Verse. 15 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُوْلُ اٰمَنَّا بِاللہِ وَبِالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَمَا ھُمْ ￀مِنِيْنَ۝۸ۘ
Wamina alnnasi man yaqoolu amanna biAllahi wabialyawmi alakhiri wama hum bimumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في المنافقين: «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر» أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام «وما هم بمؤمنين» روعي فيه معنى من، وفي ضمير يقول لفظها.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا: وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول: أحوال القلب أربعة، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك. فهذه أقسام أربعة، وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار؛ والإنكار، والسكوت. فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسماً. النوع الأول: ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت. القسم الأول: ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً بالإتفاق، وإن كان اضطرارياً وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر، بل أنكر، فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب، فإذا كان باللسان مقراً مصدقاً وجب أن يعد منافقاً لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار. القسم الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطرارياً كان صاحبه مسلماً، لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } تفسير : [النحل: 106] وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً. القسم الثالث: أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خالياً عن الإقرار والإنكار، فهذا السكوت إما أن يكون اضطرارياً أو اختيارياً، فإن كان اضطرارياً فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقاً أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة، فهذا مؤمن قطعاً، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذوراً فيه، وأما إن كان اختيارياً فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار، فهذا محل البحث، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه السلام: «حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان»تفسير : وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار. النوع الثاني: أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار أو السكوت. القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار، ثم ذلك الإقرار إن كان اختيارياً فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟ وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فها هنا لا كلام، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً، فبأن يكون منافقاً عند التقليد كان أولى. القسم الثاني: الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني، ثم هذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شك في الكفر، وإن كان اضطرارياً وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة. القسم الثالث: الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد. النوع الثالث: الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني، أو الإنكار اللساني، أو السكوت. القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار اللساني، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المنافق وإن كان اختيارياً فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث، وهذا غير مستبعد، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان؟ فهذا القسم أيضاً من النفاق. القسم الثاني: أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق، لأنه ما أظهر شيئاً بخلاف باطنه. القسم الثالث: أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئاً. النوع الرابع: القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت. القسم الأول: إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختيارياً أو اضطرارياً، فإن كان اختيارياً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً لم يكفر صاحبه، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً. القسم الثاني: القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث: القلب الخالي مع اللسان الخالي، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } المراد منه المنافقون والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان. وقال آخرون بل المنافق أيضاً كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: { أية : قَالَتِ ٱلأعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ }تفسير : [الحجرات: 14] وقال: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة. أحدها: أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك. وثانيها: أن الكافر عى طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة. وثالثها: أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق، والمنافق رضي بذلك. ورابعها: أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأسْفَلِ مِنَ ٱلنَّار}تفسير : [النساء: 145]. وخامسها: قال مجاهد: إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرماً. وهذا بعيد، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم، فإن عظم فلغير ذلك، وهو ضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء، وطلب الغوائل إلى غير ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار. المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على أمرين: الأول: أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً، لقوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } وقالت الكرامية: إنه يكون مؤمناً الثاني: أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لا بدّ وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قول من قال من المتكلمين: إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً. المسألة الرابعة: ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوهاً: أحدها: يروى عن ابن عباس أنه قال: سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي، وقال الشاعر. سميت إنساناً لأنك ناسي. وقال أبو الفتح البستي:شعر : يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس وأكثر الناس إفضالاً على الناس نسيت عهدك والنسيان مغتفر فاغفر فأول ناس أول الناس تفسير : وثانيها: سمي إنساناً لاستئناسه بمثله. وثالثها: قالوا: الإنسان إنما سمي إنساناً لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله: {أية : آنس مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً } تفسير : [القصص: 29] كما سمي الجن لاجتنانهم. واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقاً من شيء آخر. المسألة الخامسة: قال ابن عباس: أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير، وجد ابن قيس، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض. المسألة السادسة: لفظة «من» لفظة صالحة للتثنية، والجمع، والواحد. أما في الواحد فقوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } تفسير : [الأنعام: 25] وفي الجمع كقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } تفسير : [يونس: 42] والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ. وعند الجمع يرجع إلى المعنى، وحصل الأمران في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: {يقُولُ } لفظ الواحد و {آمنا } لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة. السؤال الأول: المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر؟ والجواب: إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب ـ وهم اليهود ـ فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لأنهم يعتقدونه جسماً، وقالوا عزير بن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه. السؤال الثاني: كيف طابق قوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } قولهم: {آمنا بِٱللَّهِ} والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟ والجواب: أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تذكيبه، يعني أنه ليس من هذا الجنس، فكيف يظن به ذلك؟ فكذا ههنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيباً لهم أما لما قال: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } كان ذلك مبالغة في تكذيبهم، ونظيره قوله: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا } هو أبلغ من قولهم: وما يخرجون منها. السؤال الثالث: ما المراد باليوم الآخر؟ الجواب: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم، الذي لا ينقطع له أمد، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة. وأهل النار النار؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة، وما بعده فلا حد له.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: روى ٱبن جُريج عن مجاهد قال: نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين، وٱثنتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. وروى أسباط عن السدّي في قوله: «ومِنَ النَّاسِ» قال: هم المنافقون. وقال علماء الصوفية: الناس ٱسم جنس، وٱسم الجنس لا يخاطب به الأولياء. الثانية: وٱختلف النحاة في لفظ الناس؛ فقيل: هو ٱسم من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة؛ على غير اللفظ، وتصغيره نُوَيس. فالناس من النَّوْس وهو الحركة؛ يقال: ناس ينوس أي تحرّك؛ ومنه حديث أم زَرْع: «أَنَاسَ من حُلِيٍّ أُذُنَيّ». وقيل: أصله من نسى؛ فأصل ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، ثم دخلت الألف واللام فقيل: الناس. قال ٱبن عباس: نسي آدم عهد الله فسُمِّيَ إنساناً. وقال عليه السلام: «حديث : نسي آدم فنسِيَتْ ذريّتُه»تفسير : . وفي التنزيل: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه:115] وسيأتي. وعلى هذا فالهمزة زائدة؛ قال الشاعر:شعر : لا تَنْسَيْن تلك العُهودَ فإنَّما سُمِّيتَ إنساناً لأنّك ناسِي تفسير : وقال آخر:شعر : فإنْ نَسِيتَ عهوداً منك سالفةً فٱغفرْ فأوّلُ ناسٍ أوّلُ الناس تفسير : وقيل: سمي إنساناً لأِنْسه بحواء. وقيل: لأِنْسه بربه، فالهمزة أصلية؛ قال الشاعر:شعر : وما سُمِّيَ الإنسانُ إلاّ لأِنْسِهِ ولا الْقلبُ إلاّ أَنَّه يَتَقَلَّبُ تفسير : الثالثة: لما ذكر الله جلّ وتعالى المؤمنين أوّلا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلتهم؛ إذ الكفر والإيمان طرفان. ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم؛ لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق: «وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنينَ». ففي هذا ردّ على الكَرَّامِيّة حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب؛ وٱحتجوا بقوله تعالى: {أية : فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ}تفسير : [المائدة:85] ولم يقل: بما قالوا وأضمروا؛ وبقوله عليه السلام: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلٰه إلا الله فإذا قالوها عَصَمُوا منّي دماءهم وأموالهم»تفسير : . وهذا منهم قصور وجمود، وترْكُ نظرٍ لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإيمان معرفةٌ بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالأركان»تفسير : . أخرجه ٱبن ماجة في سُنَنه، فما ذهب إليه محمد بن كَرّام السّجستاني وأصحابه هو النفاق وعَيْن الشقاق؛ ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد. الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: المؤمن ضربان: مؤمن يحبه الله ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه؛ فكلّ مَن علم الله أنه يوافي بالإيمان، فالله محب له، موالٍ له، راضٍ عنه. وكلّ مَن علم الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط عليه، معادٍ له، لا لأجل إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. والكافر ضربان: كافر يُعاقَب لا محالة، وكافر لا يُعاقَب. فالذي يُعاقَب هو الذي يُوافِي بالكفر، فالله ساخط عليه معادٍ له. والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له، بل محبّ له موالٍ؛ لا لكفره لكن لإيمانه الموافى به. فلا يجوز أن يطلق القول وهي: الخامسة: بأن المؤمن يستحق الثواب، والكافر يستحق العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة. ولأجل هذا قلنا: إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام، ومريد لثوابه ودخوله الجنة؛ لا لعبادته الصنم، لكن لإيمانه الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته؛ لكفره الموافي به. وخالفت القَدَريةُ في هذا وقالت: إن الله لم يكن ساخطاً على إبليس وقت عبادته، ولا راضياً عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد؛ لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافى به إبليس لعنه الله، وبما يوافى به عمر رضي الله عنه فيما لم يزل؛ فثبت أنه كان ساخطاً على إبليس محباً لعمر. ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار، بل هو ساخط عليه؛ وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنما الأعمال بالخواتيم"تفسير : ولهذا قال علماء الصوفية: ليس الإيمان ما يتزيّن به العبد قولاً وفعلاً؛ لكن الإيمان جَرْيُ السعادة في سوابق الأزل، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عارياً، وربما يكون حقيقة. قلت: هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد اللَّه بن مسعود قال حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «حديث : إن أحدَكم يُجمع خَلْقُه في بطن أمّه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك عَلَقَة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مُضْغَة مثلَ ذلك ثم يُرسِل الله المَلك فيَنْفُخ فيه الرُّوح ويُؤمَر بأربع كلمات بكَتْب رزقه وأجله وعَمَله وشَقِيٌّ أو سعيد فوالذي لا إلٰه غيره إن أحدكم ليَعْمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيَسْبِق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النار فيدخُلُها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيَسْبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»تفسير : . فإن قيل وهي: السادسة: فقد خرّج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وهو محمد بن أبي قيس، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق، عن مجاهد بن جبر "حديث : عن ٱبن عباس أخبرنا أبو رَزِين العقيلي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأشربن أنا وأنت يا أبا رزِين من لبن لم يتغيّر طعمه» قال قلت: كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «أما مررتَ بأرض لك مُجْدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة» قلت: بلى. قال: «كذلك النشور» قال قلت: كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: «ليس أحد من هذه الأمة ـ قال ٱبن أبي قيس: أو قال من أمتي ـ عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيراً أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شراً أو يغفرها إلا مؤمن».تفسير : قلت: وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث ٱبن مسعود؛ فإن ذلك موقوف على الخاتمة؛ كما قال عليه السلام: «حديث : وإنما الأعمال بالخواتيم»تفسير : . وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال؛ والله أعلم. السابعة: قال علماء اللغة: إنما سُمِّيَ المنافق منافقاً لإظهاره غير ما يضمر؛ تشبيهاً باليربوع، له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء. وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرَقّ التراب؛ فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج؛ فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر. وكذلك المنافق ظاهره إيمان، وباطنه كفر؛ وقد تقدّم هذا المعنى.

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ } لما افتتح سبحانه وتعالى بشرح حال الكتاب وساق لبيانه، ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله تعالى وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، وثنى بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً ولم يلتفتوا لفتة رأساً، ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للقسم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }تفسير : [النساء: 145] وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المُصِّرِّينَ. والناس أصله أناس لقولهم: إنسان وأنس وأناسي فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يكاد يُجْمَع بينهما. وقوله:شعر : إنَّ المنايا يَطَّلِعْنَ على الإِناس الآمنِينَا تفسير : شاذ. وهو اسم جمع كرجال، إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع. مأخوذ من أنس لأنهم يستأنسون بأمثالهم. أو آنس لأنهم ظاهرون مبصرون، ولذلك سموا بشراً كما سمي الجن جناً لاجتنانهم. واللام فيه للجنس، ومن موصوفة إذ لا عهد فكأنه قال: ومن الناس ناسٌ يقولون. أو للعهد والمعهود: هم الذين كفروا، ومن موصولة مراد بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، واختصاصهم بزيادات زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزيادات يختلف فيها أبعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيماً للقسم الثاني. واختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر بالذكر، تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم احتازوا الإيمان من جانبيه وأحاطوا بقطريه، وإيذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه، فكيف بما يقصدون به النفاق، لأن القوم كانوا يهوداً وكانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيماناً كلا إيمان، لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد، وإن الجنة لا يدخلها غيرهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة وغيرها، ويرون المؤمنين أنهم آمنوا مثل إيمانهم. وبيان لتضاعف خبثهم وإفراطهم في كفرهم، لأن ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن إيماناً، فكيف وقد قالوه تمويهاً على المسلمين وتهكماً بهم. وفي تكرار الباء ادعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام. والقول هو التلفظ بما يفيد، ويقال بمعنى المقول، وللمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ وللرأي والمذهب مجازاً. والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ينتهي. أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات المحدودة. {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } إنكار ما ادعوه ونفي ما انتحلوا إثباته، وكان أصله وما آمنوا ليطابق قولهم في التصريح بشأن الفعل دون الفاعل لكنه عكس تأكيداً. أو مبالغة في التكذيب، لأن إخراج ذواتهم من عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان، ولذلك أكد النفي بالباء وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به لأنه جوابه. والآية تدل على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمناً، لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمناً. والخلاف مع الكرامية في الثاني فلا ينهض حجة عليهم.

ابن كثير

تفسير : النفاق هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار. وعملي، وهو من أكبر الذنوب كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى، وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه، وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهاً، وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، وأعز الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأساً في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا، واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه، فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق؛ لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرهاً، بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين من الأوس والخزرج أبو العالية والحسن وقتادة والسدي، ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} أي: يقولون ذلك قولاً ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى:{أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } تفسير : [المنافقون: 1] أي: إنما يقولون ذلك إذا جاؤوك فقط، لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها. أكدوا أمرهم قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر، وليس الأمر كذلك؛ كما كذبهم الله في شهادتهم وفي خبرهم، هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1] وبقوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}. وقوله تعالى: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا} أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ}تفسير : [المجادلة: 18] ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142] ومن القراء من قرأ: {وَمَا يُخـٰدِعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد. قال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعاً، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ قيل: لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعاً، فكذلك المنافق، سمي مخادعاً لله وللمؤمنين بإظهاره ما ظهر بلسانه تقية بما يخلص به من القتل والسبي والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره مستبطن، وذلك من فعله، وإن كان خداعاً للمؤمنين في عاجل الدنيا، فهو لنفسه بذلك من فعله خادع، لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومذيقها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعته نفسه ظناً منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن، كما قال تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} إعلاماً منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمى أمرهم مقيمون. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إليّ حدثنا زيد بن المبارك حدثنا محمد بن ثور عن ابن جريج في قوله تعالى: يخادعون الله، قال: يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك. وقال سعيد عن قتادة {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، ويصبح على حال، ويمسي على غيره، ويمسي على حال، ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفؤَ السفينة، كلما هبت ريح هبت معها.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في المنافقين {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ } أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } روعي فيه معنى (مَن)، وفي ضمير( يقول) لفظها.

الشوكاني

. تفسير : ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص، ثم ذكر ثالثاً المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين، بل صاروا فرقة ثالثة؛ لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار. وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً، وهو من النوس، وهو: الحركة، يقال: ناس ينوس: أي تحرّك، وهو من أسماء الجموع جمع إنسان وإنسانة على غير لفظه، واللام الداخلة عليه للجنس، و"من" تبعيضية: أي بعض الناس، و"من" موصوفة: أي ومن الناس ناس يقول. والمراد باليوم الآخر: الوقت الذي لا ينقطع، بل هو دائم أبداً. والخداع في أصل اللغة: الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، وأنشد:شعر : أبيض اللون رقيقٌ طعمه طيبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خدعْ تفسير : وقيل: أصله الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء، حكاه ابن فارس، وغيره. والمراد من مخادعتهم لله: أنهم صنعوا معه صنع المخادعين، وإن كان العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا يخدع. وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل، فكونهم يخادعون الله والذين آمنوا يفيد أن الله سبحانه والذين آمنوا يخادعونهم. والمراد بالمخادعة من الله: أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شيء، فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه. والمراد بمخادعة المؤمنين لهم: هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به من أحكام الإسلام ظاهراً، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم، كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر. والمراد بقوله تعالى: {وَمَا يُخَـٰدِعُونَ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك، ومن هذا قول من قال: من خادعته فانخدع لك فقد خدعك. وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {يخادعون} في الموضعين، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن عامر في الثاني {يخدعون}. والمراد بمخادعتهم أنفسهم: أنهم يمنونها الأمانيّ الباطلة، وهي كذلك تمنيهم. قال أهل اللغة: شعرت بالشيء فطنت. قال في الكشاف: والشعور علم الشيء علم حس، من الشعار ومشاعر الإنسان: حواسه. والمعنى: أن لحوق ضرر ذلك لهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. والمراد بالأنفس هنا ذواتهم لا سائر المعاني التي تدخل في مسمى النفس كالروح والدم والقلب. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم المنافقون من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: والمراد بهذه الآية المنافقون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين قال: لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }. وأخرج ابن سعد عن حذيفة أنه قيل له: ما النفاق؟ قال: أن يتكلم بالإسلام ولا يعمل به. وأخرج أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة، «أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غداً؟حديث : قال: لا تخادع الله تفسير : قال: وكيف نخادع الله؟ قال:حديث : أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله فإن المرائي ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر يا خاسر يا غادر، ضلّ عملك وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً}تفسير : [الكهف: 110] الآية، و {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 142] الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا } قال: هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا أنهم مؤمنون بما أظهروه. وعن قوله: {وَمَا يُخَـٰدِعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } أنهم ضرّوا أنفسهم بما أضمروا من الكفر والنفاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } قال: يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وفي أنفسهم غير ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللهَ والَّذينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} يعني المنافقين يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بأن يُظهروا من الإيمان خلاف ما يبطنون من الكفر، لأن أصل الخديعة الإخفاء، ومنه مخدع البيت، الذي يخفى فيه، وجعل الله خداعهم لرسوله خداعاً له، لأنه دعاهم برسالته. {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} في رجوع وباله عليهم. {وَمَا يَشْعُرُون} يعني وما يفطنون، ومنه سُمِّي الشاعر، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره، ومنه قولهم ليت شعري.

ابن عطية

تفسير : كان أصل النون أن تكسر لالتقاء الساكنين، لكنها تفتح مع الألف واللام. ومن قال: استثقلت كسرتان تتوالى في كلمة على حرفين فمعترض بقولهم من ابنك ومن اسمك وما أشبهه. واختلف النحويون في لفظ {الناس} فقال قوم: "هي من نسي فأصل ناس نسي قلب فجاء نيس تحركت الياء وانفتح، ما قبلها فانقلبت ألفاً فقيل ناس، ثم دخلت الألف واللام". وقال آخرون: ناس اسم من أسماء الجموع دون هذا التعليل، دخلت عليه الألف واللام. وقال آخرون: "أصل ناس أناس دخلت الألف واللام فجاء الأناس، حذفت الهمزة فجاء الناس أدغمت اللام في النون لقرب المخارج". وهذه الآية نزلت في المنافقين. وقوله تعالى: {من يقول آمنا بالله} رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ {من} ومعناها، وحسن ذلك لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز ان يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد، لو قلت ومن الناس من يقولون ويتكلم لم يجز. وسمى الله تعالى يوم القيامة {اليوم الآخر} لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل، ثم نفى تعالى الإيمان عن المنافقين، وفي ذلك رد على الكرامية في قولهم إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {يخادعون الله}. فقال الحسن بن أبي الحسن: "المعنى يخادعون رسول الله فأضاف الأمر إلى الله تجوزاً لتعلق رسوله به، ومخادعتهم في تحيلهم في أن يفشي رسول الله والمؤمنون لهم أسرارهم فيتحفظون مما يكرهونه ويتنبهون من ضرر المؤمنين على ما يحبونه". وقال جماعة من المتأولين: "بل يخادعون الله والمؤمنين، وذلك بأن يظهروا من الإيمان خلاف ما أبطنوا من الكفر ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا وفازوا، وإنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب وما شعروا لذلك". واختلف القراء في يخادعون الثاني. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: "يخادعون". وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: "وما يخدعون". وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة: "يُخدعون" بضم الياء. وقرأ قتادة ومورق العجلي: "يُخَدِّعون" بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال وشدها. فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر: [عمرو بن كلثوم]: [الوافر]. شعر : ألاَ لاَ يجْهلنْ أحدٌ عليْنا فَنَجْهل فوق جهْل الجاهلينا تفسير : فجعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل. وتتجه أيضاً هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر: [الكميت] [الطويل]. شعر : تذكر من أَنَّى ومن أين شربه يؤامرُ نفسيه كذي الهجمة الأبل تفسير : وأنشد ابن الأعرابي: [المنسرح] شعر : لم تدر ما لا ولست قائلها عمرك ما عشت آخر الأبد ولم تؤامرْ نفسيك ممترياً فيــ ــهــا وفي أختها ولم تكد تفسير : وقال الآخر: شعر : يؤامر نفسيهِ وفي العيشِ فُسْحَةٌ أيستوتغ الذوبانَ أمْ لا يـطورُها تفسير : وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي: [الطويل] شعر : وكنتَ كذات الضنء لم تدر إذْ بَغَتْ تؤامرُ نفسيْها أتسرِقُ أم تزني تفسير : ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلكَ الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول: "خادعت الرجل" بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، والمصدر "خِدع" بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم فيها. ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى: {أية : واختار موسى قومه} تفسير : [الأعراف: 155] أي من قومه وإما أن يكون "يخدعون" أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم، ونحوه قول الله تعالى: {أية : ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} تفسير : [البقرة: 187] ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله تعالى: {أية : هل لك إلى أن تزكى} تفسير : [النازعات: 18] وإنما يقال هل لك في كذا، ولكن لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة الكلام، ومنه قول الفرزدق: [الرجز]: شعر : كيف تراني قالباً مجني قد قتل الله زياداً عنّي تفسير : لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر: [نحيف العامري]: [الوافر] شعر : إذا رضيت عليّ بنو قشيرٍ لعمر اللَّهِ أعجبني رضاها تفسير : لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي. وأما الكسائي فقال في هذا البيت: "وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجرى نقائضها". ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله. قال الخليل: "يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد فاعل إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي تجيء فيه فاعل. وقوله تعالى: {وما يشعرون} معناه وما يعلمون علم تفطن وتهد، وهي لفظة مأخوذة من الشعار كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس، والشعار الثوب الذي يلي جسد الإنسان، وهو مأخوذ من الشعر، والشاعر المتفطن لغريب المعاني. وقولهم: "ليت شعري" معناه ليت فطنتي تدرك، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [المنخل الهذلي]. شعر : عقوا بسهمٍ فلم يشعرْ به أحدٌ ثم استفاؤوا وقالوا حبّذا الوضح تفسير : واختلف ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له: فقالت طائفة: "وما يشعرون أن ضرر تلك المخادعة راجع عليهم لخلودهم في النار". وقال آخرون: "وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم في قولهم آمنا".

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ...} قال ابن عرفة: ذكر أولا (المؤمنين) (أهل) التقوى والصفات الحسنة، ثم (الكافرين) أهل الضلال والصفات القبيحة ثم المتصفين بأقبح من ذلك وهو (النّفاق) الموجب للحلول في الدرك الأسفل من النار. أو يقال: ذكر أولا من اتصف بالإيمان البسيط ((ثم من (اتصف) بالكفر البسيط))، ثم من اتصف بالدّين المركب من أمرين وهو الإيمان ظاهرا والكفر باطنا، والمركب متأخر عن البسيط في (المرتبة). والألف وللام في "الناس" للعموم (في) أنواع بني آدم و"من" للتبعيض في أشخاص تلك الأنواع. وهذا القول إمّا من اليهود أو من المنافقين فإن كان من اليهود فهو قول (حقيقي) موافق للاعتقاد ومعناه: من يقول آمنّا بوجود الله واليوم (الآخر) (وما هم بمؤمنين) لأنّهم (قد) ادّعوا (الشّريك) فقالوا: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : (وإن) كان من المنافقين فمعناه: وَمنَ النّاس من يقول آمنّا (بوحدانية) الله، ويجري هذا على الخلاف في (الكلام) (النفسي)، هل يمكن فيه تعمّد الكذب، ويكون الاعتقاد فيه مخالفا للعلم، أو لا يمكن ذلك؟ و(هي) مسألة تكلّم عليها الأصوليون لما قسّموا العلم إلى تصوّر وإلى تصديق. فإن (قلنا) بجواز الكذب في الكلام النفسي، فيكون هذا قولا حقيقيا بألسنتهم وقلوبهم، وإن منعنا وقوع الكذب فيه، فيكون قولا باللسان فقط قال ابن (عرفة): (ليس فيها دليل عليهم) وانظر كيف لم يصرحوا بالإيمان (بالرسول) مطابقة بل عبّروا بلفظ يدلّ عليه باللّزوم لا بالمطابقة (لأنّ مقصودهم) كفّ الأذى (عنهم) لا الإيمان حقيقة. قال ابن عطية. وفي الآية ردّ على الكراميّة في قولهم: إنّ الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب. قال ابن عرفة: ليس فيها دليل عليهم لأنهم لم يقولوا: إنّ الإيمان قول باللّسان (يخالفه) ((الاعتقاد بالقلب، (وإنما قالوا: إنّه قول باللّسان) عري عن الاعتقاد بالقلب لا لأنّ الاعتقاد بالقلب يخالفه القول باللّسان))، بمعنى أنه يقوله بلسانه، ولا (يعتقد) بقلبه شيئا لا هو ولا نقيضه (هكذا) حكى (عنهم) الشهرستاني في (النحل) والملل وليست الآية كذلك. (قيل له): نصّ الطبري هنا على أنّ مذهبهم كما قال ابن عطية وألزمهم نسبة الكذب إلى الله عزّ وجلّ. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قال عنهم (ءَامنّا) بلفظ الفعل وفي الردّ عليهم {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} بلفظ الاسم؟ (وأجاب): ((إنّ مقصودهم الإخبار)) بالاتصاف بالإيمان، فردّ عليهم بأنّهم ليسوا من نوع المؤمنين، ولا من جنسهم بوجه. قال ابن عرفة: وهذا الجواب ضعيف، وممّا يؤكّدُ السؤال أنّ الفعل أعمّ والاسم أخصّ، ونفي الأعمّ أخصّ من نفي الأخصّ. (فهلا) كان الأمر بالعكس، فهو الأولى؟ قال: (والجواب) أنّ المنافقين لمّا (كان) مقصدهم التورية لم يعبّروا بلفظ صريح في الإيمان بل عبّروا بما يدل على (الاتصاف) بمطلق الإيمان لا (بأخصّه)، و(أتوا) بالفعل الماضي ليدلّ على وقوعه وانقطاعه وعدم الدّوام عليه. ولما كان المقصود الرد عليهم وأنّهم لم يتّصفوا بالإيمان (النافع بل بإيمان لا ينفع، لم ينف عنهم مطلق) الإيمان لأنهم قد آمنوا ظاهرا فنفى عنهم الإيمان الشرعي (لأنّ الإيمان الشرعي) الموجب لعصمة دمائهم وأموالهم قد اتّصفوا (به) ظاهرا، فأخبر الله تعالى أنّ ذلك الإيمان النّافع لهم في الدنيا بالعصمة من القتل والسّبى لا ينفعهم في الآخرة فلذلك نفاه (عنهم) بلفظ الاسم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: و "من الناس" ممالة. قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً. "من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري. "بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء. "وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع. "فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط. "يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف. قيل {وغيض} {وجيء} بالإشمام: علي وهشام ورويس. "السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. "السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع. "السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً. روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل {شهداء إذ} {وجاء إخوة} وأشباه ذلك. "مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو. "طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو. "بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف. وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم. الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي. "يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده. "مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم. "مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين. "يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله. "مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما. "مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله تعالى {ومن الناس من يقول} الآية. وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين. فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك. وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت. كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر. (النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار. وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله تعالى {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106] أو اختياراً فهو كافر معاند. وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان"تفسير : . (النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه. أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول. وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد. وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند. (النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر. ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت. (النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا. وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً. والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق. فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج. الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان. وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه. قال عز من قائل: {أية : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}تفسير : [المنافقون: 1] وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك. وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي. وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب. وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله تعالى: {أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}تفسير : [النساء: 145] ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة. الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة. وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي. حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم. وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل. ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان. سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم. ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن. وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء. "ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله {أية : من المؤمنين رجال}تفسير : [الأحزاب: 23] ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف. وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً. وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو {أية : ومنهم الذين يؤذون النبي}تفسير : [التوبة: 61] وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين. ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو {أية : ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة}تفسير : [الأنعام: 25] ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل {أية : ومنهم من يستمعون إليك}تفسير : [يونس: 42] وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا". وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره. وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟ قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته. فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان. فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر. والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده. فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟ قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا. ونظير الآية قوله تعالى {أية : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها}تفسير : [البقرة: 167]. ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا". ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما. البحث الثاني: في قوله {يخادعون الله} إلى {يكذبون}. أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع. والأخدعان عرفان في العنق خفيان. وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً. والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية. فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: شعر : تلك الفتاة التي علقتها عرضاً إن الحليم ذا الإسلام يختلب تفسير : لم يجز أن يخدعوا. قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم. ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم. ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}تفسير : [الفتح: 10]. ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص. ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه}تفسير : [التوبة: 62] {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله}تفسير : [الأحزاب: 57] وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً. ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه. "ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟ فقيل: يخادعون. وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم. والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه تعالى لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟ وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله تعالى {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 7] وقراءة من قرأ {أية : وما يخادعون إلا أنفسهم}تفسير : [البقرة: 9] أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله تعالى يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله {أية : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} تفسير : [النساء: 142] ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب. وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة. والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله تعالى {أية : تعلم ما في نفسي}تفسير : [المائدة: 116] والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض. ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلاً وحنقاً {أية : وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} تفسير : [آل عمران: 119] وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له صلى الله عليه وسلم اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك. أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع. فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً. ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم} تفسير : [التوبة: 125] وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً. وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً. ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: شعر : اصبر على مضض الحسو د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها إن لم تجد ما تأكلـه تفسير : فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة. والأليم الوجيع. ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد. والمراد بكذبهم قولهم {آمنا بالله وباليوم الآخر}. وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته. وما يروى عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله {أية : إني سقيم} تفسير : [الصافات: 89] وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله {أية : بل فعله كبيرهم هذا}تفسير : [الأنبياء: 63] فالمراد التعريض "حديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" تفسير : ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به. والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه. وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: شعر : قد بين الصبح لذي عينين تفسير : أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة"تفسير : وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم. البحث الثالث: في قوله تعالى {وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض} إلى قوله }ولكن لا يشعرون}. هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين. فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له. ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل. أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب. والقائل لهم إما النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين. والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله تعالى، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها. وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد. وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب. وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له. فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون. وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله سبحانه {أية : إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً}تفسير : [النساء: 62] وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره. "وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله تعالى {أية : أليس ذلك بقادر} تفسير : [القيامة: 40] ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها. قال: شعر : أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر تفسير : رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم. وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون". البحث الرابع: في قوله {وإذا قيل لهم آمنوا} الآية. هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام. وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين. وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل. شعر : وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل تفسير : وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي. ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في {أية : بما رحبت}تفسير : [التوبة: 25 - 118] واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم. ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل. والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك. فتقول: أوقد فعل السفيه؟ أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: شعر : جرين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم تفسير : وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح {أية : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا}تفسير : [هود: 27] أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم. عن أنس حديث : أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض مخترف، فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. فما أوّل أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال صلى الله عليه وسلم:أخبرني بهن جبريل آنفاً. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني. فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام. قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول اللهتفسير : . ثم إن الله تعالى ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"تفسير : وأيضاً من السفه معاداة المحمديين {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} [الصف: 8]. شعر : كالطود يحقر نطحة الأوعال تفسير : إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم. وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له. البحث الخامس: في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا} الآيات. هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم. عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم. فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي عليه السلام فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله. ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً. فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت. ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه. وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي. وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود. وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم. وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون. إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين. وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام. لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء. أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟ فقالوا: إنما نحن مستهزءون. والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع. ثم إن الله تعالى أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟ فقيل: الله يستهزئ بهم. وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم. وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فإن قيل: الاستهزاء جهالة {أية : قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : [البقرة: 67] فما معنى استهزاء الله بهم؟ قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل {أية : فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}تفسير : [البقرة: 194] أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله تعالى {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون}تفسير : [المطففين: 34] فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم {أية : أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين}تفسير : [التوبة: 26] {أية : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون} تفسير : [التوبة: 64] وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما. وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر {أية : وإخوانهم يمدونهم في الغي}تفسير : [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله. والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله تعالى إياهم في الطغيان يعرف من تفسير {ختم الله على قلوبهم} وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً. أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب. ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله تعالى لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟ "ويعمهون" في موضع الحال. والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه. وثالثها: قوله {أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى} أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: شعر : أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً كما اشترى المــلم إذ تنصرا تفسير : وعن وهب قال الله تعالى فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة. جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء. وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره. فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين. والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين. وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال. ولما ذكر الله سبحانه شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: شعر : ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاش له صدري تفسير : لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر. "وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال. وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالَىٰ: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ...} إِلَى {وَمَا يَشْعُرُونَ}. هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالَىٰ يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ؛ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ}، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً؛ لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم. * ع *: تقول: خادَعْتُ الرجُلَ؛ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى: تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين؛ بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم؛ لحصولهم في العذاب، {وَمَا يَشْعُرُونَ} بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من الشِّعَار؛ كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ. واختلف، ما الذي نَفَى اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟ فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم؛ لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سِرَّهم ومخادعتهم في قولهم: {ءَامَنَّا}. قوله تعالَىٰ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}، أي: في عقائدهم فسادٌ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمُّهم بظهوره صلى الله عليه وسلم، {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا}، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل: هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين. * ت *: لما تكلَّم. * ع *: علَىٰ تفسير قوله تعالَىٰ: {أية : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْءِ }تفسير : [الفتح:6]. قال: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأنَّ اللَّه تعالى لا يدعو علَىٰ مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ }تفسير : [الهمزة:1]، {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ }تفسير : [المطففين:1]، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالَىٰ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي: مؤلم، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: بالكفر وموالاةِ الكفرةِ؛ ولقول المنافقين: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ثلاثُ تأويلاتٍ: أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق. والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ؛ من حيث هم قرابةٌ توصل. والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين. و «أَلاَ»: استفتاحُ كلامٍ، و «لكن»: حرف ٱستدراكٍ، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن اللَّه يفْضَحُهم.

