Verse. 168 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَمَاتُوْا وَھُمْ كُفَّارٌ اُولٰۗىِٕكَ عَلَيْہِمْ لَعْنَۃُ اللہِ وَالْمَلٰۗىِٕكَۃِ وَالنَّاسِ اَجْمَعِيْنَ۝۱۶۱ۙ
Inna allatheena kafaroo wamatoo wahum kuffarun olaika AAalayhim laAAnatu Allahi waalmalaikati waalnnasi ajmaAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار» حال «أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» أي هم مستحقون ذلك في الدنيا والآخرة. والناس قيل: عام. وقيل: المؤمنون.

161

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن ظاهر قوله تعالى: {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك، وقال أبو مسلم: يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين يكتمون الآيات، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون، ثم ذكر حال التائبين منهم، ذكر أيضاً حال من يموت منهم من غير توبة، وأيضاً أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات. والجواب عنه: أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى، فأما إذا دخلوا تحت الأولى: استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف. المسألة الثانية؛ لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازماً من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدماً عند عدم الشرط؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك. المسألة الثالثة: إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قلنا الجواب عنه من وجوه. أحدها: أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة، لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } تفسير : [العنكبوت: 25]. وثانيها: قال قتادة والربيع: أراد بالناس أجمعين المؤمنين، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير. وثالثها: أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول، فإذا كان هو في نفسه جاهلاً أو ظالماً وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي. ورابعها: أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن، وحينئذ يعم ذلك. المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافراً، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا لعنه والبراءة منه، لأن قوله: {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لوجن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح، فإن موت من كان كذلك أو جنونه، لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال به. المسألة الخامسة: القائلون بالموافاة احتجوا بهذه الآية فقالوا: علق تعالى وجوب لعنته بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك، فعلمنا أن الكفر إنما يفيد استحقاق اللعن لو مات صاحبه عليه وكذا الإيمان إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه. الجواب: الحكم المرتب على الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات، ومنها الخلود في النار، وعندنا أن هذا المجموع وهو اللعن وحده، لم قلتم: أنه لا يحصل إلا فيه. المسألة السادسة: القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى: {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية، لا يبقى فيهم حال الموت، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم. المسألة السابعة؛ الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد، لأنه تعالى قال: {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } مع أنه مخصوص على مذهب من قال: المراد بالناس بعضهم. وأما قوله تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الخلود اللزوم الطويل، ومنه يقال: أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه. المسألة الثانية: العامل في (خالدين) الظرف من قوله (عليهم) لأن فيه معنى الإستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك: عليهم المال صاغرين. المسألة الثالثة: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي في اللعنة، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] والأول أولى لوجوه. الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر. الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى. الثالث: أن قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلاً في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلاً في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة. أحدها: الخلود وهو المكث الطويل عندنا، والمكث الدائم عند المعتزلة، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81]. وثانيها: عدم التخفيف، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض، فإن قيل: هذا التشابه ممتنع لوجوه. الأول: أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب، كان ذلك كالتخفيف منه. الثاني: أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفاً الثالث: أنهم حيثما يخاطبون بقوله: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت. (أجابوا عنه) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت، قالوا: ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه، وجب أن يكون دائماً لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر. الصفة الثالثة: من صفات ذلك العقاب: قوله: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } تفسير : [البقرة: 280] والمعنى: إن عذابهم لا يؤجل، بل يكون حاضراً متصلاً بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم؛ {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَهُمْ كُفَّارٌ} الواو واو الحال. قال ٱبن العربي: قال لي كَثير من أشياخي إن الكافر المعيَّن لا يجوز لعنه؛ لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر؛ وأما ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه لعن أقواماً بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم. قال ٱبن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله؛ وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اللَّهُمّ إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فألعنه وٱهجه عدد ما هجاني»تفسير : . فلعنه، وإن كان الإيمان والدِّين والإسلام مآله. وٱنتصف بقوله: «عدد ما هجاني» ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف، وأضاف الهَجْوَ إلى الله تعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك؛ كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون عُلُوّاً كبيراً. قلت: أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك؛ لما رواه مالك عن داود بن الحُصَين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان. قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذِمّة أم لم تكن، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح لمن فعله؛ لجحدهم الحق وعداوتهم للدّين وأهله. وكذلك كل مَن جاهر بالمعاصي كشُرّاب الخمر وأكلة الرّبَا، ومَن تشبّه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. الثانية: ليس لعن الكافر بطريق الزَّجْر له عن الكفر؛ بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره؛ كان الكافر ميتاً أو مجنوناً. وقال قوم من السلف: إنه لا فائدة في لعن مَن جُنّ أو مات منهم، لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر، فإنه لا يتأثّر به. والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثّر بذلك ويتضرّر ويتألّم قلبه؛ فيكون ذلك جزاء على كفره؛ كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}تفسير : [العنكبوت: 25]، ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله تعالى بلعنهم، لا على الأمر. وذكر ٱبن العربي أن لعن العاصي المعيَّن لا يجوز إتفاقاً؛ لما روي «حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أُتِيَ بشارب خمر مراراً، فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتَى به! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا عَوْن الشيطان على أخيكم»»تفسير : فجعل له حُرمة الأخوة؛ وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح. قلت: خرّجه البخاري ومسلم. وقد ذكر بعض العلماء خلافاً في لعن العاصي المعيَّن؛ قال: وإنما قال عليه السلام: "حديث : لا تكونوا عَوْن الشيطان على أخيكم"تفسير : في حق نُعيْمان بعد إقامة الحدّ عليه؛ ومن أقيم عليه حدُّ الله تعالى فلا ينبغي لعنه، ومَن لم يُقَم عليه الحدّ فلعنته جائزة سواء سُمِّيَ أو عُيِّن أم لا؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للّعن؛ فإذا تاب منها وأقلع وطهّره الحدّ فلا لعنة تتوجّه عليه. وبيّن هذا قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا زَنَت أَمَة أحدِكم فليجلدها الحدّ ولا يُثرِّب»تفسير : . فدلّ هذا الحديث مع صحته على أن التّثريب واللّعن إنما يكون قبل أخذ الحدّ وقبل التوبة؛ والله تعالى أعلم. قال ٱبن العربي: وأما لعن العاصي مطلقاً فيجوز إجماعاً؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لعن الله السارق يَسْرِق البَيْضة فتُقْطع يده».تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي إبعادهم من رحمته. وأصل اللعن: الطرد والإبعاد؛ وقد تقدم. فاللعنة من العباد الطرد، ومن الله العذاب. وقرأ الحسن البصري «وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَٱلنَّاسُ أَجْمَعون} بالرفع. وتأويلها: أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون؛ كما تقول: كرهت قيام زيدٍ وعمروٌ وخالدٌ؛ لأن المعنى: كرهت أن قام زيد. وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف. فإن قيل: ليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم؛ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة؛ أحدها: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليباً لحكم الأكثر على الأقل. الثاني: قال السُّدّي: كل أحد يلعن الظالم، وإذا لعن الكافرُ الظالمَ فقد لعن نفسه. الثالث: قال أبو العالية: المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس؛ كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}تفسير : [العنكبوت: 25]. ثم قال جل وعز: {خَالِدِينَ فِيهَا} يعني في اللعنة؛ أي في جزائها. وقيل: خلودهم في اللعنة أنها مؤبدة عليهم {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} أي لا يؤخرّون عن العذاب وقتاً من الأوقات. و «خالدين» نصب على الحال من الهاء والميم في «عليهم»؛ والعامل فيه الظرف من قوله: «عليهِم» لأن فيها معنى ٱستقرار اللعنة.

