Verse. 18 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذَا قِيْلَ لَھُمْ لَا تُفْسِدُوْا فِى الْاَرْضِ۝۰ۙ قَالُوْۗا اِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُوْنَ۝۱۱
Waitha qeela lahum la tufsidoo fee alardi qaloo innama nahnu muslihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قيل لهم» أي لهؤلاء «لا تفسدوا في الأرض» بالكفر والتعويق عن الإيمان. «قالوا إنما نحن مصلحون» وليس ما نحن فيه بفساد. قال الله تعالى رداً عليهم.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين، والكلام فيه من وجوه: أحدها: أن يقال: من القائل {لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ }؟ وثانيها: ما الفساد في الأرض؟ وثالثها: من القائل: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ }؟ ورابعها: ما الصلاح؟. أما المسألة الأولى: فمنهم من قال: ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال: هو الرسول عليه السلام، ومنهم من قال بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، وإما أن يقال: إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم: {لاَ تُفْسِدُواْ } فإن قيل: أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك؟ قلنا: نعم، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 74] وقال: {أية : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } تفسير : [التوبة: 96]. المسألة الثانية: الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعاً به، ونقيضه الصلاح فأما كونه فساداً في الأرض فإنه يفيد أمراً زائداً، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفساداً في الأرض، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وسكنت الفتن، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب، ولذلك قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [محمد: 22] نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به، وثانيها: أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف أنصاره، فكان ذلك يجرىء الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة، وفيه فساد عظيم في الأرض. وثالثها: قال الأصم: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه، وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه. المسألة الثالثة: الذين قالوا {إنما نحن مصلحون} هم المنافقون، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضاً لما نهوا عنه، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } كالمقابل له، وعند ذلك يظهر احتمالان: أحدهما: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد. وثانيهما: أنا إذا فسرنا {لاَ تُفْسِدُواْ } بمداراة المنافقين للكفار فقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {أية : إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } تفسير : [النساء: 62] فقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي نحن نصلح أمور أنفسنا. واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة الزنديق مقبولة والله أعلم. وأما قوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ } فخارج على وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض، إذ فيه كفران نعمة الله، وإقدام كل أحد على ما يهواه، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثواباً ولا عقاباً تهارج الناس، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد؛ ولهذا قال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } على ما تقدم تقريره.

القرطبي

تفسير : «إذا» في موضع نصب على الظرف والعامل فيها «قالوا»؛ وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر. قال الجوهري: «إذا» ٱسم يدلّ على زمان مستقبل، ولم تستعمل إلا مضافة إلى جملة؛ تقول: أجيئك إذا احمرّ الْبُسْر، وإذا قدِم فلان. والذي يدل على أنها ٱسم وقوعها موقع قولك: آتيك يوم يقدَم فلان؛ فهي ظرف وفيها معنى المجازاة. وجزاء الشرط ثلاثة: الفعل والفاء وإذا؛ فالفعل قولك: إن تأتني آتك. والفاء: إن تأتني فأنا أحسِن إليك. وإذا كقوله تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}تفسير : [الروم:36]. ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخَطِيم:شعر : إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلُها خُطانا إلى أعدائنا فنُضارِبِ تفسير : فعطف «فنضارب» بالجزم على «كان» لأنه مجزوم، ولو لم يكن مجزوماً لقال: فنضاربَ؛ بالنصب. وقد تزاد على «إذا» «ما» تأكيداً، فيُجزم بها أيضاً؛ ومنه قول الفَرَزْدَق: شعر : فقام أبو لَيْلَى إليه ٱبنُ ظالمٍ وكان إذا ما يسلُلِ السيفَ يضرِبِ تفسير : قال سيبويه: والجيّد ما قال كعب بن زُهَير:شعر : وإذا ما تشاءُ تبعثُ منها مغربَ الشمسِ ناشِطاً مَذْعُورَا تفسير : يعني أن الجيّد ألا يجزم بإذا؛ كما لم يجزم في هذا البيت. وحكي عن المبرّد أنها في قولك في المفاجأة: خرجت فإذا زيد، ظرف مكان؛ لأنها تضمنت جُثّة. وهذا مردود؛ لأن المعنى خرجت فإذا حضور زيد؛ فإنما تضمّنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف الزمان؛ ومنه قولهم: «اليومَ خَمْرٌ وغداً أمرٌ» فمعناه وجود خمر ووقوع أمر. قوله: {قِيلَ} من القَول وأصله قَوِل؛ نُقِلت كسرة الواو إلى القاف فٱنقلبت الواو ياء. ويجوز: «قيل لهم» بإدغام اللام في اللام. وجاز الجمع بين ساكنين؛ لأن الياء حرف مدّ ولين. قال الأخفش: ويجوز «قُيُل» بضم القاف والياء. وقال الكسائي: ويجوز إشمام القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله، وهي لغة قيس. وكذلك جِيءَ وغِيضَ وحِيل وسِيق وسِيء وسِيئت. وكذلك روى هشام عن ٱبن عباس، ورُوَيْس عن يعقوب. وأَشَمّ منها نافع سيء وسيئت خاصة. وزاد ٱبن ذَكوان: حِيل وسِيق؛ وكسر الباقون في الجميع. فأما هُذيل وبنو دُبَير من أسد وبني فَقْعَس فيقولون: «قوْل» بواو ساكنة. قوله: {لاَ تُفْسِدُواْ} «لا» نهي. والفساد ضدّ الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها. فَسَد الشيء يَفْسِدُ فَساداً وفُسوداً وهو فاسد وفِسيد. والمعنى في الآية: لا تُفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: كانت الأرض قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها الفساد، ويفعل فيها بالمعاصي؛ فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱرتفع الفساد وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها؛ كما قال في آية أخرى: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} تفسير : [الأعراف:56] قوله: {فِي ٱلأَرْضِ} الأرض مؤنثة، وهي ٱسم جنس، وكان حق الواحدة منها أن يقال أَرْضَةَ، ولكنهم لم يقولوا. والجمع أَرضات؛ لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم: عُرُسات. ثم قالوا أَرضون فجمعوا بالواو والنون؛ والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصاً كُثَبة وظُبَة، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضاً من حذفهم الألف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سُكّنت. وقد تجمع على أُرُوض. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: أرْض وآراض، كما قالوا: أهل وآهال. والأراضي أيضاً على غير قياس؛ كأنهم جمعوا آرُضًا. وكل ما سفل فهو أرض. وأَرْض أرِيضة؛ أي زكيّة بيّنة الأراضة. وقد أُرِضت بالضم، أي زكت. قال أبو عمرو: نزلنا أرضاً أريضة؛ أي معجبة للعين؛ ويقال: لا أرض لك، كما يقال: لا أمّ لك. والأرض: أسفل قوائم الدابة؛ قال حُمَيد يصف فرساً:شعر : ولم يُقَلِّب أرْضَها البَيْطَارُ ولا لَحْبَلَيْهِ بِها حَبَارُ تفسير : أي أثر. والأرض: النَّفْضَة والرِّعْدة. روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد اللَّه بن الحارث قال: زُلْزِلَت الأرض بالبصرة؛ فقال ٱبن عباس: والله ما أدريٰ أزُلزلت الأرض أم بي أرْض؟ أي أم بي رِعدة؛ وقال ذو الرُّمّة يصف صائداً:شعر : إذا تَوَجّس رِكْزاً من سَنابكها أو كان صاحبَ أرضٍ أو به الْمُومُ تفسير : والأرض: الزّكام. وقد آرضه الله إيراضاً؛ أي أزكمه فهو مأروض. وفسِيل مستأرِض، ووَدِيّة مستأرِضة (بكسر الراء) وهو أن يكون له عِرق في الأرض؛ فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب. والإراض (بالكسر): بساط ضخم من صوف أو وبر. ورجل أريض؛ أي متواضع خليق للخير. قال الأصمعي يقال: هو آرَضُهم أن يفعل ذلك؛ أي أخلقهم. وشيء عرِيض أرِيض إتباع له؛ وبعضهم يفرده ويقول: جَدْيٌ أرِيض؛ أي سمين. قوله: {نَحْنُ} أصل «نحن» نَحُنْ، قُلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء؛ قاله هشام بن معاوية النحوي. وقال الزجاج: «نحن» لجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو؛ فلما ٱضطروا إلى حركة «نحن» لالتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة. قال: لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ}تفسير : [البقرة:16]. وقال محمد بن يزيد: «نحن» مثل قَبْلُ وبعدُ؛ لأنها متعلقة بالإخبار عن ٱثنين وأكثر، فـ «ـأنا» للواحد و «نحن» للتثنية والجمع، وقد يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله: نحن قمنا؛ قال الله تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ}تفسير : [الزخرف:32]. والمؤنّث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر؛ تقول المرأة: قمت وذهبت، وقمنا وذهبنا، وأنا فعلت ذاك، ونحن فعلنا. هذا كلام العرب فٱعلم. قوله تعالى: {مُصْلِحُونَ} ٱسم فاعل من أصلح. والصلاح: ضد الفساد. وصَلُح الشيء (بضم اللام وفتحها) لغتان؛ قاله ٱبن السِّكِّيت. والصُّلوح (بضم الصاد) مصدر صَلُح (بضم اللام)؛ قال الشاعر:شعر : فكيف بإطراقي إذا ما شَتَمْتَنِي وما بعدَ شَتْمِ الوالدين صُلُوحُ تفسير : وصلاح من أسماء مكة. والصِّلْح (بكسر الصاد): نهر. وإنما قالوا ذلك على ظنهم؛ لأن إفسادهم عندهم إصلاح؛ أي أن ممالأتنا للكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين. قاله ٱبن عباس وغيره.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } عطف على {يَكْذِبُونَ} أو {يِقُولُ}. وما روي عن سلمان رضي الله عنه أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد فلعله أراد به أن أهلها ليس الذين كانوا فقط، بل وسيكون من بعد من حاله حالهم لأن الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي فيها. والفساد: خروج الشيء عن الاعتدال. والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع. وكان من فسادهم في الأرض هَيْجُ الحُروب والفتن بمخادعة المسلمين، وممالأة الكفار عليهم بإفشاء الأسرار إليهم، فإن ذلك يؤدي إلى فساد ما في الأرض من الناس والدواب والحرث. ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل بنظام العالم. والقائل هو الله تعالى، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بعض المؤمنين. وقرأ الكسائي وهشام (قُيْل) بإشمام الضم الأول. {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} جواب لـ {إِذَا} رد للناصح على سبيل المبالغة، والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد، لأن إنما تفيد قصر ما دخلت عليه على ما بعده. مثل: إنما زيد منطلق، وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك: لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى: {أية : أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً }تفسير : [فاطر: 8].

ابن كثير

تفسير : قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الطيب الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قال: هم المنافقون. أما لا تفسدوا في الأرض، قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية. وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض، أو أمر بمعصيته، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة. وقال ابن جريج عن مجاهد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} قال: إذا ركبوا معصية الله، فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون وقال وكيع وعيسى بن يونس وعثام بن علي عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأَسَدي عن سلمان الفارسي: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قال سلمان: لم يجىء أهل هذه الآية بعد. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن الأعمش عن زيد بن وهب وغيره عن سلمان الفارسي في هذه الآية قال: ما جاء هؤلاء. قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان رضي الله عنه أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد، قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض؛ بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته؛ وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الأنفال: 73] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى: { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 144] ثم قال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}تفسير : [النساء: 145] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول، لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله، وتطابق قوله وعمله، لأفلح وأنجح، ولهذا قال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء. كما قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: { أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه، ويزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فساداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي لهؤلاء {لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } بالكفر والتعويق عن الإيمان {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } وليس ما نحن فيه بفساد. قال الله تعالى ردّاً عليهم:

الشوكاني

تفسير : {إذا} في موضع نصب على الظرف والعامل فيه {قالوا} المذكور بعده. وفيه معنى الشرط. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها. فسد الشيء يفسد فساداً وفسوداً فهو فاسد وفسيد. والمراد في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالنفاق، وموالاة الكفرة، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار وبطلان الزرائع كما هو مشاهد عند ثوران الفتن والتنازع. و{إنما} من أدوات القصر، كما هو مبين في علم المعاني. والصلاح ضد الفساد. لما نهاهم الله عن الفساد الذي هو دأبهم أجابوا بهذه الدعوى العريضة، ونقلوا أنفسهم من الاتصاف بما هي عليه حقيقة وهو: الفساد، إلى الاتصاف بما هو ضدّ لذلك وهو الصلاح، ولم يقفوا عند هذا الكذب البحت والزور المحض حتى جعلوا صفة الصلاح مختصة بهم خالصة لهم، فردّ الله عليهم ذلك أبلغ ردّ؛ لما يفيده حرف التنبيه من تحقق ما بعده، ولما في إن من التأكيد، وما في تعريف الخبر مع توسيط ضمير الفصل من الحصر المبالغ فيه بالجمع بين أمرين من الأمور المفيدة له، وردّهم إلى صفة الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة ردّاً مؤكداً مبالغاً فيه بزيادة على ما تضمنته دعواهم الكاذبة من مجرد الحصر المستفاد من {إنما}. وأما نفي الشعور عنهم فيحتمل أنهم لما كانوا يظهرون الصلاح مع علمهم أنهم على الفساد الخالص، ظنوا أن ذلك ينفق على النبي صلى الله عليه وسلم، وينكتم عنه بطلان ما أضمروه، ولم يشعروا بأنه عالم به، وأن الخبر يأتيه بذلك من السماء، فكان نفي الشعور عنهم من هذه الحيثية لا من جهة أنهم لا يشعرون بأنهم على الفساد. ويحتمل أن فسادهم كان عندهم صلاحاً لما استقرّ في عقولهم من محبة الكفر وعداوة الإسلام. وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: الفساد هنا هو: الكفر والعمل بالمعصية. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إذا ركبوا معصية فقيل لهم: لا تفعلوا كذا قالوا إنما نحن على الهدى. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمان؛ أنه قرأ هذه الآية فقال: لم يجىء أهل هذه الآية بعد. قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد انتهى. ويحتمل أن سلمان يرى أن هذه الآية ليست في المنافقين بل يحملها على مثل أهل الفتن التي يدين أهلها بوضع السيف في المسلمين كالخوارج وسائر من يعتقد في فساده أنه صلاح؛ لما يطرأ عليه من الشبه الباطلة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا في الأَرضِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الكفر. والثاني: فعل ما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر بحفظه. والثالث: أنه ممالأة الكفار. وكل هذه الثلاثة، فساد في الأرض، لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها. واختلف فِيمَنْ أُريدَ بهذا القول على وجهين: أحدهما: أنها نزلت في قوم لهم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وإنما يجيئون بعد، وهو قول سليمان. والثاني: أنها نزلت في المنافقين، الذين كانوا موجودين، وهو قول ابن عباس ومجاهد. {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنهم ظنوا أن في ممالأة الكفار صلاحاً لهم، وليس كما ظنوا، لأن الكفار لو يظفرون بهم، لم يبقوا عليهم، فلذلك قال: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ}. والثاني: أنهم أنكروا بذلك، أن يكونوا فعلوا ما نهوا عنه من ممالأة الكفار، وقالوا إنما نحن مصلحون في اجتناب ما نهينا عنه. والثالث: معناه أن ممالأتنا الكفار، إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين، وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم أرادوا أن ممالأة الكفار صلاح وهدى، وليست بفساد وهذا قول مجاهد. فإن قيل: فكيف يصح نفاقهم مع مجاهدتهم بهذا القول؛ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم عرَّضوا بهذا القول، وكَنُّوا عنه من غير تصريح به. والثاني: أنهم قالوا سراً لمن خلوا بهم من المسلمين، ولم يجهروا به، فبقوا على نفاقهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تُفْسِدُواْ} بالكفر، أو بفعل ما نهيتم عنه، وتضييع ما أمرتم به، أو بممايلة الكفار. نزلت في المنافقين، أو في قوم لم يكونوا موجودين حنيئذٍ بل جاءوا فيما بعد قاله سلمان: {مُصْلِحُونَ} ظنوا ممايلة الكفار صلاحاً لهم، وليس كذلك، لأن الكفار لو ظفروا بهم لم يبقوا عليهم، أو مصلحون في اجتناب ما نهينا عنه إنكاراً لممايلة الكفار، أو نريد بممايلتنا الكفار الإصلاح بينهم وبين المؤمنين، أو إن ممايلة الكفار صلاح وهدى ليست بفساد، عرَّضوا بهذا، أو قالوه لمن خلوا به من المسلمين.