ابن عادل

تفسير : "من الناس" خبر مقدم، و "من يقول" مبتدأ مؤخر، و "مَنْ" تحتمل أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة أي: الذي يقول، أو فريق يقول، فالجملة على الأول لا محل لها؛ لكونها صلة، وعلى الثاني محلها الرفع؛ لكونها صفة للمبتدأ. واستضعف أبو البقاء أن تَكُونَ موصولة، قال: لأن "الذي" يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام. وهذا منه غير مسلم؛ لأنّ المنقول أنّ الآية نزلت في قومٍ بأعيانهم كعبد الله بن أبي ورهطه. وقال الزمخشري: إن كانت أل للجنس كانت "منْ" نكرة موصوفة كقوله: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 23]. وإن كانت للعَهْد كانت موصولة، وكأن قصد مناسبة الجنس للجنس، والعهد للعهد، إلا أن هذا الذي قاله غير لازم، بل يجوز أن تكون "أل" للجنس، وتكون "منْ" موصولة، وللعهد، و "منْ" نكرة موصوفة. وزعم الكِسَائِيّ أنها لا تكون نكرة إلاّ في موضع تختص به النكرة؛ كقوله: [الرمل] شعر : 168- رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظاً صَدْرَهُ لَوْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لَمْ يُطَعْ تفسير : وهذا الذي قاله هو الأكثر، إلا أنها قد جاءت في موضع لا تختصّ به النكرة؛ قال: [الكامل] شعر : 169- فَكَفَى بِنَا فَضْلاً عَلَى مَنْ غَيْرُنَا .......................... تفسير : و "من" تكون موصولة، ونكرة موصوفة كما تقدّم، وشرطية واستفهامية. وهل تقع نكرة غير موصوفة، أو زائدة؟ فيه خلاف. واستدل الكسَائي على زيادتها بقول عنترة: [الكامل] شعر : 170- يَا شَاةَ منْ قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ تفسير : ولا دليل فيه، لجواز أن تكون موصوفة بـ "قَنَصٍ" إما على المبالغة، أو على حذف مضاف، وتصلح للتثنية والجمع والواحد. فالواحد كقوله: {أية : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} تفسير : [الأنعام: 25] والجمع كقوله: {أية : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 42]، والسبب فيه أنه موحّد اللفظ مجموع المعنى. و "مِنْ" في "من الناس" للتبعيض، وقد زعم قومٌ أنها لِلْبَيَانِ وهو غَلَطٌ؛ لعدم تقدم ما يتبين بها. و "النَّاس" اسم جمع لا واحد له من لَفْظِهِ، ويرادفه "أَنَاسِيّ" جمع إنسان أو إنسي، وهو حقيقة في الآدميين، ويطلق على الجِنّ مجازاً. واختلف النحويون في اشتقاقه: فمذهب سيبويه والفراء أن أصله همزة ونون وسين، والأصل: أناس اشتقاقاً من الأُنس، قال: [الطويل] شعر : 171- وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلاَّ لأُنْسِهِ وَلاَ الْقَلْبُ إِلاَّ أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ تفسير : لأنه أنس بـ "حواء". وقيل: بل أنس بربه ثم حذفت الهمزة تخفيفاً؛ يدلّ على ذلك قوله: [الكامل] شعر : 172- إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعْـ ـنَ عَلَى الأُنَاسِ الآمِنِينَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 173- وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 174- وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ تفسير : وذهب الكسائي إلى أنه من "نون وواو وسين" والأصل: "نوس" فقلبت "الواو" "ألفاً" لتحركها، وانفتاح ما قبلها، والنَّوسُ: الحركة. وذهب بعضهم إلى أنه من "نون وسين وياء"، والأصل "نسي"، ثم قلبت "اللام" إلى موضع العين، فصار: "نيس" ثم قلبت "الياء" "ألفاً" لما تقدم في "نوس"، قال: سموا بذلك لنسيانهم؛ ومنه الإنسان لنسيانه؛ قال: [البسيط] شعر : 175- فَإِنْ نَسِيتَ عُهُوداً مِنْكَ سَالِفةً فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ تفسير : ومثله: [الكامل] شعر : 176- لا تَنْسَيَنْ تِلْكَ الْعُهُودَ فَإِنَّمَا سُمِّيتَ إِنْسَاناً لإِنَّكَ نَاسِي تفسير : فوزنه على القول الأول: "عَال"، وعلى الثاني: "فَعَلٌ"، وعلى الثالث: "فَلَعٌ" "بالقَلْبِ". و "يقول": فعل مضارع، وفاعله ضمير عائد على: "من". والقول حقيقةً: اللفظ الموضوعُ لمعنى، ويطلق على اللَّفْظِ الدَّال على النسبة الإسنادية، وعلى الكلام النَّفساني أيضاً، قال تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8]. وتراكيبه السّتة وهي: "القول"، و "اللوق" و "الوقل"، و "القلو"، و "اللّقو"، و "الولق" تدل على الخفّة والسرعة، وإن اختصت بعض هذه المواد بمعانٍ أخر. و "القول" أصل تعديته لواحد نحو: "قُلْتُ خطبة"، وتحكي بعده الجمل، وتكون في محل نصب مفعولاً بها، إلا أن يُضَمَّنَ معنى الظن، فيعمل عمله بشروط عند غير "بني سُلَيْمٍ"؛ كقوله: [الرجز] شعر : 177- مَتَى تقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا يُدْنِينَ أُمَّ قَاسِمٍ وَقَاسِمَا تفسير : وبغير شرط عندهم، كقوله: [الرجز] شعر : 178- قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا هَذَا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا تفسير : و "آمنا" فعل وفاعل، و "بالله" متعلّق به، والجملة في محلّ نصب بالقول، وكررت "الباء" في قوله: "وباليوم"، للمعنى المتقدّم في قوله: {أية : وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7] فإن قيل: الخبر لا بدّ وأن يفيد غير ما أفاد المبتدأ، ومعلوم أنّ الذي يقول كذا هو من الناس لا من غيرهم؟ فالجواب: أنّ هذا تفصيل معنوي، لأنه تقدّم ذكر المؤمنين، ثم ذكر الكَافرين، ثم عقب بذكر المُنافقين، فصار نظير التَّفصيل اللَّفظي، نحو قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ} تفسير : [البقرة: 204]، {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي} تفسير : [لقمان: 6]، فهو في قوّة تفصيل النَّاس إلى مؤمن، وكافر، ومنافق. وأحسن من هذا أن يقال: إنَّ الخبر أفاد التَّبعيض المقصود؛ لأنَّ النَّاس كلهم لم يقولوا ذلك، وهم غير مؤمنين، فصار التقدير: وبعض الناس يقول كَيْتَ وكَيْت. واعلم أن "مَنْ" وأخواتها لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، فإن أريد بها غير ذلك، فَلَكَ أن تراعي لفظها مَرّة، ومعناها أخرى، فتقول: جاء مَنْ قام وقعدوا، والآية الكريمة كذلك روعي اللفظ أولاً فقيل: "من يقول"، والمعنى ثانياً في "آمنا". وقال ابن عطية: حسن ذلك؛ لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلّم من لفظ جمع إلى توحيد. فلو قلت: "ومن الناس من يقومون" وتتكلّم لم يجز. وفي عبارة ابن عطية نظر، وذلك لأنّه منع مِنْ مُرَاعاة اللَّفظ بعد مُرَاعاة المعنى، وذلك جائز، إلا أنَّ مراعاة اللّفظ أولاً أولى، يرد عليه قول الشَّاعر: [الخفيف] شعر : 179- لَسْتُ مِمَّنْ يَكُعُّ أَوْ يَسْتَكِينُو نَ إِذَا كَافَحَتْه خَيْلُ الأَعَادِي تفسير : وقال تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ} تفسير : [الطلاق: 11] إلى أن قال: {أية : خَالِدينَ} تفسير : [الطلاق:11]، فراعى المعنى، ثم قال: {أية : قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً}تفسير : [الطلاق:11]، فراعى اللفظ بعد مُرَاعاة المعنى، وكذا راعى المعنى في قوله: "أو يستكينون"، ثم راعى اللفظ في: "إذا كافحته"، وهذا الحمل جاز فيها في جميع أحوالها، أعني من كونها موصولة وشرطية، واستفهامية. أما إذا كانت موصوفة فقال الشيخ أثير الدين أبو حَيّان: "ليس في محفوظي من كلام العرب مُرَاعاة المعنى يعني فتقول: مررت بمن محسنون لك". و "الآخر" صفة لـ "اليوم"، وهذا مقابل الأوّل، ومعنى اليوم الآخر: أي عن الأوقات المحدودة. ويجوز أن يُرَاد به الوقت الَّذي لا حَدّ له، وهو الأبد القائم الذي لا انقطاع له، والمراد بالآخر: يوم القيامة. "وما هم بمؤمنين" "ما": نافية، ويحتمل أن تكون هي الحِجَازية، فترفع الاسم وتنصب الخبر، فيكون "هم" اسمها، و "بمؤمنين" خبرها، و "الباء" زائدة تأكيداً. وأن تكون التَّمِيْمِيّة، فلا تعمل شيئاً، فيكون "هم" مبتدأ، و "بمؤمنين" الخبر، و "الباء" زائدة أيضاً. وزعم أبو علي الفَارِسِيّ، وتبعه الزمخشري أن "الباء" لا تزاد في خبرها إلاّ إذا كانت عاملة، وهذا مردود بقول الفَرَزْدَقِ، وهو تميمي: [الطويل] شعر : 180- لَعَمْرُكَ مَا مَعْنٌ بِتَارِكِ حَقِّهِ وَلاَ مُنْسِىءٌ مَعْنٌ وَلاَ مُتَيَسِّرُ تفسير : إلا أنّ المختار في "ما" أن تكون حِجَازية؛ لأنه لما سقطت "الباء" صرح بالنصب قال الله تعالى: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} تفسير : [المجادلة: 2] {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً} تفسير : [يوسف: 31]، وأكثر لغة "الحجاز" زيادة الباء في خبرها، حتى زعم بعضهم أنه لم يحفظ النصب في غير القرآن، إلاّ قول الشاعر: [الكامل] شعر : 181- وَأَنَا النَّذِيرُ بِحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ تَصِلُ الْجُيوشُ إِلَيْكُمُ أَقْوَادَهَا أَبْنَاؤُهَا مُتَكَنِّفُونَ أَبَاهُمُ حَنِقُو الصُّدُورِ وَمَا هُمُ أَوْلاَدَهَا تفسير : وأتى الضمير في قوله: {وما هم بمؤمنين} جمعاً اعتباراً للمعنى كما تقدّم في قوله: "آمنا". فإن قيل: لم أتي بخبر "ما" اسم فاعل غير مقيّد بزمان، ولم يؤت بعدها بجملة فعلية حتى يطابق قولهم: "آمنّا": فيقال: وما آمنوا؟ فالجواب: أنه عدل عن ذلك ليفيد أن الإيمان منتف عنهم في جميع الأوقات، فلو أتى به مطابقاً لقولهم: "آمنا" فقال: وما آمنوا لكان يكون نفياً للإيمان في الزمن الماضي فقط، والمراد النَّفي مطلقاً أي: أنهم ليسوا ملتبسين بشيء من الإيمان في وقتٍ من الأوقات. فصل في سبب نزول الآية قال ابن عباس - رضي الله عنه - إنما نزلت في مُنَافقي أَهْلِ الكتاب، كعبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قُشَيْرٍ، وجدّ بن قيس وأصحابهم، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق، ويقولون: إنا لنجد نَعْتَهُ وصفته في كتابنا، ولم يكونوا كذلك إذا خَلاَ بعضهم إلى بعض. فصل في حقيقة النفاق قال ابن الخَطِيْبِ: الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلّص إلا بتقسيم، وهو أنّ أحوال القلب أربعة: وهي أن تعتقد مستنداً لدليل وهو العلم، أو تعتقد لا عن دليل لكن تقليد، أو تعتقد لا عن دليل ولا تقليد وهو الجهل، أو يكون حال القلب عن هذه الأحوال كلها. وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار، والإنكار، والسكوت. فأما الأول: وهو أن يحصل العرفان القلبي، فإما أن ينضم إليه الإقرار باللسان، فإن كان الإقرار اختيارياً، فصاحبه مؤمن حقًّا، بالاتفاق. وإن كان اضطراريًّا فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب لموجب الإقرار. فإن كان منكراً بلسانه عارفاً بقلبه، فهذا الإنكار إنْ كان اضطرارياً كان مسلماً؛ لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106]، وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً. وإن كان عارفاً بقلبه، وكان ساكتاً، فهذا السكوت إن كان اضطرارياً كما إذا خاف ذكره باللسان، فهو مسلم حقًّا، أو كما إذا عرف الله بالدليل، ثم لما تمّم بالنظر مات فهو مؤمن قطعاً؛ لأنه أتى بما كلف به، ولم يجد زَمَانَ الإقرار، فكان معذوراً فيه، وإن كان السّكوت اختيارياً، فهذا محل البحث، فميل الغَزَالي إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه الصَّلاة والسلام: "حديث : يَخْرُجُ من النَّار من كَانَ في قَلْبِهِ ذرّةٌ من الإيمان"تفسير : وهذا قلبه مملوء من نور الإيمان، فكيف لا يخرج من النار؟ النوع الثاني: أن يحصل في القلْبِ الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار باللسان، أو الإنكار أو السكوت. فإن وجد مع التّقليد الإقرار باللسان، فإن كان اختياراً فهي المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟ وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فهاهنا لا كلام، وإن حكمنا هُنَاك بالإيمان وجب أنْ يحكم هاهنا بالنِّفَاق؟ لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً، فمات يكون منافقاً عند التقليد. فإن حصل الاعتقاد والتقليد مع الإنكار اللساني، فهذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شَكّ في الكفر، وإن كان اضطرارياً، وحكمنا بإيمان المُقَلّد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصُّورة. فإن حصل الاعتِقَادُ التقليدي مع السُّكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً فحكمه حكم القسم الثَّالث مع النَّوْعِ الأوّل إذا حكمنا بإيمان المُقَلّد. النوع الثَّالث: اعتقاد الجَاهِل، فإما أن يوجد معه الإقرار اللِّسَاني، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المُنَافق، وإن كان اختيارياً مثل أن يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم، ثم بالاختيار أقرّ باللسان أن العالم مُحْدَث، وهذا غير مستبعدٍ، فهذا أيضاً من النفاق. النوع الرابع: القَلْبُ الخالي عن جميع الاعتقادات، وهذا إما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار، أو السكوت. فإن وجد الإقرار، فإن كان الإقرار اختيارياً، فإن كان صاحبه في مُهْلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري هل هو صَادق فيه أم لا؟ وإن كان لا في مُهْلة النظر، ففيه نظر. وإن كان الإقرار اضطرارياً لم يكفر صاحبه؛ لأن توقّفه إذا كان في مُهْلة النظر، وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً. فإن كان مع القَلْب الخالي الإنكار باللِّسَان، فحكمه على العكس من حكم القِسْمِ العاشر. فإن حصل مع القلب الخالي السُّكوت، فهذا إن كان في مُهْلة النظر، فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مُهْلة النظر وجب تكفيره، ولا يحكم عليه بالنِّفَاق ألبتة. فصل في بيان أقبح الكفر اختلفوا في أنّ كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المُنَافق؟ قال قوم: كفر الأصلي أقبح؛ لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان. وقال آخرون: بل المنافق أيضاً كاذبٌ باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14]، وقال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة: أحدها: أنه قصد التَّلبيس، والكافر الأصلي ما قصد ذلك. وثانيها: أنّ الكافر على طبع الرجال، والمُنَافق على طبع الخُنُوثة. وثالثها: أنَّ الكافر ما رضي لنفسه بالكذب، ولم يرض إلاَّ بالصدق، والمنافق رضي بذلك. ورابعها: أنَّ المنافق ضمّ إلى كفره الاستهزاء، بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء: 145]. وخامسها: قال كجاهد: إنه - تعالى - ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثَنّى بذكر الكفار في آيتين، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وذلك يدلّ على أنَّ المُنَافق أعظم جرماً، وفي هذا نظر [لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم] لأنه قد يكون عظم جرمهم لضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي، كالمُخَادعة والاستهزاء، وطلب الغَوَائل وغير ذلك، ويمكن أن يُجَاب بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدلُّ على أنَّ الاهتمام بدفع شرهم أشدُّ من الاهتمام بِدَفْعِ شرّ الكُفار، وذلك يدلّ على أنهم أعظم جرماً من الكفار، والله أعلم. فصل في ادعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر ذكر ابن الخطيب هنا سؤالاً وهو: أنّ المنافقين كانوا مؤمنين بالله، واليوم الآخر، ولكنهم كانوا منكرين نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فلم كذبوا في ادّعائهم الإيمان بالله، واليوم الآخر؟ وأجاب فقال: إن حملنا الآية على مُنَافقي المشركين فلا إشكال؛ لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله، ومنكرين البعث والنشور. وإن حملناها على مُنَافقي أهل الكتاب - وهم اليهود - فإنما كذبهم الله - تعالى - لأن إيمان اليَهُود بالله ليس بإيمان؛ لأنّهم يعتقدونه جسماً، وقالوا: عزيرٌ ابن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا: آمنّا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً؛ لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللِّسَان يوهمون المسلمين بقولهم: إنا آمنا بالله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله - تعالى - فيه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم. وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس. أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها. هي في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود، ومن المنافقين من الأوس والخزرج. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} قال: المراد بهذه الآية المنافقون. وأخرج عبد الرزاق وابن جريرعن قتادة في قوله {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} حتى بلغ {وما كانوا مهتدين} قال: هذه في المنافقين. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ومن الناس من يقول آمنا بالله} الآية. قال: هذا نعت المنافق. نعت عبداً خائن السريرة، كثير الأخلاف، يعرف بلسانه، وينكر بقلبه، ويصدق بلسانه، ويخالف بعمله، ويصبح على حال، ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كلما هبت ريح هب فيها. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}. وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: كان محمد يتلو هذه الآية عند ذكر الحجاج ويقول : أنا لغير ذلك أخوف {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} . وأخرج ابن سعد عن أبي يحيى قال سأل رجل حذيفة وأنا عنده فقال: ما النفاق؟ قال: أن تتكلم باللسان، ولا تعمل به.

ابو السعود

تفسير : [علامات المنافقين] {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} شروع في بـيان أن بعضَ من حُكيتْ أحوالُهم السالفة ليسوا بمقتصِرين على ما ذكر من محض الإصرارِ على الكفر والعناد، بل يضُمّون إليه فنوناً أُخَرَ من الشر والفساد، وتعديدٌ لجناياتهم الشنيعةِ المستتبعة لأحوال هائلةٍ عاجلة وآجلة، وأصلُ ناسٍ أُناسٌ، كما يشهد له إنسانٌ وأناسيُّ وإنسٌ، حُذفت همزته تخفيفاً كما قيل: لوقة في ألوقة، وعُوّض عنها حرفُ التعريف، ولذلك لا يُكاد يُجمع بـينهما، وأما في قوله: [مجزوء الكامل] شعر : إن المنايا يطَّلِعْـ ـنَ على الأُناسِ الآمنينا تفسير : فشاذ، سموا بذلك لظهورهم وتعلُّقِ الإيناسِ بهم كما سُمّي الجنُ جناً لاجتنانهم. وذهب بعضُهم إلى أن أصلَه النَّوَسُ وهو الحركة، انقلبت واوه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وبعضُهم إلى أنه مأخوذ من نِسيَ، نقلت لامه إلى موضع العين فصار نَيَساً، ثم قلبت ألفاً، سُمّوا بذلك لنسيانهم، ويُروى عن ابن عباس أنه قال: سُمي الإنسانُ إنساناً لأنه عُهد إليه فنِسي، واللام فيه إما للعهد، أو للجنس المقصور على المُصرّين حسبما ذكر في الموصول، كأنه قيل: ومنهم أو من أولئك، والعدولُ إلى الناس للإيذان بكثرتهم، كما ينبىء عنه التبعيضُ، ومحلُ الظرف الرفعُ على أنه مبتدأ باعتبار مضمونِه، أو نعتٌ لمبتدإٍ، كما في قوله عز وجل: {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } تفسير : [الجن، الآية 11] أي وجمعٌ منا الخ، ومن في قوله تعالى: {مَن يِقُولُ} موصولة أو موصوفة، ومحلُها الرفعُ على الخبرية، والمعنى وبعضُ الناس، أو وبعضٌ من الناس الذي يقول، كقوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ } تفسير : [التوبة، الآية 61] الآية، أو فريق يقول، كقوله تعالى: {أية : مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ } تفسير : [الأحزاب، الآية 23] الخ، على أن يكون مناطُ الإفادةِ والمقصودُ بالأصالة اتصافُهم بما في حيز الصلة أو الصفة، وما يتعلق به من الصفات جميعاً، لا كونُهم ذواتِ أولئك المذكورين. وأما جعلُ الظرف خبراً كما هو الشائعُ في موارد الاستعمال فيأباه جزالةُ المعنى، لأن كونَهم من الناس ظاهرٌ، فالإخبارُ به عارٍ عن الفائدة كما قيل، فإن مبناه توهمُ كونِ المرادِ بالناس الجنسَ مطلقاً، وكذا مدارُ الجواب عنه بأن الفائدةَ هو التنبـيهُ على أن الصفاتِ المذكورةَ تنافي الإنسانية، فحقُّ من يتصفُ بها ألا يُعلمَ كونُه من الناس، فيُخبَرَ به ويُتعجَّبَ منه، وأنت خبـير بأن الناسَ عبارة عن المعهودين، أو عن الجنس المقصور على المصرّين، وأياً ما كان فالفائدةُ ظاهرة، بل لأن خبريةَ الظرف تستدعي أن يكون اتصافُ هؤلاء بتلك الصفاتِ القبـيحةِ المفصَّلة في ثلاثَ عشْرةَ آيةٍ عنواناً للموضوع مفروغاً عنه، غيرَ مقصودٍ بالذات، ويكونُ مناطَ الإفادة كونُهم من أولئك المذكورين، ولا ريب لأحدٍ في أنه يجب حملُ النظم الجليلِ على أجزلِ المعاني وأكملِها، وتوحيدُ الضمير في (يقول) باعتبار لفظةِ (مَن)، وجمعُه في قوله: {آمنا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ} وما بعده باعتبار معناها، والمرادُ باليوم الآخِرِ من وقت الحشرِ إلى ما لا يتناهىٰ، أو إلى أن يدخُلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النارَ، إذ لا حدَّ وراءه، وتخصيصُهم للإيمان بهما بالذكر مع تكرير الباءِ لادعاء أنهم قد حازوا الإيمانَ من قُطريه، وأحاطوا به من طرفيه، وأنهم قد آمنوا بكلَ منهما على الأصالة والاستحكام، وقد دسوا تحته ما هم عليه من العقائد الفاسدة حيث لم يكن إيمانُهم بواحد منهما إيماناً في الحقيقة، إذ كانوا مشركين بالله بقولهم: {أية : عُزَيرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة، الآية 30] وجاحدين باليوم الآخر بقولهم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة، الآية 80] ونحو ذلك، وحكايةُ عبارتهم لبـيان كمالِ خبثهم ودعارتِهم، فإن ما قالوا لو صدر عنهم لا على وجه الخِداعِ والنفاقِ وعقيدتُهم عقيدتُهم لم يكن ذلك إيماناً، فكيف وهم يقولونه تمويهاً على المؤمنين واستهزاءً بهم {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} ردٌّ لما ادعَوْه ونفيٌ لما انتحلوه. وما حجازية، فإن جوازَ دخولِ الباء في خبرها لتأكيد النفي اتفاقيٌّ بخلاف التميمية، وإيثارُ الجملة الاسميةِ على الفعلية الموافقةِ لدعواهم المردودةِ للمبالغة في الرد بإفادة انتفاءِ الإيمانِ عنهم في جميع الأزمنة لا في الماضي فقط كما يفيده الفعلية. ولا يُتوهمَن أن الجملة الاسمية الإيجابـية تفيد دوام الثبوت، فعند دخول النفي عليها يتعين الدلالة على نفي الدوام، فإنها بمعونة المقام تدل على دوام النفي قطعاً، كما أن المضارع الخاليَ عن حرف الامتناع يدل على استمرار الوجود وعند دخول حرف الامتناع عليه يدل على استمرار الامتناع، لا على امتناع الاستمرار، كما في قوله عز وجل: {أية : وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } تفسير : [يونس، الآية 11] فإن عدم قضاءِ الأجل لاستمرار عدم التعجيل لا لعدم استمرارِ التعجيل، وإطلاقُ الإيمان عما قيدوه به للإيذان بأنهم ليسوا من جنس الإيمان في شيء أصلاً، فضلاً عن الإيمان بما ذكروا، وقد جُوِّز أن يكون المراد ذلك، ويكون الإطلاق للظهور، ومدلولُ الآية الكريمة أن من أظهر الإيمان، واعتقادُه بخلافه، لا يكون مؤمناً، فلا حجة فيها على الكرامية القائلين بأن من تفوّه بكلمتي الشهادة - فارغَ القلب عما يوافقه أو ينافيه مؤمنٌ.

