Verse. 17 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فِىْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ۝۰ۙ فَزَادَھُمُ اللہُ مَرَضًا۝۰ۚ وَلَھُمْ عَذَابٌ اَلِـيْمٌۢ۝۰ۥۙ بِمَا كَانُوْا يَكْذِبُوْنَ۝۱۰
Fee quloobihim maradun fazadahumu Allahu maradan walahum AAathabun aleemun bima kanoo yakthiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«في قلوبهم مرض» شك ونفاق فهو يمرض قلوبهم أي يضعفها «فزادهم الله مرضاً» بما أنزله من القرآن لكفرهم به «ولهم عذاب أليم» مؤلم «بما كانوا يُكذّبوِن» بالتشديد أي: نبي الله، وبالتخفيف أي قولهم آمنا.

10

Tafseer

القرطبي

تفسير : {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ابتداء وخبر. والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكاً ونفاقاً، وإما جَحْداً وتكذيباً. والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوّها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. قال ٱبن فارس اللغوي: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حدّ الصحة من علّة أو نفاق أو تقصير في أمر. والقراء مجمعون على فتح الراء من «مَرَض» إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكّن الراء. قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} قيل: هو دعاء عليهم. ويكون معنى الكلام: زادهم الله شكًّا ونفاقاً جزاء على كفرهم وضعفاً عن الانتصار وعجزاً عن القدرة؛ كما قال الشاعر:شعر : يا مُرْسِلَ الرِّيح جَنوباً وصَبَا إذْ غَضِبَتْ زيدٌ فزِدْها غضباً تفسير : أي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم؛ لأنهم شَرّ خلق الله. وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم؛ أي فزادهم الله مرضاً إلى مرضهم؛ كما قال في آية أخرى: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}تفسير : [التوبة:125]. وقال أرباب المعاني: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي بسكونهم إلى الدنيا وحبّهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها. وقوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} أي وكَلَهم إلى أنفسهم، وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرّغوا من ذلك إلى ٱهتمامٍ بالدين. {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} بما يفنى عما يبقى. وقال الجُنَيْد: عِللُ القلوب من ٱتباع الهوى، كما أن علل الجوارح من مرض البدن. قوله تعالى: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} «أليم» في كلام العرب معناه مؤلم أي موجِع، مثل السميع بمعنى المُسْمِع؛ قال ذو الرُّمّة يصف إبلاً:شعر : ونرفعُ من صُدورِ شَمَرْدَلاتٍ يَصُكّ وجوهَها وَهَجٌ ألِيمُ تفسير : وآلم إذا أوْجع. والإيلام: الإيجاع. والألم: الوجع، وقد ألِم يألَم ألَماً. والتألُّم: التوجّع. ويجمع أليم على أُلَمَاء مثل كَريم وكُرَماء، وآلام مثل أشراف. قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} ما مصدرية؛ أي بتكذيبهم الرسل وردّهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته؛ قاله أبو حاتم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف؛ ومعناه بكَذبِهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين. مسألة: وٱختلف العلماء في إمساك النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال: القول الأوّل: قال بعض العلماء: إنما لم يقتلهم لأنه لا يعلم حالهم أحد سواه. وقد ٱتفق العلماء على بَكْرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإنما ٱختلفوا في سائر الأحكام. قال ٱبن العربي: وهذا منتقض، فقد قُتِل بالمُجَذَّر بن زياد الحارثُ بن سُوَيد بن الصّامت؛ لأن المُجَذَّر قتل أباه سُويداً يوم بُعاث؛ فأسلم الحارث وأغفله يوم أُحد فقتله؛ فأخبر به جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقتله به؛ لأن قتله كان غِيلة، وقَتْل الغِيلة حَدٌّ من حدود الله. قلت: وهذه غفلة من هذا الإمام؛ لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر؛ لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم وٱنقطاع الوحي؛ وعلى هذا فتكون تلك قضِيّةٌ في عَيْنٍ بوَحْيٍ، فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع. والله أعلم. القول الثاني: قال أصحاب الشافعي: إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يُسِرّ الكفر ويظهر الإيمان يُستتاب ولا يُقتل. قال ٱبن العربي: وهذا وَهَمٌ، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نَقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن ٱستتابة الزنديق واجبة وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم معرضاً عنهم مع علمه بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن ٱستتابة الزنديق جائزة قال قولاً لم يصح لأحد. القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحةً لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه؛ وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر: «حديث : معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي»تفسير : أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يُعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء ٱعتقادهم تألُّفاً؛ وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ٱبن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين؛ نصّ على هذا محمد بن الجَهْم والقاضي إسماعيل والأبهري وٱبن الماجشون، وٱحتج بقوله تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}تفسير : [الأحزاب:60] إلى قوله: {أية : وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 61]. قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزّندقة فينا اليوم؛ فيُقتل الزنديق إذا شُهِد عليه بها دون ٱستتابة؛ وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبيّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه؛ إذ لم يُشْهَد على المنافقين. قال القاضي إسماعيل: لم يشهد على عبد اللَّه ابن أُبَيٍّ إلا زيد بن أَرْقَم وحده، ولا على الجُلاَس بن سويد إلا عُمَير بن سعد ربِيبه؛ ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل. وقال الشافعيّ رحمه الله محتجًّا للقول الآخر: السُّنة فيمن شُهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه: وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله. وقال الطبري: جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولّى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر؛ لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحدٍ كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووَكَل سرائرهم إلى الله. وقد كذب الله ظاهرهم في قوله: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1]. قال ٱبن عطية: ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تُعَيّن أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق؛ وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أُرَد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عُيّن أحد لما جَبّ كذبه شيئاً. قلت: هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَعْلَمهم أو كثيراً منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه؛ وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبيّ عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول له: لا. القول الرابع: وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيّه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسِدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تَبْقيَتهم ضرر، وليس كذلك اليوم؛ لأنّا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا.

البيضاوي

تفسير : {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } المرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله. ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعة من نيل الفضائل، أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية. والآية الكريمة تحتلهما فإن قلوبهم كانت متألمة تحرقاً على ما فات عنهم من الرياسة، وحسداً على ما يرون من ثبات أمر الرسول صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً، وزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء أمره وإشادة ذكره، ونفوسهم كانت موصوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها، فزاد الله سبحانه وتعالى ذلك بالطبع. أو بازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر، وكان إسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث إنه مسبب من فعله وإسنادها إلى السورة في قوله تعالى {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا }تفسير : [التوبة: 125] لكونها سبباً. ويحتمل أن يراد بالمرض ما تداخل قلوبهم من الجبن والخور حين شاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله تعالى لهم بالملائكة، وقذف الرعب في قلوبهم وبزيادته تضعيفه بما زاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصرة على الأعداء وتبسطاً في البلاد. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: مؤلم يقال: ألم فهو أليم كوجع فهو وجيع، وصف به العذاب للمبالغة كقوله:شعر : تحيةُ بينِهمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : على طريقة قولهم: جد جده. {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} قرأها عاصم وحمزة والكسائي، والمعنى بسبب كذبهم، أو ببدله جزاء لهم وهو قولهم آمنا. وقرأ الباقون {يُكَذِّبُونَ}، من كذبه لأنهم كانوا يكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام بقلوبهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم. أو من كذَّب الذي هو للمبالغة أو للتكثير مثل بين الشيء وموتت البهائم. أو من كذب الوحشي إذا جرى شوطاً وقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متحير متردد. والكذب: هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به. وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب عليه. وما روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض. ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به.

ابن كثير

تفسير : قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} قال: شك، فزادهم الله مرضاً، قال: شكاً. وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: في قلوبهم مرض، قال: شك. وكذلك قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة. وعن عكرمة وطاوس: في قلوبهم مرض، يعني: الرياء. وقال الضحاك عن ابن عباس: في قلوبهم مرض، قال: نفاق، فزادهم الله مرضاً، قال: نفاقاً وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في قلوبهم مرض، قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضاً في الأجساد، وهم المنافقون، والمرض الشك الذي دخلهم في الإسلام، فزادهم الله مرضاً، قال: زادهم رجساً، وقرأ: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}تفسير : [التوبة: 124 - 125]. قال: شراً إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم، وهذا الذي قاله عبد الرحمن رحمه الله حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضاً: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } تفسير : [محمد: 17] وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} وقرىء: يكذّبون، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة، ويكذبون بالغيب، يجمعون بين هذا وهذا، وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين، مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك، منها ما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: «حديث : أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه»تفسير : ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه، قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم؛ كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم، قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك، نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون. ومنها: ما قال مالك: إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه. قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما مَنعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله. ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل»تفسير : ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان {أية : يُنَـٰدُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ }تفسير : [الحديد: 14] الآية، فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية، تميزوا منهم، وتخلفوا بعدهم {أية : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}تفسير : [سبأ: 54] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث، ومنها ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه لا يخاف من شرهم مع وجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يتلو عليهم آيات مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون، قال مالك: المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم (قلت): وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا، أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا، أو يتكرر منه ارتداده أم لا، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام. (تنبيه) قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين، إنما مستنده حديث حذيفة ابن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقاً في غزوة تبوك، الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة، ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك، أو لغيرها، والله أعلم. فأما غير هؤلاء، فقد قال الله تعالى: {أية : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنَّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}تفسير : [التوبة: 101] الآية، وقال تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً }تفسير : [الأحزاب: 60 -61] ففيها دليل على أنه لم يغر بهم، ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم، فيتوسمها في بعضهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30] وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا لما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وشهد دفنه؛ كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه، فقال: «حديث : إني أكره أن تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه»تفسير : وفي رواية في الصحيح: «حديث : إني خيرت فاخترت»تفسير : وفي رواية: «حديث : لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } شك ونفاق فهو يُمْرِضُ قلوبهم أي يضعفها {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } بما أنزله من القرآن لكفرهم به {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم {بِمَا كَانُواْ يَكْذِّبُونَ } بالتشديد أي نبي الله وبالتخفيف أي في قولهم آمنا.

الشوكاني

تفسير : المرض: كل ما يخرج به الإنسان عن حدّ الصحة، من علة أو نفاق أو تقصير في أمر، قاله ابن فارس. وقيل: هو الألم، فيكون على هذا مستعاراً للفساد الذي في عقائدهم إما شكاً ونفاقاً، أو جحداً وتكذيباً، وتقديم الخبر للإشعار بأن المرض مختص بها، مبالغة في تعلق هذا الداء بتلك القلوب، لما كانوا عليه من شدّة الحسد، وفرط العداوة. والمراد بقوله {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا} الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم، ويتكرّر له من منن الله الدنيوية والدينية. ويحتمل أن يكون دعاء عليهم بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق. والأليم المؤلم أي: الموجع، و«ما» في قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} مصدرية أي: بتكذيبهم وهو: قولهم {أية : آمنا بالله وباليوم الآخر } تفسير : [البقرة: 8] والقراء مجمعون على فتح الراء من قوله {مرض}، إلا ما رواه الأصمعيّ عن أبي عمرو أنه: قرأ بإسكان الراء، وقرأ حمزة وعاصم، والكسائي {يَكْذِبُونَ } بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } قال: شكّ {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } قال: شكاً. وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } قال: النفاق {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال: نكال موجع {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } قال: يبدّلون ويحرفون. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثل ما قاله ابن عباس أوّلاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن أليم، فهو الموجع. وأخرج أيضاً عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله أيضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي: ريبة وشكّ في أمر الله {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } ريبة وشكاً {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } قال: إياكم والكذب فإنه باب النفاق. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضاً في الأجساد وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخل في الإسلام. وروي عن عكرمة وطاوس أن المرض: الرياء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: شك، وبه قال ابن عباس. والثاني: نفاق، وهو قول مقاتل، ومنه قول الشاعر: شعر : أُجَامِلُ أَقْوَاماً حَيَاءً وَقَدْ أَرَى صُدُورَهُمُ تَغْلِي عَلَيَّ مِراضُها تفسير : والثالث: أن المرض الغمُّ بظهور أمر النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وأصل المرض الضعف، يقال: مرَّض في القول إذا ضعَّفه. {فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه دعاء عليهم بذلك. والثاني: أنه إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم عند نزول الفرائض، والحدود. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني مؤلم.

ابن عطية

تفسير : المرض عباة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين وذلك إما أن يكون شكاً، وإما حجداً بسبب حسدهم مع علمهم بصحة ما يحجدون، وبنحو هذا فسر المتأولون. وقال قوم: "المرض غمهم بظهور أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقرأ الأصمعي عن أبي عمر: "مرْض" بسكون الراء وهي لغة في المصدر قال أبو الفتح: "وليس بتخفيف". واختلف المتأولون في معنى قوله {فزادهم الله مرضاً} فقيل هو دعاء عليهم، وقيل هو خبر أن الله قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض. وقرأ حمزة: "فزادهم" بكسر الزاي، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم الزاي إلى الكسر، وفتح الباقون. و {أليم} معناه مؤلم كما قال الشاعر وهو عمرو بن معدي كرب: [الوافر]. شعر : أمن ريحانة الداعي السميع تفسير : بمعنى: مسمع. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "يُكذِّبون" بضم الياء وتشديد الذال. وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الذال. فالقراءة بالتثقيل يؤيدها قوله تعالى قبل {وما هم بمؤمنين} فهذا إخبار بأنهم يكذبون. والقراءة بالتخفيف يؤيدها أن سياق الآيات إنما هي إخبار بكذبهم، والتوعد بالعذاب الأليم، متوجه على التكذيب، وعلى الكذب في مثل هذه النازلة، إذ هو منطوٍ على الكفر، وقراءة التثقيل أرجح. و {إذا} ظرف زمان، وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة خرجت فإذا زيد ظرف مكان، لأنها تضمنت جثة، وهذا مردود لأن المعنى "خرجت فإذا حضور زيد" فإنما تضمنت المصدر، كما يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم: "اليوم خمر، وغداً أمر" فمعناه وجود خمر ووقوع أمر، والعامل في {إذا} في هذه الآية {قالوا}. وأصل {قيل} قول نقلت حركة الواو إلى القاف فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. وقرأ الكسائي: "قُيل وغُيض وسُيء وسُيئت وحُيل وسُيق وجُيء" بضم أوائل ذلك كله. وروي مثل ذلك عن ابن عامر. وروي أيضاً عنه أنه كسر "غِيض وقِيل وجِيء"، الغين والقاف والجيم حيث وقع من القرآن وضم نافع من ذلك كله حرفين "سُيء وسُيئت" وكسر ما بقي. وكان ابن كثير وعاصم وأبوعمرو وحمزة يكسرون أوائل هذه الحروف كلها، والضمير في {لهم} هو عائد إلى المنافقين المشار إليهم قبل. وقال بعض الناس: "الإشارة هنا هي إلى منافقي اليهود". وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: لم يجىء هؤلاء بعد ومعنى قوله: لم ينقرضوا بل هم يجيئون في كل زمان. و{لا تفسدوا في الأرض} معناه بالكفر وموالاة الكفرة، و {نحن} اسم من ضمائر المرفوع مبني على الضم، إذ كان اسماً قوياً يقع للواحد المعظم والاثنين والجماعة، فأعطي أسنى الحركات. وأيضاً فلما كان في الأغلب ضمير جماعة، وضمير الجماعة في الأسماء الظاهرة الواو أعطي الضمة إذ هي أخت الواو، ولقول المنافقين: {إنما نحن مصلحون} ثلاث تأويلات: أحدها: جحد أنهم مفسدون وهذا استمرار منهم على النفاق. والثاني: أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح من حيث هم قرابة توصل. والثالث: أنهم مصلحون بين الكفار والمؤمنين، فلذلك يداخلون الكفار. و {ألا} استفتاح كلام، و "إن" بكسر الألف استئناف، و {هم} الثاني رفع بالابتداء، و {المفسدون} خبره والجملة خبر "إن"، ويحتمل أن يكون فصلاً ويسميه الكوفيون: "العماد" ويكون {المفسدون} خبر "إن" فعلى هذا لا موضع لـ {هم} من الإعراب، ويحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في أنهم فموضعه نصب، ودخلت الألف واللام في قوله: {المفسدون} لما تقدم ذكر اللفظة في قوله: {لا تفسدوا} فكأنه ضرب من العهد، ولو جاء الخبر عنهم ولم يتقدم من اللفظة ذكر لكان ألا إنهم مفسدون، قاله الجرجاني. قال القاضي أبو محمد: وهذه الألف واللام تتضمن المبالغة كما تقول زيد هو الرجل أي حق الرجل، فقد تستغني عن مقدمة تقتضي عهداً، و {لكن} بجملته حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا لا يشعرون أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد لا يشعرون أن الله يفضحهم، وهذا مع أن يكون قولهم {إنما نحن مصلحون} جحداً محضاً للإفساد. والاحتمال الأول هو بأن يكون قولهم: {إنما نحن مصلحون} اعتقاداً منهم أنه صلاح في صلة القرابة، أو إصلاح بين المؤمنين والكافرين.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّرَضٌ} أصله الضعف أي شك، أو نفاق، أو غم بظهور النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه. {فَزَادَهُمُ} دعاء، أو إخبار عن الزيادة عند نزول الفرائض والحدود {أَلِيمُ} مؤلم.

