلا ألا تطيقوا ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه لفظ الآية. وانظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة، وأشهد الله تعالى، ووصى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكله، فهذا توكل مع تسبب، وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شط في رفض السعي وقنع بماء وبقل البرية ونحوه، فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء عليهم السلام، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز، وما تجاوز ذلك من الإلقاء باليد مختلف في جوازه، وقد فضله بعض المجيزين له، ولا أقول بذلك، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَوْثِقاً} إشهادهم الله على أنفسهم، أو حلفهم بالله، أو كفيل يكفل {يُحَاطََ بِكُمْ} يهلك جميعكم، أو تغلبوا على أمركم.
الخازن
تفسير : {قال} يعني قال لهم يعقوب {لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله} يعني لن أرسل معكم بنيامين حتى تؤتون عهد الله وميثاقه والموثق العهد المؤكد باليمين، وقيل هو المؤكد بإشهاد الله عليه {لتأتنني به} دخلت اللام هنا لأجل اليمين وتقدريه حتى تحلفوا بالله لتأتنني به {إلا أن يحاط بكم} قال مجاهد:إلا أن تهلكوا جميعاً فيكون عذراً لكم عندي، لأن العرب تقول أحيط بفلان إن هلك أو قارب هلاكه. وقال قتادة: إلا أن تغلبوا جميع فلا تقدروا على الرجوع {فلما آتوه موثقهم} يعني فلما أعطوه عهدهم وحلفوا له {قال الله على ما نقول وكيل} يعني قال يعقوب الله شاهد على ما نقول كأن الشاهد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد، وقيل وكيل بمعنى حافظ. قال كعب الأحبار: لما قال يعقوب {أية : فالله خير حافظاً}تفسير : [يوسف: 64] قال الله تعالى: "حديث : وعزتي وجلالي لأردن عليك كليهما بعد ما توكلت علي وفوضت أمرك إليّ"تفسير : وذلك أنه لما اشتد بهم الأمر وضاق عليهم الوقت وجهدوا أشد الجهد لم يجد يعقوب بداً من إرسال بنيامين معهم فأرسله معهم متوكلاً على الله ومفوضاً أمره إليه. قوله عز وجل إخباراً عن يعقوب {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} وذلك أنهم لما خرجوا من عند يعقوب قاصدين مصر قال لهم يا بني لا تدخلوا يعني مدينة مصر من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وكان لمدينة مصر يومئذ أربعة أبواب، وقال السدي: أراد الطرق لا الأبواب يعني من طرق متفرقة وإنما أمرهم بذلك لأنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا قد أعطوا جمالاً وقوة وامتداد قامة وكانوا أولاد رجل واحد فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم المدينة لئلا يصابوا بالعين فإن العين حق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين (ق). عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن العين حق"تفسير : زاد البخاري "ونهى عن الوشم"(م) عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغتسلوا"تفسير : عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت "كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين" أخرجه أبو داود. قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: قال المازري: أخذ جماهير العلماء بظاهر هذا الحديث وقال العين حق وأنكره طوائف من المبتدعة والدليل على فساد عقولهم ان كل معنى يكون مخالفاً في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فإنه من مجوزات العقول وإذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه وإنكاره وقيل لا بد من فرق بين تكذيبهم بهذا وتكذيبهم بما يخبر به من أمور الآخرة قال وقد زعم بعض الطبائعيين مثبتين للعين تأثيراً أن العين تنبعث من عينيه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد قالوا ولا يمتنع هذا كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل بالملدوغ فيهلك وإن كان غير محسوس لنا فكذا العين، قال المازري: وهذا غير مسلم لأنا بينا في كتب علم الكلام أنه لا فاعل إلا الله تعالى وبينا فساد القول بالطبائع وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئاً، فإذا تقرر هذا بطل ما قالوه ثم تقول هذا المنبعث من العين إما جوهر وإما عرض فباطل أن يكون عرضاً لأنه لا يقبل الانتقال وباطل ان يكون جوهراً لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسداً لبعض بأولى من عكسه فبطل ما قالوه وأقرب طريقة قالها من ينتحل الإسلام منهم إن قالوا لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من عين العائن لتتصل بالمعين فتتخلل مسام جسمه فيخلق الله عز وجل الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم عادة أجراها الله عز وجل وليست ضرورة ولا طبيعية ألجأ الفعل إليها قال ومذهب أهل السنة أن المعين إنما يفسد ويهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى الله تعالى العادة بأن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص شخصاً آخر، وهل ثم جواهر أم لا فهذا من مجوزات العقول لا يقطع فيه بواحد من الأمرين وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله تعالى فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه وإنما هو من الجائزات هذا ما يتعلق بعلم الأصول وأما ما يتعلق بعلم الفقه فإن الشرع قد ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيف لما أصيب بالعين عند اغتساله رواه مالك في الموطأ. وأما صفة وضوء العائن فمذكور في كتب شرح الحديث ومعروف عند العلماء فيطلب من هناك فليس هذا موضعه والله أعلم. وقال وهب بن منبه: في قوله {لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} أنه خاف أن يغتالوا لما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة حكاه ابن الجوزي عنه وقيل إن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان قد علم أن ملك مصر هو ولده يوسف عليه الصلاة والسلام إلا أن الله تعالى لم يأذن له في إظهاره ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال لهم: لا تدخلوا من بابا واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى أخيه يوسف في وقت الخلوة قبل إخوته والقول الأول أصح أنه خاف عليهم من العين ثم رجع إلى علمه وفوض أمره إلى الله تعالى بقوله: {وما أغني عنكم من الله من شيء} يعني إن كان الله قد قضى عليكم بقضاء فهو يصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين فإن المقدور كائن ولا ينفع حذر من قدر {إن الحكم إلا لله} يعني وما الحكم إلا لله وحده لا شريك له فيه وهذا تفويض من يعقوب في أموره كلها إلى الله تعالى: {عليه توكلت} يعني عليه اعتمدت في أموري كلها لا على غيره {وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} يعني من الأبواب المتفرقة وكان لمدينة مصر وقيل مدينة الفرماء أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها كلها {ما كان يغني عنهم من الله من شيء} وهذا تصديق من الله سبحانه وتعالى ليعقوب فيما قال وما أغني عنكم من الله من شيء {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} هذا استثناء منقطع ليس من الأول في شيء ومعناه لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها وهو أنه أشفق عليهم إشفاق الآباء على الأبناء وذلك أنه خاف عليهم من العين أو خاف عليهم حسد أهل مصر أو خاف أن لا يردوا عليه فأشفق من هذا كله أو بعضه {وأنه} يعني يعقوب {لذو علم} يعني صاحب علم {لما علمناه} يعني لتعليمنا إياه ذلك العلم، وقيل: معناه وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه والمعنى أنا لما علمناه هذه الأشياء حصل له العلم بتلك الأشياء، وقيل: إنه لذو حفظ لما علمناه وقيل إنه كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، وقيل: إنه لعامل بما علمناه قال سفيان من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالماً {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني لا يعلمون ما كان يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم وقال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} بعد ما عاينْتُ منكم ما عاينت {حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ} أي ما أتوثق به من جهة الله عز وجل، وإنما جعله مَوثِقاً منه تعالى لأن تأكيدَ العهود به مأذونٌ فيه من جهته تعالى فهو إذن منه عز وجل {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ} جوابُ القسم إذ المعنى حتى تحلِفوا بالله لتأتنني به {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} أي إلا أن تُغلبوا فلا تطيقوا به أو إلا أن تهلِكوا وأصلُه من إحاطة العدوِّ فإن مَنْ أحاط به العدوُّ فقد هلك غالباً وهو استئناءٌ من أعم الأحوال أو أعمِّ العلل على تأويل الكلامِ بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتُنني به ولا تمتنِعُنَّ منه في حال من الأحوال أو لعلة من العلل إلا حالَ الإحاطة بكم، ونظيرُه قولُهم: أقسمت عليك لَما فعلْتَ وإلا فعلتَ أي ما أريد منك إلا فعلَك، وقد جُوز الأولُ بلا تأويل أيضاً أي لتأتُنني به على كل حالٍ إلا حال الإحاطةِ بكم. وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيانُ به من الأفعال الممتدة الشاملةِ للأحوال على سبـيل المعيةِ كما في قولك: لألزَمنّك إلا أن تُعطِيني حقي، ولم يكن عليه السلام يريد مقارنته على سبـيل البدلِ لما عدا الحالِ المستثناة كما إذا قلت: صَلِّ إلا أن تكون محدِثاً بل مجرد تحققِه ووقوعِه من غير إخلال به كما في قولك: لأحُجنَّ العامَ إلا أن أُحصر فإن مرادَك إنما هو الإخبار بعدم منعِ ما سوى حالِ الإحصار عن الحج لا الإخبارُ بمقارنته لتلك الأحوالِ على سبـيل البدلِ كما هو مرادُك في مثال الصلاة كأن اعتبارَ الأحوالِ معه من حيث عدمُ منعها منه، فآل المعنى إلى التأويل المذكور {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} عهدهم من الله حسبما أراد يعقوبُ عليه السلام {قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ} أي على ما قلنا في أثناء طلب الموْثِق وإيتائه من الجانبـين. وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ لاستحضار صورتِه المؤدّي أي تثبتهم ومحافظتِهم على تذكّره ومراقبتِه {وَكِيلٌ} مطلعٌ رقيبٌ يريد به عرضَ ثقتِه بالله تعالى وحثَّهم على مراعاة ميثاقهم.