البيضاوي

تفسير : {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} استقر عليهم اللعن من الله، ومن يعتد بلعنه من خلقه. وقيل؛ الأول لعنهم أحياء، وهذا لعنهم أمواتاً. وقرىء و «الملائكةُ والناسُ أجمعون» عطفاً على محل اسم الله لأنه فاعل في المعنى، كقولك أعجبني ضرب زيدٍ وعمرو، أو فاعلاً لفعل مقدر نحو وتلعنهم الملائكة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } حال {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } أي هم مستحقون ذلك في الدنيا والآخرة، (والناس) قيل: عام وقيل: المؤمنون.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {إن الذين كفروا} الآية، محكمة في الذين وافوا على كفرهم، واختلف في معنى قوله {والناس أجمعين} وهم لا يلعنون أنفسهم، فقال قتادة والربيع: المراد {بالناس} المؤمنون خاصة، وقال أبو العالية: معنى ذلك في الآخرة، وذلك أن الكفرة يلعنون أنفسهم يوم القيامة، وقالت فرقة: معنى ذلك أن الكفرة يقولون في الدنيا: لعن الله الكافرين، فيلعنون أنفسهم من حيث لا يشعرون، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "والملائكة والناس أجمعون" بالرفع على تقدير أولئك يلعنهم الله، واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب، فلذلك قال {خالدين فيها}، والضمير عائد على اللعنة، وقيل على النار وإن كان لم يجر لها ذكر، لثبوتها في المعنى. ثم أعلم تعالى برفع وجوه الرفق عنهم لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو النهاية، و {ينظرون} معناه يؤخرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النظر، نحو قوله تعالى {أية : ولا ينظر إليهم يوم القيامة} تفسير : [آل عمران: 77]، والأول أظهر، لأن النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذاً في الشعر. وقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} الآية، إعلام بالوحدانية، و {واحد} في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي: هو نفي التبعيض والانقسام، وقال عطاء: لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة: ما الدليل على هذا؟ وما آيته وعلامته؟ وقال سعيد بن المسيب: قالوا: إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة الصدق، حتى قالوا: اجعل لنا الصفا ذهباً، فقيل لهم: ذلك لكم، ولكن إن كفرتم بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعني أدعهم يوماً بيوم، فنزل عند ذلك قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض}، الآية، ومعنى {في خلق السموات} في اختراعها وإنشائها، وقيل: المعنى أن في خلقه أي هيئة السموات والأرض، و {اختلاف الليل والنهار} معناه أن هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا فهما خلفة، كما قال تعالى: {أية : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} تفسير : [الفرقان: 62]، وكما قال زهير: [الطويل] شعر : بها العِينُ والأَرْآمُ يمسين خِلْفَةً وأَطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ تفسير : وقال الآخر: [المديد] شعر : وَلَهَا بالماطرونِ إذَا أكلَ النَّمْلُ الذي جمعا خِلْفةٌ حتَّى إذا ارتَبَعَتْ سَكَنَتْ من جِلِّقِ بِيَعا تفسير : ويحتمل أيضاً الاختلاف في هذه الآية أن يراد به اختلاف الأوصاف، و {الليل} جمع ليلة وتجمع ليالي، وزيدت فيها الياء كما زيدت في كراهية وفراهية، و {النهار} يجمع نهراً وأنهرة، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم "حديث : إنما هو بياض النهار وسواد الليل" تفسير : ، وهذا هو مقتضى الفقه في الإيمان ونحوها، فأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال: [الطويل] شعر : ملكتُ بها كفي فأَنْهرْت فتْقَها يَرى قائمٌ من دونِها ما وراءَها تفسير : وقال الزجاج في كتاب الأنواء: أول النهار ذرور الشمس قال: وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم، و {الفلك} السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، وليست الحركات تلك بأعيانها، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم فلكان، والفلك المفرد مذكر، قال الله تعالى: {أية : في الفلك المشحون} تفسير : [الشعراء: 119]. و "ما ينفع الناس" هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر، و {ما أنزل الله من السماء من ماء} يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، و {بث} معناه فرق وبسط، و {دابة} تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير من الدواب، وهذا مردود، وقال الأعشى: [الطويل]: شعر : دَبِيبَ قَطَا الْبَطْحَاءِ في كلِّ مَنْهَلِ تفسير : وقال علقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : صَواعِقُهَا لطيرِهِنَّ دَبِيبُ تفسير : و {تصريف الرياح} إرسالها عقيماً ومقحة وصراً ونصراً وهلاكاً، ومنه إرسالها جنوباً وشمالاً وغير ذلك، و {الرياح} جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى {أية : وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : [يونس: 22]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح يقول: اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ". تفسير : قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذلك لأن ريح العذاب شديد ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح وهو معنى "نشراً"، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواو، يقال ريح وأرواح، ولايقال أرياح، وإنما قيل رياح من جهة الكسرة وطلب تناسب الياء معها، وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم: إن الأرياح لا تجوز، فقال: أما تسمع قولهم رياح؟، فقال أبو حاتم: هذا خلاف ذلك، فقال: صدقت ورجع، وأما القراء السبعة فاختلفوا فقرأ نافع {الرياح} في اثني عشر موضعاً: هنا وفي الأعراف {أية : يرسل الرياح} تفسير : [الآية: 57]، وفي إبراهيم {أية : اشتدت به الرياح} تفسير : [الآية: 8] وفي الحجر {أية : الرياح لواقح} تفسير : [الآية: 22]، وفي الكهف {أية : تذروه الرياح} تفسير : [الآية:45]، وفي الفرقان {أية : أرسل الرياح} تفسير : [الآية: 22]، وفي النمل {أية : ومن يرسل الرياح} تفسير : [الآية: 63]، وفي الروم [الآيتان: 46، 48] في موضعين، وفي فاطر [الآية: 9] وفي الجاثية [الآية: 5] وفي حم عسق {أية : يسكن الرياح} تفسير : [الآية: 33]، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد: في إبراهيم وفي حم عسق، وقرؤوا سائرها كقراءة نافع، وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع: هنا وفي الحجر وفي الكهف وفي الروم الحرف الأول وفي الجاثية {وتصريف الرياح} وباقي ما في القرآن بالإفراد، وقرأ حمزة بالجمع في موضعين: في الفرقان وفي الروم الحرف الأول وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في الحجر {أية : الرياح لواقح} تفسير : [الآية: 22]، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس في ألف ولام، و {السحاب} جمع سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما قالوا حباً لأنه يحبو، قاله أبو علي الفارسي، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه آيات أن الصانع موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحداً لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَعْنَةُ اللَّهِ} عذابه، واللعنة من العباد: الطرد. {وَالْنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أراد به غالب الناس، لأن قومهم لا يلعنونهم، أو أراد يوم القيامة إذ يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُواْ...}. منهم من قال: إنها مؤكدة لما قبلها لقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُوا} فبقيت الآية عامة فيمن كفر ولم يتب يكون داخلا تحت الوعيد وهو مقتضى هذه الآية، ومنهم من قال: أنها مؤسسة. وقرره بوجهين: - الأول: أنّ اللّعنة في الأولى مطلقة تحتمل الدّوام والانقطاع وهنا مقيدة بالخلود والدوام. - الثاني: أن العموم غير المخصوص بشيء أقوى دلالة من عموم خص بشيء، فلذلك أعيدت هذه الآية. ونحو هذا (لابن رشد) في النكاح الثالث. قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا قيل: ماتوا كفارا. فهو أخص من قوله: {وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ}؟ قال: وعادتهم يجيبون بوجهين: - الأول: أن هذا فيه فائدة البناء على المضمر، وقد ذكروا أنه يفيد إما الاختصاص أو مطلق الرّبط، قاله الزمخشري في {أية : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ }. تفسير : - الثاني: أن الحال قيد في الجملة، فهو من قسم التصور وقوله: {وَهُمْ كُفَّار} جملة من مسند ومسند إليه، فيرجع إلى قسم التصديقات، والتعبير بما هو من قسم التصديق أولى مما هو من قسم التصور لأنه يستلزم التصور (فيدل) على الأمرين. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأنه لو قيل "وماتوا كفارا" لكانت حالا، والحال من شرطها الانتقال مع أن المراد: من ثبت ودام على كفره فقال: وكذلك "وهم كفار" والواو فيه واو الحال. (قيل لابن عرفة، كيف عبر بهذا اللّفظ المقتضي للخصوص مع أن من مات كافرا بالإطلاق يناله هذا الوعيد)؟ فقال: هذا وعيد خاص رتب على فعل خاص/انتهى. قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَة...}. قال ابن عرفة: إن قلت: لم أعيد لفظ الفعل في الآية المتقدمة فقيل: {أية : يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}.تفسير : ولم يعد هنا، فكرر هناك ما أسند إليه الاسم المعطوف عليه ولم يكرر هنا، فهلا قيل: أولئك عليهم لعنة الله ولعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين فهو أولى؟ قال: عادتهم يجيبون بأن الإسناد الأول للفاعل، وهو واحد بذاته لايتعدد، لأنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله، والإسناد الثاني إضافي فهو أمر نسبي، والأمور النسبية الإضافية يمكن فيها التعدد كالوجود بالنسبة إلى القديم والحادث، فلذلك لم يفد لفظ اللعنة هنا. قوله تعالى: {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. قال ابن عرفة: {أَجْمَعِينَ} إما تأكيد أو حال فإن كان حالا فالمراد لعنة الجميع مجتمعين، ويبقى النظر: هل ذلك يوم القيامة أو لا.؟ فإن كان في (الآخرة) فيكون خالدين فيها حالا (محصلة أو أعيد الضمير على النار. وإن كان في الدنيا فيكون "خالدين فيها" حالا) مقدرة. وإن كانت تأكيدا فالمراد لعنة جميعهم بالإطلاق. ابن عطية: قال قتادة: المراد بالناس المؤمنون خاصة وقال ابو العالية: ذلك في الآخرة أي يلعن الكفرة أنفسهم يوم القيامة. وقيل معناه يقولون في الدنيا: لعن الله الكافرين، فيلعنون أنفسهم من حيث لا يشعرون. قال ابن عرفة: ويخرج عن هذا من كفر عنادا فإنه لا يلعن الكافرين.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ...} الآية: هذه الآية محكمةٌ في الذين وَافَوْا علَىٰ كفرهم، واختلف في معنى قوله: {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}: والكُفَّار لا يلعنُون أنفسهم. فقال قتادة، والربيع: المراد بـــ {ٱلنَّاسِ }: المؤمنون خاصَّة، وقال أبو العالية: معنى ذلك في الآخرة. وقوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا }، أي: في اللعنة، وقيل: في النار، وعاد الضمير علَيْها، وإِن لم يَجْرِ لها ذكر؛ لثبوتها في المعنى. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ }، أي: لا يُؤَخَّرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النَّظَر؛ نحو قوله تعالَىٰ: {أية : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [آل عمران:77] والأول أظهر؛ لأن النظر بالعين إنما يعدَّى بـــ «إلَىٰ» إلا شاذًّا في الشعر.

