١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء، ويجوز أن يراد به ههنا الطعام الذي حملوه، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام. ثم قال: {وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } واختلف القراء في {رُدَّتْ } فالأكثرون بضم الراء، وقرأ علقمة بكسر الراء. قال صاحب «الكشاف»: كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع. وحكى قطرب أنهم قالوا في قولنا: ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد. وأما قوله: {مَا نَبْغِى } ففي كلمة {مَا } قولان: القول الأول: أنها للنفي، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: الأول: أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا: إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب لمافعل ذلك، فقولهم: {مَا نَبْغِى } أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذباً ولا ذكر شيء لم يكن. الثاني: أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا. الثالث: المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإن هذه التي معنا كافية لنا. والقول الثاني: أن كلمة «ما» ههنا للاستفهام، والمعنى: لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا: ما نبغي بعد هذا، أي أعطانا الطعام، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك؟ واعلم أنا إذا حملنا «ما» على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا. قال الأصمعي: يقال ماره يميره ميراً إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال: ما عنده خير ولا مير وقوله: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } معناه: أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فإذا حضر أخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل، وأما إذا حملنا كلمة «ما» على النفي كان المعنى لا نبغي شيئاً آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني، ثم نفعل كذا وكذا. وأما قوله: {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } ففيه وجوه: الأول: قال مقاتل: ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج. والثاني: ذلك كيل يسير، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير. والثالث: أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة.
البيضاوي
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} وقرىء {رُدَّتْ } بنقل كسرة الدال المدغمة إلى الراء نقلها في بيع وقيل. {قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِي } ماذا نطلب هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا. أو لا نطلب وراء ذلك إحساناً أو لا نبغي في القول ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه. وقرىء «ما تبغي» على الخطاب أي: أي شيء تطلب وراء هذا من الإِحسان، أو من الدليل على صدقنا؟ {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } استئناف موضح لقوله {مَا نَبْغِى }. {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } معطوف على محذوف أي ردت إلينا فنستظهر بها ونمير أهلنا بالرجوع إلى الملك. {وَنَحْفَظُ أَخَانَا } عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا. {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } وسق بعير باستصحاب أخينا، هذا إذا كانت {مَا } استفهامية فأما إذا كانت نافية احتمل ذلك واحتمل أن تكون الجمل معطوفة على {مَا نَبْغِى }، أي لا نبغي فيما نقول {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا }. {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي مكيل قليل لا يكفينا، استقلوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى كيل بعير أي ذلك شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظمه، وقيل إنه من كلام يعقوب ومعناه، إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم {قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِى} أي: ماذا نريد؟ {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا}، كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا؟ إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل، {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} أي: إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا، {وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} وذلك أن يوسف عليه السلام كان يعطي كل رجل حمل بعير، وقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى في بعض اللغات بعيراً، كذا قال، {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ} أي: تحلفون بالعهود والمواثيق {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه {فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} أكده عليهم، فقال: {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}، قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بداً من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها، فبعثه معهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا نَبْغِى } «ما» استفهامية، أي: أيَّ شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ وقرىء بالفوقانية: خطاباً ليعقوب، وكانوا ذكروا له إكرامه لهم {هَٰذِهِ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } نأتي بالميرة لهم وهي الطعام {وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } لأخينا {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } سهلٌ على الملك لسخائه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّتْ إليهم}أي وجدوا التي كانت بضاعتهم وهو ما دفعوه في ثمن الطعام الذي امتاروه. {قالوا يا أبانا ما نبغي}فيه وجهان: أحدهما: أنه على وجه الاستفهام بمعنى ما نبغي بعد هذا الذي قد عاملنا به، قاله قتادة. الثاني: معناه ما نبغي بالكذب فيما أخبرناك به عن الملك، حكاه ابن عيسى. {هذه بضاعتنا ردت إلينا} احتمل أن يكون قولهم ذلك له تعريفاً واحتمل أن يكون ترغيباً، وهو أظهر الاحتمالين. {ونمير أهلنا}أي نأتيهم بالميرة، وهي الطعام المقتات، ومنه قول الشاعر: شعر : بعثتك مائراً فمكثت حولاً متى يأتي غياثك من تغيث. تفسير : {ونمير أهلنا} هذا ترغيب محض ليعقوب. {ونحفظ أخانا}وهذا استنزال. {ونزداد كيل بعير}وهو ترغيب وفيه وجهان: أحدهما: كيل البعير نحمل عليه أخانا. والثاني: كيل بعير هو نصيب أخينا لأن يوسف قسّط الطعام بين الناس فلا يعطى الواحد أكثر من حمل بعير. {ذلك كَيْلٌ يسير} فيه وجهان: أحدهما: أن الذي جئناك به كيل يسير لا ينفعنا. والثاني: أن ما نريده يسير على من يكيل لنا، قاله الحسن. فيكون على الوجه الأول استعطافاً، وعلى الثاني تسهيلاً. وفي هذا القول منهم وفاءٌ، ليوسف فيما بذلوه من مراودة في اجتذاب أخيهم لأنهم قد راودوه من سائر جهات المراودة ترغيباً واستنزالاً واستعطافاً وتسهيلاً. قوله تعالى:{قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله} في هذا الموثق ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إشهادهم الله على أنفسهم. الثاني: أنه حلفهم بالله، قاله السدي. الثالث: أنه كفيل يتكفل بهم {لتأتنني به إلاَّ أن يحاط بكم} فيه وجهان: أحدهما: يعني إلا أن يهلك جميعكم، قاله مجاهد. الثاني: إلا أن تُغلَبوا على أمركم، قاله قتادة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا نَبْغِى} استفهام أي ما نبغي بعد هذا الذي عاملنا به أو ما نبغي بالكذب فيما أخبرناك به عن الملك. {كَيْلَ بَعِيرٍ} الذي نحمل عليه أخانا، أو كان يوسف قَسَّط الطعام فلا يعطي لأحد أكثر من بعير {يَسِيرٌ} لا يقنعنا، أو يسير على من يكتله لنا.
النسفي
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِى} «ما» للنفي أي ما نبغي في القول ولا تتجاوز الحق أو ما نبغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان، أو ما نريد منك بضاعة أخرى، أو للاستفهام أيْ أيّ شيء نطلب وراء هذا؟ {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } جملة مستأنفة موضحة لقوله {ما نبغي} والجمل بعدها معطوفة عليها أي أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } في رجوعنا إلى الملك أي نجلب لهم ميرة وهي طعام يحمل من غير بلدك {وَنَحْفَظُ أَخَانَا } في ذهابنا ومجيئنا فما يصيبه شيء مما تخافه {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } نزداد وسق بعير باستصحاب أخينا {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } سهل عليه متيسر لا يتعاظمه {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ } وبالياء: مكي {مَوْثِقًا } عهداً {مِنَ ٱللَّهِ } والمعنى حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي أراد أن يحلفوا له بالله. وإنما جعل الحلف بالله موثقاً منه لأن الحلف به مما يؤكد به العهود وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب اليمين لأن المعنى حتى تحلفوا لتأتنني به {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به فهو مفعول له، والكلام المثبت وهو قوله {لتأتنني به} في تأويل النفي أي لا تمتنعوا من الإتيان به إلا للإحاطة بكم يعني لا تمتنعوا منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة وهي أن يحاط بكم، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي فلا بد من تأويله بالنفي {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } قيل: حلفوا بالله رب محمد عليه السلام {قَالَ } بعضهم يسكت عليه لأن المعنى قال يعقوب {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ } من طلب الموثق وإعطائه {وَكِيلٌ } رقيب مطلع غير أن السكتة تفصل بين القول والمقول وذا لا يجوز، فالأولى يأن يفرق بينهما بالصوت فيقصد بقوة النغمة اسم الله. {وَقَالَ يا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } الجمهور على أنه خاف عليهم العين لجمالهم وجلالة أمرهم ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى، فالعين حق عندنا وجه بأن يحدث الله تعالى عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصاناً فيه وخللاه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فيقول: «حديث : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة ومن كل عين لامة»تفسير : وأنكر الجبائي العين وهو مردود بما ذكرنا. وقيل: إنه أحب أن لا يفطن بهم أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } أي إن كان الله أراد بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أسرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } أي متفرقين {مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ } دخولهم من أبواب متفرقة {مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } أي شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم {إِلاَّ حَاجَةً } استثناء منقطع أي ولكن حاجة {فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } وهي شفقته عليهم {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } يعني قوله وما أغنى عنكم وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر {لّمَا عَلَّمْنَاهُ } لتعليمنا إياه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} الآية: المتاعُ: ما يصلح لأن يُستمتع به، وهو عامًّ في كلِّ ما يُسْتَمْتعُ به، والمراد به ههنا: الطعامُ الذي حملوه، ويجوز أن يرادُ به أوعيةُ الطعام، {وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ}، ثمن البضاعة. {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}؛ قرأ الأكثرون بضمِّ الراء، وقرأ علقمة ويحيى، والأعمش: "رِدَّتْ" بكسر الرَّاءِ، على نقل حركة الدَّال المدغمةِ إلى الراء بعد توهُّم خلوها من حركتها، وهي لغةُ بني ضبَّة. على أنَّ قطرُباً حكى عن العرب: نقل حركةِ العين إلى الفاء في الصحيح؛ فيقولون: ضِرْبُ زَيْد، بمعنى: ضُرِبَ زيد،و قد تقدم ذلك في قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ}تفسير : [الأنعام:28] في الأنعام. قوله: "مَا نَبْغِي" في "مَا" هذه وجهان: أظهرهما: أنها استفهاميةٌ، فهي مفعولٌ مقدمٌ، واجبُ التقديم؛ لأن لها صدر الكلام، أي: أيَّ شيء نبغِي، أعطانا الطعام على أحسنِ الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك. والثاني: أن تكون نافية ولها معنيان: أحدهما: قال الزجاج ـ رحمه الله ـ: ما بقي لنا ما نطلبُ، أي: بلغَ الإكرامُ إلى غايةٍ، ما نَبْغِي وراءها شيئاً آخر. وقيل: المعنى أنَّه ردَّ بضاعتنا إلينا، فنحن لا نَبْغِي عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإنَّ هذه التي معنا كافية لنا. والثاني: ما نَبْغِي، من البَغْيِ، أي: ما أفْتريْنا، ولا كذبنا على هذا الملك في إكرامهِ وإحسانه. قال الزمخشريُّ: "ما نَبْغِي في القولِ، وما نتزيَّد فيما وصفنا لك من إحسانِ الملكِ". وأثبت القراء هذه الياء في "نَبْغِي" وصلاً ووقفاً، ولم يجعلوها من الزَّوائد، بخلاف التي في الكهفِ، في قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {أية : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}تفسير : [الكهف:64]، والفرقُ أنَّ "ما" ـ هناك ـ موصولةٌ، فحذف عائدها، والحذف يؤنس بالحذف. وهذه عبارةٌ مستفيضة عند أهلِ هذه الصناعة؛ يقولون: التغييرُ يُؤنسُ بالتغيير، بخلافها هنا، فإنها: إما إستفهاميةٌ، وإما نافيةٌ، ولا حذف على القولين حتى يؤنس بالحذفِ. وقرأ عبدالله، وأبو حيوة، وروتها عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تَبْغِي" بالخطاب و "مَا" تحتملُ الوجهين ـ أيضاً ـ في هذه القراءةِ، والجملة من قوله: "هَذِه بِضَاعَتُنَا" يحتملُ أن تكون مفسرةً لقولهم "مَا نَبْغِي" وأن تكون مستأنفة. قوله "ونميرُ" معطوفةٌ على الجملة الاسميةِ، وإذا كانت "مَا" نافية جاز أن تعطف على "نَبْغِي" فيكون عطف جملة فعلية على مثلها. وقرأت عائشة، وأبو عبد الرحمن ـ رضي الله عنهما ـ "ونُمِيرُ" من أمارهُ إذا جعل لَهُ المِيرَة، يقال: مَارَهُ يَمِيرهُ، وأمَارَهُ يُمِيرُه، والمِيرَةُ: جَلْبُ الخَيْرِ؛ قال: [الوافر] شعر : 3118ـ بَعَثْتُكَ مَائِراً فَمَكثْتَ حَوْلاً مَتَى يَأتِي غِيَاثُكَ مَنْ تُغِيثُ تفسير : والبعير لغة يقع على الذكر خاصة، وأطلقه بعضهم على الناقةِ أيضاً وجعلهُ نظير "إنْسَانٍ" ويجوز كسر بائه إتباعاً لعينه، ويجمع في القلَّة على أبعرة، وفي الكثرة على بعران. والمعنى: ونزدادُ كيل بعيرٍ بسبب حُضُور أخينا؛ لأنه كان يكيلُ لكل رجلٍ حمل بعير. ثم قال: {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} قال مقاتل ـ رحمه الله ـ: ذلك كيلٌ يسير على هذا الرجل المحسن، وحرصه على البذل، وهو اختيار الزجاج. وقيل: {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ}، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحَبْسِ والتَّأخير. وقيل: ذلك الذي يدفع إلينا بدُون أخينا شيئاً يسيراً قليلاً، لا يكفينا وأهلنا؛ فابعثْ أخانا معنا؛ لكي يكثر ما نأخذه. وقال مجاهدٌ: البعِيرُ ههنا الحمارُ، "كَيْلُ بعيرٍ" أي: حِمْلُ حمار، وهي لغة، يقال للحَمير بَعِير، وهم كانوا أصحاب حُمُر، والأول أصحُّ؛ بأنه البعيرُ المعروف. قوله تعالى: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} الآية. الموْثِق: مصدر بمعنى الثقةِ، ومعناه: العَهْدُ الذي يُوثق به، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهداً يوثقُ به. وقوله "مِنَ اللهِ" أي: عهداً موثوقاً به؛ بسبب تأكد الشهادة من الله، أو بسببِ القسمِ بالله عليه. والمَوْثِقُ: العهدُ المؤكَّد بالقسم، وقيل: المؤكَّد بإشهادِ الله على نفسه. قوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} هذا جوابٌ للقسم المضمر في قوله "مَوْثِقاً"؛ لأنَّ معناه حتى تحلفوا لي لتأتنني به. قوله {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} في هذا الإستثناء أوجه: أحدها: أنه منقطع، قاله أبو البقاء. يعني فيكون تقدير الكلام: لكن إذا أحيط بكم خرجتم من عتبي، وغضبي عليكم إن لم تَأتُوني به؛ لوضوحِ عُذْركُم. والثاني: أنه متصلٌ، وهو استثناء من المفعول له العام. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناءِ، ففيه إشكالٌ؟ قلتُ: "أنْ يُحاطَ بِكُمْ" معفولٌ له، والكلام المثبت، الذي هو قوله "لتَأتُنَّنِي بهِ" في معنى النَّفي، معناه: لا تَمْتنِعُون من الإتيان به؛ إلا للإحاطة بكم، أو لا تمتنعون منه لعلةٍ واحدة وهي {أَن يُحَاطَ بِكُمْ} فهو استثناءُ من أعمِّ العامِّ في المفعول له، والاستثناءُ من أعم العام لا يكونُ إلا في النفي وحده؛ فلا بُدَّ من تأويله بالنَّفي، ونظيره في الإثبات المتأول بالنفي بمعنى النفي قولهم: أقْسَمْتُ باللهِ لما فعَلتَ وإلاَّ فعلتَ بزَيْدٍ يريد ما أطلب منك إلاَّ الفعل". ولوضوح هذا الوجه لم يذكره غيرهُ. الثالث: أنه مستثنى من أعمِّ العام من الأحوال. قال أبُو البقاء: تقديره: لتَأتُنَّنِي به على كلِّ حالٍ، إلا في حالٍ، إلا في حالِ الإحاطةِ بكم. قال شهابُ الدِّين: "قد نصُّوا على أنَّ أنْ الناصبة للفعلِ، لا تقعُ موقع الحال وإن كانت مُؤولةً بمصدرٍ، يجوز أن تقع موقع الحالِ؛ لأنهم لم يَغتَفِرُوا في المؤولِ ما يَغْتفرونه في الصَّريح، فيجيزون: جِئْتُك رَكْضاً، ولا يجيزون: جِئْتُكَ أن أرْكُض وإنْ كانا في تأويله". الرابع: أنُّه مستثنى من أعمِّ العامِّ في الأزمان، والتقدير: لتَأتُنَّنِي به في كل وقتٍ إلا في وقت الإحاطة بكم، وقد تقدم [البقرة:258] الخلافُ في هذه المسألة، وأنَّ أبا الفتح أجاز ذلك كما يجوزه في المصدر الصريح، فكما تقول: "آتيك صِيَاحَ الدِّيك" يجوز أن تقول: آتيك أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وجعل من ذلك قول تأبَّط شرًّا: [الطويل] شعر : 3119ـ وقَالُوا لهَا: لا تَنْكِحِيهِ فإنَّهُ لأوَّلِ نَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعَا تفسير : وقول أبِي ذُؤيبٍ الهُذليِّ: [الطويل] شعر : 3120ـ وتَاللهِ مَا إنْ شَهْلَةٌ أمُّ واحدٍ بأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُهَا تفسير : قال: تقديره: وقت ملاقاته الجمع، ووقت إهانة صغيرها. قال أبو حيَّان: "فعلى ما قاله يجوز تخريج الآية، ويبقى {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} على ظاهره من الإثبات". قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: "الظَّاهرُ من هذا أنه استثناء مفرغ، ومتى كان مُفرغاً وجب تأويله بالنفي". ومنع ابن الأنباري ذلك في "أنْ" وفي "مَا" أيضاً، قال: "فيجوزُ أن تقول: خُروجُنَا صِيَاح الدِّيك، ولا يجوز: خُرُوجنَا أن يَصِيحَ الدِّيكُ، أوْ مَا يَصِيح الديك. فاغتفر في الصريح ما لم يغتفر في المؤوَّل، وهذا قياسُ ما تقدم في منع وقوع أن وما في حيِّزها موقع الحالِ، ولك أن تفرق بينهما بأنَّ الحال تلزم التنكير، و"أنْ" وما في حيزها نصُّوا على أنها في رتبة المضمر في التعريف، وذلك يغني عن وُقُوعِهَا موقع الحال، بخلاف الظَّرف، فإنه لا يشترط تنكيره، فلا يمتنع وقوعُ "أنْ" وما في حيزها موقعه". فصل قال الواحديُّ: للمفسرين في الإحاطةِ قولان: الأول: معناه الهلاكُ. قال مجاهد: إلاَّ أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذراً عندي، والعرب تقول: أحيط بفلانٍ إذا قرب هلاكه. قال الزمخشري: قال تعالى: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}تفسير : [الكهف:42] أي أصابه ما أهلكه، وقال تعالى: {أية : وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}تفسير : [يونس:22]، وأصله؛ أنَّ من أحاط به العدوُّ، وانسدت عليه مسالكُ النجاةِ، ودنا هلاكه؛ فقد أحيط به, والثاني: قال قتادة: ومعناه إلاَّ أن تَصِيرُوا