القشيري
تفسير : إنَّ الحَذَرَ لا يُغْنى من القَدَر. وقد عَمِل يعقوب - عليه السلام - معهم في باب بنيامين ما أمكنه من الاحتياط، وأخذ الميثاق ولكن لم يُغْنِ عنه اجتهادُه، وحَصَلَ ما حكم به الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} واى يعقوب نية بنيه صادقة فى شان بنيامين بانهم يتحفظونه وياتون به الى يعقوب وراى يعقوب بنور النبوة ما يقع فى المستقبل فتعرف عجزهم عن دفع القدس فقال الله على ما نقول وكيل اى ليس على مرادى ومرادكم بل يفعل كما يريد وهو قادر يحفظه وارجاعه الى قال بعضهم ما اعتمد منهم الميثاق لما سبق منهم اليه قبل ذلك فعلم ان مواثيقهم وحفظهم معلولة فقال الله خير حافظا وقال الله على ما نقول وكيل هو الذى يحفظ قلوبكم ولا يحلكم الى اراءكم واهوائكم ثم عرفهم اسباب العام والعقل واستعمالها لتوقعه ان يتجاوز الاقدار عنهم بناقص من الحق من قدر سبق الاقدار الا ترى الى قوله يمحو الله ما يشاء ويثبت يراقب سر اثبات القدر ومحوه فقال {يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} خان من عين غيرة القدم على مقدور القدم فينتظر عليه سبق الرضا على السخط بقوله سبقت رحمتى غضبى فاستدرك بعد استعمال العلم صرف التوحيد فقال {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} اى تدبيرى وعلمى وعقلى وحذرى لا تدفع سابق القدر فارضى بما هو كائن منه تصديق ذلك قوله {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} ما يريد يكون كما اراد ثم برئ من حوله وقوته بقوله {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} وحقيقة التوكل رفع التدبير عند رؤية التقدير وفى الاية اشارة كان سر يعقوب اشار الى بنيه اى اذا عزمتم بقلوبكم وارواحكم وعقولكم واسراركم سلوك سبيل الحق لا تدخلوا فيه بسبيل واحد بل ادخلوا عليه بسبيل الصفات لتعرفوا حقائقها وتعرفوا بحقائقها عيان الذات فان من عرفه بصفة واحدة لم يعرفه بما استحقه من واصاف القدم وصفات الازل قال جفعر فى قوله لا تدخلوا من باب واحد نسى يعقوب اعتماده على العصبة والقوة وان القضاء يغلب التدبير بقوله لا تدخلوا ن باب واحد ثم استدرك عن قريب وساعده التوفيق وقال ما اغنى عنكم من الله من شئ قال ابن عطا كيف يرد عن غيره من لا يرد عن نفسه وكيف يقوم بكفاية الغير من هو عاجز عن سياسته وقال الحسين صدق التوكل استعمال السبب مع ترك الاختيار قال الله لا تدخلوا من باب واحد الاية وقال الواسطى التوكل الصبر لطوارق المحن قال الاستاد فى قوله لا تدخلوا من باب واحد يحتمل ان يكون اراد بتفرقهم فى الدخول لعل واحدا منهم يقع بصره على يوسف ان لم يره الاخر.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} ابوهم {لن ارسله معكم} بعد ما عاينت منكم ما عاينت {حتى تؤتون} [تابدهيدمرا] {موثقا من الله} اى عهدا موثوقا به اى متعمدا مؤكدا بالحلف وذكر الله وهو مصدر ميمى بمعنى الثقة استعمل فى الآية بمعنى اسم المفعول اى الموثوق به وانما جعله موثقا منه تعالى لان توكيد العهود به مأذون فيه من جهاته تعالى فهو اذن منه تعالى {ليأتنى به} جواب القسم اذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتننى به فى كل الاوقات {الا ان يحاط بكم} الا وقت الاحاطة بكم وكونهم محاطا بهم اما كناية عن كونهم مغلوبين مقهورين بحيث لا يقدرون على اتيانه البتة وعن هلاكهم وموتهم جميعا واصله من العدو فانه من احاط به العدو يصير مغلوبا عاجزا عن تنفيذ مراده او هالكا بالكلية ولو صدقت هذه القصة المثل السائر وهو قولهم البلاء موكل بالمنطق فان يعقوب عليه السلام قال اولا فى حق يوسف {أية : واخاف ان يأكله الذئب} تفسير : فابتلى من ناحية هذا القول حيث قالوا اكله الذئب وقال ههنا {أية : لتأتينى به الا ان يحاط بكم} تفسير : فابتلى ايضا بذلك واحيط بهم وغلبوا عليه كما سياتى. قال الكاشفى [درتبيان فرموده كه اورا بشما ندهم تا سوكند خوريد بحق محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين ايشان قبول نموده بمنزلت حضرت بيغمبرما سوكند خوردند كه درمهم بنيامين غدر نكنند] {فلما آتوه موثقهم} عهدهم من الله حسبما اراد يعقوب {قال الله على ما نقول وكيل} اى على ما قلنا فى اثناء طلب الموثق وايتائه من الجانبين وكيل مطلع رقيب يريد به عرض ثقته بالله وثهم