Verse. 1727 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

الَّذِيْنَ يُوْفُوْنَ بِعَہْدِ اللہِ وَلَا يَنْقُضُوْنَ الْمِيْثَاقَ۝۲۰ۙ
Allatheena yoofoona biAAahdi Allahi wala yanqudoona almeethaqa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين يوفون بعهد الله» المأخوذ عليهم وهم في عالم الذر أو كل عهد «ولا ينقضون الميثاق» بترك الأيمان أو الفرائض.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية هل هي متعلقة بما قبلها أم لا؟ فيه قولان: القول الأول: إنها متعلقة بما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أنه يجوز أن يكون قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } صفة لأولي الألباب. والثاني: أن يكون ذلك صفةً لقوله: { أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الرعد: 19]. والقول الثاني: أن يكون قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } مبتدأ: {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } خبره كقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ... أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } تفسير : [الرعد: 25] واعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة واحدة: شرط وجزاء، وشرطها مشتمل على قيود، وجزاؤها يشتمل أيضاً على قيود. أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة: القيد الأول: قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم: { أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : والثاني: أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته وهو من وجهين: أحدهما: الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير. والآخر: التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام، والحاصل أنه دخل تحت قوله: {يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } كل ما قام الدليل عليه. ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به، إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيراً له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع. ولا يكون العبد موفياً للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون باراً في يمينه إلا إذا فعل الكل، ويدخل فيه الاتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن كل المنهيات ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، ويدخل فيه أداء الأمانات، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية. القيد الثاني: قوله: {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ } وفيه أقوال: القول الأول: وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق والعهد، وهذا مثل أن يقول: إنه لما وجب وجوده، لزم أن يمتنع عدمه، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان، فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق. واعلم أن الوفاء بالعهد من أجل مراتب السعادة. قال عليه السلام: « حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له » تفسير : والآيات الواردة في هذا الباب كثيرة في القرآن. والقول الثاني: أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل: أن قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء. وقوله: {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ } إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه: كالنذر بالطاعات والخيرات. والقول الثالث: أن المراد بالوفاء بالعهد: عهد الربوبية والعبودية، والمراد بالميثاق: المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. واعلم أن الوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع، قال عليه السلام: « حديث : من عاهد الله فغدر، كانت فيه خصلة من النفاق » تفسير : وعنه عليه السلام: « حديث : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيام، ومن كنت خصمه خصمته. رجل أعطى عهداً ثم غدر، ورجل استأجر أجيراً استوفى عمله وظلمه أجره، ورجل باع حراً فاسترق الحر وأكل ثمنـه » تفسير : وقيل: كان بين معاوية وملك الروم عهد فأراد أن يذهب إليهم وينقض العهد فإذا رجل على فرس يقول: وفاء بالعهد لا غدر. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذن إليهم عهده ولا يحلها حتى ينقضي الأمد وينبذ إليهم على سواء » تفسير : قال من هذا؟ قالوا: عمرو بن عيينة فرجع معاوية. القيد الثالث: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } وههنا سؤال: وهو أن الوفاء بالعهد وترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات فما الفائدة في ذكر هذه القيود المذكورة بعدهما؟ والجواب من وجهين: الأول: أنه ذكر لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه وبين الله تعالى فلا جرم أفرد ما بينه وبين العباد بالذكر. والثاني: أنه تأكيد. إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في تفسيره وجوهاً: الأول: أن المراد منه صلة الرحم قال عليه السلام: « حديث : ثلاث يأتين يوم القيامة لها ذلق الرحم تقول: أي رب قطعت، والأمانة تقول: أي رب تركت، والنعمة تقول: أي رب كفرت » تفسير : . والقول الثاني: أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهاد. والقول الثالث: رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان كما قال: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] ويدخل في هذه الصلة امدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. فقال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين، وأقول حاصل الكلام: أن قوله: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ } إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } إشارة إلى الشفقة على خلق الله. القيد الرابع: قوله: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } والمعنى: أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله، وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستولياً على قلبه وهذه الخشية نوعان: أحدهما: أن يكون خائفاً من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته، بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها. والثاني: وهو خوف الجلال وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة. القيد الخامس: قوله: {وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ } اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية وسوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار. القيد السادس: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ } فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار، والغموم والأحزان، والصبر على ترك المشتهيات وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات. ثم إن الإنسان قد يقدم على الصبر لوجوه: أحدها: أن يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل. وثانيها: أن يصبر لئلا يعاب بسبب الجزع. وثالثها: أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء. ورابعها: أن يصبر لعلمه بأن لا فائدة في الجزع فالإنسان إذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه لم يكن ذلك داخلاً في كمال النفس وسعادة القلب، أما إذا صبر على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام المنزه عن العيب والباطل والسفه، بل لا بد أن تكون تلك القسمة مشتملة على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ورضي بذلك، لأنه تصرف المالك في ملكه ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه أو يصبر لأنه صار مستغرقاً في مشاهدة المبلى فكان استغراقه في تجلي نور المبلى أذهله على التألم بالبلاء وهذا أعلى مقامات الصديقين، فهذه الوجوه الثلاثة هي التي يصدق عليها أنه صبر ابتغاء وجه ربه ومعناه أنه صبر لمجرد ثوابه، وطلب رضا الله تعالى. واعلم أن قوله: {ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ } فيه دقيقة، وهي أن العاشق إذا ضربه معشوقه، فربما نظر العاشق لذلك الضارب وفرح به فقوله: {ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ } محمول على هذا المجاز، يعني كما أن العاشق يرضى بذلك الضرب لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه، فكذلك العبد يصبر على البلاء