مَغلُوبِين مَقْهُورين، لا تقدرون على الرجوع. {فلما ءاتوه موثقهم}، أي: أعطوه عهدهم. قال يعقوب ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي: شهيدٌ بمعنى شاهدٍ. وقيل: حافظاً، أي: أنه موكلٌ إليه هذا العهد فإن وفيتم به، جازاكم خير الجزاءِ، وإن غدرتم به، كافأكم بأعظم العقوبات. قوله تعالى: {وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} الآية، وذلك أنه كان يخافُ عليهم العين؛ لأنَّهم كانوا أعطوا جمالاً، وقوة، وامتداد قامة، وكانوا ولد رجلٍ واحد، فأمرهم أن يتفرَّقُوا في دخولها؛ لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حقٌّ، ويدل عليه وجوه: الأول: رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يعوِّذُ الحسن فيقول: "حديث : أعُوذُ بِكلمَاتِ اللهِ التَّامةِ من كُلِّ شيْطَانٍ وهَامَّةٍ، و من كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ ". تفسير : ويقول: هكذا يُعوذُ إبراهيم إسماعيل وإسحاق ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. حديث : ورُوِيَ عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في أوَّلِ النَّهارِ فَرَأيْتهُ شَديدَ الوَجع، ثُمَّ عدت إليْهِ آخِرَ النَّهارِ فوَجَدتهُ مُعَافى، فقال: "إنَّ جِبْريلَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أتَانِي فرقَانِي، فقال: بسمِ اللهِ أرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ وحَاسدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، قال ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليْهِ ـ فأفَقْتُ" . وأتِيَ بابْنَي جَعْفَرٍ ـ رضي الله عنه ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا غلماناً بيضاً، فقيل: يا رسول الله "إنَّ العيْنَ تسرعُ إليْهِمَا، أفأسْتَرقِي لهُمَا مِنَ العيْنِ، فقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: نَعَم" . ودخل رسول الله بيت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ وعندها صَبِيٌّ يَشْتَكِي فقَالُوا يَا رَسُول اللهِ: أصَابَتْهُ العَيْنُ، فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا تَسْتَرقُونَ لَهُ مِنَ العَيْنِ" . تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : العَيْنُ حقٌّ ولوْ كَانَ شَيءٌ يَسْبِقُ القَدرَ لسَبقَتِ العيْنُ القدرَ ". تفسير : وجاء في الأثرِ: "حديث : إن العين تُدخِلُ الرَّجُلَ القبر والجَمَل القِدْرَ ". وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: "كَانَ يَأمرُ العَائِنَ أنْ يَتوضَّأ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ المَعِينُ الذي أصيبَ بالعَيْنِ ". تفسير : والذين أثبتُوا العين قالوا: إنه يبدو من العَيْنِ أجزاءُ، فتتصل بالشيء المستحسن؛ فتُؤثِّر، وتسري فيه، كما يؤثر السُّم النار، والنصوصُ النبويةُ نطقت به، والتجاربُ من الزمن القديم ساعدت عليه. وروى الزمخشري في كتاب "ربيع الأبْرارِ"، قال الجاحظُ: علماءُ الفرس، والهندِ، وأطباءُ اليونانيين، ودهاةُ العرب، وأهل التجربة من نازلة الأمصار، وحذَّاق المتكلمين، يكرهُون الأكل بين يدي السِّباع؛ يَخافُونَ عُيُونها؛ لِمَا فيها من النَّهم، والشَّره، ولما ينحلُّ عند ذلك من أجوافها من البخار الرَّديءِ، وينفصل من عيونها إذا خالط الإنسان نقصه وأفسده، وكانوا يكرهون قيام الخدم بالباب والأشربة على رُءُوسهِم مخافة العين، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في الكلب والسِّنورِ: إمَّا أن يطرد، وإمَّا أن يشغل بما يطرح له، قال: ونظيره: أن الرجل يضربُ الحية بعصاً؛ فيموتُ الضاربُ؛ لأنَّ السُّمَّ فصل من الحيةِ، فسرى فيه حتى داخله، ويديم الإنسانُ النظر إلى العين المحمرة؛ فيعتري عينه حمرة. وعن الأصمعيِّ ـ رحمه الله ـ: أنَّ عَيُوناً كان يقول: إذا رأيت الشَّيء يعجبني، وجدتُ حرارة تخرج من عيني. وعنه: كان عندنا عيَّانان، فمرَّ أحدهما بحوض من حجارةٍ، فقال: بالله، ما رأيت كاليوم مثله، فانصدع فلقتين، فصُبَّ، فمرَّ عليه فقال: رأيتك تقل ما خزرت أهْلَكَ فيكَ، فتَطَايَرَ أرْبعاً. وسمع آخرُ صوت بولٍ من وراء جدار فقال: إنَّك تراني كثير الشَّخب جيِّد البول، قالوا: هذا آتيك، قال: وانقطاع ظهراهُ، فقيل: لا بأس فقال: لا يبولُ بعدها أبداً، فما بال حتَّى مات. وسمع صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال: أيتهُنَّ هذه، فواروا بأخرى عنها؛ فهلكتا جميعاً، المُورَى بها، والمُورَى عنها. والمنقولاتُ في هذا كثيرة؛ فثبت أنَّ الإصابة بالعين حقٌّ، لا يمكن إنكارهُ. قال القرطبيُّ: وإذا كان هذا معنى الآيةِ؛ فكيون فيها دليلٌ على التَّحرُّزِ من العين، وواجب على كل مسلم إذا أعجبه شيء أن يبرك، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، ألا ترى لقوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: "ألاَ برَّكْتَ" فدلَّ على أنَّ العين لا تضرُّ، ولا تعدوا إذا برَّك العَائِنُ، وأنها إنَّما تعدو؛ إذا لم يبرك، والتَّبْرِيكُ أن يقول: "تَبارَك اللهُ أحْسَنُ الخَالقينَ، اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ" وإذا أصاب العائن بعينه؛ فإنَّه يُؤمَرُ بالاغتِسَالِ، ويجبرُ على ذلك إن أبى؛ لأنَّ الأمر للوجوب، ولا سيِّما هنا، فإنَّه يخاف على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحدٍ أن يمنع أخاهُ ما ينتفع به، ولا يضرهُ هو، ولا سيما إذا كان بسببه، كان الجاني عليه. قال القرطبيُّ: "مَنْ عُرِفَ بالإصاَبَةِ بالعيْنِ مُنِعَ مِنْ مُداخَلةِ النَّاس دفعاً للضَّرُورةِ". وقال بعضُ العلماءِ: يأَمره الإمامُ بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رزقه ما يقوم بهِ، ويكفّ أذاهُ عن الناس. وقيل: يُنفَى. والَّذي ورد في الحديث أنَّهُ لم ينفِ العَائن، ولا أمره بِلزُومِ بيته ولا حبسه، بل قالوا: يكونُ الرَّجُل الصَّالحُ عائناً، وأنه لا يقدحُ فيه، ولا يفسَّقُ به ومن قال: يحبس، ويؤمر بلزوم بيته؛ فذلك للاحتياط، ودفع ضرره. قال الجبائيُّ: إنَّ أبناء يعقوب اشتهروا، وتحدَّث النَّاسُ بهم، وبحسنهم، وكمالهم فقال: "لا تَدْخُلُوا" تلك المدينة "مِنْ بابِ واحدٍ" على ما أنتم عليه من العددِ، والهيئة، ولم يأمن عليهم حسد النَّاس، أو قال: لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك على ملكه، فحيبسهم. وهذا وجهٌ محتملٌ لا إنكار فيه إلاَّ أنَّ القول الأوَّل أولى؛ لأنَّه لا امتناع فيه بحسب العقلِ، والعرف كما بيَّنا، والمتقدِّمُون من المفسرين أطبقوا عليه، فوجب المصيرُ إليه. ونقل عن الحسنِ أنه قال: خاف عليهم العين، فقال: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} ثُمَّ رجع إلى علمه، فقال: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}، وعرف أن العين ليست بشيء. وكان قتادةُ يفسِّر الآية بإصابة العين، ويقول: ليس في قوله: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} إبطال له؛ لأن العين، وإن صحّ فاللهُ قادر على دفع أثره. وقال النَّخعيُّ: كان عالماً بأنَّ مالك مصر هو ولده يوسف إلاَّ أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ ما أذن لهُ في إظهار ذلك، فلمَّا بعث أولاده إليه، وقال: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}، وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة، وقوله: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} فالإنسان مأمورٌ بأن يراعي الأسباب المُعتبرة في هذا العالم، ومأمورٌ بأن يجزم بأنَّه لا يصل إليه إلاَّ ما قدره الله ـ تعالى ـ وأنَّ الحذر لا يُنْجِي من القدرِ، فإنَّ الإنسان مأمور بالحَذرِ عن الأشياءِ المُهلكةِ، والأغذيةِ الضَّارةِ، وبالسَّعي في تحصيل المنافع، ودفع المضار بقدر الإمكان، ثمَّ مع ذلك ينبغي أن يكون جازماً بأنَّه لا يصل إليه إلاَّ ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلاَّ ما أراد اللهُ، فقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى الالتفات إلى التَّوحيدِ المحض، والبراءة عن كُلِّ شيءٍ سوى الله ـ تعالى. فإن قيل: كيف السَّبيلُ إلى الجمعِ بين هذه القولين؟. فالجوابُ: أنَّ هذا السُّؤال غير مختصٍّ به، فإنه لا نزاع في أنَّه لا بدَّ من إقامة الطَّاعات والاحْترازِ من السَّيئاتِ، مع أنَّا نعتقدُ أنَّ السَّعيدَ من سعد في بطن أمه، والشَّقي من شَقِيَ في بطن أمِّه، فكذ هاهنا. وأيضاً: نأكلُ، ونشربُ، ونحترزُ عن السموم، وعن الدُّخولِ في النَّار، مع أنَّ الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله ـ سبحانه وتعالى ـ، فكذا ههنا، فظهر أنَّ السؤال ليس مختصًّا بهذا المقام، بل هو بحثٌ عن سرِّ مسألة الخيرِ، والشرِّ. والحقُّ أن العبد يجبُ عليه أن يسعى بأقصى الجهد، والقدرة، وبعد السَّعي البليغ، يعلم أنَّ كل ما يدخل في الوجود لا بُدَّ وأن يكن بمشيئة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وسابق حكمه، وحكمته. ثم إنَّهُ ـ تعالى ـ أكَّد هذا المعنى، فقال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ}، وهذا من أدلِّ الدَّلائل على صحَّةِ القول بالقضاءِ، والقدر؛ لأنَّ الحكم عبارة عن الإلزام والمنع ومنه سميت حكمة الدَّابَّة بهذا الاسم؛ لأنَّها تمنع الدَّابَّة من الحركاتِ الفاسدةِ والحكم إنَّما يمسى حكماً؛ لأنه يرجح أحد طرفي الممكنِ على الآخر، بحيثُ يصيرُ الطَّرفُ "الآخر" ممتنع الحصولِ، فبيَّن ـ تعالى ـ أنَّ الحكم ليس إلاَّ لله، وذلك يدلُّ على أنَّ جميع الممكنات ترجع إلى قضائه، وقدرته، ومشيئته، وحكمه إمَّا بواسطةٍ، أو بغير واسطةٍ، ولذلك فوَّض يعقوب أمرهُ إلى الله ـ تعالى ـ. ثم قال: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعتمدت: {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}، والمعنى: أنَّهُ لمَّا ثبت أنَّ الكُلَّ من الله ـ تعالى ـ ثبت أنَّهُ لا يتوكل إلاَّ على اللهِ سبحانه وتعالى.
