Verse. 1666 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

فَلَمَّا جَہَّزَہُمْ بِجَہَازِہِمْ جَعَلَ السِّقَايَۃَ فِيْ رَحْلِ اَخِيْہِ ثُمَّ اَذَّنَ مُؤَذِّنٌ اَيَّــتُہَا الْعِيْرُ اِنَّكُمْ لَسٰرِقُوْنَ۝۷۰
Falamma jahhazahum bijahazihim jaAAala alssiqayata fee rahli akheehi thumma aththana muaththinun ayyatuha alAAeeru innakum lasariqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية» هي صاع من الذهب مرصع بالجوهر «في رحل أخيه» بنيامين «ثم أذن مؤذن» نادى مناد بعد انفصالهم عن مجلس يوسف «أيتها العير» القافلة «إنكم لسارقون».

70

Tafseer

ابن كثير

تفسير : لما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعاماً، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية، وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب، قال ابن زيد: كان يشرب فيه، ويكيل للناس به؛ من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد، وقال شعبة عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: صواع الملك، قال: كان من فضة، يشربون فيه، وكان مثل المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ} أي: صاعه الذي يكيل به {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} وهذا من باب الجعالة، {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} وهذا من باب الضمان والكفالة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ } هي صاع من ذهب مرصع بالجوهر {فِى رَحْلِ أَخِيهِ } بنيامين {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ } نادى مناد بعد انفصالهم عن مجلس يوسف {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ } القافلة {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فلما جهزهم بجهازهم}وهو كيل الطعام لهم بعد إكرامهم وإعطائه بعيراً لأخيهم مثل ما أعطاهم. {جعل السقاية في رحل أخيه}والسقاية والصواع واحد. قال ابن عباس. وكل شيء يشرب فيه فهو صواع، قال الشاعر: شعر : نشرب الخمر بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا تفسير : قال قتادة: وكان إناء المتك الذي يشرب فيه. واختلف في جنسه، فقال عكرمة كان من فضة، وقال عبد الرحمن بن زيد: كان من ذهب، وبه كال طعامهم مبالغة في إكرامهم. وقال السدي: هو المكوك العادي الذي يلتقي طرفاه. {ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون}أي نادى مناد فسمى النداء أذاناً لأنه إعلام كالأذان. وفي {العير}وجهان: أحدهما: أنها الرفقة. الثاني: أنها الإبل المرحولة المركوبة، قاله أبو عبيدة. فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يجعل السقاية في رحل أخيه لسرقهم وهم برآء، وهذه معصية؟ قيل عن هذه أربعة أجوبة: أحدها: أنها معصية فعلها الكيال ولم يأمر بها يوسف. الثاني: أن المنادي الذي كال حين فقد السقاية ظن أنهم سرقوها ولم يعلم بما فعله يوسف، فلم يكن عاصياً. الثالث: أن النداء كان بأمر يوسف، وعنى بذلك سرقتهم ليوسف من أبيه، وذلك صدق. الرابع: أنها كانت خطيئة من قبل يوسف فعاقبه الله عليها بأن قال القوم {إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل}يعنون يوسف. وذهب بعض من يقول بغوامض المعاني إلى أن معنى قوله {إنكم لسارقون} أي لعاقون لأبيكم في أمر أخيكم حيث أخذتموه منه وخنتموه فيه. قوله عز وجل: {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} لأنهم استنكروا ما قذفوا به مع ثقتهم بأنفسهم فاستفهموا استفهام المبهوت. {قالوا نفقد صواع الملك}والصواع واحد وحكى غالب الليثي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ صوغ الملك بالغين معجمة، مأخوذ من الصياغة لأنه مصوغ من فضة أو ذهب وقيل من نحاس. {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم}وهذه جعالة بذلت للواجد. وفي حمل البعير وجهان: أحدهما: حمل جمل، وهو قول الجمهور. الثاني: حمل حمار، وهو لغة، قاله مجاهد. واختلف في هذا البذل على قولين: أحدهما: أن المنادي بذله عن نفسه لأنه قال {وأنا به زعيم}أي كفيل ضامن. فإن قيل: فكيف ضمن حمل بعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أن حمل البعير قد كان عندهم معلوماً كالسوق فصح ضمانه. الثاني: أنها جعالة وقد أجاز بعض الفقهاء فيها في الجهالة، ما لم يُجزْه في غيرها كما أجاز فيها ضمان ما لم يلزم، وإن منع منه في غيرها.

ابن عطية

تفسير : هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه الغرم، فعلم يوسف أن إخوته - لثقتهم ببراءة ساحتهم - سيدعون في السرقة إلى حكمهم؛ فتحيل لذلك، واستسهل الأمر - على ما فيه من رمي أبرياء بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب عليه السلام، وعليهم - لما علم في ذلك من الصلاح في الأجل، وبوحي لا محالة وإرادة من الله محنتهم بذلك، - هذا تأويل قوم، ويقويه. قوله تعالى: {أية : كذلك كدنا ليوسف} تفسير : [يوسف: 76] وقيل: إنما أوحي إلى يوسف أن يجعل السقاية فقط، ثم إن حافظها فقدها، فنادى على ما ظهر إليه - ورجحه الطبري؛ وتفتيش الأوعية يرد عليه. وقيل: إنهم لما كانوا قد باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، وإنه عوقب على ذلك بأن قالوا: "فقد سرق أخ له من قبل" وقوله: {جعل} أي بأمره خدمته وفتيانه. وقرأ ابن مسعود "وجعل" بزيادة واو. {السقاية}: الإناء الذي به يشرب الملك وبه كان يكيل الطعام للناس، هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن زيد. قال القاضي أبو محمد: وفي كتب من حرر أمرها أنها شكل له رأسان ويصل بينهما مقبض تمسك الأيدي فيه فيكال الطعام بالرأس الواحد ويشرب بالرأس الثاني أو بهما. فيشبه أن تكون لشرب أضياف الملك وفي أطعمته الجميلة التي يحتاج فيها إلى عظيم الأواني. وقال سعيد بن جبير: الـ {الصواع} مثل المكوك الفارسي، وكان إناء يوسف الذي يشرب فيه، وكان إلى الطول ما هو، قال: وحدثني ابن عباس أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية. قال القاضي أبو محمد: وقال ابن جبير - أيضاً - "الصواع": المكوك الفارسي الذي تلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم. وروي أنها كانت من فضة - وهذا قول الجمهور - وروي أنها كانت من ذهب قال الزجاج: وقال: كان من مسك. قال القاضي أبو محمد: وقد روي هذا بفتح الميم، وقيل: كان يشبه الطاس، وقيل: من نحاس - قاله ابن عباس أيضاً - ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيلها على ذلك الإناء. وكان هذا الجعل بغير علم من يامين - قاله السدي، وهو الظاهر. فلما فصلت العير بأوفارها وخرجت من مصر - فيما روي وقالت فرقة بل قبل الخروج من مصر - أمر بهم فحبسوا. و{أذن مؤذن} و"مخاطبة العير" تجوز، والمراد أربابها، وإنما المراد: أيتها القافلة أو الرفقة، وقال مجاهد: كانت دوابهم حميراً، ووصفهم بالسرقة من حيث سرق في الظاهر أحدهم، وهذا كما تقول: بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما قتله أحدهم. فلما سمع إخوة يوسف هذه المقالة أقبلوا عليهم وساءهم أن يرموا بهذه المنقبة، وقالوا: {ماذا تفقدون} ليقع التفتيش فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإنكار من أول، بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن يكون فيها ما تبطل به، فلا يحتاج إلى خصام. وقرأ أبو عبد الرحمن: "تُفقدون" بضم التاء، وضعفها أبو حاتم. {قالوا نفقد صواع الملك}: وهو المكيال وهو السقاية رسمه أولاً بإحدى جهتيه وآخراً بالثانية. وقرأ جمهور الناس "صُواع" بضم الصاد وبألف، وقرأ أبو حيوة: "صِواع" بكسر الصاد وبألف، وقرأ أبو هريرة ومجاهد "صاع الملك" بفتح الصاد دون واو، وقرأ عبد الله بن عوف: "صُوع" بضم الصاد، وقرأ أبو رجاء "صوْع" وهذه لغة في المكيال - قاله أبو الفتح وغيره - وتؤنث هذه الأسماء وتذكر. وقال أبو عبيد: يؤنث الصاع من حيث سمي سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. وقرأ يحيى بن يعمر: "صوغ" بالغين منقوطة - وهذا على أنه الشيء المصوغ للملك على ما روي أنه كان من ذهب أو من فضة، فهو مصدر سمي به، ورويت هذه القراءة عن أبي رجاء. قال أبو حاتم: وقرأ سعيد بن جبير والحسن "صُواغ" بضم الصاد وألف وغين معجمة. وقوله: {ولمن جاء به حمل بعير}، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع - وهذا جعل - وقوله: {وأنا به زعيم} حمالة، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه الجعالة - إذ هي عن الغير - تحمل هو بذلك. قال مجاهد: الـ {زعيم} هو المؤذن الذي قال: {أيتها العير} و"الزعيم": الضامن - في كلام العرب - ويسمى الرئيس زعيماً، لأنه يتضمن حوائج الناس. وقوله: {قالوا: تالله} الآية، روي: أن إخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة الموجودة في الرحال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا: {لقد علمتم} أي لقد علمتم منا التحري؛ وروي أنهم كانوا قد اشتهروا في مصر بصلاح وتعفف، وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس، فلذلك قالوا: لقد علمتم ما جئنا لفساد وما نحن أهل سرقة. والتاء في {تالله} بدل من واو - كما أبدلت في تراث وفي التورية وفي التخمة - ولا تدخل التاء في القسم إلا في المكتوبة من بين أسماء الله تعالى، لا في غير ذلك - لا تقول: تالرحمن ولا تالرحيم -. وقوله تعالى: {قالوا: فما جزاؤه} الآية، قال فتيان يوسف: فما جزاء السارق {إن كنتم كاذبين} في قولكم: {وما كنا سارقين}؟ فقال إخوة يوسف: جزاء السارق والحكم الذي تتضمنه هذه الألفاظ {من وجد في رحله فهو جزاؤه} فـ {جزاؤه} الأول مبتدأ و {من} والجملة خبر قوله: {جزاؤه} الأول، والضمير في {قالوا جزاؤه} للسارق. ويصح أن تكون {من} خبراً عائد على {من} ويكون قوله: {فهو جزاؤه} زياد بيان وتأكيد. وليس هذا الموضع - عندي - من مواضع إبراز الضمير على ما ذهب إليه بعض المفسرين، ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله {فهو جزاؤه} وقولهم هذا قول من لم يسترب بنفسه، لأنهم التزموا إرغام من وجد في رحله، وهذا أكثر من موجب شرعهم إذ حق شرعهم أن لا يؤخذ إلا من صحت سرقته، وأمر بنيامين في السقاية كان محتملاً. لكنهم التزموا أن من وجد في رحله فهو مأخوذ على أنه سارق. وقولهم {كذلك نجزي الظالمين}، أي هذه سنتنا وديننا في أهل السرقة: أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق. قال القاضي أبو محمد: وحكى بعض الناس: أن هذا الحكم كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع، وهذا ضعيف، ما كان قط فيما علمت، وحكى الزهراوي عن السدي: أن حكمهم إنما كان أن يستخدم السارق على قدر سرقته وهذا يضعفه رجوع الصواع فكان ينبغي ألا يؤخذ بنيامين إذ لم يبق فيما يخدم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِجَهَازِهِمْ} الطعام وحمل البعير لأخيهم {السِّقَايَةَ} والصواع واحد "ع"، وكل شيء يشرب فيه فهو صواع، قال: شعر : نشرب الخمر بالصواع جهارا وترى المتك بيننا مستعارا تفسير : وكان إناء الملك الذي يشرب فيه من فضة، أو ذهب، كال به طعامهم مبالغة في إكرامهم، أو هو المكوك العادي الذي تلتقي طرفاه. {أَذَّنَ} نادى مناد {الْعِيرُ} الرفقة، أو الإبل المرحولة المركوبة. {لَسَارِقُونَ} جَعْلُ السقاية في رحل أخيه عصيان، فعله الكيّال ولم يأمر به يوسف، أو فعله يوسف فلما فقد الكيال السقاية ظن أنهم سرقوها فقال: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، أو كانت خطيئة ليوسف جوزي عليه بقولهم: {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ}تفسير : [يوسف: 77] أو كان النداء بأمر يوسف وعني بالسرقة سرقتهم ليوسف من أبيه وذلك صدق، لأنهم كالسارق لخيانتهم لأبيهم.

