٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء: أحدها: ما ذكره في هذه الآية، وهو أنهم {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا } فيجب أن يعلم أولاً: ما المخادعة، ثم ثانياً: ما المراد، بمخادعة الله؟ وثالثاً: أنهم لماذا كانوا يخادعون الله؟ ورابعاً: أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم؟. المسألة الأولى: اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل، وأصل هذه اللفظة الإخفاء، وسميت الخزانة المخدع، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان. وقالوا: خدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً، وطريق خيدع وخداع، إذا كان مخالفاً للمقصد بحيث لا يفطن له، ومنه المخدع. وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس. المسألة الثانية: وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى؟ فلقائل أن يقول: إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين: الأول: أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعاً، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع. الثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بدّ من التأويل وهو من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه. قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وقال في عكسه {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } تفسير : [الأنفال: 41] أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى. الثاني: أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم. المسألة الثالثة: فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه: الأول: أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا. الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار. الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»تفسير : . الرابع: أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم، فإن قيل: فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم، فلم لم يفعل ذلك هتكاً لسترهم؟ قلنا: إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو. فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلنا قال صاحب «الكشاف» وجهه أن يقال: عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب، لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة «يخدعون الله» ثم قال: {يُخَـٰدِعُونَ } بياناً ليقول ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ولِمَ يدَّعون الإيمان كاذبين. وما نفعهم فيه؟ فقيل {يُخَـٰدِعُونَ }. المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر «وما يخادعون» والباقون «يخدعون» وحجة الأولين: مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقاً للفظ الأول، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعاً لنفسه، ثم ذكروا في قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } وجهين: الأول: أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن. والثاني: ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] وقوله: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 14، 15] {أية : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَاء } تفسير : [البقرة: 13] {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً } تفسير : [النمل: 50] {أية : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً } تفسير : [الطارق: 15، 16] {أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المائدة: 33] {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [الأحزاب: 57] وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث. أحدها: قرىء «وما يخادعون» من أخدع و «يخدعون» بفتح الياء بمعنى يختدعون «ويخدعون» و «يخادعون» على لفظ ما لم يسم فاعله. وثانيها: النفس ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } تفسير : [المائدة: 116] والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لا يعدوهم إلى غيرهم. وثالثها: أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس، ومشاعر الإنسان حواسه، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس. أما قوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعاً من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضاً للقلب. فإن قيل: الزيادة من جنس المزيد عليه، فلو كان المراد من المرض ههنا الكفر والجهل لكان قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } محمولاً على الكفر والجهل، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلاً للكفر والجهل. قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه فعل الكفر والجهل لوجوه: أحدها: أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان؟ وثانيها: أنه تعالى لو كان فاعلاً للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب، فكان لا يبقى كون القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره. وثالثها: أنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم. ورابعها: قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم؟ وخامسها: أنه تعالى أضافه إليهم بقوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض، وأنهم هم السفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إذا ثبت هذا فنقول: لا بدّ من التأويل وهو من وجوه: الأول: يحمل المرض على الغم، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا ثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً. وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن أبي بن سلول على حمار، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول الله، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا: فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف الله تعالى ذلك فقال: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } أي زادهم الله غماً على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه.الثاني: أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة: {أية : فَزَادَهُمُ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة: 125] والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم لما ازدادوا رجساً عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك، وكقوله تعالى حكاية عن نوح {أية : إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 5، 6] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } تفسير : [التوبة: 49] والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } تفسير : [المادة: 64] وقال: {أية : فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } تفسير : [فاطر: 42] وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده: ما زادتك موعظتي إلا شراً، ومازادتك إلا فساداً فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفراً لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله. الثالث: المراد من قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } المنع من زيادة الألطاف، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلاً لهم وهو كقوله: {أية : قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تفسير : [المنافقون: 4] الرابع: أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض، فيقولون: جارية مريضة الطرف. قال جرير:شعر : إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا تفسير : فكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار، فقال تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله: {أية : وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الحشر: 2] الخامس: أن يحمل المرض على ألم القلب، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سبباً لغير مزاج القلب وتألمه، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته، فكان أولى من سائر الوجوه. أما قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال صاحب «الكشاف»: ألم فهو أليم، كوجع فهو وجيع، ووصف العذاب به فهو نحو قوله: تحية بينهم ضرب وجيع. وهذا على طريقة قولهم: جد جده، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد، أما قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } ففيه أبحاث. أحدها: أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذباً إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر، وهكذا الآية حجة عليه. وثانيها: أن قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به. وثالثها: في هذه الآية قراءتان. إحداهما: {يَكْذِبُونَ } والمراد بكذبهم قوله: {بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. والثانية: «يكذبون» من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدق.
القرطبي
تفسير : قال علماؤنا: معنى «يخادعون الله» أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم. وقيل: قال ذلك لعملهم عمل المخادع. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن الحسن وغيره. وجعل خداعهم لرسوله خداعاً له؛ لأنه دعاهم برسالته؛ وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله. ومخادعتهم: ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر، لَيحْقنوا دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجْوا وخدعوا؛ قاله جماعة من المتأوّلين. وقال أهل اللغة: أصل الخدع في كلام العرب الفساد؛ حكاه ثعلب عن ٱبن الأعرابي. وأنشد:شعر : أبْيَضُ اللّونِ لذيذٌ طعْمُه طيِّبُ الرّيق إذا الرِّيقُ خَدَعْ تفسير : قلت: فـ «ـيخادعون الله» على هذا، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء. وكذا جاء مفسَّراً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم على ما يأتي. وفي التنزيل: «يُرَاءُونَ النَّاسَ». وقيل: أصله الإخفاء؛ ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء؛ حكاه ٱبن فارس وغيره. وتقول العرب: ٱنخدع الضب في جُحره. قوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} نفي وإيجاب؛ أي ما تحلّ عاقبة الخدع إلا بهم. ومن كلامهم: مَن خَدَع من لا يُخْدع فإنما يَخْدع نفسه. وهذا صحيح؛ لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن؛ وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه. ودلّ هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع؛ وقد تقدّم من قوله عليه السلام أنه قال: «حديث : لا تخادع الله فإنه مَن يخادع الله يخدعه الله ونفسَه يخدع لو يشعر» قالوا: يا رسول الله، وكيف يُخَادَع اللَّهُ؟ قال: «تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره»تفسير : . وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة:15]. وقرأ نافع وٱبن كثير وأبو عمرو: «يخادعون» في الموضعين؛ ليتجانس اللفظان. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وٱبن عامر: {يُخَـدِعُونَ} الثاني. والمصدر خِدْع (بكسر الخاء) وخديعة؛ حكى ذلك أبو زيد. وقرأ مُوَرِّق العجليّ: «يُخَدِّعون الله» (بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال) على التكثير. وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شدّاد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم، فحذف حرف الجر؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} تفسير : [الأعراف:155]أي من قومه. قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي يفطنون أنّ وبال خدعهم راجع عليهم؛ فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا؛ وإنما ذلك في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم: «أية : آرْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَآلْتَمِسُوا نُوراً»تفسير : [الحديد:13]على ما يأتي. قال أهل اللّغة: شَعَرْتُ بالشيء أي فطِنت له؛ ومنه الشاعر لفطنته؛ لأنه يفطن لما لا يَفْطُن له غيره من غريب المعاني. ومنه قولهم: لَيْتَ شِعْرِي؛ أي ليتني علمت.
البيضاوي
تفسير : {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا } الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو فيه، وعما هو بصدده من قولهم: خدع الضب. إذ توارى في جحره، وضب خادع وخدع إذا أوهم الحارس إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر وأصله الإخفاء ومنه المخدع للخزانة، والأخدعان لعرقين خفيين في العنق، والمخادعة تكون بين اثنين. وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه لا تُخْفَى عليه خافية، ولأنهم لم يقصدوا خديعته. بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء: 80]. {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }تفسير : [الفتح: 10] وإما أن صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار، استدراجاً وامتثال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين. ويحتمل أن يراد بـ {يُخَـٰدِعُونَ} يخدعون لأنه بيان ليقول، أو مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المخادعين. ويحتمل أن يراد بـ {يُخَـٰدِعُونَ} يخدعون لأنه بيان ليقول، أو استئناف بذكر ما هو الغرض منه، إلا أنه أخرج في زنة فَاعَلَ للمبالغة، فإن الزنة لما كانت للمبالغة والفعل متى غولب فيه، كان أبلغ منه إذا جاء بلا مقابلة معارض ومبار استصحبت ذلك، ويعضده قراءة من قرأ {يَخَـدِعُونَ}. وكان غرضهم في ذلك أن يدفعوا عن أنفسهم ما يطرق به من سواهم من الكفرة، وأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإكرام والإعطاء، وأن يختلطوا بالمسلمين فيطلعوا على أسرارهم ويذيعوها إلى منابذيهم إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد. {وَمَا يُخَادَِعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ} قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. والمعنى: أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها يحيق بهم. أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك. وخدعتهم أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية. وقرأ الباقون {وَمَا }، لأن المخادعة لا تتصور إلا بين اثنين وقرىء و {يَخَـدِعُونَ} من خدع و {يَخَـدِعُونَ} بمعنى يختدعون و {يَخَـدِعُونَ} و {يُخَـٰدِعُونَ} على البناء للمفعول، ونصب أنفسهم بنزع الخافض، والنفس ذات الشيء وحقيقته، ثم قيل للروح لأن نفس الحي به، وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه، وللدم لأن قوامها به، وللماء لفرط حاجتها إليه، وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه لأنه ينبعث عنها أو يشبه ذاتاً تأمره وتشير عليه. والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم ويحتمل حملها على أرواحهم وآرائهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} لا يحسون لذلك لتمادي غفلتهم. جعل لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس. والشعور: الإحساس، ومشاعر الإنسان حواسه، وأصله الشعر ومنه الشعار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا } بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } لأن وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة {وَمَا يَشْعُرُونَ } يعلمون أن خداعهم لأنفسهم، والمخادعة هنا من واحد( كعاقبت اللص)، وذكر الله فيها تحسين، وفي قراءة وما يخدعون.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أصل الخدع: الإخفاء، مخدع البيت يخفي ما فيه، جعل خداع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين خداعاً له، لأنه دعاهم برسالته. {وَمَا يَخْدَعُونَ} لما رجع وبال خداعهم عليهم قال ذلك. {وَمَا يَشْعُرُونَ} وما يفطنون.
الخازن
تفسير : {يخادعون الله والذين آمنوا} أي يخالفون الله والخديعة الحيلة والمكر وأصله في اللغة لإخفاء والمخادع يظهر ضد ما يضمر ليتخلص فهو بمنزلة النفاق، وهو خادعهم أي يظهر لهم نعيم الدنيا ويعجله لهم بخلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة. فإن قلت المخادعة مفاعلة، وإنما تجيء في الفعل المشترك، والله تعالى منزه عن المشاركة قلت المفاعلة قد ترد لا على وجه المشاركة تقول عافاك الله وطارقت النعل وعاقبت اللص، فالمخادعة هنا عبارة عن فعل الواحد والله تعالى منزه عن أن يكون منه خداع. فإن قلت: كيف يخادع الله وهو يعلم الضمائر والأسرار؟ فمخادعة الله ممتنعة فكيف يقال يخادعون الله؟. قلت إن الله تعالى ذكر نفسه وأراد به رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك تفخيم لأمره وتعظيم لشأنه، وقيل أراد به المؤمنين وإذا خادعوا المؤمنين فكأنهم خادعوا الله تعالى وذلك أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لم يعلموا حالهم ولتجري عليهم أحكام الإسلام في الظاهر وهم، على خلافه في الباطن {وما يخدعون إلاّ أنفسهم} أي إن الله تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة إلاّ خادعين أنفسهم، وقيل: إن وبال ذلك الخداع راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى. والنفس ذات الشيء وحقيقته. وقيل للدم نفس لأن به قوة البدن {وما يشعرون} أي لا يعلمون أن وبال خداعهم راجع عليهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...} قال الزمخشري: (في) هذه الجملة إمّا تفسير لما قبلها أو استئناف. قال الإمام ابن عرفة: الفرق بينهما أنه على الأوّل يكونون وَصفوا بأمرين: بعدم الإيمان (وبالخداع). وعلى الثاني وصفوا بعدم الإيمان فكأنّ قائلا يقول: لم حكم عليهم بعدم الإيمان فقيل: لأنّهم يخادعون الله. قال أبو حيّان ما نصّه: ((يخادعون (مستأنفة)، أو بدل من (يقول) آمنّا ولا موضع لها، أو حال من فاعل يقول (فموضعها) نصب)). قال: وأجاز أبو البقاء كونها حالا من الضمير في المؤمنين. قال: واعترض بأنه يلزم منه نفي الإيمان المقيَّد بالخداع، وهو فاسد لأن المقيَّد بقيد إذا نفي فله طريقان: إما نفي المقيِّد فقط وإثبات المقيَّد وهو الأكثر، فيلزم إثبات الإيمان، ونفي الخداع وهو فاسد. وإما نفيهما معا (فيلزم) نفي الإيمان (والخداع) وهو فاسد. قال: ومنع أن تكون الجملة حالا من الضمير في آمنّا لأن آمنّا محكي (بنقول) فيلزم أن يكونوا أخبروا عن أنفسهم بأنهم يخادعون وهو باطل، وأيضا فلو كان من قولهم لكان يخادع بالنون (انتهى). وأجاب ابن عرفة بأنك تقول: قال زيد: إنّ عمرا منطلق وهو كاذب، فالجملة الأخيرة في موضع الحال مع أنها ليست من قول زيد، (فلا) يلزم من ذلك أن يكون {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} مقولا لهم بوجه. قلت: وردّ بعضهم هذا بأنّ المعنى يقول: "ءَامنّا" مخادعين الله (فبالضّرورة) أنّها من قولهم. قال: وإنّما يتمّ هذا الجواب (إن) لو كان "يُخَادِعُونَ" حالا من الضّمير الفاعل في "يَقُولُ". قال: وقوله يلزم إثبات الإيمان ونفي الخداع ليس كذلك، لأنّه إنما أخذه من المفهوم. ونحن نقول: لا مفهوم (له لأنّه مفهوم) خرج مخرج الغالب، إذِ الغالب عليهم الخداع، فلا يوجدون غير مخادعين، كما ورد: في سائمة الغنم الزّكاة أو يقال: إنّ المفهوم (منتفي) بالنص (على تفسير) في غير هذه الآية أو معلوم من السّياق. وأورد الزمخشري سؤالا قال: كيف يصحّ وقوع الخديعة بالله مع أنه عالم بكلّ شيء؟ وكيف صحّ وقوعها (فيه) مع أنه يستحيل عليه القبيح؟ وأجاب (بأجوبة أحدها) بأنه (لمَّا) نعّمهم في الدّنيا وعصم دماءهم وأموالهم ثمّ عذّبهم في الآخرة (كان) ذلك شبه الخديعة. قال: وكذلك المؤمنون (معهم). قال ابن عرفة: لا (نتصوّر) الخديعة من المؤمنين لأنهم عصموهم في الدنيا خاصة، والآخرة لا حكم/ لهم (فيها). قيل (له): قد يتصوّر باعتبار أنّهم عالمون بهم ومع هذا (تركوا) قتالهم. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أنه عبر عن (نفيهم) عن المؤمنين في قوله: {أية : وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : بالوصف المقتضي (أعلى) درجات الفلاح، (فدل على اختصار الفلاح فيه)، ولو أريد: وما هم بمؤمنين الإيمان الكامل، للزم عليه حصول بعض الفلاح لهم والغرض (أنهم) لم يحصل لهم من شيء (فإذا ثبت) أن الفلاح منحصر في مسمى المؤمنين لا في مسمى من آمن، فهلا قيل: يخادعون الله والمؤمنين، لأنّ المنافقين يصدق عليهم أنهم ممن آمن؟ قال: (والجواب أن المراد الإخبار عنهم بكونهم يخادعون الله تعالى) وكل من اتصف بمطلق الإيمان حتى أنهم (يخادعون) بعضهم فيظن بعضهم في بعض أنه غير منافق فيخادعه والكل منافقون. قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ}. نفى عنهم الشعور، وهو مبادئ الإدراك. (فبنفي) (مبادئ) الإدراك ينتفي كل الإدراك من باب أحرى.