السلمي

تفسير : قيل فيه: إن الناس اسم جنس واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء. وقال بعضهم: ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولاً وفعلاً لكن الإيمان جرى السعادة فى سابق الأزل وأما ظهورها على الهياكل فربما تكون عوارى وربما تكون حقائق.

القشيري

تفسير : ثبتوا على نفاقهم، ودأبوا على أن يلبِّسوا على المسلمين، فهتَكَ الله أستارهم بقوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} كذا قيل: شعر : من تحلى بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يَدَّعِيه تفسير : ولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع الذي توهموه فيها، لأنه تعالى قال: {أية : إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}تفسير : [النساء: 145] ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم. ويقال لما عَدِموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال، فإن الله تعالى قال: {أية : واللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1] فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول الله، وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق في الحال، وقيل: شعر : أيها المدعي سليمى هواها لستَ منها ولا قلامة ظفر إنما أنت في هواها كواوٍ أُلْصِقت في الهجاء ظلماً بعمرو

البقلي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} هؤلاء اهل الدعاوى الذين يزينون فلَو اهرم بشعار المخلصين ويَخرُبُون بواطنهم بسوء اخلاق المنافقين كلامهم كلام الصّديقين وانفعالهم افعال المكذبين وقيل ان الناس اسم جنسٍ واسم الجنس لا تخاطب به الاولياء وقال بعضهم ليس الايمان ما يتزّين العبيد قوةً وفعلاً لكن الايمان جرى السّعادة فس سابق الازل وامّا ظهورها على الهياكل فربّما يكون عوارث وربّما يكون حقائُق {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا} اي يخادعون اولياء الله مِنْ حيث اقرار الايمان بالقلوب واخفاء التداهُن في النفوس {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} حين لا يعلمون تفرسَ اهل الولاية فيفتضحون عندهم واما خدعهم مع اهل الايمان من حيث الظواهر قولاً وفعلاً ودَسَايسهم في البواطن حِقْداً وبعداً وايضاً يخادعون الله بالفراء والذين امنوا بالاقرار وقال بعض العراقين الخداع والمكر تنبيه من جهة شهود السعايات والاتلفات الى الطاعات كي لايعتقد فيها بانها اسباب الوصول الحق كلا {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} اي دعونه تَشْغّلُها قبول الحق وتلهّيها بقبول الحق وايضاً اي غفلة عن ذكر العقبى وهمة مشغولة تجب الدّنيا {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} بتَّبعيدهم من قربه وتشغيلهم عن ذكره وقيل في قلوبهم مرض بخلوها من العصر والتوفيق والرعاية وقال بعضهم بميلهم الى نفوسهم وتعظيم طاعتهم عندهم ومن مال الى شيء عَمَى عن غيبة فزادهم الله مرضاً بان حَسَّن عندهم قبائح فتخذوا بها وقال سهل المرض الرياءُ والعجب وقله الاخلاص وذلك مرض لا يداوى الا بالجوع والتقطع وقال ايضاً مرضٌ بقلة المعرفة بنعم الله تعالى والقعود عن القيام بكشرها والغفلة عنها وهذا مرضٌ القلب الذي ربُما يتعدى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} اي لا تنكروا اولياء الله ولا تشوّشوا قلوبَ المريدين بغيبة شيوخهم عندهم ولا تلقوهم الى تهلكة الفراق وقنطرة النفاق وايضاً الا تخربوا مزارعَ الايمان في قلوبكم بالركون الى الدّنيا ولذاتها امّا قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فاوقَعَهم الله في شر الاستدراج وحجَبَهم عن اصلاح المنهاج فُرادا مسَاويَهم المحاسِن فاحتجبوا عن المعنى وخرجوا بالدّعوى ويحسبون انهم صنعا في ترك نصيحة العلماء ومصَادقة الاولياء وهذا معنى قوله في {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} وقيل هم المفسدون بعصيان الناصحين لهم ولكن لا يشعرون لانّهم محجوبون عن طريق الانابة والهداية.

اسماعيل حقي

تفسير : {من الناس} لما افتتح سبحانه وتعالى كتابه بشرح حاله وساق لبيانه ذكر الذين اخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم وثنى باضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين وهم الذين آمنوا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم وهم اى المنافقون اخبث الكفرة وابغضهم الى الله لانهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعا واستهزاء ولذلك طول فى بيان خبثهم. قال القاشانى الاقتصار فى وصف الكفار المصرين المطبوع على قلوبهم على آيتين والاطناب فى وصف المنافقين فى ثلاث عشرة آية للاضراب عن اولئك صفحا اذ لا ينجع فيهم الكلام ولا يجدى عليهم الخطاب واما المنافقون فقد ينجع فيهم التوبيخ والتعبير وعسى ان يرتدعوا بالتشنيع عليهم وتفظيع شأنهم وسيرتهم وتهجير عادتهم وخبث نيتهم وسريرتهم وينتهوا بقبيح صورة حالهم وتفضيحهم بالتمثيل بهم وبطريقتهم فتلين قلوبهم وتنقاد نفوسهم وتزكى بواطنهم وتمضحل رذائلهم فيرجعون عما هم عليه ويصيرون من المستثنى فى قوله تعالى {أية : إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت لله المؤمنين أجرا عظيما}تفسير : [النساء: 146]. والناس اسم جمع للانسان سمى به لانه عهد اليه فنسى قال تعالى {أية : ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما}تفسير : [طه: 115]. ولذلك جاء فى تفسير قوله تعالى {أية : إن الإنسان لربه لكنود}تفسير : [العاديات: 6] اى نساء للنعم ذكار للمحن وقيل لظهوره من آنس اى ابصر لانهم ظاهرون مبصرون ولذلك سموا بشرا كما سمى الجن جنا لاجتنانهم اى استتارهم عن اعين الناس وقيل هو من الانس الذى هو ضد الوحشة لانهم يستأنسون بامثالهم او يستأنس ارواحهم بابدانهم وابدانهم بارواحهم واللام فيه للجنس ومن فى قوله {من يقول} موصوفة اذ لا عهد فكأنه قال ومن الناس ناس يقولون اى يقرون باللسان والقول هو التلفظ بما يفيد ويقال بمعنى المقول وللمعنى المتصور فى النفس المعبرعنه باللفظ وللرأى وللمذهب مجازا ووحد الضمير فى يقول باعتبار لفظ من وجمعه فى قوله {آمنا} وقوله {وما هم} باعتبار معناها لان كلمة من تصلح للواحد والجمع او اللام فيه للعهد والمعهود هم الذين كفروا ومن موصولة مراد بها عبد الله بن ابى بن سلول واصحابه ونظراؤه من المنافقين حيث اظهروا كلمة الاسلام ليسلموا من النى عليه السلام واصحابه واعتقدوا خلافها واكثرهم من اليهود فانهم من حيث انهم صمموا على النفاق دخلوا فى عداد الكفار المختوم على قلوبهم واختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس فان الاجناس انما تتنوع بزيادات يختلف فيها ابعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيما للقسم الثانى {آمنا بالله} اى صدقنا بالله {وباليوم الآخر} والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر الى ما لا ينتاهى اى الوقت الدائم الذى هو آخر الاوقات المنقضية والمراد به البعث او الى ان يدخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار لانه آخر الايام المحدودة اذ لا حد وراءه وسمى بالآخر لتأخره عن الدنيا وتخصيصهم للايمان بهما بالذكر له ادعاء انهم قد حازوا الايمان من قطريه واحاطوا به من طرفيه وايذان بانهم منافقون فيما يظنون فيه فكيف بما يقصدون به النفاق لان القوم كانوا يهودا وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر ايمانا كلا ايمان لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد وان الجنة لا يدخلها غيرهم وان النار لن تمسهم الا أياماً معدودة وغيرها ويرون المؤمنين انهم آمنوا مثل ايمانهم وحكاية عبارتهم لبيان كمال خبثهم فان ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن ذلك ايمانا فكيف وهم يقولونه تمويها على المسلمين واستهزاء بهم فكان خبثا الى خبث وكفرا الى كفر {وما هم بمؤمنين} ما نائبة عن ليس ولهذا عقب بالباء اى ليسوا بمصدقين لانهم يضمرون خلاف ما يظهرون بل هم منافقون وفى الحكم عليهم بانهم ليسوا بمؤمنين نفى ما ادعوه على سبيل البت والقطع لانه نفى اصل الايمان منهم بادخال الباء فى خبر ما ولذا لم يقل وما هم من المؤمنين فان الاول ابلغ من الثانى. دلت الآية على ان الدعوى مردودة اذا لم يقم عليها دلائل الصحة قال قائلهم من تحلى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدعيه فان من مدح نفسه ذم ومن ذم نفسه مدح قالوا فرعون عليه لعنات الله {أية : وانا من المسلمين}تفسير : [يونس:90] فقيل وكنت من المفسدين وقال يونس عليه السلام {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين}تفسير : [الأنبياء: 87] فقيل له{أية : فلولا انه كان من المسبحين}تفسير : [الصافات: 143] قال الحافظ قدس سره شعر : خوش بود كر محك تجربه آيد بميان تاسيه روى شود هركه دروغش باشد تفسير : - حكى - ان شيخا كان له تلميذ يدعى انه امين والشيخ يعلم منه خلاف ذلك وهو يرد على الشيخ فى ذلك ويدعى الامانة ويطلب منه ان يكشف له سرا من اسرار الله تعالى فاخذ الشيخ يوما تلميذا من اصحابه وخبأه فى بيت وعمد الى كبش فذبحه والقاه فى عدل ودخل ذلك التلميذ المدعى فرأى الشيخ ملطخا بالدماء والعدل امامه والسكين فى يده فقال له يا سيدى ما شأنك فقال له غاظنى فلان يعنى ذلك التلميذ فقتلته يعنى التلميذ يعنى بقتله مخالفة هواه حتى لا يكذب الشيخ فتخيل التلميذ انه فى العدل فقال الشيخ هذه امانة فاستر على وادفن معى هذا المذبوح الذى فى هذا العدل فدفنه معه فى الدار وقصد الشيخ نكاية ذلك التلميذ وان يفعل معه ما يخرجه وجاء ابو ذلك المخبوء يطلب ابنه فقال له الشيخ هو عندى فمضى الرجل فلما كبر على الرجل نكاية الشيخ مشى الى والد ذلك المخبوء وأخبره ان الشيخ قتله ودفنه معه ورفع ذلك الى السلطان فتوقف السلطان فى ذلك الامر لما يعرفه من جلالة الشيخ وبعث اليه بالقاضى والفقهاء واخذ ذلك التلميذ يسب الشيخ ووقف الشهود حتى حضروا الى العدل فعاينوا الكبش وخرج التلميذ المخبوء وافتضح وندم حيث لا ينفعه الندم كذا فى الرسالة المسماة بالامر المحكم المربوط فيما يلزم اهل طريق الله من الشروط للشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فظهر من هذا ان الاسرار لا توهب الا للامناء والانوار لا تفيض الا على الادباء: قال الحافظ قدس سره شعر : -حديث دوست نكويم مكر بحضرت دوست كه آشنا سخن آشنانكه دارد تفسير : وفى التأويلات النجمية {ومن الناس} هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم {من يقول آمنا بالله} يقولون بافواههم ما ليس فى قلوبهم فان الايمان الحقيقى ما يكون من نور الله الذى يقذفه الله فى قلوب خواصه {وباليوم الآخر} اى بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به فمن لم ينظر بنور الله فلا يكون مشاهدا لعالم الغيب فلا يعلم الغيب فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر ولهذا قال {وما هم بمؤمنين} اى بالذين يؤمنون من نور الله تعالى وفيه معنى آخر وما هم بمستعدين للهداية الى الايمان الحقيقى لانهم فى غاية الغفلة والخذلان انتهى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {من} موصوفة مبتدأ، والخبر مقدم، أي: ومن الناس ناس يقولون كذا، والمخادعة: إظهار خلاف ما يخفي من المكروه، وأصل الخدع: الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع. وقيل: الفساد لأن المنافقين يفسدون إيمانهم بما يُخْفُون، وجملة {وما يشعرون} حالية، أي: غير شاعرين، والشعور: التفطن، وفعله من باب كَرُمَ ونَصَرَ. وليت شعري: أي: ليت فطنتي تدرك هذا، وجملة {في قلوبهم مرض} تعليلية للمخادعة، والمرض: الضعف والفتور، وهو هنا مرض القلوب بالشك والنفاق. والعياذ بالله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ} مَن هم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود والمنافقين، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يقولون: {آمَنَّا بِاللَّهِ وبِاليَومِ الآخِر} وما هُم في عداد المؤمنين، {يُخَادِعُونَ} بزعمهم {اللَّهَ وّالَّذينَ آمَنُوا} بما يظهرون من الإيمان، {وَمَا يَخْدَعُونَ} في الحقيقة {إلاَّ أَنفُسَهُمْ}؛ لأن وبال خداعهم راجع إليهم، {وَمَا يَشْعُرُونَ} أن خداعهم وبال عليهم، وإنما حصلت لهم هذه المخادعة لأن {في قُلُوبِهِم} مرضاً من الشك والحسد، فقلوبهم مذبذبة، وأنفسهم مغمومة، {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} على مرضهم بما ينزل عليهم من الآيات التي تفضحهم، {وَلَهُمْ} في الآخرة - إذا قدموا على الله - {عَذَابٌ} موجع بسبب تكذيبهم رسول الله أو كذبهم على الله. هذا مُضَمَّنُ الآية. افتتح الحق - جلّ جلاله - بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة؛ لأنهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعاً، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. الإشارة: ومن الناس مَن يترامى بالدعوى على الخصوصية، ويدعي تحقيق مشاهدة الربوبية، وهو في الدرك الأسفل من العمومية، يظهر خلوص الإيمان وتحقيق العرفان، وهو في أودية الشكوك والخواطر حيران، وفي فيافي القطيعة والفَرْقِ ظمآن، لسانه منطلق بالدعوى، وقلبه خارب من الهدي، يخادع الله بالرضا عن عيوبه ومساوئه، ويخادع المسلمين بتزيين ظاهره، وباطنه معمور بحظوظه ومهاويه، يتزيى بِزِيِّ العارفين ويتعامل معاملة الجاهلين، ويصدق عليه قول القائل: شعر : أمَّا الخِيَامُ فَإنَّها كخِيَامهمْ وأَرَى نِسَاءَ الحيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا تفسير : وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه، حيث حرمها الوصول، وتركها في أودية الأكوان تجول، قلبه بمرض الفرق والقطعية سقيم، وهو يظن أنه في عداد مَن يأتي الله بقلب سليم، فزاده الله مرضاً على مرضه حيث رضي بسقمه وعيبه، وله عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على الله، وإنكاره على أولياء الله، فجزاؤه البعد والخذلان، وسوء العاقبة والحرمان، عائذاً بالله من المكر والطغيان.

الطوسي

تفسير : التفسير: (من) لفظ يخبر به عن الواحد من العقلاء، واثنين وجماعة فلما قال: {وما هم بمؤمنين} دل على أنه أراد الجمع وانما قال: {يقول} بلفظ الواحد حملا له على اللفظ قال الشاعر: شعر : نكن مثل مَنْ يا ذئب يصطحبان تفسير : وقيل في معنى الناس وجهان: أحدهما ـ أن يكون جمعاً لا واحد له من لفظه واحدهم إنسان والانثى انسانة والثاني ـ أن أصله: أناس فاسقطت الهمزة منها لكثرة الاستعمال اذا دخلها الألف واللام للتعريف ثم أدغمت لام التعريف في النون كما قيل: {لكنا هو الله} واصله: لكن انا. وقال بعضهم: ان الناس لغة غير اناس، وإلا لقيل في التصغير: انيس رداً إلى اصله. واشتقاقه من النوْس: وهو الحركة ناس ينوس نوساً: اذا تحرك والنوس: تذبذب الشيء في الهواء، ومنه نوس القرط في الاذن لكثرة حركته. ولا خلاف بين المفسرين ان هذه الآية وما بعدها نزلت في قوم من المنافقين من الأوس والخزرج وغيرهم، روي ذلك عن ابن عباس وذكر اسماءهم ولا فائدة في ذكرها. وكذلك ما بعدها إلى قوله: {وما كانوا مهتدين} كلها في صفه هؤلاء المنافقين. والمنافق هو الذي يظهر الاسلام بلسانه وينكره بقلبه. واليوم الآخر هو يوم القيامة وانما سمي يوم القيامة اليوم الآخر لأنه يوم لا يوم بعده سواه. وقيل: لأنه بعد ايام الدنيا واول ايام الآخرة. فان قيل: كيف لا يكون بعده يوم ولا انقطاع للاخرة ولا فناء؟ قيل: اليوم في الآخره سمي يوماً بليلته التي قبله فاذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم يوماً فيوم القيامة يوم لا ليل بعده فلذلك سماه اليوم الآخر. وانما قال: {وما هم بمؤمنين} مع قوله: {.. من يقول آمنا بالله} تكذيباً لهم فيما اخبروا عن اعتقادهم من الايمان والاقرار بالبعث والنبوة فبين ان ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم وذلك يدل على ان الايمان لا يكون مجرد القول على ما قالته الكرامية. {يقول} من القول ومنه: تقوّل اذا تخرص القول واقتال فهو مقيال: اذا أخذ نفعاً إلى نفسه بالقول أو دفع به ضرراً عنها والمَقوَل اللسان يُقَوّله تقويلا اذا طالبه باظهار القول.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : اتّفق المفسرون على أن ذلك وصفُ المنافقين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. واعلم أنّ الناس بحسب العاقبة، ستّة أصناف، لأنّهم إمّا سُعداءٌ؛ وهم أصحاب اليمين، وإما أشقياء وهم أصحاب الشمال، وإمّا السابقون المقرّبون. قال الله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} تفسير : [الواقعة:7]. الآيات. وأصحاب الشمال: إما المطرودون الذين حقّ عليهم القول، وهم أهل الظُّلمة والحجاب الكلّي، المختوم على قلوبهم أزلاً كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} تفسير : [الأعراف:179]، الآية. وفي الحديث الإلٰهي الربّاني المتّفق عليه نقلاً: حديث : هؤلاء خلقتهم للنار ولا أبالي . تفسير : وأما المنافقون الذين كانوا مستعدّين بحسب الفطرة، قابلين للنور في الأصل والنشأة، لكن احتجبت قلوبُهم بالرَّيْن المستفاد من اكتساب الرذائل، وارتكاب المعاصي، ومباشرة الأعمال البهيميّة والسَّبُعية، ومزاولة المكائدة الشيطانيّة، حتى رسخت الهيئات الغاسقة والملكات المظلمة في نفوسهم، وارتكمت على أفئدتهم، فبقوا شاكّين حيارىٰ تائهين، قد حبطت أعمالهم، وانتكست رؤوسهم، فهم أشدّ عذاباً وأسوأ حالاً من الفريق الأوّل، لمنافاة مسكة استعدادهم لحالهم، والفريقان هم أهل الدنيا. وأصحاب اليمين، إمّا أهل الفضل والثواب، الذين آمَنوا وعملوا الصالحات للجنّة، راجين لها راضين بها، فوجَدُوا ما عملُوا حَاضِراً على تفاوت درجاتهم ممّا عملوا. ومنهم أهل الرحمة، الباقون على سلامة نفوسهم وصفاء قلوبهم، المتبوّئون درجات الجنّة على حسب استعداداتهم من فضل ربّهم، لا على حسب كمالاتهم من ميراث عملهم. وإما أهل العفو، الذين خلَطُوا عَمَلاً صالحاً وآخرَ سّيئاً، وهما قسمان: المعفوّ عنهم رأساً لقوّة اعتقادهم، وعدم رسوخ سيّئاتهم لقلّة مزوالتهم ايّاها، أو لمكان توبتهم عنها: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} تفسير : [الفرقان:70]. والمعذَّبون حيناً بحسب ما رسَخ فيهم من المعاصي، حتّى خلَصوا عن درنِ ما كسَبوا فنجَوا، وهم أهل العدل والعقاب، والذين ظلَموا مِنْ هؤلاءِ سَيصُيبُهمْ سيّئات ما كسَبوا، لكن الرحمة تتداركهم وتنالهم بالآخرة. والسابقون وهم العرفاء بالله واليوم الآخر خاصّة امّا محبّون وإمّا محبوبون، فالمحبّون؛ هم الذين جاهَدوا في الله حقّ جهاده، وأنابوا اليه حقّ إنابته، فهداهم سبله. والمحبوبون؛ هم أهل العناية الأزليّة، الذين اجتباهم وهداهم الى صراطٍ مستقيم. والصنفان هما أهل الله ومآلهما واحد، لأنّ أهل المحبّة الخاصّة ينجرّ سلوكهم بالأخرة الى الجذبة، ولهذا جعلناهما في التقسيم قسماً واحداً. اذا علمت هذا، فاعلم أن الله سبحانه لما افتتح بشرح حال الكتاب، وأشار الى أنّه منزَل من عالَم الكرامة والغيب، مشتملٌ على العلوم التي لا تعتريها وصمةُ شكّ وريب، وموجب للهداية لمن وفّق له بالتقوى، وساقَ لبيانه ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبُهم ألسنتهم، واندرج فيهم الأقسام الخمسة، سوى الفريقين اللذين هما من قسم الأشقياء. فإنّ القرآن ليس هدىً للفريق الأول من الأشقياء، لامتناع قبولهم للهداية، لعدم استعدادهم، ولا للثاني، لزوال استعدادهم، ومسخهم وطمسهم بالكليّة لفساد اعتقادهم، فهما جميعاً أهل الخلود في النار. ولفظ "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ"، وإن عمّ الأصناف الخمسة - لأنّ المراد بهم في هذا الموضع هم المستعدّون الذين بقَوا على فطرتهم الأصليّة، واجتنبوا رَيْن الشرك والشكّ لصفاء قلوبهم وبقاء نورهم الفطري فلم ينقضوا عهد الله في الميثاق، فلهم نصيبٌ من القرآن كلٌّ بوجهٍ - إلا أنّه تعالى خصّ بالإشارة صنفين منهم الى أحوالهما، لمزيد منزلتهما وحالهما. أحدهما: أهل الفضل والثواب من أصحاب اليمين المشار إليهم بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة:3]. والثاني: السابقون المقرّبون، المشار اليهم بقوله: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة:4]، فقد علم من أحوالهم أنّهم من أهل الرسوخ العلمي. ولمّا ذكَر المؤمنين بقسيمه - أي العاملين والعالمين - ثنّاهم بأضدادهم الذين محَضوا الكفر لساناً وضميراً، ظاهراً وباطناً، ولم يلتفتوا لغة الايمان رأساً بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البقرة:6] -الآيتين. وهم الفريق الأول من الأشقياء، الذين هم أهل القهر الإلٰهي، لا ينجع فيهم الإنذار، ولا ينفع لهم التذكار، ولا خلاص لأحدهم من النار، {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس:33]. {أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} تفسير : [غافر:6]. سُدّت عليهم الطُّرق، وأغلقت عليهم الأبواب، إذ القلب هو المشعر الإلهي الذي هو محلٌّ الإلهام، ومنزِلُ الكرامة، فحُجبوا عنه بختمه. والسمع والبصر هما مشعران للإنسان، اللذان هما بابا الفهم والاعتبار، فحُرموا عن جدواهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما الى القلب، فلا سبيل لهم في الباطن القلبي الى عالَم العلم الإلٰهي الكشفي، ولا في الظاهر السمعيّ والبصري الى الباطن القلبي والعلم التعليمي الكسبي. فحبسوا في سجون الظلمات، وحبوس التعلّقات، وقيود الجحيم والسلاسل والأغلال، والعذاب المقيم، فما أشدّ عذابهم. ولمّا ذكر تعالى أوصاف القسمين، أعني المؤمنين والكافرين مطلقاً، ثلّث بذكر القِسم الثالث، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبُهم، تكميلاً للتقسيم، وهم أخبثُ قلباً من الكفَرة، وأبغضهم الى الله لأنّهم موّهوا الكفْر بالإيمان، فخلطوا به خداعاً واستهزاءً، ولذلك طوّلَ في بيان خُبثهم وجهلهم واستهزائهم، وتهكَّم بأفعالهم، وسجلَ على عمههم وطغيانِهم، وضرب فيهم الأمثال وأنزل فيهم: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء:145] لأنّهم مع ادعائهم للإيمان بقولهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} سلب عنهم الايمان وما هم بمؤمنين. لأنّ حقيقته العلم بحقائق الأمور الإلٰهيّة، ومحلّه هو القلب لا اللسان: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات:14]. ومعنى قولهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ادعاؤهم لعلمَي التوحيد والمعاد للذين هما أصل الدين وأساسه، أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحقّ، ولا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين والمعاد، لأن اعتقاد أهل الكتاب ليس مطابقاً للحقّ والصواب. واعلم أنّ الكفر هو الاحتجاب كما مرّ، والاجتجاب إمّا عن الحقّ، فهو كما للمشركين، وإمّا عن الدين، كما لأهل الكتاب، والمحجوب عن الحق محجوبٌ عن الدين الذي هو طريق الوصول اليه بالضرورة. وأمّا المحجوب عن الدين، فقد لا يحجب عن الحقّ، فهؤلاء ادّعوا رفع الحجابين، فكذّبوا بسلب الإيمان عن ذواتهم لمخادعتهم لله وأوليائه، ومُماكرتهم وزيادة المرض في قلوبهم مع الهلاك الأخروي، فهؤلاء أسوأ مآلا وأشد نكالاً من عامّة الكافرين. ولهذا فرّق الله بين العذابين بالعِظَم والألم، لأن عذاب المطرودين في الأزل - وإن كان أعظم - لنزولهم في مهوى الحشرات والدوابّ والأنعام، فلا يدركون شدّة عذابهم، ولا يجدون غمّهم وألمهم لعدم صفاء إدراك قلوبهم بواسطة كثافة الحجاب، وغلظة النقاب، كحال العضو الميّت أو المفلوج أو الخدر بالنسبة الى ما يجري عليه من القطع والكَيّ وغير ذلك من الآلام. وأما المنافقون، فلثبوت استعدادهم في الأصل، وبقاء إداركهم، يجدون شدّة الألم، فلا جرم كان عذابهم أليماً مسبَّباً عن المرض العارض المزمِن الذي هو الكذِب والخديعة والحسَد والنفاق، والجهل المشفوع بالإصرار واللداد وغيرها، وإذا نُهوا عن الفساد في الجهة السفلية، أنكروا وبالَغوا في إثبات الصلاح والإصلاح لأنفسهم، كما حكى الله عنهم فيما بعد، إذ يرون الصلاح في تنظيم أسباب المعيشة وتيسير أمور الدنيا لأنفسهم خاصّة، وإن كان مؤدّياً الى خسران العاقبة، لتوغّلهم في محبّة الدنيا وميل الجاه والثروة، وانهماكهم في اللذّات والراحات البدنيّة، واحتجابهم بالمنافع الجزئيّة والملاذّ الحسيّة عن المصالح العامّة واللذّات العقليّة، وهم لا يشعرون بذلك، وإن كان معلوماً بالمشاهدة الحسيّة، لأن محبّة الدنيا سلبت عقولَهم وأعمت قلوبَهم، واصمّت نفوسَهم، ولذا قيل: "حبّكَ للشيء يُعمي ويُصم". فصل [المنافق والكافر أيهما أسوأ حالا] قد علمت تحقيق الفرق بين المنافق والكافر الأصلي، تصريحاً وتلميحاً في مواضع متعدّدة، لكن القوم اختلفوا في أنّ أيّهما أسوأ فعلاً وأقبحُ حالاً. قال قوم: قبح الكافر الأصلي أقبح، لأنّه جاهلٌ بالقلب، كاذبٌ باللسان، والمنافقُ جاهلٌ بالقلب، صادقٌ باللسان. وقال آخرون، بل المنافق أيضاً كاذب باللسان، فإنّه يُخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع انّه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات:14]. وقال: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون:1]. ثمّ إنّ المنافق اختصّ بمزيد أمور منكَرة: الأول: إنّه قصَد التلبيس، والكافرُ ما قصدَ ذلك. الثاني: إنّ الكافرَ على طبع الرجال، والمنافقُ على طبع الخنوثة. أقول: الكائن على طبع الرجال هم المؤمنون حقّاً، لا الكفّار، فالأَوْلىٰ أن يقال: الكافرُ على طبع الأنوثة والمنافق على طبع الخنوثة. وطبع الخُنوثة أقبح من الأنوثة. وذلك لأنّ الآخرة دار المبادئ الفعّالة، والدنيا موضع القوابل المنفعلة، فموطن المؤمن - أي عالم القدس - موطنُ الرجال، وموطنُ الكافر - أي الدنيا وهي عروسه غدّارة رعناء - موطنُ النسوان. والمنافق ذو الوجهين لا من هذا ولا من ذاك، فعاقبته البوارُ والهلاك، وانقطاع النتيجة والبقاء النوعي العقلي في النشأة الدائمة. الثالث: إنّ الكافر ما رضيَ لنفسه بالكذب بل استنكف منه، ولم يرض إلاّ بالصدق، والمنافق رضيَ بذلك. الرابع: إنّ المنافقَ ضمَّ الى كفره الاستهزاء، بخلاف الكافر. ولأجل غلظ كفره قال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء:145]. الخامس: قال مجاهد: إنّه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثمّ ثنّى بذكر الكافرين في اثنتين، ثمّ ثلّث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية. وذلك يدلّ على أنّ المنافقين أعظم جُرماً. وهذا بعيدٌ لأنّ كثرة الاقتصاص بخيرهم لا يوجِب كونَ جُرمهم أعظم؛ فإنْ عَظُم فلغير ذلك، وهو ضمّهم الى الكفْر وجوهاً من المعاصي؛ كالمخادعة، والاستهزاء، وطلب الغوائل الى غير ذلك. ويمكن أن يجاب عنه: بأنّ كثرة الاقتصاص بخبرهم يدلّ على أنّ الاهتمام بدفع شرّهم أشدّ من الاهتمام بدفع شرّ الكفّار، وذلك يدلّ على أنَهم أعظم جُرماً من الكُفار. فصل يستفاد من هذه الآية أمران: أحدهما: إنّ من لا يعرف الله لا يكون مؤمناً وإن أقرّ به لساناً، لقوله تعالى: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} خلافاً للكرّامية. والثاني: بطلان قول من زعم من المتكلمين، إنّ جميع المكلفين عارفون بالله، وإنّ من لم يكن عارفاً به لا يكون مكلَّفاً، وذلك لأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذمّ الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قولهم: إنّ من لا يعرف هذه الأمور فهو معذور، وهذا المقام يحتاج الى تحقيق عميق لا يسع هذا الوقت ذكره. فصل اختلفوا في اشتقاق لفظ "الإنسان" الى وجوه: الأول: ما يروى عن ابن عباس: إنّه من النسيان. لأنّه عهد إليه فنسي. قال أبو الفتح البستي: شعر : نسيتُ وعدَك والنسيانُ مغتفَرٌ فاغفِر فأول ناسٍ أولُ الناس تفسير : الثاني: إنّه من الأنس، لاستيناسه بمثله. الثالث: إنّه سمّي إنساناً لظهورهم وأنّهم يؤنسون - أي يبصرون - قال تعالى: {أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} تفسير : [القصص:29]. أي: أبصر. كما سُمّي "الجنّ" لاجتنانهم. واعلم أنّه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من لفظٍ آخر، وإلاّ لتسلسَل الى ما لا نهاية. والناس أصله اناس، بدليل قولهم: إنسانٌ وإنسي وأناسي، فحذفت الهمزة تخفيفاً كما حذف في لوقة لأن أصلها ألوقة. وعوّض عنها حرف التعريف، ولذلك لا يكاد يجمع بينهما إلاّ شذوذاً كقوله: إنّ المنايا تطلعن على الاناس الآمنينا. وناس: اسم جمعٍ على زِنة فِعال. لأن الوزنَ يكون على الأصول، ولذلك تقول في وزن قِهْ افعَلْ وليس معك إلاّ العين وحدَها، وهو من أسماء الجمع كرِجال، وأما نُوَيس، فمن المصغّر الآتي على خلاف مكبّره كانيسيان ورُويجل - كذا في الكشّاف. فصل لام التعريف في "الناس" إمّا للجنس أو للعهد، والمعهود هم الذين كفَروا، المارّ ذكرُهم، و"من" على الأول تكون موصوفة كأنه قيل: ومن الناسِ ناسٌ يقولون آمنّا. كقوله: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} تفسير : [الأحزاب:23]. وعلى الثاني؛ تكون موصولة، كقوله: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} تفسير : [التوبة:61] أي ومن هؤلاء الذين كفَروا من يقول - وهم عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه ومَن في طبقتهم - فإنّ وقوعَهم لأجل النفاق تحت جنس الكفّار المختومِ على قلوبهم، ودخولَهم في أبواب الكفر، لا ينافي اختصاصهم بزوائدَ زادوها على أصل الكفر؛ من الخديعة والاستهزاء والأمراض القلبيّة وغيرها، ولا يُخرجهم عن حدّه وإن يكونوا بعضاً من جنسه، فإنّ الأنواع إنّما تنوّعت بزوائد على طبيعة الجنس بما هي مجرد طبيعته، أي بالمعنى التي هي مادة، وتلك الزوائد لا تأبى الدخول مع ما يزيد عليه تحت الجنس، وصدقه على المجموع بالاعتبار الذي هو به جنسٌ، وإن لم يصدق بالمعنى الذي هو به مادّة فتفطّن. فصل اعلم أنّ اختصاص (بالله وبِٱليَومِ الآخِر) بالذكر، تخصيص لما هو المقصود الأعظم والكمال الأتمّ, وهو العلم بأحوال المبدأ والعلم بأسرار المعاد، وتسجيلٌ بأنّهم مع خسّتهم ودناءة طبعهم، ادّعوا إثبات أمرٍ شريف عالٍ لأنفسهم. وهو الحيازة للإيمان من جانبيه، والإحاطة بكلا قُطريه. وها هنا دقيقة اخرى؛ وهي الكشف عن إفراطهم في خبث الباطن وفساد الضمير، وتماديهم في قبح الباطن وسوء السريرة، حيث كان قولهم: آمَنّا بالله وَبِٱليَومِ الآخِر، خُبثاً متضاعفاً، وكفراً متراكماً، لأن القوم كانوا يهوداً، وكانوا يعتقدون في الله التشبيهَ واتّخاذَ الولد، وفي اليوم الآخر أن الجنة لا يدخلها إلاّ من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لا تمسّهم إلاّ أياماً معدودة - الى غير ذلك - فإيمانهم بالله واليوم الآخر كَلا إيمان، فهم منافقون فيما يظنّون أنّهم مخلصون، فكيف بما يقصدون به النفاق ويرُون المؤمنين أنّهم آمنوا مثلَ إيمانهم، فهم في خُبث الباطن وسوءِ الضمير بحيث لو صدَر منهم هذا القول لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم، لم يكن ايماناً، فلم يكونوا صادقين، كيف وقد صدَر منهم تمويها على المسلمين وتهكّماً بهم. ولفظة "مَن" صالحةٌ للجمع كما للواحد. كقوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس:42]، فإنّه موحّد اللفظ مجموع المعنى، والعائدُ إليه يرجع عند التوحيد الى اللفظ وعند الجمع الى المعنى، ففي قوله: مَنْ يَقولُ آمنّا، حصل فيه الأمران. وتكرير الباء يدلّ على أن علم المبدأ وعلم المعاد كلاً منهما علمٌ شريف برأسه، ولا يلزم أن يكون داخلاً في مقول قولهم، وإن كان داخلاً، فالمعنى ادعاؤهم الإيمان بكلّ واحد مفصّلاً على الاستحكام. و"القولُ" مصدرٌ معناه التلفّظ بما يفيد، وقد يطلق على القضيّة الملفوظة، وعلى صورتها الذهنيّة، وعلى الرأي والمذهب. وفي ايراد {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، بدل "وما آمنوا" كما يستدعيه المقابلة من التصريح بشأن الفعل دون الفاعل لا العكس، انكارٌ لما ادّعوه وردع لما انتحلوه بأبلغ وجهٍ وآكده في التكذيب لهم، حيث أخرج ذواتهم من عداد المستعدين لاقتناء أنوار الإيمان واليقين مطلقاً. ولذلك أكّد النفي بالباء، ونحوه قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ} تفسير : [المائدة:37]. وترك تقييد الايمان في الثاني بما قيّد به في الأول، إمّا لأنّه دلّ عليه المذكور أولاً، لأنّ هذا جوابه، وإمّا للإشعار بأنّهم ليسوا من الايمان في شيء أصلاً. تنبيه فيه تذكير [اليوم والليلة] والمراد من اليوم، إمّا الزمان الذي لا حدّ له، وهو الأبد الدائم الذي لا مقطع له، وإما الوقت المحدود من النشور الى أن يدخل أهل الجنّةِ الجنّةَ وأهلُ النارِ النارَ، لأنه آخر الأوقات المحدودة وما بعده فلا حدّ له. وانّما سمّي زمانُ الآخرة يوماً، لظهور شمس الحقيقة حينئذ، وطلوعها من أفق الأكوان ومطالع الحقائق الروحية، كما انّه قد اختفى ما دام الكون الدنيوي في مغارب الصوَر الحسّية، وفي القيامة تصير تلك الصور بعينها مظاهر أنوار الإلٰهية، ومشاهد أسرار الربوبيّة. فكأن مدّة الدنيا ليل نهاره يوم الآخرة، وصباحه عند قيام الساعة، والله أعلم بأسراره.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} لمّا انساق ذكر الكتاب الّذى هو اصل كلّ الخيرات وعنوان كلّ غائب وغائب كلّ عنوان ومصدر الكلّ وكلّ المصادر والصّوادر اعنى كتاب علىّ (ع) الى ذكر المؤمنين وذكر قسيمهم اعنى المسجّل عليهم بالكفر اراد ان يذكر المذبذب بينهما أعنى المنافق المظهر للايمان باللّسان المضمر للكفر فى القلب تتميماً للقسمة وتنبيهاً للامّة على حال هذه الفرقة تحذيراً لهم عن مثل أحوالهم بل نقول كان المقصود من سوق تبجيل الكتاب الى ذكر المؤمنين واستطرادهم بالكافرين ذكر هؤلاء المنافقين الّذين نافقوا بولاية علىّ (ع) خصوصاً على ما هو المقصود الاتمّ من الكتاب والايمان والكفر والنّفاق اعنى كتاب الولاية والايمان والكفر والنّفاق به فانّه اقبح اقسام الكفر فى نفسه واضرّها على المؤمنين واشدّها منعاً للطّالبين ولذا بسط فى ذمّهم وبالغ فى ذكر قبائحهم وذكر مثل حالهم فى آخر ذمّهم قرينة دالّة على انّ المراد المنافقون بالولاية لانّ المنافقين بالرّسالة ليست حالهم شبيهة بحال المستوقد المضيئ فانّ المنافق بالرّسالة لا يستضيئ بشيئ من الاعمال لعدم اعتقاده بالرّسالة وعدم القبول من الرّسول بخلاف المنافق بالولاية فانّه بقبوله للرسالة يستضيئ بنور الرّسالة والاعمال المأخوذة من الرّسول (ص) لكن لمّا لم يكن اعماله المأخوذة وقبوله الرّسالة متّصلة بنور الولاية كان نوره منقطعاً، وما يستفاد من تفسير الامام انّ الآية كانت اشارة الى ما سيقع من النّفاق بعلىّ (ع) يوم الغدير ومبايعة الامّة والمنافقين معه وتواطؤهم على خلافه بعد البيعة وبعد التّأكيد بالعهود والمواثيق عليهم يدلّ على انّ المراد النّفاق بالولاية. والنّاس اسم جمع من النّسيان مقلوب العين لاماً، او محذوف الّلام لغلبة النسيان عليه حيث لم يتذكّر ما الفه فى العوالم السّابقة، او من النسيئ بمعنى التّأخير مقلوباً؛ او محذوف الّلام، او من الانس بمعنى الالفة ضدّ التّوحّش محذوف الفاء او مقلوبه، او هو مأخوذ من الايناس بمعنى الابصار مع الاطمئنان بالمبصر كما قال: {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تفسير : [طه: 10] اى رأيت ناراً واطمأننت بها؛ والاظهر أنّ النّاس مأخوذ من النّسيان او النسيئ لاستعماله فى الاغلب فى مقام مناسب لهما وانّ الانسان من الانس لذلك، وقيل انّ الّلام فى النّاس عوض عن المحذوف وهو بعيد والجارّ والمجرور مبتدأ امّا لقيامه مقام الموصوف المحذوف المقدّر او لنيابته عنه لقوّة معنى البعضيّة فيه حتّى قيل: انّه بنفسه مبتدأ من دون قيامٍ مقام الغير وتقديرٍ ونيابةٍ والمعنى بعض النّاس. او خبر مقدّم، {مَن يَقُولُ} بألسنتهم من دون موافقة قلوبهم {آمَنَّا بِٱللَّهِ} او بعلىّ (ع) الّذى هو مظهر الآلهة على ما ورد من التّفسير بالايمان بالولاية {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يعنى بالمبدء والمعاد كأنّهم اشاروا بتكرار الجارّ الى انّ ايمانهم بكلٍّ مأخوذ عن برهانٍ لا انّ الايمان باليوم الآخر مأخوذ من الايمان بالله من دون تحقيق وبرهانٍ عليه. واعلم انّ العوالم باعتبار كلّيّاتها سبعة ومراتب كلّ عالمٍ عشرة ودرجات كلّ مرتبةٍ عشرة الى مئة الى ما شاء الله وبسبب هذه الاعتبارات اختلف الاخبار فى تحديد العوالم وبطون الآيات بالسّبعة والسّبعين والسّبعمائة الى سبعين الفاً الى ما شاء الله، واذا لوحظ المراتب من البدء الاوّل الى آخر العوالم كان كلّ مرتبة بالنّسبة الى سابقتها ليلة لقوّة الظّلمة الحاصلة من تنزّلات الوجود وكثرة التّعيّتات، واذا لوحظت من المنتهى الى المبدء كان كلّ مرتبة بالنّسبة الى سابقتها يوماً لقوّة النّور وضعف الظّلمة بالنّسبة الى سابقتها، ولهذا ذكر اليوم فى الآيات والاخبار عند ذكر العروج والصّعود والانتهاء والخروج، وذكر اللّيلة عند ذكر النّزول، والمراد باليوم الآخر امّا يوم حشر الخلائق للحساب، او يوم قيام كلّ صنفٍ فى مقامهم الّذى لا خروج لهم عنه. {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} كان المناسب لردّ قولهم: {آمنّا بالله واليوم الآخر} ان يقول تعالى شأنه: لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر نفياً لما ادّعوه من حصول الايمان فى الزّمن الماضى لكنّه عدل الى الاسميّة مطلقةً عن التّقيّد بالزّمان والمتعلّق اشعاراً بنفى الايمان عنهم فطرةً وتكليفاً ماضياً ومستقبلاً متعلّقاً بشيئ من الاشياء فانّه كما انّ اسميّة الجملة تكون لتأكيد الايجاب تكون لتأكيد النّفى، ونفى المطلق يكون لاطلاق النّفى الاّ ان يقيّد المطلق بالاطلاق فانّ النّفى الوارد عليه حينئذٍ قد يكون لنفى الاطلاق.

