٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} ردّاً عليهم وتكذيباً لقولهم. قال أرباب المعاني: من أظهر الدعوى كذب، ألا ترى أن الله عز وجل يقول: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} وهذا صحيح. وكُسرت (إنّ) لأنها مبتدأة؛ قاله النحاس. وقال علي بن سليمان. يجوز فتحها؛ كما أجاز سيبويه: حقاً أنك منطلق، بمعنى ألا. و «هُمْ» يجوز أن يكون مبتدأ و «الْمُفْسِدُونَ» خبره والمبتدأ وخبره خبر «إنّ». ويجوز أن تكون «هم» توكيداً للهاء والميم في «إنهم». ويجوز أن تكون فاصلة ـ والكوفيون يقولون عماداً ـ و «المفسدون» خبر «إنّ»؛ والتقدير ألا إنهم المفسدون، كما تقدّم في قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} قال ٱبن كَيْسان يقال: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم؛ قال: ففيه جوابان: أحدهما: أنهم كانوا يعملون الفساد سراً ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم. والوجه الآخر: أن يكون فسادهم عندهم صلاحاً وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق وٱتباعه. «وَلَكِنْ» حرف تأكيد وٱستدراك ولا بدّ فيه من نفي وإثبات؛ إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب، وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفي. ولا يجوز الاقتصار بعده على ٱسم واحد إذا تقدّم الإيجاب، ولكنك تذكر جملة مضادة لما قبلها كما في هذه الآية، وقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يجىء؛ ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت؛ لأنهم قد ٱستغنوا ببل في مثل هذا الموضع عن لكن، وإنما يجوز ذلك إذا تقدّم النفي كقولك: ما جاءني زيد لكن عمرو.
البيضاوي
تفسير : {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } رد لما ادعوه أبلغَ رد للاستئناف به وتصديره بحرفي التأكيد: (ألا) المنبهة على تحقيق ما بعدها، فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقاً، ونظيره {أليس ذلك بقادر}، ولذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يلتقي به القسم، وأختها أما التي هي من طلائع القسم: وإن المقررة للنسبة، وتعريف الخبر وتوسيط الفصل لرد ما في قولهم (إنما نحن مصلحون) من التعريض للمؤمنين، والاستدراك بـ {لاَّ يَشْعُرُونَ }. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ} من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين: الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله: {لاَ تُفْسِدُواْ }، والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله:{ءامَنُواْ} {كَمَا ءامَنَ ٱلنَّاسُ} في حيز النصب على المصدر، وما مصدرية أو كافة مثلها في ربما، واللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل، فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقاً يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره فيقال: زيد ليس بإنسان، ومن هذا الباب قوله تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ }تفسير : [البقرة: 18] ونحوه وقد جمعهما الشاعر في قوله:شعر : إذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمان تفسير : أو للعهد، والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه. أو من آمن من أهل جلدتهم كابن سلام وأصحابه، والمعنى آمنوا إيماناً مقروناً بالإخلاص متمحضاً عن شوائب النفاق مماثلاً لإيمانهم، واستدل به على قبول توبة الزنديق وأن الإقرار باللسان إيمان وإن لم يفد التقييد.تفسير : {قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء } الهمزة فيه للإنكار، واللام مشار بها إلى الناس، أو الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم، وإنما سَفَّهُوهُم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي: كصهيب وبلال، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه. والسفه: خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل، والحلم يقابله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ءَلآ} للتنبيه {إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } بذلك
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ...} قال ابن عرفة: أَلاَ تنبيه والتنبيه لا يؤتى إلا في الأمر الغريب وكونهم لا يشعرون من الأمر الغريب.
