Verse. 1665 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَلَمَّا دَخَلُوْا عَلٰي يُوْسُفَ اٰوٰۗى اِلَيْہِ اَخَاہُ قَالَ اِنِّىْۗ اَنَا اَخُوْكَ فَلَا تَبْتَىِٕسْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۶۹
Walamma dakhaloo AAala yoosufa awa ilayhi akhahu qala innee ana akhooka fala tabtais bima kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولما دخلوا على يوسف آوى» ضم «إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس» تحزن «بما كانوا يعملون» من الحسد لنا وأمره ألا يخبرهم وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده.

69

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنهم لما أتوه بأخيه بنيامين أكرمهم وأضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدة ثم أمر أن ينزل منهم كل اثنين بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معي فآواه إليه، ولما رأى يوسف تأسفه على أخ له هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال: من يجد أخاً مثلك ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه وقال: إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } أي أنزله في الموضع الذي كان يأوي إليه. وقوله: {إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } فيه قولان: قال وهب: لم يرد أنه أخوه من النسب، ولكن أراد به إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس لئلا تستوحش بالتفرد. والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد تعريف النسب، لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة، فلا وجه لصرفه عنها إلى المجاز من غير ضرورة. وأما قوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ } فقال أهل اللغة: تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس. وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فيه وجوه: الأول: المراد بما كانوا يعملون من إقامتهم على حسدنا والحرص على انصراف وجه أبينا عنا، الثاني: أن يوسف عليه السلام ما بقي في قلبه شيء من العداوة وصار صافياً مع إخوته، فأراد أن يجعل قلب أخيه صافياً معه أيضاً، فقال: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لا تلتفت إلى ما صنعوه فيما تقدم، ولا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي أقدموا عليها. الثالث: أنهم إنما فعلوا بيوسف ما فعلوه، لأنهم حسدوه على إقبال الأب عليه وتخصيصه بمزيد الإكرام، فخاف بنيامين أن يحسدوه بسبب أن الملك خصه بمزيد الإكرام، فأمنه منه وقال: لا تلتفت إلى ذلك فإن الله قد جمع بيني وبينك. الرابع: روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا يعيرون يوسف وأخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام، وأن أم يوسف امرأت يوسف فسرق جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها. فقال له: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي من التعيير لنا بما كان عليه جدنا. والله أعلم. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ } وقد مضى الكلام في الجهاز والرحل، أما السقاية فقال صاحب «الكشاف»: مشربة يسقي بها وهو الصواع قيل: كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعاً يكال به، وهو بعيد لأن الإناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعاً، وقيل: كانت الدواب تسقى بها ويكال بها أيضاً وهذا أقرب، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب، وقيل: كانت من ذهب، وقيل: كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضاً بعيد لأن الآنية التي يسقى الدواب فيها لا تكون كذلك، والأولى أن يقال: كان ذلك الإناء شيئاً له قيمة، أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا. ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } يقال: أذنه أي أعلمه وفي الفرق بين أذن وبين أذن وجهان: قال ابن الأنباري: أذن معناه أعلم إعلاماً بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون إعلاماً واحداً من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع، وقال سيبويه: أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما، والتأذين معناه: النداء والتصويت بالإعلام. وأما قوله تعالى: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل خاصة باطل، وقيل: العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء، وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف. إذا عرفت هذا فنقول: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ } المراد أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي وقرأ ابن مسعود: {وَجَعَلَ ٱلسّقَايَةَ } على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }. فإن قيل: هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواماً وينسبهم إلى السرقة كذباً وبهتاناً، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة. قلنا: العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له: إني أريد أن أحبسك ههنا، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنباً. والثاني: أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك. والثالث: أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذباً. الرابع: ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها ثم إن إخوة يوسف {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي {تَفْقِدُونَ } من أفقدته إذا وجدته فقيداً قالوا تفقد صواع الملك. قال صاحب «الكشاف»: قرىء صواع وصاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها، والعين معجمة وغير معجمة. قال بعضهم جمع صواع صيعان، كغراب وغربان، وجمع صاع أصواع، كباب وأبواب. وقال آخرون: لا فرق بين الصاع والصواع، والدليل عليه قراءة أبي هريرة: {قَالُواْ نَفْقِدُ صاعَ ٱلْمَلِكُ } وقال بعضهم: الصواع اسم، والسقاية وصف، كقولهم: كوز وسقاء، فالكوز اسم والسقاء وصف. ثم قال: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } أي من الطعام {أَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } قال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي أذن. وتفسير زعيم كفيل. قال الكلبي: الزعيم الكفيل بلسان أهل اليمن. وروى أبو عبيدة عن الكسائي: زعمت به تزعم زعماً وزعامة. أي كفلت به، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: « حديث : الزعيم غارم » تفسير : . فإن قيل: هذه كفالة بشيء مجهول؟ قلنا: حمل بعير من الطعام كان معلوماً عندهم، فصحت الكفالة به إلا أن هذه الكفالة مال لرد سرقة، وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف، ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه، فأطلعه على شأنه وما جرى له، وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس، أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززاً مكرّماً معظماً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَى } ضم {إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّى أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ } تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الحسد لنا، وأمره أن لا يخبرهم وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولما دخلوا على يوسف أوى إليه أخاه}قال قتادة: ضمّهُ إليه وأنزله معه. {قال إني أنا أخوك} فيه وجهان: أحدهما: أنه أخبره أنه يوسف أخوه، قاله ابن إسحاق. الثاني: أنه قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، قاله وهب. {فلا تبتئس بما كانوا يعملون} فيه وجهان: أحدهما: فلا تأسف، قاله ابن بحر. الثاني: فلا تحزن بما كانوا يعملون. وفيه وجهان: أحدهما: بما فعلوه في الماضي بك وبأخيك. الثاني: باستبدادهم دونك بمال أبيك.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنَاْ أَخُوكَ} مكان أخيك الهالك، أو أخوك يوسف {فَلا تَبْتَئِسْ} لا تحزن، أو لا تأيس. {يَعْمَلُونَ} بك وبأخيك فيما مضى، أو باستبدادهم دونك بمال أبيك.