الهواري

تفسير : ثم ذكر الله صنفاً آخر من الناس، يعني المنافقين فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} يقول: أقروا لله بألسنتهم وخالفت أعمالهم. وما هم بمؤمنين، أي: حتى يستكملوا دين الله ويوفوا بفرائضه كَـ(أية : وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)تفسير : [سورة النجم:37] أي الذي أكمل الإِيمان وأكمل الفرائض. قوله: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالذِينَ ءَامَنُوا} أي بما أعطوهم من الإِقرار والتصديق، وأعطوا الحقوق من الزكاة، يخادعون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ فجعل الله مخادعتهم رسولَه والمؤمنين كمخادعة منهم لله. وهو كقوله: (أية : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ)تفسير : [الفتح:10]. والإِيمان بالنبي عليه السلام إيمان بالله، والكفر به هو كفر بالله، وكذلك مخادعة الله. قال: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي: إن ذلك يرجع عليهم عذابه وثواب كفره. وتفسير خدعة الله إياهم في سورة الحديد {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي أن ذلك يصير عليهم. ثم قال: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني بذلك النفاق. يقول: في قلوبهم نفاق، فنسب النفاق إلى القلب كما نسب الإِثم إليه، كقوله في الشهادة: (أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)تفسير : [سورة البقرة:283] قال: {فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً} أي الطبع على قلوبهم بكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني عذاباً موجعاً {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} مخفّفة؛ أي: بقولهم: إنا مؤمنون وليسوا بمؤمنين إذ لم يستكملوا فرائض الله ولم يوفوا بها. فهذا تفسير من قرأها بالتخفيف. ومن قرأها بالتثقيل: {بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ} فهو يريد: بعض العمل أيضاً تكذيب؛ يقول: إن التكذيب تكذيبان: تكذيب بالقول وتكذيب بالعمل. ومثله في اللغة أن يقول القائل للرجل إذا حمل على صاحبه فلم يحقق في حملته: كَذَب الحملةَ، وإذا حقّق قالوا: صدق الحملة. فمن قرأها بالتخفيف فهو يريد الكذب على معنى ما فسّرناه أولاً. وأخت هذه الآية ونظيرتها التي في براءة: (أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)تفسير : [سورة التوبة:77]. يقول: أعقبهم، بالخلف والكذب الذي كان منهم، نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه. ومن قرأها بالتثقيل فهو بالمعنى الآخر الذي وصفناه آخراً، ولا يعني به جحداً ولا إنكاراً، لأن مرض النفاق غير مرض الشرك، وكذلك كفر النفاق غير كفر الشرك.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمْنَا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر}: ذكر الله سبحانه وتعالى أولا من آمن بظاهره وباطنه، وذكر ثانياً من كفر بظاهره وباطنه، وذكر ثالثاً فى هذه الآية من آمن بظاهره وكفر بباطنه، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله تعالى، لأنهم كفروا بما كفر به من كفر بظاهره وباطنه من إنكار القرآن والرسالة، وإثبات الشريك والصاحبة والولد، وزادوا بسيمة الكذب والاستهزاء والخداع، وإفشاء سر المؤمنين، وعظم ضررهم فى الدين، لأنهم عدو مخالط متلبس بالصديق لا متميز معروف يحذر منه، ولذلك أطال وصفهم وذمهم، وضرب لهم الأمثال، وقال:{أية : إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار}،تفسير : ذكروا أن الحجاج الظالم قال لجابر بن زيد رحمه الله: يا أبا الشعثاء أخبرنى فيمن نزلت الآية الأولى من البقرة؟ قال: فى المؤمنين. قال: والثانية قال: فى المشركين. قال: والثالثة؟ قال: فيك وفى أصحابك، يعنى المنافقين، وأشار رحمه الله إلى أن فساق الموحدين يسمون منافقين كما يسمى هؤلاء المشركون الذين آمنوا بألسنتهم فقط منافقين، وأنهم مثلهم فى المعنى ودخول النار. ومن للتبعيض، وأل فى الناس للعهد الذكرى، وهم الذين كفروا المذكورون فى قوله عز وجل:{أية : إن الذين كفروا}تفسير : أى ومن الذين كفروا من لا يكفر إلا بباطنه، وأما لسانه فيقول به آمنا بالله واليوم الآخر، ويجوز أن تكون أل للحقيقة، وأصل ناس أناس، حذفت الهمزة وهى فاء الكلمة، فوزن ناس عال، ووزن أناس فعال بضم أوله، ولما حذفت عوض عنها أل ولا مانع من كونها للتعويض والتعريف جميعاً، وقد تحذف أل بعد ما عوضت عن الهمزة، أو يقال تعويضها غالب لا لازم، ويدل على تعويضها أنه لا يقال الإناس بالجمع بين أل والهمزة إلا شاذ كقوله: شعر : إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا فتذرهم شتى وقد كانوا جميعاً وافرينا تفسير : وهما بيتان من مجزوء الوافر، وأناس اسم جمع كرخال بضم الراء وكسرها والواحد إنسان وإنسانة، والرخيل الأنثى من ولد الضأن، وقيل هو جمع إنسان أو إنسانة، وكل ذلك من الأنس ضد الوحشة، لأن الناس يأنسون ويؤنسون، أو من أنس بمعنى ظهر، لأن الناس ظاهرون مبصرون، كما سموا بشراً لظهروهم ضد تسمية الجن جناً لاجتنانهم، أى استتارهم أو سموا بشراً لظهور بشرتهم، أى جلدتهم، بخلاف سائر الحيوان فإن جلدتها مغطاة بصوف أو شعر أو وبر أو ريش، وقيل الناس بوزن فلع بفتح الفاء واللام وتأخير العين مأخوذ من النسيان، لأنهم عهد إليهم فنسوا ولأنهم خلقوا على أن ينسوا، وعلى هذا فلا حذف، وأصله نسى بفتح النون والسين المنونة كفتى قدمت الألف على السين، وأصل تلك الألف ياء متحركة فى الأصل، وبعد التقديم قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولكن حركتها فى الأصل بحسب الإعراب، وبعد التقديم فتحه، وقيل الناس بوزن فعل بفتح الفاء والعين وتأخير اللام، وأصله نوس بفتح النون والواو، وتحركت الواو وانتفح ما قبلها فقلبت ألفاً وهو من ناس ينوس إذا تحرك، ومن نكرة موصوفة إذ لا عهد تكون به اسماً موصولا كأنه قيل، ومن الناس ناس قائلون آمنا بالله وباليوم الآخر، لأنا لو جعلنا أل فى الناس للعهد فى قوله عز وجل: {أية : إن الذين كفروا}تفسير : ولكن القائلون المذكورون لم يتميزوا فيهم بتعيين ولا بصفة من الصفات تميزهم عن سائر من كفر، هذا ما قلته، وقال القاضى: إنه إذا قلنا أل فى الناس للعهد كانت موصولة أريد بها ابن أبى وأصحابه ونظراؤه، وأنهم من حيث صمموا على النفاق دخلوا فى عداد الكفار المختوم على قلوبهم، وأن اختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزيادة تخلتف فيها أبعاضها، وعلى هذا الوجه تكون الآية تقسيما لقوله:{أية : إن الذين كفروا}تفسير : وعلى الوجه الأول وهو جعل أل فى الناس للحقيقة لا يكون تقسيما، لكن الأقسام على كل حال ثلاثة: مؤمن خالص، وكافر خالص، ومنافق مؤمن بلسانه فقط آمنا بالله واليوم الآخر والرسول والقرآن والملائكة وغير ذلك، وإنما خص الإيمان بالله واليوم الآخر لذكر تخصيصاً لما هو المقصود الأعظم من الإيمان، وإظهاراً لما ادعوه من أنهم اشتملوا على الإيمان من جانبيه، وحازوه كله وإعلاماً بأنهم منافقون فيما ظنوا أنهم فيه مخلصون، فكيف فيما قصدوا فيه النفاق، لأن المراد بقوله:{أية : من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر}تفسير : قوم من اليهود، كابن أبى وأصحابه ومن شايعهم من غير اليهود، وهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيماناً خالصاً فى زعمهم، لكنه فى الحقيقة منتف، لأن الإيمان بشىء على غير صفته ليس إيماناً على الحقيقة، فإنهم آمنوا بالله وشبهوه بخلقه فى العباء والحلول، واتخاذ الصاحبة سبحانه عن ذلك وعن كل نقص، فكأنهم لم يؤمنوا به، بل بغيره، فإن من اتصف بذلك لا يكون إلهاً، وآمنوا باليوم الآخر، ولكنهم قالوا إن الجنة لا يدخلها غيرهم، وإن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة ويظنون أن إيمان المؤمنين مثل إيمانهم، وأيضاً خص الإيمان بالله واليوم الآخر بالذكر بياناً لتضاعف خبثهم وإفراطهم فى الكفر، لأن ما قررنا عنهم فى زيغ إيمانهم بالله واليوم الآخر لا يكون إيماناً ولو صدر عنهم على نيتهم المذكورة الزائغة فقط، فكيف يكون إيماناً وقد قالوا تمويهاً على المسلمين، وتهكماً بهم، وإنما أعاد الباء فى قوله وباليوم الآخر إعلاماً بأنهم ادعوا الإيمان بالله على الأصالة والاستحكام، وباليوم الآخر على الأصالة والاستحكام كذلك، والقول اللفظ المفيد، ويطلق على التلفظ بكل ما وضع وضعاً بلغة عربية ولو غير مفيد، أو غير مركب أو بلغة غير عربية، أو بلفظ مهمل، هذا فى اللغة، لأنه حكاية لما نطق به اللسان كائناً ما كان، وأما تخصيصه لغير المهمل فإنما هو عندى فى اصطلاح النحويين، ويطلق على الكلام النفسى وعلى الرأى مجازا، واختيار بعض المنطقتين أنه حقيقة، ويطلق القول بمعنى المقول أيضاً على المعانى المذكورة كلها إطلاقاً للمصدر، على معنى اسم مفعول، واليوم الآخر وقت البعث إلى ما لا نهاية له، وقيل إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة. {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}: الضمير عائد إلى من باعتبار معناه، لأنه واقع على جماعة فأتى به ضمير جماعة، واعتبر لفظه فى يقول فكان فاعل يقول ضمير المفرد وهو مستتر، والمعنى إن ما ادعوه من الإيمان غير ثابت، لأن الإيمان بالشىء على غير إيمان به، وأصل الكلام أن يقال: وما آمنوا، ليطابق قولهم: آمنا فى التعريض للتصريح بشأن الفعل الذى هو الإيمان، وشأنه فى قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمْنَا} إثباته فى قولك: وما آمنوا، نفيه دون التعريض للتصريح بشأن الفاعل، ولو صرح به لقيد، ومن الناس من يقول: إنا من أهل الإيمان بالله وباليوم الآخر، أو إنا مؤمنون بالله وباليوم الآخر، أو نحن من أهل الإيمن بالله وباليوم الآخر، أو نحن مؤمنون بالله واليوم الآخر، ونحو ذلك كما صرح بشأن الفاعل فى قوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنينَ}، وإنما لم يأت بالمطابقة المذكورة، بل صرح بشأن الفاعل فى قوله: {وَمَا هُمْ بمُؤْمنِينَ} دون قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ}... إلخ تأكيداً ومبالغة فى التكذيب، لأن إخراج ذواتهم من جملة المؤمنين، إذ قال: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنينَ} أبلغ من نفى الإيمان عنهم فى صورة ماضى الزمان بقولك وما آمنوا فلقصد التأكيد والمبالغة أكد النفى بالباء إيضاح المبالغة، والتأكيد فى تكذيبهم فى ادعاء الإيمان أنه لو قيل وما آمنوا لكان نفياً للملزوم ابتداء، ولما قال: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنينَ} كان نفياً للملزوم، وبانتفاء لازمه لا ابتداء وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء ملزومه، فكونهم مؤمنين لازم، وكونهم آمنوا إيماناً صادقاً ملزوم، وقد نفى اللازم، فانتفى الملزوم، وإن قلت: قولك هم مؤمنون جملة إسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات، فاذا أدخلت النفى عليها كان نفياً لمدلولها الذى هو الثبات للنفى، وتأكيده قلت إنما يكون نفياً لمدلولها الذى هو الثبات، إذا اعتبر الثبات بطريق التأكيد والدوام ونحوهما، ثم نفى، والآية ليست كذلك، بل اعتبر النفى فيها أولاً ثم أكد بالباء وجعل بحيث يفيد إثبات الدوام كما أن قولك: ما أنا سعيت فى حاجتك لاختصاص النفى، كأنك قلت: ما سعيت فيها، بلى سعى فيها غيرى، لا نفى الاختصاص، إذ لم ترد ما سعيت فيها وحدى، بل مع غيرى، فالآية من تقييد النفى لا من نفى التقييد. وإن قلت: فهل المراد بقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمؤْمِنينَ} نفى ما أثبتوه من الإيمان بالله وباليوم الآخر، أو نفى الإيمان مطلقاً؟ قلت: أيحتمل أن يكون المراد نفى الإيمان عنهم مطلقاً، أشاروا إلى ثبوت الإيمان لهم كله بإثباتهم إياه لأنفسهم بقطريه اللذين هما الإيمان بالله واليوم الآخر، فنفاه الله عز وجل عنهم كله. ويحتمل أن يكون المراد الاقتصاد فى الظاهر على نفى ما أثبتوه فى الظاهر وحده، فكأنه قيل وما هم بمؤمنين بالله ولا باليوم الآخر، فحذف لكونه يعلم من كون الكلام رداً لقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، ومن نطق بالشهادتين وفرغ قلبه عما يوافقهما وعما ينافيهما، أو فرغ عما يوافقهما فقط لم يكن مؤمناً بذلك النطق خلافاً للكرامية. والآية تدل على أن من ادعى الإيمان، وخالف قلبه ادعاءه لم يكن مؤمناً وتقدم الرد على الكرامية، ولا تكون الآية نصاً فى الرد عليهم، لأنها فى الادعاء، وخلافهم فى النطق بالشهادتين دون موافقة القلب، وظاهر الشيخ هود رحمه الله إن إيمان هؤلاء كان من قلوبهم، وإنما نفى الله عنهم الإيمان لعدم وفائهم بالأعمال، إذا قال: أقروا الله بألسنتهم وخالفت أعمالهم وما هم بمؤمنين حتى يستكملوا دين الله، ويوفوا بفرائضه كإبراهيم الذى وفى، يعنى أكمل الإيمان وأتم الفرائض... انتهى. وسياق الآية يدل على كفرهم بقلوبهم، إذ وصفهم الله بالتكذيب، فتقول مراده رحمه الله أنهم أقروا لله بألسنتهم فقط دون قلوبهم، فاحترز عن ثبوت الإيمان فى قلوبهم، بقوله: بألسنتهم، وصرح بنفى الأعمال بقوله: وخالفت أعمالهم، أو أراد بقوله: خالفت أعمالهم أنه خالفت أعمال قلوبهم، وأعمال جوارحهم إذ لم يعتقدوا فى قلوبهم ما فى ألسنتهم والعمل الصالح فى القلب اعتقاده الحق.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ} أصله النوس بفتح الواو، وقلبت ألفا لتحركها بعد فتح، من ناس ينوس، بمعنى تحرّك، ولا يخلو بنو آدم من تحرك، ووجه التسميه لا يوجبها، فلا يلزم أن يسمى ناسا كل ما يتحرك، أو أصله أناس حذفت الهمزة، وعوضت أل، وهو من الأنس ضد الوحشية، فالألف زائدة، والناس يستأنس بهم، قال بعض: شعر : وَمَا سُمِّىَ الإِنْسَانُ إِلاَّ لأُنْسِهِ وَلاَ القَلْبُ إِلاَّ أَنَّهُ يَتقلَّبُ تفسير : والأصل نيس بكسر الياء، قلبت ألفا لتحركها بعد فتح، ووزنه على هذا فلع من النسيان، إذ لا يخلو من نسيان، قال الله تعالى فى آدم: {أية : فنسي ولم نجد له عزما }تفسير : [طه: 115] ويطلق على الجن مجازا، وقيل حقيقة: {مَن يَقُولُ ءَامَنَّا} فى قلوبنا وألسنتنا إيمانا مستمدا {باللَّهِ} وجودا وألوهة، ومخالفة لصفات الخلق {وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ} الوقت الآخر، وهو وقت البعث إلى مالا نهاية له، والوقت الأول وقت الدنيا، ولا يقال اليوم الآخر وقت دخول الجنة والنار، وقبله وقت وهو البعث وما بعده إلى الدخول، لأن الإيمان بالبعث والموقف والحساب أيضاً واجب {وَمَا هُمْ بِمُؤمِنِينَ} ذلك الإيمان الذى ادعوه، بل الإيمان فى ألسنتهم والكفر فى قلوبهم، والخروج عن مقتضاه فى جوارحهم.

