١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلاً آخر فقال: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها، من حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص. فالحاصل: أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء. والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به، فكذا ههنا أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن، والأودية قلوب العباد وشبه القلوب بالأودية، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء، وكما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه، فكذا ههنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة المذابة يخالطها خبث، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة، كذا ههنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات، ثم إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة، فهذا هو تقرير هذا المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به، وأكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل والتشبيه. المسألة الثانية: في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث: البحث الأول: الأودية جمع واد وفي الوادي قولان: القول الأول: أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل، هذا قول عامة أهل اللغة. والقول الثاني: قال السهروردي يسمى الماء وادياً إذا سال قال: ومنه سمي الودى ودياً لخروجه وسيلانه، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل. والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله: {سَالَتْ أَوْدِيَةٌ } مجازاً فكان التقدير: سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. البحث الثاني: قال أبو علي الفارسي رحمه الله: الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة قال: ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، وناصر ونصير، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب، وطائر وأطيار، ووزن فعيل يجمع على أفعلة، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل. فيقال: واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله. وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس. البحث الثالث: إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض. أما قوله تعالى: {بِقَدَرِهَا } ففيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها؟ أي كم تبلغ في الوزن، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها. البحث الثاني: {سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } أي من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر الماء. أما قوله: {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } ففيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: يقال أزبد الوادي إزباداً، والزبد الاسم، وقوله: {رَّابِيًا } قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماء. وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه، يقال: ربا يربو إذا زاد. أما قوله تعالى: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ } فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار، وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {يُوقِدُونَ } بالياء، واختاره أبو عبيدة لقوله: {يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } وأيضاً فليس ههنا مخاطب. والباقون بالتاء على الخطاب، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان. الأول: أنه خطاب للمذكورين في قوله: { أية : قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } تفسير : [الرعد: 16] والثاني: أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة، كأنه قال: ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون. البحث الثاني: الإيقاد على الشيء على قسمين: أحدهما: أن لا يكون ذلك الشيء في النار، وهو كقوله تعالى { أية : فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ } تفسير : [القصص: 38] والثاني: أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار، فلهذا السبب قال ههنا: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ }. البحث الثالث: في قوله: {ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ } قال أهل المعاني: الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله: {زَبَدٌ مّثْلُهُ } أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل. ثم قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل. ثم قال: {أَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } قال الفراء: الجفاء الرمي والاطراح يقال: جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال، والمعنى: أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار. أما قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ } ففيه وجهان: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ } ثم استأنف الكلام بقوله: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ } ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى. الثاني: أنه متصل بما قبله والتقدير: كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلاً وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف. واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء فهي قوله: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ } والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى. قال ابن عباس: الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال. ولم يذكر الزيادة ههنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى، وهو قوله: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26] وأما أحوال الأشقياء، فهي قوله: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة. فالنوع الأول؛ قوله: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } والافتداء جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في «به» عائدة إلى «ما» في قوله: {مَّا فِى ٱلأَرْضِ }. واعلم أن هذا المعنى حق، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه، لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما يكون محبوباً بالذات. والنوع الثاني: من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوء ٱلْحِسَـٰبِ } قال الزجاج: ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم. وأقول ههنا حالتان: فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة، ولا شك أنه لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فإنه يوجب أثراً ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب، وعند التأمل في هذه الفصول يتبين للإنسان صدق قوله: { أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8]. إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى. وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى. والنوع الثالث: قوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك قال: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } ولا شك أن الأمر كذلك. ثم قال تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره وهو أن العالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك، وربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة، أما البصير فإنه يكون آمناً من الهلاك والإهلاك. ثم قال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث إلى سره ولبابه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} ضرب مثلاً للحق والباطل؛ فشبَّه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحلّ ويعلق بجنبات الأودية، وتدفعه الرياح؛ فكذلك يذهب الكفر ويضمحلّ، على ما نبيّنه. قال مجاهد: «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا» قال: بقدر ملئها. وقال ابن جُرَيج: بقدر صغرها وكبرها. وقرأ الأَشْهَبْ العُقَيْلي والحسن «بِقَدْرِهَا» بسكون الدال، والمعنى واحد. وقيل: معناها بما قدّر لها. والأودية جمع الوادي؛ وسمّي وادياً لخروجه وسيلانه؛ فالوادي على هذا ٱسم للماء السائل. وقال أبو علي: «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ» توسع؛ أي سال ماؤها فحذف؛ قال ومعنى «بِقَدَرِهَا» بقدر مياهها؛ لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها. «فَٱحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً» أي طالعاً عالياً مرتفعاً فوق الماء، وتمّ الكلام؛ قاله مجاهد. ثم قال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ} وهو المثل الثاني. {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} أي حلية الذهب والفضة. {أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} قال مجاهد: الحديد والنحاس والرصاص. وقوله: «زَبَدٌ مِثْلُهُ» أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل؛ وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبداً، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما يَنبثّ فِي الأرض من المعادن فقد خالطه التراب؛ فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض. وقوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} قال مجاهد: جموداً. وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء: أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ إذا غَلَت حتى ينصبّ زَبَدُها، وإذا جَمَد في أسفلها. والجُفاء ما أجفاه الوادي أي رمَى به. وحكى أبو عبيدة أنه سمع رُؤْبة يقرأ «جُفَالاً» قال أبو عبيدة: يقال أَجْفَلَت القِدْرُ إذا قدفت بزبدها، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} قال مجاهد: هو الماء الخالص الصّافي. وقيل: الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص؛ وهو أن المثَلين ضربهما الله للحقّ في ثباته، والباطل في اضمحلاله، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحلّ كاضمحلال الزّبد والخَبَث. وقيل: المراد مَثَلٌ ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب؛ فَشبَّه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه، وشَبَّه القلوب بالأودية، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب سعتها وضيقها. قال ابن عباس: «أَنْزَلَ مِن السَّمَاءِ مَاءً» قال: قرآناً؛ «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا» قال: الأودية قلوب العباد. قال صاحب «سوق العروس» إن صحّ هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مَثّل القرآن بالماء. ومَثّل القلوب بالأودية، ومثل المُحْكَم بالصّافي، ومثل المتشابه بالزّبد. وقيل: الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تِلَعها، كما أن ماء السّيل يجري صافياً فيرفع ما يجد في الوادي باقياً، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال السَّنية. والأخلاق الزّكية؛ التي بها جمال الرجال، وقوام صالح الأعمال، كما أن من الذّهب والفضّة زينة النّساء، وبهما قيمة الأشياء. وقرأ حميد وابن محيصن ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص «يُوقِدُونَ» بالياء واختاره أبو عبيد؛ لقوله: «يَنْفَعُ النَّاس» فأخبر، ولا مخاطبة هاهنا. الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام: «أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ» الآية. وقوله: «فِي النَّارِ» متعلق بمحذوف، وهو في موضع الحال، وذو الحال الهاء التي في «عَلَيْهِ» التقدير: ومما توقدون عليه ثابتاً في النار أو كائناً. وفي قوله: «فِي النَّارِ» ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي ٱسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق «فِي النَّارِ» بـ«ـيوقدون» من حيث لا يستقيم أوقدتُ عليه في النار؛ لأن الموقَد عليه يكون في النَّار، فيصير قوله: «فِي النَّارِ» غير مفيد. وقوله: «ٱبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ» مفعول له. «زَبَدٌ مِثْلُهُ» ابتداء وخبر؛ أي زبد مثل زبد السّيل. وقيل: إن خبر «زبد» قوله: «فِي النَّارِ» الكسائي: «زَبَدٌ» ابتداء، و«مِثْلُهُ» نعت له، والخبر في الجملة التي قبله، وهو «مِمَّا يُوقِدُونَ». {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي كما بيّن لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بيّنات. تم الكلام، ثم قال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} أي أجابوا؛ واستجاب بمعنى أجاب؛ قال:شعر : فلَـمْ يَسْتجِبْه عند ذاكَ مُجِيـب تفسير : وقد تقدم؛ أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوات. {ٱلْحُسْنَىٰ} لأنها في نهاية الحسن. وقيل: من الحسنى النصر في الدنيا، والنعيم المقيم غداً. {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} أي لم يجيبوا إلى الإيمان به. {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي من الأموال. {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} ملك لهم. {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} من عذاب يوم القيامة؛ نظيره في «آل عمران» {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}، تفسير : [آل عمران: 10]، {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} تفسير : [آل عمران: 91] حسب ما تقدم بيانه هناك. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} أي لا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. وقال فَرْقَدْ السَّبَخِيّ قال (لي) إبراهيم النَّخعيّ: يا فَرْقَد! أتدري ما سوء الحساب؟ قلت لاٰ قال أن يحاسَب الرجل بذنبه كلّه لا يفقد منه شيء. {وَمَأْوَاهُمْ} أي مسكنهم ومقامهم. {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي الفراش الذي مهدوا لأنفسهم. قوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} هذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر، ورُوي أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأبي جهل لعنه الله. والمراد بالعَمَى عَمَى القلب، والجاهل بالدين أعمى القلب. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}.
البيضاوي
تفسير : {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاءِ مَآءً} من السحاب أو من جانب السماء أو من السماء نفسها فإن المبادىء منها. {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} أنهار جمع واد وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه، واستعمل للماء الجاري فيه وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع. {بِقَدَرِهَا } بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار أو بمقدارها في الصغر والكبر. {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا } رفعه والزبد وضر الغليان. {رَّابِيًا } عالياً. {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ} يعم الفلزات كالذهب والفضة والحديد والنحاس على وجه التهاون بها إظهاراً لكبريائه. {ٱبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} أي طلب حلى. {أَوْ مَتَـٰعٍ } كالأواني وآلات الحرب والحرث، والمقصود من ذلك بيان منافعها. {زَبَدٌ مّثْلُهُ} أي ومما يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء وهو خبثه، و {مِنْ } للابتداء أو للتبعيض وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء على أن الضمير للناس وإضماره للعمل به. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } مثل الحق والباطل فإنه مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة فينتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنى والآبار، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلى واتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة، والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وبين ذلك بقوله: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} يجفأ به أي يرمي به السبيل والفلز المذاب وانتصابه على الحال وقرىء جفالاً والمعنى واحد. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } كالماء وخلاصة الفلز. {فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ} ينتفع به أهلها. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} لايضاح المشتبهات.
ابن كثير
تفسير : اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: {أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي: مطراً {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيراً من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علماً كثيراً، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم، بل يضيق عنها {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل. وقوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍ} الآية، هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، أي: ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعاً، فإنه يعلوه زبد منه، كما يعلو ذلك زبد منه {كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ} أي: إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شيء، ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} كقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 43] وقال بعض السلف: كنت إِذا قرأت مثلاً من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الآية، هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك، فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} وهو الشك، {فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ} وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين، ويترك الشك، وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ} فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيىء يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق، كان له، وبقي كما بقي ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه، ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل، فإذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس، وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق، وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف. وقد ضرب الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين: نارياً ومائياً وهما قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} الآية، ثم قال: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} تفسير : [البقرة: 19] الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين: أحدهما قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ} تفسير : [النور: 39] الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين: فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار، فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضاً. ثم قال تعالى في المثل الآخر: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ} تفسير : [النور: 40] الآية، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إِنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» تفسير : فهذا مثل مائي. وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها - قال -: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار؛ هلم عن النار، فتغلبوني، فتقتحمون فيها» تفسير : وأخرجاه في الصحيحين أيضاً، فهذا مثل ناري.
المحلي و السيوطي
تفسير : ثم ضرب مثلاً للحق والباطل فقال: {أَنَزلَ } تعالى {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مآءً } مطراً {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } بمقدارِ ملئها {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } عالياً عليه هو ما على وجهه من قذر ونحوه {وَمِمَّا يُوقِدُونَ } بالياء والتاء {عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ } من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس {ٱبْتِغَآءَ } طلب {حِلْيَةٍ } زينة {أَوْ مَتَٰعٍ } ينتفع به كالأواني إذا أُذيبت {زَبَدٌ مّثْلُهُ } أي مثل زبد السيل وهو خَبَثُهُ الذي ينفيه الكير {كَذٰلِكَ } المذكور {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ } أي مَثَلَهُما {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ } من السيل وما أُوقِد عليه من الجواهر {فَيَذْهَبُ جُفآءً } باطلاً مرميا به {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } من الماء والجواهر {فَيَمْكُثُ } يبقى {فِى ٱلأَرْضِ } زماناً، كذلك الباطل يضمحل وينمحق وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحق ثابت باقٍ {كَذٰلِكَ } المذكور {يَضْرِبُ } يبيِّن {ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها}فيه وجهان: أحدهما: يعني بما قدر لها من قليل أو كثير. الثاني: يعني الصغير من الأودية سال بقدر صغره، والكبير منها سال بقدر كبره. وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن وما يدخل منه في القلوب، فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه، وشبه القلوب بالأودية يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية من الماء بحسب سعتها وضيقها. قال ابن عباس:{أنزل من السماء ماءً}أي قرآناً{فسالت أودية بقدرها}قال: الأودية قلوب العباد. {فاحتمل السيل زبداً رابياً}الرابي: المرتفع. وهو مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل، فالحق ممثل بالماء الذي يبقى في الأرض فينتفع به، والباطل ممثل بالزبد الذي يذهب جُفاءً لا ينتفع به. ثم ضرب مثلاً ثانياً بالنار فقال{ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية}يعني الذهب والفضة. {أو متاع}يعني الصُفر والنحاس. {زبد مِثله...}يعني أنه إذا سُبِك بالنار كان له خبث كالزبد الذي على الماء يذهب فلا ينتفع به كالباطل، ويبقى صفوة فينتفع به كالحق. وقوله تعالى: {... فيذهب جفاءً}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني منشقاً قاله ابن جرير. الثاني: جافياً على وجه الأرض، قاله ابن عيسى. الثالث: مرمياً، قاله ابن إسحاق. وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤية يقرأ: جفالاً. قال أبو عبيدة: يقال أجفلت القدر إذا قَذَفَت بزبدها.
ابن عطية
تفسير : صدر هذه الآية تنبيه على قدرة الله، وإقامة الحجة على الكفرة به، فلما فرغ ذكر ذلك جعله مثالاً للحق والباطل، والإيمان والكفر، والشك في الشرع واليقين به. وقوله: {أنزل من السماء ماء} يريد به المطر، و"الأودية" ما بين الجبال من الانخفاض والخنادق، وقوله: {بقدرها} يحتمل أن يريد بما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها. وقرأ جمهور الناس: "بقدَرها" بفتح الدال، وقرأ الأشهب العقيلي: "بقدْرها" بسكون الدال. و"الزبد" ما يحمله السيل من غثاء ونحوه وما يرمي به ضفتيه من الحباب الملتبك، ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : ما البحر حينَ تهبُّ الريحُ شاميةً فيغطئلُّ ويرمي العبر بالزبد تفسير : و"الرابي": المنتفخ الذي قد ربا، ومنه الربوة. وقوله: {ومما} خبر ابتداء، والابتداء قوله: {زبد}، و {مثله} نعت لـ {زبد}. والمعنى: ومن الأشياء التي {توقدون} عليها ابتغاء الحلي وهي الذهب والفضة، ابتغاء الاستمتاع بما في المرافق، وهي الحديد والرصاص والنحاس ونحوها من الأشياء التي {توقدون} عليها، فأخبر تعالى أن من هذه إذا أحمي عليها يكون {زبد} مماثل للزبد الذي يحمله السيل، ثم ضرب تعالى ذلك مثالاً لـ {الحق والباطل} أي أن الماء الذي تشربه الأرض من السيل فيقع النفع به هو "كالحق" - و {الزبد} الذي يجمد وينفش ويذهب هو كالباطل، وكذلك ما يخلص من الذهب والفضة والحديد ونحوها هو كالحق، وما يذهب في الدخان هو كالباطل. وقوله: {في النار} متعلق بمحذوف تقديره: كائناً أو ثابتاً - كذا قال مكي وغيره - ومنعوا أن يتعلق بقوله: {توقدون} لأنهم زعموا: ليس يوقد على شيء إلا وهو {في النار} وتعليق حرف الجر بـ {توقدون} يتضمن تخصيص حال من حال أخرى. وذهب أبو علي الفارسي إلى تعلقها بـ {توقدون} وقال: قد يوقد على شيء وليس في النار كقوله تعالى: {أية : فأوقد لي يا هامان على الطين} تفسير : [القصص: 38] فذلك البناء الذي أمر به يوقد عليه وليس في النار لكن يصيبه لهبها. وقوله: {جفاء} مصدر من قولهم: أجفأت القدر إذا غلت حتى خرج زبدها وذهب. وقرأ رؤبة: "جفالاً" من قولهم: جفلت الريح السحاب، إذا حملته وفرقته. قال أبو حاتم: لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن. وقوله: {ما ينفع الناس} يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر، وأبو جعفر والأعرج وشيبة والحسن: "توقدون" بالتاء، أي أنتم أيها الموقدون، وهي صفة لجميع أنواع الناس، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن محيصن ومجاهد وطلحة ويحيى وأهل الكوفة: "يوقدون" بالياء، على الإشارة إلى الناس، و {جفاء} مصدر في موضع الحال. قال القاضي أبو محمد: وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء} يريد به الشرع والدين. وقوله: {فسالت أودية}: يريد به القلوب، أي أخذ النبيل بحظه. والبليد بحظه. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يصح - والله أعلم - عن ابن عباس، لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير علة تدعو إلى ذلك، والله الموفق للصواب برحمته، وإن صح هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أن قوله تعالى: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} معناه: {الحق} الذي يتقرر في القلوب المهدية، {والباطل}: الذي يعتريها أيضاً من وساوس وشبه حين تنظر في كتاب الله عز وجل.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِقَدَرِهَا} الكبير بقدره والصغير بقدره {رَّابِياً} مرتفعاً {حِلْيَةٍ} الذهب والفضة {أو مَتَاعٍ} الصفر والنحاس. {زَبَدٌ} خبث كزبد الماء الذي لا ينتفع به {جُفَآءً} منتشفاً، أو جافياً على وجه الأرض، أو ممحقاً ومن قرأ {جُفالاً} أخذه من قولهم: انجفلت القدر إذا قذفت بزبدها. شبه الله ـ تعالى ـ الحق بالماء وما خلص من المعادن فإنهما يبقيان للانتفاع بهما، وشبه الباطل بزبد الماء وخبث الحديد الذاهبين غير منتفع بهما.
النسفي
تفسير : {أَنَزلَ } أي الواحد القهار وهو الله سبحانه {مِّنَ ٱلسَّمَاء } من السحاب {مَآءً} مطراً {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } جمع واد وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة وإنما نكر لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض {بِقَدَرِهَا } بمقدارها الذي علم الله أنه نافع للممطور عليهم ضار {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ } أي رفع {زَبَدًا } هو ما علا على وجه الماء من الرغوة والمعنى علاه زبد {رَّابِيًا } منتفخاً مرتفعاً على وجه السيل {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ } بالياء كوفي غير أبي بكر و«من» لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض أي وبعضه زبد {فِي ٱلنَّارِ } حال من الضمير في عليه أي ومما توقدون عليه ثابتاً في النار {ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ } مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من الضمير في توقدون {أَوْ مَتَـٰعٍ } من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر وهو معطوف على {حلية} أي زينة من الذهب والفضة {زَبَدٌ } خبث وهو مبتدأ {مّثْلُهُ } نعت له و{مما توقدون} خبر له أي لهذه الفلزّات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } أي مثل الحق والباطل {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً } حال أي متلاشياً وهو ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان والجفء الرمي وجفأت الرجل صرعته {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } من الماء والحلي والأواني {فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ } فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب والثمار وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ } ليظهر الحق من الباطل وقيل هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفات وإن ذلك ماكث في الأرض باقٍ بقاء ظاهراً يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة. وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي به. وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. قال الجمهور وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للأبدان والأدوية للقلوب. ومعنى {بقدرها} بقدر سعة القلب وضيقه، والزبد هواجش النفس ووساوس الشيطان، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس الشيطان ويبقى الحق كما هو وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع في الكسب وبعضها آلة الدفع في الحرب وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل .
البقاعي
تفسير : ولما كان حمل الماء في العلو لا يمكن إلا عن قهر، وإنزاله في وقت دون غيره كذلك، أتبع هذا الختم قوله دليلاً مشاهداً عليه: {أنزل} ولما كان الإنزال قد يتجوز به عن إيجاد ما يعظم إيجاده، حقق أمره بقوله: {من السماء} ولما كان المنزل منها أنواعاً شتى قال: {ماء فسالت} أي فتسبب عن إنزاله لكثرته أن سالت {أودية} أي مياهها منها الكبير والصغير؛ والوادي: سفح الجبل العظيم الذي يقابله جبل أو تل فيجتمع فيه المطر، فيجري في فضائه، ومنه أخذت الدية - لجمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتل {بقدرها} والقدر: اتزان الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان، فالمعنى أن المياه ملأت الأودية مع ما ذلك من الدلالة على التفرد بالربوبية مما هو مثال للحق والباطل، وهو قوله: {فاحتمل} والاحتمال: رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له {السيل} وهو ماء المطر الجاري من الوادي بعظم {زبداً رابياً} أي عالياً بانتفاخه: والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، ومدار المادة على الخفة، ويلزمها العلو، ومنه زبد البحر والبعير - للرغوة الخارجة من شدقه، والغضبان، وزبدت المرأة القطن - إذا نفشته، والزباد - كرمان: ضرب من النبت تنفرش أفنانه، وشاة مزبدة أي سمينة، ومنه الزباد - للطيب المعروف وهو وسخ يشبه الرغوة يجتمع تحت ذنب نوع من السنانير، ومنه الزبد - بضم وسكون - لخالص اللبن فإنه أخفه، يقال منه: زبدت فلاناً أزبده - إذا أطعمته الزبد، ثم اتسع فيه حتى قيل لمطلق العطية، ومنه: "نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن زبد المشركين"؛ ومنه الزدب - بكسر ثم سكون، وهو النصيب، ويمكن أن يكون من زبد اللبن الزبادُ للنبت، فإنه مرعى ناجع، كأنه شبه به أو لأنه سببه، وكذا شاة مزبدة أي سمينة ويلزم الخفة الإسراع، يقال: تزبد اليمين - إذا أسرع إليها، أو إنها شبهت بالزبد في سهولة التقامه. ولما الزبد أحسن مثل لمعبوداتهم، وكان لا يختص بالماء الذي هو مائع بطبعه بجمع الأوضار والأقذار بجريه، ذكر معه ما يشبهه في النفع من الجوامد الصلبة التي تزبد عند الإذابة مع كونها في حال الجمود في غاية الصفاء والخلوص عن الشوائب على ما يظهر، فقال: {ومما يوقدون} أي إيقاداً مستعلياً {عليه} أي للإذابة {في النار} من المعادن {ابتغاء حلية} تتحلون بها من الأساور والحلق ونحوها {أو} ابتغاء {متاع} تتمتعون به من الدراهم والدنانير والسيوف والأواني ونحوها، وأصل المتاع: التمتع الحاضر، فهذا تقسيم حاصر لأنواع الفلز المنوه إليها مع إظهار التهاون به وإن تنافس الناس فيه كما هو شأن الملوك يظهرون المجد والفخار بالاستهانة بما يتنافس الناس فيه {زبد مثله} أي مثل زبد الماء يكشط عن وجهه أو يعلق بأطراف الإناء فيذهب ويبقى ذلك الجوهر خالصاً كالحق إذا زالت عنه الشكوك وانزاحت الشبه. ولما كان هذا في غاية الحسن والانطباق على المقصود، كان سامعه جديراً بأن يهتز فيقول: هذا مما لا يقدر على سوقه هكذا إلا الله تعالى، فيا له من مثل! فأجيب قوله: {كذلك} أي مثل هذا الضرب، العلي الرتب، الغريب العجب، المتين السبب {يضرب الله} أي الذي له الأمر كله {الحق والباطل} أي مثلهما؛ وضرب المثل: تسييره في البلاد يتمثل به الناس. ولما نبه بهذا الفصل على علو رتبه هذا المثل، شرع في شرحه، فقال مبتدئاً بما هو الأهم في هذا المقام، وهو إبطال الباطل الذي أضلهم، وهو في تقسيمه على طريق النشر المشوش، فقال: {فأما الزبد} أي الذي هو مثل للباطل المطلق {فيذهب} متعلقاً بالاشجار وجوانب الأودية لأنه يطفو بخفته ويعلق بالأشياء الكثيفة بكثافته {جفاء} قال أبو حيان: أي مضمحلاً متلاشياً لا منفعة فيه ولا بقاء له؛ وقال ابن الأنباري: متفرقاً، من جفأت الريح الغيم - إذا قطعته، وجفأت الرجل: صرعته - انتهى. فهذا مثل الباطل من الشكوك والشبه وما أثاره أهل العناد، لا بقاء له وإن جال جولة - يمتحن الله بها عباده ليظهر الثابت من المزلزل - ثم ينمحق سريعاً؛ وقال الرماني: والجفاء: بنوّ مكان الشيء به حتى يهلك {وأما ما ينفع الناس} من الماء والفلز الذي هو مثل الحق {فيمكث في الأرض} ينتفع الناس بالماء الذي به حياة كل شيء، والفلز الذي به التمام، فالماء والمعدن مثل القرآن لما فيه من حياة القلوب وبقاء الشرع كما أن الماء يحيى الأراضي الميتة، والمعادن تحيي موات العيش وتنظم المعاملات المقتضية لاختلاط بعض الناس ببعض وائتلافهم بالحاجة، والأودية والأواني مثل القلوب يثبت منه فيها ما تحتمله على قدر سعة القلب وضيقه بحسب الطهارة وقوة الفاهمة. ولما انقضى هذا المثل على هذا البيان الذي يعجز دونه الثقلان، لأنه أحسن شيء معنى بأوجر عبارة وأوضح دلالة، كان كأنه قيل: هل يبين كل شيء هذا البيان؟ فقيل: نعم، {كذلك} أي مثل ذلك الضرب {يضرب الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة {الأمثال} فيجعلها في غاية الوضوح وإن كانت في غاية الغموض. ومادة "جفا" - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب، وهي جفأ جأف فجأ، جفي جيف فيج، جفو جوف فوج، فجو وجف - تدور على الطرح: جفأ الوادي والقدر: رميا بالجفاء أي الزبد وجفأ القدر والوادي: مسح غثاءه أي فطرحه - وجفأه: صرعه، والبرمة في القصعة: كفاها - أي طرح ما فيها - والباب: أغلقه وفتحه - ضد، لأنه في كليهما كالمرمي به، والبقل: قلعه من أصله، والجفاء - كعزاب: الباطل، لأنه أهل للقذف به والطرح، والسفينة الخالية، لأنا بمعرض قذف الماء لها. وأجفا ماشيته: أتعبها بالسير ولم يعلفها أي سيرها سيراً كأنها يقذف بها، وجفأ به: طرحه، وجفات البلادُ: ذهب خيرها، فكانت طرحته أو صارت هي أهلاً لأن تطرح وتبعد، والعام جفأةُ إبلنا، وهو أن ينتج أكثرُها، لأنها طرحت أجنّتها. ومن يائيه: جفيته أجفيه: صرعته، والجفاية - بالضم: السفينة الفارغة، والمجفي: المجفو. ومن واويه: جفا الشيء يجفو - إذا لم يلزم مكانه، كأنه فصل من مكانه فطرح به، والجفاء والجفوة: ترك الصلة، واجتفيته: أزلته عن مكانه، وجفا عليه كذا: ثقل، فصار أهلاً لطرحه والانفصال منه، ورجل جافي الخلقة والخلق: كز غليظ، لأن الشيء إذا غلظ لم يلتصق التصاق اللطيف، وأجفى الماشية: أتبعها ولم يدعها تأكل، وفيه جفوة أي هو جاف، فإن كان مجفواً قيل: به جفوة. ومن مقلوبه مهموزاً: جافة: صرعه وذعره أي قذف في قلبه رعباً: والشجرة: قلعها من أصلها، والجآف - كشداد: الصيّاح، كأنه يقذف بصوته، ورجل مجأف: لا ثبات له - كأنه يقذف به من مكانه، والمجؤوف: الجائع والمذعور، كأنه من الجوف، وإنما همزت واوه الأولى لانضمامها مع أنه يمكن تنزيله على أنه قذف فيه ذلك. ومن يائيه: الجيفة: جثة الميت وقد أراح، والجيّاف - كشداد: النباش، وجافت تجيف: أنتنت فصارت متهيئة للطرح والتغييب، وجيّفه: ضربه، لما رآه أهلاً للبعد، وجيّف فلان في كذا وجُيّف أي فَزَّع وأفزع أي طرح في قلبه رعب، فصار لا تسعه أرض، بل يقذف بنفسه من مكان إلى آخر. ومن واويه: الجوف: المطمئن من الأرض، لأنه يسع ما يطرح فيه ويمسكه، ومهما طرح من الجبال من شيء استقر به، والجوف منك: بطنك، لافتقاره إلى طرح الغذاء فيه، وأهل الأغوار يسمون فساطيط عمالهم الأجواف - لطرح أنفسهم وأمتعتهم فيها - وجوف الليل: وسطه - تشبيه بالجوف، والأجوفان: البطن والفرج، والجوف - محركة السعة، والجوفاء من الدلاء: الواسعة، ومن القنا والشجر: الفارغة، والجائفة: جراحة تبلغ الجوف، وتلعه جائفة: قعيرة - لأنها لقعرها بالجوف أشبه منها بالجبل، وجوائف النفس: ما تقعر من الجوف في مقارّ الروح، والمجوف - كمعظم: من لا قلب له - كأن قلبه طرح من جوفه فصار خالياً. والجُوفان - بالضم: أير الحمار - لسعة جوفه، وأجفت الباب: رددته - كأنه من السلب، لأنك سددت جوف البيت، أو أنه شبه الإغلاق بطرح الباب. ومن مقلوبه مهموزاً: فجئه الأمر - كسمعه ومنعه: هجم عليه من غير أن يشعر، كأنه قذف به إليه، وفجئت الناقة - كفرح: عظم بطنها، كأنه قذف فيه بشيء، وفجأ - كمنع: جامع، لأنه طرحها وطرح نفسه عليها، والمفاجىء: الأسد، لأنه يخرج بغتة فيثب من غير توقف. ومن مقلوبه واوياً: الفجوة: المتسع من الأرض والفرجة - لتهيئها لما يطرح فيها، والفجوة - أيضاً: ساحة الدار وما بين حوافي الحوافر، أي ميامنها ومياسرها، وفجا قوسه: رفع وترها عن كبدها فهي فجواء، وفجا بابه: فتحه، فصار كالجوف، والفجا: تباعد ما بين الركبتين أو الفخذين أو الساقين أو عرقوبي البعير؛ فجي - كرضي فهو أفجى، وعظم بطن الناقة، والفعل كالفعل، والتفجية: الكشف، لأنك طرحت الغطاء، والتفجية - أيضاً: التنحية، وهي واضحة في الطرح، وأفجى: وسّع النفقة على عياله - كأنه يقذف بها قذفاً. ومن مقلوبه يائياً: أفاج الرجل - إذا أسرع، ومنه الفيج - لرسول السلطان على رجليه - كأنه لسرعته يطرح به في الأرض - هذا هو الصحيح الذي صححه صاحب العباب، لأنه معرب بيك، وقيل: إنه واوي، أصله: فيوج، ثم قيل: فيج - ككيس، ثم خفف، وجمعه الفيوج، وقيل: الفيوج: الذين يدخلون السجن ويخرجون ويحرسون، وأفاج في الأرض: ذهب، والقوم: ذهبوا وانتشروا - كأنه قذف بهم، والفيج: الوهد المطمئن من الأرض، لأنه موضع لطرح ما في الأعالي. ومن مقلوبه واوياً: الفوج: الجماعة، كأنهم اقتطعوا من الجمهور فقذف بهم، وفاج المسك: فاح وسطع، أي انتشرت رائحته، والنهار: برد، إما بمعنى طرح برده على ما فيه، وإما لإحواجه الحيوان إلى أن يطرح عليه ما يدفئه، وأفاج: أسرع وعدا وأرسل الإبل على الحوض قطعة قطعة، والفاتج: البساط الواسع من الأرض، لتهيئه لما يطرح فيه، من تسمية المحل باسم الحال، وأفاج في عدوه: أبطأ. فهو للسلب، وفاجت الناقة برجيلها: نفحت بهما من خلفها، والفائجة: متسع ما بين كل مرتفعين، كأنه محل طرح ما ينزل منهما. ومن مقلوبه: وجف يجف وجيفاً: اضطرب، والوجف ضرب من سير الإبل والخيل، وجف يجف وأوجفته واستوجف الحب فؤاده: ذهب به، كأنه طرحه منه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {أنزل من السماء ماء ...} الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك، فما ينفع معه العمل. وأما اليقين، فينفع الله به أهله. وهو قوله {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه به ويترك خبيثه في النار، كذلك يقبل الله تعالى اليقين ويترك الشك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {فسالت أودية بقدرها} قال: الصغير، قدر صغيره. والكبير، قدر كبيره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال: هذا مثل ضربه الله تعالى بين الحق والباطل، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة، ومما توقدون عليه في النار فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع النحاس والحديد، وللنحاس والحديد خبث، فجعل الله تعالى مثل خبثه كمثل زبد الماء، فأما ما ينفع الناس، فالذهب والفضة. وأما ما ينفع الأرض، فما شربت من الماء فأنبتت. فجعل ذلك مثل العمل الصالح الذي يبقى لأهله. والعمل السيء يضمحل من محله، فما يذهب هذا الزبد، فذلك الهدى والحق جاء من عند الله تعالى، فمن عمل بالحق كان له. وما بقي كما يبقى، ما ينفع الناس في الأرض. وكذلك الحديد، لا يستطيع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل النار، فتأكل خبثه فيخرج جيده فينتفع به، كذلك يضمحل الباطل، وإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيرفع الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح من طريق مرة، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله {فسالت أودية بقدرها ...} الآية. قال: فمر السيل على رأسه من التراب والغثاء حتى استقر في القرار وعليه الزبد، فضربته الريح فذهب الزبد جفاء إلى جوانبه فيبس فلم ينفع أحداً، وبقي الماء الذي ينتفع به الناس، فشربوا منه وسقوا أنعامهم. فكما ذهب الزبد فلم ينفع، فكذلك الباطل يضمحل يوم القيامة فلا ينفع أهله، وكما نفع الماء فكذلك ينفع الحق أهله. هذا مثل ضربه الله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء - رضي الله عنه - في قوله {أنزل من السماء ماء} قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر {فسالت أودية بقدرها} حتى جرى الوادي وامتلأ بقدر ما يحمل {فاحتمل السيل زبداً رابياً} قال: زبد الماء. {ومما يوقدون عليه في النار} قال: زبد ما توقدون عليه من ذلك حلية، وما سقط فهو مثل زبد الماء، وهو مثل ضرب للحق والباطل. فأما خبث الحديد والذهب وزبد الماء فهو الباطل، وما تصنعوا من الحلية والماء والحديد فمثل الحق. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عطاء - رضي الله عنه - قال: ضرب الله تعالى مثل الحق والباطل. فضرب مثل الحق، السيل الذي يمكث في الأرض فينتفع الناس به. ومثل الباطل، مثل الزبد الذي لا ينفع الناس. ومثل الحق، مثل الحلي الذي يجعل في النار، فما خلص منه انتفع به أهله. وما خبث منه، فهو مثل الباطل علم أن لا ينفع الزبد، وخبث الحلي أهله، فكذلك الباطل لا ينفع أهله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} قال: الصغير بصغيره، والكبير بكبره، {فاحتمل السيل زبداً رابياً} قال: عالياً {ومما يوقدون ...} إلى قوله {فيذهب جفاء} والجفاء، ما يتعلق بالشجر {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا يرجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله. وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركته وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله. وقوله {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية} كما يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل النار، كذلك فيذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله. وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار، كذلك يضمحل الباطل عن أهله. وقوله {أو متاع زبد مثله} يقول هذا الحديد وهذا الصفر حين دخل النار وذهبت بخبثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {فسالت أودية بقدرها} قال: الكبير بقدره والصغير بقدره {زبداً رابياً} قال: ربا فوق الماء الزبد {ومما يوقدون عليه في النار} قال: هو الذهب، إذا ادخل النار بقي صفوه وذهب ما كان فيه من كدر. وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل {فأما الزبد فيذهب جفاء} يتعلق بالشجر ولا يكون شيئاً، هذا مثل الباطل {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} هذا يخرج النبات، وهذا مثل الحق {أو متاع زبد مثله ...} قال: المتاع الصفر والحديد. وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} قال: بملئها ما أطاقت {فاحتمل السيل زبداً رابياً} قال: انقضى الكلام، ثم استقبل فقال {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} قال: المتاع الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه {زبد مثله} قال: خبث ذلك الحديد، والحلية مثل زبد السيل {وأما ما ينفع الناس} من الماء {فيمكث في الأرض} وأما الزبد {فيذهب جفاء} قال: جموداً في الأرض، قال: فكذلك مثل الحق والباطل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {أنزل من السماء ماء} الآية. قال: ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصفر والحديد. قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد خلص خالصه، كذلك بقي الحق لأهله فانتفعوا به. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عيينة - رضي الله عنه - في قوله {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} قال: أنزل من السماء قرآناً فاحتمله عقول الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {للذين استجابوا لربهم الحسنى} قال: الحياة والرزق. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {للذين استجابوا لربهم الحسنى} قال: هي الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن فرقد السبخي - رضي الله عنه - قال: قال لي شهر بن حوشب - رضي الله عنه - {سوء الحساب} أن لا يتجاوز له عن شيء. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو الشيخ، عن فرقد السبخي - رضي الله عنه - قال: قال لي إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا. قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: {سوء الحساب} أن يؤخذ العبد بذنوبه كلها ولا يغفر له منها ذنب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي الجوزاء - رضي الله عنه - في الآية قال {سوء الحساب} المناقشة في الأعمال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الآية: 17]. قال الواسطى: خلق الله تعالى درة صافية فلاحظها بعين الجمال فزابت منه حياءً، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} فصفاء القلوب من وصول الماء إليه وحياء الأسرار من نزول ماء ذلك المشرب. قال ابن عطاء: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} هذا مثلٌ ضربه الله تعالى للعبد كما أنه إذا سال السيل فى الأودية، لم يبق فى الأودية نجَاسة إلا كنسها وذهب بها، كذلك إذا سال النور الذى قسم الله تعالى للعبد فى نفسه لا يبقى فيه غفلةٌ ولا ظلمة {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} يعنى قسمة النور {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} يعنى فى القلوب الأنوار على ما قسم له فى الأزل، {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} فبذلك النور يصير القلب منورًا فلا يبقى فيه جفوة، {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} فذهب البواطيل وتبقى الحقائق. قال بعضهم: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}: أنواع الكرامات فأخذ كل قلب بحظه، ونصيبه فكل قلب مؤيد بنور التوفيق، أضاء فيه سراج المعرفة، وكل قلب زين بنور الهدى أضاء فيه أنوار المعرفة، وكل قلب قيد بنور المحبة، أضاء فيه لهيب الشوق وكل قلب عمى بلهيب الشوق أضاء فيه أنس القرب، كذلك القلوب تتقلب من حالة إلى حالة حتى تستغرق فى أنوار المشاهدة، أخذ كل قلب بحظه، ونصيبه إلى أن تبدو الأنوار على الشواهد من فضل نور السر. قوله عز وجل: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 17]. قال ابن عطاء: ما كان من الأحوال صدقًا. ثبت فى القلوب بركاتها، وما كان من غير ذلك فإنه لا يبقى فيه خير. قال الواسطى: فى قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} هو القرآن فى صرف الكرم والفضل {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} رؤيتك الأعمال، وصولتك بها على جيرانك، {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} عند أهل التوحيد، {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} وهو اليقين، وهو ما سال من الله عليه من صرف الكرم فيبقى عليه.