الطوسي
تفسير : التفسير: ألا: فيها تنبيه، ومعناها لاستفتاح الكلام، ومثله: ألا ترى؟ أما تسمع؟ وأصلها (لا) دخل عليها ألف الاستفهام والألف اذا دخل على الجحد أخرجه إلى الايجاب نحو قوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}؟ لأنه لا يجوز للمجيب إلا الاقرار ببلى. والهاء والميم في موضع النصب بأن. وهم فصل عند البصريين ويسميه الكوفيون عمادا. وقوله {لا يشعرون} قد فسرناه وفيها دلالة على من قال: بان الكفار معاندون عالمون بخطاياهم وان المعرفة مزوّرة ووصفهم بانهم {هم المفسدون} لا يمنع من وصف غيرهم بانه مفسد،لأن ذلك دليل الخطاب وحكي عن ابن عباس: أن معنى قوله {إنما نحن مصلحون} انما يريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين واهل الكتاب وحكي عن مجاهد انهم اذا ركبوا معصية الله قيل لهم: لا تفعلوا هذا. قالوا: إنما نحن مصلحون أي: انما نحن على الهدى وكلا الأمرين محتمل لأنهما جميعاً عندهم أنه إصلاح في الدين وإن كان ذلك إفساداً عند الله، ومن حيث أنه خلاف لما أمرهم به، وإنما جاز تكليف ما لا يشعر أنه على ظلال؛ لأن له طريقاً إلى العلم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ردٌّ لما ادّعوه، وإنكارٌ لما صوّروه من الانتظام في جملة المصلحين، بأبلغ ردّ وأشدّ إنكار، وأدلّهِ على سخطٍ عظيم، حيث وقع الاستيناف والتصدير: (بألاَ) و (إنّ) حرفي التأكيد والتحقيق، وعرّف الخبر ووسّط الفصل مع الاستدراك "بلا يشعرون"، فإنّ الأولى منهما مركّبة من حرفي الاستفهام والنفي لافادة التحقيق كقوله: {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} تفسير : [القيامة:40] ولكونها في هذه المرتبة من التحقيق، لا يكاد تقع الجملة بعدها إلاّ مصدّرة بنحو ما يتلقّى به القسَم، واختها "أما" التي هي من طلائع اليمين ومبادئ القسَم، والثانية هي المقرِّرة للتنبيه والتحقيق. تنبيه [الجهّال المنتسبون الى العلم] إعلم أنّ هؤلاء المنافقين الذين ذكَرهم الله، كانوا من المنتسبين ظاهراً الى العلْم والصلاح، مع وفور الجهل، وقلّة الورَع، ورداءة الاعتقاد، وسوء الخُلق، وعند أنفسهم - لغاية الحُمق والسفاهة - أنّهم من أهل الصلاح والاصلاح لنفسهم ولغيرهم، ونظائرهم موجودون في كلّ زمان، مضادّون في أطوارهم وآرائهم لأهل الحقّ في كل أوان، واكثرهم من مجادلة أهل الكلام، والمتعصّبة لمذاهب أخذوها تلقّفاً وتقليداً من غير بصيرة. وليس من الطوائف المنتسبة الى العلْم والأدب شرٌّ على العلماء المحقّين، ولا أضرّ على الأنبياء الهادين، ولا أشدّ عداوة للمؤمنين بالحقيقة، ولا أفسد للعقول السليمة، من كلام هؤلاء المجادلة، وخصوماتهم وتعصّباتهم في الآراء والمذاهب. وذلك لأنّهم إن كانوا في زمن الأنبياء (عليهم السلام)، فهم الذين لا يصدّقون ولا يؤمنون كسائر الناس، بل يطالبونهم بالحجج والمعجزات، ويعارضونهم بالخصومات، ويشوّشون عقائد المسلمين بابداء الشُّبهات، ويزيّفون قلوبَهم بالضلالات، مثل ما قالوا لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله): {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً [* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً *] أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} تفسير : [الإسراء:90 - 92] وما قالوا لنوح: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} تفسير : [هود:27]. وهم الذين كانوا إذا مرّوا بالمؤمنين يتغامزون، وقال تعالى في