Verse. 1729 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَالَّذِيْنَ صَبَرُوا ابْتِغَاۗءَ وَجْہِ رَبِّہِمْ وَاَقَامُوا الصَّلٰوۃَ وَاَنْفَقُوْا مِمَّا رَزَقْنٰہُمْ سِرًّا وَّعَلَانِيَۃً وَّيَدْرَءُوْنَ بِالْحَسَـنَۃِ السَّيِّئَۃَ اُولٰۗىِٕكَ لَہُمْ عُقْبَى الدَّارِ۝۲۲ۙ
Waallatheena sabaroo ibtighaa wajhi rabbihim waaqamoo alssalata waanfaqoo mimma razaqnahum sirran waAAalaniyatan wayadraoona bialhasanati alssayyiata olaika lahum AAuqba alddari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين صبروا» على الطاعة والبلاء وعن المعصية «ابتغاء» طلب «وجه ربهم» لا غيره من أعراض الدنيا «وأقاموا الصلاة وأنفقوا» في الطاعة «مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءُون» يدفعون «بالحسنة السيئة» كالجهل بالحلم والأذى بالصبر «أولئك لهم عُقبى الدار» أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي.

22

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } على ما تكرهه النفس ويخالفه الهوى. {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} طلباً لرضاه لا لجزاء وسمعة ونحوهما. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } المفروضة. {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } بعضه الذي وجب عليهم إنفاقه. {سِرّا } لمن لم يعرف بالمال. {وَعَلاَنِيَةً } لمن عرف به. {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } ويدفعونها بها فيجازون الإِساءة بالإِحسان، أو يتبعون السيئة الحسنة فتمحوها. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة، والجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لأولي الألباب فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } على الطاعة والبلاء وعن المعصية {ٱبْتِغَآءَ } طلب {وَجْهِ رَبِّهِمْ } لا غيره من أعراض الدنيا {وَأَقَامُوا ٱلْصَّلَٰوةِ وَأَنًفَقُواْ } في الطاعة {مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُنَ } يدفعون { بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ } كالجهل بالحلم، والأذى بالصبر {أُوْلـَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة،

ابن عطية

تفسير : "الصبر لوجه الله" يدخل في الرزايا والأسقام والعبادات وعن الشهوات ونحو ذلك. و {ابتغاء} نصب على المصدر أو على المفعول لأجله، و"الوجه" في هذه الآية ظاهره الجهة التي تقصد عنده تعالى بالحسنات لتقع عليها المثوبة، وهذا كما تقول: خرج الجيش لوجه كذا، وهذا أظهر ما فيه مع احتمال غيره و"إقامة الصلاة" هي الإتيان بها على كمالها، و {الصلاة} هنا هي المفروضة وقوله: {وأنفقوا} يريد به مواساة المحتاج، و"السر" هو فيما أنفق تطوعاً، و"العلانية" فيما أنفق من الزكاة المفروضة، لأن التطوع كله الأفضل فيه التكتم. وقوله: {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي ويدفعون من رأوا منه مكروهاً بالتي هي أحسن، وقيل: يدفعون بقوله: لا إله إلا الله، شركهم وقيل: يدفعون بالسلام غوائل الناس. قال القاضي أبو محمد: وبالجملة فإنهم لا يكافئون الشر بالشر، وهذا بخلاف خلق الجاهلية، وروي أن هذه الآية نزلت في الأنصار ثم هي عامة بعد ذلك في كل من اتصف بهذه الصفات. وقوله: {عقبى الدار} يحتمل أن يكون {عقبى} دار الدنيا، ثم فسر العقبى بقوله: {جنات عدن} إذ العقبى تعم حالة الخير وحالة الشر، ويحتمل أن يريد {عقبى} دار الآخرة لدار الدنيا، أي العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم. وقرأ الجمهور: "جنات عدن" وقرأ النخعي: "جنة عدن يُدخَلونها" بضم الياء وفتح الخاء. و {جنات} بدل من {عقبى} وتفسير لها. و {عدن} هي مدينة الجنة ووسطها، ومنها جنات الإقامة. من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلاً ومنه المعادن، و {جنات عدن} يقال: هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط - قاله عبد الله بن عمرو بن العاصي - ويروى: أن لها خمسة آلاف باب. وقوله: {ومن صلح} أي من عمل صالحاً وآمن - قاله مجاهد وغيره - ويحتمل: أي من صلح لذلك بقدر الله تعالى وسابق علمه. وحكى الطبري في صفة دخول الملائكة أحاديث لم نطول بها لضعف أسانيدها. والمعنى: يقولون: سلام عليكم، فحذف - يقولون - تخفيفاً وإيجازاً، لدلالة ظاهر الكلام عليه، والمعنى: هذا بما صبرتم، والقول في {عقبى الدار} على ما تقدم من المعنيين. وقرأ الجمهور "فنِعْم" بكسر النون وسكون العين، وقرأ يحيى بن وثاب "فنَعِم" بفتح النون وكسر العين. وقالت فرقة: معنى {عقبى الدار} أي أن أعقبوا الجنة من جهنم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل مبني على حديث ورد، وهو: أن كل رجل في الجنة فقد كان له مقعد معروف في النار، فصرفه الله عنه إلى النعيم، فيعرض عليه ويقال له: هذا كان مقعدك فبدلك الله منه الجنة بإيمانك وطاعتك وصبرك.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} يدفعون المنكر بالمعروف، أو الشر بالخير، أو سفاهة الجاهل بالحلم، أو الذنب بالتوبة، أو المعصية بالطاعة.