النسفي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } معطوف على «يكذبون» ويجوز أن يعطف على «يقول آمنا» لأنك لو قلت ومن الناس من إذا قيل لهم {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ } لكان صحيحاً، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، وضده الصلاح وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، وكان فساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم. {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } بين المؤمنين والكافرين بالمداراة يعني أن صفة المصلحين خلصت لنا وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد، لأن «إنما» لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك «إنما ينطلق زيد وإنما زيد كاتب» و «ما» كافة لأنها تكفها عن العمل. {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } أنهم مفسدون فحذف المفعول للعمل به. «ألا» مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحققاً كقوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ }تفسير : [القيامة: 40]، ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، وقد رد الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط عظيم والمبالغة فيه من جهة الاستئناف، وما في «ألا» و «إن» من التأكيد وتعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله «لا يشعرون». {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَا ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء } نصحوهم من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده عن الصواب وجره إلى الفساد، وثانيهما تبصيرهم الطريق الأسَدَََّ من اتباع ذوي الأحلام، فكان من جوابهم أن سفهوهم لتمادي جـهلهم، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. وإنما صح إسناد «قيل» إلى «لا تفسدوا» و«آمنوا» مع أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يصح، لأنه إسناد إلى لفظ الفعل والممتنع إسناد الفعل إلى معنى الفعل فكأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول ومنه زعموا مطية الكذب. و «ما» في كما كافة في «ربما»، أو مصدرية كما في {أية : بِمَا رَحُبَتْ }تفسير : [التوبة: 25] واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وأشياعه أي كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم، والكاف في «كما» في موضع النصب لأنه صفة مصدر محذوف أي إيماناً مثل إيمان الناس ومثله كما آمن السفهاء. والاستفهام في «أنؤمن» للإنكار، في «السفهاء» مشار بها إلى الناس، وإنما سفهوهم وهم العقلاء المراجيح لأنهم لجهلهم اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً والسفه سخافة العقل وخفة الحلم. {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } أنهم هم السفهاء. وإنما ذكر هنا «لا يعلمون» وفيما تقدم «لا يشعرون» لأنه قد ذكر السفه وهوجهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له، ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، أما الفساد في الأرض فأمر مبني على العادات فهو كالمحسوس. والسفهاء خبر «إن» و «هم» فصل أو مبتدأ والسفهاء خبرهم والجملة خبر «إن». {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا } وقرأ أبو حنيفة رحمه الله «وإذا لاقوا» يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه. الآية الأولى في بيان مذهب المنافقين والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون مع المؤمنين من الاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم. {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ } خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، وبإلى أبلغ لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء أي إذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم، ويجوز أن يكون من خلا بمعنى مضى. وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وهم اليهود. وعن سيبويه أن نون الشياطين أصلية بدليل قولهم «تشيطن»، وعنه أنها زائدة واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح والخير، أو من شاط إذا بطل ومن أسمائه الباطل. {قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. وإنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالاسمية محققة بـ «إن» لأنهم في خطابهم مع المؤمنين في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التأكيد والمبالغة، وكيف يطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار. وأما خطابهم مع إخوانهم فقد كان عن رغبة وقد كان متقبلاً منهم رائجاً عنهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتأكيد. وقوله {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } تأكيد لقوله «إنا معكم» لأن معناه الثبات على اليهودية، وقوله «إنما نحن مستهزئون» رد للإسلام ودفع لهم منهم لأن المستهزىء بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو استنئاف كأنهم اعترضوا عليهم بقولهم حين قالوا إنا معكم إن كنتم معنا فلم توافقون المؤمنين فقالوا إنما نحن مستهزئون. والاستهزاء السخرية والاستخفاف وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ مات على المكان. {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمُ } أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40]. {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ }تفسير : [البقرة: 194] فسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الجزاء سيئة واعتداء، وهذا لأن الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث الحقيقة لأنه من باب العبث وتعالى عنه. قال الزجاج: هو الوجه المختار. واستئناف قوله تعالى «الله يستهزىء بهم» من غير عطف في غاية الجزالة والفخامة، وفيه أن الله هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان. ولما كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل «الله يستهزىء بهم» ولم يقل الله مستهزىء بهم ليكون طبقاً لقوله «إنما نحن مستهزؤون» {وَيَمُدُّهُمْ } أي يمهلهم عن الزجاج {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ } في غلوهم في كفرهم {يَعْمَهُونَ } حال أي يتحيرون ويترددون وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح. {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ خبره. {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } أي استبدلوها به واختاروها عليه. وإنما قال اشتروا الضلالة بالهدى ولم يكونوا على هدى لأنها في قوم آمنوا ثم كفروا، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فلما جاءهم كفروا به، أو جعلوا لتمكنهم منه كأن الهدى قائم فيهم فتركوه بالضلالة، وفيه دليل على جواز البيع تعاطياً لأنهم لم يتلفظوا الشراء ولكن تركوا الهدى بالضلالة عن اختيارهم، وسمي ذلك شراء فصار دليلاً لنا على أن من أخذ شيئاً من غيره ترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم به. والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء، يقال ضل منزله فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ } الربح الفضل على رأس المال، والتجـارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح، وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد المجـازي، ومعناه فما ربحوا في تجارتهم إذ التجارة لا تربح، ولما وقع شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ذكر الربح والتجـارة ترشيحاً له كقوله: شعر : ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاش له صدري تفسير : لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر. والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوهما، فرأس مالهم الهدى ولم يبق لهم مع الضلالة، وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح. وقيل: «الذين» صفة «أولئك» و«فما ربحت تجارتهم» إلى آخر الآية في محل رفع خبر «أولئك».

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ...} هذا القول واقع (فيما مضى) ودائم في المستقبل، ودوامه محقق ولذلك دخلت عليه إذا لأنه من باب تغيير (المنكر) فهو واجب. وحذف الفاعل قصدا للعموم والشيوع (في القائل) ولأن القائل عظيما أو حقيرا لا يقبلون منه. وفائدة ذكر المجرور وهو في الأرض (التنبيه) على أن إفسادهم عام في الاعتقاد الديني وفي الأمر الدنيوي، والفساد (يعمّ) في جلب المؤلم ودفع (الملائم) شرعا. قال ابن عطيّة: و"إذا" ظَرف زمان، وحكى المبرد أنها للمفاجأة نحو: خرجت فإذا زيد، ظرف مكان لتضمّنها (الجهة)، وظرف الزمان لا يكون إخبارا عن (الجثة). قال ابن عرفة: (وتقدم لنا) إبطال كونها ظرف مكان لأنه يلزم عليه مفاجأة من بالمشرق لمن بالمغرب) ولا يلزم ذلك في الزمان. ابن عطية: وقال سلمان (الفارسي) لم (يجئ) هؤلاء بعد. ابن عطية: ومعناه لم ينقرضوا بل يجيئون في كل زمان. قال ابن عرفة: والقول: إما لفظي وهو الأظهر، (وبعيد) أن يكون نفسيا ولا يمتنع لاحتمال (أن يخلق الله جل جلاله) في خواطرهم النهي عن ذلك وعدم امتثال ذلك النهي. وأورد الزمخشري سؤالا قال: كيف يصح أن يقام مقام الفاعل جملة (الجملة) لا تكون فاعلة؟ وردّه ابن عرفة بأنّهم نَصّوا في باب الحكاية على عمل القول في الجملة المحكية مثل: قال زيد إن عمرا منطلق. واحتجوا بقوله: شعر : مَتَى تَقُول القلص الرّواسما يدنين أمّ قاسم وقاسما تفسير : فإذا صح تعدي (القول إلى) الجملة على المفعولية صح إقامة ذلك المفعول مقام الفاعل.

