١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} ظاهر في صلة الأرحام، وهو قول قَتَادة وأكثر المفسرين، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} قيل: في قطع الرَّحم. وقيل: في جميع المعاصي. {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. سوء الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة؛ ومن نوقش الحساب عُذّب. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبَير: معنى. «يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ» الإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم. الحسن: هو صلة محمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل رابعاً: أن يصلوا الإيمان بالعمل الصالح؛ «وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ» فيما أمرهم بوصله، «وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ» في تركه؛ والقول الأول يتناول هذه الأقوال كما ذكرنا، وبالله توفيقنا. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} قيل: «الَّذِينَ» مستأنف؛ لأن «صَبَرُوا» ماض فلا ينعطف على «يُوفونَ». وقيل: هو من وصف مَن تقدّم، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي، وتارة بلفظ المستقبل؛ لأن المعنى من يفعل كذا فله كذا؛ ولما كان «الَّذِينَ» يتضمن الشرط (و) الماضي في الشرط كالمستقبل جاز ذلك؛ ولهذا قال: «الَّذِينَ يُوفُونَ» ثم قال: «وَالَّذِينَ صَبَرُوا» ثم عطف عليه فقال: «وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ» قال ٱبن زيد: صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله. وقال عطاء: صبروا على الرزايا والمصائب، والحوادث والنوائب. وقال أبو عِمْران الْجَوْني: صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أدّوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها. {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعني الزكاة المفروضة؛ عن ابن عباس، وقد مضى القول في هذا في «البقرة» وغيرها. {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي يدفعون بالعمل الصالح السَّيىء من الأعمال، قاله ابن عباس. ٱبن زيد: يدفعون الشر بالخير. سعيد بن جُبير: يدفعون المنكر بالمعروف. الضّحاك: يدفعون الفحش بالسلام. جُوَيبِر: يدفعون الظلم بالعفو. ٱبن شجرة: يدفعون الذنب بالتوبة. القُتَبي: يدفعون سفه الجاهل بالحلم؛ فالسّفه السّيئة، والحلم الحسنة. وقيل: إذا هموا بسيئة رجعوا عنها واستغفروا. وقيل: يدفعون الشرك بشهادة أن لا إلٰه إلا الله؛ فهذه تسعة أقوال، معناها كلها متقارب، والأول يتناولها بالعموم؛ ونظيره: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114] ومنه قوله عليه السلام لمعاذ: «حديث : وَأَتْبِعْ السّيئة الحَسَنَة تَمْحُهَا وخَالِق الناسَ بِخُلُق حَسَن»تفسير : . قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي عاقبة الآخرة، وهي الجنة بدل النار، والدار غداً داران: الجنة للمطيع، والنار للعاصي؛ فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة. وقيل: عنى بالدار دار الدنيا؛ أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا. قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} أي لهم جنات عدن؛ فـ«ـجَنَّاتُ عَدْنٍ» بدل من «عُقْبَى» ويجوز أن تكون تفسيراً لـ«ـعُقْبَى الدَّارِ» أي لهم دخول جنات عدن؛ لأن «عُقْبَى الدَّارِ» حَدَث و«جَنَّاتُ عَدْنٍ» عين، والحدث إنما يفسر بحدَث مثله؛ فالمصدر المحذوف مضاف إلى المفعول. ويجوز أن يكون «جَنَّاتُ عَدْنٍ» خبر ابتداء محذوف. و«جَنَّاتُ عَدْنٍ» وسط الجنة وقَصَبتها، وسقفها عرش الرحمن؛ قاله القُشَيري أبو نصر عبد الملك. وفي صحيح البخاري: «حديث : إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمٰن ومنه تُفَجّر أنهار الجنة» تفسير : فيحتمل أن يكون «جنات» كذلك إن صحّ فذلك خبر. وقال عبد الله بن عمرو: إن في الجنة قصراً يقال له عَدْن، حوله البُرُوج والمروج؛ فيه ألف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبَرَة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد. و«عدن» مأخوذ من عَدَن بالمكان إذا أقام فيه؛ على ما يأتي بيانه في سورة «الكهف» إن شاء الله تعالى. {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} يجوز أن يكون معطوفاً على «أُولَئِكَ» المعنى: أولئك ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم لهم عقبى الدار. ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير المرفوع في: «يَدْخُلُونَهَا» وحسن العطف لما حال الضمير المنصوب بينهما. ويجوز أن يكون المعنى: يدخلونها ويدخلها من صلح من آبائهم؛ أي من كان صالحاً، لا يدخلونها بالأنساب. ويجوز أن يكون موضع «مَنْ» نصباً على تقدير: يدخلونها مع من صلح من آبائهم، وإن لم يعمل مثل أعمالهم يُلحقه الله بهم كرامة لهم. وقال ٱبن عباس: هذا الصلاح الإيمان بالله والرسول، ولو كان لهم مع الإيمان طاعات أخرى لدخلوها بطاعتهم لا على وجه التبعيّة. قال القُشَيريّ: وفي هذا نظر؛ لأنه لا بد من الإيمان، فالقول في ٱشتراط العمل الصالح كالقول في ٱشتراط الإيمان. فالأظهر أن هذا الصلاح في جملة الأعمال، والمعنى: أن النعمة غَداً تَتمّ عليهم بأن جعلهم مجتمعين مع قراباتهم في الجنة، وإن دخلها كل إنسان بعمل نفسه؛ بل برحمة الله تعالى. قوله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} أي بالتحف والهدايا من عند الله تكرمة لهم. {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} أي يقولون: سلام عليكم؛ فأضمر القول، أي قد سلمتم من الآفات والمحن. وقيل: هو دعاء لهم بدوام السلامة، وإن كانوا سالمين، أي سلمكم الله، فهو خبر معناه الدعاء؛ ويتضمن الاعتراف بالعبودية. {بِمَا صَبَرْتُمْ} أي بصبركم؛ فـ«ـما» مع الفعل بمعنى المصدر، والباء في «بما» متعلقة بمعنى. «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ» ويجوز أن تتعلق بمحذوف؛ أي هذه الكرامة بصبركم، أي على أمر الله تعالى ونهيه؛ قاله سعيد بن جُبَير. وقيل: على الفقر في الدنيا؛ قاله أبو عِمران الجونيّ. وقيل: على الجهاد في سبيل الله؛ كما روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «المجاهدون الذين تُسدّ بهم الثغور وتُتّقى بهم المكاره فيموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»تفسير : . وقال محمد بن إبراهيم: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» تفسير : وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان؛ وذكره الْبَيْهَقِيّ عن أبي هُريرة قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء، فَإِذَا أَتَى فُرْضَة الشِّعْب يقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»تفسير : . ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله. وقال الحسن البصري رحمه الله: «بِمَا صَبَرْتُمْ» عن فضول الدنيا. وقيل: «بِمَا صَبَرْتُمْ» على ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية؛ قال معناه الفُضَيْل بن عِيَاض. ابن زيد: «بِمَا صَبَرْتُمْ» عما تحبونه إذا فقدتموه. ويحتمل سابعاً: «بِمَا صَبَرْتُمْ» عن اتباع الشهوات. وعن عبد الله بن سَلاَم وعلي بن الحسين رضي الله عنهم (أنهما قالا): إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ليقم أهل الصبر؛ فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: ٱنطلقوا إلى الجنة فتتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة؛ قالوا: قبل الحساب؟ قالوا نعم! فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبّرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبّرناها عن معاصي الله وصبّرناها على البلاء والمحن في الدنيا. قال علي بن الحسين: فتقول لهم الملائكة: ٱدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وقال ٱبن سَلاَم: فتقول لهم الملائكة: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ». «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» أي نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها؛ عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه؛ فالعقبى على هذا ٱسم، و«الدار» هي الدنيا. وقال أبو عِمران الْجَوْني: «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» الجنة عن النار. وعنه: «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» الجنة عن الدنيا.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } من الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس. {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } وعيده عموماً. {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } من الإيمان والرحم وغير ذلك {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي وعيده {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } تقدّم مثله.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} الرحم {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} في قطعها {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} في المعاقبة عليها. أو الإيمان بالنبيين والكتب كلها {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} فيما أمرهم بوصله {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} في تركه، أو صلة محمد صلى الله عليه وسلم قاله "ح".