ذمّهم وتوبيخهم: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}تفسير : [الزخرف:58]. فهذه حال من كان منهم في زمان الأنبياء (عليهم السلام). وأما إذا كانوا في غير أزمانهم، فهم الذين يجادلون أهل الدين والورع بالشبهات، وينبذون كتبَ الله وراء ظهورهم، ويفرغون الى الآراء والمذاهب بعقولهم السخيفة، وآرائهم الفاسدة، ويضعون لمذاهبم قياسات متناقضة، واحتجاجات مغالطيّة مموّهة، فيضلّون العقول السليمة عن سنَن الحقّ ومسلك الدين، والعلّة في ذلك أسباب شتّى: منها: شدّة تعصّبهم فيما اعتقدوه تقليداً من غير بصيرة، وأخذوه من آبائهم وأسلافهم في أوائل العمر. ومنها أعجابُهم بأنفسهم في حالهم وعلْمهم. ومنها: اعتقادهم لأصول خفيَ فيها خطأوها عليهم وهي ظاهر الشناعة فيما يترتّب عليها ويتفرّع عنها، فيلتزمون تلك الشناعات في الفروع، مخافة أن تنتقض عليهم الأصول، ويطلبون لها وجوهاً من المراوغة من التزام الحجّة، تارةً بالشغَب، وتارةً بالتمويه، وتارةً بالمنازعة هرباً عن الجواب والإقرار بالحقّ، وتأنّفاً عن أن يقولوا: لا ندري الله وروسوله أعلم، إقتداءً بأدب الله كما قال: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى:10] {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}تفسير : [النساء:83]. وانّك لتجد مَن فيهم جودة عبارة، وفصاحة بيان، وسحر كلام، ما يقدر أن يصوّر الباطل في صورة الحقّ بالوصف البليغ، ويصوّر الحق في صورة الباطل، وهو مع ذلك جاهل القلب، ميّت النفس عن إدراك حقائق الأشياء، بعيد الذهن عن فهم المعارف العقليّة، كما قال تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}. وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [النمل:80]. وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان يقول: حديث : أخوفُ ما أخافُ على أمّتي منافقُ القلبِ، عليمُ اللسان، غير حكيم القلب، يغترّهم بفصاحة بيانه، ويضلّهم بجهله . تفسير : وتجد فيهم مَن يجادلُ ويحتجّ وهو عاقل في أشياء كثيرة من أمور الدنيا، فإذا فتّشت عن اعتقاده في أشياء اعتقاديّة متعلّقة بأمور الدين، وجدتَ رأيه واعتقاده أسخف وأقبح من رأي كثير من الصبيان والعلة ما ذكرنا أولاً.
الجنابذي
تفسير : {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} قابل انكارهم المؤكّد باسناد الافساد اليهم مؤكّداً باداة الاستفتاح وانّ واسميّة الجملة وضمير الفصل وافادة الحصر وأتى فى مقابلة حصرهم شؤنهم فى الاصلاح بحصر شؤنهم فى الافساد {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} اتى هاهنا باداة الاستدراك لاقتضاء المقام استدراك توهّم الخلاف والبسط فى الكلام كما مضى آنفاً.
اطفيش
تفسير : {أَلآ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}: هذا رد لقولهم: {إِنمَّا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} الذى ردوا به على من قال لهم:{أية : لا تفسدوا فى الأرض}تفسير : بوجه أبلغ من الوجه الذى ردوا به، لأنه مصدر بألا التى يفتتح بها الكلام، وهى تفيد السببية، والتنبيه نوع من الاهتمام ومن التوكيد، وتفيد التوكيد مضمون الجملة كما قال ابن هشام، وذلك مستفاد منها بالذات فيها، قيل: وقال القاضى والزمخشرى تفيد تحقيق ما بعدها من حيث تركبها من همزة الاستفهام ولا النافية، وهمزة الاستفهام الإنكارى إذا دخلت على النفى أفادت التحقق كقوله عز وعلا:{أية : أليس ذلك بقادر على}تفسير : ولأنه قررت النسبة فيه