النسفي

تفسير : {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } ضم إليه بنيامين. وروي أنهم قالوا له هذا أخونا قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم فأنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وعانقه ثم {قَالَ } له {إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } يُوسُف {فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير ولا تعلمهم بما أعلمتك وروي أنه قال له فأنا لا أفارقك. قال لقد علمت اغتمام والدي بي فإن حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك ألا أن أنسبك إلا ما لا يحمد. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك. قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم فقال: افعل {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } هيأ أسبابهم وأوفى الكيل لهم {جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ } السقاية هي مشربة يُسقى بها وهي الصواع. قيل: كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعاً يكال به لعزة الطعام وكان يشبه الطاس من فضة أو ذهب {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } ثم نادى مناد آذنه أي أعلمه، وأذن أكثر الأعلام ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه. روي أنهم ارتلحوا وأمهلهم يوسف عليه السلام حتى انطلقوا ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ثم قيل لهم {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ } هي الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء والمراد أصحاب العير {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } كناية عن سرقتهم إياه من أبيه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف على يوسف قالوا أيها الملك هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به فقال لهم أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي ثم أنزلهم وأكرم نزلهم ثم إنه أضافهم وأجلس كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال لهم يوسف لقد بقي هذا وحده فقالوا كان له أخ فهلك قال لهم أجلسه معي فأخذه فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله فلما كان الليل أمرهم بمثل ذلك وقال كل اثنين منكم ينامان على فراش واحد فبقي بنيامين وحده فقال يوسف هذا ينام عندي على فراشي فنام بنيامين مع يوسف على فراشه فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح فلما أصبح قال لهم إني أرى هذا الرجل وحيداً ليس معه ثان وسأضمه إليّ فكيون معي في منزلي ثم إنه أنزلهم وأجرى عليهم الطعام فقال روبيل ما رأينا مثل هذا فذلك قوله آوى إليه أخاه يعني ضمه وأنزله معه في منزله فلما خلا به قال له يوسف ما اسمك قال بنيامين قال وما بنيامين قال ابن المشكل وذلك أنه لما ولدته أمه هلكت قال وما اسم أمك قال راحيل قال فهل لك من ولد قال عشر بنين قال فهل لك من أخ لأمك قال كان لي أخ فهلك قال يوسف أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال بنيامين ومن يجد أخاً مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه الصلاة والسلام وقام إليه وعانقه و{قال} له {إني أنا أخوك} يعني يوسف {فلا تبتئس} يعني لا تحزن وقال أهل اللغة تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس {بما كانوا يعملون} يعني فلا تحزن بشيء فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا ونجانا من الهلاك وجمع بيننا، وقيل: إن يوسف صفح عن إخوته وصفا لهم فأراد أن يجعل قلب أخيه بنيامين مثل قبله صافياً عليهم ثم قال يوسف لأخيه بنيامين لا تعلم إخوتك بشيء مما أعلمتك به ثم إنه أوفى لإخوته الكيل وزاد لكل واحد حمل بعير ولبنيامين حمل بعير باسمه ثم أمر بساقية الملك فجعلت في رحل أخيه بنيامين، قال السدي: وهو لا يشعر وقال كعب: لما قال له يوسف إني أنا أخوك قال بنيامين أنا لا أفارقك فقال يوسف قد علمت اغتمام والدي عليّ فإذا حبستك عندي ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحمد قال لا أبالي فافعل ما بدا لك فإني لا أفارقك قال فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليكم بالسرقة ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك قال فافعل ما شئت.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أني أنا أخوك} بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع. {نرفع درجات من نشاء} بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب. بالنون وبالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون وعلى الإضافة. {فلما استيأسوا} وبابه بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة الباقون: بياء ثم همزة على الأصل {لي أبي} بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي. الوقوف: {يعملون} ه {لسارقون} ه {تفقدون} ه {زعيم} ه {سارقين} ه {كاذبين} ه {فهو جزاؤه} ط {الظالمين} ه {من وعاء أخيه} ط {ليوسف} ط {يشاء الله} ط لأن ما بعده مستأنف {نشاء} ط {عليم} ه {من قبل} ط {مكاناً} ج {تصفون} ه {مكانه} ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين} ه عنده لا لتعلق "إذا" بما قبلها {لظالمون} ه {نجيا} ط {يوسف} ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب {يحكم الله لي} ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال {الحاكمين} ه {سرق} ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل {حافظين} ه {أقبلنا فيها} ط لاختلاف الجملتين والابتداء بأنّ: {لصادقون} ه {أمراً} ط {جميل} ط {جميعاً} ط {الحكيم} ه. التفسير: روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه. فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته. ثم أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معى فآواه إليه أي أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه: فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح. ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و {قال إني أنا أخوك} قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش. وقال ابن عباس وسائر المفسرين: أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة {فلا تبتئس} افتعال من البؤس الشدّة والضر أراد نهيه عن اجتلاب الحزن {بما كانوا يعملون} من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي أقدموا عليها. يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك. فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس يحسن. قال: أنا راض بما رضيت. قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك أنك قد سرقته فذلك قوله سبحانه {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه} والسقاية مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعاً يكال به. وكان مستطيلاً من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعاً بالجواهر أقوال {ثم أذن مؤذن} نادى منادٍ ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد التكثير أو التصويب بالنداء {أيتها العير} أراد أصحاب العير كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا خيل الله اركبي"تفسير : والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء. وقيل: هي قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها "فعل" بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء كما في "بيض" ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم برآء؟ وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا السقاية غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، أو المراد أنهم سرقوا يوسف عليه السلام من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقاً وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ذلك. ثم إن إخوة يوسف {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك} قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف {ولمن جاء به} أي بالصواع {حمل بعير} من طعام جعلاً لمن حصله {وأنا به زعيم} كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم أيضاً إذا كان معلوماً فكأن حمل بعير كان عندهم شيئاً معلوماً كوسق مثلاً إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم {قالوا تالله} التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل. حلفوا على أمرين معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفاً من أن تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة. {قالوا} أي أصحاب يوسف: {فما جزاؤه} قال في الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟ قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى {قالوا جزاؤه من وجد في رحله} أي جزاؤه الرق. قال الزجاج: وقوله {فهو جزاؤه} زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى "من" ولكنه وضع المظهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة. وجوز في الكشاف أن يكون {جزاؤه} خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه. أما قوله: {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء {نجزي الظالمين} فيحتمل أن يكون من بقية كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم. ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به. قال قتاة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً. فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر. {ثم استخرجها} أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث. {من وعاء أخيه} فأخذوا برقبته وحكموا برقيته. ثم قال سبحانه {كذلك} أي مثل ذلك الكيد العظيم {كدنا ليوسف} يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه. والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه تعالى محمولة على النهايات لا على البدايات. وما هذا الكيد؟ قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله تعالى نصره وقواه. وقيل: الكيد يستعمل في الخير أيضاً والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه. ومعنى {إلا أن يشاء الله} هو أن الله كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية. ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال: {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} فوقه أرفع درجة منه في علمه. ثم إن أطلق على الله تعالى أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصاً لأنه لا عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقياً على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله تعالى والميل إلى هذا التفسير لأن قوله: {ذو علم} مشعر بكون علمه زائداً على حقيقته ووصفه تعالى عين ذاته، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية. يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم فعند ذلك {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} عنوا به يوسف. واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها. وقيل: سرق عناقاً من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين. وقيل: كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه منها وكانت تحبه حباً شديداً فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها. وقيل إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسداً وغيظاً. {فأسرّها يوسف} قال الزجاج وغيره: الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها لهم، ثم فسرها بقوله: {قال أنتم شر مكاناً} والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية. وطعن الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره. وقيل: الضمير: عائد على الإجابة أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر. وقيل: يعود إلى المقالة أو السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والعار. وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه بها، وبالحبس الطويل لقوله: {اذكرني عند ربك} وبقولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} لقوله: {إنكم لسارقون} ومعنى {شر مكاناً} شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم على التحقيق وقلتم أكله الذئب {والله أعلم بما تصفون} المراد أنه يعلم أني لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذماً أم لا. قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه. فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على الأرض ليريه أن شديد وجذبه فسقط فعند ذلك {قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً} في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا {فخذ أحدنا مكانه} استعباداً أو رهناً حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزاً أيضاً عندهم {إنا نراك من المحسنين} لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعدما اشترى رقابهم بالطعام {قال} يوسف {معاذ الله} من {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً} أي إذا أخذنا غيره {لظالمون} في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملاً بخلاف الوحي {فلما استيأسوا منه} حيث لم يقبل الشفاعة أي يئسوا والزيادة للبالغة. {خلصوا} اعتزلوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم {نجياً} مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجاً نجياً بمعنى مناجياً بعضهم لبعض كالعشير بمعنى المعاشر. وفيم كان تناجيهم؟ الجواب في تدبير أمرهم على أيّ وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك {قال كبيرهم} في السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل والرأي وهو يهوذا. وقوله: {ما فرطتم} إما أن تكون "ما" صلة أي ومن قبل هذا قصرتم {في} شأن {يوسف} ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو النصب عطفاً على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على الوجهين. {فلن أبرح الأرض} فلن أفارق أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} في الانصراف {أو يحكم الله لي} بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب. ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة. {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق} قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب {أية : إنك لأنت الحليم الرشيد}تفسير : [هود: 87] أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة. وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب. وعن ابن عباس أنه قرأ {سرق} مشدداً مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة. وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا الأمر على الظاهر قوله {وما شهدنا إلا بما علمنا} أي إلا بقدر ما تيقناه من رؤية الصواع في وعائه {وما كنا للغيب} للأمر الخفي {حافظين} فإن الغيب لا يعلمه إلا الله. وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق أخذ أخونا بتلك الحيلة. ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: {واسأل القرية التي كنا فيها} الأكثرون على أنها مصر. وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة {و} اسأل أصحاب {العير التي أقبلنا فيها} وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب. وقيل: قوماً من أهل صنعاء. وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات لأجله معجزة، فالمراد اسأل القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجبيك بصحة ما ذكرنا. وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ويراد إنه ليس للشك فيه مجال. ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين {وإنا لصادقون} وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل فيما ذكرته ليزول عنك الشك. وههنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: {قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} وقد مر تفسيره في أول السورة. ولكن المفسرين زادوا شيئاً آخر فقيل: المراد أنه خيل إليكم أنه سرق وما سرق. وقيل: أراد سوّلت لكم أنفسكم إخراج بنيامين والمسير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم عليّ في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم. وقيل: أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته. واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله تعالى؟ وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق له مسلماً وكان الملك في ظن يعقوب كافراً، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن والرجاء أنه سبحانه سيجعل له فرجاً ومخرجاً عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: {فلن أبرح الأرض} قد بقيا في مصر فلذلك قال: {عسى الله أن يأتيني بهم} أي بالثلاثة الغائبين {جميعاً إنه هو العليم} بحالي {الحكيم} في كل ما يفعله من الابتلاء والإبلاء. التأويل: لما دخل الأوصاف البشرية ومعهم السر {على يوسف} القلب {آوى} القلب السر {إليه} لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية {فلا تبتئس} إذا وصلت بي {بما كانوا يعملون} معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقاً من قلب مقارناً للأوصاف كان محروماً عن كمالات هو مستعد لها {فلما جهزهم} جهز القلب الأوصاف بما يلائم أحوالها {جعل السقاية} وهي مشربة كان منها شربه {في رحل أخيه} لأنهما رضيعا لبان واحد {إنكم لسارقون} سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه {ولمن جاء به حمل بعير} من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقاً للشرب من مشارب الملوك {لقد علمتم} أن المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] {وما كنا سارقين} إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال مملكة مصر العبودية ليكون عزيزاً فيها ونحن أذلاء له {جزاؤه من وجد في رحله} أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية. ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب المحبة بذل الوجود {كذلك نجزي الظالمين} الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكونوا حريف الملك وشريبه {كذلك كدنا ليوسف} أي كما كاد الأوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك. {وفوق كل ذي علم} آتيناه علم الصعود {عليم} بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع لا تسعه أوعية الإنسانية {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} فيه إشارة إلى السر والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهم قابلان للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية ولما رأت الأوصاف البشرية عزة القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح فقالت: {فخذ أحدنا مكانه} {قال معاذ الله} أن نقبل بالصحبة والمخالطة {إلا من وجدنا متاعنا} من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية {فلما استيأسوا} من صحبة القلب {خلصوا} عن الأوصاف الذميمة للتناجي {قال كبيرهم} هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو الروح {قد أخذ عليكم موثقاً من الله} يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله {فلن أبرح} أرض فناء القلب وهي الصدر. والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة لأحكام الحق. {ارجعوا إلى أبيكم} الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق {إن ابنك سرق} لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده. {وما كنا للغيب} عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة {حافظين} لأنه جعل السقاية في رحله في غيبتنا. {واسأل} أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء {قال بل سولت} فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه {عسى الله أن يأتيني} فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده مليك مقتدر {إنه هو العليم} بافتراقهم {الحكيم} بما في التفريق والجمع من الفوائد.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئنا به، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لأجلسني معه فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً؛ فأجلسه معه على مائدته؛ فجعل يُؤاكلهُ فلما كان اللَّيل أمر لهم بمثل ذلك؛ فأمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً، وقال: هذا لا ثاني له أخذه معي، فآواه إليه، فلمَّا خلا به قال: ما اسمك؟ قال: بنيامين قال: وما بنيامين؟ قال: ابنُ المُثكلِ. وذلك أنَّه لما ولد؛ هلكت أمُّه، قال: وما اسم أمك، قال راحيل بن لاوي، فلمَّا رأى تأسُّفهُ على أخ له هلك، فقال له أتحبُّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: ومن يجدُ أخاً مثلَك، ولكنَّك لم يلدك يعقوب ولا راحيلُ، فَبكَى يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وسار إليه [وعَانقَهُ]. و: {قَالَ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ} قال وهبٌ: لم يُرِدْ أنه أخوه من النَّسب، وإنَّما أراد به: إني أقُومُ لك مقَامَ أخيك في الإيناس، لئلا تستوحش بالانفراد. والصحيحُ: ما عليه سائرٌ المفسِّرين من أنَّهُ أراد تعريف النَّسب؛ لأنَّ ذلك أقوى في إزالة الوحشة، وحصول الأنس، والأصل في الكلام الحقيقة. {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال أهل اللغة: تَبْتَئِسْ: تَفْتَعِل من البُؤسِ وهو الضَّررُ والشِّدةُ، والابتِئَاس: اجتِلابُ الحُزْنِ والبُؤسِ. وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من إقامتهم على حسدنا، والحرص على انصراف وجه أبينا عنَّا. وقال ابنُ إسحاق وغيره: "أخبره بأنَّه أخوه حقيقة، واستكتمه، وقال لهُ: لا تُبَالِي بكلِّ ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم". وعلى هذا التَّأويل يحتمل أن يشير بقوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السِّقاية، ونحو ذلك. وقيل: إنَّ يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ما بقي في قلبه شيءٌ من العداوةِ وصار صافياً لإخوته؛ فأراد أن يجعل قلب أخيه صافياً معهم أيضاً، فقال: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: لا تلتفت إلى صنيعهم فيما تقدَّم. وقيل: إنما فعلوا بيوسف ما فعلوا حسداً لإقبال الأب عليه، وتخصيصه بمزيد الإكرام فخاف بنيامين أن يحسدوه، بسبب تخصيص الملكِ له بالإكرام، فآمنه منهم، وقال: لا تفتلت إلى ذلك، فإنَّ الله قد جمع بيني وبينك. وروى الكلبيُّ عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ إخوة يوسف عليه السلام: كانوا يُعيِّرُونَ يوسف، أخاه بسبب أنَّ جدهما أبا أمَّهما كان يعبدُ الأصنام، فإنَّ أمَّ يوسف أمرت يوسف بسرقة جونة كانت لأبيها، فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها، إذا فقدها، فقال له: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: من التَّعيير لنا بما كان عليه جدّنا. واللهُ أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد، أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقاتل: {ولما دخلوا} أي بنوه عليه الصلاة والسلام {على يوسف} في هذه القدمة الثانية {آوى إليه أخاه} شقيقه بنيامين بعد أن قالوا له: هذا أخونا الذي أمرتنا به قد أحضرناه، فقال: أصبتم، وستجدون ذلك عندي؛ والإيواء: ضم النفس بالتصيير إلى موضع الراحة، وسبب إيوائه إليه أنه أمر كل اثنين منهم أن يأكلوا على حدة، فبقي بنيامين بلا ثان، فقال: هذا يأكل معي، ثم قال ليا: وكل اثنين منكم في بيت من خمسة أبيات أفردها لهم، وهذا الوحيد يكون معي في بيتي، وهذا التفريق موافق لما أمرهم به أبوهم في تفريق الدخول، فكأنه قيل: ماذا قال له، هل أعلمه بنفسه أو كتم ذلك عنه كما فعل بسائر إخوته؟ فقيل: بل {قال} معلماً له، لأنه لا سبب يقتضي الكتم عنه - كما سيأتي بيانه، مؤكداً لما للأخ من إنكاره لطول غيبته وتغير أحواله وقطع الرجاء منه: {إني أنا أخوك} يوسف: ثم سبب عن ذلك قوله: {فلا تبتئس} أي تجتلب البؤس. وهو الكراهة والحزن {بما كانوا} أي سائر الإخوة، كوناً هم راسخون فيه {يعملون *} مما يسوءنا وإن زعموا أنهم بنوا ذلك العمل على علم، وقد جمعنا له خير ما يكون عليه الاجتماع، ولا تعلمهم بشيء من ذلك، ثم إنه ملأ لهم أوعيتهم كما أرادوا. وكأنه في المرة الأولى أيضاً في تجهيزهم ليتعرف أخبارهم في طول المدة من حيث لا يشعرون، ولذلك لم يعطف بالفاء، وأسرع في تجهيزهم في هذه المرة قصداً إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي دبرها. فلذلك أتت الفاء في قوله: {فلما جهزهم} أي أعجل جهاز وأحسنه {بجهازهم} ويؤيده {أية : فلما جاء أمرنا} تفسير : [هود:66 و 82] في قصتي صالح ولوط عليهما الصلاة والسلام - كما مضى في سورة هود عليه الصلاة والسلام {جعل} أي بنفسه أو بمن أمره {السقاية} التي له. وهي إناء يسقي به {في رحل أخيه} شقيقه، ليحتال بذلك على إبقائه عنده مع علمه بأن البصير لا يقضي بسرقته بذلك، مع احتمال أن يكون الصواع دس في رحله بغير علمه كما فعل ببضاعتهم في المرة الأولى، وأما غير البصير فضرر ثبوت ذلك في ذهنه مفتقر لأنه يسير بالنسبة إلى ما يترتب عليه من النفع من ألف إخوته بيوسف عليه الصلاة والسلام وزوال وحشتهم منه بإقامته عنده - كما سيأتي مع مزيد بيان - هذا مع تحقق البراءة عن قرب، فهو من باب ارتكاب أخف الضررين، ثم أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أرسل إليهم فحبسوا {ثم} أي بعد انطلاقهم وإمعانهم في السير {أذن} أي أعلم فيهم بالنداء {مؤذن} قائلاً برفيع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه - بما يدل عليه إسقاط الأداة: {أيتها العير} أي أهلها، وأكد لما لهم من الإنكار {إنكم لسارقون *} أي ثابت لكم ذلك لا محالة حقيقة بما فعلتم في حق يوسف عليه الصلاة والسلام، أو مجازاً بأنكم فاعلون فعل السارق - كما سيأتي بيانه آنفاً، مع أن هذا النداء ليس من قول يوسف عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن لا يكون بأمره حتى يحتاج إلى تصحيحه، بل يكون قائله فهم ذلك من قوله عليه السلام: صواعي مع الركب، أو كأنهم أخذوا صواعي فاذهب فآتني به أو بهم - ونحو ذلك مما هو حق في نفسه؛ والعير: القافلة التي فيها الأحمال، والأصل فيها الحمير، ثم كثر حتى أطلق على كل قافلة تشبيهاً بها، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التلطف في بلوغ المراد من إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه وتبعث عليه بظاهر جميل وباطن حق مما يخفى على كثير من الناس موقعه، ويشكل عليه وجهه، لأنه أنفذ له وأنجح للمطلوب منه، فكأنه قيل: إن هذه لتهمة عظيمة، فما قالوا في جوابها؟ فقيل: {قالوا} في جواب الذين لحقوهم {و} الحال أن آل إسرائيل {أقبلوا} ودل - على أن الذين لحقوهم كانوا جماعة المؤذن أحدهم، كما كما هو شأن ذوي الرئاسة إذا أرسلوا في مهم - بالجمع في قوله: {عليهم} أي على جماعة الملك: المنادي وغيره {ماذا تفقدون *} مما يمكننا أخذه {قالوا نفقد} وكأن السقاية كان لها اسمان، فعبروا هنا بقولهم: {صواع الملك} والصواع: الجام يشرب فيه {ولمن جاء به} أي أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء {حمل بعير} وهو بالكسر: قدر من المتاع مهيأ لأن يحمل على الظهر، وأما الحمل في البطن فبالفتح {وأنا به زعيم *} أي ضامن وكفيل أوديه إليه، وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن القاتل واحد، وأنه نسب إلى الكل لرضاهم به، وفي الآية البيان عما يوجبه حال بهت الإنسان للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول، فكأنه قيل: فما قال إخوة يوسف؟ قيل: {قالوا} قول البريء {تالله} أي الملك اوعظم فأقسموا قسماً مقروناً بالتاء، لأنها يكون فيها التعجب غالباً، قال الرماني: لأنها لما كانت نادرة في أدوات القسم جعلت للنادر من المعاني، والنادر من المعاني يتعجب منه، وقال: إنها بدل من الواو، والواو بدل من الباء، فهي بدل من بدل، فلذلك ضعفت عن التصريف في سائر الأسماء، ثم أكدوا براءتهم بقولهم: {لقد علمتم} أي بما جربتم من أمانتنا قبل هذا في كرتي مجيئنا {ما جئنا} وأكدوا النفي باللام فقالوا: {لنفسد} أي نوقع الفساد {في الأرض و} لقد علمتم {ما كنا} أي بوجه من الوجوه {سارقين *} أي موصوفين بهذا الوصف قط، بما رأيتم من أحوالنا: من ردنا بضاعتنا التي وجدناها في رحالنا وغير ذلك مما عاينتم من شرف فعالنا مع علمنا بأنها خَلق لنا لا تصنّع يظهر لبعض الأذكياء بأدنى تأمل، فكأنه قيل: فما قال الذين من جهة العزيز؟ قيل: {قالوا} قول واثق بأنه في رحالهم: {فما جزاؤه} أي الصواع {إن كنتم كاذبين *} في تبرئكم من السرقة؛ والجزاء: مقابلة العمل بما يستحق عليه من خير أو شر {قالوا} وثوقاً منهم بالبراءة وإخباراً بالحكم عندهم {جزاؤه} أي الصواع {من}. ولما كان العبرة بنفس الوجدان، بنوا للمفعول قولهم: {وجد في رحله} ولتحققهم البراءة علقوا الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة؛ ثم أكدوا ذلك بقولهم: {فهو جزاءه} أي ليس غير، فكأنه قيل: هل هذا أمر أحدثتموه الآن أو هو مشروع لكم؟ فقالوا: {كذلك} أي بل هو سنة لنا، مثل ذلك الجزاء الشديد {نجزي الظالمين *} أي بالظلم دائماً، نرقّه في سرقته؛ فحينئذ فتش أوعيتهم {فبدأ} أي فتسبب عن ذلك أنه بدأ المؤذن أو غيره ممن أمر بذلك {بأوعيتهم}. ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلاً، فكانت بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهما من الزمان، لم يأت بجار، فقال {قبل وعاء أخيه} أي أخي يوسف عليه الصلاة والسلام شقيقه، إبعاداً عن التهمة {ثم} أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك {استخرجها} أي أوجد إخراج السقاية التي تقدم أنه جعلها في وعاء أخيه {من وعاء أخيه}. ولما كان هذا كيداً عظيماً في أخذ أخيه بحكمهم، مع ما توثق منهم أبوهم، عظمه تعالى بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه قال: {كذلك} أي مثل هذا الكيد العظيم {كدنا ليوسف} خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه الصلاة والسلام، ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت يوسف عليه الصلاة والسلام وألجأت إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل أمره إلى المجيء إليه إلى أن كان آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا، ثم علل ذلك بقوله: {ما كان} أو هو استئناف تفسير للكيد، وأكد النفي باللام فقال: {ليأخذ أخاه}. ولما كان الأخذ على جهات مختلفة، قيده بقوله: {في دين الملك} يعني ملك مصر، على حالة من الحالات، لأن جزاء السارق عندهم غير هذا {إلا أن يشاء الله} أي الذي له الأمر كله، ذلك بسبب يقيمه كهذا السبب الذي هو حكم السارق وأهله على أنفسهم، فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم وما حكموا به على نفوسهم. ومادة "سرق" بتراكيبها الأربعة: سرق، وسقر، وقسر، وقرس - تدور على الغلبة المحرقة والموجعة، وتارة تكون بحر، وتارة ببرد، وتارة بغير ذلك، وتلازمها القوة والضعف والكثرة والقلة والمخادعة، فيأتي الخفاء والليل، فمن مطلق الغلبة: القسر، وهو الغلبة والقهر، وقال ابن دريد: القسر: الأخذ بالغلبة والاضطهاد، والقسورة: الأسد، والعزيز كالقسور، والرماة من الصيادين، واحده قسور، ونبات سهلي - كأنه يكثر فيه الصيد، فتنتابه القساورة، وقسور النبت: كثر، وركز الناس، أي صوتهم الخفي وحسهم - لأن الصيادين يتخافتون؛ والسقر لغة في الصقر - لطير يصيد؛ وقسر: جبل السراة - كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة، والقيسري: الكثير - لأنه ملزوم للغلبة، وضرب من الجعلان - كأنه سمي لمطلق الكثرة ولأذاه بما يعانيه من النجاسات، والقيسري - أيضاً من الإبل: العظيم أو الصلب أو الضخم الشديد: وجمل قراسية - بالضم وتخفيف الياء: ضخم، والقرس - بالكسر: صغار البعوض؛ والقسورة أيضاً من الغلمان: الشاب القوي، والرامي - لأنه أهل لأن يغلب، ولقسور أيضاً: الصياد مطلقاً؛ ويلزمه المخادعة والاستخفاء، ومنه القسورة: نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه محل الاستخفاء والمقاهرة؛ ومنه السرق، وهو الأخذ في خفية، وعبارة القزاز: في ختل وغفلة، وسرق - كفرح: خفي، والسوارق: الزوائد في فراش القفل - لغرابتها وخفاء أمرها، أو لسلبها السرقة بمنعها السارق من فتح القفل، والمسترق: المستمع مختفياً، وانسرق عنهم: خنس ليذهب، ويلزم المخادعة والاختفاء نوع ضعف، ومنه: سرقت مفاصله - كفرح: ضعفت، والمسترق: الناقص الضعيف الخلق؛ وانسرق: فتر وضعف - إما منه وإما من السلب، لأن من فتر أو ضعف يكف عن السرقة والأذى؛ وقسور الرجل: أسن، وكان منه القارس والقريس أي القديم، ومسترق العنق: قصيرها - كأنه سرق منها شيء، وهو يسارق النظر إليه، أي يطلب غفلته لينظر إليه، وتسرق: سرق شيئاً فشيئاً، وسُرَّق - كسكر - كان اسمه الحباب فابتاع من بدوي راحلتين، ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه بثمنهما فخرج من الباب الآخر فهرب بهما، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سرقاً، وكان لا يحب أن يسمى بغيره، والسرق - محركاً: أجود الحرير أو الحرير الأبيض، أو الحرير عامة، فارسي معرب أصله سره، قال القزاز: ومعناه: جيد، لأنه أهل لأن يقصد بالسرقة لخفة محمله وكثرة تمنه، والسرقين معرب سركين يمكن أن يكون من الضعف، ولعل المعرب يكون خارجاً عن أصل المادة، لأنه لا أصل له في العربية؛ ومن الأذى بالحر السفر: حر الشمس وأذاه، يقال: سقرته الشمس - بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه، ومنه اشتقاق سقر، وهو اسم إحدى طبقات النار، والسقر: القيادة على الحرم، والسقر: ما يسيل من الرطب - من التسمية باسم السبب، لأن الحر سببه، والقوسرة: القوصرة - ويخففان - لأنه يوضع فيه التمر الذي قد يكون منه السقر، والساقر: الكافر واللعان لغير المستحقين - لكثرة الأذى، أو لاستحقاق الكون في سقر، والساقور: الحر والحديدة يكوى بها الحمار؛ ومن الأذى بالبرد: القرس - وهو البرد الشديد والبارد، والقرس - ويحرك: أبرد الصقيع وأكثفه، والقرس - بالتحريك: الجامد، وأقرس العود جمد ماءه، ومنه القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد، وقرس الماء: جمد، والبرد: اشتد كقرس كفرح، وآل قرايس ويقال: نبات قراس - كسحاب: أجبل باردة أو هضاب بناحية السراة، وقرسنا الماء: بردناه. إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن "إنكم لسارقون" إن نظر إلى الغلبة في خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم يوسف من أبيه عليهما السلام على هذه الحالة، وإن نظر إلى مطلق الأخذ في خفاء فيكون إطلاق ذلك عليهم مجازاً، لأن معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - شيئاً ليس هو لهم هم ذاهبون به في خفاء، أي أنتم في هذه الحالة فاعلون فعل السارق، ويقوي إرادة الأول قوله تعالى {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} وقوله تعالى: {من وجدنا متاعنا عنده} كما سيأتي. ولما كان يوسف عليه الصلاة والسلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته، بعد ما كان فيه عندهم من الصغار، كان ذلك محل عجب، فقال تعالى - التفاتاً إلى مقام التكلم تقوية للكلام بمقام الغيبة والتكلم، وزاده إشعاراً بعظمة، هذا الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبهاً لمن قد يغفل: {نرفع} أي لنا من العظمة، وكان الأصل: درجاته، ولكنه عمم لأنه أدل على العظمة، فكان أليق بمظهرها، فقال منبهاً على أنه كان حصل ليوسف عليه الصلاة والسلام من الهضم ما ظن كما ظن أنه لا يرتفع بعده: {درجات من نشاء} أي بالعلم. ولما كان سبب الرفعة هو الأعلمية بالأسباب، وذلك أن الخلق لو اجتهدوا في خفض أحد فنصبوا له كل سبب علموه وقدروا عليه، وأراد الله ضد ذلك، لقيّض بعلمه سبباً واحداً إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته، نبه تعالى على ذلك بقوله: {وفوق كل ذي علم} أي من الخلق {عليم} عظيم العلم، لا تكتنه عظمة علمه العقول، ولا تتخيلها الفهوم، فهو يسبب من الأسباب ما تطيح له أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء، وهو الله تعالى - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وسعيد بن جبير، فالتنوين للتعظيم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {آوى إليه أخاه} قال: ضمه إليه وأنزله معه. وفي قوله {فلا تبتئس} قال: لا تحزن ولا تيأس. وفي قوله {فلما جهزهم بجهازهم} قال: لما قضى حاجتهم وكال لهم طعامهم. وفي قوله {جعل السقاية} قال: هو إناء الملك الذي يشرب منه {في رحل أخيه} قال: في متاع أخيه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {جعل السقاية} قال: هو الصواع، وكل شيء يشرب منه فهو صواع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: السقاية والصواع شيء واحد، يشرب منه يوسف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: السقاية، هو الصواع. وكان كأساً من ذهب على ما يذكرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أيتها العير} قال: كانت العير حميراً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن منده في غرائب شعبة، وابن مردويه والضياء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {صواع الملك} قال: شيء يشبه المكوك من فضة، كانوا يشربون فيه. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق قال لهك أخبرني عن قوله {صواع الملك} قال: الصواع، الكأس الذي يشرب فيه. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم. أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : له درمك في رأسه ومشارب وقدر وطباخ وصاع وديسق تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {صواع الملك} قال: هو المكوك الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {صواع الملك} قال: كان من فضة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {صواع الملك} قال: كان من نحاس. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ {نفقد صواع الملك} بضم الصاد مع الألف. وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري، عن أبي هريرة. رضي الله عنه - أنه كان يقرأ "صاع الملك". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها "صوغ الملك" بالغين المعجمة. قال: كان صيغ من ذهب أو فضة، سقايته التي كان يشرب فيها. وأخرج ابن الأنباري، عن أبي رجاء - رضي الله عنه - أنه قرأ {نفقد صواع الملك} بعين غير معجمة، وصاد مفتوحة. وأخرج عن عبد الله بن عون - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ "صوع الملك" بصاد مضمومة. وأخرج عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ "صياع الملك". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ولمن جاء به حمل بعير} قال: حمل حمار طعام، وهي لغة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {حمل بعير} وقر بعير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وأنا به زعيم} قال كفيل. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وأنا به زعيم} قال: الزعيم، هو المؤذن الذي قال {أيتها العير}. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {وأنا به زعيم} ما الزعيم؟.... قال: الكفيل. قال فيه فروة بن مسيك: شعر : اكون زعيمكم في كل عام بجيش جحفل لجب لهام تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - في قوله {ما جئنا لنفسد في الأرض} يقول: ما جئنا لنعصي في الأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {قالوا فما جزاؤه} قال: عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا {جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} وكان الحكم عند الأنبياء! يعقوب وبنيه عليهم السلام، أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترق. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي - رضي الله عنه - قال: أخبروه بما يحكم في بلادهم، أنه من سرق أخذ عبداً. فقالوا {جزاؤه من وجد في رحله}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {فبدأ بأوعيتهم} الآية. قال: ذكر لنا أنه كان كلما فتح متاع رجل، استغفر تأثماً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، قال: ما أظن أن هذا أخذ شيئاً. قالوا: بلى، فاستبره. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {كذلك كدنا ليوسف} قال: كذلك صنعنا ليوسف {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} يقول: في سلطان الملك. قال: كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله، فيعطيه المسروق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} يقول: في سلطان الملك. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي - رضي الله عنه - في الآية. قال: دين الملك لا يؤخذ به من سرق أصلاً، ولكن الله تعالى كاد لأخيه، حتى تكلموا بما تكلموا به فآخذهم بقولهم، وليس في قضاء الملك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} قال: لم يكن ذلك في دين الملك أن يأخذ من سرق عبداً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي - رضي الله عنه - قال: كان حكم الملك، أن من سرق ضاعف عليه الغرم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {إلا أن يشاء الله} قال: إلا بعلة، كادها الله ليوسف عليه السلام، فاعتل بها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق مالك بن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت زيد بن أسلم - رضي الله عنه - يقول في هذه الآية {نرفع درجات من نشاء} قال: بالعلم. يرفع الله به من يشاء في الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {نرفع درجات من نشاء} قال: يوسف واخوته، اوتوا علماً. فرفعنا يوسف فوقهم في العلم درجة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وفوق كل ذي علم عليم} قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال: كنا عند ابن عباس - رضي الله عنهما - فحدث بحديث، فقال رجل عنده {وفوق كل ذي علم عليم} فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير هو فوق كل عالم. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - قال: سأل رجل علياً - رضي الله عنه - عن مسألة، فقال فيها. فقال الرجل: ليس هكذا، ولكن كذا وكذا، قال علي - رضي الله عنه -: أحسنت وأخطأت {وفوق كل ذي علم عليم}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {وفوق كل ذي علم عليم} قال: علم الله فوق كل عالم. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - {وفوق كل ذي علم عليم} قال الله أعلم من كل أحد. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن في الآية قال: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله. منه بدأ وإليه يعود. وفي قراءة عبد الله "وفوق كل عالم عليم". وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله {وفوق كل ذي علم عليم} قالا: هو ذلك أيضاً، يوسف واخوته هو فوقهم في العلم.

ابو السعود

تفسير : {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} بنيامينَ أي ضمه إليه في الطعام أو في المنزل أو فيهما. روي أنهم لما دخلوا عليه قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم ثم أضافهم وأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال: لو كان أخي يوسفُ حياً لأجلسني معه، فقال يوسف: بقيَ أخوكم فريداً وأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله ثم أنزل كلَّ اثنين منهم بـيتاً فقال: هذا لا ثانيَ معه فيكون معي فبات يوسف يضمه إليه ويَشمُّ رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده فقال: لي عشرةُ بنينَ اشتققْتُ أسماءهم من اسم أخٍ لي هلك، فقال له: أتُحِب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالِك؟ قال: من يجدُ أخاً مثلك ولكن لم يلدْك يعقوبُ ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وتعرف إليه وعند ذلك {قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ} يوسف {فَلاَ تَبْتَئِسْ} أي فلا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير ولا تُعلِمْهم بما أعلمتك، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعن وهْبٍ أنه لم يتعرّف إليه بل قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقودِ ومعنى فلا تبتئس لا تحزنْ بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمِنْتَهم. وروي أنه قال له: فأنا لا أفارقك، قال: قد علمتُ باغتمام والدي بـي فإذا حبستُك يزاد غمُّه ولا سبـيل إلى ذلك إلا أن أنسُبَك إلى ما لا يجمُل، قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك، قال: أدُسّ صاعي في رَحْلك ثم أنادي عليك بأنك سرقتَه ليتهيّأ لي ردُّك بعد تسريحِك معهم، قال: افعلْ. {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ} أي المشرَبةَ، قيل: كانت مشربة جعلت صاعاً يكال به، وقيل: كانت تسقى بها الدوابُّ ويكال بها الحبوب وكانت من فضة، وقيل: من ذهب، وقيل: من فضة مموّهة بالذهب، وقيل: كانت إناءً مستطيلاً تشبه المكّوك الفارسيَّ الذي يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم، وقيل: كانت مرصّعة بالجواهر {فِى رَحْلِ أَخِيهِ} بنيامين وقرىء وجعل على حذف جواب لما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ} نادى منادٍ {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ} وهي الإبلُ التي عليها الأحمالُ لأنها تعير أي تذهب وتجيءُ، وقيل: هي قافلة الحمير ثم كثُر حتى قيل لكل قافلة عِيرٌ كأنها جمع عَيْر وأصلها فعل مثل سَقْف وسُقُف ففعل به ما فعل ببِـيض وغِيد، والمراد أصحابُها كما في قوله عليه السلام:«حديث : يا خيلَ الله اركبـي»تفسير : ، روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسفُ حتى انطلقوا منزلاً، وقيل: خرجوا من العمارة ثم أمر بهم فأُدرِكوا ونودوا {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} هذا الخطابُ إن كان بأمر يوسف فلعله أريد بالسرقة أخذُهم له من أبـيه ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب وإلا فهو من قبل المؤذّن بناء على زعمه والأولُ هو الأظهرُ الأوفق للسياق، وقرأ اليماني سارقون بلا لام {قَالُواْ} أي الإخوة {وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ} جملةٌ حالية من ضمير قالوا جيء بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} أي تعدَمون، تقول: فقَدت الشيء إذا عدِمته بأن ضل عنك لا بفعلك والمآل ماذا ضاع عنكم، وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة وقرىء تُفقِدون من أفقدته إذا وجدته فقيداً وعلى التقديرين فالعدولُ عما يقتضيه الظاهرُ من قولهم: ماذا سُرق منكم لبـيان كمال نزاهتِهم بإظهار أنه لم يُسْرق منهم شيء فضلاً أن يكونوا هم السارقين له وإنما الممكنُ أن يضيع منهم شيء فيسألوهم أنه ماذا، وفيه إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسنِ الأدب والاحتراز عن المجازفة ونسبة البُرَآء إلى ما لا خير فيه لا سيما بطريق التوكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث

القشيري

تفسير : حديثُ المحبةِ وأَحكامها أقسام: اشْتَاقَ يعقوبُ إلى لقاء يوسف عليهما السلام فَبَقِيَ سنين كثيرة، واشتاقَ يوسف إلى بنيامين فَرُزِقَ رؤيته في أَوْجَزِ مدةٍ. وهَكَذَا الأمر؛ فمنهم موقوفٌ به، ومنهم صاحب بلاء. ويقال لئن سَخِنَت عين يعقوب عليه السلام بمفارقة بنيامين فلقد قَرَّتْ عيْنُ يوسفَ بلقائه. كذا الأمر: لا تَغْرُبُ الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} خاف يوسف بنيامين من معرفته على قلقه وشوقه الى يوسف لران يعرف يوسف بغتة لهلك فاواه اليه ليعرفه الحال بالتدريج حتى يحتمل اثقال السرور برؤية يوسف وايضا راى وحشة حيث بقى وحيد ابلا يوسف بين الاخوة فانسه بقربه وذلك من احتمال بنيامين عذاب الفراق والم البعد ولو كانوا كبنيامين لاواهم اليه جميعا لكن الكفف والمشاهدة على قدر الم المحبة والشوق قال الاستاد حديث المحبة اقسام اشتاق يعقوب الى لقاء يوسف فبقى فى الاحزان سنين كثيرة واشتاق يوسف الى بنيامين فورزق رؤيته فى اوجز مده هكذا الامر فمنهم مرفوق به ومنهم صاحب بلاء ويقال لئن سجنت عين يعقوب بمفارقة بنيامين فلقد فر عين يوسف بلقائه كذا الامر لا يغرب الشمس عن قوم الا يطلع على اخرين فلما ذاق يوسف وبنيامين طعم الوصال بدوام الوصاف وتلطف فى اهل بقائه عنده بما حكى الله سبحانه عنه بقوله {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} ان الله سبحانه بفضله ولطفه اجرى على يوسف بعض ما اجرى على اخوته فى اخذ بنيامين ونسب السرقة اليهم جميعا لتخفف على الاخوة اثقال الجفوة السالفة منهم على يوسف ما دام نسبهم الى السرقة ثم ان الله سبحانه جعل يوسف شريكا مع اخوته فى ابدانهم اياهم حيث اخذ بنيامين عنه ونسبه الى السرقة ليكونوا جميعا فى الجرم سواء ويحتمل ان من كرمه فعل ذلك لئلا يخجلوا فيه بين يديه حيث جعل نفسه معهم شريكا فيما جرى عليهم وطاب قلب بنيامين برؤية يوسف ووصاله فاحتمل الملامة وكيف لا يحتمل ذلك وبلاء العالم محمودة بها رؤية المعشوق وكيف يوثر الملامة فيمن كان فى وصال محبوبه شعر : احد الملامة فى هواك لذيذة حثا لذكرك فليلمنى اللوم تفسير : وفى الاية اشارة لطيفة ان من اصطفاه الله فى الازل بمحبته ومعرفته ومشاهدته حيث خاطب الارواح والاشباح وضع فى محمله ضاع ملامة الثقلين الا ترى الى ما فعل ادم صفيه عليه السلام اصطفاه بقوله ان الله اصطفاه ادم ثم عرض الملامة فحمله بقوله فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان ثم هيج شهوته الى حبه الحنطة حتى اكلها ونادى عليه بلسان الازلى فعصى ادم ربه ذلك من غاية حبه له حتى صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه اليه ولولا ان كشف جماله لا يحتمل بلاء الملامة كما فعل يوسف بنيامين اواه اليه وكشف جماله له وخاطبه ثم نادى عليه السرقة ليبقيه معه واشارة فى قوله {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} اى سرقتم امانة المعرفة وحقايق الاخوة بينى وبينكم حين فعلتم ما فعلتم بابيكم واخيكم قال جعفر فى قوله انكم لسارقون اضمر يوسف فى امره مناديه اياهم بالسرقة ما كان منهم فى قصته مع ابيهم ان فعلكم الذى فعلتم مع ابيكم يشبه فعل السراق وقيل انكم لسارقون لافون لابيكم فى امر اخيكم حيث اخذتموه منه وخنتموه فيه وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال من سرق قلبه عن ربه نودى يوم القيامة فيا سارق وكل سارق عليه القطع ومن لم يكن للوصال اهلا فكل احسانه ذنوب قال الاستاد احتمل بنيامين ما قيل فيه من السرقة بعدما بقى مع يوسف ويقال ما نسب اليه من سوء الافعال هان غلبه فى جنب ما وجد من الوصال.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما دخلوا على يوسف} [وآن وقت كه أمدند اولاد يعقوب بر يوسف بباركاه او رسيدند يوسف بر تخت نشسته بود ونقاب فرو كذاشته برسيدكه جه خواستيم وبعهد وبيمان لآورديم] فقال لهم احسنتم وستجدون ذلك عندى فاجلسوا فجلسوا على حاشية البساط فاكرمهم ثم اضافهم واجلسهم مثنى مثنى اى كل اثنين منهم على قصعة. وفي التبيان على خوان. قال الكاشفى [يوسف فرمودكه هر برادر كه ازيك يدر ومادرند بريك خوان طعام خورند هردوكس بريك خوان بنشستد بنيامين تنها مانده بكريه درآمد وميكريست تابيهوش شد يوسف بفرمود تا كلاب بروى او زدند جون بهوش آمد برسيدكه اى جوان كنعانى تراجه شدكه بيهوش شدى كفت اى ملك حكم فرموديدكه هركس بابرادر اعيانى طعام خورد مرا برادرى ازمادر وبدر كه يوسف نام داشت بياد آمد باخوذ كفتم لو كان اخى يوسف حيا لاجلسنى معه ازشوق اين حال بى طاقت شدم سيب كريه وبيهوشئ من ابن لود كفت بياتا من برادر توباشم وباتوبريك خوان نشيئم بس بفرمود تا خوان وبرابر اشتتد ودربس برده أوردند واورانيز طليبده وبدين بهانه] {اوى اليه} فى الطعام {اخاه} بنيامين وكذا فى المنزل والمبيت وانزل كل اثنين منهم بيتا ثم قال له هل تزوجت قال نعم ولى عشرة بنين اشتققت اسماءهم من اسم اخ لى هلك. وفى القصص ورزقت ثلاثة اولاد ذكور قال فما اسماؤهم قال اسم احدهم ذئب فقال له يوسف انت ابن نبى فكيف تسمى ولدك لاسماء الوحوش فقال ان اخوتى لما زعموا ان اخى اكله الذئب سميت ابنى ذئبا حتى اذا صحت به ذكرت اخى فابكى فبكى يوسف وقال ما اسم الآخر قال دم ولم سميت بهذا الاسم فقال اخوتى جاؤوا بقنيص اخى متضمخا بالدم فسميته بذلك حتى اذا صحت به ذكرت اخى يوسف فابكى فبكى يوسف وقال ما اسم الثالث قال يوسف سيمت به حتى اذا صحت به ذكرت اخي فابكى فبكى يوسف وقال فى نفسه الهى وسيدى هذا اخى اراه بهذا الحزن فكيف يكون حال الشيخ يعقوب اللهم اجمع بينى وبينه قبل فراق الدنيا ثم قال له اتحب ان اكون اخاك بدل اخيك الهالك قال من يجد اخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وقام اليه وعانقه وتعرف اليه وعند ذلك {قال اني انا اخوك} يوسف. قال الكاشفى [يوسف نقاب بسته دست بطعام كردجون بنيامين را نظر بردست يوسف افتاد بكريست يوسف اورا برسيدكه اين جه كريه است كفت اى ملك جه مانندست دست توبدست برادرم يوسف كه اين كلمه راشنيد طاقتش تماند نقاب ازجهره برادشت وبنيامين راكفت منم برادرتو]. وفى القصص جعل بنيامين يأكل ويغص باكله ويطيل النظر الى يوسف فقال له يوسف اراك تطيل النظر الى فقال ان اخى الذى اكله الذئب يشبهك فقال له يوسف أنا اخوك {فلا تبتئس} فلا تحزن. قال فى تهذيب المصادر [الابتئاس: اندو هكين شدن] {بما كانوا يعملون} بنا فيما مضى فان الله قد احسن الينا وجمعنا بخير وامره ان لا يخبرهم بل يخفى الحال عنهم. وفيه تنبيه على ان اخفاء المرام وكتمه مما يستحب فى بعض المكان ويعين على تحصيل المقاصد ولذلك ورد فى الاثر "حديث : استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" تفسير : وايضا فى الضيافة المذكورة اشارة الى ان اطعام الطعام من سنن الانبياء العظام كان ابراهيم عليه السلام مضيافا لا يأكل طعاما بلا ضيف. حديث : وعن جابر رضى الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ألا احدثكم بغرف الجنة" قلنا بلى يا رسول الله بابينا وامنا قال "ان فى الجنة غرفا من اصناف الجواهر يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وفيها من النعيم واللذات والسرور ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" قال قلت لمن هذه الغرف يا رسول الله "لمن افشى السلام واطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام " تفسير : ثم ان فى قوله {فلا تبتئس بما كانوا يعملون} اشارة الى ان الله تعالى لا يهدى كيد الحاسدين بل النصر الآلهى والتأييد الرباني مع القوم الصالحين ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم لصاحبه فى الغار "حديث : لا تحزن ان الله معنا" تفسير : لا ترى الى ما فعل اولاد يعقوب فى حق يوسف واخيه من الحسد والاذى فما وصلوا الى ما املوا بل الله تعالى جمع بينهما اى الاخوين ولو بعد حين وكذا بين يعقوب ويوسف

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم لما دخلوا على يوسف آوى يوسف أخاه اليه، والايواء ضم المحبوب وتصييره الى موضع الراحة. ومنه المأوى المنزل الذي يأوي اليه صاحبه للراحة فيه. وقال الحسن وقتادة: ضمه اليه وأنزله معه، وقد اجتمعت في {آوى} حروف العلة كلها الالف والواو والياء، والعلة في ذلك أن الهمزة بمنزلة الحرف الصحيح، لانها ليست حرف مد ولين، فجاز ذلك على قلبه لهذه العلة. وقال له حين اواه الى نفسه {إني أنا أخوك} يوسف {فلا تبتئس بما كانوا يعملون} وإنما قال له ذلك، لانه وإن كان علم ان له أخاً من أبيه وأمه إلا انه لا يعلم انه هذا، والابتئاس والاكتئاب والاغتمام نظائر، ومعناه اختلاط البؤس بالحزن، وانما جاز ان يأخذه بالصواع مع تعريفه انه أخوه لامرين: احدهما - انه كان بمواطأة منه له. والثاني - قال وهب بن منيه: انه أراد أنا أخوك مكان أخيك الذي هلك. والأول اصح.

الجنابذي

تفسير : {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} وكيفيّة دخولهم عليه وايوائه ايّاه مذكورة بتفصيلها فى المفصّلات {قَالَ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ} لا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الاساءة الىّ واليكم فانّها صارت سبباً لرفعتنا وموجباً لسلطنتنا ويجمع الله بيننا وبين ابينا واخوتنا فى احسن حالٍ.

