Verse. 1726 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

اَفَمَنْ يَّعْلَمُ اَنَّمَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ ہُوَاَعْمٰى۝۰ۭ اِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُوا الْاَلْبَابِ۝۱۹ۙ
Afaman yaAAlamu annama onzila ilayka min rabbika alhaqqu kaman huwa aAAma innama yatathakkaru oloo alalbabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في حمزة وأبي جهل «أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق» فآمن به «كمن هو أعمى» لا يعلمه ولا يؤمن به لا «إنما يتذكر» يتعظ «أولوا الألباب» أصحاب العقول.

19

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} فيستجيب. {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عمى القلب لا يستبصر فيستجيب، والهمزة لإِنكار أن تقع شبهة في تشابههما بعدما ضرب من المثل. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} ذوو العقول المبرأة عن مشايعة الألف ومعارضة الوهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي {أُنزِلَ إِلَيْكَ} يا محمد {مِن رَّبِّكَ} هو الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية، ولا لبس فيه، ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضاً، لا يضاد شيء منه شيئاً آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115] أي: صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير، ولا يفهمه، ولو فهمه، ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه؛ كقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20] وقال في هذه الآية الكريمة: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} أي: أفهذا كهذا؟ لا استواء. وقوله: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في حمزة وأبي جهل {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ } فآمن به {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } لا يعلمه ولا يؤمن به؟ لا {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } يتعظ {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَٰبِ } أصحاب العقول.

الشوكاني

تفسير : الهمزة في قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ } للإنكار على من يتوهم المماثلة بين من يعلم أنما أنزله الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، وهو القرآن، وبين من هو أعمى لا يعلم ذلك، فإن الحال بينهما متباعد جدّاً كالتباعد الذي بين الماء والزبد، وبين الخبث والخالص من تلك الأجسام، ثم بين سبحانه أنه إنما يقف على تفاوت المنزلتين، وتباين الرتبتين أهل العقول الصحيحة، فقال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ}. ثم وصفهم بهذه الأوصاف المادحة، فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } أي: بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ } الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالإيمان ونحوها، وهذا تعميم بعد التخصيص، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها، ويحتمل أن يكون الأمر بالعكس فيكون من التخصيص بعد التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه، ويراد بالميثاق: ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذرّ المذكور في قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } تفسير : [الأعراف: 171]. {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } ظاهره شمول كل ما أمر الله بصلته، ونهى عن قطعه من حقوق الله وحقوق عباده، ويدخل تحت ذلك صلة الأرحام دخولاً أوّلياً، وقد قصره كثير من المفسرين على صلة الرحم، واللفظ أوسع من ذلك {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } خشية تحملهم على فعل ما وجب، واجتناب ما لا يحلّ {وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ } وهو الاستقصاء فيه والمناقشة للعبد، فمن نوقش الحساب عذب، ومن حق هذه الخيفة أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ } قيل: هو كلام مستأنف، وقيل: معطوف على ما قبله، والتعبير عنه بلفظ المضيّ للتنبيه على أنه ينبغي تحققه، والمراد بالصبر الصبر على الإتيان بما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه. وقيل: على الرزايا والمصائب، ومعنى كون ذلك الصبر لابتغاء وجه الله: أن يكون خالصاً له، لا شائبة فيه لغيره {وأقاموا الصلاة} أي: فعلوها في أوقاتها على ما شرعه الله سبحانه في أذكارها وأركانها مع الخشوع والإخلاص، والمراد بها الصلوات المفروضة، وقيل أعمّ من ذلك {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } أي: أنفقوا بعض ما رزقناهم، والمراد بالسرّ: صدقة النفل، والعلانية: صدقة الفرض؛ وقيل: السرّ لمن لم يعرف بالمال، أو لا يتهم بترك الزكاة، والعلانية لمن كان يعرف بالمال أو يتهم بترك الزكاة {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } أي: يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه كما في قوله تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [فصلت: 34]، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، أو يدفعون الشرّ بالخير، أو المنكر بالمعروف، أو الظلم بالعفو، أو الذنب بالتوبة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصوفين بالصفات المتقدّمة {لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } العقبى مصدر كالعاقبة؛ والمراد بالدار الدنيا، وعقباها الجنة؛ وقيل: المراد بالدار الدار الآخرة، وعقباها الجنة للمطيعين، والنار للعصاة. {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } بدل من عقبى الدار أي: لهم جنات عدن، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره يدخلونها، والعدن أصله الإقامة، ثم صار علماً لجنة من الجنان. قال القشيري: وجنات عدن: وسط الجنة وقصبتها وسقفها عرش الرحمن، ولكن في صحيح البخاري وغيره: «حديث : إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمٰن، ومنه تفجر أنهار الجنة»تفسير : . {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ } يشمل الآباء والأمهات {وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ } معطوف على الضمير في يدخلون، وجاز ذلك للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، أي: ويدخلها أزواجهم وذرياتهم، وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلاّ من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج، أو الذرية بدون صلاح {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ } أي: من جميع أبواب المنازل التي يسكنونها، أو المراد من كل باب من أبواب التحف والهدايا من الله سبحانه. {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } أي: قائلين سلام عليكم أي: سلمتم من الآفات أو دامت لكم السلامة {بِمَا صَبَرْتُمْ } أي بسبب صبركم وهو متعلق بالسلام أي: إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم أو متعلق بعليكم، أو بمحذوف أي: هذه الكرامة بسبب صبركم أو بدل ما احتملتم من مشاقّ الصبر {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } جاء سبحانه بهذه الجملة المتضمنة لمدح ما أعطاهم من عقبى الدار المتقدّم ذكرها للترغيب والتشويق. ثم اتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } وقد مرّ تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير النقض والقطع، ولم يتعرض لنفي الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدّمة لدخولها في النقض والقطع {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } بالكفر وارتكاب المعاصي والأضرار بالأنفس والأموال {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بهذه الصفات الذميمة {لَهُمْ } بسبب ذلك {ٱللَّعْنَةَ }: أي: الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه {وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } أي: سوء عاقبة دار الدنيا، وهي النار أو عذاب النار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ } قال: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } قال: عن الحق فلا يبصره ولا يعقله {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلألْبَـٰبِ } فبين من هم، فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ }. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {أولوا الألباب} قال: من كان له لبّ، أي: عقل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة أن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين آية من القرآن. وأخرج الخطيب، وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن البرّ والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة"تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ }». وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } يعني: من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } يعني: يخافون من قطيعة ما أمر الله به أن يوصل {وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ } يعني: شدّة الحساب. وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أبو الشيخ عن الضحاك {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } قال: يدفعون بالحسنة السيئة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } قال: بطنان الجنة، يعني: وسطها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن عمر قال لكعب: ما عدن؟ قال: هو قصر في الجنة لا يدخله إلاّ نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل. وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جنة عدن قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له: كن فكان»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ } قال: من آمن في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } قال: على دينكم {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } قال: نعم ما أعقبكم الله من الدنيا في الجنة. وأخرج أحمد، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، وصححه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوّل من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسدّ بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته، في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال الله: إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً، وتسدّ بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ }»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة: «إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكة إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوّب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل ويسلم عليه، ثم ينصرف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } قال: سوء العاقبة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ...} المعنى: أسواءٌ مَنْ هداه اللَّه، فَعَلِمَ صدْقَ نبوَّتك، وآمن بك؛ كمن هو أعمَى البصيرةِ باقٍ على كُفْره؛ روي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في حمزةَ بْنِ عَبْدِ المطَّلب، وأَبِي جَهْل، وهي بَعْدَ هذا مثَالٌ في جميع العالم، {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ }: «إِنما»؛ في هذه الآية: حاصرة، أي: إِنما يتذكَّر، فيؤمن ويراقب اللَّه مَنْ له لُبٌّ، ثم أخذ في وصفهم، فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ...} الآية: قال الثعلبيُّ: قال عبد اللَّهِ بنُ المبارَكِ: هذه ثمانِ خِلاَلٍ مسيِّرةٌ إِلى ثمانيةِ أبوابِ الجنةِ، وقال أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ: هذه ثمانِ جُسُورٍ، فمن أراد القربة مِنَ اللَّه عَبَرَهَا. انتهى. وباقي الآية ألفاظها واضحَة، وأنوارها لِذَوِي البصائر لائحَةْ. {وَيَدْرَءُونَ }: يدفعون. قال الغَزَالِيُّ: لما ذَكَرَ هذه الآيةَ: والذي آثر غُرُورَ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ، فَلَيْسَ من ذوي الأَلْبَابِ، ولذلك لا تَنْكَشِفُ له أَسْرارُ الكتاب، انتهى. و{جَنَّـٰتُ }: بدل من {عُقْبَى} وتفسيرٌ لها، و{عَدْنٍ }: هي مدينةُ الجَنَّة ووَسَطُها، ومعناها: جنَّات الإِقامة؛ مِنْ عَدَنَ في المَكَانِ، إِذا أقام فيه طويلاً، ومنه المَعَادِنُ، و{جَنَّـٰتُ عَدْنٍ }: يقال: هي مَسْكن الأنبياءِ والشُّهَداء والعُلَماء فَقَطْ؛ قاله عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ويروَى أَنَّ لها خَمْسَةَ آلافِ باب، وقوله: {وَمَن صَلَحَ }: أي: عمل صالحاً، {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم}: أي: يقولون: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، والمعنى: هذا بما صَبَرْتُم، وباقي الآية واضحٌ. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ...} الآية: هذه صفةُ حالٍ مضادَّةٍ للمتقدِّمةِ - نعوذ باللَّهِ من سَخَطه -.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} الآية قد تقدَّم تقرير القولين في "أفَلمْ" وهو نظيرُ "أفَمَنْ"، ومذهب الزمخشريِّ فيه بعد هنا. والمعنى: أنَّ العالم بالشَّيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا مشى من غير قائدٍ، فرُبَّما وقع في المهالك، أو أفسد ما كان في طريقه من الأمتعة النافعة، وأمَّا البصير، فإنه يكون آمناً [الهلاك]، والإهلاك. قيل: نزلت في حمزة، وأبي جهلٍ، وقيل: في أبي عمَّار، وأبي جهلٍ، فالأوَّل حمزة، أو عمَّار، والثاني: أبو جهل، وهو الأعمى، أي: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصره، ولا يتبعه. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} يتعظ {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} ذوو العقول. {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} بما أمرهم به، وفرضه عليهم، ولا يخالفونه. ويجوز أن يكون قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ} صفة لـ"أولي الألباب"، ويجوز أن يكون صفة لقوله ـ عز وجل ـ: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ}. وقيل: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} مبتدأ: و {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} خبره لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد:25] أولئك لهم اللعنة. وهذه الآية من أوَّلها إلى آخرها جملة واحدة شرطيَّة، وشرطها مشتملٌ على قيودٍ. القيد الأول قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ: يريد الذين عاهدهم حين كانوا في صلب آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف:172] وقيل: المراد بـ"عَهْدِ اللهِ" كل أمرٍ قام الدليل على صحَّته. والقيد الثاني: قوله سبحانه: {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ}، وهذا قريبٌ من الوفاء بالعهد؛ فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق؛ فهما متلازمان. وقيل: الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه من الطاعات كالنذر، والوفاء بالعهد ما كلف العبد به ابتداء. وقيل: الوفاءُ بالعهدِ: عهد الربوبيَّة، والعبودية، والمراد بالميثاق: المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. وقيل: المراد من الوفاء بالعهد: أن لا يغدر فيه، قال عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ عَاهدَ اللهَ فَغَدرَ كَانَ فِيهِ خَصْلةٌ مِنَ النِّفاقِ ". تفسير : القيد الثالث: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}. قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل، و:{أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة:285]. وقال الأكثرون: المراد صلة الرَّحم. فِإن قيل: الوفاء بالعهد، وترك نقض الميثاقِ اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات، والاحتراز عن كل المنهيات. فما الفائدة في ذكر هذه القيود بعدهما؟ فالجواب من وجهين: [الأول]: ذكر ذلك لئلا يظنَّ ظانٌّ أنَّ ذلك، فيما بينه، وبين ربه، فلا جرم أفرد ما بينه، وبين العباد، بالذكر. والثاني: أنه تأكيدٌ، وفي [تفسير] هذه الصِّلة وجوه: أحدها: صلة الرَّحم، قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حاكياً عن ربِّه ـ عز وجل ـ أنا الرَّحمنُ، وهِيَ الرَّحمُ شققتُ لها اسماً من اسْمِي فمنْ وصلها وصلتهُ ومن قَطهَا [قَطَعْتُهُ] قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ}تفسير : [محمد:22]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثَلاثَةٌ يَأتِينَ يَوْمَ القِيامة لها ذَلَق: تأتي الرَّحِمُ تقول: أيْ ربِّ قُطِعْتُ، والأمَانَةُ تقول: أي ربِّ تُركت، والنِّعمة تقول: أي ربِّ كُفِرْتُ ". تفسير : وثانيها: المراد صلة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهادِ. وثالثاً: رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرَّحم، وأخوة الإيمان قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات:10] ويدخل في هذه الصلة أيضاً إمدادهم بالخيرات، ودفع الآفات بقدر الإمكان، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، وإفشاء السلام والتبسم في وجوههم، وكف الأذى عنهم، ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة، والدجاجة. القيد الرابع: قوله: "ويَخْشَوْنَ ربَّهُمْ" معناه: أنَّ العبد، وإن قام بكُلِّ ما جَاءَ عليه من تعظيم الله، والشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد من وأن تكون الخشية من الله ـ عز وجل ـ والخوف منه مستويان. والفرق بين الخشية، والخوف: أنَّ الخشية أن تخشى وقوع خلل إمَّا بزيادةٍ، أو نقصٍ فيما يأتي به، والخوفُ: هو مخافة الهيبة والجلال. القيد الخامس: قوله ـ عز وجل ـ: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. وهذا القيد هو المخافة من سوءِ الحسابِ، وهو خوف الجلال، والعظمة، والمهابة، وإلا لزم التكرار. القيد السادس: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ}. قال ابن عبَّاسِ ـ رضي الله عنهما ـ: "عَلى أمْرِ اللهِ". وقال عطاء: "على المصائب". وقيل: على الشَّهوات. واعلم أنَّ العبد قد يصبر لوجوه: إما أن يصبر ليقال: ما أصبره، وما أشد قوته على تحمل النَّوائب. وإما أن يصبر لئلا يعاب على الجزع. وإما أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء، وإما أن يصبر لعلمه أنَّ الجزع لا فائدة فيه. فإذا كان أتى بالصَّبر لأحد هذه الوجوه، لم يكن داخلاً في كمالِ النفس، أمَّا إذا صبر على البلاء لعلمه أن البلاء قسمة القاسم الحكيم العلام المنزه عن العبث، والباطل، والسَّفه وأنَّ تلك القسمة مشتملةٌ على حكمةٍ بالغةٍ، ومصلحةٍ راجحةٍ، ورضي بذلك؛ لأنَّه لا اعتراض على المالك في تصرُّفه في ملكه، فهذا هو الذي يصدق عليه أنه صبر ابتغاء وجه ربه؛ لأنه صبر لمجرَّد طلب رضوان الله. القيد السابع: قوله تعالى: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} واعلم أنَّ الصَّلاة، والزَّكاة، وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى، إلاَّ أنه ـ تعالى ـ أفردهما بالذِّكر تنبيهاً على كونهما أشرف سائر العبادات، ولا يمتنع دخول النَّوافل فيه أيضاً. القيد الثامن: قوله تعالى: {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} قال الحسنُ ـ رضي الله عنه ـ: المراد الزكاة المفروضة فِإن لم يتَّهم بتركها أدَّاهَا سرًّا، وإن اتهم بتركها فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل: السرُّ: ما يؤديه بنفسه، والعلانية: ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: العلانية: الزكاة، والسر: صدقة التَّطوع. القيد التاسع: قوله تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} قيل: إذا أتوا المعصية، درءوها، أو دفعوها بالحسنة. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: يدفعون بالصَّالح من العمل السيّىء من العمل، وهو معنى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}تفسير : [هود:14]. وقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لمعاذ بن جبلٍ ـ رضي الله عنه: "إذا عَملْتَ سَيِّئةً فاعْمَلْ بِجَنْبهَا حَسَنةً تَمْحُهَا، السِّرُّ بالسِّرِّ، والعَلانيةُ بالعَلانِيَة". وقيل: لا تقابلوا الشَّر بالشَّر، بل قابلوا الشَّر بالخير، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}تفسير : [الفرقان:72] {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان:63] قال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. قال عبد الله بن المبارك ـ رضي الله عنه ـ: "فهذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنَّة". واعلم أنَّ هذه القيود هي القيودُ المذكورة في الشَّرط، وأمَّا القيودُ المذكورة في الجزاء، فهي قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}، أي عاقبة الدار، وهي الجنَّة. قال الواحديُّ: "العُقْبَى كالعاقبة، ويجوز أن يكون مصدراً كالشُّورى والقُربى والرُّجعى، وقد يجيء مثل هذا أيضاً على "فَعْلَى" كالنَّجْوى والدَّعوى وعلى "فِعْلَى" كالذِّكرى والضِّيزى، ويجوز أن يكون اسماً وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أحوالهم الدار التي هي الجنة". قوله: "أؤْلئِكَ" مبتدأ، و"عُقْبَى الدَّارِ" يجوز أن يكون مبتدأ خبره الجار قبله والجملة خبر "أوْلئِكَ"، ويجوز أن يكون "لهم" خبر "أولئك" و"عقبى" فاعل بالاستقرار. قوله: "جنات عدن" يجوز أن يكون بدلاً من "عُقْبَى" وأن يكون بياناً، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون متبدأ خبره "يَدْخُلونهَا". وقرأ النخعي: "جَنَّة" بالإفراد، وتقدم الخلاف في {أية : يَدْخُلُونَهَا}تفسير : [الرعد:23] والجملة من "يَدْخُلونَهَا" تحتمل الاستئناف أو الحالية المقدرة. قوله: "ومَنْ صَلَحَ" يجوز أن يكون مرفوعاً عطفاً على الواو، وأغنى الفصل بالمفعول عن التأكيد بالضمير المنفصل، وأن يكون منصوباً على المفعول معه، وهو مرجوح. وقرأ ابن أبي عبلة "صَلُحَ" بضم اللام، وهي لغة مرجوحة. قوله: {مِنْ آبَائِهِمْ} في محل الحال من "مَنْ صَلَحَ" و "مِنْ" لبيان الجنس. وقرأ عيسى الثقفي: "ذُرِّيتَهُم" بالتوحيد؟ فصل قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} هو القيد الثاني، وقد تقدم الكلام في {جَنَّاتُ عَدْنٍ} عند قوله {أية : وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}تفسير : [التوبة:72]. والقيد الثالث: هو قوله "ومَنْ صَلَحَ" قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: "بين ـ تعالى ـ أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة"، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: "والصحيح ما قاله ابن عباس؛ لأن الله ـ تعالى ـ جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع، الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، فلا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان صالحاً في عمله فهو يدخل الجنة". قال ابن الخطيب: "وهذه الحجة ضعيفة؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سروراً وبهجة، فإذا بشر الله المكلف أنه إذا دخل الجنة يجد أباه وأولاده، فلا شك يعظم سروره بذلك وهذا الذي قاله وإن كان فيه مزيد سرور، لكنه إذا علم أنهم إنما دخلوا الجنة إكراماً له كان سروره أعظم وبهجته أتم". قوله: "وأزْوَاجُهُمْ" ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، قاله ابن الخطيب. وفيه نظر؛ لأنه لو مات عنها فتزوجت بعده غيره لم تكن من أزواجه، بل الأولى أن يقال: إن من ماتت في عصمته فقط. والقيد الرابع: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} [قيل: من أبواب الجنة، وقيل: من أبواب القصور، وقال الأصم: من كل باب] من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر، يقولون: نعم ما أعقبكم الله بهذه الدار. فصل تمسّك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه ـ سبحانه ـ ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم والسلام، فكانوا أجل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم موجباً علو درجتهم وشرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره أو مرضه فعاده الأمير والوزير والقاضي والمفتي فتعظم درجته عند سائر الناس فكذا هاهنا. قوله: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} الآية قال الزجاج: "ههنا محذوف تقديره والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون: سلام عليكم، فأضمر القول ههنا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه والجملة محكية بقول مضمر والقول المضمر حال من فاعل "يَدخُلون" أي يدخلون قائلين. قوله "بِمَا صَبرْتُمْ" متعلق بما تعلق به "عَلَيْكُمْ". قال ابن الخطيب: متعلق بمحذوف، أي: أن هذه الكرامات التي ترونها إنما حصلت بصبركم و"ما" مصدرية، أي: سبب صبركم، ولا يتعلق بـ "سَلامٌ"، لأنه لا يفصل بين المصدر ومعموله بالخبر قاله أبو البقاء. وقال الزمخشري: ويجوز أن يتعلق بـ"سَلامٌ" أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم". ولما نقله عنه أبو حيان لم يعترض عليه بشيء. والظاهر أنه لا يعترض عليه بما تقدم لأن ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري وفعل هذا المصدر ليس من ذلك، والباء إما سببية كما تقدم، وإما بمعنى بدل أي: بدل صبركم، أي: بما احتملتم مشاق الصبر. وقيل: "بمَا صَبَرتُم" خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا [الثواب] الجزيل بما صبرتم. وقرأ الجمهور: "فَنِعْمَ" بكسر النون وسكون العين، وابن يعمر بالفتح والكسر وقد تقدم أنها الأصل؛ كقوله: [الرمل] شعر : 3177ـ................... نَعِمَ السَّاعُون في الأمْرِ الشُّطُرْ تفسير : وابن وثاب بالفتح والسكون، وهي تخفيف الأصل، ولغة تميم تسكين عين فعل مطلقاً والمخصوص بالمدح محذوف، أي: الجنة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} قال: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه. {كمن هو أعمى} قال: عن الحق، فلا يبصره ولا يعقله {إنما يتذكر أولوا الألباب} فبين من هم فقال: {الذين يوفون بعهد الله}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه في قوله {أولوا الألباب} يعني، من كان له لب أو عقل. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن - رضي الله عنه - قال: إنما عاتب الله تعالى أولي الألباب، لأنه يحبهم. ووجدت ذلك في آية من كتاب الله تعالى {إنما يتذكر أولوا الألباب} .

