Verse. 1721 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

لَہٗ دَعْوَۃُ الْحَقِّ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِہٖ لَا يَسْتَجِيْبُوْنَ لَہُمْ بِشَيْءٍ اِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْہِ اِلَى الْمَاۗءِ لِيَبْلُغَ فَاہُ وَمَا ہُوَ بِبَالِغِہٖ۝۰ۭ وَمَا دُعَاۗءُ الْكٰفِرِيْنَ اِلَّا فِيْ ضَلٰلٍ۝۱۴
Lahu daAAwatu alhaqqi waallatheena yadAAoona min doonihi la yastajeeboona lahum bishayin illa kabasiti kaffayhi ila almai liyablugha fahu wama huwa bibalighihi wama duAAao alkafireena illa fee dalalin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«له» تعالى «دعوة الحق» أي كلمته وهي لا إله إلا الله «والذين يدعون» بالياء والتاء يعبدون «من دونه» أي غيره وهم الأصنام «لا يستجيبون لهم بشيء» مما يطلبونه «إلا» استجابة «كباسط» أي كاستجابة باسط «كفيه إلى الماء» على شفير البئر يدعوه «ليبلغ فاه» بارتفاعه من البئر إليه «وما هو ببالغه» أي فاه أبدا فكذلك ما هم بمستجيبين لهم «وما دعاء الكافرين» عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء «إلا في ضلال» ضياع.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } أي لله دعوة الحق، وفيه بحثان: البحث الأول: في أقوال المفسرين وهي أمور: أحدها: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: {دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } قول لا إله إلا الله. وثانيها: قول الحسن: إن الله هو الحق، فدعاؤه هو الحق، كأنه يومىء إلى أن الانقطاع إليه في الدعاء هو الحق. وثالثها: أن عبادته هي الحق والصدق. واعلم أن الحق هو الموجود، والموجود قسمان: قسم يقبل العدم وهو حق يمكن أن يصير باطلاً وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلاً وذلك هو الحق الحقيقي، وإذا كان واجب الوجود لذاته موجوداً لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقاً هو هو وكان أحق الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون حقاً هو اعتقاد ثبوته وذكر وجوده، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات. وذكره بالثناء والإلهية والكمال هو الحق في الأذكار فلهذا قال: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ }. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» {دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في قوله: {كَلِمَةَ ٱلْحَقّ } والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه باطلاً، وهذا من باب إضافة الشيء إلى صفته. والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، وعن الحسن: الحق هو الله وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله: {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء } مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، فكذلك ما يدعونه جماد، لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم وقيل شبهوا في قلة فائد دعائهم لآلهتهم، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشراً أصابعه ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه، وقرىء {تَدْعُونَ } بالتاء {كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ } بالتنوين، ثم قال: {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَىٰ فِى ضَلَـٰلٍ } أي إلا في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} أي لله دعوة الصدق. قال ابن عباس وقَتَادة وغيرهما: لا إله إلا الله. وقال الحسن: إن الله هو الحق، فدعاؤه دعوة الحق. وقيل: إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق؛ قاله بعض المتأخرين. وقيل: دعوة الحق دعاؤه عند الخوف؛ فإنه لا يدعى فيه إلا إياه، كما قال: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67]؛ قال الْمَاوَرْدِيّ: وهو أشبه بسياق الآية؛ لأنه قال: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام والأوثان. {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي لا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء. {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} ضرب الله عز وجل الماء مثلاً ليأسهم من الإجابة لدعائهم؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مَثَلا بالقابض الماء باليد؛ قال:شعر : فأصبحتُ فيما كان بَيْني وبينها من الودّ مثلَ القابِض الماء باليدِ تفسير : وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي يدعو إلهاً من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فِيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبداً، لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ببالغ إليه؛ قاله مجاهد. الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفّه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه، وفساد توهمه؛ قاله ابن عباس. الثالث: أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شيء منه. وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر؛ لأنها معدن للماء، وأن المثل كمن مدّ يده إلى البئر بغير رِشاء؛ وشاهده قول الشاعر:شعر : فإن الماءَ ماءُ أَبِي وجَدّي وبِئري ذُو حَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ تفسير : قال علي رضي الله عنه: هو كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغ قعر البئر، ولا الماء يرتفع إليه؛ ومعنى «إِلاَّ كَبَاسِطِ» إلا كاستجابة باسط كفيه «إِلَى الْمَاءِ» فالمصدر مضاف إلى الباسط، ثم حذف المضاف؛ وفاعل المصدر المضاف مراد في المعنى وهو الماء؛ والمعنى: إلا كإجابة باسط كفيه إلى الماء؛ واللام في قوله: «لِيَبْلُغَ فَاهُ» متعلقة بالبسط؛ وقوله: «وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ» كناية عن الماء؛ أي وما الماء ببالغ فاه. ويجوز أن يكون «هو» كناية عن الفم؛ أي ما الفم ببالغ الماء. {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في ضلال، لأنها شرك. وقيل: إلا في ضلال أي يضلّ عنهم ذلك الدعاء، فلا يجدون منه سبيلاً؛ كما قال: {أية : أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} تفسير : [الأعراف: 37] وقال ابن عباس: أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع دعاءهم.

البيضاوي

تفسير : {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} الدعاء الحق فإنه الذي يحق أن يعبد ويدعى إلى عبادته دون غيره، أو له الدعوة المجابة فإن من دعاه أجابه، ويؤيده ما بعده و {ٱلْحَقّ } على الوجهين ما يناقض الباطل وإضافة الـ {دَعْوَةُ } لما بينهما من الملابسة، أو على تأويل دعوة المدعو الحق. وقيل {ٱلْحَقّ } هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق، والمراد بالجملتين إن كانت الآية في أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله إجابة لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم أو دلالة على أنه على الحق، وإن كانت عامة فالمراد وعيد الكفرة على مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، أو بيان ضلالهم وفساد رأيهم. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } أي والأصنام الذين يدعوهم المشركون، فحذف الراجع أو والمشركون الذين يدعون الأصنام فحذف المفعول لدلالة. {مِن دُونِهِ } عليه. {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءِ} من الطلبات. {إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ} إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه. {إِلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ } يطلب منه أن يبلغه. {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته والإِتيان بغير ما جبل عليه وكذلك آلهتهم. وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لها بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه فبسط كفيه ليشربه. وقرىء «تدعون» بالتاء وباسط بالتنوين. {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } في ضياع وخسار وباطل.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} قال: التوحيد، رواه ابن جرير. وقال ابن عباس وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}: لا إله إلا الله {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} الآية، أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله {كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ}. قال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبداً بيده، فكيف يبلغ فاه؟ وقال مجاهد {كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ} يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه فلا يأتيه أبداً، وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه على شي، كما قال الشاعر:شعر : فإنِّي وإِياكُمْ وشوقاً إليكُمُ كقابِضِ ماءٍ لَمْ تَسُقْهُ أنامِلُهُ تفسير : وقال الآخر:شعر : فأصْبَحْتُ مِمَّا كان بيني وبينَها مِنَ الوُدِّ مثلَ القابضِ الماءَ باليدِ تفسير : ومعنى هذا الكلام: أن الذي يبسط يده إلى الماء، إما قابضاً وإما متناولاً له من بعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلاً للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهاً غيره، لا ينتفعون بهم أبداً في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَهُ } تعالى {دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ } أي كلمته وهي (لا إله إلا الله) {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } بالياء والتاء و: يعبدون {مِن دُونِهِ } أي غيره وهم الأصنام {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ } مما يطلبونه {إِلاَّ } استجابة {كَبَٰسِطِ } أي كاستجابة باسط {كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ } على شفير البئر يدعوه {لِيَبْلُغَ فَاهُ } بارتفاعه من البئر إليه {وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِ } أي فاه أبداً، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم {وَمَا دُعآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ } عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء {إِلاَّ فِى ضَلَٰلٍ } ضياع.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل{له دعوة الحق}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن دعوة الحق لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الله تعالى هو الحق، فدعاؤه دعوة الحق. الثالث: أن الإخلاص في الدعاء هي دعوة الحق، قاله بعض المتأخرين. ويحتمل قولاً رابعاً: أن دعوة الحق دعاؤه عند الخوف لأنه لا يدعى فيه إلا إياه، كما قال تعالى {أية : ضلّ من تدعون إلا إياه} تفسير : [الإسراء:67] هو أشبه بسياق الآية لأنه قال: {والذين يدعون مِن دونه}يعني الأصنام والأوثان. {لا يستجيبون لهم بشيء}أي لا يجيبون لهم دعاءً ولا يسمعون لهم نداء. {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه}ضرب الله عز وجل الماء مثلاً لإياسهم من إجابة دعائهم لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلاً بالقابض الماء باليد، كما قال أبو الهذيل: شعر : فأصبحتُ مما كان بيني وبينها مِن الود مثل القابض الماء باليد تفسير : وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي يدعو إلهاً من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء ليبلغ إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبداً، لأن الماء لا يستجيب له وما الماء ببالغ إليه، قاله مجاهد. الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفر فيه ليبلغ فاه، وما هو ببالغه لكذب ظنه وفساد توهمه، قاله ابن عباس. الثالث: أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يحصل في كفيه شيء منه. وزعم الفراء أن المراد بالماء ها هنا البئر لأنها معدن للماء، وأن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء، وشاهده قول الشاعر: شعر : فإن الماء ماءُ أبي وجدي وبئري ذو حَفَرْتُ وذو طويت

ابن عطية

تفسير : الضمير في {له} عائد على اسم الله عز وجل، وقال ابن عباس: {دعوة الحق}: لا إله إلا الله. قال القاضي أبو محمد: وما كان من الشريعة في معناها. وقال علي بن أبي طالب: {دعوة الحق}: التوحيد. ويصح أن يكون معناها له دعوة العباد بالحق، ودعاء غيره من الأوثان باطل. وقوله: {والذين} يراد به ما عبد من دون الله، والضمير في {يدعون} لكفار قريش وغيرهم من العرب.. وروى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: "تدعون من دونه" بالتاء من فوق، و {يستجيبون} بمعنى يجيبون، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وداع دعا: يا من يجيب إلى النِّدا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : ومعنى الكلام: والذين يدعوهم الكفار في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبون بشيء. ثم مثل تعالى مثالاً لإجابتهم بالذي يبسط {كفيه} نحو الماء ويشير إليه بالإقبال إلى فيه، فلا يبلغ فمه أبداً، فكذلك إجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا يقع. وقوله: {هو} يراد به الماء، وهو البالغ، والضمير في "بالغه" للفم، ويصح أن يكون {هو} يريد به الفم وهو البالغ أيضاً، والضمير في "بالغه" للماء، لأن الفم لا يبلغ الماء أبداً على تلك الحال. ثم أخبر تعالى عن {دعاء الكافرين} أنه في انتلاف و {ضلال} لا يفيد فيه شيئاً ولا يغنيه. وقول تعالى: {ولله يسجد} الآية، يحتمل ظاهر هذه الألفاظ: أنه جرى في طريق التنبيه على قدرة الله، وتسخر الأشياء له فقط، ويحتمل أن يكون في ذلك طعن على كفار قريش وحاضري محمد عليه السلام، أي إن كنتم لا توقنون ولا تسجدون، فإن جميع {من في السماوات والأرض} لهم سجود لله تعالى: وإلى هذا الاحتمال نحا الطبري. قال القاضي أبو محمد: و {من} تقع على الملائكة عموماً، وسجودهم طوع بلا خلاف، وأما أهل الأرض فالمؤمنون منهم داخلون في {من} وسجودهم طوع، وأما سجود الكفرة فهو الكره، وذلك على نحوين من هذا المعنى: فإن جعلنا السجود هذه الهيئة المعهودة فالمراد من الكفرة من يضمه السيف إلى الإسلام -كما قال قتادة - فيسجد كرهاً، إما نفاقاً، وإما أن يكون الكره أول حاله فتستمر عليه الصفة، وإن صح إيمانه بعد. وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل - على حسب ما هو في اللغة كقول الشاعر: شعر : ترى الأكم فيه سجداً للحوافر تفسير : فيدخل الكفار أجمعون في {من} لأنه ليس من كافر إلا وتلحقه من التذلل والاستكانة بقدرة الله أنواع اكثر من أن تحصى بحسب رزاياه واعتباراته. وقال النحاس والزجاج: إن الكره يكون في سجود عصاة المؤمنين وأهل الكسل منهم. قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يقتضي هذا فهو قلق من جهة المعنى المقصود بالآية. وقوله: {وظلالهم بالغدو والآصال}، إخبار عن أن الظلال لها سجود لله تعالى بالبكر والعشيات. قال الطبري: وهذا كقوله تعالى: {أية : أولم يروا إلى ما خلق من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله} تفسير : [النحل: 48] قال: وذلك هو فيئه بالعشي وقال مجاهد: ظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره. وقال ابن عباس: يسجد ظل الكافر حين يفيء عن يمينه وشماله، وحكى الزجاج أن بعض الناس قال: "الظلال" هنا يراد به الأشخاص - وضعفه أبو إسحاق. و {الآصال} جمع أصيل. وقرأ أبو مجلز: "والإيصال" قال أبو الفتح: هو مصدر أصلنا أي دخلنا في الأصيل، كأصبحنا وأمسينا. وروي أن الكافر إذا سجد لصنمه فإن ظله يسجد لله تعالى حينئذ. وقوله: {قل: من رب السماوات} الآية، جاء السؤال والجواب في هذه الآية من ناحية واحدة، إذ كان السؤال والتقرير على أمر واضح لا مدافعة لأحد فيه ملزم للحجة، فكان السبق إلى الجواب أفصح في الاحتجاج وأسرع في قطعهم من انتظار الجواب منهم، إذ لا جواب إلا هذا الذي وقع البدار إليه، وقال مكي: جهلوا الجواب وطلبوه من جهة السائل فأعلمهم به السائل، فلما تقيد من هذا كله أن الله تعالى هو {رب السماوات والأرض} وقع التوبيخ على اتخاذهم {من دونه أولياء} متصفين بأنهم لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، وهذه غاية العجز، وفي ضمن هذا الكلام: وتركتموه وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولفظة: {من دونه} تقتضي ذلك. ثم مثل الكفار والمؤمنين بعد هذا بقوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير}. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: "تستوي الظلمات" بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: "يستوي" بالياء، فالتأنيث حسن لأنه مؤنث لم يفصل بينه وبين عامله شيء. والتذكير شائع لأنه تأنيث غير حقيقي، والفعل مقدم. وشبهت هذه الآية الكافر بـ {الأعمى}. والكفر بـ {الظلمات} وشبهت المؤمن بـ {البصير} والإيمان بـ {النور}: ثم وقفهم بعد: هل رأوا خلقاً لغير الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهاً غير الله؟ ثم أمر محمداً عليه السلام بالإفصاح بصفات الله تعالى في أنه {خالق كل شيء} وهذا عموم في اللفظ يراد به الخصوص في كل ما هو خلق الله تعالى. قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما من الأصوليين: ويخرج عن ذلك صفات ذاته - لا رب غيره - والقرآن، ووصف نفسه بـ {الواحد القهار} من حيث لا موجود إلا به، وهو في وجوده مستغن عن الموجودات لا إله إلا هو العلي العظيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَعْوَةُ الْحَقِّ} لا إله إلا الله "ع"، أو الله هو الحق فدعاؤه دعوة الحق، أو الإخلاص في الدعاء {لا يَسْتَجِيبُونَ} لا يجيبون دعاءهم ولا يسمعون نداءهم والعرب يمثلون كل من سعى فيما لا يدركه بالقابض على الماء قال: شعر : فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد تفسير : {كَبَاسِطِ} الظمآن يدعو الماء ليبلغ إلى فيه، أو يرى خياله في الماء وقد بسط كفيه فيه {لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} لكذب ظنه وسوء توهمه "ع"، أو كباسط كفيه ليقبض عليه فلا يحصل في كفه منه شيء.