القشيري
تفسير : هذه الآية تشتمل على أمثالٍ ضربها اللَّهُ لتشبيه القرآنِِ المُنَزَّلِ بالماءِ المُنَزَّلِ من السماء، وشبَّه القلوب بالأودية، وشبَّه وساوسَ الشيطان وهواجسَ النَّفْس بالزَّبِّدِ الذي يعلو الماء، وشبَّه الخُلُق بالجواهر الصافية من الخَبَثِ كالذهب والفضة والنحاس وغيرها. وشبَّه الباطلَ بِخَبَثِ هذه الجواهر. وكما أن الأودية مختلفة في صغرها وكبرها وأن بقدرها تحتمل الماء في القلة والكثرة - كذلك القلوبُ تختلف في الاحتمال على حسب الضعف والقوة. وكما أَن السيلَ إذا حَصَلَ في الوادي يُطَهِّرُ الوادي فكذلك القرآن إذا حصل حِفْظُه في القلوب نَفَى الوساوسَ والهوى في الوادي عنها، وكما أَنَّ الماءَ قد يصحبه ما يكدره، يخلص بعضه مما يشوبه - فكذلك الإيمان وفَهُمْ القرآن في قلوب المؤمنين حين تخلص من نَزَغَاتِ الشيطان ومن الخواطر الرَّدِيَّة، فالقلوب بين صافٍ وكَدِرٍ. وكما أنَّ الجواهَر التي تتخذ منها الأواني إذا أذيبت خَلَصَتْ من الخَبَثِ كذلك الحق يتميز من الباطل، ويبقى الحقُّ ويضمحل الباطل. ويقال إن الأنوار إذا تلألأت في القلوب نَفَت آثار الكلفة، ونور اليقين ينفي ظلمة الشك، والعلم ينفي تهمة الجهل، ونور المعرفة ينفي أثر النكرة، ونور المشاهدة ينفي آثار البشرية، وأنوار الجمع تنفي آثار التفرقة. وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار الحظوظ، وأنوارُ طلوعِ الشمس من حيث العرفان تنفي سَدَفَةَ الليل من حيث حسبان أثر الأغيار. ثم الجواهر التي تتخذ منها الأواني مختلفة فَمِنْ إناءٍ يتخذ من الذهب وآخر من الرصاص، إلى غيره، كذلك القلوب تختلف، وفي الخبر: " حديث : إن لله تعالى أوانيَ وهي القلوب"تفسير : ؛ فزاهد قاصدٌ ومحب واجِدٌ، وعابدٌ خائفٌ ومُوحِّدٌ عارفٌ، ومتعبِّدٌ متعفِّفٌ ومتهجِّدٌ متصوف، وأنشدوا: شعر : ألوانُها شتَّى الفنونِ وإنما تُسْقى بماءٍ واحدٍ من مَنْهَلِ
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} شبه الله سبحانه انزل الماء من السماء الى الاودية بما نزل من مياه بحار انوار ذاته وصفاته واسمائه وافعاله الى قلوب الموحدين والعارفين والصديقين والمكاشفين والمشاهدين والعاشقين والمشتاقين والمحبين والموقنين والمخلصين والمتعبدين والمريدين وكما يحتمل الاودية بضعفها وقوتها وضيقها والى الادمغة فيسيل ذلك العرق على اودية العيون وصحارى الوجوه فما اطيب ذلك العرق وبالها من طيبه ولذته كما قيل كل جمرة من انفاسهم قدحت وكل ماء فمن عين لهم جارى ويقال ان الانوار اذا تلالات فى القلوب نعت اثار الظلمة فنور اليقين يفنى ظلمه الشك ونور العلم يفنى تهمة الجهل ونور المعرفة يمحوا اثر النكرة ونور المشاهدة يفنى اثار البشرية وانوار الجمع يفنى اثار التفرقة وعند انوار الحقائق يتلاشى اثار الحظوظ وانوار طلوع الشمس من حيث العرفان تفنى سدقة الليل من حيث === تاثير الاخبار.
اسماعيل حقي
تفسير : {انزل} اى الله تعالى {من السماء ماء} اى مطرا ينحدر منها الى السحاب ومنه الى الارض وهو رد لمن زعم انه يأخذه من البحر ومن زعم ان المطر انما يتحصل من ارتفاع ابخرة رطبة من الارض الى الهواء فينعقد هناك من شدة برد الهواء ثم ينزل مرة اخرى وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان تحت العرش بحر ينزل منه ارزاق الحيوانات يوحى الله اليه فيمطر ما شاء من سماء الى سماء الدنيا ويوحى الى السحاب ان غربله فيغربله فليس من قطرة تقطر الا ومعها ملك يضعها موضعها ولا ينزل من السماء قطرة الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان يوم الطوفان من ماء فانه نزل بغير كيل ولا وزن. يقول الفقير هذه الرواية ادل على قدرة الله تعالى مما ذهب اليه الحكماء كما لا يخفى فقول من قال فى التفسير اى من السماء نفسها فان مبادئ الماء منها ففى لفظة من مجاز تضييق للامر وعدول عن الحقيقة من غير وجه معتد به والله على كل شيء قدير {فسالت} من ذلك الماء والسيلان الجريان {اودية} جمع واد كاندية جمع ناد وهو الموضع الذى يسيل الماء فيه بكثرة والمراد ههنا الانهار بطريق ذكر المحل وارادة الحال ونكرها لان المطر يأتى على طريق المناوبة بين البقاء فيسيل بعض اودية دون بعض {بقدرها} بفتح الدال وسكونها صفة لاودية او متعلق بسالت والضمير راجع الى المعنى المجازى للاودية اى بمقدارها الذى علم الله انه نافع للمطور عليهم غير ضار اى بالقدر الذى لا يتضرر الناس به. وبالفارسية [باندازه كه خداى تعالى مقرر كرده كه آن سود رساند وزيان نكند] وذلك لانه ضرب المطر مثلا للحق فوجب ان يكون مطرا خالصا للنفع خاليا من المضرة ولا يكون كبعض الامطار والسيول الجواحف ويجوز ان يكون الضمير راجعا الى المعنى الحقيقى لها على طريق الاستخدام اى بمقدارها فى الصغر والكبر اى ان صغر الوادى قل الماء وان اتسع الوادى كثر الماء. وبلفارسية [بقدرها باندازه خود يعنى هر وادى بمقدار خود درجزوى وبزركى زتنكى وفراخى برادشت] {فاحتمل السيل} اى حمل ورفع {زبدا} هو اسم لكل ما علا وجه الماء من رغوة وغيرها سواء حصل بالغليان او بغيره. وبالفارسية [كف] واصله كل شيء تولد من شيء مع مشابهته له ومنه الزبد {رابيا} عاليا فوق الماء {ومما يوقدون عليه فى النار} خبر مقدم لقوله زبد مثله وعليه متعلق بيوقدون. والايقاد جعل النار تحت الشيء ليذوب وفى النار حال من الضمير فى عليه اى ومن الذى يوقد الناس عليه يعنى [ميكذارند] حال كونه ثابتا فى النار وهو يعم الفلزات والفلز بكسر الفاء واللام وشد الزاى جوهر الارض اى الاجساد السبعة المعدنية التى تاب وهى الذهب والفضة والحديد والنحاس والآنك والزئبق والصفر {ابتغاء حلية} مفعول له اى طلب زينة فان اكثر الزين من الذهب والفضة {او متاع} عطف على حلية وهو ما يتمتع به اى ينتفع به كالنحاس والحديد والرصاص يذاب فيتخذ منه الاوانى وآلات الحروب والحرث {زبد مثله} قوله مثله صفة زبد اى ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء يعلو عليه اذا اذيب وهو الخبث على ان تكون من ابتدائية او بعضه زبد مثله على ان تكون تبعيضية {كذلك} فى محل النصب اى مثل ذلك الضرب والبيان والتمثيل {يضرب الله الحق والباطل} اى بينهما ويمثلهما فانه تعالى مثل الحق فى الثبات والنفع بالماء النافع وبالفلز الذى ينتفعون به فى صوغ الحلى منه واتخاذ الامتعة المختلفة وشبه فى سرعة زواله وقله نفعه بالزبد الضائع اى بزبد السيل الذى يرمى به وبزبد الفلز الذى يطفو فوقه اذا اذيب فالزبد وان علا الماء فهو ينمحق وكذا الباطل وان علا الحق فى بعض الاحوال فان الله سيمحقه ويبطله بجعل العاقبة للحق واهله كما قيل للحق دولة وللباطل صولة: قال الحافظ شعر : سحر با معجزه بهلو نزند ايمن باش سامرى كيست كه دست از يد بيضا ببرد تفسير : وبين وجه الشبه وهو الذهاب باطلا مطروحا والثبات نافعا مقبولا بقوله {فاما الزبد} [اما كف روى آب وخبث بالاى فلز] وبدأ بالزبد مع تأخره فان ذلك الزبد ويتأخر وجوده الاستمرارى {فيذهب جفاء} قال فى القاموس الجفاء كغراب الباطل وهو حال اى باطلا مرميا به {واما ما ينفع الناس} كالماء وخلاصة الفلز {فيمكث فى الارض} اى يبقى ولا يذهب فينتفع به الناس اما الماء فيثبت بعضه فى منافعه ويسلك بعضه فى عروق الارض الى العيون والقنى والآبار واما الفلز فيبقى ازمنة متطاولة {كذلك} [همجنين كه ذكر كرده شد] {يضرب الله الامثال} ويبينها لايضاح المشتبهات. والمثل القول الدائر بين الناس والتمثيل اقوى وسيلة الى تفهيم الجاهل الغبى وهو اظهار للوحشى فى صورة المألوف. قال الكاشفى [بعضى بدانند كه مراد ازين آب قر آنست كه حيات دل اهل ايمانست واوديه دلها انكه فراحور استعداد خود ازان فيض ميكيرند وزبد هو اجس نفسانى ووساوس شيطانى است]. وقال ابو الليث فى تفسيره شبه الباطل بالزبد يعنى احتملت القلوب على قدر هواها باطلا كثيرا فكما ان السيل يجمع كل قذر فكذلك الهوى يحتمل الباطل وكما ان الزبد لا وزن له فكذلك الباطل لا ثواب له والايمان واليقين ينتفع به اهله فى الآخرة كما ينتفع بالماء الصافى فى الدنيا والكفر والشك لا ينتفع به فى الدنيا والآخرة. وفى التأويلات النجمية {انزل من السماء} من سماء القلوب {ماء} المحبة {فسالت اودية} النفوس {بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا} من الاخلاق الذميمة النفسانية والصفات البهيمية الحيوانية وانزل من سماء الارواح ماء مشاهدات انوار الجمال فسالت اودية القلوب بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا من انانية الروحانية وانزل من سماء الجبروت ماء تجلى صفة الالوهية فسالت اودية الاسرار بقدرها فاحتمل السيل زبد الوجود المجازى: قال فى المثنوى شعر : جون تجلى كرد اوصاف قديم بس بسوزد وصف حادث را كليم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (جُفاء): حال. و(الحسنى): مبتدأ، و(للذين): خبر مقدم. و(الذين لم يستجيبوا): مبتدأ و(لو أن): خبر، أو (للذين): متعلق بيضرب، و(الحسنى): نعت لمصدر محذوف، و(الذين): معطوف على (الذين) الأولى، أي: يضرب الأمثال للذين استجابوا الاستجابة الحسنى وللذين لم يستجيبوا، ثم استانف قوله: لو أن... إلخ. يقول الحق جل جلاله: {أنزل من السماء} أي: السحاب، أو ناحية السماء، {ماءً}؛ مطراً {فسالتْ} به {أودية}: أنهار، جمع وادٍ، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة، فاتسع واستعمل للماء الجاري فيه. {بقَدَرها} أي: بقَدَر صغرها وكبرها، كل يسيل على قدره، أو بقدر ما قسم في قسمة الله تعالى، وعلم أنه نافع غير ضار، {فاحتمل السيلُ زَبَداً} أي: رفعه على وجه الماء، وهو ما يحمله السيْل من غذاء ونحوه، أو ما يطفو على الماء من غليانه، {رابياً}: عالياً على وجه الماء، {ومما تُوقدون عليه في النار} من الذهب وفضة، وحديد ورصاص ونحاس وغيره، {ابتغاءً} أي: لطلب {حليةٍ} كالذهب والفضة، {أو متاع} كالحديد والنحاس يصنع منه ما يتمتع به؛ من الأواني وآلات الحرب والحرث. والمقصود بذلك: بيان منافعها، فكل واحد منهما له {زَبَدٌ مثله} أي: مثل زبد الماء، وهو خبثه الذي تخرجه النار عند سبكه. {كذلك يَضْرِِبُ اللَّهُ الحقَّ والباطل}؛ فمثل الحق ـ وهو العلم بالله وبأحكامه ـ كمثل الأمطار الغزيرة، ومثل القلوب التي سكن فيها، وجرت حِكَمُه على ألسنة أهلها؛ كالأودية والأنهار والخلجان، كلٌّ يحمل منه على قدره، وسعة صدره، ومثل الباطل الذي دمغه وذهب به؛ كالزبد وخبث الحديد والنحاس، أو الذهب والفضة. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله. ورُوِي مثل هذا عن ابن عباس. وإنكار ابن عطية له جمود، وتَذَكرْ حديث البخاري: "مثل ما بعثني الله به من الهدى..." الحديث، فإنه يشهد لذلك التأويل. وتقدم له بنفسه في قوله: {أية : أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ} تفسير : [يوسف:39] ما يشير إلى تفسير أهل الإشارة والرموز. وراجع ما تقدم لنا في خطبة الكتاب يظهر لك الحق والصواب. قال البيضاوي: مُثِّلَ الحقُّ في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فتنفع به أنواع المنافع، ويمكن في الأرض، فيثبت بعضه في منابعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والآبار، وبالفِلِزِّ الذي ينتفع به في صَوْغ الحلي، واتخاذ الأمتعة المختلفة، ويدوم ذلك مدة متطاولة. والباطلُ، في قلة نفعه وسرعة ذهابه، بزبدهما، وبيَّن ذلك بقوله: {فأما الزَّبدُ فيذهب جُفَاءً}، أي: مَرْمياً به، من جفاه: رمى به وأبعده، أي: يرمى به السيل والفلز المذاب. هـ. {وأما ما ينفع الناس} كالماء، وخالص الذهب أو الحديد، {فيمكثُ في الأرض} لينتفع به أهلها. {كذلك يضرب اللهُ الأمثالَ} لإيضاح المشكلات المعنوية، بالمحسوسات المرئية. {للذين استجابوا لربهم} بالإيمان والطاعة، {الحسنى} أي: المثوبة الحسنى، أو الجنة. {والذين لم يستجيبوا له} من الكفرة {لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به} من هول ذلك المطلع. أو: يضرب الأمثال للذين استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا له. ثم بيَّن مثال غير المستجيبين بقوله: {لو أن لهم...} إلخ. {أولئك لهم سُوءُ الحساب}؛ أقبحه وأشده، وهو أن يناقش فيه، بأن يحاسبَ العبد على كل ذنب، ولا يغفر منه شيء، {ومأواهم}: مرجعهم {جهنمُ وبئس المهادُ}؛ الفراش والمستقر، والمخصوص محذوف، أي: هذا. الإشارة: قد اشتملت الآية على ثلاثة أمثلة: مثال للعلم النافع، ومثال للعمل الخالص، وللحال الصافي. فمثَّل الحقُّ تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء، فإنه تحيا به الأرض، وتجري به الأودية والعيون والآبار، ويحبس في الخلجان والقدور لنفع الناس، وتتطهر به الأرض من الخبث؛ لأنه ترمى به السيول، فيذهب جفاء، كذلك العلم النافع تحيا به النفوس بعد الموت بالجهل والشك، وتحيا به الأرواح بعد موتها بالغفلة والحجاب، وتمتلئ به القلوب على قدر وسعها وسعتها، وعلى قدر ما قُسم لهم من علم اليقين، أو عين اليقين، أو حق اليقين، وتتطهر به النفوس من البدع وسائر المعاصي. ومثَّل العمل الخالص الذي تَصَفَّى من الرياء والعجب وسائر العلل، بالحديد المصفى من خبثه؛ لتصنع منه السيوف والآلات، أو النحاس المصفى لتصنع منه الأواني، وغيرها مما ينفع به الناس. ومثَّل الحال الصافي من العلل بالذهب المصفى أو الفضة، إذا صفيت وذهب خبثها؛ ليصنع بهما الحلي والحلل؛ ليتزين بها أهلها، فأشار إلى المثال الأول ـ وهو ا لعلم ـ بقوله: {أنزل من السماء ماء} إلخ. وأشار إلى الحال بقوله: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية}، وأشار إلى العمل بقوله: {أو متاع زبد مثله}. وقدَّم الحال لشرفه، ومثَّله بالذهب والفضة؛ لزيادة الرغبة فيه؛ لأنه ثمرة العمل، ومرجعه إلى الوجدان والأذواق، وهو عزيز لا يجده إلا المقربون. والحاصل: أن المراتب أربعة: العلم، والعمل، والحال، والمقام. وإنما لم يضرب الحق تعالى مثلاً للمقام؛ لأن النزول فيه لا يكون إلا بعد التصفية، فليس فيه علة، يحتاج إلى التصفية منها. فمقامات اليقين كلها يجري فيها العلم، والعمل، والحال، والمقام. فالتوبة مثلاً: يتعلق العلم بمعرفة حقيقتها وفضليتها، ثم يسعى في العمل بالمجاهدة والرياضة حتى يذهب زبده وخبثه، حتى يذوق حلاوة الاستقامة مع بقية الخوف من السقوط، وهذا هو الحال، ثم تطمئن النفس، وترسخ التوبة النصوح، وهذا هو المقام. وكذلك الصبر، يتعلق به العلم أولاً ثم يسعى في مرارة استعماله حتى يذوق حلاوة الشدة والفاقة ثم يرسخ فيه، وهكذا يجري في المقامات كلها... وهي اثنا عشر مقاماً: التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة، وهي: بروج شمس المعرفة، وقمر التوحيد. وكذلك معرفة الشهود والعيان: يتعلق العلم أولاً بأسرار التوحيد، ثم يعمل في خرق عوائد نفسه حتى تموت، فيشرق عليها أنوار التوحيد، غير أنها تظهر وتخفى، ثم يصير الشهود مقاماً، رسوخاً وتمكيناً. وقد أشار الحكم إلى بعض هذا فقال: "حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال". وكل واحد من الثلاثة يحتاج إلى تصفية حتى يذهب زبده وخبثه؛ فتصفية العلم بالإخلاص والتحقيق، فيذهب عنه قصد الرئاسة والجاه، أو التوصل إلى الدنيا، ويذهب به الشكوك والأوهام؛ فهذا زبده. وتصفية العمل بالإخلاص في أوله، والإتقان والحضور في وسطه، والكتمان في آخره، فيذهب عنه الرياء والعجب به، والتوصل به إلى حفظ نفساني. وتصفية الحال بصحة القصد وإفراد الوجهة، وإذا هاج عليه الوارد ملك نفسه وأمسكها، فيذهب به قصد الظهور، وطلب المراتب الدنيوية والكرامات الحسية، التي هي من حظ النفس وتشتيت القلب، إن لم يفرد وجهته لله، وانحلال عزمه وخمود نوره، إن لم يمسك نفسه عند هواجم الحال. فهذا زبد الحال الذي يذهب عنه بمجاهدة النفس، ويمكث في أرض القلوب صفاء اليقين والمعرفة وخالص العمل في مقام العبودية. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال من عرف هذا العلم النازل وحال من أنكره فقال: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر {ومما يوقدون} بالياء. الباقون بالتاء. قال أبو علي: من قرأ بالتاء فلما قبله من الخطاب، وهو قوله {قل أفاتخذتم} ويجوز ان يكون خطاباً عاماً، يراد به الكافة، فكان المعنى {مما توقدون} عليه ايها الموقدون زبد مثل زبد الماء الذي عليه السيل {فأما الزبد فيذهب جفاء} لا ينتفع به كما ينتفع بما يخلص بعد الزبد من الماء والذهب والفضة والصفر. ومن قرأ بالياء، فلان الغيبة قد تقدم في قوله {أم جعلوا لله شركاء} ويجوز ان يراد به جميع الناس ويقوي ذلك قوله {وأما ما ينفع الناس} فكما ان الناس يعم المؤمن والكافر كذلك الضمير في {يوقدون} وقال {ومما يوقدون عليه في النار} كقوله {أية : فأوقد لي يا هامان على الطين}تفسير : فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وان كان يلحقه وهجها ولهبها. وأما قوله {أية : بورك من في النار}تفسير : فالمعنى على من في قرب النار، وليس يراد به متوغلها {أية : ومن حولها}تفسير : ومن لم يقرب منها قرب الآخرين ألا ترى ان قوله {أية : وممن حولكم من الأعراب منافقون}تفسير : لم يقرب المنافقون الذين حولهم فيه قرب المخالطين لهم حيث يحضرونه ويشهدونه في مشاهدهم. قال الحسن يقول الذي {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} الى قوله {ابتغاء حلية} الذهب والفضة والمتاع والصفر والحديد {كذلك يضرب الله الحق والباطل} كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد، فيخلص خالصه، {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} قال فكذلك الحق بقي لأهله فانتفعوا به. وقرأ الحسن {بقدرها} بتخفيف الدال وهما لغتان يقال أعطى قدر شبر وفي المصدر بالتخفيف لا غير تقول: قدرت اقدر قدراً، وفي المثل التخفيف، والتثقيل تقول: هم يختصمون في القدر بالسكون والحركة قال الشاعر: شعر : الا يا لقوم للنوائب والقدر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري تفسير : أخبر الله تعالى انه هو الذي ينزل من السماء ماء يعني الامطار والغيوث، فتسيل هذه المياه أودية بقدرها من القلة والكثرة. والسيل جري الماء من الوادي على وجه الكثرة. يقال جاء السيل يغرق الدنيا، وسال بهم السيل إذا جحفهم بكثرته. والوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر، ومنه اشتقاق الدية، لانه جمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتيل، والقدر إقران الشيء بغيره من غير زيادة ولانقصان. والوزن يزيد وينقص، فاذا كان مساوياً، فهو القدر. وقوله {فاحتمل السيل زبداً رابياً} فالاحتمال رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له، ويقال علا صوته على فلان فاحتمله، ولم يغضبه، فقوله هذا يحتمل وجهين: معناه له قوة يحمل بها الوجهين، والزبد وضر الغليان، وهو خبث الغليان ومنه زبد القدر، وزبد السيل، وزبد البعير. والجفاء ممدود مثل الغثاء وأصله الهمزة يقال جفا الوادي جفاء. قال الفراء: كل شيء ينضم بعضه الى بعض فأنه يجيء على (فعال) مثل الحطام والقماش والغشاء والجفاء، فاذا أردت المصدر، فهو مقصور. وقوله {رابياً} معناه زائداً، يقال ربا يربو رباً فهو راب. ومنه الربا المحرم. وقوله {ومما توقدون عليه} اي ومن ذلك توقدون عليه زبد مثله، والايقاد القاء الحطب في النار أوقد ايقاداً واستوقدت النار واتّقدت وتوقّدت. وقوله {ابتغاء حلية} معناه طلب حلية من الذهب والفضة أو متاع يعني الصفر والحديد، والمتاع ما تمتعت به قال الشاعر: شعر : تمتع يا مشعّث إن شيئاً سبقت به الممات هو المتاع تفسير : {زبد مثله} يعني من الذي يوقد عليه زبد مثل زبد السيل، ومثل الشيء ما سد مسده، وقام مقامه، فيما يرجع الى ذاته. وقوله {كذلك يضرب الله الحق والباطل} اي يضرب المثل للحق والباطل، وضرب المثل تسييره في البلاد حتى يتمثل به الناس. وقوله {فأما الزبد فيذهب جفاء} اخبار منه تعالى ان الزبد الذي يعلو على الماء والنار يذهب باطلاً وهالكاً، قال أبو عبيدة قال أبو عمرو، وتقول العرب أجفأت القدر إِذا غلت فانصب زبدها، وسكنت فلا يبقى منه شيء. والجفاء ممدود مثل الغثاء، واصله الهمز. وقوله {وأما ما ينفع الناس} من الماء الصافي، والذهب، والفضة، والحديد، والصفر {فيمكث في الأرض} اي يلبث ويثبت. والمكث الكون في المكان على مرور الزمان مكث يمكث مكثاً وتمكث تمكثاً والمكث طول المقام. وقوله {كذلك يضرب الله الأمثال} اي يضرب الله مثل الحق والباطل بالماء الذي ينزل من السماء، وبجواهر الارض، فإن لهما جميعاً زبداً، هذا عند سيله وجريه، وهذا عند اذابته بالنار وهو وسخه وخبثه، فالحق ثابت كالماء الذي يبقى في الارض ينبت به الزرع والشجر وكالجواهر التي في ايدي الناس تصبر على النار، فلا تبطل فينتفعون بها. والباطل كزبد هذين يذهب، لا منفعة فيه بعد ان يرى له حركة واضطراب. وفي ذلك تنبيه لمن تقدم ذكره من المشركين الذين سألوا الآيات على سبيل التكذيب والعناد.
الجنابذي
تفسير : {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} جواب لسؤالٍ كأنّه قيل: ان كان هو الواحد الّذى لا ثانى له القهاّر الّذى لا انانيّة لشيءٍ معه فما هذه الكثرات المشهودة؟ - فقال: انزل من السّماء ماءً فظهر الكثرات فلا انانيّة ولا ظهور لشيٍ منها الاّ بذلك الماء الّذى هو فعله بل هو هو لا غير والمقصود تمثيل ظهور الكثرات من امر واحد هو فعل الله وقوامها بذلك الامر بنزول الماء الّذى هو حقيقة واحدة من الجهة الواحدة الّتى هى السّماء وتكثّره بتكثّر الاودية وظهور الزّبد الغير النّافع عليه {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} نسبة سالت الى الاودية مجاز {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} مرتفعاً على السّيل {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ} ومن الفلزّات الّتى يوقد النّاس عليها النّار حال كونها فى النّار {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} كما يصاغ من الدّهب والفضّة وغيرهما {أَوْ مَتَاعٍ} ما يتمتّع به كالاوانى وآلات الصّنائع وغيرها {زَبَدٌ مِّثْلُهُ} مثل زبد الماء يعنى انّ الزّبد الغير النّافع لا اختصاص له بالماء والسّيل بل يكون فى الجوامد والفلزّات الّتى تذاب بالنّار، والمقصود انّ الباطل لا اختصاص له بالتّعيّنات الامكانيّة الّتى هى كزبد الماء بل النّفوس البشريّة الّتى هى كالفلزّات فى شدّة تراكمها وصلابتها تتحمّل زبد باطل الاهوية {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} يعنى انّ مثل ظهور الحقّ واختلاطه بالباطل مثل نزول الماء واختلاطه بالزّبد فالممثّل له بحسب مراتب الوجود يحتمل وجوهاً وكذا بحسب مراتب العلم اى الوجود الّذهنىّ. فنقول بحسب التّطبيق على الممثّل له، انزل من سماء الاسماء ماء المشيّة فسالت اودية المهيّات قدرها فاحتمل الماء السّائل فى اودية المهيّات زبد التّعيّنات والتّكثّرات، فامّا الماء الّذى هو حقيقة متحقّقة فيبقى، وامّا الزّبد وان كان ساتراً لوجه الماء ظاهراً فى الانظار دون الماء بحيث لا يدرك القاصرون فى الادراك الاّ ذلك الزّبد والتّعيّنات حتّى قالوا: انّ الوجود اعتبارىّ صرف وانّ المهيّات اصيلة فى التّحقّق فهو باطل مضمحلّ متلاشٍ كلّ شيءٍ هالك الاّ وجهه، وانزل من سماء المشيّة ماء وجودات الاشياء فسالت اودية المهيّات الى الآخر، وانزل من سماء العقول ماء وجود النّفوس وما دونها فسالت اودية النّفوس وعالم المثال وعالم الطّبع بقدرها الى الآخر، وانزل من سماء عالم المثال ماء وجود عالم الطّبع الى الآخر، هذا فى الكبير، وامّا فى الانسان الصّغير فنقول: انزل من سماء الارواح ماء الحياة فسالت اودية المدارك الحيوانيّة والمراتب النّباتيّة الى مقام الطّبع فاحتمل السّيل زبد الاخلاق الرّذيلة والاهوية الرّديّة والافعال الذّميمة كما انّ الاخلاق الحسنة والاشواق الآلهيّة والافعال المرضيّة متحقّقة بذلك الماء، وامّا بحسب العلم والذّهن وهو عين وخارج بوجهٍ فنقول: انزل من سماء الولاية ماء النّبوّة والرّسالة فسالت اودية القلوب والصّدور بحسبها فبعض بحسب استعداد الاتّصاف بالنّبوّة والرّسالة وبعض بحسب استعداد قبول احكامها فاحتمل السّيل زبد مقتضى الاهواء من الآراء الباطلة والبدع العاطلة المختلطة بمرور الازمان بأحكام الرّسالة والنّبوّة ومنه الزّيادة والنّقيصة والتّحريف فى الكتاب الآلهىّ، او انزل من سماء النّبوّة ماء الرّسالة او من سماء الرّسالة ماء الاحكام الآلهيّة، او انزل من سماء الرّوح ماء العلم فسالت اودية القلوب والصّدور فاحتمل السّيل زبد مداخلة الاهواء فى العلم، او انزل من سماء القلب ماء العمل فسالت اودية الصّدر {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} مرميّاً يرمى به السّيل {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} لانتفاع اهلها {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} كرّر ذكر كون الآية مثلاً تأكيداً وتنبيهاً على انّها بظاهرها ليست مقصودة ومنظوراً اليها بل المراد بيان حال الحقّ والباطل بالتّمثيل بأمرٍ حسّىٍّ.
اطفيش
تفسير : {أنزلَ منَ السَّماء ماءً} عذابا نافعا أى من جهة السماء وجهتها هى السحاب هنا، أو من السحاب نفسها، لأنها تسمى سماء، لأنها علت وأظلت، أو من السماء حقيقة على ما قيل: إن الماء منها، أو مبادئ الماء منها، والسماء يؤنث ويذكر. {فَسَألتْ} جرت {أوْدِيةً} جمع وادٍ على غير قياس، وهو الموضع الذى يسيل فيه الماء بكثرة، فإسناد السيلان إليها مجاز عقلى من إسناد الحال إلى المحل، فإنه السايل الماء لا الأودية، أو استعمل الأودية بمعنى الماء من باب تسمية الحال باسم المحل، فالأودية مجاز لغوى مرسل، أو يقدر مضاف، أى ماء أودية، فالأودية مجاز بالحذف أو الأصل، فسالت أودية ماء، فحذف التمييز ونكر الأودية، لأن المطر يأتى على تداول بين الأودية، وكذا السيلان، فإن المطر لا يعم الأرض ولا يسيل فى كل واد، بل ينزل فى أرض دون أرض، ويسيل فى واد دون واد. {بقَدَرها} بما قدر الله تعالى لها من ماء يسيل فيها، أو القدر بمعنى القدْر بإسكان الدال، أى بمقدارها الذى فى علم الله أنه نافع غير ضار، لأن الماء مثل للحق موجب أن يكون نافعا غير ضار لأراضى الناس أو بنائهم أو حرثهم أو شجرهم وغيرها، كما قال: {وأما ما ينفع الناس} أو بمقدارها فى الصغر والكبر. {فاحْتملَ} حمل ورفع، فافتعل هنا لموافقة المجرد، أو حمل قويا فهو للمبالغة {السَّيلُ} ماء المطر الجارى فى الأودية {زَبَداً} جسم أبيض رقيق يتولد من الماء عند الزيادة، ويعلو عليه، هذا هو المراد عندى، قيل: ويجوز أن يراد ما يحمله الماء من حشيش وأعواد ونحوهما، أو مجموع ذلك المذكور من الجسم الأبيض ونحو الحشيش {رابياً} عاليا فوق الماء، أو منتفخا، فالماء مثل للحق فى إفادته ونفعه وثابته، فكما أن الماء النازل من السماء ينتفع به أنواع المنافع شرابا وطعاما وسقيا للحرث والشجر والنبات، وبناء وغسلا للوسخ من الأرض وبدن وثوب، وغير ذلك، وثبت بعضه فى موضعه أيام ينتفع به، ويسلك بعضه فى عروق الأرض إلى العيون والآبار والقنى. كذلك الحق وهو دين الله، والقرآن ينتفع به دنيا وأخرى، ويثبت فى القلب راسخا كالنور، يتوصل به صاحبه إلى المنافع، وتحترز به عن المضار، وينكس الظلمة والغفلة عن القلب بقدر ما أوتى منه، والزبد مثل للباطل، فكما أن ذلك الزبد لا تقع فيه فى ظاهر الأمر لنا، ولو كان خلقه حكمة، ولا يثبت، فكذلك الباطل. وذكر الشيخ إسماعيل فى القناطر وغيره من العلماء، لإدخال كلام بعض فى كلام بعض: أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذا الناس إذ خلقوا منها، فأرض تنتفع بالمطر تمسكه وتنبت فينتفع الناس والدواب وغيرهم بمائها ونباتها، فكذا من علم وعمل ينتفع، وينتفع به غيره، وأرض تمسك المطر ولا تنبت فكذا، من يحفظ العلم ويتسنبط منه ولا يعمل به لو يحفظه فقط، ولا يعمل، فإنه ينتفع غيره بعلمه، كما يسقى الماء من تلك الأرض، وأرض لا تمسك الماء ولا تنبت، كذلك من لا يحفظ العلم ولا يعمل به، وأنه قد أشار إلى ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره البخارى ومسلم: "حديث : أن مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلاء"تفسير : أى المد وهو الرطيب والياس من الحشيش قال: "حديث : والعشب الكثير فكان منها أجادب"تفسير : أى بجيم ودال مهملة أى أماكن غير مخصبة أو أماكن تمسك الماء ولا يسرع فيه التصوب، وفى رواية: "حديث : أخاذان"تفسير : بالخاء والذال المعجمتين جمع أخاذة وهى الغدير الذى يمسك الماء قال: اكتسب الماء نفع الله به الناس، شربوا ورعوا وروى "حديث : وزرعوا وأصاب طائفة أخرى منها الماء قيعانا أى مستوية، قال: لا تمسك ولا تنبت كلاء فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعمل ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ومن لم يقبل هدى الله الذى أرسلت به " تفسير : {وممَّا} خبر ومبتدأه زيد المذكور بعد، ومن للتعبيض أو للابتداء، أى زبد مثل زبد الماء ثابت مما الخ، ويقدر كونا خاص أى ناشئ مما الخ {يُوقِدونَ} أى تجعلون الحطب للتتقد النار، وقرأ حمزة والكسائى وحفص: يوقدون بالمثناة التحتية، والضمير للناس للعلم بهم، أو للصواغين والحدادين للعلم بهم من السياق اللاحق {عَليهِ} الاستعلاء معنوى مجازى لا حسى حقيقة، فإن الإيقاد يكون تحت ما أريد أن يذوب لا فوقه، لكن ذلك الإيقاد يؤثر فى ذلك، ويذيبه فذلك تغلب عليه، فجعل استعلاء، ويجوز أن تكون على للتعليل. {فى النَّارِ} متعلق بتوقدون، لأن معناه يلقون لحطب فى النار، أو بمحذوف حال من الهاء، والمراد بذلك الذى يوقد عليه الذهب والفضة، والحديد والنحاس والرصاص بها ونحوها، مما يستخرج من المعادن، ويوقد عليها، وعبر عن ذلك بما ولم يصرح بها تهاونا، واظهارا لكبريائه تعالى، وتعريضا بمن يرغب فيها ويحرص {ابتِغاءَ} مفعول لأجله أى لطلب {حِلْيةٍ} زينة أو ما يتزين به كأطواق الذهب والفضة، والقرط والسوار والخلخال، وليس ذلك مختصا بالذهب والفضة كما قيل: وإنما هما الغالب فى ذلك وهاء عليه عائدة إلى الذهب والفضة فقط كما قيل، بل إلى ما العامة لهما ولغيرهما. {أو مَتاعٍ} ما يتمتع به أو التمتع، وذلك كأوان الشراب والطعام، والادخار، والأطباق والقدر والكانون، وآلات الحرث، وآلات الحرب، والدرهم والدينار والفلس، وفائدة قوله: {ابتغاء حلية أو متاعٍ} بيان منافع ما يقود عليه، وتلويح إلى بيان الموقد عليه من حلى بأنه ما تتخذ منه الحلى والأمتعة، ولم يذكر منفعة الماء لظهورها ولم يلوح إلى معنى الماء لأنه معلوم {زَبدٌ} ما يعلو المذاب من وسخ تنقيه نار الصواغ والحداد {مثْلُه} أى مثل زبد الماء، فألحق كالذى يتخلص من الموقد عليه من حلى وأمتعة فى الحسن والبقاء والاستنفاع، والباطل كالوسخ المتولد من الموقد عليه فى عدم الانتفاع به، وعدم الحسن. {كذلك يضْربُ الله الحقَّ والباطلَ} أى بينهما بالتمثيل، ويجوز أن يكون الأصل كذلك يضرب الله مثل الحق والباطل، فحذف المضاف، فالحق وهو دين الله، والقرآن والنور الحاصل فى القلب متهما كالماء فى البقاء والنفع وإزالة الوسخ والباطل، وهو دين الشيطان، والظلمة الحاصلة فى القلب أن اعتقاد السوء كالزبد فى عدم النفع، وسرعة الزوال، والذهاب كما قال الله جل جلاله: {فأمَّا الزَّبدُ} أى حقيقة الزبد الصادقة بزبد الماء، وزبد ما يوقد عليه، أو أراد بزبد الماء فقط {فيذْهبُ جُفاءً} حال أى باطلا مرميا به، ضائعا متفرقا، من قولك: جفاءة القدر الزبد، أو جفاءة السيل، أى رمى به، أو من جفاء الريح الغيم، أى فرقته وهمزته أصل، وقيل بدل من واو وقرأ رؤية بن العجاج جفاءة والمعنى واحد. قال أبو حاتم الأندلسى: لأن قرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر. {وأمَّا ما يْنفَع النَّاسَ} وهو الماء والحلية والمتاع المتخذان من الموقد عليه {فيمْكُث فى الأرْض} يبقى فيها زمانا طويلا ينتفع به، وأما نحو وسخ الحديد مما يبقى فليس بقاؤه معتبرا لعدم الانتفاع به، وعدم التحفظ عليه حتى لا يدرى أهله أين هو، فذلك ذهابه، والتباطل ولو كان يعلو على الحق فى بعض الأحيان، فإنه فى نفسه مستقل ويمحقه الله، ويجعل العاقبة للحق، كما أن الزبد يعلو ثم يمحق. {كَذلكَ يضْربُ الله الأمثالَ * للَّذينَ} خبر ومبتدأه الحسنى {اسْتجابُوا لربِّهم} أجابوه بالطاعة وهم المؤمنون {الحسْنَى} أى مثوبة الحسنى فى الدارين، أو الجنة، والمنفعة الحسنى فى الدارين. {والَّذين} هى مبتدأ خبره {لو أن لهم ما فى الأرض} الخ {لَمْ يسْتجيبوا لهُ} وهم الكفار {لَوْ أنَّ لهم ما فى الأرْضِ} أى لو ثبت أن لهم ما فيها {جَميعاً} حال مؤكدة لصاحبها وهو {ومثْله معه} متعلق بمحذوف نعت لمثل على أنه لم يتعرف بالإضافة، أو حال منه على أنه تعرف بها، وعلى أنه يجوز مجئ الحال من اسم الناسخ، فإن مثل معطوف على اسم إن، فكأنه اسمها، ويجوز أن يكون مثل معطوف على اسم إن، ومع على خبرها، فيكون من العطف على معمولى عامل. {لافْتدوْا بهِ} من عذاب الآخرة أى بالمذكور الذى هو ما فى الأرض، ومثل ما فيها أو بما فى الأرض مع مثله أو به وبمثله، فحذف على الوجهين الأخيرين قولك: مع مثله، أو قولك: وبمثله والمعنى لها أن عليهم، ورضوا أن يدفعوه فدية عن أنفسهم أولات حين قبول، وما ذكرته هو الذى يظهر لى، وأصححه ثم اطلعت على أنه قول النخعى، وفرقد السبخى، وشهر بن حوشب، وابن عباس، والجمهور، وقال بعضهم: للذين استجابوا متعلق بيضرب، والذين لم يستجيبوا معطوف عليه، فيكون الحسنى مفعولا مطلقا، أى استجابة الحسنى، ويكون قوله: {لو أن لهم ما فى الأرض} الخ مستأنفا لبيان مصير غير المستجيبين، ويكون المعنى: إن الله يضرب للمؤمنين والكافرين الحق والباطل مثالا لهم، أو يضرب الحق والباطل فى شأنهم، ومثله ولو كان واقعا فى القرآن، لكن الأولى خلافه، لأن الأصل عدم الفصل، فلو كان كذلك لقيل. كذلك يضرب الله الحق والباطل للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له، فأما الذين إلى آخره إلا أن يقال: لو قيل هكذا كان فى قوله: {لو أن لهم ما فى الأرض} الخ بعض خفاء، فأخر قوله: {للذين استجابوا} الخ، ولو كان يعلم من السياق أن المراد الذين لم يستجيبوا، لأن المؤمنين يطلبون الفداء مما لهم، وليس لهم سوء الحساب، واختار هذا الوجه الأخير الزمخشرى، والقاضى، ويقرب منه وجه آخر هو أن يجعل للذين استجابوانعتا لمفعول يضرب محذوفا، أى يضرب الله الحق والباطل مثلا ثابتا للذين استجابوا الخ. روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقال للكافر يوم القيامة لو أن لك ملء الأرض لكنت مفتديا به؟ فيقول له: نعم، فيقال له: كذبت فقد سئلت ما هو أهون من ذلك " تفسير : {أولئكَ} البعداء عن الخير الذين لم يستجيبوا لربهم {لَهم سوء الحِسابِ} قال النخعى، وشهر بن حوشب، وفرقد السبخى وغيرهم: سوء الحساب أن يناقشوا فلا يتجاوز لهم فى شئ، ونظم ابن هشام ذلك قال: شعر : سوء الحساب أن يؤاخذ الفتى بكل شئ فى الحياة قد أتى تفسير : {ومأْواهُم} مرجعهم {جَهنَّم وبئْسَ المهادَ} أى الفراش، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس المهاد هى، ومن أراد تدمير عدو يحل دمه فليصم الثامن والعشرين من الشهر وإن وافق سبتا فحسن ويفطر على خبز شعير، ويقم نصف الليل وقت شدة الظلمة فى برية قفرا أو سطح دار خالية، ويبخر باللبان وصندروس، ويتلوا {والذين لم يستجيبوا} إلى {المهاد} {والذين ينقضون} إلى {ولهم سوء الدار} سبع مرات يقول فى كل مرة: اللهم عليك بفلان بن فلانة، الله اعكس أمئه، واخلف نظره، ولا تثبت قدمه، واحلل به ما أحللت بكل جبار عنيد، فإنه يتفرق أمره، ويشرف على الهلاك.