الخازن

تفسير : {في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق وأصل المرض الضعف والخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان وسمي الشك في الدين والنفاق مرضاً لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن {فزادهم الله مرضاً} يعني أن الآيات كانت تنزل تترى، أي آية بعد آية فلما كفروا بآية ازدادوا بعد ذلك كفراً ونفاقاً {ولهم عذاب أليم} أي مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم {بما كانوا يكذبون} أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر، وقرئ بالتخفيف أي بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين {وإذا قيل لهم} يعني المنافقين وقيل اليهود والمعنى إذا قال لهم المؤمنون {لا تفسدوا في الأرض} أي بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن {قالوا إنما نحن مصلحون} يعني يقولونه كذباً {ألا} كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب {إنهم هم المفسدون} يعني في الأرض بالكفر وهو أشد الفساد {ولكن لا يشعرون} وذلك لأنهم يظنون إن ما هم عليه من النفاق وإبطان الكفر صلاح وهو عين الفساد. وقيل لا يشعرون ما أعد الله لهم من العذاب {وإذا قيل لهم} يعني المنافقين وقيل اليهود {آمنوا كما آمن الناس} يعني المهاجرين والأنصار. وقيل عبدالله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب، والمعنى أخلصوا في إيمانكم كما أخلص هؤلاء في إيمانهم لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} أي الجهال. فإن قلت كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء. قلت كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد الله ذلك عليهم بقوله {ألا إنهم هم السفهاء} يعني الجهال. وأصل السفه خفة العقل ورقة العلم وإنما سمى الله المنافقين سفهاء لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء رؤساء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء {ولكن لا يعلمون} يعني أنهم كذلك. قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا} يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار {قالوا آمنا} كإيمانكم {وإذا خلوا} أي رجعوا. وقيل هو من الخلوة {إلى} قيل بمعنى الباء أي بـ {شياطينهم} وقيل بمعنى مع أي مع شياطينهم والمراد بشياطينهم رؤساؤهم وكهنتهم قال ابن عباس وهم خمسة نفر: كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة وأبو بردة من بني أسلم، وعبد الدار في جهينة وعوف بن عامر في بني أسد وعبدالله بن السوداء بالشام، ولا يكون كاهن إلاّ ومعه شيطان تابع لهم، وقيل لهم رؤساؤهم الذين شابهوا الشياطين في تمردهم {قالوا إنا معكم} أي على دينكم {إنما نحن مستهزئون} أي بمحمد وأصحابه بما نظهر لهم من الإسلام لنأمن شرهم ونقف على سرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم. قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبدالله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبدالله بن أبي لأصحابه انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم؟ فذهب فأخذ بيد أبي بكر الصديق فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بن عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختمه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له علي: اتق الله يا عبدالله ولا تنافق فإن المنافقين شر خليقة الله. فقال مهلاً يا أبا الحسن إني لا أقول هذا نفاقاً والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم تفرقوا فقال عبدالله لأصحابه كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيراً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...} قال ابن عرفة: هذا احتراز لأنه لما أخبر (عنهم) أنهم يخادعون الله، والمخادع على نوعين فالغالب عليه أن يكون صاحب فكر ونظر ودهاء يدبر الأمور التي يخدع بها عدوه، ومنهم من يخادع على غير أصل وذلك موجب (الاستهزاء) به وعلامة على سخافة عقله فأخبر الله تعالى أن المنافقين من القسم الثاني. وقال الطبري: إن في اعتقاد قلوبهم مرضا. قال ابن عرفة: بل المرض في القلوب أنفسها كما قلناه. قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً...} الفاء للسبب (وفيه) العقوبة على الذنب بذنب أشدّ منه. فإن قلت: هذا مرض واحد والزّيادة عليه إن كانت مثله لزم اجتماع المثلين في المحلّ الواحد وهو باطل كما يمتنع اجتماع الضدّين والنَّقيضين: فأجيب بوجوه: الأول: قال ابن عرفة: إنّما يمتنع ذلك في الواحد بالشّخص وهذا واحد بالنّوع أو بالجنس، فاشتركا في جنس المرض و (تغايرا) في الفصل (واجتماع الغيرين جائز). الثاني: قال ابن عرفة أيضا: الضّمير في زادهم عائد على ذواتهم لا على قلوبهم، إذ لو كان عائدا على القلوب لقال (فزادها) الله مرضا. وهو أولى. فإن نزل المرض بجميع ذواتهم فمحلّ الثاني (أوسع) من محلّ المثل الأوّل فصحّت الزّيادة، ولا يلزم منه اجتماع المثلين إلاّ أن يقال: إنّه على حذف مضاف تقديره فزاد الله قلوبهم (مرضا). الثالث: قال بعض الطّلبة: ذكر الإسفراييني وغيره في صحّة اجتماع المثلين (أنه) يخلق جوهرا آخر يكون فيه المثل الآخر زيادة في نعيم المنعّم وعذاب المعذّب. قال ابن عرفة: إنّما ذلك في المثلين حقيقة، وهذان مختلفان في الفصل بينهم غير أنّ كما تقدم (لا مثلان). قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} إما بمعنى مؤلم كقولك "تحية بينهم ضرب وجيع"، أو بمعنى مؤلَّم، فيكون الألم حالا (بالعذاب) مجازا أو تنبيها على شدّته "مثل. جَدّ جِدّه" - "وشِعْر شَاعر".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {مرض} قال: شك {فزادهم الله مرضاً} أي قال: شكاً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {في قلوبهم مرض} قال: النفاق {ولهم عذاب أليم} قال: نكال موجع {بما كانوا يكذبون} قال: يبدلون ويحرّفون. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله تعالى {في قلوبهم مرض} قال: النفاق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : أجامل أقواماً حياء وقد أرى صدورهم تغلي عليّ مراضها تفسير : قال: فأخبرني عن قوله {ولهم عذاب أليم} قال {الأليم} الموجع قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم . أما سمعت قول الشاعر: شعر : نام من كان خلياً من ألم وبقيت الليل طولاً لم أنم تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن {أليم} فهو الموجع. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال {الأليم} الموجع في القرآن كله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {مرض} قال: ريبة وشك في أمر الله {فزادهم الله مرضاً} قال: ريبة وشكاً {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} قال: إياكم والكذب فإنه من باب النفاق، وإنا والله ما رأينا عملاً قط أسرع في فساد قلب عبد من كبر أو كذب. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {في قلوبهم مرض} قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضاً في الأجساد. وهم المنافقون و {المرض} الشك الذي دخل في الإِسلام. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله {في قلوبهم مرض} قال: هؤلاء أهل النفاق. والمرض الذي في قلوبهم الشك في أمر الله عز وجل {فزادهم الله مرضاً} قال: شكاً. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: العذاب الأليم. هو الموجع وكل شيء في القرآن من {الأليم} فهو الموجع.

ابو السعود

تفسير : {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} المرض عبارة عما يعرِضُ للبدن فيُخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخللَ في أفاعيله، ويؤدّي إلى الموت، استُعير ههنا لما في قلوبهم من الجهل وسوءِ العقيدة، وعداوةِ النبـي صلى الله عليه وسلم وغيرِ ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني، والتنكيرُ للدلالة على كونه نوعاً مُبهماً غيرَ ما يتعارفه الناس من الأمراض، والجملةُ مقرِّرة لما يفيده قوله تعالى: {أية : مَّـا هُم بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة، الآية: 8] من استمرار عدمِ إيمانهم، أو تعليلٌ له كأنه قيل: ما لهم لا يؤمنون فقيل: في قلوبهم مرضٌ يمنعهم {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا} بأن طُبع على قلوبهم، لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكيرُ والإنذار، والجملةُ معطوفة على ما قبلها، والفاءُ للدلالة على ترتّب مضمونِها عليه، وبه اتضح كونُهم من الكفرة المختومِ على قلوبهم مع زيادة بـيانِ السبب، وقيل: زادهم كفراً بزيادة التكاليف الشرعية، لأنهم كانوا كلما ازداد التكاليفُ بنزول الوحي يزدادون كفراً، ويجوز أن يكون المرض مستعاراً لما تداخلَ قلوبَهم من الضعف والجُبن والخَوَر عند مشاهدتهم لعزة المسلمين، فزيادتُه تعالى إياهم مرضاً ما فعل بهم من إلقاء الرَّوْع وقذف الرعب في قلوبهم عند إعزازِ الدين بإمداد النبـي صلى الله عليه وسلم بإنزال الملائكة، وتأيـيدِه بفنون النصر والتمكين، فقوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} الخ حينئذ استئنافٌ تعليلي لقوله تعالى: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ} الخ، كأنه قيل: ما لهم يخادعون ويداهنون ولم لا يجاهرون بما في قلوبهم من الكفر؟ فقيل: في قلوبهم ضَعفٌ مضاعَف، هذه حالُهم في الدنيا، {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم يقال: ألمٌ وهو أليم، كوجعٍ وهو وجيع وُصف به العذابُ للمبالغة كما في قوله: [الوافر] شعر : [وخيلٌ قد دَلَفْتُ لها بخيْلٍ] تحيةُ بـينهم ضَرْبٌ وجيعُ تفسير : على طريقة جَدَّ جِدُّه فإن الألم والوجعَ حقيقةٌ للمؤلم والمضروب، كما أن الجِدّ للجادّ، وقيل: هو بمعنى المؤلم كالسميع بمعنى المُسمع وليس ذلك بثبْتٍ كما سيجيء في قوله تعالى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [البقرة، الآية 117] {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} الباء للسببـية أو ما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون، وكلمة كانوا مُقحَمةٌ للمقابلة لإفادة دوامِ كذِبهم وتجدُّدِه أي بسبب كذبهم، أو بمقابلة كذبهم المتجددِ المستمرِّ الذي هو قولهم: {أية : آمنا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تفسير : [البقرة، الآية 8] وهم غير مؤمنين، فإنه إخبارٌ بإحداثهم الإيمانَ فيما مضىٰ لا إنشاءٌ للإيمان. ولو سلم فهو متضمن للإخبار بصدوره عنهم وليس كذلك لعدم التصديق القلبـي بمعنى الإذعان والقبولِ قطعاً، ويجوز أن يكون محمولاً على الظاهر بناءً على رأي من يجوِّز أن يكون لكان الناقصةِ مصدر، كما صُرِّح به في قول الشاعر: [الطويل] شعر : ببذلٍ وحِلْمٍ ساد في قومه الفتى وكونُك إياه عليك يسيرُ تفسير : أي لهم عذاب أليم بسبب كونهم يكذِبون على الاستمرار، وترتيبُ العذاب عليه من بـين سائر موجباته القويةِ. إما لأن المرادَ بـيانُ العذاب الخاصّ بالمنافقين بناءً على ظهور شِركتِهم للمجاهرين فيما ذكر من العذاب العظيم حسبَ اشتراكهم فيما يوجبه من الإصرار على الكفر كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة، الآية 8] الخ. وإما للإيذان بأن لهم بمقابلة سائرِ جناياتِهم العظيمةِ من العذاب ما لا يوصف. وإما للرمز إلى كمال سماجةِ الكذب نظراً إلى ظاهر العبارةِ المخيّلةِ لانفراده بالسببـية، مع إحاطة علمِ السامعِ بأن لحوقَ العذاب بهم من جهات شتى، وأن الاقتصارَ عليه للإشعار بنهاية قُبحه والتنفير عنه. عن الصديق رضي الله عنه ويروى مرفوعاً أيضاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والكذبَ فإنه مجانبٌ للإيمان»تفسير : وما روي أن إبراهيمَ عليه السلام كذَبَ ثلاثَ كَذَباتٍ فالمرادُ به التعريضُ، وإنما سمِّي به لشَبَهه به صورةً، وقيل: (ما) موصولة والعائدُ محذوف أي بالذي يكذبون والمفعول محذوف، وهو إما النبـي صلى الله عليه وسلم، أو القرآنِ و(ما) مصدرية، أي بسبب تكذيبهم إياه عليه السلام، أو القرآن أو موصولة أي بالذي يكذبونه على أن العائد محذوف، ويجوز أن يكون صيغةُ التفعيل للمبالغة كما في بـيَّن في بان وقلَّص في قلَص، أو للتكثير كما في موَّتت البهائمُ وبرَّكت الإبل، وأن يكون من قولهم: كذب الوحش إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظرَ ما وراءه فإن المنافق متوقِّفٌ في أمره متردِّد في رأيه ولذلك قيل له: مُذَبْذب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}. لخلوها من العصمة والتوفيق والرعاية. قال أبو عثمان: فى قلوبهم مرض لسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها، فزادهم الله مرضاً بأنه وكَلَهُمْ إلى أنفسهم وجمع عليهم هموم الدنيا، فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام الدين، ولهم عذاب أليم باشتغالهم بما يغنى عما يبقى. وقال الجنيد رحمه الله: علل القلب من اتباع الهوى، كما أن علة الجوارح من مرض البدن.

القشيري

تفسير : في قلوب المنافقين مرض الشك، ويزيدهم الله مرضاً بتوهمهم أنهم نجوا بما لبَّسوا على المسلمين، ثم لهم عذاب أليم مؤلم، يَخْلُص وجعه إليهم في المآل. (وفي) الإشارة يحصل لمن خلط قصده بحظِّه، وشاب إرادته بهواه (أن) يتقدم في الإرادة بِقَدَمٍ، ويتأخر بالحظوظ ومتابعة النَفْس بأخرى، فهو لا مريدٌ صادقٌ ولا عاقلٌ متثبت. ولو أن المنافقين أخلصوا في عقائدهم لأَمِنوا في الآخرة من العقوبة كما أَمِنوا في الدنيا من نحو بذل الجزية وغير ذلك مما هو صفة أهل الشرك والذمة، كذلك لو صدق المريد في إرادته لوصل بقلبه إلى حقائق الوصلة، ولأدركته بركات الصدق فيما رامه من الظفر بالبُغية، ولكن حاله كما قيل: شعر : فما ثبتنا فيثبت لنا عدل بلا حنف ولو خلصنا تخلصنا من المحن تفسير : وإن من سقمت عبادته حيل بينه وبين درجات الجنات، ومن سقمت إرادته حيل بينه وبين مواصلات القُرْبِ والمناجاة. وأمَّا من ركن إلى الدنيا واتَّبع الهوى فسكونُهم إلى دار الغرور سقم لقلوبهم، والزيادة في علتهم تكون بزيادة حرصهم؛ كلما وجدوا منها شيئاً - عَجَّلَ لهم العقوبة عليه - يتضاعف حرصهم على ما لم يجدوه. ثم من العقوبات العاجلة لهم تشتتُ همومهم ثم تَبَغض عيشهم فيبغون بها عن مولاهم، ولم يكن لهم استمتاع ولا راحة فيما آثروه من متابعة هواهم، وهذا جزاء من أعرض عن صحبة مولاه، وفي معناه قيل: شعر : تبدلت فتبدلنا واحسرتا لمن ابتغى عوضاً ليسلو فلم يجد تفسير : والإشارة في العذاب الأليم بما كانوا يكذبون إنما هي الحسرة يوم الكشف إذا رأوا أشكالهم الذين صدقوا كيف وصلوا، ورأَوْا أنفسهم كيف خسروا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فى قلوبهم مرض فزادهم الله} زاد يجيئ متعدي كما فى هذه الآية ولازما كما فى قوله تعالى {أية : فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون}تفسير : [الصافات: 147]. والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال اللائق به ويوجب الخلل فى افاعليه ويؤدىالى الموت ومجاز فى الاعراض النفسانية التى تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصى وغير ذلك من فنون الكفر المؤدى الى الهلاك الروحانى لانها مانعة عن نيل الفضائل او مؤدية الى زوال الحياة الحقيقة الابدية والآية الكريمة تحتملها فان قلوبهم كانت متألمة تحرفا على مافات عنهم من الرياسة وحسدا على ما يرون من ثبات أمد الرسول عليه السلام واستعلاء شأنه يوما فيوما فزاد الله غمهم بما زاد فى اعلاء امره ورفع قدره وان نفوسهم كانت مؤوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبى عليه السلام ونحوها فزاد الله ذلك بان طبع على قلوبهم لعلمه تعالى بانه لا يؤثر فيها التذكير والانذار وبازدياد التكاليف الشرعية وتكرير الوحى وتضاعف النصر لانهم كلما ازداد التكاليف بنزول الوحى يزدادون كفرا وقد كان يشق عليهم التكلم بالشهادة فكيف وقد لحقتهم الزيادات وهى وظائف الطاعات ثم العقوبة على الجنايات فازدادوا بذلك اضطرابا على اضطراب وارتيابا على ارتياب ويزدادون بذلك فى الآخرة عذابا على عذاب قال تعالى {أية : زدناهم عذابا فوق العذاب}تفسير : [النحل: 88]. والمؤمنون لهم فى الدنيا ما قال {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} وفى العقبى ما قال {ويزيدهم من فضله}. قال القطب العلامة امراض القلب اما متعلقة بالدين وهو سوء الاعتقاد والكفر او بالاخلاق وهى اما رذائل فعلية كالغل والحسد واما رذائل انفعالية كالضعف والجبن فحمل المرض اولا على الكفر ثم على الهيآت الفعلية ثم على الهيآت الانفعالية ويحتمل ان يكون قوله تعالى {فزادهم الله} دعاء عليهم * فان قلت فكيف يحمل على الدعاء والدعاء للعاجز عرفا والله تعالى منزه عن العجز قلت هذا تعليم من الله عباده انه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لانهم شر خلق الله لانه اعد لهم يوم القيامة الدرك الاسفل من النار وهذا كقوله تعالى {أية : قاتلهم الله} تفسير : [التوبة: 30] {أية : ولعنهم الله}تفسير : [التوبة: 68] {ولهم} فى الآخرة {عذاب اليم} يصل المه الى القلوب وهو بمعنى المؤلم بفتح اللام على انه اسم مفعول من الايلام وصف به العذاب للمبالغة وهو فى الحقيقة صفة المعذب بفتح الذال المعجمة كما ان الجد للجاد فى قولهم جدجده وجه المبالغة افادة ان الالم بلغ الغاية حتى سرى المعذب الى العذاب المتعلق به {بما كانوا يكذبون} الباء للسببية او للمقابلة وما مصدرية داخلة فى الحقيقة على يكذبون وكلمة كانوا مقحمة لافادة دوام كذبهم وتجدده اى بسب بكذبهم المتجدد المستمر الذى هو قولهم آمنا الخ وفيه رمز الى قبح الكذب وسماجته وتخييل ان العذاب الاليم لاحق بهم من اجل كذبهم نظرا الى ظاهر العبارة المتخيلة لانفراده بالسببية مع احاطة علم السامع بان لحوق العذاب بهم من جهات شتى وان الاقتصار عليه للاشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه. والكذب الاخبار بالشئ على خلاف ما هو به وهو قبيح كله. واما ما روى ان ابراهيم عليه السلام (كذب ثلاث كذبات) فالمراد به التعريض لكن لما شابه الكذب فى صورته سمى به واحدى الكذبات. قوله {أية : فقال إنى سقيم}تفسير : [الصافات: 89] اى ذاهب الى السقم او الى الموت او سيسقم لما يجد من الغيظ فى اتخاذهم النجوم آلهة قاله ليتركوه منالذهاب معهم الى عيد لهم حتى يخلوا سبيله فيكسر اصنامهم. والثانية قوله {أية : بل فعله كبيرهم}تفسير : [الأنبياء: 63]. هذا على الفرض والتقدير على سبيل الالزام كانه قال لوكان الها معبودا وجب ان يكون قادرا على ان يفعله فاذا لم يكن قادرا عليه يكون عاجزا والعاجز بمعزل عن الالوهية واستحقاق العبادة فكيف حالكم فى العكوف عليه فهذا القول تهكم بعقولهم. وثالثها قوله فى حق زوجته سارة رضى الله عنها (هذه اختى) والمراد منه الاخوة فى الدين وغرضه منه تخليصها من يد الظالم لان من دين ذلك الملك الذى يتدين به فى الاحكام المتعلقة بالسياسة لا يتعرض الا لذوات الازواج لان من دينه ان المرأة اذا اختارت الزوج فالسلطان احق بها من زوجها واما اللاتى لا ازواج لهن فلا سبيل عليهن الا اذا ارضين. واما قوله {أية : هذا ربى}تفسير : [الأَنعام: 76] فهو من باب الاستدراج وهو ارخاء العنان مع الخصم وهو نوع من التعريض لان الغرض منه حكاية قولهم كذا فى حواشى ابن تمجيد. واعلم ان الكذب من قبايح الذنوب وفواحش العيوب ورأس كل معصية بها يتكدر القلوب وابغض الاخلاق انه مجانب للايمان يعنى الايمان فى جانب والكذب فى جانب آخر مقابل له وهذا كناية عن كمال البعد بينهما وفى الحديث "حديث : مالى اراكم تتهافتون فى الكذب تهافت الفراش فى النار كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة الا ان يكذب الرجل فى الحرب فان الحرب خدعة او يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما او يحدث امرأته ليرضيها"تفسير : مثل ان يقول لا احد احب الى منك وكذا من جانب المرأة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفى معناها ما أداها اذا ارتبط بمقصود صحيح له او لغيره كما قيل بالفارسية شعر : دروغ مصلحت آميز به ازراست فتنه انكيز تفسير : لكن هذا فى حق الغير واما فى حق نفسه فالصدق اولى وان لزم الضرر: كما قال السعدى شعر : تانيك ندانى كه سخن عين صوابست ايد بكفتن دهن ازهم نكشايى كرراست سخن كويى ودربندبمانى به زانكه دروغت دهد ازبند رهايى تفسير : وأعلم أن المراد بالكذب فى الحقيقة الكذب فى العبودية والقيام بحقوق الربوبية كما للمنافقين ومن يحذو حذوهم ولا يصح الاقتداء بارباب الكذب مطلقا ولا يعتمد عليهم فانهم يجرون الى الهلاك والفراق عن مالك الاملاك: قال فى المثنوى شعر : صبح كاذب كاروا انهارا زدهاست كه ببوى روز بيروى آمده است صبح كاذب خلق را رهبر مباد كو دهد بس كاروانها را بباد تفسير : قا القاشانى فى تأويل الآية فى قلوبهم حجاب من حجب الرذائل النفسانية الشيطانية والصفات البشرية عن تجليات الصفات الحقانية وفى التأويلات النجمية {فى قلوبهم مرض} وهو التفات الى غير الله {فزادهم الله مرضا} اى زاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا من الوصول والوصال {ولهم عذاب اليم} من حرمان الوصول الى الله تعالى {بما كانوا يكذبون} بقولهم انا آمنا بالله فانهم ليسوا بمؤمنين حقيقة والايمان الحقيقى نور اذا دخل القلب يظهر على المؤمن حقيقته كما كان لجارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كيف اصبحت يا حارثة" قال اصبحت مؤمنا حقا قال "يا حارثة ان لكل حق حقيقة فما حقيقة ايمانك" قال اعرضت نفسى عن الدنيا اى زهدت وانصرفت فاظمأ نهارها واسهر ليلها واستوى عندى حجرها وذهبها وكأنى انظر الى اهل الجنة يتزاورون والى اهل النار ينصاعون وكأنى انظر الى عرش ربى بارزا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اصبت فالزم"تفسير : : قال فى المثنوى شعر : اهل صيقل رسته اند ازبوورنك هر دمى بينند خوبى بى درنك نقش وقشر علم را بكذا شتند رايت عين اليقين افرا شتند بر ترنداز عرش وكرسى وخلا ساكنان مقعد صدق خدا علم كان نبود زهو بى واسطه آن نبايد همجورنك ما شطه