النسفي

تفسير : {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ } أضيفت إلى الحق الذي هو ضد الباطل للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق وأنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقاً بأنه يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه واتصال {شديد المحال} وله دعوة الحق بما قبله على قصة أربد ظاهر لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر وقد دعا رسول الله عليه وعلى صاحبه بقوله: «حديث : اللهم اخسفهما بما شئت»تفسير : فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق وعلى الأول وعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم إن دعا عليهم {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } والآلهة الذين يدعوهم الكفار {مِن دُونِهِ } من دون الله {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } من طلباتهم {إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ } الاستثناء من المصدر أي من الاستجابة التي دل عليها لا يستجيبون لأن الفعل بحروفه يدل على المصدر وبصيغته على الزمان وبالضرورة على المكان والحال فجاز استثناء كل منها من الفعل فصار التقدير: لا يستجيبون استجابة إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم. واللام في ليبلغ متعلق بـ {باسط كفيه} {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } وما الماء ببالغ فاه {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلَـٰلٍ } في ضياع لا منفعة فيه لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الأصنام لم تستطع إجابتهم {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } سجود تعبد وانقياد {طَوْعاً } حال يعني الملائكة والمؤمنين {وَكَرْهًا } يعني المنافقين والكافرين في حال الشدة والضيق {وَظِلَـٰلُهُم } معطوف على {من} جمع ظل {بِٱلْغُدُوِّ } جمع غداة كقنىً وقناة {وَٱلآصَالِ } جمع أصل أصيل. قيل ظل كل شيء يسجد لله بالغدو والآصال، وظل الكافر يسجد كرهاً وهو كاره، وظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ } حكاية لاعترافهم لأنه إذا قال: لهم من رب السموات والأرض لم يكن لهم بد من أن يقولوا: الله، دليله قراءة ابن مسعود وأبي {قالوا الله} أو هو تلقين أي فإن لم يجيبوا فلقنهم فإنه لا جواب إلا هذا {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أبعد أن علمتموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه آلهة {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً } لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا ضرراً عنها فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب فما أبين ضلالتكم. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي الكافر والمؤمن أو من لا يبصر شيئاً ومن لا يخفى عليه شيء {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ } ملل الكفر والإيمان. {يستوي} كوفي غير حفص {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ } بل أجلعوا ومعنى الهمزة الإنكار {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } خلقوا مثل خلقه وهو صفة لـ {شركاء} أي أنهم لم يتخذوا الله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } فاشتبه عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق {قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْءٍ } أي خالق الأجسام والأعراض لا خالق غير الله ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق فلا يكون له شريك في العبادة، ومن قال إن الله لم يخلق أفعال الخلق وهم خلقوها فتشابه الخلق على قولهم {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ } المتوحد بالربوبية {ٱلْقَهَّارُ } لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {له دعوة الحق} يعني لله دعوة الصدق، قال على دعوة الحق التوحيد، وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. قال صاحب الكشاف دعوة الحق فيها وجهان أحدهما أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إليه في قولك كلمة الحق. للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل؛ والمعنى أن الله تعالى يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله إن كان مصلحة له فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا نفع فيه ولا جدوى فيرد دعاءه. الثاني أن تضاف إلى الحق الذي هو الله على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، وعن الحسن: الله هو الحق وكل دعاء إليه دعوة الحق. فإن قلت: ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبلهما. قلت: أما على قصة أربد فظاهر لأن إصابته بالصاعقة كانت بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه دعا عليه وعلى صاحبه عامر بن الطفيل فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق، وأما على قوله وهم يجادلون في الله فوعيد للكفار على مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجابة دعائه إن دعا عليهم. وقيل في معنى الآية: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله تعالى {والذين يدعون من ودنه} يعني والذين يدعونهم آلهة من دون الله، وهي الأصنام التي يعبدونها {لا يستجيبون لهم بشيء} يعني لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرر إن دعوهم {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} يعني إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه، يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب دعاءه أو يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبههم في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطهما ناشراً أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئاً، ولم يبلغ طلبته من شربه وقيل إن القابض على الماء ناشراً أصابعه لا يكون في يده منه شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء كذلك الذي يدعو الأصنام لأنها لا تضر ولا تنفع ولا يفيده منها شيء. وقيل شبه: بالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد بعينيه، فهو يشير بكفيه إلى الماء ويدعوه بلسانه فلا يأتيه أبداً هذا معنى قول مجاهد، وعن عطاء كالعطشان الجالس على شفير البئر وهو يمد يديه إلى البئر فلا هو يبلغ إلى قعر البئر ليخرج الماء، ولا الماء يرتفع إليه فلا ينفعه بسطه الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذي يدعون الأصنام لا ينفعهم ذلك. وقال ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما من الماء ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسط كفيه، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ودعائهم الأصنام حين لا ينفعهم البتة ثم ختم هذه بقوله {وما دعاء الكافرين} يعني أصنامهم {إلا في ضلال} يعني يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، قال ابن عباس في هذه الآية أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. قوله عز وجل {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أن المراد منه السجود على الحقيقة وهو وضع الجبهة على الأرض، ثم على هذا القول ففي معنى الآية وجهان أحدهما أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الخصوص، فقوله: ولله يسجد من في السموات يعني الملائكة ومن في الأرض من الإنس يعني المؤمنين طوعاً وكرهاً، يعني من المؤمنين من يسجد لله طوعاً وهم المؤمنون المخلصون لله العبادة، وكرهاً يعني المنافقين الداخلين في المؤمنين وليسوا منهم فإن سجودهم لله على كره منهم، لأنهم لا يرجون على سجودهم ثواباً ولا يخافون على تركه عقاباً بل سجودهم وعبادتهم خوف من المؤمنين. الوجه الثاني: هو حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال، وهو أن جميع الملائكة والمؤمنين من الجن والإنس يسجدون لله طوعاً، ومنهم من يسجد كرهاً كما تقدم وأما الكفار من الجن والإنس، فلا يسجدون لله البتة فهذا وجه الإشكال. والجواب عنه أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في الأرض أن يسجد لله، فعبر بالوجوب عن الوقوع والحصول. وجواب آخر وهو أن يكون المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من في السموات من ملك ومن في الأرض من إنس وجن، فإنهم يقرون لله بالعبودية والتعظيم ويدل عليه قوله تعالى {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}تفسير : [الزمر: 38] والقول الثاني: في معنى هذا السجود هو الانقياد والخضوع وترك الامتناع فكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، وهذا الاعتبار لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل فهم خاضعون منقادون له. وقوله تعالى {وظلالهم بالغدو والآصال} الغدوة والغداة أول النهار، وقيل: إلى نصف النهار والغدو بالضم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس والآصال جمع أصل، وهو العشية والآصال العشايا جمع عشية وهي ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. قال المفسرون: إن ظل كل شخص يسجد لله ظل المؤمن والكافر. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لله كرهاً، وهو كاره. وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها وتخشع كما جعل للجبال أفهاماً حتى سبحت لله مع داود، وقيل: المراد بسجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب آخر، وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر لأن الظلال تعظم، وتكثر في هذين الوقتين، وقيل: لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما بينهما. (فصل) وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة والله أعلم. قوله تعالى {قل من رب السموات والأرض} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذي يعبدون غير الله من رب السموات والأرض، يعني من مالك السموات والأرض، ومن مدبرهما وخالقهما فسيقولون: الله لأنهم مقرون بأن الله خالق السموات وما فيها، والأرض، وما فيها فإن أجابوك بذلك فقل: أنت يا محمد الله رب السموات والأرض. وقيل: لما قال هذه المقالة للمشركين عطفوا عليه وقالوا أجب أنت فأمره الله أن يجيبهم بقوله {قل الله} أي قل يا محمد {الله} وقيل: إنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء، فلما لم ينكروا ذلك وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الله فكأنهم قالوا ذلك أيضاً ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله {قل} أي قل يا محمد للمشركين {أفاتخذتم من دونه} يعني من دون الله {أولياء} يعني الأصنام والولي الناصر، والمعنى توليتم غير رب السموات والأرض واتخذتموهم أنصاراً يعني الأصنام {لا يملكون} يعني وهم لا يملكون {لأنفسهم نفعاً ولا ضراً} فكيف لغيرهم. ثم ضرب الله مثلاً للمشركين الذين يعبدون الأصنام وللمؤمنين الذين يعبدون الله. فقال تعالى {قل هل يستوي الأعمى والبصير} قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن {أم هل تستوي الظلمات والنور} يعني الشرك والإيمان والمعنى كما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن وكما لا تستوي الظلمات والنور كذلك لا يستوي الكفر والإيمان، وإنما شبه الكافر بالأعمى لأن الأعمى لا يهتدي سبيلاً، وكذلك الكافر لا يهتدي سبيلاً {أم جعلوا لله شركاء} هذا استفهام إنكار يعني جعلوا لله شركاء {خلقوا كخلقه} يعني خلقوا سموات وأرضين وشمساً وقمراً وجبالاً وبحاراً وجناً وإنساً {فتشابه الخلق عليهم} من هذا الوجه، والمعنى هل رأوا غير الله خلق شيئاً فاشتبه عليهم خلق الله بخلق غيره، وقيل: إنه تعالى وبخهم بقوله أم جعلوا لله شركاء خلقوا خلقاً مثل خلقه فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، وهذا استفهام إنكاري أي ليس الأمر كذلك حتى يشتبه عليهم الأمر، بل إذا تفكروا بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء والشركاء مخلوقون له أيضاً لا يخلقون شيئاً حتى يشتبه خلق الله بخلق الشركاء، وإذا كان الأمر كذلك فقد لزمتهم الحجة، وهو قوله تعالى {قل الله خالق كل شيء} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الله خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقاً، وقوله الله خالق كل شيء من العموم الذي يراد به الخصوص لأن الله تعالى خلق كل شيء وهو غير مخلوق {وهو الواحد} يعني والله تعالى هو الواحد المنفرد بخلق الأشياء كلها {القهار} لعباده حتى يدخلهم تحت قضائه وقدره وإرادته. وقوله عز وجل: {أنزل من السماء ماء} لما شبه الله عز وجل الكافر بالأعمى والمؤمن بالبصير وشبه الكفر بالظلمات, والإيمان بالنور ضرب لذلك مثلاً فقال تعالى: أنزل من السماء ماء يعني المطر {فسالت أودية بقدرها} أودية جمع واد وهو المفرج بين الجبلين يسيل فيها الماء وقوله: فسالت أودية فيه اتساع، وحذف تقديره فسال في الوادي فهو كما يقال جري النهر والمراد جرى الماء في النهر فحذف في لدلالة الكلام عليه بقدرها. قال مجاهد بمثلها وقال ابن جريج: الصغير بقدره والكبير بقدره، وقيل: بمقدار مائها وإنما نكر أودية لأن المطر إذا نزل لا يعم جميع الأرض، ولا يسيل في كل الأودية بل ينزل في أرض دون أرض ويسيل في واد دون وادٍ. فلهذا السبب جاء هذا بالتنكير. وقال ابن عباس: أنزل من السماء ماء يعني قرآناً وهذا مثل ضربه الله تعالى فسالت أودية بقدرها يريد بالأودية القلوب شبه نزول القرآن الجامع للهدى والنور، والبيان بنزول المطر لأن المطر إذا نزل عمّ نفعه وكذلك نزول القرآن وشبه القلوب بالأودية، لأن الأودية يستكن فيها الماء وكذلك القلوب يستكن فيها الإيمان والعرفان ببركة نزول القرآن فيها، وهذا خاص بالمؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بنزول القرآن (ق) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء نفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فتعلم، وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"تفسير : قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله، وغيره في معنى هذا الحديث وشرحه أما الكلأ فباغمز يقع على الرطب واليابس من الحشيش، وأما قوله وكان منها أجادب فالجيم والدال المهملة والباء الموحدة كذا في الصحيحين، وهي الأرض التي لا تنبت الكلأ جمع جدب على غير قياس وقياسه أجدب، والجدب ضد الخصب. وقال الخطابي: هي التي تمسك الماء ولم يسرع فيه النضوب وفي رواية الهروي أخاذات بالخاء المعجمة والذال المعجمة جمع آخاذة وهي الغدير الذي يمسك الماء، وقوله: ورعوا كذا هو في صحيح مسلم من الرعي، ووقع في صحيح البخاري وزرعوا بزيادة زاي من الزرع والقيعان بكسر القاف جمع قاع وهو المستوي من الأرض، وقوله: فذلك مثل من فقه في دين الله يروى بضم القاف وهو المشهور وروي بكسرها ومعناه فهم الأحكام وأما معنى الحديث ومقصوده فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً لما جاء به من الهدى، والعلم بالأرض التي أصابها المطر. قال العلماء: والأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس لأنهم منها خلقوا، فالنوع الأول من أنواع الأرض الطيبة التي تنتفع بالمطر فتنبت به العشب فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى من غير ذلك من العلم فيحيا به قلبه ويحفظه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع به وينفع غيره. قال مسروق: صحبت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالأخاذات لأن قلوبهم كانت واعية فصارت أوعية للعلوم بما رزقت من صفاء الفهوم. النوع الثاني من أنواع الأرض: أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة لغيرها، وهي إمساك الماء لغيرها لينتفع به الناس والدواب وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به هو وغيره، النوع الثالث: من أنواع الأرض أرض سبخة لا تنبت مرعى ولا تمسك ماء كذلك النوع الثالث من الناس ليس لهم قلوبه حافظة، ولا أفهام ثاقبة فإذا بلغهم شيء من العلم لا ينتفعون به في أنفسهم ولا ينفعون غيرهم والله وأعلم. وقوله تعالى {فاحتمل السيل زبداً} الزبد ما يعلو على وجه الماء عند الزيادة، كالحبب وكذلك ما يعلو على القدر عند غليانها والمعنى فاحتمل السيل الذي حدث من ذلك الماء زبداً {رابياً} يعني عالياً مرتفعاً فوق الماء طافياً عليه، وهاهنا تم المثل ثم ابتدأ بمثل آخر فقال تعالى {ومما يوقدون عليه في النار} الايقاد جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء ليذوب {ابتغاء حلية} يعني لطلب زينة، والضمير في قوله عليه يعود على الذهب والفضة، وإن لم يكونا مذكورين لأن الحلية لا تطلب إلا منهما {أو متاع} يعني أو لطلب متاع آخر مما ينتفع به كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب وتتخذ منه الأواني وغيرها مما ينتفع له، والمتاع كل ما ويتمتع به. ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع {زبد مثله} يعني أن ذلك الذي يوقد عليه في النار إذا أذيب، فله أيضاً زبد مثل زبد الماء فالصافي من الماء ومن هذه الجواهر هو الذي ينتفع به وهو مثل الحق. والزبد من الماء ومن هذه الجواهر هو الذي لا ينتفع به، وهو مثل الباطل وهو قوله تعالى {كذلك يضرب الله الحق والباطل} فالحق هو الجوهر الصافي الثابت، والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ينتفع به وهو قوله {فأما الزبد فيذهب جفاء} يعني ضائعاً باطلاً والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد إلى جوانبه. وقيل: الجفاء المتفرق يقال جفأت الريح الغيم إذا فرقته والمعنى أن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب {وأما ما ينفع الناس} يعني الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب {فيمكث في الأرض} يعني يثبت ويبقى ولا يذهب {كذلك يضرب الله الأمثال} قال أهل التفسير والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل. فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء فيذهب الزبد ويبقى الماء الصافي الذي ينتفع به، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى ويذهب العلو الذي هو الكدر، وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل. فالباطل وإن علا في وقت فإنه يذهب هو وأهله، والحق يظهر هو وأهله. وقيل: هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس ومثل الكافر وخبث اعتقاده كالزبد الذي لا ينتفع به ألبتة. وقيل: هذا مثل ضربه الله للنور الذي يحصل في قلوب العباد على ما قسم لها في الأزل لأن الوادي إذا سال كنس كل شيء فيه من النجاسات والمستقذرات، كذلك إذا سال وادي قلب العبد بالنور الذي قسم له على قدر إيمانه ومعرفته كنس كل ظلمة وغفلة فيه، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض يعني يذهب البواطل وهي الأخلاق المذمومة، وتبقى الحقائق وهي الأخلاق الحميدة كذلك يضرب الله الأمثال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في قوله {له دعوة الحق} قال: التوحيد، لا إله إلا الله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في الأسماء والصفات من طرق عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له دعوة الحق} قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير عن علي - رضي الله عنه - في قوله {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} قال: كالرجل العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {كباسط كفيه إلى الماء} قال: يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً، كذلك لا يستجيب من هو دونه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} وليس ببالغه حتى يتمزع عنقه ويهلك عطشاً. قال الله تعالى {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} فهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى، إن هذا الذي يدعون من دون الله، هذا الوثن وهذا الحجر لا يستجيب له بشيء في الدنيا، ولا يسوق إليه خيراً، ولا يدفع عنه سوءاً حتى يأتيه الموت، كمثل هذا الذي بسط ذراعيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولا يبلغ فاه ولا يصل ذلك إليه حتى يموت عطشاً. وأخرج أبو عبيد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء - رضي الله عنه - في قوله {والذين يدعون من دونه} الآية قال: الرجل يقعد على شفة البئر فيبسط كفيه إلى قعر البئر ليتناول بهما، فيده لا تبلغ الماء، والماء لا ينزو إلى يده، فكذلك لا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن بكير بن معروف - رضي الله عنه - قال: لما قتل قابيل أخاه، جعله الله بناصيته في البحر، ليس بينه وبين الماء إلا أصبع، وهو يجد برد الماء من تحت قدميه ولا يناله. وذلك قول الله {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} فإذا كان الصيف، ضرب عليه سبع حيطان من سموم؛ وإذا كان الشتاء، ضرب عليه سبع حيطان من ثلج. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه} قال: هذا مثل المشرك الذي عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، هو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه.

