Verse. 1725 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

لِلَّذِيْنَ اسْتَجَابُوْا لِرَبِّہِمُ الْحُسْنٰى۝۰ۭؔ وَالَّذِيْنَ لَمْ يَسْتَجِيْبُوْا لَہٗ لَوْ اَنَّ لَہُمْ مَّا فِي الْاَرْضِ جَمِيْعًا وَّمِثْلَہٗ مَعَہٗ لَافْتَدَوْا بِہٖ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ لَہُمْ سُوْۗءُ الْحِسَابِ۝۰ۥۙ وَمَاْوٰىہُمْ جَہَنَّمُ۝۰ۭ وَبِئْسَ الْمِہَادُ۝۱۸ۧ
Lillatheena istajaboo lirabbihimu alhusna waallatheena lam yastajeeboo lahu law anna lahum ma fee alardi jameeAAan wamithlahu maAAahu laiftadaw bihi olaika lahum sooo alhisabi wamawahum jahannamu wabisa almihadu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«للذين استجابوا لربهم» أجابوه بالطاعة «الحسنى» الجنة «والذين لم يستجيبوا له» وهم الكافر «لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوْا به» من العذاب «أولئك لهم سوء الحساب» وهو المؤاخذة بكل ما علموه لا يغفر منه شيء «ومأواهم جهنم وبئس المهاد» الفراش هي.

18

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} للمؤمنين الذين استجابوا. {لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} الإستجابة الحسنى. {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} وهم الكفرة واللام متعلقة بيضرب على أنه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما. وقيل للذين استجابوا خبر الحسنى وهي المثوبة أو الجنة والذين لم يستجيبوا مبتدأ خبره. {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} وهو على الأول كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ ٱلْحِسَـٰبِ} وهو المناقشة فيه بأن يحاسب الرجل بذنبه لا يغفر منه شيء. {وَمَأْوَاهُمْ} مرجعهم. {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} المستقر والمخصوص بالذم محذوف.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم {ٱلْحُسْنَىٰ} وهو الجزاء الحسن؛ كقوله تعالى مخبراً عن ذي القرنين أنه قال: {أية : أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } تفسير : [الكهف:87-88]، وقال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}. وقوله: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} أي: لم يطيعوا الله، {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي: في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهباً، ومثله معه، لافتدوا به، ولكن لا يقبل منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَـٰبِ} أي: في الدار الآخرة، أي: يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عذب، ولهذا قال: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ } أجابوه بالطاعة {ٱلْحُسْنَىٰ } الجنة {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } وهم الكفار {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } من العذاب {أُوْلـَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ ٱلْحِسَابِ } وهو المؤاخذة بكل ما عملوه لا يُغْفَر منه شيء {وَمَأْوٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } الفراش هي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{للذين استجابوا لربهم الحسنى} فيها تأويلان: أحدهما: الجنة، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنها الحياة والرزق، قاله مجاهد. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن تكون مضاعفة الحسنات. {والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاًَ ومثلَهُ معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب}. في {سوء الحساب}أربعة تأويلات: أحدها: أن يؤاخذوا بجميع ذنوبهم فلا يعفى لهم عن شيء منها، قاله إبراهيم النخعي. وقالت عائشة رضي الله عنها: من نوقش الحساب هلك. الثاني: أنه المناقشة في الأعمال، قاله أبو الجوزاء. الثالث: أنه التقريع والتوبيخ، حكاه ابن عيسى. الرابع: هو أن لا تقبل حسناتهم فلا تغفر سيئاتهم. ويحتمل خامساً: أن يكون سوء الحساب ما أفضى إليه حسابهم من السوء وهو العقاب.

ابن عطية

تفسير : {الذين استجابوا}: هم المؤمنون الذين دعاهم الله عز وجل على لسان رسوله فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من اتباع دينه، و {الحسنى}: هي الجنة وكل ما يختص به المؤمنون من نعم الله عز وجل، {والذين لم يستجيبوا} هم: الكفرة، و {سوء الحساب} هو: التقصي على المحاسب وأن لا يقع في حسابه من التجاوز شيء - قاله شهر بن حوشب وإبراهيم النخعي، وقاله فرقد السبخي وغيره - و"المأوى": حيث يأوي الإنسان ويسكن و {المهاد}: ما يفترش ويلبس بالجلوس والرقاد. وقوله: {أفمن يعلم} استفهام بمعنى التقرير، والمعنى: أسواء من هداه الله فعلم صدق نبوتك وآمن بك، ومن لم يهتد ولا رزق بصيرة فبقي على كفره، فمثل عز وجل ذلك بالعمى. وروي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، وقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل بن هشام، وهي بعد هذا مثال في جميع العالم. و {إنما} في هذه الآية حاصرة، أي {إنما يتذكر} فيؤمن ويراقب الله من له لب وتحصيل. ثم أخذ تعالى في وصف هؤلاء الذين يسرهم للإيمان فقال: {الذين يوفون بعهد الله} وقوله: {بعهد الله}: اسم للجنس، أي بجميع عهود الله وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي. وقوله: {ولا ينقضون الميثاق} يحتمل أن يريد به جنس المواثيق أي إذا اعتقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقضوه. قال قتادة: وتقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ويحتمل أن يشير إلى ميثاق معين وهو الذي أخذه الله على عباده وقت مسحه على ظهر أبيهم آدم عليه السلام. ووصل ما أمر الله به أن يوصل: ظاهره في القرابات وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. و {سوء الحساب} هو أن يتقصى ولا تقع فيه مسامحة ولا تغمد.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحُسْنَى} الحياة والرزق، أو الجنة مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم {سُوءُ الْحِسَابِ} المؤاخذة بكل ذنب فلا يعفى عن شيء من ذنوبهم، أو المناقشة بالأعمال، أو التقريع والتوبيخ عند الحساب.

النسفي

تفسير : واللام في {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } أي أجابوا متعلقة بـ {يضرب} أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا {لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ } وهي صفة لمصدر {استجابوا} أي استجابوا الاستجابة الحسنى {وَالَّذِينَ لَمْ يَستَجِيبُوا لَهُ} أي للكافرين الذين لم يستجيبوا أي هما مثلاً الفريقين. وقوله {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله والوجه أن الكلام قد تم على الأمثال وما بعده كلام مستأنف والحسنى مبتدأ خبره {للذين استجابوا} والمعنى لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة {والذين لم يستجيبوا} مبتدأ خبره «لو» مع ما في حيزه {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ ٱلْحِسَـٰبِ } المناقشة فيه في الحديث «حديث : من نوقش الحساب عذب»تفسير : {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } ومرجعهم بعد المحاسبة الناس {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } المكان الممهد والمذموم محذوف أي جهنم، دخلت همزة الإنكار على الفاء في {أَفَمَن يَعْلَمُ } لإنكار أن تقع شبهة ما بعد ما ضرب من المثل في أن حال من علم {أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ } فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب وهو المراد بقوله: {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي الذين عملوا على قضايا عقولهم فنظروا واستبصروا. {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } متبدأ والخبر {أولئك لهم عقبى الدار} كقوله {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ }تفسير : [الرعد:25] وقيل هو صفة لأولي الألباب والأول أوجه وعهد الله ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وأشهدهم على أنفسهم من الشهادة بربوبيته ألست بربكم قالوا بلى {أية : وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ }تفسير : ما أوثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد تعميم بعد تخصيص