ابن عادل
تفسير : قوله: "يخادعون" هذه الجملة الفعلية يحتمل أنْ تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدّر هو: ما بالهم قالوا: آمنا وما هم بؤمنين؟ فقيل: يخادعون الله، ويحتمل أن تكون بدلاً من الجملة الواقعة صلة لـ "من" وهي "يقول"، ويكون هذا من بدل الاشْتِمَالِ؛ لأن قولهم كذا مشتمل على الخداع، فهو نظير قوله: [الرجز] شعر : 182- إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَايِعَا تُؤْخَذَ كَرْهاً أَوْ تَجِيءَ طَائِعَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 183- مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا تفسير : فـ "تؤخذ" بدل اشتمال من "تبايع"، وكذا "تُلْمِم" بدلٌ من "تَأْتِنَا". وعلى هذين القولين، فلا مَحَلّ لهذه الجملة من الإعراب. والجمل التي لا مَحَلّ لها من الإعراب أربع لا تزيد على ذلك - وإن توهّم بعضهم ذلك - وهي: المبتدأ والصِّلة والمُعْترضة والمفسّرة، وسيأتي تفسيرها في مواضعها. ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالاً من الضَّمير المستكن في ["يقول" تقديره: ومن الناس من يقول حال كونهم مخادعين. وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير المستكن] في "بمؤمنين"، والعامل فيها اسم الفاعل. وقد ردّ عليه بعضهم بما معناه: أن هذه الآية الكريمة نظير: "ما زيد أقبل ضاحكاً"، قال: وللعرب في مثل هذا التركيب طريقان: أحدهما: نفي القيد وحده، وإثبات أصل الفعل، وهذا هو الأكثر، والمعنى: أن الإقبال ثابت، والضحك منتفٍ، وهذا المعنى لا يتصوّر إرادته في الآية، أعني: نفي الخِدَاع، وثبوت الإيمان. الطريق الثاني: أن ينتفي القَيْدُ، فينتفي العامل فيه، فكأنه قيل في المثال السابق: لم يقبل، ولم يضحك، وهذا المعنى - أيضاً - غير مراد بالآية الكريمة قطعاً، أعني: نفي الإيمان والخداع معاً، بل المعنى على نَفْي الإيمان، وثبوت الخداع، ففسد جعلها حالاً من الضمير في "بمؤمنين". والعجب من أبي البَقَاءِ كيف استشعر هذا الإشكال، فمنع من جعل هذه الجملة في محل جر صفة لـ "مؤمنين"؟ قال: لأن ذلك يوجب نفي خِدَاعهم، والمعنى على إثبات الخداع، ثم جعلها حالاً من ضمير "بمؤمنين"، ولا فرق بين الحال والصفة في هذا. و "الخداع" أصله: الإخفاءُ، ومنه الأَخْدَعَان: عِرْقان مُسْتَبْطنان في العُنُقِ، ومنه مخدع البيت، وخَدَع الضَّبُّ خِدْعاً: إذا توارى في جُحْرِه، وطريق خادع وخديع: إذا كان مخالفاً للمقصد، بحيث لا يفطن له؛ فمعنى يخادع: أي يوهم صاحبه خلاف ما يريد به المَكْروه. وقيل: هو الفساد أي يفسدون ما أَظْهَرُوا من الإيمان بما أَضمروا من الكُفْرِ قال الشاعر: [الرمل] شعر : 184- أَبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ طَيِّبُ الرِّيقِ إِذَا الرِّيقُ خَدَعْ تفسير : أي: فسد. ومعنى "يُخَادعون الله" أي: من حيث الصورة لا من حيث المَعْنَى. وقيل: لعدم عرفانهم بالله - تعالى - وصفاته ظنّوه ممن يُخَادَع. وقال الزَّمخشري: إن اسم الله - تعالى - مُقْحَم، والمعنى: يخادعون الذين آمنوا، ويكون من باب: أعجبني زيد وكرمه. والمعنى: أعجبني كرم زيد، وإنَّما ذكر "زيد" توطئةً لذكر كرمه. وجعل ذلك نظير قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب: 57]، وهذا منه غير مُرْضٍ؛ لأنه إذا صح نسبة مخادعتهم إلى الله - تعالى - بالأوجه المتقدّمة، فلا ضرورة تدعو إلى ادعاء زيادة اسم الله تعالى. وأما "أعجبني زيد وكرمه"، فإن الإعجاب أسند إلى "زيد" بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزاً لهذه الصفة من بين سائر الصفات للشرف، فصار من حيث المعنى نظيراً لقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98]. والمصدر "الْخِدْع" بكسر الخاء، ومثله: الخديعة. و "فَاعَلَ" له معانٍ خمسة: المشاركة المعنوية نحو: ضارب زيد عمراً. وموافقة المجرد نحو: "جاوزت زيداً" أي: جُزْتُه. وموافقة "أفعل" متعدياً نحو: "باعدت زيداً وأبعدته". والإغناء عن "أفعل" نحو: "واريت الشيء". وعن المجرد نحو: سافرت وقاسيت وعاقبت، والآية "فَاعَل" فيها يحتمل المعنيين الأوّلَيْن. أما المشاركة فالمُخَادعة منهم الله - تعالى - تقدم معناها، ومخادعة الله إياهم من حيث إنه أجرى عليهم أَحْكام المسلمين في الدنيا، وَمُخَادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أمر الله - تعالى - فيهم، وأما كونه بمعنى المُجَرَّد، فيبينه قراءة ابن مسعود وأبي حَيَوَةَ "يَخْدَعُونَ". وقرأ أبو عمرو والحرميان "وَمَا يُخَادِعُونَ" كالأولى، والباقون "وَمَا يَخْدَعُونَ"، فيحتمل أن تكونا القراءتان بمعنى واحد، أي: يكون "فَاعَلَ" بمعنى "فَعَل"، ويحتمل أن تكون المُفَاعلة على بابها، أعني صدورها من اثنين، فهم يُخَادعون أنفسهم، حيث يُمَنُّونَها الأباطيل، وأَنْفُسهمْ تخادعهم تمنِّيهم ذلك، فكأنها مُحَاورة بين اثنين، ويكون هذا قريباً من قول الآخر: [المنسرح] شعر : 185- لَمْ تَدْرِ مَا لاَ؟ وَلَسْتَ قَائِلَهَا عُمْرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأَبَدِ وَلَمْ تُؤَامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِياً فِيهَا وَفِي أُخْتِهَا وَلَمْ تَلِدِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 186- يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ وفِي الْعَيْشِ فُسْحَةٌ أَيَسْتَوْقِعُ الذُّوبَانَ أَمْ لاَ يَطُورُهَا تفسير : قال الزمخشري: الاقتصار بـ "خادعت" على وجهه أن يُقَال: عني به "فعلت"، إلا أنه على وزن "فاعلت"، لأن الزِّنَةَ في أصلها للمغالبة، والفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مُغَالب لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة المتقدمة. وقرىء: "وَمَا يُخَدِّعُونَ"، ويُخَدَّعَونَ من خَدَّعَ مشدداً. و "يَخَدِّعَونَ" بفتح الياء والتشديد؛ الأصل يختدعون، فأدغم. وقرىء: "وما يُخْدَعُونَ"، "ويُخَادَعُونَ" على لفظ ما لم يسم فاعله، وتخريجها على أن الأصل "وَمَا يُخْدَعُونَ إِلاَّ عَنْ أنفسهم" فلما حذف الجَرّ انتصب على حَدّ: [الوافر] شعر : 187- تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا ............................ تفسير : "إلا أنفسهم" "إلا" في الأصل حرف استثناء و "أنفسهم" مفعول به، وهذا استثناء مفرغ، وهو: عبارة عما افتقر فيه ما قبل "إلا" لما بعدها، ألا ترى أن "يخادعون" يفتقر إلى مفعول؟ ومثله: "ما قام إلا زيد"، فـ "قام" يفتقر إلى فاعل، والتَّام بخلافه، أي: ما لم يفتقر فيه ما قيل "إلا" لما بعدها، نحو: قام القوم إلاّ زيداً، وضربت القوم إلا بكراً، فقام قد أخذ فاعله، وضربت أخذ مفعوله، وشرط الاستثناء المُفَرَّغ أن يكون بعد نفي، أو شبهة كالاستفهام والنهي. وأن قولهم: قرأت إلاّ يوم كذا، فالمعنى على نفي مؤول تقديره: ما تركت القراءة إلاَّ يوماً، هذا ومثله: {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} تفسير : [التوبة: 32] و {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. وللاستثناء أحكام كثيرة تأتي مفصّلة في مواضعها إن شاء الله تعالى. والنَّفسُ: هنا ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة: 116]، "وَمَا يَشْعُرُونَ" هذه الجملة الفعلية يحتمل إلا يكون لها محلّ من الإعراب؛ لأنها استئناف، وأن يكون لها محلّ، وهو النصب على الحال من فاعل "يخدعون" والمعنى: وما يرجع وَبَال خداعهم إلاَّ على أنفسهم غير شاعرين بذلك، ومفعول "يشعرون" محذوف للعلم به، تقديره: وما يشعرون أن وَبَالَ خداعهم راجع على أنفسهم، واطّلاع الله عليهم. والأحسن ألا يقدّر مفعول؛ لأن الغرض نفي الشعور عنه ألبتة من غير نظر إلى مُتَعلَّقه، والأوّل يسمى حذف الاختصار، ومعناه: حذف الشيء بدليل. والثاني يسمى حذف الاقتصار، وهو حذف الشيء لا لدليل. والشُّعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ، وهو مشتقّ من الشَّعَر لدقّته. وقيل: هو الإدراك بالحاسّة مشتقّ من الشِّعَار، وهو ثوب يلي الجَسَد، ومنه مشاعر الإنسان أي: حواسّه الخمسة التي يشعر بها. فصل في حد الخديعة اعلم أن الخديعة مذمومة. قال ابن الخطيب: "وَحَدُّهَا هي إظهار ما يوهم السّلامة والسّداد، وإبطال ما يقتضي الإضرار بالغير، أو التخلّص منه، فهو بمنزلة النِّفَاق في الكفر والرِّياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغُرُورِ والإساءة، كما يوجب المُخَالصة في العبادة". فصل في امتناع مخادعة الله تعالى مخادعة الله - تعالى - ممتنعة من وجهين: أحدهما: أنه يعلم الضَّمائر والسرائر، فلا يصح أن يُخَادَع. والثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم، فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله، فثبت أنه لا يمكن إجْراءُ هذا اللفظ على ظاهره، فلا بُدّ من التأويل، وهو من وجهين: الأول: أنه - تعالى - ذكر نفسه، وأراد به الرسول على عادته في تَفْخِيْمِ أمره، وتعظيم شأنه. قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]. والمنافقون لما خادعوا [الله ورسوله] قيل: إنهم يخادعون الله. الثاني: أن يقال: صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يُخَادع، وصورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده من الكَفَرةِ صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم. فصل في بيان الغرض من الخداع في الآية الغرض من ذلك الخداع وجوه: الأول: أنهم ظنوا أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه يجرونهم في التَّعْظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان. الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي - عليه الصلاة والسلام - أَسْرَاره، والاطِّلاع على أسرار المؤمنين، فينقلونها إلى الكفار. الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أَحْكَام الكفار، كالقَتْلِ وغيره. الرابع: أنهم كانوا يطمعون في أموال الغَنَائم. فإن قيل: فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى نبيه كَيفية مَكْرِهِمْ وخداعهم، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذلك هتكاً لسترهم؟ قلنا: هو قادر على استئصال "إبليس" وذريته ولكنه - تعالى - أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو. وقوله: {وما يَخْدَعُونَ إلا أنفسهم} فيه وجهان: الأول: أنه - تعالى - يجازيهم على ذلك، ويعاقبهم عليه، فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلاّ أنفسهم. والثاني: ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وَبَالَ ذلك راجع إليهم في الدنيا؛ لأن الله - تعالى - كان يدفع ضرر خِدَاعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142] ونظائره. "في قلوبهم مرض" الجار والمجرور خبر مقدّم واجب التقديم لما تقدّم ذكره في قوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَٰوَةٌ} تفسير : [البقرة: 7]. والمشهور تحريك الراء من "مرض". وَرَوَى الأصمعي عن أبي عمرو سكونها، وهما لغتان في مصدر مَرِضَ يَمْرَضُ. "والمرض": الفتور. وقيل: الفساد. وقيل: صفة توجب وقوع الخَلَلِ في الأفْعال الصادرة عن الفاعل، ويطلق على الظلمة؛ وأنشدوا: [البسيط] شعر : 188- فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَما يُحِسُّ بِهِ نَجْمٌ وَلاَ قَمَرُ تفسير : أي: لظلمتها، ويجوز أن يكون أراد بـ "مَرِضَتْ" فَسَدْت، ثم بين جهة الفَسَادِ بالظُّلمة. قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}. هذه جملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، متسبّبة عنها، بمعنى أنَّ سبب الزِّيَادة حصول المرض في قلوبهم، إذ المراد بالمرض هنا الغِلّ والحسد لظهور دين الله تعالى. و "زاد" يستعمل لازماً ومتعدياً لاثنين ثانيهما غير الأول كـ "أَعْطَى وكَسَا"، فيجوز حذف مفعوليه، وأحدهما اختصاراً واقتصاراً، تقول: "زاد المال" فهذا لازم، و "زدت زيداً أجراً" ومنه: {أية : وَزِدْنَٰهُمْ هُدًى} تفسير : [الكهف: 13]، {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10] و "زدت زيداً" ولا تذكر ما زدته، و "زدت مالاً" ولا تذكر من زدته. وألف "زاد" منقلبة عن ياء؛ لقولهم: "يزيد". وقرأ ابن عامر وحمزة: "فزادهم" بالإمالة. وزاد حمزة إمالة "زاد" حيث وقع، و {أية : زَاغَ} تفسير : [النجم: 17] {أية : وَخَابَ} تفسير : [إبراهيم: 15]، و {أية : طَابَ} تفسير : [النساء: 13]، و "حَاقَ" [الأنعام: 10]، والآخرون لا يميلونها. فصل في أوجه ورود لفظ المرض ورد لفظ "المرض" على أربعة أوجه: الأول: الشّك كهذه الآية. الثاني: الزِّنَا قال تعالى: {أية : فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} تفسير : [الأحزاب: 32]. الثالث: الحَرَجُ قال تعالى: {أية : أَوْ كُنتُم مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ} تفسير : [النساء: 102]. الرابع: المرض بعينه. قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 7] وقد تقدّم. و "أليم" هنا بمعنى: مُؤْلِم، كقوله: [الوافر] شعر : 189- ونَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاَتٍ يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ تفسير : ويجمع على "فُعَلاَء" كـ: "شريف وشرفاء"، و "أفْعَال" مثل: "شريف وأشراف"، ويجوز أن يكون "فعيل": هُنَا للمُبَالغة محولاً من "فَعِل" بكسر العَيْنِ، وعلى هذا تكون نسبة الألم إلى العَذَابِ مجازاً، لأنّ الألم حلّ بمن وقع به العذاب لا بالعذاب، فهو نظير قولهم: "شِعْرٌ شَاعِر". و {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} متعلّق بالاستقرار المقدر في "لهم"، أي: استقر لهم عَذَابٌ أليم بسبب تكذيبهم. و "ما" يجوز أن تكون مصدرية، أي: بكونهم يكذبون، وهذا على القول بأن لـ "كان" مصدراً، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 190- بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ في قوْمِهِ الفَتَى وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ تفسير : فقد صَرّح بالكون، ولا جائز أن يكون مصدر "كان" التَّامة لنصبه الخبر بعدها، وهو "إياه" على أنَّ للنظر في هذا البيت مجالاً ليس هذا موضعه. وعلى القول بأن لها مصدراً لا يجوز التصريح به معها، لا تقول: "كان زيد قائماً كوناً"، قالوا: لأن الخبر كالعوض من المصدر، ولا يجمع بين العوض والمُعَوَّض منه، وحينئذ فلا حَاجَةَ إلى ضمير عائد على "ما"؛ لأنها حرف مصدري على الصحيح، خلافاً للأخفش وابن السّراجِ في جعل المصدرية اسماً. ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، وحينئذ فلا بُدّ من تقدير عائدٍ أي: بالذي كانوا يكذبونه، وجاز حَذْفُ العائد لاستكمال الشُّروط، وهو كونه منصوباً متصلاً بفعل، وليس ثمَّ عائد آخر. وزعم أبو البَقَاءِ أن كون "ما" موصولةً اسميةً هو الأظهر، قال: لأنّ الهاء المقدرة عائدة على "الَّذِي" لا على المصدر. وهذا الَّذِي قاله غير لازم، إذ لقائل أن يقول: لا نسلّم أنه لا بُدَّ من هاءٍ مقدّرة حتى يلزم جعل "ما" اسمية، بل من قرأ {يَكْذِبُونَ} مخففاً فهو عنده غير متعدٍّ لمفعول، ومن قرأه مشدداً فالمفعول محذوف لفهم المعنى أي: بما كانوا يكذبون الرَّسول والقرآن، أو يكون المشدّد بمعنى المخفّف، وقرأ الكوفيون: {يَكْذِبُونَ} بالفتح والتَّخفيف، والباقون بالضَّم والتشديد. و "يكذّبون" مضارع "كذَّب" بالتشديد، وله معانٍ كثيرة: الرَّمي بكذا، ومنه الآية الكريمة والتعدية نحو: "فَرَّحْتُ زيداً". والتكثير نحو: "قَطَّعْتُ الأثواب". والجعل على صفة نحو: "قَطَّرْتُه" أي: جعلته مقطراً؛ ومنه: [السريع] شعر : 191- قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا تفسير : والتسمية نحو: "فَسَّقْتُهُ" أي: سميته فاسقاً والدعاء له نحو: "سَقَّيْتُهُ" أي قلت له: "سَقَاكَ الله". أو الدعاء عليه نحو: "عَقَّرتُه" أي قلت: عَقْراً لك. والإقامة على الشي نحو: "مَرَّضتُه" والإزالة نحو: "قَذَّيْتُ عينه" أي: أزلت قَذَاها. والتوجّه نحو: "شَرَّقَ وغَرَّبَ"، أي: توجّه نحو الشرق والغرب. واختصار الحكاية نحو: "أمَّنَ" قال: آمين. وموافقة "تَفَعَّلَ" و "فَعَلَ" مخففاً نحو: وَلَّى بمعنى تولّى، وقَدَّرَ بمعنى قَدَر، والإغناء عن "تَفَعَّلَ" و "فَعَلَ" مخففاً نحو "حَمَّرَ" أي تكلم بلغة "حمير"، قالوا: "مَنْ دخل ظَفَارِ حَمَّرَ وعَرَّدَ في القِتَال" هو بمعنى عَرَدَ مخففاً، وإن لم يلفظ به. و "الكذب" اختلف النَّاس فيه، فقائل: هو الإخبار عن الشيء بخير ما هو عليه ذهناً وخارجاً، وقيل: بغير ما هو عليه في الخارج، سواء وافق اعتقاد المتكلّم أم لا. وقيل: الإخبار عنه اعتقاد المتكلّم سواء وافق ما في الخارج أم لا، والصّدق نقيضه. فصل في معنى الآية قال المفسرون: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شكّ ونفاق {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}؛ لأن الآيات كانت تنزل آيةً بعد آيةٍ، كلما كفروا بآيةٍ ازدادوا كفراً ونفاقاً، وذلك معنى قوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125] والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رجساً عند نزولها حين كفروا بها قبل ذلك، وهو كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 6] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [فاطر: 42]. قالت المعتزلة: لو كان المراد من المرض - هاهنا - الكفر والجَهْل لكان قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} محمولاً على الكُفْرِ والجَهْلِ، فيلزم أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجهل. قالت المعتزلة: ولا يجوز أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجَهْلِ لوجوه: أحدها: أنّ الكفار كانوا في غَايَة الحرص على الطَّعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان؟ وثانيها: أنه - تعالى - ذكر هذه الآيات في معرض الذَّم لهم على كُفْرِهِمْ، فكيف يذمّهم على شيء خلقه الله فيهم. وثالثها: قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فإن كان الله خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأيّ ذنب لهم حتَّى يعذبهم؟ ورابعها: أنه - تعالى - أضافه إليهم بقوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} وبأنهم يفسدون في الأرض، وأنهم هم السّفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شَيَاطينهم قالوا: إنا معكم، وإذا ثبت هذا فلا بُدّ من التأويل، وهو من وجوه: الأول: يحمل المرض على الغَمّ، لأنه يقال: مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى: أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا إثبات أمر النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -، واستعلاء شأنه يوماً فيوماً، وذلك يؤدي إلى زوال رياستهم، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - مَرَّ بعبد الله بن أُبَيّ على حِمَارٍ، فقال له: نَحّ حمارك يا مُحَمّد فقد آذانا رِيْحُهُ، فقال له بعض الأنصار، اعْذُرْهُ يا رسول الله، فإنه كان مؤملاً أن نُتَوِّجَهُ الرياسةَ قبل أن تقدم علينا، فهؤلاء لمَّا اشتدَّ عليهم الغَمّ وصفهم الله بذلك فقال: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} أي: زادهم غمًّا على غَمِّهِمْ. وثانيها: المراد من زيادة المرض زيادة منع الألطاف فيكون بسبب ذلك المَنْع خاذلاً لهم. الثالث: أنَّ العرب تصف فتور النَّظر بالمرض يقولون: جاريةٌ مريضةُ الطرف. قال جرير: [البسيط] شعر : 192- إِنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِهَا مَرَضٌ قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلاَنَا تفسير : فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النِّية؛ لأن قلوبهم كانت قويةً على المُحَاربة، والمُنَازعة، والمخاصمة، ثم انكسرت شوكتهم، فأخذوا في النِّفَاق بسبب ذلك الخوف، والانكسار، فقال تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} أي: زادهم الانْكِسَارَ والجُبْنَ والضعف، وحقق الله ذلك بقوله: {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [الأحزاب: 26] الرابع: أن يحمل المرض على أَلَم القلب؛ لأنَّ المُبْتَلَى بالحَسَدِ والنِّفَاقِ، ومشاهدة ما يكره ربما صار ذلك سبباً لتغيير مِزَاَجِهِ، وتألُّم قلبه، وحَمْلُ اللَّفْظِ على هذا الوَجْهِ حَمْلٌ له على حقيقته، فكان أولى. وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} صريح أن كذبهم علّة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً. فأما ما يروى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته الكذب سمي بذلك. والمراد بكذبهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة."حديث : أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غداً قال: لا تخادع الله قال وكيف نخادع الله؟ قال أن تعمل بما أمرك به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله، فإن المرائي ينادي به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر. ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً} [الكهف:110] الآية و{إن المنافقين يخادعون الله} [النساء: 142] الآية ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {يخادعون الله} قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك. وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله {يخادعون الله والذين آمنوا} قال: هؤلاء المنافقون، يخادعون الله ورسوله، والذين آمنوا أنهم يؤمنون بما أظهروه. وعن قوله {وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون} قال: ما يشعرون بأنهم ضروا أنفسهم بما أسروا من الكفر والنفاق، ثم قرأ {أية : يوم يبعثهم الله جميعاً} تفسير : [المجادلة: 18] قال هم المنافقون حتى بلغ قوله {ويحسبون أنهم على شيء}. وأخرج البيهقي في الشعب عن قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المكر والخديعة في النار، لكنت أمكر هذه الأمة ".