ابو السعود

تفسير : {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ} أي الدعوةُ الثابتة الواقعة في محلها المجابةُ عند وقوعِها، والإضافةُ للإيذان بملابستها للحق واختصاصِها به وكونِه بمعزل من شائبة البطلانِ والضَّياع والضلال كما يقال كلمةُ الحق، وقيل: له دعوةُ الله سبحانه أي الدعوةُ اللائقة بحضرته كما في قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله » تفسير : والتعرضُ لوصف الحقّية لتربـية معنى الاستجابةِ، والأولى هو الأولُ لقوله تعالى: {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} وتعلقُ الجملتين بما قبلهما من حيث أن إهلاكَ أربد وعامرٍ مِحالٌ من الله تعالى وإجابةٌ لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما إن كانت الآية نزلت في شأنهما أو من حيث إنه وعيدٌ للكفرة على مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول مِحالِه بهم وتحذيرٌ لهم بإجابة دعوتِه عليهم {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} أي الأصنامَ الذين يدعوهم المشركون فحُذف العائد {مِن دُونِهِ} من دون الله عز وجل {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء} من طلباتهم {إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَاء} أي إلا استجابةً كائنة كاستجابه الماء لمن بسَط كفيه إليه من بعيد، فالاستجابةُ مصدرٌ من المبني للفاعل على ما يقتضيه الفعلُ الظاهر أعني لا يستجيبون، ويجوز أن يكون من المبنيِّ للمفعول ويُضاف إلى الباسط بناءً على استلزام المصدرِ من المنبـي للفاعل للمصدر من المبني للمفعول وجوداً وعدماً، فكأنه قيل: لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم إلا استجابةً كائنة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء كما في قوله شعر : وعضةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تدَع من المال إلا مُسْحتٌ أو مجلِّفُ تفسير : أي لم تدع فلم يبق إلا مسحتٌ أو مجلِّف {لِيَبْلُغَ} أي الماءُ بنفسه من غير أن يؤخذ بشيء من إناء ونحوه {فَاهُ وَمَا هُوَ} أي الماء {بِبَالِغِهِ} ببالغ فيه أبداً لكونه جماداً لا يشعُر بعطشه ولا ببسط يدِه إليه فضلاً عن الاستطاعة لما أراده من البلوغ إلى فيه، شبّه حالُ المشركين في عدم حصولهم في دعاء آلهتِهم على شيء أصلاً وركاكةِ رأيهم في ذلك بحال عطشانَ هائمٍ لا يدري ما يفعل قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصولَه إلى فيه من غير ملاحظةِ التشبـيه في جميع مفرداتِ الأطراف، فإن الماءَ في نفسه شيءٌ نافع بخلاف آلهتِهم، والمرادُ نفيُ الاستجابةِ رأساً إلا أنه قد أُخرج الكلامُ مُخرج التهكم بهم فقيل: لا يستجيبون لهم شيئاً من الاستجابة إلا استجابةً كائنة في هذه الصورةِ التي ليست فيها شائبةُ الاستجابة قطعاً فهو في الحقيقة من باب التعليقِ بالمحال، وقرىء تدعون بالتاء وكباسطٍ بالتنوين {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} أي ذهاب وضَياعٍ وخَسار. {وَللَّهِ} وحده {يَسْجُدُ} يخضع وينقاد لا لشيء غيرِه استقلالاً ولا اشتراكاً فالقصرُ ينتظم القلبَ والإفراد {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من الملائكة والثقلين {طَوْعًا وَكَرْهًا} أي طائعين وكارهين وانقيادَ طوعٍ وكُرهٍ، أو حالَ طوعٍ وكره، فإن خضوعَ الكلّ لعظمة الله عز وجل وانقيادَهم لإحداث ما أراده فيهم من أحكام التكوين والإعدام شاءوا أو أبَوا، وعدمُ مداخلةِ حكمِ غيره بل غيرِ حكمِه تعالى في تلك الشؤون مما لا يخفى على أحد {وَظِلَـٰلُهُم} أي وتنقاد له تعالى ظلالُ مَنْ له ظلٌ منهم أعني الإنسَ حيث تتصرف على مشيئته وتتأتّى لإرادته في الامتداد والتقلّص والفيء والزوال {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ} ظرفٌ للسجود المقدّر أو حالٌ من الظلال، وتخصيصُ الوقتين بالذكر مع أن انقيادها متحققٌ في جميع أوقات وجودِها لظهور ذلك فيهما، والغدو جمع غَداة كفتيّ في جمع فتاة والآصالُ جمع أصيل، وقيل: جمع أُصُل وهو جمعُ أصيل، وهو ما بـين العصر والمغربِ، وقيل: الغدوّ مصدرٌ ويؤيده أنه قرىء والإيصالِ أي الدخول في الأصيل. هذا وقد قيل إن المرادَ حقيقةُ السجود فإن الكفرة ـ حال الاضطرارِ وهو المعنيُّ بقوله تعالى: { أية : وَكَرْهًا} تفسير : ـ يخُصّون السجودَ به سبحانه، قال تعالى: { أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65] ولا يبعُد أن يخلُق الله تعالى في الظلال أفهاماً وعقولاً بها تسجُد لله سبحانه كما خلقها للجبال حتى اشتغلت بالتسبـيح وظهر فيها آثارُ التجلّي كما قاله ابن الأنباري، ويجوز أن يراد بسجودها ما يشاهَد فيها من هيئة السجود تبعاً لأصحابها، وأنت خبـير بأن اختصاصَ سجودِ الكافر حالة الضرورةِ والشدة بالله سبحانه لا يُجدي فإن سجودَهم لأصنامهم حالةَ الرخاء مُخِلُّ بالقصر المستفادِ من تقديم الجار والمجرور فالوجهُ حملُ السجودِ على الانقياد، ولأن تحقيقَ انقيادِ الكل في الإبداع والإعدامِ له تعالى أدخلُ في التوبـيخ على اتخاذ أولياءَ من دونه من تحقيق سجودِهم له تعالى، وتخصيصُ انقيادِ العقلاءِ بالذكر مع كون غيرِهم أيضاً كذلك لأنهم العُمدة وانقيادهم دليل انقيادُ غيرهم على أنه بـين ذلك بقوله عز وجل: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإنه لتحقيق أن خالقَهما ومتولّيَ أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله سبحانه وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ} أمرٌ بالجواب من قِبله عليه الصلاة والسلام إشعاراً بأنه متعيِّن للجوابـية فهو والخصمُ في تقريره سواءٌ، أو أمرٌ بحكاية اعترافِهم إيذاناً بأنه أمرٌ لا بد لهم من ذلك كأنه قيل: احْكِ اعترافَهم فبكِّتْهم بما يلزمهم من الحجة وألقِمْهم الحجَر، أو أمرٌ بتلقينهم ذلك إن تلعثموا في الجواب حذراً من الإلزام فإنهم لا يتمالكون إذ ذاك ولا يقدرون على إنكاره {قُلْ} إلزاماً لهم وتبكيتاً {أَفَٱتَّخَذْتُمْ} لأنفسكم والهمزةُ لإنكار الواقعِ كما في قولك: أضربت أباك؟ لا لإنكار الوقوع كما في قولك: أأضرب أبـي؟ والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزةِ أي أعلمتم أن ربهما هو الله الذي ينقاد لأمره مَنْ فيهما كافةً فاتخذتم عَقيبَه {مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} عاجزين {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا} يستجلبونه {وَلاَ ضَرّا} يدفعونه عن أنفسهم فضلاً عن القدرة على جلب النفعِ لغيره ودفع الضررِ عنه لا على أن يكون الإنكارُ متوجِّهاً إلى المعطوفَين معاً كما في قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 44] إذا قُدّر المعطوف عليه ألا تسمعون، بل إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتبَ عليه نقيضُه كما إذا قدّر أتسمعون، والمعنى أبعد أن علِمتم أن ربَّهما هو الله جل جلاله اتخذتم من دونه أولياءَ عجَزَةً؟ والحال أن قضيةَ العلم بذلك إنما هو الاقتصارُ على تولّيه فعكستم الأمر، كما في قوله تعالى: { أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى} تفسير : [الكهف: 50] ووصفُ الأولياء هٰهنا بعدم المالكية للنفع والضر في ترشيح الإنكارِ وتأكيدهِ كتقيـيد الاتخاذِ هناك بالجملة الحالية أعني قولَه تعالى: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} فإن كلاًّ منهما مما ينفي الاتخاذَ المذكور ويؤكد إنكاره. {قُلْ} تصوير لآرائهم الركيكة بصورة المحسوس {هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ} الذي هو المشركُ الجاهل بالعبادة ومستحقِها{وَٱلْبَصِيرُ} الذي هو الموحِّد العالم بذلك أو الأولُ عبارةٌ عن المعبود الغافل والثاني إشارةٌ إلى المعبود العالمِ بكل شيء {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ} التي هي عبارةٌ عن الكفر والضلال {وَٱلنّورِ} الذي هو عبارةٌ عن التوحيد والإيمان، وقرىء بالياء. ولمّا دل النظمُ الكريم على أن الكفرةَ فيما فعلوا من اتخاذ الأصنامِ أولياءَ من دون الله سبحانه في الضلال المحضِ والخطأ البحت بحيث لا يخفى بطلانُه على أحد وأنهم في ذلك كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء أصلاً وليس لهم في ذلك شبهةٌ تصلح أن تكون منشأً لغلطهم وخطئهم فضلاً عن الحجة أُكّد ذلك فقيل: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ} أي بل أجعلوا له {شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} سبحانه، والهمزةُ لإنكار الوقوعِ مع وقوعه وقوله: {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} هو الذي يتوجه إليه الإنكار وأما نفسُ الجعل فهو واقعٌ لا يتعلق به الإنكارُ بهذا المعنى والمعنى أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاءَ خلقوا كخلقه {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} بسبب ذلك وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلقه تعالى فاستحقوا بذلك العبادةَ كما استحقها ليكونَ ذلك منشأً لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاءَ ما هو بمعزل من ذلك بالمرة، وفيه ما لا يخفى من التعريض بركاكة رأيِهم والتهكم بهم {قُلْ} تحقيقاً للحق وإرشاداً لهم إليه {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء} كافةً لا خالقَ سواه فيشاركَه في استحقاق العبادة {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ} المتوحّدُ بالألوهية المتفرّدُ بالربوبـية {ٱلْقَهَّارُ} لكل ما سواه فكيف يُتوهّم أن يكون له شريكٌ؟ وبعد ما مُثّل المشركُ والشركُ بالأعمى والظلماتِ، والموحدُ والتوحيدُ بالبصير والنور مُثّل الحقُّ الذي هو القرآنُ العظيم ـ في فيضانه من جناب القدسِ على قلوب خاليةٍ عنه متفاوتةِ الاستعداد وفي جريانه عليها ملاحظةً وحفظاً وعلى الألسنة مذاكرةً وتلاوةً وفي ثباته فيهما مع كونه مُمِدّاً لحياتها الروحانية وما يتلوها من الملكات السنية والأعمالِ المرضيّة ـ بالماء النازلِ من السماء السائلِ في أودية يابسةٍ لم تجرِ عادتُها بذلك سيلاناً مقدراً بمقدار اقتضتْه الحكمةُ في إحياء الأرضِ وما عليها الباقي فيها حسبما يدور عليه منافعُ الناس، وفي كونه حليةً تتحلّى به النفوسُ وتصل إلى البهجة الأبدية ومتاعاً يُتمتّع به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة وسائر الفلزّات التي يُتخذ منها أنواعُ الآلات والأدواتِ وتبقى منتَفعاً بها مدةً طويلةً، ومُثّل الباطلُ الذي ابتُليَ به الكفرةُ لقصور نظرِهم بما يظهر فيهما من غير مداخلةٍ له فيهما وإخلالٍ بصفائهما من الزبد الرابـي فوقهما المضمحلّ سريعاً فقيل: {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء} أي من جهتها {مَاء} أي كثيراً أو نوعاً منه وهو ماءُ المطر {فَسَالَتْ} بذلك {أَوْدِيَةٌ} واقعةٌ مواقعه لا جميعُ الأودية إذ الأمطارُ لا تستوعبُ الأقطارَ وهو جمعُ وادٍ وهو مفرَجٌ بـين جبال أو تلالٍ أو آكام على الشذوذ كنادٍ وأندية وناج وأنجية، قالوا: وجهُه أن فاعلا يجيء بمعنى فعيل، كناصر ونصير، وشاهد وشهيد، وعالم وعليم، وحيث جُمع فعيل على أفعلة كجريب وأجرِبة جُمع فاعلٌ أيضاً على أفعلة، فإن أريد بها ما يسيل فيها مجازاً فإسنادُ السيلانِ إليها حقيقيٌّ وإن أريد معناها الحقيقيُّ فالإسنادُ مجازيٌّ كما في جرى النهرُ، وإيثارُ التمثيل بها على الأنهار المستمرةِ الجريانِ لوضوح المماثلةِ بـين شأنها وشأنِ ما مُثّل بها كما أشير إليه {بِقَدَرِهَا} أي سالت ملتبسةً بمقدارها الذي عينه الله تعالى واقتضتْه حكمتُه في نفع الناس أو بمقدارها المتفاوتِ قلةً وكثرةً بحسب تفاوتِ محالّها صِغَراً وكِبَراً لا بكونها مالئةً لها منطبقةً عليها بل بمجرد قلّتها بِصغرها المستلزِمِ لقلة مواردِ الماء وكثرتها بكِبَرها المستدعي لكثرة الموارد، فإن موردَ السيل الجاري في الوادي الصغير أقلُّ من مورد السيل الجاري في الوادي الكبـير، هذا إن أريد بالأودية ما يسيل فيها، أما إن أريد بها معناها الحقيقيُّ فالمعنى سالت مياهُها بقدر تلك الأوديةِ على نحو ما عرفته آنفاً، أو يراد بضميرها مياهُها بطريق الاستخدام ويراد بقدَرها ما ذكر أولاً من المعنيـين {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ} الجاري في تلك الأودية أي حملَ معه {زَبَدًا} أي غُثاء ورَغوةً، وإنما وُصف ذلك بقوله تعالى {رَّابِيًا} أي عالياً منتفخاً فوقه بـياناً لما أريد بالاحتمال المحتمَلِ لكون الحميلِ غيرَ طافٍ كالأشجار الثقيلة وإنما لم يُدفع ذلك الاحتمالُ بأن يقال: فاحتمل السيلُ فوقه للإيذان بأن تلك الفوقيةَ مقتضى شأنِ الزبدِ لا من جهة المحتمَل تحقيقاً للمماثلة بـينه وبـين ما مُثّل به من الباطل الذي شأنُه الظهورُ في بادي الرأي من غير مداخلةٍ في الحق {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ} أي يفعلون الإيقادَ عليه كائناً في النار والضميرُ للناس أُضمر مع عدم سبق الذكرِ لظهوره وقرىء بالخطاب {ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍ} أي لطلب اتخاذِ حليةٍ وهي ما يُتزيّن ويُتجمّل به كالحِليِّ المتخَذَة من الذهب والفضة أو اتخاذِ متاعٍ وهو ما يتمتع به من الأواني والآلات المتخَذةِ من الرصاص والحديد وغيرِ ذلك من الفِلزّات {زَبَدٌ} خبث {مّثْلِهِ} مثلُ ما ذكر من زبد الماء في كونه رابـياً فوقه، فقوله: زبدٌ مبتدأٌ خبرُه الظرفُ المقدم، ومن ابتدائيه دالةٌ على مجرد كونِه مبتدأ وناشئاً منه لا تبعيضيةٌ معرِبة عن كونه بعضاً منه كما قيل، لإخلال ذلك بالتمثيل، وفي التعبـير عن ذلك بالموصول والتعرضِ لما في حيّز الصلةِ من إيقاد النار عليه جرْيٌ على سنن الكِبرياء بإظهار التهاونِ به كما في قوله تعالى: { أية : فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ} تفسير : [القصص: 38] وإشارةٌ إلى كيفية حصولِ الزبدِ منه بذوبانه، وفي زيادة (في النار) إشعارٌ بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصولِ الزبد كما أشير إليه، وعدمُ التعرض لإخراجه من الأرض لعدم دخلِ ذلك العنوانِ في التمثيل كما أن لعنوان إنزالِ الماءِ من السماء دخلاً فيه حسبما فصّل فيما سلف بل له إخلالٌ بذلك. {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الضربِ البديعِ المشتملِ على نُكت رائقةٍ {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ} أي مثَلَ الحق ومثل الباطل، والحذفُ للإنباء عن كمال التماثل بـين الممثَّل والممثلِ به كأنه المثَلَ المضروبَ عينُ الحقِّ والباطلِ، وبعد تحقيق التمثيلِ مع الإيماء في تضاعيف ذلك إلى وجوه المماثلة على أبدع وجوهٍ وآنقِها ـ حسبما أشير إليه في مواقعها ـ بـيِّن عاقبةُ كل من الممثّلين على وجه التمثيل مع التصريح ببعض ما به المماثلة من الذهاب والبقاءِ تتمةً للغرض من التمثيل من الحث على اتباع الحقِّ الثابتِ والردْعِ عن الباطل الزائد فقيل: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} من كلَ منهما {فَيَذْهَبُ جُفَاء} أي مرمياً به، وقرىء جُفالاً والمعنى واحد {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} منهما كالماء الصافي والفِلزِّ الخالص {فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ} أما الماء فيثبت بعضُه في مناقعه ويسلك بعضه في عروق الأرضِ إلى العيون والقنا والآبار وأما الفلزُّ فيصاغ من بعضه أنواعُ الحِليِّ ويتخذ من بعضه أصنافُ الآلات والأدوات فيُنتفع بكل من ذلك أنواعَ الانتفاعات مدةً طويلة، فالمرادُ بالمكث في الأرض ما هو أعمُّ من المكث في نفسها ومن البقاء في أيدي المتقلّبـين فيها وتغيـيرُ ترتيبِ اللفِّ الواقعِ في الفذْلكة الموافقِ للترتيب الواقع في التمثيلِ لمراعاة الملاءمةِ بـين حالتي الذهاب والبقاءِ وبـين ذكرَيهما فإن المعتبَر إنما هو بقاءُ الباقي بعد ذهاب الذاهبِ لا قبله. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ} أي مثلَ ذلك الضرب العجيبِ يضرب {ٱلأَمْثَالَ} في كل باب إظهاراً لكمال اللطفِ والعنايةِ في الإرشاد والهداية، وفيه تفخيمٌ لشأن هذا التمثيلِ وتأكيدٌ لقوله: { أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ} تفسير : إما باعتبار ابتناءِ هذا التمثيلِ الأول أو بجعل ذلك إشارةً إليهما جميعاً، وبعد ما بُـيِّن شأنُ كل من الحق والباطلِ حالاً ومآلاً أُكملَ بـيانٍ شُرع في بـيان حالِ أهلِ كل منهما مآلاً تكميلاً للدعوة ترغيباً وترهيباً فقيل: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ} إذ دعاهم إلى الحق بفنون الدعوةِ التي من جملتها ضربُ الأمثال فإنه ألطفُ ذريعةٍ إلى تفهيم القلوب الغبـيةِ وأقوى وسيلةٍ إلى تسخير النفوسِ الأبـية، كيف لا وهو تصويرٌ للمعقول بصورة المحسوسِ وإبرازٌ لأوابد المعاني في هيئة المأنوس فأيُّ دعوةٍ أولى منه بالاستجابة والقَبول {ٱلْحُسْنَىٰ} أي المثوبةُ الحسنى وهي الجنة {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} وعاندوا الحقَّ الجليَّ {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ} من أصناف الأموال {جَمِيعاً} بحيث لم يشِذَّ منه شاذٌّ في أقطارها أو مجموعاً غيرَ متفرقٍ بحسب الأزمان {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} أي بما في الأرض ومثلَه معه جميعاً ليتخلّصوا عما بهم، وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البـيانُ، فالموصولُ مبتدأٌ والشرطيةُ كما هي خبرُه لكن لا على أنها وضُعت موضِعَ السوآى فوقعت في مقابلة الحُسنى الواقعةِ في القرينة الأولى لمراعاة حسنِ المقابلة فصار كأنه قيل: وللذين لم يستجيبوا له السوآى كما يوهم، فإن الشرطيةَ وإن دلت على كمال سوءِ حالِهم لكنها بمعزل من القيام مقامَ لفظ السوآى مصحوباً باللام الداخلةِ على الموصول أو ضميرِه، وعليه يدور حصولُ المرام، وإنما الواقعُ في تلك المقابلة سوءُ الحساب في قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوء ٱلْحِسَـٰبِ} وحيث كان اسمُ الإشارة الواقعُ مبتدأً في هذه الجملة عبارةً عن الموصول الواقعِ مبتدأً في الجملة السابقة كان خبرُها أعني الجملةَ الظرفية خبراً عن الموصول في الحقيقة ومبـيِّناً لإبهام مضمونِ الشرطيةِ الواقعةِ خبراً عنه أولاً، ولذلك تُرك العطفُ فصار كأنه قيل: والذين لم يستجيبوا له لهم سوءُ الحساب، وذلك في قوة أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له لهم سوءُ الحساب مع زيادة تأكيدٍ فتم حسنُ المقابلة على أبلغ وجهٍ وآكدِه، ثم بـيِّن مؤدّىٰ ذلك فقيل: {وَمَأْوَاهُمُ} أي مرجعهم {جَهَنَّمَ} وفيه نوعُ تأكيد لتفسير الحسنى بالجنة {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي المستقرُّ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ، وقيل: اللام في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ} متعلقةٌ بقوله: {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي الأمثالَ السالفةَ وقوله: {ٱلْحُسْنَىٰ} صفةٌ للمصدر أي استجابوا الاستجابةَ الحسنى وقوله: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} معطوفٌ على الموصول الأولِ، وقوله: لو أن لهم الخ، كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيان ما أُعدّ لغير المستجيبـين من العذاب، والمعنى كذلك يضرب الله الأمثالَ للمؤمنين المستجيبـين والكافرين المعاندين، أي هما مثلاً الفريقين. وأنت خبـير بأن عنوانَ الاستجابة وعدمَها لا مناسبة بـينه وبـين ما يدور عليه أمرُ التمثيل وأن الاستعمالَ المستفيضَ دخولُ اللامِ على من يُقصد تذكيره بالمثَل، نعم قد يُستعمل في هذا المعنى أيضاً كما في قوله سبحانه: { أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} تفسير : [التحريم: 11] ونظائرِه، على أن بعضَ الأمثالِ المضروبة لا سيما المثلُ الأخيرُ الموصول بالكلام ليس مثلَ الفريقين بل مثلٌ للحق والباطل ولا مساغ لجعل الفريقين مضروباً لهم أيضاً بأن يُجعل في حكم أن يقال: كذلك يضربُ الله الأمثالَ للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبـين وغيرِ المستجيبـين فتأمل.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} [الآية: 14]. قال ابن عطاء: أصدق الدواعى دواعى الحق فمن أجاب داعى الحق بلغه إليه الحق، ومن أجاب دواعى النفس رمى به إلى الهلاك. قال الجنيد: داعى الحق، داعى رشد لا يقع للشيطان فيه يد ولا يكون للنفس فيه نصيب وداعى الحق إذا برت، أبرت أنوار الحق فلا يبقى على المدعو ريب ولا شك بحال. قال بعضهم: داعى الحق من يدعو بالحق إلى الحق. قوله عز وجل: {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [الآية: 14]. قال جعفر: من دعا بنفسه فإلى نفسه دعا وهو الكفر والضلال وذلك محل الخيانة والإسقاط من درجات أهل الأمانة فإن الدواعى تختلف: داع بالحق، وداع إلى الحق، وداع إلى طريق الحق كل هؤلاء دعاة يدعون الخلق إلى هذه الطرق لا بأنفسهم وهذه طرق الحق وداع يدعو بنفسه فإلى أى شىء دعا فهو ضلال.