الخازن

تفسير : {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه} وهي المشربة التي كان الملك يشرب فيها، قال ابن عباس: كانت من زبرجد، وقال ابن إسحاق كانت من فضة وقيل من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر جعلها يوسف مكيالاً لئلا يكال بغيرها وكان يشرب فيها والسقاية والصواع اسم لإناء واحد وجعلت في وعاء طعام أخيه بنيامين ثم ارتحلوا راجعين إلى بلادهم فأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلاً وقيل حتى خرجوا من العمارة ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم {ثم أذن مؤذن} يعني نادى مناد وأعلم معلم. والأذان في اللغة الإعلام {أيتها العير} وهي القافلة التي في الأحمال، وقال مجاهد: العير الحمير والبغال، وقال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهي عير وقول من قال إنها الإبل خاصة باطل وقيل العير الإبل التي تحمل عليها الأحمال سميت بذلك لأنها تعير أي تذهب وتجيء وقيل هي قافلة الحمير ثم كثر ذلك في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وقوله أيتها العير أراد أصحاب العير {إنكم لسارقون} فقفوا والسرقة أخذ ما ليس له أخذه في خفاء. فإن قلت هل كان هذا النداء بأمر يوسف أم لا فإن كان بأمره فكيف يليق بيوسف مع علو منصبه وشريف رتبته من النبوة والرسالة أن يتهم أقواماً وينسبهم إلى السرقة كذباً مع علمه ببراءتهم من ذلك وإن كان ذلك النداء بغير أمره فهلا أظهر براءته عن تلك التهمة التي نسبوا إليها. قلت ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة: أحدها: أن يوسف لما أظهر لأخيه أنه أخوه قال لست أفارقك قال لا سبيل إلى ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما يليق قال رضيت بذلك فعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام بل قد رضي به فلا يكون ذنباً. الثاني: أن يكون المعنى إنكم لسارقون ليوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام فهو من المعاريض وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. الثالث: يحتمل أن يكون المنادي ربما قال ذلك النداء على سبيل الاستفهام وعلى هذا التقدير لا يكون كذباً. الرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف وهو الأقرب إلى ظاهر الحال لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك أحد غيرهم وغلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} قال أصحاب الأخبار لما وصل الرسل إلى إخوة يوسف قالوا لهم ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم ونوف إليكم الكيل ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم قالوا بلى وما ذاك قالوا فقدنا سقاية الملك ولا نتهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى قالوا وأقبلوا عليهم أي عطفوا على المؤذن وأصحابه ماذا أي ما الذي تفقدون والفقدان ضد الوجود {قالوا} يعني المؤذن وأصحابه {نفقد صواع الملك} الصاع الإناء الذي يكال به وجمعه أصوع والصواع لغة فيه وجمعه صيعان {ولمن جاء به} يعني بالصواع {حمل بعير} يعني من الطعام {وأنا به زعيم} أي كفيل قال الكلبي الزعيم هو الكفيل بلسان أهل اليمن وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في قوله "حديث : الحميل غارم"تفسير : والحميل الكفيل. فإن قلت كيف تصح هذه الكفالة مع أن السارق لا يستحق شيئاً. قلت لم يكونوا سراقاً في الحقيقة فيحمل ذلك على مثل رد الضائع فيكون جعالة أو لعل مثل هذه الكفالة كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان فيحمل عليه {قالوا} يعني إخوة يوسف {تالله} التاء بدل من الواو ولا تدخل إلا على اسم الله في اليمين خاصة تقديره والله {لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} قال المفسرون: إن أخوة يوسف حلفوا على أمرين: أحدهما: أنهم ما جاؤوا لأجل الفساد في الأرض والثاني أنهم ما جاؤوا سارقين وإنما قالوا هذه المقالة لأنه كان قد ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير والطاعة والبر حتى بلغ من أمرهم أنهم شدوا أفواه دوابهم لئلا تؤذي زرع الناس ومن كانت هذه صفته فالفساد في حقه ممتنع. وأما الثاني: وهو أنهم ما كانوا سارقين فلأنهم قد كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ولم يستحلوا أخذها ومن كانت هذه صفته فليس بسارق فلأجل ذلك قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين فلما تبينت براءتهم من هذه التهمة {قالوا} يعني أصحاب يوسف وهو المنادي وأصحابه {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين} يعني فما جزاء السارق إن كنتم كاذبين في قولكم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }: هذا من الكَيْد الذي يَسَّره اللَّه ليوسُفَ عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يَعْقُوبَ؛ أنْ يُسْتَبْعَدَ السارقُ، وكان في دِينِ مِصْرَ؛ أن يُضْرَبَ، ويُضَعَّف عليه الغُرْم، فعلم يوسُفُ أَنَّ إِخوته لثقتهم ببراءة سَاحَتِهِمْ سَيَدْعُونَ في السَّرقة إِلى حكمهم، فتحيَّل لذلك، وٱستسْهَلَ الأَمرَ على ما فيه مِنْ رَمْي أبرياء وإِدخالِ الهَمِّ على يَعْقُوب وعَلَيْهِم؛ لِمَا علم في ذلك من الصَّلاح في الآجِلِ، وبوَحْيِ لا محالة، وإِرادةٍ مِنَ اللَّه محنَتَهُمْ بذلك، و{ٱلسِّقَايَةَ }: الإِناء الذي به يَشْرَبُ المَلِكُ؛ وبه كان يَكِيلُ الطعام للنَّاس؛ هكذا نصَّ جمهور المفسِّرين ابنُ عباس وغيره، وروي أنه كان مِنْ فضَّة، وهذا قولُ الجمهور، وكان هذا ٱلجُعْل بغَيْرِ عِلْم من «يَامين»؛ قاله السُّدِّيُّ وهو الظاهر، «فلما فَصَلَتِ العير» بأوقارها، وخرجَتْ من مصر فيما رُوِيَ أمر بهم فَحُبِسُوا، وأذن مؤذن أيتها العير إِنكم لسارقُونَ، ومخاطبةُ العِير مجازٌ، والمراد أربابها. * ت *: قال الهَرَوِيُّ: قوله تعالى: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ }: «العير»: الإِبلُ والحمير التي يحمل عليها الأحمال، وأراد أصحاب العير؛ وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:«حديث : يا خَيْلَ اللَّهِ، ٱرْكَبِي »تفسير : أراد: يا أَصْحَابَ خَيْلِ اللَّهِ ٱرْكَبِي، وأنَّث «أَيًّا»؛ لأَنه للعيرِ، وهي جماعة، انتهى. فلما سمع إِخْوَةُ يوسُفَ هذه المقالة، أقبَلوا عليهم، وساءهم أَنْ يُرْمَوْا بهذه المَثْلَبَة، وقالوا: ماذا تَفْقِدُونَ، ليقع التفْتِيشُ، فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإِنكار من أوَّل، بل سألوا إِكمال الدعوَى؛ عسى أنْ يكون فيها ما تبطل به، فلا يَحْتَاج إِلى خصامٍ، قالوا: نفقدُ صُوَاعَ المَلِكِ، وهو المِكْيَالُ، وهو السِّقَايَةُ، قال أبو عُبَيْدة: يؤنَّث الصُّوَاع؛ مِنْ حيْثُ سمي سِقَايَةً، ويذكَّر من حيث هو صَاعٌ. * ت *: ولفظ أبي عُبَيْدة الهَرَوِيُّ قال الأَخفش: الصَّاع: يذكَّر ويؤنَّث، قال اللَّه تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ } فأنَّثَ، وقَالَ: {لِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } فذكَّرَ لأنه عنى به الصُّوَاع. انتهى. وقوله: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}: أي: لمن دَلَّ على سارقه، وجَبَرَ الصَّواع، وهذا جُعْل. وقوله: {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ }: حَمَّالَةٌ، قال مجاهد: «الزَّعيم»: هو المُؤَذِّن الذي قال أيَّتُهَا العِير و«الزعيم»: الضامنُ في كلام العرب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ}. تقدَّم الكلامُ في الجهَازِ. وأمَّا قوله: {جَعَلَ ٱلسِّقَايَ} فالعامة على: "جعل" بلا واو قبلها، وقرأ عبدُ الله "وَجَعَلَ" وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن الجواب محذوفٌ. والثاني: أنَّ الواو مزيدة في الجواب على رأي الكوفيين، والأخفش. قال أبو حيَّان: وقرأ عبدُ الله فيما نقل عن الزمخشري {وجعل السقاية في رحل أخيه}: أمْهَلهُمْ حتّى انطلقوا. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}، وفي نقل ابنِ عطيَّة: "وَجَعلَ" بزيادة واوٍ في: "جَعَلَ" دون الزيادة التي زادها الزمخشريُّ، بعد قوله: "في رَحْل أخيهِ" فاحتمل أن تكون الواو زائدة على مذهب الكوفيِّين، واحتمل أن يكون جواب: "لمَّا" محذوفاً تقديره: فقدها حافظها كما قيل: إنَّما أوحي إلى يوسف بأن يجعل السِّقاية فقط، ثمَّ إنَّ صاحبها فقدها فنادى برأيه فيما ظهر له، ورجَّحهُ الطبريُّ، وتفتيتش الأوعية يردُّ هذا القول. قال شهابُ الدِّين: "لم ينقل الزمخشريُّ هذه الزِّيادة كلها قراءة عن عبدالله، إنَّما جعل [الزِّيادة] المذكورة بعد قوله: "رحْلِ أخِيهِ" تقدير جواب من عنده، وهذا نصُّه: قال الزمخشريُّ: "وقرأ ابنُ مسعودٍ: وجَعَلَ السِّقاية" على حذف جواب "لمَّا" كأنه قيل: فلمَّا جهزهم بجهازهم، وجعل السِّقاية في رحل أخيه؛ أمهلهم حتى انطلقوا، ثمَّ أذَّن مؤذِّنٌ فهذا من الزمخشريُّ إنما هو تقدير لا تلاوة منقولة عن عبد الله، ولعلَّهُ وقع للشَّيخ نسخةٌ سقيمةٌ". فصل قال الزمخشريُّ: "السِّقاية: مَشْربةٌ يُسْقَى بها وهِيَ الصواع". قيل: كَانَ يُسْقى بها الملكُ، ثُمَّ جعلت صاعاً يكالُ به، وقيل: كانت الدَّوابُّ تسقى بها، ويُكَالُ بِهَا أيضاً، وقيل: كانت من فضَّةٍ، وقيل: كَانتْ من ذهَبٍ، وقيل: كَانتْ مُرصَّعة بالجَواهرِ. والأولى أن يقال: كان ذلِكَ الإنَاء شيئاً لهُ قِيمَة، أمَّا إلى هذا الحدِّ الذي ذكروهُ فَلاَ. فصل روي أنَّ يوسف ـ صلوت الله وسلامه عليه ـ قال لأخيه: لا تُعْلِمهُمْ شيئاً ممَّا أعلمتك، ثمَّ أوفى يوسف لإخوته الكيل، وحمل لكلِّ واحدٍ بعيراً، ولبنيامين بعيرٌ باسمه، ثمَّ أمر بسقاية الملك، فجعلت في رحل بنيامين. قال السديُّ ـ رحمه الله ـ: لما قال له يوسف: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ}تفسير : [يوسف:69] قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، وإذا أجلستك، ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلاَّ بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يُحْمدُ، قال لا أبالي فافعل ما بدا لك؛ فإني لا أفارقك، قال: فإنِّي أدس صاعي في رحلك، ثمَّ أنادي عليك بالسِّرقةِ ليتهيأ لي ردّك بعد تسريحك، قال: فافعل. فعند ذلك جعل السِّقاية في طعام أخيه بنيامين، إمَّا بنفسه بحيثُ لم يطِّلعْ عليه أحدٌ، أو أمر أحداً من بعض خواصه بذلك، ثمَّ ارتحلوا، وأمهلهم يوسف حتَّى نزلوا منزلاً. وقيل: حتَّى خرجوا من العمارة، ثمَّ بعث خلفهم من استوقفهم، وحبسهم. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} نادى منادٍ: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ}، وهي القافلةُ التي فيها الأحمال، يقال: أذَّن، أي: أعلمَ. وفي الفرق بين "أذَّنَ"، و"آذَنَ" وجهان: قال ابن الأنباريِّ: "أذن بمعنى أعلم إعلاماً بعد إعلام، لأنَّ "فعَّل" يوجب تكرير الفعل، قال: ويجوز أن يكون إعلاماً واحداً، من قبل أنَّ العرب يجعل فعَّل بمعنى أفعل، في كثير من المواضع". وقال سيبويه: الفرقُ بين أذنتُ وآذنْتُ معناه: أعلمتُ، لا فرق بينهما والتَّأذينُ معناه: النِّداءُ، والتَّصويتُ بالإعلام. {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ} منادى حذف منه حرف النِّداء، والعير مؤنثٌ، ولذلك أنث أي المتوصل بها إلى ندائه، والعير فيها قولان: أحدهما: أنها في الأصل جماعة الإبل، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تعير، أي: تذهب وتجيء به. والثاني: أنَّها في الأصل قافلة الحمير؛ كأنها جمع عير، والعِيرُ: الحِمارُ؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 3121ـ ولاَ يُقِيمُ عَلى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ إلاَّ الأذَلانِ عَيْرُ الحيِّ والوَتِدُ تفسير : وأصلُ "عُيْرٌ"، بضم العين، ثمَّ فعل به ما فعل بـ"بيض"، والأصل [بُيض] بضم الأول، ثم أطلق العير على كلِّ قافلة حميرٍ كُنَّ أو غيرها، وعلى كلِّ فتقدير نسبة النداء إليها على سبيل المجاز؛ لأنَّ المنادى في الحقيقة أهلها، ونظره الزمخشريُّ بقوله: "يَا خَيْل اللهِ ارْكبِي" ولو التفت لقال: "اركَبُوا". ويجوز أن يعبر عن أهلها بها للمجاورة، فلا يكون من مجاز الحذف، بل من مجاز العلاقة، وتجمعه العرب قاطبةٌ على "عيرات" بفتح الياءِ، وهذا ممَّا اتُّفق على شذوذِهِ؛ لأن فعلة المعتلة العين حقها في جمعها بالألف والتاء أن تسكن عينها، نحو: قِيمَة وقِيمَات، ودِيمَة ودِيمَات، وكذلك "فِعْل" دون ياء إذا جمع حقه أن تسكن عينه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3122ـ غَشِيتُ دِيَارَ الحيِّ بالبَكرَاتِ فعَارِمَةٍ فبُرْقَةِ العِيَراتِ تفسير : قال الأعلمُ الشَّنتمَرِيُّ: العِيرَات هنا موضع الأعيار، وهي الحمر. قال شهابُ الدِّين: "وفي عِيرَات" شذوذ آخر، وهو جمعها بالألف، والتَّاء مع جمعها على أعيار أيضاً جمع تكسيرٍ، وقد نصُّوا على ذلك، قيل: ولذلك لحن المتنبي في قوله: [الطويل] شعر : 3123ـ إذَا كَانَ بَعَضُ النَّاسِ سَيْفاً لِدوْلَةٍ فَفِي النَّاس بُوقاتٌ لهَا وطُبُولُ تفسير : قالوا: فجمع: "بُوقاً" على: "بُوقَات" مع تكسيرهم له على"أبْوَاق". وقال أبُو الهيثم: "كلُّ ما يسير عليه من الإبل، والحمير، والبغال فهو عير خلافاً لقول من قال: العِيِرُ: الإبلُ خاصَّة". فإن قيل: هل كان ذلك النداء بأمر يوسف عليه السلام، أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرَّسُول الحق من عند الله أن يتهمهم وينسبهم إلى السرقة كذباً وبهتاناً؟. وإنْ لم يكن بأمره، فهلا أظهر براءتهم عن تلك التُّهمةِ؟. فالجواب من وجوه: الأول: ما تقدَّم من أنَّه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أظهر لأخيه أنَّه يوسف وقال: لا سبيل إلى حبسك هنا إلاَّ بهذه الحيلة، فرضي أخوهُ بها، ولم يتألم قلبه. والثاني: أراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه، والمعاريض لا تكون إلا كذلك. والثالث: أن [المؤذن] إنما نادى مستفهماً. والرابع: ـ هو الظاهر ـ أنَّهم نادوا من عند أنفسهم؛ لأنهم طلبوا السِّقاية فلم يجدوها، ما كان هناك غيرهم، فغلب على ظنهم أنَّهم هم الَّذين أخذوها، وليس في القرآن أنَّهم نادوا عن أمر يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. وقيل: إنَّهم لما كانوا باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، وأنَّه عوقب على ذلك بأن قالوا: {أية : فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}تفسير : [يوسف:77]. وقيل: أراد أيتها العيرُ حالكم حال السارق، والمعنى: إن شيئاً لغيركم صار عندكم، من غير رضى الملك، ولا علم له. وقيل: إنَّ ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، وهذا بناءً على أنَّ بنيامين لم يعلم بدسّ الصَّاع في رحله، ولا أخبره بنفسه. وقيل: معنى الكلامِ: الاستفهام، أي: أو إنكم لسارقون، كقوله: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ}تفسير : [الشعراء:22] والغرضُ ألا يعزى الكذب إلى يوسف. فإن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعاً، وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟. فالجواب: أنَّ الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثِّر فيه فقد بنيامين كل التأثير، ألا تراهُ لما فقده قال: {يا أسفا على يوسف}، ولم يعرج على بنيامين ولعلَّ يوسف إنَّما وافقه على القعود بوحي، فلا اعتراض. قوله: {وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ} هذه الجملة حاليةٌ من فاعل قالوا أي: قالوا: وقد أقبلوا، أي: في حال إقبالهم عليهم. {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} تقدم الكلام على هذه المسألة أوَّل الكتاب. وقرأ العامة: "تَفْقِدُونَ" بفتح حرف المضارعة؛ لأن المستعمل منه "فَقَدَ" ثلاثياً وقرأ السلميُّ بضمةٍ من أفقدتُّه إذا وجدته مفقوداً كأحمدتهُ وأبخلته، [إذا] وجدته محموداً وبخيلاً. وضعَّف أبو حاتمٍ هذه القراءة، ووجهها ما تقدَّم. قوله: {نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ} "الصَّواعُ: هو المِكْيَال، وهو السِّقاية المتقدِّمة سمَّاه تارة كذا، وتارة كذا". وقال بعضهم: الصُّواعُ اسم، والسِّقايةُ وصفٌ، كقولهم: كُوزٌ وسقاءٌ، الكُوزُ اسم والسِّقايةُ: وصفٌ. وقيل: "ذُكِّرَ؛ لأَنَّه صاعٌ، وأنْثَ لأنَّهُ سِقايَة. والصّواع السّقاية: إناءٌ له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشربُ منه من الرَّأسِ الواحدة ويكالُ الطَّعام بالرَّأسِ الآخرِ. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: كلُّ شيء يُشربُ به فهو صُواعٌ؛ وأنشد: [الخفيف] شعر : 3124ـ نَشْرَبُ الخَمْرَ بالصُّواعِ جِهَاراً .................... تفسير : قيل: إنما كان الطَّعام بالصُّواع مبالغة في إكرامهم. وقال مجاهدٌ، وأبو صالح: الصُّواع الطرجهالة بلغة حميرٍ. وإنَّما اتخذ هذا الإناء مكيلاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. وفيه قراءات كلُّها لغات في ذلك الحرف، ويُذكَّر، ويؤنَّث فالعامة: "صُوَاع" بزنة: "غُرَاب"، العين مهملة، وقرأ ابن جبير، والحسن كذلك إلاَّ أنه بالغين المعجمة وقرأ يحيى بن يعمر كذلك؛ إلا أنه حذف الألف، وسكن الواو، وقرأ زيد بن عليِّ "صَوْغ" كذلك إلا أنه فتح الصَّاد، وجعله مصدراً لـ:"صَاغَ" يَصُوغُ. والقراءتان [قبله] مشتقان منه وهو واقع موقع مفعول. أي: مصوغ الملك. وقرأ أبو حيوة وابن جبير والحسن ـ رضي الله عنهم ـ في رواية عنهما ـ "صِواعَ" كالعامة إلا أنهم كسروا الفاء. وقرأ أبو هريرة ومجاهد ـ رضي الله عنهما ـ: "صَاع" بزنة بَاب وألفه كألفه في كونها منقلبة عن واو مفتوحة وقرأ أبو رجاء: "صَوْع" بزنة "قَوْس". وقرأ عبد الله بن عون كذلك إلا أنه ضم الفاء فهذه ثمان قراءات متواترة وواحدة في الشاذ. قوله: {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أي من الطعام، {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}. قال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي أذن، والزعيم: الكفيل. قال الكلبيُّ: الزَّعيمُ: هو الكفيل بلسانِ أهل اليمنِ. روى أبو عبيدة عن الكسائيِّ: زعمْتُ بِهِ أزعُم زُعْماً وزَعَامَةً، أي: تكفلت به. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : الزَّعيمُ غَارِمٌ ". تفسير : فإن قيل: هذه الكفالةُ شيءٌ مجهولٌ؟. فالجواب: حمل البعير من الطَّعام كان معلوماً عندهم، فصحت الكفالةُ به إلاَّ أن هذه الكفالة مال لرد السَّرقة، وهي كفالةٌ بما لم يجب؛ لأنَّه لا يحلُّ للسَّارقِ أن يأخذ شيئاً على ردّ السِّرقةِ، ولعلّ مثل هذه الكفالة كانت تصحُّ عندهم. فصل قال القطربيُّ: "تجوز الكفالةُ عن الرِّجُل؛ لأنَّ المؤذن هو الضَّامنُ وهو غير يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. قال علماؤنا: إذا قال الرجلُ: تحمَّلتُ، أو [تكفلت] أو ضمِنتُ، أو أنا حميلٌ لكل أو زعيمٌ، أو كفيلٌ، أو ضامنٌ، أو قبيلٌ، أو لك عندي، أو علي، أو إليّ، أو قبلي، فذلك كلُّه [حَمالةٌ] لازمةٌ. واختلفوا فيمن تكفل بالنفس، أو بالوجه هل يلزمه ضمانُ المالِ". فقال الشافعيُّ ـ رضي الله عنه ـ في المشهور عنه، وأحمد: مَن تكفَّل بالنَّفس لم يلزمه الحقٌّ الذي على المطلوب إن ماتَ. وقال مالكُ، والليثُ، والأوزاعيُّ: إذا تكفل نفسه، وعليه مال، فإن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه، أو وجهه، وقال: لا أضمن المال، فلا شيء عليه من المال". فصل واختلفوا فيما إذا تكفَّل رجلٌ عن رجلٍ بمالٍ، هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما؟. فقال الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق: يأخذ من شاء منهما، وهذا كان قول مالكٍ، ثمُّ رجع عنه فقال: لا يأخذُ من الكفيل إلاَّ أن يفلس الغريمُ، أو يغيبُ؛ لأنَّ البداءة بالذي عليه الحق أولى إلاَّ أن يكون معدماً، فإنَّه يأخذُ من الحميل؛ لأنه معذورٌ في أخذه في هذه الحالةِ، وهذا قولٌ حسنٌ، والقياسُ: أنَّ للرَّجُلِ مطالبة من شاء منهما. وقال ابنُ أبي ليلى: إذا ضمن الرَّجلُ عن صاحبه مالاً؛ تحوَّل على الكفيل، وبرىء الأصيل، إلاَّ أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ من أيهما شاء. قوله "تاللهِ" التاء حرف قسم، وهي عند الجمهور بدل من واو القسم ولذلك لا تدخل إلاَّ على الجلالة المعظمة، أو الرب مضافاً للكعبة، أو الرحمن في قول ضعيف، ولو قلت: تالرحْمن" لم يجز، وهي فرعُ الفرعِ. وهذا مذهب الجمهور. وزعم السيهليُّ: أنَّها أصلٌ بنفسها، ويلازمها التَّعجب غالباً كقوله: (تالله تفتأ تذكر يوسف). وقال ابنُ عطيَّة: "والتَّاء في "تَاللهِ" بدلٌ من واو، كما أبدلت في تراثٍ، وفي التَّوراةِ، وفي التخمة، ولا تدخلُ التَّاء في القسم، إلاَّ في المكتوبة، من بين أسماء الله ـ تعالى ـ وغير ذلك لا تقول تالرحمنِ، وتَا الرَّحيم" انتهى وقد تقدَّم أنَّ السُّهيليَّ خالف في كونها بدلاً من واوٍ. وأمَّا قوله: "في التَّوراةِ" يريد عند البصريين، وزعم بعضهم أنَّ التَّاء فيها زائدةٌ، وأمَّا قوله "إلا في المكتُوبَةِ" هذا هُو المشهور، وقد تقدَّم دخولها على غير ذلك. قوله: "مَا جِئْنَا" يجوز أن يكون معلقاً للعلم، ويجوز أن يضمن العلم نفسه معنى القسم فيجاب بما يجاب به القسم، وقيل هذان القولان في قول الشاعر: [الكامل] شعر : 3125ـ ولقَدْ عَلمْتُ لتأتِينَّ مَنيِّتِي إنَّ المَنايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا تفسير : قوله {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} يحتمل أن يكون جواباً للقسم فيكونون قد أقسموا على شيئين: نفي الفساد، ونفي السَّرقة. فصل قال المفسرون: حلفوا على أمرين: أحدهما: على أنهم ما جاءوا لأجل الفسادِ في الأرض؛ لأنَّه ظهر من أحوالهم وامتناعهم من التصرف في أموال النَّاس بالكليَّة لا بأكل، ولا بإرسال في مزارع النَّاس حتَّى روي أنهم كانوا يسدون أفواه دوابهم لئلا يفسد زرع النَّاس، وكانوا مواظبين على أنواع الطَّاعات. والثاني: أنهم ما كانوا سارقين، وقد حصل لهم فيه شاهد قاطع، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر، ولم يستحلُّوا أخذها والسارق لا يفعل ذلك ألبتَّة، فلمَّا بينوا براءتهم من تلك التهمة قال أصحابُ يوسف صلوات الله عليه: {فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} فأجابوه، {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: كانوا يستعبدون في ذلك الزمان كُلَّ سارقٍ بسرقته، فلذلك قالوا: {جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي: فالسَّارقُ جزاؤه، أي: فيسلم السَّارق إلى المسرُوق منه، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السَّارق، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السَّارق، ويغرمه ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عند فردَّ الحكم إليهم؛ ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم. قوله تعالى: {جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون "جَزاؤهُ" مبتدأ، والضمير للسَّارق، و"مَنْ" شرطيَّة أو موصولة مبتدأ ثان، والفاء جواب الشَّرط، أو مزيدة في خبر الموصول لشبهه بالشَّرطِ و"مَنْ" وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ الأوَّلِ، قاله ابن عطيَّة، وهو مردودٌ؛ لعدم رابط بين المبتدأ، وبين الجملة الواقعة خبراً عنه، هكذا ردَّه أبو حيَّان عليه. وليس بظاهر؛ لأنَّه يجاب عنه بأن هذه المسألة من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ويتَّضح هذا بتقدير الزمخشري ـ رحمه الله ـ فإنَّه قال: "ويجوز أن يكون "جَزاؤهُ" مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره،وعلى إقامة الظَّاهر فيها مقام المضمر، والأصل: جزاؤه، من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع "هو" كما تقول لصاحبك: مَنْ أخُوا زيدٍ؟ فيقول لك: من يقْعُد إلى جَنْبِهِ فهُو هو يرجع الضمير الأول إلى: "مَنْ"، والثاني إلى الأخِ، فتقولُ: "فهو أخوه" مقيماً الظاهر مقام المضمر". وأبو حيان جعل هذا المحكيّ عن الزَّمخشري وجهاً ثانياً بعد الأوَّلِ، ولم يعتقد أنه هو بعينه، ولا أنه جوابٌ عما ردَّ به على ابن عطيَّة. ثمَّ قال: "وضع الظَّاهر موضع المضمر للرَّبطِ، وإنَّما هو فصيحٌ في مواضع التفخيم والتَّهويل، وغير فصيح فيما سوى ذلك، نحو: قام زيدٌ، وينزه عنه القرآن. قال سيبويه: "لو قلت: كان زيدٌ منطلقا زيدٌ" لم يكن حدُّ الكلام وكان ههنا ضعيفاً، ولم يكن كقولك: مازيدٌ مُنْطلقاً هُوَ؛ لأنك قد استغنيت عن إظَهاره، وإنَّما ينبغي لك أن تضمره". قال شهابُ الدِّين: ومذهبُ الأخفش أنَّه جائزٌ مطلقاً، وعليه بنى الزمخشريُّ، وقد جوَّز أبو البقاء ما توهم أنَّهُ جواب عن ذلك فقال: والوجه الثالث: أن يكون "جَزاؤهُ" مبتدأ، و "مَنْ وُجِدَ" مبتدأ ثان، و "هُوَ" مبتدأ ثالثٌ، و"جَزَاؤهُ" خبر الثالث، والعائدُ على المبتدأ الأول الهاء الأخيرة وعلى الثاني "هُوَ" انتهى. وهذا الذي ذكره أبو البقاء لا يصح؛ إذ يصير التقدير: فالذي وجد في رحله جزاؤه الجزاء؛ لأنَّه جعل "هُوَ" عبارة عن المبتدأ الثاني، وهو: {مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} وجعل الهاء الأخيرة، وهي التي في: "جَزاؤهُ" الأخير عائدةٌ على: "جَزاؤهُ" الأوَّل، فصار التقدير كما ذكرنا. الوجه الثاني من الأوجه المتقدمة: أن يكون: "جَزَاؤهُ" مبتدأ، والهاء تعود على المسروق، و{مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} خبره، و"مَنْ" بمعنى الذي، والتقدير: جزاء الصّواع الذي وجد في رحله. ولذلك كانت شريعتهم يسترق السَّارق؛ فلذلك استفتوا في جزائه، وقوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} تقدير للحكم، أي فأخذ السَّارق نفسه هو جزاؤه لا غير، كقولك: حقُّ زيدٍ أنْ يُكسَى، ويُطْعَمَ، وينعم عليه، فذلك حقُّهُ، أي: فهو حقه لتقرُّرِ ما ذكرته من استحقاقه ويلزمه ما قاله الزمخشريُّ. ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قال: استعباد من وجد في رحله وقوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} مبتدأ، وخبر مؤكدٌ لمعنى الأولد، ولما ذكر أبو حيَّان هذا الوجه ناقلاً له عن الزمخشريِّ، قال: "وقال معناه ابنُ عطيَّة إلاَّ أنَّهُ جعل القول الواحد قولين، قال: ويصحُّ أن يكون "مَنْ" خبراً على أن المعنى: جزاء السَّارق من وجد في رحله، ويكون قوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} زيادة بيانٍ وتأكيد، ثم قال: ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ}، وهذا القول هو الذي قبله غير أنَّهُ أبرز المضاف المحذوف في قوله: استرقاق من وجد في رحله، وفيما قبله لا بدَّ من تقديره؛ لأنَّ الذَّات لا تكُون خبراً عن المصدرِ، فالتَّقدير في القول قبله: جزاؤهُ أخذ من وجد في رحله أو استرقاقه، هذا لا بُدَّ منه على هذا الإعراب. وهذا ظاهره، أنه جعل المقول الواحد قولين. الوجه الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون: "جَزاؤهُ" خبر مبتدأ محذوف أي: المسئول عنه جزاؤه، ثمَّ أفتوا بقولهم: {مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} كما تقول: من يَسْتَفتِي في جزاء صَيْدِ المحرمِ جزاءُ صَيْدِ المحرمِ، ثمَّ يقول: {أية : وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}تفسير : [المائدة:95] قاله الزمخشري. قال أبو حيَّان: "وهو متكلف، إذ تصير الجملة من قوله "المسئول عنه جزاؤه" على هذا التقدير، ليس فيه كبير فائدة، إذ قد علم من قوله: "فما جَزاؤهُ" أي الشيء المسئولُ عنه جزاء سرقته، فأيُّ فائدة في نطقهم بذلك، وكذلك القول في المثال الثَّاني الذي مثل به من قول المستفتي". قال شهابُ الدِّين: "قوله: "ليس فيه كبيرة فائدة" ممنوعٌ، بل فيه فائدة الإضمار المذكور في علم البيان، وفي القرآن أمثال ذلك". الوجه الرابع: أن يكون "جَزَاؤهُ" مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، والهاء تعود على السَّارق، أو على المسروق، وفي الكلام المتقدِّم دليل عليهما، ويكون قوله: {مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} على ما تقدَّم في الوجه الذي قبله وبهذا الوجه بدأ أبُوا البقاءِ ـ رحمه الله ـ ولم يذكره الشَّيخُ. قوله: {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} محل الكاف نصب إمَّا على أنَّها نعت لمصدر محذوفٍ، إمَّا حال من ضميره، أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين أي: إذا سرق استرق. قيل: هذا من بقيَّة كلام إخوة يوسف صلوات الله وسلامه عليه. وقيل: إنهم لما قالوا: {جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} قال أصحاب يوسف: {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} ما ليس لهم فعلُهُ من سرقة مال الغير، فعند ذلك قال لهم المؤذن: لا بُدَّ من تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف.