ابن عادل

تفسير : اعلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَة يَعْمُّ كُلَّ كافِرٍ ماتَ على كُفْره. وقال أَبُو مُسْلِم: يجبُ حَمْلُه على الَّذِينَ تقدَّم ذكْرُهُمْ، وهُمُ الذينَ يكْتُمُون الآياتِ، واحتجَّ بأنَّهُ تعالى لَمَّا ذَكَر حالَ الَّذِين يكْتُمُون، ثُمَّ ذكَرَ حالَ التَّائِبِين منْهم، ذكَرَ أيْضاً حَالَ مَن يَمُوتُ منْهم منْ غَيْر تَوْبَةٍ، وأيضاً: فإِنه تعالى لمَّا ذَكر أنَّ أولئكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحياةِ، بيَّن أَنَّهم ملْعُونُون بَعْد المَوْت. وجوابُهُ: إِنَّمَا يصحُّ هذا، لو كان الَّذين يمُوتُون منْهُمْ مِنْ غير تَوْبة دخلُوا تَحْت الآيَةِ، وإلاَّ لاسْتَغْنَى عن ذكْرِهم فوجَبَ حَمْلُ الكلامِ على أمْرٍ مستأْنفٍ. فإنْ قيل: كيْفَ يلْعَنُهُ النَّاس أَجْمَعُونَ، وأهْلُ [دينِهِ لا يلْعَنُونَه]. فجوابُهُ منْ وجُوهٍ: أحدها: أَنَّ أهل دينه يلْعَنُونه فِي الآخرة؛ لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}تفسير : [العنكبوت: 25] قال أبو العَالِيَةِ: "يُوقَفُ الكافِرُ يَوْمَ القيامةِ، فيلْعَنُهُ اللَّهُ، ثم تَلْعَنُهُ الملائكةُ، ثم تلْعَنُهُ النَّاسُ". وثانيها: قال قَتَادَةُ، والرَّبِيع: أَرَادَ بالنَّاس أجْمَعِين المؤمِنِينَ؛ كأنه لَمْ يَعْتَدَّ بغَيْرهم، وحَكَم بأنَّ المؤمنين هُمُ النَّاس لا غَيْرُ. وثالثها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهلَ، والظَّالم؛ لأنَّ قُبْحَ ذلك مُقَرَّرٌ في العُقُول فإذا كان في نَفسه [هو جاهلاً، أو ظالماً، وإنْ كَانَ لا يعلَمُ هو مِن نَفْسه كوْنَهُ كَذَلِكَ] كانَتْ لعنتُهُ على الجَاهِلِ والظَّالم تتناوَلُ نَفْسَهُ. ورابعها: أَنَّ يُحْمَل وُقُوعُ اللَّعْنَة عَلَى اسْتحْقَاق اللَّعْنِ، وحينئذ يَعُمُّ ذلك. فَصل فِي بَيَانِ جَوِازٍ لَعْنِ مَنْ مَاتَ كَافِراً قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيُّ - رَضِيَ اللَّه عنه -: الآيَةُ الكريمة تدلُّ على أنَّ للمسلِمِين لعن مَنْ مات كَافِراً، وَأَنَّ زوالَ التكْليف عَنْه بالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنْه اللَّعْنة؟ لأنَّ قوله تعالى: "وَالنَّاس أَجْمَعِينَ" أمرٌ لَنَا بلَعْنِهِ بَعْدَ مَوته؛ وَهَذَا يدلُّ على أنَّ الكافر، لَوْ جُنَّ، لم يَكُنْ زَوَالُ التَّكْلِيفِ عَنْه مُسْقِطاً اللَّعْنةَ والبَرَاءة منْهُ، وكذلك السَّبيلُ فيما يُوجِبُ المَدْحَ والموالاَةَ مِنَ الإِيمَان والصَّلاح، فَمَوْتُ مَنْ كان كذلك أو [جنونُهُ لا يغيِّر] حكْمَهُ عَمَّا كان علَيْه قَبْلَ حُدُوث الحَالِ به. قوله تعالى: "وَمَاتُوا" الواو هذه واو الحال، والجُمْلَة في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، وإثباتُ الواو هُنَا أفْصَحُ؛ خلافاً للفَرَّاء، والزَّمَخْشَريِّ، حيثُ قالا: إنَّ حَذْفَها شاذٌ. وقوله {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ}: "أُولَئِكَ": مبتدأٌ، [و {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ}: مبتدأ وخَبَرُه، خَبَرٌ عَنْ "أُولَئِكَ"] و"أُولَئِكَ" وخبَرُهُ: خَبَرٌ عَنْ "إنَّ"، ويجُوزُ في "لَعْنَةُ" الرفْعُ بالفاعليَّة بالجَار قَبْلَها؛ لاعتَمادهَا؛ فَإِنَّهُ وقع خَبَراً عن "أولئك" وتقدَّم تحريرُهُ في {أية : عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ}تفسير : [البقرة: 157]. فصل في هل يجوز لعن الكافر المعين قال ابْنُ الْعَرَبيِّ: قَالَ لِي كثيرٌ مِنْ أشْيَاخِي: إنَّ الكافرَ المُعَيَّن لا يجوزُ لَعْنُهُ؛ لأنَّ حاله عنْد المُوَافَاةِ لا تُعْلَمُ، وقَدْ شَرَط اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة في إطْلاَقِ اللَّعْنَةِ: المُوافَاةَ عَلَى الكُفْر. وأمَّا ما رُويَ عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أَنَّه لَعَنَ أَقْوَاماً بأعْيَانِهِمْ مِن الكُفَّار، فَإِنما كان ذَلِكَ؛ لِعِلْمِهِ بمآلِهِمْ. قال ابْنُ العَرَبِيِّ: والصحيحُ عنْدِي: جوازُ لَعْنِهِ؛ لظاهر حَالِهِ، ولجواز قَتْله وقتَالِهِ. وقد رُويَ عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أنه قال: "حديث : اللَّهُمَّ، إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْتُ بشَاعِرٍ، فَالْعَنْهُ، وأَهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي"تفسير : [فَلَعَنَهُ، وإن كان الإيمانُ والدِّينُ والإسْلاَمُ مَآلَهُ، وانتصف بقوله "عَدَدَ مَا هَجانِي"] ولم يَزِدْ؛ لتعليمِ العَدْلِ والإنصافِ، وأضَافَ الهَجْوَ إلى اللَّه تعالَى في باب الجَزَاءِ، دون الابتداءِ بالوَصْف بذلك؛ كما يضاف إليه المكْرُ والاسْتهْزَاءُ والخَديعةُ، تعالَى عَنْ ذلك. قال القُرْطُبِيُّ: أما لَعْنُ الكُفَّار جُمْلَةُ مِنْ غَيْر تَعْيين، فلا خِلاَفَ فيه؛ لِمَا روَى مَالِكٌ، عن داوُدَ بْنِ الحُصيْنِ، أنَّه سَمِعَ الأَعْرَجَ يقُولُ: "مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضانَ، وَسَواءٌ كَانَتْ لَهْم ذِمَّةٌ أَوْ لَمْ تَكْنْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ". قوله تعالى: "وَالمَلاَئِكَة" الجمهورُ على جرِّ الملائكة؛ [نَسَقاً عَلَى اسم اللَّه تعالى]، وقرأ الحَسَنُ بالرَّفْع، {والمَلآئِكَهُ وَالنَّاسُ أَجمَعُونَ} وخرَّجَها النحاةُ عَلَى العَطْف على مَوْضع اسْم اللَّه تعالَى، فإنه وإِنْ كان مَجْرُوراً بإضافة المَصْدر، فموضعُهُ رَفْعٌ بالفاعلية؛ لأنَّ هذا المَصْدر يَنحَلُّ لحَرْفٍ مصدريٍّ، وفِعْلٍ، والتقديرُ: "أَنْ لَعَنَهُمْ"، أوْ "أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ"، فعطف الملائِكَةَ على هذا التَّقْدير. قال أبو حيان: وهذا لَيْسَ بجائزٍ على ما تقرَّر مِنَ العَطْفِ على الموضِع، فإنَّ مِنْ شرْطِهِ: أن يكُونَ ثمَّ مُحْرِزٌ للموْضِعِ، وطَالبٌ، والطالبُ للرفع وجودُ التَّنْوِينِ في المَصْدَر، هذا إِذَا سَلَّمْنَا أن "لَعْنَة" تنحلُّ لِحَرْفٍ مصدريٍّ، وفعْلٍ؛ لأنَّ الانحلال لذلك شرطُهُ أنْ يُقْصَدَ به العلاجُ؛ ألا ترَى أنَّ قوله: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [هود: 18] لَيْسَ المعنَى على تقْدير: أنْ يلْعَنَ اللَّهُ على الظالمين، بل المرادُ اللَّعْنَةُ المستقرَّة، وأضيفتْ للَّه على سَبِيلِ التَّخْصِيص، لا على سَبِيلِ الحُدُوث. ونقلَ عن سِيبَوَيْهِ: أنَّ قولك: هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَداً وَعَمْراً، بنَصْب "عَمْراً": أنَّ نَصْبَه بفعْل محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصبَهُ بالعَطْف على المَوْضِع، ثم بعد تَسْليمه ذلك كلَّه، قال: المَصْدرُ المُنَوَّن لم يُسْمَعْ بعده فاعِلٌ مرفوعٌ، ومفعولٌ منصوبٌ، إِنَّمَا قاله البصريُّون قياساً على "أنْ والفِعْل" ومنَعَهُ الفَرَّاء، وهو الصحيحُ ثم إِنَّه خَرَّجَ هذه القراءة الشَّاذَّة على أحَدِ ثلاثةِ أوجُهٍ: الأول: أن تكونَ الملائكةُ مرفوعةً بفعلٍ محذُوفٍ، أي: "وتَلَعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ"؛ كما نصَبَ سِيبَوَيْهِ "عَمْراً" في قولِكَ "ضَارِبُ زَيْداً وَعَمْراً" بفعْلٍ محذوفٍ. الثاني: أَنْ تكُونَ الملائكةُ عَطْفاً على "لَعْنَةُ" بتقدير حَذْف مضافٍ، أي: "وَلَعْنَةُ المَلاَئِكَةِ" فَلَمَّا حذَفَ المضافَ، أُقِيمَ المضافُ إلَيْه مُقَامَهُ. الثالث: أنْ يكُونَ مبتدأً قد حُذِفَ خبرهُ تقْديرُهُ {وَالمَلاَئِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ تَلْعَنُهُمْ} وهذه أوجُهٌ متكلَّفةٌ، وإِعْمَالُ المصدر المنوَّنِ ثابِتٌ؛ غايُةُ ما في الباب: أنه قد يُحْذَفُ فاعلُهُ؛ كقوله {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً}تفسير : [البلد: 14 - 15]. وأيْضاً: فقد أَتْبَعَتِ العَرَبُ المجرورَ بالمَصْدر عَلَى موضعيهِ رَفْعاً؛ قال: [البسيط]. شعر : 861 -................ مَشْيَ الهَلُوكِ عَلَيْهَا الخَيْعَلُ الْفَضُلُ تفسير : برفع "الفُضُلُ" وهي صفة لـ"الهَلُوكِ" على المَوْضِع؛ وإذَا ثَبَتَ ذلكَ في النَّعْتِ، ثَبَتَ فِي العَطْفِ؛ لأنَّهما تابعانِ مِنَ التوابع الخمْسَةِ، و"أَجْمَعِينَ": من ألْفَاظِ التأْكِيد المعنويِّ بمنزلةِ كُلٍّ. قال ابنُ الخَطِيبِ: والآيةُ تَدُلُّ على جواز التَّخْصْيصِ معَ التَّوْكِيد؛ لأنَّه تعالى قال: "والنَّاسِ أَجْمَعِينَ" مع أنَّه مخصوصٌ على مَذْهَب مَنْ قال: المراد بالنَّاس بَعْضُهُمْ. قوله تعالَى: "خِالِدِينَ" حالٌ من الضَّمير في "عَلَيْهِمْ" والعاملُ فيها الظرْفُ من قوله "عَلَيْهِمْ"؛ لأنَّ فيه معنى الاسْتقْرَار لِلَّعْنة، والخلودُ: اللُّزومُ الطَّويل، ومنْه قوله تعالى: "أَخْلدَهُ" أي: لَزِمَهُ، ورَكَنَ إلَيْه. قال بعضُهُمْ: "خَالِدِينَ فِي اللَّعْنَة". وقيلَ: في النَّار، أُضْمِرَتْ؛ تفخيماً وتهويلاً؛ كقوله {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. والأول أولى؛ لوجوه: الأول: أَنَّ ردَّ الضَّميرِ [إلى المَذْكُور السَّابق أَوْلَى مِنْ رَدِّة، إذَا لم يُذْكَر. الثاني: أَنَّ حَمْلَ هذا الضَّمِير على اللَّعْنَة] أَكْثَرُ فائدةً؟ لأنَّ اللَّعْنَ هو الإبْعَادُ مِنَ الثَّوَاب بفِعْل العِقَاب في الآخِرَة، وإيجادِهِ في الدُّنيا، فيدخل في اللعن النَّار وزيادةٌ [فكان حَملُ اللَّفظ عليه أولى]. [الثالث: أن حمل الضمير على اللَّعن يكون حاصلاً في الحال وبعده، وحمله على النَّار لا يكون حالاً حاصلاً في الحال، بل لا بدَّ من تأويلٍ]. قوله تعالى: "يُخَفَّفُ" فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن يكون مستأنفاً. الثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في "خَالِدِينَ" فيكون حالان متداخلان. الثالث: أن يكون حالاً ثانية من الضَّمير في "عَلَيْهِمْ"، وكذلك عند من يجيز تعدُّد الحال. وقد منع أبو البقاء هذا الوجه، بناءً منه على مذهبه في ذلك. وقوله: "وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ". قال مَكِّيٌّ رحمه الله: هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحال من الضَّمير في "خالدين" أو من الضَّمير في "عَنْهُمْ". فصل في وصف العذاب اعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بثلاثة أمورٍ: أحدها: الخلود، وهو المكث الطَّويل عِنْدنا، أو المكث الدَّائم عند المعتزلة. وثانيها: عدم التخفِيفِ، ومعناه أنّ العذابَ في الأوقاتِ كلِّها متشابهٌ؛ لا يكون بعضُه أقَلَّ من بَعْضٍ. فَإِن قيلّ: هذا التَّشْبيهُ مُمْتَنعٌ؛ لوجوهٍ: أحدها: أَنَّه إذا تصوَّر حال غيره من شدَّة العذاب، كان