Verse. 1723 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

قُلْ مَنْ رَّبُّ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ قُلِ اؙ۝۰ۭ قُلْ اَفَاتَّخَذْتُمْ مِّنْ دُوْنِہٖۗ اَوْلِيَاۗءَ لَا يَمْلِكُوْنَ لِاَنْفُسِہِمْ نَفْعًا وَّلَا ضَرًّا۝۰ۭ قُلْ ہَلْ يَسْتَوِي الْاَعْمٰى وَالْبَصِيْرُ۝۰ۥۙ اَمْ ہَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمٰتُ وَالنُّوْرُ۝۰ۥۚ اَمْ جَعَلُوْا لِلہِ شُرَكَاۗءَ خَلَقُوْا كَخَلْقِہٖ فَتَشَابَہَ الْخَلْقُ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ قُلِ اللہُ خَالِـقُ كُلِّ شَيْءٍ وَّہُوَالْوَاحِدُ الْقَہَّارُ۝۱۶
Qul man rabbu alssamawati waalardi quli Allahu qul afaittakhathtum min doonihi awliyaa la yamlikoona lianfusihim nafAAan wala darran qul hal yastawee alaAAma waalbaseeru am hal tastawee alththulumatu waalnnooru am jaAAaloo lillahi shurakaa khalaqoo kakhalqihi fatashabaha alkhalqu AAalayhim quli Allahu khaliqu kulli shayin wahuwa alwahidu alqahharu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» يا محمد لقومك «مَن رب السماوات والأرض قل الله» إن لم يقولوه لا جواب غيره «قل» لهم «أفاتخذتم من دونه» أي غيره «أولياء» أصناما تعبدونها «لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا» وتركتم مالكهما؟ استفهام توبيخ «قل هل يستوي الأعمى والبصير» الكافر والمؤمن «أم هل تستوي الظلمات» الكفر «والنور» الإيمان؟ لا «أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق» أي الشركاء بخلق الله «عليهم» فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم؟ استفهام إنكار؟ أي ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق «قل الله خالق كل شيء» لا شريك له فيه فلا شريك له في العبادة «وهو الواحد القهار» لعباده.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ساجد له بمعنى كونه خاضعاً له، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُلِ ٱللَّهُ } ولما كان هذا الجواب جواباً يقر به المسؤول ويعترف به ولا ينكره أمره صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتة ولما بين أنه سبحانه هو الرب لكل الكائنات قال: قل لهم فلم اتخذتهم من دون الله أولياء وهي جمادات وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها ودفع المضرة عن أنفسها، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى، فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث والسفه، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم بها كالبصير، والجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات، والعلم بها كالنور، وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير، والظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها. قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو عن عاصم {يَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ } بالياء، لأنها مقدمة على اسم الجمع والباقون بالتاء، واختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } يعني هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا إنها تشارك الله في الخالقية، فوجب أن تشاركه في الإلهية، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة، ولا خلق ولا أثر، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه. الأول: أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والإنكار. فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه. قال القاضي: نحن وإن قلنا: إن العبد يفعل ويحدث، إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله، لأن أحدنا يفعل بقدرة الله، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فثبت أن بتقدير كون العبد خالقاً، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى، وأيضاً فهذا الإلزام لازم للمجبرة، لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له، وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق. وأيضاً فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيباً للكفار وذماً لطريقتهم، ولو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا باختيارنا. والجواب عن السؤال الأول: أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو يكون عبارة عن التقدير، وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثاً فإنه لا بد وأن يكون حادثاً. أما قوله: والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه ليس خلقه كخلق الله. قلنا: الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى، كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، وحينئذ يصح أن يقال: إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال. وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إن فعل العبد مخلوق لله تعالى، فنقول هذا غير لازم، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلاً لخلق الله تعالى، ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتة، فكيف يلزمنا ذلك؟ وأما قوله: لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى، لما حسن ذم الكفار على هذا المذهب. قلنا: حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل، وهو منقوض، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية. وأما الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية قوله: {قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم. والوجه الثالث: في التمسك بهذه الآية وقوله: {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ } وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه، وحينئذ يكون دليلاً أيضاً على صحة قولنا. المسألة الثانية: زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء. اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئاً لوجب كونه خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } ولما كان ذلك محالاً، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: هذا عام دخله التخصيص، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا قال: أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها، وههنا ذات الله تعالى أعلى الموجودات وأشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقه؟ والحجة الثانية: تمسك بقوله تعالى: { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء. والحجة الثالثة: قوله تعالى: { أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى، فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله: { أية : قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 19]. وأجاب الخصم عنه: بأن قوله: {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } سؤال متروك الجواب، وقوله: {قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله. المسألة الثالثة: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة. قالوا: لأنه لو حصل لله تعالى علم وقدرة وحياة، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله أو لا بخلقه، والأول باطل وإلا لزم التسلسل، والثاني: باطل لأن قوله: {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } يتناول الذات والصفات حكمنا بدخول التخصيص فيه في حق ذات الله تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل. وهو أن يكون تعالى خالقاً لكل شيء سوى ذاته تعالى، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى خالقاً لهما وهو محال، وأيضاً تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن. قالوا: الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء، والقرآن ليس هو الله تعالى، فوجب أن يكون مخلوقاً وأن يكون داخلاً تحت هذا العموم. والجواب: أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة، إلا أنا نخصصها في حق صفات الله تعالى بسبب الدلائل العقلية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» ثم أمره أن يقول (لهم): هو الله إلزاماً للحجة إن لم يقولوا ذلك، وجهلوا مَن هو. {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} هذا يدلّ على ٱعترافهم بأن الله هو الخالق (وإلا) لم يكن للاحتجاج بقوله: {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} معنى؛ دليله قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25] أي فإذا ٱعترفتم فَلِمَ تعبدون غيره؟ٰ وذلك الغير لا ينفع ولا يضرّ؛ وهو إلزام صحيح. ثم ضرب لهم مثلاً فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، والمشرك الذي لا يبصر الحق. وقيل: الأعمى مَثَلٌ لما عبدوه من دون الله، والبصير مَثَلُ الله تعالى: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} أي الشرك والإيمان. وقرأ ٱبن محيصِن وأبو بكر والأعمش وحمزة والكسائي «يستوِي» بالياء لتقدم الفعل؛ ولأن تأنيث «الظلمات» ليس بحقيقي. الباقون بالتاء؛ واختاره أبو عبيد، قال: لأنه لم يحل بين المؤنث والفعل حائل. و«الظلمات والنور» مثل الإيمان والكفر؛ ونحن لا نقف على كيفية ذلك. {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} هذا من تمام الاحتجاج؛ أي خَلَق غير الله مثل خلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم. {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي قل لهم يا محمد: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»، فلزم لذلك أن يعبده كل شيء. والآية ردّ على المشركين والقَدَرية الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق الله. {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ} قبل كل شيء. {ٱلْقَهَّارُ} الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد. قال القُشَيريّ أبو نصر: ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع؛ أي سَلْهُم عن خالق السموات والأرض، فإنه يسهل تقرير الحجة فيه عليهم، ويقرب الأمر من الضرورة؛ فإن عَجْز الجماد وعَجْز كل مخلوق عن خلق السموات والأرض معلوم؛ وإذا تقرّر هذا وبَانَ أن الصانع هو الله فكيف يجوز إعتداد الشريك له؟ٰ وبيّن في أثناء الكلام أنه لو كان للعالم صانعان لاشتبه الخلق، ولم يتميز فعل هذا عن فعل ذلك، فبم يعلم أن الفعل من اثنين؟ٰ

البيضاوي

تفسير : {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خالقهما ومتولي أمرهما. {قُلِ ٱللَّهُ} أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه أو لقنهم الجواب به. {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ} ثم ألزمهم بذلك لأن اتخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل. {أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً} لا يقدرون على أن يجلبوا إليها نفعاً أو يدفعوا عنها ضراً فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه، وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن يشفعوا لهم. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} المشرك الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها والموحد العالم بذلك. وقيل المعبود الغافل عنكم والمعبود المطلع على أحوالكم. {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ} الشرك والتوحيد. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالياء. {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ} بل أجعلوا والهمزة للإنكار وقوله: {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} صفة لشركاء داخلة في حكم الإِنكار. {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } خلق الله وخلقهم، والمعنى أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً عما يقدر عليه الخالق. {قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ} أي لا خالق غيره فيشاركه في العبادة، جعل الخلق موجب العبادة ولازم استحقاقها ثم نفاه عمن سواه ليدل على قوله: {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ} المتوحد بالألوهية. {ٱلْقَهَّارُ} الغالب على كل شيء.

ابن كثير

تفسير : يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعاً ولا ضراً، أي: لا تحصل لهم منفعة، ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه؟ ولهذا قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب، وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه، فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره؟ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له؛ كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وكما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر:3] فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} تفسير : [سبأ: 23] {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} تفسير : [النجم: 26] الآية، وقال: {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } تفسير : [مريم:93-95] فإذا كان الجميع عبيداً، فلم يعبد بعضهم بعضاً بلا دليل ولا برهان؟ بل مجرد الرأي، والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم، تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 49].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لقومك {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُلِ ٱللَّهُ } إن لم يقولوه لا جواب غيره {قُلْ } لهم {أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ } أي غيره. {أَوْلِيَآءَ } أصناماً تعبدونها {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } وتركتم مالكهما؟ استفهام توبيخ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } الكافر والمؤمن {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ } الكفر {وَٱلنُّورِ } الإيمان؟ لا {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ } أي خلق الشركاء بخلق الله {عَلَيْهِمْ } فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم؟ استفهام إنكار: أي ليس الأمر كذلك، ولا يستحق العبادة إلا الخالق {قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ } لا شريك له فيه فلا شريك له في العبادة {وَهُوَ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ } لعباده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{قل من رب السموات والأرض}أمر الله تعالى نبيه أن يقول لمشركي قريش{من رب السموات والأرض}ثم أمره أن يقول لهم: {قل الله}إن لم يقولوا ذلك إفهاماً قالوه تقريراً لأنه جعل ذلك إلزاماً. {قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً}ثم أمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا بعد اعترافهم بالله: أفاتخذتم من دون الخالق المنعم آلهة من أصنام وأوثان فعبدتموها من دونه، لا يملكون لأنفسهم نفعاً يوصلونه إليها ولا ضراً يدفعونه عنها، فكيف يملكون لكم نفعاً أو ضراً؟ وهذا إلزام صحيح. ثم قال تعالى{قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور}وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر كالأعمى والبصير، والهدى والضلالة كالظلمات والنور، فالمؤمن في هُداه كالبصير يمشي في النور، والكافر في ضلاله كالأعمى يمشي في الظلمات، وهما لا يستويان، فكذلك المؤمن والكافر لا يتسويان، وهذا من أصح مثل ضربه الله تعالى وأوضح تشبيه. ثم قال تعالى:{أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم}ومعناه أنه لما لم يخلق آلهتهم التي عبدوها خلقاً كخلق الله فيتشابه عليهم خلقُ آلهتهم بخلق الله فلما اشتبه عليهم حتى عبدوها كعبادة الله تعالى؟ {قل الله خالق كل شيء} فلزم لذلك أن يعبدوه كل شيء. {وهو الواحد القهار}. وفي قوله {فتشابه الخلق عليهم}تأويلان: أحدهما: فتماثل الخلق عليهم. الثاني: فأشكل الخلق عليهم، ذكرهما ابن شجرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَمْلِكُونَ} إذ لم يملكوا لأنفسهم جلب نفع ولا دفع ضر فأولى أن لا يملكوا ذلك لغيرهم. {الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} المؤمن والكافر {الظُّلُمَاتُ وَالْنُّورُ} الضلالة والهدى {فَتَشَابَهَ} لما لم تخلق آلهتهم خلقاً يشبته عليهم بخلق الله فلِمَ اشتبه عليهم حتى عبدوها كعبادة الله؟

