١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ} بدل من {عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } أو مبتدأ خبر. {يَدْخُلُونَهَا } والعدن الإِقامة أي جنات يقيمون فيها، وقيل هو بطنان الجنة. {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ } عطف على المرفوع في يدخلون، وإنما ساغ للفصل بالضمير الآخر أو مفعول معه والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم، وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة أو أن الموصوفين بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع. {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين.
المحلي و السيوطي
تفسير : هي: {جَنَّٰتُ عَدْنٍ } إقامة {يَدْخُلُونَهَا } هم {وَمَنْ صَلَحَ } آمن {مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّٰتِهِمْ } وإن لم يعملوا بعملهم يكونون في درجاتهم تكرمة لهم {وَالمَلَٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ } من أبواب الجنة أو القصور أوّل دخولهم للتهنئة يقولون.
القشيري
تفسير : يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين مَن يُحبون صحبتهم مِنْ أقاربهم وأزواجهم، وقد ورد في الخبر: "حديث : المرءُ مع مَنْ أَحَب"تفسير : فَمَنْ كان محبوبُه أمثالَه وأقاربَه حُشِرَ معهم، ومَنْ كان اليومَ بقلبه مع الله، فهو غداً مع الله، وفي الخبر: " حديث : أنا جليسُ مَنْ ذكرني" تفسير : . وهذا في العاجل، وأمَّا في الآجل، ففي الخبر: "حديث : الفقراء الصابرون جُلَسَاءُ الله يومَ القيامةِ".
اسماعيل حقي
تفسير : {جنات عدن} بدل من عقبى الدار والعدن الاقامة يقال عدن بالبلد يعدن بالكسر اى اقام وسمى منبت الجواهر من الذهب ونحوه المعدن بكسر الدال لقرارها فيه اولان الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء {يدخلونها} اى جنات يقيمون فيها ولا يخرجون منها بعد الدخول. وقيل هو وسط الجنان وافضلها واعلاها وهو مقام التجلى الالهى والانكشاف الالهى خلقه الله بيده من غير واسطة. يقول الفقير الوجه الثانى اوجه عندى لان الاقامة فى الجنة من شأن كل مؤمن كاملا كان او ناقصا واما الاقامة فى جنة عدن فانما هى من شأن المؤمن الكامل وليس الكمال الا باتيان هذه الخصال الثمان وليس كل احد يكفل بمؤونتها ويتصف بها الامن هداه الله من الخواص {ومن صلح من آبائهم} عطف على المرفوع فى يدخلونها وانما ساغ للفصل بالضمير. قال فى بحر العلوم وآبائهم جمع ابوى كل واحد منهم كأنه قيل من آبائهم وامهاتهم والمعنى انه يلحق بهم الصلحاء من ابويهم {وازواجهم} جمع زوج. بالفارسية [زن] ويقال للمرأة الزوج والزوجة والزوج افصح {وذرياتهم} اولادهم وان لم يبلغوا مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم وتكميلا لفرحهم. ويقال من اعظم سرورهم ان يجتمعوا فيتذاكروا احوالهم فى الدنيا ثم يشكروا الله على الخلاص منها والفوز بالجنة وهو دليل على ان الدرجة تعلو بالشفاعة فانه اذا جاز ان تعلو بمجرد التبعية للكاملين فى الايمان تعظيما لشأنهم فلان تعلو بشفاعتهم اولى والتقييد بالصلاح دليل على ان النسب المجرد لا ينفع قيل شعر : أتفخر باتصالك من علىّ واصل البولة الماء القراح وليس بنافع نسب زكى يدنسه صنائعك القباح اصل را اعتبار جندان نيست روى تركل زخار خندان نيست مى زغوره شود شكرازنى عسل از نحل حاصلست بقى تفسير : {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} من ابواب المنازل فانه يكون لمقامهم ومنازلهم ابواب فيدخلون عليهم من كل باب ملك
الطوسي