القشيري

تفسير : قوله جلّ وذكره: { لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}. دواعي الحق تصير لائحةً في القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع الفهم، استجاب لبيان العلم. وفي مقابلتها دواعي الشيطان التي تهتف بالعبد بتزيين المعاصي، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت الغَيّ، ومعها دواعي النّفْس وهي قائدةٌ للعبد بزمام الحظوظ، فمن رَكَنَ إليها ولاحَظَها وقع في هوانِ الحِجاب. ودواعي الحقِّ تكون بلا واسطة مَلَكٍ، ولا بدلالة عقل، ولا بإشارة علم، فمن أسمعه الحقُّ ذلك استجاب لا محالَة لله بالله. قوله جلّ ذكره: {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. هواجس النَّفسِ ودواعيها تدعو - في الطريقة - إلى الشّركِ، وذلك بشهود شيءٍ منكَ، وحسبان أمرٍ لَكَ، وتعريجٍ في أوطان الفرْق، والعَمَى عن حقائق الجَمْع.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} دعوته الحق مساواته فى الازل بنعت محبته وشوقه الى ارواح المحبين والعارفين فاستجابته باجابة المحبة والشوق اليه وايضا له دعوة الحق على لسان الصديقين يدعون بها المسترشدين الى مشاهدة جماله حين وصفوا جلاله وجماله ليبدوا فى قلوبهم اثار محبته وهذه الدعوة سالمة من معاينة الهلاك وما سواها من الدعوة فهو دعوة صاحب النفس والجهل من راس الرياء والسمعة لا يقضى الا الى الاحتجاب والعمة عن طريق الصواب قال الله {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} اى وما دعاء المرايين من اصحاب النفوس والهوى الا فى ضلال عن طريق الحق ولاخلاص قال ابن عطا اصدق الدعاوى دعاوى الحق فمن اجاب داعى الحق بلغه الى الحق ومن اجاب داعى النفس محبه الى الهلاك قال بعضهم داعى الحق من يدعوا بالحق الى الحق وقال جعفر من دعى نفسه فانى نفسه داعى وهو الكفر والضلال وذلك محلا الخيانة والاسقاط من درجات من اهل المانة فان الدواع يختلف داعى بالحق وداعى الى الحق وداعى الى طريق الحق كل هؤلاء دعاة يدعون الخلق الى هذه الطريق لا بانفسهم فهذه طرق الحق وداعى يدعوا بنفسه فالى اى شئ دعى فهو ضلال وقال الاستاد دواعى الحق صارحة فى القلوب من حيث البرهان فتدعوا العبد بلسان الخواطر فمن استمع اليها بسمع التفهم استجاب ببيان العلم وفى مقابلتها دواع الشيطان وهى موبقة للعبد تتزين المعاصى فمن اصغى اليها بسمع الغفلة استجاب بصوت الغى ومعها دواعى النفس وهى فائدة للعبد بزمام الحظوظ ومن ركن اليها ولاحظها وقع فى هوان الحجاب ومن الدواعى دواعى الحق بلا واسطة ملك ولا بدلالة عقل ولا باشارة علم فمن اسمعه الحق ذلك استجاب لا محالة بالله لله وقال فى قوله وما دعاء الكافرين الا فى ضلال هواجس النفس ودواعيها تدعوا الى ما فى الطريقة شرك وذلك شهود شئ منك وحسبان امر وتعريج فى اوطان الفرق والعمة عن حقائق عين الجمع وقد وقع لى فى زمان الصبى من هذا القبيل فى دواعى التى كلمات مسطورة وذلك ما تفحصت اسرار الخواطر فوجدت دواعى اللطف والقهر من الحضرة على سبعة انواع دعوة الحق خاصة بلا واسطة ودعوة لمة الملك ودعوة الروح ودعوة العقل ودعوة القلب ومن قبيل قهره دعوة النفس والشيطان والان اتمم عشرة الثلثة الزيادة اثنان من قبيل اللطف والواحد من قبيل القهر والاثنان لسان السر ولسان اسرار السر والواحد لسان الفطرة الطبيعة واما دواعى القهريات واولها دواعى الشيطان وعلامتها === وهيجان النفس والطبيعة واحتراق فحل الصدور غمة فى القلب وغبار فى عين الروح معلمة فى النفس وانجذاب فى الطبيعة الى طلب حظوظ الشهواتى واكثر ما يلقى الوسواس ما يفضى الى الكفر والكبائر فمن === تزندق وهلك فى اودية التشبيه والعطيل والاهواء المختلفة والثانى هواجس النفس الامارة تدعوا صاحبها الى الوان الشهوات وحظوظها واشهارات السوء والفحشاء وجميع الاخلاق المذمومة وربما تدعوا النفس والشيطان صاحبهما بلسان السلم الى عمالك الرياء والسمعة وقليل من يعرف ذلك المكر والخديعة فمن اجابها صار مرتهنا بالبطالة والكسالة والقساوة ويكون محجوبا عن حسن الارادة والصحبة والثالث داعى الفطرة الطبيعة وذلك سر عجيب هو تحرك الفطرة المخمرة باستعداد قبول الشهوة الخفية التى فى مكامن غيب القلب وهو يكون بعد ان يحركها سر القمص الى طلب ما لق لها من لذائذ ميلها وحركتها الى ما يقوى به من الصفات البشرية والشهوة وذلك الشهوة الشهوة الحقية التى اضمرتها الفطرة الطبيعة وتلك ما استغاث منها النبى صلى الله عليه وسلم وقال اخوف ما اخاف عليكم الشهوة الخفية ومن اجابها بعد حركتها دعوتها صار محجوبا عن روح الذكر وانوار الفكر والسبعة التى من دواع اللطف اولها دواعى القلب وهو امر منه لصاحبه بترك الاشتغال لتزكية الاعمال ووقوع صفاء الاذكار لوجدان طمانينته ولذة اليقين قال تعالى الا بذكر الله تطمئن القلوب فمن اجابها بنعت المراقبة وتقديس الخواطر يذوق طعم صفاء العبادة ويجد روح الملكوت ونفحة الجبروت والثانى داعى العقل وهوان يدعوا صاحبه الى تزكية النفس ومجاهدتها ورياضتها وفنون الطاعات والخلوات فمن اجابه وصل الى انوار المراقبات والمحاضرات والثالث داعى الروح وهو ان يدعو صاحبها الى الحوض فى تفكر الغيوب وطلب اسرارها وطلب رؤية انوار الملكوت واستماع اصوات الجبروت وطلب كشف هلال المشاهدة فى المحاضرة وسقى شراب المحبة بكؤوس الشوق فمن اجابها بنعت خروجها من اوصاف البشرية وتحليه بالمحلية الروحانية و اسقاط علل الانسانية يجد حلاوة بروق التجلى من مرآة الايقان والعرفان والرابع داعى الملك وهو الهامه بامر الله سبحانه يلهمه بعلم يفرق به بين الحق والباطل من خطوات اللطيفة والقهرية وما يؤول عاقبته متابعة الكتاب والسنة فمن اجابه يقع فى بحر الحكمة ويستخرج منها جواهر علوم الالهية والخامس لسان داعى السر وهوان يدعو الى تجريد الهمة من الاكوان والحدثان فمن اجابه يصل الى كشف مشاهدة الزمن ويرى بنور تجليه عجائب اسرار المعرفة فى خزائن الربوبية والسادس لسان داعى السرور وهو لسان النور يناديه من وراء غيب الغيب الى افراد القدم عن الحدوث والانخلاع عن الوجود والانسلاخ من جلد العبودية و الاتصاف بصفات الربوبية فمن اجابه يصل الى مطالعة مشارق انوار تجلى الصفات والذات و السابع داعة الحق بنفسه بلا واسطة هو ثلث مراتب المرتبة الاولى مناداته بلسان الافعال الخاصة ودماؤه به الى مشاهدة الصفات فى الفعل وهو مقام مشاهدة الالتباس فمن اجابه يقع فى بحر العشق الذى يعرفه بامواج اللطف حيث يدفعه بلطائف الالتباس ولا يبقيه فيه بل يخرجه الى معادن الصرف ويريه بعض احكام الصفة لا على حد الكمال المرتبة === داعى الصفات وذلك يدعوه الى النظر الى علوم اقمار الصفات من مشارق الذات === عن كل صفته == من عين كل سنة شرابا ليكون كاملا فى حمل موارد انوار الذات فمن اجابه يقع فى نور السماء والتعرف فيطير بجانحه من انوار الصفات الى سبحات الذات فيكون فى مشاهدتها عارفا بصفة القدم المرتبة الثالثة داعى الذات وذلك كلام الصرف المقرون خطابه بكشف الحقيقة من عين الذات يدعوه الى الفناء فى كنه القدم وازلية الذات وابديته فمن اجاب سره وسر سره الى ذلك يقع فى بحر طوالع شموس القدم وقدم القدم واقمار الابد وابد الابد وينكشف له العين وعين العين وعجب العجب وغيب غيب الذات فيصير متصافا بالذات والصفات بعد فنائه فى الذات والصفات بنطقه بعد ذلك نطق الازل وسمعه سمع الازل وعينه عين الازل ويده يد القدرة بقوله بعد خروج هذا العبد من رسوم العبودية الى جلال الربوبية كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فيؤيده بجوده وجلال وجوده الى معرفة نفسه بنفسه ثم يعرف نفس العبد للعبد فيعرف الحق بالحق ويعرف نفسه الحق بعد نسيان نفسه فى الحق وهذا معنى قوله من عرف نفسه فقد عرف ربه ثم وصف نفسه تعالى باذعان الوجود بنعت التلاشى بين يدى كبرياءه بقوله {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} يسجد له اهل الملكوت بعد ان شاهدوا عظمته خوفا واجلالا ويسجدوا له الادميون والجن بعد ان شاهدوا انوار ربوبيته فمنهم من سجد طوعا لما كوشف له من انوار جماله تعالى فيسجد ويخضع محبة وشوقا وعشقا ومعرفة وتوحيدا ومنهم من سجد له كرها فى مقام المجاهدة وتكليف العبودية والمتابعة كرها لما لم يكشف له دواعى العشق والمحبة والشوق من الحق ومن اللطف معائنة ان العشاق والمحبين يسجدون له طوعا لانهم فى محل العبودية من العشق والمحبة وان اهل الكمال من العارفين والموحدين يسجدون له كرها لانه فى مقام شهود الربوبية وهم فى الحالين هناك فى كرههم فى السجود له احدهما ان بعضهم عاينوا عين القدم وجلال الازل والابد ولا يرون سجود الحدثان يليق بعزة الرحمان بل يرون الحدثان متلايشا فى اول بديهة سطوة جلاله واين الخلق والخليقة من خدمته وهو بعزته اعز من ان يقرب اليه احدا بسجوده له والثانى ان بعضهم شربوا فى بحار الازلية شربات الانصاف والاتحاد ولكن لم يكونوا كاملين فى مقام الانفراد والاتحاد بالربوبية فيسجدون له كرها فان العبودية شرك فى الربوبية ومن كمل منهم لا يكون حاله حال العبودية بل حاله حال الربوبية من استغراقه فى حديثه وليس هناك للعبودية اثر وسكون التوحيد ينسلخ عند علة الحدثان فالعبودية على من هو سكران غائب بل فان عن الوجود فى الوجود وايضا الانسان عالم الصغير بالصورة وعالم الكبير بالمعنى فصورته من اعلاها السماوات ومن اسفلها الارض ومن فى السماوات والارض الروح والعقل والقلب والنفس وجنودهم فيسجد الارواح طوعا عند كشف الجمال روحا وانسا تسجد القلوب طوعا عند كشف الجلال اجلالا وتحظيما ويسجد العقول طوعا عند كشف الالاء وانوار الافعال ذكرا وفكرا واعتبارا وتسجد النفوس كرها عند كشف انوار الجبارية والقهارية خوفا وخشية وذلك لانها خلقت ايده بما فيها من نظر القهر ونكرته ويسجد ظلال الارواح والعقول والقلوب وهى الاسوار الممكنة التى جعلها الله مرآة لحقائق العرفان فيسجد الاسرار التى هى ظلالها عند طلوع شمس الالوهية من مشرق الازلية وغروبها فى مغرب الابدية معرفة وتوحيدا وفانء فى بقائه واضمحلالا فى قدمه وتسجد ظلال النفوس وهى هوها راغمت عند طلوع شموس القهريات كرها لكره النفوس استسلاما وانقيادا على جناب الربوبية قال الجنيد العارف طوعا والمعرض كرها وقال اذا نزلت به المصائب ذل واذا جاء به الرخاء بل قيل السجود على قسمين ساجد بنفسه وساجد بقلبه فسجود النفس معهود وسجود القلب من حيث الوجود وفرق بين من يكون بنفسه ساجدا وبين من يكون بقلبه واجدا فاغرهم من جمع بين الوصفين فيكون ساجدا بنفسه وواجدا بقلبه.