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية لما بيَّن أنَّ كلَّ من في السَّموات، والأرض ساجد لله بمعنى كونه خاضعاً له، عدل إلى الرَّد على عبدة الأصنام فقال: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ} ولمَّا كان هذا الجواب يقرّ به المسئولُ ويعترف به، ولا ينكره، أمره ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتَّة. قال القشيري: "ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع، أي: سلهم عن خالق السموات والأرض؛ فإنه يسهل تقرير الحجة عليهم ويقربُ الأمر من الضرورة، فإن عجز الجماد، وعجز كل مخلوق عن خالق السموات، والأرض معلوم". ولما بين الله أنَّه هو الرب لكلِّ الكائنات [قاله له]: قل لهم على طريق الإلزام للحجة فلم اتخذتم من دونه أولياء، وهي جمادات، وهي لا تملكُ لأنفسها نفعاً، ولا ضرًّا، ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة [لأنفسها، ودفع المضرة عن نفسها، فلأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة] لغيرها، ودفع المضرة عن غيرها بطريق الأولى، وإذا كانت عاجزة عن ذلك كانت عبادتها محض العبث، والسَّفه، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أنَّ الجاهل بمثل هذه الحجة لا يساوي العالم بها. فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} قرأ الأخوان، وأبو بكر عن عاصم: "يَسْتَوِي" بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، والوجهان واضحان باعتبار أن الفاعل مجازي التَّأنيث، فيجوز في فعله التذكير، والتأنيث، كنظائر له مرت. وهذه مثل ضربه اللهُ سبحانه وتعالى للكفَّار؟ قوله: "أمْ هَلْ" هذه أم المنقطعة، فتقدر بـ"بل"، والهمزة عند الجمهور، وبـ"بل" وحدها عند بعضهم، وقد تقدَّم تحريره، وهذه الآية قد يتقوى بها من يرى تقديرها بـ "بَلْ" فقط بوقوع: "هَلْ" بعدها، فلو قدَّرناها بـ "بَلْ" والهمزة لزم اجتماع حرفي معنى؛ فتقدرها بـ "بل" وحدها، "ولا" تقويةٌ له، فإن الهمزة قد جامعت: "هَلْ" في اللفظ، كقوله الشاعر: [البسيط] شعر : 3173ـ.................... أهَلْ رَأوْنَا بِوادِي القُفِّ ذي الأكَمِ تفسير : فأولى أن يجامعها تقديراً. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنَّ: "هَلْ" هذه استفهاميَّة، بل بمعنى: "قَدْ"، وإليه ذهب جماعةٌ، وإن لم تجامعها همزة، كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ}تفسير : [الإنسان:1] أي: قد أتى، فههنا أولى، والسماع قد ورد بوقوع: "هَلْ" بعد: "أم" وبعدمه. فمن الأول هذه الآية، ومن الثاني: ما بعدها من قوله: "أمْ جَعلُوا". وقد جمع الشاعر بين الاستعمالين في قوله: [البسيط] شعر : 3175ـ هَلْ مَا عَلمْتَ ومَا اسْتُودعْتَ مكْتومُ أمْ حَبْلُهَا إذ نَأتْكَ اليَوْمَ مَصرُومُ أمْ هَلْ كثيرٌ بَكَى لمْ يَقْضِ عَبرتَهُ إثْرَ الأحِبَّة يَوْمَ البَيْنِ مَشْكُومُ تفسير : فصل قوله: {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} كذلك لا يستوي المؤمن، والكافر: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} أي كما لا تستوي الظلمات والنور، لا يستوي الكفر، والإيمان. قوله: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} الجملة من قوله: "خَلقُوا" صفة لـ: "شُرَكاءَ"، {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ}، أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فلا يدرون ما خلق الله، وما خلق آلهتهم. والمعنى: أنَّ هذه الأشياء الَّتي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتَّى يقولوا: إنها تشارك الله في الخالقيَّة؛ فوجب أن تشاركه في الإلهيَّة بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أنَّ هذه الأصنام لم يصدر عنها فعلٌ، ولا خلق، ولا أثر ألبتة، وإذا كان كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهيَّة محض السَّفه، والجهل. فصل قال ابن الخطيب: "زعمت المعتزلة أنَّ العبد يخلق حركات، وسكنات مثل الحركات، والسكنات التي يخلقها الله، وعلى هذا التقدير: فقد {جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} والله ـ تعالى ـ إنما ذكر هذه الآية في معرض الذَّم، والإنكارِ؛ فدلت على أنَّ العبد لا يخلق أفعال نفسه". قال القاضي: "نحن وإن قلنا: إنَّ العبد يخلق إلاَّ أنَّا لا نطلق القول بأنه يخلق كخلق الله؛ لأن أحداً ما يفعل كقدرة الله، وإنما يفعل لجلب منفعة، ودفع مضرة، والله ـ تعالى ـ منزه عن ذلك؛ فثبت أنَّ بتقدير كون العبدِ خالقاً إلا أنَّه لا يكون خلقه كخلق الله، وأيضاً: فهذا الإلزامُ للمجبرة أيضاً؛ لأنَّهم يقولون عين ما هو خلق الله ـ تعالى ـ فهو كسبٌ للعبد، وفعلٌ له، وهذا عين الشرك؛ لأنَّ الإله، والعبد في ذلك الكسب كالشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه أيضاً نصيبٌ، وهو أنه ـ تعالى ـ إنَّما ذكر هذا الكلام عيباً للكفَّار أن يقولوا: إنَّ الله ـ تعالى ـ خلق هذا الكفر فينا؛ فلم يذمنا، ولم ينسبنا للجهل، والتقصير، مع أنه حصل فينا بغير فعلنا، ولا باختيارنا". والجواب عن الأول: هو أنَّ لفظ الخلق عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو عبارة عن التقديرين، وعلى الوجهين: فبتقدير أن يكون العبد محدثاً، فإنه لا بد أن يكون حادثاً، أما قوله: والعبد وإن كان خالقاً إلاَّ أنه ليس خلقه كخلق الله ـ تعالى ـ. قلنا: الخلق عبارةٌ عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعلومٌ أنَّ الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله ـ تعالى ـ كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، وحينئذ يصحُّ أن يقال: إنَّ هذا الذي هو مخلوقٌ للعبد مثل لما هو مخلوق لله ـ تعالى ـ، ولا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلاَّ أنَّ حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في المماثلة من هذا الوجه، وهذا القدر يكفي في الاستدلال. وأما قوله: "هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إنَّ فعل العبد مخلوق لله ـ تعالى ـ". فنقول: هذا غير لازم؛ لأنَّ هذه الآية [دالة] على أنَّه لا يجوز أن يكون العبد مثلاً كخلق الله ـ تعالى ـ ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتَّة، فكيف يلزمنا ذلك؟. وأما قوله: "لو كان فعل العبد خلقاً لله لما حسن ذمُّ الكفَّار على هذا المذهب". قلنا: حاصلة يرجع إلى أنَّه لما حصل الوجود، وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل وهو منقوض؛ لأنَّه ـ تعالى ـ ذمَّ أبا لهب على كفره مع أنَّه علم منه أنَّه يموت على الكفر، وخلاف المعلوم محال الوقوع. قوله: {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد مخلوق لله ـ تعالى ـ؛ لأنَّ فعل العبد شيء، فوجب أن يكون خالقه هو الله ـ تعالى ـ وأيضاً: فقوله: {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} لا يقال فيه: إنه تعالى واحد في أي المعاني، بل الواحد في الخالقية؛ لأن المذكور السابق هو الخالقية، فوجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه. فصل زعم جهم أن الله ـ تعالى ـ لا يقع عليه اسم الشيء. قال الخطيب: "وهذا الخلاف ليس إلا في اللفظ، وهو أن اسم الشيء هل يقع عليه أم لا؟ فزعم قوم أنه لا يقع، وجوّزه قومٌ". واحتج المانعون: بأنه لو كان شيئاً لوجب أن يكون خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: {أية : خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الزمر:62] وذلك محالٌ؛ فثبت أنه لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: إنَّ هذا عام دخله التخصيص؛ لأنَّ العام المخصوص إنَّما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي، وأحسن منه، كما يقال: أكلت هذه الرُّمَّانة مع أنَّه سقطت حبات ما أكلها، وههنا ذات الله أعلى الموجودات، وأشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقِّه. واستدلُُّوا أيضاً بقوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى:11]ٍ والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة [فإنها] مثل مثل نفسها، فالباري ـ تعالى ـ مثل مثل نفسه مع أنه ـ تعالى ـ نصَّ على أنَّ مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيصٌ على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيءِ. واستدلُّوا أيضاً بقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف:180] قالوا: دلَّت على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أحد الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن؛ فوجب ألاَّ يجوز دعاء الله بهذا اللفظ. وتمسك من جوَّز إطلاق هذه التسمية عليه بقوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام:19]. وأجاب الأولون: بأنَّ هذا سؤال متروك الجواب، وقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام:19] مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله. فصل تمسَّك المعتزلة بهذه الآية في أنَّه ـ تعالى ـ عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة، وقالوا: لأنه لو حصل لله ـ تعالى ـ علم، وقدرة وحياة لكانت هذه الصفات إمَّا أن تحصل بخلق الله ـ تعالى ـ أو لا تحصل بخلق الله والأول باطل، وإلا لزم التسلسل، والثاني باطلٌ؛ لأنَّ قول الله تعالى: {أية : خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الزمر:62] يتناول الذات، والصفات حكمنا بدخول التخصيص في ذات الله ـ تعالى ـ؛ فوجب أن يبقى على عمومه في سائر الأشياء، والقرآن ليس هو الله؛ فوجب أن يكون مخلوقاً لدخوله في هذا العموم. والجواب أن يقال: أقصى ما في الباب أنَّ الصِّيغة عامة؛ لأن تخصيصها في حق صفات الله ـ تعالى ـ بالدلائل العقليَّة. قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} الآية لما شبَّه المؤمن والكافر، والإيمان، والكفر بالأعمى، والبصير، والظلمات، والنور، ضرب للإيمان، والكفر مثلاً آخر فقال: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} "أنْزلَ" يعني الله: {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} يعني المطر "فَسَالتْ" من ذلك الماء: {أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} أي: في الصغر، والكبر {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ} الذي حدث من ذلك الماء: {زَبَداً رَّابِياً} الزّبد: الخبث الذي يظهر على وجه الماء وكذلك على وجه القدر "رَابِياً" أي: عالياً مرتفعاً فوق الماءِ، فالماءُ الصَّافي الباقي هو الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار، وجوانب الأودية هو الباطل. وقيل: هذا مثل القرآن: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وهو القرآن، والأودية: قلوب العباد، يريد: ينزل القرآن، فيحتمل منه القلوب على قدر اليقينِ، والعقل والشك وكما أنَّ الماء يعلوهُ زيدٌ، والأجساد يخالطها خبثٌ، ثمَّ إنَّ ذلك الزبد، والخبث يذهب، ويضيع، ويبقى جوهر الماء، وجوهر الأجساد السبعة، كذلك ههنا بيانات القرآن يختلط بها شكوك وشهبات، ثمَّ إنها تزول بالآخرة وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة في العاقبة كذلك ههنا. قوله: "أوْديَةٌ" جمع وادٍ، وجمع فاعل على أفعلة، قال أبو البقاءِ: "شاذٌّ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف. ووجهه: أنَّ فاعلاً قد جاء بمعنى فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كَجرِيب وأجْرِبَة كذلك فاعل". قال شهابُ الدين: "قد سمع فَاعِلَة، وأفْعِلَة في حرفين آخرين: أحدهما: قولهم جَائِر وِأجْوِرَة. والثاني: نَاجٍ وأنْجِيَة". وقال الفارسي: "أودية: جع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفْعِلَة"، قال: "ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل، وفعيل على الشيء الواحد، كعَالِم وعَلِيم، وشَاهِد وشَهِيد، ونَاصِر ونَصِير، ووزن فاعل يجمع على أفعالٍ كصاحب وأصحابٍ، وطائرٍ وأطيارٍ، [ووزن] فعيلٍ يجمع على أفْعِلَة كجَرِيبٍ، وأجْرِبَة، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل، وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل، فيقال: وادٍ وأودية، ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يَتِيمٌ وأيْتامٌ، وشَرِيفٌ وأشْرافٌ". وقال غيره: نظير وادٍ، وأوْدِيَة: نادٍ، وأنْديَة للمجالس وسمي وادِياً: لخروجه وسيلانه، والوادي على هذا اسم للماء السَّائل. وقال أبو علي: "سَالتْ أوْديةٌ" فيه توسع، أي: يسالُ ماؤها فحذف، ومعنى "بِقدَرِهَا" أي: بقدر مياهها؛ لأنَّ الأودية ما سالت بقدرِ نفسها. قوله: "بِقَدِرهَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بـ "سَالَتْ". والثاني: أنَّه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفةٌ للأودية. وقرأ العامة بفتح الدال، وزيد بن عليّ، والأشهب العقيلي، وأبو عمرو في رواية بسكونها، وقد تقدَّم في البقرة. قال الواحدي رحمه الله: القَدْرُ والقَدَر: مبلغ الشَّيء، يقال: كم قَدْر هذه الدَّراهم وقَدَرُهَا ومِقْدَارُها؟ أي: كم بلغ في القدر وما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قَدرُهَا". والمَعنى: بقدرها، من الماء فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتَّسع الوادي كثر الماء. و"احْتَمَلَ" بمعنى حَمَلَ فافتعل بمعنى المجرَّد، وإنَّما نكَّر الأودية، وعرف السيل؛ لأنَّ المطر ينزلُ في البقاع على المناوبة، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض، وعرف السيل؛ لأنه قد فهم من الفعل قبله، وهو قوله: "فَسَالَتْ"، وهو لو نُكِّر لكان نكرة، فلمَّا أعيد أعيد بلفظ التَّعريف نحو "رَأيْتَ رجُلاً فأكْرَمْتُ الرَّجُلَ". والزَّبدُ: وضرُ الغليان وخبثه؛ قال النابغة: [البسيط] شعر : 3176ـ فَمَا الفُرَاتُ إذا هَبَّ الرِّياحُ لَهُ تَرْمِي غَوارِبهُ العِبْرَيْنِ بالزَّبدِ تفسير : وقيل: هو ما يحمله السَّيل من غثاءٍ ونحوه، وما يرمى به ضَفَّتاه من الحباب، وقيل: هو ما يطرحه الوادي إذا [سال] ماؤه، وارتفعت أمواجه، وهي عباراتٌ متقاربةٌ. والزَّبدُ: المستخرج من اللَّبن. قيل: هو مشتقٌّ من هذه لمشابهته إيَّاه في اللون، ويقال: زبدته زبداً، أي: أعطيته مالاً كالزَّبدِ يضرب به المثل في الكثرةِ، وفي الحديث: "حديث : غُفِرتْ ذُنوبُهُ، ولوْ كَانتْ مِثْلَ زَبدِ البَحْرِ ". تفسير : وقوله تعالى: "رَابِياً" قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماءِ". وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه، يقال: رَبَا يربُو إذا زاد. قوله {وَمِمَّا يُوقِدُونَ} هذا الجار خبر مقدم، و"زَبدٌ" مبتدأ، و"مثْلُهُ" صفة المبتدأ، والتقدير: ومن الجواهر التي هي كالنُّحاسِ، والذهب، والفضة زبد، أي: خبث مثله، أي: "مِثْل زبدِ الماءِ". و"مِنْ" في قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ} تحتمل وجهين: [أحدهما]: أن تكون لابتداء الغاية، أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماءِ. والثاني: أنَّها للتبعيض بمعنى: وبعض زبد، هذا مثل آخر. فالأول: ضرب المثل بالزَّبد الحاصل من المثال، ووجه المماثلة: أنَّ كلاَّ منهما ناشىء من الأكدار. وقرأ الأخوان، وحفص: "يُوقدُون" بالياء من تحت، أي: النَّاس، والباقون بالتاء من فوق على الخطاب، و"عَليْهِ" متعلق بـ:"تُوقِدُونَ". وأمَّا "فِي النَّار" ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلق بـ"تُوقِدُونَ" وهو قول الفارسي، والحوفي، وأبي البقاء. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: كائناً، أو ثابتاً، قاله مكيٌّ، وغيره ومنعوا تعلُّقه بـ"يُوقِدُونَ"؛ لأنهم زعموا أنَّه لا يوقد على الشَّيء إلا وهو في النَّار، وتعليق حرف الجر بـ"تُوقِدُونَ" يقتضي تخصيص حال من حال أخرى، وهذا غيرُ لازمٍ. قال أبو علي رحمه الله تعالى: وقد يُوقَدُ على الشَّيء، وِإن لم يكن في النَّار، كقوله تعالى: {أية : فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ}تفسير : [القصص:28] فالطينُ لم يكن [فيها]، وإنَّما يصيبه لهبها، وأيضاً: فقد يكون ذلك على سبيل التَّوكيد، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام:38]. والمراد بالحيلةِ: الذهب، والفضة، والمتاع: كل ما يتمتع به. قوله: "ابْتِغاءَ حِليَةٍ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول من أجله. والثاني: أنه مصدر في موضع الحالِ، أي: مبتغين حلية، و "حِليَةٍ" مفعولٌ [في] المعنى، "أوْ مَتاعٍ" نسق على "حِلْيةٍ". فالحِليَةُ: ما تتزين به. والمتَاعُ: ما يقضون به حوائجهم كالمساحي من الحديد ونحوها. قوله: "جُفَاءً" حالٌ، والجفاء: قال ابن الأنباري: المتفرق، يقال: جفأتِ الرِّيح السَّحاب، أي: قطعته وفرقته، وقال الفراء: الجفاءُ: الرَّمي، والاطراحُ. يقال: جَفَا الوادي، أي: غُثَاءه يجفوهُ: جفاءً، إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه [المنضمّ] بعضه إلى بعض، ويقال: جفَأتِ القِدرُ بزُبْدِهَا تَجْفَأ، وحفاءُ السَّيل: زبده، وأجْفَأ وأجْفَلَ وباللام قرأ رؤبة بن العجاج. قال أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة؛ لأنَّه كان يأكل الفأر، يعني أنه أعرابي جاف وقد تقدم ثناء الزمخشري عليه أوَّل البقرة، وذكروا فصاحته، وقد وجَّهوا قراءته بأنها من أجفأت الرِّيح الغيم، أي: فرقته قطعاً، فهي في المعنى كقراءة العامة بالهمزة. وفي همزة "جَفَأ" وجهان: أظهرهما: أنها أصل لثبوتها في تصاريف هذه المادة. والثاني: أنه بدل من واو، وكأنه مختار أبي البقاء. وفيه نظر؛ لأن مادة "جَفَا يَجْفُو" لا يليقُ معناها، والأصل: عدم الاشتراك. فصل المعنى: أنَّ الباقي الصَّافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزَّبد الذي لا ينتفعُ به مثل الباطل، فأمَّا الزَّبد الذي علا السيل والفلز، فيذهب جفاء، أي: ضائعاً باطلاً، والجفاء، ما رمى به الوادي من الزَّبد، والقدر إلى جنباته. والمعنى: أنَّ الباطل، وإن علا في وقت فإنه يضمحلُّ، ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشُّبهات. قوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ} الكاف في محل نصب، أي: مثل ذلك الضَّرب يضربُ. قيل: إنَّما تمَّ الكلام عند قوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} ثم استأنف الكلام بقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} ومحله الرفع بالابتداء، و"للذين" خبره، وتقديره: لهم الخصلة الحسنى، أو الحالة الحسنى. وقيل: متصل بما قبله، والتقدير: كأنه الذي يبقى، وهو مثل المستجيب، والذي يذهب جفاء مثل الذي لا يستجيب، ثمَّ بين الوجه في كونه مثلاً، أي: لمن يستجيب "الحُسْنَى" وهي الجنَّة، ولمن لا يستجيب الحسرة والعقوبة. وفيه وجه آخر: وهو أنَّ التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى، أي: الاستجابة الحسنى. واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء، فهي قوله جل ذكره: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ}، أي: أنَّ الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد، والتزام الشرائع، فلهم الحسنى. قال ابن عبَّاس: "الحُسْنَى" الجنَّة. وأمَّا أحوال الأشقياء، فهي قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ}، أي لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار. قوله: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلقٌ بـ"يَضْرِبُ"، وبه بدأ الزمخشري قال: "أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا؛ وللكافرين الذين لم يستجيبوا، و"الحُسْنَى" صفة لمصدر "اسْتَجابُوا"، أي: استجابوا الاستجابة الحسنى، وقوله {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين". قال أ بو حيان: "والتفسير الأول أولى" يعني به أن "لِلَّذينَ" خبرٌ مقدمٌ و"الحُسْنَى" مبتدأ مؤخَّر كما سيأتي. إيضاحه قال: "لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين، والله ـ تعالى ـ قد ضرب أمثالاً كثيرة في هذين وفي غيرهما؛ ولأنَّ فيه ذكر ثواب المتسجيبين بخلاف قول الزمخشري، فكما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب ذكر للمستجيبين من الثواب؛ ولأن تقديره: الاستجابة الحسنى مشعرٌ بتقييد الاستجابةِ ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً، إنما مقابلها نفي الاستجابة الحسنى، والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد نفى الاستجابة مطلقاً، ولأنه على قوله يكون قوله: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} كلاماً مفلتا ممَّا قبله، أو كالمفلتِ، إذ يصير المعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين، والكافرين لو أنَّ لهم ما في الأرض، فلو كان التركيب بحذفِ رابط "لو" بما قبلها زال التفلت، وأيضاً: فتوهم الاشتراك في الضمير، وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً". قال شهاب الدين: "قوله: "لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيَّد" ليس في قول الزمخشري ما يقتضي التّقييد، وقوله: لأن فيه ذكر ثواب المستجيبين إلى آخر ما ذكره الزمخشري أيضاً. على أن يؤخذ من فحواه ثوابهم، وقوله: "والله تعالى نفي الاستجابة مطلقاً" ممنوع، بل نفى تلك الاستجابة الأولى لا يقال: فثبتت لنا استجابة غير حسنى؛ لأنَّ هذه الصفة لا مفهوم لها، إذ الواقع أنَّ الاستجابة لله لا تكون إلا حسنى. وقوله: "يصيرُ مُفْلتاً" كيف يكون ـ مع قولِ الزمخشريِّ مبتدأ ـ في ذكر ما أعدَّ لهم، وقوله "وأيضاً فيتوهَّم الاشتراك" كيف يتوهّم هذا بوجه من الوجوه؟ وكيف يقول ذلك مع قوله: وإن كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً؟ فإذا علم كيف يتوهَّم؟". والوجه الثاني: أن يكون "لِلَّذينَ" خبراً مقدماً، والمبتدأ "الحُسْنَى"، و{وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ} مبتدأ، و خبره الجملة الامتناعيَّة بعده. وإنَّما خصَّ بضرب الأمثال الذين استجابوا لانتفاعهم دون غيرهم ومفعول "افتَدَوا" محذوف، تقديره: لا فتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والهاء في "بِهِ" عائدة إلى: "مَا" في قوله: "مَا في الأرضِ". ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ}. [قال الزجاج: وذلك لأن كفرهم أحبط أعمالهم. وقال إبراهيم النخعي ـ رضي الله عنه ـ: سوء الحساب] أن يحاسب الرجل بذنبه كله، ولا يغفر له منه شيء "ومَأوَاهُمْ" في الآخرة: {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} والفراشُ، أي: بئس ما مهد لهم.