القشيري

تفسير : احتمل بنيامينُ ما قيل فيه من السرقة بعدما التقى مع يوسف. ويقال: ما نُسِبَ إليه من سوء الفعال هان عليه من جَنْبِ ما وجد من الوصال. ويقال لئن نُسَبَ أخاه للسرقة تعرَّف إليه بقوله: {إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ} - سِرَّاً، فكان مُتَحَمِّلاً لأعباء الملامة في ظاهره، محمولاً بوجدان الكرامة في سِرِّهِ، وفي معناه أنشدوا: شعر : أَجِدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً حُبّاً لذكرك فَلْيَلُمْني اللُّومُ

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما جهزهم بجهازهم} الجهاز المتاع وهو كل ما ينتفع به اى كال كيلهم واعطى كل واحد منهم حمل بعير واصلحهم بعدتهم وهى الزاد في السفر وفى القصص قال يوسف لاخوته أتحبون سرعة الرجوع الى أبيكم قالوا نعم فامر الكيال بكيل الطعام وقال له زدهم وقر بعير ثم جهزهم باحسن جهاز وامرهم بالمسير - روى - ان يوسف لما تعرف الى اخيه بنيامين [از هوش برفت وباخوذ آمده دست دركردن يوسف اغكند وبزيان حال كفت شعر : اين كه مى بينم بيداريست يارب يابخواب خويشتين رادرجنين راحت بس ازجندين عذاب تفسير : آنكه دست در دامن زد] قائلا له فانا لا افارقك قال يوسف قد علمت اغتمام والدى بى فاذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل الى ذلك الا ان اشهرك بامر فظيع قال لا ابالي فافعل ما بدالك قال ادس صاعى في رحلك ثم انادى عليك بانك سرقته ليتهيأ لى ردك بعد تسريحك معهم قال افعل فلما جهزهم بجهازهم {جعل السقاية} هى مشربة بكسر الميم اى اناء يشرب منه جعلت صواعا يكال به وكانت من فضة وكان الشرب فى اناء الفضة مباحا في الشريعة الاولى او من بلور لو زمردة خضراء او ياقوتة حمراء تساوى مائتى الف دينار ويشرب يوسف منها. وقال في الكواشى كانت من ذهب مرصعة بالجواهر كال بها لاخوته اكراما لهم. وقال الكاشفى [ملك ازان آل خوردى دوين وقت بجهت عزت ونفاست طعام آنرا بيمانة ساخنة بود] {فى رحل اخيه} بنيامين ولما انفصلوا عن مصر نحو الشام ارسل يوسف من استوقفهم فوقفوا {ثم اذن مؤذن} اى نادى مناد من فتيان يوسف واسمه افراييم {ايتها العير} [اى كاروانيان] وهى الابل التى عليها الاحمال لانها تعير اى تذهب وتجتئ والمراد اصحاب الابل {انكم لسارقون} قال بعضهم هذا الخطاب بامر يوسف فلعله اراد بالسرقة اخذهم له من ابيه ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب وهو من قبيل المبالغة فى التشبيه اى اخذتم يوسف من ابيه على وجه الخيانة كالسراق وقد صار التعريض والتورية من الانبياء عليهم السلام - حديث : روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل قريبا من بدر ركب هو وابو بكر حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له سفيان فسأله عليه السلام عن قريش وعن محمد واصحابه وما بلغه عنهم فقال لا اخبركما حتى تخبراني من انتما فقال له عليه السلام اذا اخبرتنا اخبرناك فاخبر الشيخ حسبما بلغه خبرهم فلما فرغ قال من انتما فقال عليه السلام"نحن من ماء دافق" تفسير : واوهم انه من ماء العراق ففيه تورية واضيف الماء الى العراق لكثرته به - وروى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار وتوجه الى المدينة كان ابو بكر رضى الله عنه رديفا له واذا سأله اى ابا بكر سائل من هذا الذى معك يقول هذا الرجل يهدينى الطريق يعنى طريق الخير كذا فى انسان العيون. قال فى حواشى سعدى المفتى الكذب اذا تضمن مصلحة يرخص فيه [دروغ مصلحت آميز به رزراست فتنه انكيز] وقال بعضهم هذا الخطاب من قبل المؤذن بناء على زعمه وذلك ان يوسف وضع السقاية بنفسه فى رحل اخيه واخفى الامر عن الكل او امر بذلك بعض خواصه. قال فى القصص انه ابنه وامره باخفاء ذلك عن الكل ثم ان اصحاب يوسف لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان احد غير الذين ارتحلوا غلب على ظنهم انهم هم الذين اخذوها فنادى المنادى من بينهم على حسب ظنه انكم لسارقون