تفسير : آيتان في الكوفي والبصري. وآية في الباقي تمام الاولى في الكوفي والبصري. {من كل باب}. يقول الله تعالى إن من وصفه بالصفات المذكورة {لهم عقبى الدار} وهي {جنات عدن} قال الزجاج: {جنات} بدل على قوله {عقبى الدار} والجنات البساتين التي يحفها الشجر واحدها جنة وأصله الستر من قوله {أية : جن عليه الليل} تفسير : وجنه اذا ستره. و (العدن) الاقامة الطويلة، عدن بالمكان إذا اقام به يعدن عدناً، ومنه المعادن التي يخرج منها الذهب والفضة وغيرهما. وقوله {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم} اي ويدخل هذه الجنات الذين عملوا الصالحات من آباء المؤمنين، ومن أزواجهم وذرياتهم. والصلاح استقامة الحال الى ما يدعو إليه العقل او الشرع. والمصلح من يفعل الصلاح، والصالح المستقيم الحال في نفسه. وقوله {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} اي يدخلون من كل باب بالتحية والكرامة، وفي ذلك تعظيم الذكر للملائكة. وفي الآية دلالة على ان ثواب المطيع لله سروره بما يراه في غيره من أحبّته، لانهم يسرون بدخول الجنة مع من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وهم أولادهم، وذلك يقتضي سرورهم بهذا الخبر. وقوله {سلام عليكم بما صبرتم} اي يقول هؤلاء الملائكة الداخلون عليهم {سلام عليكم}. والسلام التحية بالكرامة على انتفاء كل امر يشوبه من مضرة. والقول محذوف لدلالة الكلام عليه. والعقبى الانتهاء الذي يؤدي اليه الابتداء من خير او شر، فعقبى المؤمن الجنة فهي نعم الدار، وعقبى الكافر النار، وهي بئس الدار. و (الباء) في قوله {بما صبرتم} يتعلق بمعنى {سلام عليكم} لانه دل على السلامة لكم بما صبرتم، ويحتمل ان يتعلق بمحذوف، وتقديره هذه الكرامة لكم بما صبرتم. وقيل في معنى {بما صبرتم} قولان: احدهما - ان تكون (ما) بمعنى المصدر، فكأنه قال: بصبركم. والثاني - ان تكون بمعنى (الذي) كأنه قال بالذي صبرتم على فعل طاعاته وتجنب معاصيه.
الجنابذي
تفسير : {جَنَّاتُ عَدْنٍ} اقامة {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} بتبعيّتهم فالمراد بالصّلاح ههنا عدم الفساد والاستعداد للصّلاح الحقيقىّ والاّ فلم يكن لهم حاجة الى ان يدخلوها بتبعيّة غيرهم {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} من ابواب قصورهم فى الجنان قائلين.
الهواري
تفسير : قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ} أي: من آمن وعمل صالحاً من آبائهم {وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}. وقال في آية أخرى: (أية : وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) تفسير : [الطور: 21] اي: إن الله يرفع إلى المؤمن ولده في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقَرَّ بهم عينُه. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا. امرأة أيهما تكون في الجنة؟ قال: حديث : امرأة الآخر تفسير : قال: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} أي: في الدنيا { فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}. ذكروا ن ابن عباس أنه قال: إذا أثاب الله أهل الجنة بالجنة انطُلِق بالرجل منهم إلى سرادق من لؤلؤ في خمسين ألف فرسخ، فيه قبة حمراء من ياقوتة، ولها ألف باب، وله فيها سبعمائة امرأة، فيتكىء على أحد شقيه، فينظر إليها كذا وكذا سنة، ثم يتكىء على الشق الآخر، فينظر إليها مثل ذلك. ثم يدخل عليه من كل باب ألف ملك من ألف باب، معهم الهدية من ربهم، فيقولون له: السلام عليك من ربك، فيوضع ذلك فيقول: ما أحسن هذا! فيقول الملك للشجر حوله: إن ربكن يأمركن أن تقطعن له كل ما اشتهى عن مثل هذا. قال: وذلك كل جمعة، وهو المزيد.