القشيري
تفسير : بيَن يوسفُ - عليه السلام - أنه حين عاملهم لم يَحْتَجْ إلى عِوَضً يأخذه منهم، فلمَّا باعهم وجَمَعَ لهم الكيلَ ما أخذ منهم ثمناً، والإشارة من هذا إلى قوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ}تفسير : [الإسراء: 7]. وكلُّ مَنْ خطا للدِّين خطوةً كافأه اللَّهُ تعالى وجازاه، فَجَمَع له بين رَوْحِ الطاعةِ ولذَّةِ العيش من حيث الخدمة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} قيل متاعهم ظاهرا للكرم ورد اليهم باطنا لئلا يشق عليهم اثقال المنة ما وجد يوسف لمتاعهم فى خزاينه موضعا لا تليق الا بالفقراء والمساكين فود اليهم لئلا يزاحم بغناه على الفقراء المواكلة معهم وانى يفعل الغنى بمال الفقراء لم ير نفسه اهلا فى ملكه ان ياكل طعام الفقراء وفيه ما فيه من الاشارة ان ما وجد الاولون والآخرون من معرفة الله وتوحيده ومحبته وعبوديته فى جنب ما يجدون منه يوم الكشف الاعظم اقل من كل شئ فيرد بكبريائه ما يليق بالحدثان على الحدثان لانه تعالى بقدمه وجلاله منزه عن ان يدركه احد من خلقه او ان يطلع على اسرار ذاته وصفاته احد من عباده يرد متاع العبودية على الخلق لانها لا يليق بربوبيته فيغنيهم بماله عما لهم الا ترى الى قوله عليه السلام لم ينج احد منكم عمله قالوا يا رسول الله ولا انت قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله منه برحمة وفضل قال بعضهم ان اعمال الخلق كلها مردودة عليهم فانهم انما عملوها بانفسهم قال تعالى ومن شكرنا فانما يشكر لنفسه وان الذى يلحقهم من الكرامات من جهة التفضل لا من جهة الجزاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما فتحوا متاعهم} الذى حملوه من مصر وهواسم من متع كالكلام والسلام من كلم وسلم وهو فى الاصل كل ما انتفع به هو والمراد به هنا اوعية الطعام مجازا اطلاقا للكل على بعض مسمياته ويسمى بعضهم هذا النوع من المجاز اعنى اطلاق الكل على البعض حقيقة قاصرة {وجدوا بضاعتهم} [يافتند بضاعت حودرا كه تسليم ملك كرده بودند] {ردت اليهم} تفضلا وقد علموا لك بدلالة الحال كأنه قيل ماذا قالوا حينئذ فقيل {قالوا} لابيهم ولعله كان حاضرا عند الفتح كما فى الارشاد ويؤيده ما فى القصص من ان يعقوب قال لهم يا بنى قدموا احمالكم لادعو لكم فيها بالبركة فقدموا احمالهم وفتحوها بين يديه فرأوا بضاعتهم فى رؤس احمالهم فقالوا عند ذلك {يا ابانا ما نبغى} ما استفهامية منصوبة ينبغى وهو من البغى بمعنى الطلب اى أى شيء نطلب وراء هذا من الاحسان {هذه بضاعتنا} [تينست بضاعت ماكه غله بدين بضاعت بما فروخته اند] {ردت الينا} اى حال كونها مردودة الينا تفضلا من حيث لا ندرى بعد ما من علينا بالمنن العظام هل من مزيد على هذا فنطلبه ارادوا الاكتفاء به فى استيجاب الامتثال لامره والالتجاء اليه فى استجلاب المزيد {ونمير اهلنا} اى نجلب اليهم الطعام من عند الملك وهو معطوف على مقدر اى ردت الينا فنستظهر بها ونمير اهلنا فى رجوعنا الى الملك يقال مار اهله يميرهم ميرا اذا اتاهم بالميرة وهى الطعام المجلوب من بلد الى بلد ومثله امتار {ونحفظ اخانا} من الجوع والعطش وسائر المكاره {ونزداد} [وزياده بستانيم بواسطه او] {كيل بعير} اى حمل بعير يكال لنا من اجل اخينا لانه كان يعطى باسم كل رجل حمل بعير كأنه قيل اى حاجة الى الازدياد فقيل {ذلك} اى ما يحمله اباعرنا {كيل يسير} اى مكيل قليل لا يقوم باودنا اى قوتنا
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم لما فتحوا متاعهم، والمتاع مبيع التجار مما يصلح للاستمتاع، فالطعام متاع والبر متاع وأثاث البيت متاع، والمراد به ها هنا أوعية الطعام {وجدوا بضاعتهم ردت إليهم} اي اصابوا بضاعتهم التي كانوا وزنوها بشري الطعام قد جعلت في وسط امتعتهم، فلما رأوا ذلك {قالوا يا أبانا ما نبغي} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة: ما نطلب؟ على وجه الاستفهام. والثاني - قال الجبائي: ما نبغي: فيما أخبرناك به عن ملك مصر ليس بالكذب. ودليله ان هذه بضاعتنا ردت الينا، واجاز الفراء، والزجاج كلا الوجهين، وقولهم {ونمير أهلنا} اي نجلب لهم الميرة، والميرة الاطعمة التي تحمل من بلد الى بلد يقال: ماره يميره ميراً اذا حمل له الطعام الى بلده قال الشاعر: شعر : بعثتك مائراً فمكثت حولاً متى يأتي غياثك من تغيث تفسير : وقوله {ونزداد كيل بعير} اي ويعطينا فضل كيل بعير، لمكان أخينا {ذلك كيل يسير} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: ان ذلك كيل قليل، لا يكفينا نحتاج ان نضيف اليه كيل بعير اخينا. الثاني - قال الحسن: ان ذلك متيسر على من يكيل لنا، واليسر إتيان الخير بغير مشقة، وضده العسر. وكذلك اليسير والعسير.