ابن عادل

تفسير : "إذا" ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تكون إلاّ في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شِعْرٍ؛ لمخالفتها أدوات الشرط؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله: [البسيط] شعر : 193- تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي نَاراً إِذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 194- وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 195- إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُهَا خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبِ تفسير : فقوله: "فَنُضَارب" مجزوم لعطفه على محل قوله "كان وصلها". وقال الفرزدق: [الطويل] شعر : 196- فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ ابْنُ ظَالِمٍ وَكَانَ إذَا مَا يَسْلُلِ السَّيْفَ يَضْرِبِ تفسير : وقد تكون للزمن الماضي كـ: "إذ" كما قد تكون "إذ" للمستقبل كـ "إذا". فمن مجيء "إذا" ظرفاً لما مَضَى من الزمان واقعةً موقع "إذ" قوله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ} تفسير : [التوبة: 92]، وقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11]، قال به ابن مالك، وبعض النحويين. ومن مجيء "إذ" ظرفاً لما يستقبل من الزمان قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} تفسير : [غافر: 70-71]. وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف مكان أو حرفاً؟ ثلاثة أقوال: أصحُّها الأول استصحاباً للحال، وهل تتصرف أم لا؟ الظاهر عدم تصرفها، واستدلّ من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ: {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} تفسير : [الواقعة: 1-4] بنصب "خافضة رافعة"، فجعل "إذا" الأولى مبتدأ، والثانية خبرها. والتقدير: وَقْتُ وقوع الواقعة رجّ الأرض، وبقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} تفسير : [الزمر: 71]، و {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ} تفسير : [يونس: 22] فجعل "حتى" حرف جر، و "إذا" مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضعه. ولا تُضَاف إلاَّ الجُمَلِ الفعلية خلافاً للأخفش. وقوله: "قيل" فعل ماضٍ مبني للمفعول، وأصله: "قَوَلَ" كـ: "ضرب"، فاستثقلت الكسرة على "الواو"، فنقلت إلى "القاف" بعد سَلْبِ حركتها، فسكنت "الواو" بعد كسرة، فقلبت "ياء"، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضّمة بين الضم والكَسْرِ. ولغة ثالثة وهي: إخلاص الضم، نحو: "قُولَ وبُوعَ"، قال الشاعر: [الرجز] شعر : 197- لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتُ لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : 198- حُوكَتْ عَلَى نَولَيْنِ إذْ تُحَاكُ تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلاَ تُشَاكُ تفسير : وقال الأخفش: "ويجوز "قُيُل" بضم القاء والياء"، يعني مع الياء؛ لأن الياء تضم أيضاً. وتجيء هذه اللغات الثلاث في "اختار" و "انقاد"، و "ردّ" و "حَبّ" ونحوها، فتقول: "اختير" بالكسر، والإِشْمَام، و "اختور"، وكذلك: "انقيد"، و "انقود"، و "رَدَّ"، و "رِدَّ"، وأنشدوا: [الطويل] شعر : 199- وَمَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ تفسير : بكسر حاء "حل". وقرىء: "وَلَوْ رِدُّوا" [الأنعام: 28] بكسر الراء. والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يُضَمّ أول الفعل مطلقاً؛ فإن كان ماضياً كسر ما قبل آخره لفظاً نحو: "ضرب"، أو تقديراً نحو: "قيل"، و "اختير". وقد يضم ثاني الماضي أيضاً إذا افتتح بتاء مُطَاوعة نحو: "تُدُحْرج الحجر"، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو: "انْطُلِقَ بزيد" واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في "قيل"، و "غيض"، ونحوهما ألا يلتبس، فإن التبس عمل بمقتضى عدم اللَّبْس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك، وأشَمّ الكسائي: {أية : قِيلَ} تفسير : [البقرة: 11]، {أية : وَغِيضَ} تفسير : [هود: 44]، {أية : وَجِاْىۤءَ} تفسير : [الزمر: 69]، {أية : وَحِيلَ} تفسير : [سبأ:54] {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [الزمر: 71] و {أية : سِيۤءَ بِهِمْ} تفسير : [هود: 77]، و {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ} تفسير : [الملك: 27]، وافقه هشام في الجميع، وابن ذكوان في "حِيْل" وما بعدها، ونافع في "سيء" و "سيئت"، والباقون بإخلاص الكسر في الجميع. والإشْمَام له معان أربعة في اصطلاح القراء سيأتي ذلك في قوله: {أية : لاَ تَأْمَنَّا} تفسير : [يوسف: 11] إن شاء الله تعالى. و "لهم" جار ومجرور متعلّق بـ "قيل"، و "اللاَّم" للتبليغ، و "لا" حرف نهي يجزم فعلاً واحداً، و "تفسدوا" مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة. و "في الأرض" متعلّق به، والقائم مقام الفاعل هو الجُمْلَةُ من قوله: "لا تفسدوا" لأنه هو القول في المعنى، واختاره الزمخشري. والتقدير: وإذا قيل لهم هذا الكلام، أو هذا اللّفظ، فهو من باب الإسناد اللَّفْظي. وقيل: القائم مقام الفاعل مضمر، تقديره: وإذا قيل لهم هو، ويفسّر هذا المضمر سياق الكلام كما فسّره في قوله: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32]. والمعنى: "وإذا قيل لهم قول سديد" فأضمر هذا القول الموصوف، وجاءت الجملة بعده مفسّرة، فلا موضع لها من الإعراب، فإذا أمكن الإسناد المعنوي لم يعدل إلى اللَّفْظِيّ، وقد أمكن ذلك بما تقدّم. وهذا القول سبقه إليه أبو البَقَاءِ، فإنه قال: "والمفعول القائم مَقَام الفاعِلِ مصدر، وهو القول، وأضمر لأن الجملة بعد تفسّره، ولا يجزز أن يكون "لا تفسدوا" قائماً مقام الفاعل؛ لأن الجملة لا تكون فاعلاً، فلا تقوم مقام الفاعل". وقد تقدم جواب ذلك من أن المعنى: وإذا قيل لهم هذا اللفظ، ولا يجوز أن يكون "لهم" قائم مقام الفاعل إلاَّ في رأي الكوفيين والأخفش، إذ يجوز عندهم إقامة غير المفعول به مع وجوده. وتلخصّ من هذا: أنَّ جملة قوله: "لا تفسدوا" في مَحَلّ رفع على قول الزَّمخشري، ولا محلّ لها على قول أبي البَقَاءِ ومن تبعه، والجملة من قوله: "قيل" وما في حَيّزه في محل خفضٍ بإضافة الظرف إليه. والعامل في "إذا" جوابها، وهو "قالوا"، والتقدير: قالوا: إنما نحن مصلحون، وقت قول القائم لهم: لا تفسدوا. وقال بعضهم: الذي نختاره أن الجُمْلَةَ الَّتي بعدها وتليها ناصبة لها، وأنَّ ما بعده ليس في مَحَلّ خَفْضٍ بالإضافة؛ لأنها أداة شرط، فحكمها حكم الظروف التي يُجَازى بها، فكما أنك إذا قلت: "متى تَقُمْ أَقُمْ" كان "متى" منصوباً بفعل الشرط، فكذلك إذا قال هذا القائل. والذي يفسد مذهب الجمهور جواز قولك: "إذا قمت فعمرو قائم" ووقوع "إذا" الفُجَائية جواباً لها، وما بعد "الفاء". و "إذا" الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو اعتراض ظاهر. وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} "إنَّ" حرف مكفوف بـ "ما" الزائدة عن العمل، ولذلك تليها الجملة مطلقاً، وهي تفيد الحَصْرَ عند بعضهم. وأبعد من زعم أنّ "إنما" مركبة من "إنَّ" التي للإثبات، و "ما" التي للنفي، وأنّ بالتركيب حدث معنى يفيد الحَصْرَ. واعلم أن "إن" وأخواتها إذا وَلِيَتْهَا "ما" الزائدة بطل عملها، وذهب اختصاصها بالأسماء كما مَرَّ، إلا "لَيْتَ" فإنه يجوز فيها الوجهان سماعاً، وأنشدوا قول النابعة: [البسيط] شعر : 200- قَالَتْ: أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ، فَقَدِ تفسير : برفع "الحَمَام" ونصبه، فأما إعمالها فلبقاء اختصاصها، وأمّا إهمالها فلحملها على أَخَوَاتِهَا، على أنه قد روي عن سيبويه في البيت أنها معملة على رواية الرفع أيضاً، بأن تجعل "ما" موصولة بمعنى "الذي"، كالتي في قوله تعالى:{أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} تفسير : [طه: 69] و "هذا" خبر مبتدأ محذوف هو العائد، و "الحَمَام" نعت لهذا، و "لنا" خبر لـ "ليت"، وحُذِفَ العائد وإن لم تَطُل الصلة. والتقدير: ألا ليت الذي هو [هذا] الحمام كَائِنٌ لنا، وهذا أولى من أن يدعي إهمالها، لأن المقتضى للإعمال - وهو الاختصاص - باقٍ. وزعم بعضهم أنّ "ما" الزائدة إذا اتَّصلت بـ "إنَّ" وأخواتها جاز الإعمال في الجميع. و "نحن" مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للمتكلم، ومن معه أو المعظّم نفسه، و "مصلحون" خبره، والجملة في محل نَصْبٍ، لأنها محكية بـ "قالوا". والجملة الشرطية وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} عطف على صلة "من"، وهي "يقول"، أي: ومن النَّاس من يقول، ومن النَّاس من إذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض قالوا: وقيل: يجوز أن تكون مستأنفةً، وعلى هذين القولين، فلا مَحَلّ لها من الإعراب لما تقدم، ولكنها جزء كلام على القول الأول، وكلام مستقل على القول الثاني، وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن تكون معطوفةً على "يكذبون" الواقع خبراً لـ "كانوا"، فيكون محلّها النصب. وردّ بعضهم عليهما بأن هذا الذي أجازاه على أَحَدِ وجهي "ما" من قوله: {أية : بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} تفسير : [البقرة: 10] خطأ، وهو: أن تكون موصولةً بمعنى "الذي"، إذْ لا عائد فيها يعود على "ما" المَوْصُولة، وكذلك إذا جعلت مصدريةً، فإنها تفتقر إلى العائد عند الأَخْفَشِ، وابن السراج. والجواب عن هذا أنهما لا يُجِيْزَانِ ذلك ألا وهما يعتقدان "ما" موصولة حرفية. وأما مذهب الأخفش وابن السراج فلا يلزمهما القول به، ولكنه يُشْكِلُ على أبي البَقَاءِ وحده، فإنه يستضعف كون "ما" مصدرية كما تقدم. فصل في أوجه ورود لفظ الفساد ورد لفظ "الفساد" على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى العِصْيَان كهذه الآية. الثاني: بمعنى الهَلاَكِ قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] أي: أهلكتا. الثالث: بمعنى السحر قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 81]. فصل في بيان من القائل منهم من قال: إن ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال: هو الرسول، ومنهم من قال: بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل. والأقرب أن ذلك القائل كان مشافهاً لهم بذلك الكلام، فإما أن يكون الرسول - عليه الصلاة والسلام - بلغه عنهم النفاق، ولم يقطع بذلك، فنصحهم فأجابوا بما يحقّ إيمانهم، وأنهم في الصَّلاح بمنزلة سَائِرِ المؤمنين، وإما أنْ يكون بعض من يلقون إليه الفَسَاد كان لا يقبله منهم، وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم: {أية : لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 11] فإن قيل: إنما كانوا يخبرون الرَّسول بذلك؟ قلنا: نعم، كانوا إذا عوقبوا عادوا إلى إظهار الإسلام، وكذبوا النَّاقلين عنهم، وحلفوا بالله عليه كما قال - تعالى - عنهم: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 74]. وقيل هذا الكلام لليهود. و "الفساد" خروج الشيء عن كونه منتفعاً به، ونقيضه الصلاح. واختلفوا في ذلك الفساد فقال ابن عباس والحَسَن وقَتَادَة والسّدي: الفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى. قال القَفّال - رحمه الله -: وتقريره أن الشرائع سُنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسكوا بها زَالَ العدوان، ولزم كل أحد شأنه، وحقنت الدّماء، وسكنت الفتن، فكان فيه صلاح الأرض، وصلاح أهلها، وإذا تركوا التمسُّك بالشرائع، وأقدم كلّ واحد على ما يَهْوَاه، وقع الهَرَجُ والمَرَجُ والاضطراب، ووقع الفساد في الأرض. وقيل: الفساد هو مُدْارَاةُ المنافقين للكافرين، ومخالطتهم معهم؛ لأنهم إذا مالوا إلى الكُفْرِ مع أنهم في الظاهر مؤمنون أَوْهَمَ ذلك ضعف الرسول وضعف أنصاره، فكان ذلك يجري للكفار على إظهار عداوة الرسول، ونَصْبِ الحروب له. وقال الأصَمّ: كانوا يدعون في السّر إلى تكذيبه، وجَحْد الإسلام، وإلقاء الشُّبهات، وتفريق بين النَّاس عن الإيمان. فصل في مراد المنافقين بالإصلاح قوله: {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} هم المُنَافقون، لأن مرادهم بهذا الكلام نقيض ما نهوا عنه، وهو الإفساد في الأرض؛ فقولهم: إنما نحن مُصْلحون كالمُقَابِل له، وفي هذا احتمالان. أحدهما: أنهم اعتقدوا أن دينهم صواب، فكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدّين، لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون، يعني: أن هذه المُدَاراة سَعْيٌ في الإصلاح بين المسلمين والكفار، كما حكى الله - تعالى - عنهم قولهم: {أية : إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} تفسير : [النساء:62] فقولهم: {إنما نحن مصلحون} أي: نحن نصلح أمر الفساد. وقال ابن الخطيب: العلماء استدلّوا بهذه الآية على أنَّ من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة الزِّنْدِيق مقبولةٌ، والله أعلم. وقوله: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} "ألا" حرف تنبيه، واستفتاح، وليست مركّبة من همزة الاستفهام و "لا" النافية، بل هي بَسيطَةٌ، ولكنها لفظ مشترك بين التَّنبيه والاستفتاح، فتدخل على الجُمْلَة اسميةً كانت أو فعليةً، وبين العرض والتخصيص، فتختصّ بالأفعال لفظاً أو تقديراً، وتكون النافية للجنس دخلت عليها همزة الاستفهام، ولها أحكام تقدّم بعضها عند قوله تعالى: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 2]، وتكون للتَّمَنِّي، فتجري مجرى "ليت" في بعض أحكامها. وأجاز بعضهم أن تكون جواباً بمعنى "بَلَى" يقول القائل: ألم يقم زيد؟ فتقول: "ألا" بمعنى: "بلى قد قام" وهو غريب. و "إنّهم" إنّ واسمها، و "هم" تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنْ تكون تأكيداً لاسم "إنَّ"؛ لأن الضَّمير المنفصل المرفوع يجوز أن يؤكد به جميع ضروب الضَّمير المتصل. وأن تكون فصلاً، وأن تكون مبتدأ. و "المفسدون" خبره، والجملة خبر بـ "إن". وعلى القولين الأوّلين يكون "المفسدون" وحده خبراً لـ "إن"، وجيء في هذه الجملة بضروب من التأكيد منها: الاستفتاح والتنبيه، والتَّأكيد بـ "إن"، والإتيان بالتأكيد، والفَصْل بالضَّمير، وبالتعريف في الخبر مبالغةً في الرد عليهم فيما ادّعوه من قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}؛ لأنهم أخرجوا الجواب جملةً اسمية مؤكدةً بـ "إنما" ليدلّوا بذلك على ثُبُوت الوَصْفِ لهم، فرد الله عليهم بأبلغ وآكد مما ادعوه. وقوله: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} الواو عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. و "لكن" معناها الاستدراك، وهو معنى لا يُفَارقها، وتكون عاطفةً في المفردات، ولا تكون إلاّ بين ضدّين، أو نقيضين، وفي الخلافين خلاف، نحو: "ما قام زيد لكن خرج بكر"، واستدلّ بعضهم على ذلك بقوله طَرَفَةَ: [الطويل] شعر : 201- وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ لِبَيْتِهِ وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ تفسير : فقوله: "متى يسترفد القوم أرفد" ليس ضدًّا ولا نقيضاً لما قبله، ولكنه خلافه. قال بعضهم: وهذا لا دليل فيه على المدّعى، لأن قوله: "لستُ بحلاّل التِّلاَع لبيته" كنايةٌ عن نفي البُخْلِ أي: لا أحلّ التِّلاَع لأجل البُخْل. وقوله: "متى يسترفد القوم أرفد" كناية عن الكَرَمِ، فكأنه قال: لست بخيلاً ولكن كريماً، فهي - ها هنا - واقعةٌ بين ضدّين. ولا تعمل مخففة خلافاً لـ "يونس"، ولها أحكام كثيرة. ومعنى الاسْتِدْرَاك في هذه الآية يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك أنهم لما نهوا عن اتخاذ مثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد، فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك، وأخبر - تعالى - بأنهم هم المفسدون كانوا حقيقين بأن يعلموا أن ذلك كما أخبر - تعالى - وأنهم لا يدعون بأنهم مصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فَاتَهُمْ من عدم الشعور بذلك. ومثله قولك: "زيد جاهل، ولكن لا يعلم"، وذلك لأنه من حيث اتّصف بالجهل، وصار الجهل وصفاً قائماً به كان ينبغي أن يعلم بهذا الوَصْف من نفسه؛ لأن الإنسان له أن يعلم ما اشتملت عليه نفسه من الصفات، فاستدركت عليه أنَّ هذا الوصف القائم له به لا يعلمه مُبَالغة في جهله. ومفعول "يشعرون" محذوف: إمّا حذف اختصار، أي: لا يشعرون بأنهم مفسدون، وإما حذف اقتصار، وهو الأحسن، أي: ليس لهم شعور ألبتة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} قال: إذا ركبوا معصية فقيل لهم لا تفعلوا كذا، قالوا إنما نحن على الهدى. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إنما نحن مصلحون} أي إنما نريد الإِصلاح بين الفريقين من المؤمنين، وأهل الكتاب. وأخرج وكيع وابن جرير وابن أبي حاتم عن عباد بن عبدالله الأسدي قال: قرأ سلمان هذه الآية {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} قال: لم يجىء أهل هذه الآية بعد.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} شروع في تعديد بعضٍ من قبائحهم المتفرعةِ على ما حُكي عنهم من الكفر والنفاق، وإذا ظرفُ زمنٍ مستقبلٍ، ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تدخل إلا في الأمر المحقق أو المرجح وقوعُه، واللامُ متعلّقة بقيل ومعناها الإنهاءُ والتبليغ، والقائمُ مقامَ فاعلِه جملة (لا تفسدوا) على أن المراد بها اللفظ، وقيل هو مُضمرٌ يفسِّرُه المذكورُ، والفسادُ خروجُ الشيء عن الحالة اللائقة به والصلاحُ مقابلُه، والفساد في الأرض هَيْجُ الحروب والفتنِ المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلالِ أمر المعاش والمعاد، والمراد بما نهُوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، وإغرائِهم عليهم، وغيرِ ذلك من فنون الشرور، كما يقال للرجل لا تقتُلْ نفسَك بـيدك، ولا تلقِ نفسك في النار إذا أقدم على ما تلك عاقبته وهو إما معطوف على (يقول)، فإن جُعلت كلمة (مَنْ) موصولةً فلا محل له من الإعراب، ولا بأس بتخلل البـيان أو الاستئنافِ وما يتعلق بهما بـين أجزاء الصلةِ فإن ذلك ليس توسيطاً بالأجنبـيّ، وإن جُعلت موصوفةً فمحلُه الرفع، والمعنى ومن الناس من إذا نهوا من جهة المؤمنين عما هم عليه من الإفساد في الأرض {قَالُواْ} إرادةٌ للناهين أن ذلك غيرُ صادر عنهم مع أن مقصودهم الأصليَّ إنكارُ كونِ ذلك إفساداً وادعاءُ كونِه إصلاحاً محضاً كما سيأتي توضيحه: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي مقصورون على الإصلاح المحض، بحيث لا يتعلق به شائبةُ الإفساد والفساد، مشيرين بكلمة (إنما) إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يُرتاب فيه. وإما كلامٌ مستأنَفٌ سيق لتعديد شنائعِهم. وأما عطفهُ على يكذبون بمعنى ولهم عذاب أليم بكذبهم وبقولهم حين نهوا عن الإفساد إنما نحن مصلحون كما قيل، فيأباه أن هذا النحْوَ من التعليل حقُه أن يكون بأوصافٍ ظاهرةِ العِلّية مُسلَّمةِ الثبوت للموصوف غنيةٍ عن البـيان لشهرة الاتصافِ بها عند السامع أو لسبق ذكرِه صريحاً كما في قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [البقرة، الآية 10] فإن مضمونه عبارةٌ عما حُكي عنهم من قولهم: {أية : آمنا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تفسير : [البقرة، الآية 8] أو لذكر ما يستلزمه استلزاماً ظاهراً كما في قوله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [ص، الآية 26] فإن ما ذكر من الضلال عن سبـيل الله مما يوجب حتماً نسيان جانب الآخرة التي من جملتها يوم الحساب وما لم يكن كذلك فحقه أن يخبر بعليته قصداً كما في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} تفسير : [آل عمران، الآية 24] الآية، وقوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} تفسير : [البقرة، الآية 176] الآية، إلى غير ذلك، ولا ريب في أن هذه الشرطيةَ وما بعدها من الشرطيتين المعطوفتين عليها ليس مضمونُ شيء منها معلومَ الانتساب إليهم عند السامعين بوجه من الوجوه المذكورة، حتى تستحقَ الانتظامَ في سلك التعليل المذكور، فإذن حقُها أن تكونَ مَسوقةً على سنن تعديدِ قبائحِهم على أحد الوجهين، مفيدةً لاتصافهم بكل واحد من تلك الأوصاف قصداً واستقلالاً كيف لا وقوله عز وجل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} ينادي بذلك نداءً جلياً، فإنه ردٌ من جهته تعالى لدعواهم المحكية أبلغَ رد، وأدلَّه على سَخَط عظيم حيث سُلك فيه مسلك الاستئنافِ المؤدي إلى زيادة تمكّنِ الحكم في ذهن السامع، وصدرت الجملة بحرفي التأكيد (ألا) المنبّهة على تحقق ما بعدها، فإن الهمزة الإنكارية الداخلةَ على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعاً كما في قوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر، الآية 36] ولذلك لا يكاد يقع ما بعدها من الجملة إلا مصدرةً بما يُتلقىٰ به القسمُ، وأختها التي هي (أمَا) من طلائع القسم. وقيل: هما حرفان بسيطان موضوعان للتنبـيه والاستفتاح و(إن) المقرِّرة للنسبة، وعُرفُ الخبر ووسَطُ ضمير الفصل لردِّ ما في قصر أنفسهم على الإصلاح من التعريض بالمؤمنين. ثم استُدرك بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة، لكن لا حسَّ لهم حتى يُدركوه، وهكذا الكلامُ في الشرطيتين الآتيتين وما بعدهما من ردِّ مضمونهما، ولولا أن المراد تفصيلُ جناياتهم وتعديدُ خبائثهم وهَناتِهم ثم إظهارُ فسادِها وإبانة بُطلانها لما فُتح هذا البابُ والله أعلم بالصواب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ...} الآية. باتباع الهوى مصلحون زين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسنًا، ألا إنهم هم المفسدون بعصيان الناصحين لهم، ولكن لا يشعرون لأنهم محجوبون عن طرق الإنابة والهداية. قوله تعالى {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قيل من أظهر الدعوى كذب، ألا ترى الله يقول: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} [الآية: 12].