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} قيل: اللام في للذين متعلقة بيضرب والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذي استجابوا لربهم يعني أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده والإيمان به وبرسوله وللكافرين الذين لم يستجيبوا، فعلى هذا يكون قوله كذلك يضرب الله الأمثال ثم للفريقين من المؤمنين والكافرين وقيل تم الكلام عند قوله كذلك يضرب الله الأمثال ثم استأنف بقوله للذين استجابوا لربهم الحسنى. قال ابن عباس وجمهور المفسرين: يعني الجنة. وقيل: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن وهي المنفعة الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع {والذين لم يستجيبوا له} يعني الكبار الذين استمروا على كفرهم وشركهم وما كانوا عليه {لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به} يعني لبذلوا ذلك كله فداء لأنفسهم من عذاب النار يوم القيامة {أولئك} يعني الذين لم يستجيبوا لربهم {لهم سوء الحساب} قال إبراهيم النخعي: سوء الحساب أن يحاسب الرجل بذنبه كله ولا يغفر له منه شيء {ومأواهم} يعني في الآخرة {جهنم وبئس المهاد} يعني وبئس ما مهد لهم في الآخرة، وقيل: المهاد الفراش يعني وبئس الفراش يفرش لهم في جهنم. قوله تعالى {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} يعني فيؤمن به ويعمل بما فيه {كمن هو أعمى} يعني أعمى البصيرة، لا أعمى البصر وهو الكافر فلا يؤمن بالقرآن ولا يعمل بما فيه قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه سلم وأبي جهل بن هشام. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل فالأول هو حمزة أو عمار والثاني هو أبو جهل وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصاً، والمعنى: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى لأن الأعمى لا يهتدي لرشد، وربما وقع في مهلكة وكذلك الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد وهما واقعان في المهلكة {إنما يتذكر أولو الألباب} يعني إنما يتعظ ذوو العقول السليمة الصحيحة، وهم الذين ينتفعون بالمواعظ والأذكار. قوله عز وجل {الذين يوفون بعهد الله} يعني الذي عاهدهم عليه وهو القيام بما أمرهم به، وفرضه عليهم وأصل العهد حفظ الشيء، ومراعاته حالاً بعد حال وقيل أراد بالعهد ما أخذه على أولاد آدم حين أخرجهم من صلبه، وأخذ عليهم العهد والميثاق {ولا ينقضون الميثاق} بل يوفون به فهو توكيد لقوله الذين يوفون بعهد الله {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} قال ابن عباس: يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل يعني يصل بينهم بالإيمان ولا يفرق بين أحد منهم والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم عن عبد الرحمن بن عوف. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته أو قال بتتته" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي (ق). عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله"تفسير : (خ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سره أن يبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه"تفسير : صلة الرحم مبرة الأهل والأقارب والإحسان إليهم وضده القطع، قوله: وأن ينسأ له في أثره الأثر هنا الأجل سمي الأجل أثراً لأنه تابع للحياة وسابقها. ومعنى ينسأ: يؤخر والمراد به تأخير الأجل. وهو على وجهين: أحدهما أن يبارك الله في عمره فكأنما قد زاد فيه. والثاني أن يزيده في عمره زيادة حقيقية والله يفعل ما يشاء (ق) عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يدخل الجنة قاطع"تفسير : في رواية سفيان يعني "قاطع رحم" (خ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها"تفسير : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل ومثراة في المال ومنسأة في الأثر" تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: {ويخشون ربهم} يعني أنهم مع وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه {ويخافون سوء الحساب} تقدم معناه.

البقاعي

تفسير : ولما تم ما للحق والباطل في أنفسهم من الثبات والاضطراب، ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب جواباً لمن كأنه قال: ما لمن تدبر هذه الأمثال، وأبعد عما أشارت إليه من الضلال، أو حاد عما دعت إليه ومال؟ فأجيب بقوله: {للذين استجابوا} أي طلبوا من أنفسهم الإجابة وأوجدوها {لربهم} أي المحسن إليهم شكراً له، الحالة {الحسنى} أي العظيمة في الحسن، وهي القرار في الجنة فهو جزاءهم؛ قال أبو حيان: وذلك هو النصر في الدنيا وما اختصوا به من نعمه تعالى ودخول الجنة في الآخرة - انتهى. وقد تقدم في سورة يونس عليه الصلاة والسلام أنهم يزادون ما لا يعلم قدره إلا الذي فعلوا ذلك خوف عقابه ورجاء ثوابه. ولما ذكر ما للطائعين، أتبعه جزاء العاصين، فقال مبتدئاً: {والذين لم يستجيبوا} أي يرغبوا في إيجاد الإجابة {له} وأخبر عن هذا الابتداء قوله معلماً بأن استعجالهم بالعذاب باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة جراءة منهم ناشئة عن جهل صرف تزول عند رؤيتهم عذابه سبحانه، فيبلغون حينئذ بالافتداء غاية الذل فلا يقبل منهم -: {لو أن لهم} أي في ملكهم وتحت قدرتهم {ما في الأرض} وأكد بقوله: {جميعاً ومثله} وأوضح بقوله: {معه لافتدوا به} أي جعلوا فكاك أنفسهم بغاية جهدهم، وأكده لادعاء الكفرة أنهم لا يذلون لشيء ولا يوهن قواهم شيء، والافتداء: جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر على جهة الاتقاء به، فكأنه قيل: ما الذي دهاهم حتى كان هذا حالهم؟ فقيل - دلالة على أنه لا يقبل منهم الفداء ولو عظم -: {أولئك} أي البعداء البغضاء {لهم سوء الحساب *} والحساب: إحصاء ما على العبد وله، وسوء المؤاخذة، وعدم العفو عن شيء {ومأواهم} أي مستقرهم {جهنم} أي الطبقة التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة. ولما كان المأوى إنما يأوى إليه صاحبه للراحة فيه بالاتكاء على فرش ونحوه، قال معبراً بمجمع المذام: {وبئس المهاد *}. ولما افترق حال ما أجاب ومن أعرض في الجزاء، وكان ما مضى مستوفياً طرق البيان بإيضاح الأمر بالجزيئات والأمثلة مع الترغيب والترهيب. فكان جديراً بترتيب الأثر عليه، تسبب عنه الإنكار على من سوى بين العالم العامل وغيره التفاتاً إلى قوله {هل يستوي الأعمى والبصير} وسوى بين الحق والباطل التفاتاً إلى قوله { كذلك يضرب الله الحق والباطل} فحسن قوله: {أفمن} بفاء السبب {يعلم} علماً نافعاً هو عامل به {إنما} أي الذي {أنزل} أي وجد إنزاله وفرغ منه {إليك من ربك} أي المحسن إليك بأحسن التدبير {الحق} أي الكامل في الحقية، فهو نير العين للبصر والقلب للاستبصار والاعتبار، يهتدي بما يعلم إلى طريق الرشد فيسلكها، وإلى طريق الغي فيتركها، ويفهم الأشارات، وينتفع بالأمثال السائرات، كما يبصر بالبصر طريق النجاة من طريق الهلاك {كمن هو أعمى} لا بصر له ولا بصيرة، لأنه لا يعمل وإن كان عالماً، فهو لا ينتفع بالأمثال، فكأنه قيل: لا يستويان مثلاً أصلاً، ثم علل هذا الإنكار بقوله: {إنما} أي لأنه إنما يعلم ذلك بالتذكر، وإنما {يتذكر} أي يطلب الذكر طلباً عظيماً فيعمل {أولوا} أي أصحاب {الألباب *} أي العقول الصافية الخالصة القابلة للتذكر بالتفكر في أن ما أنزل من عند الله ثابت الأركان راسي القواعد، لا قدر لأحد على إزالة معنى من معانيه ولا هدم شيء من مبانيه وأن ما عداه هلهل النسج رث القوى، مخلخل الأركان، دارس الرسم، منطمس الأعلام، مجهول المسالك، مظلم الأرجاء، جم المهالك، وأما القلب الذي لا يرجع عن غيه لمثل هذا البيان فكأنه غير قابل للذكرى، فاستحق أن يعد عدماً، وأن يخص التذكر بالقلب، ومن المعلوم أنه لا يستوي من له لب ومن لا لب له؛ واللب والقلب: أجل ما في الشيء وأخلصه وأجوده.