الخازن

تفسير : {والذين صبروا} يعني على طاعة الله وقال ابن عباس: على أمر الله. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي وقيل: حمله على العموم أولى فيدخل فيه الصبر على جميع النوائب والمأمورات من سائر العبادات والطاعات، وجميع أعمال البر وترك جميع المنهيات فيدخل فيه ترك جميع المعاصي من الحسد والحقد والغيبة، وغير ذلك من المنهيات، ويدخل فيه الصبر عن المباحات مثل جميع الشهوات والصبر على ما نزل به من الأمراض والمصائب، وأصل الصبر حبس النفس عما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه فالصبر لفظ عام يدخل تحته جميع ما ذكر، وإنما قيد الصبر بقوله {ابتغاء وجه ربهم} لأن الصبر ينقسم إلى نوعين: الأول الصبر المذموم وهو أن الإنسان قد يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على ما تحمل من النوازل وقد يصبر لئلا يعاب على الجزع، وقد يصبر لئلا تشمت به الأعداء، وكل هذه الأمور وإن كان ظاهرها الصبر فليس ذلك داخلاً تحت قوله: {ابتغاء وجه ربهم} لأنه لغير الله تعالى. النوع الثاني: الصبر المحمود وهو أن يكون الإنسان صابراً لله تعالى راضياً بما نزل به من الله طالباً في ذلك الصبر ثواب الله محتسباً أجره على الله فهذا هو الصبر الداخل تحت قوله ابتغاء وجه ربهم يعني صبروا على ما نزل بهم تعظيماً لله وطلب رضوانه {وأقاموا الصلاة} يعني الصلاة المفروضة. وقيل: حمله على العموم أولى فيدخل صلاة الفرض والنقل والمراد بإقامتها إتمام أركانها وهيئآتها {وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية} قال الحسن: المراد به الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها سراً، وإن كان متهماً بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها علانية. قيل: إن المراد بالسر ما يخرج من الزكاة بنفسه والمراد بالعلانية ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: المراد بالسر صدقة التطوع والمراد بالعلانية الزكاة الواجبة وحمله على العموم أولى {ويدرؤون بالحسنة السيئة} قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، وهو معنى قوله: {أية : إن الحسنات يذهبن السيئات}تفسير : [هود: 114] ويدل على صحة هذا التأويل ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية"تفسير : وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى خرج إلى الأرض"تفسير : وقال ابن كيسان: يدفعون الذنب بالتوبة وقيل: لايكافئون الشر بالشر ولكن يدفعون الشر بالخير وقال القتيبي معناه إذا سفه عليهم حلموا والسفه السيئة والحلم الحسنة، وقال قتادة: ردوا عليهم رداً معروفاً. وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا. قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية قلت إنما هي تسع خلال فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة ولما ذكر الله عز وجل هذه الخلال من أعمال البر، ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب فقال تعالى {أولئك} يعني من أتى بهذه الأعمال {لهم عقبى الدار} يعني الجنة والمعنى إن عاقبتهم دار الثواب {جنَّات عدن} بدل من عقبى الدار يعني بساتين إقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به {يدخلونها} يعني الدار التي تقدم وصفها {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} يعني ومن صدق من آبائهم بما صدقوا به، وإن لم يعمل بأعمالهم قاله ابن عباس. وقال الزجاج: إن الإنسان لا ينتفع بغير أعماله الصالحة فعلى قول ابن عباس: معنى صلح صدق وآمن ووحد، وعلى قول الزجاج معناه أصلح في عمله قال الواحدي والصحيح: ما قاله ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله حيث بشره بدخوله الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل الآتي بالأعمال الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان صالحاً في عمله، فهو يدخل الجنة. قال الإمام فخر الدين الرازي: قوله تعالى وأزواجهم ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه وروي أنه لما كبرت سودة أراد النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها فسألته أن لا يفعل، ووهبت يومها لعائشة فأمسكها رجاء أن تحشر في جملة أزواجه فهو كالدليل على ما ذكرناه. وقوله تعالى {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} يعني من أبواب الجنة. وقيل من أبواب القصور، قال ابن عباس: يريد به التحية من الله والتحف والهدايا {سلام عليكم} يعني يقولون: سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لدلالة الكلام عليه {بما صبرتم} يعني يقولون لهم: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونها في الدنيا وأدخلكم بما صبرتم في دار الدنيا على الطاعات، وترك المحرمات الجنة وقيل: إن السلام قول والصبر فعل ولا يكون القول ثواباً للفعل، فعلى هذا يكون قوله: سلام عليكم دعاء من الملائكة لهم يعني سلمكم الله بما صبرتم. قال مقاتل: إن الملائكة يدخلون عليهم في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات معهم الهدايا والتحف من الله تعالى. يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، وروى البغوي بسنده عن أبي أمامة موقوفاً عليه قال: "إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين باب مبوب فيقبل الملك من ملائكة الله يستأذن فيقوم أدنى الخدم إلى الباب فإذا بالملك يستأذن فيقول: للذي يليه ملك يستأذن ويقول الآخر: كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا له فيقول أقربهم إلى المؤمن ائذنوا له ويقول الذي يليه ائذنوا له وكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف" {فنعم عقبى الدار} يعني فنعم العقبى عقبى الدار. وقيل: معناه فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} لما ذكر الله أحوال السعداء وما أعد لهم من الكرامات والخيرات ذكر بعده أحوال الأشقياء، وما لهم من العقوبات فقال تعالى {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} ونقض العهد ضد الوفاء به، وهذا من صفة الكفار لأنهم هم الذين نقضوا عهد الله يعني خالفوا أمره، ومعنى من بعد ميثاقه من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف والقبول {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعني ما بينهم وبين المؤمنين من الرحم والقرابة {ويفسدون في الأرض} يعني بالكفر والمعاصي {أولئك} يعني من هذه صفته {لهم اللَّعنة} يعني الطرد عن رحمة الله يوم القيامة {ولهم سوء الدار} يعني النار لأن منقلب الناس في العرف إلى دورهم، ومنازلهم، فالمؤمنون لهم عقبى الدار وهي الجنة، والكفار لهم سوء الدار وهي النار. قوله تعالى {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يعني يوسع على من يشاء من عباده فيغنيه من فضله، ويضيق على من يشاء من عباده فيفقره ويقتر عليه، وهذا أمر اقتضته حكمة الله {وفرحوا بالحياة الدنيا} يعني مشركي مكة لما بسط الله عليهم الرزق أشروا وبطروا, والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المشتهى. وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام {وما الحياة الدنيا في الآخرة} يعني بالنسبة إلى الآخرة {إلا متاع} أي قليل ذاهب. قال الكلبي: المتاع مثل السكرجة والقصعة والقدر ينتفع بها في الدنيا ثم تذهب كذلك الحياة لأنها ذاهبة لا بقاء لها {ويقول الذين كفروا} يعني من أهل مكة {لولا أنزل عليه آية من ربه} يعني هلا أنزل على محمد آية ومعجزة مثل معجزة موسى وعيسى {قل} أي قل لهم يا محمد: {إن الله يضل من يشاء} فلا ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن لم يهده الله عز وجل وهو قوله {ويهدي إليه من أناب} يعني ويرشد إلى دينه والإيمان به من أناب بقلبه ورجع إليه بكليته {الذين آمنوا} بدل من قوله من أناب {وتطمئن قلوبهم} يعني وتسكن قلوبهم {بذكر الله} قال مقاتل: بالقرآن لأنه طمأنينة لقلوب المؤمنين والطمأنينة والسكون إنما تكون بقوة اليقين، والاضطراب إنما يكون بالشك {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} يعني بذكره تسكن قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها. وقال ابن عباس: هذا في الحلف وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه. فإن قلت أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال {أية : إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} تفسير : [الأَنفال: 2] والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد. قلت: إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {والذين صبروا} يعني على أمر الله {ابتغاء وجه ربهم} يعني ابتغاء رضا ربهم {وأقاموا الصلاة} يعني وأتموها {وأنفقوا مما رزقناهم} يعني من الأموال {سراً وعلانية} يعني في حق الله وطاعته {ويدرؤون} يعني يدفعون {بالحسنة السيئة} يعني يردون معروفاً على من يسيء إليه {أولئك لهم عقبى الدار} يعني دار الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه {ويدرؤون بالحسنة السيئة} قال: يدفعون بالحسنة السيئة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} قال: يدفعون الشر بالخير، لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعونه بالخير. أما قوله تعالى: {جنات عدن} أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف حيرة، لا يدخله أو لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو شهيد أو امام عادل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: قرأ عمر - رضي الله عنه - على المنبر {جنات عدن} فقال: أيها الناس، هل تدرون ما جنات عدن؟ قصر في الجنة له عشرة آلاف باب، على كل باب خمسة وعشرون ألفاً من الحور العين، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله {جنات عدن} قال: بطنان الجنة، يعني وسطها. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: {جنات عدن} وما يدريك ما جنات عدن؟.. قال: قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {جنات عدن} قال: مدينة وسط الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن - رضي الله عنه - أن عمر قال لكعب: ما عدن؟ قال: هو قصر في الجنة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. وأخرج ابن مردويه، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جنة عدن قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له: كن فكان ". تفسير : أما قوله تعالى: {يدخلونها ومن صلح من آبائهم} الآية. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي، أين ولدي، أين زوجتي،؟؟... فيقال: لم يعملوا مثل عملك. فيقول: كنت أعمل لي ولهم، ثم قرأ {جنات عدن يدخلونها ومن صلح} يعني من آمن بالتوحيد بعد هؤلاء {من آباءهم وأزواجهم وذرياتهم} يدخلون معهم {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} قال: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله ما ليس لهم في جنات عدن، ويقولون لهم: {سلام عليكم بما صبرتم} يعني على أمر الله تعالى {فنعم عقبى الدار} يعني دار الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - {ومن صلح من آبائهم} قال: من آمن في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز - رضي الله عنه - في الآية قال: علم الله تعالى أن المؤمن يحب أن يجمع الله تعالى له أهله وشمله في الدنيا، فأحب أن يجمعهم له في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قرأ {جنات عدن يدخلونها ومن صلح ...