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } من الأَرحام والقرابات ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم وإفشاء السلام عليهم وعيادة مرضاهم ومنه مراعاة حق الأَصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي وعيده كله {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } مطلق فيهما يصير عليه من المصائب في النفوس والأَموال ومشاق التكاليف {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّهِمْ } لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل وأوقره عند الزلازل ولا لئلا يعاب في الجزع {وأقاموا الصلاة } داوموا على إقامتها {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } أي من الحلال وإن كان الحرام رزقاً عندنا {سِرّا وَعَلاَنِيَةً } يتناول النوافل لأَنها في السر أفضل والفرائض لأَن المجاهرة بها أفضل نفياً للتهمة {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } ويدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم أو إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا وإذا أذنبوا تابوا وإذا هربوا أنابوا وإذا رأوا منكراً أمروا بتغييره فهذه ثمانية أعمال تشير إلى ثمانية أبواب الجنة {أُوْلَٰـئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } عاقبة الدنيا وهي الجنة لأَنها التي أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من عقبى الدار {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ } أي آمن {مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ } وقرىء صلُح والفتح أفصح و{من} في محل الرفع بالعطف على الضمير في {يدخلونها} وساغ ذلك وإن لم يؤكد لأَن ضمير المفعول صار فاصلاً وأجاز الزجاج أن يكون مفعولاً معه ووصفهم بالصلاح ليعلم أن الأَنساب لا تنفع بنفسها والمراد أبو كل واحد منهم فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلِّ بَابٍ } في قدر كل يوم وليلة ثلاث مرات بالهدايا وبشارات الرضا
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} من الرحِم وموالاةِ المؤمنين والإيمانِ بجميع الأنبـياء المجمعين على الحق من غير تفريقٍ بـين أحد منهم، ويندرج فيه مراعاةُ جميعِ حقوقِ الناس في حقوق كل ما يتعلق بهم من الهرّ والدَّجاج {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} خشيةَ جلالٍ وهَيْبةٍ فلا يعصونه فيما أمر به {وَيَخَافُونَ سوء الحِسَابِ} فيحاسبون أنفسَهم قبل أن يحاسَبوا، وفيه دَلالةٌ على كمال فظاعتِه حسبما ذكر فيما قبل. {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} على كل ما تكره النفسُ من الأفعال والتروك {ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ} طلباً لرضاه خاصة من غير أن ينظروا إلى جانب الخلقِ رياءً وسُمعةً ولا إلى جانب النفس زينةً وعُجْباً، وحيث كان الصبرُ على الوجه المذكور مَلاكَ الأمرِ في كل ما ذكر من الصلاة السابقة واللاحقةِ أُورد على صيغة الماضي اعتناءً بشأنه ودِلالةً على وجوب تحققِه فإن ذلك مما لا بد منه إما في أنفس الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعةِ والخامسةِ أو في إظهار أحكامِها كما في الصلات الثلاثِ المذكورات فإنها وإن استغنت عن الصبر في أنفسها حيث لا مشقةَ على النفس في الاعتراف بالربوبـية والخشيةِ والخوف لكن إظهارَ أحكامِها والجريَ على موجبها غيرُ خالٍ عن الاحتياج إليه {وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ} المفروضة {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أي بعضَه الذي يجب عليهم إنفاقُه {سِرّا} لمن لم يُعرفْ بالمال أو لمن لا يتهم بترك الزكاةِ أو عند إنفاقِه وإعطائه مَنْ تمنعه المروءةُ من أخذه ظاهراً {وَعَلاَنِيَةً} لمن لم يكن كما ذكر أو الأول في التطوع والثاني في الفرض. {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ} أي يُجازون الإساءةَ بالإحسان أو يُتْبعون الحسنةَ السيئة فتمحوها. عن ابن عباس رضي الله عنهما: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيـيء غيرِهم. وعن الحسن: إذا حُرموا أعطَوا وإذا ظُلموا عفَوا وإذا قُطعوا وصلوا. وعن ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا. وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغيـيره. وتقديمُ المجرور على المنصوب لإظهار كمالِ العنايةِ بالحسنة {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلةِ والملكات الجميلةِ وهو مبتدأٌ خبُره الجملةُ الظرفية أعني قوله تعالى: {لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي عاقبةُ الدنيا وما ينبغي أن يكون مآلُ أمرِ أهلها وهي الجنة، وقيل: الجارُ والمجرور خبرٌ لأولئك و(عقبى الدار) فاعل الاستقرار وأياً ما كان فليس فيه قصرٌ حتى يرِد أن بعضَ ما في حيز الصلةِ ليس من العزائم التي يُخلّ إخلالُها بالموصول إلى حسن العاقبة، والجملةُ خبرٌ للموصولات المتعاطفةِ، صفاتٌ لأولي الألباب عن طريقة المدحِ من غير أن يُقصد أن يكون للصلات المذكورة مدخلٌ في التذكر. {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} بدلٌ من عُقبى الدار أو مبتدأٌ خبرُه {يَدْخُلُونَهَا} والعدْنُ الإقامةُ ثم صار علماً لجنة من الجنات أي جناتٌ يقيمون فيها، وقيل: هو بُطنانُ الجنة {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ} جمعُ أبَوَيْ كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم {وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ} وهو عطفٌ على المرفوع في يدخلون، وإنما ساغ ذلك للفصل بالضمير الآخر، أو مفعولٌ معه، والمعنى إنه يُلحق بهم مَنْ صلح من أهلهم وإن لم يبلُغْ مبلغَ فضلِهم تبعاً لهم تعظيماً لشأنهم، وهو دليلٌ على أنه الدرجةَ تعلو بالشفاعة وأن الموصوفَ بتلك الصفات يُقرن بعضُهم ببعض لما بـينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنةِ زيادةً في أُنسهم، وفي التقيـيد بالصلاح قطعٌ للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ} من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوحِ والتحف قائلين: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم} بشارةٌ لهم بدوام السلامة {بِمَا صَبَرْتُمْ} متعلق بعليكم أو بمحذوف أي هذه الكرامةُ العظمى بما صبرتم أي بسبب صبركم أو بدلُ ما احتملتم من مشاقّ الصبرِ ومتاعبِه، والمعنى لئن تعِبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعةَ، وتخصيصُ الصبر بما ذكر من بـين الصلاتِ السابقةِ لما قدّمناه من أن له دخلاً في كل منها ومزيةً زائدةً من حيث إنه ملاكُ الأمر في كل منها وأن شيئاً منها لا يعتد به إلا بأن يكون لابتغاء وجهِ الربّ تعالى وتقدس {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي فنعم عقبـي الدارِ الجنةُ، وقرىء بفتح النون والأصل نَعَم فسُكّن العين بنقل حركتها إلى النون تارة وبدونه أخرى. « حديث : وعن النبـي عليه السلام أنه كان يأتي قبورَ الشهداء على رأس كلّ حولٍ فيقول: "سلامٌ عليكم بما صبرتُم فنَعِمَ عُقبى الدَّارِ" » تفسير : وكذا عن الخلفاء الأربعةِ رضوانُ الله عليهم أجمعين. {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} أريد بهم مَنْ يقابل الأولين ويعاندهم في الاتصاف بنقائض صفاتِهم {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ} من بعدما أوثقوه من الاعتراف والقَبول {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} من الأيمان بجميع الأنبـياءِ المجمعين على الحق حيث يؤمنون ببعضهم ويكفرون ببعضهم، ومن حقوق الأرحام وموالاةِ المؤمنين وغيرِ ذلك مما لا يراعون حقوقَه من الأمور المعدودةِ فيما سلف، وإنما لم يتعرّض لنفي الخشيةِ والخوفِ عنهم صريحاً لِدلالة النقضِ والقطع على ذلك، وأما عدمُ التعرض لنفي الصبرِ المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققُه في ضمن الحسناتِ المعدودةِ ليقَعْنَ معتدًّا بهن فلا وجه لنفيه عمّن بـينه وبـين الحسناتِ بعدُ المشرِقين، كما لا وجه لنفي الصلاةِ والزكاة ممن لا يحوم حول أصلِ الإيمان بالله تعالى فضلاً عن فروع الشرائعِ، وإن أريد بالإنفاق التطوعُ فنفيُه مندرجٌ تحت قطعِ ما أمر الله تعالى بوصله، وأما درءُ السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهرٌ مما سبق ولحِق فإن مَنْ يجازي إحسانَه عز وجل بنقض العهد ومخالفةِ الأمر ويباشر الفسادَ بدءاً حسبما يحكيه قوله عز وعلا: {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ} أي بالظلم وتهيـيج الفتنِ كيف يتصور منه مجازاةُ الإساءة بالإحسان على أن ذلك يُشعر بأن له دخلاً في الإفضاء إلى العقوبة التي ينبىء عنها قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} الخ، أي أولئك الموصوفون بما ذكر من القبائح {لَهُمْ} بسبب ذلك {ٱللَّعْنَةَ} أي الإبعادُ من رحمة الله تعالى {وَلَهُمْ} مع ذلك {سُوء ٱلدَّارِ} أي سوءُ عاقبة الدنيا أو عذابُ جهنم فإنها دارُهم، لأن ترتيبَ الحكمِ على الموصول مُشعرٌ بعلّية الصلةِ له، ولا يخفى أنه لا دخلَ له في ذلك على أكثر التفاسير، فإن مجازاةَ السيئةِ بمثلها مأذونٌ فيها. ودفعُ الكلام السيـيءِ بالحسن وكذا الإعطاءُ عند الظلم والوصلُ عند القطع ليس مما يورِثُ ترْكُه تِبعةً، وأما ما اعتبر اندراجُه تحت الصلةِ الثانيةِ من الإخلال ببعض الحقوقِ المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتبارَه من حيث إنه من مستتبعات الإخلال بالعزائم بالكفر ببعض الأنبـياءِ وعقوقِ الوالدين وتركِ سائر الحقوق الواجبةِ، وتكريرُ لهم للتأكيد والإيذانِ باختلافهما واستقلالِ كل منهما في الثبوت.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الآية: 21]. قيل: هم الذين وصلوا أوقاتهم بالطاعات ووقفوا عند الحدود فلم يجاوزوها. قال ابن عطاء: الذين يُديمُون على شكر النعمة ومعرفة مِنَّة المنعم بدوام النعمة إليهم، وإيصالهم بهم. قال بعضهم: هم المتحابون فى ذات الله تعالى. قوله تعالى: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [الآية: 21]. قال الواسطى: الخشية منه، حقيقة الخوف منه، ومن غيره. قال الله تعالى: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. قال بعضهم: الخشية هى مراقبة القلب أن لا يطالع فى حال من الأحوال، غير الحق فيمنعه. قال ابن عطاء: الخشية سراج القلب، والخوف أدب النفس.