والمحنة، ويرضى به لاستغراقه في معرفة نور الحق وهذه دقيقة لطيفة. القيد السابع: قوله: {وأقاموا الصلاة}. واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيهاً على كونها أشرف من سائر العبادات وقد سبق في هذا الكتاب تفسير إقامة الصلاة ولا يمتنع إدخال النوافل فيه أيضاً. القيد الثامن: قوله تعالى: {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سراً وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الأمام، وقال آخرون: بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: {سِرّا } يرجع إلى التطوع وقوله: {علانية} يرجع إلى الزكاة الواجبة. المسألة الثانية: قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان رزقاً، وذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقاً لكان قد رغب تعالى في إنفاق الحرام وأنه لا يجوز. القيد التاسع: قوله: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } وفيه وجهان: الأول: أنهم إذا أتوا بمعصية درؤها ودفعوها بالتوبة كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: « حديث : إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها » تفسير : . والثاني: أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير كما قال تعالى: { أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] وعن ابن عمر رضي الله عنهما ليس الوصول من وصل ثم وصل تلك المجازاة لكنه من قطع ثم وصل وعطف على من لم يصله، وليس الحليم من ظلم ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج، لكن الحليم من قدر ثم عفا. وعن الحسن: هم الذين إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا، ويروى أن شقيق بن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متنكراً، فقال من أين أنت؟ فقال: من بلخ، فقال: وهل تعرف شقيقاً قال نعم، فقال: كيف طريقة أصحابه؟ فقال: إذا منعوا صبروا وإن أعطوا شكروا، فقال عبد الله: طريقة كلابنا هكذا. فقال: وكيف ينبغي أن يكون فقال الكاملون: هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط. أما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة: القيد الأول: قوله: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } أي عاقبة الدار وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. قال الواحدي: العقبى كالعاقبة، ويجوز أن تكون مصدراً كالشورى والقربى والرجعى، وقد يجيء مثل هذا أيضاً على فَعلى كالنجوى والدعوى، وعلى فِعلى كالذكرى والضيزى، ويجوز أن يكون اسماً وهو ههنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة. القيد الثاني: قوله: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج: جنات عدن بدل من عقبى والكلام في جنات عدن ذكرناه مستقصى عند قوله تعالى: { أية : وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } تفسير : [التوبة:72] وذكرنا هناك مذهب المفسرين، ومذهب أهل اللغة. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {يَدْخُلُونَهَا } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله والباقون بفتح الياء وضم الخاء على إسناد الدخول إليهم. القيد الثالث: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن علية (صلح) بضم اللام قال صاحب الكشاف: والفتح أفصح. المسألة الثانية: قال الزجاج: موضع من رفع لأجل العطف على الواو في قوله {يَدْخُلُونَهَا } ويجوز أن يكون نصباً كما تقول قد دخلوا وزيداً أي مع زيد. المسألة الثالثة: في قوله: {وَمَنْ صَلَحَ } قولان: الأول: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مصلحاً في عمله فهو يدخل الجنة. واعلم أن هذه الحجة ضعيفة، لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سروراً وبهجة فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك وتقوى بهجته به، ويقال: إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون الله على الخلاص منها والفوز بالجنة ولذلك قال تعالى في صفة أهل الجنة إنهم يقولون: { أية : قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } تفسير : [يس: 26، 27]. المسألة الرابعة: قوله: {وَأَزْوٰجُهُمْ } ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روي عن سودة أنه لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك، كالدليل على ما ذكرناه. القيد الرابع: قوله: {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } على أمر الله. وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: ونعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى. واعلم أن دخول الملائكة إن حملناه على الوجه الأول فهو مرتبة عظيمة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد، ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام عند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله: {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } ولا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل حول فيقول: « حديث : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار » تفسير : والخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون، وأما إن حملناه على الوجه الثاني فتفسير الآية أن الملائكة طوائف، منهم روحانيون ومنهم كروبيون. فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الرياضات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة، ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص؛ فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر، ومن ملائكة الشكر، كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب. المسألة الثانية: تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم فكانوا به أجل مرتبة من البشر ولو كانوا أقل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجباً علو درجاتهم وشرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير والقاضي والمفتي، فهذا يدل على أن درجة ذلك المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذلك ههنا. المسألة الثالثة: قال الزجاج: ههنا محذوف تقديره الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون سلام عليكم فأضمر القول ههنا لأن في الكلام دليلاً عليه، وأما قوله: {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } ففيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بالسلام. والمعنى أنه إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات، وترك المحرمات. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، والتقدير: أن هذه الكرامات التي ترونها، وهذه الخيرات التي تشاهدونها إنما حصلت بواسطة ذلك الصبر.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} هذا من صفة ذوي الألباب، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد الله. والعهد ٱسم للجنس؛ أي بجميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصّى بها عَبيده؛ ويدخل في هذه الألفاظ التزامُ جميع الفروض، وتجنبُ جميع المعاصي. وقوله: {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} يحتمل أن يريد به جنس المواثيق، أي إذا عقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقضوه. قال قَتَادة: تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية؛ ويحتمل أن يشير إلى ميثاق بعينه، وهو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم. وقال القَفّال: هو ما ركب في عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات. الثانية: روى أبو داود وغيره حديث : عن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم» وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك (حتى قالها ثلاثاً؛ فبسطنا أيدينا فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك) فعلى ماذا نبايعك؟ قال: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتُصلّوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتُطيعوا ـ وأسرّ كلمةً خَفِيَّةً ـ قال لا تسألوا الناس شيئاً»تفسير : . قال: ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سَوْطه فما يسأل أحداً أن يناوله إيّاه. قال ابن العربي: من أعظم المواثيق في الذكر ألاّ يُسأل سواه؛ فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العبّاد سمع أن أناساً بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ يسألوا أحداً شيئاً، الحديث؛ فقال أبو حمزة: رب إن هؤلاء عاهدوا نبيّك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألاّ أسأل أحداً شيئاً؛ قال: فخرج حَاجًّا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق؛ فلما حلّ في قعره قال: أستغيث لعل أحداً يسمعني. ثم قال: إن الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله! لا تكلمت بحرف للبشر، ثم لم يلبث إلا يسيراً إذ مرّ بذلك البئر نفر، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سدّ هذا البئر؛ ثم قطعوا خشباً ونصبوها على فم البئر وغطّوها بالتراب؛ فلما رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، ثم أراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله! لا أخرج منها أبداً؛ ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس قد عاهدت مَن يراك؟ فسكَتَ وتوكّل، ثم ٱستند في قعر البئر مفكراً في أمره فإذا بالتراب يقع عليه؛ والخشب يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات يدك! قال: فأعطيته يدي فأقلّني في مرة واحدة إلى فم البئر، فخرجت فلم أر أحداً؛ فسمعت هاتفاً يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل؛ وأنشد:شعر : نَهانِي حَيائِي منكَ أن أكشفَ الهوى فأغنيتني بالعِلْمِ منكَ عن الكَشْف تَلَطَّفْتَ في أمري فأبديت شاهدي إلى غائبي واللّطفُ يُدرَكُ باللُّطْف تَراءيتَ لي بالعلم حتى كأنما تُخَبِّرُني بالغيب أنّكَ في كفِّ أَرانِي وبي من هَيْبَتي لَكَ وَحْشَةٌ فتؤنِسُني باللُّطف مِنكَ وبالعطف وتُحيِـي مُحِبًّا أنت في الحبِّ حَتْفُهُ وذا عَجبٌ كيف الحياةُ مَعَ الْحَتْفِ تفسير : قال ٱبن العربي: هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا. قال أبو الفرج الجوزيّ: سكوت هذا الرجل في هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه، وذلك لا يحلّ؛ ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي ٱستغاثته في تلك الحالة؛ كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروجَ من مكة، وٱستئجاره دليلاً، وٱستكتامه ذلك الأمر، وٱستتاره في الغار، وقوله لسُرَاقة: «حديث : اخْفِ عَنّا»تفسير : . فالتوكل الممدوح لا يُنال بفعل محظور؛ وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها الضرر، وآلة يجتلب بها النفع، فإذا عطلها مدّعياً للتوكل كان ذلك جهلاً بالتوكل، وردّاً لحكمة التواضع؛ لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله تعالى، وليس من ضرورته قطع الأسباب؛ ولو أن إنساناً جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار؛ قاله سفيان الثّوري وغيره، لأنه قد دلّ على طريق السلامة، فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه. وقال أبو الفرج: ولا التفات إلى قول أبي حمزة: «فجاء أسد فأخرجني» فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله ٱتفاقاً، وقد يكون لطفاً من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به، إنما ينكر فعله الذي هو كَسْبه، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى عنده، وقد أمره بحفظها.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ } ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد وهو تعميم بعد تخصيص.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ} وليسوا كالمنافقين الذين إِذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} من صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف، {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي: فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، ويراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} أي: عن المحارم والمآثم، ففطموا أنفسهم عنها لله عز وجل ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أي: على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات، وأجانب من فقراء ومحاويج ومساكين {سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} أي: في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال، آناء الليل وأطراف النهار {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبراً واحتمالاً، وصفحاً وعفواً؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت:34-35]، ولهذا قال مخبراً عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار، ثم فسر ذلك بقوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} والعدن الإقامة، أي: جنات إقامة يخلدون فيها، وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وقال الضحاك في قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها، رواهما ابن جرير. وقوله: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها؛ من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتناناً من الله وإحساناً من غير تنقيص للأعلى عن درجته، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21] الآية. وقوله: {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي: وتدخل عليهم الملائكة من ههنا ومن ههنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مُسَلِّمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد الحراني عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عباداً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء - قال -: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب { سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}»تفسير : ورواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشدين، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عُشّانة، سمع عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار، ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: { سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}»تفسير : وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر، سمعت رجلاً من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك، فيستأذن، فيقول للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا، فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف، رواه ابن جرير. ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال: سمعت أبا أمامة، فذكر نحوه. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم: { سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } المأخوذ عليهم وهم في عالم الذرّ أو كل عهد {وَلاَ يَنْقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ } بترك الإيمان أو الفرائض.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل}فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الرحم التي أمرهم الله تعالى بوصلها. {ويخشون ربهم}في قطعها{ويخافون سُوءَ الحساب}في المعاقبة عليها، قاله قتادة. الثاني: صلة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. الثالث: الإيمان بالنبيين والكتب كلها، قاله سعيد بن جبير. ويحتمل رابعاً: أن يصلوا الإيمان بالعمل. {ويخشون ربهم}فيما أمرهم بوصله. {ويخافون سوءَ الحساب} في تركه. قوله عز وجل:{ويدرءُون بالحسنة السيئة} فيه سبعة تأويلات: أحدها: يدفعون المنكر بالمعروف، قاله سعيد بن جبير. الثاني: يدفعون الشر بالخير، قاله ابن زيد. الثالث: يدفعون الفحش بالسلام، قاله الضحاك. الرابع: يدفعون الظلم بالعفو، قاله جويبر. الخامس: يدفعون سفه الجاهل بالحلم، حكاه ابن عيسى. السادس: يدفعون الذنب بالتوبة، حكاه ابن شجرة. السابع: يدفعون المعصية بالطاعة. قوله عز وجل:{سلام عليكم بما صبرتم}فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه بما صبرتم على أمر الله تعالى، قاله سعيد بن جبير. الثاني: بما صبرتم على الفقر في الدنيا، قاله أبو عمران الجوني. الثالث: بما صبرتم على الجهاد في سبيل الله، وهو مأثور عن عبدالله بن عمر. الرابع: بما صبرتم عن فضول الدنيا، قاله الحسن، وهو معنى قول الفضيل بن عياض. السادس: بما صبرتم عما تحبونه حين فقدتموه، قاله ابن زيد. ويحتمل سابعاً: بما صبرتم على عدم اتباع الشهوات. {فنعم عقبى الدار}فيه وجهان: أحدهما: فنعم عقبى الجنة عن الدنيا، قاله أبو عمران الجوني. الثاني: فنعم عقبى الجنة من النار، وهو مأثور.