القشيري

تفسير : {ٱلْحُسْنَىٰ}: الوعد بقبول استجابتهم، وذلك مِنْ أََجَلِّ الأشياءِ عندهم؛ فلا شيء أعزُّ على المحبِّ مِنْ قبولِ محبوبه منه شيئاً. أما الذين لم يستجيبوا له فلو أَنّ لهم جميع ما في الأرض وأنفقوه عَمْداً لا يُقْبَلُ منهم، ولهم سوءُ الحساب، وهو المناقشة في الحساب، ثم مأواهم جهنم ودوام العذاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {للذين استجابوا لربهم} خبر مقدم لقوله {الحسنى} اى للمؤمنين الذين اجابوا فى الدنيا لى ما دعا الله اليه من التوحيد والطاعة المثوبة الحسنى فى الآخرة وهى الجنة وسميت بذلك لانها فى نهاية الحسن لكونها من آثار الجمال الصفاتى واما الاحسن فهو الله تعالى وحسنه الازلى من ذاته لا من غيره فقد علم من هذا ان الداعى الى الحسنى هو الله تعالى والمجيب الى تلك الدعوى الالهية هو المؤمنون والجنة ونعيمها هى الضيافة العظمى وقد ورد "حديث : اللهم انى اسألك الجنة وما قرب اليها من قول وعمل واعوذ بك من النار وما قرب اليها من قول وعمل " تفسير : قال بعض الكبار من احب رؤية الله احب الجنة لانها محلها. يقول الفقير فيه تصريح بان الجنة محل الرؤية لا محل الله تعالى حتى يلزم اثبات المكان له ولا يلزم من كونها محل الرؤية كونها محله تعالى لان التقيد بالمكان حال الرائى لا حال المرئى والدنيا والآخرة سواء بالنسبة الى الرائى كما انهما سيان بالنسبة الى المرئى اذ لو رؤى فى الدنيا بحسب ارتفاع الموانع لكان لا يضر اطلاقه وتنزهه وكذا لو رؤى فى الجنة وقد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فى الدنيا فجعلت الدنيا ظرفا لرؤيته مع ان الله تعالى على تنزهه الازلى واذا عرفت هذا عرفت ضعف قول الفقهاء لو قال ارى الله فى الجنة يكفر لانه يزعم ان الله تعالى فى الجنة والحق ان يقال نرى الله فى الجنة انتهى قولهم شعر : مجرد بابيش ز اطلاق وتقييد اكر جلباب هستى را كنى شق تفسير : {والذين لم يستجيبوا له} وهم الكافرون بالله الخارجون عن الطاعة وهو مبتدأ خبره قوله {لو ان لهم} [اكر باشد مرا ايشانرا] {ما فى الارض جميعا} من نقودها وامتعتها وضياعها {ومثله معه} وضعفه معه [يعنى آن قدر كه نقود واقمشه دينى هست با آن اضافت كنند وهمه در تصرف كافران باشد روز قيامت] {لافتدوا به} جعلوه فداء انفسهم من العذاب ولو فادوا به لا يقبل منهم. يقول الفقير سر هذا انهم بسبب الدنيا غفلوا عن الله تعالى وحين الانتباه بالموت والبعث صغر فى اعينهم الدنيا وما فيها فلو قدروا لبذلوا الكل واخذوا الله تعالى بدلا منه فقد قصروا فى وقت القبول وتمنوا ما تمنوا حين لا درهم ولا دينار شعر : مده براحت فانى حيات باقى را بمحنت دوسه روز ازغم ابد بكريز تفسير : {اولئك} [آن كروه] {لهم سوء الحساب} هو المناقشة بان يحاسب الرجل بذنبه ولا يغفر منه شيء. وعن حديث : عائشة رضى الله عنها ان رسول الله عليه السلام قال "ليس احد يحاسب يوم القيامة الا هلك" قلت او ليس يقول الله {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال {انما ذلك العرض ولكن من نوقش فى الحساب يهلك} تفسير : والمناقشة الاستقصاء فى الحساب بحيث لا يترك منه شيء يقال ناقشه الحساب اذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرا. ومعنى الحديث ان المناقشة فى الحساب وعدم المسامحة مفض الى الهلاك ودخول النار ولكن الله يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. قال النووى وهذا لمن لم يحاسب نفسه فى الدنيا فيناقش بالصغيرة والكبيرة فاما من تاب وحاسب نفسه فلا يناقش كما فى الفتح القريب شعر : نريزد خدا آب روى كسى كه ريزد كناه آب جشمش بسى تفسير : {ومأواهم} مرجعهم بعد المناقشة {جهنم}. فان قلت هلا قيل مأواهم النار. قلت لان فى ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا ويحتمل ان يكون جهنم هى ابعد النار قعرا من قولهم بئر جهنم بعيدة القعر. قال بعضهم جهنم معرب وكأنه فى الفرس [جه نم] {وبئس المهاد} [وبد جايكاهست دوزخ] وهو بمعنى الممهود المبسوط يقال مهدت الفراش مهدا اى بسطته اطلق ههنا بمعنى المستقر مطلقا اى بئس موضع القرار جهنم - وروى - احمد حديث : انه عليه السلام قال لجبريل "مالى لا ارى ميكائيل ضاحكا" فقال ما ضحك مذ خلقت النار تفسير : - وروى - ان موسى عليه السلام ناجى ربه فقال يا رب خلقت خلقا وربيتهم بنعمتك ثم تجعلهم يوم القيامة فى نارك. قال فى المثنوى شعر : مستفيدى اعجمى شد آن كليم تاعجميانرا كند زين سر عليم تفسير : فاوحى الله تعالى اليه ان يا موسى قم فازرع زرعا فزرعه فسقاه وقام عليه وحصده وداسه فقال له ما فعلت بزرعك يا موسى قال قد رفعته قال فما تركت منه شيئا قال يا رب تركت ما لا خير فيه قال يا موسى فانى ادخل النار ما لا خير فيه وهو الذى يستنكف ان يقول لا اله الا الله. وفى المثنوى شعر : جونكه موسى كشت وشد كشتش تمام خوشهايش يافت خوبى ونظام داس بكرفت ومران را مى بريد بس ندا از غيب دركوشش رسيد كه جرا كشتى كنى ويرورى جون كمالى يافت آنرا مى برى كفت يا رب زان كنم ويران وبست كه دراينجا دانه هست وكاه هست دانه لايق نيست در انبار كاه كاه در انبار كندم هم تباه نيست حكمت اين دورا آميختن فرق واجب مى كند در بيختن كفت اين دانش تو از كه يا فتى كه بدانش بيدرى برساختى كفت تمييزم تودادى اى خدا كفت بس تمييز جون نبود مرا درخلايق روحهاى باك هست روحهاى تيره وكلناك هست اين صدفها نيست در يك مرتبه در يكى دراست ودرديكر شبه واجبست اظهار اين نيك وتباه همجنا كاظهار كندمها زكاه

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين يجيبون دعاء الله الى طريق التوحيد والعمل بشريعته وتصديق نبيه ويطلبون مرضاته في فعل ما دعاهم اليه، لهم الحسني، وهي المنفعة العظمى في الحسن، وقال المفسرون: أراد بالحسنى الجنة والخلود في نعيمها. وان الذين لم يجيبوا دعاءه ولم يقرّوا بنبيه ولم يعملوا بما دعاهم اليه {لو أن لهم ما في الأرض جميعاً} ملكاً لهم ويضيفوا اليه مثله في الكثرة لافتدوا بجميع ذلك أنفسهم من عذاب النار وطلبوا به الخلاص منه، لو قبل ذلك منهم. والافتداء جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر على وجه الاتقاء به، فهؤلاء لا يقيهم من عذاب الله شيء - نعوذ بالله منه - ثم أخبر تعالى ان لهؤلاء سوء الحساب. وقيل في معناه قولان: قال ابراهيم النخعي: ان سوء الحساب هو مؤاخذة العبد بذنبه لا يغفر له شيء منه. وقال الجبائي: معناه واخذه به على وجه التوبيخ والتقريع. والحساب إحصاء ما على العبد وله، يقال: حاسبته حساباً ومحاسبة، وحسبه يحسبه حسباً وحسباناً. وقوله {ومأواهم جهنم وبئس المهاد} فالمهاد الفراش الذي يوّطأ لصاحبه، وانما قيل لجهنم: مهاد أي هي موضع المهاد لهم.