اطفيش

تفسير : {ولمَّا دَخَلوا عَلَى يُوسفَ آوَى} ضم {إليه} إلى نفسه {أخاهُ} بنيامين فى الطعام، وفى الكرسى، وفى البيت للخلوة، وعند رفع رأسه إلى حجره {قالَ إنِّى} وسكن الياء غير نافع وابن كثير وابن عمر {أنا أخوكَ} يوسف {فلا تَبتئس} أى لا تتضرر باجتلاب الحزن، وهو يفتعل من البؤس. {بمَا كانُوا يعْملُون} فينا فإن الله سبحانه وتعالى قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير وصفح عن إخوته، وصفا لهم، فأراد أن يكون بنيامين كذلك، ولا تعلمهم بما علمتك، وبكيا واعتناقا، وبكت الملائكة، وخر بنيامين ساجدا، وغشى عليه من الفرح. وعن وهب بن منبه: أنه لم يعرف إليه، ولكن قال: إنى أنا أخوك بدل أخيك المفقود، فلا تبتئس بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى، فقد أمنتهم قبل، ويحتمل أن يريد فلا تبتئس بما يفعل فتيان يوسف من أمر السقاية ونحو ذلك. وفى عرائس القرآن: لما دخلوا على يوسف فى الكرة الثانية قالوا: يا أيها العزيز هذا أخونا الذى أمرتنا أن نأتيك به، قد جئنا به، قال: أحسنتم وأصبتم، وتجدون ذلك عندى، ثم أنزلهم وأكرمهم وأنزلهم وأضافهم،وجلس كل اثنين على مائدة فبقى بنيامين واحدا، فبكى وقال: لو كان أخى يوسف حيا لأجلسنى معه، قال لهم يوسف: هذا أخوكم هو وحيد فريد أجعل معى على مائدتى، فأكل معه، فلما كان الليل أمر لهم بمثله، فجلس كل أخوين على فراش واحد، فبقى بنيامين وحده فقال: هذا ينام معى على فراشى، فنام معه وضمه إلى صدره، وجعل يشم رائحته حتى أصبح فجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا. ولما أصبح قال لهم: أرى هذا الذى جئتم به ليس معه ثان فاضمه إلى ليكون منزله معى، ثم أنزلهم منزلا واحدا، وأنزل معه أخاه، وأجرى عليهم الطعام، وخلا له وقال: ما اسمك؟ قال: بنيامين؟ قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المتكل، لما ولدت هلكت أمى، قال: وما أسمها؟ قال راحيل بنت لايان بن نوبيل بن فاخور، فقال: هل من ولد لك؟ قال عشرة أبناء، قال فما أسماؤهم؟ قال: لقد اشتققت أسماءهم فى شأن أخى من أبى وأمى، قال: ما اسمه؟ قال: يوسف، قال لقد اعتراك بذلك حزن شديد، قال: هم بلع، لأن أخى ابتلعته الأرض، وبكر لأنه بكر أمى، وشكلا لأنه على شكل أمى وأبى، وأكبر لأنه أكبر منى، ونعمان لأنه ناعم بين أبويه، وورد لأنه بمنزلة الورد فى الحسن، وحيتم لأنه أبى أخبر أنه حى، وموتع لأنى لو رأيته لقرت عينى وتم سرورى، ويوسف لئلا يخرج اسمه من بيتنا. فقال له يوسف: تحب أن أكون أخاك بدلا من أخيك الهالك؟ قال: أيها الملك ومن يجد أخا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام وعانقه وقال: {إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون} ولا تعلمهم بشئ من هذا. وروى أن يوسف بنى بناء مذهبا أربعين ذراعا طولا، وأربعين عرضا، وأمر يوسف عليه السلام ويعقوب وإخوته جميعا على حائطه وقصته من حين ذهبوا به وصوروا شمعون آخذا بذؤابتى يوسف بشماله، والسكين بيمينه يريد قطع رأسه، وصور صورة روبيل ويوسف داخل فتحت ذيله، ولما دخلوا أمر غلمانه أن يدخلوهم فى الموضع الذى صوروا فيه فدخلوا وجلسوا، فرفع روبيل رأسل، فوقع بصره على الصُّوَر فصعق، فقال إخوته: مالك يا روبيل؟ فأخبرهم، فقالوا: هذه والله صورنا وصنائعنا وأفعالنا بيوسف، فتغيرت ألوانهم وتلجلجت ألسنتهم، ووجلت قلوبهم، فأخذوا فى البكاء والنحيب. فقال يوسف لغلمانه: قدموا لهم الطعام، فقدموا فامتنعوا من الأكل، فقال للغلمان: قولوا لهم لِمَ لا تكلون؟ فقالوا: والله لقد جئنا جياعا ولما رأينا هذه الصور وصورة أخينا المفقود ضاقت صدورنا فلم نطق الطعام وبكينا، فقال لغلمانه: أخروجهم من ذلك البيت إلى بيت الخواص. وكان بينامين يبكى وينتحب، وعلا بكاؤه وغشى عليه، ولما أفاق خرجوا إلى بيت الخواص، وفيه مائدة فجلسوا، فأذهب الله عنهم ذلك رحمة [بهم] ليأكلوا فأكلوا إلا بنيامين فلم يأكل، واشتغل بالبكاء ودموعه كالجمان على خده كاللؤلؤ والمرجان وكان شبيها بيوسف فى الحسن والجمال، وبه يتسلى يعقوب، فقال له يوسف: لم لا تأكل؟ قال: أشتهى أن أدخل ذلك البيت الذى كنا فيه، قال: لمه؟ قال: لأنى وجدت فيه صورة أخى، وأريد أن أجلس بحذائها وأبكى عليها، فأذن له، فرجع يبكى حولها، فاحترق قلب يوسف، فدخل بيت الخلوة وسأل الله أن يتعرف لأخيه فأذن الله له، فمرّ ابنه أفراثيم حذاء عمه وجعل يبكى معه، فكان بنيامين تارة ينظر إلى الصورة وتارة ينظر إلى أفراثيم فلم يميز بينهما، فتعجب من ذلك فقال: ممن أخذت صورتك يا بنى؟ فقال: من هذا الذى فى الحائط، فقال: ممن أنت؟ قال: أنا ابن يوسف الصدِّيق، قال: أهنا إنسان اسمه يوسف الصديق؟ قال: نعم، فسماه الله صدِّيقا فبكى بنيامين بكاء شديدا، وبكى أفراثيم لبكائه. ويوسف وزليخا ينظران إليهما ويبيكيان. قال أفراثيم: يا عم مم بكاؤك؟ قال: يا بنى كان لى أخ اسمه يوسف، وقص عليه القصة، فقال له: لا تبكى يا عمى، فأنا ابن أخيك يوسف، وهو الذى كان يقربك، فوثب من مكانه فضمه إلى صدره، وقال: واحزناه وا طول شوقاه لفراقك يا قرة عينى، وريحان قلبى، وثمرة فؤادى يا يوسف، وأين والدك؟ دلنى عليه، فلا صبر لى عنه، فمضى أفراثيم نحو والده وأخبره بخبر عمه، قال له: سر إليه وأتنى به، فرجع قال له: قم يا عمى، فقام معه، ودخل به بيت الخلوة، فقام إليه يوسف، وكشف البرقع عن وجهه، وضمه إلى صدره، وقال: يا قرة عينى يا بنيامين، أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون، فزعق بنيامين فغشى عليه، ثم أفاق فقال له: يا حبيبى وقرة عينى وثمرة فؤادى، كيف حال والدى؟ قال: كيف أصف لك حاله يا يوسف، قد ذهبت والله عيناه من البكاء عليك، فهو لا يشتهى إلا لقاءك، فبكى وقال: ليت أمى لم تلدنى. ثم سأل عن أخته زينة؟ فقال له: وحياتك العزيزة علىَّ ما لبست المسكينة منذ أربعين سنة إلا المسوح، وهى تقعد كل يوم فى مفرق الطريق، كلما لقيت غريبا سألته عنك، ثم قال: يا بنيامين هل تزوجت؟ قال: نعم، قال له: يا أخى كيف يتفرغ الحزين لذلك؟ قال: وعزتك على لو كانت نار الاشتياق تدوم لذابت، ولكن إذا عظمت يداركها الحق سبحانه باللطف، يسلى بالرجاء، وينسى حتى يتم قضاه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان عليه. قال: فهل لك أولاد؟ قال: ثلاثة، قال: ما أسماؤهم؟ قال: يوسف، وذئب، ودم، قال: ولم سميتهم بذلك؟ قال: إذا نظرت إلى يوسف ذكرتك، وإذا نظرت إلى ذئب ذكرت ذلك الذئب الذى أكلك ومزق قميصك، وإذا نظرت إلى دم ذكرت الدم الذى لطخوا به القميص، فبكى وقال: قم عند إخوتك يا بنيامين، فقال: كيف تبعدنى عندك بعد ما بكيت أربعين سنة؟ قال: يا أخى إنك لم تبق معى إلا أن أضع عليك اسم اللصوصية، قال: نعم. ثم قام بنيامين، ودخل على إخوته فما عرفوه من النور الذى فى وجهه من فرحه بلقاء أخيه، فقالوا له، من أنت؟ قال: أنا أخوكم بنيامين، قالوا: من غيَّرك؟ قال: أتعرفون مغيرا غير الله تعالى، وغبطوه وقالوا له: هنيئا لك، فما الذى قال لك الملك؟ قال: وعدنى بخير. قال فى عرائس القرآن: قال كعب الأحبار: لما تعرف يوسف إليه قال: فإنى لا أفارقك، قال يوسف: قد علمت اغتمام والدى بسببى، فإذا حبستك ازداد غما، ولا يمكننى حبسك إلا بعد أن أشهرك بأمر عظيم، فقال: لا أبالى افعل ما بدا لك، قال، فإنى أدس صاعى هذا فى رحلك، ثم نادى عليك بالسرقة ليعيننى ذلك على ردك بعد تسريحك، قال: فافعل. فأوفى لهم الكيل، وجعل لبنيامين حمل بعير باسمه، وقيل: زاد لكل واحد حمل بعير، وأمر بالسقاية أن تجعل فى رحل أصغرهم وهو بنيامين وهو لا يشعر، وذلك قوله تعالى. {فلمَّا جهَّزهم بجِهازهم...}

اطفيش

تفسير : {وَلمَّا دخَلُوا علَى يُوسُفَ} فى مجلس حكمه {آوَى} ضم {إِليْهِ أَخَاهُ} بعد أَن قالوا له فى مجلسه: هذا أَخونا الذى أَمرتنا أَن نأْتيك به، فقال: أَحسنتم وسأُجازيكم، فأَنزلهم وأَكرمهم وأَجلسهم على موائد مثنى، وأَفرد بنيامين، فبكى وقال: لو كان أَخى يوسف حياً لجلست معه، وقالوا له: كان له أَخ مات، فقال: فأَنا أُجلسه معى، وجعل لكل اثنين فراشا وجعل بنيامين كذلك معه فى فراشه ولما أَصبح قال: يكون هذا الرجل معى فى منزلى، وأَجرى لهم طعام كذلك، ولما خلا به يوسف قال: ما اسمك؟ قال: بنيامين، قال: هل لك من ولد؟ قال: عشرة قال: وهل لك من شقيق قال: مات قال: أتحب أَن أكونه؟ قال: ومن يجد مثلك أَخا لكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وعانقه، وقال: أَنا شقيقك أَخوك يوسف فقال: لا أُفارقك، فقال: يزداد أَبونا غما بحبسك، لكن أَدس الصاع فى رحلك فتشهر بالسرقة فأَقبضك، وذلك أَن إِمساكه لحدث أَقل ضررا على يعقوب بالنسبة إِلى غير حدث، قال: افعل هذا وما شئْت بما يسوءُ ولا أُبالى كما قال الله جل وعلا {قَالَ إِنِّى أَنَا أَخُوكَ} الشقيق {فَلاَ تبْتَئِسْ} لا يظهر عليك أَثر الحزن كالنحول والصفرة وعدم الانبساط، وهذا معنى الابتئَاس، والمراد ما لزومه وسببه فكأنه قيل لا تحزن {بِمَا كَانُوا يَعْملُونَ} فينا من المضار حسدا لنا، وأَمره أَن لا يخبرهم بأنه يوسف وبدس الصاع.

الالوسي

تفسير : . {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءاوَىٰ } أي ضم {إِلَيْهِ أَخَاهُ } بنيامين، قال المفسرون: إنهم لما دخلوا عليه عليه السلام قالوا: أيها الملك هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، وبلغوه رسالة أبيهم، فإنه عليه السلام لما ودعوه قال لهم: بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا، وقال أبو منصور المهراني: إنه عليه السلام خاطبه بذلك في كتاب فلما قرأه يوسف عليه السلام بكى ثم أنه أكرمهم وأنزلهم وأحسن نزلهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال: لو كان أخى يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف عليه السلام: بقى أخوكم وحده فقالوا له: كان له أخ فهلك قال: فأنا أجلسه معي فأخذه وأجلسه معه على مائدة وجعل يؤاكله، فلما كان الليل أمرهم بمثل ذلك وقال: ينام كل اثنين منكم على فراش فبقي بنيامين وحده فقال: هذا ينام عندي على فراشي فنام مع يوسف عليه السلام على فراشه فجعل يوسف عليه السلام يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح وسأله عن ولده فقال: لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخاً مثلك أيها الملك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه وتعرف إليه عند ذلك. {قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } يوسف {فَلاَ تَبْتَئِسْ } أي فلا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا على خير ولا تعلمهم بما أعلمتك، والقول بأنه عليه السلام تعرف إليه وأعلمه بأنه أخوه حقيقة هو الظاهر. وروي عن ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما إلا أن ابن اسحٰق قال: إنه عليه السلام قال له بعد أن تعرف إليه: لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم، قال ابن عطية: وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إلى ما يعمله فتيانه عليه السلام من أمر السقايه ونحو ذلك، وهو لعمري مما لا يكاد يقول به من له أدنى معرفة بأساليب الكلام، وقال وهب: إنما أخبر عليه السلام أنه قائم مقام أخيه الذاهب في الود ولم يكشف إليه الأمر، ومعنى {لا تَبْتَئِسْ} الخ لا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الحسد والأذى فقد أمنتهم، وروي أنه قال ليوسف عليه السلام: أنا لا أفارقك قال: قد علمت اغتمام والدي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا يجمل قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك قال: فإني أدس صاعي في/ رحلك ثم أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم قال: افعل.