} حتى ختم الآية قال: إنه لفي خيمة من درة مجوفة، ليس فيها صدع ولا وصل، طولها في الهواء ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ومال. لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، يقوم على كل باب منها سبعون ألفاً من الملائكة، مع كل ملك هدية من الرحمن ليس مع صاحبه مثلها، لا يصلون إليه إلا بإذن بينه وبينهم حجاب. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أخس أهل الجنة منزلاً يوم القيامة له قصر من درة جوفاء، فيها سبعة آلاف غرفة، لكل غرفة سبعون ألف باب، يدخل عليه من كل باب سبعون ألفاً من الملائكة بالتحية والسلام. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه - في قوله {سلام عليكم بما صبرتم} قال: على دينكم {فنعم عقبى الدار} قال: فنعم ما أعقبكم الله تعالى من الدنيا الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {سلام عليكم بما صبرتم} قال: صبروا على فضول الدنيا. وأخرج أبو الشيخ, عن محمد بن نصر الحارثي - رضي الله عنه - {سلام عليكم بما صبرتم} قال: على الفقر في الدنيا. وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حيان وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإِيمان، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول من يدخل الجنة من خلق الله تعالى، فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من الملائكة: ائتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟!... قال الله تعالى: إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني في الدنيا ولا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوّب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا له. فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا. ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا، حتى تبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، فيدخل فيسلم عليه ثم ينصرف. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن أنس - رضي الله عنه -: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي أحداً كل عام، فإذا تفوّه الشعب، سلم على قبور الشهداء، فقال: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن محمد بن إبراهيم - رضي الله عنه - قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول{سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} وأبو بكر وعمر وعثمان ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الآية: 22]. قال أبو عثمان: صبروا عن المناهى أجمع، لا لخوف النّار بل لسبب النهى، وحرمة عظمة الناهى. قال بعضهم: صبروا عن جميع مراداتهم وخالفوا النفس فى اتباع الشهوات حفظًا لحدود الله تعالى عليهم. قال بعضهم: هذا مقام المريدين، أمروا أن يصبروا على إراداتهم، وعلى ما يلحقهم من الميثاق، ولا يطلبوا الرفاهية ولا يرجعوا إليها، ويكون ذلك ابتغاء لحقيقة تصحيح الإرادة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}. الصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأَجْلِها يصبر الصابر، فالعُبَّاد يصبرون لخوف العقوبة، والزهاد يصبرون طمعاً في المثوبة، وأصحاب الإرادة هم الذين صبروا ابتغاء وجهِ ربهم؛ وشرطُ هذا النوع من الصبر رَفْضُ ما يمنع من الوصول، واستدامةُ التوقي منه، فيدخل فيه ترك الشهوات، والتجردُ عن جميع الشواغل والعلاقات، فيصبر عن العِلَّةِ والزَّلةِ، وعن كل شيءٍ يشغل عن الله. ومما يجب عليه الصبر الوقوفُ على حكم تَعزُّزٍ الحق، فإنَّه - سبحانه - يتفضّلُ على الكافة من المجتهدين، ويتعزز - خصوصاً - على المريدين، فيمنحهم الصبر في أيام إرادتهم، فإذا صَدَقُوا في صبرهم جَادَ عليهم بتحقيق ما طلبوا. قوله جلّ ذكره: {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}. الأغنياء ينفقون أموالَهم. والعُبَّاد ينفقون نفوسَهم ويتحملون صنوف الاجتهاد، ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد. والمريدون ينفقون قلوبهم فيسرعون إلى أداء الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوحَ علم من الإقبال عليهم. وأمَّا المحبون فينفقون أرواحَهم.. وهي كما قيل: شعر : ألستَ لي خَلَفاً؟ كفى شَرَفَاً فما وراءَكَ لي قَصْدٌ ومطلوبُ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. يعاشرون الناس بِحُسْنِ الخُلُق؛ فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف، وإِنْ عَامَلَهم أحدٌ بالجفاء قابلوه بالوفاء، وإِنْ أذنب إليهم قومٌ اعتذروا عنهم، وإن مرضوا عادوهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين صبروا} على ما تكرهه النفوس من انواع المصائب ومخالفة الهوى من مشاق التكاليف {ابتغاء وجه ربهم} طلبا لرضاه من غير ان ينظروا الى جانب الخلق رياء وسمعة ولا الى جانب النفس زينة وعجبا. واعلم ان مواد الصبر كثيرة منها. الصبر على العمى وفى الحديث القدسى "حديث : اذا ابتليت عبدى بحبيبتيه" تفسير : اى العينين وسميتا بذلك لانهما احب الاشياء الى الشخص "حديث : فصبر على البلاء راضيا بقضاء الله تعالى عوضته منها الجنة" تفسير : والاعمى اول من يرى الله تعالى يوم القيامة. ومنها الصبر على الحمى وصداع الرأس وموت الاولاد والاحباب وغير ذلك من انواع الابتلاء. ومنها الصوم فان فيه صبرا على ما تكرهه النفس من حيث انها مألوفة بالاكل والشرب والصوم ربع الايمان بمقتضى قوله عليه السلام "حديث : الصوم نصف الصبر والصبر نصف الايمان"تفسير : : قال الحافظ شعر : ترسم كزين جمن نبرى آستين كل كز كلشنش تحمل خازى نميكنى تفسير : رى - ان شقيق بن ابراهيم البلخى دخل على عبد الله بن المبارك متنكرا فقال له عبد الله من اين اتيت فقال من بلخ قال وهل تعرف شقيقا قال نعم قال كيف طريقة اصحابه فقال اذا منعوا صبروا واذا اعطوا شكروا فقال عبد الله طريقة كلا بنا هكذا فقال وكيف يتبغى ان يكون الامر فقال الكاملون هم الذين اذا منعوا شكروا وان اعطوا آثروا. قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى بعض مناجاته اللهم انى احمدك فى السراء والضراء واقول فى السراء الحمد لله المنعم المفضل نظرا الى النعمة الظاهرة والمنحة الجلية فى السراء واقول فى الضراء الحمد لله على كل حال نظرا الى النعمة الباطنة والمنحة الخفية فى الضراء لكن اشكرك فى السراء واقول الشكر لله طمعا فى زيادة النعمة والمنحة بمقتضى وعدك فى قولك لئن شكرتم لازيدنكم فاذا دفعت عنى البلية ورفعت المحنة فاشكرك مطلقا كما احمدك كذلك واقول الشكر لله مطلقا كما اقول الحمد لله كذلك انتهى. وهذا كلام لم ار مثله من المتقدمين حقيق بالقبول والحفظ فرضى الله عن قائله {واقاموا الصلوة} المفروضة اى داوموا على اقامتها {وانفقوا مما رزقناهم} اى بعضه الذى وجب عليهم انفاقه فمن للتبعيض والمراد بالبعض المتصدق بالزكاة المفروضة لاقترانه بالصلاة التى هى اخت الزكاة وشقيقتها او مطلق ما ينفق فى سبيل الله نظرا الى اطلاق اللفظ من غير قرينة الخصوص {سرا} لمن لا يعرف بالمال يتناول النوافل لانها فى السر افضل {وعلانية} لمن عرف به يشمل الفرائض لوجوب المجاهرة بها نفيا للتهمة وانتصابها على الحال اى ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين او على الظرف اى وقتى سر وعلانية او على المصدر اى انفاق سر وعلانية. والمعنى اسرار النوافل من الصدقات والاعلان بالفرائض. ومن الانفاق الواجب الانفاق على الابوين اذا كانا فقيرين. قال الفقهاء تقدم الام على الاب فى النفقة اذا لم يكن عند الولد الا كفاية احدهما لكثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق فى حمله ثم وضعه ثم ارضاعه ثم تربيته وخدمته ومعالجة اوساخه وتمريضه وغير ذلك كما فى الفتح القريب. قال الشيخ عز الدين الواجب قسمان واجب بالشرع وواجب بالمروءة والسخى هو الذى لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فان منع واجبا منهما فهو بخيل ولكن الذى يمنع واجب الشرع ابخل كالذى يمنع اداء الزكاة والنفقة الواجبة او يؤديها بمشقة فانه بخيل بالطبع متسخ بالتكلف او كان بحيث لا يطيب له ان يعطى من اطيب ماله او من اوسطه فهذا كله بخل واما واجب المروءة المضايقة والاستقصاء في المحقرات فان ذلك مستقبح واستقباحه يختلف بالاحوال والاشخاص فمن كثر ماله يستقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ما لا يستقبح اقل منه فى المبالغة والمعاملة فيختلف ذلك بما فيه المضايقة من ضيافة او معاملة وبما به المضايقة من طعام او ثوب فالبخيل هو الذى يمنع حيث ينبغى ان لا يمنع اما بحكم الشرع واما بحكم المروءة وجاء فى وصف البخيل شعر : لو عبر البحر بامواجه فى ليلة مظلمة بارده وكفه مملوءة خردلا ما سقطت من كفه واحده تفسير : وفيه شعر : خواجه درماهتاب نان ميخورد در سرايى كه هيج خلقى نبود سايه خويش را كسى بنداشت كاسه از بيش خويشتن بربود تفسير : واعلم ان الله تعالى اسند الانفاق اليهم واعطاء الرزق الى ذاته تعالى تنبيها على انهم امناء الله فيما اعطاهم ووكلاؤه والوكيل دخيل فى التصرف لا اصيل فينبغى له ان يلاحظ جانب الموكل لا جانب نفسه ولا جانب الخلق وقد قالوا من طمع فى شكر او ثناء فهو بياع لا جواد فانه اشترى المدح بماله والمدح لذيذ مقصود فى نفسه والجود هو بذل الشئ من غير غرض شعر : كرم ولطف لى غرض بايد تاازان مردمتهم نبود از كرم جون جزا طمع دارى آن تجارت بود كرم نبود تفسير : ومن الكرم ضيافة الاخوان فى شهر رمضان وفى الحديث "حديث : يا اصحابى لا تنسوا امواتكم فى قبورهم خاصة فى شهر رمضان فان ارواحهم يأتون بيوتهم فينادى كل احد منهم الف مرة من الرجال والنساء اعطفوا علينا بدرهم او برغيف او بكسرة خبز او بدعوة او بقراءة آية او بكسوة كساكم الله من لباس الجنة" تفسير : كذا فى ربيع الابرار فاذا كان الرغيف او الكسرة مفيدا مقبولا عند الله تعالى فما ظنك بما فوقه من اللذائذ وفى الحديث "حديث : من لقم اخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة" تفسير : {ويدرءون بالحسنة السيئة} ويدفعونها بها فيجاوزون الاساءة بالاحسان والظلم بالعفو والقطع بالوصل والرحمان بالعطاء شعر : كم مباش از درخت سايه فكن هركه سنكس زند ثمر بخشش از صدف يادكير نكته حلم هركه زد برسرش كهر بخشش تفسير : او المعنى يتبعون الحسنة بالسيئة فتمحوها واحسن الحسنات كلمة لا اله الا الله اذ التوحيد رأس الدين فلا افضل منه كما ان الرأس افضل الجوارح. وعن ابن كيسان اذا اذنبوا تابوا فيكون المراد بالحسنة التوبة وبالسيئة المعصية. قال عبد الله بن المبارك هذه ثمان خصال مسيرة الى ثمانية ابواب الجنة {أولئك} [آن كروه كه بدين صفات موصوفند] {لهم عقبى الدار} عاقبة الدنيا ومرجع اهلها وهى العاقبة المطلقة التى هى الجنة واما النار فانما كانت عقبى الكافرين لسوء اختيارهم وليس كونها عاقبة دار الدنيا مقصودا بالذات بخلاف الجنه

الطوسي

تفسير : هذه الآية ايضاً من تمام وصف الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ميثاقه ويصلون ما امر الله بوصله، ويصبرون على ترك معاصي الله، والقيام بما أوجبه عليهم، والصبر على بلاء الله وشدائده من الامراض والفقر وغير ذلك. والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لا يجوز من الفعل وهو تجرع مرارة تمنع النفس مما تحب من الامر. ومعنى قوله {ابتغاء وجه ربهم} اي يفعلون ذلك طلب عظمة ربهم. والعرب تقول ذلك في تعظيم الشيء يقولون: هذا وجه الرأي، وهذا نفس الرأي المعظم، فكذلك سبيل وجه ربهم اي نفسه المعظم بما لا شيء اعظم منه، ولا شيء يساويه في العظم. والمعنى ابتغاء ثواب ربهم. وقوله {وأقاموا الصلاة} يعني اقاموها بحدودها. وقيل: معناه داوموا على فعلها و {أنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية} اي ظاهراً وباطناً، ما يجب عليهم من الزكاة، وما ندبوا اليه من الصدقات. والسر إخفاء المعنى في النفس، ومنه السرور، لانه لذة تحصل في النفس، ومنه السرير، لانه مجلس سرور. وقوله {ويدرءون بالحسنة السيئة} معناه يدفعون بفعل الطاعة المعاصي، يقال: درأته ادرؤه درءاً إذا دفعة. وقال ابن زيد: الصبر على وجهين: احدهما - الصبر لله على ما احب. والآخر - الصبر على ما كره، كما قال {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} وقيل يدرؤن سفه الجهال بما فيهم من الحلوم. وقيل: انهم يدفعون ظلم الغير عن نفوسهم بالرفق والمواعظ الحسنة. ثم قال تعالى مخبرأ ان هؤلاء الذين وصفهم بهذه الصفات {لهم عقبى الدار} اي عاقبة الدار، وهي الجنة التي وعد الله الصابرين بها.

الجنابذي

تفسير : {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} وجه الرّبّ هو ملكوت ولىّ الامر، وابتغاؤه عبارة عن انفتاح باب القلب حتّى يظهر ويتمثّل له ولىّ الامر بملكوته والصّبر لذلك الابتغاء ان لا ينصرف عن ذكره القلبىّ الخفىّ او اللّسانىّ الجلىّ، والصّبر عليه يسلتزم عدم الجزع وعدم الخروج الى المهويّات {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} باقامة الصّلاة القالبيّة وحفظ حدودها ومواقيتها وادامة الذّكر الّذى هو صلاة الصّدر واتّصاله بالفكر الّذى هو صلاة القلب وهو تمثّل ملكوت الشّيخ {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} من الاموال والاعراض الدّنيويّة والقوى والاعراض والجاه والحشمة ومن نسبة الافعال والصّفات والانانيّات الى انفسهم {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} السّرّ والعلانية فى كلّ مقام بحسبه، فانّ الانسان من اوّل استقرار نطفته فى الانفاق والخلع واللّبس والاستعواض من الله تكويناً وبعد البلوغ بل وقت التّمرين يكلّف بالانفاق من الاموال بل من الفعليّات السّفليّة وان كان لا يشاهد الأعواض ولا المنفق من القوى والفعليّات سوى الاموال الدّنيويّة، واصل الانفاق سرّاً ان ينفق من فعليّاته وانانيّته من غير شعورٍ منه بالانفاق والمنفق فضلاً عن اطّلاع الغير عليه {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} الحسنة هى الولاية وكلّ فعل او حال او خلق كان متّصلاً بالولاية كان حسنةً، والسّيئّة فى الحقيقة هى عدوّ علىًّ (ع) وكلّ فعل وخلق وحال متّصل بجهته وطريقه سيّئة، ويجرى الحسنة والسّيّئة فى كلّ فعل يكون مشاكلاً لهما كافعال من كان غافلاً عن ولاية ولىّ الامر {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} عقبى الدّار غلّبت على العاقبة الحسنى كأنّ من كان له العاقبة السّوءى لا عاقبة له.