البقاعي

تفسير : فلما تبين قطعاً أنه سبحانه المدبر للسماوات والأرض القاهر لمن فيهما، وتبين قطعاً أنه المختص بربوبيتهما فأمره تعالى أن يوجه السؤال نحوهم عن ذلك - ردّاً على عبدة الأصنام وغيرهم من الملحدين - بقوله: {قل} أي بعد أن أقمت هذه الأدلة القاطعة، مقرراً لهم {من رب} أي موجد ومدبر {السماوات والأرض} أي وكل ما فيهما. ولما مضى في غير آية أنهم معترفون بربوبيته مقرون بخلقه ورزقه ثم لم يزعهم ذلك عن الإشراك، جعلوا هنا كأنهم منكرون لذلك عناداً، فلم ينتظر جوابهم بل أمره أن يجيبهم بما يجيبون به، إشارة إلى أنهم لا يتحاشون من التناقض في اتباع الهوى ولا تصونهم عقولهم الجليلة وآراؤهم الأصلية - بزعمهم - عن التساقط في مهاوي الردى، فقال: {قل الله} أي الذي له الأمر كله،فثبت حينئذ أن لا ولي إلا هو، فتسبب عن ذلك توجه الإنكار عليهم في اعتماد غيره، فأمره بالإنكار في قوله: {قل أفاتخذتم} أي فتسببتم عن انفراده بربوبيتكم أن أوجدتم الأخذ بغاية الرغبة، فتسببتم الإشراك عما يجب أن يكون سبب التوحيد، وبين سفول رتبتهم بقوله: {من دونه أولياء} لا يساوونكم في التسبب في الضر والنفع، بل {لا يملكون لأنفسهم} فكيف بغيرهم {نفعاً} ونكره ليعم، وقدمه لأن السياق لطلبهم منهم، والإنسان إنما يطلب ما ينفعه. ولما كان من المعلوم أنه لا قدرة لأحد على أن يؤثر في آخره أثراً لا يقدر على مثله في نفسه قال: {ولا ضرّاً} فثبت أن من سواهم بالله أضل الضالين، لأنه يلزمه أن يسوي بين المتضادات، فكان معنى قوله: {قل هل يستوي} والاستواء: استمرار الشيء في جهة واحده {الأعمى} في عينه أو في قلبه {والبصير *} كذلك {أم هل تستوي} بوجه من الوجوه {الظلمات والنور *}: هل أدتهم عقولهم إلى أن سووا بين هذه المتضادات الشديدة الظهور لغباوة أو عناد حتى سووا من يخلق بمن لا يخلق، فجعلوا له شريكاً كذلك لغباوة أو عناد {أم جعلوا لله} أي الذي له مجامع العظمة {شركاء} ثم بين ما يمكن أن يكون به الشركة، فقال واصفاً لهم: {خلقوا كخلقه} وسبب عن ذلك قوله: {فتشابه} والتشابه: التشاكل بما يلتبس حتى لا يفصل فيه بين أحد الشيئين والآخر {الخلق عليهم} فكان ذلك الخلق الذي خلقه الشركاء سبب عروض شبهة لهم، وساق ذلك في أسلوب الغيبة إعلاماً بأنهم أهل للإعراض عنهم، لكونهم في عداد البهائم لقولهم ما لا يعقل بوجه من الوجوه، وهذا قريب مما يأتي قريباً في قوله:{أية : أم بظاهر من القول} تفسير : [الرعد:33]. أي بشبهة يكون فيها نوع ظهور لبعض الأذهان. ولما كان من المعلوم قطعاً أن جوابهم أن الخلق كله لله. ولم يمنعهم ذلك من تأله سواه، أمره أن يجيبهم معرضاً عن جوابهم فقال {قل الله} أي الملك الأعلى {خالق كل شيء} إشارة إلى أنهم في أحوالهم كالمنكر لذلك عناداً أو خرقاً لسياج الحياء وهتكاً لجلباب الصيانة، وإذ قد ثبت أنه المنفرد بالخلق وجب أن يفرد بالتأله فقال: {وهو الواحد} الذي لا يجانسه شيء، وكل ما سواه لا يخلو عن مجانس يماثله، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له {القهار *} الذي كل شيء تحت قهره بأنفسهم وظلالهم، وهو القادر بما لا يمكن أن يغلبه غالب وهو لكل شيء غالب، وهذا إشارة - كما مضى في مثله غير مرة في سورة يوسف وغيرها - إلى برهان التمانع، فإن أربابهم متعددون، فلو كانت لهم حياة وكانوا متصرفين في الملك لأمكن بينهم تمانع وكان كل منهم معرضاً لأن يكون مقهوراً، فكيف وهم جماد! فثبت قطعاً أنه لا شيء منهم يصلح للإلهية على تقدير من التقادير؛ قال الرماني: والواحد على وجهين: شيء لا ينقسم أصلاً، وشيء لا ينقسم في معنى كالدنيا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أنس - رضي الله عنه - قال: حديث : قالوا يا رسول الله، إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، فنخاف أن يكون ذلك النفاق. قال: كيف أنتم وربكم؟ قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: كيف أنتم ونبيكم؟ قالوا: أنت نبينا في السر والعلانية. قال: ليس ذاكم بالنفاق . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {هل يستوي الأعمى والبصير} قال: المؤمن والكافر. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} قال: أما الأعمى والبصير، فالكافر والمؤمن. وأما الظلمات والنور، فالهدى والضلال. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} قال: {خلقوا كخلقه} فحملهم ذلك على أن شكوا في الأوثان. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} قال: ضربت مثلاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله تعالى {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} قال: فأخبرني ليث بن أبي سليم، عن ابن محمد، عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر إما حضر ذلك حذيفة من النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر، وإما حدثه إياه أبو بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل. قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عُبِدَ من دون الله، أو ما دعي مع الله؟!... قال: ثكلتك أمك.... الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره؟ أو قال: لصغيره وكبيره؟ قال: بلى. قال: تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم اني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم. والشرك، أن تقول أعطاني الله وفلان والند، أن يقول الإِنسان: لولا فلان، قتلني فلان ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: انطلقت مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا أبا بكر، للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب قليله وكثيره؟ قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} [الآية: 16]. قال أبو عثمان: لا يستوى من حل بنور التوفيق وهدى لطريق الخدمة ومن عمى عنها وحرم رؤيتها أم هل يستوى من هو فى أنوار التوفيق مع من هو فى ظلمات التدبير. قال أبو حفص: الأعمى حقًا من يرى الله تعالى بالأشياء، ولا يرى الأشياء بالله تعالى والبصير من يكون نظره من ربه إلى المكونات.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}. سَلْهُمْ - يا محمد - مَنْ موجِدُ السماوات والأرض ومُقَدِّرُها، ومُخْتَرعُ ما يحدث فيها ومدبِّرها؟ فإِنْ أَسْكَتَهُمْ عن الجواب ما استكَنَّ في قلوبهم مِنَ الجهلِ فقُلْ الله منشيها ومجريها. ثم قال: {أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}: يعني الأصنام، وهي جمادات لا تملك لنفسها نَفْعَاً ولاَ ضَرَّاً، ويلتحق في المعنى بها كلُّ مَنْ هو موسومٌ برقم الحدوثِ، فَمَنْ علَّقَ قلبَه بالحدثان ساوَى - مِنْ وجهٍ - مَنْ عَبَدَ الأصنام، قال تعالى:{أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}تفسير : [يوسف: 106]. قوله جلّ ذكره: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ}. الأعمى مَنْ على بصيرته غشاوة وحجبة، والبصيرُ مَنْ كَحَّلَ الحقُّ بصيرة سِرِّه بنور التوحيد.. لا يستويان! ثم هل تستوي ظلماتُ الشِّرك وأنوارُ التوحيد؟ ومن جملة النور الخروجُ إلى ضياء شهود التقدير. قوله جلّ ذكره: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}. أي لو كان له شريك لَوَجَبَ أن يكون له نِدٌّ مُضاهٍ, وفي جميع الأحكام له موازٍ, ولم يُجْدِ حينئذٍ التمييزُ بين فِعْلَيْهِما. وكذلك لو كان له ندٌّ.. فإنَّ إثباتَهما شيئين اثنين يوجِب اشتراكَهما في استحقاق كل وصف، وأن يكون أحدهما كصاحبه أيضاً مستحقاً له، وهذا يؤدي إلى ألا يُعْرَفَ المَحَلُّ... وذلك محال. قوله جلّ ذكره: {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}. و{كُلِّ شَيْءٍ} تدخل فيه المخلوقات بصفاتها وأفعالها، والمخاطِبُ لا يدخل في الخطاب. {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ}: الذي لا خَلَفَ عنه ولا بَدَل، الواحد الذي في فضله منزه عن فضل كل أحد، فهو الكافي لكلِّ أحد، ويستعين به كل أحد. و{ٱلْقَهَّارُ}: الذي لا يجري بخلاف حُكْمِه - في مُلْكِه - نَفَسٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} اى لا تستوى المطبوس عين قلبه عن شهود مشاهدة القدم ورؤية انوار الازل بمن يبصر بصر روحه بنور الحق جمال الحق على نعت السرمدية بلا غواشى الطبيعة ومعارضة الخليقة ولا يستوى ارتفاع ظلمة دخان النفوس فى معارك العبودية بسطوع انوار الارواح الى صفائح القدس ينعت بنفسها فى مجالس الانس وايضا من يبصر بنور الحق جمال الحق على نعت السرمدية بلا غواشى الطبيعة ومعارضة الخليقة ولا يستوى من يبصر رسوم العالم برسوم العلم ولا يستوى نور وجوه العارفين بما يبدوا من غيرة القهر عن وجوه المدعين قال ابو عثمان لا يستوى من حلّل بنور التوفيق وهدى لطريق الخدمة ومن عمى عنها وحرم دونها ام هل تستوى من هو فى انوار التوفيق مع من هو فى ظلمات التدبير وقال ابو حفص الاعمى حقا من يرى الله بالاشياء ولا يرى الاشياء بالله والبصير من يكون فطرة من ربه الى المكونات قال الاستاد من جملة الظلمات الركون فى اوطانها التدبير ومن جملة النور الخروج الى ضياء شهود التدبير.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد للمشركين {من} [كيست] {رب السموات والارض} خالقهما ومالكهما ومتولى امرهما {قل} فى الجواب {الله} اذ لا جواب لهم سواه لانه البين الذي لامراء فيه فكأنه حكاية لاعترافهم به {قل} الزاما لهم {أفاتخذتم من دونه اولياء} الهمزة للانكار والفاء للاستبعاداى أبعد اقراركم هذا وعلمكم بانه تعالى صانع العالم ومالكه اتخذتم من دونه تعالى اصناما وهو منكر بعيد من مقتضى العقل {لا يملكون} اى وتلك الاولياء {لانفسهم نفعا ولا ضرا} لا يستطيعون لانفسهم جلب نفع اليها ولا دفع ضرر عنها واذا عجزوا عن جلب النفع الى انفسهم ودفع الضرر عنها كانوا عن نفع الغير ودفع الضر عنه اعجز ومن هو كذلك فكيف يعبد ويتخذ وليا وهذا تجهيل لهم وشهادة على غباوتهم وضلالتهم التي ليس بعدها. والاشارة قل من رب سموات القلوب وارض النفوس ومن دبر فيهما درجات الجنان بالاخلاق الحميدة ودركات النيران بالاخلاق الذميمة وجعل مشاهدة القلوب مقامات القرب وشواهد الحق ومراتع النفوس شهوات الدنيا ومنازل البعد قل الله اى اجب عن هذا السؤال لان الاجانب منه بمعزل قل للاجانب أفاتخذتم من دونه اولياء من الشياطين والدنيا والهوى لا يملكون لانفسهم ولا لكم نفعا ولا ضرا فى الدنيا والآخرة لانهم مملوكون والمملوك لا يملك شيئا {قل هل يستوى الاعمى والبصير} وارد على التشبيه اي فكما لا يستوى الاعمى والبصير فى الحس كذلك لا يستوى المشرك والجاهل بعظمة الله وثوابه وعقابه وقدرته مع الموحد العالم بذلك. قال فى التأويلات النجمية الاعمى من يرى غير الله مالكا ومتصرفا فى الوجود والبصير من لا يرى مالكا ولا متصرفا فى الوجود غير الله وايضا الاعمى هو النفوس لانها تتعلق بغير الله وتحب غيره والبصير القلوب لانها تتعلق بالله وتحبه فالاعمى من عمى بالحق وابصر بالباطل والبصير من ابصر بالحق وعمى بالباطل وايضا الاعمى من ابصر بظلمات الهوى والبصير من ابصر بانوار المولى {ام هل تستوى الظلمات والنور} هذا وارد على التشبيه ايضا فكما لا تستوى الظلمات والنور كذلك لا يستوى الشرك والانكار والتوحيد والمعرفة وعبر ذلك عن الشرك بصيغة الجمع لان انواع شرك النصارى وشرك اليهود وشرك عبدة الاوثان وشرك المجوس وغيرها بخلاف التوحيد. وفى التأويلات هل يستوى المستكن فى ظلمات الطبيعة والهوى ومن هو مستغرق فى بحر جمال المولى فالاول كالعمى اذ لا يقدر ان يرى الملكوت من ظلمات الملك والثانى كالبصير فكما ان المستغرق فى البحر والغائص فيه لا يرى غير الماء فكذا لا يرى اهل البصيرة سوى الله: قال المولى الجامى شعر : عاشق اندر ظاهر وباطن نه بيند غير دوست بيش اهل باطن اين معنى كه كفتم ظاهرست تفسير : {ام جعلوا لله شركاء} بل اجعلوا فأم منقطعة والهمزة للانكار بمعنى لم يكن. والمعنى بالفارسية [يا آيا كافران شاختند براى خداى انبازى كه] {خلقوا كخلقه} صفة شركاء داخلة فى حكم الانكار يعنى انهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين مثل خلق الله {فتشابه الخلق عليهم} حتى يتشابه ويلتبس عليهم خلق الله وخلقهم فيقولوا هؤلاء قدروا على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة كما استحقها ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه اقل خلق الله واذله واصغره واحقره فضلا على ان يقدروا على ما يقدر عليه الخالق {قل الله خالق كل شيء} من الاجسام والاعراض لا خالق غير الله فيشاركه فى العبادة جعل الخلق موجب العبادة ولازم استحقاقها ثم نفاه عمن سواه ليدل على قوله {وهو الواحد القهار} يحتمل ان يكون هذا القول داخلا تحت الامر بقل ويحتمل ان يكون استئنافا اخبارا منه تعالى بهذين الوصفين اى المتوحدين بالالوهية الغالب على كل شيء فما سواه مقهور مغلوب له ومن الاشياء آلهتهم فهو يغلبهم فكيف يتوهم ان يكونوا له اولياء وشركاء شعر : نرد خدمت جون بنا موضع بباخت شير سنكين را شقى شيرى شناخت تفسير : قال المولى الجامى شعر : مده بعشوة صورت عنان دل جامى كه هست دربس اين برده صورت آرايى تفسير : وفى التأويلات النجمية الواحد فى ذاته وصفاته القهار لمن دونه اى هو الواحد فى خلق الاشياء وقهرها لا شريك له فيه ولا فى المطلوبية والمحبوبية فالعارف لا يطلب غير الله ولا يرى فى مرآة الاشياء الا الله شعر : شهود يار در اغيار مشرب جاميست كدام غيركه لا شيء فى الوجود سواه تفسير : والآية اشارة الى انه تعالى خالق الخير والشر حديث : - روى - عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ اقبل ابو بكر وعمر فى جماعة من الناس فلما دنوا سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض القوم يا رسول الله قال ابو بكر الحسنات من الله والسيآت منا وقال عمر الحسنات والسيآت كلها من الله تعالى فتابع بعض القوم ابا بكر وبعض القوم عمر فقال عليه السلام "ما اقضى بينكما الا كما قال اسرافيل بين جبرائيل وميكائيل اما جبرائيل فقال مثل مقالتك يا عمر واما ميكائيل فقال مثل مقالتك يا ابا بكر فقال جبرائيل اذا اختلف اهل السماء اختلف اهل الارض فهلم نتحاكم الى اسرافيل فقصا عليه القصة فقضى بينهما ان القدر خيره وشره من الله تعالى" ثم قال النبى عليه السلام "فهذا قضائى بينكما" قال "يا ابا بكر لو شاء الله ان لا يعصى فى الارض لم يخلق ابليس"تفسير : : قال الحافظ شعر : دركار خانه عشق در كفرنا كزيرست آتش كرا بسوزد كربو لهب نباشد تفسير : نسأل الله التوفيق الى الخير والفلاح والرشاد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل} يا محمد للمشركين: {من ربُّ السماوات والأرض} أي: خالقهما، ومدبر أمرهما، {قل} لهم: هو {الله} لا خالق سواه، ولا مدبر غيره، أجاب عنهم بذلك، إذ لا جواب لهم سواه؛ لأنهم يقرون به، ولكنهم يشركون به، فأبطل ذلك بقوله: {قل أفاتخذتم من دونه أولياءَ}؛ أصناماً جامدة تتولونها بالمحبة والنصرة والدفع، وهم جوامد {لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً} أي: لا يقدرون أن يجلبوا لأنفسهم نفعاً، ولا يدفعون عنهم ضراً، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم ممن عبدهم، أو يدفعون عنه ضراً؟!. وهو دليل على ضلالهم وفساد رأيهم، في اتخاذهم الأصنامَ أولياء، وجاء أن يشفعوا لهم. {قل هل يستوي الأعمى والبصيرُ} أي: الكافر الجاهل، الذي عميت بصيرته بالجهل والشرك، والمؤمن الموحد الذي انفتحت بصيرته بالإيمان والعلم. أو المعبود الغافل عن عبادة من عبده، والعالم بأسرار عباده. {أم هل تستوي الظلماتُ والنور}؛ الكفر والإيمان، أو الجهل والعلم. {أم}: بل {جعلوا لله شركاءَ} من صفتهم، {خَلقوا كخلقه فتشابه}؛ التبس {الخلقُ عليهم} فلم يدروا ما خلق الله مما خلق أصنامُهم، وهذا كله داخل الإنكار. والمعنى: هل خلق شركاؤهم خلقاً كخلق الله، فالتبس الخلق عليهم، فلم يُميزوا خلق الله من خلق أصنامهم، حتى ظنوا أنها تستحق أن تُعبد مع الله، أو يُطلب منها حوائج دون الله؟!. ثم أبطل ذلك بقوله: {قل اللَّهُ خالقُ كل شيء}، قال البيضاوي: والمعنى أنهم ما اتخذوا له شركاء خالقين مثله حتى يتشابه الخلق عليهم، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق الله، واستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلاً عما يقدر عليه الخالق.هـ. {قل اللهُ خالق كل شيء}؛ لا خالق غيره فيشاركه في العبادة. جعل الخلق موجب الخلق مُوجَب العبادة، ولازم استحقاقها، ثم نفاه عما سواه؛ ليتحقق انفراده بالربوبية والقهرية كما أفاد قوله: {وهو الواحدُ} في الألوهية، {القهار} بتصريف أحكام الربوبية. هـ. الإشارة: إذا علِم العبدُ أن ربه قائم بأمر خلقه، مدبر لشأن ملكه، من عرشه إلى فرشه، جعل حوائجه كلها وقْفاً عليه، وانحاش بكليته إليه، ورفع همته عن خلقه، إذ ليس بيدهم ضر ولا نفع، ولا جلب ولا دفع، بل هم عاجزون عن إصلاح أنفسهم، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم؟! وفي الحكم العطائية: "لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك فيكف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعاً، من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه: فكيف يستطيع أن يكون لها من غيره رافعاً". وقال بعض العارفين من المُكَاشَفين ـ رضي الله عنهم ـ: قيل لي في نوم كاليقظة، أو يقظة كالنوم: لا تُبْديَنّ فاقة فأضَاعفها عليك، مكافأة لسوء أدبك، وخروجك عن حد عبوديتك. إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع بها إليَّ، وتتضرع بها لَديَّ، وتتوكل فيها عليَّ. سبكتك بالفاقة لتصير ذهباً خالصاً، فلا تزيفن بعد السبك، وَسَمْتُكَ بالفاقة وحكمت لنفسي بالغنى، فإن وصلتها بي وصلتك بالغنى، وإن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي، وحسمت أسبابك من أسبابي، طرداً لك عن بابي. فمن وكلتُه إليَّ ملك، ومن وكلته إليه هلك. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: آيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا آيس من نفع غيري لها، ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجو لنفسي؟. هـ. فالبصير من اعتمد في أموره على مولاه. والأعمى من ركن في حوائجه إلى سواه. فأنوار التفويض والتسليم لا تستوي مع ظلمات الشرك والتدبير. {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور}. بالله التوفيق. ثم ضرب لنور العلم مع ظلمات الجهل، فقال: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ...}