ابو السعود

تفسير : {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ} من القرآن الذي مُثّل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالصِ في المنفعة والجدوى {ٱلْحَقّ} الذي لا حق وراءه أو الحقُّ الذي أشير إليه بالأمثال المضروبة فيستجيبَ له {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عمَى القلبِ لا يشاهده وهو نارٌ على علَمٍ ولا يقدر قدرَه وهو في أقصى مراتب العلوِّ والعِظَم فيبقى حائراً في ظلمات الجهلِ وغياهبِ الضلال أو لا يتذكر بما ضرب من الأمثال أي كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادةُ تقبـيحِ حالِه فعبر عنه بالأعمى، وإيرادُ الفاء بعد الهمزةِ لتوجيه الإنكار إلى ترتيب توهمِ المماثلةِ على ظهور حال كلَ منهما بما ضُرب من الأمثال وبـين المصيرِ والمآل، كأنه قيل: أبعد ما بُـين حالُ كل من الفريقين ومآلُهما يُتوهّم المماثلةُ بـينهما ثم استؤنف فقيل: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} بما ذكر من المذكّرات فيقف على ما بـينهما من التفاوت والتنائي {أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} أي العقولِ الخالصةِ المبرّأة من مشايعة الإلْفِ ومعارضةِ الوهم. {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} بما عقَدوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبـيته تعالى حين قالوا: بلى، أو ما عهِد الله عليهم في كتبه {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ} ما وثّقوه على أنفسهم وقبِلوه من الإيمان بالله وغيرِه من المواثيق بـينهم وبـين الله وبـين العبادِ وهو تعميمٌ بعد تخصيصٍ، وفيه تأكيدٌ للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} [الآية: 19]. قال السَّيارى: ليس من استدل عليك بربه كمن يستدل بك على ربه وليس من تحقق بما أنزل إليك من جهة الحق، كم تحققه من جهته، وليس من شاهد جريان الأشياء فى الأزل كمن شاهده فى وقت ظهوره.