الجنابذي

تفسير : {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} متعلّق بيضرب الامثال اى يضرب الامثال لحال هؤلاء وهؤلاء يعنى حالهما كحال الماء والزّبد او يضرب الامثال لبشارة هؤلاء وانذار اولئك، او يضرب الامثال لانتفاع الّذين استجابوا {لِرَبِّهِمُ} الاستجابة {ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} عطف على الّذين استجابوا على الاوّلين وهو مع ما بعده جملة مستأنفة على الثّالث ويجوز ان يكون قوله للّذين استجابوا خبراً مقدّماً للحسنى مع كون الجملة مستأنفة جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ ويكون المعنى للّذين استجابوا لرّبهم العاقبة الحسنى والّذين لم يستجيبوا له {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} بان لا تقبل لهم حسنةٌ ولا تغفر لهم سيّئة كما نسب الى الصّادق (ع) او بان نوقش فى حسابهم واستقصى بهم كما فى خبرٍ آخر {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} المستقرّ.

اطفيش

تفسير : {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا} خبر المبتدإِ الذى هو الحسنى؛ أَى للمؤمنين الذين استجابوا {لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} أَو متعلق بيضرب، والحسنى مفعول مطلق، أَى استجابوا الاستجابة الحسنى {وَالَّذِينَ} للكفار الذين {لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} عطف على الذين، أَو مبتدأُ خبره قوله {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأَرْضِ جمِيعاً وَمِثْلَهُ} من الأَموال، أَو ما فى الأَرض مطلقا صار لهم مالا {مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ} والأَول أَولى لأَن ضرب الأَمثال فيه غير مفيد كما وقع فى غير هذه الآية غير مفيد، ويدل على أَن المراد بالأَمثال المثلان أَنه لم يقل كذلك يضرب الله الأَمثال للناس، أَو لقوم يعقلون كما قال: "أية : وتلك الأَمثال نضربها للناس"تفسير : [العنكبوت: 43، الحشر: 21] ومعنى {لافتدوا به} أَنه يهون عليكم كله فيتركونه فداءً مع أَنه لا يقبل عنهم، وليست لو للتمنى بدليل اللام فى قوله: "لافتدوا به" فلا تهم {أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} هو على ظاهره؛ أَى فظاعة الحساب، أَو الحساب السوءِ أَى السىءُ، فأُضيف النعت إِلى المنعوت، يحاسبون حسابا عسيراً لا يغفر لهم ذنب ولا هم به، صغير ولا كبير، وفى البخارى ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نوقش فى الحساب عذب"تفسير : {وَمَأْوَاهُمْ} مرجعهم {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} أَى المستقر، شبه بالفراش الذى يمهد أَو تهكم به، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هى، أَو مهادهم، ونزل فى أَبى جهل لعنه الله وحمزة رضى الله عنه قوله تعالى: {أَفَمَن يعْلَمُ أَنَّمآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} لا غيره وهو حمزة رضى الله عنه وغيره لأَن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب {كَمَنْ هُوَ أَعْمى} أَعمى القلب أَو كفاقد البصر لا يستبصر ولا يستجيب، والاستفهام إِنكار، لا يميز الحق من الباطل وهو أَبو جهل وغيره للعمل بعموم اللفظ {إِنَّمَا يَتَذَكَّّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} العقول المكتسبة لا أَصحاب العقول التى لم تستعمل فبقيت على متابعة ما أَلفوه وموانع الوهم.