ابو السعود
تفسير : {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا} بـيانٌ ليقولُ وتوضيحٌ لما هو غرضُهم مما يقولون، أو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهن، كأنه قيل: ما لهم يقولون ذلك وهم غيرُ مؤمنين، فقيل: يخادعون الله الخ، أي يخدعون، وقد قرىء كذلك، وإيثارُ صيغة المفاعلةِ لإفادة المبالغةِ في الكيفية، فإن الفعل متى غولب فيه بولغ فيه قطعاً، أو في الكمية، كما في الممارسة والمزاولة، فإنهم كانوا مداومين على الخَدْع، والخِدْعُ أن يوهم صاحبَه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعَه فيه من حيث لا يحتسب، أو يوهمَه المساعدةَ على ما يريد هو به ليغترّ بذلك فينجُوَ منه بسهولة، من قولهم ضبٌّ خادع وخُدَع وهو الذي إذا أمرّ الحارشُ يده على باب جُحره يوهمه الإقبالَ عليه فيخرج من بابه الآخر، وكلا المعنيـين مناسبٌ للمقام، فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطّلعوا على أسرار المؤمنين فيذيعوها إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائرَ الكفرة. وأياً ما كان فنسبتُه إلى الله سبحانه إما على طريق الاستعارة والتمثيل، لإفادة كمال شناعةِ جنايتهم أي يعامِلون معاملة الخادعين، وإما على طريقة المجاز العقلي، بأن يُنسب إليه تعالى ما حقه أن يُنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إبانةً لمكانته عنده تعالى، كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح، الآية 10] وقوله تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء، الآية 80] مع إفادة كمال الشناعةِ كما مر، وإما لمجرد التوطئةِ والتمهيد لما بعده من نِسبته إلى الذين آمنوا، والإيذانِ بقوةِ اختصاصِهم به تعالى كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : ،[الأحزاب، الآية 57] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب، الآية 57] وإبقاءُ صيغة المخادعةِ على معناها الحقيقي بناءً على زعمهم الفاسد، وترجمةٌ عن اعتقادهم الباطل، كأنه قيل: يزعمون أنهم يخدعون الله والله يخدعهم، أو على جعلها استعارة تَبَعِيّة، أو تمثيلاً لما أن صورةَ صُنعِهم مع الله تعالى والمؤمنين وصنعِه تعالى معهم بإجراء أحكامِ الإسلام عليهم، وهم عنده أخبثُ الكفرة، وأهلُ الدَّرْك الأسفلِ من النار استدراجاً لهم، وامتثالُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأمر الله تعالى في ذلك مجازاةٌ لهم بمثل صنيعهم صورةَ صنيعِ المتخادعين كما قيل، مما لا يرتضيه الذوق السليم. أما الأولُ فلأن المنافقين لو اعتقدوا أن الله تعالى يخدعُهم بمقابلة خَدْعِهم له لم يُتصَّور منهم التصدّي للخدْع، وأما الثاني فلأن مقتضىٰ المقام إيرادُ حالهم خاصةً وتصويرُها بما يليق بها من الصورة المستهجَنة، وبـيانُ أن غائلَتها آيلةٌ إليهم من حيث لا يحتسبون، كما يُعرب عنه قوله عز وعلا: {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ} فالتعرضُ لحال الجانب الآخر مما يُخِل بتوفية المقامِ حقَّه، وهو حالٌ من ضمير (يخادعون)، أي يفعلون والحالُ أنهم ما يُضرون بذلك إلا أنفسَهم، فإن دائرةَ فعلِهم مقصورةٌ عليهم، أو ما يخدعون حقيقةً إلا أنفسَهم، حيث يُغرونها بالأكاذيب فيُلْقُونها في مهاوي الردىٰ، وقرىء (وما يخادعون) والمعنى هو المعنى، ومن حافظ على الصيغة فيما قبلُ قال: وما يعامِلون تلك المعاملةَ الشبـيهةَ بمعاملة المخادِعين إلا أنفسَهم لأن ضررَها لا يحيق إلا بهم، أو ما يخادعون حقيقة إلا أنفسَهم حيث يُمنّوُنها الأباطيل، وهي أيضاً تغرُهم وتمنّيهم الأمانيَّ الفارغةَ، وقرىء (وما يُخَادِّعون) من التخديع (وما يخدعون) أي يختدعون، ويُخدَعون ويُخادَعون على البناء للمفعول، ونصبُ (أنفسَهم) بنزع الخافض، والنفسُ ذاتُ الشيء وحقيقتُه وقد يقال للروح لأن نفس الحيِّ به، وللقلب أيضاً لأنه محلُ الروح. أو مُتعلَّقُه، وللدم أيضاً لأن قِوامَها به، وللماء أيضاً لشدة حاجتها إليه والمراد هنا هو المعنى الأول لأن المقصود بـيانُ أن ضرر مخادعتهم راجعٌ إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم. وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير ما يخدعون، أي يقتصرون على خِدْع أنفسِهم والحالُ أنهم ما يشعرون أي ما يُحسّون بذلك لتماديهم في الغَواية، وحذفُ المفعولِ إما لظهوره أو لعمومه، أي ما يشعرون بشيء أصلاً، جُعل لُحوقُ وبالِ ما صنعوا بهم في الظهور بمنزلة الأمر المحسوسِ الذي لا يخفىٰ إلا على مَؤوفِ الحواس مختلِّ المشاعر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ...} الآية. قال بعض العراقيين: الخداع والمكر تنبيه من جهة شهود السعايات والاكتفاء إلى الطاعات حتى لا يعتقد فيها بأنها أسباب الوصول إلى الحق. كلا. وقيل: إنما يخادع من لا يعرف البواطن، فأما من عرف البواطن فمن دخل معه فى الخداع فإنما يخادع نفسه.
القشيري
تفسير : عاد وبال خداعهم والعقوبة عليه إلى أنفسهم فصاروا في التحقيق كأنهم خادعوا أنفسهم، فما استهانوا إلا بأقدارهم، وما اسْتَخَفُّوا إلا بأنفسهم، وما ذاق وبالَ فعلهم سواهم، وما قطعوا إلا وتينَهم. ومن كان عالماً بحقائق المعلومات فمن رام خداعه إنما يخدع نفسه. والإشارة في هذه الآية أن من تناسى لطفه السابق وقال لي وبي ومني وأنا يقع في وهمه وظنه لك وبك ومنك وأنت، وهذا التوهم أصعب العقوبات لأنه يرى سراباً فيظنه شراباً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يخادعون الله} بيان ليقول فى الآية السابقة وتوبيخ لما هو غرضهم مما يقولون او استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق اليه الذهن كانه قيل مالهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين فقيل يخادعون الخ اى يخدعون وانما اخرج فى زنة فاعل للمبالغة وخداعهم مع الله سبحانه ليس على ظاهره لانه لا تخفى عليه خافية ولانهم لم يقصدوا خديعته بل المراد ما مخادعة رسوله على حذف المضاف او على ان معاملة الرسول معاملة الله من حيث انه خليفته فى ارضه والناطق عنه باوامره ونواهيه مع عباده ففيه رفع درجة النبى صلى الله عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه واما ان صورة صنعهم مع الله من اظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم من اجراء احكام المسلمين عليهم وهم عنده تعالى اخبث الكفار واهل الدرك الاسفل من النار استدراجا لهم وامتثال الرسول والمؤمنين امر الله تعالى فى اخفاء حالهم واجراء حكم الاسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين فتكون المخادعة بين الاثنين والخدع ان يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب او يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر بذلك فينجو منه بسهولة من قولهم ضب خادع وخدع وهو الذى اذا امر الحارش يده على باب حجره يوهمه الاقبال عليه فيخرج من بابه الآخر وكلا المعنيين مناسب للمقام فانهم كانوا يريدون بما صنعوا ان يطلعوا على اسرار المؤمنين فيذيعوها الى منابذيهم اى يشيعوها الى مخالفيهم واعدائهم وان يدفعوا عن انفسهم ما يصيب سائر الكفرة من القتل والنهب والاسر وان ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الاعطاء {والذين آمنوا} اى يخادعون المؤمنين بقولهم اذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين وهو عطف على الاول ويجوز حمله على الحقيقة فى حقهم فانه وسعهم كذا فى التيسير {وما يخدعون الا انفسهم} النفس ذات الشئ حقيقته وقد يقال للروح لان النفس الحى به وللقلب لانه محل الروح او متعلقة وللدم لان قوامها به وللماء ايضا لشدة حاجتها اليه والمراد هنا هو المعنى الاول لان المقصود بيان ان ضرر مخادعتهم راجع اليهم لا يتخطاهم الى غيرهم اى يفعلون ما يفعلون والحال انهم ما يضرون بذلك الا انفسم فان دائرة فعلهم مقصورة عليهم ومن حافظ على الصيغة قال وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين الا انفسهم لان ضررها لا يحقيق الا بهم ووبال خداعهم راجع اليهم لان الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفضحون فى الدنيا ويستوجبون العقاب فى العقبى: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : بازئ خود ديدى اى شطرنج باز بازئ خصمت ببين دور ودراز تفسير : وقيل يعاملهم على وفق ما عاملوا وذلك فيما جاء انهم اذا القوا فى النيران وعذبوا فيها طويلا من الزمان استغاثوا بالرحمن قيل لهم هذا الابواب قد فتحت فاخرجوا فيتبادرون الى الابواب فاذا انتهوا اليها اغلقت دونهم واعيدوا الى الآبار والتوابيت مع الشياطين والطواغيت قال تعالى {أية : إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا}تفسير : [الطارق: 15- 16] وفى الحديث "حديث : يؤمر بنفر من الناس يوم القيامة الى الجنة حتى اذا دنوا منها واستنشقوا رايحتها ونظروا الى قصورها والى ما اعد الله تعالى لاهلها نودوا ان اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الاولون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربنا لو ادخلتنا النار قبل ان ترينا ما اريتنا من ثواب ما اعددت لاوليائك فيقول ذلك اردت بكم كنتم اذا خلوتم بى بارزتمونى بالعظائم فاذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤن الناس وتظهرون خلاف ما تنطوى قلوبكم عليه هبتم الدنيا ولم تهابونى اجللتم الناس ولم تجلونى وتركتم للناس ولم تتركوا لى ". تفسير : يعنى لاجل الناس فاليوم اذيقكم أليم عذابى مع ما حرمتكم يعنى من جزيل ثوابى كذا فى روضة العلماء وتنبيه الغافلين {وما يشعرون} حال من ضمير ما يخدعون اى يقتصرون على خدع انفسهم والحال انهم ما يحسون بذلك لتماديهم فى الغفلة والغواية جعل طوق وبال الخداع ورجوع ضرره اليهم فى الظهور كالمحسوس الذى لا يخفى الا على مؤوف الحواس وهذا تنزيل لهم منزله الجمادات وحط من مرتبة البهائم حيث سلب منهم الحس الحيوانى فهم ممن قيل فى حقهم بل هم اضل فلا يشعرون ابلغ وانسب من لا يعلمون. والشعور الاحساس اى علم الشئ علم حس ومشاعر الانسان حواسه سميت به لكون كل حاسة محلا للشعور والعظة فيه ان المنافق عمل ما عمل وهو لا يعلم بوبال ما عمل والمؤمن يعلم به فما عذره عند ربه ثم فى هذه الآية نفى العلم عنهم وفى قوله {أية : وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}تفسير : [آل عمران: 71]. اثبات العلم لهم والتوفيق بينهما انهم علموا به حقيقة ولكن لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا وهو كقوله عز وجل {أية : صم بكم عمى}تفسير : [البقرة: 18]. فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة لكن لم ينتفعوا بذلك فكانوا كأنهم صم بكم عمى فذو الآلة اذا لم ينتفع بها فهو وعادم اللآلة سواء والعالم الذى لا يعمل بعلمه فهو والجاهل سواء والغنى الذى لا ينتفع بماله فهو والفقير سواء فاثبات العلم للكفار الزام الحجة وذكر الجهل إثابت المنقضة بخلاف المؤمنين فان اثبات العلم لهم اثبات الكرامة وذكر الجهل تلقين عذر المعصية كذا فى التيسير. فعلى المؤمن ان يتحلى بالعلم والعمل ويجتنب عن الخطأ والزلل ويطيع ربه خالصا لوجهه الكريم ويعبده بقلب سليم وفى الحديث "حديث : ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر" قالوا: وما الشرك الاصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء يقول الله تعالى يوم يجازى العباد باعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤن لهم فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا"تفسير : وانما يقال لهم ذلك لان عملهم فى الدنيا كان على وجه الخداع فيعاملون فى الآخرة على وجه الخداع كذا فى تنبيه الغافلين: قال السعدى شعر : جه قدر آورد بنده نزد رئيس كه زير قبا دارد اندام بيس تفسير : وفى التأويلات النجمية الاشارة ان الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة فى الازل اثمر بذر سر القدر المستور فى اعماله ثمرة مخادعة الله فى الظاهر ولا يشعر ان المخادعة نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا فى نظره وحب شهواتها فى قلبه كما قال تعالى {أية : زين للناس حب الشهوات}تفسير : [آل عمران: 14] الآية. فانخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله وطلب السعادة الاخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور كما قال تعالى {يخادعون الله وهو خادعهم} [البقرة: 9] فعلى هذا {وما يخدعون الا انفسهم} حقيقة فى صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا لانهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع امكان ظهور الايمان منهم فلما شرعوا فى اظهار النفاق بطريقة المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الاسفل من النار فابطلوا استعداد قبول الايمان وامكانه عن انفسهم فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة الى انفسهم {وما يشعرون} اى ليس لهم الشعور بسر القدر الازلى وان معاملتهم فى المكر والخداع من نتايجه لان فى قلوبهم مرضا ومرض القلب ما يفهم من شعور سر القدر.