القشيري

تفسير : استفهام في معنى النفي، أي لا يستوي البصير والضرير، ولا المقبول بالمردود بالحجبة، ولا المُؤَمَّل بالتقريب بالمُعَرَّض للتعذيب، ولا الذي أقصيناه عن شهودنا بالذي هديناه بوجودنا. إنما يتَّعِظُ مَنْ عقله له تشريف، دونَ مَنْ عقله له سببُ إقصاءً وتعنيف.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} اشار سبحانه الى قلوب اوليائه الذين يسمعون باسماع ارواحهم وقلوبهم وعقولهم واسرارهم كلام الحق سبحانه من الحق بلا واسطة فيعرفون مكان نزول القرآن على سيد المرسلين وامام المتقين صلوات الله عليه من الله سبحانه بمكان سماعهم كلام الحق من الحق ويعلمون صدقه فى رسالته بما شاهدوه من براهين صفات القدم ليسوا بمقلدين من حيث طباعهم وايمانهم الفطرى انما هو صفة اهل الظاهر من اهل التقليد الذين سماهم العوام بانتسابهم الى العمة ولا يعلم حقيقة ذلك الا اهل النهى من العارفين بقوله انما يتذكر اولوا الالباب قال الساوى من استدل عليك بربه ليس كمن يستدل بك على ربه وليس من تحقق بما انزل اليك من جهة الحق كمن يحققه من جهتك وليس من شاهد جريان الاشياء فى الازل كمن شاهده فى وقت ظهوره وقال الاستاد اى لا يستوى البصير والضرير والقبول بالوصلة والمردود بالحجبة والموهل للتقريب والمعرض للتعذيب ثم وصف العلماء بالله القائمون بشرط الوفاء مع عهد الازل بقوله { ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} عهد الله مع الصديقين ما عاهد ارواحهم فى مشاهدة الاولية حيث عشقها بجمال وجهه فوفوا ميثاق العشق بالعشق والعجب كيف يطيق العاشق ان ينقص عهد معشوقه وعشقه صار روحه ومن يطيق ان يفارق روحه فوفاءهم معه لزومهم على جناب عزته بنعت الفناء فى عبوديته قال بعضهم الموفون بعهدهم القائمون له على شروط العبودية من اتباع الامر والنهى قال ابن عطا ولا ينقضون الميثاق الاول فى وقت بلى ان لا رب لهم غيره فلا يخافون غيره ولا يرجعون سواه ولا يسكنون الا اليه ثم ناد سبحانه فى وصفهم بوصولهم محاده منهم فى طاعته بقوله {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} اى الذين يصلون باسرارهم مشاهدته وقربته ويخشونه به حيث وقعوا بقلوبهم فى بحر اجلاله ويخافون من عتابه ودقايقه معهم فى تغيير اياهم فى حركات ضمائرهم بان يميل الى غيره وقال ابن عطا الذين يديمون على شكر النعمة ومعرفته منه المنعم لدوام النعمة اليهم وايصالها لهم قال بعضهم هم المتحابون فى ذات الله قال الواسطى الخشية منه حقيقة الخوف منه ومن غيره قال ويخشون ربهم ويخافون سواء الحساب وقال بعضهم الخشية مراقبة القلب ان لا يطالع فى حال من احواله غير الحق فيمقته قال ابن عطا الخشية سرابع القلب والخوف ادب النفس وسئل ابو العباس بن عطا عن الفرق بين الخوف والخشية قال الخشية من السقوط عن الدّرجات الزلف والخوف من اللحوق بدركات المقت وقال بعضهم الخشية ادق والخوف اصلب وقال الاستاذ الوفاء بالعهد باستدامة العرفان وبشرائط الاحسان والتقى من ارتكاب العصيان ولى خاطر فى الفرق بين الخشية والخوف ان الخشية مكان العلم والمعرفة بالله بنعت اجلال جلاله وثمرته الخيام والخوف مكان محبته المقرونة بعبوديته وثمرته الوفاء === المحبة بنعت اضطراب الخاطر من حزن فراقه ثم زاد الله وصف القوم بالصبر فى بلائه لاجل لقائه بقوله {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} صبروا عما دون الله بالله لله ولكشف لقائه والنظر الى وجهه وايضا صبروا فى الله فيما ورد عليهم من اثقال موارد اسراره كتمانا بها العظم احاطة انوار ازليته على قلوبهم طمعا لوصولهم اى ادراك كل الكل قال ابو عثمان صبروا عن المناهى اجمع لا لخوف الناس بسبب النهى وحرمة عظمة الله وقال بعضهم هذا مقام المريدين امروا ان يصبروا على ارادتهم وعلى ما يلحقهم من الميثاق ولا يطلبوا الرفاهية ولا يرجعوا اليها ويكون ذلك ابتغاء الحقيقة بصحيح الارادة ثم زاد فى وصفهم باقامة الصلاة وانفاق اموالهم بقوله { وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} راقبوا الله وشاهدوه بتقديس الانفاس ويبذلون وجودهم ظاهرا او باطنا لله وفى الله ثم زاد وصفهم بقوله {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} يدفعون بحسنة مشاهدته ولذة محبته ولذيذ شوقه سيئة معارضة النفس ومتابعة الهوة قال الاستاذ يعاشرون الناس بحسن الخلق ويبذلون الانصاف ولا يطلبون الانتصاب ان غلبهم احد بالجفاء قابلوه بالوفاء وان اذنب عليهم قوم اعتذروا عنهم وان مرضوا عادوا غيرهم كما قيل اذا مرضنا اتيناكم نعودكم وتذنبون فتاتيكم وتعتذر ثم وصف امتنانه عليهم بقوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} الجنات بالتفاوت الجنة مع العموم بساتين الملكوت وجنة الخصوص معاينة ذات الجبروت فاذا جاسوا على كراسى جنة الملكوت يزورهم اخوانهم من الملائكة ويهنّئهم بما فازوا وما ظفروا بقوله {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} اى من كل ابواب الاهلية بينهم وبين الملائكة فى مقام المعرفة والمحبة {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} اى سلامة دوام الوصال وبركة انوار جماله الحق عليكم ولكم الى الابد بلا انقطاع ولا === بما صبرتم فى طول الشوق الى جماله ونضركم فى بلائه وقال بعضهم سلام عليكم بما صبرتم معناه === اضطادهم بخروجهم من مكان عبوديته فى اتباعهم هواهم بقوله {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} ميثاقه معهم لم يكن مع شرط التوفيق ولو ساعدهم فى العهد نور العناية لا يقدرون على نقض العهد لان الموفق بالتوفيق يكون محفوظا بعين رعايته عن كل خطر وقال ابو القاسم الحكيم نقض العهد هو السكون الى غير سكون اليه والفرح بغير مفروح به ثم وصفهم بحب الدنيا والفرح بحيوتها بقوله {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} لا يكون الفرح بالدنيا الا لمن كان معزولا عن الفرح بمشاهدة الله ومن كان فرحه بالله كيف يفرح بما دون الله وان كان الجنة فاذا لم يفرح بالاخرة فكيف يفرح بالدنيا والدنيا عند الاخرة كقطرة دم عند بحر الزلال قال الواسطى الدنيا مدَرَة ولك منها غبرة ومن اسرّته غبرة فهو اقل صحفا ومن ملكه جناح بعوضة او اقل منه فلذلك قدره وقال ايضا لا تدعوا الدنيا تغرقكم فى بحارها وغرقوها فى بحر التوحيد حتى لا يجدوا منها شيئا وقال بعضهم اخبر الله ان الدنيا فى الاخرة متاع والاخرة اقل خطرا فى جنب الحقيقة من خطر الدنيا فى الاخرة وقال ابو عثمان هون الدنيا وحقرها فى اعينهم لئلا يشق عليهم تركها بقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} قطع اسباب اضلال اهل الضلال وعلّق الهداية برجوع الراجعين اليه قال يضل من يشاء فى الازل ويرشدهم طريق الانابة اليه يضلهم عن مشاهدة جماله ويهدى العارفين الى مشاهدة وصاله قال بعضهم يضل من قام بنفسه واعتمد عليها عن سبيل رشده ويهدى الى سبيل رشده من رجع اليه فى جميع اموره وتبرأ من حوله وقوته وقال جعفر يضل عن ادراكه ووجوده من قصده بنفسه ويوصل الى حقائقه من طلبه به ثم وصف الذين انابوا به اليه حيث ابصروا ما برز من وجه نبيه صلى الله عليه وسلم من انوار الرسالة وايقنو حقائقه ولم يحتاجوا الى آية اخرى كطلاب البرهان من رسول الرحمن بقوله { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} بين سبحانه ان ذكر المؤمنين مقرون بايمانهم فامنوا بالغيب من حيث الاعتقاد بالغيب بما وهبه الله من نور الايمان وطمانينة قلوبهم بذكر الله والله تعالى غيبهم امنوا به ولم يكونوا مطمئنين بايمانهم بالله لكم مطمئنين بذكر الله فايمانهم غيب ايضا وذكرهم غيب ولو شاهدواه مشاهدة كشف صار غيب طمانينة قلوبهم به وسقط عنهم الذكر فاما ما دام لم يصلوا الى مشاهدة المذكور فاقترنت طمانينة قلوبهم بذكره وذكره للمؤمنين على معنيين ذكر الظاهر وذلك على ضربين ذكرهم باللسان وذكرهم بالاذان وذلك عند سماعهم ذكر الله وهذا الذكر الذى من طريق اللسان والسمع يزيد طمانينتهم من حيث التربية والتواجيد وذكر الباطن وذلك على ضربين ايضا ذكر قلوبهم قدر الله وجلاله وذلك من تولد رؤية الاء الله ونعمائه وتفكر فى اياته وصنايعه وذلك كسب القلوب وما لم يكن من الذكر مكتسبًا فذكر الله قلوب اصفيائه وذلك يتعلب بواردات غيب انوار وجوده حين انكشف لها وهو ذكر خالص الهى بلا علة ولا سبب وخالص طمانينتها به وما سواه من الذكر فهو مغلول قال تعالى الا بذكر الله تطمئن القلوب او بذكره فى نفسه اياهم وذكرهم له بعد ذكره لهم فاذا كان الذكرياتى من محل الايمان فيتولد منه الرهبة والرغبة والوجل والخوف والقلق والرجاء وحسن الظن واما اذا كان ذكر الايمان يكون من محل الايقان او الذين ايقنوا مشاهدة الله ولقائه فهم ذاكرون الله بنور ايقانهم فى وجوده ونور الايقان اشرق من نور الايمان فنور الايمان كصبح الاول ونور الايقان كصبح الثانى فاهل اليقين فى طمانينة قلوبهم بذكر الله فى رؤية انوار لوائح الحضرة ولو مع نور الالهية فذكر قلوبهم بقدر وضوح تلك اللوامع فاذا ذكرهم الله بكشف انوار حضرته لهم تطمئن قلوبهم بذكره بعد طمانينتهم بذكرهم فيتولد من ذكرهم الصدق والاخلاص والتسليم والرضا والتوكل وخالص العبودية واذا كان معنى آمنوا شاهدوا الله يكون طمانينة قلوبهم ههنا بالله وكشف وجوده وذلك مثل ذهاب الصبح برؤية طلوع الشمس فالاول من الايمان علم اليقين والثانى من الايقان عين اليقين والثالث من مشاهدة الرحمن حق اليقين وفى مقام المشاهدة زال الذكر والذكر باستيلاء انوار عظمة المذكور وهنا ليس مقام الطمانينة بل مقام فناء القلوب والارواح والعقول والعلوم والفهوم والافكار والاذكار فى عظمة الملك الجبار ويتولد من هذا المحبة الوله والشوق والعشق والمعرفة والانس والتوحيد والتجريد والتفريد والفناء والبقاء ومعنى قوله الا بذكر الله تطمئن القلوب وذكر القلوب يعنى بالله تطمئن الرواح ومحل الذكر اربعة اشياء ذكر القلوب من رؤية الايات وذكر العقول من رؤية الافعال فى السنعيات وذكر الارواح من رؤية انوار الصفات وذك رالاسرار من رؤية سبحات الذات وههنا الذكر متصور لان الذكر غير متناه فاذا راى العارف مشاهدة صرف ذاته فردية على قدر وجوده وحاشا انه محيط بالديمومية والازلية فما كان غير مكشوف له فو مذكوره وهو ذاكره وان كان فى مشاهدته فهذا الذكر فى مشاهدة المذكور وهذا ذكر عجب ما عرفت طريقا فى المعرفة ادق من هذا ولا اعرف احدا يشير الى هذا المقام الا قليلا من كبراء القوم ولذلك قال سبحانه الا بذكر الله تطمئن القلوب اى اذا رأوه وارادوا زيادة كشف ال1ات والصفات وعلموا انهم لم يروه بقدره ولو راوه بقدر فيما لم يروه تطمئن القلوب لرجاء وصولهم اليه وذلك الزيادة متصور وان لم يتصور الاحاطة وايضا معنى قوله الا بذكر الله تطمئن القلوب ذكر الله لهم فى الازل بحسن اصطفائيتهم بولايته ومعرفته فبقيت لهم تلك الطمانينة الى الاباد قيل القلوب على اربعة انحاء قلوب العامة اطمأنت بذكر الله تسبيحة حمده والثناء عليه لرؤية النعمة والعافية وقلوب الرحمة اطمانت بذكر الله وذلك فى اخلاقهم وتوكلهم وشكرهم وصبرهم فسكنوا اليه وقلوب العلماء اطمأنت بالصفات والاسامى والنعوت فهم ملاحظون ما يظهر بها ومنها على الدهور واما الموحدون كالغرقى لا تطمئن قلوبهم بحال كيف تطمئن بذكر من جهلوه ام كيف تطمئن بذكر من لم يومنهم بل خوفهم وحذرهم قال الحسين من ذكره الحق تحير فى ازله اطمأن اليه فى ابده وقال النهرالورى قلوب الاولياء مواضع === وهى لا تتحرك ولا تنزعج بل تطمئن خوفا من ان يرد عليه مفاجاة مطالعة فتجده مترسما بسوء الادب وقال الواسطى هذه على اربعة ضروب فالاول للعامة لانها اذا ذكرته ودعته اطمأنت الى ذكرها له فحظها منه الاجابة للدعوات والثانى اطاعته وصدقته ورضيت عنه فهم مربوطون فى اماكن الزيارات اطمأنت قلوبهم الى ذلك فكانوا ممزوجى الملاحظة بشواهدهم ومقصورى الطبائع برؤية طاعاتهم والثالثة اهل الخصوص الذين عرفوا الاسماء والصفات وعرفوا ما خاطبهم الله به فاطمأنت قلوبهم بذكره لها لا بذكرها له وبرضاه عنها لا رضاها عنه والرابعة خصوص الخصوص وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته فادرج لهم الصفات فى الذات واراهم ان ما تعرف الى الخلق قاقدارهم وعلمهم اخطارهم فعلموا ان سرائرهم لا يقدر ان تطمئن اليه ولا يسكن اليه ومن كانت الاشياء فى سره كذلك الى ماذا يسكن ويطمئن فلا يجد قلبه طمانينة لقدر المطمأن اليه كلما عادت الزيادة عليه راها حجابا لا يستطيع بالبر والنعم لانها حجاب مستور وهباء منثور فان غرمت الدخول فى هذا المقام فاحتسب نفسك واعظم الله اجرك وقال الاستاد قوم اطمانت قلوبهم بذكر الله فى الذكر وجدوا سلوتهم وبالذكر وصلوا الى صفوتهم وقوم اطمأنت قلوبهم بذكر الله لهم فذكرهم الله بلطفه واثبت الاطمانينة فى قلوبهم على وجه التخصيص لهم ويقال اذا ذكروا ان الله ذكرهم استروحت قلوبهم واستبشرت واستأنست اسرارهم قال الله تعالى الا بذكر الله تطمئن القلوب تقريرا لها على ما نالت بالله من الحيوة قال بعضهم قلوب اهل المعرفة لا تطمئن الا بالله ولا يسكن الا اليها لانها محل نظره قيل اطمأنت اليه لانها لم تجد دونه موضع انه وراحته وقال الرودبارى اطمأنت اليه لأن تجللها بالنور وشحنها بالانس والسرور فاطمأنت اليه ثم انه سبحانه لم يقنع بذكر الايمان منهم حتى قرنه بالعمل الصالح بقوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} اى ابصروا بعيون اسرارهم انوار آزال الازل واباد الاباد وبما وصل اليهم من نور الاحدية ايقنوا ما لم يصل اليهم منه بما وجدوا منه ثم اختاروه بما فيه اعمالهم بشرط فنائهم فى اوليته واخريته وذلك عملهم الصالح فاخبر ن جزائهم وقال طوبى لهم وحسن مآب اى شجر القدم وذات القديم جل ثناؤه لهم واغصان الصفات الازلية الابدية بشرط الكشف والمشاهدة ماوى اسرارهم واصل شجر الذت بوصف التجلى اكناف اراوحهم وصال حسن مآب قلوبهم وايضا اى طوبى لمن هذا حاله مع الله وحسن رجاؤه منه اليه وطوبى لمن كان عروس الازل شاهد مجلسه طوبى لاعين قوم انت بنيهم فهن فى نعمة من وجهك الحسن قال الحريرى طوبى لمن طاب قلبه مع الله لحظة من عمره ورجع بقلبه الى ربه فى وقت من اوقاته وقال الشبلى طوبى لمن غاب عن حضرته وحضر فى غيبته واصبح وامسى مراعيا لسريرته وقال الجنيد طاب اوقات العارفين بمعروفهم لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم وطيب القلب من النعيم قال ابن عطا فى قوله الذين آمنوا وعملوا الصالحات صدقوا ما ضمنت لهم من الرزق والعمل الصالح ما كان بريئًا من الشرك والرياء والعجب وقال الاستاد طابت اوقاتهم فطابت انفاسهم ويقال طوبى لمن قال الحق طوبى له ويقال طوبى لهم فى الحال ولهم حسن المآب فى االمآل.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفمن يعلم} [آيا كسى ميداندكه] {ان ما انزل اليك من ربك} [آنكه هرجه فرو فرستاده اند بسوى تو از بروردكار تو] {الحق} [درست وراستست] يعنى يعلم ان القرآن الذى انزل الله تعالى هو الحق وهو حمزة بن عبد المطلب او عمار {كمن هو اعمى} قلبه فينكر القرآن وهو ابو جهل اى لا يستوى من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه وهذا عام فيمن كان كذلك: وفى المثنوى شعر : در سرور در كشيده جادرى رونهان كرده زجشمت دلبرى شاه نامه يا كليله بسش تو همجنان باشد كه قرآن ازعتو فرق آنكه باشد ازحق ومجاز كه كند كحل عنايت جشم باز ورنه بشك ومشك بيش اخشمى هردو يكسانست جون نبود شمى كفت يزدان كه ترا هم ينظرون نقش حمامند هم لا يبصرون تفسير : {انما يتذكر اولوا الالباب} اى لا يقبل نصح القرآن ولا يعمل به الا ذووا العقول الصافية من معارضة الوهم. قال فى التأويلات هم المستخرجة. عقولهم من قشور آفات الحواس والوهم والخيال المؤيدة بتجلى انوار الجمال والجلال. اعلم ان طالب الحق لا بد له فى التزكية من التفكر ثم التذكر وبينهما فرق فان التذكر فوق التفكر فان التفكر طلب والتذكر وجود يعنى ان التفكر لا يكون الا عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية فتلتمس البصيرة مطلوبة واما التذكر فعند رفع الحجاب وخلوص الخلاصة الانسانية من قشور صفات النفس والرجوع الى الفطرة الاولى فيتذكر ما انطبع فى النفس فى الازل من التوحيد والمعارف بعد النسيان. قال فى حياة الارواح التذكر لا يكون الالذى لب قد خلص من قشر غواشى النشأة قال تعالى {أية : وما يتذكر الا اولوا الالباب} تفسير : والنسيان انما يحصل بسبب الغواشى كما قال تعالى {أية : ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى} تفسير : وقد امر الله باحكام الشريعة لازالة هذه الغواشى والملابس وعدد الاعضاء المكلفة ثمانية وهى العين والاذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب فعلى كل واحد من هذه الاعضاء تكليف يخصه من انواع الاحكام الشرعية او افعال المحمدة عند الله فالمحمدة كالصلاة والصوم وما اشبه ذلك والمذمة كضربك نفسك بسكين لتقتلها ومنها ما لا يلحقك فيه مذمة ولا محمدة كصنف المباح ولا يجوز لك هذا الفعل الا فى ذاتك واما فى غيرك فلا الا بشرط فالذى لذاتك كنظرك على عورتك والذى هو مع غيرك ثمانية اصناف المال والولد والزوجة وملك اليمين والبهيمة والجار والاجير والاخ الايمانى والطينى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (أولئك..) الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جُعلت صفاتٍ لأُولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. و(جنات): بدل من (عُقبى الدار). و(من صلُح): عطف على الواو بفصل المفعول، و(سلام عليكم): محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذْفُ الحال ـ إذا كان قولاً ـ كثيرٌ مطرد. يقول الحق جل جلاله: {أفمن يعلم انما أنزِلَ إليك من ربك} هو {الحقُّ} فيستجيب له، وينقاد له {كَمَنْ هو أعمى} عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق ـ جل جلاله ـ على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلاَّ على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: {إنما يتذكر أولو الألباب}؛ ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: {الذين يُوفون بعهد الله}؛ ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: {بلى}. {ولا ينقُضُون الميثاق}؛ ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص؛ تأكيداً على الوفاء بالعهود. {والذين يَصِلُونَ ما أمر الله به أن يُوصَلَ} من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحُضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. {ويَخْشَون ربهم}: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، {ويخافون سوءَ الحساب}: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يُحاسبوا. {والذين صَبرُوا} على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك {ابتِغَاءَ وَجهِ ربهم}؛ طلباً لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخراً ورياء، وطلباً لحظ نفساني. {وأقاموا الصلاة} المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، {وأنفقوا مما رزقناهم} من الأموال فرضاً ونفلاً، {سِراً وعلانيةً}؛ إن تحقق الإخلاص، وإلا تعيَّن الإسرار. أو سراً لمن لا يعرف بالمال، وجهراً لمن يعرف به؛ لئلا يُتهم، أو ليُقتدى به. {ويدرءُونَ بالحسنةِ السيئَةِ} أي: يدفعون الخصلةَ السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان؛ امتثالاً لقوله تعالى: { أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ}تفسير : [المؤمنون" 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: "لا إله إلا الله"، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}تفسير : [هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: {أولئك لهم عُقْبَى الدَّارِ} أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلُها. وهي: الجنة التي فسَّرها بقوله: {جناتُ عَدنٍ} أي: إقامة، {يدخُلونها} مخلدين فيها. والعدْن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضُها، فيدخلونها {ومن صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} أي: يَلْحَقُ بهم مَنْ صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعاً لهم وتعظمياً لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم. وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض ـ لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة؛ زيادة في أُنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. {والملائكةُ يدخلون عليهم من كل بابٍ} من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: {سلامٌ عليكم}؛ بشارة بدوام السلامة، هذا {بما صبرتم}، أو سلامة لكم بسبب صبركم. {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار} التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تَصَفَّتْ مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأساً؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب؛ فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب ـ وهي العكوف في حضرة الغيوب ـ وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان؛ لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار؛ وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهبُ والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثمَّ شغله بضدهم فقال: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ....}

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى ان من يؤمن بالله ويعلم ان ما أنزل اليك يا محمد من ربك الحق، لا يكون مثل من يشهد ذلك وعمي عنه، فاخرج الكلام مخرج الاستفهام والمراد به الانكار، أي لا يكون هذان مستويين، وبين ان الفرق بينهما بمنزلة الفرق بين الاعمى والبصير. وقوله {إنما يتذكر أولوا الألباب} معناه إنما يتذكر في ذلك ويفكر فيه ويستدل به ذوو العقول والمعرفة. والالباب هي العقول، واحدها لب. ولبّ الشيء أجل ما فيه واخلصه واجوده، فلب الانسان عقله لانه أجل ما فيه، ولب النخلة قلبها، ولب الطلعة ثمرتها التي فيها، وانما شبه العلم بالبصر، والجهل بالعمى، لان العلم يهتدى به الى طريق الرشد من الغي كما يهتدى بالبصر الى طريق النجاة من طريق الهلاك، وعكس ذلك حال الجهل والغي. قال الرماني: وجه الاحتجاج بالآية انه إذا كانت حال الجاهل كحال الاعمى، وحال العالم كحال البصير وأمكن هذا الأعمى ان يستفيد بصراً، فما الذي يبعده عن طلب العلم الذي يخرجه عن حال الاعمى بالجهل؟!. وهذا إلزام طلب العلم، لانه خروج عن حال الأعمى بالجهل الى البصير بالعلم. وقوله {إنما يتذكر أولوا الألباب} معناه إنما ينتفع بالذكر من كان له لب، كقولك: إنما يترك السرف والبغي من له عقل وعلم بالعواقب، وان كان كثير ممن له عقل لا يترك ذلك ولا يفكر في العواقب.

الجنابذي

تفسير : {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} لفظة ما كافّة او موصولة او مصدريّة، وما انزل اليه امّا القرآن تماماً واحكام الرّسالة جملةً او الولاية مخصوصة {مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عن علم ذلك {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} بعدم تشابههما {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} لا اصحاب الخيال وارباب الالف والعادات، عن الصّادق (ع) انّه خاطب شيعته بقوله انتم اولوا الالباب فى كتاب الله، والسّرّ فى ذلك انّ اللبّ هو العقل الخالص من شوب الوهم والخيال ولا يخلص العقل ما لم يتّصل بصاحب العقل، والاتّصال ان كان بالبيعة العامّة النّبويّة لم يفد تخليص العقل من حيث انّ الرّسول (ص) ببيعته يؤسّس احكام العقل باعانة الوهم والخيال فليس شأن الرّسول تخليص العقل بل تخليطه بقشر الخيال، بخلاف الاتّصال بالبيعة الخاصّة الولويّة فانّ صاحب البيعة الخاصّة من حيث اصل الايمان شأنه تخليص العقل عن شوب الخيال وبهذا الاعتبار يصدق على المتّصل به انّه ذو لبٍّ وان لم يحصل بعد له لبّ، وايضاً صاحب الولاية باعتبار ولايته لبّ وصاحب الرّسالة باعتبار رسالته كالقشر والمتّصل بالولاية مظهر لصاحب الولاية فهو ذو لبٍّ بهذا الاعتبار ايضاً على انّ التّحقيق انّ الانسان بدون تلقيح الولاية كالجوز الخالى من اللّبّ ولا ينعقد لبّه الاّ بالولاية، فانّ البيعة الولويّة يدخل بها كيفيّة من ولىّ الامر فى قلب البائع وبها يتحقّق الابوّة والبنوّة بينهما وهى الايمان الدّاخل فى القلب كما سبق تحقيقه فى مطاوى ما سبق.