اطفيش
تفسير : {جنَّاتُ} إما بدل من عقبى، أو بيان أو خبر لمحذوف، أى هى جنات، ويدخلونها مستأنف أو نعت له، وإما مبتدأ خبره يدخلونها {عَدْنٍ} إقامة أى بساتين فيها دورهم لا يرحلون عنها، وقيل: جنات عدن وسط الجنة، وكل الجنة دار إقامة، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: هى مساكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط، لها خمسة آلاف باب. {يدْخُلونها} وقرئ بالبناء، للفعول من أدخل {وَمنْ صَلح منْ آبائهم وأزْواجِهمْ وذرِّيَّاتِهم} عطف على واو يدخلونها للفصل بالمفعول به، أو مفعول معه، وقرأ ابن أبى عبلة بضم لام صلح والفتح أفصح، وإن لم يبقوا بصلاحهم درجة وتعظيما له، وللتبع له، ولم يحكم بتبعية الأعلى للأدنى، لأن رحمة الله أوسع، ولو كان من أدنى أباً، وذلك كرم من الله سبحانه وتعالى، وشفاعته من ذلك الذى علت درجته، قبل: وفى الآية دلالة على أن هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الثمانية يقرنون لقرابتهم فى الدين زيادة فى أنسهم، وتقييد الآباء والأزواج والذريات بالصلاح، على أن مجرد النسب لا ينفع. وقال الزجاج: لا يلحقون بدرجته إن لم يصلوها بأعمالهم، وأما {ألحقنا بهم ذرياتهم} ففى مطلق دخول الجنة وهو ضعيف، وعليه فإذا أراد زوجته صعدت إليه ثم رجعت، وزعم بعضهم عن ابن عباس: أن معنى صلح أمن وإن لم يعمل الفرائض، وأنه يكون الإلحاق، وفى ذلك بمجرد التصديق والمرأة لآخر أزواجها فى الدنيا إن كان من أهل الجنة، وإلا فلمن قبله إن كان من أهل الجنة، وهكذا ورد معنى ذلك فى حديث، وذلك إن كان الأخير أبر بها، وإلا فلمن كان أبر بها، وأرفق، وإن استووا اختارت كما يدل عليه حديث آخر لا كما قيل: إن المرأة لمن مات عنها، ولو تزوجت بعده من كان من أهل الجنة. {والملائكةُ يدْخلُون عَليهم مِنْ كلِّ بابٍ} من أبواب الجنة، أو القصور أول دخولهم للتهنئة أو من كل نوع من أنواع الهدايا والتحف، والتحية من الله جل جلاله كما قال ابن عباس، وعليه فمن بمعنى الباء أو للابتداء والمجازى.
اطفيش
تفسير : {جنَّاتُ عَدْنٍ} والعدن الإِقامة، قيل: هى وسط الجنة، وهو بدل أَو بيان من عقبى، أَو خبر لمحذوف، والوجوه هذه أَولى من كونه مبتدأً مخبرا عنه بقوله {يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} وإِن علوا، والديهم ووالداتهم يجاورونهم فى الجنة لإِتمام السرور، من آبائهم، حال من ضمير صلح، أَو من مَنْ، ومَنْ معطوف على الواو للفصل بالمفعول {وأَزْوَاجِهِمْ} اللاتى متن أَو ماتوا فى العصمة هن فراش لهم فى الجنة، والمرأَة لآخر أَزواجها على الصحيح، وجاءَ به الحديث، وقيل: تختار أَحسنهم خلقا معها، وفيه أَثر وارد، وقيل لأَولهم كمن تزوج امرأَة مات زوجها ثم أَحياه الله - جل وعلا -، ويرده أَن هذه للثانى {وَذُرِّيَّاتِهِمْ} الذين لم يبلغوا من الذكور والإِناث يكونون فى درجاتهم، مع أَنهم لم يعملوا عملهم، وكذا قيل فى الآباء لإِكمال السرور، وذلك من جملة الشفاعة، والأُنثى غير البالغة تكون مع زوجها لا مع أَبيها، ولا يخفى أَن الآية فى أَن الجنة تجمع هؤلاءِ لاتصال بعض ببعض فى أَمر الدين لا فى الاستواءِ فى الدرجات، إِذ لا دليل فى الآية على الاستواءِ، وإِنما الصريح فى الأَولاد فى قوله تعالى: " أية : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإِيمان أَلحقنا بهم ذريتهم" تفسير : [الطور: 21] {والْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بابٍ} من أَبواب الجنةِ، ومن أَبواب القصور يهنئُونهم، وبعد ذلك يدخلون عليهم فى مقدار كل يوم من أَيام الدنيا ثلاث مرات بالهدايا والتحف من الله - عز وجل - بالسلام فى ذلك الدخول كله كما قال الله تعالى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} بصبركم، والباءُ سببية أَو عوض متعلق بما تعلق به عليكم، أَو خبر لمحذوف، أَى هذا الثواب بما صبرتم، أَو المعنى يدخلون عليهم من كل نوع من الهدايا، أَو بكل نوع، سميت الهدايا أَبوابا مجازا، وفيه أَنه لا قرينة، وقيل من كل باب من أَبواب البر، باب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} عقباكم أَو هذه العقبى أَو ذاك، هذا من جملة قوله الملائكة أَى عقبى دار الآَخرة، وهى الجنة، أَو عقبى دار الدنيا أَى نتيجة عملكم فيها، قال عبد الله بن سلام وعلى ابن الحسين: إِذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أَهل الصبر، فيقوم ناس ولا يقدر غيرهم على القيام، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتقول الملائكة: إِلى أَين؟ فيقولون إلى الجنة. قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، فيقولون: من أَنتم؟ فيقولون: نحن أَهل الصبر قالوا: وما صبركم؟ قالوا: صبرنا أَنفسنا على طاعة الله وعن معاصى الله وعلى بلاءِ الدنيا، فيقولون: {سلام عليكم} الآية،وهو تبشير بالسلامة، أَو تحية منهم أَو من الله بواسطتهم.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه:/ {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } بدل من {أية : عقبى الدار} تفسير : [الرعد: 22] كما قال الزجاج بدل كل من كل، وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون مبتدأ خبره قوله تعالى: {يَدْخُلُونَهَا } وتعقب بأنه بعيد عن المقام، والأولى أن يكون مبتدأ محذوف كما ذكر في «البحر» ورد بأنه لا وجه له لأن الجملة بيان لعقبى الدار فهو مناسب للمقام، والعدن الإقامة والاستقرار يقال: عدن بمكان كذا إذا استقر، ومنه المعدن لمستقر الجواهر أي جنات يقيمون فيها، وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } بطنان الجنة أي وسطها، وروي نحو ذلك عن الضحاك إلا أنه قال: هي مدينة وسط الجنة فيها الأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، وجاء فيها غير ذلك من الأخبار، ومتى أريد منها مكان مخصوص من الجنة كان البدل بدل بعض من كل. وقرأ النخعي {جَنَّةُ} بالإفراد، وروي عن ابن كثير وأبـي عمرو {يَدْخُلُونَهَا } مبنياً للمفعول. {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ } جمع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم {وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ } وهو كما قال أبو البقاء عطف على المرفوع في ـ يدخلون ـ وإنما ساغ ذلك مع عدم التأكيد للفصل بالضمير الآخر، وجوز أن يكون مفعولاً معه. واعترض بأن واو المعية لا تدخل إلا على المتبوع. ورد بأن هذا إنما ذكر في مع لا في الواو وفيه نظر، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهليهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم تعظيماً لشأنهم. أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن جرير قال: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال: لم يعملوا مثل عملك فيقول: كنت أعمل لي ولهم ثم قرأ الآية، وفسر {من صلح} بمن آمن وهو المروي عن مجاهد وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفسر ذلك الزجاج بمن آمن وعمل صالحاً، وذكر أنه تعالى بين بذلك أن الأنساب لا تنفع إذا لم يكن معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذرية لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. ورد عليه الواحدي فقال: الصحيح ما روي عن ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة فلو دخلوها بأعمالهم لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان مصلحاً في عمله فهو يدخل الجنة. وضعف ذلك الإمام بأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سروراً وبهجة فإذا بشر الله تعالى المكلف بأنه إذا دخل الجنة يحضر معه أهله يعظم سروره وتقوى بهجته. ويقال: إن من أعظم سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون الله تعالى على الخلاص منها، ولذلك حكى سبحانه عن بعض أهل الجنة أنه يقول: {أية : قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } تفسير : [يس:26-27] وعلى هذا لا تكون الآية دليلاً على أن الدرجة تعلو بالشفاعة. ومنهم من استدل بها على ذلك على المعنى الأول لها. وتعقب بأنها أيضاً لا دلالة لها على ما ذكر. وأجيب بأنه إذا جاز أن تعلو بمجرد التبعية للكاملين في الإيمان تعظيماً لشأنهم فالعلو