ذلك كالتَّخفيف عنه. وثانيها: أنَّه تعالى يزيد علَيْهِمْ في أقوات، ثمَّ تنقطع تلْك الزِّيادةُ فيكونُ ذلك تَخفيفاً. وثالثها: أنه حين يخاطبهم بقوله تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108] لا نشكُّ أنَّه يزادُ عنْهم في ذلك الوَقْت. فالجوابُ أَنَّ التفاوتُ في هذه الأمُورِ قليلٌ، فالمستَغرِقُ في العَذَاب الشّدِيد لا ينْتبه لهذا القدْر القليل منَ التَّفاوتُ، وهذه الآية تَدُلُّ على دوام العذاب، وأبديتِه، فإنَّ الواقعَ في [محْنَةٍ] عظيمةٍ [وشدةٍ] في الدُّنْيَا، إذا بُشِّرَ بالخَلاَص، وقيل له: إنَّك تَخلُصُ من هذه الشِّدَّة بعد أيَّامٍ، فإنَّه يَفْرَح ويسْهُلُ عليه موقع هذه المحنة. الصفة الثانية: قوله "وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ" والإنظارُ: هو التأْجيلُ والتأخيرُ؛ قال سُبحانه {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}تفسير : [البقرة: 280] والمعنى: أن عذابَهُمْ لا يُؤجَّل، بل يكون حاضراً متَّصِلاً بعذاب مثله؛ ووجه اتِّصال هذه الآية بها قبلها: أنَّه تعالى لمَّا حّذَّر من كتْمَان الحقِّ بين أن أوَّل ما يجبُ إظهارُهُ ولا يجوزُ كتمانُهُ أمْرُ التوحيدِ، ووَصَل ذلك بذكْر البُرْهان، وعلَّم طريقَ النَّظَر، وهو الفكْرُ في عجائِبِ الصُّنْع؛ ليعلم أنَّه لاَ بُدَّ منْ فاعل لا يشبهُه شَيْءٍ: ويحتمل أن يكون من النَّظَرِ؛ كقوله: {أية : لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ}تفسير : [آل عمران: 77].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏} ‏ قال‏:‏ يعني بالناس أجمعين المؤمنين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما‏:‏ لعن الله الظالم إلا رجعت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن جرير بن حازم قال‏:‏ سمعت الحسن يقرأها ‏{‏أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون‏}.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏ {‏خالدين فيها‏} ‏ يقول‏:‏ خالدين في جهنم في اللعنة‏.‏ وفي قوله ‏{‏ولا هم ينظرون‏} ‏ ويقول‏:‏ لا ينظرون فيعتذرون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولا هم ينظرون‏}‏ قال‏:‏ لا يؤخرون‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جملةٌ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاءِ اللعن فيما وراء الاستثناءِ وتأكيدِ دوامِه واستمرارِه على غير التائبـين حسبما يفيده الكلام، والاقتصارُ على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرضٍ لعدم التوبة والإصلاحِ والتبـيـينِ مبنيٌّ على ما أشير إليه فكما أن وجودَ تلك الأمور الثلاثةِ مستلزِمٌ للإيمان الموجبِ لعدم الكفر كذلك وجودُ الكفر مستلزمٌ لعدمها جميعاً أي أن الذين استمروا على الكفر المستتبِع للكتمان وعدمِ التوبة {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} لا يرعوون عن حالتهم الأولى {أُوْلَـٰئِكَ} الكلامُ كما فيما قبله {عَلَيْهِمْ} أي مستقِرٌّ عليهم {لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ممن يُعتَدُّ بلعنهم، وهذا بـيانٌ لدوامها الثبوتي بعد بـيان دوامِها التجدّدي، وقيل: الأولُ لعنتَهم أحياءً وهذا لعنتُهم أمواتاً. وقرىء والملائكةُ والناسُ أجمعون عطفاً على محلِّ اسم الله لأنه فاعلٌ في المعنى، كقولك: أعجبني ضربُ زيدٍ وعمروٍ، تريد مِنْ أنْ ضَربَ زيدٌ وعمروٌ، كأنه قيل: أولئك عليهم أنْ لعنهم الله والملائكةُ الخ وقيل: هو فاعل لفعل مقدرٍ أي ويلعنهم الملائكة {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي في اللعنة أو في النار على أنها أُضمرت من غير ذكرٍ تفخيماً لشأنها وتهويلاً لأمرِها {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} إما مستأنفٌ لبـيان كثرة عذابِهم من حيث الكيفُ إثرَ بـيانِ كثرتِه من حيث الكمُّ أو حال من الضمير في خالدين على وجه التداخُل أو من الضمير في عليهم على طريقة الترادُف {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} عطفٌ على ما قبله جارٍ فيه، وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ لإفادة دوامِ النفي واستمراره أي لا يُمهلون ولا يُؤجّلون أو لا يُنتظرون ليعتذروا أو لا يُنظر إليهم نَظَر رحمة {وَإِلَـٰهُكُمْ} خطابٌ عام لكافة الناس أي المستحِقُّ منكم للعبادة {إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي فردٌ في الإلٰهية لا صحةَ لتسمية غيرِه إلٰهاً أصلاً {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ أخرى للخبر أو اعتراضٌ، وأياً ما كان فهو مقرِّرٌ للوحدانية ومُزيحٌ لما عسى أن يُتوهّم أن في الوجود إلٰهاً لكن لا يستحق العبادة {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} خبران آخرانِ للمبتدأ أو لمبتدأ محذوفٍ وهو تقريرٌ للتوحيد فإنه تعالى حيث كان مُولياً لجميع النعم أصولِها وفروعِها جليلِها ودقيقِها وكان ما سواه كائناً ما كان مفتقراً إليه في وجوده وما يتفرَّع عليه من كمالاته تحققتْ وحدانيتُه بلا ريب وانحصر استحقاقُ العبادةِ فيه تعالى قطعاً. قيل: كان للمشركين حول الكعبة المكرمة ثلثُمائة وستون صنماً فلما سمعوا هذه الآيةَ تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأتِ بآيةٍ نعرِفْ بها صدقك فنزلت.