القشيري

تفسير : الإشارة منها: أنه إذا دعاهم واعظ في قلوبهم من خفي خواطرهم إلى ما فيه رشدهم تتبعوا رخص التأويل، ولبَّسوا على أنفسهم ما يشهد بقساوة قلوبهم، وحين جحدوا برهان الحق من خواطر قلوبهم نزع الله البركة من أحوالهم، وأبدلهم تصامُماً عن الحق، وابتلاهم بالاعتراض على الطريقة وسلبهم الإِيمان بها. وكما أن المرتد أشد على المسلمين عداوة كذلك من رجع عن الإرادة إلى الدنيا والعادة فهو أشد الناس إنكاراً لهذه الطريقة، وأبعد من أهلها، وفي المَثَل: من اخترق كُدسه تمنى أن يقع بجميع الناس ما أصابه. وإرفاق المرتدين عن طريق الإرادة - عند الصادقين منهم - غير مقبول كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل زكاة ثعلبة. ويقال كفى لصاحب الكذب فضيحة بأن يقال له في وجهه كذبتَ، فهم لمَّا قالوا إنما نحن مصلحون، أكذبهم الحق سبحانه فقال: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}: إنَّا نَعْلَمُهم فَنَفْضَحُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قيل لهم} اى قال المسلمون لهؤلاء المنافقين{لا تفسدوا فى الارض} اسناد قيل الى لا تفسدوا اسناد له الى لفظه كانه قيل واذا قيل لهم هذا القول كقولك الف ضرب من ثلاثة احرف. والفساد خروج الشئ عن الاعتدال والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع والفساد فى الارض تهيج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن احوال العباد واختلال امر المعاش والمعاد والمراد بما نهوا عنه ما يؤدى الى ذلك من افشاء اسرار المؤمنين الى الكفار واغرائهم عليه وغير ذلك من فنون الشرور فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لا تفسدوا كما يقول الرجل لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك فى النار اذا اقدم على ما هذه عاقبته وكانت الارض قبل البعثة يعلن فيها بالمعاصى فلما بعث الله النبى صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الارض فاذا اعلنوا بالمعاصى فقد افسدوا فى الارض بعد اصلاحها كما فى تفسير ابى الليث {قالوا انما نحن مصلحون} جواب لاذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى انه لا يصلح مخاطبتنا بذلك فان شاننا ليس الا الاصلاح وان حالنا متمحضة عن شوائب الفساد وانما قالوا ذلك الفهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما فى قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى {أية : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا}تفسير : [فاطر: 8]. فانكروا كون ذلك فسادا وادعوا كونه اصلاحا محضا وهو من قصر الموصوف على الصفة مثل انما زيد منطلق. قال ابن التمجيد ان المسلمين لما قالوا لهم لا تفسدوا توهموا ان المسلمين ارادوا بذلك انهم يخلطون الافساد بالاصلاح فاجابوا بانهم مقصورون على الاصلاح لا يتجاوزون منه الى صفة الافساد فيلزم منه عدم الخلط فهو من باب قصر الافراد حيث توهموا ان المؤمنين اعتقدوا الشركة فاجابهم الله تعالى بعد ذلك بما يدل على القصر القلبى وهو قوله تعالى.{ألا} ايها المؤمنون اعلموا {انهم هم المفسدون} فانهم لما اثبتوا لانفسهم احدى الصفتين ونفوا الاخرى واعتقدوا ذلك قلب الله اعتقادهم هذا بان اثبت لهم ما نفوه ونفى عنهم ما اثبتوا والمعنى هم مقصورون على افساد انفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الايمان لا يتخطون منه الى صفة الاصلاح من باب قصر الشئ على الحكم فهم لا يعدون صفة الفساد والافساد ولا يلزم منه ان لا يكون غيرهم مفسدين ثم استدرك بقوله تعالى {ولكن لا يشعرون} انهم مفسدون للايذان بان كونهم مفسدين من الامور المحسوسة لكن لا حس لهم حتى يدركوه. قال الشيخ فى تفسيره ذكر الشعور بازاء الفساد اوفق لانه كالمحسوس عادة ثم فيه بيان شرف المؤمنين حيث تولى الله جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين كما كان فى حق المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فان الوليد بن المغيرة قال له انه مجنون فنفاه الله عنه بقوله {أية : ما أنت بنعمة ربك بمجنون}تفسير : [ القلم: 2]. ثم قال فى ذم ذلك اللعين {أية : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير متعد أثيم عتل بعد ذلك زنيم}تفسير : [القلم: 10-13]. اى حلاف حقير عياب يمشى بين الناس بالنميمة بخيل للمال ظالم فاجر غليظ القلب جاف ومع ذلك الوصف المذكور هو ولد الزنى وذلك لانه صلى الله عليه وسلم اتخذ ربه وكيلا على اموره بمقتضى قوله {أية : فاتخذه وكيلا}تفسير : [المزمل: 9]. فهو تعالى يكفى مؤونته كما قال اهل الحقائق ان خوارق العادات قلما تصدر من الاقطاب والخلفاء بل من وزرائهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلى فلا يتصرفون لانفسهم فى شئ ومن جملة كمالات الاقطاب ومنن الله عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الادباء الامناء يحملون عنهم اثقالهم وينفذون احكامهم واقوالهم وذلك كما كان الكامل آصف بن برخيا وزير سليمان عليه الصلاة والسلام الذى كان قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر منه ما ظهر من اتيان عرش بلقيس كما حكاه الله تعالى فى القرآن. وفى التأويلات النجمية. {واذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض} الاشارة فى تحقيق الآيتين ان الانسان وان خلق متسعدا لخلافة الارض ولكنه فى بداية الخلقة مغلوب الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا الى الفساد كما اخبرت عنه الملائكة وقالوا {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] الآية. فبأوامر الشريعة ونواهيها يتخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الانسان فاهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعى الى الحق ويقبلون الاوامر والنواهى واهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى واذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض اى لاتسعوا فى افساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة فى الارض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا {قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11]. لا يقبلون النصيحة غافلين عن حقيقتها: كما قال السعدى شعر : كسى را كه بند ار در سربود مندار هركزكه حق بشنود زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك شقايق بباران نرويد زسنك تفسير : فكذبهم الله تعالى تعالى بقوله {ألا انهم هم المفسدون} يفسدون صلاح آخرتهم باصلاح دنياهم {ولكن لا يشعرون} اى لا شعور لهم بافساد حالهم وسوء اعمالهم وعظم وبالهم من خسار حسن صنيعهم وادعائهم بالصلاح على انفسهم كما قال الله تعالى {أية : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا}تفسير : [ الكهف: 103] الآية: قال المولى جلا الدين قدس سره شعر : اى كه خودرا شر يزدان خواندهء سالها شد باسكى درماندهء جون كند آن سك براى توشكار جون شكار سك شدستى آشكار

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذا} ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه، أي: قالوا نحن مصلحون، وقت قول القائل لهم: لا تفسدوا، والجملة بيان وتقرير لخداعهم، أو معطوفة على {أية : مَن يَقُولُ ءَامَنَّا}تفسير : [البقرة: 8]، أي: ومن الناس فرقة إذا قيل لهم: لا تفسدوا، قالوا: إنما نحن مصلحون. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَإذَا قيل} لهؤلاء المنافقين: {لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام والإيمان، وتهييج الحروب والفتن، وإظهار الهرج والمرج والمحن، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين، فإن ذلك يؤدي إلى فساد النظام، وقطع مواد الإنعام، {قَالُوا} في جوابهم الفاسد: {إنما نحن مصلحون} في ذلك، فلا تصح مخاطبتنا بذلك، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد، وحالنا خالص من شوائب الفساد، قال تعالى: {ألا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ} هنالك، ولكن لا شعور لهم بذلك. قلت: فردّ الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين بأقبح رد وأبلغه، من وجوه الاستئناف الذي في الجملة، والاستفتاح بالتنبيه، والتأكيد بإن وضمير الفعل، وتعريف الخبر، والتعبير بنفي الشعور، إذ لو شعروا أدنى شعور لتحققوا أنهم مفسدون. وهذه الآية عامة لكل مَن اشتغل بما لا يعنيه، وعوق عن طريق الخصوص، ففيه شعبة من النفاق، وفي صحيح البخاري:"حديث : ثَلاثٌ من كُنَّ فِيهِ كان مُنَافِقاً خالِصاً: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا أوْتُمِنَ خانَ ". تفسير : الإشارة: وإذ قيل لمن يشتغل بالتعويق عن طريق الله والإنكار على أولياء الله: أقصر من هذا الإفساد، وارجع عن هذا الغي والعناد، فقد ظهرت معالم الإرشاد لأهل المحبة والوداد. قال: إنما أنا مصلح ناصح، وفي أحوالي كلها صالح، يقول له الحق جلّ جلاله: بل أفسدت قلوب عبادي، ورددتهم عن طريق محبتي وودادي، وعوقتهم عن دخول حضرتي، وحرمتهم شهود ذاتي وصفاتي، سددت بابي في وجه أحبابي، آيستهم من وجود التربية، وتحكمت على القدرة الأزلية، ولكنك لا تشعر بما أنت فيه من البلية. ولقد صدق من سبقت له العناية، وأُتحف بالرعاية والهداية، حيث يقول: شعر : فَهَذِهِ طريقَةُ الإشْرَاقِ كَانَتْ وتَبْقَى ما الوُجُودُ بَاقِ تفسير : وقال أيضاً: شعر : وأَنْكَرُوهُ مَلاٌ عَوَامٌ لَمْ يَفْهَمُوا مَقْصُودَهُ فَهَامُوا تفسير : فَتُبْ أيها المذكر قبل الفوات، واطلب من يأخذ بيدك قبل الممات، لئلا تلقى الله بقلب سقيم، فتكون في الحضيض الأسفل من عذابه الأليم، فسبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم النظر لوجهه الكريم، منحنا الله منه الحظ الأوفى في الدنيا والآخرة. آمين.

الطوسي

تفسير : القراءة: رام ضم القاف فيها وفي أخواتها الكسائي وهشام ورويش ووافقهم ابن ذكوان في السين والحاء، مثل: حيل وسيق، وسيئت، ووافقهم اهل المدينة في سيق وسيئت فمن ضم ذهب إلى ما حكي عن بعض العرب: قد قول، وقد بوع المتاع، بدل قيل وبيع، ومن كسرها قال: لأن ياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم، ومن اشم قال: اصله قول، فاستثقلت الضمة، فقلبت كسرة، واشمت ليعلم ان الأصل كانت ضمة. المعنى: وروي عن سلمان ـ رحمه الله ـ أنه قال: لم يجىء هؤلاء. وقال أكثر المفسرين: إنها نزلت في المنافقين الذين فيهم الآيات المتقدمة، وهو الأقوى ويجوز أن يراد بها من صورتهم صورتهم، فيحمل قول سلمان ـ رحمه الله ـ على أنه أراد بعد انقراض المنافقين الذين تناولتهم الآية. ومعنى قولهم له: {إنما نحن مصلحون} يحتمل امرين: احدهما ـ ان يقول: إن هذا الذي عندكم فساد، هو صلاح عندنا، لأنا إذا قابلناهم استدعيناهم إلى الحق في الدين. والثاني ـ أن يجحدوا ذلك البلاغ. والافساد مأخوذ من الفساد: وهو كلما يغير عن استقامة الحال. تقول: فسد يفسد فسادا. والافساد: إحداث الفساد والمفاسدة: المعاملة بالفساد. والتفاسد: تعاطي الفساد بين اثنين. والاستفساد. المطاوعة على الفساد. لا تفسدوا في الأرض فيقولون انما نحن مصلحون، ويقال لهم: آمنوا كما آمن الناس فيقولون أنؤمن كما آمن السفهاء؟ فليس هؤلاء منافقين، بل مظهرون لكفرهم. والآية في المنافقين قيل: المنافقون وإن كانوا يظهرون الايمان للنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فانهم كانوا لايألون المسلمين خبالا، وكانوا يثبطون عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويدعون إلى ترك نصرته من يثقون باستماعهم منهم، ومن يظنون ذلك به، فربما صادفوا من المؤمنين التقي فيجيبهم بما ذكر الله، فاذا أخبر أولئك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم ذكروا له ما قالوا وعاتبهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عادوا إلى إظهار الايمان والندم عليه، أو كذبوا قائله والحاكي عنهم، وكان لا يجوز في الدين إلا قبول ذلك منهم بما يظهرون، وخاصة في صدر الاسلام، والحاجة إلى تألف قلوبهم ماسة. ومن قرأ الاخبار تبين صحة ما قلناه. والافساد في الارض: العمل فيها بما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه كما قال تعالى حاكياً عن الملائكة: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}؟ تفسير : يعنون من يعصيك، ويخالف امرك، وهذه صفة المنافقين. والأرض: هي المستقر للحيوان، ويقال لقوائم البعير: أرض، وكذلك الفرس ان قوي والارض: الرّعدة، وقال ابن عباس: ما أدري إذاً زلزلت الأرض لم بي أرض؟ أي رعدة والأرضة: دويبة تأكل الخشب. والصلاح: استقامة الحال، فالاصلاح: جعل الحال على الاستقامة. والاصطلاح الاجتماع. والتصالح: التمالي على الصلاح، ومنه المصالحة، والاستصلاح، والصالح: والمستقيم الحال، والمصلح: المقوم للشيء على الاستقامة.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : الجملة معطوفة إمّا على: "يَكذبون"، وإمّا على: "يَقُولُ آمنّا"، فيكون التقدير: ومن الناس من إذا قيل لهم، والأول أَوْلىٰ، والقائل هو الله تعالى، أو الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أو بعض المؤمنين، ولكل قائل، والكلّ محتملٌ. والأقرب أنّ القائل لهم من شافَههم ممّن يختصّ بالدين والنصيحة، وكثيراً ما كان المنافقون إذا عوتبوا عادوا الى إظهار الإسلام والندم، وكذّبوا الناقلين عنهم، وحلفوا بالله عليه، كما أخبر تعالى عنهم في قوله: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة:74] وقال: {أية : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} تفسير : [التوبة:96]. وما وري عن سلمان "إنّ أهل هذه الآية لم يأتوا بعدُ"، فلعلّه أراد به أنّ أهلها ليس مقصوراً على الذين كانوا فقط، بل وسيكون من بعد من كان حالهم هذا الحال، لأن الآية متّصلة بما قبلها بالضمير الذي فيها. والفَساد: عبارةٌ عن خروج الشي عن كونه منتفعاً به، ونقيضه: الصلاح، وقد يطلق على زوال الصورة، ونقيضه: الكون، وأما كون الفَساد فساداً في الأرض، فيستدعي أمراً زائداً وفيه أقوال: أحدها: قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: إنّ المراد به إظهار معصية الله. وتقريره ما ذكره القفّال، وهو أنّ إظهار معصية الله إنّما كان فساداً في الأرض، لأن الشرائع الإلٰهية سُنَن وطُرق موضوعة بين العباد، فإذا تمسّكوا بها زال العدوان، ولزم كلّ أحد شأنه، فحقنت الدماء وسكنت الفتن، فكان فيه صلاح الأرض، وأما إذا تركوا التمسّك بالشرائع، وأقدم كلّ أحد على ما يهواه بطبعه، لزم الهرَج والمرَج والاضطراب، ويهيّج الحروبَ والفتنَ والفساد في الزروع والمواشي، وانتفاء المنافع، الدينيّة والدنيويّة، ولذلك قال الله تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} تفسير : [محمد:22] وقال: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} تفسير : [البقرة:205]. نبّأهم الله تعالى على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة، لم يحصلوا إلاّ على الإفساد في الأرض به. الثاني: أن يقال: ذلك الفساد، هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم، لأنّهم لمّا مالوا الى الكفّار مع أنّهم في الظاهر مؤمنون، أوهَمَ ذلك ضعفَ الرسول (صلّى الله عليه وآله) وضعف أنصاره، وكان ذلك يُجرئ الكفارَ على عداوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ونصْب الحربِ لهم وطمعهم في الغلبة، فلمّا كان صنيعهم ذلك مؤدّياً الى الفساد، قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتُل نفسَك، ولا تُلقِ نفسَك في النار، إذا أقدم الى أمرٍ هذه عاقبته. الثالث: إنّ المنافقين كانوا يُمَايلون الكفّار ويمالئونهم على المسلمين، بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدّي الى هيج الفتن بينهم، وفيه فساد عظيمٌ في الأرض. الرابع: قال الأصمّ: كانوا يدعون في السر الى تكذيبه، وجحْد الإسلام، وايقاع الشبه في قلوب الناس من ضُعفاء العقول والإيمان، فيرتدّون على أعقابهم. فصل وقوله: {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، كالمقابل لما ذكر، وهو جواب لـ "إذا"، وردّ للقائل الناصح على سبيل المبالغة، لأن "إنّما" لقصر الحكم على شيء كقولك: إنّما يكتب زيد، ولقصر الشيء على حكم كقولك: إنّما زيد كاتب، فالمعنى أنّ صفة الإصلاح مقصورة عليهم متمحّضة لهم، وعند ذلك يحتمل وجهان: أحدهما: إنّهم اعتقدوا في دينهم أنّه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، لا جَرَم قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. وثانيهما: إنّ مداراتنا مع الكفار سعيٌ في الإصلاح بينهم وبين المسلمين، وذلك كما حكى الله عنهم أنّهم قالوا: {أية : إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} تفسير : [النساء:62].