على مراعاة ميثاقهم. وفيه اشارة الى ان التوكل بعد التوكيد كقوله تعالى {أية : فاذا عزمت فتوكل على الله} تفسير : وفى الكواشى فى قول يعقوب {أية : لن ارسله معكم} تفسير : الآية دليل على جواز التعلق بالاسباب الظاهرة مع صحة التوكل: وفى المثنوى شعر : كر توكل ميكنى در كار كن كشت كن بس تكيه بر جباركن تفسير : فينبغى للانسان ان يجمع بين رعاية الاسباب المعتبرة فى هذا العالم وبين ان لا يعتمد عليها وان لا يراعيها الا لمحض التعبد بل يربط قلبه بالله وبتقديره ويعتمد عليه وعلى تدبيره ويقطع رجاه عن كل شيء سواه وليس الشأن ان لا تترك السبب بل الشأن ان تترك السبب وارادتك الاسباب مع اقامة الله اياك فى التجريد انحطاط عن الهمة العلية لان التجريد حال الآخذ من الله بلا واسطة فالمتجرد فى هذه الحالة كمن خلع عيله الملك خلعة الرضى فجعل يتشوق لسياسة الدواب. قال بعض المشايخ مثل التجرد والمتسبب كعبدين للملك قال لاحدهما اعمل وكل من عمل يدك وقال للآخر الزم انت حضرتى وانا اقوم لك بقسمتى فمتى خرج واحد منهما عن مراد السيد منه فقد اساء الادب وتعرض لاسباب المقت والعطب والاسباب على انواع. فقد قيل من وقع فى مكان بحيث لم يقدر على الطعام والشراب فاشتغل باسم الصمد كفاه والصمدية هى الاستغناء عن الاكل والشرب. وعن بعضهم انه سافر للحج على قدم التجريد وعاهد الله سبحانه ان لا يسأل احدا شيئا فلما كان فى بعض الطريق مكث مدة لا يفتح عليه شيء فعجز عن المشيء ثم قال هذا حال ضرورة تؤدى الى تهلكة بسبب الضعف المؤدى الى الانقطاع وقد نهى الله عن الالقاء الى التهلكة ثم عزم على السؤال فلما همّ بذلك انبعث من خاطره رده عن ذلك العزم ثم قال اموت ولا انقض عهدا بينى وبين الله تعالى فمرت القافلة وانقطع واستقبل القبلة مضجعا ينتظر الموت فبينما هو كذلك اذا هو بفارس قائم على رأسه معه اداوة فسقاه وازال ما به من الضرورة فقال له أتريد القافلة فقال واين منى القافلة فقال قم وسار معه خطوات ثم قال قف هنا والقافلة تأتيك فوقف واذا بالقافلة مقبلة من خلفه فانظر ان البقاء فرع الفناء فما دام لم يحصل للمرء الفناء عن الوجود لم يجد البقاء من الله ذى الفيض والجود شعر : يكجو از خر من هستى نتواند برداشت هركه در كوى فنا درره حق دانه نكشت
الطوسي
تفسير : هذه حكاية ما قال يعقوب - لبنيه حين سألوه إنفاذ أخيهم معهم، وان بضاعتهم ردت اليهم، وانه ان انفذه معهمْ ازدادوا كيل بعير - اني لست {أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله} ومعناه حتى تحلفوا لي بالله لتجيؤني به. والايتاء الاعطاء آتاه يؤتيه ايتاء، والاتيان به المجيء به، والموثق العقد المؤكد بالقسم، وانما قال موثقاً من الله، وانما هو موثق من انفسهم، لأن المعنى موثقاً من جهة اشهاد الله او القسم بالله، فاما على انفسهم، فهو العقد عليها بما لا يجوز حله لها. وقوله {إلا أن يحاط بكم} موضع (أن) نصب بأنه مفعول له، وتقديره إلا لأحاطة بكم، كما يقول القائل: ما تأتيني إلا، لأخذ الدراهم، وما تأتيني إلا ان تأخذ الدراهم - ذكره الزجاج - والاحاطة أصله ضرب السور حول الشيء. ومنه قيل يعلمه علم احاطة اي على التحديد. والمعنى ها هنا إلا ان يحال بينكم وبينه. وقوله {فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل} معناه انهم لما أجابوه الى اليمين، وحلفوا له واشهدوا على انفسهم بذلك قال يعقوب {الله على ما نقول وكيل} اي حافظ وقيم به. والوكيل القيم بالتدبير والقائم بالقسط فهو العدل في حكمه.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} بلا وثيقة كما أرسلت يوسف (ع) {حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} عهداً وثيقاً من الله أثق به عليكم فى حفظه {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} جواب قسمٍ محذوفٍ اى احلفوا، او جواب حتّى تؤتون موثقاً من الله فانّه فى معنى القسم {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} اى الاّ ان تمنعوا بحيث لا تقدرون او تهالكوا جميعاً فلا يبقى منكم احدٌ {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} استشهد بوكالة الله تأكيداً للوثيقة او توكّلاً عليه لا على الوثيقة يعنى انّى توكّلت عليه وفعلت ما كان علىّ من التّوسّل بالاسباب او تيمّناً بذكره لامضاء الوثيقة.
اطفيش
تفسير : {قال لن أرْسِله معَكُم حتَّى تؤتُونِ} وأثبت ابن كثير الياء وصلا ووقفاً وأبى عمرو وصلا، وحذفها الباقون فى الوصل والوقف {مُوْثقاً} عهدا {من الله} بأن تحلفوا به، أو تشهدوه عليه، وسمى الحلف به أو إشهادة موثقا لأنه تؤكد به اليهود وتعد. {لتأْتُنَّنِى به} جواب للقسم، لأن الموثق قسم، أى حتى تحلفوا بالله لتأتننى به وهو من الإتيان بمعنى المجئ، والأول من الإتياء بمعنى حمل الشئ آتيا بهمزة التعدية، ويعبر بالإعطاء. {إلاَّ أنْ يحاط بكُم} الإحاطة بشئ غالب لكم كسيل لايطاق، وعدو لا يطاق، وموتكم جميعا، والاستثناء منقطع، أى لكن الإحاطة بكم أمر تعذرون فيه، وبكم نائب الفاعل، ويجوز أن يكون متصلا مفرغا على أن معنى لتأتنى به مضمنا معنى النفى، أى لا تمتنعون من الإتيان به على كل حال، إلا حال الإحاطة، فيقدر مضاف للإحاطة، أولا تمتنعون من الإتيان به لعلة إلا للإحاطة بكم، فيقدر حرف التعليل كما ضمن المثبت معنى المنفى فساغ التفريغ بعده فى قولهم: أقسمت بالله إلا فعلت، أى ما أطلب إلا فعلك، أو الآية على القليل من التفريغ فى الإتيان، وأصل لتأتننى لتأتوننى، نقلت ضمة الياء لثقلها عليها إلى التاء المكسورة قبلها، فالتقى ساكنان حذف الياء، وحذفت نون الرفع لتوالى النونات، فالتقى ساكنان، حذفت الواو أو لما نقلت ضمة الياء قلبت واوا فحذفت الواو لسكون واو الجمع بعدها، أو حذفت ضمتها فحذفت للساكن، ثم ضمت التاء لواو الجمع. {فلمَّا آتوهُ مَوْثقَهُم قالَ اللّهُ عَلى ما نقُولُ} أنا وأنتم من طلب الموثق وإعطائه {وكيلٌ} حفيظ رقيب مطلع، حلفوا له بالله لنأتينك به، إلا إن أحاط بنا ما لا طاقة لنا به. وقال سعيد بن جبير: سئل ابن عباس عن الموثق الذى طلبه يعقوب قال: طلب منهم أن يحلفوا له بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، ألا يغدروا بأخيهم ففعلوا، وفى رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما: قال لولده: يا معشر ولدى إن خنتمونى فى ولدى بنيامين فأنتم برءاء من النبى الأمى الذى يكون فى آخر الزمان، له أمة لهم صفوف فى الصلاة كصفوف الملائكة فى السماء ودوى فى الأسحار بشهادة أن لا إلا الله، وهو صاحب التاج والقضيب، والوجه الأقمر، والجبين الأزهر، والحوض المورود، والمقام المحمود، الذى يسمى محمد عليه السلام، فانتم برءاء منه، وهو معرض عنكم بوجهه يوم القيامة إن خنتم لى فى ولدى. قالوا: نعم، قال: الله على ما نقول وكيل. فأرسله معهم، وقال: يا روبيل اكتب عنى إلى ملك مصر باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، إلى ملك مصر أما بعد: فإنك سألتنى على لسان أولادى، عن سبب حزنى وشيبى، وانحناء صلبى، وذهاب بصرى، فاعلم أن أولى الناس بذلك وأحقهم به، أخوفهم من ربهم، وأذكرهم لمعاده، فأما كبرى قبل أوانه فمن خوف يوم القيامة، وأما شيبى قبل أوانه فمن ذكر النار وشدة عذابها، وأما انحناء ظهرى، ووهن عظمى، وذهاب بصرى، فمن الحزن على قرة عينى يوسف، ومواصلة بكائى عليه، فإنه كان قرة عينى، ونور بصرى وهو أنسى فى الخلوة، ومرادى فى البلاء، وقد أصبت فيه، وفرق بينى وبينه فلا أدرى أحى هو فأرجع، أم ميت فاحتسبه، وإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، وما ذلك لهواننا على الله، ولكن ليكمل أجرنا. وقد بلغنى اهتمامك بأمرى سؤالك عنى وعن حالى، فالله يجزيك على ذلك وكفى به مجازيا ومثيبا. واعلم أنك لا تكرمنى بكرامة هى أعظم فى صدرى، وأبلغ فى شكرى من أن تعجل على بتسريح ولدى، وردهم على، فتجدد بهم أنسى، وتبسط بصرفهم نفسى، وتزيل وحشتى، وتكرم شيبتى، فلو رأيت حالى لأبكاك وقد وجهتهم لك بالأمانة. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب رومل ذلك بإملاء يعقوب عليه السلام شيئا فشيئا، وختم يعقوب الكتاب، بما ذكر الله عز وجل عنه بقوله: {وقالَ يَا بنىَّ لاتدْخُلوا...}