اطفيش
تفسير : {أَنْزَل مِنَ السَّمَاءِ} من السحاب، أَو من جهة السماءِ، فإِن السحاب من جهتها أَو من نفس السماءِ أَو السموات تحقيقاً، والله قادر، أَو المرد أَن مبادئَه منها، والأَول أَولى؛ لأَن بعض الأَمطار من ماءِ البحور أَو العيون {مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} جمع واد، جمع فاعل على أَفعلة على غير قياس كما يجمع فعيل على أَفعلة قياساً، وذلك لتوارد فعيل وفاعل على الشىءِ الواحد، كعالم وعليم وشاهد وشهيد، وهو المنفرج بين الجبلين، وليس ما بين الجبلين كله يسيل فيه الماءُ، بل يسيل فى جانبه، مما يلى الجيل، ويسمى كله واديا؛ لأَن فيه موضع جريان الماءِ، وهو من ودى يدى بمعنى وصل إِليه، والماءُ يصل منه إِلى غيره، وأَسند السيلان إِلى الموضع مع أَنه للماءِ للعلاقة الحالية والمحلية، أَو سمى الماءُ باسم الوادى لتلك العلاقة، وهذا أَولى من تقدير مضاف هكذا: سال ماءُ أَودية، ونكر الأَودية لأَنها لا تسيل الأَودية كلها إِذا نزل الماءُ بل بعضها {بِقَدَرِهَا} بمقدارها الذى يسبق به القضاء من كثرة وقلة وامتلاءٍ وغير امتلاءٍ، وضر ونفع، فأَرض طيبة تتأَثر بالماءِ فتنب وتثمر كالمؤْمن يتأَثر بالوحى ينتفع وينفع الناس به، وأَرض تمسك الماءَ للناس والدواب، ولا تتأَثر به كمؤْمن وغيره يحفظ الوحى وينتفع به الناس ولا ينتفع به، وكحافظ وحى ينساه فيؤَديه فى غيره قبل النسيان، وأَرض لا تمسك الماءَ ولا تتأََثر بالمطر، كالمشرك والفاسق يسمعان الوحى ولا ينفعان به ولا ينتفعان به، {فْاحتَمَلَ} فحمل من الخماسى بالزيادة الجائِى بمعنى الثلاثى، أَو هو للمبالغة {السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً} السيل: الماءُ الجارى ولو من غير المطر، والمراد هنا؛ المطر، والزبد ما على وجه الماء لجريانه أَو اضطرابه من وسخ، وقيل: ما على وجهه ولو من غير اضطراب، أَو جرى كما يكون ماءٌ فى إِناءٍ، ويقال: هو ما على الماءِ من العشب اليابس، ورابيا عالياً، وعرف السيل؛ لأَنه قد تقدم وما يتضمنه فى قوله: فسالت وهو المصدر الذى فى ضمن الفعل، والسيل مصدر أَى فاحتمل جريان الماءِ زبدا، أَو الوصف، فإِن الضرب يدل على ضارب، وسالت على سائِل، والسيل بمعنى الماءِ السائِل، وكأَنه ذكر فى سالت، وهو نكرة، وأُعيد معرفة فى فاحتمل السيل، أَلا ترى كيف يجوز رد الضمير إِلى ما يفهم من الفعل، والضمير معرفة كمعرفة العهد نحو: "أية : وإن تشكروا يرضه لكم"تفسير : [الزمر: 7] و "أية : اعدلوا هو أَقرب للتقوى"تفسير : [المائدة: 8] ومن كذب فهو شر له، أَى يرض الشكر والعدل أَقرب، والكذب شر له، وأَولى من ذلك أَن تكون أَل للحقيقة {وَمِمَّا يُوقِدُونَ} خبر مقدم ومن للابتداءِ وزبد مبتدأٌ أَى زبد مثل زبد السيل، وما واقعة على الجواهر الأَرضية كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، ومن للابتداءِ لأَن زبداً مثل زبد السيل ينشأُ مما يوقدون، والمعنى ثابت مما توقدون بالتولد منه، وإِن شئْت قدرت الخبر كونا خاصاً أَى ناشىٌْ أَو متولد مما إلخ، أَو للتبعيض بمعنى وبعضه زبد، وحاصل المعنى أَن الموقد عليه من الجواهر المعدنية له زبد مثل الزبد الذى يعلو الماءَ إِذا أَذيب، فالصافى ينتفع به كما ينتفع بالماءَ، وزبده يبطل كما يبطل زبد الماءِ، ووجه الشبه أَن كلا ناشىءٌ من الأَكدار وصاعد وعال، والآية تهاون بما يستعظمون من نحو الذهب والفضة، إِذ ذكرها بلفظ ما لا بلفظ الذهب والفضة ونحوهما مع لفظ الإِيقاد عليها فى النار كما قال يُوقدون {علَيْهِ فِى النَّارِ} على عادة الملوك فى الاحتقار بالشىءِ كقوله: "أية : فأَوقد لى يا هامان على الطين"تفسير : [القصص: 38] فى تحصيل الأَجر، أَى هذه الجواهر التى تعدونها أَنفس الجواهر وتفتخرون بها وتتخذونها حلياً تتزينون بها فى مجالسكم هى التى توقدون عليها كقوله تعالى: "أية : فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماءٍ دافق"تفسير : [الطارق: 5] وقوله: "أية : من أَى شىءٍ خلقه * من نطفة خلقه فقدره"تفسير : [عبس: 18 - 19] أَى شىءٌ حقير، وللاحتقار لم يذكرها باسم الذهب والفضة والنحاس، فى النار حال من الهاءِ أَو متعلق بتوقد {ابْتِغَآءَ} طلب مفعول من أَجله {حِلْيَةٍ} ما يتزين به فى البدن أَو فى اللباس {أَوْ مَتَاعٍ} ما يتمتع به كأَوانى النحاس وآلات الحرب وآلات الحرث والدنانير والدراهم والفلوس {زَبَدٌ مِثلُهُ} زبد مثل زبد الماءِ، هو خبث تلك الجواهر ورديئها، أَو الوسخ {كَذَلِكَ يَضرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ} كما ذكر من الماءِ والموقد عليه والزبدين، يضرب الله مثل الحق والباطل على العموم، أَو التوحيد والشرك، فالحق فى الثبات والنفع كالماءِ من السماءِ يحرث به ويجمع فى الأَحواض والإِضاآت ويمكث فوق الجبال السفلية وتحتها، وكالجواهر المنتفع بها مع الطول والباطل فى سرعة الذهاب وعدم النفع أَو قلته كزبد الماءِ وزبد الموقد عليه {فَأَمَّا الزَّبدُ} زبد الماءِ وزبد الموقد عليه وهما مثلان للباطل {فيَذْهَبُ جُفَاءً} حال بمعنى ذا جفاءٍ، أَو مجفوا أَى غير معتنى به بل يرمى أَو لا يتعرض له، أَو مفعول مطلق أَى ذهاب جفاءٍ {وأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} من الماءِ والجواهر الموقد عليها {فيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ} زمانا للانتفاع به، والعرب توضح الشىءَ بالمثال فميز الله الحق بالمثل، كما أَوضح المشرك بالجاهل والأَعمى {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهَ الأَمْثَالَ} لزيادة البيان مثل ذلك الضرب العجيب يضرب الله الأَمثال فى كل باب يليق إِظهارا للطف والعناية فى الهداية، وهذا تأْكيد لقوله تعالى: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} إِذ الظاهر أَن ذلك إِشارة إِليهما بتأَويل ما ذكر، أَو إِلى ضرب المثل لهما كما هو الظاهر، وهذا مبنى على التمثيل الأَول، أَو نجعل ذلك إِشارة إِليهما معا والأَمثال المثلان.
الالوسي
تفسير : {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء } أي من جهتها على ما هو المشاهد، وقيل: منها نفسها ولا تجوز في الكلام. واستدل له بآثار الله تعالى أعلم بصحتها، وقيل: انزل منها نفسها {مَاءً} أي كثيراً أو نوعاً منه وهو ماء المطر باعتبار أن مباديه منها وذلك لتأثير الأَجرام الفلكية في تصاعد البخار فيتجوز في {مِنْ } {فَسَالَتْ } بذلك {أَوْدِيَةٌ } دافعة في مواقعه لا جميع الأودية إذ الأمطار لا تستوعب الأقطار وهو جمع واد. قال أبو علي الفارسي: ولا يعلم أن فاعلاً جمع على أفعلة، ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم وشاهد وشهيد وناصر ونصير. ثم ان وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب وطائر وأطيار. ووزن فعيل بجمع على أفعلة كجريب وأجربة، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع فاعل جمع فعيل فيقال: واد وأودية ويجمع فعيل جمع فاعل يتيم وأيتام وشريف وأشراف ا هـ. ونظير ذلك ناد وأندية وناج وأنجية قيل: ولا رابع لها. وفي شرح التسهيل ما يخالفه. والوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة، وبه سميت الفرجة بين الجبلين ويطلق على المار الجاري فيه، وهو اسم فاعل من ودى إذا سال فإن أريد الأول فالإسناد مجازي أو الكلام على تقدير مضاف كما قال الإمام أي مياه أودية، وإن أريد الثاني وهو معنى مجازي من باب إطلاق اسم المحل على الحال فالإسناد حقيقي، وإيثار التمثيل بالأودية على/ الأنهار المستمرة الجريان لوضوح المماثلة بين شأنها وما مثل بها كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى {بِقَدَرِهَا } أي بمقدارها الذي عينه الله تعالى واقتضته حكمته سبحانه في نفع الناس، أو بمقدارها المتفاوت قلة وكثرة بحسب تفاوت محالها صغراً وكبراً لا بكونها مالئة لها منطبقة عليها بل بمجرد قلتها بصغرها المستلزم لقلة موارد الماء وكثرتها بكبرها المستدعى لكثرة الموارد، فإن موارد السيل الجاري في الوادي الصغير أقل من موارد السيل الجاري في الوادي الكبير، هذا إذا أريد بالأودية ما يسيل فيها أما إن أريد بها المعنى الحقيقي فالمعنى سالت مياهها بقدر تلك الأودية على نحو ما عرفته آنفاً أو يراد بضميرها مياهها بطريق الاستخدام ويراد بقدرها ما ذكر أولاً من المعنيين قاله شيخ الإسلام، والجار والمجرور على ما نقل عن الحوفي متعلق بسالت، وقال أبو البقاء: إنه في موضع الصفة لأودية، وجوز أن يكون متعلقاً بأنزل. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأشهب العقيلي وأبو عمرو في رواية {بقدرها} بسكون الدال وهي لغة في ذلك. {فَٱحْتَمَلَ } أي حمل وجاء افتعل بمعنى المجرد كاقتدر وقدر {ٱلسَّيْلُ } أي الماء الجاري في تلك الأودية والتعريف لكونه معهوداً مذكوراً بقوله تعالى: {أَوْدِيَةٌ } ولم يجمع لأنه كما قال الراغب مصدر بحسب الأصل، وفي "البحر" أنه إنما عرف لأنه عنى به ما فهم من الفعل والذي يتضمن الفعل من المصدر وإن كان نكرة إلا أنه إذا عاد في الظاهر كان معرفة كما كان لو صرح به نكرة، وكذا يضمر إذا عاد على ما دل عليه الفعل من المصدر نحو من كذب كان شراً له أي الكذب، ولو جاء هنا مضمراً لكان جائزاً عائداً على المصدر المفهوم من سالت ا هـ. وأورد عليه أنه كيف يجوز أن يعنى به ما فهم من الفعل وهو حدث والمذكور المعرف عين كما علمت. وأجيب بأنه بطريق الاستخدام ورد بأن الاستخدام أن يذكر لفظ بمعنى ويعاد عليه ضمير بمعنى آخر حقيقياً كان أو مجازياً وهذا ليس كذلك لأن الأول مصدر أي حدث في ضمن الفعل وهذا اسم عين ظاهر يتصف بتلك فكيف يتصور فيه الاستخدام. نعم ما ذكروه أغلبـي لا يختص بما ذكر فإن مثل الضمير اسم الإشارة وكذا الاسم الظاهر ا هـ. وانظر هل يجوز أن يراد من السيل المعنى المصدري فلا يحتاج إلى حديث الاستخدام أم لا، وعلى الجواز يكون المعنى فاحتمل الماء المنزل من السماء بسبب السيل {زَبَدًا } هو الغثاء الذي يطرحه الوادي إذا جاش مائه واضطربت أمواجه على ما قاله أبو الحجاج الأعلم، وهو معنى قول ابن عيسى: إنه وضر الغليان وخبثه، قال الشاعر:شعر : وما الفرات إذا جاشت غواربه ترمي أواذيه العبرين بالزبد تفسير : {رَّابِيًا} أي عالياً منتفخاً فوق الماء، ووصف الزبد بذلك قيل: بياناً لما أريد بالاحتمال المحتمل لكون المحمول غير طاف كالأشجار الثقيلة، وإنما لم يدفع ذلك بأن يقال فاحتمل السيل زبداً فوقه للإيذان بأن تلك الفوقية مقتضى شأن الزبد لا من جهة المحتمل تحقيقاً للمماثلة بينه وبين ما مثل به من الباطن الذي شأنه الظهور في مبادي الرأي من غير مداخلة في الحق. {وَمِمَّا يُوقِدُونَ } ابتداء جملة كما روي عن مجاهد معطوفة على الجملة الأولى لضرب/ مثل آخر أي ومن الذي يفعلون الإيقاد {عَلَيْهِ } وضمير الجمع للناس أضمر مع عدم السبق لظهوره، وقرأ أكثر السبعة وأبو جعفر والأعرج وشيبة {توقدون} بتاء الخطاب، والجار متعلق بما عنده وكذا قوله تعالى: {فِى ٱلنَّارِ } عند أبـي البقاء والحوفي، قال أبو علي: قد يوقد على الشيء وليس في النار كقوله تعالى: {أية : فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ } تفسير : [القصص: 38] فإن الطين الذي أمر بالوقد عليه ليس في النار وإنما يصيبه لهبها، وقال مكي وغيره: إن {فِى ٱلنَّارِ } متعلق بمحذوف وقع حالاً من الموصول أي كائناً أو ثابتاً فيها، ومنعوا تعلقه ـ بتوقدون ـ قالوا: لأنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النار والتعليق بذلك يتضمن تخصيص حال من حال أخرى، وقال أبو حيان: لو قلنا: إنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النار لجاز أيضاً التعليق على سبيل التوكيد كما قالوا في قوله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] وقيل: إن زيادة ذلك للإشعار بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصول الزبد؛ والمراد بالموصول نحو الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، وفي عدم ذكرها بأسمائها والعدول إلى وصفها بالإيقاد عليها المشعر بضربها بالمطارق لأنه لأجله وبكونها كالحطب الخسيس تهاون بها إظهاراً لكبريائه جل شأنه على ما قيل، وهو لا ينافي كون ذلك ضرب مثل للحق لأن مقام الكبرياء يقتضي التهاون بذلك مع الإشارة إلى كونه مرغوباً فيه منتفعاً به بقوله تعالى: {ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍ } فوفى كل من المقامين حقه فما قيل: إن الحمل على التهاون لا يناسب المقام لأن المقصود تمثيل الحق بها وتحقيرها لا يناسبه ساقط فتأمل. ونصب {ٱبْتِغَاء} على أنه مفعول له كما هو الظاهر، وقال الحوفي: إنه مصدر في موضع الحال أي مبتغين وطالبين اتخاذ حلية وهي ما يتزين ويتجمل به كالحلي المتخذ من الذهب والفضة واتخاذ متاع وهو ما يتمتع به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والرصاص وغير ذلك من الفلزات {زَبَدٌ } خبث {مّثْله} أي مثل ما ذكر من زبد الماء في كونه رابياً فوقه رفع {زَبَدٌ } على أنه مبتدأ خبره {مّمَّا تُوقِدُونَ } و {مِنْ } لابتداء الغاية دالة على مجرد كونه مبتدأ وناشئاً منه. واستظهر أبو حيان كونها للتبعيض لأن ذلك الزبد بعض ما يوقد عليه من تلك المعادن ولم يرتضه بعض المحققين لإخلاله على ما قال بالتمثيل، وإنما لم يتعرص لإخراج ذلك من الأرض كما تعرض لعنوان إنزال الماء من السماء لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى كما أن للعنوان السابق دخلاً فيه بل له إخلال بذلك. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الضرب البديع المشتمل على نكت رائقة. {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } أي مثل الحق ومثل الباطل، والحذف للإبناء على كمال التمثال بين الممثل والممثل به كأن المثل المضروب عين الحق والباطل {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ } من كل من السيل وما يوقدون عليه، وأفرد ولم يثن وإن تقدم زبدان لاشتراكهما في مطلق الزبدية فهما واحد باعتبار القدر المشترك {فَيَذْهَبُ جُفاءً} مرمياً به يقال: جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به، ويقال: أجفأ أيضاً بمعناه، وقال ابن الأنباري: جفاء أي متفرقاً من جفأت الريح الغيم إذا قطعته وفرقته وجفأت الرجل صرعته، ويقال: جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف، وقرىء {جفالاً} باللام بدل الهمزة وهو بمعنى متفرقاً أيضاً أخذاً من جفلت الريح الغيم كجفأت ونسبت هذه القراءة إلى رؤبة، قال ابن أبـي حاتم: ولا يقرأ بقراءته لأنه كان يأكل الفأر يعني أنه كان أعرابياً جافياً،/ وعنه لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن، والنصب على الحالية. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } أي من الماء الصافي الخالص من الغثاء والجوهر المعدني الخالص من الخبث {فَيَمْكُثُ } يبقى {فِى ٱلأَرْضِ} أما الماء فيبقى بعضه في مناقعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون ونحوها؛ وأما الجوهر المعدني فيصاغ من بعضه أنواع الحلى ويتخذ من بعضه أصناف الآلات والأدوات فينتفع بكل من ذلك أنواع الانتفاعات مدة طويلة فالمراد بالمكث في الأرض ما هو أعم من المكث في نفسها ومن البقاء في أيدي المتقلبين فيها، وتغيير ترتيب اللف الواقع في الفذلكة الموافق للترتيب الواقع في التمثيل قيل لمراعاة الملاءمة بين حالتي الذهاب والبقاء وبين ذكرهما فإن المعتبر إنما هو بقاء الباقي بعد ذهاب الذاهب لا قبله، وقيل: النكتة في تقديم الزبد على ما ينفع أن الزبد هو الظاهر المنظور أولاً وغيره باق متأخر في الوجود لاستمراره، والآية من الجمع والتقسيم كما لا يخفى. وحاصل الكلام في الآيتين أنه تعالى مثل الحق وهو القرآن العظيم عند الكثير في فيضانه من جناب القدس على قلوب خالية عنه متفاوتة الاستعداد وفي جريانه عليها ملاحظة وحفظاً وعلى الألسنة مذاكرة وتلاوة مع كونه ممداً لحياتها الروحانية وما يتلوها من الملكات السنية والأعمال المرضية بالماء النازل من السماء السائل في أودية يابسة لم تجر عادتها بذلك سيلاناً مقدراً بمقدار اقتضته الحكمة في إحياء الأرض وما عليها الباقي فيها حسبما يدور عليه منافع الناس وفي كونه حلية تتحلى بها النفوس وتصل إلى البهجة الأبدية ومتاعاً يتمتع به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة وسائر الفلزات التي يتخذ منها أنواع الآلات والأدوات وتبقى منتفعاً بها مدة طويلة، ومثل الباطل الذي ابتلى به الكفرة لقصور نظرهم بما يظهر فيهما من غير مداخلة له فيهما وإخلال بصفائهما من الزبد الرابـي فوقهما المضمحل سريعاً. وصح عن أبـي موسى الأشعري أنه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم مثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب اكتسبت الماء نفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به»تفسير : وقال ابن عطية: صدر الآية تنبيه على قدرة الله تعالى وإقامة الحجة على الكفرة فلما فرغ من ذلك جعله مثالاً للحق والباطل والإيمان والكفر واليقين في الشرع والشك فيه، وكأنه أراد بعطف الإيمان وما بعده التفسير للمراد بالحق والباطل. وعن ابن عباس جعل الزبد إشارة إلى الشك والخالص منه إشارة إلى اليقين. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الضرب العجيب {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} في كل باب إظهاراً لكمال اللطف والعناية في الإرشاد، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله سبحانه: {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما جميعاً. وبعد ما بين تعالى شأنه شأن كل من الحق والباطل حالاً ومآلاً أكمل بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما مآلاً تكميلا للدعوة ترغيباً وترهيباً فقال سبحانه: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ...}