ابن عاشور

تفسير : موقع جملة {ولما دخلوا على يوسف} كموقع جملة { أية : ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } تفسير : [سورة يوسف: 68] في إيجاز الحذف. والإيواء: الإرجاع. وتقدم في قوله تعالى: { أية : أولئك مأواهم النار } تفسير : في سورة يونس (8). وأطلق الإيواء هنا مجازاً على الإدناء والتقريب كأنه إرجاع إلى مأوى، وإنما أدناه ليتمكن من الإسرار إليه بقوله: {إني أنا أخوك}. وجملة {قال إني أنا أخوك} بدل اشتمال من جملة {آوى إليه أخاه}. وكلمه بكلمة مختصرة بليغة إذ أفاده أنه هو أخوه الذي ظنه أكلَه الذئب. فأكد الخبر بــــ (إنّ) وبالجملة الاسمية وبالقصر الذي أفاده ضمير الفصل، أي أنَا مقصور على الكون أخاك لا أجنبي عنك، فهو قصر قلب لاعتقاده أن الذي كلّمه لا قرابة بينه وبينه. وفرّع على هذا الخبر {فلا تبتئس بما كانوا يعملون}. والابتئاس: مطاوعة الإبئاس، أي جَعْل أحد بائساً، أي صاحب بؤس. والبؤس: هو الحزن والكدر. وتقدم نظير هذا التركيب في قصة نوح ــــ عليه السلام ــــ من سورة هود. والضميران في {كانوا} و{يعملون} راجعان إلى إخوتهما بقرينة المقام، وأراد بذلك ما كان يجده أخوه (بنيامين) من الحزن لهلاك أخيه الشقيق وفظاظة إخوته وغيرتهم منه. والنهي عن الابتئاس مقتضٍ الكفّ عنه، أي أزلْ عنك الحزن واعتْضْ عنه بالسرور. وأفاد فعل الكون في المضي أن المراد ما عَملوه فيما مضى. وأفاد صوغ {يعملون} بصيغة المضارع أنه أعمال متكررة من الأذى. وفي هذا تهيئة لنفس أخيه لتلقي حادث الصُّوَاع باطمئنان حتى لا يخشى أن يكون بمحل الريبة من يوسف ــــ عليه السلام ــــ.