الالوسي

تفسير : {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ } إذ دعاهم إلى الحق بفنون الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإن له لما فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس تأثيراً بليغاً في تسخير/ النفوس، والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله سبحانه: {ٱلْحُسْنَىٰ } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة كما قال قتادة وغيره، وعن مجاهد الحياة الحسنى أي الطيبة التي لا يشوبها كدر أصلاً. وعن ابن عباس أن المراد جزاء الكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله وفيه من البعد ما لا يخفى مبتدأ مؤخر {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } سبحانه وعاندوا الحق الجلي {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ } من أصناف الأموال {جَمِيعاً} بحيث لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو مجموعاً غير متفرق بحسب الأزمان {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} أي بالمذكور مما في الأرض ومثله معه جميعاً ليتخلصوا عما بهم، وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان، والموصول مبتدأ والجملة الشرطية خبره وهي على ما قيل واقعة موقع السوأى المقابلة للحسنى الواقعة في القرينة الأولى فكأنه قيل: وللذين لم يستجيبوا له السوأى. وتعقب بأن الشرطية وان دلت على سوء حالهم لكنها بمعزل عن القيام مقام لفظ السوأى مصحوباً باللام الجارة الداخلة على الموصول أو ضميره وعليه يدور حصول المرام؛ فالذي ينبغي أن يعول عليه أن الواقع في تلك المقابلة سوء الحساب في قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوء ٱلْحِسَـٰبِ } وحيث كان اسم الإشارة الواقع مبتدأ في هذه الجملة عبارة عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة كان خبره أعني الجملة الظرفية خبراً عن الموصول في الحقيقة ومبيناً لإبهام مضمون الشرطية الواقعة خبراً عنه أولا ولذلك ترك العطف فكأنه قيل: والذين لم يستجيبوا له لهم سوء الحساب وذلك في قوة أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له سوء الحساب مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه وآكده. واعتذر بأنه يمكن أن يكون المراد أن {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} إلى آخر الآية واقع موقع ذلك على معنى أن رعاية حسن المقابلة لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ } تقتضي أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له السوأى ولا يزاد على ذلك لكنه جيء بقوله سبحانه: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ بدل ما ذكر، ولعل في كلام الطيبـي ما يستأنس به لذلك. وإلى اعتبار السوأى في المقابلة ذهب أيضاً صاحب "الكشف" قال: إن قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ } في مقابلة الحسنى بدل السوأى مع زيادة تصوير وتحسير، وأوثر الإِجمال في الأول دلالة على أن جزاء المستجيبين لا يدخل تحت الوصف فتدبر، والمراد بسوء الحساب أي الحساب السيء على ما روي عن إبراهيم النخعي والحسن أن يحاسبوا بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء وهو المعنى بالمناقشة. وعن ابن عباس هو أن يحاسبوا فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيآتهم {وَمَأْوَاهُمُ} أي مرجعهم {جَهَنَّم} بيان لمؤدى ما تقدم وفيه نوع تأييد لتفسير الحسنى بالجنة {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي المستقر، والمخصوص بالذم محذوف أي مهادهم أو جهنم. وقال الزمخشري: اللام في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } متعلقة بـ {أية : يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [الرعد: 17] وقوله سبحانه: {ٱلْحُسْنَىٰ } صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى، وقوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ } معطوف على الموصول الأول، وقوله جل وعلا: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ كلام مستأنف مسوق لبيان ما أعد لغير المستجيبين من العذاب، والمعنى كذلك يضرب الله تعالى الأمثال للمؤمنين المستجيبين والكافرين المعاندين أي هما مثلا الفريقين انتهى، قال أبو حيان: والتفسير الأول أولى لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين، والله تعالى قد ضرب أمثالاً كثيرة في هذين وفي غيرهما ولأن فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف هذا ولأن تقدير الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً وإنما/ هو نفى الاستجابة الحسنى والله تعالى قد نفى الاستجابة مطلقاً ولأنه حينئذ يكون {لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ كلاماً مفلتاً أو كالمفلت إذ يصير المعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين لو أن لهم الخ، ولو كان هناك حرف يربط {لَوْ } بما قبلها زال التفلت، وأيضاً أنه يوهم الإشتراك في الضمير وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً: وتعقب بأنه لا كلام في أولوية التفسير الأول لكن كون ما ذكر وجهاً لها محل كلام إذ لا مقتضى في التفسير الثاني لتقييد الأمثال عموماً بمثل هذين، ألا ترى قوله تعالى: {كَذٰلِكَ } ثم إن فيه تفهيم ثواب المستجيبين أيضاً ألا يرى إلى القصر المستفاد من تقديم الظرف، وأيضاً قوله تعالى: {ٱلْحُسْنَىٰ } صفة كاشفة لا مفهوم لها فإن الاستجابة لله تعالى لا تكون إلا حسنى وكيف يكون قوله سبحانه: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ مفلتاً وقد قالوا: إنه كلام مبتدأ لبيان حال المستجيبين يعنون أنه استئناف بياني جواب للسؤال عن مآل حالهم ثم كيف يتوهم الإشتراك مع كون تخصيصه بالكافرين معلوماً انتهى. قال بعض المحققين: إن ما ذكر متوجه بحسب بادىء الرأي والنظرة الأولى أما إذا نظر بعين الانصاف بعد تسليم أن ذاك أولى وأقوى علم أن ما قاله أبو حيان وارد فإن قوله تعالى: {كَذٰلِكَ } يقتضي أن هذا شأنه وعادته عز شأنه في ضرب الأمثال فيقتضي أن ما جرت به العادة القرآنية مقيد بهؤلاء وليس كذلك، وما ذكره المتعقب ولو سلم فهو خلاف الظاهر. وأما قوله: إن المستجيبين معلوم مما ذكره ففرق بين العلم ضمناً والعلم صراحة، وأما أن الصفة مؤكدة أو لا مفهوم لها فخلاف الأصل أيضاً، وكون الجملة غير مرتبطة بما قبلها ظاهر، والسؤال عن حال أحد الفريقين مع ذكرهما ملبس، وعود الضمير على ما قبله مطلقاً هو المتبادر وما ذكر لا يدفع الإيهام. وفي "إرشاد العقل السليم" بعد نقل التفسير الأخير وحمل الأمثال فيه على الأمثال السابقة: ((وأنت خبير بأن عنوان الاستجابة وعدمها لا مناسبة بينه وبين ما يدور عليه أمر التمثيل وأن الاستعمال المستفيض دخول اللام على من يقصد تذكيره بالمثل. نعم قد يستعمل في هذا المعنى أيضاً كما في قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ آَمَنوا ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ } تفسير : [التحريم: 11] ونظائره، على أن بعض الأمثال المضروبة لا سيما المثل الأخير الموصول بالكلام ليس مثل الفريقين بل مثل للحق والباطل ولا مساغ لجعل الفريقين مضروباً لهم أيضاً بأن يجعل في حكم أن يقال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين وغير المستجيبين))؛ ويؤيد هذا ما في "الكشف" حيث قال: إن جعل {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } من تتمة الأمثال لا من صلة {أية : يَضْرِبُ} تفسير : [الرعد: 17] متكلف لأنهما مثلا الحق والباطل بالاصالة ومن صلة {يَضْرِبُ} أبعد لأن الأمثال إنما ضربت لمن يعقل. ثم إن كون المراد بالأمثال الأمثال السابقة مبني على أن ما تقدم كان أمثالاً والمشهور أنه مثلان، نعم أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، وبعد هذا كله لا شك في سلامة التفسير الأول من القيل والقال وإنه الذي يستدعيه النظم الجليل لأن تمام حسن الفاصلة أن تكون كاسمها ولهذا انحط قول امرىء القيس:شعر : ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح منك بأمثل تفسير : عن قول المتنبـي:شعر : إذا كان مدحاً فالنسيب المقدم أكل فصيح قال شعراً متيم تفسير : وهو الذي فهمه السلف من الآية، ومن هنا كان أكثر الشيوخ يقفون على الأمثال ويبتدؤن بقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } وقال صاحب "المرشد": إنه وقف تام والوقف على {ٱلْحُسْنَىٰ } حسن وكذا على {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } / والعجب من الزمخشري كيف اختار خلاف ذلك مع وضوحه والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة: {المر} أي الذات الأحدية واسمه العليم واسمه الأعظم ومظهره الذي هو الرحمة {تِلْكَ ءايَـٰتُ } علامات {أية : ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 1] الجامع الذي هو الوجود المطلق {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي بغير عمد مرئية بل بعمد غير مرئية، وجعل الشيخ الأكبر قدس سره عمادها الإنسان الكامل، وقيل: النفس المجردة التي تحركها بواسطة النفس المنطبعة وهي قوة جسمانية سارية في جميع أجزاء الفلك لا يختص بها جزء دون جزء لبساطته وهي بمنزلة الخيال فينا وفيه ما فيه، وقيل: رفع سمٰوات الأرواح بلا مادة تعمدها بل مجردة قائمة بنفسها {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} بالتأثير والتقويم، وقيل: عرش القلب بالتجلي {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ } شمس الروح بإدراك المعارف الكلية واستشراف الأنوار العالية {وَٱلْقَمَرَ} قمر القلب بإدراك ما في العالمين والاستمداد من فوق ومن تحت ثم قبول تجليات الصفات {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} وهو كماله بحسب الفطرة {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} في البداية بتهيئة الاستعداد وترتيب المبادي {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } في النهاية بترتيب الكمالات والمقامات {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ } عند مشاهدة آيات التجليات {أية : تُوقِنُونَ } تفسير : [الرعد: 2] عين اليقين. وقال ابن عطاء: يدبر الأمر بالقضاء السابق ويفصل الآيات بأحكام الظاهر لعلكم توقنون أن الله تعالى الذي يجري تلك الأحوال لا بد لكم من الرجوع إليه سبحانه {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } أي أرض قلوب أوليائه ببسط أنوار المحبة {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } المعرفة لئلا تتزلزل بغلبة هيجان المواجيد وجعل فيها {أَنْهَاراً } من علوم الحقائق {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } وهي ثمرات أشجار الحكم المتنوعة {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} تجلي الجلال وتجلي الجمال {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }تفسير : [الرعد: 3] في آيات الله تعالى، قال أبو عثمان: الفكر إراحة القلب من وساوس التدبير، وقيل: تصفيته لوارد الفوائد، وقيل: الإشارة في ذلك إلى مد أرض الجسد وجعل رواسي العظام فيها وأنهار العروق وثمرات