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} اوعية متاعهم {وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ} ثمن مقلهم او نعالهم واديمهم {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ} استبشاراً {يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي} يعنى لا مزيد على ذلك الاحسان حيث احسن ضيافتنا ومثوانا وجعل بضاعتنا فى رحالنا {هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} اى نذهب بأخينا ونمير أهلنا {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} او نبغى من البغى اى لا نبغى ونمير اهلنا {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} بمصاحبة اخينا {ذٰلِكَ} الكيل الّذى كيل لنا {كَيْلٌ يَسِيرٌ} او ذلك الكيل المزيد على اكيالنا كيل يسير لا يضايقنا الملك فيه او هو من كلام يعقوب (ع) جواباً لبنيه وردّاً عليهم يعنى ذلك الكيل المزيد كيل يسير لا ينبغى للعاقل ان يجعل ابنه فى معرض المخاوف لمثل ذلك.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا فتحُوا مَتَاعَهم} أى حملوه من مصر، فالمراد الطعام أو أوعيته أو كليهما {وجَدُوا بِضَاعتَهم رُدَّت إليهمْ} وقرئ ردت بكسر الراء نقلا من الدال المدغمة، والجمهور يحذفون كسرها حذفا، فتبقى الراء على ضمها، ولما علم يعقوب السلام برد [البضاعة] ضرب بيده إلى رأسه مرتين وقال: واخجلتاه! قالوا: يا أبانا مالك؟ قال: [لو كان] لكم عنده قيمة ما رد عليكم بضاعتكم كذا قيل. {قالُوا يا أبانا ما نَبْغى} ما استفهامية مفعول لنبغى، أى أى شئ نطلب فوق هذا الإحسان، أكرمنا وباع لنا وردٍ بضاعتنا، قاله قتادة، أو نافية والمفعول محذوف، أى لا نطلب وراء ذلك إحسانا، فإنه لا مزيد عليه، أو نافية ونبغى بمعنى نجاوز الحد، أى لا تريد فيما ذكرنا لك من إحسانه، أو بمعنى نكذب، فإن الكذب مجاوز للحد، وطغيان أى لا تكذيب فيما ذكرنا لك من إحسانه، وما أردنا بقولنا:{أية : فأرسل معنا أخانا}تفسير : إلا الخير، ويجوز أن يكون المراد لا نطلب منك بضاعة أخرى، بل نذهب بهذه البضاعة المردودة إلينا، وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة: ما تبغى بالتاء خطابا ليعقوب، أى أى شئ تطلب وراء هذا من الإحسان، أو من الشاهد بصدقنا. {هَذِه بضَاعتُنا رُدَّت إلَينْا} مستأنفة استشهدوا به على قولهم: {ما نبغى} على القراءتين، وعلى الأوجه المذكورة كلها لا على وجه تفسير بنفى بتكذب فقط، قد يتوهم من بعض العبارات، وجملة ردت حال من بضاعة. {ونَميرُ أهْلنا} معطوف على محذوف، أى ردت إلينا فنستظهر بها، ونمير أهلنا فى رجوعنا إلى الملك، أى نأتيهم بالميرة وهى الطعام المحمول من بلد لآخر {ونَحفظُ أخَانا} بنيامين عما يضره فى ذهابنا ورجوعنا {ونَزْدادُ} نفتعل من الزيادة، قلبت التاء دالا للزاى قبلها {كيْل بَعيرٍ} لأجله على كيل أبعرتنا فى هذه المرة الثانية، فيكون جملة كيلنا فى المرتين معا اثنين وعشرين كيلا أحد عشر فى كل مرة، وقيل: المراد بهذا الكيل الذى يزدادونه كيل بعير بنيامين لأنه كان يوسف لم يكل له أول مرة حتى يحضر، وزيادته إما على كيلهم السابق، أو على الذى يريدون تجديده، وإذا جعلنا ما نافية جاز عطف الجمل على المحذوف كما مر وهو المتعين عند جعلها استفهامية، وجاز عطفهن على ما نبغى. {ذلكَ} الكيل الذى كلناه {كَيْلٌ يَسيرٌ} قليل لا يكفينا إلا بزيادة كيل أخينا، أو كلينا وكيله، أو ذلك الكيل الذى نزداده لأخينا كيل سهل لا يمنعنا الملك منه، وقد أحسن إلينا وأكرمنا بأكثر منه، وهو سخىّء أولا يمصلنا فيه، بل يتبرع بنا به فيرجع عن قريب إن شاء الله، وذلك الكيل الذى يتجدد لنا ولأخينا هيِّن وما هو الأحد عشر حمل بعير، وهى فى كرمه كحمل واحد. ويجوز على ضعف أن يكون ذلك من كلام يعقوب أوصل بكلامهم على حد ما مر فى قوله:{أية : ذلك ليعلم أنى}تفسير : الخ أى أن كيل بعير شئ حقير لا يخاطر فيه بالولد، قال: ما زالوا يتملقون له فى إرساله، ويذكرون له محاسن الملك، وسخاءه وديانته وعطيته، وأن سيرته كسيرة الأنبياء، وما يجيبهم بشئ سوى قوله:{أية : هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}تفسير : ولما أعياهم قام واحد منهم ففتح رحله، فقاموا كذلك فوجدوا بضاعتهم، فازدادوا احتجاجا عليه، فسكن قلبه بعدَ سكون إلى بعث بنيامين، ولكن لم يحبهم حتى فنى ما عنده من الطعام، ودخل الصبيان عليه يبكون من الجوع، فأجابهم بأن يرسله معهم، على أن يعطوه ميثاقا من الله كما قال الله عز وجل: {قَالَ لن أرْسِله معَكَمْ...}
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ} غرائِرهم وفرغوها إِذ التفريغ من لازم الفتح على أَن البضاعات مدخلة فى الغرائِر بلا إِخفاءِ فى الحبوب، فإِن كانت دراهم خف الأَمر، وإِن كانت جلودا فكيف تخفى فى أَفواهها، إٍلا لطفاً من الله وإِكراما ليوسف، وهذا الكلام وقع قبل قولهم يا أَبانا منع منا الكيل، والواو لا ترتب، ولا تعقب، فما مانع من أَنهم قالوه بعد الفتح، وقيل المتاع: الطعام ومعنى فتحه إِظهاره، فإِِن المتاع ما ينتفع به مأْكولا أَو غيره {وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} فى داخل غرائِرهم، وهى الأَثمان التى اشتروا بها، الإِضافة للاستغراق أَو للحقيقة، فالبضاعة بضائع، أَو عدها كلها بضاعة واحدة لم تتفرق على أَنه يكيل بعدد الرءُوس، ولو اجتمعوا على بضاعة واحدة {قالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِى} ما نافية، والمعنى ما نتعدى الحد ونظلم الملك بكفر نعمته لأَنه أَحسن ضيافتنا وأَوفى الكيل ورد علينا الثمن، أَو استفهامية مفعول لنبغى أَى شىءٍ نطلب بعد هذا الإِحسان لو كان هذا الملك رجلا من أَولاد يعقوب ما أَكرمنا هذا الإِكرام، وهو خير رجل أَنزلنا وأَكرمنا لو كان رجلا من آل يعقوب ما أَكرمنا إِكرامه، وهو أَعظم الناس ملكا، ولم نر مثله علما وحكما وخشوعا وسكينة ووقارا، وإِن كان له شبيه فهو يشبهكَ، فقال لهم يعقوب: إِذا رجعتم إِليه إِلى مصر فاقرأَوه منى السلام وقولوا له إِن أَبانا يصلى عليك ويدعو لك بما أَوليتنا، وقال لهم: أَين شمعون؟ وقالوا: ارتهنه ملك مصر لنأْتيه ببنيامين، أَو أَى دليل على إِحسانه إِلينا نطلب بعد هذا الإِحسان، وهو أَنه رد لنا بضاعتنا بعد ماأَوفانا الكيل كما قال: {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلْيْنَا} وقد فتحوا متاعهم بحضرته وأَروه البضاعة مردودة {ونَمِيرُ أَهْلَنَا} نرجع إِليه بأَخينا معها، فيظهر له صدقنا معه بإِتيانه بأَخينا، ونأْتى بالميرة إِلى أَهلنا، وهو الطعام مستعينين بالبضاعة الأُولى مع ما نضم إِليها مما يكون ثمنه لأَخينا بنيامين، وإِنفاق الأَهل واجب، ولو غاب الزوج، واستدانت زوجه فيما يجب لها عليه، بلا إِسراف، وجب عليه قضاءُ ذلك الدين، وينقض عنه ما أَسرفت به، ولو أَنفقت من مالها لم تدرك عليه فى الحكم، إِلا إِن أَشهدت على الإِدراك {ونَحْفظُ أَخَانَا} بنيامين {وَنَزْدادُ} لأَجله {كَيْلَ بَعِيرٍ} زيادة على مالنا ولشمعون من الكيل {ذَلِكَ} الكيل كيلنا الذى نرجوه بعد {كَيْلٌ يسِيرٌ} سهل عند الملك لسعة ماله مع سخائِه، استدلوا بإِحسان سابق على إِحسان مستقبل كما شهر التوسل بإِحسان سابق إِلى إِحسان لاحق، أَو ذلك الكيل الذى جئنا به يسير لا يكفينا فلا بد من الرجوع للكيل، لكن لا نجده إلا بالذهاب بأَخينا إليه، أَو لذلك المذكور من ازدياد كيل بعير بأَخينا سهل عند الملك، أَو ذلك كيل يسير من كلام يعقوب خلط بكلامهم لجواز ذلك فى الجملة كما نص عليه أبو حيان، والمعنى أنه لم يبلغ أَن يخاطر فيه بالولد، لكن لا دليل عليه هنا فلا يرتكب.