الطوسي

تفسير : القراءة: امال الزاي ابن عامر والحلواني وحمزة، وقرأ اهل الكوفة بفتح الياء يكذبون مخففاً. اللغة والتفسير: يقال زاد يزيد زيادة وقال الشاعر شعر : كذلك زيد المرء بعد انتقاصه تفسير : و (زدت) فعل يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى {وزدناهم هدى وزدناهم عذاباً فوق العذاب} وزاده بسطة في العلم والجسم وقوله {فزادهم إيمانا} والمعنى: زادهم فوق الناس لهم ايماناً اضمر المصدر في الفعل واسند الفعل اليه، كما قال {أية : ما زادهم إلا نفورا} تفسير : أي ما زادهم مجيء النذير، والمعنى ازدادوا عنده وقال ابو عبيدة المرض الشك والنفاق، وقيل في قوله {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي فجور، وقال سيبويه: مرضته قمت عليه، ووليته، وامرضته: جعلته مريضاً. وقيل إن المرض الغم والوجع من الحسد والعداوة لكم {فزادهم الله مرضاً} دعاء عليهم، كما قال تعالى: {أية : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} تفسير : واصل المرض: السقم في البدن فشبه ما في قلوبهم من النفاق والشك بمرض الاجساد. والأليم بمعنى المؤلم الموجع: فعيل بمعنى مفعل: مثل بديع بمعنى مبدع، ومكان حريز بمعنى محرز. قال ذو الرمة: شعر : يصك وجوهها وهج اليم تفسير : فان قيل اذا كان معنى قوله: {في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق، ثم قال: {فزادهم الله مرضاً} ثبت ان الله يفعل الكفر بخلاف ما تذهبون اليه. قيل: ليس الأمر على ما ذكرتم، بل معناه: إن المنافقين كانوا كلما أنزل الله آية أو سورة كفروا بها، فازدادوا بذلك كفراً إلى كفرهم، وشكاً إلى شكهم، فجاز لذلك أن يقال: فزادهم الله مرضاً لما ازدادوا هم مرضاً عند نزول الآيات: ومثل ذلك قوله حكاية عن نوح: {أية : رب إني دعوت قومي ليلا ونهاراً، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً} تفسير : وهم الذين ازدادوا فراراً عند دعائه: ومثل قوله: {أية : فزادهم رجساً إلى رجسهم} تفسير : وانما اراد انهم ازدادوا عند نزول الآية وكقوله: {أية : فاتخذتموهم سخريّا حتى انسوكم ذكري} تفسير : والمؤمنون ما أنسوهم ذكر الله بل كانوا يدعونهم اليه تعالى، لكن لما نسوا ذكر الله عند ضحكهم من المؤمنين اتخاذهم إياهم سخرياً. جاز أن يقال: إن المؤمنين انسوهم. ويقول القائل لغيره اذا وعظه فلم يقبل نصيحته: قد كنت شريراً فزادتك نصيحتي شرا. وانما يريد أنه ازداد عنده. فلما كان المنافقون فقد مرضت قلوبهم بما فيها من الشك، ثم ازدادوا شكا وكفرا عند ما كان تجدد من امر الله ونهيه، وما ينزل من آياته جاز أن يقال: {فزادهم الله مرضاً} فان قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون انزال الآيات مفسدة، لانهم يزدادون عند ذلك الكفر. قلنا: ليس حد المفسدة ما وقع عنده الفساد، وانما المفسدة ما وقع عندها الفساد، ولولاها لم يقع، ولم يكن تمكيناً، وهذا تمكين لهم من النظر في معجزاته ودلائله، فلم يكن استفساداً ولو كان الأمر على ما قالته المجبّرة: إن الله يخلق فيهم الكفر لقالت الكفار ما ذنبنا، والله تعالى يخلق فينا الكفر، ويمنعنا من الايمان. فلم تلوموننا على ما فعله الله؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم. وذلك باطل، والتقدير في الآية في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بنبيه مرض، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه. قال الشاعر: شعر : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ان كنت جاهلة بما لم تعلمي تفسير : يعني اصحاب الخيل كما قال: [يا خيل الله اركبي] يعني يا اصحاب خيل الله، وكما قال تعالى: {أية : واسأل القرية} تفسير : وانما اراد اهلها وروي عن ابن عباس أن المرض المراد به الشك والنفاق، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد والكذب ضد الصدق، وهو الاخبار عن الشيء لا على هو به، يقال كذب يكذب كذبا وكذابا ـ خفيف وثقيل ـ مصدران. والكذب كالضحك والكذاب كالكتاب والاكذاب: جعل الفاعل على صفة الكذب. والتكذب: التحلي بالكذب وجهة من ضم الياء وشدد الذال أنه ذهب إلى أنهم استحقوا العذاب بتكذيبهم النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وبما جاء به. ومن فتح الياء وخفف الذال قدر المضاف، كأنه قال: بكذبهم، وهو اشبه بما تقدم، وهو قولهم: {أية : آمنا بالله وباليوم الآخر}، تفسير : فاخبر الله عنهم فقال: {وما هم بمؤمنين} ولذلك يحمد تكذيبهم. وادخل كان ليعلم ان ذلك كان فيما مضى، كقول القائل: ما احسن ما كان زيداً. وقال بعض الكوفيين: لا يجوز ذلك، لأن حذف كان، انما أجازوه في التعجب. لأن الفعل قد تقدمها فكأنه قال حسناً كان زيد. ولا يجوز ذلك ها هنا لأن كان تقدمت الفعل.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : إعلم أنّه كما انّ للأبدان صحّة ومرضاً ودواءً وغذاءً، فكذلك للقلوب صحّة ومرض ودواء وغذاء. وذلك لأنّ الصحّة عبارةٌ عن صفةٍ توجِب صدورَ الأفعال عن موضوعها مستقيمة سليمة، والمرض له صفةٌ توجِب وقوعَ الأفعال عنه مختلّة؛ ولما كنت حياة القلب إنّما هي بنور الإيمان بالله واليوم الآخر، كما انّ حياة البدن بقوّة الحسِّ والحركة، وكان الفعل الخاص به: إنما هو ذكر الله وطاعته وعبوديّته، كما إن الفعل الخاصّ بالبدن: الحسّ والحركة - كالأكل والشرب والجُماع والمشي وغيرها - فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعاً له من هذه الآثار، كانت تلك الصفات أمراضاً، وتلك الصفات بعضها سموم قتّالة: كالجهل المركّب، والنفاق، والجحود، والشكّ، والعناد، والحسد، واللداد وغير ذلك من الصفات المهلكات، فإنّها اذا استحكمت ورسخت في القلب، فهي غير قابلة للعلاج. وبعضها ليست كذلك، كالصغائر من السيّئات، والتفاريق من الخطئيات. واعلم أنّ الدنيا دار المرض، وليس على ظَهْر الأرض إلا المرضىٰ، كما ليس في بطنها إلاّ الأموات، وإنّما توجد الصحّة والسلامة المطلقة في العالَم الأعلى من طبقات الجنان، قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء:89]. ومرضى القلوب ها هنا أكثر من مرضى الأبدان، والعلماء أطبّاء القلوب، وحكّام الشريعة قوّام دار المرضىٰ. وكل مريضٍ لم يقبل العلاج بمداواة العالِم، سُلّم الى الحاكم ليكفّ شرّه عن باقي الناس، كما يسلّم الطبيبُ المريضَ الذي لا يحتمي، أو الذي غلب علي الجنون الى القيّم ليقيّده بالسلاسل والأغلال، ويكفّ شره عن سائر الناس. وإنّما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل: أحدها: أنّ صاحب القلب المريض لا يدري أنّه مريضٌ. وثانيها: أن عاقبتَه غيرُ مشاهَدةٍ في هذا العالَم، بخلاف مرض البدن فإنّ عاقبتَه - وهي موت البدن -، مشاهدة تنفر الطباع منه، وما بعد الموت غير مشاهَد لقلّة النفرة عن موت القلب الذي هو عاقبة مرضه، وإن علمها مرتكبُ الأمراض القلبيّة والكبائر الموبقة، فلذلك نراه يتّكل على فضل الله، ويجتهد في علاج البدَن. وثالثها: وهو الداء العضال، وهو إمّا فقْد العلماء الذين هم الأطبّاء، كما في هذه الأعصار، أو فقد الإيمان بما يقول الطبيبُ، كما في عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأعصار ورثته (عليهم السلام). فنقول: يحتاج المريض الى التصديق بأمور: الأول: أنّ للمرض والصحّة أسباباً يتوصّل اليها بالاختيار على ما رتّبه مسبّب الأسباب. وهذا هو الايمان بأصل الطبّ، فإنّ من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج، فيزداد مرضُه الى أن يلحق به الهلاك، وهذا وِزانه في مرض القلوب هو الإيمان بأصل الشريعة، وهو أن للحياة الأخرويّة والسعادة الدائمة سبَباً هو الطاعة، وللموت الأخروي والشقاوة الأبديّة سبباً هو المعصية، وهذا - وهو الإيمان بأصل الشرايع - لا بدّ من حصوله إمّا عن تحقيق أو تقليد، وكلاهما من جملة الإيمان. الثاني: أنّه لا بدّ أن يعتقد المريض في طبيب معيّن أنّه عالِمٌ بالطبّ، حاذقٌ فيه، صادقٌ فيما يخبر به ويعبِّر عنه، لا يلبَس ولا يكذب. فإنّ ايمانَه بأصل الطبّ لا ينفعه بمجرده دون هذا الإيمان. ووزانه فيما نحن فيه: العلمُ بصدق الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والإيمان بأنّ كل ما يقوله حقٌّ وصدقٌ، ولا كذبَ فيه ولا خُلف. الثالث: أنّه لا بدّ أن يُصغي الى الطبيب فيما يحذّره من تناول الفواكه والأشياء المضرّة على أكله، حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء، فتكون شدّة الخوف باعثاً له على الاحتماء، ووِزانُه من الدين: الإصغاء الى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى، والترهيب من ارتكاب الذنوب واتّباع الهوى، والتصديق بما يلقى الى سمعه من ذلك من غير شكّ وريبة، حتّى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر، الذي هو الركن في العلاج. والركن الآخر: هو العلْم بما ذكره الطبيب، فإنّ الشفاءَ لا يحصل إلاّ بالدواء، ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء إلاّ مناقضة أسباب الداء، فكلّ داء حصل من سبب، فدواؤه رَفْعُ ذلك السبب وحلّه وإبطاله، ولا يبطل الشيء إلاّ بضدّه، والضدّان متساويان في المعرفة والجهالة، فلا سبب للإصرار بالمعاصي إلا الجهل والغفلة، والشهوة والهوى، ولا يضادّ الغفلة إلاّ العلم، ولا يضادّ الهوى إلاّ الصبر على قطع الأسباب المحرّكة للهوى، والغفلة رأس الخطايا، قال الله تعالى: {أية : وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ} تفسير : [النحل:108 - 109]. فلا دواء إذن لأمراض القلوب إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر، كما يجمع في السكنجبين بين حلاوة السكّر وحُموضة الخلّ، ويُقصد بكلّ واحد منهما غرض آخر في العلاج، بمجموعهما تنقمع الأسباب المهيّجة للصفراء، فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عن مرضه، فإنّه لا بدّ فيه أصلان: العلم والتقوى، والقرآن كلّه في بيانهما كما لا يخفى على أهل البصيرة. وقد مرّ أنّ فائدة الأعمال الشرعيّة كلّها - وجوديّة كانت أو عدميّة - تصفية القلب عمّا يكدّره ويمرضه ويحجبه عن مطالعة الحقّ والعلم بالله وصفاته وأفعاله، هي الغاية القصوى لوجود الانسان وسائر الأكوان. فصل [مبدأ الخير والشر] لما كانت الزيادة من جنس المزيد عليه، وقد علمت أنّ مرض القلب هو الصفات المضادّة لأفعاله وآثاره الخاصّة، التي أصلها الإيمان بالله، والمعرفة بآياته وكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر، فرئيس الأمراض القلبيّة هو الكفر بالله، والجهل بهذه الأمور، فقوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} محمولٌ على الكفر والجهل؛ فيلزم أن يكون الله فاعلاً للكفر والجهل. وهذا ممّا استشكله جماعة كالثنويّة والمجوس، الذين جعلوا فاعلَ الشرور مبدعاً آخر غير فاعل الخيرات، وقالوا بأصلين قديمين، هما عندهم: النور والظلمة، أو يزدان وأَهْرِمَن. لأنّ هذا الإشكال بعينه هي الشبهة المشهورة، وهي: أن في العالَم خيراتٍ وشروراً، والموجود الممكنيّ لا بدّ فيه من مؤثّر، وينتهي الى مؤثّر قديم دفعاً للدور والتسلسل؛ والمؤثّر في الخيرات والشرور لا يمكن أن يكون مبدأ واحداً، وإلاّ لكان أمر واحد خيِّراً وشرّيراً معاً. فخالِق الأنوار والخيرات هو القديم المسمّى بالنور عندهم، أو يزدان، وخالق الظلمات والشرور، هو القديم المسمّى بالظلمة عندهم، أو أهر من وقال تعالى دفعاً لهذا الاعتقاد: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام:1]. وهكذا قالت القدرية الذين هم مجوسُ هذه الأمّة أنّ في هذا العالَم يوجد الكفر والمعاصي كما يوجد الإيمان والطاعات، والله تعالى منزّه أن يكون خالِق الكفر والمعصية، فكلّ معصيةٍ وكفرٍ فمنشأ صدروها وفاعلها وخالِقها هو الشيطانُ أو العبدُ، وإنّ الله تعالى هو فاعلُ الإيمان والطاعات، وقال تعالى رداً عليهم: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات:96]. وقوله: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}تفسير : [الشمس:7 - 8]. وأمّا حلّ الشبهة فهو أنّ الفائضَ من الباري جلّ اسمه ليس إلاّ نور الوجود والرحمة، وهذا النور ينقلب ظلمة من جهة خصوصيّة بعض القوابل المظلمة بواسطة هيئات ردية غاسقة، كالشمس التي شأنها الإضاءة والتنوير للأشياء المحاذية لها، وإفادة الحياة وإنعاش الحرارة الغريزيّة للمركّبات، لكنها قد توجب اسوداد بعض الأجسام، وتعفين بعض الموادّ الفاسدة، لخصوصيّة عروض الهيئات المفسدة العائقة لها عن قبول الصلاح والاعتدال، والحكماء ذكَروا في رفع شهبة الثَنَويّة انّ الأشياء على خمسة احتملات. أحدها: الخير الذي لا شرّ فيه أصلاً. والثاني: الشرّ الذي لا خير فيه أصلاً. والثالث: ما تكون خيريّته غالبةً على الشريّة (فيه). والرابع: عكس ذلك. والخامس: ما يتساوى فيه الأمران. وذات الواجب الخيّر، لمّا لم يجز أن يصير مبدءاً للشرور، وجَب أن لا يصدر عنه من هذه الأقسام إلاّ قسمان، أي الأول الذي لا شريّة فيه، والقسم الثالث الذي خيريّته غالبة على شريّته، لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرٌّ كثير. فنقول: الثنويّة القائلة بأن الله لا يصير مبدءاً لما فيه شرٌّ، أمكن إلزامهم، وقد تفاخَر أرسطو وزير إسكندر الرومي الملقّب عندهم بالمعلّم الأول بذلك الكلام. فإن قال قائلٌ: انّه فقد جاز أن يصدر عن الأول تعالى خير محض مبرأ عن الشر؟ فيقال: إنّ هذا لم يكن جائزاً في مثل هذا القسم من القسمين المذكورين، وإن كان جائزاً في الوجود المطلق، على أنه ضربٌ منه غير هذا الضرب، وذلك ممّا قد فاض عنه تعالى: كالموجودات العلويّة، والملائكة السماويّة، والنفوس الشريفة، والعقول القادسة، وبقي هذا النمط في الإمكان، ولم يمكن ترك ايجاده لأجل ما يخالطه من الشرّ، لما علمت من أنّ تركَه شرّ الشرّين، فكونه خير الشرّين فالكلّ من عند الله. وقد مرّ في المفاتيح انّه من الواجب في الحكمة أن يكون في العالَم مظاهر جميع الصفات الإلٰهيّة، فلا بدّ لكل من الوصفين المتقابلين من مظهرٍ، فالكفر ونتائجه ومباديه: كالشياطين ومن ضاهاهم من الأشرار، مظاهر القهر والغضب، والإيمان ونتائجه ومباديه: كالملائكة ومن والاهم من الأخيار، ومظاهر اللطف والمحبّة. ثمّ لا اعتراض في تخصيص كلّ بما يخصّه، لأن هذا الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد. فإن قلت: ما ذكرتَه من التوحيد في الأفعال متحقّق ظاهر مهما ثبت انّ الوسائط والأسباب مسخّرات، وكلّ ذلك ظهر إلاّ في أفاعيل الإنسان وحركاته، فإنّه يتحرك إنْ شاء، ويسكن إن شاء، فكيف يكون مسخّراً في فعله؟ فنقول: اعلم أنّه لو كان الإنسان مع هذا بحيث يشاء إن شاء، ولا يشاء إن لم يشأ، لكان هذا مزلّة القدم وموضع الغلَط، ولكن علمته أنّه يفعل إذا شاءَ، وما يشاء يشاءُ، شاء أم لم يشأ فليست المشيّة إليه إذ لو كانت إليه لافتقرتْ الى مشيئة أخرى وتسلسل الأمر الى غير النهاية، وإذا لم تكن المشية اليه، بل مهما وُجدت المشيّة التي شأنها تصريف القدرة الى مقدورِها، انصرفت القدرة لا محالة؛ ولم يكن لها سبيلٌ الى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورةً بالقدرة، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة، والمشيّة تحدث ضرورةً في القلب، فهذه ضروريات مترتّبة بعضها على بعض، وليس للعبد أن يدفع وجودَ المشيّة، ولا انصراف القدرة وانبعاثها الى المقدور بعدها، ولا وجود بعث المشيّة للقدرة، فهو مضطرٌّ في الجميع. فإن قلت: فهذا جبرٌ محضٌ، والجبر يناقض الاختيار، وأنت لا تنكر الاختيار وكونه سبباً للفعل، لا كما زعمته الأشاعرة القائلين بوجود الاختيار من غير أن يكون سببيّة، وهو المسمّى عندهم بالكسب. قلت: لو انكشف لك الغطاء، لعرفتَ أنّ الإنسان في عين الاختيار مجبورٌ، فهو إذن مجبورٌ على الاختيار، وأنّه مضطر في صورة مختار. وهذا كما ورَد في الحديث الذي مرَ ذكره عن الصادق (عليه السلام): "لا جبرَ ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين" وهذا معنى ما قيل: الوجوبُ بالاختيار لا ينافي الاختيار، بل يؤكّده، يعني: أنّ الاضطرار في الاختيار يؤكّد وجودَ الاختيار؛ لأن الشيء ما لم يجب وجودُه لا يوجَد، فالاختيار أيضاً من جملة الأشياء الممكنة التي في وجودها أن تصير أولاً واجباً حتّى تتحقّق، وإذا وجَب الاختيار حتّى يوجَد، فقد سبقَه الاضطرار المؤكِّد لوجوده. وإن أردتَ أن تفهم معنى الاختيار؛ - فإنّ أكثر الناس جاهلون بمعناه - فلنشرح إيّاه شرحاً وجيزاً فنقول: لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلاثة أوجه، إذ يقال: الإنسان يكتب بالإصبَع، ويتنفّس بالرئة والحنجرة، ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه، فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالَم - عالم الشهادة - وله ضروب أُخرى من الفعل في عالَم الغيب، ليس هذا المقام موضعُ بيانه، فإذن يُنسب اليه ها هنا الخرْقُ في الماء، والتنفّس والكتابة، وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحدٌ، ولكنّها تختلف وراء ذلك في أمور أخرىٰ، فأُعرب لذلك عنها بعباراتٍ ثلاث: فسمّي خرقه للماء - عند وقوعه على وجهه - فعلاً طبيعياً، وسمّي تنفّسه فعلاً إراديّاً، وسمّيت كتابته فِعلاً اختيارياً، والجبر ظاهرٌ في الفعْل الطبيعي، لأنه مهما وقف على وجه الماء انخرق لا محالة، فيكون الخرق بعد التخطّي من سطع الماء الى الماء ضرورياً، والتنفّس في معناه، فإن نسبة حركة الحنجرة الى ارادة التنفّس كنسبة خرق الماء الى ثقل البدن، فمهما كان الثقل موجوداً وجد الانخراق بعده، وليس الثقل اليه، فكذلك ليست الإرادة، ولذلك إذا قصد عين الإنسان بابرة طبق الأجفان بالاضطرار، ولو أراد أن يتركها مفتوحة لا يقدر، مع انّ تغميض الأجفان فعلٌ إرادي، لأنه مسبوق بشعور وإرادة، ولكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك، حديث الإرادة للتغميض ضرورة، وحدثت الحركة بها، ولو أراد أن يترك، لم يقدر عليه مع انّه فعل بالقدرة والإرادة، فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضرورياً. وأما الثالث: وهو المسمّى بالاختياريّ - ويقال له القصد - فهو مظنّة الالتباس كالكتابة والمشي. وهو الذي يقال فيه: إن شاء فعلَ وإن لم يشأ لم يفعلْ، وتارةً يشاء وتارةً لا يشاء. فيظنّ من هذا أنّ الأمر إليه، ومبناه الجهل بمعنى الاختيار، فليكشف عنه، وبيانه أنّ الإرداة مع العلم الذي يحكم بأنّ الشيء موافقٌ لك، فإنّ الأشياء تنقسم الى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنّه يوافقك من غير تردّد وتحيّر، والى ما يتردّد العقل فيه، فالذي يقطع به من غير تردّد - كما يقصد عينك بابرة أو بدنك بسيف - فلا يكون في علمك تردّد في أنّ دفع ذلك خيرٌ وموافقٌ لك، فلا جَرَمَ تنبعث الإرادة بالعلم، والقدرة بالإرادة، وتحصل حركة الأجفان بالدفع، وحركة اليد بدفع السيف، وذلك من غير رويّةٍ وفكرٍ. ومن الأشياء ما يتوقّف التمييز والعقل فيه، فلا يدري أنّه موافق أم لا، فيحتاج الى رويّة وفكر حتّى يتبيّن أنّ الخير في الفعل أو الترك، فإذا حصل بالفكر انّ أحدهما خير، التحق ذلك بالذي يقطع به انّه خيرٌ من غير رويّة وفكر، وانبعثت الإرادة ها هنا كما تنبعث لدفع حوالة السيف والسنان من غير رويّة وفكر. فإذا انبعثت الإرادة للفعل الذي ظهر للعقل انّه خيرٌ، سمّيت هذه الإرادة اختياراً، مشتقّاً من الخير، أي هو انبعاث الى ما ظهرَ للعقل انّه خير، وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلاّ الى ما انتظرت تلك الإرادة، وهو ظهور خيريّة الفعل في حقه، إلا أنّ الخيريّة في دفع السيف، ظهرت من غير رويّة بل على البديهة، وهذا افتقر الى الرويّة. فالاختيار عبارةٌ عن إرادة خاصّة، هي التي انبعثت بإشارة العقل فيما له في إداركه توقّف، ولا يمكن أن تنبعث الإرادة إلاّ بحكم الحسّ والتخيّل، كما في القسم الأول منها، أو بحكم جزم من العقل كما في الثاني، فداعِية الإرادة - وهي كون الفعل موافقاً - مسخّرة لحكم العقل أو الحسّ، والقدرة مسخّرة للداعية، والحركة مسخّرة للقدرة، والكلّ يصدر بالضرورة فيه من حيث لا يدري، فإنما هو محلٌّ ومَجرى لهذه الأمور، فأما أن يكون فاعلاً فكلاّ. فإذاً معنى كون الإنسان مجبوراً؛ أنّ جميع ذلك واردٌ عليه حاصل فيه من غيره لا منه، ومعنى كونه مختاراً؛ أنّه محلّ الإرادة لا غير، فاذاً هو مجبور على الاختيار. ففعل النار جبر محض، وفعل الله اختيار محض، لأنّ الاختيار والداعي فيه عين ذاته، وفعل الإنسان منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار. [التوحيد الافعالي] فإن قلت: فهل تقول: إنّ العلمَ ولّد الإرادةَ، والإرادة ولّدت القدرة، والقدرة ولّدت الحركة، وإنّ كلَ متأخّرٍ حدث من المقدّم؟ فإن قلت ذك، فقد حكمتَ بحدوث شيء لا من قدرة الله، وإن أبيت ذلك، فما معنى ترتّب البعض من هذا على البعض. فاعلم أنّ الفرق حاصل بين ما منه الشيء وما به الشيء، فإنّ أجزاء الحركة والزمان حصَل بعضُها من بعض، ولم يحصل بعضها بسبب بعض، وكذلك المركّب - كالمعجون - حاصلٌ من أجزائه، وليس بحاصل بسبب أجزائه. فالقول بأنّ بعض تلك الأمور حصل بسبب بعض آخر منها، جهلٌ محض، سواء عبّر عنه بالتولّد أو بغيره، بل حوالة جميعها على المعنى الذي يعبّر عنه بالقدرة الأزليّة، وهو الأصل الذي لم يقف كافّة الخلق على كُنه معناه إلاّ الراسخون، وليس عند غيرهم منه إلاّ مجرد لفظه، مع نوع تشبيه له بقدرتنا، وهو بعيدٌ عن الحقّ، وبيان ذلك يطول ولكن لا يتقدّم متقدّمٌ ولا يتأخّر متأخرٌ إلاّ بالحقّ واللزوم فكذلك جميع أفعال الله المترتّبة، فإنّ لها ضرباً آخر من التقدّم لبعضها على بعضٍ، غير التقدّم المسمّى عند الفلاسفة بالتقدّم بالطبع، وغير الذي سمّوه التقدّم بالعلّية، فإنّهما متّحققان بين المهيّات بعضها مع بعض بواسطة، وهذا الذي كلامنا فيه، تقدّم وتأخّر بين الموجودات التي هي أنوارٌ مترتّبة في الإفاضة عن الحقّ، أو بين مراتب تنزّلات الحقّ الأول، وقد سمّيناهما التقدّم والتأخّر بالحقيقة بالاعتبار الأول، والتقدّم والتأخّر بالحقّ بالاعتبار الثاني، وهذا ممّا لا يظهر إلاّ للخواصّ المكاشفين بنور الحقّ، ولا ينفع ذكره للحمقىٰ الجاهلين المجانين، إلاّ فتنة وتحريكاً لسلسلة جنونهم، وحلاّ لعقائد ظواهر الشريعة عن ألسِنتهم وأيديهم. وبالجملة، فلولا الترتيب بين الموجودات، لبطل النظامُ، ولم تكن الغايات مترتّبة على الأشياء، ولكان فعلُ الله على ذلك التقدير الذي توهّمه جماعةٌ من الناس - كأصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم - عبثاً وتهذاراً وهباءً ولعباً، قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الدخان:38 - 39]. فكلّ ما بين السماء والأرض على ترتيب واجب وحقٍ لازم، لا يتصور أن يكون إلاّ كما حدَث، وعلى الترتيب الذي حدث، فما تأخَّر متأخّر إلاّ لانتظار ما يتوقّف عليه ويشترط به، والموقوف بعد الموقوف عليه، والشرط قبل المشروط. وعكس هذا الترتيب وخلافُه محالان، والمحالُ لا يوصف بكونه مقدوراً، فلا يتأخّر العلم عن النظر إلا لفقد شرط الحياة، ولا تتأخّر عنها الارادة بعد العلم إلاّ لفقد شرط العلم، وكل ذلك على منهاج الواجب وترتيب الحقّ، ليس في شيء من ذلك لعبٌ واتّفاقٌ، بل كل ذلك بحكمة وتدبير. وتفهيم ذلك عسيرٌ، على الأفهام غير يسير، وللفرق بين سبب به وسبب منه، وإطلاق الفاعل على كلّ من هذين المعنيين، نسب الله الأفعال في القرآن مرّة الى الملائكة، ومرّة الى العباد، ونسبَها مرّة الى نفسه، فقال في الموت: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة:11] ثمّ قال: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42]. وقال: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} تفسير : [مريم:17]. ثم قال: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} تفسير : [الأنبياء:91]. والنافخ جبرائيل. وقال: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29]. وقال: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة:14]. والتعذيب هو عين القتل، بل صرّح وقال: {أية : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} تفسير : [الأنفال:17]. ثم قال: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال:17]. وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهراً، لكن معناه: رميتَ بالمعنى الذي يكونُ العبدُ رامياً، وما رميتَ بالمعنى الذي يكون الحقُّ رامياً، إذ هما معنيان مختلفان. وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وصف مَلَك الأرحام أنّه يدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده: ثمّ يصوّرها جسداً، فيقول: يا ربّ أذكَر أم أنثى أسويّ أم معوّج؟ فيقول الله ما شاء، ويخلق المَلَك. وفي لفظ آخر: ويصوّر الملك فيها الروحَ بالسعادة والشقاوة. وقال بعض السلف: إن المَلَك الذي يقال له الروح، هو الذي يولجُ الأرواح في الأجسام، وإنّه يتنفس بوضعه، فيكون كل نفَس من أنفاسه روحاً تلج في جسم. وقال بعض العرفاء: ما ذكَره من مثل هذا المَلَك صفته، فهو حقّ بمشاهدة أرباب القلوب ببصائرهم، وأما كون الروح عبارة عنه، فلا يمكن أن يعمل إلاّ بالنقل. والحكم به تخمين مجرّد. وكذلك ذكر الله في القرآن الأدلة والآيات في الأرض والسمٰوات وقال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت:53]. ثم قال: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت:53]. وقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18]. فبيّن أنّه الدليل على نفسه. وليس ذلك بمتناقض، بل طرق الاستدلال، فكم من طالب عرف الحق بالنظر الى الموجودات، وكم من طالب عرف الحق بالنظر إليه، وبه كلّ الموجودات. كما قال بعضهم: عرفتُ ربّي بربّي، ولولا ربّي لما عرفتُ ربّي. وقد وصف الله نفسَه بأنه المحيي والمميت، ثمّ فوّض الموتَ والحياة الى ملَكين، ففي الخبر: إن ملَكَ الموتِ وملكَ الحياة تناظرا، فقال ملك الموت: أنا أُميتُ، وقال ملك الحياة: أنا أُحيي الأمواتِ. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سُخِّرتما له من الصُّنع. فإنّي أنا المميتُ وأنا المحيي. لا مميتَ ولا محيي سواي. فالمحقّق أضافَ الكلّ الى الله، لأنه عرف الحقّ والحقيقة. ولمّا جرى بيتُ لَبيد على لسان بعض الأعراب، قصداً أو اتّفاقاً، صدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقال: أصدق بيتٍ قاله شاعر، قول لبيد: شعر : ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ تفسير : أيّ كلّ ما لاَ قِوامَ له بنفسه، وإنّما قِوامه بغيره، فو باعتبار نفسه باطلٌ، وإنّما حقيّته وحقيقته بغيره لا بنفسه، فإذاً لا حقّ بالحقيقة إلا القيّوم الحقّ الذي ليس كمثله شيء، فإنّه قائم بذاته، وكل ما سواه قائمٌ بقدرته، فهو الحقّ وما سواه باطلٌ، ولنرجع الى ما كنّا بصدده. فصل [رد احتجاجات المعتزلة] إعلم أنّ المعتزلة لما كان أصل اعتقادهم أنّ فاعلَ الكفر والجهل والظُّلمة وسائر الشرور الواقعة في هذا العالَم هو غير الله؛ أشكلَ عليهم قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}، قالوا: لا يجوز أن يكون مراد الله منه الكفرَ والجهلَ لوجوه مذكورة في التفسير الكبير من غير جواب، ونحن نذكرها ونجيب عنها: الأول: أنّ الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك، لقالوا للنبي (صلّى الله عليه وآله): إذا فَعل الله الكفُر فينا، فكيف يأمرنا بالإيمان؟ والجواب: أولاً: بالنقض، لأنّ ما ذكروه جارٍ بعينه في مثل قوله: {أية : وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} تفسير : [الجاثية:23]. وقوله: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [فاطر:8] وقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الكهف:57]. إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنه تعالى أبعدَ الكفار والمنافقين عن دار كرامته، وصدّهم عن سبيله، وجنَّبهم عن الجنّة. وثانياً: إن المنافقين إذا قالوا ذلك، فللبني (صلّى الله عليه وآله) أن يقول: إنّما طرأَ عليكم من الله الظُّلمة والحجاب، لشؤم ما فعلتم أولاً من الانكار والجحود والتمادي على الجهْل والكفر، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة:74]. وقوله: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء:155]. وقوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} تفسير : [المائدة:13]. الثاني: إنه تعالى لو كان فاعلاً للكفر، لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، فكان لا يبقى كون القرآن حجّة. والجواب: منع هذه الملازمة. وأي علاقة لزوميّة بين ايجاد الكفر في النفوس المظلمة الجاحدة لآيات الله، وبين اظهار المعجزة على يد الكاذب؟ الثالث: إنّه تعالى ذكَر هذه الآيات في معرض الذمّ لهم على كفرهم، فكيف يذمّهم على شيء خلقَه فيهم؟ والجواب: إنّ هذا بعينه مصادرةٌ على المطلوب الأول، فإنّ أصل الكلام في أنّ الله فاعل الكلّ أم لا. الرابع: قوله تعالى: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فإن كان تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأيّ ذنب لهم حتّى يعذبهم؟ والجواب: بما مر سابقاً، أن العقوبات للجرائم، من باب التوابع والثمرات لبذور المعاصي والسيّئات، والله منزّه عن الانفعال والتغيّر في الصفات، كالغضب ونحوه، فكان حاصل الجواب عن قول من قال "إذا كان الكلّ به ومنه وإليه، فكيف غضب على نفسه وذمّ فعله"؟ ما قد ذكر سابقاً من تقسيمه عباده وبحسب المشية الى ما سبق لغاية الحكمة، والى من استوقف دونها، فاستعير للنسبة الأولى اسم الرضاء، وللثانية عبارة الغضَب، وأُردف الأول بخلعه الثناء زيادةً في القبول والرضاء. وأُردف الثاني بنقمة اللعن والذمّ زيادةً في النكال، فهو المعطي للجمال والمثني، وهو المعطي للنكال والمردي، فيكون بالحقيقة هو المجمل والمثني والمثنىٰ عليه في جميع الأحوال، والحمد لله على كلّ حال. الخامس: إنّه تعالى أضافه اليهم بقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وعلى هذا وصَفهم تعالى بانّهم مُفسِدون في الأرض، وأنّهم هم السفهاء، إذا خلَوا الى شياطينهم قالوا انّا معكم، فدلّ على أنّ المراد منه شيءٌ آخر. والجواب: بمثل ما مرّ، وهو أنّ إظلام قلوبهم وتسويدها بالكفر، مسبَّب عن كذبهم وتكذيبهم للرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإفسادهم في الأرض، واستهزائهم بالمؤمنين، وهذه أيضاً أسباب لاشتداد مرضهم وازدياد كفرهم. فصل [تأويلات المعتزلة] ثمّ قالت المعتزلة: إذا ثبت أنّ المراد ليس ما هو الظاهر من قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}، فلا بدّ من التأويل فيه، وهو من وجوه: الأول: بحمل المرض على الغمّ لأنه يقال: مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى: أنّ المنافقين لمّا رأوا ثبات أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) واستعلاء شأنه يوماً فيوماً وذلك كان يؤثّر في زوال رياساتهم، فهؤلاء لما اشتدّ عليهم الغمّ وصف الله تعالى ذلك، أي زادهم غمّاً على غمّهم بما يزيد في أمر الرسول وتعظيم شأنه. الثاني: إنّ مرضَهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، وتكرير الوحي، وتضاعف النصر، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة:125]. والسورةُ لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رِجساً عند نزولها لمّا كفروا بها قبل ذلك. وكقوله: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} تفسير : [المائدة:64]. وقوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [فاطر:42]. وكقولك لمن نصحتَه فلم يقبل وتمادى في فساده: ما زادتك نصيحتي الاّ شراً وفساداً. فكذا هؤلاء المنافقين، لمّا كفروا وازداد كفرهم عند التكليف والدعوة من الله الى شرائع دينه، اضيفت زيادة كفرهم إليه تعالى. الثالث: أن يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخوف لأنّ قلوبَهم كانت قويّة، إمّا لقوّة طمعهم فيما كانوا يتحدّثون به انّ ريح الإسلام تهبّّ حيناً ثم تسكن، ولواءَه يخفق أياماً ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر، وإظهار دينه الحقّ على الدين كله. وإمّا لجرأتهم وجسارتهم في الحرب فضعفت جبناً، حين قذف في قلوبهم الرُّعب، وشاهَدوا شوكة المسلمين وامد الله لهم بالملائكة. ومعنى الزيادة: أنّه كلّما زاد الله رسولَه نصرةً وتبسّطاً في البلاد، ازدادوا حسداً وبُغضاً، وازدادت قلوبهم ضعفاً ويأساً عمّا طمعوا فيه، وجبنا وخوراً، وأن يحمل المرض على تغيّر مزاج القلب وتألّمه، وذلك لأنّ الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك؛ فربما صار ذلك سبباً لتغيّر مزاج قلبه ومرضه، قالوا: وحملُ اللفظ على هذا الوجه حملٌ له على حقيقته، فكان أَوْلىٰ من سائر الوجوه. فصل فيه حكمة عرشية [اللذة والألم] قوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال صاحب الكشّاف: يقال: ألم فهو اليم، كوجع فهو وجيعٌ، وهذا على طريقة قولهم، جَدّ جدُّه، والألم في الحقيقة للمؤلم، كما أنّ الجدّ للجادّ. أقول: إنّ المؤلم بالحقيقة، هو الألم الحاصل في القلب دون السبب الخارجي، كما انّ صورة اللذّة الحاصلة في النفس عند إدراك الملائم النفسي أو البدني، هي الملذّة بالحقيقة، لا ما خرج عن التصوّر، وليس الملذّ والمؤذي بالحقيقة إلاّ المرتسم في القلب، - أعني النفس - لا الموجود في الخارج، وكلّما ارتسمت في النفس صورة العذاب أو مقابلها يفعل فعلها وإن لم يكن سبب من خارج، فإنّ السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج سببٌ بالعرض، أو سبب السبب، فالأوّل: كما في اليقظة، فإن الصور الملذّة أو المؤذية المرتسمة في النفس تبتدئ من الصور الماديّة الخارجيّة، وقد ثبت في العلوم الحقيقيّة، أنّ تأثيرها على سبيل الاتّفاق والإعداد، وانها أسباب بالعرَض، والثاني: كما في النوم، فإنّ الصور الملذّة أو المكرهة قد تبتدئ من داخل باطن النفس إليها حتّى تنتهي الى مشهد الحسّ المشترك، فتدركها النفس، وقد لا تكون كذلك، بل تنتقل صور مخزونات النفس بعضها الى بعض، فإذا ابتدأت من داخل النفس، فيكون سبب ارتسامها من عالَم الغيب، والأسباب الموجودة في عالَم الغيب سببيّتها تكون ذاتية، فيكون الملذّ والمؤذي في النوم أو ما يجري مجراه كالموت والبرزخ، هي الصورة المرتسمة في النفس، وسبب ارتسامها ملذّ ومؤلم بالواسطة. فصل [في قوله تعالى: بما كانوا يكذبون] قوله: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، صريحٌ في أنّ عذابهم الأليم معلّل بكذبهم، على قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وذلك يقتضي أن يكون كلّ كذب قبيحاً حراماً. وفيه رمز آخر الى قبحه، حيث علّل به استحقاق العذاب، وترتّب عليه دون الكفر مع وجوده، ونحوه قوله تعالى: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ}تفسير : [نوح:25]. وانّهم كانوا كفرَة إلا انّه خصّت الخطيئات بالسببيّة، استعظاماً لها، وتنفيراً عن ارتكابها. والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وهو حرامٌ كلّه، أمّا ما يروى عن إبراهيم (عليه السلام) أنّه كذِب ثلاثة كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمّي به. والمراد بكذبهم قولهم: {أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [البقرة:8]، والجاحظ لا يسمّيه كذباً إلاّ إذا علم كون المخبَرِ عنه على خلافه، وهذه الآية حجّة عليه. وقرأ الباقون: يُكذّبون، من كذّبه، نقيض صدّقه، لأنهم كانوا يكذّبون الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقلوبهم، وإذا خلوا الى شياطينهم. أو من كذب الذي هو مبالغة كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدّق مشدّداً، ونظيرهما: بان الشيءُ وبيّن. وقلص وقلّص، أو بمعنى الكثرة كقولهم: موّتت البهائم وبرّكت الإبل.