اطفيش
تفسير : {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثقاً مِنَ اللهِ} عهدا مؤَكدا باليمين أَو بإِشهاد الله، أَو بالخروج من الدين، أَو بالتزام ما يصعب كاعتكاف ثلاثة أَشهر، ولكن الأَخيرين بعيدان والثالث أَبعد عن يعقوب عليه السلام {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ} جواب القسم وهو موثقا لأَن المعنى حتى تؤتون يمينا بالله لتأْتننى به {إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} أَى على كل حال إِلا حال الإِحاطة بكم، فالمصدر منصوب على الظرفية، ومن منع هذا فى مصدر غير صريح قدر مضافا أَى وقت أَن يحاط بكم، أَو على معنى لا تمتنعون من الإتيان به لعلة ما إلا لعلة الإِحاطة بكم، وفى ذلك حذف العموم قبل الاستثناءِ فى الإِثبات، وهو وارد فى كلام العرب، والغالب عند حذف المستثنى منه تقدم السلب، ولعل معنى تأْتننى مضمن معنى لا تتركون الإِتيان به إِلا أَن يحاط بكم، والإِحاطة بفلان عبارة عن هلاكه أَو قرب هلاكه، وكأَنه قال: إِلا أَن تموتوا أَو لم يبق لكم طاقة بلامين ولا تقصير، ويجوز أَن يكون الاستثناءُ منفصلا {فَلَمَّا آتَوْهُ موْثِقَهُمْ} قال لهم: قولوا والله رب محمد لنأْتينك به إِلا أَن يحاط بنا، وعن ابن عباس: طلب منهم أَن يحلفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبييين وسيد المرسلين، واستظهر بعض المحققين أَنه لم يصح، قلت وفيه الحلف بغير الله وغير فعله، وهو لا يجوز إِلا لله - عز وجل {قَالَ} يعقوب {اللهُ عَلَى ما نَقُولُ} أَنا وأَنتم من طلبى الموثق وإِعطاكموه إِياى {وَكِيلٌ} وكلت الأَمر إليه فيحفظه ويرده سالما، أَو رقيب، لأَن الوكيل بالأَمر يراقبه فأَرسله معهم.
الالوسي
تفسير : {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} بعد أن عاينت منكم ما أجرى المدامع {حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } أي حتى تعطوني ما أتوثق به من جهته، فالموثق مصدر ميمي بمعنى المفعول، وأراد عليه السلام أن يحلفوا له بالله تعالى وإنما جعل الحلف به سبحانه موثقاً منه لأنه مما تؤكد العهود به وتشدد وقد أذن الله تعالى بذلك فهو إذن منه تعالى بذلك فهو إذن منه تعالى شأنه {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب قسم مضمر إذ المعنى حتى تحلفوا بالله وتقولوا والله لنأتينك به. وفي "مجمع البيان" نقلاً عن ابن عباس أنه عليه السلام طلب منهم أن يحلفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، والظاهر عدم صحة الخبر. وذكر العمادي أنه عليه السلام قال لهم: قولوا بالله رب محمد صلى الله عليه وسلم لنأتينك به. {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعاً وكلاهما مروي عن مجاهد، وأصله من إحاطة العدو واستعماله في الهلاك لأن من أحاط به العدو فقد هلك غالباً، والاستثناء قيل مفرغ من أعم الأحوال والتقدير لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم. ورد بأن المصدر من {أن} والفعل لا يقع موقع الحال كالمصدر الصريح فيجوز جئتك ركضاً أي راكضاً دون جئتك أن تركض وإن كان في تأويله لما أن الحال عندهم نكرة و {أن} مع ما في حيزها معرفة في رتبة الضمير. وأجيب بأنه ليس المراد بالحال الحال المصطلح عليها بل الحال اللغوية، ويؤل ذلك إلى نصب المصدر المؤول على الظرفية وفيه نظر. وفي «البحر» أنه