الأخلاق من الجود والبخل والفجور والعفة والجبن والشجاعة والظلم والعدل وأمثالها والسواد والبياض والحرارة والبرودة والملاسة والخشونة ونحوها، وتغشية ليل ظلمة الجسمانيات نهار الروحانيات وفي ذلك آيات لقوم يتفكرون في صنع الله تعالى وتطابق عالميه الأصغر والأكبر {وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرٰتٌ} فقلوب المحبين مجاورة لقلوب المشتاقين وهي لقلوب العاشقين وهي لقلوب الوالهين وهي لقلوب الهائمين وهي لقلوب العارفين وهي لقلوب الموحدين، وقيل: في أرض القلوب قطع متجاورات قطع النفوس وقطع الأرواح وقطع الأسرار وقطع العقول والأولى تنبت شوك الشهوات والثانية زهر المعارف والثالثة نبات كواشف الأنوار والرابعة أشجار نور العلم {و} فيها {جَنَّـٰتٌ مّن أَعْنَـٰبٍ } أي أعناب العشق {وَزَرْعٌ } أي زرع دقائق المعرفة {وَنَخِيلٌ } أي نخل الإيمان {صِنْوٰنٌ } في مقام الفرق {وَغَيْرُ صِنْوٰنٍ} في مقام الجمع، وقيل: صنوان إيمان مع شهود وغير صنوان إيمان بدونه {يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ } وهو التجلي الذي يقتضيه الجود المطلق {أية : وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ } تفسير : [الرعد: 4] في الطعم الروحاني، وقيل: أشير أيضاً إلى أن في أرض الجسد قطعاً متجاورات من العظم واللحم والشحم والعصب وجنات من أشجار القوى الطبيعية والحيوانية والإنسانية من أعناب القوى الشهوانية التي يعصر منها هوى النفس والقوى العقلية التي يعصر منها خمر المحبة والعشق وزرع القوى الإنسانية ونخيل سائر الحواس الظاهرة والباطنة صنوان كالعينين والأذنين وغير صنوان كاللسان وآلة الفكر والوهم يسقى بماء واحد وهو ماء الحياة ونفضل بعضها على بعض في أكل الإدراكات/ والملكات كتفضيل مدركات العقل على الحس والبصر على اللمس وملكة الحكمة على العفة وهكذا {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } بعد ظهور الآيات {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ولم يعلموا أن القادر على ذلك قادر على أن يحيـي الموتى. وقيل: إن منشأ التعجب أنهم أنكروا الخلق الجديد يوم القيامة مع أن الإنسان في كل ساعة في خلق آخر جديد بل العالم بأمره في كل لحظة يتجدد بتبدل الهيآت والأحوال والأوضاع والصور، وإلى كون العالم كل لحظة في خلق جديد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره فعنده الجوهر وكذا العرض لا يبقى زمانين كما أن العرض عند الأشعري كذلك، وهذا عند الشيخ قدس سره مبني على أن الجواهر والأَعراض كلها شؤنه تعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً وهو سبحانه كل يوم أي وقت في شأن، وأكثر الناس ينكرون على الأشعري قوله بتجدد الأعراض، والشيخ قدس سره زاد في الشطرنج جملاً ولا يكاد يدرك ما يقوله بالدليل بل هو موقوف على الكشف والشهود، وقد اغتر كثير من الناس بظاهر كلامه فاعتقدوه من غير تدبر فضلوا وأضلوا {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } فلم يعرفوا عظمته سبحانه {وَأُوْلَـٰئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } فلا يقدرون أن يرفعوا رؤوسهم المنتكسة إلى النظر في الآيات {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [الرعد: 5] لعظم ما أتوا به {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } بمناسبة استعدادهم للشر {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ } عقوبة أمثالهم {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } أنفسهم باكتساب الأمور الحاجبة لهم عن النور ولم ترسخ فيهم {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } تفسير : [الرعد: 6] لمن رسخت فيه {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لعمى بصائرهم عن مشاهدة الآيات الشاهدة بالنبوة {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } تشهد له صلى الله عليه وسلم بذلك {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر} ما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم {أية : وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } تفسير : [الرعد: 7] هو الله تعالى، وقيل: لكل طائفة شيخ يعرفهم طريق الحق {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } فيعلم ما تحمل أنثى النفس من ولد الكمال أي ما في قوة كل استعداد {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ } أي تنقص أرحام الاستعداد بترك النفس وهواها {وَمَا تَزْدَادُ } بالتزكية وبركة الصحبة {وَكُلُّ شىْء } من الكمالات {عِندَهُ } سبحانه {أية : بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد: 8] معين على حسب القابلية {سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ } في مكمن استعداده {وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } بإبرازه إلى الفعل {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ} ظلمة ظلمه نفسه {أية : وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الرعد: 10] بخروجه من مقام النفس وذهابه في نهار نور الروح {لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } إشارة إلى سوابق الرحمة الحافظة له من خاطفات الغضب أو الإمدادات الملكوتية الحافظة له من جن القوى الخيالية والوهمية والسبعية والبهيمية وإهلاكها أياه {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعم الظاهرة أو الباطنة {حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} من الاستعداد وقوة القبول؛ قال النصر أبادي: إن هذا الحكم عام لكن مناقشة الخواص فوق مناقشة العوام، وعن بعض السلف أنه قال: إن الفأرة مزقت خُفِّي وما أعلم ذلك إلا بذنب أحدثته وإلا لما سلطها عليَّ وتمثل بقول الشاعر:شعر : لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا {أية : وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} تفسير : [الرعد: 11] إذ الكل تحت قهره سبحانه، قال القاسم: إذا أراد الله تعالى هلاك قوم حسن موارده في أعينهم حتى يمشون إليها بتدبيرهم وأرجلهم، ولله تعالى در من قال:شعر : إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده تفسير : / {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } أي برق لوامع الأنوار القدسية {خَوْفًا } خائفين من سرعة انقضائه أو بطء رجوعه {وَطَمَعًا } طامعين في ثباته أو سرعة رجوعه {أية : وَيُنْشِىء ٱلسَّحَابَ ٱلثّقَالَ } تفسير : [الرعد: 12] بماء العلم والمعرفة، وقيل: يري المحبين برق المكاشفة وينشيء للعارفين سحاب العظمة الثقال بماء الهيبة فيمطر عليهم ما يحييهم به الحياة التي لا تشبهها حياة، وأنشدوا للشبلي:شعر : أظلت علينا منك يوماً غمامة أضاءت لنا رقاً وأبطا رشاشها فلا غيمها يصحو فييأس طامع ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها تفسير : وعن بعضهم أن البرق إشارة إلى التجليات البرقية التي تحصل لأرباب الأحوال وأشهر التجليات في تشبيهه بالبرق التجلي الذاتي، وأنشدوا:شعر : ما كان ما أوليت من وصلنا إلا سراجاً لاح ثم انطفى تفسير : وذكر الإمام الرباني قدس سره في "المكتوبات" أن التجلي الذاتي دائمي للكاملين من أهل الطريقة النقشبندية لا برقى وأطال الكلام في ذلك مخالفاً لكبار السادة الصوفية كالشيخ محيـى الدين قدس سره وغيره، والحق أن ما ذكره من التجلي الذاتي ليس هو الذي ذكروا أنه برقي كما لا يخفى على من راجع كلامه وكلامهم {وَيُسَبّحُ ٱلرَّعْدُ } أي رعد سطوة التجليات الجلالية ويمجد الله تعالى عما يتصوره العقل ملتبساً {بِحَمْدِهِ } وإثبات ما ينبغي له عز شأنه {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} وتسبح ملائكة القوى الروحانية {مِنْ خِيفَتِهِ } من هيبة جلاله جل جلاله {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوٰعِقَ } هي صواعق السبحات الإلهية عند تجلي القهر الحقيقي المتضمن للطف الكلى {فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } فيحرقه عن بقية نفسه، وفي الخبر حديث : إن لله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه تفسير : وقال ابن الزنجاني: الرعد صعقات الملائكة والبرق ذفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم، وجعل الزمخشري هذا من بدع المتصوفة، وكأني بك تقول: إن أكثر ما ذكر في باب الإشارة من هذا الكتاب من هذا القبيل. والجواب إنا لا ندعي إلا الإشارة وأما أن ذلك مدلول اللفظ أو مراد الله تعالى فمعاذ الله تعالى من أن يمر بفكري، واعتقاد ذلك هو الضلال البعيد والجهل الذي ليس عليه مزيد، وقد نص المحققون من الصوفية على أن معتقد ذلك كافر والعياذ بالله تعالى، ولعلك تقول: كان الأولى مع هذا ترك ذلك فنقول: قد ذكر مثله من هو خير منا والوجه في ذكره غير خفي عليك لو أنصفت {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ } بالتفكر في ذاته والنظر للوقوف على حقيقة صفاته {وَهُوَ } سبحانه {أية : شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } تفسير : [الرعد: 13] في دفع الأفكار والأنظار عن حرم ذاته وحمى صفاته جل جلاله:شعر : هيهات أن تصطاد عنقاء البقا بلعابهن عناكب الأفكار تفسير : {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } أي الحقة الحقيقة بالإجابة لا لغيره سبحانه {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } الأصنام {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ } أي إلا استجابة كاستجابة من ذكر لأن ما يدعونه بمعزل عن القدرة {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ } المحجوبين {أية : إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } تفسير : [الرعد: 14] أي ضياع لأنهم لا يدعون الإله الحق وإنما يدعون إلهاً توهموه ونحتوه في خيالهم {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } ينقاد {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من الحقائق والروحانيات {طَوْعًا وَكَرْهًا } شاؤا أم أبوا {وَظِلَـٰلُهُم } هياكلهم {أية : بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } تفسير : [الرعد: 15] أي دائماً؛ وقيل: يسجد من في السمٰوات وهو الروح والعقل والقلب وسجودهم طوعاً ومن في الأرض النفس وقواها وسجودهم كرهاً. / وقيل: الساجدون طوعاً أهل الكشف والشهود والساجدون كرهاً أهل النظر والاستدلال {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء } من سماء روح القدس {مَاء } أي ماء العلم {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } أي أودية القلوب {بِقَدَرِهَا } بقدر استعدادها {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا } من خبث صفات أرض النفس {رَّابِيًا } طافياً على ذلك {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ } نار العشق من المعارف والكشوف والحقائق والمعاني التي تهيج العشق {ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ } طلب زينة النفس لكونها كمالات لها {أَوْ مَتَـٰعٍ } من الفضال الخلقية التي تحصل بسببها فإنها مما تتمتع به النفس ما {زَبَدٌ } خبث {مّثْله} كالنظر إليها ورؤيتها والإعجاب بها وسائر ما يعد من