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ} قال الراغب: ((المتاع كل ما ينتفع به على وجه، وهو في الآية الطعام، وقيل: الوعاء وكلاهما متاع وهما متلازمان فإن الطعام كان في الوعاء))، والمعنى على أنهم لما فتحوا أوعية طعامهم {وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ } التي كانوا أعطوها ثمناً للطعام {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } أي تفضلاً وقد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال، وقرأ علقمة ويحيـى بن وثاب والأعمش/ {ردت} بكسر الراء، وذلك أنه نقلت حركة الدال المدغمة إلى الراء بعد توهم خلوها من الضمة وهي لغة لبني ضبة كما نقلت العرب في قيل وبيع، وحكى قطرب النقل في الحرف الصحيح غير المدغم نحو ضرب زيد. {قَالُواْ } استئناف بياني كأنه قيل: ماذا قالوا حينئذ؟ فقيل: قالوا لأبيهم ولعله كان حاضراً عند الفتح {يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي} إذا فسر البغي بمعنى الطلب كما ذهب إليه جماعة ـ فما ـ يحتمل أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم ـ لنبغي ـ فالمعنى ماذا نطلب وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره والمراجعة إليه في الحوائج وقد كانوا أخبروه بذلك على ما روي أنهم قالوا له عليه السلام: إنا قدمنا على خير رجل وأنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته. وقوله تعالى: {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته كأنهم قالوا: كيف لا وهذه بضاعتنا ردها إلينا تفضلاً من حيث لا ندري بعدما من علينا بما يثقل الكواهل من الممنن العظام وهل من مزيد على هذا فنطلبه، ومرادهم به أن ذلك كاف في استيجاب الامتثال لأمره والالتجاء إليه في استجلاب المزيد، ولم يريدوا أنه كاف مطلقاً فينبغي التقاعد عن طلب نظائره وهو ظاهر. وجملة {رُدَّتْ } في موضع الحال من {بِضَـٰعَتُنَا } بتقدير قد عند من يرى وجوبها في أمثال ذلك والعامل معنى الإشارة، وجعلها خبر {هَـٰذِهِ } و ـ بضاعتنا ـ بياناً له ليس بشيء، وإيثار صيغة البناء للمفعول قيل: للإيذان بكمال الإحسان الناشيء عن كمال الإخفاء المفهوم من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعروا به ولا بفاعله، وقيل: للإيذان بتعين الفاعل وفيه من مدحه أيضاً ما فيه. وقوله تعالى: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي نجلب لهم الميرة، وهي بكسر الميم وسكون الياء طعام يمتاره الإنسان أي يجلبه من بلد إلى بلد، وحاصله نجلب لهم الطعام من عند الملك معطوف على مقدر ينسحب عليه رد البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا {وَنَحْفَظُ أَخَانَا } من المكاره حسبما وعدنا، وتفرعه على ما تقدم باعتبار دلالته على إحسان الملك فإنه مما يعين على الحفظ {وَنَزْدَادُ } أي بواسطته ولذلك وسط الإخبار به بين الأصل والمزيد {كَيْلَ بَعِيرٍ } أي وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا على قضية التقسيط المعهود من الملك، والبعير في المشهور مقابل الناقة، وقد يطلق عليها وتكسر في لغة باؤه ويجمع على أبعرة وبعران وأباعر، وعن مجاهد تفسيره هنا بالحمار وذكر أن بعض العرب يقول للحمار بعير وهو شاذ. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ كَيْلٌ } أي مكيل {يَسِيرٌ } أي قليل لا يقوم بأودنا يحتمل أن يكون إشارة إلى ما كيل لهم أولاً، والجملة استئناف جيء بها للجواب عما عسى أن يقال لهم: قد صدقتم فيما قلتم ولكن ما الحاجة إلى التزام ذلك وقد جئتم بالطعام؟ فكأنهم قالوا: إن ما جئنا به غير كاف لنا فلا بد من الرجوع مرة أخرى وأخذ مثل ذلك مع زيادة ولا يكون ذلك بدون استصحاب أخينا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تحمله أباعرهم، والجملة استئناف وقع تعليلاً لما سبق من الازدياد كأنه قيل: أي حاجة إلى الازدياد؟ فقيل: إن ما تحمله أباعرنا قليل لا يكفينا، وقيل: المعنى أن ذلك الكيل الزائد قليل لا يضايقنا فيه الملك أو سهل عليه لا يتعاظمه، وكأن الجملة على هذا استئناف جيء به لدفع ما يقال: لعل الملك لا يعطيكم فوق العشرة شيئاً/ ويرى ذلك كثيراً أو صعباً عليه وهو كما ترى، وجوز أن يكون ذلك إشارة إلى الكيل الذي هم بصدده وتضمنه كلامهم وهو المنضم إليه كيل البعير الحاصل بسبب أخيهم المتعهد بحفظه كأنهم لما ذكروا ما ذكروا صرحوا بما يفهم منه مبالغة في استنزال أبيهم فقالوا: ذلك الذي نحن بصدده كيل سهل لا مشقة فيه ولا محنة تتبعه، وقد يبقى الكيل على معناه المصدري والكلام على هذا الطرز إلا يسيراً. وجوز بعضهم كون ذلك من كلام يعقوب عليه السلام والإشارة إلى كيل البعير أي كيل بعير واحد شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد، وكان الظاهر على هذا ذكره مع كلامه السابق أو اللاحق، وقيل: معنى {مَا نَبْغِى } أي مطلب نطلب من مهماتنا، والجمل الواقعة بعده توضيح وبيان لما يشعر به الإنكار من كونهم فائزين ببعض المطالب أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا: هذه بضاعتنا حاضرة فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا من المكروه ونزداد بسببه غير ما نكتاله لأنفسنا كيل بعير فأي شيء نبغي وراء هذه المباغي، وما ذكرنا من العطف على المقدر هو المشهور. وفي «الكشف» لك أن تقول: إن {نمير} وما تلاه معطوف على مجموع {مَا نَبْغِى} والمعنى اجتماع هذين القولين منهم في الوجود ولا يحتاج إلى جامع وراء ذلك لكونهما محكيين قولاً لهم على أنه حاصل لاشتراك الكل في كونه لاستنزال يعقوب عليه السلام عن رأيه وأن الملك إذا كان محسناً كان الحفظ أهون شيء، والاستفهام لرجوعه إلى النفي لا يمنع العطف ووافقه في ذلك بعضهم. وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة {ما تبغي} بتاء الخطاب؛ وروت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك عن النبـي صلى الله عليه وسلم، والخطاب ليعقوب عليه السلام، والمعنى أي شيء وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة ذات أيدينا أو وراء ما فعل معنا الملك من الإحسان داعياً إلى التوجه إليه، والجملة المستأنفة موضحة أيضاً لذلك أو أي شيء تبغي شاهداً على صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه، والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد المدلول عليه بفحوى الإنكار، ويحتمل أن تكون {مَا } نافية ومفعول {نَبْغِى } محذوف أن ما نبغي شيئاً غير ما رأيناه من إحسان الملك في وجوب المراجعة إليه أو ما نبغي غير هذه المباغي، والقول بأن المعنى ما نبغي منك بضاعة أخرى نشتري بها ضعيف، والجملة المستأنفة على كل تقدير تعليل للنفي، وإما إذا فسر البغي بمجاوزة الحد ـ فما ـ نافية فقط، والمعنى ما نبغي في القول ولا نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الموجب لما ذكر، والجملة المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي، وقوله: {وَنَمِيرُ } الخ عطف على {مَا نَبْغِى } أي لا نبغي فيما نقول ونمير ونفعل كيت وكيت فاجتمع أسباب الإذن في الإرسال، والأول كالتمهيد والمقدمة للبواقي والتناسب من هذا الوجه لأن الكل متشاركة في أن المطلوب يتوقف عليها بوجه ما، على أنه لو لم يكن غير الاجتماع في المقولية لكفى على ما مر آنفاً عن "الكشف". وجوز كونه كلاماً مبتدأ أي جملة تذييلية اعتراضية كقولك: فلان ينطق بالحق والحق أبلج كأنه قيل: وينبغي أن نمير، ووجه التأكيد الذي يقتضيه التذييل أن المعنى أن الملك محسن ونحن محتاجون ففيم التوقف في الإرسال وقد تأكد موجباه؟، وقال العلامة الطيبـي: إنما صح التأكيد والتذييل لأن الكلام في الامتيار وكل من الجمل بمعناه أو المعنى: {مَا نَبْغِى } في الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير به عليك من إرسال/ أخينا معنا، والجمل كلها للبيان أيضاً إلا أن ثم محذوفاً ينساق إليه الكلام أي بضاعتنا حاضرة نستظهر بها ونمير أهلنا ونصنع كيت وذيت وهو على ما قيل: وجه واضح حسن يلائم ما كانوا فيه مع أبيهم فتأمل هذا. وقرأت عائشة وأبو عبد الرحمن {ونمير} بضم النون، وقد جاء مار عياله وأمارهم بمعنى كما في "القاموس".