الجنابذي

تفسير : {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} مستأنفة جواباً عمّا ينبغى ان يسأل عنه من حالهم او من علّة مخادعة الله او علّة عدم الشّعور او مستأنفة للدّعاء عليهم او حال من فاعل الفعل الاّول او الثّانى او الثّالث، والمرض علّة فى الحيوان لا تلائم مزاجه الطّبيعىّ واهل الحسّ خصّصوه بما فى بدن الحيوان ولا اختصاص له به بل يعمّه وما فى نفسه من الاعراض الغير الملائمة لمزاجها الالهىّ لانّ كلّ ما يخرج نفس الانسان عمّا هى عليه بحسب التّكوين والتّكليف فهو مرضها وقد مضى انّ للقلب اطلاقاتٍ عديدة والمراد بالقلوب هنا امّا القلوب الصّنوبريّة الجسمانيّة فانّها لشدّة غيظهم وحقنهم دمائها فى شدّة الغليان او من شدّة خوفهم دمائها فى عدم الغليان وكلاهما غير ملائم لمزاجها او القلوب المعنويّة وامراضها بجملة الرّذائل الشّيطانيّة. {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} دعاءٌ او اخبارٌ، وازدياد مرضها بازدياد بعدها عن الخصائل وتمكّنها فى الرّذائل {وَلَهُم عَذَابٌ} دعاء او اخبارٌ {أَلِيمٌ} صيغة مبالغة من الم اذا وجع، وتوصيف العذاب بالاليم مجازاً للمبالغة فى شدّته كأنّ العذاب من شدّته متعذّب بنفسه، ويجوز ان يراد معنى المولم مثل ارادة المطهّر من الطّهور لانّ المبالغة فى مثله تقتضى التّعدّى الى الغير وهذا أبلغ من الاوّل لانّه يفيد تألّم العذاب بحيث يقتضى تألّمه الم الغير بتألّمه {بِمَا كَانُوا} بكونهم او بشيئ او بالّذى كانوا {يَكْذِبُونَ} قرئ بالتّخفيف وبالتّشديد من كذّبه اذا نسبه الى الكذب او من كذّب اللازم للمبالغة او التّكثير والكذب كالصّدق يستعمل كثيراً فى الاقوال لكن لا اختصاص له بها بل كلّ فعل او حال او خلق او شأن يصدر من الانسان يكون مطابقاً لما يقتضيه حقيقة الانسانيّة فهو صدق، وكلّما لم يكن كذلك فهو كذب.