البقاعي

تفسير : ولما منح سبحانه من فيهم أهلية التذكر بالعقول الدالة على توحيده والانقياد لأوامره، كان كأنه عهد في ذلك، فقال يصف المتذكرين بما يدل قطعاً على أنه لا لب لسواهم: {الذين يوفون} أي يوجدون الوفاء لكل شيء {بعهد الله} أي بسبب العقد المؤكد من الملك الأعلى بأوامره ونواهيه، فيفعلون كلاًّ منهما كما رسمه لهم ولا يوقعون شيئاً منهما مكان الآخر؛ والعهد: العقد المتقدم على الأمر بما يفعل أو يجتنب، والإيفاء: جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان. ولما كان الدليل العقلي محتماً للثبات عليه كما أن الميثاق اللفظي موجب للوفاء به، قال تعالى: {ولا ينقضون الميثاق *} أي الإيثاق ولا الوثاق ولا مكانه ولا زمانه؛ والنقض: حل العقد بفعل ما ينافيه ولا يمكن أن يصح معه، والميثاق: العقد المحكم وهو الأوامر والنواهي المؤكدة بحكم العقل. ولما كان أمر الله جارياً على منهاج العقل وإن كان قاصراً عنه لا يمكن نيله له من غير مرشد، قال: {والذين يصلون} أي من كل شيء على سبيل الاستمرار {ما أمر الله} أي الذي له الأمر كله؛ وقال: {به أن يوصل} دون "يوصله" ليكون مأموراً بوصله مرتين، ويفيد تجديد الوصل كلما قطعه قاطع على الاستمرار لما تظافر على ذلك من دليلي العقل والنقل؛ والوصل: ضم الثاني إلى الأول من غير فرج. ولما كان الدليل يرشد إلى أن الله تعالى مرجو مرهوب قال: {ويخشون ربهم} أي المحسن إليهم، من أن ينتقم منهم إن خالفوا بقطع الإحسان. ولما كان العقل دالاً بعد تنبيه الرسل على القدرة على المعاد بالقدرة على المبدأ، وكان الخوف منه أعظم الخوف، قال تعالى: {ويخافون} أي يوجدون الخوف إيجاداً مستمراً {سوء الحساب *} وهو المناقشة فيه من غير عفو، ومن أول السورة إلى هنا تفصيل لقوله تعالى أول البقرة{ أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : [البقرة:1] مع نظره إلى قوله آخر يوسف{أية : ما كان حديثاً يفترى} تفسير : [يوسف:111]. ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس، قال مشيراً إلى ذلك مع شموله لغيره: {والذين صبروا} أي على طاعات الله وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه، والصبر: الحبس، وهو تجرع مرارة المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز فعله {ابتغاء} أي طلب {وجه ربهم} أي المحسن إليهم، وكأنه ذكر الوجه إثارة للحياء وحثاً عليه لا ليقال: ما أجلده! ولا لأنه يعاب بالجزع، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة. ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف، خص بالذكر أشياء مما دخل في العهد والميثاق تشريفاً لها فقال: {وأقاموا الصلاة} لأنها في الوصلة بالله كالميثاق في الوصلة بالموثق له، وقال -: {وأنفقوا} وخفف عنهم بالبعض فقال: {مما رزقناهم} - لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى المقاصد، فهذا إنفاق من المال، وتلك إنفاق من القوى، وقال: {سراً وعلانية} إشارة إلى الحث على استواء الحالتين تنبيهاً على الإخلاص، ويجوز أن يكون المراد بالسر ما ينبغي فيه الإسرار كالنوافل، وبالعلانية ما يندب إلى إظهاره كالواجب إلا أن يمنع مانع، وهذا تفصيل قوله تعالى{ أية : ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} تفسير : [البقرة:3] {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 45] وقال: {ويدرؤون} أي يدفعون بقوة وفطنة {بالحسنة} أي من القول أو الفعل {السيئة} إشارة إلى ترك المجازاة أو يتبعونها إياها فتمحوها، خوفاً ورجاء وحثاً على جميع الأفعال الصالحة، فهي نتيجة أعمال البر ودرجة المقربين. ولما ختم تلك بما يدل على ما بعد الموت ترهيباً، ختم هذه بمثل ذلك ترغيباً فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة {لهم عقبى الدار *} وبينها بقوله: {جنات عدن} أي إقامة طويلة - ومنه المعدن وهي أعلى الجنان؛ ثم استأنف بيان تمكنهم فيها فقال: {يدخلونها}. ولما كانت الدار لا تطيب بدون الحبيب، قال عاطفاً على الضمير المرفوع إشارة إلى أن النسب الخالي غير نافع: {ومن صلح} والصلاح: استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل والشرع {من آبائهم} أي الذين كانوا سبباً في إيجادهم {وأزواجهم وذرياتهم} أي الذين تسببوا عنهم؛ ثم زاد في الترغيب بقوله سبحانه وتعالى: {والملائكة يدخلون عليهم} لأن الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز. ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب والإكرام، قال: {من كل باب *} يقولون لهم: {سلام عليكم} والسلام: التحية بالكرامة على انتفاء كل شائب من مضرة، وبين أن سبب هذا السلام الصبر فقال: {بما صبرتم} أي بصبركم، والذي صبرتم له، والذي صبرتم عليه، إشارة إلى أن الصبر عماد الدين كله. ولما تم ذلك. تسبب عنه قوله: {فنعم عقبى الدار *} وهي المسكن في قرار، المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها والمرافق التي ينتفع بها؛ والعقبى: الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} فعليكم بالوفاء بالعهد ولا تنقضوا الميثاق، فإن الله قد نهى عنه وقدم فيه أشد التقدمة، وذكره في بضع وعشرين آية، نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم، وإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل وأهل العلم بالله، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول في خطبته "حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ".. تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن البر والصلة، ليخففان سوء العذاب يوم القيامة" تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} يعني، من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها {ويخشون ربهم} يعني، يخافون في قطيعة ما أمر الله به أن يوصل. {ويخافون سوء الحساب} يعني شدة الحساب. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: "حديث : اتقوا الله وصلوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة" تفسير : وذكر لنا أن رجلاً من خثعم، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقال: "حديث : أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الايمان بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: صلة الرحم"تفسير : وكان عبد الله بن عمرو يقول: إن الحليم ليس من ظلم ثم حلم، حتى إذا هيجه قوم اهتاج، ولكن الحليم من قدر ثم عفا، وإن الوصول ليس من وصل ثم وصل، فتلك مجازاة، ولكن الوصول من قطع ثم وصل وعطف على من لا يصله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جرير في قوله {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا لم تمش إلى ذي رحمك برجلك، ولم تعطه من مالك، فقد قطعته ".

السلمي

تفسير : قال بعضهم: الموفون بالعهد هم القائمون له بشرط العبودية من اتباع الأمر والنهى. قال ابن عطاء: لا ينقضون ميثاق الأزل فى وقت، بلى أنه لا رب لهم غيره ولا يخافون غيره، ولا يرجون سواه، ولا يسكنون إلا إليه.