الطوسي

تفسير : آية في الكوفي وآيتان في البصري والمدنيين تمام الاولى "والنور". قرأ أهل الكوفة إلا حفصاً {أم هل يستوي} بالياء. الباقون بالتاء، من قرأ بالتاء فلانه مسند الى مؤنث لم يفصل بينه وبين فاعله بشيء كما قال {أية : قالت الأعراب}،تفسير : و {أية : قالت اليهود}تفسير : و {أية : وإذا قالت أمة}تفسير : وقد جاء في مثل ذلك التذكير، كقوله {أية : وقال نسوة}تفسير : ومن قرأ بالياء، فلانه تأنيث غير حقيقي والفعل مقدّم. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، يأمره بأن يقول لهؤلاء الكفار {من رب السماوات والأرض} أي من مدبرهما ومصرّفهما على ما فيهما من العجائب، فانهم لا يمكنهم أن يدّعوا أنَّ مدبر السماوات والارض الاصنام التي يعبدونها، فاذا لم يمكنهم ذلك، فقل لهم رب السماوات والارض وما بينهما من انواع الحيوان والنبات والجماد {الله} تعالى، فاذا أقروا بذلك فقل لهم على وجه التبكيت لهم والتوبيخ لفعلهم: أفاتّخذتم من دون الله اولياء توجهون عبادتكم اليهم؟! فالصورة صورة الاستفهام والمراد به التقريع والتوبيخ. ثم بين ان هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من الاصنام والاوثان لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ومن لا يملك لنفسه ذلك فانه بأن لا يملك لغيره اولى وأحرى، ومن كان كذلك كيف يستحق العبادة ثم قال لهم {هل يستوي الأعمى والبصير} ام هل يتساوى الأعمى عن طريق الحق والعادل عنه الى الضلال. والبصير الذي اهتدى الى الحق، فإنهما لا يتساويان ابداً، كما لا يتساوى الظلمات والنور. ثم قال هل جعلوا يعني هؤلاء الكفار لله شركاء في العبادة خلقوا أفعالاً مثل خلق الله، من خلق الأجسام والألوان والطعوم والاراجيح، والموت والحياة، والشهوة والنفار، وغير ذلك من الافعال التي مختص تعالى بالقدرة عليها فاشتبه ذلك عليهم، فظنوا انها تستحق العبادة، لان افعالها مثل افعال الله، فاذا لم يكن ذلك شبيهاً بل كان معلوماً لهم ان جميع ذلك ليست من جهة الاصنام، فقل لهم الله خالق كل شيء اي هو خالق جميع ذلك يعني ما تقدم من الأفعال التي يستحق بها العبادة. وقوله {وهو الواحد القهار} اي الخالق لذلك واحد لا ثاني له وهو الذي يقهر كل قادر سواه لا يقدر على امتناعه منه. ومن تعلق من المجبرة بقوله {قل الله خالق كل شيء} على ان أفعال العباد مخلوقة لله، فقد أبعد، لان المراد بذلك ما قدمناه من أنه تعالى خالق كل شيء يستحق بخلقه العبادة دون ما لا يستحق به ذلك. ولو كان المراد ما قالوه لكان فيه حجة للخلق على الله تعالى وبطل التوبيخ الذي تضمنته الآية الى من وجه عبادته الى الاصنام، لانه إذا كان الخالق لعبادتهم الاصنام هو الله على قول المجبرة فلا توبيخ يتوجه على الكفار، ولا لوم يلحقهم بل لهم ان يقولوا: إِنك خلقت فينا ذلك فما ذنبنا فيه ولم توبخنا على فعل فعلته؟ فتبطل حينئذ فائدة الآية. على أنه تعالى إِنما نفى ان يكون أحد يخلق مثل خلقه، ونحن لا نقول إِن احداً يخلق مثل خلق الله، لان خلق الله اختراع مبتدع، وافعال غيره مفعولة في محل القدرة عليه مباشراً او متولداً في غيره بسبب حال في محل القدرة ولا يقدر أحدنا على اختراع الافعال في غيره على وجه من الوجوه، ولان احدنا يفعل ما يجرّ به نفعاً او يدفع به ضرراً، والله تعالى لا يفعل لذلك فبان الفرق بين خلقنا وخلقه. ولان احدنا يفعل بقدرة محدثة. يفعلها الله فيه والله تعالى يفعل، لانه قادر لنفسه. وايضاً فان ه هنا اجناساً لا نقدر عليها، وهو تعالى قادر على جميع الاجناس، ونحن لا نقدر ان نفعل بقدرة واحدة في وقت واحد في محل واحد من جنس واحد اكثر من جزء واحد، والله تعالى يقدر ان يفعل ما لا نهاية له فبان الفرق بيننا وبينه من هذه الوجوه.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ} اجب عنهم بذلك لانّه لا جواب لهم سواه {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} تقريعاً وتوبيخاً لهم على ذلك بعد الاعتراف بربوبيّته لهما {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} فكيف بغيرهم من امثالهم فضلاً عن تربية السّماوات والارض اللّتين لا يصلون اليهما ولا يحيطون بهما ولا بعلمها {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ} الّذى لا يبصر طريق ضرّه ولا نفعه {وَٱلْبَصِيرُ} الّذى يبصر غيره ويحيط بضرّه ونفعه ويتصرّف فيه كيف يشاء او هل يستوى الاعمى الّذى لا يفرّق بين من لا يضرّ ولا ينفع ومن يضرّ وينفع كالمشرك والبصير الّذى يبصر ذلك ويفرّق كالمؤمن {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ} كالكفر {وَٱلنُّورُ} كالايمان {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} صفة لشركاء {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} ولتشابه خلقهم وخلق الله حكموا باستحقاق عبادتهم والحال انّهم اتّخذوا شركاء عاجزين غير قادرين على ما قدروا بانفسهم عليه {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فهم مخلوقون فضلاً عن كونهم خالقين {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ} الّذى لا يبقى معه شيءٌ فى الوجود فلا وجود لشيءٍ سواه فضلاً عن الخالقيّة وغيرها من الاوصاف {ٱلْقَهَّارُ} الّذى كلّ شيءٍ فانٍ تحت وجوده مضمحلّ لا انانيّة له.

الهواري

تفسير : قوله: { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ} هو مثل قوله: (أية : قُلْ مَن رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)تفسير : [المؤمنون:86-87] قال الله: فإذا أقروا بذلك اي: أنه الله فـ { قُلَ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} وهو على الاستفهام. { لاَ يَمْلِكُونَ لأِنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} ولا تغني عنهم أوثانهم التي يعبدون من دون الله. وهذا استفهام على معرفة. أي: قد فعلتم. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ} وهذا مثل الكافر والمؤمن؛ الكافر أعمى عن الهدى، والمؤمن أبصر الإِيمان. { أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} على الاستفهام، أي: إن ذلك لا يستوي. {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ} يقول: هل يدَّعون أن تلك الأوثان خلقت مع الله شيئاً، فلم يدروا أي الخالقين يعبدون؟ هل رأوا ذلك. وهل يستطيعون أن يحتجوا به على الله يوم القيامة؟ أي: إنهم لا يدّعون ذلك، وإنهم يعرفون أن الله خالق كل شيء، فكيف يعبدون هذه الأوثان من دون الله. وهذا تفسير الحسن. ثم قال الله: { قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ}. وقال مجاهد: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ} فحملهم ذلك على أن شكّوا في الأوثان، فاتخذوهم آلهة. قوله: { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الكبير بقدره، والصغير بقدره { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} أي: عالياً، يعني الزبد الذي قد ربا فوق الماء. { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} هذه ثلاثة أمثال في مثل واحد ضربها الله للمؤمن والكافر. فأما قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} فإنه يعني الذهب والفضة إذا أذيبا، فعلا خبثهما، وهو الزبد، فخلص خالصهما تحت ذلك الزبد. {أَوْ مَتَاعٍ} أي: وابتغاء متاع، ما يستمتع به، زبد مثله، أي: مثل زبد الماء. والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والنحاس والرصاص إذا صُفِّيَ ذلك أيضاً فخلص خالصه وعلا خبثه، وهو زبده. قال الله: { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ}. قال: { فَأَمَّا الزَّبَدُ} زبد الماء وزبد الحلي وزبد الحديد والنحاس والرصاص { فَيَذْهَبُ جُفَاءً} أي: باطلاً لا ينتفع به، وهذا مثل عمل الكافر لا ينتفع به في الآخرة {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} أي: فينتفع بالماء، فينبت عليه الزرع والمرعى، فينتفع به. وينتفع بذلك الحلي والمتاع الخالص من الصفر والحديد والرصاص. فهذا عمل المؤمن يبقى ثوابه في الآخرة. قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثالَ}. ثم فسّر تلك الأمثال فقال: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ} أي: آمنوا بربهم { الحُسْنَى} أي: الجنة. {وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} أي: الكفار {لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : يقال للكافر يوم القيامة: لو أن لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقال له: كذبت. قد سئلت ما هو أهون من ذلك تفسير : قال: { أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ} أي: لافتدوا به من سوء الحساب؛ يؤخذون بسيئاتهم، وتحبط حسناتهم؛ أي: قد استوفوها في الدنيا، فلهم سوء الحساب في الآخرة. وسوء الحساب شدته. وحسابهم أن يصيروا إلى النار. { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: ومنزلتهم جهنم { وَبِئْسَ المِهَادُ} أي: وبئس الفراش. والمهاد والفراش والقرار واحد. مثل قوله: (أية : جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً)تفسير : [البقرة:22] ومهاداً وبساطاً وقراراً.

اطفيش

تفسير : {قلْ} يا محمد لكفار قومك {مَنْ ربُّ السَّماوات والأرضِ} مالكهما ومدبرهما {قُلِ الله} أى ربهما الله، لما لم يكن لهم بد من هذا الجواب أمره أن يذكره لأنه ظاهر لا يمكن أن يجادلوا فيه فلا يترقب أن يذكروه لعدم الحاجة إلى انتظاره أن يذكروه، مع أن الثابت فى قلوبهم وألسنتهم يذكرونه قبل وبعد. وإن قلت: فما فائدة الأمر بالسؤال والأمر بالجواب أعنى قوله: {قل الله}؟ قلت: فائدته استحاضر ما هو الواقع فى نفس من أنه لا رب سواه للتأكيد، وليرتب عليه، واستبشاع اتخاذ أولياء من دونه، غيره ما لكين ضرا ولا نفعا، أو المراد قل: الله إذا قالوا: الله، كما تذكر جواب المجيب تثبيتا واستيثاقا، لتتمكن من الرد عليه فضل تمكن، أو المراد قل لهم: الله إن سكنوا عنادا واستكبارا، عما ترد عليهم، فإنه لا جواب لهم سوى ذلك، فربما يذكرونه إذا ذكرته. وقيل: لما قال لهم: من رب السماوات والأرض؟ قالوا: أجب أنت، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بأن ربهم الله، وأمره أن يلزمهم الحجة بقوله: {قل} لهم {أفاتَّخذتُم مِن دُونهِ} أى من دون الله {أولياءَ} أنصار وهم الأوثان، وإنما سماها أنصارا على زعمهم، والعطف على محذوف أى أعلمتم أن ربهم الله فاتخذتم من دونه أولياء. {لا يمْلِكُون} عبر عن الأوثاء بما يعبر به عن العقلاء، لوصفهم لها بوصف العقلاء وهو النصر {لأنفسهم نفعاً ولا ضَرّاً} أى ولا دفع ضر، فضلا عن أن ينفعوا غيرهم أو يضروه، وهذا دليل ثانٍ على فساد رأيهم، وعلى ضلالهم إذا استنصروا من لا ينصر نفسه، ولا نفعها ولا يدفع عنها ضرّاً، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم، وهذا أمر مستبشع غاية الاستبشاع،وذلك قرن الكلام بهمزة الاستفهام التوبيخى الدال على أن العقل يكر ذلك، والدليل الأول هو قوله:{أية : وهو شديد المحال له دعوة الحق}. تفسير : ثم ضرب الله مثلا بقوله: {قلْ هَلْ يسْتَوى} توبيخ على ادعاء الاستواء وانكارا لصحته كالاستفهام المذكور {الأعْمى} المشرك الجاهل بحقيقة العبادة وبمن يستحقها، بم تستحق {والبَصيرُ} الموحد العالم بذلك كله، هذا تفسير ابن عباس بزيادة عليه، شبه المشرك بالأعمى فى كونه لا يهتدى إلى مصالحه، ولا يستطيع التحرز عن المهالك، والموحد بالبصير المهتدى لذلك المتحزر عما يهلكه، ويجوز أن يراد بالأعمى الصنم، فإنه لا يهتدى لذلك ولا يتحرز عما يهلكه، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم شيئا من عبادتهم إياه ولا غيرها، ولا يحيى ولا يرزق، ولا يعاقب ولا يثيب، ولا يخلق، وبالبصير الله، فإنه الغنى عن سواه، المحتاج إليه من عداه، الخالق الرازق، المعاقب المثيب، العالم بالأوقال والأفعال والأحوال. {أمْ} بمعنى بل التى للانتقال {هَلْ تَسْتوى} وقرأ حمزة، والكسائى، وأبو بكر بالمثناة التحتية {الظُّلماتُ} أراد الشرك {والنورُ} يعنى الإيمان، شبه الشرك بالظلمة فى عدم الاهتداء عن الهلاك إلى المصالح، والإيمان بالنور فى الاهتداء عنه إليها، ويجوز أن يراد بالأعمى والبصير من لا عين له باصرة، ومن هو باصر، فإنهما لا يستويان، فكذلك لا يستوى المشرك والموحد، وبالظلمات والنور ظاهرهما أيضا، فإنهما لا يستويان، فكذلك لا يستوى الشرك والإيمان. {أم} بمعنى بل التى للانتقال، والهمزة التى للإنكار، أى بل {جَعلُوا لله شركاء خَلقُوا كخلْقهِ} أى خلقوا مخلوقات كمخلوقات الله تعالى، فالخلق بمعنى المخلوق، وجملة خلقوا نعت لشركاء داخل فى حكم الإنكار الذى أفادته أم، أى لا شريك له فضلا عن أن يخلق ذلك الشريك شيئا، أو يتسلط الإنكار على النعت فقط، أى لا يصح لمن جعلوه شريكا أن يخلق شيئا، فإنما جعلوا شريكا لا يخلق. {فَتشَابه الخلْقُ} أى مخلوقات الله ومخلوقات الشركاء، أى اجعلوا لله شركاء خالقين الله، حتى إنه يتشابه خلقهم بخلقه، ويقولون: إنهم مستحقون للعبادة كما استحقها الله تعالى، أى ليس الأمر كذلك، حتى إنه يكون خلقهم مخلوقات سببا للتشابه، ونفى الخلق عمن سواه بقوله: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شىءٍ} ليدل على الوحدة والقهر المذكورين فى قوله:{وهُو الواحدُ} المتوحد بالألوهية {القهَّارُ} لمخلوقاته، الغالب لها، حتى لا يخرج شئ عما أرادوا. وإن قلت: من أين استفيد نفى الخلق عمن سواه فى قوله: {الله خالق كل شىء}؟ قلت: من العموم، لإنه إذا كان كل شئ مخلوقا لله لم يبق شئ يكون مخلوقا لغيره، فكأنه قال: لا خالق غيره، فضلا عن أن يشاركه فى العبادة التى هى إنما يستحقها من يقدر على أن يخلق، ومراده بكل شئ ما يصح أن يكون مخلوقا، فلا يدخل فى ذلك واجب الوجود، ولا أسماؤه ولا صفاته، فإنهن هو، وهو قديم لا حادث اتفاقا، وأيضا المتكلم لا يدخل فى عموم كلامه عند كثير من لأصوليين، أو عند الأكثرين منهم، ثم ضرب الله آخر للحق وأهله، والباطل وأهله، يتضمن التمثيل بشيئين: الماء وما يوقد عليه فى النار بقوله: {أنزلَ منَ السَّماء ماءٍ...}