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو بضم الياء وبألف. الباقون بفتح الياء بلا الف في قوله {وما يخدعون} اللغة: قال ابو زيد: خدعت الرجل اخدعه خِدعاً بكسر الخاء وخديعة ويقال في المثل: إنك لأخدع من ضب حرشته. وقال ابن الاعرابي: الخادع: الفاسد من الطعام ومن كل شيء وانشد: شعر : ابيض اللون لذيذاً طعمه طيب الريق اذا الريق خدع تفسير : اي تغير وفسد. وقال ابو عبيدة: يخادعون بمعنى يخدعون قال الشاعر: شعر : وَخادعت المنية عنك سراً فلا جزع الاوان ولا رواعا تفسير : التفسير: وخداع المنافق إظهاره بلسانه من القول أو التصديق خلاف ما في قلبه من الشك والتكذيب وليس لأحد ان يقول: كيف يكون المنافق لله ولرسوله وللمؤمنين مخادعاً وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟. وذلك ان العرب تسمي من اظهر بلسانه غير ما في قلبه لينجو مما يخافه مخادعاً لمن تخلص منه بما اظهر له من التقية فلذلك سمي المنافق مخادعاً من حيث انه نجا من اجراء حكم الكفر عليه بما اظهره بلسانه فهو وان كان مخادعاً للمؤمنين فهو لنفسه مخادع لأنه يظهر لها بذلك أنه يعطيها أمنيتها وهو يوردها بذلك أليم العذاب وشديد الوبال، فلذلك قال: {وما يخدعون إلا أنفسهم}. وقوله: {وما يشعرون} يدل على بطلان قول من قال: إن الله لا يعذب إلا من كفر عناداً بعد علمه بوحدانيته ضرورة، لأنه أخبر عنهم بالنفاق وبأنهم لا يعلمون ذلك، والمفاعلة، وإن كانت تكون من اثنين، من كل واحد منهما لصاحبه، مثل ضاربت وقاتلت وغير ذلك، فقد ورد من هذا الوزن "فاعَلَ" بمعنى (فَعلَ) مثل: قاتله الله، وطابقت النعل، وعافاه الله، وغير ذلك. وقد حكينا أن معناه: يخدعون، كما قال في البيت المقدّم وقيل: إنه لم يخرج بذلك عن الباب ومعناه: ان المنافق يخادع الله بكذبه بلسانه على ما تقدم، والله يخادعه بخلافه بما فيه نجاة نفسه كما قال. {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} تفسير : وحكي عن الحسن ان معنى يخادعون الله انهم يخدعون نبيه لأن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله كما قال: {أية : وإن يريدوا أن يخدعوك} تفسير : وقيل معناه: انهم يعملون عمل المخادع كما يقال فلان يسخر من نفسه ومن قرأ {وما يخادعون} بألف طلب المشاكلة والازدواج كما قال: {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا} تفسير : وكما قال: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : وكما قال الشاعر: شعر : ألا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وقال تعالى: {أية : فيسخرون منهم سخر الله منهم} تفسير : ومثله كثير. وقيل في حجة من قرأ يخادعون بألف هو ان ينزل ما يخطر بباله ويهجس في نفسه من الخداع بمنزلة آخر يجازيه ذلك ويفاوضه فكأن الفعل من اثنين كما قال الشاعر وذكر حماراً أراد الورود: شعر : تذكر من أنى ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الابل تفسير : فجعل ما يكون منه من وروده الماء والتمثل بينهما بمنزلة نفسين وقال الآخر: شعر : وهل تطيق وداعاً ايها الرجل تفسير : وعلى هذا قول من قرأ: {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} فوصل فخاطب نفسه ونظائر ذلك كثيرة وانما دعاهم إلى المخادعة امور احدها ـ التقية وخوف القتل والثاني ـ ليكرموهم إكرام المؤمنين. الثالث ـ ليأنسوا اليهم في اسرارهم فينقلوها إلى اعدائهم. والخداع مشتق من الخدع وهو اخفاء الشيء مع ايهام غيره ومنه المخدع: البيت الذي يخفى فيه الشيء فان قيل: أليس الكفار قد خدعوا المؤمنين بما اظهروا بالسنتهم حتى حقنوا بذلك دماءهم واموالهم ـ وان كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم ـ قيل: لا نقول خدعوا المؤمنين لأن اطلاق ذلك يوجب حقيقة الخديعة لكن نقول: خادعوهم وما خدعوهم بل خدعوا انفسهم، كما قال في الآية، ولو أن انساناً قاتل غيره، فقتل نفسه جاز أن يقال: انه قاتل فلاناً. فلم يقتل إلا نفسه، فيوجب مقاتلة صاحبه، وينفي عنه قتله. والنفس مأخوذة من النفاسة، لأنها أجل ما في الانسان. تقول: نَفَس ينفس نفاسة: اذا ضن به، وتنافسوا في الأمر: اذا تشاحوا. والنفس: الروح. ونفس عنه تنفيساً: اذا روح عن نفسه. والنّفس: الدم، ومنه النفساء، ونفست المرأة. والنفس: خاصة الشيء، وقوله: {وما يشعرون} يعني وما يعلمون، يقال ما شعر فلان بهذا الأمر وهو لا يشعر به اذ لم يدر، شعراً وشعوراً ومشعوراً قال الشاعر: شعر : عقوا بسهم فلم يشعر به احد ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح تفسير : يعني: لم يعلم به أحد. واصل الشعر: الدقة شعر به يشعر: اذا اعلمه بامر يدق ومنه الشعيرة والشعير، لأن في رأسهما كالشعر في الدقة. والمشاعر: العلامات في مناسك الحج كالموقف والطواف، وغيرهما. واشعرت البدنة، اذا اعلمتها على انها هدي. والشعار ما يلي الجسد، لأنه يلي شعر البدن. الاعراب: {إلا أنفسهم} نصب على الاستثناء.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : إن للمنافقين قبائح كثيرة من رذائل القلب وخبائث النفس، ذكَر الله أربعة منها في هذه الآيات: أحدها: ما ذكَره في هذه الآية وهي المخادعة مع الله والمؤمنين. والخَدْعُ: أن توهِمَ غيرَك خلافَ ما تُخفيه في نفسك من المكروه، لتصرِفه عمّا هو بصدده من قولهم: خدع الضبُّ: إذا توارى في جُحره وضبٌّ خادعٌ وخدع إذا أوهم الحارس إقباله عليه ثمّ خرج من باب آخر. وأصله الإخفاء. ومنه المخدَع: للخزانة. والأخدعان: لعرقين خفيّين في العنق. فهو ضرب من النفاق والغرور والرياء في الأفعال الحسنة. وكلّ ذلك بخلاف ما يقتضيه دين الله وطريقه، لأنّ الدين يوجب الاستقامةَ والعدولَ عن الغُرور والتدليس والمكر والإساءة، كما يوجب الاخلاص: {أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} تفسير : [الزمر:3]. وأما أنّهم كيف خادَعوا الله ولا تخفى عنه خافيةٌ، وكيف خادعَهم الله، والمؤمنون - كما تقتضيه صيغة المفاعلة - والخدعة صفةٌ مذمومةٌ؟ فالمراد من الأول أحد أمور خمسة: أولها: أن يكون ذلك على معتقَدهم وظنِّهم أنّ الله ممَّن يرضى عنهم بصورة الأعمال الصادرة عنهم سُمعة ورياءً، مع أن القصد منهم بما لم يكن إلا أغراض النفس والهوى، ومحبة الجاه والثروة ومتاع الدنيا؛ وذلك لاغترارهم وجهلهم بأن الناقد بصير، والطريق اليه خطيرٌ، والبضاعة معيبة مموّهة، ولا يُقْبَل عند الله إلاّ العمل الخالص، وكيف، ومن كان ادعاؤه الإيمان بالله واليوم الآخر نفاقاً، لم يكن قد عرف الحقّ وصفاته، وأن له تعلّقاً بكل معلومٍ، وله غِنىً عن كلّ ما سواه. فلم يبعد عن مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً من وجه خفي، وربما يوجد في الناس - بل في أكثر الأكياس منهم - مَن كان هذا شأنهم مع الله، وقد شاهَدناهم وصحبناهم كثيراً. وثانيها أن يقال: صورة صنيعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان ويستبطنون الكفر - صورة صنيع الخادعين. وثالثها: أنّ المراد مِن "يخادعون الله"، المخادعة مع رسول الله، إمّا على حذف المضاف، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنّه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، وهو مع ذلك خارجٌ عن مقام بشريّته، ذاهبٌ الى الله وملكوته، واصلٌ بكلّيته في بحبوحة قُربه ومطالعة جماله وجلاله، مستغرقٌ في شهود إلٰهيته، كما قال تعالى {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح:10]. وقال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : مَن رآني فقد رأى الحقّ"تفسير : . وفي الحديث القدسي: "حديث : من بارزَ وليّاً فقد بارزني. ومن عاداه فقد عادني ". تفسير : ورابعها: ما ذكرَه صاحب الكشاف، وهو أن يكون من قبيل قولهم: "أعجبني زيدٌ وكرمه" فيكون المعنى: يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة، قوّة الاختصاص. وله نظائر ذكرَها. وخامسها: ما في الكشّاف أيضاً، وهو أن يقال، عنى به "يخدعون" إلاّ انه أخرج في زنة المفاعلة للمبالغة، لأنّ الزنة في أصلها للمبالغة، والفعل متى غولِب فيه فاعله كان أبلغ وأحكم منه إذا زاوَله من غير مقابلة معارض، ويعضده قراءة من قرأ "يخدعون"، ولأنه بيان: ليقول، ويحتمل الاستيناف، لذكر ما هو الغرَض من دعواهم الإيمان كذباً. والمراد من الثاني هو أنّ صورة صُنع الله معهم صورة صُنع الخادع، حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده أخبث الكفّار، وأهل الدرَك الأسفل من النار، استدراجاً لهم، وتلطّفاً في إغفالهم عمّا أعدّ لأوليائه، وردْعهم وطرْدهم من جناب قُدسه ومحلّ كرامته من حيث لا يشعرون، مجازاةً لهم بمثل صنيعهم. وكذا صورة صُنع الرسول والمؤمنين معهم من حيث امتثالهم أمر الله في إخفاء حالهم، وإجراء الإسلام عليهم، وربما كانوا ولاة في البلاد، وقُضاة في دار الإسلام يحكمون على أموال المسلمين وفروجهم ودمائهم، ويجب على الناس الاقتداء بهم في الصلاة، والامتثال لأمرهم ونهيهم تقيّة ومداراة معهم، كما أخبر عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقوله: سيكون بعدي اثرة، وقال للاصحاب: إنّكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة. وعن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): حديث : كيف أنتم وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء؟ قلت: أَمَا والذي بعثَك بالحقّ، أضعُ سيفي على عاتقي، ثمّ أضرب به حتّى القاك، قال: أَوَلاَ أدلّك على خيرٍ من ذلك؟ تصبرُ حتى تَلقاني . تفسير : فصل الداعي لهم على الخديعة مع المؤمنين يحتمل مقاصد وأغراضاً شتّى: منها: أنّهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفّار؛ من قتل نفوسِهم، ونهْب أموالهم، وسبي ذَراريهم، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : أُمرتُ أن اقاتل الناس حتّى يقولوا لا إلٰه إلاّ الله ". تفسير : ومنها: قبولهم عند أهل الاسلام وإجراؤهم مجرى المؤمنين في التعظيم والإكرام. ومنها: أنّهم ربما التمسوا من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين إفشاء أسراره واسرارهم لينقلوها الى أعدائهم من الكفّار. ومنها: أنّهم طمعوا الاقتسام من أموال الغنائم - الى غير ذلك من المقاصد والأغراض. وليس لك أن تقول: لمّا كان الله قادراً على أن يوحي الى نبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله) جميع ما قصدوه وأضمروه في نفوسهم ليدفع شرَّهم وخداعهم وإفسادهم، فلِمَ لم يفعل ذلك ولَمْ يهتك أسرارهم؟ قلنا: وإنّه أيضاً قادرٌ على استيصال إبليس وذريّته أجمعين، ولكنّه أبقاهم وقوّاهم وأجراهم مجرى الدم في عروق الآدميّين، لأنّ في ذلك الحكمة والمصلحة ما لا يعلم غورُه إلاّ الله ومَن اهتدى بنوره، واطّلع على وَحيه من أهل الرسالة والوِلاية. فصل فيه حكمة مشرقية [كيف يخدع الانسان نفسه] قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}، أي خداع المنافقين لا ينجع إلاّ في أنفسهم بإهلاكها وتخسيرها، وايراثها الوبال والنكال بازدياد الظلمة والكفر والنفاق، واجتماع أسباب البُعد من الله والشقاء عليها، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر:43]. وكذا خداع الله المتسبّب عن خداعهم، يؤثّر في أنفسهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق لقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران:54]. وهم من غاية تعمّقهم في جهلهم، ما يُحسّون بذلك الأمر المكشوف الظاهر، إذ الشعور: علم الشيء إذا حصل بالحسّ، من الشعار، - ومشاعر الإنسان حواسّه - عنى به أنّ لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، لكنهم لتماديهم في الغفلة، كالذي به خدرٌ لا يحسّ، والمراد من النفْس: ذاتُ الشيء وحقيقته، ولا يختصّ بالأجسام لقوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة:116]. وقد يطلق على جوهرٍ مفارقٍ عن الأجسام ذاتاً وحقيقةً، مقارنٍ لها فِعلاً وتأثيراً، ثمّ قيل للقلب: نفسٌ، لأنّه خليفة النفس في البدن، كما انّ الصدر خليفةُ الطبيعة. ويقال للدم: نفسٌ، لأنّ قوامَ حياتها البدنيّة بالدم، وللماء: نفس لفَرط حاجتها إليه، قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} تفسير : [الأنبياء:30]. وللرأي في قولهم: فلانٌ يوامر نفسَه: إذا تردّد في الأمر واتّجه له رأيان وداعيان، كأنّهم أرادوا داعيي النفس وناجِيَيْٰها، فسمّوهما نَفْسَين، لصدورهما عن النفس، أو تشبيهاً لهما بمُبَشرين يأمر أحدهما وينهى الآخر، وستطّلع على هذا السرّ. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: وما يخادعون. والباقون: يخدعون، وحجّة الأولين التطابق في اللفظ بين الكلامين. وحجة الباقين: أن المخادعة إنّما تكون بين اثنين، فلا يكون الإنسان الواحدُ مخادعاً لنفسه. أقول: وكذلك الخداع لا يكون إلاّ بين اثنين. والفرق بينهما: بأن الفعل في الأول من الجانبين، وكذا الانفعال، وفي الثاني: الفعل من جانب، والانفعال من جانب آخر، فالإنسان الواحد، كما لا يخادع مع نفسه، كذلك لا يخدع نفسَه أيضاً، فما هو الجواب لذاك، فهو الجواب لهذا. فالأوْلىٰ أن يراد حقيقة المخادعة، أي وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنّونها الأماني الباطلة، ويحدّثونها بالأكاذيب، من الإيعاد بالخير، والوعد بالشر، وغير ذلك، وكذلك أنفسهم تعدهم وتمنّيهم وتحدثهم بالأماني. وتحقيق ذلك يبتني على معرفة النفس الإنسانية وهي: أنّ للنفس الإنسانيّة نشآت ومقامات متعدّدة، كالحسيّة والخياليّة والعقليّة، ولها مراحل ومنازل متفاوتة، كالدنيا والبرزخ والآخرة، وأكثر الناس ما داموا في الدنيا، فمقام نفوسهم بالفعل عالَم الحسّ، ولها بالقوّة نشأة الروح والعقل، وذلك إذا لم يبطل استعدادها لحصول النشأة الباقية، وأما إذا بطل ذلك، بمسخ باطنهم وطمسه بالكليّة، فليست نفوسُهم هي أرواحاً ولا عقولاً لا بالفعل ولا بالقوّة، ولا لها نشأة إلا نشأة الحسّ فقط كنفوس سائر الحيوانات. وبعض الناس، ممّن خرجت نفسُه من القوّة الى الفعل في نشآته الثلاث - كالكمّل من العلماء الإلٰهيّين والأولياء - فلهم من الأحديّة الحقّة ما حازوا به الأكوان الثلاثة، ولا يشغلهم شأنٌ عن شأن ولا يمنعهم موطنٌ عن موطن. فإذا تقرر هذا فنقول: النفس بحسب كلّ مقام ونشأة، هي غيرها بحسب مقام آخر ونشأة أُخرىٰ، وبواسطة مزاولة أفعال تُناسب النشأة الدنيويّة وتكريرها تَقَوّي الجنبة السافلة منها وتضعف الجنبة العالية، وبالعكس عند مزاولة أفعال تناسب النشأة الآخرة وتكريرها. وعند الرسوخ في الأفعال الشهويّة والغضبيّة، والأعمال البهيميّة والسبُعيّة، تبطل النشأة العقليّة والحياة الملكيّة بالكليّة، بحيث لا يُرجىٰ إمكان عودها، وذلك هو الخسران المبين، لأنّ النفس خسرت ذاتها الباقية ونشأتها العقليّة، وعوضت عنها بهذه النشأة الفانية والحياة الحسّية كما قال: {أية : خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام:12]. بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرة السليمة والعقل السليم. ومن هذا القبيل، وقوع المخادعة بين النفس وذاتها، لكونها ذات وجهين: وجهٌ الى الحسّ والشهوة والدنيا والشيطان، ووجهٌ الى العقل والعدالة والعقبى والملك، ولكلّ من الوجهين أسباب ومهيّجات، ودواعي وأغراض، وأشخاص من جنود الشيطان وجنود الملك، والمنازعة [بين القبيلين] والمطاردة قائمة في عرصة باطن الإنسان وميدان صدره، ومعركة قلبه عند بلوغ الإنسان الى مرتبة التمييز وصيرورته مكلّفاً، والمملكة الإنسانية - وهي البُنية بما فيها من القُوى والمشاعر والأجزاء - مشتركة بين الخصمين الى أن ينفتح لأحدهما ويتخلّص عن الآخر. وأكثر الناس ممَّن انفتحت عرصة باطنه ومملكة ظاهره للهوى والشيطان، وبقي لمقابلهما من العقل والملك اجتيازٌ واختلاسٌ وعبور فيها على الندرة، إلاّ من عصمه الله وقوّى الملكيّة على نفسه الشيطانيّة. فإذا ثبتَ حكم المحاربة بين النفس وذاتها باعتبار كونها ذات الوجهين، فكذلك حكم المخادعة بينها وبين ذاتها. كيف والحرب خدعة، فالمحاربة لا تخلو عن المخادعة، ومن هذا الباب حكم الآيات الدالّة على مغايرة النفس لذاتها كقوله: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} تفسير : [الأنفال:24] وقوله: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النازعات:40]. وقوله: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التحريم:6]. وقوله: {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} تفسير : [المائدة:105]. وقول موسى: {أية : يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة:54] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة:111]. فاعلم ما ذكرنا، فإنه مفتاح من مفاتيح معرفة النفس، التي بها تفتح أبواب خزائن علم القرآن إنشاء الله. وقرئ: "وما يخدّعون" بالتشديد من خدّع، ويَخدعون بفتح الياء بمعنى يختدعون، ويُخدَعون ويُخادَعون على صيغة المجهول.