اطفيش

تفسير : {والذِينَ صَبرُوا} على الطاعة، وعن المعصية والشهوات ولو مباحات، وعلى المصائب، وعما يريده هواه، وهذا أولى من قول عطاء: صبروا على المصائب، ومن قول بعض: على الطاعة، ومن قول ابن عباس: على أمر الله، ومن قول بعض: عن الشهوات والمعاصى للعموم. {ابتغاءَ وجْه ربِّهم} وجه الله هو الله، كما تقول نفس زيد، وذات زيد، والمراد صبروا طلبا لرضا الله سبحانه، وعلى ذلك يثابون، لا ليقال: فلان صبور، أو لئلا يعاقب عليه الجزع فى نحو مصيبة، أو لئلا يعاقب على الجزع، أو لئلا تشمت به الأعداء، أو صبر عن معصية لعدم تيسرها، أو لعدم موافقتها طبعه أو نحو ذلك ما ليس لله، فإنه لا ثواب عليه، بل يعاقب على مسمعته وريائه. {وأقامُوا الصَّلاة} إتمامها فى نفسها ووظائفها، والمراد المفروضة على ما يتبادر لى، وقيل المفروضة والنافلة، واختاره بعضهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، يراها حقا لله عليه حرم على النار " تفسير : {وأنفقُوا ممَّا رزقْناهم} أى انفقوا فى طاعة الله لصلة الرحم والصدقة على الفقير، وفى الجهاد النفقة الواجبة فى أهلها كالزكاة والنافلة {سراً} إذا كانت نافلة {وعَلانيةً} إذا كانت واجبة مطلقا بنية إعزاز شعائر الله وتعظيمها، أو كانت نافلة بنية أن يقتدى به مع سلامة قلبه من الرياء، وقيل: أسرار النفل مطلقا أولى، إذ لا يدرى ما يفجأه عليه من المفسدات، ولحديث: "إن عمل السر مضاعف على عمل العلانية" وأما حديث: "إنه إذا أخبر بعمله بقيت له حسنة واحدة" فلعله فيما إذا لم يخبر به لرياء أو سمعة، وإلا لم تبق له واحدة، بل آب بوزره. وقال الحسن: المراد فى الآية الزكاة يؤديها الإنسان سرا إذا لم يعرف بالمال أو عرف به، ولم يتهم على منعها، وعلانية إذا عرف به واتهم على منعها، وقيل إذا عرف به أداها علانية ولو لم يتهم. قلت: إن أراد لإعطائها إزالة التهمة فقط أو إزالتها وثواب الله لم يثب عليها، وإن أراد بإعطائه ثوابه فقط، ولكن لما لم يجد بدا من إظهارها، فإظهارها بنية اجتناب نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل الإنسان ما يتهم عليه لا بنية مجرد الذب عن نفسه أثيب فافهم. وقيل: المراد بالإنفاق سرا إنفاق الزكاة بنفسه، وبالإنفاق علانية أداءها إلى الإمام، والمذهب أنها لا يجزى صاحبها المعطى لها بنفسه إلا إن أذن له الإمام، إذا كان الإمام. وقيل: المراد بالأول النفل، وبالثانى الفرض، ويجوز أن يريد بذكر السر والعلانية الكناية عن إكثار الإنفاق، ومن للتبعيض أو للابتداء، والزرق يطلق على الحلال والحرام على الصحيح، وقال به أصحابنا، ولكن المراد هنا الحلال، إذ لا مدح على إنفاق الحرام، بل ذم، وزعمت المعتزلة: أن الرزق لا يطلق إلا على الحلال، وإن أكل الحرام أو المستنفع به أكل ما ليس رزقا له، أو مستنفع بما ليس رزقا له، والنصب على الحال، أى ذوى سر وعلانية، أو مسرين ومعلنين، أو على المفعولية المطلقة، أى إنفاق سر وعلانية، والظرفية أى وقت سر وهو الوقت الذى إذا أنفقوا فيه لم يظهر مثل الوقت الذى لم يحضر سوى الأخذ، أو خص من هو مجنون أو سكران أو نائم أو أعمى، ووقت العلانية وهو الوقت الذى إن أنفق فيه ظهر. {ويدْرءونَ} يدفعون {بالحسَنة} أى بالفعلة الحسنة {السَّيئةَ} الفعلة السيئة، كالظلم بالعفو، والقطع بالوصل والحرمان بالإعطاء، والكلام القبيح بالحسن، والأذى بالصبر، حديث : قال رجل: يا رسول الله إن لى جارا يسئ مجاورتى أفأفعل به كما يفعل بى؟ قال: "لا إن اليد العليا خير من اليد السفلى"تفسير : وذلك قول ابن عباس والحسن. وقيل عن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم، وعنه يتبع الذنب بعمل صالح يدفعه به، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية العلانية"تفسير : . وقال ابن كيسان: يدفع الذنب بالتوبة، وقيل: يدفعون المنكر بالنهى عنه. {أولئكَ لَهم عُقْبى الدَّار} أى عقبى هذه الدار الحاضرة التى هى الدنيا وعقباها الجنة، لأنها تأتى عقبها أو عقبى الدار الكاملة، وهى الآخرة، وعقباها الجنة، وأضيفت إليها لأنها فيها، أو الدار العاقبة، أو عاقبة هى الدار الكاملة وهى الجنة.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ صَبَرُوا} علىالطاعة وتجويدها فى إِخلاص فرضا ونفلا، وعلى المصائِب وعن المعاصى، والنفل لا يلزم ولكن لما كان تارك السنن المؤكدة لا يتولى إِن لم تسبق له الولاية أُدرجت النفل فى الآية {ابْتِغَاءَ وَجْهِ ربِّهِمْ} ذوى ابتغاءِ ثواب وجه ربهم، أَو مبتغين لثوابه أَو لابتغائِه، لا ابتغاءِ عرض الدنيا بالصبر كالمال والشهرة بالصبر فى ذلك والرياءُ وما هو من جانب الخلق، وحذر أَن لا تشمت به الأَعداء {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} المفروضة، وأَما غير المفروضة إِن أَتوابها متهاونين فمن سوءِ الأَخلاق، وسوءِ الأَخلاق يجر إِلى سائِر الذنوب، ويجوز تفسير الآية بالصلاة الواجبة وغير الواجبة حملا للكلام على المدح لصفات الخير، ولو كان الإِخلال بالنفل لا تدخل به النار، ومن تضييع الصلاة الجمع بين الصلاتين بلا ضرورة فقد خلى الثانية ومن وقتها إِذا جمع قبله ولو كان فى السفر إِذا كان فى قرية آمنا وأَجزتهم على قول اشتراك الأُولى والثانية من أَول وقت الأُولى إِلى أَواخر وقت الثانية، وتقرر أَنه من جمع بين الصلاتين بلا عذر أَجزتاه، ولا ثواب، وعطف قوله: يخافون على قوله: يخشون عطف خاص على عام، وكذا عطف قوله: وأَقاموا الصلاة {وأَنْفَقُوا} على قوله: صبروا {مِمَّا رَزَقْناهُمْ} أَى بعضه وهو ما وجب من الزكاة والضيافة ونفقة الأَصل الواجبة وتنجية المضطر، ويقال أَيضا: لا بأْس بإِدراج النفل لأَن المقام مقام مدح، وترك اللذة المباحة، ولو كان الإِخلال بالنفل لا يدخل النار {سِرَّا وَعَلاَنِيةً} بأَى حال اتفقت لحرصهم علىالطاعة لا يُؤخرون الفرض إِلى وقت العلانية، ولا النفل إلى وقت السر" أية : وسارعوا إِلى مغفرة من ربكم" تفسير : [آل عمران: 133] أَو سرا فى النفل وعلانية فى الفرض لأَن من شأْن الفرض الإِعلان قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة فإِن عرف بالمال أَداها جهرا وإِلا فسرا، ولا مانع من رد سرا وعلانية إِلى الصلاة والإِنفاق معا، ونصبهما على الظرفية أَى وقت سر ووقت علانية، أَو حال، أَى ذوى سر وذوى إِعلان، أَو مسرين ومعلنين {وَيَدْرَءُونَ} يدفعون {بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} كالجهل بالحلم والأَذى بالصبر والحرمان بالعطاءِ والجفاءِ بالأَدب مع الجافى، وما يؤدى إِلى سوءٍ ترك، كما جاءَ من الجفاءِ الإِقبال على من أَعرض، أَو يتبع السيئَةَ بالحسنةِ قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إِذا عملت سيئَة فاعمل بجنبها حسنة تمحها"تفسير : أَو يدفعون المعصية بالتوبة، دخل شفيق البلخى على عبد الله ابن المبارك أَو بالعكس وهو المشهور متنكرا فقال: إِذا منعوا صبروا وإِذا أُعطوا شكروا، فقال شفيق: هذه صفة كلابنا ببلخ، أَو قال عبد الله هذه صفة كلابنا، فقال أَحدهما للآخر فكيف الأَمر؟ فقال: إِذا منعوا شكروا وإِن أُعطوا آثروا، ويزاد على ذلك أَنهم يجزون الظالم بالمغفرة والمسىءَ بالإِحسان، كما قيل:شعر : يجزون من ظلم أَهل الظلم مغفرة ومن إِساءَة أَهل السوءِ إِحسانا تفسير : {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} العاقبة المحمودة فى الدار الآخرة، والدار الآخرة ما بعد الموت، شاملة للجنة والنار، والمحمودة منها الجنة، وهى المراد هنا، أَو الدار الدنيا وعقباها الجنة؛ لأَنها تجىءُ بعدها ونتيجة لها لمن اتخذها مطية إِلى الخير، وينتهى بشأْن الدنيا إلى الآخرة بجنة أَو نار، والمراد هنا الجنة.