فرات الكوفي

تفسير : {إِنما يتذكر أولوا الألباب 19=9/الزمر}

الأعقم

تفسير : {أفمن يعلم أَنما أنزل إِليك من ربك الحق كمن هو أعمى} أي لا يستوي من يعلم الحق ومن لا فهو بمنزلة الأعمى {إنما يتذكر أولو الألباب} أي ذوو العقول {الذين يوفون بعهد الله} أي يودون عهوده، قيل: أوامره ونواهيه، وقيل: عهوده كما يلزم العبد عقلاً وسمعاً، والعقليان كالتوحيد والعدل وما شاكله من الواجبات والشرعيات كأوامر الشرع ونواهيه {ولا ينقضون الميثاق}، قيل: لا يبدلون ولا يرجعون، وقيل: ميثاق الرسول وهو ما حلفوا له، والميثاق ما وثقه المكلف على نفسه مما لزمه {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل}، قيل: المراد به الإِيمان بجميع الكتب والرسل، وقيل: بل صلة الأرحام، وقيل: بل هو ما يلزم من صلة المؤمنين بالتوالي والحفظ والذبّ عنهم في باب الدين فيدخل فيه صلة الرحم وغيره، قال القاضي: وهو الوجه {ويخشون ربهم} أي عقابه {ويخافون سوء الحساب} أي مناقشته {والذين صبروا} على طاعة الله وعن معصيته، وقيل: على المصائب والنوائب، وقيل: في الجهاد للأعداء، وقيل: هو الصبر المطلق وهو فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف {ابتغاء وجه ربهم} أي لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل وأوقره عند الزلازل ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا تشمت به الأعداء كقوله: وتجلدي للشامتين لاريهم... الخ. {وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية} يتناول النوافل لأنها في السر أفضل والفرائض لوجوب المظاهرة بها {ويدرؤن بالحسنة السيئة}، قيل: يدفعونها، وعن الحسن هم الذين إذا حُرموا أعطوا، وإذا ظُلموا عَفُوا، وإذا قُطِعوا وَصَلوا، وعن ابن كيسان: هم الذين إذا أذنبوا تابوا، وإذا رأوا منكراً أمروا بتغييره {أولئك لهم عقبى الدار} عاقبة الدنيا وهي الجنة لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا {جنات عدن} مدينة الجنة فيها الأئمة والأنبياء والشهداء والصديقون {يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم} أي من كان صالحاً في الدين {وذرِّيَّاتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} من أبواب الجنة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أبواب الجنة ثمانية باب الصلاة، وباب الزكاة، وباب الصوم، وباب الصبر" تفسير : قوله تعالى: {سلام عليكم} بشارة منهم للمؤمنين بالسلامة والكرامة، قيل: السلام منهم، وقيل: السلام من الله تعالى يبلغونه {بما صبرتم} أي هذه المنزلة والكرامة جزاء على ما صبرتم {فنعم عقبى الدار} أي نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى، وقيل: نعم العاقبة في هذه الدار لكم وهي الجنة.

الهواري

تفسير : قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ} أي: القرآن الحق، { كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} أي: عنه. يعني به الكافر، وهو على الاستفهام. يقول: فهل يستوي هذا المؤمن وهذا الكافر؟ أي: إنهما لا يستويان. { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أولو العقول، وهم المؤمنون. {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ} أي: الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم حيث قال:{أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى }تفسير : [الأعراف:172]. يقول: أوفوا بذلك الميثاق، يعني المؤمنون الذين آمنوا بمحمد عليه السلام. وقال بعضهم: هو ميثاق الله الذي أخذه على جميع المؤمنين إذ كلّفهم طاعته. فـ (أية : قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) تفسير : [البقرة:285]. وهذا الميثاق لكل من وجب عليه التكليف من البالغين الأصحاء. قوله: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}. ذكروا عن ابن عباس أنه قال:الذي أمر الله به أن يوصل هو أن يؤمن بالنبيين كلِّهم لا يفرق بين أحد منهم. وقال بعضهم: ما أمر الله به أن يوصل من القرابة. قوله: { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: (أية : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً)تفسير : [الانشقاق:8] فقال: حديث : ذلِكِ العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب . تفسير : قال: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ}، أي: الصلوات الخمس، وحافظوا على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها يراه حقاً لله عليه حرُم على النار تفسير : قوله: {وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} يعني الزكاة المفروضة في تفسير الحسن. { سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}. يستحب أن تعطى الزكاة علانية والتطوع سراً. قال {وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} يقول: يعفون عن السيئة إذا أسيء إليهم، ولا يكافؤونَ صاحبها. فالعفو عنهم حسنة. { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} أي: دار الآخرة. والعقبى الثواب، وهو الجنة. ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي جاراً يسيء مجاورتي، أفأفعل به كما يفعل بي؟ قال حديث : لا، إن اليد العليا خير من اليد السفلى

اطفيش

تفسير : {أفمنْ يعْلم أنما أنزِل إليكَ مِنْ ربِّك الحقُّ} يؤمن به ويعمل به، وما اسم موصول اسم أنَّ، والحق خبرها، فمفيد الحصر تعريف المسند إليه والمسند، أو ما كافة والحق نائب الفاعل فمفيد الحصر أنما، ودخلت الهمزة على الفاء لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من الماء، كأنه قيل: أيشك أحد بعد ذلك أن البصير بانحصار الحق فيما أنزِل إليك. {كمَنْ هُو أعمْى} عمى القلب لا يعلم أن ذلك هو الحق ولا يعمل به، ولا يستبصر، ليسا سواء بل بينهما ما بين الماء، وخلاصة الموقد عليه، وبين الزبد، والآية على العموم، وقيل: نزلت فى حمزة عم النبى صلى الله عليه وسلم وأبى جهل، وهو مشهور، قال به ابن عباس: وقيل: فى عمار بن ياسر وأبى جهل فمَنْ يعلم هو حمزة أو عمار، ومن هو أعمى أبو جهل على القولين، فالآية عمت أيضا بلفظها، ولو كان سبب النزول خالصا، ولا يجوز أن يراد بالأعمى عمى العينين، على أنه إذا علم أنه لا يستوى بمن علم أن ذلك حق، علم أن العالم بذلك لا يستوى به جاهله خلافا لبعض، لأن التعبير فى الشق الأول بالعلم وتسليطه على حقبة ما أنزل بإتيان ذلك. {إنَّما يتذكَّر أولُوا الألبابِ} أصحاب العقول، العاملون على ما تقتضى عقولهم، ولا المعرضون عما يقتضيه المتابعون لمن بينهم وبينه ألفة، وما ألفوه وما توهموه.

الالوسي

تفسير : {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ} من القرآن الذي مثل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالص في المنفعة والجدوى هو {ٱلْحَقّ } الذي لا حق وراءه أو الحق الذي أشير إليه بالأمثال المضروبة فيستجيب له {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } عمى القلب لا يدركه ولا يقدر قدره وهو ـ هو ـ فيبقى حائراً في ظلمات الجهل وغياهب الضلال ولا يتذكر بما ضرب من الأمثال، والمراد كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادة تقبيح حاله فعبر عنه بالأعمى، والهمزة للإنكار وإيراد الفاء بعدها لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المماثلة على ظهور حال كل منهما بما ضرب من الأمثال وما بين من المصير والمآل كأنه قيل: أبعد ما بين حال كل من الفريقين ومآلهما يتوهم المماثلة بينهما. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما {أَوَمن يَعْلَمْ} بالواو مكان الفاء. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } بما ذكر من المذكرات فيقف على ما بينهما من التفاوت والتنائي {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي العقول الخالصة المبرأة من متابعة الألف ومعارضة الوهم، فاللب أخص من العقل وهو الذي ذهب إليه الراغب، وقيل: هما مترادفان والقصد بما ذكر دفع ما يتوهم من أن الكفار عقلاء مع أنهم غير متذكرين ولو نزلوا منزلة المجانين حسن ذلك. والآية على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حمزة رضي الله تعالى عنه وأبـي جهل وقيل: في عمر رضي الله تعالى عنه وأبـي جهل، وقيل: في عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه وأبـي جهل، وقد أشرنا إلى وجه اتصالها بما قبلها، والعلامة الطيبـي بعد أن قرر وجه الاتصال بأن {فَمَنْ يَعْلَم} عطف على جملة {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } تفسير : [الرعد: 8] الخ والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه، وذكر من معنى الآية على ذلك ما ذكر قال: ثم إنك إذا أمعنت النظر وجدتها متصلة بفاتحة السورة يعني بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الرعد: 1] وهو كما ترى.