اسماعيل حقي

تفسير : {له} [مرخدايراست] وتقديم الخبر لافادة التخصيص {دعوة الحق} اى الدعاء الحق على ان يكون من باب اضافة الموصوف الى الصفة والدعوة بمعنى العبادة والحق بمعنى الحقيق اللائق الغير الباطل. والمعنى ان الدعوة التى هى التضرع والعبادة قسمان ما يكون حقا وصوابا وما يكون باطلا وخطأ فالتى تكون حقا منها مختصة به تعالى لا يشاركه فيها غيره او له الدعوة المجابة على ان يكون الحق بمعنى الثابت الغير الضائع الباطل فانه الذي يجيب لمن دعاه دون غيره. قال فى المدارك المعنى ان الله يدعى فيستجيب الدعوة ويعطى السائل الداعى سؤاله فكانت دعوة ملابسة لكونه حقيقيا بان يوجه اليه الدعاء بخلاف ما لا ينفع دعاؤه شعر : فرومائد كائرا برحمت قريب تضرع كنانزا بدعوت مجيب تفسير : {والذين يدعون من دونه} اى والاصنام الذين يدعونهم الكفار متجاوزين الله فى الدعاء الى الاصنام فحذف الراجع او و الكفار الذين يدعون الاصنام من دونه تعالى فحذف المفعول {لا يستجيبون} اى لا يجيب الاصنام وضمير العقلاء لمعاملتهم اياها معاملة العقلاء {لهم} اى الكفار {بشئ} من مراداتهم {الا كباسط كفيه الى الماء} استثناء مفرغ من اعم عالم المصدراى الا استجابة مثل استجابة ماد يديه اى كاستجابة الماء من بسط كفيه اليه. قال الكاشفى [مكر همجون اجابت كسى كه بكشاده هردوكف خودرا بسوى آب يعنى تشنه كه بر سر جاهى رسد وبااو دلورسنى نبود هردودست خودبسوى جاه بكشايد وبفرياد وزارى آب رامى طلبد] {ليبلغ فاه} [تابدهن اوبرسد] اى يدعو الماء بلسانه ويشير اليه بيده ليصل الى فمه فالام متعلق بباسط ففاعل يبلغ هو الماء {وما هو} اى الماء {ببالغه} ببالغ فيه لانه جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته اليه ولا يقدر ان يجيب دعاءه ويبلغ فاه وكذا ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع اجابتهم ولا يقدر على نفعهم والتشبيه من المركب التمثيلي شبه حال الاصنام مع من دعاءهم من المشركين وهو عدم استجابتهم دعاء المشركين وعدم فوز المشركين من دعائهم الاصنام شيئا من الاستجابة والنفع بحال الماء الواقع بمرأى من العطشان الذي يبسط اليه كفيه يطلب منه اى يبلغ فاه وينفعه من احتراف كبده ووجه الشبه عدم استطاعة المطلوب منه اجابة الدعاء وخيبة الطالب عن نيل ما هو احوج اليه من المطلوب وهذا الوجه كما ترى منتزع من عدة امور {وما دعاء الكافرين} يعنى لاصنامهم {الا فى ضلال} فى ضياع وخسار وباطل لان الآلهة لا تقدر على اجابتهم واما دعاؤهم له تعالى فالمذهب جوازا استجابته كما فى كتب الكلام والفتاوى وقد اجاب الله دعاء ابليس وغيره ألا ترى ان فرعون كان يدعو الله فى مكان خال عند نقصان النيل فيستجيب الله دعاءه ويمده فاذا كان الله لا يضيع دعاء الكافرين فما ظنك بالمؤمن والماء وان كان من طبعه التسفل ولكن الله تعالى اذا اراد يحركه من المركز الى جانب المحيط على خلاف طبعه بطريق خرق العادة كما وقع لبعض اولياء الله تعالى فانهم لوصولهم الى المسبب قد لا يحتاجون الى الاسباب - حكى - عن الشيخ ابى عبد الله بن حفيف رضى الله عنه قال دخلت بغداد قاصدا الحج وفى رأسى نخوة الصوفية يعنى حدة الارادة وشدة المجاهدة واطراح ما سوى الله تعالى قال ولم آكل اربعين يوما ولم ادخل على الجنيد وخرجت ولم اشرب وكنت على طهارتى فرأيت ظبيا فى البرية على رأس بئر وهو يشرب وكنت عطشان فلما دنوت من البئر ولى الظبى واذا الماء فى اسفل البئر فمشيت وقلت يا سيدى مالى عندك محل هذا الظبى فسمعت من خلفى يقال جربناك فلم تصبر ارجع فخذ الماء ان الظبى جاء بلا ركوة ولا حبل وانت جئت ومعك الركوة والحبل فرجعت فاذا البئر ملآن فملأت ركوتى فكنت اشرب منها واتطهر الى المدينة ولم ينفد الماء فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد علىّ قال لو صبرت لنبع الماؤ من تحت قدمك. والاشارة فى الآية ان لله تعالى دعاة يدعون الخلق بالحق الى الحق والذين يدعون لغير الحق لا يقبلون النصح اذا خرج من القلب الساهى ولا يتأثر فيهم كمن بسط يده الى الماء اراءة للخلق بان يريد شربه وما هو ببالغه اى فمه فلا يحصل الشرب على الحقيقة وان توهم الخلق انه شارب وهذا مثل ضربه الله للدعاة من اهل الاهواء والبدع يدعون الخلق الى الله لغير الله فلا يستجابون على الحقيقة وان استجيبوا فى الظاهر لانهم استجابوا لهم على الضلال يدل عليه قوله {أية : وما دعاء الكافرين الا فى ضلال} تفسير : الخلق عن الحق كما فى التأويلات النجمية شعر : ترسم نرسى بكعبه اى اعرابى كاين ره كه توميروى بتر كستانست

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {له دعوةُ الحق}؛ لأنه الذي يحق أن يُدعى فيجيب، دون غيره؛ فإنما له الدعاء الباطل؛ لأنه يُدعى فلا يسمع ولا يجيب. أو: له دعوة الحق، وهي كلمة التوحيد؛ "لا إله إلا الله، فمن دعا إليها فقد دعا إلى الحق. والأول أرجح؛ لمناسبة قوله: {والذين يَدْعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء}، أي: والأصنام الذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، مما طلبوا، أو: والمشركون الذين يدعون أصناماً من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء، فحذف المفعول؛ للدلالة عليه، فلا يستجيبون لهم {إلا كباسط كَفَّيْه إلى الماء}؛ إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء يشير إليه، {ليبلغ فاهُ}؛ أي: يطلب منه أن يصعد إليه ويبلغ فاه {وما هو ببالغه} أي: ليس الماء ببالغ فاه، لأنه جماد لا يشعر بدعائه، ولا يقدر على إجابته من حيث هو، شَبّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فاه أبداً؛ لأنه جماد لا يسمع ولا يعقل، وكذلك الأصنام لا تسمع ولا تجيب من بسط إليها يده ليطلب منها؛ لأنها خشب وأحجار. {وما دعاءُ الكافرين} للأصنام، {إلا في ضلال} وخسران وضياع. ثم ذكر الحقيق بالعبادة والطلب، فقال: {ولله يسجدُ من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} يحتمل أن يكون السجود حقيقة، فالملائكة والمؤمنون يسجدون طوعاً في الشدة والرخاء يسجدون كرهاً في الشدة والضرورة. أو يكون مجازاً؛ وهو: انقيادهم لما أراد منهم، شاؤوا أو كرهوا. {و} تسجد أيضاً {ظلالُهم}؛ بانقيادها لله تعالى في طولها وقصرها، وميلها من جانب إلى جانب، {بالغدو والآصالِ}، أي: طرفَيْ النهار. وخُصَّ هذان الوقتان ـ وإن كان سجودهما دائماً ـ؛ لأن الظلال إنما تَعْظُم وتكبر فيهما. وقال الواحدي: كل شخص مؤمن أو كافر ظله يسجد لله تعالى، ونحن لا نقف على كيفية ذلك. هـ. وقال القشيري: ذلك سجود شهادة، لا سجود عبادة، فإن امتنع من إقامة الشهادة قوم قالةً فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة، فكل مخلوقٍ من عين وأثر، حجر ومدر أو غير ذلك؛ فمن حيث البرهان لله ساجد، ومن حيث البيان للواحد شاهد. هـ. وقال أبو حيان: عن الفراء: الظل في الأصل مصدر، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم طولُه بسبب انخفاض الشمس، وقصره بسبب ارتفاعها، فهو منقاد لله تعالى في طوله وميله من جانب. ثم قال: والحاصل أنها جارية على مقتضى إرادته تعالى ومشيئته، من الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. هـ. وقيل: لا يعلم تسبيح الجماد والنبات والحيوان البهيمي وسجودها؛ إلا مَنْ كاشفه الله تعالى بحقيقة ذلك من نبي أو ملك أو صدِّيق. واما حمدها لله تعالى وتسبيحها بلسان الحال فيعلمه العلماء. قاله المحشي الفاسي. الإشارة: كل من تعلق في نوائبه بغير الله، أو ركن في حوائجه إلى غير مولاه، فهو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وليس بواصل إليه، ولا ببالغ قصده ومناه، بل دعاؤه في تلف وخسران، وجزاؤه الخيبة والحرمان. فالواجب على العبد أن يَقْصر حوائجه على مولاه، وينقاد إليه بكليته في حال الطوع والإكراه. إما أن ينقاد إليه بالإحسان، أو بسلاسل الامتحان. "عَجِبَ رَبُّكَ من قَوْمٍ يُساقُون إلى الجَنَّةِ بالسَّلاسِل". ثم ذكر الحقيق بالدعوة والعبادة

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى بأن له (عز وجل) دعوة الحق. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد إنها شهادة ان لا إله على اخلاص التوحيد. الثاني - قال الحسن: الله هو الحق، فمن دعاه دعا الحق. وقال قوم: كل دعوة هي حق جاز ان تضاف الى الله، قال ابو علي دعوة الحق هي الدعوة التي يدعى الله بها على اخلاص التوحيد، والدعوة طلب فعل الشيء، فالانسان يدعو ربه ان يدخله في رحمتة وهو أهل المغفرة والرحمة، وكل ما لابسه الانسان، فقد دخل فيه. والمعنى لله من خلقه الدعوة الحق. وقوله {والذين يدعون من دونه} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن: والذين يدعون من الاوثان لحاجاتهم. الثاني - الذين يدعون أرباباً. وقيل ان المعنى الذين يدعون غيره مقصرين عن دعائهم له، كما قال الشاعر: شعر : اتوعدني وراء بني رياح كذبت لتقصرن يداك دوني تفسير : اي عني. {لا يستجيبون لهم بشيء} فالاستجابة متابعة الداعي فيما دعا اليه بموافقة إرادته والاستجابة، والاجابة واحد إلا ان صيغة الاستجابة تفيد طلب الموافقة، قال الشاعر: شعر : وداع دعا يا من يجيب الى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وقوله {إلا كباسط كفيه إلى الماء} معناه قال مجاهد: كباسط كفه الى الماء مشيراً اليه من غير تناول الاناء ليبلغ فاه ببسط كفه ودعائه له. وقال الحسن معناه كباسط كفيه الى الماء، فمات قبل ان يصل اليه، والعرب تضربه مثلاً لمن سعى فيما لا يدركه كالقابض على الماء قال الشاعر: شعر : فأني واياكم وشوقاً اليكم كقابض ماء لم تسقه انامله تفسير : وقال الآخر: شعر : فاصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد تفسير : {وما هو ببالغه} إخبار منه تعالى ان من كان كذلك لا يبلغ الماء فاه. ثم أخبر تعالى فقال {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} أي ليس دعاؤهم الاوثان من دون الله إِلا الاضلال عن الحق وعدولاً عن طريقه وأنه جار مجرى ما ذكره من باسط كفيه الى الماء، وهو بعيد منه من غير أن يتناوله ويدعوه الى فمه، فان ذلك لا يصل اليه أبداً.