القشيري
تفسير : الذين يَصِلون الإيمان به بالإيمان بالأنبياء والرسل. ويقال الذين يصلون أنفاسَهم بعضاً ببعض؛ فلا يتخلَّلُها نَفَسٌ لغير الله، ولا بغير الله، ولا في شهود غير الله. ويقال يَصِلُون سَيْرَهم بِسُرَاهم في إقامة العبودية، والتبرِّي من الحول والقوة. وقوله: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}: الخشية لجامٌ يُوقفُ المؤمنَ عن الرَّكْضِ في ميادين الهوى، وزِمامٌ يَجُرُّ إلى استدامة حكم التُّقَى. وقوله: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} هو أن يبدو من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين يصلون} [وآنانكه بيوند ميكنند] {ما امرهم الله به ان يوصل} المفعول الاول محذوف تقديره ما امرهم الله به ان يوصل بدل من الضمير المجرور اى يوصله. وهذه الآية يندرج فيها امور. الاول صلة الرحم واختلف فى حد الرحم التى يجب صلتها. فقيل كل ذى رحم محرم بحيث لو كان احدهما ذكرا والآخر انثى حرمت منا كحتهما فعلى هذا لا يدخل اولاد الاعمام والعمات واولاد الخال والخالات. وقيل وهو عام كل ذى رحم محرما ما كان او غير محرم وارثا كان او غير وارث وهذا القول هو الصواب. قال النووى وهذا اصح والمحرم من لا يحل له نكاحها على التأبيد لحرمتها. فقولنا على التأبيد احتراز عن اخت الزوجة. وقولنا لحرمتها احتراز عن الملاعنة فان تحريمها ليس لحرمتها بل للتغليظ. واعلم ان قطع الرحم حرام والصلة واجبة ومعناها التفقد بالزيارة والاهداء والاعانة بالقول والفعل وعدم النسيان واقله التسليم وارسال السلام المكتوب ولا توقيت فيها فى الشرع بل العبرة بالعرف والعادة كذا فى شرح الطريقة. وصلة الرحم سبب لزيادة الرزق وزيادة العمر وهى اسرع اثرا كعقوق الوالدين فان العاق لهما لا يمهل فى الاغلب ولا تنزل الملائكة على قوم فيهم قاطع رحم. والثانى الايمان بكل الانبياء عليهم السلام فقولهم نؤمن ببعض ونكفر ببعض قطع لما امر الله ان يوصل. والثالث موالاة المؤمنين فانه يستحب استحبابا شديدا زيارة الاخوان والصالحين والجيران والاصدقاء والاقارب واكرامهم وبرهم وصلتهم وضبط ذلك يختلف باختلاف احوالهم ومراتبهم وفراغهم وينبغى للزائر ان تكون زيارته على وجه لا يكرهون وفى وقت يرتضون فان رأى اخاه يحب زيارته ويأنس به اكثر زيارته والجلوس عنده وان رآه مشتغلا بعبادة او غيرها او رآه يحب الخلوة يقل زيارته حتى لا يشغله عن عمله. وكذا عائد المريض لا يطيل الجلوس عنده الا ان يستأنس به المريض. ومن تمام المواصلة المصافحة عند الملاقاة ويستحب مع المصافحة البشاشة بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها: قال الحافظ شعر : يارى اندركس نمى بنييم يارانراجه شد دوستى كى آخر آمدودوستدارنراجه شد كس نمى كويدكه يارى داشت حق دوستى حق شناسانراجه حال افتادويارا نراجه شد تفسير : والرابع مراعاة حقوق كافة الخلق حتى الهرة والدجاجة. وعن الفضيل ان جماعة دخلوا عليه بمكة فقال من اين انتم قالوا من اهل خراسان قال اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم واعلموا ان العبد لو احسن الاحسان كله كانت له دجاجة فاساء اليها لم يكن من المحسنين - وروى - ان امرأة عذبت فى هرة حبستها فلم تطعمها الى ان ماتت وامرأة رحمها الله وغفر لها بسبب ان سقت كلبا عطشان بخفها. وكان اويس القرنى يقتات من المزابل ويكتسى منها فنبحه يوما كلب على مزبلة قال له اويس كل مما يليك وانا آكل مما يلينى ولا تنبحنى فان جزت الصراط فانا خير منك والا فانت خير منى. يقول الفقير وذلك ان الانسان السعيد خير البرية والشقى شر البرية والكلب داخل فى البرية وهذا كلام من مقام الانصاف فان اهل الحق لا يرون لانفسهم فضلا. ولذا كانوا يعدون من سواهم اياما كان خيرا. منهم وورد "حديث : رب بهيمة خير من راكبها" تفسير : وهذا العلم اعطاهم مراعاة الحقوق مع جميع الحيوانات {ويخشون ربهم} اى وعيده عموما {ويخافون سوء الحساب} خصوصا فيحاسبون انفسهم قبل ان يحاسبوا. وقال ابو هلال العسكرى الخوف يتعلق بالمكروه ومنزل المكروه يقال خفت زيدا وخفت المرض كما قال تعالى {أية : يخافون ربهم من فوقهم} تفسير : وقال {ويخافون سوء الحساب} والخشية تتعلق بمنزل المكروه ولا يسمى الخوف من نفس المكروه خشية ولهذا قال {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} انتهى. وسوء الحساب سبق قريبا والخوف من اجل المنازل وانفعها للقلب وهو مرفوض على كل واحد شعر : هركه ترسد مرورا ايمن كنند مر دل ترسنده را ساكن كنند
الطوسي