القشيري

تفسير : الوفاء بالعهد باستدامة العرفان، والوفاء بشرط الإحسان، والتوقيِّ من ارتكاب العصيان - بذلك أُبْرِمَ العقدُ يوم الميثاق والضمان. وميثاقُ قومٍ ألا يعبدوا شيئاً سواه، وميثاق قومٍ ألا يسألوا سواه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين} الموصولات مع صلاتها مبتدأة خبرها قوله {أية : اولئك لهم عقبى الدار} تفسير : {يوفون بعهد الله} عهد الله مضاف الى مفعوله اى بمقدوره على انفسهم من الشهادة والاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى شهدنا وبالفارسية [آنانكه وفاميكنند به بيمان خداى تعالى كه درروز ميثاق بسته اند] {ولا ينقضون الميثاق} اى ذلك العهد بينهم وبين الله وكذا عهودهم بينهم وبين الناس فهو تعميم بعد تخصيص

الطوسي

تفسير : موضع {الذين} رفع لأنه صفة لاولى الالباب، فكأنه قال إنما يتذكر أولوا الالباب الذين صفتهم أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون مواثيقه. والايفاء جعل الشيء على المقدار من غير زيادة ولا نقصان، والعهد العقد المتقدم على الأمر بما يفعل، والنهي عما يجتنب يقال: عهد لله عهداً، وعاهده معاهدة. وتعهده تعهداً وتعاهده تعاهداً، والنقض حل العقد بفعل ما ينافيه، والنقيض معنى تنافي صحته صحة غيره. والنقض في المعاني إيجاد ما لا يمكن ان يصح مع غيره، كاعتقاد ان زيداً في الدار وليس هو فيها على وجه واحد. والميثاق العهد الواقع على إحكام. توثق توثقاً واستوثق استيثاقاً، وواثقه مواثقة، ووثق به وثوقاً, واوثقه ايثاقاً، ووثقه ثوثيقاً. والعهد الذي جعله في عقول العباد ما جعل فيها من اقتضاء صحة أمور الدين وفساد أمور أخر، كاقتضاء الفعل الفاعل، وأنه لا يصح الفعل الا ان يكون فاعله قادراً، وان المحكم لا يصح الا من عالم، وان الصانع لا بد ان يرجع الى صانع غير مصنوع، والا أدى الى ما لا نهاية له، وان للعالم مدبر لا يشبهه، ولا يحتاج الى مدبر لحاجته وما أشبه ذلك. وقد يكون ايضاً على العهد الذي عاهد عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الآية دلالة على وجوب الوفاء بالعهود التي تنعقد بين الخلق سواء كان بين المسلمين او الكفار، من الهدنة وغيرها.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} صفة لاولى الالباب لبيان حالهم او استيناف كلامٍ والخبر {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} والمراد بالعهد هو العهد العامّ النّبوىّ والوفاء به الانتهاء الى آخر اركانه الاسلاميّة وهو البيعة الولويّة الّتى عبّروا عنها فى الاخبار بالولاية {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} الميثاق الولاية الّذى حصل لهم بالوفاء بعهد النّبوّة، وتسميته ميثاقاً لكونه عقداً على عقد فانّه بعد عقد البيعة النّبويّة، وفى الخبر اشارة الى ما ذكرنا.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ} مبتدأ، وجملة {أولئك لهم عقبى الدار} خبر مع ما عطف عليه من الموصلين بعده، والذين نعت لأولوا، والأول أصح، ويدل له قوله عز وجل:{أية : والذين ينقضون عهد الله}تفسير : إلى{أية : أولئك لهم اللعنة}تفسير : فإن الذين فيه مبتدأ، وأولئك لهم اللعنة خبره، وعلى الوجه الثانى: فأولئك لهم عقبى الدار مستأنف، ذكر ما استوجبوا بتلك الصفات، وهن ثمانية كما قال الثعلبى عن ابن المبارك: إن هذه الثمانى الخصال مسيرات إلى ثمانية أبواب الجنة. وكما قال أبو بكر الوراق: هذه ثمان جسور، فمن أراد القربة عبرها، وهن: الوفاء بالعهد، ووصل ما أمر الله بوصله، وخشية الله، والصبر لله، وإقامة الصلاة، والإنفاق، ودرْء السيئة بالحسنة. وأما عدم نقض المشاق فأدخلاه فى الوفاء بالعهد، وإن أريد به عدم نقض ميثاق الخلق، وخص الوفاء بعهد الله بالوفاء بغير ميثاق الخلق كانت تسعة، والمراد من جمع تلك الخصال، فالعطف من عطف الصفات لموصوف واحد، أو أراد بكل منها من بالغ فيها، وأتى بالقدر الواجب من غيرها من الفرائض. {يوفُونَ بعَهْد اللّهِ} أى بما عهد الله لهم فى كتبه، وعلى ألسنة أنبيائه من أمر ونهى، وسمى ذلك عهدا لأنه شئ وقع بينه وبينهم فيه أمر ونهى، وقد علموه، تقول: لا عهد لى بكذا، أى لا اتصال لك به، ولا أعلم، أو سمى عهدا لأنه لوضوحه وظهوره واعتقادهم إياه كالشئ الذى أعطوا عليه عهدا وميثاقا، أو المراد ما عقدوه على أنفسهم حين عرفوا الله، ودخلوا العلم عاهدوا الله أن لا يخالفوه، أو ماعاهدوه حين خرجوا من آدم كالذر وقالوا: أنت ربنا، وما ذكر أولى لعمومه، وأصل العهد العلم بالشئ ومراعاة شئ حالا فحالا، كما يقال: فلان يتعاهد الضيف والمريض، أى لا يغفل عنهما. {ولا يْنقضُون الميثاقَ} بترك المأمور به، وفعل المنهى عنه، أو بترك الإقرار لله سبحانه وتعالى بالربوبية، وذلك تأكيد للوفاء بالعهد، ويجوز أن يراد به عدم نقض الميثاق فبما بينهم، وبالوفاء بالعهد الذى بينهم وبين الله، الذى لا حق فيه لمخلوق، فلا تأكيد، وأن مطلق عدم نقض الميثاق فيكون تعميما بعد تخصيص.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعهْدِ الله} المأْخوذ عليهم حين قالوا بلى، بعد "أية : أَلست بربكم"تفسير : [الأعراف: 172] أَو بما عهد الله فى الكتب وسائِر الوحى إِلى الأَنبياءِ ومن لم يعلمه أَو أَنكره كأَنه علمه وأَعطى الميثاق لتبليغ الأَنبياءِ ونصب الدلائِل، أَو بكل وعد وعدوه من طاعة الله، أَو وعدوه من المباح لغيرهم، والذين نعت لأُولوا الأَلباب، والذين بعده مبتدأَُ وقوله: "أية : أُولئِكَ لهم عقبى الدار"تفسير : [الرعد: 22] خبر له مع ما بعده، أَو الذين يوفون مبتدأٌ وأُولئِكَ لهم عقبى الدار خبر له مع ما بعده، ويجوز عطف الذين فى ذلك كله على الذين يوفون، عطف صفات لموصوف واحد فيكون أُولئِك لهم عقبى الدار مستأَنفا {وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثََاقَ} إن كان بمعنى العهد المذكور فعطف على يوفون باعتبار اختلاف المفهوم، ذكر أَولا: باعتبار عدم النقص منه بالصاد المهملة، وثانيا: باعتبار أَنهم لم يخالفوه، والمخالفة له نقض بالمعجمة، أَو باعتبار أَنهم أَوفوا له، وداموا عليه لم ينقضوه برياءٍ، أَو بمحبط كشرك، أَو العهد على العموم والميثاق بينهم وبين الله أَو بالعكس.