بشفاعتهم معلوم بالطريق الأولى. وقال بعضهم: إنهم لما كانوا بصلاحهم مستحقين لدخول الجنة كان جعلهم في درجتهم مقتضى طلبهم وشفاعتهم لهم بمقتضى الإضافة. والحق أن الآية لا تصلح دليلاً على ذلك خصوصاً إذا كانت الواو بمعنى مع فتأمل، والظاهر أنه لا تمييز بين زوجة وزوجة وبذلك صرح الإمام ثم قال: ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه. وما روي عن سودة أنها لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في جملة نسائك كالدليل على/ ما ذكر. واختلف في المرأة ذات الأزواج إذا كانوا قد ماتوا عنها فقيل: هي في الجنة لآخر أزواجها. ويؤيده كون أمهات المؤمنين زوجاته صلى الله عليه وسلم فيها مع كون أكثرهن كن قد تزوجن قبل بغيره عليه الصلاة والسلام. وقيل: هي لأول أزواجها كامرأة أخبرها ثقة أن زوجها قد مات ووقع في قلبها صدقه فتزوجت بعد انقضاء عدتها ثم ظهرت حياته فإنها تكون له. وتعقب بأن هذا ليس من هذا القبيل بل هو يشبه ما لو مات رجل وأخبر معصوم كالنبـي بموته فتزوجت امرأته بعد انقضاء العدة ثم أحياه الله تعالى وقد قالوا في ذلك: إن زوجته لزوجها الثاني. وقيل: إن الزوجة تخير يوم القيامة بين أزواجها فمن كان منهم أحسنهم خلقاً معها كانت له وارتضاه جمع. وقرأ ابن أبـي عبلة {صَلَح} بضم اللام والفتح أفصح؛ وعيسى الثقفي {ذُرّيَّتَهُم} بالتوحيد. {وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ } من أبواب المنازل. أخرج ابن أبـي حاتم عن أنس بن مالك أنه قرأ الآية حتى ختمها ثم قال: "إن المؤمن لفي خيمة من درة مجوفة ليس فيها جذع ولا وصل طولها في الهواء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل ومال لها أربعة آلاف مصراع من ذهب يقوم على كل باب منها سبعون ألفاً من الملائكة مع كل ملك هدية من الرحمن ليس مع صاحبه مثلها لا يصلون إليه إلا بإذن بينه وبينهم حجاب" وروي عن ابن عباس ما هو أعظم من ذلك. وقال أبو [بكر] الأصم: أريد من كل باب من أبواب البر كـباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر، وقيل: من أبواب الفتوح والتحف، قيل: فعلى هذا المراد بالباب النوع و {مِنْ } للتعليل، والمعنى يدخلون لإتحافهم بأنواع التحف، وتعقب بأن في كون الباب بمعنى النوع كالبابة نظراً فإن ظاهر كلام "الأساس" وغيره يقتضي أن يكون مجازاً أو كناية عما ذكر لأن الدار التي لها أبواب إذا أتاها الجم الغفير يدخلونها من كل باب فأريد به دخول الأرزاق الكثيرة عليهم وأنها تأتيهم من كل جهة وتعدد الجهات يشعر بتعدد المائتيات فإن لكل جهة تحفة.
ابن عاشور
تفسير : {جنات عدن} بدل من {عقبى الدار}. والعَدْن: الاستقرار. وتقدم في قوله: { أية : ومساكن طيبة في جنات عدن } تفسير : في سورة براءة (72). وذكر {يدخلونها} لاستحضار الحالة البهيجة. والجملة حال من {جنات} أو من ضمير {لهم عقبى الدار}، والواو في {ومن صلح من آبائهم} واو المعية وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم في الدرجة التي هم فيها؛ فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لَحِق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقُوا هم به، فلهم الفضل في الحالين. وهذا كعكسه في قوله تعالى: { أية : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } تفسير : [سورة الصافات: 22] الآية لأن مشاهدة عذاب الأقارب عذابٌ مضاعف. وفي هذه الآية بشرى لمن كان له سلف صالح أو خلف صالح أو زوج صالح ممن تحققت فيهم هذه الصلاة أنه إذا صار إلى الجنة لحق بصالح أصوله أو فروعه أو زوجه، وما ذكر الله هذا إلا لهذه البشرى كما قال الله تعالى: { أية : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } تفسير : [سورة الطور: 21]. والآباء يشمل الأمهات على طريقة التغليب كما قالوا: الأبوين. وجملة {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} عطف على {يدخلونها} فهي في موقع الحال. وهذا من كرامتهم والتنويه بِهم، فإن تردد رسل الله عليهم مظهر من مظاهر إكرامه. وذكر {من كل باب} كناية عن كثرة غشيان الملائكة إياهم بحيث لا يخلو باب من أبواب بيوتهم لا تدخل منه ملائكةٌ. ذلك أن هذا الدخول لما كان مجلبة مسرة كان كثيراً في الأمكنة. ويفهم منه أن ذلك كثير في الأزمنة فهو متكرر لأنهم ما دخلوا من كل باب إلا لأن كل باب مشغول بطائفة منهم، فكأنه قيل من كل باب في كل آنٍ. وجملة {سلام عليكم} مقول قول محذوف لأن هذا لا يكون إلا كلاماً من الداخلين. وهذا تحية يقصد منها تأنيس أهل الجنة. والباء في {بما صبرتم} للسببية، وهي متعلقة بالكون المستفاد من المجرور وهو {عليكم}. والتقدير: نالكم هذا التكريم بالسلام بسبب صبركم. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف مستفادٍ من المقام، أي هذا النعيم المشاهد بما صبرتم. والمراد: الصبر على مشاق التكاليف وعلى ما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم. وفرع على ذلك {فنعم عقبى الدار} تفريع ثناء على حسن عاقبتهم. والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة مقام الخطاب عليه. والتقدير: فنعم عقبى الدار دارُ عُقْباكم. وتقدم معنى {عقبى الدار} آنفاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتُ} {آبَائِهِمْ} {وَأَزْوَاجِهِمْ} {وَذُرِّيَّاتِهِمْ} {وَالمَلاَئِكَةُ} (23) - وَتِلْكَ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ هِيَ دُخُولُ جَنَاتِ عَدْنٍ، وَالإِقَامَةُ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، لاَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا. وَيَجْمَعُ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَحْبَابِهِمْ مِنَ الآبَاءِ وَالأَزْوَاجِ وَالأَبْنَاءِ الصَّالِحِينَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُهُمْ؛ وَتَدْخُلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ مِنْ كُلِّ بَابٍ مُسَلِّمِينَ مُهَنِّئِينَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَبِرِضْوَانِ اللهِ عَلَيْهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالدار الآخرة التي تعقب الدنيا بالنسبة لأُولِي الألباب هي جنات عَدْن. و"العَدْن" هو الإقامة الدائمة؛ وجنات عدن هي جنات الإقامة الدائمة، لأن الدنيا ليست دار إقامة. وكل نعيم في الدنيا إما أن تفوته بالموت أو يفوتك بأغيار الحياة. أما جنات عَدْن فهي دار إقامة دائمة؛ بما أن "عدن" تعني مرافقة دائمة للجنات. والجنات معناها كما نفهم هي البساتين التي فيها أشجار وفيها ثمار؛ وكل ما تشتهي الأنفس، مع ملاحظة أن هذه الجنَّات ليست هي المساكن؛ بل في تلك الجنات مسكن بدليل قول الحق سبحانه: {أية : وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} تفسير : [التوبة: 72]. فالجنات هي الحدائق؛ وفيها مساكن، ونحن في حياتنا الدنيا نجد الفيلات في وسط الحدائق، فما بالنا بما يَعِد به الله من طيب المساكن وسط الجنات؟ لا بد أن ينطبق عليه وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للجنة في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عَيْن رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خَطر على قلب بشر ". تفسير : وهكذا بيَّن الله سبحانه عقبى الدار؛ فهي: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ..} [الرعد: 23]. وآباء جمع "أب" أي: يدخلها مع أولي الألباب مَنْ كان صالحاً من الآباء مُتبعاً لمنهج الله. وإنْ سأل سائل: وأين الأمهات؟ أقول: نحن ساعة نثني المتماثلين نُغلِّب الذَّكر دائماً، ولذلك فآباؤهم تعني الأب والأم، ألَمْ يقُلِ الحق سبحانه في سورة يوسف: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ ..} تفسير : [يوسف: 100]. وهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة من أُولِي الأَلْباب الذين استوفَوْا الشروط التسعة التي تحدَّثنا عنها؛ فهل استوفى الآباء والأزواج والأبناء الشروط التسعة؟ ونقول: إن الحقَّ سبحانه وتعالى يعامل خَلْقه في الدنيا بمقتضى العواطف الموجودة في الذُّرية؛ فالواحد مِنّا يُحِب أولاده وأزواجه وآباءه؛ وما دام يحبهم وقد صلحوا كُلٌّ حَسْب طاقته؛ فالحق سبحانه يُلحقهم به. ولذلك تأتي آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} تفسير : [الطور: 21]. وهنا يمسك القرآن القضية العقلية في الإلحاق بمعنى أنْ تُلحِق ناقصاً بكامل، فلو كان مُساوياً له في العمل ما سُمِّي إلحاقاً، فكل إنسان يأخذ حَقَّه؛ وقد اشترط الحق سبحانه شرطاً واحداً في إلحاق الذرية بالآباء، أو إلحاق الآباء بالذرية في الجنة، وهو الإيمان فقط. وأوضح لنا هنا أن الآباء قد تميَّزوا بعمل إيماني بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..} تفسير : [الطور: 21]. فلم يأخذ سبحانه عمل الأب الذي عمل؛ والابن الذي لم يعمل، ومزج الاثنين، ليأخذ المتوسط، لا، وذلك كي لا يظلم مَنْ عمل من الآباء أو الأبناء. ثم إن ذلك لو حدث؛ لما اعتُبِِر تواجدُ الآباء مع الأبناء في الجنة إلحاقاً؛ لأن الإلحاق يقتضي أن يبقى حَقُّ كل مَنْ عمل؛ ثم يتكرم سبحانه من بعد ذلك بعملية الإلحاق؛ بشرط واحد هو أن يكون الشخص المُلْحق مؤمناً. وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ..} تفسير : [الطور: 21]. أي: أن الذرية مؤمنة؛ والأزواج مؤمنون؛ والأهل مؤمنون؛ والأبوين مؤمنان، ولكن الذي يلحق به هو مَنْ يُكرِمه الله بهذا الإلحاق كي يُدخِل الفرح على قَلْب المؤمن حين يرى أولاده معه في الجنة ما داموا مؤمنين؛ وهذه قمة في العدالة، لماذا؟ والمَثل الذي أضربه على ذلك: هَبْ أن أباً قد حرص على أنْ يطعَم أهلُه من حلال؛ فقد يعيش أولاده في ضيق وشَظَف؛ بينما نجد أبناء المنحرف يعيشون في بُحْبُوحَة من العيش؛ وهكذا يتنعَّم أبناء المنحرف الذي يأكل ويطعم أولاده من حرام؛ بينما يعاني أبناء الأمين الذي قد يعتبره البعض مُتزمتاً؛ لأنه يَرْعى حق الله، ويرفض أكل الحرام. وما دام أولاده الذين يأكلون من حلال قد يُعانون معه من عدم التنعُّم؛ فالحق سبحانه يلحقهم في الجنة بنعيم يعيشه الأب؛ لا يفوتهم فيه شيء؛ ولا يفوته شيء. وبذلك تسعد الذرية؛ لأنها جاءت من صُلْب رجل مؤمن قضى حياته على جَادة الصواب؛ رغم أن بعض الناس قد اتهمتْه في الدنيا بأنه مُتزمِّت. ولقائل أنْ يقول: ألاَ يوجد تناقض بين هذا الإلحاق وبين قول الحق سبحانه: {أية : لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..} تفسير : [لقمان: 33]. وأقول: لا يوجد تناقض؛ لأننا نصلي على الميت صلاة شرَّعها المُشرِّع؛ وفائدتها أنْ تصل الرحمة للميت المؤمن؛ والإيمان من عمله. ولذلك يضيف له الحقُّ سبحانه فوق رصيد الإيمان ما يشاؤه هو سبحانه من الرحمة بصلاة الجنازة التي أقامها المسلمون عليه: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23]. وكلمة "زوج" تعني المرأة التي يتزوجها الرجل؛ وتعني الرجل الذي تتزوجه المرأة، ونحن نخطئ خطأ شائعاً حين نقول "زوجة"؛ بل الصحيح أن نقول "زوج" عن المرأة المنسوبة لرجل بعلاقة الزواج. وسبحانه يقول: {أية : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 6]. وهكذا نعلم أن جنات عَدْنٍ هي مكان ينتظم كل شيء؛ ولهذا المكان أبواب متعددة؛ هي أبواب الطاعات التي أَدَّتْ إلى خير الجَزَاءات؛ فباب الصلاة يدخله أُناس؛ وباب الزكاة يدخله أُناس؛ وباب الصبر يدخله أُناس؛ وهكذا تتعدد الأبواب؛ وهي إمَّا أبواب الطاعات أو أبواب الجزاءات التي تدخل منها الطيبات: {أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ..} تفسير : [البقرة: 25]. فالبابُ يكون مفتوحاً؛ تأتي منه الفاكهة والثَّمَرات والخيرات على اختلاف ألوانها؛ فمرَّةً تأتي ثمار المانجو من باب؛ وبعد ذلك تأتي ثمار التفاح. وتلك الأبواب كما قلت هي إمّا للجزاءات؛ أو هي أبواب الطاعات التي أدَّت إلى الجزاءات، وتدخل عليهم الملائكة من كُلِّ باب؛ فماذا تقول الملائكة؟ يقول الملائكة لأهل الجنة: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : ومن جملتها: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي: دار إقامة وخلود {يَدْخُلُونَهَا} هم أصالة واستحقاقاً {وَ} يدخل أيضاً بشفاعتهم وتبعيتهم {مَنْ صَلَحَ} لصحبتهم ورفاقهم {مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} ومن ينتمي إليهم {وَ} حين استقروا وتمكنوا فيها يزورهم {المَلاَئِكَةُ} ترحيباً وتعظيماً {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23] من أبواب الجنة. قائلين: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} أيها الفائزون بالفلاح والنجاح {بِمَا صَبَرْتُمْ} في دار الابتلاء لأنواع المحن والبلاء {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 24] أي: منزلكم ومنقلبكم في دار القرار وعواقب أموركم فيها من الفرح الدائم والسرور المستمر. ثم بين سبحانه على مقتضى سنته من تعقيب عواقب حسن الأبرار بقبح أحوال الأسرار عواقبهم بقوله: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} الذي عهدوا معه في بدء الوجود وأصل الفطرة {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} مع وثاقته وأحكامه {وَ} مع ذلك {يَقْطَعُونَ} ويتركون {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} ويحافظ عليها {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بأنواع الفسادات من الظلم والزور والافتراء والمراء والمكابرة مع الأنبياء والأولياء، وسوء الظن مع أرباب المحبة والولاء {أُوْلَـٰئِكَ} المعزولون عن ساحة عن القبول {لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} أي: الطرد والحرمان والرد والخذلان في النشاة الأولى {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [الرعد: 25] ورداءة المرجع والمآب في النشأة الأخرى. ثم لما افتخر أهل مكة بما عندهم من الأمتعة والزخارف وبأهوائها، واستحقوا فقراء المؤمنين وشنعوا عليهم، ردَّ عليهم بكلام ناشئ عن محض الحكمة فقال: {ٱللَّهُ} المطلع لاستعدادات عباده {يَبْسُطُ} أي: يكثر ويوسع {ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ} من عباده في النشأة الأولى {وَيَقَدِرُ} أي: يقبض وينقص على من يشاء إرادة واختبار؛ حمكة منه وتدبيراً {وَ} هم بمفاخرهم ومباهاتهم بحطام الدنيا قد {فَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} المستعارة التي لا قرار لها ولا ثبات بل {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} وما يترتر عليها من اللذات الفانية والمشتهيات الغير الباقية {فِي} جانب حياة {ٱلآخِرَةِ} وما يترتب عليها من اللذات الدائمة والمئويات الباقية {إِلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد: 26] قليل حقير، لائق به ولا يلتفت إليه. {وَ} من خبث طينتهم ورداءة فطرتهم {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بك وبكتابك وبدينك: {لَوْلاَ} أي: هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} ملجئة لإيماننا {مِّن رَّبِّهِ} مع أنه يدعي التأييد منه، ومع شغفه لإيماننا {قُلْ} لهم: ما عليَّ إلا البلاغ {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} على مقتضى علمه وعدله لمن اراد إضلاله وانتقامه {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ} على مقتضى جوده {مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] إليه من ظهر القلب؛ إذ كلي ميسر لما خلق له. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ} أي: تسكن وتستقر من دغدغة التقليد الباطل والتلوين المضمحل الزائل {بِذِكْرِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد، المستقل في الوجود بلا اضطراب وتعدد وتردد، فقد اضمحلت وتلاشت عن صحائف خواطرهم نقوش الاعتبار والسوى مطلقاً {أَلاَ} أيها الطالبون إلى مرتبة الكشف و الشهود {بِذِكْرِ ٱللَّهِ} المسقط للإضافات {تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28] وتتمكن في مقام الحضور وتستريح عن تشاويش الأوهام.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 450 : 18 : 25 - سفين في قوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ}. قال، من أسلم من آبايهم. [الآية 23].
همام الصنعاني
تفسير : 1374- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ}: [الآية: 23]، بطنان الجنة: يعني بطنها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):