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد لقومك {مَنْ رَّبُّ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ} مالكهما القائِم بوجودهما وإِبقائِهما وأَحوالهما {قُلْ اللهُ} الله ربهما،أَو ربهما الله لا يجدون جوابا غيره، أَجابوا به أَو سكتوا عنادا لظهوره فهو صلى الله عليه وسلم والخصم فى تقريره سواءٌ، أَو قل لهم ذلك تلقينا لأَن يقوله جاحد أَو ساكت عارف، والأَمر ظاهر حتى كأَنهم قالوا بعد السؤال فحكاه، وذلك تحريض لهم على الجواب، والاستفهام للتقرير {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّنْ دُونِهِ} أَظهرت لكم دلائِل وحدانيته فاتخذتم بعد ظهورها، أَو الهمزة مما بعد الفاءِ، والاستفهام إِنكار للياقة الاتخاذ، فإِنه منكر بعيد عن العقل {أَوْلِيَاءَ} آلهة تتولونها بالعبادة والدعاءِ، أَو تتولى نصركم على زعمكم وتنفعكم وتشفع لكم فى نظركم الخاسر {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعا وَلاَ ضَرَّا} فكيف تطمعون أَن تنفعكم بنصر أَو رزق أَو شفاعة، وصيغة الذكور العقلاءَ لأَنهم يعتقدون فيها ما يعتقد فى الذكر العاقل {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى} فى التعظيم {الأَعْمَى} أَى الجاهل فإِنه فى وقوعه فى المضار كفاقد بصر لم يتبع بصيراً {وَالْبَصِيرُ} العالم بمصالحه لا يستويان، بل لاحظ فى التعظيم للجاهل، فكذلك الجاهل بالتوحيد والعبادة والعالم به المعتقد له العامل، أَو لا تستوى الأَصنام الغافلة عمن يعبدها ولا إِدراك لها، والعالم بكل شىءٍ المستحق للعبادة، أَو الأَعمى المشرك والبصير الموحد، أَو ذلك تمثيل أَو استعارة، ومرادنا بالغفلة عدم الشعور، فصح إِسنادها إِلى غير الحيى، وإِِنما لم تعطف هذه الجملة لأَنها استئْناف بيانى كأَنه صلى الله عليه وسلم: قال: أَى شىءٍ أَقول فى تصوير اتخاذهم القبيح بالصورة المحسوسة فقال: قل هل يستوى الأَعمى والبصير {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} لا يستويان، فإِن من فى الظلمات لا يهتدى لمصالحه، ولا ينجو من الهلاك بخلاف من فى النور فكذلك الجاهل والمشرك يهلكان، والموحد المطيع ينجو ويفوز، وجمع الظلمة لكثرة أَنواع الشرك كاليهودية والنصرانية والصابئة والمجوسية والوثنية والثنوية والدهرية، وأَنواع الفسق بخلاف التوحيد والعمل بمقتضاه، ووجود هل بعد أَم هنا دليل على أَن أَم منقطعة تقدر بلفظ بل لا ببل وإِلا اجتمع هنا هل والهمزة الاستفهاميتان، وقد يجاب بأَن هل هنا بمعنى قد كما قال به بعض فى قوله تعالى: "أية : هل أَتى على الإِنسان" تفسير : [الإنسان: 1] وقد يقال: إِنها تقدر ببل والهمزة إِذا لم تكن هل {أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} بل أَجعلوا لله شركاءَ فى الأَلوهية وإيجاد المعدومات فالتبس عنهم ما خلق الله وما خلق شركاؤهم ولم يتميز واحد من آخر كما قال {فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَليْهِمْ} فعبدوها والله لم يكن ذاك ولم يتوهموه لأَنهم أَقروا أَن آلهتهم لا تخلق شيئاً، وأَن الخالق الله وحده - عز وجل - فكيف يعبدونها معه، وهى لا تتصف بصفاته ولا تفعل أَفعاله، بل لا تفعل أَفعال الحيوانات، والاستفهام فى هذه المواضع للإِنكار {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ} الجواهر والأَعراض لا شىءَ سواه يخلق كما يخلق فيعبد كما يعبد لا ثانى له فى الخالقية والأُلوهية {وَهُوَ الْوَاحِدُ} فى ذاته وأَفعاله وصفاته، فهو المتوحد بأَن يعبد {الْقَهَّارُ} لعباده فى غير أَفعالهم التى يختارونها واكتسبوها، والجملة من كلام الله، أَو من مقول القول.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} تحقيق كما قال بعض المحققين لأن خالقهما ومتولي أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله تعالى، وقيل: إنه سبحانه بعد أن ذكر انقياد المظروف لمشيئته تعالى ذكر ما هو كالحجة على ذلك من كونه جل وعلا خالق هذا الظرف العظيم الذي يبهر العقول ومدبره أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دونه أولياء من رب هذه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية؟ {قُلِ ٱللَّهُ } أمر صلى الله عليه وسلم بالجواب إشعاراً بأنه متعين للجوابية فهو عليه الصلاة والسلام والخصم في تقريره سواء، ويجوز أن يكون ذلك تلقيناً للجواب ليبين لهم ما هم عليه من مخالفتهم لما علموه، وقيل: إنه حكاية لاعترافهم والسياق يأباه. وقال مكي: إنهم جهلوا الجواب فطلبوه من جهته صلى الله عليه وسلم فأمر بإعلامهم به، ويبعده أنه تعالى قد أخبر بعلمهم في قوله سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] وحينئذٍ كيف يقال: إنهم جعلوا الجواب فطلبوه؟ نعم قال البغوي: روي أنه لما قال صلى الله عليه وسلم ذلك للمشركين عطفوا عليه فقالوا: أجب أنت فأمره الله تعالى بالجواب، وهو بفرض صحته لا يدل على جهلهم كما لا يخفى. {قُلْ } الزاماً لهم وتبكيتاً {أَفَٱتَّخَذْتُمْ } لأنفسكم {مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} عاجزين {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ } وهي أعز عليهم/ منكم {نَفْعاً } يستجلبونه {وَلاَ ضَرّا} يدفعونه عنها فضلاً عن القدرة على جلب النفع للغير ودفع الضرر عنه، والهمزة للإنكار، والمراد بعد أن علمتموه رب السمٰوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء في غاية العجز عن نفعكم فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم سبب الإشراك، فالفاء عاطفة للتسبب والتفريع دخلت الهمزة عليه لأن المنكر الاتخاذ بعد العلم لا العلم ولا هما معاً، ووصف الأولياء بما ذكر مما يقوي الإنكار ويؤكده، ويفهم ـ على ما قيل ـ من كلام البعض أن هذا دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن ينفعوهم، واختلف في الدليل الأول فقيل: هو ما يفهم من قوله تعالى: {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } وقيل: هو ما يفهم من قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } تفسير : [الرعد: 14] الخ فتدبر. {قُلْ} تصويراً لآرائهم الركيكة بصورة المحسوس {هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ} الذي هو المشرك الجاهل بالعبادة ومستحقها {وَٱلْبَصِيرُ } الذي هو الموحد العالم بذلك وإلى هذا ذهب مجاهد، وفي الكلام عليه استعارة تصريحية، وكذا على ما قيل: إن المراد بالأول الجاهل بمثل هذه الحجة وبالثاني العالم بها، وقيل: إن الكلام على التشبيه والمراد لا يستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الأعمى والبصير فلا مجاز. ومن الناس من فسر الأول بالمعبود الغافل والثاني بالمعبود العالم بكل شيء وفيه بعد {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ} التي هي عبارة عن الكفر والضلال { وَٱلنّور} الذي هو عبارة عن الإيمان والتوحيد وروي ذلك عن مجاهد أيضاً، وجمع الظلمات لتعدد أنواع الكفر ككفر النصارى وكفر المجوس وكفر غيرهم، وكون الكفر كله ملة واحدة أمر آخر. و {أَمْ } كما في «البحر» منقطعة وتقدر ـ ببل ـ والهمزة على المختار، والتقدير بل أهل تستوي، وهل وإن نابت عن الهمزة في كثير من المواضع فقد جامعتها أيضاً كما في قوله:شعر : أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم تفسير : وإذا جامعتها مع التصريح بها فلأن تجامعها مع أم المتضمنة لها أولى، ويجوز فيها بعد {أَمْ } هذه أن يؤتى بها لشبهها بالأدوات الاسمية التي للاستفهام في عدم الأصالة فيه كما في قوله تعالى: {أية : أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ } تفسير : [يونس: 31] ويجوز أن لا يؤتى بها لأن {أَمْ } متضمنة للاستفهام، وقد جاء الأمران في قوله:شعر : هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته أثر الأحبة يوم البين مشكوم تفسير : وقرأ الإخوان وأبو بكر {أم هل يستوي} بالباء التحتية. ثم إنه تعالى أكد ما اقتضاه الكلام السابق من تخطئة المشركين فقال سبحانه: {أَمْ جَعَلُواْ } أي بل أجعلوا {لِلَّهِ } جل وعلا {شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } سبحانه وتعالى، والهمزة لإنكار الوقوع وليس المنكر هو الجعل لأنه واقع منهم وإنما هو الخلق كخلقه تعالى، والمعنى أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء خلقوا كخلقه {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } بسبب ذلك وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلق الله تعالى واستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً عما يقدر عليه الخالق، والمقصود بالإنكار والنفي هو القيد والمقيد على ما نص عليه غير واحد من المحققين. وفي "الانتصاف" أن {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } في سياق الإنكار جىء به للتهكم فإن غير الله تعالى لا يخلق شيئاً لا مساوياً ولا منحطاً وقد كان يكفي في الإنكار لولا ذلك أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق. وتعقبه الطيبـي بأن إثبات التهكم تكلف فإنه ذكر الشيء وإرادة نقيضه استحقاراً للمخاطب كما في قوله تعالى: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] وهٰهنا {كَخَلْقِهِ } جيء به مبالغة في إثبات العجز لآلهتهم على سبيل الاستدراج وارخاء العنان، فإنه تعالى لما أنكر عليهم أولاً اتخاذهم من دونه شركاء ووصفها بأنها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً فكيف تملك ذلك لغيرها أنكر عليهم ثانياً على سبيل التدرج وصف الخلق أيضاً، يعني هب أن أولئك الشركاء قادرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم فهل يقدرون على أن يخلقوا شيئاً، وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء فهل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السمٰوات والأرض ا هـ. والحق أن الآية ناعية عليهم متهكمة بهم فإن من لا يملك لنفسه شيئاً من النفع والضر أبعد من أن يفيدهم ذلك، وكيف يتوهم فيه أنه خالق وأن يشتبه على ذي عقل فينبه على نفيه، وهذا المقدار يكفي في الغرض فافهم. {قُل} تحقيقاً للحق وارشاداً لهم {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء} من الجواهر والأعراض، ويلزم هذا أن لا خالق سواه لئلا يلزم التوارد وهو المقصود ليدل على المراد وهو نفي استحقاق غيره تعالى للعبادة والألوهية أي لا خالق سواه فيشاركه في ذلك الاستحقاق. وبعموم الآية استدل أهل السنة على أن افعال العباد مخلوقة له تعالى، والمعتزلة تزعم التخصيص بغير أفعالهم. ومن الناس من يحتج أيضاً لما ذهب إليه أهل الحق بالآية الأولى وهو كما ترى {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ } المتوحد بالألوهية المنفرد بالربوبية {ٱلْقَهَّارُ } الغالب على كل ما سواه ومن جملة ذلك آلهتهم فيكف يكون المغلوب شريكاً له تعالى، وهذا على ما قيل كالنتيجة لما قبله، وهو يحتمل أن يكون من مقول القول وأن يكون جملة مستأنفة.