الخليلي

تفسير : ذكر صفات المنافقين: بعدما ذكر الله تعالى فريق الكفار المصارحين بما تنطوي عليه نفوسهم من الضلال وما تغلي به صدورهم من عداوة الحق وأهله، عطف على قصتهم قصة فريق آخر، لا يقل عن ذلك الفريق خطورة على الاسلام وأهله، بل هو أشد منه خطرا، وأبلغ منه ضررا - كما سيأتي بيانه - وهو فريق يرتدي أردية الاسلام ليغطي بها خفايا الكفر وبواطن الضلال، وهذه الصفة سميت في العرف الشرعي بالنفاق. وقصة المنافقين هنا جاءت في جمل متتابعة منتظمة في سلك من الآي، معطوفة على ما سبق وقد كان هذا العطف مثار اهتمام الباحثين من المفسرين وغيرهم، وقد ظل أكثرهم يتخبط في قيود الاشكال حتى جاء من أزاح الستار عن وجهه وكشف ما خفي من حقيقته، وهو العلامة جار الله الزمخشري، في تفسيره المشهور "الكشاف" فقد بين فيه أنه عطف قصة على قصة أخرى وكل واحدة من القصتين تحتوي على مجموعة من الجمل، وبهذا تندفع الحاجة إلى مناسبة للعطف كالتي تكون بين الجملتين إن عطفت إحداهما على الأخرى، وإنما يكفي في مثل هذا الموضع التناسب بين الغرضين من القصتين دون احاد الجمل الواقعة فيهما. ولم تفصل هذه القصة عما قبلها كما في قوله تعالى: {إنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ..} (الآية)، لأن الفصل هناك لأجل تطلع السامعين بعد ذكر فريق المؤمنين إلى خبر ذلك الفريق الآخر الذي ظاهر قوله عقيدته الضالة الفاسدة، فكان السامع كالسائل عنه، فجاء الفصل لاستئناف بيانه. أما هذا الفريق فلالتوائه في معاملته وستره قبائح طواياه بمحاسن ظاهره، كان أغمض حالا وأندر وصفا، وأغرب تصورا، بحيث لا يخطر بالبال وجود مثله، فلم يكن داع إلى استئناف بيانه لأن السامعين - لفراغ بالهم منه - لم يكونوا يتطلعون إلى خبره، ومن ثم كان هذا العطف. وقبل الكلام عن تفاصيل ما تحتويه الآية الكريمة جملة وإفرادا أرى من المناسب أن أذكر النفاق ومدلوله اللغوي والعرفي. مدلول النفاق ومعناه: أما لغة: فهو من نَفَّق اليربوع تنفيقا، ونافق نفاقا إذا دخل في نافقائه، وذلك أن لبيت اليربوع بابين؛ ظاهرا وخفيا، فإذا أراد أحد اصطياده وترصد له في بابه الظاهر، خرج من بابه الخفي، وفات المصطاد. ويسمى الظاهر قاصعاء، والخفي نافقاء. ويقال إذا خرج من النافقاء نَفِقَ - بكسر الفاء وفتحها - وانتَفَقَ ونَفَّق. وأما اصطلاحا فهو الدخول في الاسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر، وهو بهذا المعنى اسم جديد جاء به القرآن ولم تكن العرب تعرفه في جاهليتها، وهو مأخوذ من المعنى اللغوي المتقدم. فإن المنافق بصنيعه هذا يشبه اليربوع في مخادعته لمن يحاول اصطياده بدخوله من باب ظاهر وخروجه من باب خفي. وكما يطلق النفاق شرعا على مخالفة العقيدة للقول، يطلق كذلك على عدم التزام واجبات الاسلام العملية، والتلبس بالأعمال والأخلاق المنافية لصفاء الدين وطهارته، والدلائل على ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال صحابته - رضي الله عنهم - كثيرة يشد بعضها بعضا، منها ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا أئتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"تفسير : ، وفي رواية للنسائي: "حديث : إذا وعد أخلف" تفسير : بدلا من "إذا ائتمن خان" وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر"تفسير : . وفي رواية مسلم: "حديث : وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" تفسير : بعد قوله "آية المنافق ثلاث". وفي رواية لهما وللترمذي والنسائي مثل ما تقدم ولكن بإبدال "حديث : إذا ائتمن خان" تفسير : من قوله "إذا عاهد غدر". وأخرج النسائي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق؛ إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف فمن كانت فيه واحدة منهن لم تزل فيه خصلة من النفاق حتى يتركها ". تفسير : وأخرج البخاري عن زيد بن عبدالله بن عمر قال: قال ناس لابن عمر: إنا لندخل إلى سلطاننا وأمرائنا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نص في أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يَعُدّون مخالفة الحق في العمل من النفاق، وهذا هو قول أصحابنا - رحمهم الله - وهو الذي اعتمده الحافظ بن حجر في شرحه لأحاديث النفاق من صحيح البخاري، وعزاه كل من ابن حجر والعيني في شرحيهما على البخاري إلى القرطبي، وعزاه العيني إلى الخطابي ونسبه الترمذي في جامعه إلى أهل العلم. قسما النفاق: وبهذا يتبين لك أن النفاق ينقسم إلى: نفاق عقيدة، ونفاق عمل. وبما أن كثيرا من علماء المذاهب ينكرون نفاق العمل ولا يرون النفاق إلا في إبطان خلاف الظاهر من الاعتقاد، أشكلت عليهم هذه الأحاديث، وجرهم ذلك إلى تأويلها بما يتفق مع رأيهم، وإن خالف ظاهر مدلولها. والحق أن الكتاب والسنة فوق الآراء والمذاهب، فيجب أن تخضع لهما الآراء دون العكس، وليس في نسبة ثلاث خصال أو أربع إلى النفاق ما يمنع من كون النفاق العملي ينسحب حكمه على كل ما خالف الدين من الأعمال، فإن ذكر هذه الخصال لا يقتضي الحصر، وإنما هو من باب التمثيل والتقريب للأذهان، ومما هو ظاهر بداهة أن التمثيل بها دال على خطورتها، ومقتض للتحذير منها والعدد هنا ليس له مفهوم. والنوع الأول من النفاق هو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر إلى المدينة، ولم يكن في عهد الدعوة المكي وجود للمنافقين، إذ لم يكن ثم مناخ ملائم لِنَبْتِ النفاق، فقد كان السلطان بأيدي المشركين وكان المسلمون معرضين للأذى من قِبَلهم، فلم يكن داع لأن يتملق أحد إلى المسلمين بإعلان الاسلام مع استسرار ضده كما ألمحت إلى ذلك في مقدمة تفسير هذه السورة. وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتلبس دار الهجرة بادىء الأمر بالنفاق، إذ كان الناس فيها بين مؤمن صادق الايمان، وكافر يجاهر بكفره، سواء كان يهوديا أو وثنيا، حتى تحقق للاسلام النصر المؤزر في غزوة بدر الكبرى التي كانت إيذانا بظهور الحق واكتساحه الباطل، فرجفت القلوب المريضة ممن تخلف عن ركب الايمان من الأوس والخزرج وأحلافهم من اليهود، وكان بنو قينقاع أحلاف الخزرج، وبنو قريظة والنضير أحلاف الأوس. واليهود من طبعهم الحقد الأسود، والكراهة المتأصلة للحق والعداء المستحكم لأهله، وقد شعروا أن دعوة الحق التي اتخذت من المدينة مركزا لها سوف تبتز منهم سلطانهم الروحي وسوف تكشف ما كانوا يطوونه عن الناس من قبائح صنعهم عبر تاريخهم الطويل، كقتلهم الأنبياء بغير حق وافترائهم على الله بتحريف ما أنزل، فكان ذلك الشعور نارا حامية تتأجج بين جوانحهم فتلهب صدورهم بإوار الحسد للدعوة ورجالها. ومن بين أفراد الأوس والخزرج من كان لم تُرق له هذه الدعوة، كعبد الله بن أُبَيّ ابن سلول، الذي فكر أن الايمان والهجرة قد اختطفا من يديه أعز ما كان يطمح إليه؛ وهو تتويجه ملكا على يثرب بعد التناحر الطويل بين قبيلتيها، وكان ذلك على وشك أن يتم لولا إكرام الله المدينة ومن فيها بإبدالهم ما فيه عز الدنيا وسعادة الآخرة، وهو إشراق أنوار النبوة في ربوعها، وتحول أهلها من الضلالة إلى الهدى، ومن التشتت إلى الوئام، فلا عجب إذا وقف عبدالله بن أبيّ موقف الخصم اللدود من هذه الدعوة لهذا السبب، مع ما كان متلبسا به من خبث الطوية وانحراف الطبع وفساد الفطرة، وعندما هزت أصداء الانتصار الحاسم الذي أحرزه الاسلام في غزوة بدر أركان المشركين والمفسدين، أخذ يحسب يهود المدينة والذين بقوا على الكفر من الأوس والخزرج ألف حساب لمستقبل هذا الدين، فدلتهم خسة طباعهم على إظهار - هذه المجموعة المتخلفة عن الايمان من الأوس والخزرج مع ثلة من اليهود - الاسلام بألسنتهم مع بقائهم على عقيدة الكفر وشرور الأعمال وخبث النوايا، وكانوا يهدفون من ذلك إلى أمرين: أولهما: الأمن على أنفسهم وأموالهم من سطوة الاسلام مع ما في ذلك من مشاركة المسلمين في منافع الحياة الدنيا. ثانيهما: انتهاز الفرص المواتية لطعن الاسلام من الخلف وإثارة الاضطراب بين المسلمين من الداخل. فتم بهذا ميلاد عهد المواجهة بين الاسلام وعدو ماكر خبيث يرتدي ملابس الأصدقاء، ذلكم العدو هو النفاق الذي كان يعد أخطر من الكفر الصريح، غير أن الوحي كان واقفا لهؤلاء المنافقين بالمرصاد، فكان ينزل بين حين وآخر ببيانه البليغ ليفضح طواياهم، ويعرّي دخائلهم، ويكشف مؤامراتهم. وبما أن هذه الطائفة جمعت بين الكفر بالله الذي أخلدت إليه في سريرتها وبين الهزء بالمؤمنين، ومعاملتهم بالكذب والخداع كانت بحق أشد وأنكى وأدهى وأمر من الطائفة السالفة الذكر وهي طائفة الكفار، ولذلك خصت تلك بآيتين فقط، بينما تتابعت في هذه إحدى عشرة آية تصمهم بقوارع إنكارها، وتمطرهم بصيب وعيدها. ومما يجب أن لا يعزب عن فهم اللبيب أن هذه الطائفة لم تنته بانتهاء عهد النبوة، ولم تنعدم بانعدام أولئك الأفراد، فما أكثر المنافقين في عصور ما بعد النبوة الذين يتمسحون بالدين لقصد نقض عراه، ودك قواعده، ومن بين هؤلاء من يخدع الناس بمظهر عنايته بالدين. فيجب على المسلمين أن يكونوا من أمثالهم على بصيرة، وكفى بالقرآن كاشفا عن سماتهم التي يتميزون بها وأحوالهم التي يختصون بها دون غيرهم. ولعمري ليست هذه العناية البالغة بهتك أستار المنافقين وإعلان أسرارهم على الملأ لأجل حفنة منهم كانت تندس بين صفوف الاسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هي لأجل تنبيه الأمة بمخاطر أعقابهم الذين لا يخلو منهم عصر ولا يسلم منهم جيل. وأكثر المنافقين في عهده صلى الله عليه وسلم لم يكونوا معروفين بأعيانهم، وإنما يهتدى إليهم بهذه السمات الخاصة بهم، خلافا لمن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحيط بجميعهم علما، فإننا إذا تصفحنا آيات القرآن وجدنا ما يدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: {أية : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} تفسير : [التوبة: 101]. وقوله: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 60]، وقوله: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [القتال: 30]. وفيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستدل عليهم بفلتات ألسنتهم وسائر بوادرهم، كما يستدل عليهم بما يبدو على قسمات وجوههم من شارات المكر وإشارات الزور، ولا يمنع ذلك أن تكون منهم جماعة مكشوفة بأعيانها كما يدل على ذلك حديث حذيفة - رضي الله عنه - ومن هؤلاء الذين تآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم على رأس العقبة عند عودته من تبوك بمحاولة إثارة دابته حتى يسقط عنها، وقد أخبر الله نبيه بشأنهم وكانوا أربعة عشر كما جاء به حديث حذيفة عند مسلم. وقوله تعالى: {ومن الناس} شروع في الاخبار عن هذه الطائفة المتلوية والكشف عن صفاتها، وهو خبر مقدم على المبتدأ، وهو مَنْ، سواء قلنا إنها موصولة أو موصوفة، وقد استشكل اعتبار من الناس خبرا لأن الخبر ما تحصل به الفائدة، وكون هؤلاء من الناس ليس أمرا عازبا عن الأفهام حتى يحتاج إلى البيان، والكل يعرف أنهم ليسوا من الملائكة ولا الجن ولا البهائم، والنظر إلى ما بعد المبتدأ يقضي على هذا الاشكال، إذ ليس القصد الاخبار عن إنسانيتهم وإنما الاخبار عن وجود طائفة من الناس تتلون في حالاتها وتتلوى في معاملاتها تدعي الايمان بألسنتها وتهدم ما تدعيه بأفعالها لأن أفئدتها فارغة من جوهر الايمان، ويغنيكم هذا النظر عن كثير من التأويلات التي لجأ إليها المفسرون، كقول السيد الجرجاني بأن مضمون الجار والمجرور هنا مبتدأ على معنى وبعض الناس وخبره مَنْ موصولة كانت أو موصوفة، وقول بعضهم بأن صفات هؤلاء لما كانت تنافي الانسانية كانت حالهم جديرة بالاستغراب، وحسن أن يخبر عنهم بأنهم من الناس، ويرده وقوع مثل هذا التركيب حيث لا يتأتى مثل هذا الاعتبار كقوله تعالى: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 23]، وكقول بعض المفسرين بأن هؤلاء لسوء حالهم وفساد أخلاقهم حقيقون بأن يستحيى من ذكر أشخاصهم، فلذلك اكتفى سبحانه في الاخبار عنهم بقوله {ومن الناس}، ونحو ذلك ما جاء في الأخبار "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد التعريض ببعض الناس قال: "ما بال رجال يفعلون كذا .."" تفسير : والناس جمع إنسي - بكسر الهمزة وياء النسب - عوضا عن أناسي، وهو الجمع القياسي له، ولا يبعد أن يكون اسم جمع وليس بجمع لخروجه عن أقيسة الجموع المطردة. ويرى بعض أئمة العربية أن (أل) فيه عوض عن همزة أناس، ويرد ذلك قول عبيد بن الأبرص: شعر : إن المنايا يَطلِعْنَ على الأناس الامنينا تفسير : حيث جمع بينهما مع عدم اجتماع العوض والمعوض عنه. و(أل) فيه للجنس لأنه المتبادر عند الاطلاق، وجوّز بعضهم أن تكون للعهد والمعهود هم الناس المومى إليهم بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أو الناس المعهودون عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنهم متصفون بهذا الشأن، والعهد ذكري على الأول. ذهني على الثاني، والراجح كونها للجنس؛ لأن اعتبارها للعهد والمعهود الذين كفروا ينافي ما تقدم ذكره؛ من أن هؤلاء قسم برأسه لاختلافهم عن الكفار في غموض حالهم والتواء مسلكهم. أما اعتبار المعهودين قوما يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بهذا الشأن، فهو ينافي أن هذه الآيات هي التي جاءت لتعريف أحوالهم وتعرية صفاتهم وكشف بواطنهم، كما ينافي ما رجحناه من قبل واستدللنا له من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحيط بأعيانهم علما فما بالكم بالمؤمنين. وقولهم: آمنا بالله واليوم الآخر إيهام للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنهم أمسكوا من الايمان بطرفيه وأحاطوا من اليقين بقطريه، ذلك لأن الايمان بالله يعني الايمان بصفاته وأفعاله؛ بما في ذلك بعث الرسل وإنزال الكتب، فيدخل فيه ضمنا الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، والايمان باليوم الآخر يستلزم العمل الصالح الذي هو عدة المؤمنين وزادهم لذلك اليوم، فهم بقولهم هذا يوهمون المؤمنين بأنهم جمعوا بين رسوخ العقيدة وصلاح العمل، ومما يتبادر أيضا أن الايمان بالله المعبود يقتضي الوفاء بحق عبادته على أنه في الحقيقة مبدأ للاعتقادات الحقة جميعها، لأن من لم يؤمن بإله واحد لا يصل إلى الايمان بالرسول ولا غيره من سائر أركان الايمان، كما أن الايمان باليوم الآخر هو الباعث على صالح الأعمال، والوازع عن سيئها. وجوّز بعض أئمة التفسير أن يكون اقتصارهم على ذكر هذين الركنين من أركان الايمان لأمر في نفوسهم، وهو أنهم يأنفون من ذكر الايمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه ما وجدوا إلى ترك ذكرهما سبيلا، ويوهمون من يسمعهم من المؤمنين بقولهم هذا أنهم أرادوا به الاكتفاء وليس الأمر كذلك. ومن حيث أن جلهم أو جل قادتهم من اليهود وهم عندهم بقية من التصديق باليوم الآخر كما يصدقون بوجود الله لم يجدوا في ذكر هذين الركنين ما يخل بما استقروا عليه من الاعتقاد. وما جوّزه مدفوع بما في صدر سورة المنافقين وهو قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]، فإنه نص على أنهم كانوا يؤكدون له صلى الله عليه وسلم تصديقهم برسالته بأوضح بيان، ولا أدل على ذلك من تصدير كلامهم المحكي بالشهادة التي هي - في حقيقتها - اعتراف باللسان بما اطمأن إليه القلب وصدق به العقل، مع تأكيد ذلك باللام المقوية لما في إن من التوكيد، وذلك يدل على أنهم كانوا يجهدون في إيهام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنهم مصدقون برسالته عليه أفضل الصلاة والسلام، ومنخرطون في سلك الذين أخلصوا الايمان بها، وحرضوا على الوفاء بحقها، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى في نفس سورة المنافقون {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. وبهذا تدركون أن الوجه في الاقتصار على ذكر الايمان بالله واليوم الآخر هو ما أسلفناه من قبل. واليوم الآخر بدايته قيام الساعة، ونهايته استقرار السعداء في الجنة، والأشقياء في النار. والايمان به يشمل الايمان بالبعث والحساب، والثواب والعقاب، وقيل بدايته قيام الساعة وليست له نهاية، فإن اليوم المحدد هو ما اكتنفه الليل في أوله وآخره، واليوم الآخر لا ليل بعده ولذلك كان آخرا. ومهما يكن المراد به فإنه لا بد في تحقق الايمان به من الايمان بما أسلفناه. وهؤلاء المنافقون ليسوا من الايمان في شيء وإنما تستروا بظواهر الايمان حفاظا على سلامة حياتهم، وحرصا على تأمين مصالحهم الدنيوية، فلذلك كشف الله ما ستروا، وأبطل ما ادعوه بقوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، وجاء نفي الايمان عنهم بصيغة تختلف عن صيغة ادعائهم له، فهم ادعوه بقولهم {آمنا} وهو جملة فعلية تنبىء عن حدوث الايمان، ورد عليهم بقوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} وهو جملة إسمية دالة على الاستمرار والدوام، وهي أبلغ في الدلالة على نفي ما ادعوه، لأن انتظامهم في سلك المؤمنين من لوازم ثبوت الايمان الحقيقي لهم، وانتفاء اللازم أقوى دليل على انتفاء الملزوم، واستمرار النفي أدل على انتفاء حدوث الواقع المزعوم مطلقا، ويتأكد ذلك النفي بدخول الباء وهذا هو سبب العدول في الرد عما يطابق قولهم، نحو {وما آمنوا} وفي هذا الرد ما يدل على بطلان قول من زعم من المرجئة أن الايمان هو مجرد القول، ولو لم يقترن به اعتقاد فإن المنافقين كانوا يزعمون بملء أفواههم أنهم آمنوا وينطقون بالشهادتين أمام جماهير المؤمنين، ولم يغنهم ذلك شيئا عند الله لخلو بواطنهم من أصل الايمان.

الالوسي

تفسير : هذه الآية وما بعدها إلى آخر القصة معطوفة على قصة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [البقرة: 6] وكل من المتعاطفين مسوق لغرض إلا أن فيهما من النعي على أهل الضلال ما لا يخفى وقد سيقت هذه الآية إلى ثلاث عشر آية لنعي المنافقين الذين ستروا الكفر وأظهروا الإسلام فهم بحسب الظاهر أعظم جرماً من سائر الكفار كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }تفسير : [النساء: 145] والناس ـ أصله عند سيبويه والجمهور ـ أناس وهو جمع أو اسم جمع لإنسان، وقد حذفت فاؤه تخفيفاً فوزنه فعال، ويشهد لأصله إنسان وإنس وأناسي ونقصه وإتمامه جائزان إذا نكر فإذا عرف بأل فالأكثر نقصه ومن عرف خص بالبلاء ويجوز إتمامه على قلة كما في قوله:شعر : إن المنايا يطلعـ ـن على الإناس الآمنينا تفسير : وهو مأخوذ من الأنس ضد الوحشة لأنسه بجنسه لأنه مدني بالطبع ومن هنا قيل:شعر : وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب تفسير : أو من آنس أي أبصر قال تعالى: {أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً }تفسير : [القصص: 29] وجاء بمعنى سمع وعلم، وسمي به لأنه ظاهر محسوس، وذهب السكاكي إلى أنه اسم تام وعينه واو من نوس إذا تحرك بدليل تصغيره على نويس فوزنه فعل. وفي «الكشاف» أنه من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل، وقيل: من نسي بالقلب لقوله تعالى في آدم عليه السلام: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فوزنه حينئذ (فلع) ولا يستعمل في الغالب إلا في بني آدم، وحكى ابن خالويه عن ناس من العرب: أناس من الجن، قال أبو حيان: وهو مجاز وإذا أخذ من نوس يكون صدق المفهوم على الجن ظاهراً لا سيما إذا قلنا إن النوس تذبذب الشيء في الهواء، وعن سلمة بن عاصم أنه جزم بأن كلا من ناس وأناس مادة مستقلة. واللام فيه إما للجنس أو للعهد الخارجي فإن كان الأول فمن نكرة موصوفة وإن كان الثاني فهي موصولة مراداً بها عبد الله بن أبـيّ وأشياعه، وجوز ابن هشام وجماعة أن تكون موصولة على تقدير الجنس وموصوفة على تقدير العهد لأن بعض الجنس قد يتعين بوجه ما وبعض المعينين قد يجهل باعتبار حال من أحواله كأهل محلة محصورين فيهم قاتل لم يعرف بعينه كونه قاتلاً وإن عرف شخصه فلا وجه للتخصيص عند هؤلاء، وقيل إن التخصيص هو الأنسب لأن المعرف بلام الجنس لعدم التوقيت فيه قريب من النكرة وبعض النكرة نكرة فناسب من الموصوفة للطباق والأمر بخلافه في العهد، وعلى هذا الأسلوب/ ورد قوله تعالى: {أية : مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ }تفسير : [الأحزاب: 23] {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ }تفسير : [التوبة: 61] لأنه أريد في الأول الجنس، وفي مرجع الضمير في الثاني طائفة معينة من المنافقين، ولما كان في الآية تفصيل معنوي لأنه سبحانه ذكر المؤمنين ثم الكافرين ثم عقب بالمنافقين فصار نظيراً للتفصيل اللفظي، وفي قوة تفصيل الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق ـ تضمن الإخبار عمن يقول بأنه من الناس ـ فائدة، ولك أن تحمله على معنى من يختفي من المنافقين معلوم لنا ولولا أن الستر من الكرم فضحته فيكون مفيداً أيضاً وملوحاً إلى تهديد ما، وقيل: المراد بكونهم من الناس أنهم لا صفة لهم تميزهم سوى الصورة الإنسانية، أو المراد التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية فيتعجب منها أو مناط الفائدة الوجود أي إنهم موجودون فيما بينهم أو إنهم من الناس لا من الجن إذ لا نفاق فيهم، أو المراد بالناس المسلمون والمعنى أنهم يعدون مسلمين أو يعاملون معاملتهم فيما لهم وعليهم، ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الكلف والتكلف ولكل ساقطة لاقطة، واختار أبو حيان هنا أن تكون {مِنْ} موصلة مدعياً أنها إنما تكون موصوفة إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في الأكثر، وفي غير ذلك قليل حتى أن السكاكي على علو كعبه أنكره ولا يخفى ما فيه، ولا يرد على إرادة العهد أنه كيف يدخل المنافقون مطلقاً في الكفرة المصرين المحكوم عليهم بالختم وإن {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} الآية وقع عديلاً لأن الذين كفروا بياناً للقسم الثالث المذبذب فلا يدخل فيه لأن المراد بالمنافقين المصممون منهم المختوم عليهم بالكفر كما يدل عليه {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }تفسير : [البقرة: 18] لا مطلق المنافقين ولأن اختصاصهم بخلط الخداع والاستهزاء مع الكفر لا ينافي دخولهم تحت الكفرة المصرين؛ وبهذا الاعتبار صاروا قسماً ثالثاً فالقسمة ثنائية بحسب الحقيقة ثلاثية بالاعتبار، وفي قوله تعالى: {يِقُولُ ءامَنَّا} مراعاة للفظ (من) ومعناها ولو راعى الأول فقط لقال آمنت أو الثاني فقط لقال يقولون ولما روعيا جميعاً حسن مراعاة اللفظ أولاً إذ هو في الخارج قبل المعنى والواحد قبل الجمع ولو عكس جاز، وزعم ابن عطية أنه لا يجوز الرجوع من جمع إلى توحيد ويرده قول الشاعر:شعر : لست ممن يكع أو يستكينو ن إذا كافحته خيل الأعادي تفسير : واقتصر من متعلق الإيمان على الله واليوم الآخر مع أنهم كانوا يؤمنون بأفواههم بجميع ما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم لأنهما المقصود الأعظم من الإيمان إذ من آمن بالله تعالى على ما يليق بجلال ذاته آمن بكتبه ورسله وشرائعه، ومن علم أنه إليه المصير استعد لذلك بالأعمال الصالحة، وفي ذلك إشعار بدعوى حيازة الإيمان بطرفيه المبدأ والمعاد وما طريقه العقل والسمع ويتضمن ذلك الإيمان بالنبوة أو أن تخصيص ذلك بالذكر للإيذان بأنهم يبطنون الكفر فيما ليسوا فيه منافقين في الجملة لأن القوم في المشهور كانوا يهوداً وهم مخلصون في أصل الإيمان بالله واليوم الآخر على ظنهم، ومع ذلك كانوا ينافقون في كيفية الإيمان بهما ويرون المؤمنين أن إيمانهم بهما مثل إيمانهم فكيف فيما يقصدون به النفاق المحض وليسوا مؤمنين به أصلاً كنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم والقرآن أو أنهم قصدوا بتخصيص الإيمان بهما التعرض بعدم الإيمان بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وما بلغه ففي ذلك بيان لمزيد خبثهم، وهذا لو قصد حقيقته حينئذ لم يكن إيماناً لأنه لا بد من الإقرار بما جاء به صلى الله عليه وسلم فكيف وهو مخادعة وتلبيس؟! وقيل: إنه لما كان غرضهم المبالغة في خلوص إسلامهم بأنهم تركوا عقائدهم التي كانوا عليها في المبدأ والمعاد واعترفوا أنهم كانوا في ضلال خصوا إيمانهم بذلك لأنهم كانوا قائلين بسائر الأصول، وأما النبوة فليس في الإيمان بها اعتراف بذلك، وأيضاً ترك/ الراسخ في القلب مما عليه الإباء بترك الإيمان به صلى الله عليه وسلم من المسلمات فكأنهم لم يتعرضوا له للإشارة إلى أنه مما لا شبهة في أنهم معتقدون له بعد اعتقادهم ما هو أشد منه عليهم ـ وحمل {بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ} على القسم منهم على الإيمان ـ سمج بالله، وأسمج منه بمراتب حمله على القسم منه تعالى على عدم إيمانهم بتقدير ما آمنوا {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} فيجب أن يكون الباء صلة الإيمان وكررت مبالغة في الخديعة والتلبيس بإظهار أن إيمانهم تفصيلي مؤكد قوي. واليوم الآخر يحتمل أن يراد به الوقت الدائم من الحشر بحيث لا يتناهى أو ما عينه الله تعالى منه إلى استقرار كل من المؤمنين والكافرين فيما أعد له، وسمي آخراً لأنه آخر الأوقات المحدودة والأشبه هو الأول لأن إطلاق اليوم شائع عليه في القرآن سواء كان حقيقة أو مجازاً ولأن الإيمان به يتضمن الإيمان بالثاني لدخوله فيه من غير عكس، نعم المناسب للفظ اليوم لغة هو الثاني لمحدوديته وهو على كل تقدير مغاير لما عند الناس لأن اليوم عرفاً من طلوع الشمس إلى غروبها وشرعاً على الصحيح من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب، واصطلاحاً من نصف النهار إلى نصف النهار والأمر وراء ذلك، وسيأتي لذلك تتمة. وفي قوله سبحانه: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} حيث قدم الفاعل وأولى حرف النفي رد لدعوى أولئك المنافقين على أبلغ وجه لأن انخراطهم في سلك المؤمنين من لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء الملزوم، وقد بولغ في نفي اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم مطلقاً، وأكد ذلك النفي بالباء أيضاً وهذا سبب العدول عن الرد بما آمنوا المطابق لصدر الكلام، وبعضهم يجري الكلام على التخصيص وأن الكفار لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وادعوا موافقتهم قيل في جوابهم: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} على قصر الإفراد والذوق يبعده، وإطلاق الوصف للإشارة إلى العموم وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء، وقد يقيد بما قيد به سابقه لأنه واقع في جوابه إلا أن نفي المطلق يستلزم نفي المقيد فهو أبلغ وأوكد. وفي هذه الآية دلالة على أن من لم يصدق بقلبه لا يكون مؤمناً، وأما على أن من أقر بلسانه وليس في قلبه ما يوافقه أو ينافيه ليس بمؤمن فلا لوجود المنافي في المنافق هنا لأنه من المختوم على قلبه أو لأن الله تعالى كذبه وليس إلا لعدم مطابقة التصديق القلبـي للساني كذا قيل، ودقق بعضهم مدعياً أن من يجعل الإيمان الإقرار اللساني سواء يشترط الخلو عن الانكار والتكذيب أم لا يشترط أن يكون الإقرار بالشهادتين ولا يكفي عنده نحو آمنت بالله وباليوم الآخر لأن المدار على النطق بهما كما ورد في "الصحيح" حتى اشترط بعضهم لفظ اشهد، والاسم الخاص به تعالى واسم محمد صلى الله عليه وسلم فليس في الآية حينئذ دليل على إبطال مذهب الكرامية بوجه فليتدبر.