بأن والجملة الاسمية، وتوسيط ضمير الفصل وصيغة الحصر التى هى تعريف المسند والمسند إليه، ولأنه أتى به على طريق الاستئناف على على طريق العطف، والعدول عن العطف إلى الاستئناف يقصد به تمكن الحكم فى ذهن السامع فضل تمكن لحصوله بعد السؤال والطلب تحقيقاً أو حكماً، ولأنه أكده بلكن المذكورة بعد، فإنها تفيد التأكيد بالذات أو بتركبها من أن، وتفيد الاستدراك، وفى الاستدراك نوع من التأكيد بيانه تدل على أن كونهم مفسدين مما ظهر ظهور المحسوس، لكن لا إحساس لهم فيدركوه، والحصر فى قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، وفى قوله عز وجل: {أَلا إِنَّهم هُمْ المُفْسِدُونَ} قصر موصوف على صفة قصر قلب، وقد يكون تعريف المسند والمسند إليه لقصر الصفة على الموصوف، وهو محتمل هنا فالمعنى على قصر الموصوف عليها أنهم لا يجاوزون الإفساد إلى غيره، وعلى قصر الصفة عليه أن الإفساد لم يتجاوزهم، فتخلق أفعالهم التى فيها عنه، بل لم تخل عنه قط، ومفيد الحصر هو تعريف المسند إليه، وأما ضمير الفصل فإنما هو حينئذ لتأكيد الحصر. {وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ}: أنهم هم المفسدون لاعتقادهم أن ذلك منهم إصلاح، هذا ما قلته، وقال بعض المفسرين، لا يشعرون أن الله يفضحهم، وقال بعض لا يشعرون ما أعد الله لهم من العذاب، وبه قال الشيخ هود، وعلى هذا يكون استدراكاً لقوله:{أية : ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}تفسير : وعلى القول الذى قيل هذا يكون استدراكاً لقوله: {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} على أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون إسراراً لما أبطنوه وخداعاً، وقد علموا أنهم مفسدون لما قالوه خداعاً وإسراراً ظانين أنهم لا يفتضحون، استدراك الله عليهم لأنهم يفتضحون، هذا ما ظهر لى فى توجيه القولين، وما ذكرته أولى لقرب المستدرك عليه، وهو: {ألاَ إِنَّهُمْ هُمْ المُفْسِدُونَ} وسلامته من فصل وتكلف.
اطفيش
تفسير : {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} انتبهوا أيها الناس قد تأكد أن هؤلاء مفسدون دون المؤمنين، فالحصر إضافى، وإن فسرنا الفساد بالنفاق كان حقيقيا، لأنه لا نفاق إلا فيهم بخلاف مطلق الفساد، فى غيرهم من المشركين أيضا. والوجهان فى أنهم هم السفهاء. {وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأنهم المفسدون، أو بوبال كفرهم، أو لا شعور لهم ألبتة، هكذا، ولو استعملوا عقولهم لشعروا. ذكر هنا الشعور لأن الفساد يعرف بلا تأمل. والسفة يعرف بالتأمل، فذكر معه العلم كما قيل: شعر : يُقْضَى عَلَى الْمَرْءِ فِى أَيْامِ مِحْنَتِهِ حَتَّى يَرَى حَسَناً مَا لَيْسَ بِالْحَسَنِ تفسير : وَلم يذكر لكن فى المخادعة لأنه لم يتقدم عليها ما يتوهم منه الشعور.
الالوسي
تفسير : رد لدعواهم المحكية على أبلغ وجه حيث سلك فيه مسلك الاستئناف المؤدي إلى زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع مع تأكيد الحكم وتحقيقه (بإن، وألا) بناءً/ على تركبها من همزة الاستفهام الإنكاري الذي هو نفي معنى و(لا) النافية فهو نفي نفي فيفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيره ولإفادتها التحقيق كما قال ناصر الدين: لا يكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يتلقى به القسم (كان، واللام، وحرف النفي) والذي ارتضاه الكثير أنها بسيطة لا لأنها تدخل على أن المشددة و(لا) النافية لا