ابن عاشور

تفسير : {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا} لما نهضت الأدلة الصريحة بمظاهر الموجودات المتنوعة على انفراده بالإلهية من قوله: { أية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها } تفسير : [سورة الرعد: 2] وقوله: { أية : وهو الذي مدّ الأرض } تفسير : [سورة الرعد: 3] وقوله: { أية : الله يعلم ما تحمل كل أنثى } تفسير : [سورة الرعد: 8] وقوله: { أية : هو الذي يريكم البرق } تفسير : [سورة الرعد: 12] الآيات، وبما فيها من دلالة رمزية دقيقة من قوله: { أية : له دعوة الحق } تفسير : [سورة الرعد: 14] وقوله: {أية : ولله يسجد من في السماوات} تفسير : [سورة الرعد: 15] إلى آخرها لا جرم تهيّأ المقام لتقرير المشركين تقريراً لا يجدون معه عن الإقرار مندوحة، ثم لتقريعهم على الإشراك تقريعاً لا يسعهم إلاّ تجرّع مرارته، لذلك استؤنف الكلام وافتتح بالأمر بالقول تنويهاً بوضوح الحجة. ولكون الاستفهام غير حقيقي جاء جوابه من قِبَل المستفِهم. وهذا كثير في القرآن وهو من بديع أساليبه، كقوله: { أية : عم يتساءلون عن النبأ العظيم } تفسير : [سورة النبأ: 1 - 2]. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة } تفسير : في سورة الأنعام (12). وإعادة فعل الأمر بالقول في {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} الذي هو تفريع على الإقرار بأن الله ربّ السماوات والأرض لقصد الاهتمام بذلك التفريع لما فيه من الحجة الواضحة. فالاستفهام تقرير وتوبيخ وتسفيه لرأيهم بناءً على الإقرار المسلّم. وفيه استدلال آخر على عدم أهلية أصنامهم للإلهية فإن اتخاذهم أولياء من دونه معلوم لا يحتاج إلى الاستفهام عنه. وجملة {لا يملكون} صفة لــــ {أولياء}، والمقصود منها تنبيه السامعين للنظر في تلك الصفة فإنهم إن تدبروا علموها وعلموا أن من كانت تلك صفته فليس بأهل لأن يعبد. ومعنى الملك هنا القدرة كما في قوله تعالى: { أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً } تفسير : في سورة العقود (76). وفي الحديث: حديث : أوَ أمْلِك لك أنْ نزع الله من قلبك الرحمةتفسير : . وعطف الضر على النفع استقصاء في عجزهم لأن شأن الضرّ أنه أقرب للاستطاعة وأسهل. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ} إعادة الأمر بالقول للاهتمام الخاصّ بهذا الكلام لأن ما قبله إبطال لاستحقاق آلهتهم العبادة. وهذا إظهار لمزية المؤمنين بالله على أهل الشرك، ذلك أن قوله: {قل من رب السماوات والأرض قل الله} تضمّن أن الرسول ــــ عليه السلام ــــ دعا إلى إفراد الله بالربوبية وأن المخاطبين أثبتوا الربوبية للأصنام فكان حالهم وحاله كحال الأعمى والبصير وحال الظلمات والنور. ونفي التسوية بين الحالين يتضمن تشبيهاً بالحالين وهذا من صيغ التشبيه البليغ. و{أم} للإضراب الانتقالي في التشبيه. فهي لتشبيه آخر بمنزلة {أو} في قول لبيد: شعر : أوْ رَجْعُ واشمة أسف نؤورها تفسير : وقوله تعالى: {أو كصيب من السماء}. وأظهر حرف {هل} بعد {أم} لأن فيه إفادة تحقيق الاستفهام. وذلك ليس مما تغني فيه دلالة {أم} على أصل الاستفهام ولذلك لا تظهر الهمزة بعد {أم} اكتفاء بدلالة {أم} على تقدير استفهام. وجمع الظلمات وإفراد النور تقدم عند قوله تعالى: { أية : وجعل الظلمات والنور } تفسير : في أول سورة الأنعام (1). واختير التشبيه في المتقابلات العَمَى والبصر، والظلمة والنور، لتمام المناسبة لأن حال المشركين أصحاب العمى كحال الظلمة في انعدام إدراك المبصرات، وحال المؤمنين كحال البصر في العلم وكحال النور في الإفاضة والإرشاد. وقرأ الجمهور {تستوى الظلمات} بفوقية في أوله مراعاة لتأنيث الظلمات. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف ــــ بتحتية في أوله وذلك وجه في الجمع غير المذكر السالم. {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} {أم} للإضراب الانتقالي في الاستفهام مقابل قوله: {أفأتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً}، فالكلام بعد (أم) استفهام حذفت أداته لدلالة (أم) عليها. والتقدير؛ {أم جعلوا لله شركاء}. والتُفت عن الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عنهم لما مضى من ذكر ضلالهم. والاستفهام مستعمل في التهكم والتغليط. فالمعنى: لو جعلوا لله شركاء يخلقون كما يَخلق الله لكانت لهم شبهة في الاغترار واتخاذهم آلهة، أي فلا عذر لهم في عبادتهم، فجملة {خلقوا} صفة لــــ {شركاء}. وشِبْه جملة {كخلقه} في معنى المفعول المطلق، أي خلقوا خلقاً مثل مَا خلق الله. والخلق في الموضعين مصدر. وجملة {فتشابه} عطف على جملة {خلقوا كخلقه} فهي صفة ثانية لــــ {شركاء}، والرابط اللام في قوله: {الخلق} لأنها عوض عن الضمير المضاف إليه. والتقدير: فتشابه خلقهم عليهم. والوصفان هما مصب التهكم والتغليط. وجملة {قل الله خالق كل شيء} فذلكة لما تقدم ونتيجة له، فإنه لما جاء الاستفهام التوبيخي في {أفاتخذتم من دونه أولياء} [سورة الرعد: 16] وفي {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} كان بحيث ينتج أن أولئك الذين اتخذوهم شركاء لله والذين تبين قصورهم عن أن يملكوا لأنفسهم نفعاً أو ضراً، وأنهم لا يخلقون كخلق الله إن هم إلا مخلوقات لله تعالى، وأن الله خالق كل شيء، وما أولئك الأصنام إلا أشياء داخلة في عموم {كل شيء}؛ وأن الله هو المتوحد بالخلق، القهّار لكل شيء دونه. ولتعين موضوع الوحدة ومتعلق القهر حذف متعلقهما. والتقدير: الواحد بالخلق القهّار للموجودات. والقهر: الغلبة، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وهو القاهر فوق عباده } تفسير : في سورة الأنعام (18).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّار}. أشار تعالى: في هذه الآية الكريمة إلى أنه هو المستحق لأن يعبد وحده لأنه هو الخالق ولا يستحق من الخلق أن يعبدوه إلا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود لأن المقصود من قوله {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 16] إنكار ذلك وأنه هو الخالق وحده بدليل قوله بعده {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي خالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده ويبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] الآية وقوله : {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [الفرقان: 3] الآية وقوله {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الأعراف: 191] وقوله {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} تفسير : [لقمان: 11] إلى غير ذلك من الآيات لأن المخلوق محتاج إلى خالقه فهو عبد مربوب مثلك يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده كما يجب عليك ذلك فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له:

الواحدي

تفسير : {قل} يا محمد للمشركين: {من ربُّ السموات والأرض}؟ ثمَّ أخبرهم فقل: {الله} لأنَّهم لا ينكرون ذلك، ثمَّ ألزمْهم الحجَّة فقلْ: {أفاتخذتم من دونه أولياء} تولَّيتم غير ربِّ السَّماء والأرض أصناماً {لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرَّاً} ثمَّ ضرب مثلاً للذي يعبدها والذي يعبد الله سبحانه، فقال: {قل هل يستوي الأعمى} المشرك {والبصير} المؤمن {أم هل تستوي الظلمات} الشِّرك {والنور} الإِيمان {أم جعلوا لله شركاء.. } الآية. يعني: أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله، فتشابه خلق الشُّركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ، أَيْ: ليس الأمرُ على هذا حتى يشتبه الأمر، بل الله سبحانه هو المتفرِّد بالخلق، وهو قوله: {قل الله خالق كلِّ شيء}. {أنزل من السماء ماءً} يعني: المطر {فسالت أودية} جمع وادٍ {بقدرها} بقدر ما يملأها. أراد بالماء القرآن، وبالأودية القلوب، والمعنى: أنزل قرآناً فقبلته القلوب بأقدارها منها ما رُزق الكثير، ومنها ما رُزق القليل، ومنها ما لم يُرزق شيئاً {فاحتمل السيل زبداً} وهو ما يعلو الماء {رابياً} عالياً فوقه، والزَّبَد مَثلُ الكفر. يريد: إنَّ الباطل - وإنْ ظهر على الحقِّ في بعض الأحوال - فإنَّ الله سيمحقه ويُبطله، ويجعل العاقبة للحقِّ وأهله، وهو معنى قوله: {فأمَّا الزبد فيذهب جفاء} وهو ما رمى به الوادي {وأمَّا ما ينفع الناس} ممَّا ينبت المرعى {فيمكث} يبقى {في الأرض} ثمَّ ضرب مثلاً آخر، وهو قوله: {وممَّا يوقدون عليه في النَّار} يعني: جواهر الأرض من الذَّهب والفضَّة والنُّحاس وغيرها ممَّا يدخل النَّار، فتوقد عليها وتتخذ منها الحُلِيُّ، وهو الذَّهب والفضَّة، والأمتعة وهي للأواني، يعني: النُّحاس والرَّصاص وغيرهما، وهذا معنى قوله: {ابتغاء حلية أو متاعٍ زبدٌ مثله} أَيْ: مثل زبد الماء. يريد: إنَّ من هذه الجواهر بعضها خبث ينفيه الكير. {كذلك} كما ذُكر من هذه الأشياء {يضرب الله} مثل الحقِّ والباطل، وهذه الآية فيها تقديمٌ وتأخير في اللَّفظ، والمعنى ما أخبرتك به. {للذين استجابوا لربهم} أجابوه لى ما دعاهم إليه {الحسنى} الجنَّة {والذين لم يستجيبوا له} وهم الكفَّار {لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به} جعلوه فداء أنفسهم من العذاب {أولئك لهم سوء الحساب} وهو أن لا تُقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز عن سيئة. {أفمن يعلم أنَّ ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} نزلت في أبي جهل لعنه الله، وحمزة رضي الله عنه {إنما يتذكر} يتَّعظ ويرتدع عن المعاصي {أولوا الألباب} يعني: المهاجرين والأنصار. {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} يعني: العهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم. {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} وهو الإِيمان بجميع الرُّسل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 16- أمر الله نبيه أن يجادل المشركين هادياً مبيناً، فقال له: قل لهم - أيها النبى -: مَنْ الذى خلق السموات والأرض، وهو الحافظ لهما، والمسير لما فيهما؟ ثم بين لهم الجواب الصحيح الذى لا يحارون فيه، فقل لهم: هو الله المعبود بحق دون سواه، فكان حقا عليكم أن تعبدوه - وحده - ثم قل لهم: أفترون الأدلة المثبتة لإنشائه - وحده - كل شئ. وتتخذون مع ذلك أوثاناً تعتبرونها آلهة من غير أن تقروا بوحدانيته، وهذه الأوثان لا تملك لذاتها نفعاً ولا ضراً، فكيف تسوونها بالخالق المدبر، إنكم تسوون بين الخالق لكل شئ ومن لا يملك شيئاً! فكنتم كمن يسوى بين المتضادين، فهل يستوى من يبصر ومن لا يبصر؟ وهل تستوى الظلمة المتكاثفة الحالكة والنور المبين؟ أيسوغون تلك التسوية؟ أم ذهب بهم فرط ضلالهم إلى زعم أن أوثانهم شركاء له فى الخلق والتدبير، فتشابه عليهم أمر الخلق، كما ضلوا العبادة، قل لهم، أيها النبى: الله - وحده - هو الخالق لكل ما فى الوجود، وهو المتفرد بالخلق والعبادة، الغالب على كل شئ. 17- وأن نعمه تعالى مرئية لكم، وأصنامكم لا تأثير لها فى هذه النعم، فهو الذى أنزل عليكم الأمطار من السحاب، فتسيل بها الأنهار والوديان كل بالمقدار الذى قدره الله تعالى لإنبات الزرع، وإثمار الشجر. والأنهار فى جريانها تحمل ما لا نفع فيه ويعلو على سطحها، فيكون فيها ما فيه نفع فيبقى، وما لا نفع فيه يذهب. ومثل ذلك الحق والباطل، فالأول يبقى والثانى يذهب، ومن المعادن التى يصهرونها بالنار ما يتخذون منها حلية كالذهب والفضة، ومنافع ينتفعون بها كالحديد والنحاس، ومنها ما لا نفع فيه يعلو السطح، وأن ما لا نفع فيه يرمى وينبذ، وما فيه النفع يبقى، كذلك الأمر فى العقائد ما هو ضلال يذهب، وما هو صدق يبقى. وبمثل هذا يبين الله سبحانه الحقائق، ويمثل بعضها ببعض لتكون كلها واضحة بينة.