تفسير : هذه الآية عطف على الاولى، وهي من صفة الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ميثاقه، وانهم مع ذلك {يصلون ما أمر الله به أن يوصل} والوصل ضد الفصل يقال وصله يصله وصلاً، وأوصله إيصالاً، واتصل اتصالاً، وتواصلوا تواصلاً، وواصله مواصلة، ووصله توصيلاً، والوصل ضم الثاني الى الاول من غير فاصلة. وقيل: المعنى يصلون الرحم. وقال الحسن: المعنى يصلون محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله {ويخشون ربهم} اي يخافون عقابه فيتركون معاصيه {ويخافون سوء الحساب} وقد فسرناه. والخوف والخشية والفزع نظائر، وهو انزعاج النفس مما لا تأمن معه من الضرر، وضد الأمن الخوف. والسوء ورود ما يشق على النفس، ساء يسوءه سوءاً، وأساء اليه إساءة. والاساءة ضد الاحسان. وقيل {سوء الحساب} مناقشة الحساب. والحساب احصاء ما على العامل وله، وهو - ها هنا - إحصاء ما على المجازى وله.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} اوّل ما امر الله به من صلة الارحام الوصلة مع نبىّ الوقت بالبيعة العامّة، ثمّ الوصلة مع ولىّ الوقت بالبيعة الخاصّة، ثمّ مع المسلمين بقرابة الرّحم المعنويّة، ثمّ مع المؤمنين بقرابة الرّحم الولويّة، ثمّ مع اقربائه بقرابة الرّحم الجسمانيّة وصلة الرّحم مع النّبىّ والولىّ بعد ما هو أصل من البيعتين وكذا مع كلّ ذى قرابة عبارة عمّا به يحصل اظهار المحبّة والتّرحّم واقلّه البشاشة فى وجهه عند لقائه والسّرور به واهداء التّحف اليه وقضاء حاجته {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} الخشية حالة حاصلة من ادراك لذّة وصال المحبوب والم فراقه او سطوة عذابه، وبعبارةٍ اخرى حالة حاصلة من ادراك ذى جمال وسطوة، وبعبارةٍ اخرى حالة ممتزجة من الخوف والرّجاء لا خوف صرف ولا رجاء محض ولذا خصّصها بالرّبّ والخوف بسوء الحساب.
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ يصِلُون ما أمر الله بهِ أنْ يُوصلَ} وهو الرحم، قال الله سبحانه:"حديث : أنا الله أنا الرحمن خلقت الرحم واشتققت له اسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" "حديث : وهى معلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله، ولا يدخل الجنة قاطعها"تفسير : ووصلها سبب لبسط الرزق وتأخير الأجل وللمحبة، بمعنى أن الله جل جلاله قد قضى فى الأزل بلا أول، أن رزق فلان يكثر أو يبارك له فيه، أو أن أجله يمتد إلى كذا، بأنه يصل رحمه، وأن كذا من رزقه أو أجله لأجل كذا، وأن كذا منه لأجل صلة رحمه، أو يخفى عن الملائكة شيئا من اللوح المحفوظ، أو لا يكتب فيه، فإذا أظهره لأجل صلة رحمه عد زياد للنظر إليهم. وليس المراد زيادة فى رزقه أو أجله غير مقضية فى الأزل كما زعم بعضهم قائلا: إن له أن يفعل ما يشاء، فإن شاء ألا يبدل القول لديه، ولا تبدو له البدوات، وفى الحديث: "حديث : ليس الواصل بالمكافئ بل إذا قطعته الرحم وصلها"تفسير : وذلك قول الجمهور فى تفسير الوصل فى الآية. وقال ابن عباس: الوصل بين أنبياء الله وكتبه وبالإيمان بالجميع، وعدم التفريق بينهما بالإيمان لبعض والكفر لبعض، والصحيح أن المراد ذلك كله، وأداء حق المؤمن والزوجة والزوج، والصاحب والجار، والخديم والمعاشر والمملوك، من رق أو دابة، ورفيق السفر، وأداء حق من لزمك له حق فى مال أو بدن أو عرض أو مشرك ولو مشركا، فمن لم يذب عن عرض المسلم وقد قدر، و لم يشفق عليه أو لم ينصحه، أو فرق بينه وبين نفسه، أو لم يسلم عليه ولم يعده مريضا، أو لم يحضر جنازته ميتا فغير مؤد لحقه، لكن يهلك بهذه الثلاثة ونحوها. قال الفضيل بن عياض لجماعة جاءته من خراسان فى مكة: من أين أنتم.؟ قالوا: من خرسان، قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة وأساء إليها لم يكن من المحسنين. وأن يوصل فى تأويل مصدر بدل اشتمال من الهاء، وإن قدرت فيه الباء فبدل أمن به. {ويخْشَون رَبَّهم} يخافون وعيد ربهم، أو يخافونه مع تعظيم له، فإن أصل الخشية خوف يشوبه تعظيم. {ويخافُونَ سُوءَ الحِسابِ} وهو أن يناقشوا فلا يغفر لهم ذنب، فحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وذكر هذا بعد ذكره خشية الرب سبحانه وتعالى، تخصيص بعد تعميم لعظيم هول سوء الحساب.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} ومن حق الرحم والجار والعشرة وحق المؤمنين وموالاتهم وإِيثارهم والتودد إِلى الناس وعيادة مرضاهم واتباع جنائْزهم، وحقوق الناس، والإِيمان بجميع الأَنبياءِ والكتب لا ببعض دون بعض كاليهود والنصارى، وهذا داخل فيما مر، وأَن يوصل بدل اشتمال من الهاءِ {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} يخافونه وعذابه تعظيما له {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} داخل فيما مر لكنه ذكره بعنوان يشير إِلى أَن يحاسبوا أَنفسهم قبل أَن يحاسبوا.