اطفيش

تفسير : {فِى قُلُوبِهِمْ مَرضْ}: أى شرك، وفى لسانهم صحة أعنى إسلاماً، وذلك فى مبدأ سماعهم بالوحى وغلبة الإسلام، ثم لما قوى الإسلام وأهله، وتضافر الوحى اشتد الشرك فى قلوبهم وكثر، لأنه كلما سمعوا أمارة قوة الإسلام وأهله، أو رأوها، أو أنزلت آية، أو وقعت معجزة، أنكروا ذلك، فكثر إنكارهم، وكل إنكار من ذلك شرك، فكثر شركهم المعبر عنه بالمرض كما أخبر الله عنه بالزيادة فى قوله: {فَزَادَهُمْ اللَّهُ مرضاً}: أى خذلهم فازدادوا شركاً مترتباً ومسبباً عن الشرك السابق لهم، بزيادة نزول الآيات وأمر الإسلام، وسمى شركهم مرضاً لأنه خفى فى قلوبهم، كما أن المرض يتألم به القلب، وقد لا يظهر أثره على الجسد، وقد يظهر أثره عليه ولا يتعين، فقد ترى أصفر رقيقاً فيحتمل عندك أن ذلك من خلقته، وقد يتعين. وعلى كل حال فأصل المرض خفى، والذى يظهر إنما هو أثره. أو سمى شركهم مرضاً لأنه يضعف دين الإسلام، كالمرض يضعف البدن، وذلك فى الجملة، لا خصوص دين الإسلام بقيد كونه فيهم، فإنه لا دين إسلام فيهم، لأنهم مشركون باطناً مسلمون ظاهراً، ومرادى بإضعافه فى الجملة أن كثرة الشرك تضعف أهل الإسلام، ودين الإسلام، وأن كل شرك قدح فى الإسلام وأبطأ له ولو قل، وإن فرضنا أن فى قلوبهم إسلاماً ضعيفاً، كرجل أضعفه الشك الذى يطرأ عليه، ويتردد عليه مرة بعد مرة، كان شكهم شركاً يضعف ذلك الإسلام الذى فيهم، كما أن المرض المجامع للصحة فى البدن الواحد يضعفها، أو سمى الشرك مطلقاً مرضاً لأنه مانع من المنافع المترتبة على الإسلام فى الدنيا والآخرة، كما أن المرض مانع لذة المطعم والمشرب والمنام، بل الإسلام نفسه أمر حسن لذيذ يمنعه الشرك والشك، أو لأنه مؤد إلى تنغيص الحياة بتوقع السلب والمغنم والسبى والقتل، أو الذل والجزية فى الجملة، وإلى حياة عذاب فى الآخرة، كما أن المرض ينغص الحياة. ويحتمل أن يراد بالمرض حقيقة المرض، فإن قلوبهم تتألم بذكر الإسلام وأمره وقوة أهله، وزوال الأمر من أيديهم من الرياسة وغيرها حسداً منهم، فإن الحسود يعذب نفسه لحسده، وكلما ازداد ذلك ازدادوا تألماً وحسداً، وكلما ازدادت التكاليف ازدادوا ذلك إذا رأوا المؤمنين متشبثين بالتكليف بها لا يضعفون عنها، وأيضاً قلوبهم قد تلأمت بالخوف والضعف والذل حين ولو أمر المسلمين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى ازدياد وتضاعف نصر على الأعداء، وتبسطاً فى البلاد، فذلك مرض حقيقى ويحتمل أن يراد الوجهان معاً فى الآية، لأن المرض فيهما حقيقى، وإما أن يرادا معاً أو أحدهما مع ما مر أولا، من تخريج المرض على المجاز، فلأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، ولو أجازه بعض، وضابط ذلك ان المرض حقيقة فيما يخرج به البدن عن الاعتدال الخاص، ويوجب الخلل فى أفعال البدن أو فى خروج البدن عن ذلك، ومجاز فى المعاصى النفسانية: كالجهل والشرك والحسد، وحمل الآية على المجاز أولى لأنه أبلغ من الحقيقة، وإنما أسند الله سبحانه وتعالى الزيادة إلى نفسه لأنها بمعنى خذلان خلقه الله لهم. فاجتازوه ولا جبر هناك. وقال فى الكشاف أسند الزيادة إلى نفسه لأنه سبب فى الوحى إذ أنزله، فكان مرضهم بإنزاله، وكذا فى سائر ما فعله مما يغنمون به، كنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان تفسير الزيادة بالخذلان، المتسبب عنه المرض، أو بخلق المرض وهو الحق، وقرأ أبو عمرو فى رواية الأصمعى فى قوله: {فِى قُلُوبِهِم مَرْضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرْضاً} بإسكان الراء فى مرض الأول والثانى، وقيل فى قوله: {فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً} أنه دعاء عليهم على عادة الناس فى الكلام، وليس على الحقيقة. وقال بعضهم: كلما كان بلفظ دعاء من الله - عز وجل - فإنما هو بمعنى إيجاب الشىء، لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهى فى قبضته. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أى مؤلم، بفتح اللام، أسند الألم إلى العذاب بطريق البناء للمفعول مبالغة، فذلك من النسبة الإيقاعية، كأنه قيل: ولم عذاب أوجعه الله، ويجوز أن يكون بمعنى متألماً، بكسر اللام، بإسناد الألم إلى العذاب بطريق البناء للفاعل مبالغة، فذلك من النسبة الوقوعية، كأنه قيل: عذاب متوجع، فهو فعيل بمعنى مفعول، أو بمعنى فاعل، ومما يحتمل الوجهين قول عمر ابن معد يكرب الزبيدى: شعر : وخيل قد ألفت لهم بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : أى رب خيل قد تقدمت إليهم بها تحييهم الضرب بالسيوف لا الكلام باللسان، فالمراد بالخيل الفرسان للمجاورة وللحلول فوقها، أو بتقدير مضاف أى أصحاب خيل أو راكب خيل، وخيل الثانى من وضع الظاهر موضع الضم، ومن الثانى جد جده إذا بالغ فى الاجتهاد حتى نسب الاجتهاد إلى اجتهاده، ويجوز أن يكون أليم فعيل للنسب كأنه قيل: عذاب ألمى أو من ألم المتعدى كألم، فهو بمعنى فاعل متعد، كأنه قيل: عذاب مؤلم إياهم، بكسر اللام، والوجهان الأولان مجاز، والآخران حقيقة. واعلم أن المتألم هو القلب لا الحسد، ولذا تعذب الكفار فى النار وهم بأجسامهم التى أقرت بالله وصدقته، ولو أنكرت قلوبهم، ويدل لذلك أن السكران والنائم لا يتألمان بما يفعل فيهما، ما دام النوم والسكر، ويتألم النائم فى نومه بما يراه من حلم شىء. والله أعلم. {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون}: بسبب كونهم يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما مصدرية والباء سببية، ومفعلو يكذب محذوف، ويجوز كون ما بمعنى الكون اسماً موصولا، عائدها مفعول مطلق ضمير محذوف، أى بالكون الذى كانوه يكذبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتشديد على الوجهين للتعدية، ولك أن تقول التشديد للمبالغة، فلا يقدر مفعول، فالتكذيب بمعنى المبالغة فى الكذب، ويدل له قراءة عصام وحمزة والكسائى: يكذبون بفتح الياء وإسكان الكاف وتخفيف الذال، أى بسبب كونهم كاذبين، ويجوز أن يكون التكذيب للتكثير، وتدل له هذه القراءة أيضاً. ووجه الدلالة فيها عليهما أنها لا قبل تقدير المفعول به، لأن الكذب فى مثل هذا المقام لازم، والمبالغة تكوين الفعل عظيما، أو التكثير إيقاع أفعال كثيرة، ولو أوقعها واحد يقال بين الشىء، أى أظهر ظهوراً عظيما، وموتت البهائم أى كثر موتها، ويجوز كون التشديد من كذب الوحشى، بتشديد الذال، واللزوم بمعنى جرى شوطاً ووقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متردد، والمشرك أيضاً قد يكون كذلك، وهو مأخوذ من كذب بالتشديد والتعدى، كان ذلك الوحشى والمنافق والمشرك يكذبون رأيهم وظنهم، ويقال للمتردد، مذبذب.. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العابرة بين الغنمين تغير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة"تفسير : ، ويجوز كون الباء للبدلية، أى لهم عذاب أليم جزاء كونهم يكذبون وعوضاً له، ومعناها على الوجه الآخر: أنه جزاء ترددهم إذ لم يجزموا، وكان الواجب الجزم بالحق، وفى الآية تحريم الكذب والتكذيب، وتقبيحهما إذا وعد عليهما العذاب الأليم، واختلفوا فى الصور التى قيل بجواز الكذب فيها، فقيل لا يجوز تعمده فيها ولا إرساله بعقله، بل يجوز فيها بقصد المعرضة وهو ما حصلته من كلام الكشاف وأنوار التنزيل، وعليه فتحمل الآثار التى وردت بلفظ جواز الكذب على صورة الكذب لا على حقيقته، لقرينة أن فى المعارض لمندوحة عن الكذب، وقيل: يجوز تعمد الكذب فيها بلا تأويل بتعريض، ومن تلك الآثار قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاثاً: الرجل يكذب فى الحرب فإن الحرب خدعة، والرجل يكذب على المرأة فيرضيها، والرجل يكذب بين الرجلين فيصلح بينهما"تفسير : رواه الطبرانى فى الكبير، وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين"تفسير : رواه الطبرانى فى الأوسط، وبعض قصر ذلك وما أشبهه من الآثار على ظاهرها فقط، وبعض توسع فأجاز كلها فى معنى ذلك، وجعل الحديثين ونحوهما تمثيلا لا حصراً فأجاز الكذب للإنسان يرضى به والده أو والدته ونحوها، وصاحبه ورحمه وجاره، وحيث خاف على دمه أو ماله أو بدنه أو خاف ذلك على غيره، وقيل لا يجوز فى غير ما ورد إلا بمعرضة. وقال فى فتح الجليل: الكلام وسيلة إلى المقصود، فكل مقصود محمود إذا أمكن التوصل إليه بالصدق، فالكذب فيه حرام، وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحاً، وواجب إن كان واجباً. انتهى. والحق أنه لا يجوز فى المباح الذى لم يضطر إليه إلا بتعريض، وهو اللفظ المشار به إلى جانب والغرض جانب آخر، وقيل: تضمين الكلام دلالة ليس لها ذكر وهو خلاف التصريح، وسمى تعريضاً لأن فيه إشارة إلى عرض أى جانب أو تعرضاً للمطلوب فى الحقيقة أو إعراضاً عنه بحسب ظاهر اللفظ، وفى حديث الشفاعة لأهل الموقف من رواية البخارى ومسلم:"حديث : يقول إبراهيم إنى كذبت ثلاث كذبات"تفسير : وذكر قوله فى الكذب:{أية : هذا ربى}تفسير : وقوله:{أية : بل فعله كبيرهم هذا}تفسير : وقوله:{أية : إنى سقيم} تفسير : وفى رواية إثبات قوله لامرأته: "قولى للملك إنك أختى" وإسقاط قوله:{أية : هذا ربى}،تفسير : وفى رواية كذلك أنه قال للملك: "إنها أختى" قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله"تفسير : أى حاول بها عن دين الله، فقال القاضى: الحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معارضة الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لأن من كان أعرف بالله أقرب إليه منزلة كان أعظم خوفاً، والكذب: الإخبار عن الشىء بخلاف ما هو به عمداً.

اطفيش

تفسير : {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضُ} كفر بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، وعداوته وعداوة المؤمنين، وسره الاعتقاد والجهل، وذلك شبيه بمرض الجسم فى الإيصال إلى مطلق الضر، فإن المضر موجع وقاتل ومانع من التصرف فى المصالح، وما فى قلوبهم مؤد إلى النار مانع من التصرف بأعمال الإسلام، أو يشبه تألم قلوبهم بقوة الإسلام وانتظام أمره بتألمهم بمرض البدن، فسمى التألم مرضاً، وحقيقة المرض حالة خارجة من الطبع ضارة بالفعل لا بالقوة خاصة، والقرينة المشروطة فى المجاز تمنع الحقيقة، ولا يلزم أن تمنع احتمال مجاز آخر. فلك حمل الآية علىهذا التألم، وعلى ما ذكرت قبل {فَزَادَهُمُ} بسبب ذلك المرض {اللهُ مَرَضاً} بما أنزل من القرآن بعد ما كفروا بما أنزل منه قبل، والله يجازى المذنب بالإيقاع فى ذنب آخر، كما يجازى المطبع بالتوفيق إلى طاعة أخرى، وكلما نزلت آية أو وحى كفروا به، لأنه طبع على قلوبهم، وذلك زيادة مرض {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} موجع بفتح الجيم والموجع بفتحها حقيقة هم لا العذاب، لكن أكد شدة العذاب حتى كأنه معذب بفتح الذال، وهذا بليغ، ولا بلاغة فى قولك عذاب موجع، بكسر الجيم، فأليم فعميل بمعنى مفعل بضم الميم وفتح العين، ولك إبقاؤه على ظاهره، أى متوجع بكسر الجيم، ففيه البلاغة {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} أى بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وما مصدرية، وجرت عادتهم بالاكتفاء بالمصدر من خبر كان الذى بعدها، والأصل أن يقال بكونهم يكذبون، ولا حاجة إلى قولك بالتكذيب الذى كانوا يكذبونه النبي صلى الله عليه وسلم، أو يتكذيب يكذبونه صلى الله عليه وسلم على أن ما اسم موصول، أو نكرة موصوفة، والهاء مفعول مطلق.