ابن عاشور
تفسير : أصل المتاع ما يتمتع به من العروض والثياب. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } تفسير : في سورة النساء (102). وأطلق هنا على إعدال المتاع وإحماله من تسمية الشيء باسم الحالّ فيه. وجملة {قالوا يا أبانا} مستأنفة استئنافاً بيانياً لترقب السامع أن يعلم ماذا صدر منهم حين فجأهم وجدان بضاعتهم في ضمن متاعهم لأنه مفاجأة غريبة، ولهذه النكتة لم يعطف بالفاء. و{ما} في قوله: {ما نبغي} يجوز أن يكون للاستفهام الإنكاري بتنزيل المخاطب منزلة من يتطلب منهم تحصيل بغية فينكرون أن تكون لهم بغية أخرى، أي ماذا نطلب بعد هذا. ويجوز كون {ما} نافية، والمعنى واحد لأن الاستفهام الإنكاري في معنى النفي. وجملة {هذه بضاعتنا ردت إلينا} مبينة لجملة {ما نبغي} على الاحتمالين. وإنما علموا أنها رُدّت إليهم بقرينة وَضْعها في العِدل بعد وضع الطعام وهم قد كانوا دفعوها إلى الكيالين، أو بقرينة ما شاهدوا في يوسف ــــ عليه السلام ــــ من العطف عليهم، والوعد بالخير إن هم أتوا بأخيهم إذ قال لهم { أية : ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين } تفسير : [سورة يوسف: 59]. وجملة {ونمير أهلنا} معطوفة على جملة {هذه بضاعتنا ردت إلينا}، لأنها في قوة هذا ثمن ما نحتاجه من الميرة صَار إلينا ونمير به أهلنا، أي نأتيهم بالميرة. والميرة ــــ بكسر الميم بعدها ياء ساكنة ــــ: هي الطعام المجلوب. وجملة {ونحفظ أخانا} معطوفة على جملة {ونمير أهلنا}، لأن المير يقتضي ارتحالاً للجلب، وكانوا سألوا أباهم أن يكون أخوهم رفيقاً لهم في الارتحال المذكور، فكانت المناسبة بين جملة {ونمير أهلنا} وجملة {ونحفظ أخانا} بهذا الاعتبار، فذكروا ذلك تطميناً لخاطر فيهم. وجملة {ونزداد كيل بعير} زيادةٌ في إظهار حرصهم على سلامة أخيهم لأن في سلامته فائدة لهم بازدياد كيل بعير، لأن يوسف ــــ عليه السلام ــــ لا يعطي الممتارَ أكثر من حمل بعير من الطعام، فإذا كان أخوهم معهم أعطاه حِمل بعير في عداد الإخوة. وبه تظهر المناسبة بين هذه الجملة والتي قبلها. وهذه الجمل مرتبة ترتيباً بديعاً لأن بعضها متولد عن بعض. والإشارة في {ذلك كيل يسير} إلى الطعام الذي في متاعهم. وإطلاق الكيل عليه من إطلاق المصدر على المفعول بقرينة الإشارة. قيل: إن يعقوب ــــ عليه السلام ــــ قال لهم: لعلهم نسوا البضاعة فإذا قدمتم عليهم فأخبروهم بأنكم وجدتموها في رحالكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 65- وكان إخوة يوسف يجهلون أن يوسف وضع أموالهم فى حقائبهم، فلما فتحوها ووجدوا الأموال عرفوا جميل ما صنع بهم يوسف، وتذرعوا بذلك إلى بث الطمأنينة فى قلب يعقوب، وإقناعه بالاستجابة إلى ما طلب العزيز وبالغوا فى استمالته، فذكروه بما بينه وبينهم من رباط الأبوة، فقالوا: يا أبانا أى شئ تريده أجمل مما جرى وينتظر أن تجرى به الأحداث؟ هذه أموالنا أعيدت إلينا دون أن يحتجز منها شئ، فنسافر مع أخينا ونجلب الميرة لأهلنا، ونرعى أخانا، ويزيد ميرتنا حمل بعير لحق أخينا، فقد رسم العزيز أن يعطى الرجل حمل بعير. 66- ونجحت محاولة أبناء يعقوب فى إقناعه، وأثَّر مقالهم فيه، فنزل عن التشدد فى احتجاز ابنه وحبسه عن الذهاب مع إخوته إلى مصر، ولكن قلبه لا يزال فى حاجة إلى ما يزيد اطمئنانه ولذلك قال لهم: لن أبعثه معكم إلا بعد أن تعطونى ضماناً قوياً، فتعاهدوا الله عهداً موثقاً أن تعيدوه إلىّ، وألا يمنعكم عن ردِّه إلا أن تُهلكوا أو يحيط بكم عدو يغلبكم عليه. فاستجابوا له، وقدَّموا ما طلب من المواثيق، وعندئذ أشهد الله على عهودهم وأيمانهم بقوله: الله على ما دار بيننا مطلع رقيب. 67- اطمأن يعقوب إلى عهد أبنائه، ثم دفعته الشفقة عليهم إلا أن يوصيهم عند دخولهم مصر بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، لكيلا يلفتوا الأنظار عند دخولهم، ولا تترقبهم الأعين، وقد يكون ما يسيئهم، وليس فى قدرتى أن أدفع عنكم أذى، فالدافع للأذى هو الله وله - وحده - الحكم، وقد توكلت عليه وفوضت إليه أمرى وأمركم، وعليه - وحده - يتوكل الذين يفوضون أمورهم إليه مؤمنين به.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَتَاعَهُمْ} {بِضَاعَتَهُمْ} {يٰأَبَانَا} {بِضَاعَتُنَا} (65) - وَلَمَّا فَتَحَ إِخْوَةُ يُوسُفَ مَتَاعَهُمْ، وَالأَحْمَالَ التِي جَاؤُوا بِهَا مِنْ مِصْرَ، وَجَدُوا البِضَاعَةَ التِي ذَهَبُوا بِهَا إِلى مِصْرَ لِيَمْتَارُوا بِهَا بَيْنَ مَتَاعِهِمْ، فَقَالُوا لأَِبِيهِمْ: مَاذَا نَطْلُبُ وَرَاءَ مَا وَصَفْنَا لَكَ مِنْ إِحْسَانِ المَلِكِ إِلَيْنَا، وَكَرَمِهِ الذِي يُوجِبُ عَلَينا امْتِثَالَ أَمْرِهِ، فَقَدْ أَوْفَى العَزِيزُ لَنَا الكَيْلَ، وَرَدَّ بِضَاعَتَنَا إِلَيْنَا، فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا، وَسَنَحْصلُ عَلَى المِيرَةِ لأَِهْلِنا، وَنَحْفَظُ أَخَانَا مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهُ، وَنَحْصلُ عَلَى حِملِ بَعِيرٍ زِيَادَةً عَنِ المَرَّةِ السَّابِقَةِ، لأَِنَّ المَلِكَ يُعْطِي لِكُلِّ شَخْصٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، وَهُوَ أَمْرٌ سَهْلٌ يَسيرٌ لاَ صُعُوبَةَ فِيهِ لَدَى مَلِكِ مِصْرَ. نَمِيرُ أَهْلَنَا - نَجْلُبُ لَهُمُ المِيرَةَ وَالطَّعَامَ مِنْ مِصْرَ. مَتَاعَهُمْ - طَعَامَهُمْ أَوْ رِحَالَهُمْ. مَا نَبْغِي - مَا نَطْلُبُ مِنَ الإِحْسَانِ بَعْدَ ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا اكتشفوا أن بضائعهم التي حملوها معهم في رحلتهم إلى مصر ليقايضوا بها ويدفعوها ثمناً لِمَا أرادوا الحصول عليه من طعام ومَيْرة قد رُدَّتْ إليهم؛ وأعلنوا لأبيهم أنهم لا يرغبون أكثر من ذلك؛ فهم قد حصلوا على المَيْرة التي يتغذَّوْنَ بها هم وأهاليهم. ولا بُدَّ أن يصحبوا أخاهم في المرة القادمة، ولسوف يحفظونه، ولسوف يعودون ومعهم كيْل زائد فوق بعير، وهذا أمر هَيِّن على عزيز مصر. ولكن والدهم يعقوب عليه السلام قال ما أورده الحق سبحانه هنا: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} معناهُ نَأتِيهُم بِالطَّعامِ. تفسير : وقوله تعالى: {كَيْلَ بَعِيرٍ} معناهُ حِمْلُ بَعيرٍ.