ابن عاشور
تفسير : جملة {أنزل من السماء ماء} استئناف ابتدائي أفاد تسجيل حرمان المشركين من الانتفاع بدلائل الاهتداء التي من شأنها أن تهدي من لم يطبع الله على قلبه فاهتدى بها المؤمنون. وجيء في هذا التسجيل بطريقة ضرب المثل بحالي فريقين في تلقي شيء واحد انتفع فريق بما فيه من منافع وتعلق فريق بما فيه من مضار. وجيء في ذلك التمثيل بحالة فيها دلالة على بديع تصرف الله تعالى ليحصل التخلص من ذكر دلائل القدرة إلى ذكر عبَر الموعظة، فالمركب مستعمل في التشبيه التمثيلي بقرينة قوله: {كذلك يضرب الله الحق} الخ. شبه إنزال القرآن الذي به الهدى من السماء بإنزال الماء الذي به النفع والحياة من السماء. وشبه ورود القرآن على أسماع الناس بالسيل يمر على مختلف الجهات فهو يَمرّ على التّلال والجبال فلا يستقر فيها ولكنه يمضي إلى الأودية والوهاد فيأخذ منه كُلّ بقدر سعته. وتلك السيول في حال نزولها تحمل في أعاليها زَبَداً، وهو رغوة الماء التي تربو وتطفو على سطح الماء، فيذهب الزبد غير منتفع به ويبقى الماء الخالص الصافي ينتفع به الناس للشراب والسقي. ثم شُبهت هيئة نزول الآيات وما تحتوي عليه من إيقاظ النظر فيها فينتفع به من دخل الإيمان قلوبهم على مقادير قوة إيمانهم وعملهم، ويمر على قلوب قوم لا يشعرون به وهم المنكرون المعرضون، ويخالط قلوبَ قوم فيتأملونه فيأخذون منه ما يثير لهم شبهات وإلحاداً. كقولهم: {هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كلّ ممزّق إنكم لفي خلق جديد}. ومنه الأخذ بالمتشابه قال تعالى: { أية : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } تفسير : [سورة آل عمران: 7]. شبه ذلك كله بهيئة نزول الماء فانحدَارِه على الجبال والتلال وسيلانه في الأودية على اختلاف مقاديرها، ثم ما يدفع من نفسه زبداً لا ينتفع به ثم لم يلبث الزبد أن ذهب وفني والماء بقي في الأرض للنفع. ولما كان المقصود التشبيه بالهيئة كلها جيء في حكاية ما ترتب على إنزال الماء بالعطف بفاء التفريع في قوله: {فسالت} وقوله: {فاحتمل} فهذا تمثيل صالح لتجزئة التشبيهات التي تركب منها وهو أبلغ التمثيل. وعلى نحو هذا التمثيل وتفسيره جاء ما يبينه من التمثيل الذي في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : مثَل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيّة قبلتْ الماء فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناسَ فشربوا وسقَوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعَان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل منْ فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به » تفسير : . والأودية: جمع الوادي، وهو الحفير المتسع الممتد من الأرض الذي يجري فيه السيل. وتقدم في سورة براءة عند قوله تعالى: { أية : ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم } تفسير : [سورة التوبة: 121]. والقَدَر بفتحتين: التقدير، فقوله: {بقدرها} في موضع الحال من {أودية}، وذكره لأنه من مواضع العبرة، وهو أن كانت أخاديد الأودية على قَدْر ما تحتمله من السيول بحيث لا تفيض عليها وهو غالب أحوال الأودية. وهذا الحال مقصود في التمثيل لأنه حال انصراف الماء لنفعٍ لا ضرّ معه، لأنّ من السيول جواحف تجرف الزرع والبيوت والأنعام. وأيضاً هو دال على تفاوت الأودية في مقادير المياه. ولذلك حظ من التشبيه وهو اختلاف الناس في قابلية الانتفاع بما نزل من عند الله كاختلاف الأودية في قبول الماء على حسب ما يسيل إليها من مصاب السيول، وقد تم التمثيل هنا. وجملة {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} معترضة بين جملة {فاحتمل} الخ وجملة {فأما الزبد} الخ. وهذا تمثيل آخر ورد استطراداً عقب ذكر نظيره يفيد تقريب التمثيل لقوم لم يشاهدوا سيول الأودية من سكان القرى مثل أهل مكّة وهم المقصود، فقد كان لهم في مكة صواغون كما دل عليه حديث الإذخر، فقرب إليهم تمثيل عدم انتفاعهم بما انتفع به غيرهم بمَثَل ما يصهْر من الذهب والفضة في البواتق فإنه يقذف زبداً ينتفي عنه وهو الخَبث وهو غير صالح لشيء في حين صلاح معدنه لاتخاذه حلية أو متاعاً. وفي الحديث « حديث : كما ينفي الكير خبث الحديد » تفسير : . فالكلام من قبيل تعدّد التشبيه القريب، كقوله تعالى: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً } تفسير : ثم قوله: { أية : أو كصيب من السماء } تفسير : [سورة البقرة: 19]. وأقرب إلى ما هنا قولُ لبيد: شعر : فتنازعَا سَبطا يَطير ظِلالُه كدُخان مُشْعَلَة يَشِبّ ضرامها مشمُولَةٍ غُلثت بنابتِ عَرفَج كدُخان نار سَاطع إسنامها تفسير : وأفاد ذلك في هذه الآية قوله: {زبد مثله}. وتقديم المسند على المسند إليه في هذه الجملة للاهتمام بالمسند لأنّه موضع اعتبار أيضاً ببديع صنع الله تعالى إذ جعل الزبد يطفو على أرقّ الأجسام وهو الماء وعلى أغلظها وهو المعدن فهو ناموس من نواميس الخلقة، فبالتقديم يقع تشويق السامع إلى ترقب المسند إليه. وهذا الاهتمام بالتشبيه يشبه الاهتمام بالاستفهام في حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف جهنم «فإذا فيها كلاليبُ مثل حَسك السعدان هل رأيتم حسك السعدان» تفسير : . وعدل عن تسمية الذهب والفضة إلى الموصولية بقوله تعالى: {ومما توقدون عليه في النار} لأنها أخصر وأجمع، ولأن الغرض في ذكر الجملة المجعولة صلة، فلو ذكرت بكيفية غير صلة كالوصفية مثلاً لكانت بمنزلة الفضلة في الكلام ولطال الكلام بذكر اسم المَعْدنين مع ذكر الصلة إذ لا مَحيد عن ذكر الوقود لأنه سبب الزبد، فكان الإتيان بالموصول قضاءً لحق ذكر الجملة مع الاختصار البديع. ولأنّ في العدول عن ذكر اسم الذهب والفضة إعراضاً يؤذن بقلة الاكتراث بهما ترفعاً عن وَلع النّاس بهما فإن اسميهما قد اقترنا بالتعظيم في عرف النّاس. و{من} في قوله: {ومما توقدون} ابتدائية. و{ابتغاء حلية أو متاع} مفعول لأجله متعلق بــــ {توقدون}. ذكر لإيضاح المراد من الصلة ولإدماج ما فيه من منة تسخير ذلك للناس. لشدة رغبتهم فيهما. والحلية: ما يتحلى به، أي يتزين وهو المصوغ. والمتاع: ما يتمتع به وينتفع، وذلك المسكوك الذي يَتعامل به الناس من الذهب والفضة. وقرأ الجمهور {توقدون} ــــ بفوقية في أوله ــــ على الخطاب، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف ــــ بتحتية ــــ على الغيبة. وجملة {كذلك يضرب الله الحق والباطل} معترضة، هي فذلكة التمثيل ببيان الغرض منه، أي مثل هذه الحالة يكون ضَرْب مثل للحق والباطل. فمعنى {يضرب} يبيّن ويُمثل. وقد تقدم معنى يضرب عند قوله تعالى: { أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً } تفسير : في سورة البقرة (26). فحُذف مضاف في قوله: {يضرب الله الحق}، والتقدير: يضرب الله مَثَلَ الحق والباطل، دلالة فعل {يضرب} على تقدير هذا المضاف. وحذف الجار من {الحق} لتنزيل المضاف إليه منزلة المضاف المحذوف. وقد علم أن الزبد مثَل للباطل وأن الماء مثَل للحق، فارتقى عند ذلك إلى ما في المثلين من صفتي البقاء والزوال ليتوصل بذلك إلى البشارة والنذارة لأهل الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم، وأن الفريق الثاني زائل بائد، كقوله: { أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين } تفسير : [الأنبياء: 105، 106]، فصار التشبيه تعريضاً وكناية عن البشارة والنذارة، كما دل عليه قوله عقب ذلك { أية : للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له } تفسير : [الرعد: 18] الخ كما سيأتي قريباً. فجملة فأما الزبد} معطوفة على جملة {فاحتمل السيل زبداً رابيا}مفرّعةٌ على التمثيل. وافتتحت بــــ {أما} للتوكيد وصَرْف ذهن السامع إلى الكلام لما فيه من خفي البشارة والنذارة، ولأنه تمام التمثيل. والتقدير: فذهب الزبد جُفاء ومكُث ما ينفع الناس في الأرض. والجُفاء: الطريح المرميُّ، وهذا وعيد للمشركين بأنهم سيبيدون بالقتل ويبقى المؤمنون. وعبر عن الماء بما ينفع الناس للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو البقاء في الأرض تعريضاً للمشركين بأن يعرضوا أحوالهم على مضمون هذه الصلة ليعلموا أنهم ليسوا ما ينفع الناس، وهذه الصلة موازنة للوصف في قوله تعالى: { أية : إن الأرض يرثها عبادي الصالحون } تفسير : [سورة الأنبياء: 105]. واكتفي بذكر وجه شبه النافع بالماء وغير النافع بالزبد عن ذكر وجه شَبَه النافع بالذهب أو الفضة وغير النافع بزبدهما استغناء عنه. وجملة {كذلك يضرب الله الأمثال} مستأنفة تذييلية لما في لفظ {الأمثال} من العموم. فهو أعم من جملة {كذلك يضرب الله الحق والباطل} لدلالتها على صنف من المثل دون جميع أصنافه فلما أعقب بمثل آخر وهو {فأما الزبد فيذهب جفاء} جيء بالتنبيه إلى الفائدة العامة من ضرب الأمثال. وحصل أيضاً توكيد جملة {كذلك يضرب الله الحق والباطل} لأن العام يندرج فيه الخاص. فإشارة {كذلك} إلى التمثيل السابق في جملة {أنزل من السماء ماء} أي مثل ذلك الضَرْب البديع يضرب الله الأمثال، وهو المقصود بهذا التذييل. والإشارة للتنويه بذلك المثل وتنبيه الأفهام إلى حكمته وحكمة التمْثيل، وما فيه من المواعظ والعبر، وما جمعه من التمثيل والكناية التعريضية، وإلى بلاغة القرآن وإعجازه، وذلك تبهيج للمؤمنين وتحدّ للمشركين، وليعلم أن جملة {فأما الزبد فيذهب جفاء} لم يؤت بها لمجرد تشخيص دقائق القدرة الإلهية والصنع البديع بل ولضرب المثَل، فيعلمَ لممثّل له بطريق التعريض بالمشركين والمؤمنين، فيكون الكلام قد تم عند قوله: {كذلك يضرب الله الأمثال} كما في شأن التذييل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فسالت أودية بقدرها: أي بمقدار مائها الذي يجري فيها. زبداً رابياً: أي غثاء عالياً إذ الزبد هو وَضَرُ غليان الماء أو جريانه في الأنهار. ومما يوقدون عليه في النار: أي كالذهب والفضة والنحاس. ابتغاء حلية أو متاع: أي طلباً لحلية من ذهب أو فضة أو متاع من الأواني. زبد مثله: أي مثل زبد السيل. فأما الزبد: أي زبد السيل أو زبد ما أوقد عليه النار. فيذهب جفاء: أي باطلاً مرمياً بعيداً إذ هو غثاء ووضر لا خير فيه. فيمكث في الأرض: أي يبقى في الأرض زمناً ينتفع به الناس. للذين استجابوا لربهم الحسنى: أي للذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة. لم يستجيبوا: أي لم يؤمنوا به ولم يطيعوه. لافتدوا به: أي من العذاب. سوء الحساب: وهي المؤاخذة بكل ذنب عملوه لا يغفر لهم منه شيء. وبئس المهاد: أي الفراش الذي أعدوه لأنفسهم وهو جهنم. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد والتنديد بالكفر والشرك ففي هذه الآية الكريمة ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل، للحق في بقائه، والباطل في اضمحلاله وتلاشيه فقال: {أَنَزَلَ} أي الله {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} أي بحسب كبرها وصغرها لأن الوادي قد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً، فاحتمل السيل أي حمل سيل الماء في الوادي زبداً رابياً أي غثاء ووضراً عالياً على سطح الماء، هذا مثل مائي، ومثل ناري قال فيه عز وجل: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ} أي ومما يوقد عليه الصاغة والحدادون {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} أي طلباً للحلية، {أَوْ مَتَاعٍ} أي طلباً لمتاع يتمتع به كالأواني إذ الصائغ أو الحداد يضع الذهب أو الفضة أو النحاس في البوتقة وينفخ عليها بالكير فيعلو ما كان فاسداً غير صالح على صورة الزبد وما كان صالحاً يبقى في البوتقة وهو الذي يصنع منه الحلية والمتاع، وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ} أي المذكور من الأمور الأربعة مثلي الحق وهما الماء والجوهر ومثلي الباطل وهما زبد الماء وزبد الجوهر {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} أي باطلاً مرمياً به يرميه السيل إلى ساحل الوادي فيعلق بالأشجار والأحجار ويرميه الصائغ عن بوتقته، وأما ما ينفع الناس من الماء للسقي والري فيمكث في الأرض، وكذا ما ينفع من الحلي والمتاع يبقى في بوتقة الصائغ والحداد وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي مثل هذا المثل الذي ضربه للحق في بقائه والباطل في ذهابه وتلاشيه وإن علا وطغا في بعض الأوقات، {يَضْرِبُ} أي بين الأمثال، ليعلموا فيؤمنوا ويهتدوا فيكملوا ويسعدوا. هذا ما تضمنته الآية الأولى [17] وأما الآية الثانية [18] فقد أخبر تعالى بوعد له ووعيد أما وعده فلأهل طاعته بأن لهم الحسنى الجنة وأما وعيده فلأهل معصيته وهو أسوأ وعيد وأشده، فقال تعالى في وعده: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} وقال في وعيده: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي من مال ومتاع {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أيضاً لافتدوا به من العذاب الذي تضمنه هذا الوعيد الشديد، ويعلن عن الوعيد فيقول: {أُوْلَـٰئِكَ} أي الأشقياء {لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} وهو أن يحاسبوا على صغيرة وكبيرة في أعمالهم ولا يغفر لهم منها شيء {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مقرهم ومكان إيوائهم {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي الفراش جهنم لهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. 2- ثبات الحق، واضمحلال الباطل سنة من سنن الله تعالى. 3- بيان وعد الله للمستجيبين له بالإِيمان والطاعة وهي الجنة. 4- بيان وعيد الله لمن لم يستجب له بالإِيمان والطاعة.