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} عطف على "يكذبون" او على "فى قلوبهم مرض" او على "يخادعون الله" او "يقول آمنّا بالله" والافساد تغيير الشّيئ عمّا هو عليه او منعه عن كمال يقتضيه والمراد بالارض اعمّ من ارض العالم الكبير او الصّغير والخروج عن طاعة العقل والامام افساد فى العالم الصغير ويؤدّى الى الافساد فى الكبير والى الافساد الكبير الّذى هو الاستهزاء بالامام وقتله، وما نسب الى سلمان رضى الله عنه: انّ اهل هذه الآية لم يأتوا بعد؛ يدلّ على انّ الآية نزلت فى منافقى الامّة بعد النّبىّ (ص). {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فانّ منكرى التّوحيد او الرّسالة او الولاية يظنّون الخير والصّلاح فى فعلهم لا الشّرّ والفساد فانّ كلّ ذى شعورٍ يقصد بفعله خيره وصلاحه كما نسب الى بعض الصّحابة انّه علّل منع خلافة علىّ (ع) بأنّه قليل السّنّ كثير المزاح. ولمّا زعموا انّهم مصلحون فى فعلهم وسمعوا نسبة الافساد اليهم نسبوا الاصلاحِ الى انفسهم بطريق قصر شؤنهم عليه مؤكّداً باسميّة الجملة وانّ وافادة الحصر.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} بالعمل بالمعصية {قَالُوآ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} يزعمون أنهم بمعصية الله والفساد في الأرض مصلحون. قال الله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي: لا يشعرون أن الله يعذبهم في الآخرة ولا [ينفعهم] إقرارهم وتوحيدهم. وهذا يدل على أن المنافقين ليسوا بمشركين.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ}: أى قال المؤمنون: أو الله والنبى والمؤمنون، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار الفخر التخريج على أحدهما أو الله عز وجل، أو النبى والمؤمنون، أو الله والنبى والمؤمنون، بإخلاص كسرة القاف من قبل، وكذا حيث وقع وكذا غيض وجىء، وقال الكسائى وهشام ذلك كله بإشمام الضم لأوله. {لَهُمْ}: أى المنافقين المذكورين وقد علمت أن بعضاً يقول أن الكلام على اليهود. {لاَ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ}: لا تفعلوا ما يؤدى إلى الفساد، فذلك تعبير بالنهى عن المسبب، بدلا للتعبير بالنهى عن السبب، أو تعبير بالنهى عن المسبب بدل التعبير بالنهى عن السبب، أو تعبير بالنهى عن اللازم بدل التعبير بالنهى عن اللزوم، فذلك مجاز مرسل تبعى، فالفساد مسبب ولازم، وفعل ما يؤدى إليه وما سبب ولزوم وهكذا يظهر لى معنى الآية، وإن شئت فقل سمى فعل ما يؤدى غلى الفساد فساداً من باب تسمية الشىء باسم ما يؤول إليه، واشتق منه تفسد بمعنى تفعل ما يؤدى إلى الفساد، وهو مجاز مرسل تبعى ونهى عنه، والداعى إلى هذه الأنواع المجازية أن الإفساد فى اللازم هو قتل الأنفس والإضرار بها، وقتل الدواب والإضرار بها، وقتل الشجر والنخل والزرع والإضرار بها، وغصب الأموال وليسوا يفعلون ذلك حال النهى، بل يفعلون ما يترتب عليه ذلك من تهيج الحرب والفتنة بالكذب والنميمة، وإفشاء السر وغير ذلك مما يقع منهم إلى الكفار فى شأن المؤمنين، وترجيح الكفار، ومساعدتهم على المؤمنين، وإظهار المعاصى والإهانة بالدين المؤفقين فى فساد الخلق، فإن الإخلال بالشريعة يؤدى إلى التعدى إلى حق الغير، ثم ظهر فى فكرى وجه آخر، وهو أن يكون مقولا تفسدوا فى الأرض لا تخالفوا الشريعة فيها، على أن يكون مخالفة الشريعة هو نفس الإفساد فى عرض الشرع، ولو مع قطع النظر عما يؤدى إليه من الفساد المذكور فتكون الآية حقيقة عرفية خاصة مجازاً فى أصل اللغة، والفساد خروج الشىء عن الاعتدال والانتفاع به، فالإفساد إخراجه عن الاعتدال والانتفاع به. {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}: رد على من نسب إليهم الإفساد، ونهاهم بأن أنكروا أن يكونوا مفسدين، وأثبتوا الإصلاح لأنفسهم بوجه بليغ، إذا عبروا بإنما المفيدة للحصر، وهو هنا حصر أنفسهم على الإصلاح وبنوا الكلام على نحن، فكانت الجملة اسمية، ولم يقولون إنما نصلح إصلاحاً بإسقاط نحن، وتكلموا بالاستئناف لا بالعطف، والاستئناف يفيد التأكيد لكونه جواب سؤال، وطلب تحقيقاً أو تقديراً، والمعنى لا يصح نهياً عن الإفساد لأنه ينهى عنه من هو مفسد، ونحن لسنا بمفسدين، ما حالنا إلا إصلاح لا يخالطه شىء من إفساد وذلك أنه زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسناً فليسو بمقلعين عنه، والصلاح كون الشىء معتدلا منتفعاً به، والإصلاح تكوينه كذلك بعد أن لم يكن كذلك أو بعد أن كان فاسداً ضاراً، والإصلاح يعم كل نافع، والإفساد يعم كل ضار، وقالوا جواب إذ لا محل له لأنه جواب شرط غير جازم، وجملة الشرط والجزاء، وأداة الشرط معطوفة على يكذبون، فهى فى محل نصب لعطفها على خبر كان، كأنه قيل: بكونهم يكذبون، وكونهم إذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض، قالوا إنما نحن مصلحون أو معطوفة على يقول، سواء، فلا محل لها لأنها معطوفة على الصلة، كأنه قيل: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض. إلخ، ومن قال الظروف وسائر الفضلات زوائد عن الجملة لا بعضها قال: مرعاة المحل وعدمه إنما هو لمتعلقها، وهو هنا جواب إذا، وكذا العطف وسائر الأحكام، وما اشتهر من أن جواب الشرط غير الجازم لا محل له على الإطلاق، بناء على أن الظرف وسائر الفضلات أبعاض الجملة لا زوائد عنها، ووجه العطف على يقول أن يكون على طريق تعديد قبائحهم، ويفيد اتصافهم بما ذكر قصدوا استقلالا ويدل على أن العذاب لاحق بهم من أجل كذبهم الذى هو أدنى حالهم فى الكفر والنفاق، فكيف بسائر الأحوال، ووجه العطف على يكذبون أنه أقرب، وأنه يفيد سببيته قولهم: إنما نحن مصلحون للعذاب، ويفيد أن ما يوجب الفساد يجب الاحتراز عنه لقبحه، كما يجب الاحتراز عن الكذب وفى العطف على يكذبون السلامة من الفصل من الموصول، والصلة بالبيان أو بالاستئناف، فإنك إذا عطفت: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِى الإرْضِ قَالُوا... إلخ} أو {قَالُوا... الخ} على صلة من كان صلة لها أيضاً بواسطة العطف، فيؤخذ الفصل بين الموصول وما هو صلة له، وإن قلت: أين الرابط بين المعطوف على خبر كان وبين اسمها إذا عطفنا على خبرها، وبين الصلة والموصول إذا عطفنا على الصلة؟ قلت: هو فى قولهم وفى قالوا متعدد، فإن الآية متصلة بما قبلها ومرجع ضمائرها وضمائر ما قبلها واحد، وأما ما روى عن سلمان الفارسى أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد، فلعل المراد أن أهلها لم يأتوا كلهم، بل أتى بعضهم فقط، ويأتى الباقى ممن صفته صفة هؤلاء مشركاً كان أو موحداً، فاسقاً وكم فاسق موحد تنهاه عن اعتقاد أو عمل فاسد، فيقول إنه صلاح وإنى مصلح، ويجوز بأن يراد بالإفساد الذى نهوا عنه فى الآية موالاة الكفار خصوصاً فيريدوا بقولهم إنما نحن مصلحون أن نواصلهم، لأنهم قرابة وأنا نصلح بينهم وبين المؤمنين، وما تقدم أولى من التعميم وأولى فى تفسير الآية فيشتمل منع الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن وغير ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} المعنى، من الناس من يقول، آمنا بالله وباليوم الآخر وهو كاذب، ويقول، إنما نحن مصلحون إذا قيل لهم لا تفسدوا، ويقول، أنؤمن كما آمن السفهاء إذا قيل لهم آمنوا، ويقول للمؤمنين آمنا، ويقول لأصحابه، إنا كافرون {لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} بالكفر وأعماله وأعماله والمعاصى، ويمنع الناس من التوحيد وأعماله، فإن الإسلام صلاح الأرض، والكفر فساد وليس من صفات الله ولا من أفعاله، فإذا أزال الله الثمار أو نور البصر أو نحو ذلك، فلا تقل أفسدها، والأرض أرض المدينة، أو جنس الأرض، وليست للاستغراق {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} للأرض من مكارم الأخلاق كالصدقة وقِرى الضيف، وهذا جواب بالإعراض عما نهوا عنه من الكفر والمعاصى، والأولى أن يكون الجواب له، فيكون المعنى مصلحون الأرض بما نفعل من الكفر وأعماله، والمنع الجواب له: فيكون المعنى مصلحون الأرض بما نفعل من الكفر وأعماله، والمنع من التوحيد والإفساد هو ما عليه المؤمنون من التوحيد والدعاء إليه، والعمل بمقتضاه، وعطف الجملة على قلوبهم مرض، أو على كانوا يكذبون فينسحب عليها معنى الباء، والأصل فى التعليل أو السبية، فى غير مقام مجرد الإخبار، أن يكون بوصف معلوم عند المخاطب ولو بالالتزام، وهذه الشرطية غير معلومة الانتساب لكن لا مانع من التعليل أو التسبب بما ليس عنده إخبار بالواقع، وأنه أحق، ولو لم يعرف، وأنه كيف لا يعرف.