القطان

تفسير : بعد ان بيّن الله تعالى أن كلّ من في السماواتِ والأرضِ خاضعٌ لقدرته عاد الى المشركين يسألُهم عدة أسئلةٍ ليُلزمهم الحجّةَ ويقنعهم بالدليل. قُل لهم ايها النبي: من خَلَقَ السماواتِ والأرضَ؟ فإن لم يجيبوا فقُل لهم: إن الذي خلق هذا الكونَ وما فيه هو الله، ثم اسألهم وقل لهم: كيف اتّخذتم مِن دونِ الله أرباباً مع انهم لا يملكون لأنفسهم ولا لكم نفعا ولا ضرا‍‍!؟ ثم ضرب مثلاً للمشركين الذي يعبُدون الأصنامَ وغيرها من دون الله، والمؤمنين المصدِّقين بالله، فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ؟}. هل يستوي الأعمى الذي لا يُبصر شيئاً ولا يهتدي، مع البصير الذي يُبصر الحقّ فيتّبعه. ثم ضربَ مثلاً للكفر والايمان فقال: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ؟}. لا يستوي الكُفر والإيمان، فالظلماتُ التي تحجُب الرؤيةَ هي التي تلفُّهم وتكفُّهم عن إدراك الحق الظاهر المبين. ام جعلوا لله شركاءَ خلقوا كخلقه فاشتبه الأمرُ عليهم فلم يعرِفوا من خَلَقَ هذا ومن خلق ذاك، قل لم أيّها النبي: اللهُ وحده هو الخالقُ لكلّ ما في الوجود، وهو الواحد القهار الغالب على كل شيء. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو بكر: و"هل يستوي الظلمات والنور" بالياء، والباقون "تستوي" بالتاء كما هي في المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ْٱلظُّلُمَاتُ} {فَتَشَابَهَ} {خَالِقُ} {ٱلْوَاحِدُ} {ٱلْقَهَّارُ} (16) - يُقَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ الالهُ الوَاحِدُ، وَأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَكَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ رَبُّهَا وَمُدَبِّرُهَا، وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ هؤُلاءِ، مَعَ اعْتِرَافِهِمْ هذا، اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَولِيَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ وَلا لِعَابِدِيهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً. فَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَمَنْ عَبَدَ هذِهِ الآلِهَةِ مَعَ اللهِ، وَأَشْرَكَهَا فِي العِبَادَةِ مَعَهُ؟ وَكَمَا لاَ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ، وَكَما لاَ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ، كَذلِكَ لاَ يَسْتَوِي مَنْ عَبَدَ اللهَ وَهُو خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَمَنْ أَشْرَكَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ آلِهَةً لاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"قل" هي أمْر للرسول أنْ يقول للكافرين، وهناك في آيات أخرى يقول سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}تفسير : [الزخرف: 87]. ولقائل أن يسأل: لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالإجابة؛ ولم يتركْها لتأتي منهم؟ ونقول: إن مجيء الإجابة من الحق هنا عن الذي خلق السماوات والأرض أقوى مِمّا لو جاءت الإجابة منهم. والمثل من حياتنا؛ ولله المَثَل الأعلى؛ قد تقول لابنك الصغير المُتَشاحِن مع أخيه الكبير: مَنِ الذي جاء لك بالحُلَّة الجديدة؟ فيرتبك خجلاً؛ لأنه يعلم أن مَنْ جاء له بالحُلَّة الجديدة هو أخوه الأكبر الذي تشاحن معه؛ فتقول أنت: جاء لك بها أخوك الأكبر الذي تشاحنتَ معه. وهنا لحظة أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ما أمره الله أن يقول: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الرعد: 16]. فسوف يرتبكون؛ فيؤكد لهم بعد ذلك ما أمره الله أن يقول: {قُلِ ٱللَّهُ ..} [الرعد: 16]. ويتتابع أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له الحق سبحانه: {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ..} [الرعد: 16]. وهكذا يكشف لهم الرسول ببلاغ الحق سبحانه مدى جهلهم؛ وهم مَنْ سبق لهم الاعتراف بأن الله هو خالق السماوات والأرض؛ ولم يجرؤ واحد منهم على أن ينسب خَلْق السماوات والأرض للأصنام. وهنا يوضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمر الحقُّ سبحانه بإيضاحه: لقد خلق الله السماوات والأرض أفبعد ذلك تتخذون من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً؛ ولا ضراً؟ بدليل أن الصنم من هؤلاء لا يقدر لهم على شيء. ويتابع الحق سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} [الرعد: 16]. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يستوي الأعمى بالمبصر. وساعةَ ترى "أَمْ" اعلم أنها ضَرْب انتقالي، وهكذا يستنكر الحق ما فعلوه بالاستفهام عنه؛ لأنه شيء مُنْكر فعلاً: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ..} [الرعد: 16]. أي: لو كان هؤلاء الشركاء قد خلقوا شيئاً مثل خَلْق الله؛ لَكَان لهم أنْ يعقدوا مقارنة بين خَلْق الله وخَلْق هؤلاء الشركاء؛ ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مشاركين لله في الألوهية لا يَقْدرون على خَلْق شيء؛ فكيف يختارونهم شركاء لله؟ ويأتي الأمر من الحق سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [الرعد: 16]. وفي آية أخرى يُقدِّم الحق سبحانه تفسيراً لتلك الآية: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ..} تفسير : [الحج: 73]. فهؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئاً، ولن يستطيع أحدٌ الادعاء بأن هؤلاء الشركاء عندهم نية الخَلْق، ولكن مجيء "لن" هنا يُؤكد أنهم حتى بتنبيههم لتلك المسألة؛ فَلَسوف يعجزون عنها؛ لأن نَفْي المستقبل يستدعي التحدِّي؛ رغم أنهم آلهة متعددة؛ ولو اجتمعوا فلن يخلقوا شيئاً. يستمر التحدي في قوله سبحانه: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. أي: لو أخذ الذباب بساقه الرفيعة شيئاً مِمَّا يملكون لَمَا استطاعوا أن يستخلصوه منه. وهكذا يتضح أن الحق سبحانه وحده هو الخالق لكُلِّ شيء؛ وتلزم عبادته وحده لا شريكَ له؛ وهو جَلَّ وعَلا المتفرِّد بالربوبية والألوهية؛ وهو القهار المتكبر؛ والغالب على أمره أبداً، فكيف يكون مَنْ دونه مساوياً له؟ لذلك لا شريك له أبداً. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [الآية: 16]. يقول: حملهم ذلك على أَن يشكُّوا في الأَوثان. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} يعني: ملأَها ما أَطاقت، {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً}. والزبد الذي في السيل. ثم استقبل فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ}. فالمتاع الحديد والنحاس والرصاص وأَما {زَبَدٌ مِّثْلُهُ} فخبث ذلك، وهو مثله مثل الزبد فيذهب {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} يقول: يذهب جموداً في الأرض، {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 17]. يعني: الماءَ. وهما مثلان للحق والباطل.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن عند الحق وجادل مع أهله مكابرة، مستفماً على سبيل التبكيت والإسكات: {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: موجدهما ومظهرهما من كتم العدم ومربيهما بأنواع التربية والكرم؟ {قُلِ} أيضاً أ،ت في جواب سؤالك؛ إذ هم معزولون عن التنطق بكلمة الحق؛ إذ ختم الله على قلوبهم وأفواههم: {ٱللَّهُ} أي: الموجد والمربي، هوالله المستقل بالألوهية والربوبية، ثم بعدما ظهر الحق {قُلْ} لهم على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَفَٱتَّخَذْتُمْ} أيها الجاهلون بالله وحق قدره {مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} معبودات من جنس مصنوعاته، سيما أدونها وهي الجمادات التي {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} فضلاً لغيرهم. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل توبيخاً وتقريعاً: أيها الجاهلون المعزولون عن مقتضى العقل الفطري {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ} الفاقد للبصر {وَٱلْبَصِيرُ} الواجد لها؟ {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ} أي: الأعدام الهالكة في نفسها {وَٱلنُّورُ} الوجود المتشعشع في ذاته؟ {أَمْ جَعَلُواْ} أولئك الحمقى العمي الهالكون في تيه الغفلة والضلال {للَّهِ} المنزه عن المثل والمثال {شُرَكَآءَ} مثله {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} وأوجدوا لخقه وإيجاده {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} أي: حتى اشتبه عليه وتشابه خلقهم لخلقه، سبحاه عما يقول الظالمون علواً كبيراً {قُلِ} يا أكمل الرسل إرشاد وتكميلاً: {ٱللَّهُ} المستجمع لصفات الكمال بأسرها والمربي لجميع الكائنات برمتها {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: مظهرها وموجدها بالاستقلال بلا مظاهرة ومشاركة {وَهُوَ} بذاته {ٱلْوَاحِدُ} المستقل في الوجود {ٱلْقَهَّارُ} [الرعد: 16] للأإيار الهالكة في أنفسها، المنعكسة من أظلال أسمائه وأوصافه، الباقية في صرافة عدميتها الأصيلة. ومن إشفاقه ومرحمته على عباده أن {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: من العالم الروحاني {مَآءً} أي: ماء الإيمان والعرفان {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} أي: امتلئت النفوس القابلة بقدر ما يسع في استعداداتها منها، فسالت بعدما امتلئت {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} أي: ارتفع على مياه المعارف والحقائق زيد التقليدات الحاصلة من رسوب القوى البشرية، وغش الطبيعة تسقطها على الأطراف وتصفيها عن الكدورة مطلقاً {وَ} مثل ذلك الزبد الباطل يحصل {مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ} من الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها حين أرادوا ذوبانها {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} أي: طلب اتخاذها منها {أَوْ مَتَاعٍ} آخر من الأواني وآلات الحرب {زَبَدٌ} فساد باطل في نفسه {مِّثْلُهُ} الزبد الأول. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} لهم؛ لكي يتنبهوا ويتفطنوا فيتبعوا الحق ويجتنبوا عن الباطل، ثم بيَّن لهم سبحانه مآلهم توضيحاً وتقريراً بقوله: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} المرتفع على الماء {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} أي: يضمحل ويتلاشى بالجفاف كما أن زبد التقليدات يسقط ويضمحل بإشراق نور اليقين {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من مياه المعارف والحقائق {فَيَمْكُثُ} ويستقر {فِي ٱلأَرْضِ} أي: الطبيعة القابلة لانعكاس أشعة الأسماء والصفات الإلهية لينبت فيها شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} [الرعد: 17].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الرعد: 16] السماوات: سموات القلوب، والأرض: أرض النفوس، ومن دبر فيها درجات الجنان بالأخلاق الحميدة، ودركات النيران بالأخلاق الذميمة، وجعل مشاهد القلوب مقامات القرب في شواهد الحق ومراتع النفوس، وشهوات الدنيا، ومنازل البعد {قُلِ ٱللَّهُ} أي: أجب أنت عن هذا السؤال؛ لأن الأجانب منه بمعزل {قُلْ} للأجانب {أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} [الرعد: 16] من الشيطان والدنيا والهوى وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في الدنيا والآخرة؛ لأنهم مملوك والمملوك لا يملك شيئاً. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} [الرعد: 16] الأعمى من يرى غير الله مالكاً، ومتصرفاً في الجود والبصير ضده، وأيضاً الأعمى وَهْمُ النفوس؛ لأنها تتعلق بغير الله وتحب غيره، والبصير للقلوب؛ لأنها تتعلق بالله، وتحب له. فالأعمى من عمى بالحق، وأبصر بالباطل، والبصير للقلوب؛ لأنها تتعلق بالله، وتحب له. فالأعمى من عمى بالحق، وأبصر بالباطل، والبصير ضده، وأيضاً، الأعمى من أبصر بظلمات الهوى، والبصير من أبصر بأنوار المولى {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} [الرعد: 16] أي: هل يستوي المسكن في ظلمات الطبيعة والهوى، ومن هو مستغرق في بحر نور جمال المولى {أَمْ جَعَلُواْ} أهل الهوى {للَّهِ شُرَكَآءَ} [الرعد: 16] من الدنيا وأهلها. ثم قال: {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} [الرعد: 16] أي: خلقوا الدنيا، وأهل الدنيا شيئاً مما لهم بخلق الله تعالى {فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 16] أي: على أهل الهوى الذين يطلبون حوائجهم فرجعوا إليهم في الطلب أو جعلوا ما سوى الله شريكاً في الطلب في المحبة. {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وليس غيره خالق تدل هذه الآية على أنه خالق الخير والشر {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ} [الرعد: 16] في ذاته وصفاته {ٱلْقَهَّارُ} [الرعد: 16] لمن دونه أي: هو الواحد في خلق الأشياء، وقهرها لا شريك له فيه، ولا في المطلوبية ولا المحبوبية {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} [الرعد: 17] من سماء القلوب ماء المحبة {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] أودية النفوس {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} [الرعد: 17] من الأخلاق الذميمة النفسانية والصفات البهيمية الحيوانية، وأنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدات أنوار الجمال فسالت أودية القلوب بقدرها. {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} [الرعد: 17] من أوصاف البشرية والإنسانية وأنزل من سماء الأسرار كشف ماء أنوار الجلال فسالت أودية لأرواح {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} من أنانية الروحانية، وأنزل من سماء الجبروت ماء تجلي لصفات الألوهية {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} الأسرار {بِقَدَرِهَا} فاحتمل السيل زبد الوجود المجازي، {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ} [الرعد: 17] من البقاء {فِي ٱلنَّارِ} {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة: 6-7] لكيلا تبقي ولا تذر، وهي المتزكية {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ}، وهي التحلية بالبقاء، {أَوْ مَتَاعٍ} وهو التمتع به منه {زَبَدٌ مِّثْلُهُ} [الرعد: 17] أي: مثل زبد البشرية، وهو زبد المعرفة والتوحيد {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} [الرعد: 17] في الأحوال كلها، {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} [الرعد: 17] با لفناء. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من البقاء لله {فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} [الرعد: 17] في أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} [الرعد: 17-18] دعوة الحق إلى الله لربهم أي: لطلب ربهم والوصول إليه {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الرعد: 18] أي: للذين أجابوا الله فيما دعاهمم إليه إنما أجابوه ليسبق العناية الأزلية فيهم بأحسنه كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 101]، {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ} [الرعد: 18] أي: لم يجيبوه فيما دعاهم إليه للوصول والوصال. {لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} [الرعد: 18] أي: لو جعل لهم ما في الأرض البشرية من أنواع اللذات الحيوانية والحظوظ النفسانية وأضعافها {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} [الرعد: 18] يوم القيامة، أي: جعلوه فداء لهم من عذاب القطيعة والفراق عن التلاق {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} [الرعد: 18] إذا حاسبوا الوصول مع القطيعة، والوصول مع الفراق {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [الرعد: 18] وهي نار القطيعة والبعد {وَبِئْسَ ٱلْمِهَاد} [الرعد: 18] أي: المصير والمعاد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لهؤلاء المشركين به أوثانا وأندادا يحبونها كما يحبون الله، ويبذلون لها أنواع التقربات والعبادات: أفتاهت عقولكم حتى اتخذتم من دونه أولياء تتولونهم بالعبادة وليسوا بأهل لذلك؟ فإنهم { لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا } وتتركون ولاية من هو كامل الأسماء والصفات، المالك للأحياء والأموات، الذي بيده الخلق والتدبير والنفع والضر؟ فما تستوي عبادة الله وحده، وعبادة المشركين به، كما لا يستوي الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات والنور. فإن كان عندهم شك واشتباه، وجعلوا له شركاء زعموا أنهم خلقوا كخلقه وفعلوا كفعله، فأزلْ عنهم هذا الاشتباه واللبس بالبرهان الدال على توحد الإله بالوحدانية، فقل لهم: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } فإنه من المحال أن يخلق شيء من الأشياء نفسه. ومن المحال أيضا أن يوجد من دون خالق، فتعين أن لها إلها خالقا لا شريك له في خلقه لأنه الواحد القهار، فإنه لا توجد الوحدة والقهر إلا لله وحده، فالمخلوقات وكل مخلوق فوقه مخلوق يقهره ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر للواحد القهار، فالقهر والتوحيد متلازمان متعينان لله وحده، فتبين بالدليل العقلي القاهر، أن ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات وبذلك كانت عبادته باطلة.