التستري

تفسير : قوله: {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ}[161] أي الطرد لهم من رحمة الله والإبعاد، وكذلك كلُّ ملعون مطرود.

القشيري

تفسير : الإشارة فيه أن الذين بدا لهم بعدما سلكوا طريق الإرادة (أنْ) يرجعوا إلى أحوال العادة، ثم في تلك الوحشة قُبضوا، وعلى تلك الحالة من الدنيا خرجوا، أولئك أصحاب الفُرقة، فلا على أرواحهم إقبال ولا لمصيبتهم جبران، ولا لأحد عليهم ترحم، خسروا في الدنيا والآخرة، يلعنهم البقُّ في الهواء والنقعُ على الماء. {خَالِدِينَ} أي مقيمين أبداً في هوانهم وصغرهم، لا تخفيف ولا إسعاف ولا رفق ولا ألطاف.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن الذين كفروا} اى استمروا على الكفر المستتبع للكتمان وعدم التوبة {وماتوا وهم كفار} مصرون على كفرهم لا يرتدعون عن حالتهم الاولى {أولئك} مستقر {عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} اى هم المخصوصون باللعنة الابدية احياء وامواتا فمن يعتد بلعنتهم وهم المؤمنون لانهم هم الناس فى الحقيقة لانتفاعهم بالانسانية واما الكفار فهم كالانعام واضل سبيلا فلا اعتداد بهم عند الله او الناس عام لان الكفار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا والله تعالى يلعنهم يوم القيامة ثم يلعنهم الملائكة ثم تلعنهم الناس والظالم يلعن الظالمين ومن لعن الظالمين وهو ظالم فقد لعن نفسه.