الجنابذي

تفسير : {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}. اعلم، انّ الحقّ المطلق هو الاوّل تعالى والحقّ والمضاف هو فعله وكلّ حقّ حقّ بحقّيّة فعله بل متحقّق بفعله الّذى هو الولاية المطلقة كما مرّ مراراً، وكلّ قول وفعل وخلقٍ يكون عن ولاية اختيارية كما انّها آثار اخيتاريّة فهو حقّ بحقّيّتها، وكلّ مأذونٍ من الله بلا واسطة لدعوة الخلق اليه تعالى او لدعوة الخلق ايّاه وسيلة بينهم وبين الله فهو داعٍ حقّ ومدعوّ حقّ، ودعوة كلّ داع حقّ وكلّ مدعوّ حقّ هى دعوة الله تعالى ومنتهية اليه وخاصّة به لا مدخليّة لاحدٍ فيها من حيث انّ الدّاعى والمدعوّ الحقّين مظهران له تعالى وما يظهر ويتعلّق بهما يظهر ويتعلّق بالله، وامّا دعوة الدّاعى الباطل كخلفاء الجور ودعوتهم الى الاسلام والى الله وكذا دعوة الخلق المدعوّ الباطل كالاصنام والكواكب وخلفاء الجور باطلة وضائعة كنفس الدّاعى والمدعوّ حيث لا يترتّب عليه شيءٌ ولا ينتهى به الى شيءٍ، وبالجملة كلّ من لم يأذن الله فى كونه داعياً للخلق او للوسائط بينه وبين الله او مدعوّاً باطل كائناً من كان ودعوته ايضاً باطلة، وعلى هذا فقوله {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} يحتمل ان يكون معناه والدّاعون الّذين يدعون الخلق الى اتّباعهم من دون اذن الله او حال كونهم من غير الله لا يستجيب المدعوّون لهم بشيءٍ وان يكون معناه والمدعوّون الّذين يدعوهم الخلق من دون اذن الله او من غير الله لا يستجيب المدعوّون للخلق بشيءٍ {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ} الاّ كاجابة الماء لمن بسط كفّيه مشيراً اليه وداعياً الى نفسه او مغترفاً له {لِيَبْلُغَ} الماء {فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} لعدم استشعاره بالاشارة او عدم حصوله فى الكفّ المبسوطة {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} لله {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} لانّ الكافر دعاءه لله دعاء للشّيطان من حيث لا يشعر او ما دعاء الكافرين للخلق الى انفسهم او الى الله او الى غيرهما، او ما دعاء الخلق للكافرين الاّ فى ضلال فى ضياع وعدم ترتّب الأثر وهو كالنّتيجة لسابقه.

الأعقم

تفسير : {له دعوة الحق} وهي كلمة الاخلاص شهادة أن لا إله إلا الله {والذين يدعون من دونه} أي تعبدون من دون الله لأنكم دعوتم الأوثان أرباباً {لا يستجيبون لهم بشيء} أي لا يجيبكم بشيء مما تدعون {إلاَّ كباسط كفّيه إلى الماء} استثناء من الإِجابة، يعني الاستجابة كإجابة باسط كفيه إلى الماء يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا حاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يُحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم، وقيل: كعطشان على سقاية ولا دلو معه يمد يده إلى البئر فلا يبلغ الماء ولا يرتفع الماء اليه، كذلك الأوثان لا يجيبونهم ولا ينفعونهم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) {وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال} أي هلاك {ولله يسجد} أي ينقاد لإحداث ما أراد من أفعاله شاؤوا أم أبوا {من في السماوات والأرض} لا يقدرون أن يمتنعوا عليه، وتنقاد له أيضاً {ظلالهم} حيث يتصرف على مشيئته في الامتداد، وقيل: سجود الملائكة والمؤمنين {طوعاً وكرهاً} من أكره على الايمان، وقيل: هم المنافقون والكافرون، وقيل: المراد بالسجود قهر الله الأشياء لما أراد، وإن لم يسجدوا سجود عبادة، وقد قيل: كل شيء من كل جنس يسجد لله، وقيل: سجوده دلالة على الوحدانية وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره وظل المؤمن يسجد طوعاً وهو مطيع روي ذلك في الغرائب {بالغدو والآصال} قيل: بالغدوة والعشي وهو بين العصر والمغرب {قل} يا محمد لهؤلاء الكفار {من رب السماوات والأرض} يعني خالقهما ومدبرهما فلا يمكنهم أن يقولوا الأصنام فقل أنت هو الله {قل أفاتخذتم من دونه أولياء}، قيل: أرباباً {لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً} فكيف ينتفع غيرها {قل هل يستوي الأعمى والبصير} كذلك لا يستوي المؤمن والكافر {أم هل تستوي الظلمات والنور} أي لا تستوي ظلمات الجهل ونور العلم والهدى {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} يعني هذه الأصنام قد خلقوا مثل خلق الله فتشابه عليهم خلق الله وخلقهم فدل على أنه المستحق للعبادة دونها لأنهم لم يخلقوا شيئاً، قوله تعالى: {أنزل من السماء} ثم ضرب سبحانه مثلين: الحق والباطل، أحدهما الماء وما يعلوه من الزبد، والثاني ما يوعد عليه في النار من الذهب والفضة وما يعلوه من الزبد، فقال سبحانه: أنزل من السماء وهو يعود إلى ما قبله من السماء يعني من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من سماء الملائكة {ماءً} مطراً {فسالت أودية} جمع واد وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة فسالت أي جرت بمعنى جرى الماء في الأودية {بقدرها} يعني بقدر الأودية في الكبر والصغر {فاحتمل السيل} يعني الماء الذي سال في الوادي {زبداً} وهو الخشب الذي يعلوه {رابياً} أي عالياً عليه مرتفعاً فوق الماء فشبه الحق والاسلام بالماء الصافي النافع للخلق والباطل بالزبد الذاهب {ومما يوقدون عليه في النار} وهو الذهب والفضة والرصاص زبد مثله مثل زبد السيل فمثل الحق والقرآن كمثل الصافي من هذه لأنه ينتفع به، ومثل الباطل كمثل الزبد {ابتغاء حلية} يريد ما يتخذ من الذهب والفضة كحلية السيف والدواة والمركب وحلية النساء {أو متاع} يريد ما يتخذ من النحاس والرصاص والصفر والحديد من الأواني وغيرها {زبد مثله} يريد أن هذه إذا غليت بالنار تزبد كما يزبد الماء {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد} الذي على السيل والجواهر {فيذهب جفاءً} باطلاً ذاهباً متفرقاً بحيث لا ينتفع به وهو ما جفاه الوادي أي رمى به {وأما ما ينفع} الناس {فيمكث في الأرض} وهو الماء الصافي ينتفع به الناس كذلك الحق يثبت وينتفع به صاحبه والباطل يذهب باطلاً {كذلك يضرب الله الأمثال} يعني يبين الحق والباطل، قيل: تمام الكلام عند قوله الأمثال ثم استأنف الكلام بقوله تعالى: {للذين استجابوا}، وقيل: بل متصل بما قبله لأنه قال الذي هو مثل المستجيب فالذي يذهب جُفاء مثل من لا يستجيب، وقوله: {للذين استجابوا لربهم} أي أجابوا دعوة الله وآمنوا به وأطاعوه {الحسنى} قيل: الجنة {والذين لم يستجيبوا له} ولم يؤمنوا له {لافتدوا به} أي لجعلوا ذلك بدل أنفسهم فداء من العذاب ولا يقبل ذلك منهم {أولئك لهم سوء الحساب} يعني يؤاخذون بالذنوب صغيرها وكبيرها ولا يغفر لهم شيء {ومأواهم جهنم وبئس المهاد} أي بئس الفراش والمصير.

الهواري

تفسير : قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ} أي: لا إله إلا الله، هي دعوة الحق. قال: {والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: الأوثان { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وهو مثل الذي يعبد الأوثان إذا رجا الحياة في عبادته كالذي يرفع بيده الإِناء الذي فيه الماء يرجو به الحياة فمات قبل أن يصل إلى فيه. وقال بعضهم: كباسط كفّيه إلى الماء يدعو الإِناء الذي فيه الماء ليأتيه فمات قبل أن يأتيه الإِناء. يقول: فكذلك المشركون حيث رجوا منفعة آلهتهم ضلّت عنهم فهلكوا. قال: {وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ} أي: آلهتَهُم { إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. وقال مجاهد: يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده ولا يأتيه أبداً. ذكر بعضهم قال: هذا مثل ضربه الله؛ إن هذا الوثن الذي يدعو من دون الله، إنه لا يستجيب له بشيء، أي: لا يسوق له خيراً، ولا يدفع عنه شراً حتى يأتيه الموت، كمثل هذا الذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولا يصل ذلك إليه حتى يموت عطشاً.

اطفيش

تفسير : {لهُ} أى الله{ دَعْوة} أى دعاء وهو الطلب {الحقِّ} أى خلاف الباطل، والمعنى أنه الأهل، لأن تطلب منه الحوائج طلب حق، لأن السميع العليم بما فى الصدور، القادر على قضائها وإجابتها، وأما دعاء الصنم فدعاء باطل، لأنه لا يسمع ولا يعلم، ولا يضر ولا ينفع، وأضيفت الدعوة إلى الحق للملابسة من حيث إنها بمعزل عن الباطل. ويجوز أن تكون الدعوة بمعنى العبادة، والحق أيضا خلاف الباطل، والإضافة أيضا للملابسة، أى عبادة حق لا عبادة باطل، ويجوز أن تكون الدعوة بمعنى الدعاء إلى عبادة الله، أو إلى طلبه، والإضافة للملابسة أيضا، والحق خلاف الباطل أيضا، وأما أن يقال: لإضافة إضافة موصوف للصفة أى دعاء الحق فضعيف عندى، لأن الصحيح أن الموصوف لا يضاف للصفة، فيجوز أن يكون الحق هو الله أى أنه الأهل والمختص بالدعوة المعهودة لأنها دعوة له ليست هى ولا شئ منها لغيره، وهى أيضا طلبه أو عبادته، أو الدعاء إلى طلبه، أو عبادته، ويجوز أن يكون الحق صفة لله، أى دعوة الله الحق، أو دعوة المدعو الحق، فإن الهاء سواه، أو مدعوّاً سواه غير ثابت وغير صادق، ويجوز أن دعوة الحق بمعنى دعو التوحيد، والحق التوحيد. قال ابن عباس: الحق لا إله إلا الله، فكأنه قيل: كلمة الحق الذى هو لا إله إلا الله، سميت دعوة لأنه يدعى إليها، وقيل: المعنى الدعاء بالإخلاص هو الذى يظهر لى أنه الصحيح هو الوجه الأول، ويدل له مقابله ذلك بقوله: {والَّذينَ يدْعُون} الخ، وتضمن قوله: {هو شديد المحال * له دعوة الحق} التعريض والتلويح بشدة كيد الله فى عامر وأربد ونحوهما، وبإجابة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وعلى نحوهما، وبأنه على الحق دونه، وبالوعيد على المجادلة فى الله، وذلك عام فى الكفرة، وإن قلنا: إنه وارد فى عامر وأربد فغيرهما مثلهما، والذين واقع على الأصنام وساغ ذلك لأنها عند عابديها بمنزلة القلاء، وواو يدعون للمشركين، ورابط الصلة ضمير محذوف، أى والأصنام الذين يدعوها المشركون، أى يطلبونها، ويدل على ذلك قراءة بعض: والذين تدعون بالفوقية، ويجوز أن يقع الذين على المشركين، والضمير يدعون لهم أيضا وهو الرابط، والمفعول ظاهر محذوف يدل عليه قوله. {مِنْ دُونهِ} أى والمشركون الذين يدعون الأصنام من دون الله، ورابط الخبر على هذا هو الهاء فى قوله تعالى: {لا يسْتجيبُون لهم بشىءٍ} من طلبهم، ورابطه على الأول واو يستجيبون وهى للأصنام على الوجهين، ويضعف كون شئ مفعولا مطلقا مجرورا بياء متوصل بها للتأكيد، أى لا يستجيبون لهم استجابة مَّا. {إلا كبَاسِطِ} أى الاستجابة كاستجابة باسط {كفَّيه إلى الماءِ} فالاستثناء متصل، وقرئ تنوين بأسط فكفيه مفعول به، أو الاستثناء منقطع، فيكون المعنى لكنهم كباسط كفيه إلى الماء {ليبْلُغ} الماء {فاه وما هُو} أى الماء {ببالغِه} أى ببالغ الفم، أو ما ذلك الباسط ببالغ الماء، أى لا يظفر بالماء، وذلك أنه يبسط كفيه بالإشارة إلى الماء ليأتيه من قعر البئر، أو من مكان بعيد، أو إلى إناء الماء فبشر به، فليس الماء بالغا فاه، ولا هو ظافرا به، لأن الماء أو الإناء لا يشعر بإشارته وطلبه، ولا يقدر على إجابته ولا طاقة له، لأنه مطبوع بالسيلان إلى موضع مستو أو منحدر الإناء لم يطبع على الانتقال، فكما أن هذا لا يتصل بالماء فيموت عطشا. كذلك داعى الصنم لا يتصل بالنجاة من عذاب الدارين بصنمه، وكل من الماء والصنم غير حيوان، فكيف يجب، ويصح أن يكون باسط كفيه إلى الماء الخ بمعنى من أراد أن يغرف الماء للشرب فيبسط كفيه ويدخلهما فى الماء، أو صب فى كفيه مبسوطتين، فكما أن هذا لا يبقى فى كفيه ما يزيل به العطش من الماء، كذلك طالب الصنم لا يتصل من طلبه على شئ من دنيا أو أخرى، والوجه الأول أولى لتمام التشبيه فيه، وهو قول مجاهد بخلاف الثانى، فإنه قد يبقى شئ من الماء فى منحط كفيه فيشربه، وطلب الصنم لا يتصل على شئ هذا من طلبه البتة، هذا ما ظهر لى وهو صواب إن شاء الله. {وما دُعاء الكافِرِين إلا فى ضَلالٍ} أى ما طلبهم الأصنام إلا فى ذهاب عن الصواب، إذ هو دعاء ضائع لا ينفعهم، وجوز أن يراد بالدعاء فى موضعين: العبادة أى لا تستجيب لهم الأصنام فى شئ، فكيف يعبدونها، وما عبادتهم إياها إلا ضائعة، وأن يراد بالأول الطلب وبالثانى العبادة أو العكس، وأن يراد بالثانى طلبهم الله أو عبادتهم إياه، أى دعاؤهم إياه ضايع ببقائهم على الشرك. قال ابن عباس: أصواتهم محجوبة عن الله سبحانه وتعالى، ويجوز أن يراد بالثانى دعاؤهم الله ودعاؤهم الأصنام سواء فسرناه بالطلب أو بالعبادة.

اطفيش

تفسير : {لَهُ} لا لغيره {دَعْوَةُ الْحَقِّ} الدعاءُ إِلى التوحيد فإِن الدعاءَ إِليه دعاءُ حق لا باطل، أَو الحق هو التوحيد، ودعوة التوحيد هو الدعاءُ إِليه، وليس من إِضافة الموصوف إِلى الصفة كما قيل، وإلا قيل: الحقة؛ إِلا أَن يتكلف أَنه مصدر كما يقال امرأَة عدل، أَو أَول الدعوة بالدعاءِ، فكأَنه الدعاءُ الثابت أَو المستجاب، فإِِن مالا يستجاب باطل كما قال: {لا يستجيبون لهم بشىءٍ} أَو المراد دعوة المدعو الحق وهو الله، وقيل: الحق الله، وكأَنه قيل لله دعوة الله فيشكل بظاهره، ويؤول بأَن كل ما كان دعاءً إِليه تعالى يكون له، وأَنه أَمر به ولا يليق بغيره، وكل دعاءٍ إِليه هو دعاءٌ له بمعنى أَنه أمر به {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ} ذكر الأَصنام بما يذكر به العقلاءُ لأَنهم يعظمونها كأَنها عقلاءُ، وواو يدعون للمشركين، والذين للأَصنام والعائِد هاءٌ محذوفة، أَى والأَصنام الذين يدعوهم المشركون، أَو الذين للمشركين، والعائِد الواو ومفعول يدعون محذوف ظاهرا يعودا إِليه واو لا يستجييبون فإِِن واوه على كل وجه للأَصنام، وهاءٌ لهم على كل حال للمشركين، لا تستجيب الأَصنام لعابديها بشىءٍ مما يطلبونها إِليه {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ} أَى إلا استجابة كاستجابة من يبسط يديه من فم البئْر إِلى الماءَ فى قعرها، أَو باسطهما إِلى السحاب مع ضم أَصابعه ونصبهما لتمسك له الماءَ ليدخل فاه، أَو يصله وهو عطشان، والماءُ جماد لا شعور له بعطشه، ولا يبسط الكفين إِليه ولا قدرة له على إِجابة الدعاءِ، ولا يطلع إِليه الماءُ، أَو ينزل إِليه، فكذا دعوا الأَصنام وهى جماد لا تعلم بدعائِهم ولا تستجيب لهم إِن دعوهم لا يسمعوا، بقى أَنه لا استجابة للماءِ أَلبتة، فكذلك لا استجابة للأَصنام فذلك كقوله: شعر : ولا عيب فينا غير أَن سيوفنا بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فإن ذلك لا يختص بالمدح والذم {وَمَا هُوَ} أى الماءُ {بِبَالِغِهِ} أَى ببالغ فيه، أَو فوه ببالغ الماءِ، أَو ما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماءِ، والأَول أَولى لأَن البالغ فى قوله: ليبلغ فاه هو الماءُ، ووجه الثانى والثالث التفنن فى البالغ ويجوز أَن يكون المعنى كباسط كفيه بتفريق أَصابعه، أَو مع ضمها ممتدة فى حوض أَو إِناءٍ واسع، فإِنه لا يغترف له الماءُ بذلك، وما تقدم أَولى لتمام التشبيه فيه بخلاف هذا قد يبقى ماءٌ قليل فى أُخمص راحته، مع أَنه لا نفع كثير ولا قليل من الأَصنام {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ} طلبهم حوائِجهم من الأَصنام أَو عبادتهم إِياها، أَو ما عبادتهم الله لأَنهم قد يعبدونه كالطواف {إِلاَّ فِى ضَلاَلٍ} ضياع حين يحتاجون لا نفع فيه، لا تنفعهم الأَصنام، ولا يقبل الله عبادتهم إِياه لشركهم، قال ابن عباس: أَصوات الكفار محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاءَهم، ومعنى حجبها وعدم سمعها أَنها غير مقبولة، والله لا يخفى عنه شىءٌ.