تدخل عليها إذ قد يقال: انفسخ بعد التركيب حكمها الأصلي بل لأن الأصل البساطة، ودعوى لا يكاد الخ لا تكاد تسلم كيف وقد دخلت على رب وحبذا ويا النداء في ـ ألا رب يوم صالح لك منهما ـ و ـ ألا حبذا هند وأرض بها هند ـ و ـ ألا يا قيس والضحاك سيرا ـ وضم إلى ذلك تعريف الخبر وتوسيط الفصل وأشار بـ {لاَّ يَشْعُرُونَ } على وجه إلى أن كونهم من المفسدين قد ظهر ظهور المحسوس بالمشاعر وإن لم يدركوه، وأتى سبحانه بالاستدراك هنا ولم يأت به بعد المخادعة لأن المخادعة هناك لم يتقدمها ما يتوهم منه الشعور توهماً يقتضي تعقيبه بالرفع بخلاف ما هنا فإنهم لما نهوا عما تعاطوه من الفساد الذي لا يخفى على ذوي العقول فأجابوه بادعاء أنهم على خلافه، وأخبر سبحانه بفسادهم كانوا حقيقيين بالعلم به مع أنهم ليسوا كذلك فكان محلاً للاستدراك، وما يقال: من أنه لا ذمّ على من أفسد ولم يعلم وإنما الذم على من أفسد عن علم، يدفعه أن المقصر في العلم مع التمكن منه مذموم بلا ريب بل ربما يقال إنه أسوأ حالاً من غيره، وهذا كله على تقدير أن يكون مفعول {لاَّ يَشْعُرُونَ} محذوفاً مقدراً بأنهم مفسدون، ويحتمل أن يقدر أن وبال ذلك الفساد يرجع إليهم، أو أنا نعلم أنهم مفسدون ويكون {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} لإفادة لازم فائدة الخبر بناءً على أنهم عالمون بالخبر جاحدون له كما هو عادتهم المستمرة، ويبعد هذا إذا كان المنافقون أهل كتاب، ويحتمل أن لا ينوي محذوف وهو أبلغ في الذم. وفيه مزيد تسلية له صلى الله عليه وسلم إذ من كان من أهل الجهل لا ينبغي للعالم أن يكترث بمخالفته. وفي "التأويلات" ـ لعلم الهدى ـ إن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به وأن الحجة لا تلزم بدون المعرفة فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع عدم العلم فلو كان حقيقة العلم شرطاً للتكليف ولا علم لهم به لم يكن صنيعهم إفساداً لأن الإفساد ارتكاب المنهي عنه فإذا لم يكن النهي قائماً عليهم عن النفاق لم يكن فعلهم إفساداً فحيث كان إفساداً دل على أن التكليف يعتمد قيام آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة فيكون حجة عليهم. وهذه المسألة متفرعة على مسألة مقارنة القدرة للفعل وعدمها، وأنت تعلم أنه مع قيام الاحتمال يقعد على العجز الاستدلال.
ابن عاشور
تفسير : رد عليهم في غرورهم وحصرهم أنفسهم في الصلاح فرد عليهم بطريق من طرق القصر هو أبلغ فيه من الطريق الذي قالوه لأن تعريف المسند يفيد قصر المسند على المسند إليه فيفيدُ قوله: {ألا إنهم هم المفسدون} قصر الإفساد عليهم بحيث لا يوجد في غيرهم وذلك ينفي حصرهم أنفسهم في الإصلاح وينقضه وهو جار على قانون النقض وعلى أسلوب القصر الحاصل بتعريف الجنس وإن كان الرد قد يكفي فيه أن يقال إنهم مفسدون بدون صيغة قصر، إلا أنه قُصِر ليفيد ادعاءَ نفي الإفساد عن غيرهم. وقد يفيد ذلك أن المنافقين ليسوا ممن ينتظم في عداد المصلحين لأن شأن المفسد عرفاً أن لا يكون مصلحاً إذ الإفساد هين الحصول وإنما يصد عنه الوازع فإذا خلع المرءُ عنه الوازعَ وأخذ في الإفساد هان عليه الإفساد ثم تكرر حتى يصبح سجية ودأباً لا يكاد يفارق موصوفه. وحرف (ألا) للتنبيه إعلاناً لوصفهم بالإفساد. وقد أكد قصر الفساد عليهم بضمير الفصل أيضاً - كما أكد به القصر في قوله: {أية : وأولئك هم المفلحون}تفسير : [البقرة: 5] كما تقدم قريباً -. ودخولِ (إِنَّ) على الجملة وقرنِها بأَلاَ المفيدة