الخليلي

تفسير : هذا هو ديدن المنافقين، ومسلك المفسدين، فإن الغرور يتغلغل في نفوسهم فيعميها عن الحق، ويبعدها عن الحقيقة، فإذا طولبوا بالصلاح، والكف عن الفساد، استخفوا بهذه المطالبة ونظروا إلى صاحبها شزرا، وأعاروه أذنا صماء زاعمين أن ما هم فيه وعليه هو عين الصلاح، وروح الإِصلاح، فكيف يطالبون بالكف عنه والتحول إلى نقيضه، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على ما وصلت إليه قلوبهم من المرض، وانتهت إليه أفكارهم من الانحراف، وبلغت إليه فطرهم من التعفن، وهو الذي أدى إلى انقلاب موازين الأمور عندهم، وانعكاس مقاييسها، فهم يرون الباطل حقا، والحق باطلا، والصلاح فسادا، والفساد صلاحا، وهكذا. وليس ذلك مقصورا على ذلك الجيل من المنافقين الذين عاصروا نزول الوحي وشاهدوا بزوغ شمس الاسلام، فشرقوا لانتشار ضيائها، وجزعوا من عموم هداها، بل هذه هي سمة أهل النفاق، وطريقة أهل الفساد في كل عصر خصوصا عندما يستشري داؤهما في مجتمع أو شعب أو أمة، فلا تستغرب إن وصفوا المعروف بصفة المنكر أو ألبسوا المنكر حُلة المعروف، كما أشار إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر لا يحتاج إلى أن يقام عليه برهان لوضوحه في مختلف العصور لا سيما هذا العصر الذي فتك فيه بالانسانية عامة، وبهذه الأمة خاصة داء الجاهلية العضال، تلك الجاهلية التي جُليت للناس في ثوب مهلهل برّاق محبوك بخيوط من الزور ومصبوغ بألوان من الخداع، فغرقت في ظلمات الجهل والأوهام حتى لم تعد تبصر الحقيقة أو تفرق بين الحق والباطل، فكم من مأساة ارتكبت في هذا العصر باسم العلم أو التقدم أو الحرية، وكم تهمة وُجِّهت فيه إلى الدين وأهله، وإذا خوطب أحد من هؤلاء المتشبثين بغروره، الغارقين في ضلاله، بآيات الله البينات ولّى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا. ومن أمثلة ذلك ما كان من أحد الطواغيت - الذين طواهم الزمن - عندما طولب بتطبيق شرع الله، فأجاب ساخرا من هذه المطالبة وممن صدرت منه: "إن زماننا هذا أوسع من أن تتسع له شريعة الله" كأنما شرع الله الذي وسع السماوات والأرض، والذي قام على موازينه الوجود، أضيق مجالا وأقل عطاء في نظره من تلك الأوهام الضالة التي أُخرجت للناس في صورة قوانين لتبث في الأرض الفساد وتشيع الظلم بين الناس. ومما شاع في أوساط كثير من أولئك الذين أصيبوا بهذا الداء الجاهلي الدفين، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخُّل غاشم في شئون الناس الخاصة، ومصادرة لحرياتهم الشخصية ضاربين عرض الحائط بقوله عز وجل: {أية : وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [آل عمران: 104]، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اعتبروا المحافظة على الدين من العيوب التي يستحيي منها الفرد الكيّس، ويترفع عنها المجتمع الواعي، فلم يتورعوا أن يصفوا التمسك بالمبادئ الحقة تارة بالجمود، وتارة بالتحجر، ومرة بالرجعية، وأخرى بالتطرف، ولا أزال أذكر جواب أحد المغرورين عندما وجّه إليه أحد دعاة الخير نصيحة بالكف عن مفسدة فقال له ساخرا منه ومن نصيحته: (ما أغلى نصحك وأحلى كلامك غير أنهما لم يأتيا في زمنهما المناسب، فقد تأخرا عن وقتهما قرنا من الزمن، وعجلة الأيام لا تعود إلى الخلف)، وهو كلام يدل على أن صاحبه يعتقد بأن الدين طواه الزمن وأبلاه الدهر، فلا يصلح اليوم لما كان يصلح له بالأمس، ولكن - بحمد الله - أصيب الذين يسودهم هذا التفكير بخيبة أمل عندما أثبتت الأيام أن الدين وحده هو القوة الغيبية التي تتلاشى بين يديها جميع القوى، وأنه - رغم محاربته والتآمر عليه بشتى المكائد - لا يزال في إقبال ونمو كما شرع أول مرة، فهذه الصحوة الإِسلامية - والحمد لله - أخذت تقض على الجاهلية الحديثة مضجعها، وتثير في أعماق نفسها الخوف والرعب، وسوف يأتي اليوم الذي يسود فيه هذا الدين إن شاء الله، ويهد أركان هذه الجاهلية، ويجتث بنيانها كما فعل بسالفتها الجاهلية القديمة؛ عندما طوى ظلامها بإشراق نوره وسطوع هداه. وكثيرا ما يتردد على ألسنة منافقي العصر الحديثِ التشدق بالاسلام، ودعوى الانتماء إليه، والاعتزاز به، ليواروا بذلك ما ينطوون عليه من الكفر والشر والفساد، غير أن طبيعتهم المنحرفة تجعلهم أحيانا تفيض ألسنتهم بما تطفح به صدورهم من الحقد الدفين والكراهية المتأصلة للاسلام والمسلمين. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ..} "الآية"، وارد مورد تعداد مساوئ المنافقين، وهتك أستارهم والنعي عليهم، فلذلك لا أجد داعيا إلى السؤال هل هو معطوف على جملة "يكذبون" من الآية السابقة كما رجحه الزمخشري، أو معطوف على {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} كما اختاره الألوسي، أو معطوف على {يقول آمنا} كما حكاه الزمخشري، أو على {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} كما استظهره ابن عاشور؟ فإنه مع جواز عطف القصة على القصة - كما تقدم - لا يمنع أن تساق أحوال طائفة مخصوصة في نسق يتبع بعضها بعضا سواء كان الحديث عن بعضها في جملة أو أكثر، إذ المراد تجلية هذه الأحوال للسامعين ليكونوا منها على بصيرة ومن أصحابها على حذر. ويرى بعض أهل التفسير أن إذا هنا عارية عن معنى الشرط، وإنما هي للظرفية وحدها، ويترتب على ذلك كونها للمضي وليست للاستقبال كما إذا كانت شرطية، وهو واضح لأن ذلك ديدنهم قبل الاخبار عنهم، ونحوها قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 152]، فإن دلالتها على المضي فيه واضحة. وتقديم الظرف على {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} هو - كما يقول ابن عاشور - لايقاظ الأفكار وتنبيه العقول على ما وصلوا إليه من الفساد، وانتهوا إليه من الضلال، وفي ذلك تعجيب من حالهم، فإنه من شأن الفساد أن يكون باديا للأنظار السليمة ومتشخصا للأفكار المستقيمة، ولا تكون المكابرة بإنكاره ودعوى أنه عين الصلاح وروحه إلا ممن بلغ الفساد فيه غايته، خصوصا عندما يكون مثل هذا الجواب موجها إلى الناصح الأمين في مقام التوعية والتنبيه. واختُلف في قائلي {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} هل هو الله أو رسوله أو المؤمنون؟ ولا فارق بين أن يكون قائل ذلك هو الله أو الرسول، نظرا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، أما القول الثالث - وهو أن قائله المؤمنون - فهو محمول على أن طائفة من المؤمنين كانت تكتشف خبايا المنافقين بما يكون بينهم من الاتصال بسبب قرابة أو صحبة، ولا يألون جهدا - عندما يكتشفون نفاقهم - أن يوجهوا إليهم النصح، ويحاولوا تخليصهم مما هم فيه من الضلال راجين أن تجدي فيهم الموعظة ويؤثر فيهم التذكير، وهذا القول مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وروي مثله عن مقاتل، واعتمده العلامة ابن عاشور نظرا إلى أنه لو كان قائل ذلك هو الله أو رسوله لانكشف أمرهم وانهتك سرهم ولم يعودوا في طوايا الخفاء، ولو كان هذا الخطاب موجها إليهم إجمالا كما تتنزل مواعظ القرآن، لم يستقم جوابهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} لأن مثل هذا الجواب المقرون بالتأكيد لا يصدر إلا ممن خُص بالخطاب. واستشكل كون طائفة من المؤمنين عرفت أشخاص المنافقين أو بعضهم، واكتشفت خبايا نفاقهم، ولا تكشف مع ذلك أمرهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر المؤمنين. وأجيب عنه بجوابين: أولهما: أن المكتشفين كانت بينهم وبين من اكتشفوهم صلة قربى تجعلهم يطمعون أن تجدي فيهم موعظتهم، ويؤثر فيهم تذكيرهم، فلذلك كانوا يؤثرون سترهم رجاء أن يتحولوا في يوم من الأيام عما هم فيه من الضلال، وإن كانوا أحيانا يشارفون اليأس من صلاحهم عندما يقرعونهم بمثل هذا الجواب الذي يستأصل كل طمع في ارعوائهم. ثانيهما: أنه لا يبعد أن يكونوا قد كشفوا أمرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن المنافقين كانوا من الحذر على أنفسهم بحيث لا ينكشف أمرهم إلا مع الوحدان دون الجماعات، فلم تكن الحجة تقوم بهم عليهم، وهذا الجواب هو الذي يجب الاعتماد عليه - فيما أرى - لثلاثة أوجه: أولها: أن المؤمنين لم يكونوا يرعون في جنب الحق قرابة قريب ولا صلة واصل، وما كانوا تأخذهم في الله لومة لائم، بل كانوا يؤثرون الحق على آبائهم وأبنائهم، وأحب الأحباب إليهم، كما يدل على ذلك موقف ابن رأس النفاق عبدالله بن أبيّ من أبيه حال رجوع المسلمين من غزوة بني المصطلق، فقد اعترض دخوله المدينة إلا بعد إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورماه بألذع الكلمات انتصارا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقف أمره عند هذا الحد، بل استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله. ثانيها: أنه سبق ذكر بعض من شهد على أهل النفاق من قرابتهم كربيب الجلاس الذي شهد عليه. ثالثها: أن في القرآن الكريم تصريحا بأن المنافقين كانوا يتوقَّون بالأيمان، فقد قال تعالى عنهم: {أية : ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} تفسير : [المجادلة: 16]، وقال: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 74]، وكفى بذلك شاهدا على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أخلصوا لله إيمانهم ومحضوه ولاءهم كانوا يفضحون كل من بدرت منه بادرة سوء من المنافقين أمام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وذلك الذي يلجئ المنافقين إلى تكرار الأيمان اتقاء لما عسى أن يترتب على ما نسب إليهم من الأحكام. واستظهر بعض المفسرين أن قائل {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} هو من نفس المنافقين، إذ لا يبعد أن يلمع لبعضهم بريق من الفطرة فيدرك أن المغبة السيئة لما هم فيه لن تعود إلا عليهم، وأن إغراق رؤسائهم في النفاق، ومحاربة الاسلام وأتباعه، وتأليب المشركين على المسلمين من خلف الأستار فتنة عمياء قد يكونون هم الذين يصطلون نارها، فلعل المشركين إن تمكنوا من المسلمين ينقلبون عليهم ويتخلصون منهم كما تخلصوا من المسلمين، غير أن رؤساءهم يرون أن خطتهم هي عين الصواب، فقد سبق للمشركين أن جاوروهم زمنا طويلا فلم ينتزعوا منهم سلطانهم الروحي ولم يهددوهم في مصالحهم المادية، بل كانوا ينظرون إليهم نظر إعظام وإكبار لتميزهم عليهم بما عندهم من علم الكتاب، وانفرادهم بينهم بمعارف النبوات حتى أنهم كانوا يدفعون إليهم أفلاذ أكبادهم لينشأوا على دينهم ويتغذوا بمعارفهم، فرعبهم إنما هو من المسلمين دون غيرهم، وهذا مبني على أن المنافقين كانوا من اليهود كما تقدم. والفساد خروج الشيء عن الاعتدال اللائق به الذي تتوقف عليه منفعته، وإفساده إخراجه عن ذلك، وقسم بعضهم الفساد إلى قسمين، فساد طارئ وفساد أصيل، فالفساد الطارئ تحول الشيء من المنفعة إلى المضرة، والفساد الأصيل وجوده ضارا من أول الأمر، وعليه فالافساد يكون إما باستخدام ما ينفع فيما يضر، وإما إيجاد ما يكون منه ضرر من غير منفعة، واستظهر ابن عاشور أن الفساد موضوع للقدر المشترك من هذين المعنيين، فيتناولهما مع إطلاقه، وليس من الوضع المشترك بحيث يستقل كل واحد من المعنيين بدلالة اللفظ عليه فيكون إطلاقه عليهما من باب إطلاق المشترك على معنييه. والإِفساد في الأرض يكون بتحويل المنافع إلى مضار كالغش في البضائع، وبالقضاء على منافعها، كالاحراق، وقتل من لا يستحق، وبإثارة الفتن بين أهلها لما يترتب عليها من الأحقاد التي تقطع العلاقات وتحل الوشائج، والحروب التي تهلك الحرث والنسل. ومن أنواع الإِفساد، تحسين المنكرات، وتزيين الباطل، والتنفير عن الحق، وتقبيحه بدعايات الزور، والمنافقون قد أخذوا بحظ وافر من أنواع الفساد جميعها، ولا يبعد أن يكون حذف معمول تفسدوا لأجل تأكيد العموم المستفاد من وقوع الفعل في حيز النفي كما نبه عليه المحقق ابن عاشور، على أن ذكر مكان الافساد وهو الأرض من أدلة قصد العموم، فكأن كل جزء منها مصاب بأثر إفسادهم، وهذا لأن ما يقع في أي رقعة من هذه الأرض من المنكرات ينعكس أثره على جميعها. واختلف أهل التفسير في المراد بالافساد هنا، قيل إنه الكفر، رواه ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل هو المعصية، رواه ابن جرير عن الربيع بن أنس، ونسبه الفخر الرازي إلى ابن عباس والحسن وقتادة والسُّدي، وحكى تقريره عن القفال بأن معصية الله في الأرض إنما كانت فسادا، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان، ولزم كل أحد شأنه، وحقنت الدماء، وسكنت الفتن، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه، لزم الهرج والمرج والاضطراب، ولذلك قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القتال: 22]، نبههم على أنهم إن أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الافساد في الأرض، وقيل هو ما يكون من المنافقين من مداراة للكفرة والاختلاط بهم، لما في ميلولتهم إلى الكفر مع تظاهرهم بالايمان من إيهام بضعف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وما يترتب عليه من تجرؤ الكفرة على إظهار عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإيقاد نار الحرب له وطمعهم في الانتصار عليه، وقيل إنهم كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه صلى الله عليه وسلم وجحد الاسلام، وإثارة الشبه حوله. وذكر المحقق ابن عاشور أن إيقاعهم الفساد ينقسم إلى مراتب: أولها: إفسادهم أنفسهم بإصرارهم على تلك الأمراض النفسية الناشئة عن النفاق التي سلف ذكرها، وما يتولد منها من مفاسد، ويترتب عليها من مذام. ثانيها: إفسادهم أولادهم وحواشيهم، لأنهم يقتدون بهم في مساوئهم، وإفسادهم الناس ببث تلك الصفات الذميمة بينهم ودعوتهم إليها، وهذا ما حكى الله عن نوح - عليه السلام - أنه قال: {أية : إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 27]. ثالثها: إفسادهم مجتمعهم بأفعالهم التي يستشري داؤها في أوساط الناس، كإلقاء النميمة، وإثارة العداوة، وتسعير الفتن، وتأليب الأحزاب على المسلمين، وإحداث العقبات في طريق المصلحين. والافساد يعم ذلك كله، كما يعم كل ما ينشأ عنه من مضرة في الدين أو الدنيا، كانتشار الجهل، وحصول الانحراف الفكري أو السلوكي، وقتل الأنفس، وغصب الأموال وإتلافها، وانتهاك الأعراض، وهو مما يترتب على أعمال المنافقين من إثارة الأحقاد، وتأليب الأحزاب، وإلقاء الشبه، وإغراء العداوات والبغضاء بين الناس. واختُلف في المراد بالأرض هنا، فقيل أرض المدينة، وعليه فـ (أل) للعهد الذهني، للعلم بأن القرآن كان يتحدث عن المنافقين الموجودين في عصر النبوة، وكانوا منبثين في أنحاء المدينة المنورة وما حولها، وقيل بل المراد بالأرض الكرة الأرضية وما فيها من الناس والحيوانات والنبات والجماد والنواميس والأنظمة، لانعكاس أثر الفساد على ذلك كله، فإن الأرض جزء من مملكة الله الواسعة تربطها بسائر الأجزاء نواميس وأنظمة، وسنن وطبائع، وفي خروج الانسان عن منهج الله إخلال بهذه الرابطة، ونقض لعرى هذه الوحدة. وأنت إذا تدبرت ما أسلفناه من أن الحديث عن المنافقين في القرآن لا ينحصر في تلك الطائفة التي كانت في عهد النبوة، وأنه يتجه إلى كل من شاكلهم في أي عصر، أدركت رجحان الرأي الأخير، على أنه مما ينبغي ألا يُغفل عنه أن في ذكر الأرض تنبيها لأولئك المفسدين المخاطبين بأن عاقبة فسادهم تنقلب عليهم بالمضرة، وتعود عليهم بالخسران، فالأرض مهادهم في حياتهم، عليها يستقرون، ومثواهم بعد مماتهم إليها يرجعون، ومصدر كثير من نعم الله عليهم، وقد أُعدت بما جهزت به من مختلف الطبائع لأن تكون صالحة للاستقرار، ومتلائمة مع سنن الكون ونواميس الوجود، ففساد المفسدين فيها ينعكس أثره السلبي عليها، ولذلك تكرر تحذير الانسان من الافساد في الأرض، وتوبيخ المفسدين فيها في آي القرآن، نحو قوله عز وجل: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} تفسير : [الأعراف: 56]، وجاء في القرآن ما يدل على أن الاستقامة على منهج الله من أسباب استمرار الخير، وحصول المنافع، وتتابع النعمة، فالله تعالى يقول: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} تفسير : [الجن: 16]، ويحكي عن نوح - عليه السلام - قوله لقومه: {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} تفسير : [نوح: 10 - 12]، وكثيرا ما تكرر في القرآن تذكير الانسان بنعمة الله عليه بخلق الأرض وما فيها لأجله، وبتهيئة أسباب عيشه وراحته فيها، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات: 30 - 33]، وقوله: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [عبس: 24 - 32]، وفي طي هذا التذكير تحذير من كفران هذه النعم واستخدامها في غير ما خُلقت لأجله. وقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} رد على نسبة الافساد إليهم، بما يفيد أنهم أبعد ما يكونون عن الحوْم حول الفساد أو الإِفساد، حيث نسبوا في هذا الرد إلى أنفسهم الإِصلاح الذي هو نقيض الإِفساد، وأتوا بالجملة الاسمية في مقابل الفعلية التي خوطبوا بها، لتأكيد استمرارهم على منهج الإِصلاح، وهذا لأن شأن الجملة الاسمية إفادة الثبوت والدوام، وأكدوا مرادهم بإنما المفيدة للقصر، كل ذلك لدرء ما وُجّه إليهم من تهمة الإِفساد، والتنصل مما رُموا به بسبب ما ينكشف منهم من بوادر السوء، ويفيض على ألسنتهم أحيانا من عبارات تكنّ الحقد والكراهية، وهو معنى ما رواه ابن جرير في تفسير الآية عن مجاهد أن مرادهم بهذه الإِجابة أنهم على الهدى مصلحون، وثم أقوال أخرى للمفسرين: منها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن مرادهم بهذا القول إنما نريد الإِصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب، ومعنى ذلك أنهم يريدون إرضاء الطائفتين، والتقريب بين معتقداتهما، وقيل إن الجواب يتضمن الاعتراض بما اتُّهموا به من موالاة الكفار وممالأتهم، ولكنهم نفوا عن ذلك صفة الفساد زاعمين أنهم بما يأتون مصلحون، لأنهم يرعون به قرابة ذوي القربى من الكفار المعاندين. ويتبادر أن أصحاب هذا القول والذي قبله يستندون فيهما إلى ما يوحي به قوله عز وجل: {أية : فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} تفسير : [النساء: 62]، ولعل أكثر المفسرين أميل إلى القول الأول، ويعتضد رأيهم بقوله سبحانه: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [فاطر: 8]، وقوله: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103 - 104]. وفي تصدير جوابهم بأداة القصر تأكيد لما يزعمونه من الإِصلاح، فإنهم أرادوا معاكسة متهميهم بالإِفساد بهذا القصر القلبي، بحيث يوهمونهم أن الإِصلاح متمحض فيهم، وأن شائبة من الإِفساد لم تحم حولهم، فإن الذين اتهموهم إما أن يريدوا بقولهم لهم {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} لا يكن عملهم إفسادا من غير إصلاح، وإما أن يريدوا به لا تخلطوا بين الصالح والفاسد من الأعمال، فإن الفاسد يؤثر على الصالح فيفقده منفعته، فكان جوابهم يفيد أن أعمالهم كلها مقصورة على الاصلاح، وهو ناتج عن ضلال فكرهم، وفساد فطرهم، وقد رد الله عليهم بقوله: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} لاستئصال ما تشبثوا به من دعوى فارغة بأنهم لم يتعدوا حدود الاصلاح. وقد صُدر هذا الرد بأداة الاستفتاح المفيدة للتأكيد، ووليت ذلك "إن" المختصة به، وجيء بالمسند معرفا لإِفادة قصره على المسند إليه، ووُسط بينهما ضمير الفصل المؤكد لهذه الإِفادة، ليكون ذلك أبلغ في نقض دعواهم وكبح غرورهم وفضح سرائرهم، فظاهر الرد يقضي أن الافساد منحصر فيهم، وأنه صفتهم الوحيدة التي يتميزون بها، وذلك لا ينافي أن يكون في الأرض من لا يحصى عددا من المفسدين غيرهم، كالمشركين المجاهرين بشركهم، لأن القصر في الرد هو قصر قلب كما سبق بيانه في تفسير جوابهم، وهو من ضروب تأكيد الكلام. وحصر الافساد في هؤلاء لأنهم بمسلكهم الملتوي وسلوكهم المتلون أخطر ما يكونون بين الناس، فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأن تتفشى العداوة بين الناس، وأن تتقطع الصلات بين الأقربين، وأن تتحول أسباب الخير، والرحمة، والمودة، إلى أضدادها، وإنما يحول بينهم وبين إدراك خطأ ما هم فيه وضرر ما هم عليه؛ تبلد أذهانهم وانطماس بصائرهم حتى صاروا لا يشعرون فظنوا الشر خيرا، وسموا الإِفساد إصلاحا. ونفي الشعور عنهم يعم نفي شعورهم بسوء حالهم في الدنيا، وشر مآلهم في الآخرة، فإنهم لو رُزقوا شيئا من نور العقل لأدركوا أن ما يزعمونه إصلاحا ويعتقدونه صلاحا، هو مفتاح كل شر على أنفسهم، ولأدركوا أن عاقبة مكرهم ستحيق بهم {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}، ولو فكروا قليلا فيما بعد هذه الحياة لبادروا إلى الإِقلاع عن حالتهم والرجوع عن غيهم. والظاهر أن الشعور المنفي هنا هو شعور مقيد، وهو إدراك خطأ ما يأتونه من الأعمال التي يعاكسون بها دعوة المصلحين، أو إدراكهم شر ما ينتظرهم من العذاب في الآخرة ومن المهانة في الدنيا كما أشرنا إليه من قبل، وقيل هو مطلق الشعور؛ للإِيغال في ذمهم والمبالغة في تسفيههم، فقد أُنزلوا منزلة البهائم العجماء التي لا تميز بين الخير والشر، ولا تفرق بين النافع والضار، وعليه ففي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين حتى لا يبالوا بما يلقونه من عنت هؤلاء المنافقين، ومن نظرائهم في كل عصر، وذلك أن مسلك أهل النفاق لا يكاد يختلف بين زمان وآخر، وما يلقاه منهم المؤمنون الصالحون صورة متكررة مما صدر من أسلافهم الذين كانوا مصدر عنت وبلاء في عهد النبوة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علو منزلته ورفعة قدره ع ند الله قد لاقى الذي لاقاه منهم، فلا عجب إن لقي أتباعه صلى الله عليه وسلم في العصور المتتابعة من سفه الضالين وعنت المنافقين ما يكاد يزهق النفوس ويطير العقول؛ لولا صلتها بالله وثقتها بوعده. وروى ابن جرير عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أن المذكورين في الآية لم يأتوا بعد، وحمله ابن جرير على أن أكثر المتصفين بهذه الصفات إنما يأتون بعد عهد النبوة، ما عدا طائفة منهم كانت في عهده صلى الله عليه وسلم، وهي قليلة إذا ما قيست بمن يأتي من بعدها ممن هو على شاكلتها، وفي هذا ما يؤيد ما ذكرته من قبل من تكرر صورة النفاق والمنافقين في كل عصر، خصوصا عندما يشعرون بدنو قوة الاسلام ويتوجسون خيفة من سلطانه، فإنهم لا مفر لهم في هذه الحالة من أن يلبسوا لبوسه، ويمشوا في ركاب أهله، وليس مرادهم من ذلك إلا انتهاز الفرصة المواتية ليطعنوه من الخلف، مع ما ينالونه بهذا المسلك من أغراض دنيوية ومنافع عاجلة {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 32 - 33]. هذا ويرى بعض المفسرين عدم اشتراط وقوع ما ذُكر من القول والجواب في الآية، فقد جوّز أن يكون من باب التصوير لحالهم، فكان شأنهم شأن من إذا طولب بالكف عن الفساد ونُصح بلزوم مسلك الصلاح ازدرى بناصحه، وزعم أن ما يأتيه هو عين الصلاح، وهذا كما لو أردت أن تكشف سجية أحد فقلت لمن تحدثه عنه إن قلت له كذا أجابك بكذا، ويبعد هذا القول مكان "إذا" المفيدة لتحقق الوقوع.