لو قدر كون {أن} والفعل في موقع المصدر الواقع ظرف زمان أي لتأتنني به في كل وقت إلا إحاطة بكم أي إلا وقت إحاطة بكم لم يجز عند ابن الأنباري لأنه يمنع وقوع المصدر المؤول ظرفاً ويشترط المصدر الصريح فيجوز خرجنا صياح الديك دون خرجنا أن يصيح الديك أو ما يصيح الديك، وجاز عند ابن جني المجوز لذاك كما في قول أبـي ذؤيب الهذلي:شعر : وتالله ما إن شهلة أم واحد بأوجد مني أن يهان صغيرها تفسير : وقيل: من أعم العلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتنني ولا تمتنعن من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم: أقسمت عليك إلا فعلت أي ما أطلب إلا فعلك، والظاهر اعتبار التأويل على الوجه الأول أيضاً فإن الاستثناء فيه مفرغ كما علمت، وهو لا يكون في الإثبات إلا إذا صح وظهر إرادة العموم فيه نحو قرأت إلا يوم الجمعة لإمكان القراءة في كل يوم غير الجمعة وهنا غير صحيح لأنه لا يمكن لإخوة يوسف عليه السلام أن يأتوا بأخيهم في كل وقت وعلى كل حال سوى وقت الإحاطة بهم لظهور أنهم لا يأتون به له وهو في الطريق أو في مصر اللهم إلا أن يقال: إنه من ذلك القبيل وأن العموم والاستغراق فيه عرفي أي في كل حال يتصور الإتيان فيها، وتعقب المولى أبو السعود تجويز الأول بلا تأويل بقوله: وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيان من الأفعال الممتدة الشاملة للأحوال على سبيل المعية كما في قولك: لألزمنك إلا أن تقضيني حقي ولم يكن مراده عليه السلام مقارنته على سبيل البدل لما عدا الحال المستثناة كما إذا قلت: صل إلا أن تكون محدثاً/ بل مجرد تحققه ووقوعه من غير إخلال به كما في قولك: لأحجن العام إلا أن أحصر فإن مرادك إنما هو الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عن الحج لا الإخبار بمقارنته لتلك الأحوال على سبيل البدل كما هو مرادك في مثال الصلاة كان اعتبار الأحوال معه من حيث عدم منعها منه، فآل المعنى إلى التأويل المذكور اهـ. وبحث فيه واحد من الفضلاء بثلاثة أوجه. الأول: أنه لو كان المراد من قوله: {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } الإخبار بمجرد تحقق الإتيان ووقوعه من غير إخلال به لم يحتج إلى التأويل المذكور ـ أعني التأويل بالنفي ـ كما لا يخفى على المتأمل فكلامه يفيد خلاف مراده. الثاني: أنا سلمنا أن ليس مراد القائل من قوله: لأحجن الخ الإخبار بمقارنة الحج لما عدا حال الإحصار على سبيل البدل لكن لا نسلم أن ليس مراده منه إلا الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عنه غايته أن بينهما ملازمة وذاك لا يستلزم الاحتياج إلى التأويل بالنفي. الثالث: أنه إن أراد من قوله: كان اعتبار الأحوال الخ أن الاتيان به لم يكن معه اعتبار الأحوال كما هو الظاهر فممنوع، وإن أراد أن اعتبار الأحوال معه يستلزم حيثية عدم منعها منه فمسلم لكن لا يلزم منه الاحتياج إلى التأويل المذكور أيضاً وليس المدعى إلا ذاك اهـ وهو كما ترى فتبصر، ثم إنهم أجابوه عليه السلام إلى ما أراد. {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } عهدهم من الله تعالى حسبما أراد عليه السلام {قَالَ } عرضاً لثقته بالله تعالى وحثاً لهم على مراعاة حلفهم به عز وجل {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ } في أثناء طلب الموثق وإيتائه من الجانبين، وإيثار صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة المؤدي إلى تثبتهم ومحافظتهم على تذكره ومراقبته {وَكِيلٌ } أي مطلع رقيب، فإن الموكل بالأمر يراقبه ويحفظه، قيل: والمراد أنه سبحانه مجاز على ذلك.