الأندلسي
تفسير : {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} الآية، ما نبغي استفهامية أي شىء نبغي ونطلب من الكرامة هذه أموالنا ردت إلينا وكانوا قالوا لأبيهم قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب وما أكرمنا كرامته والجملة من قوله: هذه بضاعتنا ردت إلينا، موضحة لقولهم: ما نبغي والجمل بعدها معطوفة عليها على تقدير فنستظهر بها أو نستعين بها. {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} في رجوعنا إلى الملك. {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} فلا يصيبه شىء مما تخافه وكرر حفظ الأخ مبالغة في الحض على إرساله. {وَنَزْدَادُ} باستصحاب أخينا وسق بعير على أوساق بعيرنا لأنه إنما كان حمل لهم عشرة أبعرة ولم يحمل الحادي عشر لغيبة صاحبه والإِشارة بذلك الظاهر اما إلى كيل بعير أي يسير بمعنى يجيبنا إليه الملك ولا يضايقنا فيه قال الزمخشري: أي ذلك مكيل قليل لا يكفينا يعني ما يكال لهم فازدادوا إليه ما يكال لأخيهم ويجوز أن يكون من كلام يعقوب أي حمل بعير واحد شىء يسير لا يخاطر لمثله بالولد كقوله: ذلك ليعلم "انتهى". يعني ظاهر الكلام أنه من كلامهم وهو من كلام يعقوب كما أن قوله: ذلك ليعلم ظاهره أنه من كلام امرأة العزيز وهو من كلام يوسف وهذا كله تحميل للفظ القرآن ما يبعد تحميله وفيه مخالفة الظاهر لغير دليل ولما كان يعقوب غير مختار لإِرسال ابنه وألحوا عليه في ذلك علق إرساله بأخذ الموثق عليهم وهو الحلف بالله إذ به تؤكد العهود وتشدّد. {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} جواب للحلف لأن معنى بحتى تؤتون موثقاً حتى تحلفوا إلى لتأتنني به وقوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والمعنى تعمكم الغلبة عن جميع الجهات حتى لا تكون لكم حياة ولا وجه مخلص وهذا الاستثناء من المفعول من أجله مراعى في قوله: لتأتنني وان كان مثبتاً بمعنى النفي لأن المعنى لا تمتنعون من الإِتيان به لشىء من الأشياء إلا أن يحاط بكم ومثاله من المثبت في اللفظ ومعناه النفي قولهم: أنشدك الله إلا فعلت أي ما أنشدك إلا الفعل وفي الكلام حذف تقديره فأجابوه إلى ما طلب. {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ} يعقوب. {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ} من طلب الموثق وإعطائه. {وَكِيلٌ} رقيب مطلع ونهيه إياهم أن يدخلوا من باب واحد وهو خشية العين وكانوا أحد عشر كرجل واحد أهل جمال وبسطة قاله ابن عباس: والعين حق وفي الحديث حديث : أن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر تفسير : وفي التعوذ من كل عين لامة ويظهر أن خوفه عليهم من العين في هذه الكرة بحسب أن محبوبه فيهم وهو بنيامين الذي كان يتسلى به عن شقيقه يوسف ولم يكن فيهم في الكرة الأولى فأهمل أمرهم ولم يحتفل بهم لسوء صنيعهم في يوسف. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي هو الذي يحكم وحده وينفذ ما يريد فعليه وحده توكلت ومن حيث أمرهم أبوهم أي من أبواب متفرقة روي أنهم لما ودعوا أباهم قال لهم: بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له: ان أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا وفي كتاب أبي منصور الهمداني أنه خاطبه بكتاب قرىء على يوسف صلى الله عليه وسلم فبكى وجواب لما قوله: {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} وفيه حجة لمن زعم أن لما حرف وجوب لوجوب لا ظرف زمان بمعنى حين إذ لو كان ظرف زمان جاز أن يكون معمولاً لما بعدما النافية لا يجوز حين قام زيد ما قام عمرو ويجوز لما قام زيد ما قام عمرو فدل ذلك على أن لما حرف يترتب جوابه على ما بعده. {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ} يعني لقوله: ان الحكم إلا لله وما بعده وعلمه بأن القدر لا يرفعه الحذر وهذا ثناء من الله تعالى على يعقوب عليه السلام. {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} روي أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به فقال: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي فأنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف عليه السلام بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكلهم وقال: أنتم عشرة فلينزل كل اثنين منكم بيتاً وهذا إلا ثاني معه فيكون معي وبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده فقال لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك فقال: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه، وقال: أنا أخوك يوسف. {فَلاَ تَبْتَئِسْ} فلا تحزن. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بنا فيما مضى فإِن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير فلا تعلمهم بما أعلمتك وعن ابن عباس تعرف إليه أنه أخوه وهو الظاهر قال ابن عطية: ويحتمل أن يشير بقوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السقاية ونحو ذلك "انتهى". ولا يحتمل ذلك لأنه لو كان التركيب بما يعملون بغير كانوا لأمكن على ما بعده لأن الكلام إنما هو مع أخوة يوسف وأما ذكر فتيانه فبعيد جداً لأنه لم يتقدم لهم ذكر إلا في قوله: قال لفتيانه وقد حال بينهما قصص واتسق الكلام مع الأخوة اتساقاً لا ينبغي أن يعدل عن أن الضمير عائد إليهم وإن ذلك إشارة إلى ما كان يلقي منهم قديماً من الأذى إذ قد أمن من ذلك باجتماعه بأخيه يوسف والظاهر أن الذي جعل السقاية في رحل أخيه هو يوسف ويظهر من حيث كونه ملكاً أنه لم يباشر ذلك بنفسه بل أمر غيره من فتيانه أو غيرهم أن يجعلها وقال ابن عمر وابن عباس وجماعة السقاية إناء يشرب به الملك وبه كان يكال الطعام للناس. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي نادى منادٍ اذن أعلم وأذن أكثر الاعلام ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه وثم تقتضي مهلة بين جعل السقاية والتأذين فروي أنه لما فصلت العير بأوقارها وخرجوا من مصر أدركوا وقيل لهم: ذلك والظاهر أن العير الإِبل وقال مجاهد: كانت دوابهم حميراً ومناداة العير والمراد أصحابها كقوله: يا خيل الله اركبي ولذلك جاء الخطاب. {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فروعي المحذوف ولم يراع العير كما روعي في اركبي وفي قوله: والعير التي أقبلنا فيها ويجوز أن يطلق العير على القافلة أو الرفقة فلا يكون من مجاز الحذف. {قَالُواْ} أي إخوة يوسف. {وَأَقْبَلُواْ} جملة حالية أي وقد أقبلوا. {عَلَيْهِمْ} أي على طالبي السقاية أو على المؤذن إن كان أريد به جمع كأنه جعل مؤذنين ينادون وساءهم أن يرموا بهذه المثلبة العظيمة وقالوا: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} ليقع التفتيش فتظهر براءتهم واحتمل أن تكون ماذا استفهاماً في موضع نصب بتفقدون واحتمل أن يكون ما وحدها استفهاماً مبتدأ وذا موصولة بمعنى الذي خبر عن ما وتفقدون صلة لذا والعائد محذوف أي تفقدونه. و{صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ} هو المكيال وهو السقاية سماه أولاً بإِحدى جهتيه وآخراً بالثانية. {وَلِمَن جَآءَ بِهِ} أي لمن دل على سارقه وفضحه وهذا جعل. {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} من كلام المؤذن أي وأنا بحمل البعير كفيل أودية إلى من جاء به وأراد به وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله. {قَالُواْ تَٱللَّهِ} اقسموا بالتاء من حروف القسم لأنها يكون فيها التعجب غالباً كأنهم عجبوا من رميهم بهذا الأمر العظيم وروي أنهم ردوا البضاعة التي وجدوها في الرمال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن وكانوا قد اشتهروا بمصر بصلاح وعفة وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه ابلهم لئلا تنال زرع الناس فأقسموا على إثبات شىء قد علموه منهم وهو أنكم قد علمتم أن مجيئنا لم يكن لفساد ثم استأنفوا الاخبار عن نفي السرقة عنهم وأن ذلك لم يوجد منهم قط. قال ابن عطية: والتاء في تالله بدل مما وكما أبدلت في تراث وفي التوراة والتخمة ولا تدخل التاء في القسم إلا في الله من بين أسمائه تعالى وغير ذلك لا تقول تا الرحمن وتا الرحيم "انتهى". أما قوله والتاء في تالله بدل من واو فهو قول أكثر النحويين وقال السهيلي: انها أصل بنفسها وليست بدلاً من واو وأما قوله: وفي التوراة فعلى مذهب البصريين إذ زعموا أن الأصل ووراه من ورى الزند ومن النحويين من زعم أن التاء زائدة وذلك مذكور في النحو وأما قوله: فلا تدخل إلى آخره فقد حكي عن العرب دخولها على الرب وعلى الرحمن وعلى حياتك قالوا: ترب الكعبة وتالرحمن وتحياتك والظاهر اتحاد الضمائر في قوله: {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} إذ التقدير إذ ذاك قالوا: جزاء الصاع أي سرقته من وجد الصاع في رحله وقولهم: جزاؤه من وجد في رحله كلام من لم يشك أنهم برآء مما رموا به ولاعتقادهم البراءة علقوا الحكم على وجدان الصاع لا على سرقته وجزاؤه مبتدأ ومن مبتدأ فإِن كانت شرطية فوجد في رحله الخبر وجواب الشرط فهو جزاؤه وإن كانت موصولة فوجد في رحله صلتها وفهو جزاؤه في موضع خبرها، قال ابن عطية: والضمير في قالوا جزاؤه للسارق وهذا لا يصح لخلو الجملة الواقعة خبر جزاؤه من رابط وقال الزمخشري: المعنى قالوا: جزاء سرقته ويكون جزاؤه مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره على إقامة الظاهر فيها مقام المضمر والأصل جزاؤه من وضع في رحله فهو هو فوضع الجزاء موضع هو كما تقول لصاحبك من أخو زيد فتقول أخوه من يقعد إلى جنبه فهو هو يرجع الضمير الأول إلى من والثاني إلى الأخ ثم تقول فهو أخوه مقيماً للمظهر مقام المضمر ووضع الظاهر موضع المضمر للربط إنما هو فصيح في مواضع التفخيم والتهويل وغير فصيح فيما سوى ذلك نحو زيد قام زيد وينزه القرآن عنه وقال الزمخشري أيضاً: جزاؤه خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه ثم افتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه كما تقول من يستفتي في جزاء صيد الحرم جزاء صيد الحرم ثم تقول ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم وهو متكلف إذ تصير الجملة من قوله المسؤول عنه جزاؤه وعلى هذا التقدير ليس فيه كبير فائدة إذ قد علم من قوله فما جزاؤه ان الشىء المسؤول عنه جزاء سرقته فأي فائدة في نطقهم بذلك وكذلك القول في المثال الذي مثل به من قول المستفتي ومعنى فهو جزاؤه أي فاستعباده إذ كانت عادتهم استعباد السارق. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الجزاء وهو الاسترقاق. {نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي بالسرقة وهو ديننا وسنتنا في أهل السرقة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 410 : 30 : 48 - سفين {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} قال، يعطيهم على عدة الرجال الذين كانوا يأتونه. [الآية 65]. 411 : 31 : 13 - سفين عن رجل عن مجاهد {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} قال، حمل -. [الآية 65].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):