الالوسي

تفسير : اختلف في هذه الجملة فقيل معطوفة على {أية : يَكْذِبُونَ} تفسير : [البقرة: 10] لأنه أقرب وليفيد تسببه للعذاب أيضاً وليؤذن أن صفة الفساد يحترز منها كما يحترز عن الكذب. ووجه إفادته لتسبب الفساد للعذاب أنه داخل في حيز صلة الموصول الواقع سبباً إذ المعنى في قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } إنكار لادعائهم أن ما نسب لهم منه صلاح وهو عناد وإصرار على الفساد والإصرار على ذلك فساد وإثم، وهذا الذي مال إليه الزمخشري ـ وهو مبني على عدم الاحتياج إلى ضمير في الجملة ـ يعود إلى (ما) فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإلا يكون التقدير ولهم عذاب أليم بالذي كانوا إذا قيل لهم الخ وهو غير منتظم وكأن من يجعل (ما) مصدرية يجعل الوصل بـ (كان) حيث لم يعهد وصلها بالجملة الشرطية نعم يرد أن قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } كذب فيؤول المعنى إلى استحقاق العذاب بالكذب وعطف التفسير مما يأباه الذوق والاستعمال ومن هنا قيل: بأن هذا العطف وجيه على قراءة {أية : يَكْذِبُونَ}تفسير : [البقرة: 10] بالتشديد على أحد احتمالاته ليكون سبباً للجمع بين ذمهم بالكذب والتكذيب. وقول مولانا مفتي الديار الرومية في الاعتراض: إن هذا النحو من التعليل حقه أن يكون بأوصاف ظاهرة العلية مسلمة الثبوت للموصوف غنية عن البيان لشهرة الاتصاف بها عند السامع أو لسبق الذكر صريحاً أو استلزاماً، ولا ريب في أن هذه الشرطية غير معلومة الانتساب بوجه حتى تستحق الانتظام في سلك التعليل لا يخفى ما فيه على من أمعن النظر، وقيل: معطوفة على {أية : يَقُولُ}تفسير : [البقرة: 8] لسلامته مما في ذلك العطف من الدغدغة ولتكون الآيات حينئذٍ على نمط تعديد قبائحهم وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالاً وقصداً ودلالتها على لحوق العذاب بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم فما ظنك بسائرها؟ ولكون هذا الماضي لمكان إذاً مستقبلاً حسن العطف، وفيه أن مآل هذه الجملة الكذب كما أشير إليه فلا تغاير سابقها ولو سلم التغاير بالاعتبار وضم القيود فهي جزء الصلة أو الصفة وكلاهما يقتضي عدم الاستقلال، وأيضاً كون ذلك الكذب أدنى أحوالهم لا يقبل عند من له أدنى عقل على أن تخلل البيان والاستئناف وإن لم يكن أجنبياً بين أجزاء الصلة أو الصفة لا يخلو عن استهجان فالذي أميل إليه وأعول دون هذين الأمرين عليه ما اختاره المدقق في «الكشف»، وقريب منه كلام أبـي حيان في «البحر» أنها معطوفة على قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } تفسير : [البقرة: 8] لبيان حالهم في ادعاء الإيمان وكذبهم فيه أولاً ثم بيان حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤية القبيح حسناً والفساد صلاحاً ثانياً، ويجعل المعتمد بالعطف مجموع الأحوال وإن لزم فيه عطف الفعلية على الاسمية فهو أرجح بحسب السياق ونمط تعديد القبائح، وما قيل عليه إنه ليس مما يعتد به وإن توهم كونه أوفى بتأدية هذه المعاني وذلك لعدم دلالته على اندراج هذه الصفة وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم إذ لا يحسن حينئذٍ عود الضمائر/ التي فيها إليهم ـ كما يشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى دربة بأساليب الكلام ـ كلام خارج عن دائرة الإنصاف كما يشهد به سلامة الفطرة من داء التعصب والاعتساف فإن عود الضمائر رابط للصفات بهم وسوق الكلام مناد عليه، وقد يأتي في القصة الواحدة جملة مستأنفة بغير عطف فإذا لم ينافه الاستئناف رأساً كيف ينافيه العطف على أوله المستأنف، والعطف إنما يقتضي مغايرة الأحوال لا مغايرة القصص وأصحابها. وما أخرجه ابن جرير عن سلمان رضي الله تعالى عنه من أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد ـ ليس المراد به أنها مخصوصة بقوم آخرين كما يشعر به الظاهر بل إنها لا تختص بمن كان من المنافقين وإن نزلت فيهم إذ خصوص السبب لا ينافي عموم النظم، ثم القائل للمنافقين في عصر النزول هذا القول إما النبـي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله سبحانه المخبر له بنفاقهم أو أنه عليه الصلاة والسلام بلغه عنهم ذلك ولم يقطع به فنصحهم فأجابوه بما أجابوه أو بعض المؤمنين الظانين بهم المتفرسين بنور الإيمان فيهم أو بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله منهم لأمر ما فينقلب واعظاً لهم قائلاً: لا تفسدوا. والفساد التغير عن حالة الاعتدال والاستقامة ونقيضه الصلاح، والمعنى لا تفعلوا ما يؤدي إلى الفساد وهو هنا الكفر كما قاله ابن عباس أو المعاصي كما قاله أبو العالية أو النفاق الذي صافوا به الكفار فأطلعوهم على أسرار المؤمنين فإن كل ذلك يؤدي ولو بالوسائط إلى خراب الأرض وقلة الخير ونزع البركة وتعطل المنافع، وإذا كان القائل بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله ممن شاركهم في الكفر يحمل الفساد على هيج الحروب والفتن الموجب لانتفاء الاستقامة ومشغولية الناس بعضهم ببعض فيهلك الحرث والنسل. ولعل النهي عن ذلك لخور أو تأمل في العاقبة وإراحة النفس عما ضرره أكبر من نفعه مما تميل إليه الحذاق. على أن في أذهان كثير من الكفار إذا ذاك توقع ما يغني عن القتال من وقوع مكروه بالمؤمنين {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ }تفسير : [التوبة: 32]، ولا يخفى ما في هذا الوجه من التكلف، والمراد من الأرض جنسها أو المدينة المنورة، والحمل على جميع الأرض ليس بشيء إذ تعريف المفرد يفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء، اللهم إلا أن يعتبر كل بقعة أرضاً، لكن يبقى أنه لا معنى للحمل على الاستغراق باعتبار تحقق الحكم في فرد واحد وليس ذكر الأرض لمجرد التأكيد بل في ذلك تنبيه على أن الفساد واقع في دار مملوكة لمنعم أسكنكم بها وخولكم بنعمها:شعر : وأقبح خلق الله من بات عاصيا لمن بات في نعمائه يتقلب تفسير : و {إِنَّمَا} للحصر كما جرى عليه بعض النحويين وأهل الأصول، واختار في «البحر» أن الحصر يفهم من السياق ولم تدل عليه وضعاً، وجعل القول بكونها مركبة من (ما) النافية دخل عليها (إن) التي للإثبات فأفادت الحصر قولاً ركيكاً صادر عن غير عارف بالنحو. ومعنى {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} مقصورون على الإصلاح المحض الذي لم يَشُبْهُ شيء من وجوه الفساد وقد بلغ في الوضوح بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه، والقصر إما قصر إفراد أو قلب وهذا إما ناشىء عن جهل مركب فاعتقدوا الفساد صلاحاً فأصروا واستكبروا استكباراً:شعر : يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن تفسير : وإما جار على عادتهم في الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وقرأ هشام والكسائي {قِيلَ } بإشمام الضم ليكون دالاً على الواو المنقلبة، وقول: بإخلاص الضم وسكون الواو لغة لهذيل ولم يقرأ بها.

ابن عاشور

تفسير : يظهر لي أن جملة {وإذا قيل لهم} عطف على جملة {أية : في قلوبهم مرض}تفسير : [البقرة: 10]؛ لأن قوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} إخبار عن بعض عجيب أحوالهم، ومن تلك الأحوال أنهم قالوا {إنما نحن مصلحون} في حين أنهم مفسدون فيكون معطوفاً على أقرب الجمل الملظة لأحوالهم وإن كان ذلك آيلاً في المعنى إلى كونه معطوفاً على الصلة في قوله: {أية : من يقول آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 8]. و(إذا) هنا لمجرد الظرفية وليست متضمنة معنى الشرط كما أنها هنا للماضي وليست للمستقبل وذلك كثير فيها كقوله تعالى: {أية : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر}تفسير : [آل عمران: 152] الآية. ومن نكت القرآن المغفول عنها تقييد هذا الفعل بالظرف فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن محل المذمة هو أنهم يقولون {إنما نحن مصلحون}مع كونهم مفسدين، ولكن عند التأمل يظهر أن هذا القول يكون قائلوه أجدر بالمذمة حين يقولونه في جواب من يقول لهم {لا تفسدوا في الأرض} فإن هذا الجواب الصادر من المفسدين لا ينشأ إلا عن مرض القلب وأفن الرأي، لأن شأن الفساد أن لا يخفى ولئن خفي فالتصميم عليه واعتقاد أنه صلاح بعد الإيقاظ إليه والموعظة إفراط في الغباوة أو المكابرة وجهل فوق جهل. وعندي أن هذا هو المقتضى لتقديم الظرف على جملة {قالوا...}، لأنه أهم إذ هو محل التعجيب من حالهم، ونكت الإعجاز لا تتناهى. والقائل لهم {لا تفسدوا في الأرض} بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلماً بأن النبي صلى الله عليه وسلم يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية. وفي جوابهم بقولهم: {إنما نحن مصلحون} ما يفيد أن الذين قالوا لهم {لا تفسدوا في الأرض} كانوا جازمين بأنهم مفسدون لأن ذلك مقتضى حرف إنما كما سيأتي ويدل لذلك عندي بناء فعل قيل للمجهول بحسب ما يأتي في قوله تعالى: {أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا}تفسير : [البقرة: 8] ولا يصح أن يكون القائل لهم الله - والرسول - إذ لو نزل الوحي وبلغ إلى معينين منهم لعلم كفرهم ولو نزل مجملاً كما تنزل مواعظ القرآن لم يستقم جوابهم بقولهم: {إنما نحن مصلحون}. وقد عَنَّ لي في بيان إيقاعهم الفساد أنه مراتب: أولها: إفسادهم أنفسهم بالإصرار على تلك الأدواء القلبية التي أشرنا إليها فيما مضى وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد. الثانية: إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها، وإفسادُهم أبناءهم وعيالهم في اقتدائهم بهم في مساويهم كما قال نوح عليه السلام: {أية : إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}تفسير : [نوح: 27]. الثالثة: إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع، كإلقاء النميمة والعداوة وتسعير الفِتَن وتأليب الأحزاب على المسلمين وإحداث العقبات في طريق المصلحين. والإفساد فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجَعْل أي جعل الأشياء فاسدة في الأرض. والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملاً على مضرة، وإن لم يكن فيه نفع من قبل يقال: فسد الشيء بعدَ أن كان صالحاً ويقال: فَاسِد إذا وُجد فاسداً من أول وَهلة، وكذلك يقال: أفسد إذا عمَد إلى شيء صالح فأزالَ صلاحه، ويقال: أفسَد إذا أَوْجد فساداً من أول الأمر. والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين وليس من الوضع المشترك، فليس إطلاقه عليهما كما هنا من قبيل استعمال المشترك في معنييه. فالإفساد في الأرض منه تصيير الأشياء الصالحة مضرة كالغش في الأطعمة، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحَرق والقتل للبرآء، ومنه إفساد الأنظمة كالفِتن والجور، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة وتحسين الكفر ومناوأة الصالحين المصلحين، ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حُذف متعلق {تفسدوا} تأكيداً للعموم المستفاد من وقوع الفعل في حَيز النفي. وذُكِر المحل الذي أفسدوا ما يَحْتوي عليه ـــ وهو الأرضُ ـــ لتفظيع فسادهم بأنه مبثوث في هذه الأرض لأن وقوعه في رقعة منها تشويه لمجموعها. والمراد بالأرض هذه الكرة الأرضية بما تحتوي عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس والحيوان والنبات وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها، ونظيره قوله تعالى: {أية : وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}تفسير : [البقرة: 200]. وقوله تعالى: {قالوا إنما نحن مصلحون} جواب بالنقض فإن الإصلاح ضد الإفساد، أي جعل الشيء صالحاً، والصلاح ضد الفساد يقال: صلح بعد أن كان فاسداً ويقال صلح بمعنى وجد من أول وهلة صالحاً فهو موضوع للقدر المشترك كما قلنا. وجاءوا بإنما المفيدة للقصر باتفاق أئمة العربية والتفسير ولا اعتداد بمخالفه شذوذاً في ذلك. وأفاد {إنما} هنا قصر الموصوف على الصفة رداً على قول من قال: لهم {لا تفسدوا}، لأن القائل أثبت لهم وصف الفساد إما باعتقاد أنهم ليسوا من الصلاح في شيء أو باعتقاد أنهم قد خلطوا عملاً صالحاً وفاسداً، فردوا عليهم بقصر القلب، وليس هو قصراً حقيقياً لأن قصر الموصوف على الصفة لا يكون حقيقياً ولأن حرف إنما يختص بقصر القلب كما في «دلائل الإعجاز»، واختير في كلامهم حرف (إنما) لأنه يخاطب به مخاطب مُصِر على الخطأ كما في «دلائل الإعجاز» وجعلت جملة القصر اسمية لتفيد أنهم جعلوا اتصافهم بالإصلاح أمراً ثابتاً دائماً، إذ من خصوصيات الجملة الاسمية إفادة الدَّوام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 11- وإذا قال أحد من المهتدين لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا فى الأرض بالصدِّ عن سبيل الله، ونشر الفتنة وإيقاد نار الحرب برَّأوا أنفسهم من الفساد، وقالوا: ما نحن إلا مصلحون. وذلك لفرط غرورهم، وهذا شأن كل مفسد خبيث مغرور يزعم فساده إصلاحاً. 12- ألا فتنبهوا أيها المؤمنون إلى أنهم هم أهل الفساد حقاً، ولكنهم لا يشعرون بفسادهم لغرورهم، ولا بسوء العاقبة التى ستصيبهم بسبب هذا النفاق. 13- وإذا قال قائل لهم ينصحهم ويرشدهم: أقبلوا على ما يجب، وهو أن تؤمنوا إيماناً مخلصاً مثل إيمان الناس الكاملين المستجيبين لصوت العقل؛ سخروا وتهكَّموا وقالوا: لا يليق بنا أن نتبع هؤلاء الجهلاء ضعاف العقول. فرد الله عليهم تطاولهم وحكم عليهم بأنهم - وحدهم - الجهلاء الحمقى. ولكنهم لا يعلمون علماً يقيناً أن الجهل ونقص الإدراك محصور فيهم مقصور عليهم. 14- وإذا لقى هؤلاء المنافقون المؤمنين المخلصين قالوا: آمنّا بما أنتم به مؤمنون من صدق الرسول ودعوته، ونحن معكم فى الاعتقاد، وإذا انصرفوا عنهم واجتمعوا بأصحابهم الذين يشبهون الشياطين فى الفتنة والفساد قالوا لهم: إنا معكم على طريقتكم وعملكم، وإنما كان قولنا للمؤمنين ما قلنا: استخفافاً بهم واستهزاء. 15- والله سبحانه يجازيهم على استهزائهم، ويكتب عليهم الهوان الموجب للسخرية والاحتقار، فيعاملهم بذلك معاملة المستهزئ، ويمهلهم فى ظلمهم الفاحش الذى يجعلهم فى عمى عن الحق، ثم يأخذهم بعذابه. 16- وهؤلاء إذ اختاروا الضلالة بدل الهداية كانوا كالتاجر الذى يختار لتجارته البضاعة الفاسدة الكاسدة فلا يربح فى تجارته، ويضيع رأس ماله، وهم فى عملهم غير مهتدين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الفساد في الأرض: الكفر وإرتكاب المعاصي فيها. الإِصلاح في الأرض: يكون بالإِيمان الصحيح والعمل الصالح، وترك الشرك والمعاصي. لا يشعرون: لا يدرون ولا يعلمون. السفهاء: جمع سفيه: خفيف العقل لا يحسن التصرف والتدبير. معنى الآيات: يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا قال لهم أحد المؤمنين لا تفسدوا في الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا عليه قائلين: إنما نحن مصلحون في زعمهم فأبطل الله تعالى هذا الزعم وقرر أنهم هم وحدهم المفسدون لا من عرضوا بهم من المؤمنين، إلا أنهم لا يعلمون ذلك لاستيلاء الكفر على قلوبهم. كما أخبر تعالى عنهم بأنهم إذا قال لهم أحد المؤمنين أصدقوا في إيمانكم وآمنوا إيمان فلان وفلان مثل عبد الله بن سلام ردوا قائلين: أنؤمن إيمان السفهاء الذين لا رشد لهم ولا بصيرة فرد الله تعالى عليهم دعواهم وأثبت السفه لهم ونفاه عن المؤمنين الصادقين ووصفهم بالجهل وعدم العلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ذم الإدعاء الكاذب وهو لا يكون غالباً إلا من صفات المنافقين. 2- الإِصلاح في الأرض يكون بالعمل بطاعة الله ورسوله، والإفساد فيها يكون بمعصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. 3- العاملون بالفساد في الأرض يبررون دائما إفسادهم بأنه إصلاح وليس بإفساد.