ابن عاشور
تفسير : اشتهر الإيتاء والإعطاء وما يراد بهما في إنشاء الحلف ليطمئن بصدق الحالف غيره وهو المحلوف له. وفي حديث الحشر « حديث : فيعطي الله من عُهود ومواثيق أن لا يسأله غيره »تفسير : ، كما أطلق فعل الأخذ على تلقي المحلوف له للحلف، قال تعالى: { أية : وأخذنا منكم ميثاقاً غليظاً } تفسير : [سورة النساء: 21] و { أية : قد أخذ عليكم موثقاً من الله } تفسير : [سورة يوسف: 80]. ولعل سبب إطلاق فعل الإعطاء أن الحالف كان في العصور القديمة يعطي المحلوف له شيئاً تذكرة لليمين مثل سوطه أو خاتمه، أو أنهم كانوا يضعون عند صاحب الحق ضماناً يكون رهينة عنده. وكانت الحمالة طريقة للتوثق فشبه اليمين بالحمالة. وأثبت له الإعطاء والأخذ على طريقة المكنيّة، وقد اشتهر ضد ذلك في إبطال التوثق يقال: رَدّ عليه حِلفه. والمَوثْق: أصله مصدر ميمي للتوثّق، أطلق هنا على المفعول وهو ما به التوثق، يعني اليمين. و{من الله} صفة لــــ {موثقاً}، و{من} للابتداء، أي موثقاً صادراً من الله تعالى. ومعنى ذلك أن يجعلوا الله شاهداً عليهم فيما وَعدوا به بأن يحلفوا بالله فتصير شهادة الله عليهم كتوثق صادر من الله تعالى بهذا الاعتبار. وذلك أن يقولوا: لك ميثاق الله أو عهد الله أو نحو ذلك، وبهذا يضاف الميثاق والعهد إلى اسم الجلالة كأنّ الحالف استودع الله ما به التوثق للمحلوف له. وجملة {لتأتنني به} جواب لقسم محذوف دلّ عليه {موثقاً}. وهو حكاية لقول يقوله أبناؤه المطلوب منهم إيقاعه حكاية بالمعنى على طريقة حكاية الأقوال لأنهم لو نطقوا بالقسم لقالوا: لنأتينك به، فلما حكاه هو ركب الحكاية بالجملة التي هي كلامهم وبالضمائر المناسبة لكلامه بخطابه إياهم. ومن هذا النوع قوله تعالى حكاية عن عيسى ــــ عليه السلام ــــ { أية : ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } تفسير : [سورة المائدة: 117]، وإن ما أمره الله: قل لهم أن يعبدوا ربك وربهم. ومعنى {يحاط بكم} يُحيط بكم مُحيط والإحاطة: الأخذُ بأسْر أو هلاك مما هو خارج عن قدرتهم، وأصله إحاطة الجيش في الحرب، فاستعمل مجازاً في الحالة التي لا يستطاع التغلب عليها، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وظنوا أنهم أحيط بهم } تفسير : [سورة يونس: 22]. والاستثناء في {إلا أن يحاط بكم} استثناء من عموم أحوال، فالمصدر المنسبك من {أن} مع الفعل في موضع الحال، وهو كالإخبار بالمَصدر فتأويله: إلاّ محاطاً بكم. وقوله: {الله على ما نقول وكيل} تذكير لهم بأن الله رقيب على ما وقع بينهم. وهذا توكيد للحَلِف. والوَكيل: فعيل بمعنى مفعول، أي موكول إليه، وتقدم في { أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } تفسير : في سورة آل عمران (173).
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَوْهُ} (66) - فَقَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: لَنْ أُرْسِلَ أَخَاكُمُ الصَّغِيرَ مَعَكُمْ حَتَّى تًُعْطُونِي عَهْداً مُوَثَّقاً بِتَأْكِيدِهِ بِإِشْهَادِ اللهِ عَلَيهِ، وَبالقَسَمِ بِهِ، لَتَعَودُنَّ بِهِ مَعَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَتَعَرَّضُوا جَمِيعاً لأَِمْرٍ لاَ قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَلاَ تَقْدِرُونَ جَمِيعاً عَلَى تَخْلِيصِهِ، فَلَمَّا حَلَفُوا لَهُ قَالَ: اللهُ وَكِيلٌ وَشَاهِدٌ عَلَى مَا نَقُولُ إِذْ إِنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ إِرْسَالِهِ مَعَهُمْ لِيَأْتُوا بِالمِيرَةِ لأَِهْلِهِمْ. موْثِقاً - عَهْداً مُؤَكَّداً بِاليَمِينِ يُوثَقُ بِهِ. يُحَاطَ بِكُمْ - تُغْلَبُوا وَتَهْلِكُوا جَمِيعاً. وَكِيلٌ - مُطَّلِعٌ وَرَقِيبٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ هنا رِقَّة قلب يعقوب وقُرْب موافقته على إرسال ابنه "بنيامين" معهم إلى مصر، هذه الرِّقَّة التي بَدَتْ من قبل في قوله: {أية : فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تفسير : [يوسف: 64] . وطلب منهم أن يحلفوا بيمين مُوثقة أن يعودوا من رحلتهم إلى مصر، ومعهم أخوهم "بنيامين" إذا ما ذهب معهم؛ ما لم يُحِطْ بهم أمر خارج عن الإرادة البشرية، كأن يحاصرهم أعداء يُضيِّعونهم ويُضيِّعون بنيامين معهم؛ وهذا من احتياط النبوة؛ لذلك قال: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ..} [يوسف: 66]. وأقسم أبناء يعقوب على ذلك، وأعطَوْا أباهم اليمين والعهد على رَدِّ بنيامين، وليكون الله شهيداً عليهم. قال يعقوب: {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66]. أي: أنه سبحانه مُطلع ورقيب، فإن خُنْتم فسبحانه المنتقم. ويُوصِي يعقوب أولاده الأسباط: {وَقَالَ يٰبَنِيَّ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1321- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ}: [الآية: 66]، قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):