الجنابذي
تفسير : {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا} الخداع والمخادعة والخدع بفتح الفاء وبكسرها مصادر، والخديعة اسم للمصدر والخدع ان تظهر الاحسان وتبطن الاساءة او تظهر الموافقة مع ابطان المخالفة، او تظهر الاعراض مع ابطان التعرّض، والخداع مصدر خادع بمعنى خدع او للمشاركة او للمبالغة فانّهم باظهارهم الايمان يظهرون الموافقة مع ابطانهم المخالفة والله تعالى بامهالهم فى الخديعة والانعام عليهم كأنّه يريهم الاعراض والاحسان مع انّه يخفى التّعرّض والاساءة والرّسول والمؤمنون بمداراتهم معهم يظهرون الموافقة مع علمهم بالمخالفة منهم باطناً وابطانهم المخالفة وكأنّهم يغالبون الله والرّسول والمؤمنين فى الخديعة، و المراد بالله واجد الوجود او الرّسول (ص) او علىٌّ (ع) لانّ آلهيّته تعالى شأنه ظهرت بهما {وَمَا يَخْدَعُونَ} قرء يخدعون بالبناء للفاعل والمفعول ويخادعون كذلك ويخدّعون من التّفعيل ويخدّعون من الافتعال {إِلاَّ أَنْفُسَهُم} فانّهم بمخادعة الرّسول والمؤمنين يضرّون بأنفسهم ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً لأنّهم ينزلون أنفسهم عن مقاماتهم الانسانيّة المقتضية للصّدق والمحبّة والانس الى الشّيطانيّة المقتضية للكذب والبغض والتوحّش ويقطعون عمّا يجب ان يوصل ويصلون الى ما يجب ان يقطع منه من الرّسول والشّيطان، والنّفس تطلق على ذات الشيء وعلى النّفس الانسانيّة الّتى هى النّفس الحيوانيّة المستضيئة بنور العقل؛ ويجوز ارادتهما من الانفس هاهنا، وعلى النّفس الحيوانيّة، وعلى النفس النّباتيّة، وعلى الدّم لمناسبة ما بين تلك الانفس والدّم، وعلى مراتب النّفس الانسانيّة من الأمّارة واللّوّامة والمطمئنّة، وامّا تفسيرها بالامام فى أمثال: حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربّه، وأعرفكم بنفسه أعرفكم بربّهتفسير : ، واعرف نفسك تعرف ربّك؛ فانّما هو لكون الامام ذات كل شيئٍ ولا سيّما ذات من بايع معه وقبل ولايته {وَمَا يَشْعُرُونَ} ما يعلمون او يتفطّنون او يحسّون بالمدارك وكأنّه اراد به احد المعنيين الاخيرين حتّى يكون مع ما يأتى من قوله ولكن لا يعلمون تأسيساً، وكثيرا ما يستعمل الشعور فى الالتفات الى المدرك، والمقصود انّ خداعهم لأنفسهم من كثرة ظهوره كأنّه محسوس بالحواسّ الظّاهرة، وعدم ادراكهم له مع ظهوره من عدم التفاتهم وشعورهم مثل من يقع ابصاره على المرئىّ لكن لشدّة اشتغال النّفس بامر آخر لا يشعر بادراكه ولم يأت هاهنا باداة الاستدراك كما أتى بها فيما بعد من قوله ولكن لا يشعرون وقوله {وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } لانّه تعالى جرى فى مخاطباته على طريقة المخاطبات الانسانيّة والاغلب انّ المتكلّم فى اوّل ذكر ذمائم المذموم لا يكون غضبه شديداً فلا يناسبه البسط والتأكيد والتّغليظ ولذا لم يؤكّد الكلام السّابق عليه بخلاف ما يأتى، والمخاطب فى اوّل الكلام يكون خالى الذّهن عن الرّدّ والشّكّ والقبول وعن توهّم الخلاف والوفاق فلا يناسبه التأكيد واداة الاستدراك أيضاً.
اطفيش
تفسير : {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا}: الخدع بإسكان الدال مع كسر الخاء قبلها أو فتح الخاء أن توهم غيرك خلاف ما نخفيه من المكروه الذى تريد إيقاعه فيه إخفاء تنزله به عما هو بصدده من الاستعداد والمدافعة لو علم، وقد يطلق على فعل المكروه من حيث لا يشعر المفعول فيه ولو بلا إيهام، لأن أصله الإخفاء، ومن المخدع للخزانة بضم الميم وكسرها، وهو بيت فى بيت، ويحتمل أن يكون سمى بذلك باعتبار أن بانيه كأنه جعله خادعاً لمن رام تناول ما فيه، وقد بينته فى كتاب الصلاة فى شرح النيل، ومنه الأخدعان لعرقين خفيفين فى العنق، فاستعمل المخدع والأخدع فى مطلق الإخفاء، ومن استعماله بمعنى إيهام خلاف ما يخفى من المكروه للتنزيل على الاستعداد قوله: خدع الضب، وخدع كفرح، ويقال أيضاً: خدع الضب إذا استتر فى بيته، ثم أوهم السائل إقباله إلى الباب الذى رصده فيه، ثم خرج من باب آخر، والوصف خادع كضارب، وخدع كفرح، ويقال أيضاً بمعنى مطلق الاستتار، وأما المخادعة والخداع اللذان اشتق من أحدهما يخادع الذى فى الآية، فبمعنى أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه على الحد السابق، ويوهمك غيرك خلاف ما يخفيه من المكروه كذلك، لأن المفاعلة والفعال بين متعدد، وذلك لا يجوز فى حق الله تعالى لا يخفى عليه شئ فلا يصح لهؤلاء أن يدعو إخفاء شئ عليه، ولأنهم لم يقصدوا إضراره خفية ولا جهراً إذ لا يلحقه ضر ولا نفع، وهو الغنى على الإطلاق، ولأنه تعالى لا يوهم غيره تنزيلا له، لأنه إنما يفعل لذلك من عجز عن المقابلة بما يكره، فتحمل الآية على أنه لعلهم اعتقدوا تجويز أن يكون الله مخدوعاً مصاباً بمكروه من وجه خفى عنه، وأن يدلس عباده ويخدعهم، لأن إيمانهم به تعالى نفاق، فليسوا عارفين بصفاته، ولا بأنه لا يخفى عنه شئ، ولا بأنه غنى عن فعل القبيح. وإما على الاستعارة التمثيلية التبعية إذ شبه متعدداً بمتعدد لجامع منتزع من متعدد شبه إظهارهم الإيمان، وإخفاء الكفر وإجراء الله عز وجل حكم المؤمنين عليهم عالماً بكفرهم، مستدرجاً لهم، وامتثاله مع المؤمنين صلى الله عليه وسلم. أمر الله سبحانه وتعالى فى إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام. عليهم جزاء على صنعهم بالمخادعة التى تقع بين اثنين من كل واحد للآخر، فسمى ذلك باسم المخادعة والخداع، فاشتق منه يخادع، ووجه الشبه الجامع وجود أمور مخفاة وأمور مظهرة تخالفهما، كذا ظهر لى، وإما على تقدير مضاف أى يخادعون رسول الله والذين آمنوا، فعلى الوجهين الأولين يكون رسول الله داخلا فى لفظ المؤمنين على هذا الوجه الثالث لا يدخل فيه لأنه مقدر كما ترى، وإما على أن معاملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، معاملة الله سبحانه وتعالى، لأنه خليفة الله سبحانه وتعالى، والمجازى فى الهيئة التركيبية، وهو مجاز بالحذف، وكان بعد الحذف فى النسبة الإيقاعية إيقاع نسبة المخادعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما حذف المضاف كان ظاهر الكلام إيقاعها عليه تعالى عن ذلك وعن كل نقص، وهذا الوجه قول الحسن بن أبى الحسن، يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضاف الأمر إلى الله تجوزا لتعلق رسوله به، ويدل لهذا الوجه قوله جل وعلا:{أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله}تفسير : وقوله تبارك وتعالى:{أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم}تفسير : كما قال: قاتل بنو فلان السلطان، والمراد أنهم قاتلوا من قام مقامه فى حضور القتال وتدبيره وجنوده، وإما على أن ذكر الله لقوة الاختصاص والمكانة، وللتمهيد به لذكر ما يختص به، وهم المؤمنون. كما يقال أعجبنى زيد وعلمه، فالأصل أعجبنى علم زيد، ويخادعون المؤمنين، ولما كان للمؤمنين عند الله منزلة عظيمة ذكر الله قبل ذكرهم، ومن ذلك النوع المفعول الأول من باب علم، والمفعول الثانى من باب اعلم، فان المقصود بالذات فى قولك علمت زيداً فاضلا أنما هو معرفتك بفضل زيد لا معرفة زيد فى ذاته، والمقصود بالذات فى قولك أعلمت عمراً زيداً فاضلا إطلاعك عمراً على فضل زيد لا على ذاته، وإن قلت: فهل يجوز أن يراد بلفظ الجلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. مجازاً؟.. قلت: لا يجوز للإجماع على أن قولك الله لا يطيلق على غيره سبحانه وتعالى حقيقة ولا مجازاً، وإما على أن المفاعلة ليست على بابها، بل لموافقة المجرد، وكأنه قيل: يخدعون الله والذين آمنوا، بإسكان الخاء، وفتح الياء قبله، لكن هذا الوجه إنما يكفى فى دفع أنه سبحانه وتعالى يعجز عن الإضرار جهراً - تعالى عن ذلك - فيبقى البحث كيف يخدعونه، وإنما يخدعون من تخفى عليه الأشياء. فيجاب بأحد الأوجه السابقة عن هذا البحث، ويدل على أن المفاعلة ليست على بابها قراءة أبى حيوة: يخدعون، بفتح الياء وإسكان الخاء، ويدعل أيضاً على أنها ليست على بابها أن قوله عز وجل: {يخادعون} بيان لقوله: {أية : يقول آمنا بالله}تفسير : أو استئناف بذكر ما هو الغرض فى الخدع، وإيضاح الدلالة أنهم إنما يقولون:{أية : آمنا بالله وباليوم الآخر}تفسير : للمؤمنين، كأنه قيل:{أية : ومن الناس من يقول}تفسير : للمؤمنين لا لله، وهذا لا يناسبه أن قال يخادعون الله على حقيقة المفاعلة، اللهم إلا بأحد الاحتمالات السابقة، والمراد بالدلالة المذكورة المناسبة، ووجه الاستئناف أن ذلك بمنزلة أن يقال: ما العلة فى ادعائهم الإيمان كاذبين؟ فيجاب بأن العلة فى ذلك إرادتهم الخدع، وإن قلت إذا كان المراد غير المفاعلة فلم جاء اللفظ بصيغتها؟.. قلت: للتأكيد، لأن صيغة المفاعلة وصفة الاجتهاد كل من المتقابلين أن يغلب الآخر ويقوى فعله على فعل الآخر، وحينئذ يقوى داعى الاجتهاد ليكون غالباً، والفعل الذى هو بهذه المنزلة يكون أبلغ وأحكم من الفعل الذى يفعله الفاعل وحده بلا مبالغة لغيره، فاستعملت صيغته فى التأكيد والقوة، ولو خرجت عن حقيقة المفاعلة وعرضهم فى الخدع أن ينجو مما يلحق الكفار من قتل، وسبى وغنم واستعباد وجزية وذل، وأن يكرمهم المؤمنون بما يكرم به بعض المؤمنين بعضاً، ويحسن إليهم ويعطونهم من المغانم، وأن يطلعوا على أسرار المؤمنين بمخالطتهم، وينقلونها إلى أحبائهم الكفرة الذين بينهم وبينهم مواصلة بما أحب كل من الآخر، ولم يميزهم الله والنبى للمؤمنين لمصلحة كسر شوكتهم، وإقامة الفتنة، ودفع أن يقول قائل: إن محمداً وأصحابه يجفون من ألفى إليهم السلم وغير ذلك، كذا ظهر لى وإبليس أشد فساداً وقد أبقاه الله جل وعلا للملائكة. {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ}: المراد بأنفسهم ذواتهم لا النفس الأمارة بالسوء، كأنه قيل وما يخادعون إلا إياهم، فالمفاعلة ليست على بابها، بل هى بمعنى الفعل كأنه قيل: وما يخدعون إلا أنفسهم، بفتح الياء وإسكان الخاء، كما قال الكسائى وحمزة وابن عامر وعاصم، ولكن أتى بصفة المفاعلة فى القراءة الأولى، وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو لتأكيد المعنى، وأن دائرة ذلك الخداع العظيم راجعة إليهم وضررها محيط بهم، بأن يفضحهم الله سبحانه لنبيه، ويعاقبهم فى الدنيا والآخرة، ولا يصل الله سبحانه ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا المؤمنين، ويدل على التأكيد قراءة يخدعون، بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال مشددة، وإسقاط الألف بينهما، فإن التشديد فيها للمبالغة، ولا مفاعلة فيها، ويدل عليه أيضاً قراءتهم يخدعون، بفتح الياء والخاء وكسر الدال مشددة، وإسقاط الألف، بوزن يفتعلون، ومن معانى الافتعال التأكيد، وأصلها يختدعون، بإسكان الخاء، ونقلت إليها حركة التاء، وأبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فى الدال، وإن قلت كيف يخدع الإنسان نفسه والخدع إنما يتصور فى من لم يعلم؟ وهم يعلمون فى زعمهم أن ما يفعلونه لا يضرهم؟ قلت: شبه فعلهم الشىء الموقع لهم فى المهالك، وهم لا يعلمون أنه يوقعهم فيها بفعل الإنسان شيئاً يضر الآخر، بحيث لا يعلم به الآخر، ويدل أيضاً على عدم حقيقة المفاعلة قراءة: وما يخدعون، بالبناء للمفعول، وإسكان الخاء، وأما قراءة: يخادعون بالبناء للمفعول، وإثبات الألف، فتأول على غير المفاعلة كما أولت قراءة نافع ومن معه، ووجه نصب {أَنْفُسَهُمْ} على القراءتين الأخيرتين ذواتى البناء للمفعول، أنه على تقدير فى، أو عن، أى: إلا عن أنفسهم، أو لا فى أنفسهم، ويجوز على القراءة كلها أن يراد بالأنفس: آراؤهم أو قلوبهم أو أرواحهم، فإن النفس يطلق على ذات الشىء كما مر، وعلى القلب لأنه محمل الرافع أو متعلقها، ولأن الذات إنما تعتبر به، وهو ملكها، تصلح به وتفسد به كما فى الحديث، وتعتبر به وباللسان فى عرف، كما قيل فى أن المرء بأصغريه، وطلق على الروح أيضاً، لأن الذات تنمو وينتفع بها إذا كانت الروح فيها، إذ لا نفع بميتة وعلو الدم، لأن قوام الذات بالدم، ألا ترى إذا نزف دمه من جرح مثلا مات، وعلى الماء شدة الحاجة إليه، قال الله سبحانه وتعالى:{أية : وجعلنا من الماء كل شىء حى}تفسير : وعلى الرأى لأنه ينبعث من الذات، يقال فلان يؤامر نفسه بالتثنية إذا تردد بين رأيين، سموهما نفسين لصدورهما عن النفس، أو لشبههما بذاتين مشيرتين عليه فى أمر، ويقال أيضاً يؤامر نفسه بالإفراد، أى رأيه سموه نفساً للعلتين، وإطلاق النفس على الرأى للشبه المذكور وهو العلة الثانية استعارة تحقيقية، وللصدور المذكور وهو العلة الأولى تسمية للمسبب باسم السبب، والنفس حقيقة فى الذات مجاز فيما عداها، لأن الذات تكون بالروح وبالقلب وبالدم وبالماء، ويجوز إبقاء المفاعلة فى الآية على بابها مجازاً، ويكون النفس على هذا الوجه، هى الأمارة بالسوء، وذلك أن يشبههم فى مطاوعتهم إياها بمن يقر إنساناً، ولو كانوا لا يعلمون أن ذلك وبال عليهم، وتشبه هى فى تحديثهم بالأمانى الفارغة، ومخالفة من لا تخفى عليه خافية، بمن يقر إنساناً كذلك. {وَمَا يَشْعُرُونَ}: أن مضرة الخداع راجعة إليهم لتمادى غفلتهم والشعور الإحساس، ونفيه أبلغ من نفى العلم، ولذلك قال: {وَمَا يَشْعُرُونَ}، ولم يقل: وما يعلمون، فإنه يلوح بالمضرة اللاحقة لهم بالخداع، كالشىء الذى يحس، وأنهم كمن جعل الله فى حواسه آفة، فلم يظهر له الشىء الذى يحسه، ومشاعر الإنسان حواسه، وأصل ذلك كله الشعر، بكسر الشين وفتحها وإسكان العين، وهو الفهم، ومنه الشعار للعلامة يعرف بها الإنسان فى الحرب أو فى غيرها، وقالت طائفة: المعنى: وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم فى قولهم آمنا.