الالوسي
تفسير : . {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} الظاهر العموم في كل ما أمر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: المراد صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان به، وروي نحوه عن ابن جبير، وقال قتادة: المراد صلة الأرحام، وقيل: الإيمان بالعمل، وقيل: صلة قرابة الإسلام بإفشاء السلام وعيادة المرضى وشهود الجنائز ومراعاة حق الجيران والرفقاء والخدم، ومن ذهب إلى العموم أدخل في ذلك الأنبياء عليهم السلام ووصلهم أن يؤمن بهم جميعاً ولا يفرق بين أحد منهم والناس على اختلاف طبقاتهم ووصلهم بمراعاة حقوقهم بل سائر الحيوانات ووصلها بمراعاة ما يطلب في حقها وجوباً أو ندباً، وعن الفضيل بن عياض أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من أهل خراسان قالوا: اتقوا الله تعالى وكونوا من حيث شئتم واعلموا أن العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن محسناً، ومفعول {أَمر} محذوف والتقدير ما أمرهم الله به، و {أَن يُوصَلَ} بدل من الضمير المجرور أي ما أمر الله بوصله. {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي وعيده سبحانه والظاهر أن المراد به مطلقاً، وقيل: المراد وعيده تعالى على قطع ما أمروا بوصله {وَيَخَافُونَ سُوء ٱلْحِسَـٰبِ} فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام، والخشية والخوف قيل بمعنى، وفي "فروق العسكري" أن الخوف يتعلق بالمكروه ومنزله تقول خفت زيداً وخفت المرض والخشية تتعلق بالمنزل دون المكروه نفسه، ولذا قال سبحانه: {يَخْشَوْنَ } أولاً {وَيَخَافُونَ } ثانياً، وعليه فلا يكون اعتبار الوعيد في محله، لكن هذا غير مسلم لقوله تعالى: {أية : خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } تفسير : [الإسراء: 31] و {أية : لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } تفسير : [النساء: 25] وفرق الراغب بينهما/ فقال: ((الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم [بما يخشى منه] ولذلك خص العلماء بها في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28])). وقال بعضهم: الخشية أشد الخوف لأنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية أي يابسة ولذا خصت بالرب في هذه الآية، وفرق بينهما أيضاً بأن الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قوياً والخوف من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمراً يسيراً، يدل على ذلك أن تقاليب الخاء والشين والياء تدل على الغفلة وفيه تدبر، والحق أن مثل هذه الفروق أغلبـي لا كلي وضعي ولذا لم يفرق كثير بينهما، نعم اختار الإمام أن المراد من {يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } أنهم يخافونه خوف مهابة وجلالة زاعماً أنه لولا ذلك يلزم التكرار وفيه ما فيه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 21- وأولئك المؤمنون من دأبهم المحبة والطاعة، إنهم يعقدون المودة مع الناس ويخصون ذوى أرحامهم، ويؤيدون ولاتهم فى الحق، وهم يعرفون حق الله فيخشونه، ويخافون الحساب الذى يسوؤهم يوم القيامة فيتوقّون الذنوب ما استطاعوا. 22- وهم يصبرون على الأذى يطلبون رضا الله بتحمله فى سبيل إعلاء الحق، ويؤدون الصلاة على وجهها تطهيراً لأرواحهم وتذكراً لربهم، وينفقون من المال الذى أعطاهم الله فى السر والعلن من غير رياء، ويدفعون السيئات بالحسنات يقومون بها، وهم بهذه الصفات لهم العاقبة الحسنة، بالإقامة يوم القيامة بأحسن دار وهى الجنة. 23- تلك العاقبة الطيبة إقامة مستمرة فى الجنات والنعيم، يكونون فيها هم وآباؤهم الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، ومعهم أزواجهم وذرياتهم والملائكة تحييهم وتجئَ إليهم من كل ناحية. 24- وتقول لهم: السلام الدائم لكم بسبب صبركم على الأذى وصبركم فى مكافحة أهوائكم، وما أحسن هذه العاقبة التى صرتم إليها، وهى الإقامة فى دار النعيم. 25- وأن أوصاف المؤمنين الطيبة تقابلها أوصاف المشركين الذميمة.. فالمشركون ينقضون عهد الله الذى أخذه عليهم بمقتضى الفطرة ووثقه، فيخالفون فطرتهم وعقولهم بعبادتهم حجارة لا تنفع، ولا تضر، وينكثون فى عهودهم مع العباد، ثم يقطعون مودتهم مع الناس وصلتهم بالله، فلا يطيعون أوامره ولا يفردونه بالعبادة ويفسدون فى الأرض بالاعتداء فيها، وعدم إصلاحها والانتفاع بها، والله سبحانه لا يحب العبث والإفساد.