ابن عاشور

تفسير : هذا فريق آخر وهو فريق له ظاهر الإيمان وباطنه الكفر وهو لا يعدُو أن يكون مبطناً الشرك أو مبطناً التمسك باليهودية ويجمعه كله إظهار الإيمان كذباً، فالواو لِعطف طائفة من الجمل على طائفة مسوقٍ كل منهما لغرض جمعتهما في الذكر المناسبة بين الغرضين فلا يتطلب في مثله إلا المناسبة بين الغرضين لا المناسبةُ بين كل جملة وأخرى من كلا الغرضين على ما حققه التفتزاني في شرح الكشاف، وقال السيد إنه أصل عظيم في باب العطف لم ينتبه له كثيرون فأشكل عليهم الأمر في مواضع شتى وأصله مأخوذ من قول «الكشاف»: «وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة {أية : الذين كفروا}تفسير : [البقرة: 6] كما تُعطف الجملة على الجملة» فأفاد بالتشبيه أن ذلك ليس من عطف الجملة على الجملة. قال المحقق عبد الحكيم: وهذا ما أهمله السكاكي أي في أحوال الفصل والوصل وتفرد به صاحب «الكشاف». واعلم أن الآيات السابقة لما انتقل فيها من الثناء على القرآن بذكر المهتدين به بنوعيْهم الذين يؤمنون بالغيب والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى آخر ما تقدم، وانتقل من الثناء عليهم إلى ذكر أضدادهم وهم الكافرون الذين أريد بهم الكافرون صراحةً وهم المشركون، كان السامع قد ظن أن الذين أظهروا الإيمان داخلون في قوله {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : [البقرة: 3] فلم يكن السامع سائلاً عن قسم آخر وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك أو غيرَه وهم المنافقون الذين هم المراد هنا بدليل قوله: {أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا}تفسير : [البقرة: 14] الخ، لأنه لغرابته وندرة وصفه بحيث لا يخطر بالبال وجوده ناسب أن يذكر أمره للسامعين، ولذلك جاء بهذه الجملة معطوفة بالواو إذ ليست الجملة المتقدمة مقتضية لها ولا مثيرة لمدلولها في نفوس السامعين، بخلاف جملة: {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم}تفسير : [البقرة: 6] تُرك عطفها على التي قبلها لأن ذكر مضمونها بعد المؤمنين كان مترقباً للسامع، فكان السامع كالسائل عنه فجاء الفصل للاستئناف البياني. وقوله: {ومن الناس} خبر مقدم لا محالة وقد يتراءى أن الإخبار بمثله قليل الجدوى لأنه إذا كان المبتدأ دالاً على ذات مثله، أو معنى لا يكون إلا في الناس كانَ الإخبار عن المبتدأ بأنه من الناس أو في الناس غير مجد بخلاف قولك: الخَضِر من الناس، أي لا من الملائكة فإن الفائدة ظاهرة، فوجه الإخبار بقولهم من الناس في نحو الآية ونحو قول بعض أعزة الأصحاب في تهنئة لي بخطة القضاء:شعر : في الناس من ألقَى قِلادتها إلى خَلفٍ فحرَّم ما ابْتَغَى وأباحا تفسير : إن القصد إخفاء مدلول الخبر عنه كما تقول قال هذا إنسانٌ وذلك عندما يكون الحديث يكسب ذماً أو نقصاناً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله»تفسير : وقد كثر تقديم الخبر في مثل هذا التركيب لأن في تقديمه تنبيهاً للسامع على عجيب ما سيذكر، وتشويقاً لمعرفة ما يتم به الإخبار ولو أُخر لكان موقعه زائداً لحصول العلم بأن ما ذكره المتكلم لا يقع إلا من إنسان كقول موسى بنِ جابر الحنفي:شعر : ومن الرجال أسنَّة مذروبة ومزنَّدون وشاهد كالغائب تفسير : وقد قيل إن موقع {من الناس} مؤذن بالتعجب وإن أصل الخبر إفادة أن فاعل هذا الفعل من الناس لئلا يظنه المخاطَب من غير الناس لشناعة الفعل، وهذا بعيد عن القصد لأنه لو كان كما قال لم يكن للتقديم فائدة بل كان تأخيره أولى حتى يتقرر الأمر الذي يوهم أن المبتدأ ليس {من الناس}، هذا توجيه هذا الاستعمال وذلك حيث لا يكون لظاهر الإخبار بكون المتحدث عنه من أفراد الناس كبير فائدة فإن كان القصد إفادة ذلك حيث يجهله المخاطب كقولك: من الرجال من يَلْبَس برقعاً تريد الإخبار عن القوم المُدْعَوْن بالمُلَثَّمِين (من لَمْتُونة)، أو حيث ينزَّل المخاطَب منزلة الجاهل كقول عبد الله بن الزَّبِير (بفتح الزاي وكسر الباء):شعر : وفي الناس إنْ رثَّت حبالُك وَاصل وفي الأَرض عن دار القِلَى مُتَحَوَّل تفسير : إذا كان حال المخاطبين حالَ من يظن أن المتكلم لا يجد من يصله إن قطعه هو، فذِكر {من الناس} ونحوه في مثل هذا وارد على أصل الإخبار، وتقديم الخبر هنا للتشويق إلى استعلام المبتدأ وليس فيه إفادة تخصيص. وإذا علمت أن قوله {من الناس} مؤذن بأن المتحدث عنهم ستساق في شأنهم قصة مذمومة وحالة شنيعة إذ لا يُستر ذكرهم إلا لأن حالهم من الشناعة بحيث يستحي المتكلم أن يصرح بموصوفها وفي ذلك من تحقير شأن النفاق ومذمته أمر كبير، فوردت في شأنهم ثلاثَ عشرة آيةً نُعِيَ عليهم فيها خُبثهم ومكرهم، وسوء عواقبهم، وسفه أحلامهم، وجهالتهم، وأردف ذلك كله بشتم واستهزاء وتمثيل حالهم في أشنع الصور وهم أحرياء بذلك فإن الخطة التي تدربوا فيها تجمع مذام كثيرة إذِ النفاق يجمع الكذب، والجبن، والمكيدة، وأفنَ الرأي، والبلَه، وسوءَ السلوك، والطمَع، وإضاعَة العمر، وزوالَ الثقة، وعداوةَ الأصحاب، واضمحلالَ الفضيلة. أما الكذب فظاهر، وأما الجبن فلأنه لولاه لما دعاه داع إلى مخالفة ما يبطن، وأما المكيدة فإنه يحمل على اتقاء الاطلاع عليه بكل ما يمكن، وأما أَفَن الرأي فلأن ذلك دليل على ضعف في العقل إذ لا داعي إلى ذلك، وأما البلَه فللجهل بأن ذلك لا يطول الاغترار به، وأما سوء السلوك فلأنَّ طَبْع النفاق إخفاء الصفات المذمومة، والصفات المذمومة، إذا لم تظهر لا يمكن للمربي ولا للصديق ولا لعموم الناس تغييرها على صاحبها فتبقى كما هي وتزيد تمكناً بطول الزمان حتى تصير ملكة يتعذر زوالها، وأما الطمع فلأن غالب أحوال النفاق يكون للرغبة في حصول النفع، وأما إضاعة العمر فلأن العقل ينصرف إلى ترويج أحوال النفاق وما يلزم إجراؤه مع الناس ونصْبِ الحيل لإخفاء ذلك وفي ذلك ما يصرف الذهن عن الشغل بما يجدي، وأما زوال الثقة فلأن الناس إن اطلعوا عليه ساء ظنهم فلا يثقون بشيء يقع منه ولو حَقاً، وأما عداوة الأصحاب فكذلك لأنه إذا عَلِم أن ذلك خلُق لصاحبه خَشِيَ غدره فحذره فأدى ذلك إلى عداوته، وأما اضمحلال الفضيلة فنتيجة ذلك كله. وقد أشار قوله تعالى: {وما هم بمؤمنين} إلى الكذب، وقولُه: {أية : يخادعون}تفسير : [البقرة: 9] إلى المكيدة والجبن، وقوله: {أية : وما يخدعون إلا أنفسهم}تفسير : [البقرة: 9] إلى أفن الرأي، وقوله: {أية : وما يشعرون}تفسير : [البقرة: 9] إلى البلَه، وقوله: {أية : في قلوبهم مرض}تفسير : [البقرة: 10] إلى سوء السلوك، وقوله: {أية : فزادهم الله مرضاً}تفسير : [البقرة: 10] إلى دوام ذلك وتزايدِه مع الزمان، وقولُه: {أية : قالوا إنما نحن مصلحون}تفسير : [البقرة: 11] إلى إضاعة العمر في غير المقصود، وقولُه: {أية : قالوا إنا معكم}تفسير : [البقرة: 14] مؤكَّداً بإنَّ إلى قلة ثقة أصحابهم فيهم، وقولُه: {أية : فما ربحت تجارتهم}تفسير : [البقرة: 16] إلى أن أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم، وقوله: {أية : صم بكم عمي فهم لا يعقلون}تفسير : [البقرة: 18] إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا، وجمع عند قوله تعالى: {في قلوبهم مرض}. والناس اسم جمع إنْسِيّ بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أَنَاسِيَ الذي هو الجمع القياسي لإنْس وقد عوضوا عن أناسي أُناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب، دَلّ على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عَبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ القيس:شعر : إنَّ المنايا يطَّلِعْـ ـنَ على الأُناس الآمِنِينا تفسير : ثم حذفوا همزته تخفيفاً، وحذفُ الهمزة للتخفيف شائع كما قالوا لُوقَة في أَلُوقَة وهي الزُّبدة، وقد التزم حذف همزة أناس عند دخول أل عليه غالباً بخلاف المجرد من أل فذكر الهمزة وحذفُها شائع فيه وقد قيل إن نَاس جمع وإنه من جموع جاءت على وزن فُعال بضم الفاء مثل ظُؤار جمع ظِئْر، ورُخال جمع رَخِل وهي الأنثى الصغيرة من الضأن ووزن فُعال قليل في الجموع في كلام العرب وقد اهتم أئمة اللغة بجمع ما ورد منه فذكرها ابن خالويه في «كتاب (لَيْس)» وابنُ السكيت وابن بري. وقد عد المتقدمون منها ثمانية جُمعت في ثلاثة أبيات تُنسب للزمخشري والصحيح أنها لصدر الأفاضل تلميذه ثم ألْحَقَ كثير من اللغويين بتلك الثمانِ كلماتٍ أخر حتى أُنِهيتَ إلى أربع وعشرين جمعاً ذكرها الشهاب الخفاجي في «شرح درة الغواص» وذكر معظَمَها في «حاشيته على تفسير البيضاوي» وهي فائدة من علم اللغة فارجعوا إليها إن شئتم. وقيل إن ما جاء بهذا الوزن أسماء جموع، وكلام «الكشاف» يؤذن به ومفرد هذا الجمع إنسي أو إنس أو إنسان وكله مشتق من أَنِسَ ضد توحش لأن الإنسان يألف ويأْنَس. والتعريف في الناس للجنس لأن ما علمت من استعماله في كلامهم يؤيد إرادة الجنس ويجوز أن يكون التعريف للعهد والمعهود هم الناس المتقدم ذكرهم في قوله: {أية : إن الذين كفروا}تفسير : [البقرة: 6] أو الناس الذين يعهدهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في هذا الشأن، و(مَنْ) موصولة والمراد بها فريق وجماعة بقرينة قوله {وما هم بمؤمنين} وما بعده من صيغ الجمع. والمذكور بقوله: {ومن الناس من يقول} الخ قسم ثالث مقابل للقسمين المتقدمين للتمايز بين الجميع بأَشْهر الصفات وإن كان بين البعض أو الجميع صفات متفقة في الجملة فلا يشتبه وجه جعل المنافقين قسيماً للكافرين مع أنهم منهم لأن المراد بالتقسيم الصفات المخصصة. وإنما اقتصر القرآن من أقوالهم على قولهم: {آمنا بالله وباليوم الآخر} مع أنهم أظهروا الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم إيجازاً لأن الأول هو مبدأ الاعتقادات كلها لأن من لم يؤمن برب واحد لا يصل إلى الإيمان بالرسول إذ الإيمان بالله هو الأصل وبه يصلح الاعتقاد وهو أصل العمل، والثاني هو الوازع والباعث في الأعمال كلها وفيه صلاح الحال العملي أوهم الذين اقتصروا في قولهم على هذا القول لأنهم لغلوهم في الكفر لا يستطيعون أن يذكروا الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم استثقالاً لهذا الاعتراف فيقتصرون على ذكر الله واليوم الآخر إيهاماً للاكتفاء ظاهراً ومحافظة على كفرهم باطناً لأن أكثرهم وقادتهم من اليهود. وفي التعبير (بيقول) في مثل هذا المقام إيماء إلى أن ذلك قول غير مطابق للواقع لأن الخبر المحكي عن الغير إذا لم يتعلق الغرض بذكر نصه وحكى بلفظ (يقول) أوْمأ ذلك إلى أنه غير مطابق لاعتقاده أو أن المتكلم يكذبه في ذلك، ففيه تمهيد لقوله: {وما هم بمؤمنين} وجملة وما هم بمؤمنين في موضع الحال من ضمير {يقول} أي يقول هذا القول في حال أنهم غير مؤمنين. والآية أشارت إلى طائفة من الكفار وهم المنافقون الذين كان بعضهم من أهل يثرب وبعضهم من اليهود الذين أظهروا الإسلام وبقيتهم من الأعراب المجاورين لهم، ورد في حديث كعب بن مالك أن المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك بضعة وثمانون، وقد عرف من أسمائهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير، والجلاس بن سويد الذي نزل فيه: {أية : يحلفون بالله ما قالوا}تفسير : [التوبة: 74]، وعبد الله بن سبأ اليهودي ولَبيد بن الأَعْصَم من بني زُريق حليف اليهود كما في باب السحر من كتاب الطب من «صحيح البخاري»، والأخْنَس أُبَىُّ بنُ شَرِيق الثقفي كان يظهر الود والإيمان وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يعجبك}تفسير : [البقرة: 204]، وزَيد بن اللُّصَيْت القَيْنُقَاعي ووديعة بن ثابت من بني عَمرو بن عَوف، ومُخَشِّن بن حُمَيِّر الأشجعي اللذين كانا يثبطان المسلمين من غزوة تبوك، وقد قيل إن زيد بن اللُّصَيْت تابَ وحسن حاله، وقيل لا، وأما مُخَشِّن فتاب وعفا الله عنه وقُتل شهيداً يوم اليمامة. وفي كتاب «المرتبة الرابَعة» لابن حزم قد ذكر قوم مُعتِّب بن قشير الأوسي من بني عَمرو بن عوف في المنافقين وهذا باطل لأن حضوره بدراً يبطل هذا الظن بلا شك ولكنه ظهر منه يوم أحد ما يدل على ضعف إيمانه فلَمزوه بالنفاق فإنه القائل يوم أُحد: {أية : لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هٰهنا}تفسير : [آل عمران: 154]، رواه عنه الزبير بن العوام قال ابن عطية كان مغموصاً بالنفاق. ومن المنافقين أبو عَفَك أحدُ بني عَمرو بن عوف ظهر نفاقه حين قَتَل رسولُ الله الحارثَ بن سويد بن صامت وقال شعراً يعرض بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد أمر رسول الله بقتل أبي عَفَك فقتَله سالم بن عُمير، ومن المنافقات عَصماء بنت مروان من بني أمية بنِ زيد نافقت لما قتل أبو عَفَك وقالت شعراً تعرض بالنبي قتلها عمير بن عدي الخطمي وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينتطح فيها عَنْزَانِ»، ومن المنافقين بشير بنُ أُبيرق كان منافقاً يهجو أصحاب رسول الله وشهد أحداً ومنهم ثعلبة بن حاطب وهو قد أسلم وعد من أهل بدر، ومنهم بشر المنافق كان من الأنصار وهو الذي خاصم يهودياً فدعا اليهوديُّ بشراً إلى حكم النبي فامتنع بِشر وطلب المحاكمة إلى كعب بن الأشرف وهذا هو الذي قتله عُمر وقصته في قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} تفسير : في سورة النساء (60). وعن ابن عباس أن المنافقين على عهد رسول الله كانوا ثلاثمائة من الرجال ومائة وسبعين من النساء، فأما المنافقون من الأوس والخزرج فالذي سن لهم النفاق وجمعهم عليه هو عبد الله بن أُبى حسَداً وحنَقاً على الإسلام لأنه قد كان أهل يثرب بعد أن انقضت حروب بُعاث بينهم وهلك جل ساداتهم فيها قد اصطلحوا على أن يجعلوه ملكاً عليهم ويعصبوه بالعصابة. قال سعد بن عبادة للنبي في حديث البخاري: "اعف عنه يا رسول الله واصفح فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شَرِق بذلك" ا ه. وأما اليهود فلأنهم أهل مكر بكل دين يظهر ولأنهم خافوا زوال شوكتهم الحالية من جهات الحجاز، وأما الأعراب فهم تبع لهؤلاء ولذلك جاء: {أية : الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً}تفسير : [الأعراف: 97] الآية، لأنهم يقلدون عن غير بصيرة وكل من جاء بعدهم على مثل صفاتهم فهو لاحق بهم فيما نعى الله عليهم وهذا معنى قول سلمان الفارسي في تفسير هذه الآية: «لم يجيء هؤلاء بعد» قال ابن عطية معنى قوله أنهم لم ينقرضوا بل يجيئون من كل زمان ا هـ، يعني أن سلمان لا ينكر ثبوت هذا الوصف لطائفة في زمن النبوة ولكن لا يرى المقصد من الآية حصر المذمة فيهم بل وفي الذين يجيئون من بعدهم. وقوله: {وما هم بمؤمنين} جيء في نفي قولهم بالجُملة الاسمية ولم يجيء على وزان قولهم: {آمَنَّا} بأن يقال وما آمنوا لأنهم لما أثبتوا الإيمان لأنفسهم كان الإتيان بالماضي أشمل حالاً لاقتضائه تحقق الإيمان فيما مضى بالصراحة ودوامَه بالالتزام؛ لأن الأصل ألا يتغير الاعتقاد بلا موجب كيف والدين هو هو، ولما أريد نفي الإيمان عنهم كان نفيه في الماضي لا يسلتزم عدم تحققه في الحال بلهَ الاستقبال فكان قوله: {وما هم بمؤمنين} دالاً على انتفائه عنهم في الحال، لأن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال وذلك النفي يستلزم انتفاءه في الماضي بالأُوْلى، ولأن الجملة الفعلية تدل على الاهتمام بشأن الفعل دون الفاعل فلذلك حكى بها كلامهم لأنهم لما رأوا المسلمين يتطلبون معرفة حصول إيمانهم قالوا {آمنَّا}، والجملةُ الاسمية تدل على الاهتمام بشأن الفاعل أي أن القائلين {آمنا} لم يقع منهم إيمان فالاهتمام بهم في الفعل المنفي تسجيل لكذبهم وهذا من مواطن الفروق بين الجملتين الفعلية والاسمية وهو مُصَدَّق بقاعدة إفادة التقديم الاهتمام مطلقاً وإن أهملوا التنبيه على جريان تلك القاعدة عندما ذكروا الفروق بين الجملة الفعلية والاسمية في كتب المعاني وأشار إليه صاحب «الكشاف» هنا بكلام دقيق الدلالة. فإن قلت: كان عبد الله بن سَعْد بن أبي سرح أسلم ثم ارتد وزعم بعد ردته أنه كان يكتب القرآن وأنه كان يُملي عليه النبي صلى الله عليه وسلم "عزيز حكيم" مثلاً فيكتبها غفور رحيم مَثَلاً والعكسُ وهذا من عدم الإيمان فيكون حينئذٍ من المنافقين الذين آمنوا بعد، فالجواب أن هذا من نقل المؤرخين وهم لا يعتد بكلامهم في مثل هذا الشأن لا سيما وولاية عبد الله ابن أبي سرح الإمارة من جملة ما نقمه الثوار على عثمان وتحامُل المؤرخين فيها معلوم لأنهم تلقوها من الناقمين وأشياعهم، والأدلة الشرعية تنفي هذا لأنه لو صح للزم عليه دخول الشك في الدين ولو حاول عبد الله هذا لأَعلم الله تعالى به رسولَه لأنه لا يجوز على الرسول السهو والغفلة فيما يرجع إلى التبليغ على أنه مزيف من حيث العقل إذ لو أراد أن يكيد للدين لكان الأجدر به تحريف غير ذلك، على أن هذا كلام قاله في وقت ارتداده وقوله حينئذٍ في الدين غير مصدَّق لأنه متهم بقصد ترويج ردته عند المشركين بمكة وقد علمت من المقدمة الثامنة من هذا التفسير أن العمدة في آيات القرآن على حفظ حُفَّاظه وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان يأمر بكتابته لقصد المراجعة للمسلمين إذا احتاجوا إليه، ولم يَرْوِ أَحَدٌ أنه وقع الاحتياج إلى مراجعة ما كُتب من القرآن إلا في زمن أبي بكر، ولم ينقل أن حفاظ القرآن وجدوا خلافاً بين محفوظهم وبين الأصول المكتوبة، على أن عبد الله بن أبي سرح لم يكن منفرداً بكتابة الوحي فقد كان يكتب معه آخرون. ونفي الإيمان عنهم مع قولهم: {آمنا} دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديق وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذباً فلا يكون ذلك النطق إيماناً، والإيمان في الشرع هو الاعتقاد الجازم بثبوت ما يعلم أنه من الدين علماً ضرورياً بحيث يكون ثابتاً بدليل قطعي عند جميع أئمة الدين ويشتهر كونه من مقومات الاعتقاد الإسلامي اللازم لكل مسلم اشتهاراً بين الخاصة من علماء الدين والعامة من المسلمين بحيث لا نزاع فيه فقد نقل الإيمان في الشرع إلى تصديق خاص وقد أفصح عنه الحديث الصحيح عن عُمر أن جبريل جاء فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: «حديث : الإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومِ الآخر وتؤمنَ بالقدَر خيره وشره»تفسير : . وقد اختلفت علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو وتطرقوا أيضاً إلى حقيقة الإسلام ونحن نجمع متناثر المنقول منهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة. وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال: القول الأول: قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا: إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غيرُ ذلك وهو مسماه اللغوي فينبغي ألا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيّنها الدين وليس استعمال اللفظ العام في بعض أفراده بنقله له عن معناه اللغوي وغلب في لسان الشرعيين على ذلك التصديق واحتجوا بعدة أدلة هي من أخبار الآحاد ولكنها كثيرة كثرةً تلحقها بالمستفيض. من ذلك حديث جبريل المتقدم وحديث سعد أنه قال «يا رسول الله: مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً فقال: أوْ مسلماً»، قالوا وأما النطق والأعمال فهي من الإسلام لا من مفهوم الإيمان لأن الإسلام الاستسلام والانقياد بالجسد دون القلب ودليل التفرقة بينهما اللغة وحديث جبريل، وقوله تعالى: {أية : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}تفسير : [الحجرات: 14] ولما رواه مسلم عن طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل من نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإسلام فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، ونسب هذا القول إلى مالك بن أنس أخذاً من قوله في «المدونة»: «من اغتسل وقد أجمع على الإسلام بقلبه أجزأَه» قال ابن رشد لأن إسلامه بقلبه فلو مات مات مؤمناً، وهو مأخذ بعيد وستعلم أن قول مالك بخلافه. ونسب هذا أيضاً إلى الأشعري قال إمام الحرمين في «الإرشاد» وهو المرضي عندنا، وبه قال الزهري من التابعين. القول الثاني: إن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد فيكون الإيمان منقولاً شرعاً لهذا المعنى فلا يعتد بالاعتقاد شرعاً إلا إذا انضم إليه النطق ونقل هذا عن أبي حنيفة ونسبه النووي إلى جمهور الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين ونسبه الفخر إلى الأشعري وبشر المريسي، ونسبه الخفاجي إلى محققي الأشاعرة واختاره ابن العربي، قال النووي وبذلك يكون الإنسان من أهل القبلة. قلت ولا أحسب أن بين هذا والقول الأول فرقاً وإنما نظر كل قيل إلى جانب، فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى الاعتداد ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو منج فيما بين المرء وبين ربه أو لا بد من الإقرار؟ حكاه البيضاوي في «التفسير» ومال إلى الثاني ويؤخذ من كلامهم أنه لو ترك الإقرار لا عن مكابرة كان ناجياً مثل الأخرس والمغفل والمشتغل شغلاً اتصل بموته. واحتجوا بإطلاق الإيمان على الإسلام والعكس في مواضع من الكتاب والسنة، قال تعالى: {أية : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين}تفسير : [الذاريات: 35، 36] وفي حديث وفد عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة»تفسير : الخ وهذه أخبار آحاد فالاستدلال بها في أصل من الدين إنما هو مجرد تقريب على أن معظمها لا يدل على إطلاق الإيمان على حالة ليس معها حالة إسلام. القول الثالث: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالاً تقصر في الامتثال، ونسب ذلك إلى مالك وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي وابن جريج والنخعي والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك والبخاري ونسب لابن مسعود وحذيفة وبه قال ابن حزم من الظاهرية وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث، وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها لقوله تعالى: {أية : ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}تفسير : [الفتح: 4] الخ. وجاء في الحديث: «حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة»تفسير : فدل ذلك على قبوله للتفاضل. وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»تفسير : أي ليس متصفاً حينئذٍ بكمال الإيمان. ونقل عن مالك أنه يزيد ولا ينقص فقيل إنما أمسك مالك عن القول بنقصانه خشية أن يظن به موافقة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب. قال ابن بطال وهذا لا يخالف قول مالك بأن الإيمان هو التصديق وهو لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله وإنما أراد هؤلاء الأئمة الرد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل ا هـ. ولم يتابعهم عليه المتأخرون لأنهم رأوه شرحاً للإيمان الكامل وليس فيه النزاع إنما النزاع في أصل مسمى الإيمان وأول درجات النجاة من الخلود ولذلك أنكر أكثر المتكلمين أن يقال: الإيمان يزيد وينقص وتأولوا نحو قوله تعالى: {أية : ليزدادوا إيماناً}تفسير : [الفتح: 4] بأن المراد تعدد الأدلة حتى يدوموا على الإيمان وهو التحقيق. القول الرابع: قول الخوارج والمعتزلة إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل كما جاء في القول الثالث إلا أنهم أرادوا من قولهم حقيقة ظاهره من تركب الإيمان من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان، ولهم في تقرير بطلانه بنقص الأعمال الواجبة مذاهب غير منتظمة ولا معضودة بأدلة سوى التعلق بظواهر بعض الآثار مع الإهمال لما يعارضها من مثلها. فأما الخوارج فقالوا إن تارك شيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد في النار فالأعمال جزء من الإيمان وأرادوا من الأعمال فعل الواجبات وترك المحرمات ولو صغائر، إذ جميع الذنوب عندهم كبائر، وأما غير ذلك من الأعمال كالمندوبات والمستحبات فلا يوجب تركها خلوداً، إذ لا يقول مسلم إن ترك السنن والمندوبات يوجب الكفر والخلود في النار، وكذلك فعل المكروهات. وقالت الإباضية من الخوارج إن تارك بعض الواجبات كافر لكن كفره كفر نعمة لا شرك، نقله إمام الحرمين عنهم وهو الذي سمعناه من طلبتهم. وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في أن للأعمال حظاً من الإيمان إلا أنهم خالفوهم في مقاديرها ومذاهب المعتزلة في هذا الموضع غير منضبطة، فقال قدماؤهم وهو المشهور عنهم إن العاصي مخلد في النار لكنه لا يوصف بالكفر ولا بالإيمان ووصفوه بالفسق وجعلوا استحقاق الخلود لارتكاب الكبيرة خاصة، وكذلك نسب إليهم ابن حزم في كتاب «الفصل»، وقال واصل بن عطاء الغزّال إن مرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين أي لا يوصف بإيمان ولا كفر فيفارق بذلك قول الخوارج وقول المرجئة ووافقه عمرو بن عبيد على ذلك. وهذه هي المسألة التي بسببها قال الحسن البصري لواصل وعمرو بن عبيد اعتزل مجلسنا. ودرج على هذا جميعهم، لكنهم اضطربوا أو اضطرب النقل عنهم في مسمى المنزلة بين المنزلتين، فقال إمام الحرمين في «الإرشاد» إن جمهورهم قالوا إن الكبيرة تحبط ثواب الطاعات وإن كثرت، ومعناه لا محالة أنها توجب الخلود في النار وبذلك جزم التفتزاني في «شرح الكشاف» وفي «المقاصد»، وقال إن المنزلة بين المنزلتين هي موجبة للخلود وإنما أثبتوا المنزلة لعدم إطلاق اسم الكفر ولإجراء أحكام المؤمنين على صاحبها في ظاهر الحال في الدنيا بحيث لا يعتبر مرتكب المعصية كالمرتد فيقتل. وقال في «المقاصد» ومثله في «الإرشاد»: المختار عندهم خلاف المشتهر فإن أبا علي وابنه وكثيراً من محققيهم ومتأخريهم قالوا: إن الكبائر إنما توجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثواب الطاعات فإن أرْبت الطاعات على السيئات درأت السيئات، وليس النظر إلى أعداد الطاعات ولا الزلات، وإنما النظر إلى مقدار الأجور والأوزار فرب كبيرة واحدة يغلب وزرها طاعات كثيرة العدد، ولا سبيل إلى ضبط هذه المقادير بل أمرها موكول إلى علم الله تعالى، فإن استوت الحسنات والسيئات فقد اضطربوا في ذلك فهذا محل المنزلة بين المنزلتين. ونقل ابن حزم في «الفِصَل» عن جماعة منهم، فيهم بشر المريسي والأصَم من استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ولهم وقفة لا يدخلون النار مدة ثم يدخلون الجنة ومن رجحت سيئاته فهو مجازى بقدْر ما رجح له من الذنوب فمِن لفحة واحدة إلى بقاء خمسين ألف سنة في النار ثم يخرجون منها بالشفاعة. وهذا يقتضي أن هؤلاء لا يرون الخلود. وقد نقل البعض عن المعتزلة أن المنزلة بين المنزلتين لا جنة ولا نار إلا أن التفتزاني في «المقاصد» غلَّط هذا البعض وكذلك قال في «شرح الكشاف». وقد قرر صاحب «الكشاف» حقيقة المنزلة بين المنزلتين بكلام مجمل فقال في تفسير قوله تعالى: {أية : وما يضل به إلا الفاسقين} تفسير : من سورة البقرة (26) والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلتي المؤمن والكافر. وقالوا إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء وكونه بين أن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكَح ويوارَث ويغسَّل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة ا ه، فتراه مع إيضاحه لم يذكر فيه أنه خالد في النار وصرح في قوله تعالى: {أية : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} تفسير : في سورة النساء (93) بما يعمم خلود أهل الكبائر دون توبة في النار. قلت: وكان الشأن أن إجراء الأحكام الإسلامية عليه في الدنيا يقتضي أنه غير خالد إذ لا يعقل أن تجري عليه أحكام المسلمين وتنتفي عنه الثمرة التي لأجلها فارق الكفر إذ المسلم إنما أسلم فراراً من الخلود في النار فكيف يكون ارتكاب بعض المعاصي موجباً لانتقاض فائدة الإسلام، وإذا كان أحد لا يَسْلم من أن يقارف معصية وكانت التوبة الصادقة قد تتأخر وقد لا تحصل فيلزمهم ويلزم الخوارج أن يعُدوا جمهور المسلمين كفاراً وبئس مُنكراً من القول. على أن هذا مما يجرّيء العصاة على نقض عرى الدين إذ ينسَلُّ عنه المسلمون لانعدام الفائدة التي أسلموا لأجلها بحكم: "أنا الغريق فما خوفي من البلل"، ومن العجيب أن يَصدر هذا القول من عاقل فضلاً عن عالم، ثم الأعجب منه عكوف أتباعهم عليه تَلُوكه ألسنتهم ولا تفقهه أفئدتهم وكيف لم يقيض فيهم عالم منصف ينبري لهاته الترهات فيهذبها أو يؤولها كما أراد جمهور علماء السنة من صدر الأمة فَمن يليهم. القول الخامس: قالت الكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلاف مقاله بطل إيمانه وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان من نطق بالشهادتين وإن لم يَشغل عقله باعتقاد مدلولهما بل يكتفَى منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها. أو أرادوا أنه تجري عليه في الظاهر أحكام المؤمنين مع أن الكرامية لا ينكرون أن من يعتقد خلاف ما نطق به من الشهادتين أنه خالد في النار يوم القيامة، وفي «تفسير الفخر» أن غَيلان الدمشقي وافق الكرامية. هذه جوامع أقوال الفرق الإسلامية في مسمى الإيمان. وأنا أقول كلمة أربأُ بها عن الانحيَاز إلى نصرة وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام يعد نقصاً علمياً لا ينبغي البقاء عليه، ولا أَعْرِفَنِّي بعد هذا اليوم ملتفتاً إليه. لا جرم أن الشريعة أول ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام ليخرجوا بذلك من عقائد الشرك ومناوأة هذا الدين فإذا حصل ذلك تهيأت النفوس لقبول الخيرات وأفاضت الشريعة عليها من تلك النيرات فكانت في تلقي ذلك على حسب استعدادها زينة لمعاشها في هذا العالم ومعادها، فالإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حداً لا يقبل تفاوتاً ولا تشككاً، لأن شأن الحدود أن لا تكون متفاوتة كما قال الله تعالى: {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}تفسير : [يونس: 32]، ولا يدعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام، فيكابرَ لغة تتلَى عليه، كيف وقد فسره الرسول لذلك الجالس عند ركبتيه. فما الذين ادعَوْه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنة بأحد اللفظين، في مقام خطاب الذين تحلوا بكلتا الخصلتين، فانتظم القولان الأول والثاني. إن موجب اضطراب الأقوال في التمييز بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام أمران: أحدهما أن الرسالة المحمدية دعت إلى الاعتقاد بوجود الله ووحدانيته وبصدق محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب ودعت إلى النطق بما يدل على حصول هذا الاعتقاد في نفس المؤمن لأن الاعتقاد لا يعرف إلا بواسطة النطق ولم يقتنع الرسول من أحد بما يُحصِّل الظن بأنه حصَل له هذا الاعتقاد إلا بأن يعترف بذلك بنطقه إذا كان قادراً. الثاني: أن المؤمنين الذين استجابوا دعوة الرسول لم تكن ظواهرهم مخالفة لعقائدهم إذ لم يكن منهم مسلم يبطن الكفر فكان حصول معنى الإيمان لهم مقارناً لحصول معنى الإسلام وصدَق عليهم أنهم مؤمنون ومسلمون، ثم لما نبع النفاق بعد الهجرة طرأ الاحتياج إلى التفرقة بين حال الذين اتصفوا بالإيمان والإسلام وبين حال الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر تفرقة بالتحذير والتنبيه لا بالتعيين وتمييز الموصوف، لذا كانت ألفاظ القرآن وكلام النبي تجري في الغالب على مراعاة غالب أحوال المسلمين الجامعين بين المعنيين وربما جرت على مراعاة الأحوال النادرة عند الحاجة إلى التنبيه عليها كما في قوله تعالى: {أية : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمانُ في قلوبكم}تفسير : [الحجرات: 14] وكما في قول النبي لمن قال له: مَالَكَ عن فلان فوالله إني لأراه مُؤْمناً قال: «أوْ مسلما». فحاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم نفسه لاتَّباع الدين ودعوة الرسول، قال تعالى: {أية : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات}تفسير : [الأحزاب: 35] الآية. وهل يخامركم شك في أن الشريعة ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام لمجرد تعمير العالم الأخروي من جنة ونار لأن الله تعالى قادر على أن يخلق لهذين الموضعين خلْقاً يعمرونهما إن شاء خَلْقَهما، ولكن الله أراد تعمير العالَمين الدنيوي والأخروي، وجعل الدنيا مِصْقَلَة النفوس البشرية تهيئها للتأهل إلى تعمير العالم الأخروي لتلتحق بالملائكة، فجعل الله الشرائع لكف الناس عن سيء الأفعال التي تصدر عنهم بدواعي شهواتهم المفسدة لفطرتهم، وأراد الله حفظ نظام هذا العالم أيضاً ليبقى صالحاً للوفاء بمراد الله إلى أمدٍ أرادَه، فشرع للناس شرْعاً ودعا الناس إلى اتباعه والدخول إلى حظيرته ذلك الدخول المسمى بالإيمان وبالإسلام لاشتراط حصولهما في قِوام حقيقة الانضواء تحت هذا الشرع، ثم يستتبع ذلك إظهارَ تمكين أنفسهم من قبول ما يُرسم لهم من السلوك عن طيب نفس، وثقةٍ بمآلي نزاهة أو رجس. وذلك هو الأعمال ائتماراً وانتهاءً وفعلاً وانكفافاً. وهذه الغاية هي التي تتفاوت فيها المراتب إلاَّ أن تفاوت أهلها فيها لا ينقص الأصل الذي به دخلوا فإن الآتي بالبعض من الخير قد أتى بما كان أحسنَ من حاله قبل الإيمان، والآتي بمعظم الخير قد فاق الذي دونَه، والآتي بالجميع بقدر الطاقة هو الفائز، بحيث إن الشريعة لا تَعدِم منفعة تحصل من أفراد هؤلاء الذين تسموا بالمؤمنين والمسلمين ومن تلك المراتب حماية الحوزة والدفاع عن البيضة، فهل يشك أحد في أن عَمرو بن معديكرب أيامَ كان لا يرى الانتهاء عن شرب الخمر ويقول: إن الله تعالى قال: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91] فقلنا لا أنه قد دَلَّ جهادُه يوم القادِسية على إيمانه وعلى تحقيق شيء كثير من أجزاء إسلامه فهل يُعد سواءً والكافرين في كونه يخلد في النار؟ فالأعمال إذن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين - أعني كونَها في الدرجة الثانية وكونَها مقصودة - إلا مكابر. ومما يؤيد هذا أكمل تأييد ما ورد في «الصحاح» في حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعثه إلى اليمن فقال له: «حديث : إنَّك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً رسول الله (أي ينطقوا بذلك نطقاً مطابقاً لاعتقادهم) فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»تفسير : الخ فلولا أن للإيمان وللإسلام الحظ الأول لما قدمه، ولولا أن الأعمال لا دخل لها في مسمى الإسلام لما فرَّق بينهما، لأن الدعوة للحق يجب أن تكون دفعة وإلا لكان الرضا ببقائه على جزء من الكفر ولو لحظة مع توقع إجابته للدين رضىً بالكفر وهو من الكفر فكيف يأمر بسلوكه المَعصوم عن أن يُقِرّ أحداً على باطل، فانتظم القول الثالث للقولين. ومما لا شبهة فيه أن استحقاق الثواب والعقاب على قدر الأعمال القلبية والجوارحية فالأمر الذي لا يحصُل شيءٌ من المطلوب دونَه لا يُنجي من العذاب إلا جميعُه فوجب أن يكون من لم يؤمن ولم يسلم مخلَّداً في النار لأنه لا يحصل منه شيء من المقصود بدون الإيمان والإسلام، وأما الأمور التي يقرُب فاعلها من الغاية بمقدار ما يخطُو في طرقها فثوابها على قدر ارتكابها والعقوبة على قدر تركها، ولا ينبغي أن ينازِع في هذا غيرُ مكابر، إذ كيف يستوي عندالله العليمِ الحكيم رجلان أحدهما لم يؤمن ولم يسلم والآخر آمن وأسلَم وامتثل وانتهى، إلا أنه اتبع الأمَّارة بالسوء في خصلة أو زلة فيحكم بأن كلا الرجلين في عذاب وخلود؟ وهل تبقى فائدة لكل مرتكب معصية في البقاء على الإسلام إذا كان الذي فر من أجله للإسلام حاصلاً على كل تقدير وهو الخلود في النار حتى إذا أراد أن يتوب آمَن يومئذٍ؟ وهل ينكر أحد أن جل الأمة لا يخلون من التلبس بالمعصية والمعصيتين إذ العصمة مفقودة فإذا كان ذلك قبل التوبة كفراً فهل يقول هذا العاقل إن الأمة في تلك الحالة متصفة بالكفر ولا إخال عاقلاً يلتزمها بعد أن يسمعها، أفهل يموه أحد بعد هذا أن يأخذ من نحو قوله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143] يعني الصلاة، إن الله سمَّي الصلاة إيماناً ولولا أن العمل من الإيمان لما سميت كذلك بعد أن بينَّا أن الأعمال هي الغاية من الإيمان والإسلام فانتظم القول الرابع والخامس لثلاثة الأقوال لمن اقتدى في الإنصاف بأهل الكمال. ثم على العالم المتشبع بالاطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها أن يفرق بين مقامات خطابها فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير، ومنها مقام تعليم وتحقيق فيرد كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق ولا تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق فلا يحتج أحد بما ورد في أثبت أوصاف الموصوف، وأثبت أحد تلك الأوصاف تارة في سياق الثناء عليه إذ هو متصف بها جميعاً، فإذا وصف تارة بجميعها لم يكن وصفه تارة أخرى بواحد منها دالاً على مساواة ذلك الواحد لبقيتها، فإذا عرضت لنا أخبار شرعية جمعت بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض لم تكن دليلاً على كون حقيقة أحدهما مركبة ومقومة من مجموعهما فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة والنفي أو بسياق التعليم والتبيين فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموارد الشريعة وإغضاء عن غرضها ويؤول إلى تكفير جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء، بل يكون حكمه في المسألة كحكم فتاة الحي. أما مسألة العفو عن العصاة فهي مسألة تتعلق بغرضنا وليست منه، والأشاعرة قد توسعوا فيها وغيرهم ضيقها وأمرها موكول إلى علم الله إلا أن الذي بلغنا من الشرع هو اعتبار الوعد والوعيد وإلا لكان الزواجر كضرب في بارد الحديد وإذا علمتم أن منشأ الخلاف فيها هو النظر لدليل الوجوب أو الجواز علمتم خروج الخلاف فيها من الحقيقة إلى المجاز ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على مثل قولة الخوارج والإباضية والمعتزلة ولا ينبري من حذاق علمائهم من يهذب المراد أو يؤول قول قدمائه ذلك التأويل المعتاد، وكأني بوميض فطنة نبهائهم أخذ يلوح من خِلل الرماد.