الطوسي

تفسير : المعنى: إن قبل: كيف يلعن الكافر كافراً مثله وهو الظاهر في قوله {والناس أجمعين}؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أولها - أنه يلعنه الناس أجمعون يوم القيامة كما قال تعالى {أية : ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً}تفسير : وهو قول ابي العالية. الثاني - قال السدي: انه لا يمتنع أحد من لعن الظالمين، فيدخل في ذلك لعن الكافر لأنه ظالم. الثالث - يراد به لعن المؤمنين خصوصاً، ولم يعتدّ بغيرهم كما يقال: المؤمنون هم الناس، وهو قول قتادة والربيع، هذا إذا حمل على أن اللعن في دار الدنيا، لأن من المعلوم أن أهل ملة لا يلعن أهل ملة. القراءة: وحكي عن الحسن أنه قرأ {والملائكة} رفعاً ويكون ذلك على حمله على معنى يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون. كما تقول: عجبت من ضرب زيد، وعمرو - بالرفع - وهذه قراءة شاذة لا يعول عليها لان المعتمد ما عليه الجمهور. ولا يجوز رفع {أجمعين} وحده ها هنا لأن هذه اللفظة لا تكون إلا تابعة، وليس في الكلام مظهر ولا مضمر تتبعه على ذلك، وإنما الحمل على المعنى بمنزلة إعادة معنى العامل الأوّل؛ كأنك قلت: ويلعنهم الملائكة والناس أجمعون. المعنى: والكفر ما يستحق به العقاب الدائم عندنا، وعند من خالفنا في دوام عقاب فساق أهل الصلاة انه ما يستحق به العقاب الدائم الكثير، ويتعلق به أحكام مخصوصة، وسواء كان الكفر في تشبيه الله تعالى بخلقه أو في تجريده في أفعاله أو الرد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ما كان أعظم منه في القبح. واللعنة: الابعاد من الرحمة على ما بيناه مع ايجاب العقوبة، ويجري ذلك من الناس على وجه الدعاء، ومن الله على وجه الحكم، وإنما قال: {وماتوا وهم كفار} وكل كافر، فهو ملعون في حال كفره وإن لم يكن ممن يوافى بالكفر للدلالة على خلودهم في النار إذا ماتوا على غير توبة، وقد دلَّ على ذلك ما بينه في الآية الثالثة، وإنما أكد بأجمعين ليرتفع الاحتمال، والايهام قبل أن ينظر في تحقيق الاستدلال، ولهذا لم يجز الأخفش رأيت أحد الرجلين كليهما، وأجاز رأيتهما كليهما، لانك إذا ذكرت الحكم مقرونا بالدليل عليه، أزلت الايهام للفساد، وإذا ذكرته وحده فقد يتوهم عليك الغلط في المقصد بقولك: أحد الرجلين، لما ذكرت التثنية وذكرت أحداً كنت بمنزلة من ذكر الحكم، والدليل عليه فأمّا ذكر التثنية في رأيتهما، فبمنزلة ذكر الحكم وحده. وواحد الناس إنسان في في المعنى، فأما في اللفظ، فلا واحد له، وهو كنفر، ورهط مما يقال: إنه اسم للجمع.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ كَفَروا وماتُوا وهُم كُفَّار}: هذه الجملة حال من واو ماتوا غير تائبين عن كتمانهم وسائر معاصيهم. {أولئكَ عَلَيهم لَعنةُ اللهِ والملائكَةِ والنَّاسِ أجْمعِينَ}: أى جميع الناس المعتد بأمنهم وهم المؤمنون منهم. قال قتادة والربيع: ويجوز أن يراد جميع الناس لما مر من أجساد الكفار تلعن الكفار، وأنهم إذا لعنوا صاحب صفة على صفته على صفته عموما كالظلم دخل فى لعنتهم من فيه تلك الصفة، وذلك لعن لأنفسهم ولغيرهم من الكفار، وقال أبو العالية: اللعن المذكور فى قوله عز وجل. من قائل: {أية : أولئكَ يلعنُهم اللهُ ويلعنُهم اللاَّعِنُون} تفسير : هو فى الدنيا، واللعن المذكور فى قوله: {أولئك عليهم لَعنةُ اللهِ والملائِكةِ والنَّاسِ أجمَعين}، هو فى الآخرة يلعنهم الله والملائكة والمؤمنون فيها، ويلعن بعضهم بعضا، والمذهب جواز أن تلعن المشرك والفاسق، ولو مخصوصا لقوله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله فلانا ولعن الله فلانا" تفسير : فى أحاديث قالت عائشة رضى الله عنها: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلانا وما استغفر له حتى مات.تفسير : وجاز على الصفة والعموم كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله الخمر ولعن شاربها..." تفسير : الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده" تفسير : يعنى بيضة القتال أو بيضة نحو الدجاجة والحبل معا، وقيل القطع فى القليل والكثير لظاهر هذا الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله الواشمة" تفسير : الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله آكل الربى وموكله" تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله من غير تخوم الأرض"، تفسير : وفى رواية: "حديث : من غير منار الأرض، ومن انتسب لغير أبيهِ"، تفسير : يعنى بالتخوم والمنار الحد الفاصل بين أرضين لمالكين، وقيل المراد من غير الحد بين الحل والحرم وقولُه صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم" تفسير : الحديث وأدلة اللعن على الصفة والعموم أدلة على جواز لعن المعين على فسقهِ أو شركهِ، لوجود علة اللعن فيه، بل قد لعن فاسقاً معيناً، كما لعن مشركاً معيناً، كما مرَّ، وزعم قومنا أنه لا يلعن الفاسق معيناً، وجاز لعن المشرك معيناً، وزعم بعضهم أنه لا يلعن الفاسق ولا المشرك على التعيين، لأنهُ لا يدرى لعله يموت على الوفاء والإسلام، واستدلوا بقولهِ تعالى: {وماتوا وهم كفار}، وليس كذلك للعنه، صلى الله عليهِ وسلم، آحاداً معينين، ولأن قولهُ: {وماتوا وهم كفار}، بيان لسعة باب التوبة، وأما الحكم فعلى الظاهر الحالى والغيب يعلمه الله، وإذا ظهر الغيب رجعنا إليه وقرأ الحسن والملائكة والناس أجمعون بالرفع عطفاً على محل اسم الجلالة، لأنه فاعل للمصدر الذى هو لعنة، أو يقدر: وتلعنهم الملائكة والناس أجمعون.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالكتم أو غيره {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَٰئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} المؤمنين، أو الناس مطلقا، فإن أجسَاد الكفرة تلعنهم وتلعن أصحابها.