القطان

تفسير : آوى اليه اخاه: ضمه اليه. لا تبتئس: لا تحزن. السقاية: وعاء يسقى به ويُكال به الطعام، وهو المراد بصواع الملك. العير: القافلة من الابل والبغال والحمير. زعيم: كفيل. ولما دخل اخوة يوسف عليه انزلهم منزلا كريما، واختص أخاه بنيامين بأن ضمّه إليه وأسرّ له قائلا: إني اخوك يوسف، فلا تحزنْ بما كانوا يصنعون معك، وما صنعوه معي. ثم إنه أكرم وفادتهم، وكال لهم الطعام، وزادهم حِمْلَ بعير لأخيه وجهّزهم للسفر، لكنّه أمر أعوانه ان يدسّوا كأس شراب الملك في أمتعة أخيه بنيامين. وغادر القومُ، فنادى مناد: أيها الركْب القافلون بأحمالهم، قِفوا إنكم لسارقون. ارتاع إخوة يوسف للنداء، واتجهوا الى المنادين يسألونهم: ما الذي ضاع منكم، أي شيء تفقدون؟ فأجابهم هؤلاء: لقد سرقتم سقاية الملك يوسف، ونحن نعطي لمن جاء به حِمل بعير من المؤونة. فقال اخوة يوسف وقد فوجئوا بهذا الاتهام: إن اتهامكم ايّانا بالسرقة أمر عجيب. و{مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}. فقال فتيان يوسف وأعوانه لإخوته: فما جزاء من سرق صواع الملك ان ظهر انه عند احدكم؟ قالوا: من وجدتم ذلك في رحله فجزاؤه ان يؤخذ عبدا للملك، {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}. فتش كبير الأعوان أحمالهم، مبتدئاً بالكبير منتهيا بالصغير، فوجد السقايةَ في عِدْل بنيامين. {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} وبذلك نجحت حيلته، وحق له ان يحتجز أخاه. ورجع بقية الإخوة الى مصر ودخلوا على يوسف مستعطِفين مسترحِمين. عند ذاك لامهم يوسف على ما صنعوا بعد ان اكرمهم وأحسن اليهم. ثم علّل الله ما صنعه من التدبير ليوسف بقوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ} ولولا هذا التدبير لتعذر على يوسف ان يضم أخاه اليه. فنحن {ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} بالعلم والنبوة، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {آوَىۤ} {تَبْتَئِسْ} (69) - وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَمَعَهُمْ أَخُوهُمْ لأَِبِيهِمْ، أَحْسَنَ اسْتِقْبَالَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ، وَاخْتَلَى بِأَخِيهِ، وَعَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَصَّ عَلَيهِ مَا وَقَعَ لَهُ، وَقَالَ لَهُ إِنَّهُ أَخُوهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَأْسَفَ عَلَى مَا صَنَعُوا بِهِ، وَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَأَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ سَيَحْتَالُ لِيَسْتَبْقِيَهُ عِنْدَهُ. آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ - ضَمَّهُ إِلى صَدْرِهِ. فَلاَ تَبْتَئِسْ - فَلاَ تَحْزَنْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أنهم حين دخلوا على يوسف أحسن استقبالهم؛ وأكرم وفادتهم؛ بعد أن وَفَّوْا بوعدهم معه، وأحضروا أخاهم وشقيقه بنيامين معهم، وكان يوسف عليه السلام مُشْتاقاً لشقيقه بنيامين. وقد عرفنا من قبل أنه الشقيق الوحيد ليوسف؛ فهما من أم واحدة؛ أما بقية الإخوة فهم من أمهات أخريات. وقول الحق سبحانه عن يوسف: {آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ ..} [يوسف: 69]. يدلُّ على أن يوسف كان مُتشوِّقاً لرؤية شقيقه. وقوله: {قَالَ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يوسف: 69]. يوضح لنا أن إخوة يوسف قد استفردوا لفترة ببنيامين، ولم يُحْسِنوا معاملته، وحاول يوسف أن يُسرِّي عن أخيه، وأن يُزيل عنه الكَدَر بسبب ما كان إخوته يفعلونه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: تتحدث الآيات عن مجيء إخوة يوسف للمرة الثانية إلى مصر ومعهم "بنيامين" الأخ الشقيق ليوسف، وما كان من شأنه حين ظهر الصواع في رحله، فاحتجزه يوسف عنده بحكم شريعة يعقوب، ثم ما كان من تمام المحنة على يعقوب عليه السلام بفقد ولديه حتى ذهب الحزن ببصره. اللغَة. {تَبْتَئِسْ} تحزن {ٱلْعِيرُ} الإِبل التي عليها الأحمال ثم كثر الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عيرٌ {صُوَاعَ} الصُواع: الصاع الذي يكال به يُذكَّر ويؤنَّث وهو السقاية {زَعِيمٌ} كفيل {سَوَّلَتْ} زيَّنت وسهَّلت {كَظِيمٌ} ممتلئ من الحزن يكتمه ولا يبديه {تَفْتَؤُاْ} لا تفتأ ولا تزال من أخوات كان الناقصة {حَرَضاً} الحَرَض: المَرَض الذي يُشْفي على الهلاك قال الشاعر: شعر : سَرَى همِّي فأَمْرضني وقِدْماً زَادَنِي مَرَضاً كذاك الحُبُّ قبلَ اليَو مِ ممّا يُورِثُ الحَرَضا تفسير : وأصل الحَرَض الفساد في الجسم أو العقل {بَثِّي} البثُّ: أشد الغمّ والهمّ {فَتَحَسَّسُواْ} التحسُّسُ: طلب الشيء بالحواس، والتعرُّفُ عليه مع الاستقصاء الدقيق ويستعمل في الخير كما أن التجسُّس يستعمل في الشر، وقيل يستعمل في الخير والشر {لاَ تَثْرِيبَ} التثريبُ: التأنيب والتوبيخ. التفسِير: {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} أي وحين دخل أولاد يعقوب على يوسف {آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} أي ضمَّ إليه أخاه الشقيق بنيامين {قَالَ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ} أي أنا أخوك يوسف، أخبره بذلك واستكتمه {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لا تحزنْ بما فعلوا بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا بخير قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه أكرمهم وأحسن ضيافتهم ثم أنزل كل اثنين في بيت وبقي "بنيامين" وحيداً فقال: هذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويعانقه، وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تحزن بما صنعوا، ثم أعلمه أنه سيحتال لإِبقائه عنده وأمره أن يكتم الخبر {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي ولمّا قضى حاجتهم وحمَّل إبلهم بالطعام والميرة {جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} أي أمر يوسف بأن تُجعل السقاية - وهي صاعٌ من ذهب مرصَّعٌ بالجواهر - في متاع أخيه بنيامين {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي نادى منادٍ {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ} أي يا أصحاب الإِبل ويا أيها الركب المسافرون {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} أي أنتم قوم سارقون، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ}؟ قال المفسرون: لما وصل المنادون إليهم قالوا: ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم؟ ونوفّ إليكم الكيل؟ ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك ولا نتّهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى: {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ} أي التفتوا إليهم وسألوهم ماذا ضاع منكم وماذا فُقد؟ وفي قولهم {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} بدل "ماذا سرَقْنا" إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسن الأدب، وعدم المجازفة بنسبة البريئين إلى تهمة السرقة، ولهذا التزموا الأدب معهم فأجابوهم {قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ} أي ضاع منا مكيال الملِك المُرصَّع بالجواهر {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أي ولمن جاءنا بالمكيال وردَّه إلينا حِمْلُ بعيرٍ من الطعام كجائزة له {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} أي أنا كفيلٌ وضامنٌ بذلك {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ} قسمٌ فيه معنى التعجب أي قالوا متعجبين: والله لقد علمتم أيها القوم ما جئنا بقصد أن نفسد في أرضكم {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي ولسنا ممن يُوصف بالسرقة قطُّ لأننا أولاد أنبياء ولا نفعل مثل هذا الفعل القبيح قال البيضاوي: استَشْهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم من فرط أمانتهم، كردّ البضاعة التي جُعلت في رحالهم، وككمِّ أفواه الدواب لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} أي ما عقوبة السارق في شريعتكم إن كنتم كاذبين في ادعاء البراءة {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي جزاء السارق الذي يوجد الصاع في متاعه أن يُسترقَّ ويصبح مملوكاً لمن سَرَق منه {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي كذلك نجازي من تعدَّى حدود الله بالسرقة وأمثالها، وهذا القول منهم هو الحكم في شريعة يعقوب وقد نسخ بقطع الأيدي في الشريعة الإِسلامية {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} أي بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين قال المفسرون: هذا من تمام الحيلة ودفع التهمة فإنهم لما ادعوا البراءة قال لهم: لا بدَّ من تفتيش أوعيتكم واحداً واحداً فانطلقوا بهم إلى يوسف فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء "بنيامين" قال قتادة: ذُكر لنا أنه كان لا يفتح متاعاً ولا ينظر وعاءً إلا استغفر الله مما قذفهم به، حتى بقي أخوه - وكان أصغرَ القوم فقال: ما أظنُّ هذا أخذ شيئاً فقالوا: والله لا نتركُك حتى تنظر في رَحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه فذلك قوله تعالى {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} أي استخرج الصواع من متاع أخيه بنيامين، فلما أخرجها منه نكَّس الإِخوةُ رءوسَهم من الحياء، وأقبلوا عليه يلومونه ويقولون له فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي كذلك صنعنا ودبرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي أخاه عنده {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُغرَّم ضعفَ ما سَرَق {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي إلا بمشيئته تعالى وإذنه، وقد دلّت الآية على أن تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه له {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا كما رفعنا يوسف {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} أي فوق كل عالمٍ من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى ذي العلم البالغ وهو ربُّ العالمين قال الحسن: ليس عالمٌ إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله وقال ابن عباس: الله العليم الخبير فوق كل عالم {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} أي إن سرق فقد سرق أخوه الشقيق من قبله يعنون يوسف، تنصّلوا من السرقة ورموا بها يوسف وأخاه {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أخفى تلك القولة في نفسه وكتمها ولم يُظهرها لإِخوته تلطفاً معهم {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} أي أنتم شرٌ منزلةًً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء، ولم يواجههم بهذا الكلام وإنما قاله في نفسه {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} أي أعلم بما تتقوّلوا وتفترون {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً} استرحامٌ واستعطافٌ أي قالوا مستعطفين يا أيها السيد المبجَّل إنَّ أباه شيخ كبير في السِّن لا يكاد يستطيع فراقه {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أي خذْ بدله واحداً منا فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي أتممْ إحسانك علينا فقد عودتنا الجميل والإِحسان {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي نعوذ بالله من أن نأخذ أحداً بجرم غيره {إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} أي نكون ظالمين إن فعلنا ذلك قال الألوسي: والتعبير بقوله {مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} بدل "من سَرَقَ" لتحقيق الحق والاحتراز عن الكذب {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً} أي ولما يئسوا من إجابة طلبهم يأساً تاماً، وعرفوا أن لا جدوى من الرجاء، اعتزلوا جانباً عن الناس يتناجون ويتشاورون {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي قال أكبرهم سناً وهو "روبيل" أليس قد أعطيتم أباكم عهداً وثيقاً بردِّ أخيكم؟ {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} أي ومن قبل هذا ألا تذكرون تفريطكم في يوسف؟ فكيف ترجعون إليه الآن؟ {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ} أي فلن أفارق أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالخروج منها {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} أي يحكم لي بخلاص أخي {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} أي وهو سبحانه أعدل الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} أي ارجعوا إلى أبيكم فأخبروه بحقيقة ما جرى وقولوا له إن ابنك بنيامين سَرَق {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} أي ولسنا نشهد إلا بما تيقنا وعلمنا فقد رأينا الصاع في رَحْله {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} أي واسأل أهل مصر عن حقيقة ما حدث قال البيضاوي: أي أرسلْ إلى أهلها واسألهم عن القصة {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي واسأل أيضاً القافلة التي جئنا معهم وهم قوم من كنعان كانوا بصحبتهم في هذه السفرة {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي صادقون فيما أخبرناك من أمره {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي زيَّنتْ وسهَّلت لكم أنفسكم أمراً ومكيدةً فنفذتموها، اتهمهم بالتآمر على "بنيامين" لما سبق منهم في أمر يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي لا أجد سوى الصبر محتسباً أجري عند الله {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} أي عسى أن يجمع الله شملي بهم، ويقرّ عيني برؤيتهم جميعاً {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} أي العالم بحالي الحكيم في تدبيره وتصريفه {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} أي أعرض عن أولاده كراهة لما سمع منهم {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} أي يا لهفي ويا حسرتي وحزني على يوسف {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} أي فقد بصره وعشي من شدة البكاء حزناً على ولديه {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مملوء القلب كمداً وغيظاً ولكنه يكتم ذلك في نفسه، وهو مغموم ومكروب لتلك الداهية الدهياء قال أبو السعود: وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخويه لأن ذكر يوسف كان آخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان واثقاً بحياتهما طامعاً في إيابهما وأما يوسف فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله وفضله وقال الرازي: الحزن الجديد يقوّي الحزن القديم الكامن في النفس، والأسى يبعث الأسى ويثير الأحزان قال الشاعر: شعر : فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعْني فهذا كله قبر مالك تفسير : {قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي لا تفتأ ولا تزال تذكر يوسف وتتفجع عليه {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} أي حتى تكون مريضاً مشرفاً على الهلاك أو تهلك أسىً وحسرة وتموت {قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} أي قال لهم يعقوب: لستُ أشكو غميّ وحزني إليكم وإنما أشكو ذلك إلى الله فهو الذي تنفع الشكوى إليه {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ويأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} أي اذهبوا إلى الموضع الذي جئتم منه فالتمسوا يوسف وتعرّفوا على خبره وخبر أخيه بحواسكم {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} أي لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه وتنفيسه {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} أي فإنه لا يقنط من رحمته تعالى إلا الجاحدون المنكرون لقدرته جلَّ وعلا {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} في الكلام محذوف أي فخرجوا راجعين إلى مصر فدخلوا على يوسف فلما دخلوا قالوا يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا الشدة من الجدب والقحط {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} أي وجئنا ببضاعة رديئة مدفوعة يدفعها كل تاجرٍ رغبة عنها واحتقاراً قال ابن عباس: كانت دراهمهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، أظهروا له الذل والانكسار استرحاماً واستعطافاً {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} أي أتمم لنا الكيل ولا تنقصْه لرداءة بضاعتنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أي بردّ أخينا إلينا أو بالمسامحة عن رداءة البضاعة {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} أي يثيب المحسنين أحسن الجزاء .. ولما بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار أدركته الرأفة فباح لهم بما كان يكتمه من أمره {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}؟ أي هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه حال شبابكم وطيشكم؟ والغرض تعظيم الواقعة كأنه يقول: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه! قال أبو السعود: وإنما قاله نصحاً لهم، وتحريضاً على التوبة، وشفقةً عليهم {قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} أي قال إخوته متعجبين مستغربين: أأنت يوسف حقاً؟ {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي} أي قال: نعم أنا يوسف وهذا أخي الشقيق {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي منَّ علينا بالخلاص من البلاء، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ} أي إنه من يتق الله فيراقبه ويصبر على البلايا والمحن {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي لا يبطل أجرهم ولا يضيع إحسانهم بل يجزيهم عليه أوفى الجزاء قال البيضاوي: ووضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} اعترافٌ بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضَّلك الله علينا بالتقوى والصبر، والعلم والحلم {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي وحالُنا وشأننا أننا كنا مذنبين بصنيعنا الذي صنعنا بك، ولذلك أعزَّك الله وأذلنا، وأكرمك وأهاننا {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} أي قال لهم يوسف: لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصفح وأعفو {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} دعاءٌ لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما فرط منهم {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي} قال الطبري: ذُكر أن يوسف لمّا عرَّف نفسه إخوته سألهم عن أبيهم فقالوا: ذهب بصره من الحزن فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك {يَأْتِ بَصِيراً} أي يرجع إليه بصره {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب. البَلاَغَة: 1- {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} فيه جناس الاشتقاق وكذلك في {أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}. 2- {فَأَسَرَّهَا ... وَلَمْ يُبْدِهَا} بينهما طباق. 3- {شَيْخاً كَبِيراً} فيه إطناب للاستعطاف. 4- {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} مجاز مرسل علاقته المحلية. 5- {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} بين لفظتي الأسف ويوسف جناس الاشتقاق. 6- {تَالله تَفْتَؤُاْ} إِيجاز بالحذف أي تالله لا تفتأ. 7- {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} فيه استعارة استعير الرَّوْح وهو تنسيم الريح التي يلذُّ شميمها ويطيب نسيمها، للفَرَج الذي يأتي بعد الكربة، واليُسر الذي يأتي بعد الشدة. لطيفَة: ذكر القاضي عياض في كتابه "الشفا" أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ هذه الآية {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً} فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام. وذلك أن الآية ذكرت صفة اعتزالهم لجميع الناس، وانفرادهم من غيرهم، وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ذكر الحادث، فتضمنت تلك الآية القصيرة، معاني القصة الطويلة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} معناه ضَمَّهُ إِليهِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لما دخل إخوة يوسف على يوسف { آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } أي: شقيقه وهو "بنيامين" الذي أمرهم بالإتيان به، [و] ضمه إليه، واختصه من بين إخوته، وأخبره بحقيقة الحال، و { قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ } أي: لا تحزن { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فإن العاقبة خير لنا، ثم خبره بما يريد أن يصنع ويتحيل لبقائه عنده إلى أن ينتهي الأمر. { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } أي: كال لكل واحد من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا. { جَعَلَ السِّقَايَةَ } وهو: الإناء الذي يشرب به، ويكال فيه { فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ } أوعوا متاعهم، فلما انطلقوا ذاهبين، { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } ولعل هذا المؤذن، لم يعلم بحقيقة الحال. { قَالُوا } أي: إخوة يوسف { وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ } لإبعاد التهمة، فإن السارق ليس له همٌّ إلا البعد والانطلاق عمن سرق منه، لتسلم له سرقته، وهؤلاء جاءوا مقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا إزالة التهمة التي رموا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: { مَاذَا تَفْقِدُونَ } ولم يقولوا: "ما الذي سرقنا" لجزمهم بأنهم براء من السرقة. { قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } أي: أجرة له على وجدانه { وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذن المتفقد. { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ } بجميع أنواع المعاصي، { وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } فإن السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنهم ليسوا مفسدين ولا سارقين، لأنهم عرفوا أنهم سبروا من أحوالهم ما يدلهم على عفتهم وورعهم، وأن هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم، وهذا أبلغ في نفي التهمة، من أن لو قالوا: " تالله لم نفسد في الأرض ولم نسرق ". { قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ } أي: جزاء هذا الفعل { إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ } بأن كان معكم؟ { قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ } أي: الموجود في رحله { جَزَاؤُهُ } بأن يتملكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا: { كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }. { فَبَدَأَ } المفتش { بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ } وذلك لتزول الريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا { اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } ولم يقل "وجدها، أو سرقها أخوه" مراعاة للحقيقة الواقعة. فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته، قال تعالى: { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ } لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، وإنما له عندهم، جزاء آخر، فلو ردت الحكومة إلى دين الملك، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد. قال تعالى: { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف، { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } فكل عالم، فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة. فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ } هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه. { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } يعنون: يوسف عليه السلام، ومقصودهم تبرئة أنفسهم وأن هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا. وفي هذا من الغض عليهما ما فيه، ولهذا: أسرها يوسف في نفسه { وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسرَّ الأمر في نفسه. و { قَالَ } في نفسه { أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا } حيث ذممتمونا بما أنتم على أشر منه، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } منا، من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها، ثم سلكوا معه مسلك التملق، لعله يسمح لهم بأخيهم. فـ { قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } أي: وإنه لا يصبر عنه، وسيشق عليه فراقه، { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك. فـ { قَالَ } يوسف { مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } أي: هذا ظلم منا، لو أخذنا البريء بذنب من وجدنا متاعنا عنده، ولم يقل "من سرق" كل هذا تحرز من الكذب، { إِنَّا إِذًا } أي: إن أخذنا غير من وجد في رحله { لَظَالِمُونَ } حيث وضعنا العقوبة في غير موضعها.