الشنقيطي

تفسير : لم يذكر هنا بياناً عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله: {أية : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ}تفسير : [التوبة: 101].

الواحدي

تفسير : {ومنْ الناسِ مَن يقولُ آمنا بالله وباليوم الآخر....} الآية، نزلت في المنافقين حين أظهروا كلمة الإيمان، وأسرُّوا الكفر، فنفى الله سبحانه عنهم الإِيمان بقوله: {وما هم بمؤمنين} فدلَّ أنَّ حقيقة الإيمان ليس الإِقرار فقط. {يخادعون الله والذين آمنوا} أَيْ: يعملون عمل المخادع بإظهار غير ما هم عليه؛ ليدفعوا عنهم أحكام الكفر، {وما يخدعون إلاَّ أنفسهم} لأنَّ وبال خداعهم عاد عليهم بإطلاع الله تعالى نبيَّه [عليه السَّلام والمؤمنين] على أسرارهم وافتضاحهم، {وما يشعرون} : وما يعلمون ذلك. {في قلوبهم مرضٌ} شكٌ ونفاقٌ، {فزادهم الله مرضاً} أَيْ: بما أنزل من القرآن فشكُّوا فيه كما شكُّوا في الذي قبله، {ولهم عذابٌ أليم}: مؤلمٌ {بما كانوا يكذبون} بتكذيبهم آيات الله عزَّ وجلَّ ونبيَّه صلى الله عليه وسلم.[ومَنْ قرأ: "يُكذِّبون" فمعناه: يكذبهم في ادّعائهم الإيمان]. {وإذا قيل لهم} [لهؤلاء] المنافقين: {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر وتعويق النَّاس عن الإيمان {قالوا إنما نحن مصلحون} أَي: الذين نحن عليه هو صلاحٌ عند أنفسنا، فردَّ الله تعالى عليهم ذلك، فقال: {ألا إنَّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} : لا يعلمون أنَّهم مُفسدون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومن الناس: من بعض الناس. من يقول آمنا بالله: صدقنا بالله وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه. وباليوم الآخر: صدقنا بالبعث والجزاء يوم القيامة. يخادعون الله: بإظهارهم الإيمان وإخفائهم الكفر. وما يخدعون الا أنفسهم: إذ عاقبة خداعهم تعود عليهم لا على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين. وما يشعرون: لا يعلمون أن عاقبة خداعهم عائدة عليهم. في قلوبهم مرض: في قلوبهم شك ونفاق وألم الخوف من افتضاح أمرهم والضرب على أيديهم. فزادهم الله مرضا: شكاً ونفاقاً وألماً وخوفاً حسب سنة الله في أن السيئة لا تعقب إلاّ سيئة. عذاب أليم: موجع شديد الوقع على النفس. مناسبة الآية لما قبلها وبيان معناها: لما ذكر تعالى المؤمنين الكاملين في إيمانهم وذكر مقابلهم وهم الكافرون البالغون في الكفر منتهاه ذكر المنافقين وهم المؤمنون في الظاهر الكافرون في الباطن. وهم شر من الكافرين البالغين في الكفر أشده. أخبر تعالى أن فريقاً من الناس وهم المنافقون يدعون الإيمان بألسنتهم ويضمرون الكفر في قلوبهم. يخادعون الله والمؤمنين بهذا النفاق. ولما كانت عاقبة خداعهم عائدة عليهم. كانوا بذلك خادعين أنفسهم لا غيرهم ولكنهم لا يعلمون ذلك ولا يدرون به. كما أخبر تعالى أن في قلوبهم مرضا وهو الشك والنفاق والخوف، وأنه زادهم مرضا عقوبة لهم في الدنيا وتوعدهم بالعذاب الأليم في الآخرة بسبب كذبهم وكفرهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: التحذير من الكذب والنفاق والخداع، وأن عاقبة الخداع تعود على صاحبها كما أن السيئة لا يتولد عنها إلا سيئة مثلها.

القطان

تفسير : أما هنا فقد جاء فيهم ثلاثة عشرة آية تبيّنت فيها صفاتهم وحقيقتهم وخطتهم في الضلالة. هذا شرح وتفصيل لأحوال المنافقين وخداعهم، وهم أخبث الناس، لأنهم ضموا على الكفر الاستهزاءَ والخداع والتمويه، فنعى الله عليهم مكرهم وخداعهم بقوله ما معناه: ان بعض الناس قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، وهم كاذبون. انما يقولون ذلك نفاقاً وخوفا من المؤمنين. وهم بعملهم هذا يظنون أنهم يخادعون الله، ظناً منهم انه غير مطلع على خفاياهم. لكنهم في الواقع انما يخدعون أنفسهم، لأن ضرر عملهم لاحقٌ بهم. والله يعلم دخائل أنفسهم. ان هؤلاء القوم في قلوبهم مرض الشك والعناد والحسد، فزادهم الله مرضاً على مرضهم، بنصره للحق، ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة جزاء ريائهم. القراءات: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "يخادعون اللهَ والّذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفُسَهم؟" وقرأ الباقون "وما يخدعنون إلا أنفُسَهم".