سيد قطب

تفسير : بعد المشاهد الهائلة في آفاق الكون وفي أعماق الغيب، وفي أغوار النفس التي استعرضها شطر السورة الأول، يأخذ الشطر الثاني في لمسات وجدانية وعقلية، وتصويرية دقيقة رفيقة، حول قضية الوحي والرسالة، وقضية التوحيد والشركاء، ومسألة الآيات واستعجال تأويل الوعيد.. وهي جولة جديدة حول تلك القضايا في السورة. وتبدأ هذه الجولة بلمسة في طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر، فالأول علم والثاني عمى. وفي طبيعة المؤمنين وطبيعة الكافرين والصفات المميزة لهؤلاء وهؤلاء. يتلوها مشهد من مشاهد القيامة، وما فيها من نعيم للأولين ومن عذاب للآخرين. فلمسة في بسط الرزق وتقديره وردهما إلى الله. فجولة مع القلوب المؤمنة المطمئنة بذكر الله. فوصف لهذا القرآن الذي يكاد يسير الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى. فلمسة بما يصيب الكفار من قوارع تنزل بهم أو تحل قريباً من دارهم. فجدل تهكمي حول الآلهة المدعاة. فلمسة من مصارع الغابرين ونقص أطراف الأرض منهم حيناً بعد حين. يختم هذا كله بتهديد الذين يكذبون برسالة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتركهم للمصير المعلوم! من ذلك نرى أن الإيقاعات والمطارق المتوالية في شطر السورة الأول، تحضّر المشاعر وتهيئها لمواجهة القضايا والمسائل في شطرها الثاني، وهي على استعداد وتفتح لتلقيها؛ وأن شطري السورة متكاملان؛ وكل منهما يوقع على الحس طرقاته وإيحاءاته لهدف واحد وقضية واحدة. والقضية الأولى هي قضية الوحي. وقد أثيرت في صدر السورة. وهي تثار هنا مرة أخرى على نسق جديد.. {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولوا الألباب}.. إن المقابل لمن يعلم أن أنزل إليك من ربك هو الحق ليس هو من لا يعلم هذا، إنما المقابل هو الأعمى! وهو أسلوب عجيب في لمس القلوب وتجسيم الفروق، وهو الحق في الوقت ذاته لا مبالغة فيه ولا زيادة ولا تحريف. فالعمى وحده هو الذي ينشئ الجهل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة التي لا تخفى إلا على أعمى. والناس إزاء هذه الحقيقة الكبيرة صنفان: مبصرون فهم يعلمون، وعمي فهم لا يعلمون! والعمى عمى البصيرة، وانطماس المدارك، واستغلاق القلوب، وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح، وانفصالها عن مصدر الإشعاع.. {إنما يتذكر أولو الألباب}.. الذين لهم عقول وقلوب مدركة تذكر بالحق فتتذكر، وتنبه إلى دلائله فتتفكر. وهذه صفات أولي الألباب هؤلاء: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق}.. وعهد الله مطلق يشمل كل عهد، وميثاق الله مطلق يشمل كل ميثاق. والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الإيمان؛ والميثاق الأكبر الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان. وعهد الإيمان قديم وجديد. قديم مع الفطرة البشرية المتصلة بناموس الوجود كله؛ المدركة إدراكاً مباشراً لوحدة الإرادة التي صدر عنها الوجود، ووحدة الخالق صاحب الإرادة، وأنه وحده المعبود. وهو الميثاق المأخوذ على الذرية في ظهور بني آدم فيما ارتضيناه لها من تفسير.. ثم هو جديد مع الرسل الذين بعثهم الله لا لينشئوا عهد الإيمان ولكن ليجددوه ويذكروا به ويفصلوه، ويبينوا مقتضياته من الدينونة لله وحده والانخلاع من الدينونة لسواه، مع العمل الصالح والسلوك القويم، والتوجه به إلى الله وحده صاحب الميثاق القديم.. ثم تترتب على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر. سواء مع الرسول أو مع الناس. ذوي قرابة أو أجانب. أفراداً أم جماعات. فالذي يرعى العهد الأول يرعى سائر العهود، لأن رعايتها فريضة؛ والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس، لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق. فهي القاعدة الضخمة الأولى التي يقوم عليها بنيان الحياة كله. يقررها في كلمات. {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب}.. هكذا في إجمال. فكل ما أمر الله به أن يوصل يصلونه. أي أنها الطاعة الكاملة والاستقامة الواصلة، والسير على السنة ووفق الناموس بلا انحراف ولا التواء. لهذا ترك الأمر مجملاً، ولم يفصل مفردات ما أمر الله به أن يوصل، لأن هذا التفصيل يطول، وهو غير مقصود، إنما المقصود هو تصوير الاستقامة المطلقة التي لا تلتوي، والطاعة المطلقة التي لا تتفلت، والصلة المطلقة التي لا تنقطع.. ويلمح عجز الآية إلى الشعور المصاحب في نفوسهم لهذه الطاعة الكاملة: {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب}.. فهي خشية الله ومخافة العقاب الذي يسوء في يوم لقائه الرهيب. وهم أولو الألباب الذين يتدبرون الحساب قبل يوم الحساب. {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم}.. والصبر ألوان. وللصبر مقتضيات. صبر على تكاليف الميثاق. من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد.. الخ وصبر على النعماء والبأساء. وقل من يصبر على النعمة فلا يبطر ولا يكفر. وصبر على حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور.. وصبر وصبر وصبر.. كله ابتغاء وجه ربهم، لا تحرجاً من أن يقول الناس: جذعوا. ولا تجملاً ليقول الناس: صبروا. ولا رجاء في نفع من وراء الصبر. ولا دفعاً لضر يأتي به الجزع. ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله، والصبر على نعمته وبلواه. صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضى والاقتناع.. {وأقاموا الصلاة}.. وهي داخلة في الوفاء بعهد الله وميثاقه، ولكنه يبرزها لأنها الركن الأول لهذا الوفاء، ولأنها مظهر التوجه الخالص الكامل لله، ولأنها الصلة بين العبد والرب، الخالصة له ليس فيها من حركة ولا كلمة لسواه. {وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية}.. وهي داخلة في وصل ما أمر الله به أن يوصل، وفي الوفاء بتكاليف الميثاق. ولكنه يبرزها لأنها الصلة بين عباد الله، التي تجمعهم في الله وهم في نطاق الحياة. والتي تزكي نفس معطيها من البخل، وتزكي نفس آخذها من الغل؛ وتجعل الحياة في المجتمع المسلم لائقة بالبشر المتعاونين المتضامنين الكرام على الله. والإنفاق سراً وعلانية. السر حيث تصان الكرامة وتطلب المروءة، وتتحرج النفس من الإعلان. والعلانية حيث تطلب الأسوة، وتنفذ الشريعة، ويطاع القانون. ولكل موضعه في الحياة. {ويدرأون بالحسنة السيئة}.. والمقصود أنهم يقابلون السيئة بالحسنة في التعاملات اليومية لا في دين الله. ولكن التعبير يتجاوز المقدمة إلى النتيجة. فمقابلة السيئة بالحسنة تكسر شرة النفوس، وتوجهها إلى الخير؛ وتطفئ جذوة الشر، وترد نزغ الشيطان، ومن ثم تدرأ السيئة وتدفعها في النهاية. فعجل النص بهذه النهاية وصدر بها الآية ترغيباً في مقابلة السيئة بالحسنة وطلباً لنتيجتها المرتقبة.. ثم هي إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة عندما يكون في هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها! فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع، ويحتاج الشر إلى الدفع، فلا مكان لمقابلتها بالحسنة، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلي. ودرء السيئة بالحسنة يكون غالباً في المعاملة الشخصية بين المتماثلين. فأما في دين الله فلا.. إن المستعلي الغاشم لا يجدي معه إلا الدفع الصارم. والمفسدون في الأرض لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم. والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف، واستشارة الألباب، والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب. {أولئك لهم عقبى الدار: جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار}.. {أولئك} في مقامهم العالي لهم عقبى الدار: جنات عدن للإقامة والقرار. في هذه الجنات يأتلف شملهم مع الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. وهؤلاء يدخلون الجنة بصلاحهم واستحقاقهم. ولكنهم يكرمون بتجمع شتاتهم، وتلاقي أحبابهم، وهي لذة أخرى تضاعف لذة الشعور بالجنان. وفي جو التجمع والتلاقي يشترك الملائكة في التأهيل والتكريم، في حركة رائحة غادية: {يدخلون عليهم من كل باب}.. ويدعنا السياق نرى المشهد حاضراً وكأنما نشهده ونسمع الملائكة أطوافاً أطوافاًً: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}.. فهو مهرجان حافل باللقاء والسلام والحركة الدائبة والإكرام. وعلى الضفة الأخرى أولئك الذين لا ألباب لهم فيتذكروا. ولا بصيرة لهم فيبصروا. وهم على النقيض في كل شيء مع أولي الألباب: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض. أولـئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار}.. إنهم ينقضون عهد الله المأخوذ على الفطرة في صورة الناموس الأزلي؛ وينقضون من بعده كل عهد، فمتى نقض العهد الأول فكل عهد قائم عليه منقوض من الأساس. الذي لا يرعى الله لا يبقى على عهد ولا ميثاق. ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل على وجه العموم والإطلاق. ويفسدون في الأرض في مقابل صبر أولئك وإقامتهم للصلاة وإنفاقهم سراً وعلانية ودرء السيئة بالحسنة. فالإفساد في الأرض يقابل هذا كله، وترك شيء من هذا كله إنما هو إفساد أو دافع إلى الإفساد. {أولئك}.. المبعدون المطرودون {لهم اللعنة} والطرد في مقابل التكريم هناك {ولهم سوء الدار} ولا حاجة إلى ذكرها، فقد عرفت بمقابلها هناك! أولئك فرحوا بالحياة الدنيا ومتاعها الزائل فلم يتطلعوا إلى الآخرة ونعيمها المقيم. مع أن الله هو الذي يقدر الرزق فيوسع فيه أو يضيق فالأمر كله إليه في الأولى والآخرة على السواء. ولو ابتغوا الآخرة ما حرمهم الله متاع الأرض، وهو الذي أعطاهم إياه: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}.. ولقد سبقت الإشارة إلى الفارق الضخم بين من يعلم أن ما أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق، ومن هو أعمى. فالآن يحكي السياق شيئاً عن العمي الذين لا يرون آيات الله في الكون، والذين لا يكفيهم هذا القرآن، فإذا هم يطلبون آية. وقد حكى السياق شيئاً كهذا في شطر السورة الأول، وعقب عليه بأن الرسول ليس إلا منذراً والآيات عند الله. وهو الآن يحكيه ويعقب عليه ببيان أسباب الهدى وأسباب الضلال. ويضع إلى جواره صورة القلوب المطمئنة بذكر الله، لا تقلق ولا تطلب خوارق لتؤمن وهذا القرآن بين أيديها. هذا القرآن العميق التأثير، حتى لتكاد تسير به الجبال وتقطع به الأرض، ويكلم به الموتى لما فيه من سلطان وقوة ودفعة وحيوية. وينهي الحديث عن هؤلاء الذين يتطلبون القوارع والخوارق بتيئيس المؤمنين منهم، وبتوجيههم إلى المثلات من قبلهم، وإلى ما يحل بالمكذبين من حولهم بين الحين والحين: {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! قل: إن الله يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب. الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب}.. {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمـن. قل: هو ربي لا إلـه إلا هو عليه توكلت، وإليه متاب}.. {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى. بل لله الأمر جميعاً. أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله. إن الله لا يخلف الميعاد. ولقد استهزىء برسل من قبلك، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم. فكيف كان عقاب؟}.. إن الرد على طلبهم آية خارقة، أن الآيات ليست هي التي تقود الناس إلى الإيمان، فللإيمان دواعيه الأصيلة في النفوس، وأسبابه المؤدية إليه من فعل هذه النفوس: {قل: إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب}.. فالله يهدي من ينيبون إليه. فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلاً لهداه. والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال، فيضلهم الله. فهو استعداد القلب للهدى وسعيه إليه وطلبه، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد.. ثم يرسم صورة شفيفة للقلوب المؤمنة. في جو من الطمأنينة والأنس والبشاشة والسلام: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله}.. تطمئن بإحساسها بالصلة بالله، والأنس بجواره، والأمن في جانبه وفي حماه. تطمئن من قلق الوحدة، وحيرة الطريق. بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير. وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر ومن كل شر إلا بما يشاء، مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء. وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.. ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله. يعرفونها، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام، ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفرداً بلا أنيس. فكل ما حوله صديق، إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه. وليس أشقى على وجه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله. ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون. ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة لأنة لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود. ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريداً وحيداً شارداً في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين. وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكناً إلى الله، مطمئناً إلى حماه، مهما اوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد.. ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.. هؤلاء المنيبون إلى الله، المطمئنون بذكر الله، يحسن الله مآبهم عنده، كما أحسنوا الإنابة إليه وكما أحسنوا العمل في الحياة: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب}.. طوبى (على وزن كبرى من طاب يطيب) للتفخيم والتعظيم. وحسن مآب إلى الله الذي أنابوا إليه في الحياة.. أما أولئك الذين يطلبون آية فلم يستشعروا طمأنينة الإيمان فهم في قلق يطلبون الخوارق والمعجزات. ولست أول رسول جاء لقومه بمثل ما جئت به حتى يكون الأمر عليهم غريباً، فقد خلت من قبلهم الأمم وخلت من قبلهم الرسل. فإذا كفروا هم فلتمض على نهجك ولتتوكل على الله: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم، لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمـن. قل: هو ربي لا إلـه إلا هو، عليه توكلت وإليه متاب}. والعجيب أنهم يكفرون بالرحمن، العظيم الرحمة، الذي تطمئن القلوب بذكره، واستشعار رحمته الكبرى. وما عليك إلا أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك، فلهذا أرسلناك. فإن يكفروا فأعلن لهم أن اعتمادك على الله وحده، وأنك تائب إليه وراجع، لا تتجه إلى أحد سواه. وإنما أرسلناك لتتلو عليهم هذا القرآن. هذا القرآن العجيب، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض. أو يكلم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات، ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات. ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء. فإذا لم يستجيبوا فقد آن أن ييأس منهم المؤمنون، وأن يدعوهم حتى يأتي وعد الله للمكذبين: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى. بل لله الأمر جميعاً. أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله. إن الله لا يخلف الميعاد}.. ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى. لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثاراً في أقدار الحياة، بل أبعد أثراً في شكل الأرض ذاته. فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ؟! وإن طبيعة هذا القرآن ذاتها. طبيعته في دعوته وفي تعبيره. طبيعته في موضوعه وفي أدائه. طبيعته في حقيقته وفي تأثيره.. إن طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة، يحسها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام، واستعداد لإدراك ما يوجه إليه ويوحي به. والذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال، وهو تاريخ الأمم والأجيال؛ وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد. وأحيوا ما هو أخمد من الموتى. وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام. والتحول الذي تم في نفوس العرب وحياتهم فنقلهم تلك النقلة الضخمة دون أسباب ظاهرة إلا فعل هذا الكتاب ومنهجه في النفوس والحياة، أضخم بكثير من تحول الجبال عن رسوخها، وتحول الأرض عن جمودها، وتحول الموتى عن الموات! {بل لله الأمر جميعاً}.. وهو الذي يختار نوع الحركة وأداتها في كل حال. فإذا كان قوم بعد هذا القرآن لم تتحرك قلوبهم فما أجدر المؤمنين الذي يحاولون تحريكها أن ييأسوا من القوم؛ وأن يدعوا الأمر لله، فلو شاء لخلق الناس باستعداد واحد للهدى، فلهدى الناس جميعاً على نحو خلقة الملائكة لو كان يريد. أو لقهرهم على الهدى بأمر قدري منه.. ولكن لم يرد هذا ولا ذاك. لأنه خلق هذا الإنسان لمهمة خاصة يعلم سبحانه أنها تقتضي خلقته على هذا النحو الذي كان. فليدعوهم إذن لأمر الله. وإذا كان الله قد قدر ألا يهلكهم هلاك استئصال في جيل كبعض الأقوام قبلهم، فإن قارعة من عنده بعد قارعة تنزل بهم فتصيبهم بالضر والكرب، وتهلك من كتب عليه منهم الهلاك. {أو تحل قريباً من دارهم}.. فتروعهم وتدعهم في قلق وانتظار لمثلها؛ وقد تلين بعض القلوب وتحركها وتحييها. {حتى يأتي وعد الله}.. الذي أعطاهم إياه، وأمهلهم إلى انتهاء أجله: {إن الله لا يخلف الميعاد}.. فهو آت لا ريب فيه، فملاقون فيه ما وعدوه. والأمثلة حاضرة، وفي مصارع الغابرين عبرة، بعد الإنظار والإمهال: {ولقد أستهزئ برسل من قبلك، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم، فكيف كان عقاب؟}. وهو سؤال لا يحتاج إلى جواب. فلقد كان عقاباً تتحدث به الأجيال!!! والقضية الثانية هي قضية الشركاء. وقد أثيرت في الشطر الأول من السورة كذلك. وهي تثار هنا في سؤال تهكمي حين تقرن هذه الشركاء إلى الله القائم على كل نفس، المجازي لها بما كسبت في الحياة. وتنتهي هذه الجولة بتصوير العذاب الذي ينتظر المفترين لهذه الفرية في الدنيا والعذاب الأشق في الآخرة. وفي مقابلة ما ينتظر المتقين من أمن وسلام! {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ وجعلوا لله شركاء. قل: سموهم. أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟ أم بظاهر من القول؟ بل زين للذين كفروا مكرهم، وصدوا عن السبيل، ومن يضلل الله فما له من هاد. لهم عذاب في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشق، وما لهم من الله من واق}.. {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها. تلك عقبى الذين اتقوا. وعقبى الكافرين النار}.. والله سبحانه رقيب على كل نفس، مسيطر عليها في كل حال، عالم بما كسبت في السر والجهر. ولكن التعبير القرآني المصور يشخص الرقابة والسيطرة والعلم في صورة حسية ـ على طريقة القرآن ـ صورة ترتعد لها الفرائص: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}.. فلتتصور كل نفس أن عليها حارساً قائماً عليها مشرفاً مراقباً يحاسبها بما كسبت. ومن؟ إنه الله! فأية نفس لا ترتعد لهذه الصورة وهي في ذاتها حق، إنما يجسمها التعبير للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريديات. أفذلك كذلك؟ ثم يجعلون لله شركاء؟! هنا يبدو تصرفهم مستنكراً مستغرباً في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب. {وجعلوا لله شركاء}.. الله القائم على كل نفس بما كسبت، لا تفلت منه ولا تروغ. {قل: سموهم}! فإنهم نكرات مجهولة. وقد تكون لهم أسماء. ولكن التعبير هنا ينزلهم منزلة النكرات التي لا تعرف أسماؤها. {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟}.. يا للتهكم! أم إنكم أنتم البشر تعلمون ما لا يعلمه الله؟ فتعلمون أن هناك آلهة في الأرض، وغاب هذا عن علم الله؟! إنها دعوى لا يجرؤون على تصورها. ومع هذا فهم يقولونها بلسان الحال، حين يقول الله أن ليست هناك آلهة، فيدعون وجودها وقد نفاه الله! {أم بظاهر من القول؟}. تدعون وجودها بكلام سطحي ليس وراءه مدلول. وهل قضية الألوهية من التفاهة والهزل بحيث يتناولها الناس بظاهر من القول؟! وينتهي هذا التهكم بالتقرير الجاد الفاصل: {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل. ومن يضلل الله فما له من هاد}.. فالمسألة إذن أن هؤلاء كفروا وستروا أدلة الإيمان عنهم وستروا نفوسهم عن دلائل الهدى، فحقت عليهم سنة الله، وصورت لهم نفوسهم أنهم على صواب، وأن مكرهم وتدبيرهم ضد الدعوة حسن وجميل، فصدهم هذا عن السبيل الواصل المستقيم. ومن تقتضي سنة الله ضلاله لأنه سار في طريق الضلال فلن يهديه أحد، لأن سنة الله لا تتوقف إذا حقت بأسبابها على العباد. والنهاية الطبيعية لهذه القلوب المنتكسة هي العذاب: {لهم عذاب في الحياة الدنيا}. إن أصابتهم قارعة فيها، وإن حلت قريباً من دارهم فهو الرعب والقلق والتوقع. وإلا فجفاف القلب من بشاشة الإيمان عذاب، وحيرة القلب بلا طمأنينة الإيمان عذاب. ومواجهة كل حادث بلا إدراك للحكمة الكبرى وراء الأحداث عذاب.. {ولعذاب الآخرة أشق}.. ويتركه هنا بلا تحديد للتصور والتخيل بلا حدود. {وما لهم من الله من واق}. يحميهم من أخذه، ومن نكاله. فهم معرضون بلا وقاية لما ينزله من عذاب.. وعلى الضفة الأخرى {المتقون}.. في مقابل {وما لهم من الله من واق}. المتقون الذين وقوا أنفسهم بالإيمان والصلاح فهم في مأمن من العذاب. بل لهم فوق الأمن الجنة التي وعدوها: {ذلك مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها} فهو المتاع والاسترواح ـ ومشهد الظل الدائم والثمر الدائم مشهد تطمئن له النفس وتستريح ـ في مقابل المشقة هناك: ذلك العذاب وهذه الجنة هما النهاية الطبيعية لهؤلاء وهؤلاء: {تلك عقبى الذين اتقوا. وعقبى الكافرين النار}.. ويمضي السياق مع قضية الوحي وقضية التوحيد معاً يتحدث عن موقف أهل الكتاب من القرآن ومن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويبين للرسول أن ما أنزل عليه هو الحكم الفصل فيما جاءت به الكتب قبله، وهو المرجع الأخير، أثبت الله فيه ما شاء إثباته من أمور دينه الذي جاء به الرسل كافة؛ ومحا ما شاء محوه مما كان فيها لانقضاء حكمته. فليقف عندما أنزل عليه، لا يطيع فيه أهواء أهل الكتاب في كبيرة ولا صغيرة. أما الذين يطلبون منه آية، فالآيات بإذن الله وعلى الرسول البلاغ. {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه. قل: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو، وإليه مآب. وكذلك أنزلناه حكماً عربياً، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق. ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله. لكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء. ويثبت، وعنده أم الكتاب. وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب}.. إن الفريق الصادق من أهل الكتاب في الاستمساك بدينه، يجد في هذا القرآن مصداق القواعد الأساسية في عقيدة التوحيد؛ كما يجد الاعتراف بالديانات التي سبقته وكتبها، ودرسها مع الإكبار والتقدير، وتصور الآصرة الواحدة التي تربط المؤمنين بالله جميعاً. فمن ثم يفرحون ويؤمنون. والتعبير بالفرح هنا حقيقة نفسية في القلوب الصافية وهو فرح الالتقاء على الحق، وزيادة اليقين بصحة ما لديهم ومؤازرة الكتاب الجديد له.. {ومن الأحزاب من ينكر بعضه}.. الأحزاب من أهل الكتاب والمشركين.. ولم يذكر السياق هذا البعض الذي ينكرونه، لأنه الغرض هو ذكر هذا الإنكار للرد عليه: {قل: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به. إليه أدعوا وإليه مآب}.. فله وحده العبادة، وإليه وحده الدعوة، وله وحده المآب. وقد أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعلن منهجه في مواجهة من ينكر بعض الكتاب، وهو استمساكه الكامل بكامل الكتاب الذي أنزل إليه من ربه، سواء فرح به أهل الكتاب كله، أم أنكر فريق منهم بعضه. ذلك أن ما أنزل إليه هو الحكم الأخير، نزل بلغته العربية وهو مفهوم له تماماً، وإليه يرجع ما دام هو حكم الله الأخير في العقيدة: {وكذلك أنزلناه حكماً عربياً}.. {ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من واق}.. فالذي جاءك هو العلم اليقين، وما يقوله الأحزاب أهواء لا تستند إلى علم أو يقين. وهذا التهديد الموجه إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبلغ في تقرير هذه الحقيقة، التي لا تسامح في الانحراف عنها، حتى ولو كان من الرسول، وحاشاه عليه الصلاة والسلام. وإذا كان هناك اعتراض على بشرية الرسول فقد كان الرسل كلهم بشراً: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية}. وإذا كان الاعتراض بأنه لم يأت بخارقة مادية، فذلك ليس من شأنه إنما هو شأن الله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}.. وفق ما تقتضيه حكمته وعندما يشاء. وإذا كان هناك خلاف جزئي بين ما أنزل على الرسول وما عليه أهل الكتاب، فإن لكل فترة كتاباً، وهذا هو الكتاب الأخير: {لكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}.. فما انقضت حكمته يمحوه، وما هو نافع يثبته. وعنده أصل الكتاب، المتضمن لكل ما يثبته وما يمحوه. فعنه صدر الكتاب كله، وهو المتصرف فيه، حسبما تقتضي حكمته، ولا راد لمشيئته ولا اعتراض. وسواء أخذهم الله في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشيء مما أوعدهم، أو توفاه إليه قبل ذلك، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئاً، ولا يبدل من طبيعة الرسالة وطبيعة الألوهية: {وإمّا نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}.. وفي هذا التوجيه الحاسم ما فيه من بيان طبيعة الدعوة وطبيعة الدعاة.. إن الدعاة إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا تكاليف الدعوة في كل مراحلها؛ وليس عليهم أن يبلغوا بها إلا ما يشاؤه الله. كما أنه ليس لهم أن يستعجلوا خطوات الحركة، ولا أن يشعروا بالفشل والخيبة، إذا رأوا قدر الله يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض، إنهم دعاة وليسوا إلا دعاة. وإن يد الله القوية لبادية الآثار فيما حولهم، فهي تأتي الأمم القوية الغنية ـ حين تبطر وتكفر وتفسد ـ فتنقص من قوتها وتنقص من ثرائها وتنقص من قدرها؛ وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد أن كانت ذات سلطان وذات امتداد، وإذا حكم الله عليها بالانحسار فلا معقب لحكمه، ولا بد له من النفاذ: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها! والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب}.. وليسوا هم بأشد مكراً ولا تدبيراً ولا كيداً ممن كان قبلهم. فأخذهم الله وهو أحكم تدبيراً وأعظم كيداً: {وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً. يعلم ما تكسب كل نفس، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار}.. ويختم السورة بحكاية إنكار الكفار للرسالة. وقد بدأها بإثبات الرسالة. فيلتقي البدء والختام. ويشهد الله مكتفياً بشهادته. وهو الذي عنده العلم المطلق بهذا الكتاب وبكل كتاب: {ويقول الذين كفروا: لست مرسلاً. قل: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب}. وتنتهي السورة وقد طوفت بالقلب البشري في أرجاء الكون، وأرجاء النفس، ووقعت عليه إيقاعات مطردة مؤثرة عميقة. وتركته بعد ذلك إلى شهادة الله التي جاء بها المطلع وجاء بها الختام، والتي يحسم بها كل جدل، وينتهي بعدها كل كلام.. وبعد.. ففي السورة معالم للعقيدة الإسلامية، وللمنهج القرآني في عرض هذه العقيدة.. وكان من حق هذه المعالم أن نقف عندها في مواضعها؛ لولا أننا آثرنا ألا نقطع تدفق السياق القرآني في هذه السورة بتلك الوقفات؛ وأن نبقيها إلى النهاية لنقف أمامها متمهلين! وقد أشرنا في أثناء استعراض السورة في سياقها إلى تلك المعالم إشارات سريعة؛ فنرجو أن نقف عندها الأن وقفات أطول بقدر المستطاع. .. والله المستعان.. إن افتتاح السورة، وطبيعة الموضوعات التي تعالجها، وكثيراً من التوجيهات فيها.. كل أولئك يدل دلالة واضحة على أن السورة مكية ـ وليست مدنية كما جاء في بعض الروايات والمصاحف ـ وأنها نزلت في فترة اشتد فيها الإعراض والتكذيب والتحدي من المشركين؛ كما كثر فيها طلب الخوارق من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستعجال العذاب الذي ينذرهم به؛ مما اقتضى حملة ضخمة تستهدف تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه على الحق الذي أنزل إليه من ربه، في وجه المعارضة والإعراض، والتكذيب والتحدي؛ والاستعلاء بهذا الحق، والإلتجاء إلى الله وحده؛ وإعلان وحدانيته إلهاً ورباً؛ والثبات على هذه الحقيقة؛ والاعتقاد بأنها هي وحدها الحق، مهما كذب بها المشركون. كما تستهدف مواجهة المشركين بدلائل هذا الحق في الكون كله، وفي أنفسهم، وفي التاريخ البشري وأحداثه كذلك؛ مع حشد جميع هذه المؤثرات ومخاطبة الكينونة البشرية بها خطاباً مؤثراً موحياً عميق الإيقاع قوي الدلالة. وهذه نماذج من التوكيدات على أن هذا الكتاب هو وحده الحق؛ وأن الإعراض عنه، والتكذيب به، والتحدي، وبطء الاستجابة، ووعورة الطريق.. كلها لا تغير شيئاً من تلك الحقيقة الكبيرة: * {تلك آيات الكتاب، والذي أنزل إليك من ربك الحق، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. * {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات، وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب. ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد}. * {له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}. * {كذلك يضرب الله الحق والباطل. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال}.. * {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولوا الألباب}.. * {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! قل: إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.. * {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك. وهم يكفرون بالرحمـن. قل: هو ربي، لا إلـه إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب}.. * {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه، قل: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو، وإليه مآب. وكذلك أنزلناه حكماً عربياً. ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق}.. * {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}.. * {ويقول الذين كفروا: لست مرسلاً. قل: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}.. وهكذا نلمس في هذه الطائفة من الآيات التي أوردناها طبيعة المواجهة التي كان المشركون يتحدون بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويتحدون بها هذا القرآن؛ ثم دلالة هذا التحدي ودلالة التوجيه الرباني إزاءه على طبيعة الفترة التي نزلت فيها السورة من العهد المكي. ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجهر ـ في مواجهة الإعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق ـ بالحق الذي معه كاملاً؛ وهو أنه لا إله إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا معبود إلا الله، وأن الله هو الواحد القهار، وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار.. وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها.. وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه! مع تهديده بما ينتظره من الله لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعد ما جاءه من العلم!.. وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى الله عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها! وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين، وألا يخفوا منها شيئاً، وألا يؤجلوا منها شيئاً.. وفي مقدمة هذه الحقائق: أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا لله. ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا لله.. فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أياً كانت المعارضة والتحدي؛ وأياً كان الإعراض من المكذبين والتولي؛ وأياً كانت وعورة الطريق وأخطارها كذلك.. وليس من "الحكمة والموعظة الحسنة" إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجليه، لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه! أو يعرضون بسببه عن هذا الدين، أو يكيدون له وللدعاة إليه! فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئاً من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه؛ ولا أن يبدأوا مثلاً من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي، متجنبين غضب طواغيت الأرض لو بدأوا من إعلان وحدانية الألوهية والربوبية، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده! إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله سبحانه؛ ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتوجيه من ربه.. فليس لداع إلى الله أن يتنكب هذا الطريق؛ وليس له أن ينهج غير ذلك المنهج.. والله ـ بعد ذلك ـ متكفل بدينه، وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافيهم شر الطواغيت! والمنهج القرآني في الدعوة يجمع بين الحديث عن كتاب الله المتلوّ ـ وهو هذا القرآن ـ وبين كتاب الكون المفتوح؛ ويجعل الكون بجملته مصدر إيحاء للكينونة البشرية؛ بما فيه من دلائل شاهدة بسلطان الله وتقديره وتدبيره. كما يضم إلى هذين الكتابين سجل التاريخ البشري، وما يحفظه من دلائل ناطقة بالسلطان والتقدير والتدبير أيضاً. ويواجه الكينونة البشرية بهذا كله ويأخذ عليها أقطارها جميعاً؛ وهو يخاطب حسها وقلبها وعقلها جميعاً! وهذه السورة تحوي من النماذج الباهرة في عرض صفحات الكتاب الكوني ـ عقب الكتاب القرآني ـ في مواجهة الكينونة البشرية بجملتها.. وهذه بعض هذه النماذج: * {أية : الۤمۤر. تلك آيات الكتاب. والذي أنزل إليك من ربك الحق، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون. }.. * {أية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها؛ ثم استوى على العرش؛ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمـى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مد الأرض، وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل ـ صنوان وغير صنوان ـ يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }.. تفسير : يحشد السياق هذه المشاهد الكونية، ليحيل الكون كله شاهداً ناطقاً بسلطان الله ـ سبحانه ـ في الخلق والإنشاء، والتدبير. ثم يعجّب من أمر قوم يرون هذه الشواهد كلها، ثم يستكثرون قضية البعث والنشأة الأخرى، ويكذبون بالوحي من أجل أنه يقرر هذه الحقيقة القريبة.. القريبة في ظل تلك المشاهد العجيبة.. * {أية : وإن تعجب فعجب قولهم: أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد؟ أولـئك الذين كفروا بربهم، وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون }.. * {أية : هو الذي يريكم البرق خوفاً و طمعاً، وينشىء السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء... }.. تفسير : يعرض هذه الصفحة من الوجود الكوني ليعجّب من أمر قوم يجادلون في الله ويشركون به، وهم يشاهدون آثار ربوبيته وقدرته وسلطانه، ودينونة الكون له، وتصريفه وتدبيره لأمر العباد فيه؛ وعجز كل من عداه ـ سبحانه ـ عن الخلق والتدبير والتقدير: * {أية : وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال. له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ـ وما هو ببالغه ـ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وظلالهم بالغدو والآصال.. قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار }.. تفسير : وهكذا يستحيل الكون معرضاً باهراً لدلائل القدرة وموحيات الإيمان، يخاطب الفطرة بالمنطق الشامل العميق؛ ويخاطب الكينونة البشرية جملة، بكل ما فيها من قوى الإدراك الباطنة والظاهرة، في تناسق عجيب. ثم يضيف إلى صفحات الكتاب الكوني، صفحات التاريخ الإنساني؛ ويعرض آثار القدرة والسلطان والهيمنة والقهر والتدبير في حياة الإنسان: * {أية : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات! }. * {أية : الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه ـ يحفظونه ـ من أمر الله، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال }.. تفسير : * {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}.. {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد. ولقد استهزىء برسل من قبلك، فأمليت للذين كفروا، ثم أخذتهم، فكيف كان عقاب}.. * {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟ والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب}. * {وقد مكر الذين من قبلهم، فلله المكر جميعاً، يعلم ما تكسب كل نفس، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار!}. وهكذا يحشد المنهج القرآني هذه الشواهد والدلائل في التاريخ البشري؛ ويحيلها إلى مؤثرات وموحيات، تخاطب الكينونة البشرية بجملتها في تناسق واتساق. ونقف من هذا الحشد على معلم من معالم هذا المنهج في الدعوة إلى الله ـ على بصيرة ـ دعوة تخاطب الكينونة البشرية بجملتها، ولا تخاطب فيها جانباً واحداً من قواها المدركة.. جانب الفكر والذهن، أو جانب الإلهام والبصيرة، أو جانب الحس والشعور.. وهذا القرآن ينبغي أن يكون هو كتاب هذه الدعوة، الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله، قبل الاتجاه إلى أي مصدر سواه. والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس، وكيف يوقظون القلوب الغافية، وكيف يحيون الأرواح الخامدة. إن الذي أوحى بهذا القرآن هو الله، خالق هذا الأنسان، العليم بطبيعة تكوينه، الخبير بدروب نفسه ومنحنياتها.. وكما أن الدعاة إلى الله يجب أن يتبعوا منهج الله في البدء بتقرير ألوهية الله ـ سبحانه ـ وربوبيته وحاكميته وسلطانه؛ فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق ـ على ذلك النحو ـ كما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة لله وحده، والاعتراف بربوبيته المتفردة وسلطانه.. ولتعريف الناس بربهم الحق، ونفي كل شبهة شرك، يعنى المنهج القرآني ببيان طبيعة الرسالة، وطبيعة الرسول.. ذلك أن انحرافات كثيرة في التصور الاعتقادي جاءت لأهل الكتاب من قبل، من جراء الخلط بين طبيعة الألوهية وطبيعة النبوة ـ وبخاصة في العقائد النصرانية ـ حيث خلعت على عيسى ـ عليه السلام ـ خصائص الألوهية وخصائص الربوبية؛ ودخل أتباع شتى الكنائس في متاهة من الخلافات العقيدية المذهبية بسبب ذلك الخلط المنافي للحقيقة. ولم تكن عقائد النصارى وحدهم هي التي دخلت في تلك المتاهة؛ فقد خبطت شتى الوثنيات في ذلك التيه؛ وتصورت للنبوة صفات غامضة؛ بعضها يصل بين النبوة والسحر! وبعضها يصل بين النبوة والتنبؤات الكشفية! وبعضها يصل بين النبوة والجن والأرواح الخفية! وكثير من هذه التصورات كان يخالج الوثنية العربية.. من أجل هذا كان بعضهم يطلب من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينبئهم بالغيب! وبعضهم كان يقترح أن يصنع لهم خوارق مادية معينة! كما أنهم كانوا يرمونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه ساحر، وبأنه "مجنون" ـ أي على صلة بالجن! ـ بعضهم كان يطلب أن يكون معه ملك... إلى آخر هذه المقترحات والتحديات والاتهامات التي كانت متلبسة بالتصورات الوثنية عن طبيعة النبي وطبيعة النبوة! ولقد جاء هذا القرآن ليجلي الحقيقة كاملة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي؛ وعن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول؛ وعن حقيقة الألوهية المتمثلة في الله وحده ـ سبحانه ـ وحقيقة العبودية التي تشمل كل ما خلق الله وكل من خلق؛ ومنهم أنبياء الله ورسله؛ فهم عباد صالحون؛ وليسوا خلقاً آخر غير البشر؛ وليس لهم من خصائص الألوهية شيء؛ وليسوا على اتصال بعوالم الجن والخفاء المسحور! إنما هو الوحي من الله ـ سبحانه ـ وليس لهم وراءه شيء من القدرة على الخوارق ـ إلا بإذن الله حين يشاء ـ فهم بشر من البشر، وقع عليهم الاختيار، وبقيت لهم بشريتهم وعبوديتهم لله ـ سبحانه ـ كبقية خلق الله. وفي هذه السورة نماذج من تجلية طبيعة النبوة والرسالة؛ وحدود النبي والرسول؛ وتخليص العقول والأفكار من رواسب الوثنيات كلها؛ وتحريرها من تلك الأساطير التي أفسدت عقائد أهل الكتاب من قبل؛ وردتها إلى الوثنية بأوهامها وأساطيرها! وقد كانت تلك التجلية تواجه تحديات المشركين الواقعية؛ ولم تكن جدلاً ذهنياً، ولا بحثاً فلسفياً "ميتافيزيقياً"... كانت "حركة" تواجه "الواقع" وتجاهده مجاهدة واقعية: * {أية : ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد }.. تفسير : * {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! قل: إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب}.. * {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمـن، قل: هو ربي، لا إلـه إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب}.. * {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، لكل أجل كتاب}.. * {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}.. وهكذا تتجلى طبيعة الرسالة وحدود الرسول.. إنما هو منذر، ليس عليه إلا البلاغ وليس له إلا أن يتلو ما أوحي إليه، وما كان له أن يأتي بخارقة إلا بإذن لله. ثم هو عبد لله، الله ربه، وإليه متابه ومآبه؛ وهو بشر من البشر يتزوج وينسل؛ ويزاول بشريته كاملة بكل مقتضيات البشرية؛ كما يزاول عبوديته لله كاملة بكل مقتضيات العبودية.. وبهذه النصاعة الكاملة في العقيدة الإسلامية تنتهي تلك الأوهام والأساطير المهِّومة في الفضاء والظلام، حول طبيعة النبوة وطبيعة النبي، وتخلص العقيدة من تلك التصورات المحيرة التي حفلت بها العقائد الكنسية كما حفلت بها شتى العقائد الوثنية؛ والتي قضت على "المسيحية" منذ القرن الأول لها أن تكون إحدى العقائد الوثنية في طبيعتها وحقيقتها، بعد ما كانت عقيدة سماوية على يد المسيح عليه السلام؛ تجعل المسيح عبداً لله؛ لا يأتي بآية إلا بإذن الله. ولا ننتهي من هذه الوقفة قبل أن نلم بتلك اللفته البارزة في قوله تعالى: {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}.. إن هذا القول إنما يقال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرسول الذي أوحي إليه من ربه. وكلف مخاطبة الناس بهذه العقيدة.. وخلاصة هذا القول: إن أمر هذا الدين ليس إليه هو، ومآل هذه الدعوة ليس من اختصاصه! إنما عليه البلاغ وليس عليه هداية الناس. فالله وحده هو الذي يملك الهداية. سواء حقق الله بعض وعده له من مصير القوم أو أدركه الأجل قبل تحقيق وعد الله، فهذا أو ذاك لا يغير من طبيعة مهمته.. البلاغ.. وحسابهم بعد ذلك على الله.. وليس بعد هذا تجريد لطبيعة الداعية وتحديد لمهمته. فواجبه محدد، والأمر كله في هذه الدعوة وفي كل شيء آخر لله. بذلك يتعلم الدعاة إلى الله أن يتأدبوا في حق الله! إنه ليس لهم أن يستعجلوا النتائج والمصائر.. ليس لهم أن يستعجلوا هداية الناس، ولا أن يستعجلوا وعد الله ووعيده للمهتدين وللمكذبين.. ليس لهم أن يقولوا: لقد دعونا كثيراً فلم يستجب لنا إلا القليل؛ أو لقد صبرنا طويلاً فلم يأخذ الله الظالمين بظلمهم ونحن أحياء!.. إنْ عليهم البلاغ.. أما حساب الناس في الدنيا أو في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد. إنما هو من شأن الله! فينبغي ـ تأدباً في حق الله واعترافاً بالعبودية له ـ أن يترك له سبحانه، يفعل فيه ما يشاء ويختار.. والسورة مكية.. من أجل ذلك تحدد فيها وظيفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "بالبلاغ".. ذلك أن "الجهاد" لم يكن بعد قد كتب. فأما بعد ذلك فقد أمر بالجهاد ـ بعد البلاغ ـ وهذا ما تنبغي ملاحظته في الطبيعة الحركية لهذا الدين. فالنصوص فيه نصوص حركية؛ مواكبه لحركة الدعوة وواقعها؛ وموجهة كذلك لحركة الدعوة وواقعها.. وهذا ما تغفل عنه كثرة "الباحثين" في هذا الدين في هذا الزمان. وهم يزاولون "البحث" ولا يزاولون "الحركة" فلا يدركون ـ من ثم ـ مواقع النصوص القرآنية، وارتباطها بالواقع الحركي لهذا الدين! وكثيرون يقرأون مثل هذا النص: {إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} ثم يأخذون منه أن مهمة الدعاة إلى الله تنتهي عند البلاغ. فإذا قاموا "بالتبليغ" فقد أدوا ما عليهم!.. أما "الجهاد"! فلا أدري ـ والله ـ أين مكانه في تصور هؤلاء! كما أن كثيرين يقرأون مثل هذا النص، فلا يلغون به الجهاد، ولكن يقيدونه!.. دون أن يفطنوا إلى أن هذا نص مكي نزل قبل فرض الجهاد. ودون أن يدركوا طبيعة ارتباط النصوص القرآنية بحركة الدعوة الإسلامية. ذلك أنهم هم لا يزاولون الحركة بهذا الدين؛ إنما هم يقرأونه في الأوراق وهم قاعدون! وهذا الدين لا يفقهه القاعدون. فما هو بدين القاعدين! على أن "البلاغ" يظل هو قاعدة عمل الرسول، وقاعدة عمل الدعاة بعده إلى هذا الدين. وهذا البلاغ هو أول مراتب الجهاد. فإنه متى صح، واتجه إلى تبليغ الحقائق الأساسية في هذا الدين قبل الحقائق الفرعية.. أي متى اتجه إلى تقرير الألوهية والربوبية والحاكمية لله وحده منذ الخطوة الأولى؛ واتجه إلى تعبيد الناس لله وحده، وقصر دينونتهم عليه وخلع الدينونة لغيره.. فإن الجاهلية لا بد أن تواجه الدعاة إلى الله، المبلغين التبليغ الصحيح، بالإعراض والتحدي، ثم بالإيذاء والمكافحة.. ومن ثم تجئ مرحلة الجهاد في حينها، نتاجاً طبيعياً للتبليغ الصحيح لا محالة {أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين، وكفى بربك هادياً ونصيراً }.. تفسير : هذا هو الطريق.. وليس هنالك غيره من طريق! ثم نقف من السورة أمام معلم آخر، وهي تقرر كلمة الفصل في العلاقة بين اتجاه "الإنسان" وحركته وبين تحديد مآله ومصيره؛ وتقرير أن مشيئة الله به إنما تتحقق من خلال حركته بنفسه؛ وذلك مع تقرير أن كل حدث إنما يقع ويتحقق بقدر من الله خاص.. ومجموعة النصوص الخاصة بهذا الموضوع في السورة كافية بذاتها لجلاء النظرة الإسلامية في هذه القضية الخطيرة.. وهذه نماذج منها كافية: * {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال}.. * {للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به، أولـئك لهم سوء الحساب، ومأواهم جهنم وبئس المهاد}.. * {قل: إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.. * {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً؟!}.. * {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل، ومن يضلل الله فما له من هاد}.. وواضح من النص الأول من هذه النصوص أن مشيئة الله في تغيير حال قوم إنما تجري وتنفذ من خلال حركة هؤلاء القوم بأنفسهم، وتغيير اتجاهها وسلوكها تغييراً شعورياً وعملياً. فإذا غير القوم ما بأنفسهم اتجاهاً وعملاً غير الله حالهم وفق ما غيروا هم من أنفسهم.. فإذا اقتضى حالهم أن يريد الله بهم السوء مضت إرادته ولم يقف لها أحد، ولم يعصمهم من الله شيء، ولم يجدوا لهم من دونه ولياً ولا نصيراً. فأما إذا هم استجابوا لربهم، وغيروا ما بأنفسهم بهذه الاستجابة، فإن الله يريد بهم الحسنى، ويحقق لهم هذه الحسنى في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما جميعاً، فإذا لم يستجيبوا أراد بهم السوء، وكان لهم سوء الحساب، ولم تغن عنهم فدية إذا جاءوه ـ غير مستجيبين ـ يوم الحساب! وواضح من النص الثاني أن الاستجابة أو عدم الاستجابة راجعة إلى اتجاههم وحركتهم؛ وأن مشيئة الله بهم إنما تتحقق من خلال هذه الحركة وذلك الاتجاه. أما النص الثالث فإن مطلعه يتحدث عن طلاقة مشيئة الله في إضلال من يشاء. ولكن عقب النص: { ويهدي إليه من أناب.. الخ} يقرر أن الله ـ سبحانه ـ يقضي بالهدى لمن ينيب إليه؛ فيدل هذا على أنه إنما يضل من لا ينيب ومن لا يستجيب، ولا يضل منيباً ولا مستجيباً. وذلك وفق وعده سبحانه في قوله: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.تفسير : فهذه الهداية وذلك الإضلال هما مقتضى مشيئته سبحانه بالعباد. هذه المشيئة التي تجري وتتحقق من خلال تغيير العباد ما بأنفسهم، والاتجاه إلى الاستجابة أو الإعراض. والنص الرابع يقرر أن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً.. وفي ظل مجموع النصوص يتضح أن المقصود هو أنه لو شاء سبحانه لخلق الناس باستعداد واحد للهدى، أو لقهرهم على الهدى. ولكنه ـ سبحانه ـ شاء أن يخلقهم كما خلقهم مستعدين للهدى أو للضلال؛ ولم يشأ بعد ذلك أن يقهرهم على الهدى ولا أن يقهرهم على الضلال ـ حاشاه! ـ إنما جعل مشيئته بهم تجري من خلال استجابتهم أو عدم استجابتهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان. أما النص الخامس فيقرر أن الذين كفروا زُين لهم مكرهم وصُدوا عن السبيل.. وأخذ أمثال هذا النص بمفرده هو الذي ساق إلى الجدل المعروف في تاريخ الفكر الإسلامي حول الجبر والاختيار.. أما أخذه مع مجموعة النصوص ـ كما رأينا ـ فإنه يعطي التصور الشامل: وهو أن هذا التزيين وهذا الصد عن السبيل، إنما كان من جراء الكفر وعدم الاستجابة لله. أي من جراء تغيير الكفار ما بأنفسهم إلى ما يقتضي أن تجري مشيئة الله فيهم بالتزيين والصد والإضلال. وتبقى تكملة لا بد منها لجلاء هذا الموضوع الذي كثر فيه الجدل في جميع الملل.. ذلك أن اتجاه الناس بأنفسهم لا يوقع بذاته مصائرهم. فهذه المصائر أحداث لا ينشئها إلا قدر الله؛ وكل حادث في هذا الكون إنما ينشأ ويقع ويتحقق بقدر من الله خاص؛ تتحقق به إرادته وتتم به مشيئته: {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}..تفسير : وليست هنالك آلية في نظام الكون كله، ولا حتمية أسباب تنشئ بذاتها آثاراً. فالسبب كالأثر كلاهما مخلوق بقدر.. وكل ما يصنعه اتجاه الناس بأنفسهم هو أن تجري مشيئة الله بهم من خلال هذا الاتجاه، أما جريان هذه المشيئة وآثاره الواقعية فإنما يتحقق بقدر من الله خاص بكل حادث: {أية : وكل شيء عنده بمقدار }. تفسير : وهذا التصور ـ كما أسلفنا عند مواجهة النص في سياق السورة ـ يزيد من ضخامة التبعة الملقاة على هذا الكائن الإنساني؛ بقدر ما يجلو من كرامته في نظام الكون كله. فهو وحده المخلوق الذي تجري مشيئة الله به من خلال اتجاهه وحركته.. وما أثقلها من تبعة! وما أعظمها كذلك من كرامة! وفي السورة كلمة الفصل كذلك في دلالة الكفر وعدم الاستجابة لهذا الحق الذي جاء به هذا الدين، على فساد الكينونة البشرية، وتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية فيها، واختلال طبيعتها وخروجها عن سوائها. فما يمكن أن تكون هناك بنية إنسانية سوية، غير مطموسة ولا معطلة ولا مشوهة؛ ثم يعرض عليها هذا الحق، ويبين لها بالصورة التي بينها المنهج القرآني؛ ثم لا تستجيب لهذا الحق بالإيمان والإسلام. والفطرة الإنسانية بطبيعتها مصطلحة على هذا الحق في أعماقها؛ فإذا صُدت عنه فإنما يصدها صاحبها لآفة تجعله يختار لنفسه غير هذا الهدى؛ وتجعله بذلك مستحقاً للضلال، ومستحقاً للعذاب، كما قال الله سبحانه في السورة الأخرى؛ {أية : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين }.. تفسير : وفي هذه السورة ترد أمثال هذه الآيات الدالة على طبيعة الكفر فتقرر أنه عمىً وانطماس بصيرة، وأن الهدى دلالة على سلامة الكينونة البشرية من هذا العمى، ودلالة على سلامة القوى المدركة فيها؛ وأن في صفحة هذا الكون من الدلائل ما يبين عن الحق لمن يتفكرون ولمن يعقلون: * {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولوا الألباب. الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، ويدرءون بالحسنة السيئة أولـئك لهم عقبى الدار...}. * {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! قل: إن الله يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب}.. * {أية : وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين. يغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }.. تفسير : وهكذا يتقرر أن الذين لا يستجيبون لهذا الحق هم ـ بشهادة الله سبحانه ـ عُمْي. وأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون. وأن الذين يستجيبون له هم أولو الألباب، وهؤلاء تطمئن قلوبهم بذكر الله، وتتصل بما هي عارفة له ومصطلحة عليه بفطرتها العميقة، فتسكن وتستريح. وإن الإنسان ليجد مصداق قول الله هذا في كل من يلقاه من الناس معرضاً عن هذا الحق الذي تضمنه دين الله، والذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول الله.. فإن هي إلا جبلات مؤوفة مطموسة. وإن هي إلا كينونات معطلة في أهم جوانبها بحيث لا تتلقى إيقاعات هذا الوجود كله من حولها، وهو يسبح بحمد ربه؛ وينطق بوحدانيته وقدرته وتدبيره وتقديره. وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عُمياً ـ بشهادة الله سبحانه ـ فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول الله، ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند الله.. لا ينبغي لمسلم يزعم هذا الزعم أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى! وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقاً بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان؛ أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته؛ أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه.. وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر ـ غير الإسلامي ـ بجملته ـ فيما عدا المادية البحته وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: "حديث : أنتم أعلم بشؤون دنياكم"تفسير : .فإنه ما ينبغي قط لمسلم يعرف هدى الله ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول الله، أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى ولم يعلم أنه الحق.. فهو أعمى بشهادة الله سبحانه.. ولن يرد شهادة الله مسلم.. ثم يزعم بعد ذلك أنه مسلم!!! إنه لا بد لنا أن نأخذ هذا الدين مأخذ الجد؛ وأن نأخذ تقريراته هذه مأخذ الجزم.. وكل تميع في مثل هذه القضية هو تميع في العقيدة ذاتها؛ إن لم يكن هو رد شهادة الله ـ سبحانه ـ وهو الكفر البواح في هذه الصورة! وأعجب العجب أن ناساً من الناس اليوم يزعمون أنهم مسلمون؛ ثم يأخذون في منهج الحياة البشرية عن فلان وفلان من الذين يقول عنهم الله سبحانه: إنهم عمي. ثم يظلون يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون! إن هذا الدين جد لا يحتمل الهزل، وجزم لا يحتمل التميع، وحق في كل نص فيه وفي كل كلمة.. فمن لم يجد في نفسه هذا الجد وهذا الجزم وهذه الثقة فما أغنى هذا الدين عنه. والله غني عن العالمين! وما يجوز أن يثقل الواقع الجاهلي على حس مسلم، حتى يتلقى من الجاهلية في منهج حياته؛ وهو يعلم أن ما جاءه به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الحق؛ وأن الذي لا يعلم أن هذا هو الحق {أعمى}. ثم يتبع هذا الأعمى، ويتلقى عنه، بعد شهادة الله سبحانه وتعالى.. وأخيراً نقف أمام المعلم الأخير من المعالم التي تقيمها هذه السورة لهذا الدين.. إن هناك علاقة وثيقة بين الفساد الذي يصيب حياة البشر في هذه الأرض وبين ذلك العمى عن الحق الذي جاء من عند الله لهداية البشر إلى الحق والصلاح والخير. فالذين لا يستجيبون لعهد الله على الفطرة، ولا يستجيبون للحق الذي جاء من عنده ويعلمون أنه وحده الحق.. هم الذين يفسدون في الأرض؛ كما أن الذين يعلمون أنه الحق ويستجيبون له هم الذين يصلحون في الأرض، وتزكو بهم الحياة: * {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولوا الألباب. الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب. والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، ويدرأون بالحسنة السيئة، أولـئك لهم عقبى الدار..}.. * {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، أولـئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}.. إن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الحق. ومن ثم يوفون بعهد الله على الفطرة، وبعهد الله على آدم وذريته، أن يعبدوه وحده، فيدينوا له وحده، ولا يتلقوا عن غيره، ولا يتبعوا إلا أمره ونهيه. ومن ثم يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم فيخافون أن يقع منهم ما نهى عنه وما يغضبه؛ ويخافون سوء الحساب، فيجعلون الآخرة في حسابهم في كل حركة؛ ويصبرون على الاستقامة على عهد الله ذاك بكل تكاليف الاستقامة؛ ويقيمون الصلاة؛ وينفقون مما رزقهم الله سراً وعلانية؛ ويدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان.. إن حياة الناس في الأرض لا تصلح إلا بمثل هذه القيادة المبصرة؛ التي تسير على هدى الله وحده؛ والتي تصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه.. إنها لا تصلح بالقيادات الضالة العمياء، التي لا تعلم أن ما أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الحق وحده؛ والتي تتبع ـ من ثم ـ مناهج أخرى غير منهج الله الذي ارتضاه للصالحين من عباده.. إنها لا تصلح بالإقطاع والرأسمالية، كما أنها لا تصلح بالشيوعية والاشتراكية العلمية!.. إنها كلها من مناهج العُمْي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو وحده الحق، الذي لا يجوز العدول عنه، ولا التعديل فيه.. إنها لا تصلح بالثيوقراطية كما أنها لا تصلح بالديكتاتورية أو الديمقراطية! فكلها سواء في كونها من مناهج العُمي، الذين يقيمون من أنفسهم أرباباً من دون الله، تضع هي مناهج الحكم ومناهج الحياة، وتشرع للناس ما لم يأذن به الله؛ وتعبدهم لما تشرع، فتجعل دينونتهم لغير الله.. وآية هذا الذي نقوله ـ استمداداً من النص القرآني ـ هو هذا الفساد الطامي الذي يعم وجه الأرض اليوم في جاهلية القرن العشرين. وهو هذه الشقوة النكدة التي تعانيها البشرية في مشارق الأرض ومغاربها.. سواء في ذلك أوضاع الإقطاع والرأسمالية، وأوضاع الشيوعية والاشتراكية العلمية!.. وسواء في ذلك أشكال الديكتاتورية في الحكم أو الديمقراطية! إنها كلها سواء فيما تلقاه البشرية من خلالها من فساد ومن تحلل ومن شقاء ومن قلق.. لأنها كلها سواء من صنع العُمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد من ربه هو الحق وحده؛ ولا تلتزم ـ من ثم ـ بعهد الله وشرعه؛ ولا تستقيم في حياتها على منهجه وهديه. إن المسلم يرفض ـ بحكم إيمانه بالله وعلمه بأن ما أنزل على محمد هو الحق ـ كل منهج للحياة غير منهج الله؛ وكل مذهب اجتماعي أو اقتصادي؛ وكل وضع كذلك سياسي؛ غير المنهج الوحيد، والمذهب الوحيد، والشرع الوحيد الذي سنه الله وارتضاه للصالحين من عباده. ومجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله؛ فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه. إن هذا الاعتراف فوق أنه يخالف بالضرورة مفهوم الإسلام الأساسي، فهو في الوقت ذاته يسلم الخلافة في هذه الأرض للعُمي الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.. فهذا الفساد في الأرض مرتبط كل الارتباط بقيادة العُمي!.. ولقد شقيت البشرية في تاريخها كله؛ وهي تتخبط بين شتى المناهج وشتى الأوضاع وشتى الشرائع بقيادة أولئك العُمي، الذين يلبسون أردية الفلاسفة والمفكرين والمشرعين والسياسيين على مدار القرون. فلم تسعد قط؛ ولم ترتفع "إنسانيتها" قط، ولم تكن في مستوى الخلافة عن الله في الأرض قط، إلا في ظلال المنهج الرباني في الفترات التي فاءت فيها إلى ذلك المنهج القويم. هذه بعض المعالم البارزة في هذه السورة، وقفنا عندها هذه الوقفات التي لا تبلغ مداها، ولكنها تشير إليها. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله..