آفات النفس {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} منفياً بالعلم {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من المعاني الحقة والفضائل الخالصة {أية : فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الرعد: 17] أرض النفس، وقال بعضهم: أنه تعالى شبه ما ينزل من مياه بحار ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله إلى قلوب الموحدين والعارفين والمكاشفين والمريدين بما ينزل من السماء إلى الأودية، فكما تحمل الأودية حسب اختلافها ماء المطر تحمل تلك القلوب مياه هاتيك البحار حسب اختلاف حواصلها وأقدار استعداداتها في المحبة والمعرفة والتوحيد، وكما أن قطرات الأمطار تكون في الأودية سيلاً فيحتمل السيل زبداً وحثالة وما يكون مانعاً من الجريان يكون تواتر أنوار الحق سبحانه سيل المعارف والكشوفات فيسيل في أودية القلوب فيحتمل من أوصاف البشرية وما دون الحق الذي يمنع القلوب من رؤية الغيوب ما يحتمله فيذهب جفاء فتصير حينئذ مقدسة عن زبد الرياء والسمعة والنفاق والخواطر المذمومة وتبقى سائحة في أنوار الأزل والأبد بلا مانع من العرش إلى الثرى، وشبه سبحانه أعمال الظاهر والباطن وما ينفتح بمفاتيحها من الغيب بجواهر الأرض والفضة وغيرهما إذا أذيبا للانتفاع بهما وبين تعالى أن لهما زبداً مثل زبد السيل وأنه يذهب ويمكث أصلهما الصافي، فكذلك أعمال الظاهر والباطن تدخل في بودقة الإخلاص ويوقد عليهما نيران الامتحان فيذهب ما فيه حظ النفس ويبقى ما هو خالص لله تعالى، وهكذا الخواطر يبقى منها خاطر الحق ويضمحل سريعاً خاطر الباطل، وعن بعضهم القلوب أوعية وفيها أودية فقلب يسيل فيه ماء التوبة وقلب يسيل فيه ماء الرحمة وقلب يسيل فيه ماء الخوف وقلب يسيل فيه ماء الرجاء وقلب يسيل فيه ماء المعرفة وقلب يسيل فيه ماء الأُنس وكل ماء من هذه المياه ينبت في القلب نوعاً من القربة والقرب من الله عز وجل ومن القلوب ما حرم ذلك والعياذ بالله تعالى، وقال ابن عطية: روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } الخ يريد بالماء الشرع والدين وبالأودية القلوب ومعنى سيلانها بقدرها أخذ النبيل بحظه والبليد بحظه، ثم قال: وهذا قول لا يصح ـ والله تعالى أعلم ـ عن ابن عباس لأنه ينحو إلى قول أصحاب الرموز، وقد تمسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق، وفيه إخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب بغير داع إلى ذلك، وإن صح ذلك عن ابن عباس فيقال فيه: إنما قصد رضي الله تعالى عنه أن قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } تفسير : [الرعد: 17] معناه الحق الذي يتقرر في القلوب والباطل الذي يعتريها اهـ ونحن نقول: إن صح ذلك فمقصود الحبر منه الإشارة وإن كان يريد غير ظاهر فيه، وحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة أشد الناس على أهل الرموز القائلين بأن الظاهر ليس مراد الله تعالى كما لا يخفى على متتبعي كلامه، وسمعت من بعض الناس أن أهل الكيمياء تكلموا في هذه الآية على ما يوافق غرضهم ولم أقف على ذلك {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} بتصفية الاستعداد عن كدورات صفات النفس {ٱلْحُسْنَىٰ} المثوبة الحسنى وهو الكمال الفائض عليهم عند الصفاء {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} تعالى وبقوا/ في الرذائل البشرية والكدورات الطبيعية {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} الجهة السفلية من الأموال والأسباب التي انجذبوا إليها بالمحبة فأهلكوا أنفسهم بها {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} ما ينالهم من الحجاب والحرمان {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوء ٱلْحِسَـٰبِ } لوقوفهم مع الأفعال في مقام النفس {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الحرمان {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } [الرعد: 18] جهنم والعياذ بالله تعالى ونسأله العفو والعافية.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لجملة {كذلك يضرب الله الأمثال}، أي فائدة هذه الأمثال أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره. فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين والمشركين. ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا لله بما عقلوا الأمثال فجوزوا بالحسنى، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال، قال تعالى: { أية : وما يعقلها إلا العالمون } تفسير : [سورة العنكبوت: 43]، فكان جزاؤهم عذاباً عظيماً وهو سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم. فمعنى {استجابوا لربهم} استجابوا لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره. وقوله: {الحسنى} مبتدأ و{للذين استجابوا} خبره. وفي العدول إلى الموصولين وصلتيهما في قوله: {للذين استجابوا} ــــ {والذين لم يستجيبوا} إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين. وتقديم المسند في قوله: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} لأنه الأهم لأن الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه، وفي ذلك تنويه بها أيضاً. وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم. وتقدم نظير قوله: { أية : لو أن لهم ما في الأرض جميعاً } تفسير : في سورة العقود (36). وأتي باسم الإشارة في {أولئك لهم سوء الحساب} للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة. و{سوء الحساب} ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحاسب. وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 18- وإن الناس فى تلقيهم للهدى قسمان: قسم أجاب دعوة الله الخالق المدبر، فلهم العاقبة الحسنى فى الدنيا والآخرة، وقسم لم يُجب دعوة الذى أنشأه، وهؤلاء لهم العاقبة فى الآخرة، ولو ثبت لهم ملك كل ما فى الأرض جميعاً ومثله معه، ما استطاعوا أن يدفعوا عن أنفسهم العاقبة السيئة، ولكن أنى يكون لهم ذلك الملك؟ ولذلك كان لهم حساب يسوؤهم وينتهون به إلى جهنم وبئس القرار والمستقر. 19- إن المهتدين والضالين لا يستوون، فهل يكون الذى يعلم أن ما نزل عليك من الله الذى ربَّاك وكوَّنك واصطفاك لأداء رسالته، هو الحق الذى لا شك فيه.. هل يكون كمن ضل عن الحق، حتى صار كالأعمى الذى لا يبصر؟ إنه لا يدرك الحق وما يتذكر عظمة الله إلا أصحاب العقول التى تفكر. 20- أولئك الذين يدركون الحق، هم الذين يوفون بعهد الله تعالى عليهم بمقتضى الفطرة والتكوين وبمقتضى توثيق عقودهم وعهودهم، ولا يقطعون المواثيق التى عقدوها باسم الله بينهم وبين العباد، ولا بالميثاق الأكبر الذى عقده بالفطرة والتكوين، وجعلهم يدركون الحق ويؤمنون، إلا أن يضلوا فى يقينهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {وَمَأْوَاهُمْ} (18) - النَّاسُ فِي تَلَقِّيهِمْ دَعْوَةَ اللهِ صِنْفَانِ: فَالذِينَ أَطَاعُوا رَبَّهُمْ، وَانْقَادُوا لأَِوَامِرِهِ، وَاسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم لَهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، المَثُوبَةُ الحُسْنَى الخَالِصَةُ. وَالذِينَ عَصَوْا رَبَّهُمْ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، سَيُلاَقُونَ حِسَاباً عَسِيراً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُحَاسَبُونَ عَلَى الجَلِيلِ وَالحَقِيرِ مِنَ الأَعْمَالِ، لأَِنَّ كُفْرَهُمْ أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ، وَلَنْ يُنْقِذَهُمْ مِنْ سُوءِ المَصِيرِ أَحَدٌ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُمْ جَمْعُهُمْ وَلاَ مَالُهُمْ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِمِثْلِ الأَرْضِ ذَهَباً، وَمثْلَهُ مَعَهُ، لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، فَلاَ يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ، وَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَسَتَكُونُ جَهَنَّمُ مَأْوَاهُمْ وَمُسْتَقَرَّهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَسَاءَتْ مَصِيراً. بِئْسَ المِهَادُ - بِئْسَ الفِرَاشُ وَالمُسْتَقَرُّ جَهَنَّمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والذين يستجيبون للرب الذي خلق من عَدَم، وأوجد لهم مُقوِّمات الحياة واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر؛ فإذا دعاهم لشيء فليعلموا أن ما يطلبه منهم مُتمِّم لصالحهم؛ الذي بدأه بإيجاد كل شيء لهم من البداية. وهؤلاء الذين يستجيبون لهم الحُسْنى؛ فسبحانه جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأنت في الدنيا مَوْكُول لقدرتك على الأَخْذ بالأسباب؛ ولكنك في الآخرة مَوْكُول إلى المُسبِّب. ففي الدنيا أنت تبذُر وتحرُث وتروي وتحصد، وقد تختلف حياتك شَظفاً وتَرفاً بقدرتك على الأسباب. فإذا استجبْتَ لله واتبعتَ منهجه؛ فأنت تنتقل إلى حياة أخرى؛ تحيا فيها مع المسبب؛ لا الأسباب؛ فإذا خطر ببالك الشيء تَجِدْهُ أمامك؛ لأنك في الحياة الأخرى لا يكِلك الله إلى الأسباب، بل أنت مَوْكُول لذات الله، والموكول إلى الذَّاتِ بَاقٍ ببقاء الذات. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ ..} تفسير : [النساء: 175]. وبعض المُفسِّرين يقولون "إنها الجنة" وأقول: هذا تفسير مقبول؛ لأن الجنة من رحمة الله؛ ولكن الجنة باقية بإبقاء الله لها؛ ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله. وهنا يقول الحق سبحانه: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ..} [الرعد: 18]. ويقول تعالى في آية أخرى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ..} تفسير : [يونس: 26]. والحسنى هي الأمر الأحسن؛ وسبحانه خلق لك في الدنيا الأسباب التي تكدح فيها؛ ولكنك في الآخرة تحيا بكل ما تتمنى دون كَدْح، وهذا هو الحسن. وهَبْ أن الدنيا ارتقتْ؛ والذين يسافرون إلى الدول المُتقدمة؛ وينزلون في الفنادق الفاخرة؛ يُقال لهم اضغط على هذا الزر تنزل لك القهوة؛ والزِّر الآخر ينزل لك الشاي. وكل شيء يمكن أن تحصل عليه فَوْر أن تطلبه من المطعم حيث يُعدُّه لك آخرون؛ ولكن مهما ارتقتْ الدنيا فلن تصل إلى أنْ يأتي لك ما يمرُّ على خاطرك فَوْر أنْ تتمناه؛ وهذا لن يحدث إلا في الآخرة. وكلمة "الحسنى" مُؤنَّثة وأفعل تفضيل؛ ويُقَال "حسنة وحُسْنى"؛ وفي المذكر يُقَال "حسن وأحسن". والمقابل لمن لم يستجيبوا معروف. والحق سبحانه يقول هنا: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ..} [الرعد: 18]. أي: يقول خذوا ما أملك كله واعتقوني، لكن لا يُستجاب له. ويقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [الرعد: 18]. لأن الحساب يترتب عليه مرة خَيْر؛ ويترتب عليه مرة أخرى شَرٌّ؛ وجاء الحق سبحانه بكلمة: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [الرعد: 18]. هنا؛ لأن الواحد من هؤلاء والعياذ بالله لن يستطيع أن يتصرف لحظة وَضْعه في النار، كما لا يستطيع الطفل الوليد أن يتصرف في مِهَاده؛ ومن المؤكد أن النار بِئْس المهاد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} معناه الجَنةُ.