د. أسعد حومد
تفسير : (21) - وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُهْتَدُونَ يَصِلُونَ الأَرْحَامَ التِي أَمَرَ اللهُ بِوَصْلِهَا، وَيُحْسِنُونَ إِلى الأَقْرِبَاءِ وَالفُقَرَاءِ، وَيُعَامِلُونَهُمْ بِالمَودَّةِ وَالحُسْنَى، وَيَبْذُلُونَ المَعْرُوفَ، وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ فِيمَا يَأْتُونَ، وَيُرَاقِبُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، وَعَدَمِ الصَّفْحِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وأوَّل ما أمر به الله أَنْ يُوصَل هو صِلَة الرَّحِم؛ أي: أن تَصل ما يربطك بهم نَسَبٌ. والمؤمن الحقٌّ إذا سَلْسَل الأنساب؛ فسيدخل كُلُّ المؤمنين في صِلَة الرَّحم؛ لأن كل المؤمنين رَحِم مُتداخِل؛ فإذا كان لك عَشْرة من المؤمنين تَصِلهم بحكم الرَّحِم؛ وكل مؤمن يَصل عشرة مثلك، انظر إلى تداخل الدوائر وانتظامها؛ ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي: "حديث : أنا الرحمن؛ خلقت الرَّحم، واشتققتُ لها اسماً من اسمي؛ فمن وصلها وَصَلْته؛ ومن قطعها قطعتُه ". تفسير : وقد رَويْتُ من قَبْل قصةً عن معاوية رضي الله عنه؛ فقد جاء حاجبه ليعلن له أن رجلاً بالباب يقول: إنه أخوك يا أمير المؤمنين. ولا بد أن حاجبَ معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوةَ له، لكنه لم يَشَأْ أنْ يتدخَّل فيما يقوله الرجل؛ وقال معاوية لحاجبه: ألاَ تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذِنَ معاويةُ للرجل بالدخول؛ وسأله: أي إخوتي أنت؟ أجاب الرجل: أخوك من آدم. قال معاوية: رَحِم مقطوعة؛ والله لأكون أوَّلَ من يَصلها. والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة؛ وقال لهم: من أين أنتم؟ قالوا: من خُراسان. قال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شِئْتم. وقد أمرنا سبحانه أن نَصِلَ الأهل أولاً؛ ثم الأقارب؛ ثم الدوائر الأبعد فالأبعد؛ ثم الجار، وكُلُّ ذلك لأنه سبحانه يريد الالتحام بين الخلق؛ ليستطرق النافع لغير النافع، والقادر لغير القادر، فهناك جارك وقريبك الفقير إنْ وصلْتَه وصلَك الله. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ومِنْ خلاله يأمر كل مؤمن برسالته: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} تفسير : [الشورى: 23]. وقال بعض مَنْ سمعوا هذه الآية: قُرْباك أنت في قُرْباك. وقال البعض الآخر: لا، القربى تكون في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن قال في محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 6]. وهكذا تكون قرابة الرسول أَوْلَى لكل مؤمن من قرابته الخاصة. يستمر قول الحق سبحانه في وصف أُولِي الألباب: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21]. والخشية تكون من الذي يمكن أن يُصيبَ بمكروه؛ ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه؛ أي: أنهم يخافون الله مالكهم وخالقهم ومُربِّيهم؛ خوف إجلال وتعظيم. وجعل سبحانه المخاف من سوء العذاب؛ وأنت تقول: خِفْتُ زيداً، وتقول: خِفْتُ المرض، ففيه شيء تخافه؛ وشيء يُوَقِع عليك ما تخافه. وأولو الألباب يخافون سُوء حساب الحق سبحانه لهم؛ فيدفعهم هذا الخوف على أَنْ يَصِلوا ما أمر به سبحانه أنْ يُوصَل، وأنْ يبتعدوا عن أي شيء يغضبه. ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه؛ فسبحانه مُنزَّه عن ظلم أحد، ولكن مَنْ يُناقش الحسابَ فهو مَنْ يَلْقى العذاب؛ ونعوذ بالله من ذلك، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذابَ الحق له. ويواصل الحق سبحانه وَصْف أُولي الألباب فيقول: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1372- عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، في قوله تعالى: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ}: [الآية: 21]، قال: أخبرني عمرو بن مالك قال: سمعت أبا الجوزاء يقول في قوله تعالى: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}، قال: المناقشة بالأعمال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):