القطان

تفسير : المفردات: الفساد: خروج الشيء عن حد الاعتدال. والصلاح ضده. والسفه: خفة في العقل وفساد في الرأي. واذا قيل لهؤلاء المنافقين لا تفسدوا في الارض بالصدّ عن سبيل الله، ونشر الفتن برّأوا أنفسهم من الفساد، وقالوا انما نحن مصلحون. وما ذلك الا لفرط غرورهم، الذي أعماهم عن حقيقة كونهم جراثيم الفساد، وأسباب الفتن والبلاء. واذا قيل لهم: ادخلوا في الإيمان بهذا الدين العظيم الذي دخل فيه الناس، قالوا ساخرين: أتريدون منا ان نكون مثل هؤلاء الضعفاء السفهاء، نصدّق الأوهام وننقاد للأضاليل! وذلك لأن كثيراً من المسلمين كانوا من الفقراء والموالي والعبيد مثل بلال وصهيب وسلمان الفارسي. وقد رد الله عليهم قولهم وتطاولهم وحكَم عليهم بأنهم هم السفهاء، لكنهم لا يعلمون حقاً ان النقص والسفه محصور فيهم. واذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين، قالوا: آمنا بما آمنتم به وصدّقنا الرسول وقبلنا دعوته، نحن معكم. واذا اجتمعوا بشياطين الكفر من اخوانهم الضالين، قالوا لهم: نحن معكم، انما قلنا للمؤمنين ما علمتم استخفافاً بهم واستهزاء بعقولهم. ولقد روي ان عبدالله بن أبيّ بن سلول، رأسَ المنافقين، كان مع اصحابه فقدِم عليهم جماعة من الصحابة. فقال عبدالله لقومه: انظروا كيف أردُّ هؤلاء السفهاء عنكم. فأخذ بيد أبي بكر وقال: مرحبا بالصدّيق، سيد بني تيم، وشيخ الاسلام، والثاني رسول الله في الغار. ثم أخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: مرحباً بسيد بني عديّ، والفاروق، والقوي في دينه، الباذل نفسه وماله لرسول الله. ثم أخذ بيد عليّ رضي الله عنهم فقال: مرحبا بابن عم رسول الله، وختَنِه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله. فنزلت هذه الآية. هذا هو عبدالله بن أُبيّ الذي كان الأوسُ والخزرجُ في يثرب يريدون ان يتوّجوه ملكاً عليهم قبل هجرة الرسول. فلما تمت الهجرة وأسلم معظم الخزرج وجميع الأوس، أُلغيت فكرة ملكيته، فحقد عبدالله على الاسلام وحسد النبي على فضله، لكنه عجز عن اظهار حنقه فنافق، وأصبح يكيد للمسلمين سراً وإن جاهر بالاسلام زوراً. ورد الله عليهم بقوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي يجازيهم على استهزائهم ويكتب عليهم الهوان، ويمهلهم في عماهم عن الحق، ثم يأخذهم بعذابه. ان مثَل المنافقين مثل الذين باعوا الهدى، واشتروا به الضلالة. فكانوا كالتاجر الذي يختار لتجارته البضاعة الفاسدة فتكسد وتبور. بذلك لا يربح في تجارته، ويخسر ماله. والضلال والضلالة والضلّ ضد الهدى.

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - فَإِذَا قِيلَ لِهؤلاءِ المُنَافِقِينَ: لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، وَلاَ تُثِيرُوا فِيها الفِتَنَ وَالحُرُوبَ، وَلاَ تُحَرِّضُوا الأَعدَاءَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلاَ تُفْشُوا أَسْرارَ المُؤْمِنينَ لأَعْدَائِهِمْ، وَلاَ تَرتَكِبُوا المَعَاصِيَ وَغَيْرَ ذلِكَ مِنْ فُنُونِ الشَّرِّ ... قَالُوا: إِنَّنا نُرِيدُ الإِصْلاَحَ، فَنَحْنُ بَعِيدُونَ عَنِ الإِفْسَادِ وَشَوَائِبِهِ. والمُفْسِدُونَ يَدَّعُونَ دَائماً أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الإِصْلاَحَ . الفَسَادُ - هُوَ خُروجُ الَّشيءِ عَنْ حَدِّ الاعتِدالِ. وَالفَسَادُ في الأَرْضِ - هُوَ إِثَارَةُ الاضْطِرَابَاتِ وَالفِتَنِ فِيهَا. الصَّلاحُ - هُوَ عَكْسُ الفَسَادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الفساد في الأرض هو أن تعمد إلى الصالح فتفسده، وأقل ما يطلب منك في الدنيا، أن تدع الصالح لصلاحه، ولا تتدخل فيه لتفسده، فإن شئت أن ترتقي إيمانياً، تأتي للصالح، وتُرِيد من صلاحه، فإن جئت للصالح وأفسدته فقد أفسدت فسادين، لأن الله سبحانه وتعالى أصلح لك مقومات حياتك في الكون، فلم تتركها على الصلاح الذي خُلقت به، وكان تركها في حد ذاته بعداً عن الفساد، بل جئت إليها، وهي صالحة بخلق الله لها فأفسدتها، فأنت لم تستقبل النعمة الممنوحة لك من الله، بأن تتركها تؤدي مهمتها في الحياة، ولم تزد في مهمتها صلاحاً، ولكنك جئت إلى هذه المهمة فأفسدتها .. فلو أن هناك بئراً يشرب منها الناس، فهذه نعمة لضرورة حياتهم، تستطيع أنت بأسباب الله في كون الله أن تأتي وتصلحها، بأن تبطن جدرانها بالحجارة، حتى تمنع انهيار الرمال داخلها، أو أن تأتي بحبل وإناء حتى تعين الناس على الوصول إلى مياهها، ولكنك إذا جئت وردمتها تكون قد أفسدت الصالح في الحياة. وهكذا المنافقون .. أنزل الله تعالى منهجاً للحياة الطيبة للإنسان على الأرض، وهؤلاء المنافقون بذلوا كل ما في جهدهم لإفساد هذا المنهج، بأن تآمروا ضده وادعوا أنهم مؤمنون به ليطعنوا الإسلام في داخله. ولقد تنبه أعداء الإسلام، إلى أن هذا الدين القوي الحق، لا يمكن أن يتأثر بطعنات الكفر، بل يواجهها ويتغلب عليها. فما قامت معركة بين حق وباطل إلا انتصر الحق، ولقد حاول أعداء الإسلام أن يواجهوه سنوات طويلة، ولكنهم عجزوا، ثم تنبهوا إلى أن هذا الدين لا يمكن أن يُهزَم إلا من داخله، وأنّ استخدام المنافقين في الإفساد، هو الطريقة الحقيقية لتفريق المسلمين، فانطلقوا إلى المسلمين - اسماً - ليتخذوا منهم الحربة التي يوجهونها ضد الإسلام، وظهرت مذاهب واختلافات، وما أسموه العلمانية واليسارية وغير ذلك، كل هذا قام به المنافقون في الإسلام وغلفوه بغلاف إسلامي، ليفسدوا في الأرض ويحاربوا منهج الله. وإذا لفت المؤمنون نظرهم إلى أنهم يفسدون في الأرض، وطلبوا منهم أن يمتنعوا عن الإفساد، ادعوا أنهم لا يفسدون ولكنهم يصلحون، وأي صلاح في عدم اتباع منهج الله والخروج عليه بأي حجة من الحجج؟

الجيلاني

تفسير : {وَ} مع ظهور حالهم وخداعهم عند الله وعند المؤمنين {إِذَا قِيلَ لَهُمْ} إمحاضاً للنصح: {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بتكذيب كتاب الله ورسوله المنزل عليه حتى لا يخرجوا من مرتبة الخلافة؛ لأن خلافة البشر إنما هي بالتوحيد وإسقاط الإضافات، والتوحيد إنما يحصل بالله وبكتابه ورسوله { قَالُوۤاْ} في الجواب على سبيل الحصر: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] لا نتجاوز من الصلاح أصلاً تتميماً لخداعهم الفاسد، وترويجاً له على المؤمنين وتلبيساً. {أَلاۤ} أيها المؤمنون الموقنون بكتاب الله المصدقون لرسوله {إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} المقصرون على الفساد، لا يرجى صلاحهم أصلاً؛ لكونهم مجبولين على الفساد {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] بمشاعرهم لغشاوة قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم. {وَ} إذا لطف معهم ونصح كما هو دأب الأنبياء والمرسلين و{إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} بالله وبكتابه ورسوله {كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} الذين نسوا مزخرفات آبائهم بالإيمان بالله وبكتابه ورسوله، وفازوا في الدارين فوزاً عظيماً بسبب الإيمان {قَالُوۤاْ} في الجواب توبيخاً وتقريعاً: {أَنُؤْمِنُ} بهذا الرجل الحقير الساقط، وبهذه الأساطير الكاذبة ونترك دين آبائنا {كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} التاركون دين آبائهم لغرور هذا المدعي المفتري؟ {أَلاۤ} أيها المبعوث لإهداء المضلين المجبولين على الهداية في أصل فطرتهم {إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} المجبولون على الغوية في بدء الفطرة لا يمكنك هدايتهم أصلاً؛ لعدم قابليتهم واستعدادهم للإيمان {وَ} إن ظنوا في زعمهم من العقلاء {لَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] أصلاً لتركب جهلهم المركوز في جبلتهم، فيسلب قابليتهم للإيمان. {وَ} علامة نفاق هؤلاء المضلين وخداعهم أنهم {إِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وكتابه ورسوله {قَالُوۤا} على طريق الإخبار عن الأمور المحققة تروجياً وتغريراً على المؤمنين {آمَنَّا} بالجملة الفعلية الماضية بلا مبالغة وتأكيد لحكمهم سفاهة المؤمنين، بأن السفيه يقبل الأخبار بلا تأكيد؛ لعدم تفطنه على إنكار المتكلم، فنزلوهم - وإن كان من حقهم الإنكار حقيقة - منزلة خالي الذهن؛ لسفاهتهم {وَإِذَا خَلَوْاْ} نفوا خالين {إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} أي: مع أصحابهم المستمرين على الكفر، الظاهرين بالمخالفة بلا خداع ولا نفاق كالشيطان المصر على الضلال المستمر على الإضلال {قَالُوۤاْ} على طريق المبالغة والتأكيد قلعاً لما اعتقدوا من ظاهر حالهم ومقالهم وموافقتهم مع المؤمنين سراً وجهراً، وتحقيقاً لمؤاخذتهم معهم {إِنَّا} وإن كنا في الظاهر مداهنين معهم لمصلحة دنيوية، متفقون {مَعَكُمْ} لفائدة دينية، أتوا بالجملة الاسمية المصدرة بأن؛ تحقيقاً واهتماماً، وقولنا: آمنا، استهزاء منا إياهم لا تصديق لمدعاهم، وبالجملة ما نحن مؤمنون بمجرد هذا القول بل {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14] مستخفون تجهيلاً وتسفيهاً واعتذاراً على مجرد القول الكاذب الغير المطابق للاعتقاد والواقع. وهم في غاية انهماكهم في الغي والضلال، وهم مقرون جازمون بأنهم يستهزئون، بل هم في الحقيقة مستهزئون إذ: {ٱللَّهُ} المحيط بجميع مخايلهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} في كل لحظة وطرفة آناً فآناً {وَ} لم يشعرهم باستهزائه بل {يَمُدُّهُمْ} يمهلهم ويسوفهم {فِي طُغْيَانِهِمْ} المتجاوز عن الحد في الضلالة بتلبيس الأمر على الله وعلى المؤمنين {يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] يترددون إقداماً وإحجاماً. {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء عن طريق الهداية هم {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} استبدلوا واختاروا {ٱلضَّلَـٰلَةَ} المعززة في نفوسهم بتقليد آبائهم {بِٱلْهُدَىٰ} المتفرعة على الإيمان بالله وبرسوله {فَمَا رَبِحَتْ} بهذا الاستبدال والاختيار {تِّجَارَتُهُمْ} أي: ما يتجرون به {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] رابحين بسبب الاستبدال، وخاسرين ضالين به. أو يقال: فما يتم الربح {تِّجَارَتُهُمْ} اتجارهم {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} بسبب هذا الاتجار.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 11]، إلى {لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعداً لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلاً إلى الفساد. كما أخبرت عنه الملائكة: {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخليص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكفارون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحصركم على الدنيا {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً}تفسير : [الكهف: 103]. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان {كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، ومعاهدة على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به {قَالُوۤاْ} [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم {أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسففهم وعدم رشدهم. والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة: 130]، فإن "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : ومن عرف به ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون. وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأول بقوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا} [البقرة: 14]، إلى {يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفساد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}تفسير : [النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الدين بالتمني"تفسير : وقال: "حديث : بعث لرفع العادات ودفع الشهوات ". تفسير : وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهباً لأطوار يتقاوم قوم ينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبداً خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق، وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازادرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53] ومن الخذلان {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 16]. والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشرفوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: {وْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 16]. وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16]، لأن الخسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسراناً وأعظم حرماناً، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحناً بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى يوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم. كما قال: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} [القرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، {أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله. كما قال تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}تفسير : [الزمر: 47] وكما قيل: شعر : حين قرَّ الهوى وقلنا سُرِرْنا وَحِسْبنا من الفراق أمِنَّا بعث البَيْن رُسْل في خفاءٍ فأبادوا من شملنا ما جمعنا

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض، وهو العمل بالكفر والمعاصي، ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين { قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض، وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح، قلبا للحقائق، وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية، مع اعتقاد أنها معصية فهذا أقرب للسلامة، وأرجى لرجوعه. ولما كان في قولهم: { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } حصر للإصلاح في جانبهم - وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قلب الله عليهم دعواهم بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } فإنه لا أعظم فسادا ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله، وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟" ولكن لا يعلمون علما ينفعهم، وإن كانوا قد علموا بذلك علما تقوم به عليهم حجة الله، وإنما كان العمل بالمعاصي في الأرض إفسادا، لأنه يتضمن فساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثمار والأشجار، والنبات، بما يحصل فيها من الآفات بسبب المعاصي، ولأن الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة الله والإيمان به، لهذا خلق الله الخلق، وأسكنهم في الأرض، وأدر لهم الأرزاق، ليستعينوا بها على طاعته [وعبادته]، فإذا عمل فيها بضده، كان سعيا فيها بالفساد فيها، وإخرابا لها عما خلقت له.