الخليلي

تفسير : ذكر العلامة ابن عاشور في تفسيره أن الآية استئناف محض لعدّ مساوئ المنافقين، وأجاز أن تكون استئنافا بيانيا لجواب سؤال متعجب مما سمع عن الأحوال التي وصفوا بها من قبل في قوله تعالى {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}، فإن من يسمع أن طائفة تخادع الله وتخادع المؤمنين - وهم قوم عديدون - وتطمع أن خداعها يبلغها فيهم ما تريد، ولا تشعر بأن ضرر الخداع لاحق بها، يشعر بالعجب ويمتلئ بالاستغراب من شأن هذه الطائفة، وينشأ عن ذلك تساؤل منه كيف خطر ذلك بخواطرها؟ فجاء قوله في قلوبهم مرض بيانا منطويا على جواب هذا التساؤل، وهو أن قلوبهم انحرفت عن وضعها الطبيعي حتى بلغت إلى حد الأفن، ولهذا قدم الظرف وهو في قلوبهم، فإن في التقديم إيماء إلى الاهتمام وهي جديرة به، فإنها منشأ فكرة الخداع، ومن حيث أن المسؤول عنه ما نشأ عنها، كان انطواء الجواب على وصف حالها هو الأليق في مقام الخطاب. والتعبير بالقلوب عن العقول معهود عند العرب كما تقدم، وتنكير مرض للدلالة على التعظيم. والمرض: حالة تلم بالبدن فتخرجه عن اعتدال المزاج وصحة الأعضاء، وتؤدي بها إلى اختلال بعض وظائفها وأعمالها، وتعرض الألم لها، ويطلق على نفس الألم الذي هو أظهر آثاره، ويطلق على ما يلم بالنفس فيخل بكمالها ويخرج بها عن اعتدالها من الطبائع المذمومة والأخلاق الفاسدة، وهذا الاطلاق الأخير داخل في ضمن الاستعمال المجازي لهذا اللفظ بجامع أنه في استعماليه مؤد إلى الهلاك. فالأمراض الجسمية مؤدية إلى هلاك الجسد وفوات المنفعة العاجلة، وهذا المرض النفسي مؤد إلى هلاك الروح وفوات المنفعة الآجلة، والبون بينهما كالبون بين قيمة الجسد والروح، وقدر الحياتين العاجلة والآجلة. وفسر المرض هنا بالنفاق ابن عباس - رضي الله عنهما - كما رواه ابن جرير عنه. وأخرج عنه وعن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم فسروه بالشك، وروى مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد، وفي رواية عن عبدالرحمن قال هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأجساد. وهذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظها فهي متحدة المعاني، فإن شأن المنافق أن يكون أسير شكه متخبطا في أوهامه، ولا ريب أن الشك ظلمة تخيم على العقل فتحيط به من جوانبه فلا ينفذ له نور إلى ما وراء المشاهدات المحسوسة، ولا يمتد له شعاع إلى ما خلف التكاليف من أسرار وحكم. وإذا كانت العرب تطلق اسم المرض على الظلمة الحسية كما في قول الشاعر: شعر : في ليلة مرضت من كل ناحية فما يحس بها نجم ولا قمر تفسير : فإن هذه الظلمة المعنوية التي تتراكم على العقل أجدر بهذا الاطلاق. وإذا كانت للجسم وظائف لا يتوقف عنها إلا بإلمام المرض الجسدي به؛ فإن توقف العقل عن وظيفته التي هي اكتناه الحقائق، واكتشاف الأسرار من وراء المشاهدات لا ينتج إلا عن إلمام مرض خطير به، وهذا النوع من المرض لا يفقد العقل وظيفته فحسب، بل يجعل وظائف الحواس في حكم المعدوم أيضا لعدم الانتفاع بها، ولذلك يقول الله تعالى في المصابين بهذه الأمراض {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179]. ويرى الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده أن هذا النوع من المرض واقع فيه جميع أولئك الذين لا يتلقون العقيدة عن نظر وبصيرة، ولكن عن وراثة وتقليد، فإن إيمانهم لا يعدو أن يكون شكليا يجتثه أدنى ما يهب من العواصف، ويزلزله أقل ما يقع من الحركات، لأنه لم يطرق قلوبهم بقوة البرهان ولم يحل مذاقه منهم في الوجدان، فلا تصدر عنه تصرفاتهم في الأعمال لفقده قوة التأثير في نفوسهم. وذكر أن علاج أمراض هؤلاء هو التمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص، حتى يحدث لقلوبهم الوجدان الصالح، وهذا لأن أهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح، وأهل التقليد يُلحقهم دؤوبُهم على صالحات الأعمال بأرباب اليقين في الانتفاع بإيمانهم، والفريق المعني بهذه الآيات، الموصوف بالكذب والخداع، قد فقد الأمرين معا، ولا صحة للقلوب إلا بهما، فمن فقدهما مرض، ولا يلبث مرضه أن يقتله. ثم ذكر منشأ هذه العلة فقال: ولضعف العقل أسباب: منها ما هو فطري كما هو حال أهل البَلَه والعَتَه، وهو الذي لا يُكلَّف صاحبه ولا يلام. ومنها ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من التقاليد والعادات ولا يعتنون بما أمر الله به من تمزيق هذه الحجب، وإزالة هذه السحب للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان، ونجوم الفرقان، وشموس الايمان، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23]، حتى يجيء اليوم الذي يقولون فيه: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} تفسير : [الأحزاب: 67]. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة ظاهرة وتنبيه بيّن على خطورة هذا الصنف من المرض، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"تفسير : ، فإن جميع منافع الجسد متوقفة على سلامة القلب من الأمراض، فإذا غشيته هذه الأدواء لم تلبث منافع البدن أن تتحول إلى مضار قاتلة، لأن الانحراف النفسي يأتي عليه فيحوله عن طبعه. هذا وإذا كان جل المفسرين - من السلف والخلف - يرون أن هذا المرض معنوي، فإن طائفة خالفتهم في رأيهم هذا، حيث قالت: إنه كان مريضا حقيقيا ألّم بقلوب أولئك المنافقين مما يشاهدونه من انتشار الاسلام وسرعة أثره في النفوس، واكتساح تياره جميع العقائد الزائغة، والمبادىء الجاهلية الفاسدة، فكانت هذه المشاهدات تعتصر قلوبهم، وتضاعف همومهم، والحسد من شأنه أن يجر الأمراض إلى قلب صاحبه؛ لأن الحسود لا يقر له قرار، وقد كانوا يظنون بالاسلام أنه طفرة سوف تهدأ، وأن تياره عاصفة سوف تتوقف، وأن سوقه مهددة بالكساد، غير أن هذا الظن قد خاب عندما شاهدوه يحرز الانتصارات المتتابعة، ويلحق بأعدائه الهزائم المتلاحقة، ويغرز أعلام النصر في كل مكان، فكان ذلك منشأ ما ألّم بقلوبهم من الآلام. وبعض المفسرين يرى أن جعل قلوبهم محل المرض من باب التعبير باسم المحل عن الحال، كما قال تعالى {واسأل القرية}، إذ المرض هو في معتقداتهم التي لابست عقولهم، ومازجت قلوبهم، فإنهم كانوا ينطوون على الشرك وإن أبدوا خلافه. وذكر الامام ابن عاشور في تفسيره أن النفاق منشأ لثلاثة أنواع من أصول الأمراض النفسانية، وكل أصل منها تنشأ عنه مجموعة من الأمراض الفرعية. أولها: الكذب القولي، والشاهد عليه من القرآن قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، وقوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وينشأ عنه الجهل، وإليه الاشارة بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ}، والغباوة، وإليه الاشارة بقوله {وما يشعرون}، ومن لازم هاتين العلتين قلة الذكاء، لأن الذكي يدرك أنه لو كذب على الناس فإن عقولهم لا تستسيغ كذبه، كما يعلم أن في الناس من هو مثله أو خير منه. والكذب يعود فكر صاحبه الحقائق المحرفة، وإذا طال استرساله في ذلك اشتبهت عليه ولربما اعتقد ما اختلقه واقعا. وينشأ كذلك عن هذين الداءين داء آخر وهو السَفَه، وهو خلل في الرأي وأفن في العقل، وإليه الاشارة بقوله تعالى {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ}. كما يشير قوله سبحانه {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} إلى فساد الرأي الناتج عن السفه. والجهل من نتائجه الكفر، وإليه الاشارة بقوله تعالى: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}. والغباوة ينشأ عنها العجب والغرور ويشير إلى الأول قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ}، وإلى الثاني قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. ثانيها: الكذب الفعلي؛ وهو الخداع، والشاهد عليه قوله سبحانه: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا}، ويجر إلى أشياء، منها الفساد، وإليه الاشارة بقوله: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ}، وعداوة الناس، لأنهم عندما يشعرون بخداعه تتنكر له قلوبهم، وتستوحش منه نفوسهم، ومهما أظهر لهم من دلائل الاخلاص فإنهم لا ينفكون يتوجسون منه خيفة، وإلى ذلك يشير قوله تعالى حاكيا عنهم ما يلقون به شياطينهم: {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ}، وقوله في وصفهم: {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}، ومنها نكاية الناس به، لأن الفريقين يتفقان على التوقي منه والنكاية به، وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}، وعاقبة ذلك كله أمران: أحدهما: في الدنيا، وهو صيرورته هزأة للناس. ثانيهما: في الآخرة، وهو العقاب، وإلى الأول الاشارة بقوله سبحانه: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}؛ أي يجعلهم موضع الهزء، وإلى الثاني الاشارة بقوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ثالثها: الخوف؛ لأن الكذب والخداع إنما يصدران ممن يتوقى إظهار حقيقة أمره، وذلك لا يكون إلا لخوف ضر أو لخوف إخفاق سعي، وكلاهما مؤذن بقلة الشجاعة والثبات، والثقة بالنفس وبحسن السلوك، ويشير إلى هذه الخصلة قوله سبحانه فيهم: {أية : لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر: 13]. وتتفرع عن الخوف أخلاق متنوعة منها اللؤم، ويشير إليه قوله تعالى: {ويقبضون أيديهم}، والعزلة عن الناس، وإليها الاشارة بخطابه تعالى لهم: {آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ}، والجبن؛ ويدل عليه قوله سبحانه فيهم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}، وقوله: {لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}، والتستر، وإليه الاشارة بقوله عز وجل: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ..} (الآية). ويتفرع عن اللؤم خون الأمانة والشاهد عليه قوله تعالى فيهم: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}، ويتفرع عن العزلة جفاء الطبع، ويدل عليه قوله: {أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ}. وتتفرع عن الجبن المذلة، وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. وينشأ عن التستر دوام الضلال وازدياد النقائص، ويشير الى الأول قوله تعالى: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، وإلى الثاني قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}. هذه أمراض النفاق التي استظهرها ابن عاشور ممن نزل في المنافقين من الآيات، وما اعتيد تلبسهم به من الصفات، وقد رتبها في جدول حسب ترتب نشوئها في رأيه - تقريبا لفهم المطالع وتيسيرا لاحاطة القارئ - مع ما قرنه بها من الآيات المومئة إليها، ولست أرتاب - كما لا يرتاب أحد - أن النفاق منطوٍ على هذه الأمراض كلها، بل وعلى أكثر منها، فهو مجمع كل رذيلة، ومنشأ كل فساد، وإنما أرى أن ابن عاشور تكلف في ترتيب نشوئها، فلو سردها سردا لكان أبعد عن التكلف. كما أنني أرى أنه تجوز في حمل بعض الآيات على الاشارة إلى ما ذكره من هذه الأمراض، بل بعضها أقرب دلالة إلى ما لم يذكره من الصفات، فقوله تعالى - مثلا -: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أدل على البخل منه على اللؤم، وإنما دلالته على اللؤم من حيث أنه الأصل للبخل، إذ البخل لا ينشأ إلا عن لؤم الطبع وفساد الفطرة. ومهما يكن فإن هذا الاستخراج مهم ومفيد في مجموعه، وبما أن النفاق يستر مساوئ صاحبه ويضفي عليها ثوبا مهلهلا من محاسن الأعمال والأقوال الظاهرة، كان مدعاة لنمو الرذائل وزيادة النقائص، لأنها تترعرع بعيدة عن أنظار المربين المصلحين، وتستمر في توالدها حتى تكون كل رذيلة منشأ لرذائل، وكل نقيصة محضنا لنقائص، فلذلك قال الله سبحانه: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}. النفاق سبب لزيادة المرض: إن هذه الزيادة إنما هي نتيجة ما تلبسوا به من قبل، والشاهد عليه العطف بالفاء الموحية بالسببية، وإنما أسندت هذه الزيادة إلى الله لأنه خالق كل شيء، فالتوالد وأسبابه من مخلوقاته، وفي هذا الاسناد ما لا يخفى من التنبيه على خطورة الاسترسال في أعمال النفاق، والانطواء على أدواته الدفينة، فإن من شأن ذلك أن تزداد هذه الأمراض تمكنا في نفس المنافق حتى تستولي عليها وتكون كالشيء الجِبِلِّيِّ فيها، فلا يمكنه الفكاك عنها والتخلص منها. ومن ناحية أخرى فإن أعمال المنافق داعية لغضب الله عليه وحرمانه من التوفيق ورميه بسهم الخذلان، فيظل بذلك منهمكا في غيّه، سادرا في غفلته، فيتعمق ضلاله ويستفحل داؤه، وفي ضمن هذا التنبيه على خطورة أدواء النفاق تحذير للمؤمنين من ملابسة المنافقين، ولعل في تنكير مرض في الموضعين ما يوحي بما تقدم، إذ ليس ببعيد أن يكون التنوين في الأول للاشعار بالتنويع والتكثير، وفي الثاني للاشعار باختلاف المرض المزيد على المزيد عليه. وجملة {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} خبرية على الصحيح، معطوفة على قوله {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} حالّة محل الاستئناف للبيان، فلربما كان الحديث عنهم مدعاة للتساؤل عن سبب انهماكهم في الغي واسترسالهم في الفساد، وعدم إجداء الزواجر والنذر فيهم، فكان في هذه الجملة وفيما قبلها جواب عن ذلك يفيد أن حالتهم ناتجة عن مرض في قلوبهم يتضاعف بمرور الأيام تضاعفا مقدرا من الله فلا طمع في تخلصهم منه، وقيل هي جملة إنشائية أريد بها الدعاء عليهم نحو قول الشاعر: شعر : تباعد عني فِطحَلٌ إذ دعوته أمين فزاد الله ما بيننا بعدا تفسير : والمراد بالدعاء هنا الايجاب، لأن الله القادر على كل شيء، المصرف لكل أمر يوجب ولا يدعو. واعترض ذلك ابن عاشور بأنه خلاف الأصل في العطف بالفاء - يعني عطف الجملة الاعتراضية - وبأن تصدي القرآن لشتمهم ليس من دأبه، وبأن الدعاء عليهم بزيادة الغي ينافي ما عهد من الدعاء للضالّين بالهداية في نحو "اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون". وللقائلين بأنها دعائية أن يدفعوا الاعتراض الأول بأن تصدير الجملة الاعتراضية بالفاء معهود عند العرب كما نص عليه صاحب التلويح، ومن شواهده قول الشاعر: شعر : واعلم - فعلم المرءِ ينفعه - أن سوف يأتي كل ما قُدِّرَا تفسير : كما أن لهم أن يدفعوا الاعتراضين الأخيرين بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} تفسير : [التوبة: 127]، وقد علمتَ أن الدعاء في كلام الله محمول على الايجاب فلا إشكال. وفسر ابن مسعود وابن عباس وآخرون من الصحابة - رضوان الله عليهم - المرض الثاني بما فسروا به المرض الأول وهو الشك، وروي نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة، وفسره عبدالرحمن بن زيد بن أسلم بالرجس، واستدل بقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125]، وفسر الرجس بالشر والضلالة، واستحسن تفسيره ابن كثير وعدّه من باب (الجزاء من جنس العمل)، ونظّره بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [القتال: 17]. وهذا كله لا ينافي ما سبق تفصيله من الأمراض الخلقية الناشئة عن النفاق، فإنها جميعا من جنس الشر والضلالة ولا تتولد إلا في نفس خيّمت عليها ظلمات الشك، وقد ح مل ابن جرير تفسير السلف بزيادة الشك على ما يستجد من شكوكهم كلما نزلت آية، واستشهد له بقوله تعالى: {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}. وأما على اعتبار المرض حقيقيا، فإن المراد بزيادته تضاعف همومهم، واكتظاظ صدورهم بالحسد الناشئ عن ظهور المؤمنين وارتفاع أعلام الدين وإقبال الناس عليه، وعلى هذا القول فإن إسناد الزيادة إلى الله حقيقي، لأنه هو الذي هيأ أسباب ظهور المؤمنين، ورفع مكانتهم بين العالمين، وأظهر دينهم على كل دين، فأمرض بذلك قلوب أعدائهم المنافقين. وإنما قال سبحانه: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} ولم يقل "فزاد قلوبهم مرضا" مع قوله من قبل {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} الدال على أن القلوب هي وعاء هذا المرض، لأن مرض القلب مرض سائر الجسد كما يدل عليه حديث "حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله"تفسير : ، أو لأن القلب من حيث إنه مصدر العواطف ومنبع الوجدان ومرتبط بالجنان كانت إنسانية الانسان لا تتحقق إلا به، فلذلك أعيد الضمير إليهم بدلا من إعادته إلى قلوبهم. وبعد أن أخبر سبحانه بسوء حالهم في الدنيا بيّن شر مآلهم في الآخرة بقوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وهو معطوف على قوله {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}، وبهذا العطف تكمل فائدة البيان عنهم بما فيه من الاخبار عما ينتظرهم في الدار الآخرة نتيجة ما قدموه في الدنيا، وهل يحصد الانسان إلا ما زرع؟ وقد تقدم معنى العذاب، ووصفه هنا بأنه أليم لأجل تأكيد مدلوله، فإن العذاب لا يكون إلا أليما، ولكن يتفاوت ألمه بتفاوت قدره، والأليم بمعنى المؤلم كالبصير بمعنى المبصر، وزنة فعلهما جميعا أفعل، وذهب الزمخشري إلى أن {أليما} مأخوذ من أَلِمَ اللازم لا من آلم المتعدي، فهو فعيل بمعنى فاعل، وحمل وصف العذاب به على نحو تحية بينهم ضرب وجيع، وهذا على طريقة قولهم جدّ جِدّه، حيث أسند فيه الفعل إلى الجد - وهو مصدر - وحقيقته للجاد فإسناد الألم إلى العذاب وهو للمعذَّب، وإسناد الوجع إلى الضرب وهو للمضروب، كلاهما من هذا الباب، وتابع الزمخشري على رأيه هذا جماعة من المفسرين كالسيد الجرجاني وأبي السعود والقطب في الهيميان والتيسير. والرأي الأول أبعد عن تكلف التأويل، على أنه حمل بعضهم (وجيع) في البيت على حقيقته وجعله بمعنى موجع على البناء للفاعل، ومجيء فعيل بمعنى مُفْعِل مشهور في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: شعر : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع تفسير : وجاء في شعر ذي الرمة أليم بمعنى مؤلم في قوله: شعر : ونرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليم تفسير : فإن كون الوهج أليما بمعنى مؤلم فيه مما لا يحتاج إلى بيان، وكذلك السميع بمعنى مُسمِع في البيت الذي قبله، إذ الداعي يوصف بأنه مُسمِع - على زنة اسم الفاعل - لا مُسمَع - على زنة اسم المفعول -، وبهذا يتضح لك أن إنكار الزمخشري في تفسير قوله تعالى {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، مجيء فعيل بمعنى مُفْعِل - على وزن اسم الفاعل - ليس بشيء، وقد تكلف تأويل بديع السماوات بمعنى مُبدَعة سماواته، وتابعه السيد وأبو السعود، إذ أحالا ما هنا على ما جاء في تفسير {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وأنت تدري أنه إذا جاز - ولو على بعد - حمل {بديع السماوات} على معنى مُبدَعة سماواته، فإن حمل حكيم على غير معنى مُحْكِم يكاد يكون متعذرا، وفي هذا ما يكفي دحضا لمقالة الزمخشري ومن تابعه بأن فعيلا لا يكون بمعنى مفعل بالكسر، وليت شعري ماذا عساهم يقولون في اتصاف الله بأنه بصير؟ ويؤيد الرأي الذي اخترته أنه قال به مفسرو السلف كالضحاك والربيع بن أنس، وعليه عول ابن جرير والقرطبي، وذكر ابن عاشور في تفسيره أن مجيء فعيل بمعنى مفعِل كثير في الكلام البليغ، وإنما اختلف في جواز القياس عليه، واختار أن منع القياس عليه للمولَّدين لم يُقصد منه إلا التباعد عن مخالفة القياس بدون داع لئلا يلتبس حال الجاهل بحال البليغ، وأنه لا مانع من تخريج الكلام الفصيح عليه. وإذا كان هذا الوعيد هنا منصبا على المنافقين بسبب نفاقهم، فلا مانع أن يكونوا داخلين أيضا في عموم وعيد الكفار بقوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}، فإن المنافقين جمعوا بين الكبيرتين، الكفر وخداع المؤمنين، فكانوا أحرياء بالوعيدين، فلهم عذاب عظيم على كفرهم، ولهم عذاب أليم على خداعهم. صحة قراءتي "يُكَذِّبون": واختلف في قراءة "يكذبون" فحمزة والكسائي وعاصم قرأوها بالتخفيف من الكَذِبْ، ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرأوها بالتثقيل من التَّكذيب، وما أجدر المنافقين بوعيد الكاذبين والمكذبين لجمعهم بين صفتيهم واتصافهم بمساوئهم غير أن ابن جرير - كعادته في انتقاد ما لا يعجبه من القراءات - خطّأ قراءة التثقيل ظانّا أن الذين قرأوا بها لا يرون الكذب من غير تكذيب يوجب شيئا من العذاب فضلا عن كونه أليما، وأطال في الرد عليهم، واستدل لتصحيح قراءة التخفيف بأنها تتفق مع السياق، فإن قصة المنافقين صُدِّرت بقول الله عز وجل {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، وهو دال على كذبهم، فالوعيد على ما سبق ذكره من الكذب أولى من أن يكون على التكذيب الذي لم يذكر، كما استدل لذلك بما وُصف به المنافقون من الكذب في غير هذه الآيات، كقوله سبحانه في سورتهم: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [المنافقون: 1 - 2]، وقوله في سورة المجادلة: {أية : ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} تفسير : [المجادلة: 16]، فإن ذلك كله يفيد اتصافهم بالكذب ووعيدهم عليه دون التكذيب. ولا زلت أستغرب من جرأة ابن جرير على انتقاد ما تواتر من القراءات كأنها مجرد آراء لأصحابها، وليست روايات متواترة النقل عن المعصوم، على أن ابن جرير من أولي الخبرة في الروايات وما يتصل بها، فكيف سمحت له نفسه أن يخطّىء قراءة ثبت نقلها بالتواتر عن إمام الهداة وأفصح العرب وأعلم الخلق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ما احتج به صالحا للاستناد عليه؟! أما ما قاله من أن قراءة التثقيل لا تقتضي الوعيد إلا على التكذيب دون الكذب، فما هو إلا وهم اصطبغ به ذهنه فحال بينه وبين درك المراد، فإن الوعيد على الشيء لا يعني عدم الوعيد على غيره، والمنافقون متلبسون بالكذب والتكذيب، فلا غرو إذا تُوُعِدوا على الكذب تارة، وعلى التكذيب أخرى، وليس في وعيدهم على أحد الأمرين ما ينافي الوعيد على الآخر، وأنت إذا تدبرت لم تجد فارقا معنويا بين كذبهم وتكذيبهم، فإن دعواهم الايمان بألسنتهم محض كذب وخلو قلوبهم منه هو عين التكذيب بما يجب الايمان به. وأما ما ذكره من اقتضاء السياق وعيدهم على الكذب الذي سبق ذكره لا على التكذيب الذي لم يكن له ذكر، وتعزيز ذلك بأن المنافقين وُصفوا بالكذب وتوعدوا عليه في سائر السور، فهو مدفوع بما علمت من أن كذبهم ينطوي على التكذيب، كيف والايمان نفسه أهم عناصر التصديق، بل هو حقيقته اللغوية؟ فقوله سبحانه {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، يفيد أنهم من المكذبين، وكذلك رده عليهم في سورة المنافقون ما حكاه عنهم من قولهم {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ}، بقوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، يفيد أنهم مكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه، فأي غرابة مع ذلك إذا توعدوا على التكذيب. وجوّز الزمخشري أن يكون المشدد دالا على ما يدل عليه المخفف مع المبالغة، كما يقال بيّن الشيء بمعنى بان، وصدّق بمعنى صدق، وموتت الإِبل بمعنى ماتت، كما جوّز أن يكون من كذّب الوحش إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه، وتلك حالة المتحير كما هو شأن المنافق الذي دل عليه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند مسلم والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة"تفسير : ، وزاد النسائي "حديث : لا تدري أيهما تتبع"تفسير : ، ووافق الزمخشري على هذين التأويلين لقراءة التشديد السيد الجرجاني وأبو السعود والألوسي، ولست أرى ما يدعو إلى هذه التأويلات القاصية عن الأفهام مع وجود ما يغني عنها من المعنى القريب الذي يمكن أن تحمل عليه القراءة بدون تكلف. عواقب الكذب وخيمة وهو مشتمل على الكفر: ولعل تساؤلا يخطر لبعض الناس عن سبب توعدهم على الكذب دون الكفر مع أن الكفر بالله ورسله أكبر الكبائر، وأترك الإِجابة عنه لفيلسوف الإِسلام الإِمام محمد عبده حيث قال: "إن الكفر داخل في هذا الكذب، وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير عنه وبيان فظاعته وعظم جرمه، ولبيان أن الكفر من مشتملاته وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير، وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياء والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحا إلا بالعجز عنه، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه". وما أحرى الكذب بالوعيد، وما أجدره بالتحذير منه، فإنه عش الرذيلة، وسم الفضيلة، وديدن الأنذال، وشعار الفجار، ولذلك تجد التحذير منه والتنفير عنه في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدا بالغا، من ذلك ما أخرجه الترمذي عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به"تفسير : ، وأخرج أبو داود عن سفيان بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب"تفسير : ، وأخرج مسلم وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"تفسير : ، وفي هذا ما لا يخفى على ذي بال من وجوب الحيطة في الحديث وعدم التسرع في نقل ما يسمع من الكلام؛ خشية الوقوف في الإِفك والإِسهام في نشره. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدور في مجالس التسلية عند عوام الناس من أحاديث لا أصل لها، لقصد الإِبداع في النكتة وإثارة استغراب السامعين وحملهم على الضحك، فقد أخرج أبو داود والترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ويل للذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له"تفسير : ، ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المؤمن صفة الكذب، فقد أخرج مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم - رضي الله عنه -، قال: "حديث : "قلنا يا رسول الله؛ أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون بخيلا؟ قال: نعم. قيل: أيكون كذابا؟ قال: لا""تفسير : ، ذلك لأن الجبن خلقة جبلية في الجبان، فلذلك لم يناف الايمان، وحب المال أمر مركوز في نفس البخيل غير أن الإِيمان يُغَلِّبه على هذا الطبع، فلا يحول بينه وبين إيتاء الزكاة، وأداء سائر الواجبات المالية، أما الكذب فإنه ينشأ عن اختيار صاحبه، وتعويد لسانه عليه، فلذلك لم يكن يجامع الايمان، وجاء في حديث مرفوع عند أحمد وغيره "حديث : يُطبع المؤمن على جميع الخلال ليس الخيانة والكذب"تفسير : ، وقد تقدم ما يدل على أن الكذب من خصال النفاق وصفات المنافق في الأحاديث التي أوردناها عن ابن مسعود وأبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص في علامة المنافق وخصال النفاق. والكذب إذا اعتاده الانسان لم يلبث أن يتحول إلى سجية لا ينفك عنها، كما هو شأن الكذابين الذين خبرناهم وعرفنا عنهم الكثير من مساوئ الأعمال وقبائح الخصال، وهو الذي يعنيه حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - الذي رواه الشيخان من طريقه مرفوعا: "حديث : إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ". تفسير : وقد جاء وعيد الكذابين في أحاديث متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث رؤيا منامه صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الكذب لا ينشأ إلا عن فساد الفطرة، فإنه لا يجد له مناخا إلا في البيئة التي تسودها الرذيلة وتتقلص منها الفضيلة، وفي مثلها لا يكاد الانسان يثق بمحدث ولا يطمئن إلى حديث، بخلاف بيئة المؤمنين الصالحين، ففيها يطمئن الانسان إلى الحديث ويرتاح إليه، ويثق بمحدثه ويعول عليه. تعريف الكذب: وقبل أن أغادر هذا الموضوع أرى من الملائم أن أكمل الفائدة بذكر بعض ما قيل في تعريف الكذب: فهو عند الجمهور الإِخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وبناء على هذا الرأي فإن الكذب الملوم عليه هو ما صدر عن قصد ويمكن الخطأ فيه، وهو عند النظام الإِخبار عن الشيء بخلاف معتقد القائل فيه، وعند الجاحظ ما خالف الواقع والاعتقاد. سبب إمهال الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين: هذا وقد يتساءل من يسمع قصة المنافقين ومعاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عن السبب في إمهالهم وترك قتلهم مع ظهور أمرهم وانكشاف سرهم بشواهد حالهم، وما كان ينزل فيهم من آيات القرآن شارحا لأحوالهم ومشيرا إلى ما يشخصهم من الصفات؟ وقد أجيب عن هذا التساؤل بأربعة أجوبة: أولها: أن حالهم لم يكن مكشوفا لعامة الناس، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده يعرف حقيقة أمرهم، وليس للحاكم أن يقتل بعلمه باتفاق، وإن أجاز له بعض العلماء الحكم بعلمه فيما دون القتل، واعترض هذا الجواب ابن العربي في أحكام القرآن بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل الحارث بن سويد بن الصامت لقتله المجذر بن زياد غيلة يوم أحد لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بأمره فقتله به، ورد القرطبي هذا الاعتراض بأن الإِجماع إن ثبت لا يَنْقُضُهُ ما ذكر فإن انعقاد الإِجماع لا يكون إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، ولا يبعد أن تكون هذه القضية واقعة حال أو منسوخة بالإِجماع. ثانيها: أن ترك قتلهم لأن الزنديق - وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإِيمان - يستتاب ولا يقتل، أجاب به بعض أصحاب الشافعي، ووهّنه ابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم إذ لم يرو ذلك أحد عنه، وكان يعرض عنهم ولا يتعرض لهم مع علمه بهم. ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كف عنهم رعاية لمصلحة الأمة والدين، فقد كان يخشى لو تعرض لهم أن ينفر عنه قلوبا هو أحوج إلى تأليفها، وإلى ذلك يشير جوابه صلى الله عليه وسلم لعمر - رضي الله عنه - حيث قال له: "حديث : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" تفسير : رواه الشيخان. ومثل ذلك إعطاؤه صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم، ونسب هذه الاجابة القرطبي إلى علماء المالكية، وبمثله يوحي كلام ابن عطية، وذكر أنه ممن نص على ذلك من أصحاب مالك محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واستُدِلّ لذلك بقوله تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 60 - 61]، فإن ذلك منوط بإعلانهم النفاق كما قال قتادة. وهذا ينافي ما روي عن مالك وبعض المالكية أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يُشهد على المنافقين، وهذا يتفق مع الجواب الأول. وذكر القاضي إسماعيل أن عبدالله بن أبيّ لم يشهد عليه إلا زيد بن أرقم، وكذلك لم يشهد على الجُلاس بن سويد إلا ربيبه عمير بن سعد، ولو شهد على أحدهما رجلان بكفره ونفاقه لقتل، وروي عن مالك: "النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيُقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة" وهو أحد قولي الشافعي. واحتج الشافعي للقول الآخر بأن السنة فيمن شُهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن الايمان وتبرأ من كل دين سوى الاسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه، فإن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين لما كانوا يظهرونه من الاسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله، وبهذا القول قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وآخرون. ولا يُسلم للشافعي أن السنة فيمن شهد عليه بالنفاق فتبرأ مما نُسب إليه أن يمسك عن قتله لأن المنافقين في عهده صلى الله عليه وسلم كانوا محتاطين لأنفسهم فلا يبوحون بما يقطع بكفرهم عند من تقوم عليهم بهم الحجة من المؤمنين، وإن استُدل على طواياهم بفلتات ألسنتهم وقرائن أحوالهم، فليس في ذلك ما يعد بينة يصح بها القتل. واستدل الطبري لما ذهبوا إليه بتكذيب الله تعالى ظواهر المنافقين في قوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، وتعقبه ابن عطيه بأن للمالكية أن ينفصلوا عما ألزموا بهذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم، وإنما توبيخها يشمل كل مغموص عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يتخلص بدعوى أنه لم يُرَد بها وأنه مؤمن، ولو عُيِّن أحد لما جبّ كذبه شيئا، وتعقب القرطبي هذا التعقب بأن هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو يعلم كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة - رضي الله عنه - يعلم ذلك بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم له، حتى أن عمر - رضي الله تعالى عنه - كان يشفق أن يكون منهم، فيقول له: يا حذيفة؛ هل أنا منهم؟ فيقول له: لا. هذا وقد سبق ما يدلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحيط علما بجميع المنافقين، وإنما يعرف بعضهم بإخبار الله عنهم أو بتشخيص الوحي لأحوالهم. رابعها: أن ترك قتلهم للأمن من شرهم، فإن الله قد حفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من إفساد المنافقين دينهم، بخلاف الأجيال التي جاءت من بعدهم فلا يؤمن عليها من شر أهل النفاق ومكائدهم. وفي هذا الجواب نظر لا يخفى على من أمعن في آي القرآن، ودرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكم حاول المنافقون أن يثبطوا المؤمنين عن الجهاد، ويشيعوا فيهم روح الهزيمة، كما هو واضح فيما نزل في غزوة أحد من سورة آل عمران، وما نزل في غزوة تبوك من سورة التوبة، وبهذا يتضح أن أولى الأجوبة بالصواب هو الجواب الأول، ولا يمنع ذلك أن تضم إليه حكمة مراعاة المصلحة بتأليف القلوب، وتجنب ما ينفرها كما ذكر في الجواب الثالث.