الجيلاني

تفسير : {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} فطلبوا منه {ٱلْحُسْنَىٰ} أي: المثوبة العظمى والمرتبة العليا معتقدين إفاضتها وإعطاءها إياهم {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} مثل ماس استجاب أهل الحق ولم يعتقدوا مثل ما اعتقد أولئك المحقون لم ينالوا نصيبهم وحظهم {لَوْ أَنَّ لَهُمْ} ملك {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} من الزخارف والأموال {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} بل أضعافه وأمثاله {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} لنيبل ما نالوا لكن لم ينالوا، بل {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن عز القبول {لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} يحاسبون على جميع ما صدر عنهم من النقير والقمطرير ويؤاخذون عليها {وَ} بالجملة: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} الخذلان والطرد والحرمان {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [الرعد: 18] مهد أولئك الضالين عن منهج الرشاد. أينكر المشرك المتمرد عن متابعتك وقبول دينك؟ {أَفَمَن يَعْلَمُ} ويصدق {أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ} لتأييدك من الكتاب الجامع لما في الكتب السالفة من الأوامر والنواهي و الأمثال والرموز والإشارات هو{ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع بلا شك وارتياب فيه {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عن إبصار ما يرى في الآفاق من المبصرات، بل أشد عمى منه؛ لأنه فاقد البصيرة؛ إذ لا يمكن إدراك الأمور الدينية والمعارف اليقينية إلا بها {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} ويتفطن بسرائر كتاب الله {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الرعد: 19] المستكشفون عن لب الأمور، المعرضون عن قشوره. ولا يحصل ذلك إلا بالبصيرة وهم {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} الذي عهدوا معه حين رش رشحات نور الوجود علىأراضي استعداداتهم {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] الوثيق، بل يحفظونه ويواظبون على حفظه دائماً. {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} ويتصفون بعموم {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ} من المأمورات والمرضيات والمعارف والحقائق والخصائل الجميلة والأخلاق الحميدة {أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ} عن ارتكاب المنهيات والمحظورات والذمائم من الأطوار والأخلاق {رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ} من الله وعن مخالفة أمره ومقتضى نهيه {سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21] ورداءة المنقلب والمآب. {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} إذا أصابتهم مصيبة وأحاطتهم بلية {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} وطلب مرضاته، مسترجعين إليه سبحانه، متضرعين نحوه {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: أداموا الميل والتوجه إليه في جميع الأحوال والأزمان {وَأَنْفَقُواْ} للفقراء المستحقين {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} ووفقناهم وأقدرناهم لكسبها وجمعها {سِرّاً} أي: على وجه لا يشعر الفقير منفعة؛ لئلا يتأذى بالمن والأذى {وَعَلاَنِيَةً} على وجه يعشر به؛ لكي يبالغ المنفق في التذلل والانكسار بحيث لا يتوهم المنة أصلاً {وَ} أيضاً الذين {يَدْرَءُونَ} أي: يدفعون ويسقطون {بِٱلْحَسَنَةِ} أي: بالخصلة الحميدة والخلق المرضي {ٱلسَّيِّئَةَ} أي: الذميمة من الخصائل والأخلاق {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الأولياء، ذوو العهد والوفاء والخوف والرجاء، الصابرون على البلاء، الراضون بما جرى عليهم من سوء القضاء، المتوجهون إلى المولى في السراء والضراء، المنفقون لرضاه من عندهم للفقراء، حصل {لَهُمْ} حين كانوا في النشأة الأولى {عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 22] الأخرى، أي: ما يحصل فيها من اللذات والمثوبات ورفع الدرجات ونيل المرادات.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما بيّن تعالى الحق من الباطل ذكر أن الناس على قسمين: مستجيب لربه، فذكر ثوابه، وغير مستجيب فذكر عقابه فقال: { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ } أي: انقادت قلوبهم للعلم والإيمان وجوارحهم للأمر والنهي، وصاروا موافقين لربهم فيما يريده منهم، فلهم { الْحُسْنَى } أي: الحالة الحسنة والثواب الحسن. فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ } بعد ما ضرب لهم الأمثال وبين لهم الحق، لهم الحالة غير الحسنة، فـ { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } من ذهب وفضة وغيرها، { وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ } من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم وأنى لهم ذلك؟!! { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ } وهو الحساب الذي يأتي على كل ما أسلفوه من عمل سيئ وما ضيعوه من حقوق الله وحقوق عباده قد كتب ذلك وسطر عليهم وقالوا: {أية : يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } تفسير : { و } بعد هذا الحساب السيئ { مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الجامعة لكل عذاب، من الجوع الشديد، والعطش الوجيع، والنار الحامية والزقوم والزمهرير، والضريع وجميع ما ذكره الله من أصناف العذاب { وَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المقر والمسكن مسكنهم.