الالوسي

تفسير : . {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } على كل ما تكرهه النفس من المصائب المالية والبدنية وما يخالفه هوى النفس كالانتقام ونحوه ويدخل فيما ذكر التكاليف {ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ } طلباً لرضاه تعالى من غير أن ينظروا إلى جانب الخلق رياء أو سمعة ولا إلى جانب أنفسهم زينة وعجباً، وقيل: المراد طالبين ذلك فنصب {ٱبْتِغَاء } على الحالية وعلى الأول هو منصوب على أنه مفعول له، والكلام في مثل الوجه منسوباً إليه تعالى شهير. وفي «البحر» ((أن الظاهر منه هٰهنا جهة الله تعالى أي الجهة التي تقصد عنده سبحانه بالحسنات ليقع عليها المثوبة كما يقال: خرج زيد لوجه كذا، وفيه أيضاً أنه جاءت الصلة هنا بلفظ الماضي وفيما تقدم بلفظ المضارع على سبيل التفنن في الفصاحة لأن المبتدأ في معنى اسم الشرط والماضي كالمضارع في اسم الشرط فكذلك فيما أشبهه، ولذا قال النحويون: إذا وقع الماضي صلة أو صفة لنكرة عامة احتمل أن يراد به المضي وإن يراد به الاستقبال، فمن الأول {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [آل عمران: 173] ومن الثاني {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 34] ويظهر أيضاً أن اختصاص هذه الصلة بالماضي وما تقدم بالمضارع أن ما تقدم قصد به الاستصحاب والالتباس وأما هذه فقد قصد بها تقدمها على ذلك لأن حصول تلك الصلات إنما هي مترتبة على حصول الصبر وتقدمه عليها ولذا لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي إذ هو شرط في حصول التكاليف وإيقاعها.)) وفي "إرشاد العقل السليم" حيث كان الصبر ملاك الأمر في كل ما ذكر من الصلات السابقة واللاحقة أورد بصيغة الماضي اعتناء بشأنه ودلالة على وجوب تحققه فإن ذلك مما لا بد منه إما في نفس الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعة والخامسة أو في إظهار أحكامها كما في الصلات الثلاث المذكورات فإنها وإن استغنت عن الصبر في أنفسها حيث لا مشقة على النفس في الاعتراف بالربوبية والخشية والخوف لكن إظهار أحكامها والجري على موجبها غير خال عن الاحتياج إليه وهو لا يخلو عن شيء، والأولى على ما قيل الاقتصار في التعليل على الاعتناء بشأنه. وعطف قوله سبحانه: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } وكذا ما بعده على ذلك على ما نص عليه غير واحد من باب عطف الخاص العام، والمراد بالصلاة قيل الصلاة المفروضة وقيل مطلقاً وهو أولى، ومعنى إقامتها إتمام إركانها وهيآتها {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } بعض ما أعطيناهم وهو الذي وجب عليهم إنفاقه كالزكاة وما ينفق على العيال والمماليك أو ما يشمل ذلك والذي ندب {سِرّا } حيث يحسن السر كما في إنفاق من لا يعرف بالمال إذا خشي التهمة في الإظهار أو من عرف به لكن لو أظهره ربما داخله الرياء والخيلاء، وكما في الإعطاء لمن تمنعه المروءة من/ الأخذ ظاهراً {وَعَلاَنِيَةً } حيث تحسن العلانية كما إذا كان الأمر على خلاف ما ذكر، وقال بعضهم: إن الأول مخصوص بالتطوع والثاني بأداء الواجب، وعن الحسن أن كلا الأمرين في الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سراً وإلا فالأولى أداؤها علانية، وقيل: السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الإمام والأولى الحمل على العموم، ولعل تقديم السر للإشارة إلى فضل صدقته، وجاء في "الصحيح" عد المتصدق سراً من الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة. {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } أي يدفعون الشر بالخير ويجازون الإساءة بالإحسان على ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد، وعن ابن جبير يردون معروفاً على من يسيء إليهم فهو كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وقيل: يتبعون السيئة بالحسنة فتمحوها. وفي الحديث حديث : أن معاذاً قال: "أوصني يا رسول الله قال: إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية"تفسير : وعن ابن كيسان يدفعون بالتوبة معرَّة الذنب. وقيل: بلا إله إلا الله شركهم، وقيل: بالصدقة العذاب. وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره، وقيل وقيل، ويفهم صنيع بعض المحققين اختيار الأول فهم كما قيل:شعر : يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحساناً تفسير : وهذا بخلاف خلق بعض الجهلة:شعر : جريء متى يظلم يعاقب بظلمه سريعاً وإن لا يبد بالظلم يظلم تفسير : وقال في «الكشف»: الأظهر التعميم أي يدرؤون بالجميل السيء سواء كان لأذاهم أو لا مخصوصاً بهم أو لا طاعة أو معصية مكرمة أو منقصة ولعل الأمر كما قال، وتقديم المجرور على المنصوب لإظهار كمال العناية بالحسنة. {أُوْلَـٰئِكَ } أي المنعوتون بالنعوت الجليلة والملكات الجميلة، وليس المراد بهم أناساً بأعيانهم وإن كانت الآية نازلة ـ على ما قيل ـ في الأنصار، واسم الإشارة مبتدأ خبره الجملة الظرفية أعني قول سبحانه: {لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } أي عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أمر أهلها وهي الجنة، فتعريف الدار للعهد والعاقبة المطلقة تفسر بذلك وفسرت به في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الأعراف: 128] وفسرها الزمخشري أيضاً بالجنة إلا أنه قال: لأنها التي أراد الله تعالى أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها، وفيه على ما قيل شائبة اعتزال. وجوز أن يراد ـ بالدار ـ الآخرة أي لهم العقبى الحسنة في الدار الآخرة، وقيل: الجار والمجرور خبر اسم الإشارة و {عُقْبَىٰ } فاعل الاستقرار، وأياً ما كان فليس فيه قصر حتى يرد أن بعض ما في حيز الصلة ليس من العزائم التي يخل إخلالها بالوصول إلى حسن العاقبة. وقال بعضهم: إن المراد مآل أولئك الجنة من غير تخلل بدخول النار فلا بأس لو قيل بالقصر، ولا يلزم عدم دخول الفاسق المعذب الجنة، والقول إنه موصوف بتلك الصفات في الجملة كما ترى. والجملة خبر للموصولات المتعاطفة إن رفعت بالابتداء أو استئناف نحوي أو بياني في جواب ما بال الموصوفين بهذه الصفات؟ إن جعلت الموصولات المتعاطفة صفات ـ لأولي الألباب ـ على طريقة المدح من غير أن يقصد أن يكون للصلات المذكورة مدخل في التذكر، والأول أوجه لما في "الكشف" من رعاية التقابل بين الطائفتين، وحسن العطف في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ } تفسير : [الرعد: 25] وجريهما على استئناف الوصف للعالم ومن هو كأعمى.