الالوسي

تفسير : . {لَهُ} أي لله تعالى {دَعْوَةُ ٱلْحَقّ} أي الدعاء والتضرع الثابت الواقع في محله المجاب عند وقوعه، والإضافة للإيذان بملابسة الدعوة للحق واختصاصها به وكونها بمعزل من شائبة البطلان والضلال والضياع كما يقال: كلمة الحق؛ والمراد أن إجابة ذلك له تعالى دون غيره، ويؤيده ما بعد كما لا يخفى وقيل: المراد بدعوة الحق الدعاء عند الخوف فإنه لا يدعى فيه إلا الله تعالى كما قال سبحانه: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } تفسير : [الإسراء: 67] وزعم الماوردي أن هذا أشبه بسياق الآية، وقيل: الدعوة بمعنى الدعاء أي طلب الإقبال، والمراد به العبادة للاشتمال، والإضافة على طرز ما تقدم، وبعضهم يقول: إن هذه الإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة والكلام فيها شهير، وحاصل المعنى أن الذي يحق أن يعبد هو الله تعالى دون غيره. ويفهم من كلام البعض ـ على ما قيل ـ أن الدعوة بمعنى الدعاء ومتعلقها محذوف أي للعبادة، والمعنى أنه الذي يحق أن يدعى إلى عبادته دون غيره، ولا يخفى ما بين المعنيين من التلازم فإنه إذا كانت الدعوة إلى عبادته سبحانه حقاً كانت عبادته جل شأنه حقاً وبالعكس، وعن الحسن أن المراد من الحق هو الله تعالى، وهو ـ كما في «البحر» ـ ثاني الوجهين اللذين ذكرهما الزمخشري، والمعنى عليه كما قال: له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، والأول ما أشرنا إليه أولاً وجعل الحق فيه مقابل الباطل. وبين صاحب "الكشف" حاصل الوجهين بأن الكلام مسوق لاختصاصه سبحانه بأن يدعى ويعبد رداً لمن يجادل في الله تعالى ويشرك به سبحانه الأنداد ولا بد من أن يكون في الإضافة إشعار بهذا الاختصاص، فإن جعل الحق في مقابل الباطل فهو ظاهر، وإن جعل اسماً من أسمائه تعالى كان الأصل لله دعوته تأكيداً للاختصاص من اللام والإضافة ثم زيد ذلك بإقامة الظاهر مقام المضمر معاداً بوصف ينبـىء عن اختصاصها به أشد الاختصاص فقيل: له دعوة المدعو الحق والحق من أسمائه سبحانه يدل على أنه الثابت بالحقيقة وما سواه باطل من حيث هو وحق بتحقيقه تعالى إياه فيتقيد بحسب كل مقام للدلالة على أن مقابله لا حقيقة له، وإذا كان المدعو من دونه بطلانه لعدم الاستجابة فهو الحق الذي يسمع فيجيب انتهى. وبهذا سقط ما قاله أبو حيان في الاعتراض على الوجه الثاني من أن مآله إلى الله دعوة الله وهو نظير قولك: لزيد دعوة زيد ولا يصح ذلك، واستغنى عما قال العلامة الطيبـي/ في تأويله: من أن المعنى ولله تعالى الدعوة التي تليق أن تنسب وتضاف إلى حضرته جل شأنه لكونه تعالى سميعاً بصيراً كريماً لا يخيب سائله فيجيب الدعاء فإن ذلك كما ترى قليل الجدوى. ويعلم مما في «الكشف» وجه تعلق هذه الجملة بما تقدم، وقال بعضهم: وجه تعلق هذه والجملة التي قبلها أعني قوله تعالى: {أية : وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } تفسير : [الرعد:13] إن كان سبب النزول قصة أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله تعالى وإجابة لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : اللهم احبسهما عني بما شئت»تفسير : أو دلالة على رسوله صلى الله عليه وسلم على الحق، وإن لم يكن سبب النزول ذلك فالوجه أن ذلك وعيد للكفرة على مجادلتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعائه عليه الصلاة والسلام أن دعا عليهم أو بيان ضلالتهم وفساد رأيهم في عبادة غير الله تعالى، ويعلم مما ذكر وجه التعلق على بعض التفاسير إذا قلنا: إن سبب النزول قصة اليهودي أو الجبار فتأمل. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } أي الأصنام الذين يدعونهم أي المشركون، وحذف عائد الموصول في مثل ذلك كثير، وجوز أن يكون الموصول عبارة عن المشركين وضمير الجمع المرفوع عائد إليه ومفعول {يَدعون} محذوف أي الأصنام وحذف لدلالة قوله تعالى: {مِن دُونِهِ } عليه لأن معناه متجاوزين له وتجاوزه إنما هو بعبادتها ويؤيد الوجه الأول قراءة البزدوي عن أبـي عمرو {تَدْعُونَ } بتاء الخطاب، وضمير {لا يَسْتَجيبونَ} عليه عائد على {ٱلَّذِينَ} وعلى الثاني عائد على مفعول {يَدعُونَ} وعلى كل فالمراد لا يستجيب الأصنام {لَهُمْ } أي للمشركين {بِشَىْء } من طلباتهم {إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَاء } أي لا يستجيبون شيئاً من الاستجابة وطرفاً منها إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد يطلبه ويدعوه {لِيَبْلُغَ } أي الماء بنفسه من غير أن يؤخذ بشيء من إناء ونحوه {فَاهُ وَمَا هُوَ } أي الماء {بِبَالِغِهِ } أي ببالغ فيه أبداً لكونه جماداً لا يشعر بعطشه وبسط يديه إليه، وجوز أبو حيان كون {هُوَ } ضمير الفم والهاء في {بالغه} ضمير الماء أي وما فوه ببالغ الماء لأن كلاً منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال. وجوز بعضهم كون الأول ضمير {بَـٰسِط} والثاني ضمير «الماء» قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الأول عائداً على «باسط» والثاني عائداً على الفم لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لزم إبراز الفاعل فكان يجب على ذلك أن يقال: وما هو ببالغه الماء، والجمهور على ما سمعت أولاً، والغرض ـ كما قال بعض المدققين ـ نفي الاستجابة على البت بتصوير أنهم أحوج ما يكونون إليها لتحصيل مباغيهم أخيب ما يكون أحد في سعيه لما هو مضطر إليه، والحاصل أنه شبه آلهتهم حين استكفائهم إياهم ما أهمهم بلسان الاضطرار في عدم الشعور فضلاً عن الاستطاعة للاستجابة وبقائهم لذلك في الخسار بحال ماء بمرأى من عطشان باسط كفيه إليه يناديه عبارة وإشارة فهو لذلك في زيادة الكباد والبوار، والتشبيه على هذا من المركب التمثيلي في الأصل أبرز في معرض التهكم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التخسير والتحسير، فالاستثناء مفرغ من أعم عام المصدر كما أشرنا إليه، والظاهر أن الاستجابة هناك مصدر من المبنى للفاعل وهو الذي يقتضيه الفعل الظاهر، وجوز أن يكون من المبني للمفعول ويضاف إلى الباسط بناءاً على استلزام المصدر من المبني للفاعل للمصدر من المبني/ للمفعول وجوداً وعدماً فكأنه قيل: لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم استجابة كائنة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء كما في قول الفرزدق:شعر : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف تفسير : أي لم يدع فلم يبق إلا مسحت أو مجلف. وأبو البقاء يجعل الاستجابة مصدر المبني للمفعول وإضافته إلى {بَـٰسِط} من باب إضافة المصدر إلى مفعوله كما في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَسْـئَمُ ٱلإِنْسَـٰنُ مِن دُعَاء ٱلْخَيْرِ } تفسير : [فصلت: 49] والفاعل ضمير {ٱلْمَاء } على الوجه الثاني في الموصول، وقد يراد من بسط الكفين إلى الماء بسطهما أي نشر أصابيعهما ومدها لشربه لا للدعاء، والإشارة إليه كما أشرنا إليه فيما تقدم، وعلى هذا قيل: شبه الداعون لغير الله تعالى بمن أراد أن يغرف الماء بيديه فبسطهما ناشراً أصابعه في أنهما لا يحصلان على طائل، وجعل بعضهم وجه الشبه قلة الجدوى، ولعله أراد عدمها لكنه بالغ بذكر القلة وإرادة العدم دلالة على هضم الحق وإيثار الصدق ولإشمام طرف من التهكم، والتشبيه على هذا من تشبيه المفرد المقيد كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء: هو كالراقم على الماء؛ فإن المشبه هو الساعي مقيداً بكون سعيه كذلك والمشبه به هو الراقم مقيداً بكونه على الماء كذلك فيما نحن فيه، وليس من المركب العقلي في شيء على ما توهم. نعم وجه الشبه عقلي اعتباري والاستثناء مفرغ عن أعم عام الأحوال أي لا يستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الداعين إلا مشبهين أعني الداعين بمن بسط كفيه ولم يقبضهما وأخرجهما كذلك فلم يحصل على شيء لأن الماء يحصل بالقبض لا بالبسط. وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أن ذلك تشبيه بعطشان على شفير بئر بلا رشاء ولا يبلغ قعر البئر ولا الماء يرتفع إليه، وهو راجع إلى الوجه الأول وليس مغايراً له كما قيل، وعن أبـي عبيدة أن ذلك تشبيه بالقابض على الماء في أنه لا يحصل على شيء، ثم قال: والعرب تضرب المثل في الساعي فيما لا يدركه بذلك، وأنشد قول الشاعر:شعر : فأصبحت فيما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد تفسير : وقوله:شعر : وإني وإياكم وشوقاً إليكم كقابض ماء لم تسعه أنامله تفسير : وهو راجع إلى الوجه الثاني خلا أنه لا يظهر من {بَـٰسِط} معنى قابض فإن بسط الكف ظاهر في نشر الأصابيع ممدودة كما في قوله:شعر : تعود بسط الكف حتى لو أنه أراد انقباضاً لم تطعه أنامله تفسير : وكيفما كان فالمراد ـ بباسط ـ شخص باسط أي شخص كان، وما يقتضيه ظاهر ما روي عن بكير بن معروف من أنه قابيل حيث أنه لما قتل أخاه جعل الله تعالى عذابه أن أخذ بناصيته في البحر ليس بينه وبين الماء إلا إصبع فهو يريده ولا يناله مما لا ينبغي أن يعول عليه. وقرىء {كباسط كفيه} بالتنوين أي كشخص يبسط كفيه. {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } أي في ضياع وخسار وباطل، والمراد بهذا الدعاء إن كان دعاء آلهتهم فظاهر أنه كذلك لكنه فهم من السابق وحينئذٍ يكون مكرراً للتأكيد، وإن كان دعاءهم الله تعالى فقد استشكلوا ذلك بأن دعاء الكافرين قد يستجاب وهو المصرح به في الفتاوى، واستجابة دعاء إبليس وهو رأس الكافر/ نص في ذلك. وأجيب بأن المراد دعاؤهم الله تعالى بما يتعلق بالآخرة، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن أصوات الكفار محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاؤهم، وقيل: يجوز أن يراد دعاؤهم مطلقاً ولا يقيد بما أجيبوا به.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي بمنزلة النتيجة ونهوض المدلل عليه بالآيات السالفة التي هي براهين الانفراد بالخلق الأول، ثم الخلق الثاني، وبالقدرة التامة التي لا تدانيها قدرة قدير، وبالعلم العام، فلا جرم أن يكون صاحب تلك الصفات هو المعبود بالحق وأن عبادة غيره ضلال. والدعوة: طلب الإقبال، وكثر إطلاقها على طلب الإقبال للنجدة أو للبذل. وذلك متعين فيها إذا أطلقت في جانب الله لاستحالة الإقبال الحقيقي فالمراد طلب الإغاثة أو النعمة. وإضافة الدعوة إلى الحق إمّا من إضافة الموصوف إلى الصفة إن كان الحق بمعنى مصادفة الواقع، أي الدعوة التي تصادف الواقع، أي استحقاقه إياها؛ وإما من إضافة الشيء إلى منشئه كقولهم: برود اليمن، أي الدعوة الصادرة عن حق وهو ضد الباطل، فإن دعاء الله يصدر عن اعتقاد الوحدانية وهو الحق، وعبادة الأصنام تصدر عن اعتقاد الشرك وهو الباطل. واللام للملك المجازي وهو الاستحقاق. وتقديم الجار والمجرور على المبتدإ لإفادة التخصيص، أي دعوة الحق ملكه لا ملك غيره، وهو قصر إضافي. وقد صُرح بمفهوم جملة القصر بجملة {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} [سورة الرعد: 14]، فكانت بياناً لها. وكان مقتضى الظاهر أن تفصل ولا تعطف وإنما عطفت لما فيها من التفصيل والتمثيل، فكانت زائدة على مقدار البيان. والمقصود بيان عدم استحقاق الأصنام أن يدعوها الداعون. واسم الموصول صادق على الأصنام. وضمير يدعون {للمشركين}. ورابط الصلة ضمير نصب محذوف. والتقدير: والذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم. وأجري على الأصنام ضمير العقلاء في قوله: {لا يستجيبون} مجازاة للاستعمال الشائع في كلام العرب لأنهم يعاملون الأصنام معاملة عاقلين. والاستجابة: إجابة نداء المنادي ودعوة الداعي، فالسين والتاء لقوة الفعل. والباء في بشيء لتعدية {يستجيبون} لأن فعل الإجابة يتعدى إلى الشيء المجاب به بالباء، وإذا أريد من الاستجابة تحقيق المأمول اقتصر على الفعل. كقوله: { أية : فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن } تفسير : [سورة يوسف: 34]. فلما أريد هنا نفي إجداء دعائهم الأصنام جعل نفي الإجابة متعدياً بالباء إلى انتفاء أقل ما يجيب به المسؤول وهو الوعد بالعطاء أو الاعتذار عنه، فهم عاجزون عن ذلك وهم أعجز عما فوقه. وتنكير شيء للتحقير. والمراد أقل ما يجاب به من الكلام. والاستثناء في {إلا كباسط كفيه} من عموم أحوال الداعين والمستجيبين والدعوة والاستجابة، لأنه تشبيه هيئة فهو يسري إلى جميع أجزائها فلك أن تقدر الكلام إلا كداع باسط أو إلاّ كحال باسط. والمعنى: لا يستجيبونهم في حالٍ من أحوال الدعاء والاستجابة إلا في حالٍ لداعٍ ومستجيببٍ كحال باسطٍ كفيه إلى الماء. وهذا الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده فيؤول إلى نفي الاستجابة في سائر الأحوال بطريق التلميح والكناية. والمراد بــــ (باسط كفيه) من يغترف ماء بكفين مبسوطتين غير مقبوضتين إذ الماء لايستقر فيهما. وهذا كما يقال: هو كالقابض على الماء، في تمثيل إضاعة المطلوب. وأنشد أبو عبيدة: شعر : فأصبحت فيما كان بيني وبينها من الودّ مثل القابض الماءَ باليد تفسير : و{إلى} للانتهاء لدلالة {باسط} على أنه مَدّ إلى الماء كفيه مبسوطتين. واللام في {ليبلغ} للعلة. وضمير {يبلغ} عائد إلى الماء. وكذلك ضمير {هو} والضمير المضاف إليه في (بالغه) للفم. والكلام تمثيلية. شبّه حال المشركين في دعائهم الأصنام وجلب نفعهم وعدم استجابة الأصنام لهم بشيء بحال الظمآن يبسط كفيه يبتغي أن يرتفع الماء في كفيه المبسوطتين إلى فمه ليرويه وما هو ببالغ إلى فمه بذلك الطلب فيذهب سعيه وتعبه باطلاً مع ما فيه من كناية وتمليح كما ذكرناه. وجملة {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} عطف على جملة {والذين يدعون من دونه} لاستيعاب حال المدعو وحال الداعي. فبينت الجملة السابقة حال عجز المدعو عن الإجابة وأعقبت بالتمثيل المشتمل على كناية وتمليح. واشتمل ذلك أيضاً بالكناية على خيبة الداعي. وبينت هذه الجملة الثانية حال خيبة الداعي بالتصريح عقب تبْيينه بالكناية. فباختلاف الغرض والأسلوب حَسنُ العطف، وبالمآل حصل توكيد الجملة الأولى وتقريرُها وكانت الثانية كالفذلكة لتفصيل الجملة الأولى. والضلال: التلف والضياع. و{في} للظرفية المجازية للدلالة على التمكن في الوصف، أي إلا ضائع ضَياعاً شديداً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: له دعوة الحق: أي لله تعالى الدعوة الحق أي فهو الإِله الحق الذي لا إله إلا هو. ليبلغ فاه: أي الماء فمه. إلا في ضلال: أي في ضياع لا حصول منه على طائل. بالغدو والآصال: أي بالبُكُر جمع بكرة، والعشايا جمع عشية. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة التوحيد بالأدلة والبراهين، وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} أي لله سبحان وتعالى الدعوة الحق وهي أنه الإِله الحق الذي لا إله إلا هو، أما غيره فإطلاق لفظ الإله إطلاق باطل، فالأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الله إطلاق لفظ إله عليه إطلاق باطل، والدعوة إلى عبادته باطلة، أما الدعوة الحق فإنها لله وحده. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي من دون الله من سائر المعبودات {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي لا يجيبونهم بإعطائهم شيئاً مما يطلبون منهم {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ} أي إلا كاستجابة من بسط يديه أي فتحهما ومدهما إلى الماء والماء في قعر البئر فلا كفاه تصل إلى الماء ولا الماء يصل إلى كفيه وهو عطشان ويظل كذلك حتى يهلك عطشاً، هذا مثل من يعبد غير الله تعالى بدعاء أو ذبح أو نذر أو خوف أو رجاء فهو محروم الاستجابة خائب في مسعاه ولن تكون له عاقبة إلا النار والخسران وهو معنى قوله تعالى {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي بطلان وخسران، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} أي الملائكة {وَٱلأَرْضِ} أي من مؤمن يسجد طوعاً، ومنافق أي يسجد كرها، {وَظِلالُهُم} تسجد أيضاً {بِٱلْغُدُوِّ} أوائل النهار، {وَٱلآصَالِ} أواخر النهار، ومعنى الآية الكريمة: إذا لم يسجد الكافرون أي لم ينقادوا لعبادة الله وحده تعالى فإنَّ لله يسجد من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الجن والإِنس المؤمنون يسجدون طائعين والكافرون يسجدون إذا أكرهوا على السجود والمنافقون يسجدون مكرهين، وظلالهم تسجد في البكر والعشايا كما أنهم منقادون لقضاء الله تعالى وحكمه فيهم لا يستطيعون الخروج عنه بحال فهو الذي خلقهم وصورهم كما شاء ورزقهم ما شاء ويميتهم متى شاء فأي سجود وخضوع وركوع أظهر من هذا؟ وقوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي من خالقهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما؟ وأمر رسوله أن يسبقهم إلى الجواب {قُلِ ٱللَّهُ} اذ لا جواب لهم إلا هو، وبعد أن أقروا بأن الرب الحق هو الله، امر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم موبخاً مقرعاً {أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملكوا لكم نفعاً أو يدفعون عنكم ضراً فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون، ومبالغة في البيان وإقامة للحجة والبرهان على وجوب التوحيد وبطلان الشرك والتنديد أمر رسوله أن يقول لهم: {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ}؟ والجواب قطعاً لا إذاً فكيف يستوي المؤمن والكافر، وكيف يستوي الهدى والضلال، فالمؤمن يعبد الله على بصيرة على علم أنه خالقه ورازقه يعلم سره ونجواه يجيبه إذا دعاه أرسل إليه رسوله وأنزل عليه كتابه، والكافر المشرك يعبد مخلوقاً من مخلوقات الله لا تملك لنفسها فضلاً عن عابديها نفعاً ولا ضراً لا تسمع نداءً ولا تجيب دعاء، المؤمن يعبد الله بما شرع له من عبادات وبما طلبت منه من طاعات وقربات، والكافر المشرك يعبد الباطل بهواه، ويسلك الغيّ في الحياة. وقوله: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} أي بل جعلوا لله شركاء فخلقت تلك الشركاء مخلوقات كخلق الله فتشابه الخلق على المشركين فعبدوها ظناً منهم أنها خلقت كخلق الله؟ والجواب لا فإنها لم تخلق ولا تستطيع خلق ذبابة فضلاً عن غيرها إذاً فكيف تصح عبادتها وهي لم تخلق شيئاً، وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي قل أيها الرسول للمشركين عند اعترافهم بأن آلهتهم لم تخلق شيئاً قل لهم: الله خالق كل شيء وهو الواحد الذي لا شريك له ولا ند ولا مِثْلَ، القهار لكل جبار والمذل لكل معاند كفار، هو المستحق للعبادة الواجب له الطاعة، الإيمان به هدى والكفر به ضلال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- دعوة الحق لله وحده فهو المعبود بحق لا إله غيره ولا رب سواه. 2- حرمان المشركين من دعائهم وسائر عباداتهم. 3- الخلق كلهم يسجدون لله طوعاً أو كرهاً إذ الكل خانع خاضع لحكم الله وتدبيره فيه. 4- مشروعية السجود للقارئ والمستمع إذا بلغ هذه الآية {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} ويستحب أن يكون طاهراً مستقبلاً القبلة، ويكبر عند الخفض والرفع ولا يسلم. 5- بطلان الشرك إذ لا دليل عليه من عقل ولا نقل. 6- وجوب العبادة لله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَبَاسِطِ} {بِبَالِغِهِ} {ٱلْكَافِرِينَ} {ضَلاَلٍ} (14) - وَللهِ تَعَالَى دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ يُوَجَّهُ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ (دَعْوَةُ الحَقِّ)، وَالأَصْنَامُ التِي يَدْعُوهَا هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، وَيَعْبُدُونَهَا، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْها، لاَ تُجِيبُهُمْ بِشَيءٍ مِمَّا يُرِيدُونَ، مِنْ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ، إِلاَّ كَمَا يُجِيبُ المَاءُ مَنْ يَبْسُطُ إِلَيهِ كَفَّيْهِ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ فَاهُ فَالمَاءُ جَمَادٌ لاَ يُدْرِكُ بَسْطَ الكَفَّيْنِ، وَلاَ قَبْضَهُمَا، فَكَيْفَ يُجِيبُ دُعَاءَهُ؟ وَكَذَلِكَ أَصْنَامُهُمْ فَإِنَّهَا حِجَارَةٌ لاَ تُدْرِكُ دُعَاءَ مَنْ عَبَدُوهَا، وَلاَ تَفْهَمُهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ عَبَدُوها لاَ يَنْتَفِعُونَ مِنْهَا بِشَيءٍ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ. وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ. لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ - للهِ الدَّعْوَةُ الحَقُّ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه قد دعانا إلى أنْ نؤمن بإله واحد وهي دعوة حق، والذين من دونه يدعون لإله غير حق. والضمير هنا قد يعود إلى الله؛ فكأن الله قد دعا خَلْقه إلى كلمة الحق وهي "لا إله إلا الله"، وهو سبحانه قد شهد بأنه لا إله إلا هو؛ وشهدتْ الملائكة شهادةَ المشْهد، وشَهِد بها أولو العلم شهادة الاستدلال؛ تلك هي دعوة الحق. أو "له" أي: للإنسان الذي يدعو إلى الحق، وحين يدعو الإنسان فهذا يدلُّ على أن أمراً قد خرج عن نطاق أسبابه؛ لذلك يدعو مَنْ يعينه على هذا الأمر. والدعاء لَوْنٌ من الطلب، إلا أن الطلب يختلف باختلاف الطالب والمطلوب منه؛ فإنْ كان الطالبُ أدنى من المطلوب منه لا يُقال له فعل أمر؛ كقولك "اغفر لي يا رب" وهذا لا يقال له فعل أمر؛ بل يقال له دعاء. وهكذا نرى أنه إن كان فعل الأمر من الأدنى للأعلى؛ لا نسميه فِعْل أمر بل نسميه دعاءً، والطالب الذكيّ هو مَنْ يلحظ أثناء الإعراب إنْ كان المطلوب هو من الأدْنى إلى الأعلى؛ فهو لا يقول "فِعْل أمر" بل يقول "فعل دعاء" مثل قول العبد لله: يا رب اغفر لي، وإن كان المطلوب من مُسَاوٍ؛ فهو يقول "التماس". وإنْ كان المطلوب قد صدر من الأعلى للأدنى فهو "فعل أمر". وحين يدعو الإنسان ربه؛ فهذا يعني أن أسبابَ العبد قد نفِدتْ؛ وهو يلجأ إلى مَنْ يعلو الكون ويملك كل الأسباب، ولذلك فكُلٌّ مِنّا يدعو الله؛ لأنه سبحانه القادر على إنفاذ مطلوب العباد؛ ولا يُعْجِزه شيء. ولكنْ إنْ دعوتَ مَنْ لا يستطيع؛ فهو دعوةٌ لا تنفع العبد، وهم كانوا يدعُونَ الأصنام؛ والأصنام لا تضرُّ ولا تنفع؛ فالصنم مِنْ هؤلاء لا يقدر على نفسه أو لنفسه؛ فقد كان من الحجر. وبطبيعة الحال فالدعاء لمثل تلك الأصنام لا تحقق شيئاً؛ لأنها لا تقدر على أيِّ شيء. وهكذا يتأكد لنا أن دعوة الحقِّ هي أنْ تدعوَ القادر؛ أما الذين يدعون المعبودات الباطلة فإنها تخيب من يدعوها في مقصده، ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ..} [الرعد: 14]. لأنهم لا يملكون شيئاً فالصنم من هؤلاء لا يسمع فكيف يستجيب؟ ثم يضرب الحق سبحانه المَثَل بشيء مُحَسٍّ؛ نفعله كلنا؛ فيقول: {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ..} [الرعد: 14]. فالعطشان ما أنْ يرى ماءً حتى يَمُدَّ يده إليه ليغترف منه؛ لكن يده لا تصل إلى الماء؛ هذا هو حال مَنْ يدعو غير الله؛ فقد سأل غير القادر على إنفاذ مطلبه، وهكذا يكون دعاء غير الله؛ وهو دعاء في ضلال وفي غير متاهة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لله وحده { دَعْوَةُ الْحَقِّ } وهي: عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى، أي: هو الذي ينبغي أن يصرف له الدعاء، والخوف، والرجاء، والحب، والرغبة، والرهبة، والإنابة؛ لأن ألوهيته هي الحق، وألوهية غيره باطلة { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } من الأوثان والأنداد التي جعلوها شركاء لله. { لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ } أي: لمن يدعوها ويعبدها بشيء قليل ولا كثير لا من أمور الدنيا ولا من أمور الآخرة { إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ } الذي لا تناله كفاه لبعده، { لِيَبْلُغَ } ببسط كفيه إلى الماء { فَاهُ } فإنه عطشان ومن شدة عطشه يتناول بيده، ويبسطها إلى الماء الممتنع وصولها إليه، فلا يصل إليه.كذلك الكفار الذين يدعون معه آلهة لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعونهم في أشد الأوقات إليهم حاجة لأنهم فقراء كما أن من دعوهم فقراء، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير. { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ } لبطلان ما يدعون من دون الله، فبطلت عباداتهم ودعاؤهم؛ لأن الوسيلة تبطل ببطلان غايتها، ولما كان الله تعالى هو الملك الحق المبين، كانت عبادته حقًّا متصلة النفع لصاحبها في الدنيا والآخرة. وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله بالذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه من أحسن الأمثلة؛ فإن ذلك تشبيه بأمر محال، فكما أن هذا محال، فالمشبه به محال، والتعليق على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كما قال تعالى: {أية : إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط }.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 447 : 15 : 23 - سفين في قوله {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} قال، لا إله إلا الله. [الآية 14]. 448 : 16 : 24 - سفين في قوله {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ} قال، القايم على البير يناول بكفيه الماء ولا يناول الماء. كذلك آلهتهم لا يستجيبون لهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1366- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}: [الآية: 14]، قال: شهادة أن لا إلَه إلا الله. 1367- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}: [الآية: 14]، قال: لا إلَه إلا الله. 1368- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ}: [الآية: 14]، قال: كباسط يديه إلى الماء، فَلَيْس الماء يبالغ فاهُ ما دَامَ باسطاً كفيه لا يقبضهما وما هو ببالغه {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}: [الآية: 14]، قال: هذا مثلٌ ضربه الله لمن اتخذ مِنْ دُونِ الله إلَهاً أنه غير الله، لاَ يَدْفَعُ عنه شيئاً حتى يموت على ذَلِكَ.