للتنبيه وذلك من الاهتمام بالخبر وتقويته دلالةً على سخط الله تعالى عليهم فإن أدوات الاستفتاح مثل ألا وأمَا لما كان شأنها أن ينبه بها السامعون دلت على الاهتمام بالخبر وإشاعته وإعلانه، فلا جرم أن تدل على أبلغية ما تضمنه الخبر من مدح أو ذم أو غيرهما، ويدل ذلك أيضاً على كمال ظهور مضمون الجملة للعيان لأن أدوات التنبيه شاركت أسماء الإشارة في تنبيه المخاطب. وقوله: {ولكن لا يشعرون} مَحمَلُه مَحْمَلُ قوله تعالى قبله: {أية : وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون}تفسير : [البقرة: 9] فإن أفعالهم التي يبتهجون بها ويزعمونها منتهى الحذق والفطنة وخدمةِ المصلحة الخالصة آيلة إلى فساد عام لا محالة إلاَّ أنهم لم يهتدوا إلى ذلك لخفائه وللغشاوة التي ألقيت على قلوبهم من أثر النفاق ومخالطة عظماء أهله، فإن حال القرين وسخافة المذهب تطمس على العقول النيرة وتَخِفُّ بالأحلام الراجحة حتى تَرى حسناً ما ليس بالحَسَن. وموقع حرف الاستدراك هنا لأن الكلام دَفْع لما أثبتوه لأنفسهم من الخلوص للإصلاح، فرفع ذلك التوهم بحرف الاستدراك.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ هُمُ المُفْسِدُونَ، لأَنَّ مَا يَقُومُونَ بهِ هُوَ عَيْنُ الفَسَادِ، وَلكِنَّهُمْ لِجَهْلِهِمْ لا يَشْعُرونَ بِأَنَّهُ فَسَادٌ، وَلاَ يُدْرِكُونَ سُوءَ العَاقِبَةِ الذِي سَيَصِيرُون إِليهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يعطينا الله سبحانه وتعالى حكمه عليهم بأنهم كما أنهم يخدعون أنفسهم ولا يشعرون ويحسبون أنهم يخدعون الله سبحانه وتعالى والمؤمنين. كذلك، فإنهم يفسدون في الأرض ويدَّعون أنهم مصلحون، ولكنهم في الحقيقة مفسدون، لماذا؟ .. لأن في قلوبهم كفراً وعداء لمنهج الله، فلو قاموا بأي عمل يكون ظاهره الإصلاح، فحقيقته هي الإفساد، تماماً كما ينطقون بألسنتهم بما ليس في قلوبهم. والكون لا يصلح إلا بمنهج الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق، وهو الذي أوجد، وهو أدرى بصنعته وبما يفسدها وبما يصلحها، لأنه هو الصانع، ولا يوجد مَنْ يعلم سر ما يصلح صنعته أكثر من صانعها. ونحن في المنهج الدنيوي إذا أردنا إصلاح شيء اتجهنا لصانعه؛ فهو الذي يستطيع أن يدلنا على الإصلاح الحقيقي لهذا الشيء، فإذا لم يكن صانعه موجوداً في البلدة نفسها اتجهنا إلى مَنْ درَّبهم الصانع على الإصلاح، أو إلى ما يسمونه "الكتالوج" الذي يبين لنا طريق الإصلاح، وبدون هذا لا نصلح، بل نفسد، والعجيب أننا نتبع هذه الطريقة في حياتنا الدنيوية، ثم نأتي إلى الإنسان والكون، فبدلاً من أن نتجه إلى صانعه وخالقه لنأخذ عنه منهج الإصلاح، وهو أدرى بصنعته، نتجه إلى خلق الله يضعون لنا المناهج التي تفسد، وطاهرها الإصلاح لكنها تزيد الأمور سوءاً. والغريب أننا نسمي هذا فلاحاً، ونسميه تقدماً. ولكن لماذا لا نتجه إلى الصانع أو الخالق، الذي أوجد وخلق؟ هو سبحانه وتعالى أدرى بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم. وما دام الحق سبحانه وتعالى، قد حكم على المنافقين، بأنهم هم المفسدون فذلك حكم يقيني، وكل مَنْ يحاول أن يُغيِّر من منهج الله، أو يعطل تطبيقه بحجة الإصلاح، فهو مفسد وإن كان لا يشعر بذلك، لأنه لو أراد إصلاحاً لاتجه إلى ما يصلح الكون، وهو المنهج السماوي الذي أنزله خالق هذا الكون وصانعه، وهذا المنهج موجود وَمُبَلَّغٌ ولا يخفى على أحد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):