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {ٱلآخِرِ} (8) - يَفْضَحُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ، وَيَكْشِفُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَهُمْ وَخَفَايَا نُفُوسِهِمْ. وَالمُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ آمَنُوا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِالإِسْلاَمِ، وَهُمْ كُفَّارٌ، فَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ، وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُؤْمِنينَ، وَلاَ مُخْلِصِين فِي إِيمَانِهِمْ. (وَيَنْطَبِقُ لَفْظُ المُنَافِقِ عَلَى كُلِّ مَنْ يُظْهِرُ الخَيْرَ وَيُبطِنُ الشَّرَّ). النَّاسِ - هُمْ بَنُو البَشَرِ، وَسُمِّيَ النَّاسُ أُناساً لظُهُورِهِمْ وَتَعَلُّقِ الإِينَاسِ بِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا}: صدّقنا بالله {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}: أي يوم القيامة. قال الله تعالى: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} والناس: هم جماعة من الحيوان المتميّز بالصورة الإنسانية، وهو جمع إنسان، وإنسان في الأصل إنسيان بالياء، فأسقطوا الياء منه ونقلوا حركته إلى السين فصار إنساناً؛ الا ترى إنّك إذا صغرته رددت الياء إليه فقلت: أنيسيان، واختلف العلماء في تسميته بهذا الاسم: فقال ابن عباس: سمي إنساناً لأنه عُهِدَ إليه فنسي. قال الله تعالى {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115]، وقال الشاعر: شعر : وسُمّيتَ إنساناً لأنك ناسي تفسير : وقال بعض أهل المعاني: سُمّي إنساناً لظهوره وقدس البصير أياه من قولك: آنست كذا: أي أبصرت. فقال الله تعالى {أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} تفسير : [القصص: 29] وقيل: لأنه استانس به، وقيل: لما خلق الله آدم آنسه بزوجته فسمّي إنساناً. {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ}: أي يخالفون الله ويُكذّبونه، وأصل الخدع في اللغة: الإخفاء، ومنه قيل [للبيت الذي يُحيا فيه المتاع] مُخدع، والمخادع يظهر خلاف ما يُضمر، وقال بعضهم: أصل الخداع في لغة: الفساد، قال الشاعر: شعر : أبيض اللون لذيذٌ طعمه طيّب الرّيق إذا الريق خدع تفسير : أي فسد. فيكون معناه: ليفسدون بما أضمروا بأنفسهم وبما أضمروا في قلوبهم، وقيل معناه: يخادعون الله بزعمهم وفي ظنّهم، يعني إنهم اجترؤوا على الله حتى أنهم ظنّوا أنهم يخادعون، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} تفسير : [طه: 97] يعني بظنّك وعلى زعمك. وقيل: معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع فيما بينهم. وقيل: معناه يخادعون رسوله، كقوله: {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} تفسير : [الزخرف: 55] أي أسخطونا، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 57] أي أولياء الله؛ لأن الله سبحانه لا يؤذي ولا يخادع، فبيّن الله تعالى أنّ من آذى نبياً من أنبيائه وولياً من أوليائه استحق العقوبة كما لو آذى رسوله وخادعه. يدل عليه الخبر المروي: إن الله تعالى يقول: من آذى ولياً من أوليائي فقد بارزني بالمحاربة. وقيل: إنّ ذكر الله سبحانه في قوله: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} تحسين وتزيين لسامع الكلام، والمقصد بالمخادعة للذين آمنوا كقوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 41]. ثم المخادعة على قدر المعاجلة وأكثر المفاضلة إنّما تجيء في الفعل المشترك بين اثنين، كالمقاتلة والمضاربة والمشاتمة، وقد يكون أيضاً من واحد كقولك: طارقت النعل، وعاقبت اللصّ، وعافاك الله، قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21] وقال: {أية : قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [التوبة: 30] والمخادعة هاهنا عبارة عن الفعل الذي يختص بالواحد في حين الله تعالى لا يكون منه الخداع. {وَٱلَّذِينَ آمَنُوا} أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم: آمنا، وهم غير مؤمنين، وقال بعضهم: من خداعهم المؤمنين: هو أنّهم كانوا يجالسون المؤمنين ويخالطونهم حتى يأنس بهم المؤمنون ويعدّونهم من أنفسهم فيبثون إليهم أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم. قال الله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} لأن وبال خداعهم راجع إليهم كأنهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم؛ وذلك أنّ الله تعالى لمطلع نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم على أسرارهم ونفاقهم، فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب الشديد في العقبى. قال أهل الإشارة: إنما يخادع من لا يعرف البواطن، فأما من عرف البواطن فإنّ مَنْ خادعه فإنما يخدع نفسه. واختلف القرّاء في قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ} فقرأ شيبة ونافع وابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء: {يخادعون} بالألف جعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد، وقد ذكرنا خبره وتصديقها الحرف الأول، وقوله: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} لم يختلفوا فيه إلاّ ما روي عن أبي حمزة الشامي إنه قرأ: (يخدعون الله) وقرأ الباقون {وما يخدعون} على أشهر اللغتين وأضبطهما واختاره أبو عبيد. {وَمَا يَشْعُرُونَ} وما يعلمون إنها كذلك. {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شكّ ونفاق، ومنه يُقال: فلان يمرض في الوعد إذا لم يُصححّه، وأصل المرض: الضّعف والفتور. فسمّي الشك في الدّين والنفاق [مرض به] يضعف البدن وينقص قواه؛ ولأنه يؤدي إلى الهلاك بالعذاب، كما أن المرض في البدن يؤدي إلى الهلاك والموت. {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} شكّاً ونفاقاً وهلاكاً. {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وهو بمعنى مؤلم كقول عمرو بن معدي كرب: شعر : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرّقني وأصحابي هجوع تفسير : أي المسمع: يعني خيالها. {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}: (ما) مصدرية، أي بتكذيبهم على الله ورسوله في السرّ. وقرأ أهل الكوفة: بفتح الياء وتخفيف الذال، أي بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين. {وَإِذَا}: حرف توقيت بمعنى حينئذ، وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر وفيها معنى الجزاء، {قِيلَ}: فعل ماض مجهول، وكان في الأصل قول مثل قيل، فآستثقلت الكسرة على الواو فنقلت كسرتها إلى فاء الفعل فانقلبت الواو ياءاً لكسرة ما قبلها، هذه اللغة العالية وعليها العامة وهي اختيار أبي عبيد. وقرأ الكسائي ويعقوب: قُيل، وغُيض، وحُيل، وسُيق، وجُيء، وشُيء وشُيت بإشمام الضمّة فيها لتكون دالة على الواو المنقلبة، وفاصلة بين الصّدر والمصدر. {لَهُمْ}: يعني المنافقين، وقيل: اليهود. قال لهم المؤمنون: {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بالكفر والمعصية وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد والقرآن، وقال الضحّاك: تبديل الملّة وتغيير السّنة وتحريف كتاب الله. {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {أَلاۤ}: كلمة تنبيه {إِنَّهُمْ}: هم عماد وتأكيد {ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}: ما أُعدّ لهم من العذاب. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} يعني: [قال] المؤمنون لليهود: {آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} وهم عبد الله ابن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} الجهّال. قال الله: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} بأنهم كذلك، وقيل: لا يؤدون العلم حقّه، وقال المؤرّخ: السفيه: البهّات الكذّاب المتعمّد لخلاف ما يعلم. قُطْرُب: السفيه: العجول الظلوم يعمل خلاف الحق. واختلف القرّاء في قوله: {ٱلسُّفَهَآءُ أَلاۤ} فحقّق بعضهم الهمزتين، وهو مذهب أهل الكوفة ولغة تميم. وأما أبو عمرو وأهل الحجاز فإنّهم همزوا الأولى وليّنوا الثانية؛ طلباً للخفّة، واختار الفرّاء حذف الأولى وهمز الثانية، واحتج بأن ما يستأنف ـ أي بالهمزة ـ مما يسكت عليه. {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. قال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن أُبيّ بن سلول الخزرجي عظيم المنافقين من رهط سعد بن عبادة، وكان إذا لقى سعداً قال: نعم الدينُ دين محمد، وكان إذا رجع إلى رؤساء قومه. قالوا: هل نكفر؟ قال: سدّوا أيديكم بدين آبائكم. فأنزل الله هذه الآية. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيّ محتجاً به، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عبد الله بن أُبيّ لأصحابه: أنظروا كيف أدرأ هؤلاء السُّفهاء عنكم. فذهب وأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصّدّيق سيّد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، والباذل نفسه وماله له. ثمَّ أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيّد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثمَّ أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيّد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: كف لله واتق الله ولا تنافق، فإنّ المنافقين شر خليقة الله، فقال له عبد الله: مهلا أبا الحسن إليّ تقول هذا، والله إنّ إيماننا كإيمانكم وتصدّيقنا كتصديقكم ثمَّ افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلتُ، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت. فأثنوا عليه خيراً، وقالوا: لانزال معك ما عشت، فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك، فأنزل الله {وَإِذَا لَقُواْ} أي رأوا، يعني المنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه، كان (لَقوا) في الأصل (لُقيوا) فإستثقلت الضمة على الياء فبسطت على القاف وسكنت الواو والياء ساكنة فحذفت لإجتماعهما. وقرأ محمد بن السميقع: وإذا لاقوا وهما بمعنى واحد. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: يعني أبا بكر وأصحابه {قَالُوۤا آمَنَّا} كأيمانكم. {وَإِذَا خَلَوْا} رجعوا، ويجوز أن تكون من الخلوة، تقول: خلوتُ به وخلوتُ إليه، وخلوتُ معهُ، كلها بمعنى واحد. وقال النضر بن شميل: {إِلَىٰ} ها هنا بمعنى (مع) كقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} تفسير : [البقرة: 187]: أي مع نسائكم، وقوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2] وقوله: {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52] النابغة: شعر : ولا تتركنّي بالوعيد كأنني إلى الناس مِطليٌّ به القار أجربُ تفسير : أي مع الناس. وقال آخر: شعر : ولوح ذراعين في بركة إلى جؤجؤرهل المنكب تفسير : أي مع جؤجؤ. {إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ}: أي رؤسائهم وكبرائهم وقادتهم وكهنتهم. قال ابن عباس: هم خمسة نفر من اليهود، ولا يكون كاهن إلاّ ومعه شيطان تابع له: كعب ابن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الله في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السَّوداء بالشام. والشيطان: المتمرد العاصي من الجن والإنس، ومن كل شيء، ومنه قيل: للحيّة النضناض: الشيطان، قال الله تعالى: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 65] أي الحيات، وتقول العرب: إتّق تلك الدابة فإنّها شيطان. وفي الحديث: "حديث : إذا مرَّ الرجل بين يدي أحدكم وهو يمتطي فليمنعه فإن أبى فليقاتله فإنّه شيطان ". تفسير : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إنّه نظر الى رجل يتبع حماماً طائراً فقال: "شيطان يتبع شيطاناً ". تفسير : أراد الراعي الخبيث الداعي. ويُحكى عن بعضهم إنه قال في تضاعيف كلامه: وكل ذلك حين ركبني شيطان قيل له: وأي الشياطين ركبك؟ قال: الغضب. وقال أبو النجم: شعر : إنّي وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر تفسير : {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} أي على دينكم وأنصاركم. {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بمحمد وأصحابه. {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي يجازيهم جزاء استهزائهم، فسُمّي الجزاء باسم الابتداء إذ كان مثلهُ في الصورة كقوله {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] فسُمّي جزاء السيئة سيئة. وقال عمرو بن كلثوم: شعر : ألا لا يجهلنّ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وقال آخر: شعر : نجازيهمُ كيل الصواع بما أتوا ومن يركب ابن العمّ بالظلم يُظلم تفسير : فسمّى الجزاء ظلماً. وقيل: معناه: الله يوبّخهم ويعرضهم ويُخطّيء فعلهم؛ لأنّ الاستهزاء والسخرية عند العرب العيب والتجهيل، كما يُقال: إنّ فلاناً يُستهزأ به منذ اليوم، أي يُعاب. قال الله {أية : {إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} تفسير : [النساء: 140] أي تُعاب، وقال أخباراً عن نوح عليه السلام: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}تفسير : [هود: 38]. وقال الحسن: معناه: الله يُظهر المؤمنين على نفاقهم. وقال ابن عباس: هو أن الله يُطلع المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنة على المنافقين وهم في النار، فيقولون لهم: أتحبّون أن تدخلوا الجنة، فيقولون: نعم؛ فيفتح لهم باب من الجنة، ويُقال لهم: ادخلوا فيسبحون ويتقلبون في النار، فإذا انتهوا إلى الباب سُدّ عليهم، وردّوا إلى النار ويضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 29] إلى قوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 34]. الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يؤمر بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعدَّ الله فيها لأهلها من الكرامة، نودوا: أن اصرفوهم عنها. قال: ويرجعون بحسرة وندامة لم يرجع الخلائق بمثلها. فيقولون: يا ربّنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا. فيقول الله جل جلاله: هذه الذي أردت بكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلّوني وكنتم تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما كنتم ترونني من قلوبكم. فاليوم أُذيقكم من عذابي مع ما حرمتكم من ثوابي ". تفسير : وقيل: هو خذلانه إياهم وحرمانهم التوفيق والهداية. وهو قوله فيما بعد: {وَيَمُدُّهُمْ} يتركهم، ويمهلهم ويُطيل لهم، وأصله: الزيادة، ويُقال: مدّ النهر، ومدّة: زمن آخر. وقرأ ابن محيصن وشبل: {وَيُمِدُّهُمْ} بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان بمعنى واحد؛ لأنّ المد أكثر ما يأتي في الشر والإمداد في الخير. قال الله عزّ وجلّ في المد: {أية : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} تفسير : [مريم: 79]، وقال في الإمداد: {أية : وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [الإسراء: 6] وقال: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [المؤمنون: 55]، وقال: {أية : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [نوح: 12]. {فِي طُغْيَانِهِمْ} كفرهم وضلالتهم وجهالتهم، وأصل الطغيان: مجاوزة القدر، يُقال: ميزان فيه طغيان، أي مجاوزة للقدر في الإستواء. قال الله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} تفسير : [الحاقة: 11] أي جاوز حدّه الذي قدّر له، وقال لفرعون: {أية : إِنَّهُ طَغَىٰ} تفسير : [طه: 24] أي أسرف في الدعوى حينما قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]. {يَعْمَهُونَ} يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين. يُقال: عمه يعمه عمهاً وعموهاً، وعمها فهو عمه، وعامه: إذا كان جائراً عن الحق. قال رؤبة: شعر : ومَهْمَه أَطْرَافُهُ في مَهْمَه أعمى الهُدى بالجاهلين العُمَّه تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}: قال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهُدى، ومعناه: إنهم استبدلوا الكفر على الإيمان، وإنّما أخرجه بلفظ الشّرى والتجارة توسّعاً؛ لأن الشرى والتجارة راجعان إلى الإستبدال والإختيار؛ وذلك أنّ كل واحد من البيعين يختار ما في يدي صاحبه على ما في يديه، وقال الشاعر: شعر : أخذتُ بالجُمَّة رأساً إزْعَرَا وبالثنايا الواضِحات الدُّرْدُرَا وبالطويل العُمْر عمراً جَيدَرا كما اشترى المسلم إذ تنصّرا تفسير : أي اختار النصرانية على الإسلام. وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ} بكسر الواو؛ لأنّ الجزم يُحرّك الى الكسرة العدوى بفتحها حركة إلى أخف الحركات. {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ}: أي فما ربحوا في تجارتهم. تقول العرب: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، ونام ليلك. أي ربحت وخسرت في بيعك، ونمت في ليلك. قال الله عزّ وجلّ: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} تفسير : [محمد: 21]، وقال: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ: 33]. قال الشاعر: شعر : وأعور من نيهان أمّا نهاره فأعمى وأمّا ليله فبصير تفسير : وقال آخر: شعر : حارثُ قد فرّجت عنّي همّي فنام ليلي وتجلّى غمّي تفسير : وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة: (فما ربحت تجاراتهم) بالجمع. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}: من الضلالة، وقال: مصيبين في تجاراتهم. قال سفيان الثوري: كلكم تاجر فلينظر امرؤ ما تجارته؟ قال الله {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} وقال: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الصف: 10].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الناس في الحياة الدنيا على ثلاثة أحوال: إما مؤمن، وإما كافر، وإما منافق. والله سبحانه وتعالى في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة .. أراد أن يعطينا وصف البشر جميعاً بالنسبة للمنهج وأنهم ثلاث فئات: الفئة الأولى هم المؤمنون، عَرَّفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في ثلاث آيات، في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [البقرة: 3-5]. والفئة الثانية هم الكفار، وعَرَّفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في آيتين في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 6-7]. وجاء للمنافقين فعرَّف صفاتهم في ثلاث عشرة آية متتابعة، لماذا ..؟ لخطورتهم على الدين، فالذي يهدم الدين هو المنافق، أما الكافر فنحن نتقيه ونحذره، لأنه يعلن كفره. إن المنافق يتظاهر أمامك بالإيمان، ولكنه يُبطن الشر والكفر، وقد تحسبه مؤمناً، فتطلعه على أسرارك، فيتخذها سلاحاً لطعن الدين .. وقد خلق الله في الإنسان ملكات متعددة، ولكن يعيش الإنسان في سلام مع نفسه، لابد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة. فالمؤمن ملكاته منسجمة، لأنه اعتقد بقلبه في الإيمان ونطق لسانه بما يعتقد، فلا تناقض بين ملكاته أبداً. والكافر قد يقال إنه يعيش في سلام مع نفسه، فقد رفض الإيمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك، ولكن الذي فقد السلام مع ملكاته هو المنافق، أنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع نفسه، فهو يقول بلسانه، ما لا يعتقد قلبه، يُظهر غير ما يُبطن، ويقول غير ما يعتقد، ويخشى أن يكشفه الناس، فيعيش في خوف عميق، وهو يعتقد أن ذلك شيء مؤقت سينتهي. ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا، ثم ينتقل معه إلى الآخرة، فينقض عليه، ليقوده إلى النار، واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [فصلت: 20-21]. إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم في الآخرة، فالسلام الذي كانوا يتمنونه لم يحققوه لا في حياتهم ولا في آخرتهم، فلسان المنافق يشهد عليه، ويداه تشهدان عليه، ورِجْلاه تشهدان عليه، والجلود تشهد عليه، فماذا بقي له؟ بينه وبين ربه تناقض، وبينه وبين نفسه تناقض، وبينه وبين مجتمعه تناقض، وبينه وبين آخرته تناقض. وبينه وبين الكافرين تناقض. يقول لسانه ما ليس في قلبه، بماذا وصف الحق سبحانه وتعالى المنافقين؟ قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]. هذه أول صفات المنافقين في القرآن الكريم، يعلنون الإيمان وفي قلوبهم الكفر، ولذلك فإن إيمانهم كله تظاهر، إذا ذهبوا للصلاة لا تكتب لهم، لأنهم يتظاهرون بها، ولا يؤدونها عن إيمان، وإذا أدوا الزكاة، فإنها تكون عليهم حسرة، لأنهم ينفقونها وهم لها كارهون، لأنها في زعمهم نقص من مالهم. لا يأخذون عليها ثواباً في الآخرة، وإذا قتل واحد منهم في غزوة، انتابهم الحزن، والأسى، لأنهم أهدروا حياتهم ولم يقدموها في سبيل الله. وهكذا يكون كل ما يفعلونه شقاء بالنسبة لهم. أما المؤمن فحين يصلي أو يؤدي الزكاة أو يستشهد في سبيل الله فهو يرجو الجنة، وأما المنافقون فإنهم يفعلون كل هذا، وهم لا يرجون شيئاً .. فكأنهم بنفاقهم قد حكم عليهم الله سبحانه وتعالى بالشقاء في الدنيا والآخرة، فلا هم في الدنيا لهم متعة المؤمن فيما يفعل في سبيل الله، ولا هم في الآخرة لهم ثواب المؤمن فيما يرجو من الله.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في أول السورة صفات المؤمنين، وأعقبها بذكر صفات الكافرين، ذكر هنا "المنافقين" وهم الصنف الثالث، الذين يُظهرون الإِيمان ويُبطنون الكفر، وأطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية لينبه إِلى عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، ثم عقَّب ذلك بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان، وتوضيحاً لما تنطوي عليه نفوسهم من ظلمة الضلال والنفاق، وما يئول إِليه حالهم من الهلاك والدمار. اللغَة: {يُخَادِعُونَ} الخِداع: المكر والاحتيال وإِظهار خلاف الباطن، وأصله الإِخفاء ومنه سُمي الدهرُ خادعاً لما يخفي من غوائله، وسُمي المِخْدع مِخْدعاً لتستر أصحاب المنزل فيه {مَّرَضٌ} المرض: السُّقْم وهو ضد الصحة وقد يكون حسياً كمرض الجسم، أو معنوياً كمرض النفاق ومرض الحسد والرياء، قال ابن فارس: المرضُ كلُّ ما خرج به الإِنسان عن حد الصحة من علةٍ، أو نفاق، أو تقصير في أمر {تُفْسِدُواْ} الفساد: العدول عن الاستقامة وهو ضد الصلاح {ٱلسُّفَهَآءُ} جمع سفيه وهو الجاهل، الضعيف الرأي، القليل المعرفة، بمواضع المنافع والمضار، وأصل السَّفه، الخِفَّة، والسفيه: الخفيف العقل قال علماء اللغة: السَّفه خفةٌ وسخافة رأي يقتضيان نقصان العقل، والحِلْمُ يقابله {طُغْيَانِهِمْ} الطغيان: مجاوزة الحد في كل شيء ومنه {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} تفسير : [الحاقة: 11] أي ارتفع وعلا وجاوز حده، والطاغية: الجبار العنيد {يَعْمَهُونَ} العَمَه: التحير والتردُّد في الشيء يقال: عَمِهَ يَعْمه فهو عَمِه قال رؤبة: "أعمى الهدى بالحائرين العُمَّه" قال الفخر الرازي: العَمَهُ مثل العمى، إِلا أَن العَمَى عام في البصر والرأي، والعَمَه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه {ٱشْتَرَوُاْ} حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وأصله بذل الثمن لتحصيل الشيء المطلوب، والعرب تقول لمن استبدل شيئاً بشيء اشتراه قال الشاعر: شعر : فإِن تزعميني كنتُ أجهلُ فيكم فإِني اشتريتُ الحلمَ بعدِك بالجهل تفسير : {صُمٌّ} جمع أصم وهو الذي لا يسمع {بُكْمٌ} جمع أبكم وهو الأخرس الذي لا ينطق {عُمْيٌ} جمع أعمى وهو الذي فقد بصره {صَيِّبٍ} الصَيّبُ: المطر الغزير مأخوذ من الصَّوْب وهو النزول بشدة قال الشاعر "سقتكِ روايا المُزْن حيثُ تصوب" {ٱلصَّوَاعِقِ} جمع صاعقة وهي نارٌ محرقة لا تمر بشيء إِلا أتت عليه، مشتقة من الصَّعْق وهو شدة الصوت {ٱلسَّمَآءِ} السماء في اللغة: كلُّ ما علاكَ فأظلَّك، ومنه قيل لسقف البيت سماء، ويسمى المطر سماءً لنزوله من السماء قال الشاعر: شعر : إِذا سقط السماء بأرضِ قومٍ رعيناه وإِن كانوا غِضابا تفسير : {يَخْطَفُ} الخَطْفُ: الأخذ بسرعة ومنه {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} تفسير : [الصافات: 10] وسُمِي الطير خُطّافاً لسرعته، والخاطف الذي يأخذ الشيء بسرعة شديدة. سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في منافقي أهل الكتاب منهم "عبد الله بن أُبي ابن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس" كانوا إِذا لقوا المؤمنين يظهرون الإِيمان والتصديق ويقولون: إِنّا لنجد في كتابنا نعته وصفته. التفسِير: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} أي ومن الناس فريق يقولون بألسنتهم صدَّقنا بالله وبما أنزل على رسوله من الآيات البينات {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي وصدَّقنا بالبعث والنشور {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} أي وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين، لأنهم يقولون ذلك قولاً دون اعتقاد، وكلاماً دون تصديق قال البيضاوي: هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إِلى الله، لأنّهم موَّهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً، ولذلك أطال في بيان خبثهم وجهلهم، واستهزأ بهم وتهكَّم بأفعالهم، وسجَّل عليهم الضلال والطغيان، وضرب لهم الأمثال {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا} أي يعملون عمل المخادِع بإِظهار ما أظهروه من الإِيمان مع إِصرارهم على الكفر، يعتقدون - بجهلهم - أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، وما علموا أن الله لا يُخدع لأنه لا تخفى عليه خافية قال ابن كثير: النفاق هو إِظهار الخير، وإِسرارُ الشر وهو أنواع: اعتقادي وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب والأوزار، لأن المنافق يخالف قولُه فعلَه، وسرُّه علانيته، وإِنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن بها نفاق بل كان خلافه {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} أي وما يخدعون في الحقيقة إِلا أَنفسَهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ولا يُحسّون بذلك ولا يفطنون إِليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} أي في قلوبهم شك ونفاق فزادهم الله رجساً فوق رجسهم، وضلالاً فوق ضلالهم، والجملةُ دعائية قال ابن أَسلم: هذا مرضٌ في الدين، وليس مرضاً في الجسد، وهو الشك الذي دخلهم في الإِسلام فزادهم الله رجساً وشكاً {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} أي ولهم عذابٌ مؤلمٌ بسبب كذبهم في دعوى الإِيمان، واستهزائهم بآيات الرحمن.. ثم شرع تعالى في بيان قبائحهم، وأحوالهم الشنيعة فقال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي وإِذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تسعوا في الأرض بالإِفساد بإِثارة الفتن، والكفر والصَدِّ عن سبيل الله قال ابن مسعود: الفسادُ في الأرض هو الكفرُ، والعملُ بالمعصية، فمن عصى الله فقد أفسد في الأرض {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي ليس شأننا الإِفسادُ أبداً، وإِنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك قال البيضاوي: تصوُّروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال الله فيهم {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} تفسير : [فاطر: 8] ولذلك ردَّ الله عليهم أبلغ ردٍّ بتصدير الجملة بحرفيْ التأكيد {أَلا} المنبهة و {إِنَّ} المقررة، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، والاستدراك بعدم الشعور فقال {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي أَلاَ فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يُحسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} أي وإِذا قيل للمنافقين: آمنوا إِيماناً صادقاً لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء، كما آمن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأخلصوا في إِيمانكم وطاعتكم لله {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} الهمزة للإِنكار مع السخرية والاستهزاء أي قالوا أنؤمن كإِيمان هؤلاء الجهلة أمثال "صهيب، وعمار، وبلال" ناقصى العقل والتفكير؟! قال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} أي أَلا إِنهم هم السفهاء حقاً، لأن من ركب متن الباطل كان سفيهاً بلا امتراء، ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى، والبعد عن الهدى. أكَّد وَنبَّه وحصر السفاهة فيهم، ثم قال تعالى منبهاً إِلى مصانعتهم ونفاقهم {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} أي وإِذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقاً ومصانعة {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} أي وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم، أهلِ الضلالِ والنفاق {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي قالوا لهم نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان، قال تعالى رداً عليهم {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم ويُملي لهم كقوله {أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [الأعراف: 183] قال ابن كثير: هذا إِخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف، وإِليه وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] ومثل {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 194] فالأول ظلم والثاني عدل {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ويزيدهم - بطريق الإِمهال والترك - في ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويتردّدون حيارى، لا يجدون إِلى المخرج منه سبيلاً لأن الله طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشداً ولا يهتدون سبيلاً {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أي استبدلوا الكفر بالإِيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهُدى {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} أي ما ربحت صفقتُهم في هذه المعارضةِ والبيع {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين، ثم ضرب تعالى مثلين وضَّح فيهما خسارتهم الفادحة فقال {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} أي مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد ناراً ليستدفئ بها ويستضيء، فما اتقدت حتى انطفأت، وتركته في ظلام دامس وخوفٍ شديد {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي فلما أنارتْ المكان الذي حوله فأبصر وأمِن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة ذهب الله بنورهم أي أطفأها الله بالكلية، فتلاشت النار وعُدم النور {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} أي وأبقاهم في ظلماتٍ كثيفة وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله.. فبينا هو كذلك إِذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغيَّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالةٌ على أنهم آمنوا ثم كفروا، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إِلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة {صُمٌّ} أي هم كالصُمِّ لا يسمعون خيراً {بُكْمٌ} أي كالخرس لا يتكلمون بما ينفعهم {عُمْيٌ} أي كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي لا يرجعون عمَّا هم فيه من الغي والضلال، ثم ثنَّى تعالى بتمثيل آخر لهم زيادةً في الكشف والإِيضاح فقال {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قومٍ أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوبٍ بالبرق والرعد والصواعق {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} أي في ذلك السحاب ظلماتٌ داجية، ورعدٌ قاصف، وبرقٌ خاطف {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} جملة اعتراضية أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إِرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوتُ من أحاط به الأعداء من كل جانب {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أي يقارب البرقُ لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي وإِذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم.. وفي هذا تصويرٌ لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإِذا صادفوا من البرق لمعة - مع خوفهم أن يخطف أبصارهم - انتهزوها فرصة فَخَطَوْا خطواتٍ يسيرة، وإِذا خفي وفتر لمعانه وقفوا عن السير، وثبتوا في أماكنهم خشية التردي في حفرة {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إِنه تعالى قادر على كل شيء، لا يعجزه أحدٌ في الأرض ولا في السماء، قال ابن جرير: إِنما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إِذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: أولاً: المبالغة في التكذيب لهم {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} كان الأصل أن يقول: "وما آمنو" ليطابق قوله "من يقول آمنا" ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم لإِخراج ذواتهم من عداد المؤمنين وأكده بالباء للمبالغة في نفي الإِيمان عنهم. ثانياً: الاستعارة التمثيلية {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} شبَّه حالهم مع ربهم في إِظهار الإِيمان وإِخفاء الكفر بحال رعيةٍ تخادع سلطانها واستعير اسم المشبَّه به للمشبه بطريق الاستعارة. ثالثاً: صيغة القصر {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} وهذا من نوع "قصر الموصوف على الصفة" أي نحن مصلحون ليس إِلاَّ. رابعاً: الكناية اللطيفة {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} المرضُ في الأجسام حقيقة وقد كنى به عن النفاق لأن المرض فسادٌ للبدن، والنفاق فساد للقلب. خامساً: تنويع التأكيد {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} جاءت الجملة مؤكدة بأربع تأكيدات {أَلاۤ} التي تفيد التنبيه، و{إِنَّ} التي هي للتأكيد، وضمير الفصل {هُمُ} ثم تعريف الخبر {ٱلْمُفْسِدُونَ} ومثلها في التأكيد {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} وهذا ردٌّ من الله تعالى عليهم بأبلغ ردٍّ وأحكمه. سادساً: المشاكلة {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} سمَّى الجزاء على الاستهزاء استهزاءً بطريق المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى. سابعاً: الاستعارة التصريحية {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} المراد استبدلوا الغيَّ بالرشاد، والكفر بالإِيمان فخسرت صفقتهم ولم تربح تجارتهم فاستعار لفظ الشراء للاستبدال ثم زاده توضيحاً بقوله {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} وهذا هو الترشيح الذي يبلغ بالاستعارة الذروة العليا. ثامناً: التشبيه التمثيلي {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} وكذلك في {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ} شبه في المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإِظهاره الإِيمان بالإِضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وفي المثال الثاني شبَّه الإِسلام بالمطر لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبَّه شبهات الكفار بالظلمات، وما في القرآن من الوعد والوعيد بالرعد والبرق.. الخ. تاسعاً: التشبيه البليغ {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أي هم كالصم البكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً. عاشراً: المجاز المرسل {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} وهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء أي رؤوس أصابعهم لأن دخول الأصبع كلها في الأذن لا يمكن. الحادي عشر: توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهذا له وقع في الأذن حسن، وأثر في النفس رائع مثل {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الخ وهو من المحسنات البديعية. الفوَائِد: الأولى: الغاية من ضرب المثل: تقريب البعيد، وتوضيح الغامض حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس، وللأمثال تأثير عجيب في النفس {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43]. الثانية: وصف تعالى المنافقين في هذه الآيات بعشرة أوصاف كلها شنيعة وقبيحة تدل على رسوخهم في الضلال وهي (الكذب، الخداع، المكر، السَّفه، الاستهزاء، الإِفساد في الأرض، الجهل، الضلال، التذبذب، السخرية بالمؤمنين) أعاذنا الله من صفات المنافقين. الثالثة: حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين مع أنهم كفار وعلمه صلى الله عليه وسلم بأعيان بعضهم ما أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: حديث : أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه . تفسير : لطيفَة: قال العلامة ابن القيم: تأمل قوله تعالى {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} ولم يقل: "ذهب الله بنارهم" مع أنه مقتضى السياق ليطابق أول الآية {ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} فإِِن النار فيها إِشراقٌ وإِحراق، فذهب الله بما فيها من الإِشراق وهو "النور" وأبقى ما فيها من الإِحراق وهو "النارية"!! وتأمل كيف قال {بِنُورِهِمْ} ولم يقل بضوئهم، لأن الضوء زيادةٌ في النور، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل!! وتأمل كيف قال {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} فوحَّد النور ثم قال {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} فجمعها، فإِن الحقَّ واحد هو صراط الله المستقيم، الذي لا صراط يوصل سواه، بخلاف طُرُق الباطل فإِنها متعددة ومتشعبة، ولهذا أفرد سبحانه "الحقَّ" وجمع "الباطل" في آيات عديدة مثل قوله تعالى {أية : وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [المائدة: 16] وقوله {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] وقوله {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153] فجمع سبل الباطل ووحَّد سبيل الحق.

الأندلسي

تفسير : و"الناس" اسم جمع لبني آدم. وقالوا: ناس من الجن. وهو مجاز وأصله عند سيبويه والفراء أناس حذفت همزته فوزنه عال. وعند الكسائي نوس من ناس تحرك. وعند غيرهما نَسَيْ من النسيان قلب، ويدل عليه قولهم في تصغير إنسان أنيسان. ومن هنا موصولة وجوزوا أن تكون موصوفة وهي مبتدأ والخبر في الجار والمجرور قبلها ولا بد من قيد في الناس وإلا كان أخباراً لا تستقل به فائدة. فالتقدير ومن الناس السابق ذكرهم الذين اندرجوا في قولهم: إن الذين كفروا فليس هؤلاء إلا بعضاً من أولئك شاركوهم في جميع ما أخبر به عن أولئك وزادوا أنهم ادعوا الإِيمان واكذبهم الله تعالى وليسوا غير مختوم على قلوبهم كما زعم الزمخشري. وجعل من موصولة أكثر في لسان العرب من كونها موصوفة ويدل على أنها موصولة انها نزلت في ناس بأعيانهم معروفين. بما صدر منهم من أقوالهم وأفعالهم كعبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه ومن وافقه من غير أصحابه ممن أظهر الاسلام مقالا وأبطن الكفر اعتقاداً واقتصروا على قولهم. {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} منهم أن يعترفوا بالايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه وايهاما انهم من طائفة المؤمنين وحمل في قوله يقول على لفظ من وفى. {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} على المعنى. وقول ابن عطية: إنه لا يجوز أن يرجع من لفظ الجمع إلى لفظ الواحد مخالفة لقول النحويين من أنه يجوز أن يبدأ بالحمل على المعنى ثم على اللفظ وإن كان الحمل أولاً على اللفظ ثم على المعنى أولى. وقد ثبت ما أنكره في كتاب الله تعالى وفي لسان العرب وبمؤمنين في موضع نصب. وأكثر لغة الحجاز جر الخبر بالباء وعليه أكثر ما جاء في القرآن. وزيدت الباء في الخبر للتأكيد ولأجل التوكيد بولغ في نفي إيمانهم بأن جاءت الجملة إسمية، وسلط النفي على اسم الفاعل الذي ليس مقيداً بزمان ليشمل جميع الأزمان ولم يجيىء التركيب مبنياً على قولهم فيكون وما آمنوا. والخداع، قيل: إظهار غير ما في النفس. وقرىء: يخدعون الله مضارع خدع. وجاز في يخادعون أن يكون مستأنفاً، كان قائلاً يقول: لم يتظاهرون بالإِيمان وليسو بمؤمنين؟ فقيل: يخادعون. قيل: وأن يكون بدلاً من يقول أو حالاً من ضمير، يقول ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في بمؤمنين، والعامل فيها اسم الفاعل كما ذهب إليه أبو البقاء وهذا إعراب خطأ وذلك ان ما دخلت على الجملة فنفت نسبة الإِيمان إليهم، فإِذا قيدت تلك النسبة بحال تسلط النفي على تلك الحال وهو القيد فنفته. ولذلك طريقان في لسان العرب أحدهما، وهو الأكثر: أن ينتفي ذلك القيد فقط، ويكون إذ ذاك قد ثبت العامل في ذلك القيد. فإذا قلت: ما زيد أقبل ضاحكاً فمفهومه نفي الضحك. ويكون قد أقبل غير ضاحك وليس معنى الآية على هذا إذ لا ينفى عنهم الخداع فقط فيثبت لهم الإِيمان بغير خداع بل المعنى نفي الإِيمان عنهم مطلقاً والطريق الثاني وهو الأقل هو أن ينتفي القيد وينتفي العامل فيه، فكأنه قال في المثال السابق: لم يقبل زيد ولم يضحك، أي لم يكن منه إقبال ولا ضحك. وليس معنى الآية على هذا إذ ليس المراد نفي الإِيمان عنهم ونفي الخداع والعجب من أبي البقاء كيف تنبّه لشيء من هذا فمنع أن يكون يخادعون في موضع الصفة فقال ولا يجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لمؤمنين لأن ذلك يوجب نفي خداعهم والمعنى على إثبات الخداع إنتهى كلامه فأجاز ذلك في الحال ولم يجز ذلك في الصفة وهما سواء، ولا فرق بين الحال والصفة في ذلك بل كل منهما قد يتسلط النفي عليه ومخادعة المنافقين الله هو من حيث الصورة لا من حيث المعنى من حيث تظاهروا بالإِيمان وأبطنوا الكفر ومن حيث عدم عرفانهم بالله ولِصفاته أو يكون ذلك على حذف مضاف أي يخادعون رسول الله وليس اسم الجلالة مقحماً كما ذهب إليه الزمخشري وذكر مثلاً نازعناه في الاستدلال بها ومخادعتهم المؤمنين كونهم امتثلوا إجراء أحكام المسلمين عليهم مع مخالفتهم لهم في الإِعتقاد. وقرىء: وما يخادعون مضارع خدع بفتح الياء وضمها مبني للمفعول. ويخدعون بفتح الخاء وتشديد الدال المكسورة من خدع مشدداً وبفتح الياء والخاء وكسر الدال مشددة ويخادعون بكسر الدال وفتحها مبنياً للمفعول فمن بناه للمفعول نصب. "أنفسهم" تمييزاً على مذهب الكوفيين في غبن زيد رأيه، واما على التشبيه بالمفعول به، واما على إسقاط حرف الجر أي في أنفسهم، ويختدعون مضارع اختدع بمعنى خدع كاقتدر وقدر والمعنى ان وبال ذلك ليس راجعاً للمخدوع بل للخادع فكأنه ما كاد إلا نفسه بإِيرادها موارد الهلكة وهو لا يشعر بذلك جهلاً بقبيح أفعاله. "وما يشعرون" معطوف على يخادعون الله، أي وما يشعرون إطلاع الله نبيّه على خداعهم، أو وما يشعرون إيقاع أنفسهم في الشقاء بكفرهم ونفاقهم. أو جملة حالية، أي وما يخادعون إلا أنفسهم غير شاعرين بذلك إذ لو شعروا بذلك ما خادعوا الله والمؤمنين وجاء يخادعون بصيغة المضارع اشعاراً بالديمومة إذ هو في معرض الذم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : واعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان "وفي رواية: "وإذا خاصم فجر ". وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام، فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم [من مكة] إلى المدينة، وبعد أن هاجر، فلما كانت وقعة "بدر " وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم، فأظهر بعضهم الإسلام خوفا ومخادعة، ولتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم، وفي الحقيقة ليسوا منهم. فمن لطف الله بالمؤمنين، أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها، لئلا يغتر بهم المؤمنون، ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم [قال تعالى]: { أية : يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } تفسير : فوصفهم الله بأصل النفاق فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقوله: { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } لأن الإيمان الحقيقي، ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين. والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا، ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون، سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك، فعاد خداعهم على أنفسهم، فإن هذا من العجائب؛ لأن المخادع، إما أن ينتج خداعه ويحصل له ما يريد أو يسلم، لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم، وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا يتضرر بخداعهم [شيئا] وعباده المؤمنون، لا يضرهم كيدهم شيئا، فلا يضر المؤمنين أن أظهر المنافقون الإيمان، فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم، وصار كيدهم في نحورهم، وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا، والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة والنصرة. ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع، بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم، والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك. وقوله: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } والمراد بالمرض هنا: مرض الشك والشبهات والنفاق، لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله: مرض الشبهات الباطلة، ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك والبدع، كلها من مرض الشبهات، والزنا، ومحبة [الفواحش و]المعاصي وفعلها، من مرض الشهوات ، كما قال تعالى: { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } وهي شهوة الزنا، والمعافى من عوفي من هذين المرضين، فحصل له اليقين والإيمان، والصبر عن كل معصية، فرفل في أثواب العافية. وفي قوله عن المنافقين: {أية : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } تفسير : بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين، وأنه بسبب ذنوبهم السابقة، يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : وقال تعالى: {أية : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } تفسير : فعقوبة المعصية، المعصية بعدها، كما أن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، قال تعالى: {أية : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى }.

همام الصنعاني

تفسير : 17- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}: [الآية: 8]، حتى بلغ {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}: [الآية: 16]، قال: "هذه في المنافقين". وضرب لهم مثلاً آخر في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ}: الآية: 17]، قال: هي لا إلهَ إلاّ الله، أضاءت لهم، فأكلوا بها وشربوا، وآمنوا في الدنيا، فنكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذه بالله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال: {أَوْ كَصَيِّبٍ}: [الآية: 19]، قال: الصيّب: المطر، {فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ}: [الآية: 19]، يقول: أجبن قوم، لا يسمعون بشيء إلاّ طنوا أنهم هالكون فيه حذراً من الموت، والله محيط بالكافرين، ثم ضرب لهم مثلاً آخر، فقال: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ}: الآية: 20]، يقول: هذا المنافق، إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية، قال: لم يُصبني منذُ دخلت في ديني هذا إلاّ خَيْرٌ. {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}: [الآية: 20]، يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم، وأصابَهم البلاءُ، قامُوا متحيِّرينَ. 18- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}: [الآية: 16]، قال: اسْتَحبُّوا الضلالَةَ على الهدى.