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } بما عقدوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا: بلى، أو بما عهد الله تعالى عليهم في كتبه من الأحكام فالمراد به ما يشمل جميع الأمم، وإضافة العهد إلى الاسم الجليل من باب إضافة المصدر إلى مفعوله على الوجه الأول ومن باب إضافة المصدر إلى الفاعل على الثاني، وإذا أريد بالعهد ما عقده الله تعالى عليهم يوم قال سبحانه: {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 172] كانت الإضافة مطلقاً من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وهو الظاهر كما في «البحر»، وحكى حمل العهد على عهد {أَلَسْتُ} عن قتادة، وحمله على ما عهد في الكتب عن بعضهم، ونقل عن السدي حمله على ما عهد إليهم في القرآن، وعن القفال حمله على ما في جبلتهم وعقولهم من دلائل التوحيد والنبوات إلى غير ذلك واستظهر حمله على العموم. {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ} ما وثقوا من المواثيق بين الله تعالى وبينهم من الإيمان به تعالى والأحكام والنذور وما بينهم وبين العباد كالعقود وما ضاهاها، وهو تعميم بعد تخصيص وفيه تأكيد للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل./ وقال أبو حيان: الظاهر أن هذه الجملة تأكيد للتي قبلها لأن العهد هو الميثاق ويلزم من إيفاء العهد انتفاء نقضه، وقال ابن عطية: المراد بالجملة الأولى يوفون بجميع عهود الله تعالى وهي أوامره ونواهيه التي وصى الله تعالى بها عبيده ويدخل في ذلك التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي، والمراد بالجملة الثانية أنهم إذا عقدوا في طاعة الله تعالى عهداً لم ينقضوه اهـ، وعليه فحديث التعميم بعد التخصيص لا يتأتى كما لا يخفى، وقد تقدم [وعيد] الله سبحانه إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه بضع وعشرين آية من كتابه كما روى عن قتادة، ومن أعظم المواثيق ـ على ما قال ابن العربـي ـ أن لا يسأل العبد سوى مولاه جل شأنه. وفي قصة أبـي حمزة الخراساني ما يشهد لعظم شأنه فقد عاهد ربه أن لا يسأل أحداً سواه فاتفق أن وقع في بئر فلم يسأل أحداً من الناس المارين عليه إخراجه منها حتى جاء من أخرجه بغير سؤال ولم ير من أخرجه فهتف به هاتف كيف رأيت ثمرة التوكل؟ فينبغي الاقتداء به في الوفاء بالعهد على ما قال أيضاً. وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال، وذكر أن سفيان الثوري وغيره قالوا: لو أن إنساناً جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار، ولا ينكر أن يكون الله تعالى قد لطف بأبـي حمزة الجاهل. نعم لا ينبغي الاستغاثة بغير الله تعالى على النحو الذي يفعله الناس اليوم مع أهل القبور الذين يتخيلون فيهم ما يتخيلون فآها ثم آها مما يفعلون.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون {الّذين يوفون} ابتداء كلام فهو استئناف ابتدائي جاء لمناسبة ما أفادت الجملة التي قبلها من إنكار الاستواء بين فريقين. ولذلك ذكر في هذه الجمل حال فريقين في المحامد والمساوي ليظهر أن نفي التسوية بينهما في الجملة السابقة ذلك النفي المرادَ به تفضيل أحد الفريقين على الآخر هو نفي مُؤيد بالحجة، وبذلك يصير موقع هذه الجملة مفيداً تعليلاً لنفي التسوية المقصود منه تفضيل المؤمنين على المشركين، فيكون قوله: {الذين يوفون} مسنداً إليه وكذلك ما عطف عليه. وجُملة {أولئك لهم عقبى الدار} مسنداً. واجتلاب اسم الإشارة {أولئك لهم عقبى الدار} للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما بعد اسم الإشارة من أجْل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة، كقوله تعالى: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : في أول سورة البقرة (5). ونظير هذه الجملة قوله تعالى: { أية : الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شرّ مكاناً وأضل سبيلا } تفسير : [سورة الفرقان: 34] من قوله: { أية : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } تفسير : [سورة الفرقان: 33]. وقد ظهر بهذه الجملة كلها وبموقعها تفضيل الذين يعلمون أن ما أنزل حق بما لهم من صفات الكمال الموجبة للفضل في الدنيا وحسن المصير في الآخرة وبما لأضدادهم من ضد ذلك في قوله: { أية : والذين ينقضون عهد الله } تفسير : إلى قوله: { أية : ولهم سوء الدار } تفسير : [سورة الرعد: 25]. والوفاء بالعهد: أن يحقّق المرء ما عاهد على أن يعمله. ومعنى العهد: الوعد الموثّق بإظهار العزم على تحقيقه من يمين أو تأكيد. ويجوز أن يكون {الذين يوفون بعهد الله} نعتاً لقوله: {أولوا الألباب} وتكون جملة {أولئك لهم عقبى الدار} نعتاً ثانياً. والإتيان باسم الإشارة للغرض المذكور آنفاً. وعهد الله مصدر مضاف لمفعوله، أي ما عاهدوا الله على فعله، أو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما عهد الله به إليهم. وعلى كلا الوَجهين فالمراد به الإيمان الذي أخذه الله على الخلق المشار إليه بقوله: {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}، تفسير : وتقدم في سورة الأعراف (172)، فذلك عهدهم ربهم. وأيضاً بقوله: { أية : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني } تفسير : [سورة يس: 60 - 61]، وذلك عهد الله لهم بأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره، فحصل العهد باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله. وذلك أمر أودعه الله في فطرة البشر فنشأ عليه أصلهم وتقلّده ذريته، واستمر اعترافهم لله بأنه خالقهم. وذلك من آثار عهد الله. وطرأ عليهم بعد ذلك تحريف عهدهم فأخذوا يتناسون وتشتبه الأمور على بعضهم فطرأ عليهم الإشراك لتفريطهم النظر في دلائل