الواحدي

تفسير : {والذين صبروا} على دينهم وما أُمروا به {ابتغاء وجه ربِّهم} طلب تعظيم الله تعالى {ويدرؤون} يدفعون {بالحسنة} بالتَّوبة {السيئة} المعصية، وهو أنَّهم كلَّما أذنبوا تابوا {أولئك لهم عقبى الدار} يريد: عقباهم الجنَّة. {جنات عدن يدخلونها ومَنْ صلح من آبائهم} ومَنْ صدَّق بما صدَّقوا به - وإن لم يعملْ مثل أعمالهم - يلحق بهم كرامةً لهم {والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب} بالتَّحيَّة من الله سبحانه، والهدايا. {سلامٌ عليكم} يقولون: سلامٌ عليكم، والمعنى: سلَّمكم الله من العذاب {بما صبرتم} بصبركم في دار الدُّنيا عمَّا لا يحلُّ {فنعم عقبى الدار} فنعم العقبى عقبى داركم التي عملتم فيها ما أعقبكم الذي أنتم فيه. {والذين ينقضون...} الآية. مُفسَّرة في سورة البقرة. {الله يبسط الرزق} يُوسِّعه {لمن يشاء ويقدر} ويضيِّق {وفرحوا} يعني: مشركي مكة بما نالوا من الدُّنيا، وبطروا {وما الحياة الدنيا في الآخرة} في حياة الآخرة أَيْ: بالقياس إليها {إلاَّ متاع} قليلٌ ذاهبٌ يُتمتَّع به ثمَّ يفنى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {رَزَقْنَاهُمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} {يَدْرَءُونَ} (22) - وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُهْتَدُونَ يَصْبِرُونَ عَنِ ارْتِكَابِ المَحَارِمِ وَالمَآثِمِ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنْ مُقَارَفَتِهَا طَاعةً للهِ، وَتَقَرُّباً إِليهِ، وَطَمَعاً بِمَرْضَاتِهِ وَجَزيلِ ثَوَابِهِ، وَيُؤَدُّونَ الصَّلاةَ حَقَّ أَدَائِهَا، وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُمْ، مِنْ أَقْرِبَاءَ وَمُحْتَاجِينَ وَسَائِلِينَ .. فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، لاَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ حَالٌ مِنَ الأَحْوَالِ، فَإِذَا آذَاهُمْ أَحَدٌ قَابَلُوهُ بِالجَمِيلِ صَبْراً، وَاحْتِمَالاً وَحِلْماً وَعَفْواً، فَهؤلاءِ لَهُمْ حُسْنُ العَاقِبَةِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. يَدْرَؤُونَ - يَدْفَعُونَ وَيُجَازُونَ. عُقْبَى الدَّارِ - عَاقِبَتُهَا المَحْمُودَةُ وَهِيَ الجَنَّاتُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونجد هذه الآية معطوفة على ما سبقها من صفات أولي الألباب الذين يتذكَّرون ويعرفون مَواطن الحق بعقولهم اهتداءً بالدليل؛ الذين يُوفون بالعهد الإيماني بمجرد إيمانهم بالله في كُلِّيات العقيدة الوحدانية، ومُقْتضيات التشريع الذي تأتي به تلك العقيدة. ولذلك جعلها سبحانه صفقة أوضحها في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ..} تفسير : [التوبة: 111]. وهي صفقة إيجاب وقَبُول، والعهد إيجاب وقبول؛ وهو ميثاق مُؤكَّد بالأدلة الفِطْرية أولاً، والأدلة العقلية ثانياً. وهُمْ في هذه الآية مَنْ صبروا ابتغاءَ وجه ربهم، والصبر هو تحمُّل متاعب تطرأ على النفس الإنسانية لتخريجها عن وقار استقامتها ونعيمها وسعادتها، وكل ما يُخرِج النفس الإنسانية عن صياغة الانسجام في النفس يحتاج صبراً. والصبر يحتاج صابراً هو الإنسان المؤمن، ويحتاج مَصْبوراً عليه؛ والمَصْبور عليه في الأحداث قد يكون في ذات النفس؛ كأنْ يصبر الإنسان على مشقَّة التكليف الذي يقول "افعل" و"لا تفعل". فالتكليف يأمرك بترْكِ ما تحب، وأنْ تنفذ بعض ما يصعب عليك، وأن تمتثل بالابتعاد عما ينهاك عنه، وكُلُّ هذا يقتضي مُجَاهدة من النفس، والصبر الذاتي على مشَاقِّ التكليف. ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصلاة مثلاً: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. وهذا صَبْر الذَّات على الذَّات. ولكن هناك صَبْر آخر؛ صبر منك على شيء يقع من غيرك؛ ويُخرِجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها. وهو ينقسم إلى قسمين: قسم تجد فيه غريماً لك؛ وقسم لا تجد فيه غريماً لك. فالمرض الذي يُخرِج الإنسان عن حَيِّز الاستقامة الصِّحية ويُسبِّب لك الألم؛ ليس لك فيه غريم؛ لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسانٌ بالضرب مثلاً؛ ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم لك. وكل صبر له طاقة إيمانية تحتمله؛ فالذي يَقْدر على شيء ليس له فيه غريم؛ يكون صَبْره معقولاً بعض الشيء؛ لأنه لا يوجد له غريم يهيج مشاعره. أما صبر الإنسان على أَلمٍ أوقعه به مَنْ يراه أمامه؛ فهذا يحتاج إلى قوة ضَبْط كبيرة؛ كي لا يهيج الإنسان ويُفكِّر في الانتقام. ولذلك تجد الحق يفصل بين الأمرين؛ يفصل بين شيء أصابك ولا تجد لك غريماً فيه، وشيء أصابك ولك من مثلك غريمٌ فيه. ويقول سبحانه عن الصبر الذي ليس لك غريم فيه: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم، ويحتاج إلى كَظْم الغيظ، وضبط الغضب: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر؛ فهو لا يطلب ذلك منك وحدك؛ ولكن يطلب من المقابلين لك جميعاً أنْ يصبروا على إيذائك لهم؛ فكأنه طلب منك أنْ تصبر على الإيذاء الواقع من الغير عليك؛ وأنت فَرْد واحد. وطلب من الغير أيضاً أنْ يصبر على إيذائك، وهذا هو قمة التأمين الاجتماعي لحياة النفس الإنسانية، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تصبر على مَنْ آذاك؛ فقد طلب من الناس جميعاً أن يصبروا على آذاك لهم. فإذا بدرتْ منك بادرة من الأغيار؛ وتخطئ في حق إنسان آخر وتؤلمه؛ فإن لك رصيداً من صبر الآخرين عليك؛ لأن الحق سبحانه طلب من المقابل لك أن يصبر عليك وأنْ يعفو. وإذا كان لك غريم؛ فالصبر يحتاج منك إلى ثلاث مراحل: أن تصبر صبراً أولياً بأن تكظم في نفسك؛ ولكن الغيظ يبقى، وإن منعت الحركة النُّزوعية من التعبير عن هذا الغيظ؛ فلم تضرب ولم تَسُبّ؛ ويسمى ذلك: {أية : ٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ..} تفسير : [آل عمران: 134]. والكَظْم مأخوذ من عملية رَبْط القِرْبة التي نحمل فيها الماء؛ فإنْ لم نُحْكِم ربطها انسكب منها الماء؛ ويُقال "كظم القربة" أي: أحكم ربطها. ثم يأتي الحق سبحانه بالمرحلة الثانية بعد كظم الغيظ فيقول: {أية : وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 134]. وهنا تظهر المسألة الأَرْقى، وهي إخراج الغيظ من الصدر؛ ثم التسامي في مرتبة الصِّديقين؛ فلا ينظر إلى مَنْ كظم غيظه عنه أولاً؛ بل يعفو عنه، ولا ينظر له بعداء، بل بنظرة إيمانية. والنظرة الإيمانية هي أن مَنْ آذاك إنما يعتدي على حَقِّ الله فيك؛ وبذلك جعل الله في صَفِّك وجانبك؛ وهكذا تجد أن مَنْ ظلمك وأساء إليك قد جعلك في معية الله وحمايته؛ وعليك أن تُحسِن له. والصبر له دوافع؛ فهناك مَنْ يصبر كي يُقال عنه: إنه يملك الجَلَد والصبر؛ وليبين أنه فوق الأحداث؛ وهذا صبر ليس ابتغاء لوجه الله؛ بل صبر كيلا يَشْمت فيه أعداؤه. وصبر لأنه قد توصل بعقله أن جزعه لن ينفعه، ولو كان حصيفاً لَصبر لوجه الله، لأن الصبر لوجه الله يخفف من قَدَر الله. ومَنْ يصبر لوجه الله إنما يعلم أن لله حكمة أعلى من الموضوع الذي صبر عليه؛ ولو خُيِّر بين ما كان يجب أن يقع وبين ما وقع؛ لاختار الذي وقع. والذي يصبر لوجه الله إنما ينظر الحكمة في مَوْرد القضاء الذي وقع عليه، ويقول: أحمدُكَ ربي على كل قضائك وجميل قَدَرك؛ حَمْدَ الرضى بحكمك لليقين بحكمتك. فمَنْ يصبر على الفاقة؛ ويقول لنفسه: "اصبري إلى أن يفرجها الله" ولا يسأل أحداً؛ سيجد الفرج قد أتى له من الله. انظر إلى الشاعر وهو يقول: شعر : إذَا رُمْتَ أنْ تستخرِجَ المالَ مُنْفقاً عَلى شَهَواتِ النفْسِ في زَمَنِ العُسْرِ فَسَلْ نفسَكَ الإنفاقَ مِنْ كَنزِ صَبْرِها عليْكَ وإنذاراً إلى سَاعةِ اليُسْرِ فَإنْ فعلْتَ كنتَ الغنيَّ وإنْ أبيْتَ فَكلُّ مُنوَّع بعدَها وَاسِعُ العُذْرِ تفسير : أي: إنْ راودتْك نفسك لتقترض مالاً لتنفقه على شهوات النفس، ورفضتَ تلك المُرَاودة، وطلبت من نفسك أنْ تعطيك من كَنْز الصبر الذي تملكه؛ وإنْ فعلتَ ذلك كنت الغنيَّ، لأنك قدرتَ على نفسك. والذي يلتفت إلى الحَدَث وحده يتعب؛ والذي يلتفت إلى الحدث مقروناً بواقعه من ربه؛ ويقول: "لا بد أن هناك حكمة من الله وراء ذلك" فهو الذي يصبر ابتغاء وجهه الله. ويريد الله أنْ يخُصَّ مَنْ يصبر ابتغاء وجهه بمنزلة عالية؛ لأنه يعلم أن الله له حكمة فيما يُجريه من أقدار. ويتابع سبحانه وَصْف أُولي الألباب: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ..} [الرعد: 22]. وسبق أن قلنا في الصلاة أقوالاً كثيرة؛ وأن مَنْ يؤديها على مطلوبها؛ فهو مَنْ يعلم أنها جَلْوة بين العبد وربه، ويكون العبد في ضيافة ربه. وحين تُعْرَض الصَّنْعة على صانعها خمس مرات في اليوم فلا بد أنْ تنال الصَّنْعة رعاية وعناية مَنْ صمَّمها وخلقها، وكما أن الله غَيْبٌ عنك؛ فكذلك أسباب شفائك من الكروب يكون غيباً عنك. وقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك "فكان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة". ومن عظمة الإيمان أن الله هو الذي يدعوك إلى الصلاة؛ وهو سبحانه لا يمنع عنك القُرْب في أيِّ وقت تشاء؛ وأنت الذي تُحدِّد متى تقف بين يديه في أي وقت بعد أن تُلبِّي دعوته بالفروض؛ لتؤدي ما تحب من النوافل؛ ولا يُنهِي سبحانه المقابلة معك كما يفعل عظماء الدنيا؛ بل تُنهِي أنت اللقاء وقَتَ أنْ تريد. ولقد تأدَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدب ربه؛ وتخلَّق بالخلُق السامي؛ فكان إذا وضع أحد يده في يد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو لا ينزع يده من يد مَنْ يُسلِّم عليه؛ إلا أنْ يكون هو النازع. وقول الحق سبحانه: {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ..} [الرعد: 22]. يعني: أنك لا يجب أن تنظر إلى ما يؤخذ منك، ولكن انظر إلى أنك إنْ وصلتَ إلى أن تحتاج من الغير سيؤخذ لك، وهذا هو التأمين الفعال، ومَنْ يخاف أن يترك عيالاً دون قدرة، ولو كان هذا الإنسان يحيا في مجتمع إيماني، لوجد قول الحق مُطبَّقاً: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. وبذلك لا يشعر اليتيم باليُتْم؛ ولا يخاف أحد على عياله، ولا يسخط أحد على قَدَر الله فيه. وسبحانه يضع الميزان الاقتصادي حين يطلب منا الإنفاق، والإنفاق يكون من مال زائد؛ أو مال بلغ النصاب، ولذلك فعليك أنْ تتحرك حركة نافعة للحياة، ويستفيد منها الغير، كي يكون لك مال تُنفِق منه، وعلى حركتك أن تَسعَكَ وتسَعَ غيرك. وهناك مَنْ ينفق مِمَّا رزقه الله بأن يأخذ لنفسه ما يكفيها، وينفق الباقي لوجه الله؛ لأنه يضمن أن له إلهاً قادراً على أن يرزقه، والمضمون عند الله أكثر مِمَّا في يده. حديث : وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أبا بكر فيما ناله من غنائم ويقول له: ماذا صنعتَ بها يا أبا بكر؟ فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: تصدَّقْتُ بها كلها. فيقول الرسول: وماذا أبقيت؟ يقول أبو بكر: أبقيت الله ورسوله. وسأل رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وماذا فعلتَ يا عمر؟ فيقول ابن الخطاب: تصدقْتُ بنصفها ولله عندي نصفها. وكأنه يقول للرسول: "إن كان هناك مصرف تريدني أن أصرف فيه النصف الباقي لله عندي؛ فلسوف أفعل ". تفسير : وهكذا رأينا مَنْ يصرف مِمَّا رزقه الله؛ بكل ما رزقه سبحانه، وهو أبو بكر الصديق؛ ونجد مَنْ ينفق مِمَّا رزقه الله ومستعد لأن ينفق الباقي إن رأى رسولُ الله مصرفاً يتطلب الإنفاق. ونجد من توجيهات الإسلام أن مَنْ يراعى يتيماً؛ فليستعفف فلا يأخذ شيئاً من مال اليتيم إنْ كان الوليُّ على اليتيم له مال؛ وإن كان الولي فقيراً فليأكل بالمعروف. ولقائل أنْ يسأل: ولماذا نأتي بالفقير لتكون له ولاية على مال اليتيم؟ وأقول: كي لا يحرم المجتمع من خبرة قادرة على الرعاية؛ فيأتي الفقير صاحب الخبرة؛ وليأْكل بالمعروف. ونلحظ أن الحق سبحانه قال: {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 5]. ولم يَقُلْ "وارزقوهم منها" أي: خُذوا الرزق من المَطْمور فيها يملكون بالحركة في هذا المال. وهكذا نفهم كيف يُنفق الإنسان المؤمن مِمَّا رزقه الله؛ فهناك مَنْ ينفق كل ما عنده؛ لأنه واثق من رصيده عند ربه، وهناك مَنْ ينفق البعض مما رزقه الله؛ وقد تأخذه الأريحية والكرم فيعطي كل مَنْ يسأله، وقد ينفق كل ما عنده؛ مثل مَنْ يجلس في جُرْن القمح ويريد أن يُزكِّي يوم الحصاد؛ فيعطي كل مَنْ يسأله؛ إلى أن يفرغ ما عنده. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [الأنعام: 141]. وهنا نجد الحق سبحانه يصف هؤلاء المُنْفِقين في سبيله: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ..} [الرعد: 22]. والسر هو الصَّدقة المندوبة، أما الإنفاق في العلانية؛ فهي الصَّدقة الواضحة؛ لأن الناس قد تراك غنياً أو يُشَاع عنك ذلك، ولا يرونك وأنت تُخرِج الزكاة، فتنالك ألسنتهم بالسوء؛ وحين يَرَوْنكَ وأنت تنفق وتتصدَّق؛ فهم يعرفون أنك تؤدي حقَّ الله، وتشجعهم أنت بأن يُنفِقوا مما رزقهم الله. وصدقة السِّر وصدقة العَلَن أمرها متروك لتقدير الإنسان؛ فهناك مَنْ يعطي الصدقة للدولة لتتصرف فيها هي؛ ويعطي من بعد ذلك للفقراء سراً؛ وهذا إنفاق في العَلَن وفي السر؛ وجاء الحق بالسر والعلانية؛ لأنه لا يريد أنْ يحجب الخير عن أيِّ أحد بأي سبب. وقد يقول قائل: إن فلاناً يُخرِج الصدقة رياءً. وأقول لِمَنْ يتفوَّه بمثل هذا القول: أَلَمْ يَسْتفِد الفقير من الصدقة؟ إنه يستفيد، ولا أحدَ يدخل في النوايا. ويتابع سبحانه: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ..} [الرعد: 22]. والدّرْء: هو الدَّفْع بشدة؛ أي: يدفعون بالحسنة السيئة بشدة. وأول حسنة إيمانية هي أنْ تؤمن بالله؛ وبذلك تدفع سيئة الشرك، أو دفعتَ السيئة. أي: دفعتَ الذنب الذي ارتكبته وذلك بالتوبة عنه؛ لأن التوبة حسنة، وحين ترى مُنْكراً، وهو سيئة، فأنت تدفعه بحسنة النُّصْح. أو: أن يكون معنى: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ..} [الرعد: 22]. هو إنْ فعلتَ سيئة فأنت تتبعها بحسنة، والكمال المطلق لله وحده ولرسوله؛ لنفترض أن واحداً لديه سيئة مُلِحّة في ناحية من النواحي؛ فالحقُّ سبحانه يأمره أن يدفع السيئة بأن يفعل بجانبها حسنة. يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ..} تفسير : [هود: 114]. وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ رضي الله عنه: "حديث : اتق الله أينما تكون، وأتبع السيئة حسنة تَمْحُها، وخالق الناس بخلق حسن ". تفسير : ولذلك، فأنت تجد أغلب أعمال الخير في المجتمع لا تصدر من أيِّ رجل رقيق لا يرتكب السيئات؛ فلا سيئةَ تطارده كي يفعل الحسنة التي يرجو أنْ تمحو السيئة. فالسيئة ساعةَ تُلهِب ضمير مَن ارتكبها؛ ولا يستطيع أن يدفعها؛ لأنه ارتكبها؛ فهو يقول لنفسه "فَلأبنِ مدرسة" أو "أبني مسجداً" أو "أقيم مستشفى" أو "أتصدق على الفقراء". وهكذا نجد أن أغلب حركات الإحسان قد تكون من أصحاب السيئات، فلا أحدَ بقادر على أنْ يأخذ شيئاً من وراء الله؛ فمَنْ يرتكب سيئة لا بُدَّ أنْ تُلِحّ عليه بأحاسيس الذَّنْب؛ لتجده مدفوعاً من بعد ذلك إلى فعل الحسنات؛ لعلَّ الحسنات تُعوِّض السيئات. ومن دَرْء الحسنة بالسيئة أيضاً؛ أنه إذا أساء إليك إنسان فأنت تَكْظِم غيظك وتعفو؛ وبذلك فأنت تحسن إليه. وتجد الحق سبحانه يقول: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. وإذا أنت جرَّبْتَها في حياتك؛ وأخلصْتَ المودة لمن دخل في العداوة معك؛ ستجد أنه يستجيب لتلك المودة ويصبح صديقاً حميماً لك. ولكن هناك مَنْ يقول: جرَّبْتُ ذلك ولم تنفع تلك المسألة. وأقول لمن يقول ذلك: لقد ظننتَ أنك قد دفعتَ بالتي هي أحسن، لكنك في واقع الحال كنت تتربص بما يحدث منك تجاه مَنْ دخلتَ معه في عداوة، ولم تُخلص في الدفع بالتي هي أحسن، وأخذت تُجرِّب اختبار قول الله؛ فذهبتْ منك طاقة الإخلاص فيما تفعل؛ وظل الآخر العدو على عداوته. لكنك لو دفعتَ بالتي هي أحسن ستجد أن الآية القرآنية فيها كل الصِّدْق؛ لأن الله لا يقول قضية قرآنية ثم تأتي ظاهرة كونية تُكذِّب القرآن. ولذلك يقول الشاعر: شعر : يَا مَنْ تُضايِقه الفِعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي دفع فِدْيتك بالتي حتَّى نَرى فإذَا الذِي تفسير : أي: يا مَنْ تضايقه أفعال الذي بينك وبين عداوة؛ عليك أن تُحسِن الدَّفْع بالتي هي أحسن، حتى ترى أن العداوة التي كانت بينك وبين ما ذكره الحق سبحانه في قوله: {أية : فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. ويتابع الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 22]. أي: أن المتقدمين أولي الألباب الذين اجتمعت لهم تلك الصفات التِسعة؛ بدايةً من أنهم يُوفُون بعهد الله؛ ولا ينقضون الميثاق؛ ويَصِلون ما أمر الله أنْ يُوصَل ويخشوْن ربهم؛ ويخافون سُوء الحساب؛ وصبروا ابتغاء وجه ربهم؛ وأقاموا الصلاة؛ وأنفقوا مما رزقهم الله سراً وعلانية؛ ويَدْرءون بالحسنة السيئةَ، هؤلاء هم الذين لهم عُقْبى الدار. وعُقْبى مأخوذة من العقب؛ فالقدم له مقدم وله عَقِب، وعقب هو ما يعقب الشيء، ونقول في أفراحنا "والعاقبة عندكم في المسرات" أي: أننا نتمنى أن تتحقق لكم مَسرَّة مثل التي عندنا، وتكون عقب المَسرَّة التي فرحنا نحن بها. وهكذا تكون العُقْبى هي الشيء الذي يَعْقُب غيره، والذي يعقب الدار الدنيا هي الدار الآخرة. ولذلك يقول الحق سبحانه في الآية التالية مُوضِّحاً العاقبة لهؤلاء: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} معناهُ يَدفعُونَ بِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} معناهُ عَاقِبَتُهُم.