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة { أية : للذين استجابوا لربهم الحسنى } تفسير : الآية [سورة الرعد: 13]. فالكلام لنفي استواء المؤمن والكافر في صورة الاستفهام تنبيهاً على غفلة الضالّين عن عدم الاستواء، كقوله: { أية : أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون } تفسير : [سورة السجدة: 18]. واستعير لمن لا يعلم أنّ القرآن حق اسمُ الأعمى لأنه انتفى علمه بشيء ظاهر بيّن فأشبه الأعمى، فالكاف للتشابه مستعمل في التماثل. والاستواء المراد به التماثل في الفضل بقرينة ذكر العَمَى. ولهذه الجملة في المعنى اتصال بقوله في أول السورة { أية : والذي أنزل إليك من ربك الحق} تفسير : [سورة الرعد: 1] إلى {أية : يؤمنون } تفسير : [سورة الرعد: 1]. وجملة {إنما يتذكر أولوا الألباب} تعليل للإنكار الذي هو بمعنى الانتفاء بأن سبب عدم علمهم بالحق أنهم ليسوا أهلاً للتذكر لأن التذكر من شعار أولي الألباب، أي العقول. والقصر بــــ {إنما} إضافي، أي لا غيرُ أولي الألباب، فهو تعريض بالمشركين بأنهم لا عقول لهم إذ انتفت عنهم فائدة عقولهم. والألباب: العقول. وتقدم في آخر سورة آل عمران.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كمن هو أعمى: أي لا يرى الحق ولا يعلمه ولا يؤمن به. أولوا الألباب: أي أصحاب العقول. يصلون ما أمر الله به أن يوصل: أي من الإِيمان والتوحيد والأرحام. ويدرءون بالحسنة: أي يدفعون بالحلم الجهل، وبالصبر الأذى. عقبى الدار: أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة. جنات عدن: أي جنات إقامة دائمة. معنى الآيات: لقد تضمنت هذه الآيات مقارنة ومفاضلة بين شخصيتين: الأولى شخصية مؤمن صالح كحمزة بن عبدالمطلب والثانية شخصية كافر فاسد كأبي جهل المخزومي وبين ما لهما من جزاء في الدار الآخرة، مع ذكر صفات كل منهما، تلك الصفات المقتضية لجزائهما في الدار الآخرة قال تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} فيؤمن به بعد العلم ويستقيم على منهجه في عقيدته وعبادته ومعاملاته وسلوكه كله. هذه الشخصية الأولى {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} لم يعلم الحق ولم يؤمن به ولم يعمل بما أنزل إلى الرسول من الشرع. والجواب قطعاً أنهما لا يستويان ولا يكونان في ميزان العدل والحق متساويين وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي يتعظ بمثل هذه المقارنة أصحاب العقول المدركة للحقائق، والمفرقة بين المتضادّات كالحق والباطل والخير والشر والنافع والضار. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ} هذا مشروع في بيان صفاتهم المقتضية إنعامهم وإكرامهم نذكر لهم ثماني صفات هي كالتالي: (1) الوفاء بالعهود وعدم نقضها: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} إذ لا دين لمن لا عهد له. (2) وصل ما أمر الله به أن يوصل من الإِيمان والإِسلام والإِحسان والأرحام: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}. (3) خشية الله المقتضية لطاعته: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}. (4) الخوف من سوء الحساب يوم القيامة المقتضي لمحاسبة النفس على الصغيرة والكبيرة: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. (5) الصبر طلبا لمرضاة الله على الطاعات وعن المعاصي، وعلى البلاء: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ}. (6) إقامة الصلاة وهي أداؤها في أوقاتها جماعة بكامل الشروط والأركان والسنن والآداب: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}. (7) الانفاق مما رزقهم الله في الزكاة والصدقات الواجبة والمندوبة: {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}. (8) دفع السيئة بالحسنة فيدرءون سيئة الجهل عليهم بحسنة الحلم، وسيئة الأذى بحسنة الصبر. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} اي العاقبة المحمودة وفسرها بقوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي إقامة لا ظعن منها يدخلونها هم {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} والصلاح هنا الإِيمان والعمل الصالح. وقوله: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} هذا عند دخولهم الجنة تدخل عليهم الملائكة تهنئهم بسلامة الوصول وتحقيق المأمول وتسلم عليهم قائلة: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} أي بسبب صبركم والإِيمان والطاعة {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. هذه تهنئة الملائكة لهم وأعظم بها تهنئة وأبرك بها بركة اللهم اجعلني منهم ووالدي وأهل بيتي والمسلمين أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- المؤمن حيّ يبصر ويعلم ويعمل والكافر ميت أعمى لا يعلم ولا يعمل. 2- الاتعاظ بالمواعظ يحصل لذي عقل راجح سليم. 3- فضل هذه الصفات الثمانية المذكورة في هذه الآيات. أولها الوفاء بعهد الله وآخرها درء السيئة بالحسنة. 4- تفسير عقبى الدار وأنها الجنة. 5- بيان أن الملائكة تهنئ أهل الجنة عند دخولهم وتسلم عليهم.