الالوسي

تفسير : المرض بفتح الراء كما قرأ الجمهور، وبسكونها كما قرأ الأصمعي عن أبـي عمر وعلى ما ذهب إليه أهل اللغة حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وعند الأطباء ما يقابل الصحة وهي الحالة التي تصدر عنها الأفعال سليمة، والمراد من الأفعال ما هو متعارف وهي إما طبيعية كالنمو أو حيوانية كالنفس أو نفسانية كجودة الفكر، فالحول والحدب مثلاً مرض عندهم دون أهل اللغة وقد يطلق المرض لغة على أثره وهو الألم كما قاله جمع ممن يوثق بهم، وعلى الظلمة كما في قوله:شعر : في ليلة مرضت من كل ناحية فما يحس بها نجم ولا قمر تفسير : وعلى ضعف القلب وفتوره كما قاله غير واحد ويطلق مجازاً على ما يعرض المرء مما يخل بكمال نفسه كالبغضاء والغفلة وسوء العقيدة والحسد وغير ذلك من موانع الكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ والمؤدية إلى الهلاك الروحاني الذي هو أعظم من الهلاك الجسماني، والمنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حمل المرض في الآية على المعنى المجازي. ولا شك أن قلوب المنافقين كانت ملأى من تلك الخبائث التي منعتهم مما منعتهم وأوصلتهم إلى الدرك الأسفل من النار. ولا مانع عند بعضهم أن يحمل المرض أيضاً على حقيقته الذي هو الظلمة {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ }تفسير : [النور: 40] {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ }تفسير : [البقرة: 257] وكذا على الألم فإن في قلوب أولئك ألماً عظيماً بواسطة شوكة الإسلام وانتظام أمورهم غاية الانتظام، فالآية على هذا محتملة للمعنيين ونصب القرينة المانعة في المجاز إنما يشترط في تعيينه دون احتماله فإذا تضمن نكتة ساوى الحقيقة فيمكن الحمل عليهما نظراً إلى الأصالة والنكتة إلا أنه يرد هنا أن الألم مطلقاً ليس حقيقة المرض بل حقيقته الألم لسوء المزاج وهو مفقود في المنافقين والقول بأن حالهم التي هم عليها تفضي إليه في غاية الركاكة على أن قلوب أولئك لو كانت مريضة لكانت أجسامهم كذلك أو لكان الحِمام عاجلهم ويشهد لذلك الحديث النبوي والقانون الطبـي، أما الأول: فلقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن في الجسد مضغة»تفسير : الحديث، وأما الثاني: فلأن الحكماء بعد أن بينوا تشريح القلب قالوا إذا حصلت فيه مادة غليظة فإن تمكنت منه ومن غلافه أو من أحدهما عاجلت المنية صاحبه وإن لم تتمكن تأخرت الحياة مدة يسيرة ولا سبيل إلى بقائها مع مرض القلب، فالأولى دراية ورواية حمله على المعنى المجازي ـ ومنه الجبن والخور ـ وقد داخل ذلك قلوب المنافقين حين شاهدوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ما شاهدوا. والتنوين للدلالة على أنه نوع غير ما يتعارفه الناس من الأمراض، ولم يجمع كما جمع القلوب لأن تعداد المحال يدل على تعداد الحال عقلاً فاكتفى بجمعها عن جمعه. والجملة الأولى إما مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق أو مقررة لما يفيده {أية : وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } تفسير : [البقرة: 8] من استمرار عدم إيمانهم أو تعليل له كأنه قيل: ما بالهم لا يؤمنون؟ فقال: في قلوبهم مرض يمنعه أو مقررة لعدم الشعور وإن كان سبيل قوله: {أية : وَمَا يَشْعُرُونَ }تفسير : [البقرة: 9] سبيل الاعتراض على ما قيل وجملة {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } إما دعائية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه والمعترضة قد تقترن بالفاء كما في قوله:شعر : واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كلما قدرا تفسير : كما صرح به في «التلويح» وغيره نقلاً عن النحاة أو إخبارية معطوفة على الأولى وعطف الماضي على الإسمية لنكتة إن أريد في الأولى أن ذلك لم يزل غضاً طرياً إلى زمن الإخبار، وفي الثانية أن ذلك سبب لازدياد مرضهم المحقق إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما منّ الله تعالى به على المؤمنين شفاء ولا يتكرر هذا مع قوله تعالى: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ }تفسير : [البقرة: 15] للفرق بين زيادة المرض وزيادة الطغيان على أنه لا مانع من زيادة التوكيد مع بعد المسافة، وأيضاً الدعاء إن لم يكن جارياً على لسان العبد أو مراداً به مجرد السب والتنقيص يكون إيجاباً منه سبحانه فيؤول إلى ما آل إليه الإخبار وزيادة الله تعالى مرضهم إما بتضعيف حسدهم بزيادة نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أو ظلمة قلوبهم بتجدد كفرهم بما ينزله سبحانه شيئاً فشيئاً من الآيات والذكر الحكيم فهم في ظلمات بعضها فوق بعض أو بتكثير خوفهم ورعبهم المترتب عليه ترك مجاهرتهم بالكفر بسبب/ إمداد الله تعالى الإسلام ورفع أعلامه على أعلام الإعزاز والاحترام، أو بإعظام الألم بزيادة الغموم وإيقاد نيران الهموم:شعر : والغم يخترم النفوس نحافة ويشيب ناصية الصبـي ويهرم تفسير : ويكون ذلك بتكاليف الله تعالى لهم المتجددة وفعلهم لها مع كفرهم بها وبتكليف النبـي صلى الله عليه وسلم لهم ببعض الأمور وتخلفهم عنه الجالب لما يكرهونه من لومهم وسوء الظن بهم فيغتمون إن فعلوا وإن تركوا ونسبة الزيادة إلى الله تعالى حقيقة ولو فسرت بالطبع فإنه سبحانه الفاعل الحقيقي بالأسباب وبغيرها ولا يقبح منه شيء، وبعضهم جعل الإسناد مجازاً في بعض الوجوه ولعله نزغة اعتزالية، وأغرب بعضهم فقال: الإسناد مجازي كيفما كان المرض، وحمل على أن المراد أنه ليس هنا من يزيدهم مرضاً حقيقة على رأي الشيخ عبد القاهر في أنه لا يلزم في الإسناد المجازي أن يكون للفعل فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة مثل:شعر : يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظراً تفسير : فتدبر، وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها إما ارتكاباً لحذف المضاف ـ أي فزاد الله قلوبهم مرضاً ـ أو إشارة إلى أن مرض القلب مرض لسائر الجسد أو رمزاً إلى أن القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان الإنسان إنساناً وإعادة مرض منكراً لكونه مغايراً للأول ضرورة أن المزيد يغاير المزيد عليه، وتوهم من زعم أنه من وضع المظهر موضع المضمر، والتنكير للتفخيم، والأليم فعيل من الألم بمعنى مفعل كالسميع بمعنى مسمع، وعلى ما ذهب إليه الزمخشري من ألم الثلاثي كوجيع من وجع، وإسناده إلى العذاب مجاز على حد جد جده، ولم يثبت عنده فعيل بمعنى مفعل وجعل {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَاتِ} تفسير : [البقرة: 117] من باب الصفة المشبهة أي بديعة سمٰواته، وسميع في قوله:شعر : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابـي هجوع تفسير : بمعنى سامع ـ أي أمن ريحانة داع من قلبـي سامع لدعاء داعيها ـ بدليل ما بعده فإن أكثر القلق والأرق إنما يكون من دواعي النفس وأفكارها فعلى هذا يكون تفسيره بمؤلم اسم فاعل بيان لحاصل المعنى، وقد أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل شيء في القرآن أليم فهو موجع، وقد جمع للمنافقين نوعان من العذاب، عظيم وأليم، وذلك للتخصيص بالذكر هنا والاندراج مع الكفار هناك؛ قيل: وهذه الجملة معترضة لبيان وعيد النفاق والخداع. والباء إما للسببية أو للبدلية و(ما) إما مصدرية مؤولة بمصدر كان إن كان أو بمصدر متصيد من الخبر كالكذب وإما موصولة، واستظهره أبو البقاء بأن الضمير المقدر عائد على ما أورده في «البحر» بأنه لا يلزم أن يكون ثم مقدر بل من قرأ (يكذبون) بالتخفيف وهم الكوفيون فالفعل غير متعد ومن قرأ بالتشديد كنافع وابن كثير وأبـي عمر فالمفعول محذوف لفهم المعنى والتقدير بكونهم يكذبون النبـي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف للمبالغة في الكيف كما قالوا في بان الشيء وبين، وصدق وصدق وقد يكون التضعيف للزيادة في الكم كموتت الإبل ويحتمل أن يكون من كذب الوحش إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه، وتلك حال المتحير وهي حال المنافق ففي الكلام حينئذٍ استعارة تبعية تمثيلية أو تبعية أو تمثيلية ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة» تفسير : والجار والمجرور صفة لعذاب لا لأليم كما قاله أبو البقاء لأن الأصل في الصفة أن لا توصف. والكذب هو الإخبار عن الشيء النسبة أو الموضوع على خلاف/ ما هو عليه في نفس الأمر عندنا، وفي الاعتقاد عند النظام، وفيهما عند الجاحظ، وكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه فإن لم يمكن إلا بالكذب فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً وواجب إن كان واجباً، وصرح في الحديث بجوازه في ثلاث مواطن، في الحرب، وإصلاح ذات البين، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها ولا حصر ولهذا جاز تلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار فينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضرراً فله الكذب وإن كان عكسه أو شك حرم عليه، فما قاله الإمام البيضاوي عفا الله تعالى عنه من أن الكذب حرام كله يوشك أن يكون مما سها فيه. وفي الآية تحريض للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق فإن المؤمن إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو هو تخيل في نفسه تغليظ اسم الكذب وتصور سماجته فانزجر عنه أعظم انزجار، وهذا ظاهر على قراءة التخفيف ويمكن في غيرها أيضاً لأن نسبة الصادق إلى الكذب كذب، وكذا كثرته وإن تكلف في المعنى الأخير، وقيل: إنه مأخوذ من كذب المتعدي كأنه يكذب رأيه فيقف لينظر لكن لما كثر استعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها أمكن على بعد بعيد ذلك التحريض، ولا يرد على تحريم الكذب في بعض وجوهه ما روي في حديث الشفاعة عن إبراهيم عليه السلام أنه يقول: «لست لها إني كذبت ثلاث كذبات» وعنى كما في رواية أحمد {أية : إِنّى سَقِيمٌ }تفسير : [الصافات: 98] و {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ }تفسير : [الأنبياء: 63]. وقوله للملك في جواب سؤاله عن امرأته سارة: هي أختي حين أراد غصبها، وكان من طريق السياسة التعرض لذات الأزواج دون غيرهن بدون رضاهن فإنها إن كانت من الكذب المحرم فأين العصمة وهو أبو الأنبياء؟! وإن لم تكن كذلك فقد أخبر يوم القيامة بخلاف الواقع وحاشاه حيث إن المفهوم من ذلك الكلام أني أذنبت فأستحي أن أشفع، وهي يستحي مما لا إثم فيه ولقوة هذه الشبهة قطع الرازي بكذب الرواية صيانة لساحة إبراهيم عليه السلام لأنا نقول إن ذلك من المعاريض، وفيها مندوحة عن الكذب، وقد صدرت من سيد أولي العصمة صلى الله عليه وسلم كقوله مما في حديث الهجرة، وتسميته كذباً على سبيل الاستعارة للاشتراك في الصورة فهي من المعاريض الصادقة كما ستراه بأحسن وجه إن شاء الله تعالى في موضعه لكنها لما كانت مبنية على لين العريكة مع الأعداء، ومثله ممن تكفل الله تعالى بحمايته يناسبه المبارزة ـ فلعدوله عن الأولى بمقامه ـ عد ذلك في ذلك المقام ذنباً وسماه كذباً لكونه على صورته، وما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك لم يقع في مثل هذا المقام حتى يستحيى منه فلكل مقام مقال، على أنا نقول إنها لو كانت كذباً حقيقة لا ضرر فيها ولا استحياء منها، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منها كذبة إلا جادل بها عن دين الله تعالى فهي من الكذب المباح»تفسير : لكن لما كان مقام الشفاعة هو المقام المحمود المخبوء للحبيب لا الخليل أظهر الاستحياء للدفع عنه بما يظن أنه مما يوجب ذلك وهو لا يوجبه. وفي ذلك من التواضع وإظهار العجز والدفع بالتي هي أحسن مما لا يخفى فكأنه قال: أنا لا آمن من العتاب على كذب مباح فكيف لي بالشفاعة لكم في هذا المقام فليحفظ. ثم إن الإتيان بالأفعال المضارعة في أخبار الأفعال الماضية الناقصة أمر مستفيض ـ كأصبح يقول كذا، وكادت تزيغ قلوب فريق منهم ـ ومعناه أنه في الماضي كان مستمراً متجدداً بتعاقب الأمثال والمضي والاستقبال بالنسبة لزمان الحكم، وقد عد الاستمرار من معاني (كان) فلا إشكال في {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} حيث دلت (كان) على انتساب الكذب إليهم في الماضي ويكذبون على انتسابه في الحال والاستقبال/ والزمان فيهما مختلف ودفعه بأن (كان) دالة على الاستمرار في جميع الأزمنة ويكذبون دل على الاستمرار التجددي الداخل في جميع الأزمنة على علاته يغني الله تعالى عنه. وأمال حمزة فزادهم في عشرة أفعال ووافقه ابن ذكوان في إمالة جاء وشاء وزاد هذه، وعنه خلاف في زاد غيرها، والإمالة لتميم والتفخيم للحجاز. وقد نظم أبو حيان تلك العشرة فقال:شعر : وعشرة أفعال تمال لحمزة فجاء وشاء ضاق ران وكملا بزاد وخاب طاب خاف معاً وحا ق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا

ابن عاشور

تفسير : استئناف محض لعَدِّ مساويهم ويجوز أن يكون بيانياً لجواب سؤال متعجب ناشىء عن سماع الأحوال التي وصفوا بها قبل في قوله تعالى: {أية : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}تفسير : [البقرة: 9] فإن من يسمع أن طائفة تخادع الله تعالى وتخادع قوماً عديدين وتطمع أن خداعها يتمشى عليهم ثم لا تشعر بأن ضرر الخداع لاحق بها لطائفة جديرة بأن يتعجب من أمرها المتعجب ويتساءل كيف خطر هذا بخواطرها فكان قوله: {في قلوبهم مرض} بياناً وهو أن في قلوبهم خللاً تزايد إلى أن بلغ حد الأفن. ولهذا قدم الظرف وهو {في قلوبهم} للاهتمام لأن القلوب هي محل الفكرة في الخداع فلما كان المسؤول عنه هو متعلقها وأثرها كان هو المهتم به في الجواب. وتنوين {مرض} للتعظيم. وأطلق القلوب هنا على محل التفكير كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 7]. والمرض حقيقة في عارض للمزاج يخرجه عن الاعتدال الخاص بنوع ذلك الجسم خروجاً غير تام وبمقدار الخروج يشتد الألم فإن تم الخروج فهو الموت، وهو مجاز في الأعراض النفسانية العارضة للأخلاق البشرية عروضاً يخرجها عن كمالها، وإطلاق المرض على هذا شائع مشهور في كلام العرب، وتدبير المزاج لإزالة هذا العارض والرجوع به إلى اعتداله هو الطب الحقيقي ومجازي كذلك قال علقمة بن عبدة الملقب بالفحل:شعر : فإن تسألوني بالنساءِ فإنني خبير بأدواء النساء طَبيب تفسير : فذكر الأدواء والطب لفساد الأخلاق وإصلاحها. والمراد بالمرض في هاته الآية هو معناه المجازي لا محالة لأنه هو الذي اتصف به المنافقون وهو المقصود من مذمتهم وبيان منشأ مساوي أعمالهم. ومعنى {فزادهم الله مرضاً} أن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات كما قال المعلوط القُرَيْعي:شعر : ورَجِّ الفتى للخير ما إنْ رأيتَه على السِّنِّ خيراً لا يزال يزيد تفسير : وكذلك القول في الشر ولذلك قيل: من لم يتحلم في الصغر لا يتحلم في الكبر، وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل:شعر : فإنك سوف تحلم أو تَنَاهَى إذا ماشِبْتَ أو شاب الغراب تفسير : وإنما كان النفاق موجباً لازدياد ما يقارنه من سيء الأخلاق لأن النفاق يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين والمرشدين وبذلك تتأصل وتتوالد إلى غير حد فالنفاق في كتمه مساوىء الأخلاق بمنزلة كتم المريض داءه عن الطبيب، وإليك بيان ما ينشأ عن النفاق من الأمراض الأخلاقية في الجدول المذكور هنا وأشرنا إلى ما يشير إلى كل خلق منها في الآيات الواردة هنا أو في آيات أخرى في هذا الجدول: صفحة مستقلة للرسم ص 280 الأصل. اعلم أن هذه طباع تنشأ عن النفاق أو تقارنه من حيث هو ولا سيما النفاق في الدين فقد نبهنا الله تعالى لمذام ذلك تعليماً وتربية فإن النفاق يعتمد على ثلاث خصال وهي: الكذب القولي، والكذب الفعلي وهو الخداع، ويقارن ذلك الخوف لأن الكذب والخداع إنما يصدران ممن يتوقى إظهار حقيقة أمره وذلك لا يكون إلا لخوف ضر أو لخوف إخفاق سعي وكلاهما مؤذن بقلة الشجاعة والثبات والثقةِ بالنفس وبحسن السلوك، ثم إن كل خصلة من هاته الخصال الثلاث الذميمة توكّد هنَوات أخرى، فالكذب ينشأ عن شيء من البله لأن الكاذب يعتقد أن كذبه يتمشى عند الناس وهذا من قلة الذكاء لأن النبيه يعلم أن في الناس مثله وخيراً منه، ثم البله يؤدي إلى الجهل بالحقائق وبمراتب العقول، ولأن الكذب يعود فِكر صاحبه بالحقائق المحرَّفة وتشتبه عليه مع طول الاسترسال في ذلك حتى إنه ربما اعتقد ما اختلقه واقعاً، وينشأ عن الأمرين السفه وهو خلل في الرأي وأَفَن في العقل، وقد أصبح علماء الأخلاق والطب يعدون الكذب من أمراض الدماغ. وأما نشأةُ العجب والغرور والكفر وفساد الرأي عن الغباوة والجهل والسفهِ فظاهرة، وكذلك نشأة العزلة والجبن والتستر عن الخوف، وأما نشأة عداوة الناس عن الخداع فلأن عداوة الأضداد تبدأُ من شعورهم بخداعه، وتعقبها عداوة الأصحاب لأنهم إذا رأوا تفنن ذلك الصاحب في النفاق والخداع داخلهم الشك أن يكون إخلاصه الذي يظهره لهم هو من المخادعة فإذا حصلت عداوة الفريقين تصدى الناس كلهم للتوقي منه والنكاية به، وتصدى هو للمكر بهم والفساد ليصل إلى مرامه، فرمته الناس عن قَوس واحدة واجتنى من ذلك أن يصير هُزأة للناس أجمعين. وقد رأيتم أن الناشىء عن مرض النفاق والزائد فيه هو زيادة ذلك الناشىء أي تأصله وتمكنه وتولد مذمات أخرى عنه، ولعل تنكير (مرض) في الموضعين أشعر بهذا فإن تنكير الأول للإشارة إلى تنويعٍ أو تكثيرٍ، وتنكيرَ الثاني ليشير إلى أن المزيد مرض آخر على قاعدة إعادةِ النكرةِ نكرةً. وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها لأن الله تعالى لما خلَق هذا التولُّد وأسبابه وكان أمراً خفياً نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكناً من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى لأن الله تعالى غضب عليهم فأهملهم وشأنهم ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن. فجملة: {فزادهم الله مرضاً} خبرية معطوفة على قوله: {في قلوبهم مرض} واقعة موقع الاستئناف للبيان، داخلةٌ في دفع التعجب، أي إن سبب توغلهم في الفساد ومحاولتهم ما لا يُنال لأن في قلوبهم مرضاً ولأنه مرض يتزايد مع الأيام تزايداً مجعولاً من الله فلا طمع في زواله. وقال بعض المفسرين: هي دعاءٌ عليهم كقول جبير بن الأضبط:شعر : تَبَاعَد عني فَطْحَل إذْ دَعوتُه أَمِينَ فزادَ الله مَا بينَنا بُعدا تفسير : وهو تفسير غير حسن لأنه خلاف الأصل في العطف بالفاء ولأن تصدي القرآن لشتمهم بذلك ليس من دأبه، ولأن الدعاء عليهم بالزيادة تنافي ما عهد من الدعاء للضالين بالهداية في نحو: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون». وقوله: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} معطوف على قوله: {فزادهم الله مرضاً} إكمالاً للفائدة فكمل بهذا العطف بيانُ ما جره النفاق إليهم من فساد الحال في الدنيا والعذاب في الآخرة. وتقديم الجار والمجرور وهو {لهم} للتنبيه على أنه خبر لانعت حتى يستقر بمجرد سماع المبتدأ العلم بأن ذلك من صفاتهم فلا تلهو النفس عن تلقيه. والأليم فَعيل بمعنى مفعول لأن الأكثر في هذه الصيغة أن الرباعي بمعنى مُفعَل وأصله عذاب مؤلَم بصيغة اسم المفعول أي مؤلَمٌ من يعذَّب به على طريقة المجاز العقلي لأن المؤلَم هو المعذب دون العذاب كما قالوا جَدّ جِدّه، أو هو فعيل بمعنى فاعل من أَلِمَ بمعنى صار ذا ألَم، وإما أن يكون فعيل بمعنى مفعِل أي مؤلِمْ بكسر اللام، فقيل لم يثبت عن العرب في هذه المادة وثبت في نظيرها نحو الحَكيم والسميع بمعنى المسمِع كقول عمرو بن معديكرب:شعر : وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيل تحيةُ بينهم ضرب وَجِيع تفسير : أي موجع، واختلف في جواز القياس عليه والحق أنه كثير في الكلام البليغ وأن منع القياس عليه للمولدين قصد منه التباعد عن مخالفة القياس بدون داع لئلا يلتبس حال الجاهل بحال البليغ فلا مانع من تخريج الكلام الفصيح عليه. وقوله: {بما كانوا يكذبون} الباء للسببية. وقرأ الجمهور (يُكذِّبون) بضم أوله وتشديد الذال. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح أوله وتخفيف الذال أي بسبب تكذيبهم الرسول وإخبارَه بأنه مرسل من الله وأن القرآن وحي الله إلى الرسول، فمادة التفعيل للنسبة إلى الكذب مثل التعديل والتجريح، وأما قراءة التخفيف فعلى كذبهم الخاص في قولهم: {أية : آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 8] وعلى كذبهم العام في قولهم: {أية : إنما نحن مصلحون}تفسير : [البقرة: 11] فالمقصود كذبهم في إظهار الإيمان وفي جعل أنفسهم المصلحين دون المؤمنين. والكذب ضد الصدق، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} تفسير : في سورة المائدة (103). و(ما) المجرورة بالباء مصدرية، والمصدر هو المنسبك من كان أي الكون.

د. أسعد حومد

تفسير : (10) - فِي قُلوبِ هؤلاءِ المُنَافِقِينَ شَكٌّ وَنِفَاقٌ (مَرَضٌ) فَزَادَهُمُ اللهُ شَكّاً وَنِفَاقاً وَرِجْساً (مَرَضاً)، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً أليماً فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ عَلَى اللهِ وَعَلَى النَّاسِ. مَرَضٌ - شَكٌّ وَنِفَاقٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالله سبحانه وتعالى، شبه ما في قلوب المنافقين بأنه مرض، والمرض أولاً يُورِثُ السقم، فكأن قلوبهم لا تملك الصحة الإيمانية التي تحيي القلب فتجعله قوياً شاباً، ولكنها قلوب مريضة، لماذا كانت مريضة؟ لقد أتعبها النفاق وأتعبها التنافر مع كل ما حولها، وأحست بأنها تعيش حياة ملؤها الكذب، فاضطراب القلب جعله مريضاً، ولا يمكن أن يُشْفَى إلا بإذن الله، وعلاجه هو الإيمان الحقيقي الصادق، ذلك الذي يعطيه الشفاء، والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} تفسير : [الإسراء: 82]. إذن فالإيمان والقرآن هما شفاء القلوب، كلاهما بعيد عن قلوب هؤلاء المنافقين، فكأن المرض يزداد في قلوبهم مع الزمن، والله سبحانه وتعالى - بنفاقهم وكفرهم - يزيدهم مرضاً. وهذه هي الصفة الثالثة للمنافقين .. إنهم أصحاب قلوب مريضة سقيمة، لا يدخلها نور الإيمان، ولذلك فهي قلوب ضعيفة، ليس فيها القوة اللازمة لمعرفة الحق. وهي قلوب خائفة من كل ما حولها، مرتعبة في كل خطواتها، مضطربة بين ما في القلب وما على اللسان، والمريض لا يقوى على شيء، وكذلك هذه القلوب لا تقوى على قول الحق، ولا تقوى على الصدق، ولا ترى ما حولها، تلك الرؤية التي تتناسب وتتفق مع فطرة الإيمان، التي وضعها الله تعالى في القلوب، ولذلك إذا دخل المنافقون في معركة في صفوف جيش المسلمين .. فأول ما يبحثون عنه هو الهروب من المعركة، يبحثون عن مخبأ يختفون فيه، أو مكان لا يراهم فيه أحد، والله سبحانه وتعالى يصفهم بقوله: {أية : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} تفسير : [التوبة: 57]. لماذا؟ لأنهم أصحاب قلوب مريضة، لا تقوى على شيء، ومرضها يجعلها تهرب من كل شيء، وتختفي. وليت الأمر يقتصر عند هذا الحد، ولكن ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم، غير العذاب الذي عانوه من قلوبهم المريضة في الدنيا، فبما كانوا يكذبون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم أشد من عذاب الكافرين، والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ..} تفسير : [النساء: 145].

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شَكٌّ ونِفاقٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [أي] مُوجِعٌ.

الأندلسي

تفسير : قرىء مرض بسكون الراء وهي لغة كالحلب والحلب وكينونة المرض في قلوبهم مجاز عن ما حل فيها من الشك والحسد والغل. وقيل: حقيقة وهو الفساد والظلمة التي حدثت فيها بظهور الرسول صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته. {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}. هذا خبر وإسناد الزيادة إلى الله تعالى حقيقة. وقيل: دعاء حقيقة بوقوع زيادة المرض وقيل مجاز فلا تقصد به الإِجابة لكون المدعو به واقعاً بل المراد به السب واللعن والتنقص نحو: قاتلهم الله. ومرض نكرة تعم على طريق البدل وتعداد المحال يدل على تعداد الحال فاكتفى بالمفرد عن الجمع. و"فزادهم": أي قلوبهم أو ذواتهم، لأن مرض القلب مرض لسائر الجسد اليم اما للمبالغة ووصف العذاب به مجاز وهو من مجاز التركيب أو معناه مؤلم جآء فعيل من أفعل وهو من مجاز الأفراد وجمع وصف العذاب بالعظم والألم للمنافقين إذ هم أشد عذاباً من غيرهم من الكفار وما في بما كانوا مصدرية. وقال أبو البقاء: الا ظهر أن تكون موصولة. وقرىء: يكذبون مخففاً ومشدداً مضارع كذب وكذب. "وإذا قيل": لغة أهل الحجاز إخلاص الكسر في نحو قيل: وبيع والاشمام لغة كثير من قيس وبني أسد وعقيل وقرىء بهما. والفساد التغير عن حالة الاعتدال والصلاح نقيضه وهذه الجملة الشرطية هي من باب عطف الجمل استئنافاً ينعى عليهم قبائح أفعالهم وأقوالهم. قيل: وتحتمل أن تكون معطوفة على يقول صلة من فلا موضع لها من الإِعراب وهي جزء كلام لأنها من تمام الصلة (وأجاز الزمخشري وأبو البقاء) أن تكون معطوفة على يكذبون فلها موضع من الإِعراب وهو النصب ويكون جزأً من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم وهذا الاعراب خطأ على جعل ما في بما موصولة وقراءة التشديد لغة وجملة الشرط من ضمير يعود على ما والجملة بعد إذ هذه في موضع خفض على مذهب الجمهور والعامل في إذا الجواب، والذي نختاره انها لا موضع لها من الإِعراب والفعل الذي يلي إذاً هو العامل فيها كسائر حروف الشرط وحذف فاعل القول للعلم به إذ هو الله تعالى ويظهر أن المفعول الذي لم يسم فاعله هو الجملة من قوله: لا تفسدوا في الأرض ولا يجوز ذلك عند جمهور البصريين ويجوز عند الكوفيين فتخريجه على مذهب جمهور البصريين أن يكون في قيل مضمر، أي وإذا قيل هو أي قول سديد فأضمر هذا القول الموصوف وجاءت الجملة بعده مفسرة فلا موضع لها من الإِعراب وزعم الزمخشري أن الجملة هي المفعول الذي لم يسم فاعله وجعله من باب الاسناد اللفظي ونظره بقوله: الّف حرف من ثلاثة أحرف، وإذا أمكن أن يكون إسناداً معنوياً لم يعدل إلى الاسناد اللفظي. "ولا تفسدوا" نهي عن إيقاع الفساد بأي طريق كان من كفر أو غيره من جهات الفساد وهو من باب النهي عن المسبب، والمراد النهي عن السبب فمتعلق النهي حقيقة هو إيطان الكفر وممالاة الكفار وإفشاء سر المؤمنين وذلك هو المفضي إلى الهيج للفتن المؤدية الى الإِفساد وذكر محل الإِفساد وهي الأرض التي نشأتم فيها وانتفعتم بها أحياءً وأمواتاً فما كان محل إصلاحكم لا يناسب أن يجعل محل إفساد ومعمول جواب الشرط أبرزوه جملة إسمية ليدل على ثبوت الوصف لهم وأكدوها بانما دلالة على قوة اتصافهم بقوة الاصلاح كل ذلك بهت وكذب على عاداتهم في الكذب فأكذبهم الله فقال؛ {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} فأتى بألا الدالة على التنبيه على كذبهم وبأن المقتضية التأكيد في قولهم: وبهم وبال واستفتحت بألا لتكون الاسماع مصغية لما جاء في حقهم وهم تأكيد للضمير أو فصل أو مبتدأ وتختار في ألا التي للتنبيه انها حرف بسيط، وزعموا انها مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية للدلالة على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً كقوله: {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} تفسير : [القيامة: 40] ولكونها من المنصب في هذا ألا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرية بنحو ما يتلقى به القسم، وقاله الزمخشري. ودعوى التركيب على خلاف الأصل ولأن ما زعموا خطأ لأن مواقع ألا تدل على أن لا ليست للنفي فيتم ما ادعوه ألا ترى انك تقول إلا أن زيداً منطلق ليس أصله لا أن زيداً منطلق إذ ليس من تراكيب العرب بخلاف ما نظر به من قوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} تفسير : [القيامة: 40]، لصحة تركيب ليس زيد بقادر ولوجودها قبل رب وليت وحرف النداء وغيرها مما لا يتعقل فيه أنّ لا نافية فتكون الهمزة للاستفهام دخلت على لا النافية فأفادت التحقيق. وقوله: لا تكاد تقع إلى آخره غير صحيح ألا ترى أن الجملة بعدها تستفتح برب وبليت وبفعل الأمر وبالنداء وبحبّذا ولا يتلقى بشيء من هذا القسم وعلامة الا هذه التي هي حرف تنبيه واستفتاح صحة الكلام دونها، وكون انما مركبة من ما النافية دخل عليها أنّ التي للإِثبات فأفادت الحصر قول ركيك فاسد صادر عن غير عارف بالنحو، والذي نذهب إليه انها لا تدل على الحصر بالوضع، كما أن الحصر لا يفهم من اخواتها التي كفت بما، فلا فرق بين: لعل زيداً قائم، ولعلما زيد قائم. فكذلك: ان زيداً قائم، وإنما زيد قائم. وإذا فهم الحصر فإنما يفهم من سياق الكلام لا ان إنما دلت عليه وبهذا الذي قررناه يزول الاشكال الذي أوردوه في نحو قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} تفسير : [الرعد: 7] {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ} تفسير : [الكهف: 110] {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} تفسير : [يس: 11] {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا} تفسير : [النازعات: 45]. انتهى. "ولكن لا يشعرون" لكن تقع بين متنافيين وظهوره ذلك هنا أنه تعالى أخبر أنهم هم المفسدون وقد علم ذلك منهم ولكن هم لا يعملون ذلك فاستدرك هذا المعنى الذي فاتهم من عدم الشعور بأنهم هم المفسدون ومفعول يشعرون محذوف تقديره ولكن لا يشعرون بإِفسادهم.