الالوسي

تفسير : {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} الموصول للعهد كما هو الأصل، والمراد به الذين كتموا وعبر عن الكتمان بالكفر نعياً عليهم به، والجملة عديلة لما فيها (إلا) ولم تعطف عليها إشارة إلى كمال التباين بين الفريقين، والآية مشتملة على الجمع والتفريق جمع الكاتمين في حكم واحد وهو أنهم ملعونون ثم فرق فقال: أما الذين تابوا فقد تاب الله تعالى عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة، وأما الذين ماتوا على الكتمان ولم يتوبوا عنه فقد استقرت عليهم اللعنة ولم تزل عنهم. وأورد كلمة الاستثناء في الجملة الأولى مع أنه ليس للإخراج عن الحكم السابق بل هو بمعنى لكن للدلالة على أن التوبة صارت مكفرة للعن عنهم فكأنهم لم يباشروا ولم يدخلوا تحته ـ قاله بعض المحققين ـ وفيه ارتكاب خلاف الظاهر في الاستثناء، ولهذا قال البعض إن المراد بالجملة المستثنى منها بيان دوام اللعن واستمراره وعليه يدور الاستثناء المتصل، وجملة {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الخ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاء اللعن فيما وراء الاستثناء وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين والاقتصار على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرض لعدم التوبة والإصلاح والتبيين مبني على أن وجود الكفر مستلزم لعدمها جميعها كما أن وجودها مستلزم للإيمان الموجب لعدم الكفر، ولذا لم يصرح بالإيمان في صفات التائبين، والفرق بين الدوامين أن الأول: تجددي، والثاني: ثبوتي ـ ولا يخفى أن هذا أوفق بظاهر اللفظ ـ وما ذكره بعض المحققين أجزل معنى وأعلى كعباً وأدق نظراً، وقيل: الموصول عام للذين كتموا وغيرهم كما يقتضيه ظاهر الصلة، والآية من باب التذييل فيدخل الكاتمون الذين ماتوا على الكتمان دخولاً أولياً؛ واعترض بأن تقييد الوعيد بعدم التخفيف أعدل شاهد على أن الآية في شأن الكاتمين الذين ماتوا على ذلك لأنهم أشد الكفرة وأخبثهم فإن الوعيد في حق الكفرة مطلق الخلود في النار، وأنت تعلم أن هذا في حيز المنع بل ما من كافر جهنمي إلا وحاله يوم القيامة طبق ما ذكر في الآية ولا أظنك في مرية من ذلك بعد سماع قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ }تفسير : [الزخرف: 74ـ75] فلا يبعد القول بحسن هذا القيل ـ وإليه ذهب الإمام ـ وكلام الطيبـي يشير إلى حسنه وطيبه فتدبر. / {أُولَٰـئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلٰـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} المراد استمرار ذلك ودوامه فهذا الحكم غير ما سبق إذ المراد منه حدوث اللعنة ووقوعها عليهم وليس المقصود من ذكر ـ الملائكة والناس ـ التخصيص لينافي العموم السابق ولا العموم ليرد خروج المهيمين الذي لا شعور لهم بذواتهم وكثير من الأتقياء الذين لا يلعنون أحداً بل المقصود أنه يلعنهم هؤلاء المعتدّون من خلقه و(أجمعين) تأكيد بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط، والمراد بهم المؤمنون لأنهم المعتدّون منهم، والكفار كالأنعام لأنه لا يحسم مادة الإشكال، وقيل: إنه باقي على عمومه والكفار يلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة، أو الجملة مساقة للإخبار باستحقاق أولئك اللعن من العموم لا بوقوعه بالفعل ولم يكرر اللعنة هنا كما كرر الفعل قبل اكتفاءاً به وافتناناً في النظم الكريم ومناسبة لما يشعر به التأكيد. وقرأ الحسن (والملائكة والناس أجمعون) بالرفع، وخرج على وجوه، فقيل: عطف على {لَّعْنَةُ} بتقدير لعنة الله ولعن الملائكة فحذف المضاف من الثاني وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: مبتدأ محذوف الخبر أي ـ والملائكة والناس يلعنونهم ـ أو فاعل لفعل محذوف أي يلعنهم، وقيل إن {لَّعْنَةُ} مصدر مضاف إلى فاعله والمرفوع معطوف على محله، وقد أتبعت العرب فاعل المصدر على محله رفعاً كقوله:شعر : مشى الهلوك عليها الخيعل (الفضلُ) تفسير : برفع الفضل وهو صفة للهلوك على الموضع، وإذا ثبت في النعت جاز في العطف إذ لا فارق بينهما، وادعى أبو حيان عدم الجواز لأن شرط العطف على الموضع أن يكون ثمت طالب ومحرز للموضع لا يتغير، وأيضاً {لَّعْنَةُ} وإن سلم مصدريته فهو إنما يعمل إذا انحل ـ لأن، والفعل ـ وهنا المقصود الثبوت فلا يصح انحلاله لهما وسلمه له غيره، وقالوا: إنه مذهب سيبويه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف كلام لإفادة حال فريق آخر مشارك للذي قبله في استحقاق لعنة الله واللاعنين وهي لعنة أخرى. وهذا الفريق هم المشركون فإن الكفر يطلق كثيراً في القرآن مراداً به الشرك قال تعالى: { أية : ولا تمسكوا بعصم الكوافر } تفسير : [الممتحنة: 10]، وذلك أن المشركين قد قُرنوا سابقاً مع أهل الكتاب قال تعالى: { أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين } تفسير : [البقرة: 105] الآية { أية : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } تفسير : [البقرة: 118] فلما استؤنف الكلام ببيان لعنة أهل الكتاب الذين يكتمون عُقّب ذلك ببيان عقوبة المشركين أيضاً فالقول في الاستئناف هنا كالقول في الاستئناف في قوله: { أية : إن الذين يكتمون } تفسير : [البقرة: 159] من كونه بيانياً أو مجرداً. وقال الفخر {الذين كفروا} عام وهو شامل للذين يكتمون وغيرهم والجملة تذييل أي لما فيها من تعميم الحكم بعد إِناطته ببعض الأفراد، وجعل في «الكشاف» المراد من {الذين كفروا} خصوص الذين يكتمون وماتوا على ذلك وأنه ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً، وهو بعيد عن معنى الآية لأن إعادة وكفروا لا نكتة لها للاستغناء بأن يقال والذين ماتوا وهم كفار، على أنه مستغنى عن ذلك أيضاً بأنه مفاد الجملة السابقة مع استثنائها، واللعنة لا يظهر أثرها إلاّ بعد الموت فلا معنى لجعلهما لعنتين، ولأن تعقيبه بقوله: { أية : وإلٰهكم إله واحد } تفسير : [البقرة: 163] يؤذن بأن المراد هنا المشركون لتظهر مناسبة الانتقال. وإنما قال هنا {والناس أجمعين} لأن المشركين يلعنهم أهل الكتاب وسائر المتدينين الموحدين للخالق بخلاف الذين يكتمون ما أنزل من البينات فإنما يلعنهم الله والصالحون من أهل دينهم كما تقدم وتلعنهم الملائكة، وعموم (الناس) عرفي أي الذين هم من أهل التوحيد. وقوله: {خالدين فيها} تصريح بلازم اللعنة الدائمة فالضمير عائد لجهنم لأنها معروفة من المقام مثل { أية : حتى توارت بالحجاب } تفسير : [ص: 32]، { أية : كلا إذا بلغت التراقي } تفسير : [القيامة: 26]، ويجوز أن يعود إلى اللعنة ويراد أثرها ولازمها. وقوله: {لا يخفف عنهم العذاب} أي لأن كفرهم عظيم يصدهم عن خيرات كثيرة بخلاف كفر أهل الكتاب. والإنظار الإمهال، نظره نظرة أمهله، والظاهر أن المراد ولا هم يمهلون في نزول العذاب بهم في الدنيا وهو عذاب القتل إذ لا يقبل منهم إلاّ الإسلام دون الجزية بخلاف أهل الكتاب وهذا كقوله تعالى: { أية : إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 15، 16] وهي بطشة يوم بدر. وقيل: {ينظرون} هنا من نظر العين وهو يتعدى بنفسه كما يتعدى بإلى أي لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وهو كناية عن الغضب والتحقير. وجيء بالجملة الاسمية هنا لدلالتها على الثبات والاستقرار بخلاف قوله: {أولئك عليهم لعنة الله} فالمقصود التجدد ليكونوا غير آيسين من التوبة.

القطان

تفسير : كان ما سبق حالَ من يرضى عنهم ربهم، اما الذين يموتون وهم كفار ولا يتوبون فاولئك لهم اللعنةُ الأبدية، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. انهم مطرودون من جميع المخلوقات، يرجون رحمة ربهم ولا يستطيع احد ان يشفع لهم، وسيبقون في العذاب خالدين في النار، لا يخفَّف عنهم العذاب ولا هم يُمهلون حتى لو طلبوا ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُولَئِكَ} {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ} (161) - إِنَّ الذِينَ كَفَروا بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَكَتَمُوا الحَقَّ وَلَمْ يُظْهِرُوهُ وَمَاتُوا وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ لَعْنََةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِيَخْلُدُوا فِيهَا أَبَداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنهم الذين أصروا على عدم التوبة فكان جزاؤهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ويضيف سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصاً من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ} [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة: 13]، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [الأنعام: 35]. ولعنته {ٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى: {أية : يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ}تفسير : [الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلاناً فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض"،تفسير : حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب "الجامع الصحيح" البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد من صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحب الله العبد..."تفسير : في اللعنة مثل ذلك بعض {خَالِدِينَ فِيهَا} [البقرة: 162]، مقيمين أبداً في أهوائهم {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]، {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله"، تفسير : لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى: {أية : قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً}تفسير : [الحديد: 13]. ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، إلى {يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: {وَإِلَـٰهُكُمْ}، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ}، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجداً لملائكة، وحد نفسه بقوله: {وَاحِدٌ} حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثاني؛ لأنه لو حتمل ثالثاً ورابعاً إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعة الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}. ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقاً بقوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيداً بقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، وكان محتملاً أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم البعد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعاً فحينئذ لا يكون مخلصاً في عبوديته، مخلصاً في الافتقار إليه، مخلصاً في إن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بصفتي: {ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مرَّ شرحهما في تفسير {أية : بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}تفسير : [الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين: "حديث : كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعاً؛ ستاً في الأرض وواحداً في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: "فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ". تفسير : فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 164]، إلى: {يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتعبية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولاك لما خلقت الأكوان"تفسير : وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]، فافهم جدّاً، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين. ومما يدل على أن خلق السماوات الأرض وما بينهما تبع الخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله"،تفسير : يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض، لأن وجدوهما كان تبعاً لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع. ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلاً لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبداً، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال: "حديث : كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"،تفسير : فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله: {أية : أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [الأنفال: 28]، وبقوله: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}تفسير : [التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: {يُحِبُّهُمْ} للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أنداداً بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر: شعر : الشوق أكثر أن يتخص جارحة أكلي إليك على الحالات مشتاق تفسير : {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعاً مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى: {أية : وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}تفسير : [الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي. ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلومة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ}تفسير : [الزخرف: 38]، وقوله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. وقوله تعالى: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا}تفسير : [البقرة: 256]، وقال تعالى: {أية : إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.