القطان
تفسير : زبدا: هو ما يطفو على وجه الماء كالرغوة. رابيا: منتفخا عاليا. جفاء: الجفاء هو كل ما رمى به الوادي من زبد وفتات الاشياء مما لا نَفْعَ فيه. بئس المهاد: بئس القرار. {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً}. في هذه الآية ضرب الله مثلَين الأول هنا وهو المقارنةُ بين الماءِ الذي يمكثُ في الأرض وينتفع الناس به من سقي الزرعِ والشجر والشُّرب وما فيه من الخير للناس، وبين الزَبَد الذي يعلو على وجه الماء وليسَ فيه نفعٌ.. وهي مقارنةٌ بين الحق والباطل. والمعنى أن الله تعالى أنزلَ عليكم من السماءِ غيثاً تسيل به الوديانُ والأنهار، كلُّ بالمقدارِ الذي قدّره الله تعالى لفائدةِ الناس، وهذه السيولُ في جَرَيانها تحملُ ما لا نفع بهِ من الزبَد الذي يعلُو سطحها. والمثل الثاني أيضا للمقارنة بين الحقّ والباطل قولُه تعالى: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ}. كذلك المعادنُ الّتي تُذيبونها في النارِ من ذَهَبٍ او فضةٍ او نحاس وغيرِها مما تصنعون منها حِليةً أو آلةً او آنيةً فإن المعدنَ يبقى لمنفعة الناس. وما فيه من زبد وخَبَثٍ يذهب، فالحقُّ كالمعدنِ النافع، والزَبدُ كالباطل. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ}. يعني أن الحقَّ مثلُ الماءِ النافع الذي يمكث في الأرض والمعدنِ المفيدِ للناس، والباطلَ مثلُ الزَبدِ الذي يطفو على سطحِ الماء لا نفعَ فيه، وهذا معنى قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ}. كذلك الامر في العقائد، منها ما هو ضلالٌ فيذهبُ، ومنها ما هو صِدق فيبقى. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}. وبمثلِ هذا يبيّن اللهُ سبحانَه للناسِ ما أشكلَ عليهم من أمورِ دِينهم وتظهرُ الفوارقُ بين الحقّ والباطل. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: "يوقدون" بالياء، والباقون: "توقدون" بالتاء. وبعد ان بين الله تعالى شأن كل من الحق والباطل، شرع يبين حال أهل الحق والباطل وما يؤول اليه حالهم ترغيبا وترهيبا، فقال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}. فمن أطاع اللهَ ورسولَه وانقاد لأوامره فلهم العاقبةُ الحُسنى في الدنيا والآخرة، ومن لم يجبْ دعوةَ الله ولم يطع أوامره فلهم العاقبةُ السّيئة. ولو ان لهم مُلْكَ ما في الأرض ومثلَه معه وقدّموه فِديةً لما نفعَهم أو دفع عنهم العذاب، ومصيرهم جهنم وبئس القرار.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَتَاعٍ} {ٱلْبَاطِلَ} (17) - ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ مَثَلَيْنِ لِلْحَقِّ فَي ثَبَاتِهِ وَبَقَائِهِ، وَلِلْبَاطِلِ فِي زَوَالِهِ وَفَنَائِهِ. فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً فَسَالَتْ بِهِ الأَوْدِيَةُ، فَأَخَذَ كُلُّ وَادٍ مِنَ المَاءِ بِحَسَبِ سَعَتِهِ (بِقَدَرِهَا)، فَهذا كَبيرٌ اتَّسَعَ لِمَاءٍ كَثِيرٍ، وَهَذا صَغِيرٌ وَسِعَ مِنَ المَاءِ بِقَدَرِهِ، فَحَملَ السَّيْلُ أَثْنَاءَ سَيْرِهِ فِي هَذِهِ الأَوْدِيَةِ زَبَداً عَالِياً (رَابِياً)، يَطْفُو عَلَيه (وَهذا إِشَارَةٌ إِلَى القُلُوبِ وَتَفَاوُتِهَا فَمِنْهَا مَا يَسعُ عِلْماً كَثِيراً، وَمِنْهَا مَا لا يَتَّسِعُ لِكَثِيرٍ مِنَ العِلْمِ). وَالمَثَلُ الثَّاني الذِي ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى هُوَ مَا يُصْهَرُ مِنَ المَعَادِنِ، مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، لِيُجْعَلَ مِنْهُ حِلْيّةٌ، وَمَا يُصْهَرُ مِنَ المَعَادِنِ الأخْرى، مِنْ نُحَاسٍ وَحَديدٍ وَغَيْرِهِما، لِيُجْعَلَ مِنْهُ مَتَاعٌ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمْ، وَمَعَاشِهِمْ، فَجَمِيعُ هذِهِ المَعَادِنِ يَعْلُوهَا، حِينَ صَهْرِهَا، َزَبَدٌ مِنْهَا (خَبَثٌ)، كَمَا يَعْلُو المَاءَ زَبَدٌ مِنْهُ؛ وَكَمَا أَنَّ الزَّبَدَ يَتَلاشَى وَيَتَفَرَّقُ (يَذْهَبُ جُفَاءً)، وَيَبْقَى مَا يَنْفَعُ النَّاَس وَالأَرْضَ مِنْ مَاءٍ وَمَعْدَنٍ خَالِصٍ، كَذلِكَ يَتَلاَشَى البَاطِلُ إِذا اجْتَمَعَ مَعَ الحَقِّ، وَيَبْقَى الحَقُّ وَيَثْبُتُ. بِقَدَرِهَا - بِمِقْدَارِها الذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ. الزَّبَدُ - الغُثَاءُ (أوِ الرَّغْوَةُ) الطَّافِي عَلَى وَجْهِ المَاءِ. رَابِياً - مُرْتَفِعاً مُنْتَفِخاً. زَبَدُ المَعَادِنِ - خَبَثُهَا وَهُوَ مَا يَطْفُو عَلَى سَطْحِهَا حِينَ صَهْرِهَا. جُفَاءً - مَرْمِيّاً بِهِ مَطْرُوحاً أَوْ مُتَفَرِّقاً
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهو سبحانه يُنزِل الماء من جهة العُلو وهو السماء، ونعلم أن الماء يتبخَّر من البحار والأنهار والأرض التي تتفجّر فيها العيون ليتجمع كسحاب؛ ثم يتراكم السحاب بعضُه على بعض؛ ويمرُّ بمنطقة باردة فيتساقط المطر. ويقول الحق سبحانه: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ..} [الرعد: 17]. والوادي هو المُنْخفض بين الجبلين؛ وساعةَ ينزل المطر على الجبال فهو يسيل على الأودية؛ وكل وَادٍ يستوعب من المياه على اتساعه. ولنا أن نلحظ أن حكمة الله شاءتْ ذلك كَيْلا يتحول الماء إلى طوفان، فلو زاد الماء في تلك الأودية لَغرقتْ نتيجة ذلك القرى، ولَخرِبت الزراعات، وتهدمتْ البيوت. والمَثَل على ذلك هو فيضان النيل حين كان يأتي مناسباً في الكمية لحجم المَجْرى؛ وكان مثل هذا القَدْر من الفيضان هو الذي يُسعد أهل مصر؛ أما إذا زاد فهو يُمثِّل خطراً يَدْهَم القرى ويخربها. وهكذا نجد أن من رحمة الحق سبحانه أن الماء يسيل من السماء مطراً على قَدْر اتساع الأودية؛ اللهم إلا إذا شاء غير ذلك. والحق سبحانه هنا يريد أنْ يضرب مثلاً على ما ينفع الناس؛ لذلك جاء بجزئية نزول الماء على قَدْر اتساع الأودية. ومَنْ رأى مشهد نزول المطر على هذا القَدْر يمكنه أنْ يلحظ أن نزول السَّيْل إنما يكنس كل القَشِّ والقاذورات؛ فتصنع تلك الزوائد رَغْوةً على سطح الماء الذي يجري في النهر، ثم يندفع الماء إلى المَجْرى؛ لِيُزيح تلك الرَّغاوى جانباً؛ ليسير الماء من بعد ذلك صَافِياً رَقْراقاً. {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ..} [الرعد: 17]. وهذا المَثَل يدركه أهل البادية؛ لأنها صحراء وجبال ووديان؛ فماذا عن مَثَلٍ يناسب أهل الحضر؟ ويأتي الحق سبحانه بهذا المثل المناسب لهم؛ فيقول: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ..} [الرعد: 17]. وأنت حين تذهب إلى موقع عمل الحداد أو صائغ الذهب والفضة؛ تجده يُوقِد النار ليتحول المعدن إلى سائل مَصْهور؛ ويطفو فوق هذا السائل الزَّبَد وهو الأشياء التي دخلت إلى المعدن، وليست منه في الأصل؛ ويبقى المعدن صافياً من بعد ذلك. والصَّائغ يضع الذهب في النار لِيُخلِّصه من الشوائب؛ ثم يضيف إليه من المواد ما يُقوِّي صلابته؛ أو ينقله من حالة النقاء إلى درجة أقل نقاءً، وحالة النقاء في الذهب هي ما نطلق عليه "عيار 24"، والأقل درجة هو الذهب من "عيار 21"، والأقل من ذلك هو الذهب من "عيار 18". والذهب الخالص النقاء يكون ليِّناً؛ لذلك يُضيفون إليه ما يزيد من صلابته، ويصنع الصائغ من هذا الذهب الحُلي. وهذا هو المَثَلُ المناسب لأهل الحضر؛ حين يصنعون الحلي، وهم أيضاً يصنعون أدواتٍ أخرى يستعملونها ويستعملها مثلهم أهل البادية كالسيوف مثلاً، وهي لا بُدَّ وأن تكون من الحديد الصُّلْب؛ ذلك أن كل أداة تصنع منه لها ما يناسبها من الصَّلابة؛ فإنْ أراد الحدَّاد أن يصنع سيفاً فلا بد أنْ يختار له من الحديد نوعيةً تتناسب مع وظائف السيف. والزَّبَد في الماء النازل من السماء إنما يأتي إليه نتيجة مرور المطر أثناء نزوله على سطح الجبال؛ فضلاً عن غسيل مَجْرى النهر الذي ينزل فيه؛ وعادة ما يتراكم هذا الزَّبَد على الحَوافّ؛ ليبقى الماء صافياً من بعد ذلك. وحين تنظر إلى النيل - مثلاً - فأنت تجد الشوائب، وقد ترسبتْ على جانبي النهر وحَوافّه، وكذلك حين تنظر إلى مياه البحر؛ فأنت تجد ما تلقيه المركب، وهو طافٍ فوق الأمواج؛ لِتُلقيه الأمواج على الشاطىء. وهكذا ضرب الله المَثَل لأهل البدو ولأهل الحضر بما يفيدهم في حياتهم؛ سواء حلية يلبسونها، أو أداة يقاتلون بها، أو أداة أخرى يستخدمونها في أَوْجُه أعمالهم الحياتية؛ وهم في كل ذلك يلجئون إلى تصفية المعادن التي يصنعون منها تلك الحلي أو الأدوات الحياتية ليستخلصوا المعادن من الخَبَث أو الزَّبَد. وكذلك يفعل الحق سبحانه: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الرعد: 17]. وحين يضرب الله الحقَّ والباطل؛ فهو يستخلص ما يفيد الناس؛ ويُذهب ما يضرُّهم، وقوله: {فَيَذْهَبُ جُفَآءً ..} [الرعد: 17]. أي: يبعده؛ فـ"جُفَاء" يعني "مَطْروداً"؛ من الجَفْوة؛ ويُقال: "فلان جَفَا فلاناً" أي: أبعده عنه. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} [الرعد: 17]. وشاء سبحانه أن يُبيِّن لنا بالأمور الحِسِّية؛ ما يساوي الأمور المعنوية؛ كي يعلمَ الإنسانُ أن الظُّلْمَ حين يستشري ويَعْلو ويَطْمِس الحق، فهو إلى زَوَال؛ مثله مثل الزَّبد. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أنَّ في الأرض دعوتين: دعوة الحق، ودعوة الباطل، وذكر أن دعوة الله هي دعوة الحق، ودعوة ما يعبدون من دونه هي دعوة الباطل ... ذكر تعالى هنا مثلين ضربهما للحق وأهله، والباطلِ وحزبه، ليتضح الفرق بين الهدى والضلال، والرشد والغيّ، ثم أعقبه بذكر مآل المؤمنين في دار النعيم، والكافرين في دار الجحيم. اللغَة: {زَبَداً} الزبد: الغثاء الذي يحمله السيل {رَّابِياً} عالياً منتفخاً {جُفَآءً} مضمحلاً متلاشياً لا منفعة فيه ولا بقاء له يقال: جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به {ٱلْمِهَادُ} الفِراش وأصله المكان الممهَّد الموطأ للنوم والراحة {وَيَدْرَءُونَ} يدفعون والدرءُ: الدفع {عُقْبَىٰ} العاقبة ويسمى الجزاء على الفعل عقبى لأنه يكون عقب الفعل {عَدْنٍ} استقرار وثبات وخلود يقال: عَدَن بالمكان إذا أقام به {يَبْسُطُ} يوسّع {يَقَدِرُ} يضيّق {مَتَاعٌ} كل شيء يتمتع به إلى أجل ثم ينتهي ويفنى {طُوبَىٰ} فرحٌ وقرة عين قال الزمخشري: مصدر من طاب كبشرى وزلفى ومعناه أصبتَ خيراً وطيباً {يَيْأَسِ} اليأسُ: القنوط من الشيء {أَمْلَيْتُ} أمهلتُ يقال: أملى الله له إذا أمهله وطوَّل له المدة {وَاقٍ} اسم فاعل من وقى إذا دفع الأذى والضر عنه. سَبَبُ النزول: قال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ فأنزل الله {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}. التفسِير: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي أنزل تعالى من السماء مطراً {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} أي فجرت مياه الأودية بمقدار سعتها كل بحَسَبه، فالكبير بمقدار كبره، والصغير بمقدار صغره {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} أي حمل السيل الذي حدث من الأمطار زبداً عالياً فوقه وهو ما يحمله السيل من غثاء، ورغوة تظهر على وجه الماء قال الطبري: هذا مثلٌ ضربه الله للحق والباطل، والإيمان والكفر، فمثل الحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، مثلُ الماء الذي أنزله الله من السماء إلى الأرض، فاحتمل السيل زبداً عالياً، فالحق هو الماء الباقي الذي يمكث في الأرض، والزبد الذي لا يُنتفع به هو الباطل، وهذا أحد مثلي الحق والباطل، والمثل الآخر قوله تعالى {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} أي ومن الذي يوقد عليه الناس من المعادن كالذهب والفضة والنحاس، مما يُسبك في النار طلب الزينةِ أو الأشياء التي يُنتفع بها كالأواني زبدٌ مثل زبد السيل، لا يُنْتفع به كما لا يُنْتفع بَزَبد السيل {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} أي كذلك يضرب الله المَثَل للحق والمَثَل للباطل، فمثلُ الحق في ثباته واستقراره كمثل الماء الصافي الذي يستقر في الأرض فينتفع منه الناس، ومثل الباطل في زواله واضمحلاله كمثل الزبد والغثاء الذي يقذف به الماء يتلاشى ويضمحل {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} أي فأما الزبد الذي لا خير فيه مما يطفو على وجه الماء والمعادن فإنه يرمي به السيل ويقذفه ويتفرق ويتمزّق ويذهب في جانبَي الوادي {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} أي وأمّا ما ينتفع الناس به من الماء الصافي، والمعدن الخالص فيبقى ويثبت في الأرض {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي مِثْلَ المَثَلين السابقين يبيّن الله الأمثال للحق والباطل، والهدى والضلال ليعتبر الناس ويتعظوا {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي للمؤمنين الذين استجابوا لله بالإِيمان والطاعة المثوبةُ الحسنى وهي الجنة دار النعيم {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} أي لم يجيبوا ربهم إلى الإِيمان به وهم الكافرون {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي لو كان لهم جميع ما في الدنيا من الأموال {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أي ومثلَ جميع ما في الدنيا {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} أي لبذلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم ليتخلصوا من عذاب الله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} أي لهم الحساب السيء قال الحسن: يُحاسبون بذنوبهم كلها لا يُغفر لهم منها شيء {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي المكان الذي يأوون إليه يوم القيامة نار جهنم {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي بئس هذا المستقر والفِراش الممهد لهم في النار {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} الهمزة للاستفهام الإنكاري أي هل يستوي من آمن وصدَّق بما نزل عليك يا محمد ومن بقي يتخبط في ظلمات الجهل والضلال لا لُبَّ له كالأعمى؟ والمراد به عمى البصيرة قال ابن عباس نزلت في حمزة وأبي جهل {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول السليمة، ثم عَّدد تعالى صفاتهم فقال {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} أي يتمون عهد الله الذي وصاهم به وهي أوامره ونواهيه التي كلَّف بها عباده {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} أي لا يخالفون ما وثقوه على أنفسهم من العهود المؤكدة بينهم وبين الله، وبين العباد {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} أي يصلون الأرحام التي أمر الله بصلتها {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي يهابون ربهم إجلالاً وتعظيماً {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} أي يخافون الحساب السيء المؤدي لدخول النار، فهم لرهبتهم جادّون في طاعة الله، محافظون على حدوده {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} أي صبروا على المكاره طلباً لمرضاة الله {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي أدُّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي أنفقوا بعض أموالهم التي أوجبها الله عليهم في الخفاء والعلانية {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي يدفعون الجهلَ بالحلم والأذى بالصبر وقال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال بمعنى يفعلون الحسنات ليدرءوا بها السيئات وفي الحديث "حديث : وأتبع السيئةَ الحسنة تمحها"تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة وهي الجنة وقد جاء تفسيرها في قوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي جنات إقامة خالدة يدخلها أولئك الأبرار ومن كان صالحاً من آبائهم ونسائهم وأولادهم، ليأنسوا بلقائهم ويتمَّ بهم سرورهم، وإن لم يكونوا يستحقون هذه المنازل العالية بأعمالهم، فترفع منازل هؤلاء إكراماً لأولئك وذلك فضل الله، ثم إنَّ لهم إكراماً آخر بيّنه بقوله {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} أي والملائكةُ تدخل عليهم للتهنئة من كل باب من أبواب الجنة يقولون لهم {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} أي سلمتم من الآفات والمحن بصبركم في الدنيا، ولئن تعبتم فيما مضى فلقد استرحتم الساعة، وهذه بشارة لهم بدوام السلامة {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي نعمت هذه العاقبة الحميدة عاقبتكم وهي الجنة بدل النار، ولما ذكر تعالى أوصاف المؤمنين التسع أعقبه بذكر أوصاف الكافرين الذميمة فقال {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي ينقضون عهودهم بعدما وثقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم من طاعته والإيمان به {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} أي يقطعون الرحم التي أمر الله بوصلها {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من القبائح لهم البعد من رحمته، والطردُ من جنته {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} أي لهم ما يسوءهم في الدار الآخرة وهو عذاب جهنم على عكس المتقين {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} أي يوسّع على من يشاء من عباده ويضيّق على من يشاء حسب الحكمة والمصلحة {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي وفرح هؤلاء المشركون بنعيم الدنيا فرح أشَر وبطر، وهو إخبار في ضمنه ذم وتسفيه لمن فرح بالدنيا ولذلك حقّرها بقوله {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} أي قليل وشيء حقير بالنظر إلى الآخرة {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي ويقول كفار مكة هلاّ أُنزل على محمد معجزة من ربه مثل معجزة موسى في فلق البحر، ومعجزة عيسى في إحياء الموتى ونحو ذلك {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي قل لهم يا محمد الأمر بيد الله وليس إليَّ، يُضلُّ من يشاء إضلاله فلا تغني عنه الآياتُ والنُذُّر شيئاً، ويرشد إلى دينه من أراد هدايته لأنه رجع إلى ربه بالتوبة والإِنابة قال في التسهيل: خرج بالكلام مخرج التعجب حين طلبوا آية والمعنى قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن وآياتٍ كثيرة فعميتُم عنها، وطلبتم غيرها، وتماديتم على الكفر فإنه تعالى يضل من يشاء مع ظهور الآيات، ويهدي من يشاء دون ذلك {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} هذا بدلٌ والمعنى يهدي أهل الإِنابة وهم الذين آمنوا وتسكن وتستأنس قلوبهم بذكر الله وتوحيده، وجيء بصيغة المضارع لإِفادة دوام الاطمئنان واستمراره {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} أي ألا فانتبهوا أيها القوم فإن بذكر الله تستأنس وتسكن قلوب المؤمنين، فلا يشعرون بقلق واضطراب من سوء العقاب، على عكس الذين إذا ذكر الله اشمأزتْ قلوبُهم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} أي أما المؤمنون أهل الأعمال الصالحة فقرة عينٍ لهم ونعم ما يلقون من الهناءة والسعادة في المرجع والمنقلب قال ابن عباس: {طُوبَىٰ لَهُمْ} فرحٌ وقرة عين {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} أي كما أرسلنا الأنبياء من قبلك كذلك أرسلناك يا محمد في أمة قد مضت قبلها أمم كثيرة، فهي آخر الأمم وأنتَ خاتم الأنبياء {لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي لتبلّغهم هذا الوحي العظيم والذكر الحكيم {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} أي والحال أنهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته هو ربي الذي آمنتُ به لا معبود لي سواه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي عليه وحده اعتمدت، وإليه توبتي ومرجعي فيثيبني على مجاهدتكم، والغرضُ تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما يلقاه من كفار قريش من الجحود والعناد فقد كذَّب قبلهم الأمم {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} أي لو كان كتابٌ من الكتب المنزّلة سُيرت بتلاوته الجبال وزعزعت عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} أي شُققت به الأرض حتى تتصدَّع وتصير قطعاً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي خوطبت به الموتى حتى أجابت وتكلمت بعد أن أحياها الله بتلاوته عليها، وجواب {لَوْ} محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكونه غايةً في الهداية والتذكير، ونهايةً في الإِنذار والتخويف وقال الزجاج: تقديره "لما آمنوا" لغلوهم في المكابرة والعناد، وتماديهم في الضلال والفساد {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} بلْ للإِضراب والمعنى: لو أن قرآناً فُعل به ما ذُكر لكان ذلك هذا القرآن، ولكنَّ الله لم يجبهم إلى ما اقترحوا من الآيات، لأنه هو المالك لجميع الأمور والفاعل لما يشاء منها من غير أن يكون لأحدٍ عليه تحكّمٌ أو اقتراح {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} أي أفلم يقنط وييأس المؤمنون من إيمان الكفار، ويعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم لأن الأمر له، ولكنْ قضت الحكمة أن يكون بناء التكليف على الاختيار {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} أي ولا يزال كفار مكة يصيبهم بسوء أعمالهم وكفرهم داهيةٌ تقرع أسماعهم وتقلق بالهم من صنوف البلايا والمصائب {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} أي أو تحلُّ القارعة والداهية قريباً من ديارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} بإظهار الإِسلام وانتصارك عليهم بفتح مكة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أي لا يخلف وعده لرسله وأوليائه بنصرهم على أعدائه {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تسلية وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما استهزأ بك المشركون فقد استهزأ المجرمون برسلهم وأنبيائهم {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي أمهلتهم وتركتهم في أمنٍ وَدَعة ثم أخذتهم بالعذاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي فكيف كان عقابي لهم على الكفر والتكذيب؟ {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي أفمن هو رقيب حفيظ على عمل كل إنسان لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد وهو الله تعالى، والخبر محذوف تقديره: كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تملك من الأمر شيئاً قال الفراء: وتُرك جوابُه لأن المعنى معلومٌ وقد بيّنه بعد هذا بقوله {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} كأنه قيل: هل الله كشركائهم؟ وقال الزمخشري: هذا احتجاجٌ عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو قائم رقيب على كل نفسٍ صالحة أو طالحة بما كسبت من خير أو شر وقد أعدَّ لكلٍ جزاءه كمن ليس كذلك {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} أي وجعل المشركون آلهة عبدوها معه من أصنام وأنداد في منتهى العجز والحقارة والجهالة، قل لهم يا محمد: سمّوهم لنا وصفوهم لننظر هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة مع الله؟ {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} أي أم تخبرون الله بشركاء لا يعلمهم سبحانه وهو استفهام للتوبيخ {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} أي أم تسمونهم شركاء بظنٍ باطلٍ فاسد لا حقيقة له، لفرط الجهل وسخافة العقل {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} أي زيَّن لهم الشيطان ذلك الكفر والضلال {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي مُنعوا عن طريق الهدى {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي ومن يضلله الله فما له أحدٌ يهديه {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي لهؤلاء الكفرة عذاب عاجل في هذه الحياة الدنيا بالقتل والأسر وسائر المحن {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ} أي ولعذابهم في الآخرة أثقل وأشد إيلاماً من عذاب الدنيا {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي وليس لهم من يحميهم من عذاب الله أو يدفع عنهم سخطه وانتقامه. البَلاَغَة: 1- {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ..} الآية شبّه تعالى الحق والباطل بتشبيه رائع يسمى "التشبيه التمثيلي" لأن وجه الشبه فيه منتزعٌ من متعدد، فمثَّل الحق بالماء الصافي الذي يستقر في الأرض، والجوهر الصافي من المعادن الذي به ينتفع العباد، ومثَّل الباطل بالزبد والرغوة التي تظهر على وجه الماء، والخبث من الجوهر الذي لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل، والصورة التي توحي بها الآية "صورة الحق والباطل" وهما في صراع كالزبد الذي تتقاذفه الأمواج {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} وهو تمثيل في منتهى الروعة والجمال. 2- {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} مجاز عقلي من إسناد الشيء لمكانه والأصل فسالت مياه الأودية. 3- {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} فيه إيجاز بالحذف أي أمثال الحق وأمثال الباطل. 4- {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ ... وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ} بينهما طباق السلب. 5- {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} شبّه الجهل والكفر بالعمى على سبيل الاستعارة التبعية لأن المراد بالأعمى الجاهل الكافر. 6- {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} بينهما طباق وكذلك بين {ٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} و {يَبْسُطُ وَيَقَدِرُ} و {يُضِلُّ وَيَهْدِيۤ} للتضاد بين اللفظين. 7- {إِلاَّ مَتَاعٌ} أي إلا مثل المتاع الذي يستمتع به الإِنسان في الحاجات الموقتة ففيه تشبيه بليغ لحذف الأداة ووجه الشبه. فَائِدَة: بيَّن تعالى في قوله {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أن النسب لا ينفع إذا لم يحصل معه العمل الصالح، وفيه قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب. تنبيه: قال الإِمام الطيبي في قوله تعالى {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ..} في هذه الآية احتجاج بليغ مبنيٌّ على فنون من علم البيان أولها: التوبيخ لهم على قياسهم الفاسد في عبادة غير الله ثانيها: وضع الظاهر موضع الضمير {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} تنبيهاً على ضلالهم في جعل شركاء لمن هو فردٌ واحد لا يشاركه أحد في اسمه ثالثها: إنكار لوجود الشركاء على وجه برهاني {قُلْ سَمُّوهُمْ} رابعها: نفي الشيء بنفي لازمه {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ} خامسها: الاحتجاج عليهم بطريق التدرج لبعثهم على التفكر {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} أي أتقولون بأفواهكم من غير روية ولا تفكير ببطلان ما تقولون؟ فكان هذا الاحتجاج منادياً على نفسه بالإِعجاز وأنه ليس من كلام البشر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} معناهُ عالٍ. تفسير : وقوله تعالى: {يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} معناهُ بِمثلِهِما. تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} إِمَّا أَنْ يَنْصَبَ وإِما أَنْ يَسْكُنَ فيكُونُ ذِهاباً مِنهُ فِي الوَجهين جَميعاً.
الأندلسي
تفسير : {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} الآية، هذا مثل ضربه الله للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء مثل القرآن لما فيه من حياة القلوب وبقاء الشرع والدين والأودية مثل القلوب ومعنى بقدرها على وسعة القلوب وضيقها فمنها ما انتفع به فحفظه ووعاه فتدبر فيه فظهرت ثمرته وأدرك تأويله ومعناه ومنها دون ذلك بطبقة ومنها دونه بطبقات والزبد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين أنه كلام الله تعالى ودفعهم إياه والماء الصافي المنتفع به مثل الحق وفي الحديث الصحيح ما يؤيد هذا التأويل وهو قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : مثل ما بعثت به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً وكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أجادب فأمسكت الماء فانتفع الناس به وسقوا ورعوا وكانت منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل ما جئت به من العلم والهدى ومثل من لم يقبل هدي الله الذي أرسلت به والماء المطر ونكر أودية لأن المطر إنما ينزل على طريق المناوبة فيسيل بعض الأودية دون بعض تفسير : وأودية جمع قلة كقولهم: نادو أندية والزبد قال الرماني: وضر الغليان وخبثه قال الشاعر: شعر : فما الفرات إذا هب الرياح له ترمي غوار به العبرين بالزبد تفسير : ومعنى بقدرها أي على قدر صغرها وكبرها أو بما قدّر لها من السماء بسبب نفع الممطور عليهم لا ضررهم ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} فالمطر مثل للحق فهو نافع خال من الضرر وعرف السيل لأنه عني به ما فهم من الفعل والذي يتضمنه الفعل من المصدر هو نكرة فإذا عاد عليه الظاهر كان معرفة كما كان لو صرح به نكرة ولذلك يضمر إذا عاد على ما دل عليه الفعل من المصدر نحو من كذب كان شراً له أي كان الكذب ولو جاء هنا مضمراً لكان جائزاً عائداً على المصدر المفهوم من فسالت واحتمل بمعنى حمل جاء فيه افتعل بمعنى المجرد كاقتدر وقدر ورابياً منتفخاً عالياً على وجه السيل ومنه الربوة. {وَمِمَّا يُوقِدُونَ} أي ومن الأشياء التي توقدون عليها وهي الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير ونحوها مما يوقد عليه وله زبد وانتصب ابتغاء على أنه مفعول من أجله والحلية ما يعمل للنساء مما يتزين به من الذهب والفضة والمتاع ما يتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قوام العيش كالأواني والمساحي وآلات الحرث وقطاعات الأشجار والسكك وغير ذلك وزبد مرفوع بالابتداء وخبره في قوله: ومما يوقدون، ومن الظاهر أنها للتبعيض لأن ذلك الزبد هو بعض ما يوقد عليه من تلك المعادن ومن أيضاً تكون لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء والمماثلة في كونها يتولدان من الأوساخ والأكدار والحق والباطل على حذف مضاف إي مثل الحق والباطل شبه الحق بما يخلص من جرم هذه المعادن من الأقذار والخبث ودوام الانتفاع بها وشبه الباطل بالزبد المجتمع من الخبث والأقذار ولا بقاء له ولا قيمة وفصل ما سبق ذكره مما ينتفع به ومن الزبد فبدأ بالزبد إذ هو المتأخر في قوله: زبداً رابياً وفي قوله: زبد مثله ولكون الباطل كناية عنه وهو متأخر وهي طريقة فصيحة يبدأ في التقسيم بما ذكر آخراً كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}تفسير : [آل عمران: 106]. والبداءة بالسابق فصحة مثل قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ}تفسير : [هود: 105-106] وكأنه والله أعلم يبدأ في التفصيل بما هو أهم في الذكر وانتصب جفاء على الحال أي مضمحلاً متلاشياً لا منفعة فيه ولا بقاء له والجفاء اسم لما يجفاه السيل أي يرمي به يقال جفأت القدر بزبدها وجفأ السيل بزبده وأجفأ وأجفل. وقال ابن الأنباري: جفاء متفرقاً من جفأت الريح الغيم إذا قطعته وجفأت الرجل صرعته ويقال: جفأ الوادي وأجفأ إذ أنشف والزبد يراد به ما سبق مما احتمله السيل وما خرج من خبث المعادن وأفرد الزبد ولم يثن وان تقدم زبد ان لاشتراكهما في مطلق الزبدية فهماً واحد باعتبار القدر المشترك. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} أي من الماء الخالص من الغثاء ومن الجوهر المعدني الخالص من الخبث. {فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} لانتفاع الناس به والكاف في موضع نصب أي مثل ذلك الضرب كمثل الحق والباطل يضرب الله الأمثال والظاهر أنه لما ضرب هذا المثل للحق والباطل انتقل إلى ما لأهل الحق من الثواب وأهل الباطل من العقاب فقال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي للذين دعاهم الله على لسان رسوله فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من اتباع دينه الحالة الحسنى وذلك هو النصر في الدنيا وما اختصوا به من نعمه تعالى ودخول الجنة في الآخرة فالحسنى مبتدأ وخبره في قوله: للذين، قال الزمخشري: للذين استجابوا متعلق بيضرب، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا والكافرين الذين لم يستجيبوا أي هما مثلا الفريقين فالحسنى صفة لمصدر استجابوا أي استجابوا الاستجابة. وقوله: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ} كلام. مبتدأ ذكر ما أعد لغير المستجيبين انتهى. التفسير الأول أولى لأنه فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين والله تعالى قد ضرب امثالاً كثيرة في هذين وفي غيرهما ولأنه فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف قول الزمخشري، فلما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب ذكر ما للمستجيبين من الثواب ولأن تقديره الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً إنما مقابلها نفي الاستجابة بالحسنى والله تعالى قد نفى الاستجابة مطلقاً ولأنه على قوله يكون قوله: لو ان لهم ما في الأرض كلاماً مفلتا مما قبله أو كالمفلت إذ يصير المعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين لو أن لهم ما في الأرض فلو كان التركيب بحرف رابط لو بما قبلها زال التفلت وأيضاً فيوهم الاشتراك في الضمير وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً لهم والذين لم يستجيبوا مبتدأ خبره ما بعده وغاير بين جملتي الابتداء لما يدل عليه تقديم الجار والمجرور من الاعتناء والاهتمام لو أن لهم ما في الأرض جميعاً وسوء الحساب. قال ابن عباس: ان لا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيآتهم وتقدم تفسير مثل ومأواهم جهنم. {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} الآية، قال ابن عباس: نزلت في حمزة وأبي جهل ولما ذكر تعالى مثل المؤمن والكافر وذكر ما للمؤمن من الثواب وما للكافر من العقاب ذكر استبعاد من يجعلهما سواء وأنكر ذلك فقال: أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى أي ليسا مشتبهين لأن العالم بالشىء بصير به والجاهل به كالأعمى والمراد عمى البصيرة ولذلك قابله بالعلم والهمزة للاستفهام المراد به إنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في ان حال من علم إنما أنزل إليك من ربك الحق فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والابريز ثم ذكر أنه لا يتذكر بالموعظة وضرب الأمثال الا أصحاب العقول والفاء للعطف وقدمت همزة الاستفهام لأن له صدر الكلام والتقدير فأمن يعلم والذين بدل من الواو أو صفة له أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين والظاهر إضافة العهد إلى الفاعل أي بما عهد الله والظاهر أن قوله: ولا ينقضون الميثاق، جملة توكيدية لقوله: يوفون بعهد الله لأن العهد هو الميثاق ويلزم من إيفاء العهد انتفاء نقضه. و{مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} ظاهره العموم في كل ما أمر به في كتابه وعلى لسان رسوله. {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي وعيده كله. {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} أي استقصاءه فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا وصبروا مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال وميثاق التكليف وجاءت الصلة هنا بلفظ الماض وفي الموصولين قبل بلفظ المضارع في قوله: الذين يوفون والذين يصلون وما عطف عليهما على سبيل التفنن في الفصاحة ويظهر أيضاً أن اختصاص هذه الصلة بالماضي وتينك بالمضارع أن تينك الصلتين قصد بهما الاستصحاب والإِلتباس دائماً وهذه الصلة قصد بها تقدمها على تينك الصلتين وما عطف عليهما لأن حصول تلك الصلات إنما هي مترتبة على حصول الصبر وتقدمه عليها ولذلك لم تأت صلة في القرآن بالصبر إلا بصيغة الماضي إذ هو شرط في حصول التكاليف وإيقاعها. {وَيَدْرَءُونَ} يدفعون أي يدفعون الشر بالخير. و{عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} عاقبة الدنيا وهي الجنة لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. و{جَنَّاتُ عَدْنٍ} بدل من عقبى الدار ويحتمل أن يراد عقبى دار الآخرة لدار الدنيا أي العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم ويحتمل أن تكون جنات خبر مبتدأ محذوف تقديره هي جنات والظاهر أن ومن معطوف على الضمير في يدخلونها وقد فصل بينهما بالمفعول. {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} أي بالتحف والهداية من الله تكرمه لهم وارتفع سلام على الابتداء وعليكم الخبر والجملة محكية بقول محذوف تقديره يقولون: سلام عليكم والمخصوص بالمدح محذوف أي فنعم عقبى الدار الجنة أو فنعم عقبى الدار الصبر وبما صبرتم متعلق بذلك المحذوف الذي هو يقولون: سلام عليكم بسبب صبركم أي تحية الملائكة لهم ودخولهم عليهم من كل باب بالتحف والهداية هو بسبب صبرهم. {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} الآية، لما ذكر تعالى حال السعداء وما ترتب لهم من الأمور السنية الشريفة ذكر حال الأشقياء وما ترتب لهم من الأمور المخزية وتقدم تفسير الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه من أوائل البقرة وترتب هناك للسعداء التصريح بعقبى الدار وهي الجنة وإكرام الملائكة لهم بالسلام وذلك غاية القرب والتأنيس وهنا ترتب للأشقياء الابعاد من رحمة الله وسوء الدار أي الدار السوء وهي النار أو سوء عاقبة الدار وتكون دار الدنيا ولما كان كثير من الأشقياء فتحت عليهم نعم الدنيا ولذاتها أخبر تعالى أنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر والكفر والإِيمان لا تعلق لهما بالرزق قد يقدر على المؤمن ليعظم أجره ويبسط للكافر إملاء لازدياد آثامه ويقدر مقابل يبسط وهو التضييق والضمير في وفرحوا عائد على الذين ينقضون هو استئناف اخبار عن جهلهم بما أوتوا من بسطه الدنيا عليهم وفرحهم هو فرح بطر لا فرح سرور بفضل الله وانعامه عليهم ومتاع معناه ذاهب مضمحل يستمتع به قليلاً ثم يفنى كما قال الشاعر: شعر : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإِنسان
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح، بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد، بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا كقلب صغير، يسع علما قليلا وهكذا. وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة. كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصا صافيا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق {أية : إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } تفسير : وقال هنا: { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ } ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال.
همام الصنعاني
تفسير : 1369- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}: [الآية: 17]، قال: الكبير والصَّغير بقدره. 1370- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً}: [الآية: 17]، قال: ربا فوق الماء الزَّبَد. قال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ}: [الآية: 17]، قال: هُوَ الذَّهَبُ إذا أُدخل النار بقي صفوه، وذهب ما كان من كَدَرٍ، فهذا مَثَلٌ ضربه الله للحق والباطل. {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً}: [الآية: 17]، قال: يتعلق بالشجر فلا يكون شيئاً فهذا مثل الباطل، {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 17]، فهذا يخرج النبات وهو مثل الحقِّ. 1371- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ}: [الآية: 17]، قال: المتاع الصفر والحديد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):