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى ان يوسف لما جهز أخوته بجهازهم يعني الطعام الذي اشتروه ليحملوه الى بلدهم. ومنه جهاز المرأة {جعل السقاية في رحل أخيه} والسقاية المراد بها ها هنا صواع الملك الذي كان يشرب فيه. وقيل: كان من فضة. وقال ابن زيد كان كأساً من ذهب. وقيل انه صير مكيالاً للطعام. والسقاية في الأصل الاناء الذي يسقى فيه، والرحل آلة السفر من وعاء أو مركب، والمراد ها هنا وعاء أخيه الذي يحمل فيه طعامه. وقوله {ثم أذن مؤذن} اي نادى مناد. والايذان الاعلام بقول يسمع بالاذن. ومثله الأذن، والاذن الاطلاق في الفعل بقول يسمع بالاذن، و {والعير} قافلة الحمير - في قول مجاهد. وقيل هي القافلة التي فيها الاجمال. والاصل الحمير إلا انه كثر حتى صارت تسمى كل قافلة محملة عيراً تشبيهاً. وقوله {إنكم لسارقون} فالسرقة أخذ الشيء من حرز في خفى بغير حق، إلا ان الشرع قدر أنه لا يتعلق بها القطع إلا إذا سرق مقداراً معيناً على خلاف بين الفقهاء، فعندنا هو ما قدره ربع دينار، وعند قوم عشرة دراهم، وعند آخرين ثلاث دراهم. وقيل في وجه ندائهم بالسرقة مع انهم لم يسرقوا شيئاً قولان: احدهما - ان ذلك من قول اصحابه، ولم يأمرهم يوسف بذلك، ولا علم. وإنما كان أمر بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أمره الله تعالى، فلما فقدها الموكلون بها اتهموهم بها. وهواختيار الجبائي. والثاني - انهم نادوهم على ظاهر الحال فيما يتغلب على ظنونهم ولم يكن يوسف أمر به، وإن علم انهم سيفعلونه. وقال قوم قولاً ثالثاً: ان معناه إنكم سرقتم يوسف من أبيه حين طرحتموه في الجب. وقال آخرون: ان ذلك خرج مخرج الاستفهام، وليس في جعل السقاية في رحل أخيه تعريضاً لأخيه بأنه سارق، لانه إذا كان ذلك يحتمل السرقة، ويحتمل الحيلة فيه حتى يمسكه عنده، فلا ينبغي ان يسبق احد الى اعتقاد السرقة فيه، وليس في ذلك ادخال الغم على أخيه لانا بينا انه كان اعلمه إياه، وواطأه عليه، ليتمكن من امساكه عنده على ما أمره الله تعالى به، والنداء وان كان للعير فالمراد به اهل العير، كما قال {واسأل القرية} وإنما أراد اهلها.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ} المشربة الّتى بها تكال الاطعمة {فِي رَحْلِ أَخِيهِ} بنيامين {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} من قبل السّلطان {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ} اسم للابل الّتى تنقل السّيّارة متاعهم عليها الى مقاصدهم ثمّ غلّب على السّيّارة الّتى فيها تلك العير {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} تورية عن سرقتهم يوسف (ع) وبيعة بعنوان الرّقيّة او عن سرقتهم ذرّيّة عقولهم واستخدامها بل استرقاقها لنفوسهم حتّى لا يكون كذباً، وقيل بعد ما فقد الصّواع نسب السّرقة اليهم من دون اذن يوسف (ع)، وفى الاخبار انّه كذب فى مقام الاصلاح وما سرقوا وما كذب لانّ الكذب فى مقام الاصلاح ليس بكذب وذلك لانّ يوسف (ع) اراد اصلاحهم باخذ اخيه وخلاصهم من نفوسهم الامّارة بتضرّعهم الى الله والتجائهم الى يوسف (ع) وتذلّلهم عند ابيهم.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا جهَّزهم بجِهازهم جَعَل} أسند التجهيز والفعل إليه، لأنه الآمر بهما، وإلا فالفاعل لهما الغلمان والخدمة {السِّقايةَ فى رَحْل أخيه} وكانت مشربة يشرب بها من ذهب مكلل بالجواهر. انتهى كلام عرائس القرآن. وروى أنه أمر الغلمان أن يكيلوا لهم، ويكيلوا للصغير آخرا، وأن يجعلوا الصواع فى رحله وهو لا يعلم، ولم يكن شئ أحب إلى يوسف منه، ولا أكثر قيمة، وكان يشرب بها فهو السقاية يكيل بها الطعام لشرفه وغلاه، قيل: إنها من ياقوت أحمر، فقيمتها مائتا ألف دينار، وصححه بعضهم، وعن الحسن أنها من فضة، وكذا قال ابن إسحاق، وجمهور الناس، وقيل: من البلور، وقيل: من الزمرد الأخضر، وقال عكرمة: من فضة مرصَّعة بالجواهر، ولم يزد ابن عباس فى جمهور المفسرين على أنها صاع، وقيل عنه: إنها من زبرجد، وقيل: من فضة مموهة بالذهب، وقيل: كانت مشربة للملك ثم جعلت مكيلا للطعام، وقيل كانت الدواب تسقى بها ويكال بها، وقيل كان إناء مستطيلا شبه الملوك، وقيل: هى الملوك الفارس الذى يلتقى طرفاه، تشرب به الأعاجم. وعلى كل حال قد جعل الله عز وجل فيه معجزة، وهى أن يعلمه إذا نقره بالصادق من الكاذب، وجعلوا الغلمان وسط رحل بنيامين، وشد رءوس الأوعية وسلموها لهم، وهكذا يفعلون مع غيرهم، يكيلون ويشدون رءوس الأوعية ثم يسلمونها لأهلها فخرجوا، ولما وصلوا مرحلة أرسل إليهم خمسمائة فارس، وذلك على يوم وليلة، وبلغوا قرية يقال لها بسر، وقيل أمهلهم حتى خرجوا من العمارة، وقيل حتى انفصلوا من مجلس يوسف، فأرسل إليهم من استوقفهم وحبسهم. {ثمَّ أذَّن مُؤذِّنُ} نادى منادٍ والعطف على قوله: {جعل} ومن قرأ وجعل بالواو قدر للما جوابا وعطف عليه، وهى قراءة ابن مسعود، أى أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن، والأذان لغة: الإعلام والتشديد للمبالغة، وفى ندائهم إعلام، أو يفسر التأذين فى الآية بالإعلام. {أيَّتها العِيرُ} يعنى يا أصحاب العير، ولما حذف المضاف نودى المضاف إليه بواسطة أيتها لاقترانه بأل، والعير اسم للقافلة التى فيها الأحمال من الإبل، سميت بها لأنها تعبر أى تجئ وتذهب، وقال مجاهد: العير الحمير، وقال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الإبل والبغال والحمير عير، وأن القول بأنها الإبل خاصة باطن ا هـ. وقيل: هو جمع عير بفتح العين وإسكان الياء، وأصل الجمع عير بضم أوله وإسكان ثانيه، كسَقْفٍ وسقف، قلبت الضمة كسرة لئلا تقلب الياء واوا، والعير بالفتح الحمير المقفل بها، وكثر حتى قيل: لكل قافلة عير، وعلى كل حال يقدر المضاف كما علمت، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا خيل الله اركبى"تفسير : الأصل يا أصحاب خيل الله اركبوا، ولما حذف المضاف أنث الضمير لعوده على المؤنث، كما أنث أيها الآية. والأصيل يا أصحاب العير قفوا تفتشوا. {إنَّكم لسارقُونَ} إن كان يوسف لم يظهر للمؤذن ومن معه، إلا أن السقاية غير موجودة فلا إشكال، لأنهم قالوا ذلك على العادة فى التهمة، ولم يكن هناك سوى القوم، وإن كان النداء عليهم بالسرقة بأمر يوسف، فالمراد أن فيكم سارقا وهو بنيامين، فأسند السرقة إليهم، حكم على المجموع لا على الجميع، وهذا فى علم يوسف، وأما المنادى ومن معه فيحتمل عندهم اتفاق الإخوة على السرقة، واختصاص واحد بها، وكذا فى الوجه الأول، وجاز ليوسف وصف بنيامين بالسرقة وهو برئ، لأن بنيامين قد رضى بذلك، وقال: افعل مابدا لك كما مر، واجاز الله له ذلك. وإلا فما هو فى الظاهر بهتان لا يسوغ الوصف به، ولو رضى الموصوف والظلم لا تبيحه إباحة المظلوم والمعصية لا يبيحها رضا الموقعة فى حقه، فلو قال لك إنسان: اقطع عضوى لغير ضرورة لم يجز لك قطعه، ويحتمل أن يريد إنه بصورة السارق، إذ مضى بالسقاية خفية عن نحو إخوته وجل أهل بيته من سائر الخدمة غير من جعلها فى رحله. أو أراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه، أى متلفونه عن أبيه بعد تحيل ومكر فى إرساله إياه معهم، فذلك معرضة، وفيها مندوحة عن الكذب، أو قيل ذلك على الاستفهام، وهذه الأوجه عندى أيضا غير سائغة بأنفسها، بل بإجازة الله سبحانه له ذلك، لأنها فى الظاهر غير سائغة لإيقاعها السامع فى التهمة، بل يقطع إذا أخرجت من رحله بأنه سارق والمعرضة لما تباح، حيث لا أضرار فيها بأحد. ولما انتهى إليهم الرسل بعد النداء عليهم بالسرقة قالوا: ألم نحسن إليكم؟ ألم نكرم ضيافتكم؟ ألم نوف كيلكم وفعلنا بكم ما لم نفعل لغيركم؟ قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: سقاية الملك فقدناها، وما اتهمنا عليها غيركم، كما قال الله جل وعلا {قَالُوا وأقْبلُوا عليْهم...}.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أَصلح لهم عدتهم وأَوقر ركائِبهم وذلك تأَكيد قولك نطقت بلسانى، وتجر بالباء للمبالغة كأنه انتزع من جهازهم لكماله جهازاً آخر والفاءُ لسببية الإِيواءِ لجعل السقاية فهى داخلة على جعل، ولعدم السبب فى لفظ التجهيز الأَول كان بالواو لا بالفاءِ، وفى الفاءِ تلويح بسرعة الرجوع، ولذلك لم يكن الأَول بالفاءِ أَيضاً فإِن الأَول بطول مدة الإِقامة ليتعرف الملك أَحوالهم {جَعَلَ} يوسف، وقيل غيره لكن أَسند الجعل إِليه لأَنه أَمر {السَّقَايَةَ} وعاءٌ من ذهب مرصع بالجواهر، وعن عكرمة: من فضة مرصعة بالجواهر، وقيل مموهة بالذهب، وقيل من ذهب كان مشربا له ثم جعله مكيالا لعزة الطعام الذى يكال به، قيل: كانت مستطيلة تشبه المكوك الفارسى الذى يلتقى طرفاه، وقيل من فضة تسقى الدواب بها {فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ} نادى {مُؤَذِّنٌ} بعد مدة طويلة مثل أَن ينفصلوا عن البلد، أَو عمرانه أَو دخلوا بلدة أَخرى كما قيل وصلوا بلبيس، ومعنى مُؤَذن من شأْنه أَن يؤَذن، أَو رجل معروف بالنداءِ، ولعله كرر النداءَ بدليل التشديد {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقونَ} العير هنا الناس الراجعون من السفر مع إِبلهم المحملة للميرة، وأَصله الإبل المحملة لها لأَنها تعير أَى تجىءُ وتذهب ثم صارت حقيقة عرفية لها مع الذين معها، ولكن المراد هنا أَهلها الذين معها للخطاب بالسرقة، أَو الآية على الأَصل المذكور لكن سمى أَهلها باسمها لعلاقة الجوار بالسير والمكث وبالحمل لهم وعليها وبالملك لها، والرعى والسقى والإطعام، أَو يقدر مضاف أَى يا أَهل العير، ويطلق العير أَيضاً على كل ما يحمل عليه من إِبل وحمير وبغال سمى لأَنه يعير أَى يجىء ويذهب، وقيل: المراد هنا الحمير، وهو اسم جمع ولا واحد له من لفظه، وقيل جمع عير بفتحها الحمار فتكون القافلة حمرا فى هذا القول، وقد تطلق القافلة على المسافرين تفاؤْلا بالرجوع، والخطاب فى الآية مثله فى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا خيل الله اركبى"تفسير : رواه سعيد ابن جبير، وعن قتادة ابن النعمان: بعث صلى الله عليه وسلم منادياً ينادى يوم الأَحزاب: " حديث : يا خيل الله اركبى" تفسير : وروى أَن أَنس بن حارثة ابن النعمان قال: يا رسول الله ادع الله لى بالشهادة فدعا له فنودى يوماً "حديث : يا خيل اركبى" تفسير : وكان أَول راكب وأَول فارس استشهد، فأَطلق الخيل على أَصحابها للجوار المذكور، وإِذا قيل جمع عير بالفتح فالصلة عور بضم العين كسرت لتسلم الياءُ من قبلها واو، أَو ذلك كسقف بضم فإِسكان جمع سقف بفتح فإِسكان، وذلك شبيه بباب فعل بضم فإِسكان فى جمع أَفعل وفعلاء فى الأََلوان والعيوب من معل العين كبيض فى جمع أَبيض وبيضاءَ، وإِنما قال: اركبى لتأْويل الفرسان بالجماعة، ولا ظلم فى خطاب الجماعة بالسرقة مع أَنهم لم يسرقوا لأَن الله - عز وجل - أَباح لهم ذلك الخطاب كما أَباح له مَا يزيد به حزن أَبيه يعقوب، وكما أَباح له نسبة السرقة إِليهم بمعرضة لمصحلة، وأَما بلا إِباحة من الله فيبحث فيه بأْن المعرضة تضرهم فلا تكون جواباً، وقيل أنهم لا يتضررون بذلك لظهور أَن ذلك حكم على المجموع، أَى فيكم سارق فإِنهم تعددوا وأَيضاً معهم غيرهم بدليل قوله: {أية : والعير التى أَقبلنا فيها} تفسير : [يوسف: 82]، وبنيامين متفق فى ذلك مع يوسف راض كما مر، وسمى ذلك سرقة تجوزا للمشابهة، وأَما ما قيل أَنه أُريد لسارقون يوسف من أَبيه بأْن شبه احتيالهم فى أَخذه بالسرقة فيرده قوله: قالوا: نفقد صواع الملك، ويجاب بأَنه أَخفى أَولا المسروق ليخرج عن الكذب، وأَظهر ثانياً المراد وهو الصواع، ويجوز على ضعف أَن يكون على حذف الاستفهام أًى أَئِنكم لسارقون، أَو قال المنادى ذلك بلا أَمر من يوسف، لما فقد الصواع شرع فى البحث والنداء فيهم لأَنهم آخر من اكتال فى ذلك اليوم ولم يخبره يوسف بأَنه هو أَخفاه، ولا ظلم فىعدم إِخباره بأْنه أَخفاه لما مر.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} ووفى لهم الكيل وزاد كلا منهم على ما روي حمل بعير {جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ } هي إناء يشرب به الملك وبه كان يكال الطعام للناس، وقيل: كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحبوب، وكانت من فضة مرصعة بالجواهر على ما روي عن عكرمة أو بدون ذلك كما روى عن ابن عباس والحسن وعن ابن زيد أنها من ذهب، وقيل: من فضة مموهة بالذهب، وقيل: كانت إناء مستطيلة تشبه المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم، يروى أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيله على ذلك، والظاهر أن الجاعل هو يوسف عليه السلام نفسه، ويظهر من حيث كونه ملكاً أنه عليه السلام لم يباشر الجعل بنفسه بل أمر أحداً فجعلها {فِى رَحْلِ أَخِيهِ } بنيامين من حيث يشعر أو لا يشعر. وقرىء {وجعل} بواو، وفي ذلك احتمالان الأول أن تكون الواو زائدة على مذهب الكوفيين وما بعدها هو جواب {لَّمّاً } والثاني أن تكون عاطفة على محذوف وهو الجواب أي فلما جهزهم أمهلهم حتى انطلقوا وجعل. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } نادى مسمع كما في "مجمع البيان"، وفي "الكشاف" وغيره نادى مناد. وأورد عليه أن النحاة قالوا: لا يقال قام قائم لأنه لا فائدة فيه. وأجيب بأنهم أرادوا أن ذلك المنادي من شأنه الإعلام بما نادى به بمعنى أنه موصوف بصفة مقدرة تتم بها الفائدة أي أذن رجل معين للأذان {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } وقد يقال: قياس ما في النظم الجليل على المثال المذكور ليس تتم في محله وكثيراً ما تتم الفائدة بما ليس من أجزاء الجملة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزن الزاني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن»تفسير : والعير الإبل التي عليها الأحمال سميت بذلك لأنها تعير أي تذهب وتجيء، وهو اسم جمع لذلك لا واحد له، والمراد هنا أصحاب العير كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا خيل الله اركبـي» تفسير : وذلك اما من باب المجاز أو الإضمار إلا أنه نظر إلى المعنى في الآية ولم ينظر إليه في الحديث وقيل: العير قافلة الحمير ثم توسع فيها حتى قيلت لكل قافلة كأنها جمع عير بفتح العين وسكون الياء وهو الحمار، وأصلها عير بضم العين والياء استثقلت الضمة على الياء فحذفت ثم كسرت العين لثقل الياء بعد الضمة كما فعل في بيض جمع أبيض وغيد جمع أغيد، وحمل العير هنا على قافلة الإبل هو المروي عن الأكثرين، وعن مجاهد أنها كانت قافلة حمير، والخطاب بِـ {إِنَّكُمُ لَسَارِقُونَ} ان كان بأمر يوسف عليه السلام فلعله أريد بالسرقة أخذهم له من أبيه على وجه الخيانة كالسراق؛ ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب أو أريد سرقة السقاية، ولا يضر لزوم الكذب لأنه إذا تضمن مصلحة رخص فيه. وإما كونه برضا أخيه فلا يدفع ارتكاب الكذب وإنما يدفع تأذى الأخ منه، أو يكون المعنى على الاستفهام أي أئنكم لسارقون ولا يخفى ما فيه من البعد وإلا فهو من قبل المؤذن بناء على زعمه قيل والأول هو الأظهر الأوفق للسياق. وفي "البحر" الذي يظهر أن هذا التحيل ورمي البرآء بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب عليه/ السلام بوحي من الله تعالى لما علم سبحانه في ذلك من الصلاح ولما أراد من محنتهم بذلك، ويؤيده قوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 76] وقرأ اليماني {إنكم سارقون} بلا لام.