اطفيش
تفسير : {يُخَٰدِعُونَ} أي يخدعون، بفتح الياء وإسكان الخاء، فالمفاعلة ليست على بابها، بمعنى الفعل، وهو إظهار ما يوهم السلامة وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير، أو التخلص منه، أو هو أن توهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه، وتصيبه به، ودخل فى المكروه جلب نفع منه لا يسمح به لك أو لغيرك {أية : آللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } تفسير : [البقرة: 257] يظهرون خلاف ما أبطنوا، ويظنون أن الله لا يعلم ذلك منهم. فأخبرنا الله عز وجل، أنهم عاملوا الله والمؤمنين بالمكر، والله لا يخفى عليه شىء، أو يخادعون الله مخادعة مجاز، على أنهم معتقدون لكون الله عالماً بما فى قلوبهم، وذلك أن تلفظهم بالإيمان، وإظهار مقتضياته مع مخالفته فى الأعمال والقلوب شبيه بالخداع، ويقدر محذوف، أى، ويخادعون المؤمنين خداعا حقيقيا، إذ يدفعون بإظهار الإيمان وشأنه القتل والسبى وما يصنع بالمشركين، ويجلبون الإكرام والمعاملة بمعاملة المؤمنين، وإنما قدرت محذوفا لئلا يكون لفظ يخادع فى مجازه وحقيقته معا، أو أراد يخادعون الذين آمنوا، وذكر الله معهم إكراما وتعظيماً لهم، بأنه من خانهم فقد خان الله، أو يخادعون نبى الله، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} تفسير : [الفتح: 10]{ أية : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ }تفسير : [النساء: 80] والحاصل أن لفظ المفاعلة مبالغة، ويجوز إبقاؤها على معناها مجازاً، وذلك، أنهم أظهروا الإيمان، وهم كافرون، والله عز وجل أجرى عليهم أحكام المؤمنين، وهم عنده غير مؤمنين، ولهم عنده الدرك الأسفل من النار، وإجراء المؤمنين تلك الأحكام تشبه صورة المكر بهم، إذ ليس لهم ما لمن تحقق إيمانه فى الآخرة، وذلك استعارة تمثيلية فى الكلام، أو مفردة تبعية فى يخادعون، والله عز وجل لا يكون خادعاً إذ لا يخاف أحداً، ولا ينقض فعله أحد إذا أجهره، ولا مخدوعا، لأنه لا يخفى عليه شىء، ولا يناله مكروه، ولاينتفع بشىء، وإذا قدرنا يخادعون نبى الله الله تقدير معنى ففيه إيقاع الفعل على غير ما يوقع عليه للملابسة بينهما، وهى الخلافة، فذلك مجاز عقلى فى النسبة الإيقاعية لا الوقوعية {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} ما يعاملون بمضرة الخداع إلا أنفسهم؛ وهى الافتضاح بإخبار الله، سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما أحفوه، والعقاب فى الآخرة {وَمَا يَشْعُرُونَ} لا يعلمون أن وبال العقاب راجع إليهم، إنما فسرت يخادع بيخدع لأن الله والمؤمنين لا يخدعونهم.
الخليلي
تفسير : جملة يخادعون مبدلة من جملة يقول آمنا بالله .. الخ، لأنهم ما قصدوا بهذا القول إلا الخداع، ويجوز أن تكون استئنافا بيانيا أو حالا من فاعل يقول. ويخادعون من خادع الدال على الاشتراك في الخدع، وهو أن يوهم أحد غيره بقوله أو فعله عكس ما يريده به من المكروه، من خدع الضب إذا أوهم حارشه أنه يريد الخروج من الجهة التي أدخل الحارش فيها يده، ثم يخرج من جهة أخرى لئلا يرقبه الحارش فيصطاده. والاشتراك هنا شكل من وجهين: أولهما: أنه إذا أمكن للمنافقين أن يخدعوا المؤمنين بإظهارهم جميل القول وحسن المعاملة وإعلانهم الايمان، فلا يمكنهم بحال أن يخدعوا قيوم السماوات والأرض، العليم بما تنطوي عليه حنايا الضمائر، وما تكتنفه أعماق النفوس. ثانيهما: إذا كان الخدع من ديدن المنافقين فليس هو من شأن المؤمنين، لأنه صفة مذمومة، اللهم إلا ما استثنى من خدع العدو في الحرب لأجل إحراز النصر. وقد يحمد من المؤمن التغاضي والصفح اللذان قد يتوهم أنهما ناشئان عن البله، كما جاء في الحديث "حديث : المؤمن غر كريم" تفسير : وهو معنى قول الفرزدق: شعر : استمطروا من قريش كل منخدع إن الكريم إذا خادعته انخدعا تفسير : وقول ذي الرمة: شعر : تلك الفتاة التي علقتها عرضا إن الحليم وذا الاسلام يختلب تفسير : فلا عجب إن كانوا مخدوعين بظواهر أعمال المنافقين؛ لأن من شأنهم إحسان الظن وغض الطرف عن الهفوات، مع توقد فطنهم ونفاذ بصائرهم، غير أنه لا يحمد بحال أن يكون شأنهم شأن المنافقين في إظهار غير ما يبطنون وإعلان خلاف ما يسرون. وإذا كان صدور الخدع من المؤمنين ممتنعا فأحرى أن يمتنع من عالم الغيب والشهادة الذي هو على كل شيء قدير. ومن الظاهر بداهة أن الخداع لا يكون إلا لضعف الخادع وقوة المخدوع، وإذا كان هذا في البشر فكيف يمكن صدور مثله ممن لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وأجيب عن الأول بوجوه: أولها: أن الخداع قد يصدر من أحد لغيره فيصادف غير مقصوده، كمن يخدع عامل الحاكم أو وكيله فينبه بأن صنيعه هذا يتجه إلى الحاكم، وهكذا شأن المنافقين، فهم قصدوا بخداعهم المؤمنين الذين صُنِعوا على عين الله وأحيطوا بكلاءته وشُمِلوا برعايته، فنبه أولئك المنافقون المخادعون بأن خداعهم للمؤمنين هو في حقيقته خداع لله سبحانه، إذ هو الكفيل بنصر عباده ودفع المكاره والأذى عنهم. ثانيها: أن صورة صنيعهم مع الله سبحانه صورة صنيع المخادع، فهم يظهرون الايمان ويبطنون خلافه، ويدعون الانخراط في سلك المؤمنين وهم أكثر ما يكونون بعدا عنهم وكيدا لهم، على أنه لا يبعد أن يكون هذا التعبير بالنظر إلى معتقداتهم الفاسدة ونواياهم السيئة في حق الله تعالى، فإن كثيرا منهم كانوا من اليهود، واليهود لا يتورعون عن مثل هذا الاعتقاد، كيف وهم الذين حكى الله عنهم قولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181] وقولهم: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64]. وما بأيديهم من نسخ التوراة المحرفة شاهد على أنهم أضل الناس اعتقادا في الله، وأبعدهم عن أن يقدروه حق قدره، تعالى الله عما يقولون وعما يعتقدون علوا كبيرا، ومن كانت هذه عقيدته فليس ببعيد أن يعتقد أنه يخدع الله سبحانه فضلا عن اعتقاده مخادعة المؤمنين. ثالثها: أن المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما ذكر اسم الله عز وجل بدلا من اسمه تشريفا له وإعلاء لقدره وإعلاما أنه محفوف بعصمة الله ومحاط بعنايته، فلا يخلص إليه شيء من كيد الكائدين، وذلك كما أخبر تعالى أن مبايعته صلى الله عليه وسلم هي مبايعة لله وذلك في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]. وهذا الوجه مع ما فيه من التنويه بقدره صلى الله عليه وسلم غير خال من الضعف، فإن إطلاق اسم الله مع قصد رسوله لا يصح إلا بقرينة كما في آية المبايعة. وأجيب عن الثاني بوجوه أيضا: أولها: أن وزن فاعل لا يستلزم المشاركة دائما، فقد يأتي خاليا من معناها، نحو عالج المريض، وناهز الاحتلام، فإن الفعل فيها جميعا صادر من جهة واحدة، فلا يبعد أن يأتي خادع بمعنى خدع، وكثيرا ما يكون ذلك لقصد المبالغة، ومن المعلوم أن المنافقين كانوا يجهدون أنفسهم في خدع المؤمنين وابتكار الحيل والأساليب المؤدية لهذا الغرض، فكان فعلهم كأنما يصدر من أكثر من جهة، وتؤيد هذا التأويل قراءة يخدعون الله وهو إنما يدفع هذا الاشكال دون الذي قبله. ثانيها: أن المؤمنين أمروا من قبل الله بالاغضاء عن بوادر المنافقين وفلتات ألسنتهم وهفوات أفعالهم وكبوات تصرفاتهم التي يستشف من ورائها النفاق، كما أمروا أن يعاملوهم معاملة أنفسهم، فكان ذلك مما يجرئهم على الاسترسال في غيهم والانهماك في فسادهم، متخيلين أنهم قد أحرزوا أنفسهم من الخطر ووقوها المخاوف بهذا الصنيع، فكان هذا الأمر منه تعالى شبيها بخدعهم، لأن من ورائه ما ينتظرهم من العقاب الأليم والعذاب العظيم، فجاز أن يستعار لهذه المعاملة اسم الخداع، ولما كان صدور ذلك من المؤمنين بإذن منه تعالى، صح إسناد ذلك إليه وإليهم، ونحوه في إسناد الخدع إلى الله في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. ثالثها: حمل هذا التعبير على الاستعارة التمثيلية، تشبيها لما يحصل - من إملاء الله لهم والابقاء عليهم ومعاملة المؤمنين إياهم معاملة أنفسهم في إجراء أحكام الاسلام عليهم - بفعل من يخدع غيره بمختلف الأساليب في المعاملة، كما تشبه بذلك أيضا حالتهم في معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ثم بيّن سبحانه ما يؤول إليه خداعهم بقوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}، حيث نفى سبحانه أن تكون مغبة هذا الخداع واقعة إلا عليهم، لأنهم الذين يجنون ثمرتها المرة، ويكابدون غصصها المؤلمة، وقد يتبادر للسامع أو القارئ وجود تناقض بين ما في صدر الكلام وعجزه، حيث أثبت تعالى أولا أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، ثم نفى ما أثبته ضمن قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}. والجواب أن المنفي غير المثبت، فما عبر عنه بالخداع أولا هو تلك الأقوال والأعمال التي كانوا يبدونها مع انطوائهم على نقائضها، ثم أطلق اسم الخداع على لازم معاملتهم، وهو الضر الماحق والعاقبة الوخيمة، وذلك واقع بهم دون غيرهم كما علمت، وهذا من باب المجاز على المجاز، لأن المخادعة استعيرت أولا لما استعيرت له من معاملتهم للمؤمنين ودين الله، ثم نزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازا في لازم ذلك المعنى الذي استعيرت له. وهذه الجملة حال من فاعل {يخادعون} في الجملة التي قبلها، وفيها قراءتان مشهورتان: الأولى: {وما يخدعون} وبها قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، من السبعة، كما قرأ بها أبو جعفر ويعقوب، من سائر العشرة. والثانية: {وما يخادعون} بزيادة ألف المفاعلة، وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، من السبعة، وخلف من بقية العشرة. وثم قراءات أخرى من الشواذ غير المعوّل عليها، ولا إشكال في القراءة الأولى، وإنما الاشكال في الثانية لاقتضائها في المشاركة التي لا تصدر إلا عن جهتين فصاعدا، مع أن الجهة هنا متحدة ويندرئ الاشكال باعتبار أن من يقدم على جريرة من الجرائر لا بد له أن تتفاعل في نفسه خواطر متضادة منها ما ينشأ عن بصيرة العقل ووحي الضمير، ومنها ما ينشأ عن رعونة العواطف واضطراب الهواجس، فيتولد ما يشبه العداوة بين الجانبين، ويظل المرء في تردد بين إقدام وإحجام، حسب إصغائه تارة إلى صوت العقل، وأخرى إلى داعي الهوى. ومن ثم جاءت هذه القراءة هنا مصورة لعداوة تنجم بين هؤلاء المنافقين ونفوسهم الداعية إلى الخير بطبيعة الفطرة، وصورت ما يصدر منهم من شغلها بالأماني واقتيادها إلى الشر بالمخادعة، وفي كلام العرب ما ينحو هذا المنحى في التعبير، كقول عمرو بن معد يكرب: شعر : فجاشت علي النفس أول مرة فردت على مكروهها فاستقرت تفسير : وقول عروة بن أذينة: شعر : وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها تفسير : وربما جعلوا هذه النوازع المتباينة نفسين مختلفين في شخص واحد، كقول بعض الأعراب: شعر : لم تدر ما (لا) ولست قائلها عمرك ما عشت آخر الأبد ولم تؤامر نفسيك ممتريا فيها وفي أختها ولم تكد تفسير : وقول الآخر: شعر : يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة أيستوبع الذوبان أم لا يطورها تفسير : وقول غيره: شعر : وكنت كذات الضنى لم تدر إذ بغت تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني؟ تفسير : ويحتمل أن يكون خادع هنا بمعنى خدع مع قصد المبالغة كما تقدم في تفسير صدر الآية، وبناء على ذلك يكون معنى القراءتين واحدا. وانتقد ابن جرير قراءة {وما يخادعون} فعدها غير صحيحة، وقد بنى هذا الانتقاد على أن فَعَلَ هو الذي يكشف عاقبة المفاعلة دون فَاعَلَ، كما يقال قاتل فلان فلانا، وما قتل إلا نفسه، إذا كانت عاقبة المقاتلة رجعت عليه دون صاحبه، وعزز ذلك بأن مخادعتهم لله وللمؤمنين مثبتة في صدر الآية، فإذا حصرت المخادعة بعد في أنفسهم انتفى ما كان مثبتا، وهو تناقض لا يحوم حول ساحة القرآن. وقد علمت أن هذه القراءة هي قراءة ثلاثة من السبعة المشهورين، وقراءة كل واحد من القرّاء السبعة معدودة في المتواتر الذي لا يصح إنكاره أو رفضه، فرد أية قراءة من السبع عثرة لا تقال، وقد تكرر وقوع ابن جرير في هذه الورطة على إمامته في التفسير، كما سنبين ذلك إن شاء الله كلا في موضعه. وكما اتفق الجمهور على تواتر قراءتي "ملك ومالك" اتفقوا على تواتر قراءتي "يخدعون ويخادعون"، ذلك لأن الاختلاف فيهما عائد إلى جوهر القراءة، وهو مما يعد من المتواتر عندهم، وإنما اختلفوا فيما كان من قبيل الأداء، كالامالة والمد والترقيق والتفخيم والغنّة، فقيل بتواتره في السبع، وقيل بعدمه. وبما ذكرته من توجيه هذه القراءة يندفع الاشكال الذي زعمه ابن جرير، وما ذكره من لزوم نفي ما أثبت عليها، مدفوع بأن جهتي الاثبات والنفي مختلفتان، وبذلك يندفع المحذور، ونحوه ما في قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17]، ففي صدر الآية نفي الرمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي وسطها إثباته، وفي آخرها إسناده إلى الله تعالى، فلو أخذ بظاهر اللفظ لقيل بالتناقض، غير أن الرمي المنفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثبت لله هو غير الذي أثبت للرسول، والقرآن نزل بلسان العرب الذي يستعمل الكلمات في حقيقتها تارة وفي مجازها أخرى، والقرائن هي الكفيلة ببيان المراد. وذكر أبو حيان في البحر أن بعضهم ادعى بأن في عبارة هذه الآية قلبا، وأن الأصل وما يخادعهم إلا أنفسهم، لأن الانسان لا يخدع نفسه، بل هي التي تخدعه وتسول له وتأمره بالسوء، وأورد أشياء مما قلبته العرب، وذكر أبو حيان أن للنحويين مذهبين في القلب: أحدهما: جوازه في النثر والشعر اتساعا واتكالا على فهم المعنى. ثانيهما: عدم جوازه إلا في الشعر في حالة الاضطرار. قال: وهذا الذي صححه أصحابنا ثم أتبع ذلك بأن هذا المدعي للقلب نظر إلى قوله تعالى: {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} تفسير : [يوسف: 18]. وقولهم: منتك نفسك، فتخيل أن الممني والمسوِّل غير الممنَّى والمسوَّل له، ثم عكر عليه بأن الأمر ليس كما تخيل، فالفاعل هنا هو المفعول كما يقال أحبَّ زيد نفسه وعظم نفسه، فلا يتصور تباين بين الفاعل والمفعول إلا من حيث اللفظ مع وحدة المدلول، وإذا صح المعنى دون القلب فلا داعي إليه، مع أن الصحيح عدم جوازه إلا في الشعر، فما أجدر كتاب الله عز وجل أن ينزه عنه. والنفس: حقيقة الشيء وذاته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة: 116]، وقوله: {أية : كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 12]، وقوله: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 30]. هذا هو المعنى اللغوي للنفس، أما ما عدا ذلك من المعاني فهو من اصطلاح الحكماء الذي لا داعي إليه في فهم مقاصد القرآن. وجملة {وما يشعرون} إما مستأنفة وإما معطوفة على جملة {وما يخدعون}، والشعور: يطلق على العلم بدقائق الأشياء الخفية، ويرى بعض أهل اللسان أنه مأخوذ من إصابة الشَّعَرِ فإنه لدقته مما يستصعب، وكذلك الشعور هو إصابة ما دق من المعاني، والتفطن لما خفي من الأمور. وأصل الشعر العلم بهذه الدقائق، ومنه قولهم: ليت شعري، ثم نقل إلى الكلام الموزون المقفَّى لما في تركيبه من الدقة وما يحتويه من خفي المعاني ودقيق المقاصد التي لا يتفطن لها إلا أصحاب الاحساس المرهف، ومن هنا قيل إن الشعور لا يستعمل إلا فيما دق من حسي وعقلي، فلا يقال: شعرت بحلاوة العسل، وبصوت الصاعقة، وبألم كية النار، وإنما يقال: شعرت بملوحة في الماء أو مرارة - إذا كانت قليلة - وبهينمة وراء الجدار، وبحرارة في بدني. وهذا الوصف في المنافقين مشعر بتحجر عقولهم وخبوِّ فطنهم، وهو - كما قيل - أبلغ في الذم من وصفهم بعدم الاحساس، لأن الذم على أمر يمكن حصوله ألذع وأنكى من الذم بما يتحقق عدمه، وإحساسهم أمر معلوم