التوحيد، ولأنه بذلك العهد قد أودع الله في فطرة العقول السليمة دلائل الوحدانية لمن تأمل وأسلم للدليل، ولكن المشركين أعرضوا وكابروا ذلك العهد القائم في الفطرة، فلا جرم أن كان الإشراك إبطالاً للعهد ونقضاً له، ولذلك عطفت جملة {ولا ينقضون الميثاق} على جملة {يوفون بعهد الله}. والتعريف في {الميثاق} يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق وبذلك يكون أعم من عهد الله فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود وأيمان. وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد الله. وتلك هي مسوغة عطف {ولا ينقضون الميثاق} على {يوفون بعهد اللَّه} مع حصول التأكيد لمعنى الأولى بنفي ضدها، وتعريضاً بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال، فعطفُ التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص. والميثاق والعهد مترادفان. والإيفاء ونفي النقض متحداً المعنى. وابتدىء من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبىء عن الإيمان والإيمان أصل الخيرات وطريقها، ولذلك عطف على {يوفون بعهد الله} قوله: {ولا ينقضون الميثاق} تحذيراً من كل ما فيه نقضه. وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد، وليس من عطف الأصناف. وذلك مِثل العطف في قول الشاعر الذي أنشده الفراء في معاني القرآن: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : فالمعنى: الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض لاتّصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين بتلك الفضائل، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد، ومنها ما لا يسْتلزم إلا التفريط في الفضل. وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة، للدلالة على أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها، ولدفع توهم أن عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات. فالمراد بــــ{الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ما يصدق على الفريق الذين يوفون بعهد الله. ومناسبة عطفه أنّ وصْلَ ما أمر الله به أن يوصل أثر من آثار الوفاء بعهد الله وهو عهد الطاعة الداخل في قوله: { أية : وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } تفسير : في سورة يس (61). والوصل: ضم شيء لشيء. وضده القطع. ويطلق مجازاً على القُرب وضده الهجر. واشتهر مجازاً أيضاً في الإحسان والإكرام ومنه قولهم، صلة الرحم، أي الإحسان لأجل الرحم، أي لأجل القرابة الآتية من الأرحام مباشرة أو بواسط، وذلك النسب الجائي من الأمهات. وأطلقت على قرابة النسب من جانب الآباء أيضاً لأنها لا تخلو غالباً من اشتراك في الأمهات ولو بَعِدْنَ. {وما أمر الله به أن يوصل} عام في جميع الأواصر والعلائق التي أمر الله بالمودة والإحسان لأصحابها. فمنها آصرة الإيمان، ومنها آصرة القرابة وهي صلة الرحم. وقد اتفق المفسرون على أنها مراد الله هنا، وقد تقدم مثله عند قوله تعالى: { أية : وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } تفسير : في سورة البقرة (26، 27). وإنما أطنب في التعبير عنها بطريقة اسم الموصول {ما أمر الله به أن يوصل} لما في الصلة من التعريض بأن واصلها آتٍ بما يرضي الله لينتقل من ذلك إلى التعريض بالمشركين الذين قطعوا أواصر القرابة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن معه من المؤمنين وأساءوا إليهم في كل حال وكتبوا صحيفة القطيعة مع بني هاشم. وفيها الثناء على المؤمنين بأنهم يصلون الأرحام ولم يقطعوا أرحام قومهم المشركين إلا عندما حاربوهم وناووهم. وقوله: {أن يوصل} بدل من ضمير {به}، أي ما أمر الله بوصله. وجيء بهذا النظم لزيادة تقرير المقصود وهو الأرحام بعد تقريره بالموصولية. والخشية: خوف بتعظيم المخوف منه وتقدمت في قوله تعالى: { أية : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } تفسير : في سورة البقرة (45). وتطلق على مطلق الخوف. والخوف: ظن وقوع المضرة من شيء. وتقدم في قوله تعالى: { أية : إلا أن يخافا ألاّ يقيما حدود الله } تفسير : في سورة البقرة (229). و{سوء الحساب} ما يحفّ به مما يسوء المحاسَب، وقد تقدم آنفاً، أي يخافون وقوعه عليهم فيتركون العمل السيّء. وجاءت الصلات {الذين يوفون} و{الذين يصلون} وما عطف عليهما بصيغة المضارع في تلك الأفعال الخمسة لإفادة التجدد كناية عن الاستمرار. وجاءت صلة {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} وما عطف عليها وهو {وأقاموا الصلاة وأنفقوا} بصيغة المضيّ لإفادة تحقق هذه الأفعال الثلاثة لهم وتمكنها من أنفسهم تنويهاً بها لأنها أصول لفضائل الأعمال. فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت عنها الحسنات والفضائل بسهولة، ولذلك قال تعالى: { أية : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } تفسير : [سورة العصر: 2 - 3]. وأما الصلاة فلأنها عماد الدين وفيها ما في الصبر من الخاصية لقوله تعالى: { أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تفسير : [العنكبوت: 45] وقوله تعالى: { أية : واستعينوا بالصبر والصلاة } تفسير : [سورة البقرة: 45]. وأما الإنفاق فأصله الزكاة، وهي مقارنة للصلاة كلما ذكرت، ولها الحظ الأوفى من اعتناء الدين بها، ومنها النفقات والعطايا كلها، وهي أهم الأعمال، لأن بذل المال يشق على النفوس فكان له من الأهمية ما جعله ثانياً للصلاة. ثم أعيد أسلوب التعبير بالمضارع في المعطوف على الصلة وهو قوله: {ويدرءون بالحسنة السيئة} لاقتضاء المقام إفادة التجدد إيماء إلى أن تجدد هذا الدرء ما يُحرص عليه لأن الناس عرضة للسيئات على تفاوت، فوُصف لهم دواء ذلك بأن يدعوا السيّئات بالحسنات. والقول في عطف {والذين صبروا} وفي إعادة اسم الموصول كالقول في {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل}. والصبر: من المحامد. وتقدم في قوله تعالى: { أية : واستعينوا بالصبر } تفسير : في سورة البقرة (45). والمراد الصبر على مشاق أفعال الخير ونصر الدين. و{ابتغاء وجه ربهم} مفعول لأجله لــــ {صبروا}. والابتغاء: الطلب. ومعنى ابتغاء وجه الله ابتغاء رضاه كأنه فعل فعلاً يطلبُ به إقباله عند لقائه، وتقدم في قوله تعالى: { أية : وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } تفسير : في آخر سورة البقرة (272). والمعنى أنهم صبروا لأجل أن الصبر مأمور به من الله لا لغرض آخر كالرياء ليقال ما أصبره على الشدائد ولاتّقاء شماتة الأعداء. والسر والعلانية تقدم وجه ذكرهما في قوله تعالى: { أية : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية } تفسير : أواخر سورة البقرة (274). والدرء: الدفع والطرد. وهو هنا مستعار لإزالة أثر الشيء فيكون بعد حصول المدفُوع وقبلَ حصوله بأن يُعِدّ ما يمنع حصوله، فيصدق ذلك بأن يُتبع السيّئة إذا صدرت منه بفعل الحسنات فإن ذلك كطرد السيئة. قال النبي: يا معاذ اتّق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمْحُها. وخاصة فيما بينه وبين ربه. ويصدق بأن لا يقابل من فعل معه سيّئة بمثله بل يقابل ذلك بالإحسان، قال تعالى: { أية : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } تفسير : [سورة فصلت: 34] بأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه وذلك فيما بين الأفراد وكذلك بين الجماعات إذ لم يفض إلى استمرار الضر. قال تعالى في ذلك: { أية : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } تفسير : [سورة الأنفال: 3]. ويصدق بالعدول عن فعل السيئة بعد العزم فإن ذلك العدول حسنة دَرَأت السيّئة المعزوم عليه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: حديث : من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنةتفسير : . فقد جمع {يدرءون} جميعَ هذه المعاني ولهذا لم يعقب بما يقتضي أن المراد معاملة المُسيء بالإحسان كما أُتبع في قوله: { أية : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن } تفسير : في سورة فصلت (34). وكما في قوله { أية : ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون } تفسير : في سورة المؤمنون (96). وجملة {أولئك لهم عقبى الدار} خبر عن {الذين يوفون بعهد الله}. ودل اسم الإشارة على أن المشار إليهم جديرون بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل ما وصف به المشار إليهم من الأوصاف، كما في قوله: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : في أول سورة البقرة (5). و{لهم عقبى الدار} جملة جعلت خبراً عن اسم الإشارة. وقدم المجرور على المبتدأ للدلالة على القصر، أي لهم عقبى الدار لا للمتصفين بإضداد صفاتهم، فهو قصر إضافي. والعقبى: العاقبة، وهي الشيء الذي يعقُب، أي يقع عقب شيء آخر. وقد اشتهر استعمالها في آخرة الخير، قال تعالى: { أية : والعاقبة للمتقين } تفسير : [سورة القصص: 83]. ولذلك وقعت هنا في مقابلة ضدها في قوله: { أية : ولهم سوء الدار } تفسير : [سورة غافر: 52]. وأما قوله: { أية : وعقبى الكافرين النار } تفسير : [سورة الرعد: 35] فهو مشاكلة كما سيأتي في آخر السورة عند قوله: { أية : وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } تفسير : [سورة الرعد: 42]. وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى: { أية : ومن تكون له عاقبة الدار } تفسير : في سورة القصص (37) فقد زدته بياناً. وإضافتها إلى {الدار} من إضفة الصفة إلى الموصوف. والمعنى: لهم الدار العاقبة، أي الحسنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمِيثَاقَ} (20) - وَالمُهْتَدُونَ الذِينَ سَتَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ، فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةُ، هُمُ الذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدُوا، وَلاَ يُنْقِضُونَ عَهْدَهُمْ مَعَ عِبَادِهِ، وَلاَ يَغْدُرُونَ بِذِمَّةٍ، وَلاَ يَفْجُرُونَ وَلاَ يَخُونُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والواحد من أولي الألباب ساعة آمن بالله؛ فهو يعلم أنه قد تعاهد مع الله عهداً بألاَّ يعبد غيره؛ وألاَّ يخضع لغيره؛ وألاَّ يتقرَّب لغيره؛ وألاَّ ينظر أو ينتظر من غيره؛ وهذا هو العهد الأول الإيماني. ويتفرّع من هذا العهد العقدي الأول كُلُّ عهد يُقطع سواء بالنسبة لله، أو بالنسبة لخَلْق الله؛ لأن الناشئ من عهد الله مثله مثل عهد الله؛ فإذا كنتَ قد آمنتَ بالله؛ فأنت تؤمن بالمنهج الذي أنزله على رسوله؛ وإذا أوفيتَ بالمنهج؛ تكون قد أوفيتَ بالعهد الأول. ولذلك نجد كل التكليفات المهمة البارزة القوية في حياة المؤمنين نجد الحق سبحانه يأتي بها في صيغة البناء؛ فيما يسمى "البناء للمجهول"؛ مثل قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ..} تفسير : [البقرة: 183]. وقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ..} تفسير : [البقرة: 178]. وقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 216]. وكُلُّ التكليفات تأتي مَسْبوقة بكلمة "كُتِب" والذي كتب هو الله؛ وسبحانه لم يُكلِّف إلا مَنْ آمن به؛ فساعةَ إعلان إيمانك بالله؛ هي ساعة تعاقدك مع الله على أن تُنفِّذ ما يُكلِّفك به. وأنت حُرٌّ في أنْ تؤمن أو لا تؤمن؛ لكنك لحظةَ إيمانك بالله تدخل إلى الالتزام بما يُكلِّفك به، وتكون قد دخلت في كتابة التعاقد الإيماني بينك وبين الله. ولذلك قال الحق سبحانه "كُتِب" ولم يَقُلْ: "كتبْتُ"؛ لأن العهد بينك وبين الله يقتضي أن تدخلَ أنت شريكاً فيه، وهو سبحانه لم يُكلِّف إلا مَنْ آمن به. وسبحانه هنا يقول: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} [الرعد: 20]. أي: أن العهد الإيماني مُوثَّق بما أخذْتَه على نفسك من التزام. ويواصل سبحانه وَصْفَ هؤلاء بقوله: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ ...}.