ابن عاشور

تفسير : تقدم الكلام على نظير قوله: {فلما جهزهم بجهازهم} في الآيات قبل هذه. وإسناد جعل السقاية إلى ضمير يوسف مجاز عقليّ، وإنما هو آمر بالجعل والذين جعلوا السقاية هم العبيد الموكّلون بالكيل. والسقاية: إناء كبير يُسقى به الماء والخمر. والصُّوَاع: لغة في الصاع، وهو وعاء للكيل يقَدّر بوزن رطل وربع أو وثلث. وكانوا يشربون الخمر بالمقدار، يقدّر كل شارب لنفسه ما اعتاد أنه لا يصرعه، ويجعلون آنية الخمر مقدّرة بمقادير مختلفة، فيقول الشارب للساقي: رطلاً أو صاعاً أو نحو ذلك. فتسمية هذا الإناء سقاية وتسميته صُوَاعاً جارية على ذلك. وفي التوراة سمي طاسا، ووصف بأنه من فضة. وتعريف {السقاية} تعريف العهد الذهني، أي سقاية معروفة لا يخلو عن مثلها مجلس العظيم. وإضافة الصُّواع إلى الملك لتشريفه، وتهويل سرقته على وجه الحقيقة، لأن شؤون الدولة كلها للمَلك. ويجوز أن يكون أطلق الملك على يوسف ــــ عليه السلام ــــ تعظيماً له. والتأذين: النداء المكرر. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فأذن مؤذن بينهم } تفسير : في سورة الأعراف (44). والعِير: اسم للحمولة من إبل وحَمير وما عليها من أحمال وما معها من ركابها، فهو اسم لمجموع هذه الثلاثة. وأسندت السرقة إلى جميعهم جريا على المعتاد من مؤاخذة الجماعة بجرم الواحد منهم. وتأنيث اسم الإشارة وهو {أيتها} لتأويل العير بمعنى الجماعة لأن الركاب هم الأهم. وجملة {قالوا} جواب لنداء المنادي إياهم {إنكم لسارقون}، ففصلت الجملة لأنها في طريقة المحاورة كما تكرر غير مرة. وضمير {قالوا} عائد إلى العير. وجملة {وأقبلوا عليهم} حال من ضمير {قالوا}. ومرجع ضمير {أقبلوا} عائد إلى فتيان يوسف ـــ عليه السلام ـــ. وضمير {عليهم} راجع إلى ما رجع إليه ضمير {قالوا}، أي وقد أقبل عليهم فتيان يوسف ــــ عليه السلام ــــ. وجعلوا جعلا لمن يأتي بالصواع. والذي قال: {وأنا به زعيم} واحد من المقبلين وهو كبيرهم. والزعيم: الكفيل. وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلاً لمشروعية الجعل والكفالة. وفيه نظر، لأن يوسف ــــ عليه السلام ــــ لم يكن يومئذٍ ذا شَرْع حتى يستأنس للأخذ بــــ (أنّ شَرْعَ من قَبْلنا شَرْع لنا): إذا حكاه كلام الله أو رسوله. ولو قدّر أن يوسف ــــ عليه السلام ــــ كان يومئذٍ نبيّاً فلا يثبت أنه رسول بشرع، إذ لم يثبت أنه بعث إلى قوم فرعون، ولم يكن ليوسف ــــ عليه السلام ــــ أتباع في مصر قبْل ورود أبيه وإخوتهِ وأهلِيهم. فهذا مأخذ ضعيف. والتاء في {تاللَّه} حرف قَسم على المختار، ويختص بالدخول على اسم الله تعالى وعلى لفظ رَب، ويختص أيضاً بالمُقسم عليه العجيب. وسيجيء عند قوله تعالى: { أية : وتالله لأكيدن أصنامكم } تفسير : في [سورة الأنبياء: 57]. وقولهم: {لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين}. أكدوا ذلك بالقسم لأنهم كانوا وَفدوا على مصر مرة سابقة واتهموا بالجوسسة فتبينت براءتهم بما صدقوا يوسف ــــ عليه السلام ــــ فيما وصفوه من حال أبيهم وأخيهم. فالمراد بــــ {الأرض} المعهودة، وهي مصر. وأما براءتهم من السرقة فبما أخبروا به عند قدومهم من وجدان بضاعتهم في رحالهم، ولعلّها وقعت في رحالهم غلطاً. على أنهم نفوا عن أنفسهم الاتّصاف بالسرقة بأبلغ مما نفوا به الإفساد عنهم، وذلك بنفي كونهم سارقين دون أن يقولوا: وما جئنا لنسرق، لأن السرقة وصف يُتعيّر به، وأما الإفساد الذي نفوه، أي التجسس فهو مما يقصده العدوّ على عَدوّه فلا يكون عاراً، ولكنه اعتداء في نظر العدوّ. وقول الفتيان {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين} تحكيم، لأنهم لا يسعهم إلا أن يعيّنوا جزاء يؤخذون به، فهذا تحكيم المَرء في ذنبه. ومعنى {ما جزاؤه}: ما عقابه. وضمير {جزاؤه} عائد إلى الصُّوّاع بتقدير مضاف دل عليه المقام،أي ما جزاء سَارقه أو سرقته. ومعنى {إن كنتم كاذبين} إن تبين كذبكم بوجود الصُّوَاع في رحالكم. وقوله: {جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه}. {جزاؤه} الأول مبتدأ، و{مَن} يجوز أن تكون شرطية وهي مبتدأ ثان وأن جملة {وجد في رحله} جملة الشرط وجملة {فهو جزاؤه} جواب الشرط، والفاء رابطة للجواب، والجملة المركبة من الشرط وجوابه خبر عن المبتدإ الأول. ويجوز أن تكون {من} موصولة مبتدأ ثانياً، وجملة {وجد في رحله} صلة الموصول. والمعنى أن من وجد في رحله الصوَاع هو جزاء السرقة، أي ذاته هي جزاء السرقة، فالمعنى أن ذاته تكون عِوضاً عن هذه الجريمة، أي أن يصير رفيقاً لصاحب الصواع ليتمّ معنى الجزاء بذات أخرى. وهذا معلوم من السياق إذ ليس المراد إتلاف ذات السارق لأن السرقة لا تبلغ عقوبتها حدّ القتل. فتكون جملة {فهو جزاؤه} توكيداً لفظياً لجملة {جزاؤه من وجد في رحله}، لتقرير الحكم وعدم الانفلات منه، وتكون الفاء للتفريع تفريع التأكيد على الموكّد. وقد حَكَم إخوة يوسف ــــ عليه السلام ــــ على أنفسهم بذلك وتراضوا عليه فلزمهم ما التزموه. ويظهر أن ذلك كان حُكماً مشهوراً بين الأمم أن يسترقَّ السارق. وهو قريب من استرقاق المغلوب في القتال. ولعله كان حكماً معروفاً في مصر لما سيأتي قريباً عند قوله تعالى: { أية : ما كان ليأخذ أخاه في دِين الملك } تفسير : [سورة يوسف: 76]. وجملة {كذلك نجزي الظالمين} بقية كلام إخوة يوسف ــــ عليه السلام ــــ، أي كذلك حُكْم قومنا في جزاء السارق الظالم بسرقته؛ أو أرادوا أنه حكم الإخوة على من يقدّر منهم أن يظهر الصواع في رحله، أي فهو حقيق لأن نجزيه بذلك. والإشارة بــــ {كذلك} إلى الجزاء المأخوذ من {نجزي}، أي نجزي الظالمين جزاءً كذلك الجزاء، وهو من وُجد في رحله.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَسَارِقُونَ} (70) - وَلَمَّا أَعْطَاهُمْ يُوسُفُ مَا جَاؤُوا يَسْعَوْنَ إِلَيهِ مِنَ المِيرَةِ، وَحَمَلُوهَا عَلَى جِمَالِهِمْ، جَعَلَ الوِعَاءَ الذِي يَكْتَالُونَ بِهِ (السِّقَايَةَ) فِي مَتَاعِ أَخِيهِ (رَحْلِهِ) دُونَ أَنْ يُشْعِرَهُمْ بِذلِكَ، ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ بَيْنَهُمْ: يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ القَافِلُونَ بِأَحْمَالِكُمْ، قِفُوا إِنَّكُمْ سَارِقُونَ. السِّقَايَةَ - إِنَاءً لِلشُّرْبِ اتُّخِذَ لِلمِكْيَالِ. أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ - نَادَى مُنَادٍ أَوْ أَعْلَنَ مُعْلِنٌ. العِيرُ - القَافِلَةُ فِيهَا الأَحْمَالُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن يوسف عليه السلام قد قام بصرف المَيْرة لهم، كما سبق أن وعدهم، وكما سبق أن جَهَّزهم في المرَّة السابقة؛ وأراد أن يُبقِي أخاه معه في مصر؛ ولكن كيف يأخذه من إخوته لِيُبقِيه معه؛ وقد أخذ أبوهم ميثاقاً عليهم ألاَّ يضيعوه، وألا يُفرِّطوا فيه، كما فعلوا مع أخيه من قبل؟ إذن: لا بُدَّ من حيلة يستطيع بها أن يستبقي بها أخاه معه، وقد جَنَّد الله له فيها إخوته الذين كانوا يُعَادونه، وكانوا يحقدون عليه وعلى أخيه. وجاءت هنا حكاية صُوَاع الملك، التي يشرب فيها الملك، وتُستخدم كمكيال، وجعلها في رَحْل أخيه. وكلمة "السقاية" تُطلق إطلاقات متعددة من مادة "سقى" أي: "السين" و"القاف" و"الياء"، فتُطلق على إسقاء الناس والحجيج الماء. والقرآن الكريم يقول: {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..} تفسير : [التوبة: 19]. فكأن معنى السقاية أيضاً هو المكان الذي يُوضَع فيه الماء ليشرب منه الناس. أو: تُطلق "السقاية" على الآلة التي يُخرج بها الماء للشاربين. وهنا تُطلق كلمة "السقاية" على الإناء الذي كان يشرب به الملك، ويُستخدم كمكيال، وهذا دليلٌ على نَفَاسة المَكِيل. وتُطلق أيضاً كلمة "صواع" على مثل هذه الأداة التي يُشرب منها، أو يُرفع بها الماء من المكان إلى فَمِ الشارب؛ وأيضاً يُكَال بها؛ ومفردها "صاع". ويقول الحق سبحانه هنا عن حيلة يوسف لاستبقاء أخيه معه: {جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ..} [يوسف: 70]. أي: أمر بعضاً من أعوانه أن يَضَعوا "السقاية" في رَحْل أخيه، و"الرَّحْل": هو ما يوضع على البعير، وفيه متاع المسافر كله. وبعد أن ركب إخوة يوسف جِمالهم استعداداً للعودة إلى الشام؛ وقعت المفاجأة لهم؛ والتي يقول عنها الحق سبحانه: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70]. أي: يا أصحاب تلك العير أنتم سارقون. والسرقة فعل قبيح حينما يترتَّبُ عليها جزاء يُوقَّع على السارق، والمسروق هو شيء ثمين. وفيما يبدو أن هذه الحيلة تمَّتْ بموافقة من "بنيامين" ليمكث مع أخيه يوسف حتى يحضر أبواه إلى مصر. ولسائل أن يقول: وكيف رَضِى بنيامين بذلك، وهو أمر يُزِيد من حُزْن يعقوب؟ وكيف يتهم يوسف إخوته بسرقة لم يرتكبوها؟ أقول: انظروا إلى دِقَّة القرآن، ولنُحْسِنَ الفهم عنه؛ لنرى أن حزن يعقوب على فَقْد يوسف قد غلبه؛ فلَن يُؤثِّر فيه كثيراً فَقْد بنيامين. ودليل ذلك أن يعقوب عليه السلام حين عاد أبناؤه وأخبروه بحكاية السرقة؛ واستبقاء بنيامين في مصر قال: {أية : يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ..} تفسير : [يوسف: 84]. ولم يذكر يعقوب بنيامين. وأما عن اتهامهم بالسرقة؛ فالآية هنا لا تُحدِّد ماذا سرقوا بالضبط، وهم في نظر يوسف قد سَرَقوه من أبيه، وألقوْه في الجُبِّ. وهنا يأتي الحق سبحانه بموقف إخوة يوسف عليه السلام: {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} وهي مِكيالٌ يُكالُ بِهِ، ويُشربُ فِيهِ.

الجيلاني

تفسير : {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} على الوجه المعهود وشدوا رحالهم {جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ} أي: أمر يوسف للخدمة أن يجعلوا السقاية التي بها يكال، وهي من الفضة، وقيل: من الذهب {فِي رَحْلِ أَخِيهِ} بنيامين، وبعدما شدوا الرحال ودعوا مع العزيز جميعاً، فخرجوا عقبها {ثُمَّ} بعدما خرجوا من البلدة {أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي: صاح عليهم صائح من قبل العزيز: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ} أي: القفل إلى أين تمشون؟ {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] مدبرين. {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ} أي: على الصائحين، مضطربين خائفين: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} [يوسف: 71] أيها الفاقدون المتفقدون؟ {قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ} أي: الآنية التي يصاع ويكال بها {وَ} بالجملة: {لِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} من المكيل {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] ضمين أتكفل أن أتفحص من رحله. {قَالُواْ} مضطربين، مقسيمن، مستبعدين:{تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ} أيتها الخدمة والعزيز {مَّا جِئْنَا} عندكم وفي أرضكم {لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ} سيما السرقة، فإنها من أعظلم الفسادات {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} [يوسف: 73] أصلاً؛ إذ نحن أولاد الأنبياء ولا يليق بنا أمثال هذا. {قَالُواْ} أي: الشرطة الخدام: {فَمَا جَزَآؤُهُ} أي: أي شيء جزاء السارق منكم {إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} [يوسف: 74] في دعوى البراءة والنزاهة؟ {قَالُواْ} أي: إخوة يوسف: {جَزَآؤُهُ} أي: جزاء السارق {مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ} نفسه وشخصه {جَزَاؤُهُ} أي: جزاء سرقته بأن يسترق سنة، وكان جزاء الساءق في دين يعقوب استرقاق سنة {كَذٰلِكَ} أي: مثل ما قلنا {نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} [يوسف: 75] السارقين في دين أبناء يعقوب عليه السلام. ثم لما أفتوا بما أفتوا أخذوا بالتفيش والكشف {فَبَدَأَ} الزاعم {بِأَوْعِيَتِهِمْ} أي: بتفتيشها وتفحصها {قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} بنيامين {ثُمَّ} بعدما استقصى الكل واستقرأها تفشياً {ٱسْتَخْرَجَهَا} أي: السقاية {مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} لئلا يظن أنهم يدسونها في رحله {كَذٰلِكَ} أي: مثل كيد يوسف لأخذ أخيه بنيامين {كِدْنَا لِيُوسُفَ} في أخذه من يد إخوته وخلاصه من الرق والسجن، وكدنا له أيضاً في أخذ أخيه من إخوته بفتواهم أيضاً؛ إذ {مَا كَانَ} أي: ما صح وجاز له {لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} بجرم السرقة {فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} أي: ملك مصر؛ إذ في دينه اضرب وأخذ ضعف ما سرق {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} هذا الحكم المخصوص في دين الملك، وألهمه ليوسف بنفاذه أو بحكم في هذه المسألة على دين آبائه، أو كان الملك أسلم بيده، ودخل بيدن آبائه على ما نُقل {نَرْفَعُ} ونعلو {دَرَجَاتٍ} أي: مراتب ومنازل {مَّن نَّشَآءُ} من عبادنا، بزيادة الفضائل والكمالات والحقائق والمعارف {وَ} لا يبعد منا أمثال هذا؛ إذ {فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] أعلى منه لا إلى نهاية؛ إذ لا انقطاع لتجددات التجليات أصلآً، لذلك قال سبحانه: "حديث : ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي"تفسير : أي: شوقي وتجلياتي.

همام الصنعاني

تفسير : 1323- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ}: [الآية: 70] قال: مشربة الملك: إناؤه. قال: وصُواعُ الملك إناء الملك الذي يشرب فيه.