لهم وللناس، فلا يغيظهم أن يوصفوا بعدمه، بخلاف وصفهم بعدم الشعور المتضمن لمعنى البلادة. ومن حيث أن الشعور يتميز عن العلم باختصاصه بدقائق الأمور المحسوسة والمعقولة أوثر في التعبير هنا على العلم نظرا إلى أن مخادعتهم لأنفسهم مما لا يظهر إلا لذوي الفطن المتوقدة، والمدارك المتفتحة، والمنافقون بما ران على قلوبهم من النفاق واستحكم في عقولهم من الضلال ليسوا من الذين يراقبون الله عز وجل، فهم إن وجد بينهم من يؤمن بوجود الله سبحانه فإيمانه سطحي لم يتغلغل في أعماق نفسه، ولم يلامس شغاف قلبه، فلذلك كانوا أبعد ما يكونون عن خشيته ومراقبته، والتفكر فيما يرضيه وما يغضبه، فكانت معاملتهم له معاملة الخب الخادع لمن يرجو أن تنطلي عليه حيلته، ويؤثر فيه مكره، وما كانوا يتفطنون أن عاقبة مكرهم ستعود عليهم بشر مما كانوا يتوقعون. سر مخادعة المنافقين: وفي تفسير المنار بحث نفيس للامام محمد عبده كشف فيه سر مخادعتهم بأسلوبه الأدبي الرفيع وتحليله المنطقي البديع، ولما في هذا البحث من فوائد جمة رأيت إيراده برمته، قال: هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره، من أمل في الغفران أو تأويل إلى غير المراد، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب وذلك بما رسخ في نفوسهم من ملكات السوء المغشاة بصور من العقائد الملونة؛ بما قد يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانا وما هم في الحقيقة بمؤمنين، وإنما هم خادعون مخدوعون، ولكنهم لما عمي عليهم من أمر أنفسهم لا يشعرون لأن ذلك يمر في أنفسهم وهم عنه غافلون. وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه، وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات بصيرورته ملكة في النفس متصرفة في الارادة باعثة لها على العمل، فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها على النحو الذي ذكرنا، فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال، وهو ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات، كالكرم والشجاعة ونحوهما، فإنها إنما تنطبع في النفس تبعا للعلم الذي يلائمها، وهو العلم الحقيقي الذي تصدر عنه الأعمال، وربما يغفل الانسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل، وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره، وبين وجوده وتحققه في نفسه. ومن العلوم ما يلاحظ الانسان أنه عنده، فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها، لأنه لم يُشْرَبه القلب، ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها، وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول كعلم الحلال والحرام الذي يحصله طلبة الفقه الاسلامي مثلا، وكعلم مزايا الفضيلة، ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق، والنظار في كتب الأوائل والأواخر لتعزير مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل، يبقى في خزانة الخيال، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين ظاهر المقال لا إلى تحسين باطن الحال، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدنى أثر في عمل من أعمال صاحبه، وتسميته علما لأنه يدخل في تعريفه العام (صورة من الشيء حاضرة عند النفس) وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقي، فاستحضار هذا العلم كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه، ثم الذهول عنه ونسيانه عند الاشتغال بشيء آخر. فهؤلاء الذين يخدعون أنفسهم ويخادعون الله تعالى عندهم علم حقيقي تنبعث عنه أعمالهم، وإن كان باطلا في نفسه، وهو تصديقهم بما في شهواتهم من المصلحة لذواتهم، وهو الذي رجح عندهم اختيار ما فيه قضاؤها والانصباب إلى ما تدعو إليه، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الاعتقادات الدينية، فأبعدهم ذلك عن الاعتقاد الحقيقي الذي يعتد به، وجعله رسما مخزونا في الخيال لا أثر له في الأفعال يدعونه بألسنتهم وتكذبه في دعواه أعمالهم وأحوالهم، ولذلك نسبهم إلى الدعوى القولية ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأول {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. فإنه هناك ذكر إيمانهم وقفَّى عليه بذكر العمل الذي يشهد له، ومن هنا يعلم ما الايمان الذي يعتد به القرآن، وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم، لا لمن يقرأه على أنه قصة تاريخية مات من يحكي عنها واستثنى القارئ نفسه ممن حكم عليهم فيها، فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت، ينطبق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان، فكل مؤمن بالله واليوم الآخر وهو يصدر في عمله عن شهواته ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته، فاعتقاده إنما هو خيال لا يعدو عن لفظ في مقال، ودعوى عند جدال، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه مخادع لربه، يظن أن علام الغيوب لا ينظر إلى ما في القلوب. اهـ. وبإمكاننا أن نستوحي من هذا البحث أن الامام يرى ما في هذه الآيات شاملا للصنفين من المنافقين، مَن كان نفاقه عقائديا ومن كان نفاقه عمليا، ولعله يرد ذلك إلى أن النفاق العملي لا ينشأ إلا عن ضعف العقيدة وعدم تمكنها في النفس، كتمكن عقيدة المؤمنين الذين كانت ظواهرهم شاهدة على سلامة بواطنهم وأعمالهم مصدقة لراسخ اعتقادهم.
الالوسي
تفسير : أصل الخدع بفتح الخاء وكسرها الإخفاء والإيهام، وقيل: بالكسر اسم مصدر، ومنه المخدع للخزانة والأخدعان لعرقين خفيين في موضع المحجمة وخدع الضب إذا توارى واختفى ويستعمل في إظهار ما يوهم السلامة وإبطال ما يقتضي الإضرار بالغير أو التلخص منه كما قاله الإمام، وقال السيد: هو أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه وتصيبه به، وفي «الكشف» التحقيق أن الخدع صفة فعلية قائمة بالنفس عقيب استحضار مقدمات في الذهن متوصل بها توصلاً/ يستهجن شرعاً أو عقلاً أو عادة إلى استجرار منفعة من نيل معروف لنفسه أو إصابة مكروه لغيره مع خفائهما على الموجه نحوه القصد بحيث لا يتأتى ذلك النيل أو الإصابة بدونه أو لو تأتى لزم فوت غرض آخر حسب تصوره وعليه يكون الحرب خدعة مجازاً ولا تخفى غرابته. والمخادعة مفاعلة، والمعروف فيها أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعله به فيقتضي أن يصدر من كل واحد من الله ومن المؤمنين ومن المنافقين فعل يتعلق بالآخر، وظاهر هذا مشكل لأن الله سبحانه لا يخدع ولا يخدع، أما على التحقيق فلأنه غني عن كل نيل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه وهو أيضاً متعال على التعمل واستحضار المقدمات ولأنه جل عن أن يحوم حول سرادقات جلاله نقص الانفعال وخفاء معلوم ما عليه، وأما على ما ذكره السيد فلأنه جل شأنه أجل من أن تخفى عليه خافية أو يصيبه مكروه فكيف يمكن للمنافقين أن يخدعوه ويوقعوا في علمه خلاف ما يريدون من المكروه ويصيبونه به مع أنهم لكونهم من أهل الكتاب عالمون باستحالة ذلك، والعاقل لا يقصد ما تحقق لديه امتناعه، وأما أنه لا يخدع فلأنه وإن جاز عندنا أن يوقع سبحانه في أوهام المنافقين خلاف ما يريده من المكاره ليغتروا ثم يصيبهم به لكن يمتنع أن ينسب إليه لما يوهمه من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم لأنه المعهود منه في الإطلاق ـ كما في «الانتصاف» ـ ولذا زيد في تفسيره مع استشعار خوف أو استحياء من المجاهرة، وأما المؤمنون وإن جاز أن يخدعوا إلا أنه يبعد أن يقصدوا خدع المنافقين لأنه غير مستحسن بل مذموم مستهجن وهي أشبه شيء بالنفاق وهم في غنى عنه على أن الانخداع المتمدح به هو التخادع بمعنى إظهار التأثر دونه كرماً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمن غر كريم»تفسير : لا الانخداع الدال على البله، ولذا قالت عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما: كان أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع، ويجاب عن ذلك بأن صورة صنيعهم مع الله تعالى حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، وصورة صنيع الله تعالى معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عند أهل الدرك الأسفل، وصورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله تعالى فيهم فأجروا ذلك عليهم تشبه صورة المخادعة ففي الكلام إما استعارة تبعية في {يُخَـٰدِعُونَ} وحده أو تمثيلية في الجملة وحيث إن ابتداء الفعل في باب المفاعلة من جانب الفاعل صريحاً وكون المفعول آتياً بمثل فعله مدلول عليه من عرض الكلام حسن إيراد ذلك في معرض الذم لما أسند إليه الفعل صريحاً وكون مقتضى المقام إيراد حالهم خاصة ـ كما قاله مولانا مفتي الديار الرومية ـ مما لا يخدش هذا الوجه الحسن أو يجاب ـ كما قيل ـ بأن المراد مخادعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقع الفعل على غير ما يوقع عليه للملابسة بينهما وهي الخلافة فهناك مجاز عقلي في النسبة الإيقاعية وهذا ظاهر على رأي من يكتفي بالملابسة بين ما هو له وغير ما هو له، وأما على رأي من يعتبر ملابسة الفعل بغير ما هو له بأن يكون من معمولاته فلا، على أنه يبقى من الإشكال أن لا خدع من الرسول والمؤمنين ولا مجال لأن يكون الخدع من أحد الجانبين حقيقة ومن الآخر مجازاً لاتحاد اللفظ وكأن المجيب إما قائل بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز أو غير قائل بامتناع صدور الخدع من الرسول والمؤمنين حتى يتأتى لهم ما يريدون من إعلاء الدين ومصالح المسلمين. وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأبو حيوة (يخدعون) والجواب عما يلزم هو الجواب فيما يلزم، وقد تأتي/ فاعل بمعنى فعل كعافاني الله تعالى وعاقبت اللص فلا بعد في حمل قراءة الجمهور على ذلك ويكون إيثار صيغة المفاعلة لإفادة المبالغة في الكيفية فإن الفعل متى غولب فيه بولغ به أو في الكمية كما في الممارسة والمزاولة فإنهم كانوا مداومين على الخدع و {يُخَـٰدِعُونَ } إما بيان لـِ { يقول} [البقرة:8] لا على وجه العطف إذ لا يجري عطف البيان في الجمل عند النحاة وإن أوهمه كلام أهل المعاني وإما استئناف بياني كأنه قيل لم يدعون الإيمان كاذبين وماذا نفعهم؟ فقيل يخادعون الخ، وهذا في المآل كالأول ولعل الأول أولى. وجوز أبو حيان كون هذه الجملة بدلاً من صلة {من} [البقرة:8] بدل اشتمال أو حالاً من الضمير المستكن في {يقول} [البقرة:8] أي مخادعين، وأبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير المستتر في {مؤمنين} [البقرة:8]، ولعل النفي متوجه للمقارنة لا لنفس الحال ـ كما في ما جاءني زيد، وقد طلع الفجر ـ {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }تفسير : [الأنفال: 33] على أنه قد تجعل الحال ونحوها في مثل ذلك قيداً للنفي لا للمنفي كما قرروه في ـ لم أبالغ ـ في اختصاره تقريباً، وجعل الجملة صفة للمؤمنين ممنوع لمكان النفي والقيد وليست حال الصفة كصفة الحال فلا عجب في تجويز إحداهما ومنع الأخرى كما توهمه أبو حيان في «بحره»، نعم التعجب من كون الجملة بياناً للتعجب من كونهم من الناس كما لا يخفى. ثم إن الغرض من مخادعة هؤلاء لمن خادعوه كالغرض من نفاقهم طبق النعل بالنعل فقد قصدوا تعظيمهم عند المؤمنين والتطلع على أسرارهم ليفشوها ورفع القتل عنهم أو ضرب الجزية عليهم والفوز بسهم من الغنائم ونحو ذلك وثمرة مخادعة من خادعوه إياهم إن كانت حكم إلهية ومصالح دينية ربما يؤدي تركها إلى مفاسد لا تحصى ومحاذير لا تستقصى. وقرأ الحرميان وأبو عمرو: {وَمَا يُخَـٰدِعُونَ}، وقرأ باقي السبعة: {وَمَا يَخْدَعُونَ} وقرأ الجارود وأبو طالوت: {وَمَا يَخْدَعُونَ} بضم الياء مبنياً للمفعول. وقرأ بعضهم: {وَمَا يُخَـٰدِعُونَ} بفتح الدال مبنياً للمفعول أيضاً وقرأ قتادة والعجلي: {وَمَا يَخْدَعُونَ} من خدع مضاعفاً مبنياً للفاعل، وبعضهم بفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة وما عدا القراءتين الأوليين شاذة وعليهما نصب {أنفسهم} على المفعولية الصرفة أو مع الفاعلية معنى، وأما على قراءة بناء الفعل للمفعول فهو إما على إسقاط الجار أي في أنفسهم أو عن أنفسهم أو على التمييز على رأي الكوفيين أو التشبيه بالمفعول على زعم بعضهم أو على أنه مفعول بتضمين الفعل يتنقصون مثلاً، ولا يشكل على قراءة (يخادعون) أنه كيف يصح حصر الخداع على أنفسهم، وذلك يقتضي نفيه عن الله تعالى والمؤمنين، وقد أثبت أولاً، وإن المخادعة إنما تكون في الظاهر بين اثنين فكيف يخادع أحد نفسه لأنا نقول المراد أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها عائد عليهم فالخداع هنا هو الخداع الأول والحصر باعتباره أن ضرره عائد إلى أنفسهم فتكون العبادة الدالة عليه مجازاً أو كناية عن انحصار ضررها فيهم أو نجعل لفظ الخداع مجازاً مرسلاً عن ضرره في المرتبة الثانية، وكونه مجازاً باعتبار الأول كما قاله السعد غير ظاهر. وقد يقال إنهم خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك وخدعتهم حيث حدثتهم بالأماني الخالية، فالمراد بالخداع غير الأول. والمخادع والمخادع متغايران بالاعتبار فالخداع على هذا مجاز عن إيهام الباطل وتصويره بصورة الحق، وحمله على حقيقته بعيد وكون ذلك من التجريد كقوله:شعر : لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال تفسير : لا يرتضيه الذوق السليم كالقول بأن الكلام من باب المبالغة في امتناع خداعهم لله تعالى وللمؤمنين لأنه كما لا يخفى خداع المخادع لنفسه فيمتنع خداعه لها يمتنع خداع الله تعالى لعلمه والمؤمنون لاطلاعهم باعلامه تعالى أو الكناية عن أن مخالفتهم ومعاداتهم لله تعالى وأحبابه معاملة مع أنفسهم لأن الله تعالى والمؤمنين ينفعونهم كأنفسهم،/ وبعضهم يجعل التعبير هنا بالمخادعة للمشاكلة مع كون كل من المشاكل والمشاكل مجازاً وكل يعمل على شاكلته. والنفس حقيقة الشيء وعينه ولا اختصاص لها بالأجسام لقوله تعالى: {أية : كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 12] {أية : وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }تفسير : [آل عمران: 28] وتطلق على الجوهر البخاري اللطيف الحال لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية وسماها الحكيم الروح الحيوانية وأول عضو تحله القلب إذ هو أول ما يخلق على المشهور، ومنه تفيض إلى الدماغ والكبد وسائر الأعضاء ولا يلزم من ذلك أن يكون منبت الأعصاب إذ من الجائز أن يكون العضو المستفيد منبتاً لآلة الاستفادة، وقيل: الدماغ لأنه المنبت ولم تقم دلالة قطعية على ذلك كما في «شرح القانون» للإمام الرازي وكثيراً ما تطلق على الجوهر المجرد المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف وهي الروح الأمرية المرادة في - "من عرف نفسه فقد عرف ربه" - وتسمى النفس الناطقة وبتنوع صفاتها تختلف أسماؤها وأحظى الأعضاء بإشراق أنوارها المعنوية القلب أيضاً ولذلك الشرف قد يسمى نفساً، وبعضهم يسمي الرأي بها، والظاهر في الآية على ما قيل: المعنى الأول إذ المقصود بيان أن ضرر مخادعتهم راجع إليهم ولا يتخطاهم إلى غيرهم وليس بالمتعين كما لا يخفى، وتطلق على معان أخر ستسمعها مع تحقيق هذا المبحث إن شاء الله تعالى. وجملة {وَمَا يَشْعُرُونَ} مستأنفة أو معطوفة على {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ} ومفعول {يَشْعُرُونَ} محذوف أي: وما يشعرون أنهم يخدعونها أو أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أو إطلاع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على خداعهم وكذبهم كما روي ذلك عن ابن عباس أو هلاك أنفسهم وإيقاعها في الشقاء الأبدي بكفرهم ونفاقهم كما