القطان

تفسير : يدرأون: يدفعون عن انفسهم. جنات عدن: جنات الاقامة. لهم عقبى الدار: خاتمة مكانهم الجنة وهي سعادة الدنيا والآخرة. {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}. لا يستوي المهتدي والضالُّ، فالّذي يعلم ان الوحَي حق، وإن اللهَ تعالى الذي اصطفاكَ أنزلَ إليك هذا الوحيَ - مهتدٍ وبصير، والذي كذّب وعاند فهو أعمى ضال. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. انما يؤمنُ ويعتبر بهذه الأمثالِ ويتّعظُ بها، أهلُ العقول السليمة التي تفكّر وتُبصِر. ومن ثم بيّن أولي الألباب فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ}. هؤلاء هم أولو الالبابِ، فهم الّذين آمنوا بربِّهم وعَقَدوا الميثاقَ بينَهم وبينَه على أن يقوموا بأوامرِه ويبتعدِوا عن كلِّ ما خالفَ الشرع، ولا ينقضون هذا العهد. {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. ومن صفاتِ أولي الألباب: انهم يَصِلون الرَّحمَ ويُعاملون الأقاربَ بالمودَّةِ والحسنى ويُحسِنون الى الناس بقدْرِ ما يستطيعون، ويُعينون المحتاجَ، ويكونون في خدمة دينِهم وأُمّتهم ووطنهم، كل ذلك ضِمنَ خشية الله، ومخافةِ العقاب. {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. وكذلك من صفات أولي الألباب: أنهم ثَبَتوا على العهد، فصَبروا على أداءِ التكاليف والواجبات وصبروا في خِدمة الناسِ ما استطاعوا، لا يُريدون في ذلك كلِّه إلا وجهَ الله، وأدَّوا الصلاةَ أتمَّ أداء، وأنفقوا من أموالِهم وجاهِهم في سبيلِ الله في السرِّ والعلَن، ويقابلون الاساءةَ بالإحسان. {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّار}. هؤلاء الّذين تحلَّوا بكلَّ هذه الصفاتِ هم أولو الألبابِ ولهم سعادةُ الدارَين. {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. أولئك الّذين وصفْناهم بتلكَ المحاسنِ لهم عقبى الدار: جناتُ عَدْنٍ للإقامة الدائمة والخلودِ، وفي هذه الجنات يأتَلِفُ شَمْلُهم مع الصالحين من آبائِهم وأزواجِهم وذريّاتم، فيجتمع الأحبابُ ويتلاقون في جوٍّ من السعادة، وترحِّبُ بهم الملائكةُ ويدخلون عليهم بالتحيةِ والإكرام من كلّ باب قائلين لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّار}. {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ}. بعد ان بين الله تعالى صفاتِ المتقين، وما أعَدَّ لهم عندَه في دارِ الكرامة، بيَّن هنا حالَ المكذِّبين الجاحدين وما ينتظرُهم من العذابِ وأن مقرَّهُم النارُ، فهذه الصفاتُ التي وصفَ بها أولئك الأشقياءَ هي السببُ في خُسرانهم. إنّهم الّذِين لا عهدٌ لهم ولا ميثاق، ولا إيمان، ولا يَصِلون أرحامهم، وليس لأحدٍ عندهم نفعٌ ولا رجاءٌ، يعيشون لأنفسِهم ولا يعلمون أن الدنيا أخذٌ وعطاء، ومع كلِ هذا فهم مفسدون في الأرض فلهم اللعنةُ وسوءُ العاقبة في جهنم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلُواْ} {ٱلأَلْبَابِ} (19) - لا يَسْتَوِي المُهْتَدِي مِنَ النَّاسِ، الذِي يَعْلَمُ أَنَّ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الحَقُّ، الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ، مَعَ الضَّالِّ، الذِي لاَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ يَكُونُ كَالأَعْمَى لاَ يَهْتَدِي إِلى خَيْرٍ، وَلا يَفْهَمُهُ، وَلَوْ فَهِمَهُ مَا انْقَادَ إِلَيهِ، وَلا صَدَّقَ بِهِ وَلاَ انْتَفَعَ. فَالذِينَ يَتَّعِظُونَ وَيَعْتَبِرُونَ هُمْ أَصْحَابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَالبَصَائِرِ المُدْرِكَةِ (أُولُو الأَلْبَابِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمؤمن هو مَنْ يعلم أن القرآن الحامل للمنهج هو الذي أنزله سبحانه على رسوله؛ ولا يمكن مقارنته بالكافر وهو الموصوف هنا من الحق سبحانه: {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} [الرعد: 19]. وجاء هنا بـ"علم" و"عمى"؛ لأن الآيات الدالة على القدرة من المرئيات. ويقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الرعد: 19]. أي: أصحاب العقول القادرة على التدبُّر والتفكُّر والتمييز. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك عن أولي الألباب: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} معناهُ العُقولُ، واحدُها لُبٌّ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} [الرعد: 19] يشير به إلى أنه العالم بحقيقة نزول الو حي من الله هو البصير بنور الله والجاهل بحقيقته هو الأعمى، وهما لا يستويان {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} [الرعد: 19] حقيقة هذا المعنى {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الرعد: 19] وهم المستخرجة عقولهم عن قشور آنات الحواس والوهم والخيال المؤيدة، فيجل أنوار الجمال والجلال. ثم شرح أحوالهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} [الرعد: 20] أي: الذين عاهدهم الله على أن يحبهم ويحبونه، فأوفوا بعهده وما أحبوا غيره {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] الذي جرى بينهم إذ أخرجهم عن ظهر آدم، وعاهدهم على التوحيد والعبودية كقوله: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}تفسير : [يس: 60]، فالعهد عهدان: عهد المحبة وهو للخواص، وعهد العبودية وهو للعوام، فأهل عهد المحبة ما نقضوا عهودهم أبداً، وأهل عهد العبودية من كان عهدهم مؤكداً بعهد المحبة ما نقضوه أيضاً، ومن لم يكن عهدهم مؤكداً نقضوه. ثم وصف الذين لم ينقضوه فقال: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21] الوصلة مع الله بصدق الطلب، والميل إليه، والانقطاع عما سواه، {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} [الرعد: 22] على الانقطاع عما سواه {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] أي: طلب الوصول إليه {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الرعد: 22] أي: أداموها؛ لأن الصلاة معراج المؤمن، وبها يصل إليه {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [الرعد: 22] أي: انفصلوا عما سواه؛ ليصلوا به {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} [الرعد: 22] أي: انقطعوا عما يشغل بواطنهم بالاشتغال إلى الله وما سواه وعما سواه؛ ليصلوا به لغير الله {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} [الرعد: 22] أي: يدفعون بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب بالأعمال، والأحوال السيئة من الواقعات والقربات. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 22]، وهي دار الوصول إلى الكمال {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [الرعد: 23] من له صلاحية الدخول فيها قريباً كان أو غريباً {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 23] تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم {مِّن كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23] دخولهم بالاستقلال على أقدام السير إلى الله بالله، ويقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 24] على صدق الطلب، بما صبرتم عن غير الله فسلمكم الله مما سواه، وبلغكم بجذبات عنايته إلى مقامات الوصول، ودرجات الوصال {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 24] التي أنزلكم فيها بقربه وجواره.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: مفرقا بين أهل العلم والعمل وبين ضدهم: { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ } ففهم ذلك وعمل به. { كَمَنْ هُوَ أَعْمَى } لا يعلم الحق ولا يعمل به فبينهما من الفرق كما بين السماء والأرض، فحقيق بالعبد أن يتذكر ويتفكر أي الفريقين أحسن حالا وخير مآلا فيؤثر طريقها ويسلك خلف فريقها، ولكن ما كل أحد يتذكر ما ينفعه ويضره. { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ } أي: أولو العقول الرزينة، والآراء الكاملة، الذين هم لُبّ العالم، وصفوة بني آدم، فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله: { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ } الذي عهده إليهم والذي عاهدهم عليه من القيام بحقوقه كاملة موفرة، فالوفاء بها توفيتها حقها من التتميم لها، والنصح فيها { و } من تمام الوفاء بها أنهم { لا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } أي: العهد الذي عاهدوا عليه الله، فدخل في ذلك جميع المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد. فلا يكون العبد من أولي الألباب الذين لهم الثواب العظيم، إلا بأدائها كاملة، وعدم نقضها وبخسها. { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } وهذا عام في كل ما أمر الله بوصله، من الإيمان به وبرسوله، ومحبته ومحبة رسوله، والانقياد لعبادته وحده لا شريك له، ولطاعة رسوله. ويصلون آباءهم وأمهاتهم ببرهم بالقول والفعل وعدم عقوقهم، ويصلون الأقارب والأرحام، بالإحسان إليهم قولا وفعلا ويصلون ما بينهم وبين الأزواج والأصحاب والمماليك، بأداء حقهم كاملا موفرا من الحقوق الدينية والدنيوية. والسبب الذي يجعل العبد واصلا ما أمر الله به أن يوصل، خشية الله وخوف يوم الحساب، ولهذا قال: { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به خوفا من العقاب ورجاء للثواب. { وَالَّذِينَ صَبَرُوا } على المأمورات بالامتثال، وعن المنهيات بالانكفاف عنها والبعد منها، وعلى أقدار الله المؤلمة بعدم تسخطها. ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة. { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } بأركانها وشروطها ومكملاتها ظاهرا وباطنا، { وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً } دخل في ذلك النفقات الواجبة كالزكوات والكفارات والنفقات المستحبة وأنهم ينفقون حيث دعت الحاجة إلى النفقة، سرا وعلانية، { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } أي: من أساء إليهم بقول أو فعل، لم يقابلوه بفعله، بل قابلوه بالإحسان إليه. فيعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويصلون من قطعهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان، فما ظنك بغير المسيء؟! { أُولَئِكَ } الذين وصفت صفاتهم الجليلة ومناقبهم الجميلة { لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } فسرها بقوله: { جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي: إقامة لا يزولون عنها، ولا يبغون عنها حولا؛ لأنهم لا يرون فوقها غاية لما اشتملت عليه من النعيم والسرور، الذي تنتهي إليه المطالب والغايات. ومن تمام نعيمهم وقرة أعينهم أنهم { يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ } من الذكور والإناث { وَأَزْوَاجِهِمْ } أي الزوج أو الزوجة وكذلك النظراء والأشباه، والأصحاب والأحباب، فإنهم من أزواجهم وذرياتهم، { وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ } يهنئونهم بالسلامة وكرامة الله لهم ويقولون: { سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي: حلت عليكم السلامة والتحية من الله وحصلت لكم، وذلك متضمن لزوال كل مكروه، ومستلزم لحصول كل محبوب. { بِمَا صَبَرْتُمْ } أي: صبركم هو الذي أوصلكم إلى هذه المنازل العالية، والجنان الغالية، { فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }. فحقيق بمن نصح نفسه وكان لها عنده قيمة، أن يجاهدها، لعلها تأخذ من أوصاف أولي الألباب بنصيب، لعلها تحظى بهذه الدار، التي هي منية النفوس، وسرور الأرواح الجامعة لجميع اللذات والأفراح، فلمثلها فليعمل العاملون وفيها فليتنافس المتنافسون.