روي عن زيد، أو المراد لا يشعرون بشيء، ويحتمل كما في «البحر» أن يكون {وَمَا يَشْعُرُونَ} جملة حالية أي: وما يخدعون إلا أنفسهم غير شاعرين بذلك ولو شعروا لما خادعوا، والشعور الادراك بالحواس الخمس الظاهرة ويكون بمعنى العلم، قال الراغب: شعرت كذا يستعمل بوجهين بأن يؤخذ من مس الشعر ويعبر به عن اللمس؛ ومنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلان لا يشعر فذلك أبلغ في الذم من أنه لا يسمع ولا يبصر لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر، وتارة يقول: شعرت كذا أي أدركت شيئاً دقيقاً من قولهم شعرته أي أصبت شعره نحو أذنته ورأسته وكان ذلك إشارة إلى قولهم فلان يشق الشعر إذا دق النظر؛ ومنه أخذ الشاعر لإدراك دقائق المعاني انتهى. والآية تحتمل نفي الشعور بمعنى العلم فمعنى {لاَّ يَشْعُرُونَ } لا يعلمون وكثيراً ما ورد بهذا المعنى، وفي اللحاق نوع إشارة إليه، ويحتمل نفيه بمعنى الإدراك بالحواس فيجعل متعلق الفعل كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على فاقد الحواس، ونفي ذلك نهاية الذم لأن من لا يشعر بالبديهي المحسوس مرتبته أدنى من مرتبة البهائم فهم كالأنعام بل هم أضل. ولعل هذا أولى لما فيه من التهكم بهم مع الدلالة على نفي العلم بالطريق الأولى، وهو أيضاً أنسب بقوله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ } تفسير : [البقرة: 7] كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {يخادعون} بدل اشتمال من جملة: {أية : يقول آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 8] وما معها لأن قولهم ذلك يشتمل على المخادعة. والخداع مصدر خادع الدال على معنى مفاعلة الخدع، والخدع هو فعل أو قول معه ما يوهم أن فاعله يريد بمدلوله نفع غيره وهو إنما يريد خلاف ذلك ويتكلف ترويجه على غيره ليغيره عن حالة هو فيها أو يصرفه عن أمر يوشك أن يفعله، تقول العرب: خدع الضب إذا أوهم حارشه أنه يحاول الخروج من الجهة التي أدخل فيها الحارش يده حتى لا يرقبه الحارش لعلمه أنه آخذه لا محالة ثم يخرج الضب من النافقاء. والخداع فعل مذموم إلا في الحرب والانخداع تمشي حيلة المخادع على المخدوع وهو مذموم أيضاً لأنه من البله وأما إظهار الانخداع مع التفطن للحيلة إذا كانت غير مضرة فذلك من الكرم والحلم قال الفرزدق:شعر : استمطروا من قريش كل منخدع إن الكريمَ إذا خادعته انخدعا تفسير : وفي الحديث «حديث : المؤمن غر كريم» تفسير : أي من صفاته الصفح والتغاضي حتى يظن أنه غر ولذلك عقبه بكريم لدفع الغرية المؤذنة بالبله فإن الإيمان يزيد الفطنة لأن أصول اعتقاده مبنية على نبذ كل ما من شأنه تضليل الرأي وطمس البصيرة ألا ترى إلى قوله: «حديث : والسعيد من وعظ بغيره» تفسير : مع قوله: «حديث : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»تفسير : ، وكلها تنادي على أن المؤمن لا يليق به البله وأما معنى «المؤمن غر كريم» فهو أن المؤمن لما زكت نفسه عن ضمائر الشر وخطورها بباله وحمل أحوال الناس على مثل حاله فعرضت له حالة استئمان تشبه الغرية قال ذو الرمة:شعر : تلك الفتاة التي علقتها عرضاً إِنَّ الحليم وذا الإسلام يختلب تفسير : فاعتذر عن سرعة تعلقه بها واختلابها عقله بكرم عقله وصحة إسلامه فإن كل ذلك من أسباب جودة الرأي ورقة القلب فلا عجب أن يكون سريع التأثر منها. ومعنى صدور الخداع من جانبهم للمؤمنين ظاهر، وأما مخادعتهم الله تعالى المقتضية أن المنافقين قصدوا التمويه على الله تعالى مع أن ذلك لا يقصده عاقل يعلم أن الله مطلع على الضمائر والمقتضية أن الله يعاملهم بخداع، وكذلك صدور الخداع من جانب المؤمنين للمنافقين كما هو مقتضى صيغة المفاعلة مع أن ذلك من مذموم الفعل لا يليق بالمؤمنين فعله فلا يستقيم إسناده إلى الله ولا قصد المنافقين تعلقه بمعاملتهم لله كل ذلك يوجب تأويلاً في معنى المفاعلة الدال عليه صيغة {يخادعون} أو في فاعله المقدر من الجانب الآخر وهو المفعول المصرح به. فأما التأويل في {يخادعون} فعلى وجوه: أحدها: أن مفعول خَادع لا يلزم أن يكون مقصوداً للمخادِع ـــ بالكسر ـــ إذ قد يقصد خداع أحد فيصادف غيره كما يخادع أحد وكيلَ أحد في مال فيقال له أنت تخادع فلاناً وفلاناً تعني الوكيل وموكِّلَه، فهم قصدوا خداع المؤمنين لأنهم يكذّبون أن يكون الإسلام من عند الله فلما كانت مخادعتهم المؤمنين لأجل الدِّين كان خداعهم راجعاً لشارع ذلك الدين، وأمَّا تأويل معنى خداع الله تعالى والمؤمنين إياهم فهو إغضاء المؤمنين عن بوادرهم وفلتات أَلسُنهم وكبواتِ أفعالهم وهفواتِهم الدال جميعها على نفاقهم حتى لم يزالوا يعاملونهم معاملة المؤمنين فإن ذلك لما كان من المؤمنين بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لقد نهى من استأذنه في أن يقتل عبدَ الله بن أبي ابن سلول، كان ذلك الصنيع بإذن الله فكان مرجعه إلى الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} تفسير : في سورة النساء (142)، كما رجع إليه خداعُهم للمؤمنين، وهذا تأويل في المخادعة من جانبيها، كل بما يلائمه. الثاني: ما ذكره صاحب «الكشاف» أن {يخادعون} استعارة تمثيلية تشبيهاً للهيئة الحَاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإِبْقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعَين. الثالث: أن يكون خادع بمعنى خدع أي غير مقصود به حصول الفعل من الجانبين بل قَصْدُ المبالغة. قال ابن عطية عن الخليل: يقال خَادع مِنْ واحد لأن في المخادعة مُهْلةً كما يقال عَالجت المريضَ لمكان المهلة، قال ابن عطية كأنه يرد فَاعَل إلى اثنين ولا بُدَّ من حيثُ إن فيه مهلة ومدافعة ومماطلة فكأنه يقاوم في المعنى الذي يجيء فيه فاعَلَ ا هـ. وهذا يرجع إلى جعل صيغة المفاعلة مستعارة لِمعنى المبالغة بتشبيه الفعل القوي بالفعل الحاصل من فاعَلْين على وجه التبَعية، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه: (يخْدَعون الله). وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله. وأما التأويل في فَاعِل {يخادعون} المقدَّر وهو المفعول أيضاً فبأن يُجعل المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريقة المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومُرسله وإما مجازٌ بالحذف للمضافِ، فلا يكون مرادهم خداعَ الله حقيقة، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعاً منهم ومخادعاً لهم، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاءٌ لهم على خداعهم فذلك غير لائق. وقوله: {يخادعون الله} قرأه نافع وابن كثير وأبو عَمرو وخلَف (يخادعون) بألف بعد الخاء وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب (يخْدَعون) بفتح التحتية وسكون الخاء. وجملة {وما يخادعون إلا أنفسهم} حال من الضمير في {يُخادعون} الأول أي يخادعون في حال كونهم لا يخادعون إلا أنفسهم أي خداعهم مقصور عن ذواتهم لا يرجع شيء منه إلى الله والذين آمنوا، فيتعين أن الخداع في قوله {وما يخادعون} عينُ الخِداع المتقدم في قوله: {وما يخادعون} فَيَرِد إشكال صحة قصر الخِداع على أنفسهم مع إثبات مخادعتهم الله تعالى والمؤمنين. وقد أجاب صاحب «الكشاف» بما حاصله أن المخادعة الثانية مستعملة في لازم معنى المخادعة الأولى وهو الضُّر فإنها قد استعملت أولاً في مطلق المعاملة الشبيهة بالخداع وهي معاملة الماكر المستخف فأطلق عليها لفظُ المخادعة استعارة ثم أطلقت ثانياً وأريد منها لازِم معنى الاستعارة وهو الضُر لأن الذي يعامَل بالمكر والاستخفاف يتصدى للإنتقام من معامِلِه فقد يجد قدرة من نفسه أو غِرَّةً من صاحبه فيضره ضراً فصار حصول الضر للمعامِل أمراً عرفياً لازماً لمعامَله، وبذلك صح استعمال يخادع في هذا المعنى مجازاً أو كناية وهو من بناء المجاز على المجاز لأن المخادعة أطلقت أولاً استعارة ثم نُزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازاً في لازم المعنى المستعار له، فالمعنى وما يَضُرون إلا أنفسهم فيجري فيه الوجوه المتعلقة بإطلاق مادة الخداع على فعلهم، ويجىء تأويل معنى جَعل أنفسهم شقاً ثانياً للمخادعة مع أن الأنفس هي عينهم فيكون الخداع استعارة للمعاملة الشبيهة بفعل الجانبين المتخادعين بناء على ما شاع في وِجدان الناس من الإحساس بأن الخواطر التي تدعو إلى ارتكاب ما تَسوء عواقبه أنها فعلُ نفس هي مغايرة للعقل وهي التي تسول للإنسان الخير مرة والشر أخرى وهو تخيُّل بُني على خَطابة أخلاقية لإحداث العداوة بين المرء وبين خواطره الشريرة بجعلها واردة عليه من جهة غير ذاته بل من النَّفْس حتى يتأهب لمقارعتها وعصيان أمرها ولو انتسبت إليه لما رأى من سبيل إلى مدافعتها، قال عمرو بن معديكرب:شعر : فجاشَت عليَّ أوَّلَ مرة فرُدَّتْ على مكروهها فاستقرتِ تفسير : وذكر ابن عطية أن أبا عليّ الفارسي أنشد لبعض الأعراب:شعر : لم تَدر ما (لا) ولستَ قائلَها عُمْرَك ما عِشْتَ آخر الأبد ولم تُؤامر نفسيْك مُمتريا فيها وفي أختها ولم تكد تفسير : يريد بأختها كلمة (نعم) وهي أخت (لا) والمراد أنها أخت في اللسان. وقلت ومنه قول عروة بن أذينة:شعر : وإذا وجدتُ لها وَسَاوِسَ سَلْوَة شَفَع الفؤاد إلى الضمير فَسَلَّها تفسير : فكأنهم لما عصوا نفوسهم التي تدعوهم للإيمان عند سماع الآيات والنذر إذ لا تخلو النفس من أوبة إلى الحق جعل معاملتهم لها في الإعراض عن نصحها وإعراضها عنهم في قلة تجديد النصح لهم وتركهم في غيهم كالمخادعة من هذين الجانبين. واعلم أن قوله: {وما يخادعون إلا أنفسهم}أجمعت القراءات العشر على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف. والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنية المعبر عنها بالروح وخاطر العقل. وقوله: {وما يشعرون}عطف على جملة {وما يخادعون} والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية، ومنه سمي الشاعر شاعراً لعلمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية بسهولة، ولا يحسن لذلك كل أحد، وقولهم ليت شعري في التحير في علم أمر خفي، ولولا الخفاء لما تمنى علمه بل لعلمه بلا تمن، فقولهم هو لا يشعر وصف بعدم الفطنة لا بعدم الإحساس وهو أبلغ في الذم لأن الذم بالوصف الممكن الحصول أنكى من الذم بما يتحقق عدمه فإن إحساسهم أمر معلوم لهم وللناس فلا يغيضهم أن يوصفوا بعدمه وإنما الذي يغيضهم أن يوصفوا بالبلادة. على أن خفاء مخادعتهم أنفسهم مما لا يمتري فيه واختير مثله في نظيره في الخفاء وهو {أية : ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}تفسير : [البقرة: 12] لأن كليهما أثبت فيه ما هو المآل والغاية وهي مما يخفي واختير في قوله {أية : ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}تفسير : [البقرة: 13] نفي العلم دون نفي الشعور لأن السفه قد يبدو لصاحبه بأقل التفاتة إلى أحواله وتصرفاته لأن السفه أقرب لادعاء الظهور من مخادعة النفس عند إرادة مخادعة الغير ومن حصول الإفساد عند إرادة الإصلاح وعلى الإطلاق الثاني درج صاحب «الكشاف» قال: فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُخَادِعُونَ} {آمَنُوا} (9) - وَهُمْ إِنَّما يُرِيدُونَ خِدَاعَ النَّبيِّ وَالمؤْمِنِينَ وَغِشَّهُمْ مِنْ وَرَاءِ تَظَاهُرِهِمْ أَمَامَ المسلِمينَ بِالإِسْلاَمِ. وَلكِنَّ الله يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُمْ، وَقَدْ نَبَّهَ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ إِلى ذلِكَ، وَلِهذا فَإِنَّهُمْ لا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أَنَّ أَمْرَهُمْ مَكْشُوفٌ. الخِدَاعُ - أَنْ يُوهِمَ الإِنْسَانُ غَيْرَهُ خِلاَفَ مَا يُخْفِيهِ لِيَحُولَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يُريدُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وتأتي الصفة الثانية من صفات المنافقين، وهي صفة تدل على غفلتهم وحمق تفكيرهم، فإنهم يحسبون أنهم بنفاقهم يخدعون الله سبحانه وتعالى، وهل يستطيع بشر أن يخدع رب العالمين؟ إن الله عليم بكل شيء، عليم بما نُخفي وما نُعلن، عليم بالسر وما هو أخفَى من السر، وهل يوجد ما هو أخفى من السر؟ نقول نعم، السر هو ما أسررت به لغيرك، فكأنه يعلمه اثنان، أنت ومَنْ أسررت إليه. ولكن ما هو أخفى من السر، ما تبقيه في نفسك ولا تخبر به أحداً، إنه يظل في قلبك لا تُسِرُّ به لإنسان، والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تفسير : [طه: 7]. فلا يوجد مخلوق، يستطيع أن يخدع خالقه، ولكنهم من غفلتهم، يحسبون أنهم يستطيعون خداع الله جل جلاله. وفي تصرفهم هذا لا يكون هناك سلام بينهم وبين الله. بل يكون هناك مقت وغضب. وهم في خداعهم يحسبون أيضاً أنهم يخدعون الذين آمنوا، بأنهم يقولون أمامهم غير ما يبطنون، ولكن هذا الخداع شقاء عليهم، لأنهم يعيشون في خوف مستمر، وهم دائماً في قلق أو خوف من أن يكشفهم المؤمنون، أو يستمعوا إليهم في مجالسهم الخاصة، وهم يتحدثون بالكفر ويسخرون من الإيمان، ولذلك إذا تحدثوا فلابد أن يتأكدوا أولاً من أن أحدا من المؤمنين لا يسمعهم، ويتأكدوا ثانياً من أن أحداً من المؤمنين لن يدخل عليهم وهم يتحدثون، والخوف يملأ قلوبهم أيضاً، في أثناء وجودهم مع المؤمنين، فكل واحد منهم يخشى أن تفلت منه كلمة، تفضح نفاقه وكفره. وهكذا فلا سلام بينهم وبين المؤمنين .. والحقيقة أنهم لا يخدعون إلاَّ أنفسهم. فالله سبحانه وتعالى، يعلم نفاقهم، والمؤمنون قد يعلمون هذا النفاق، فإن لم يعلموه، فإن الله يخبرهم به، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 30]. ألم يأت المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليشهدوا أنه رسول الله، ففضحهم الله أمام رسوله وأنزل قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. جاء المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بصدق رسالته، والله سبحانه وتعالى يعلم أن هذه الشهادة حق وصدق، لأنه جل جلاله، يعلم أن رسوله صلى الله عليه وسلم، صادق الرسالة، ولكنه في الوقت نفسه يشهد بأن المنافقين كاذبون. كيف؟ كيف يتفق كلام الله مع ما قاله المنافقون ثم يكونون كاذبين؟ نقول: لأن المنافقين قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فهم شهدوا بألسنتهم فقط أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ولكن قلوبهم منكرة لذلك، مكذِّبة به، ولذلك فإن ما قاله المنافقون رغم أنه حقيقة إلا أنهم يكذبون، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لأن الصدق هو أن يوافق الكلام حقيقة ما في القلب، وهؤلاء كذبوا، لأنهم في شهادتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يُعبِّرون عن واقع في قلوبهم، بل قلوبهم تُكَذِّبُ ما يقولون. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم يفضح الله سبحانه وتعالى فيها المنافقين وينبئ رسوله صلى الله عليه وسلم بما يضمرونه في قلوبهم، إذن: فخداعهم للمؤمنين، رغم أنه خداع بشر لبشر، إلا أنه أحياناً تفلت ألسنتهم، فتعرف حقيقتهم، وإذا لم يفلت اللسان، جاء البيان من الله سبحانه وتعالى ليفضحهم، وتكون حصيلة هذا كله، أنهم لا يخدعون أحداً، فالله يعلم سرهم وجهرهم، فمرة يعين الله المؤمنين عليهم فيكشفونهم، ومرة تفلت ألسنة المنافقين فيكشفون أنفسهم. إذن فسلوك المنافق، لا يخدع به إلا نفسه، وهو الخاسر في الدنيا والآخرة، عندما يؤدي عملاً إيمانيا، فالله يعلم أنه نفاق، وعندما يحاول أن يخدع المؤمنين، ينكشف، والنتيجة أنهم يعتقدون بأنهم حققوا لأنفسهم نفعاً، بينما هم لم يحققوا لأنفسهم إلا الخسران المبين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):