٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، والكلام ههنا يقع في مسائل: المسألة الأولى: الختم والكتم أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه، والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. المسألة الثانية: اختلف الناس في هذا الختم، أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان، منهم من قال: الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار، ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادراً على تركه أو لا يكون، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء، فإما أن يكون صيرورتها مصدراً للفعل بدلاً عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أولا يتوقف، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وتجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال، وأما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أولا من فعل الله ولا من فعل العبد، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل، ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد؛ لأنه يلزم حدوث شيء لا لمؤثر، وذلك يبطل القول بالصانع. فثبت أن كون قدرة العبد مصدراً للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل الله تعالى. فنقول: إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجباً أو جائزاً أو ممتنعاً، والثاني والثالث، باطل فتعين الأول، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزاً لأنه لو كان جائزاً لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر، وأخرى منفكاً عنه، فلنفرض وقوع ذلك؛ لأن كل ما كان جائزاً لا يلزم من فرض وقوعه محال، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر، وأخرى لا يترتب عليه الأثر، فاختصاص أحد الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على انضمام قرينة إليه، أو لا يتوقف، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا، وأيضاً فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن لم يتوقف فحينئذٍ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدراً للأثر، وأخرى بحيث لا يكون مصدراً له مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما ألبتة، فيكون هذا قولاً بترجح الممكن لا عن مرجح وهو محال. فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً، وأما أنه لا يكون ممتنعاً فظاهر، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحاً للعدم وهو محال، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة، ومن ذلك المرجح، وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازماً: لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعاً وبعد حصوله يكون واجباً، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختماً على القلب ومنعاً له عن قبول الإيمان؛ فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له، لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى. وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى وزادوا ههنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان وغطاء يمنعهم عن الإيمان {أية : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [النساء: 155] وقال: {أية : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 4، 5] وهذا كله عيب وذم من الله تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا: بل لا بدّ من حمل الختم والغشاوة على أمور أخر ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالألف والطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئاً وكأن بآذانهم وقراً حتى لا يخلص إليها الذكر، وإنما أضيف ذلك إلى الله تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي؛ ولهذا قال تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [النساء: 155] {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [المطففين: 14] {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ }. تفسير : [التوبة: 77] وثانيها: أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب. وثالثها: أنهم لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى الذكر وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله تعالى؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة: {أية : زَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة: 125] أي ازدادوا بها كفراً إلى كفرهم. ورابعها: أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعاراً بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي. وخامسها: أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً به من قولهم: {أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تفسير : [فصلت: 5] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } تفسير : [البينة: 1]. وسادسها: الختم على قلوب الكفار من الله تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه أريد أن تختم على ما يقوله فلان، أي تصدقه وتشهد بأنه حق، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك وحفظه عليهم. وسابعها: قال بعضهم: هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقاباً لهم في العاجل، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } تفسير : [البقرة: 65] وقال: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلأرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [المائدة: 26] ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم الله تعالى فيها من العبرة لعبادة والصلاح لهم، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعاً يمنعهم عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين. وثامنها: يجوز أن يجعل الله على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلاً بينهم وبين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذى في عينيه والطنين في أذنه، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب والغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه، وهذا كله مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد. وتاسعها: يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا } تفسير : [الإسراء: 97] وقال: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } تفسير : [طه: 102] وقال: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [يۤس: 65] وقال: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } تفسير : [االأنبياء: 100]. وعاشرها: ما حكوه عن الحسن البصري ـ وهو اختيار أبي على الجبائي والقاضي ـ أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار، وعلى أنهم لا يؤمنون أبداً فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال: {أية : أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] وحينئذٍ الملائكة يحبونه ويستغفرون له، ويكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ويلعنونه، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة؛ لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كافراً ملعوناً عند الله تعالى صار ذلك منفراً لهم عن الكفر أو إلى المكلف، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السموات صار ذلك مرغباً له في الإيمان وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجراً له عن الكفر. قالوا: والختم بهذا المعنى لا يمنع، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه، ولأن الختم هو بمنزلة أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر. قالوا: وإنما خص القلب والسمع بذلك؛ لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب، ولهذا خصهما بالذكر. فإن قيل: فيتحملون الغشاوة في البصر أيضاً على معنى العلامة؟ قلنا لا، لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة والعلامة، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك، ولا مانع منه فوجب إثباته. أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك فلا بدّ من حمله على المجاز، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية. فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع. المسألة الثالثة: الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي: الطبع، والكنان، والرين على القلب، والوقر في الآذان، والغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول: وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [المطففين: 14] {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً } تفسير : [الأنعام: 25] {أية : وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [التوبة: 87] {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } تفسير : [النساء: 155] {أية : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون } تفسير : [فصلت: 4] {أية : لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } تفسير : [يۤس: 70] {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء } تفسير : [النمل: 80] {أية : أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاء } تفسير : [النحل: 21] {أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } تفسير : [البقرة: 10] والقسم الثاني: وردت دلالة على أنه لا مانع البتة {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ } تفسير : [الأسراء: 94] {أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [االكهف: 29] {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 28] {أية : لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } تفسير : [آل عمران: 71] والقرآن مملوء من هذين القسمين، وصار كل قسم منهما متمسكاً لطائفة، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض. أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها، وبالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعباً وأشدها شغباً، ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا، لأنهم نزهوه، فسئل عن أهل السنّة فقال لا، لأنهم عظموه، والمعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه، إلا أن أهل السنّة وقع نظرهم على العظمة فقالوا: ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه، والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح، وأقول: ههنا سر آخر، وهو أن إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح، وهو نفي الصانع، ولو توقفت لزم الجبر. وإثبات الرسول يلجىء إلى القول بالقدرة. بل ههنا سر آخر هو فوق الكل، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح، وهذا يقتضي الجبر، ونجد أيضاً تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزماً بديهياً بحسن المدح وقبح الذم والأمر والنهي، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة، فكأن / هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية، وبحسب العلوم النظرية، وبحسب تعظيم الله تعالى نظراً إلى قدرته وحكمته، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل السمعية، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة وغمضت وعظمت، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين. المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم، وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم، لقوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } تفسير : [الجاثية: 23] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. المسألةالخامسة: الفائدة في تكرير الجار في قوله: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين. المسألة السادسة: إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه: أحدها: أنه وحد السمع، لأن لكل واحد منهم سمعاً واحداً، كما يقال: أتاني برأس الكبشين، يعني رأس كل واحد منهما، كما وحد البطن في قوله: «كلوا في بعض بطنكمو تعيشوا» يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس، فإذا لم يؤمن كقولك. فرشهم وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه. الثاني: أن السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع يقال: رجلان صوم، ورجال صوم، فروعي الأصل، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله: {أية : وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت: 5] الثالث: أن نقدر مضافاً محذوفاً أي وعلى حواس سمعهم. الرابع قال سيبويه: إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً، قال تعالى: {أية : يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257] {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ } تفسير : [المعارج: 37] قال الراعي:شعر : بها جيف الحيدى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب تفسير : وإنما أراد جلودها، وقرأ ابن أبي عبلة (وعلى أسماعهم). المسألة السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر، والتقديم دليل على التفضيل، ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر، ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم، وقد كان فيهم من كان مبتلى بالعمى، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر، ولأن السمع متى بطل بطل النطق، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق. ومنهم من قدم البصر، لأن آلة القوة الباصرة أشرف، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور، ومتعلق القوة السامعة الريح. المسألة الثامنة: قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } يدل على أن محل العلم هو القلب. واستقصينا بيانه في قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193] في سورة الشعراء. المسألة التاسعة: قال صاحب الكشاف: البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات، كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما يستبصر به ويتأمل، فكأنهما جوهران لطيفان خلق الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار، أقول: إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام: وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثاً غامضة لا تليق بهذا الموضع. المسألة العاشرة: قرىء {غِشَـٰوَةً } بالكسر والنصب، وغشاوة بالضم والرفع، وغشاوة بالفتح والنصب، وغشوة بالكسر والرفع، وغشوة بالفتح والرفع والنصب، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا، والغشاوة هي الغطاء، ومنه الغاشية، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع. المسألة الحادية عشرة: العذاب مثل النكال بناء ومعنى، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، كما تقول نكل عنه، ومنه العذب، لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً، لأنه ينقخ العطش أي يكسره، وفراتاً لأنه برفته عن القلب، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة، والفرق بين العظيم والكبير: أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً، تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. المسألة الثانية عشرة: اتفق المسلمون على أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، وقال بعضهم لا يحسن وفسروا قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } بأنهم يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو، ولنذكر ههنا دلائل الفريقين، أما الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور. أحدها: أن ذلك التعذيب ضرر خالٍ عن جهات المنفعة، فوجب أن يكون قبيحاً، أما أنه ضرر فلا شك، وأما أنه خالٍ عن جهات المنفعة، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى، أو إلى غيره، والأول باطل، لأنه سبحانه متعالٍ عن النفع والضرر بخلاف الواحد منا في الشاهد، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه، لأنه يستلذ بذلك التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام ولأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك عما يضره. والثاني: أيضاً باطل، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال، لأن الإضرار لا يكون عين الانتفاع وأما إلى غيره فمحال، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح على الراجح، وهو باطل وأيضاً فلا منفعة يريد الله تعالى إيصالها إلى أحد إلا وهو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير، فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة. فثبت أن التعذيب ضرر خالٍ عن جميع جهات المنفعة وأنه معلوم القبح ببديهة العقل، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي لا يكون ضاراً، والجهل الذي لا يكون ضاراً، بل من قبح الكذب الضار والجهل الضار، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر وقبح ما يكون وسيلة إلى الضرر، دون قبح نفس الضرر، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من الله تعالى، لأنه حكيم والحكيم لا يفعل القبيح، وثانيها: أنه تعالى كان عالماً بأن الكافر لا يؤمن على ما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6] إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر منه إلا العصيان، فلو كان ذلك العصيان سبباً للعقاب لكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العقاب، إما لأنه تمام العلة، أو لأنه شطر العلة، وعلى الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبة لا محالة العقاب، وماكان مستعقباً للضرر الخالي عن النفع كان قبيحاً، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً، والقبيح لا يفعله الحكيم، فلم يبق ها هنا إلا أحد أمرين، إما أن يقال لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب، وكيف كان فالمقصود حاصل وثالثها: أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع، أو للإضرار، أولا للإنفاع ولا للإضرار، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك، ولما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم كان التكليف فعلاً يؤدي بهم إلى العقاب، فإذا كان قاصداً لإنفاعهم وجب أن لا يكلفهم، وحيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سبباً لاستحقاق العذاب، ولا جائز أن يقال. خلقهم لا للإنفاع ولا للإضرار، لأن الترك على العدم يكفي في ذلك، ولأنه على هذا التقدير يكون عبثاً، ولا جائز أن يقال: خلقهم للإضرار، لأن مثل هذا لا يكون رحيماً كريماً، وقد تطابقت العقول والشرائع على كونه رحيماً كريماً، وعلى أنه نعم المولى ونعم النصير، وكل ذلك يدل على عدم العقاب. ورابعها: أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي، فيكون هو الملجىء إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها، إنما قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها، وبينا أن ذلك يوجب الجبر، وتعذيب المجبور قبيح في العقول، وربما قرروا هذا من وجه آخر فقالوا: إذا كانت الأوامر والنواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس فقبلها أحدهما وخالفها الآخر فأثيب أحدهما وعوقب الآخر، فإذا قيل لم قيل هذا وخالف الآخر؟ فيقال لأن القابل أحب الثواب وحذر العقاب فأطاع، والآخر لم يحب ولم يحذر فعصى، أو أن هذا أصغى إليّ من وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصى، فيقال: ولم أصغى هذا وفهم ولم يصغ ذلك ولم يفهم؟ فنقول: لأن هذا لبيب حازم فطن، وذلك أخرق جاهل غبي فيقال ولم اختص هذا بالحزم والفطنة دون ذاك، ولا شك أن الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزية. فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما في نفسه بنفسه؟ فإذا تناهت التعليلات إلى أمور خلقها الله تعالى اضطراراً علمنا أن كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع أحدهما وعصى الآخر في كل حال أعني في العقل والجهل، والفطانة والغباوة، والحزم والخرق، والمعلمين والباعثين والزاجرين، ولا يمكنك أن تقول إنهما لو استويا في ذلك كله لما استويا في الطاعة والمعصية، فإذن سبب الطاعة والمعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق الله تعالى وقضائه، وعند هذا يقال: أين من العدل والرحمة والكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه الله عليه من الفظاظة والجسارة، والغباوة والقساوة، والطيش والخرق، ثم يعاقبه عليه، وهلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيباً حازماً عارفاً عالماً، وأين من العدل أن يسخن قلبه ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما رزق غيره من مؤدب أديب ومعلم عالم وواعظ مبلغ، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم، والعاقل العالم، البارد الرأس، المعتدل مزاج القلب، اللطيف الروح الذي رزقه مربياً شفيقاً، ومعلماً كاملاً؟ ما هذا من العدل والرحمة والكرم والرأفة في شيء فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول. وخامسها: أنه تعالى إنما كلفنا النفع لعوده إلينا، لأنه قال: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا تلك المنافع، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً ويقول له إني أعذبك العذاب الشديد، لأنك فوت على نفسك بعض المنافع، فإنه يقال له إن تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر فهب أني فوت على نفسي أدون المطلوبين أفتفوت عليّ لأجل ذلك أعظمها وهل يحسن من السيد أن يأخذ عبده ويقول إنك قدرت على أن تكتسب ديناراً لنفسك ولتنتفع به خاصة من غير أن يكون لي فيه غرض ألبتة، فلما لم تكتسب ذلك الدينار ولم تنتفع به آخذك وأقطع أعضاءك إرباً إرباً، لا شك أن هذا نهاية السفاهة، فكيف يليق بأحكم الحاكمين ثم قالوا هب أن سلمنا هذا العقاب فمن أين القول بالدوام؟ وذلك لأن أقسى الناس قلباً وأشدهم غلظة وفظاظة وبعداً عن الخير إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه وعذبه يوماً أو شهراً أو سنة فإنه يشبع منه ويمل، فلو بقي مواظباً عليه لامه كل أحد، ويقال هب أنه بالغ هذا في أضرارك، ولكن إلى متى هذا التعذيب، فإما أن تقتله وتريحه، وإما أن تخلصه، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام الذي يقال وسادسها: أنه سبحانه نهى عباده عن استيفاء الزيادة، فقال: {أية : فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } تفسير : [الإسرءا: 33] وقال: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] ثم إن العبد هب أنه عصى الله تعالى طول عمره فأين عمره من الأبد؟ فيكون العقاب المؤبد ظلماً. وسابعها: أن العبد لو واظب على الكفر طول عمره، فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه وأجاب دعاءه وقبل توبته، ألا ترى أن هذا الكريم العظيم ما بقي في الآخرة، أو عقول أولئك المعذبين ما بقيت فلم لا يتوبون عن معاصيهم؟ وإذا تابوا فلم لا يقبل الله تعالى منهم توبتهم، ولم لا يسمع نداءهم، ولم يخيب رجاءهم؟ ولم كان في الدنيا في الرحمة والكرم إلى حيث قال: {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } تفسير : [النمل: 62] وفي الآخرة صار بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد فإنه لا يخاطبهم إلا بقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] قالوا: فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب. ثم قال من آمن من هؤلاء بالقرآن: العذر عما ورد في القرآن من أنواع العذاب من وجوه: أحدها: أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين، والدلائل العقلية تفيد اليقين، والمظنون لا يعارض المقطوع. وإنما قلنا: إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، لأن الدلائل اللفظية مبنية على أصول كلها ظنية والمبني على الظني ظني، وإنما قلنا إنها مبنية على أصول ظنية، لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف، ورواة هذه الأشياء لا يعلم بلوغهم إلى حد التواتر، فكانت روايتهم مظنونة، وأيضاً فهي مبنية على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار بالزيادة والنقصان وعدم التقديم والتأخير، وكل ذلك أمور ظنية، وأيضاً فهي مبنية على عدم المعارض العقلي، فإنه بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معاً، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل النقل، والطعن في العقل يوجب الطعن في العقل والنقل معاً، لكن عدم المعارض العقلي مظنون، هذا إذا لم يوجد فكيف وقد وجدنا ههنا دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر، فثبت أن دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية، وأما أن الظني لا يعارض اليقيني فلا شك فيه. وثانيها: وهو أن التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس، قال الشاعر:شعر : وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه يعد لؤما، وإذا كان كذلك وجب أن لا يصلح من الله تعالى، وهذا بناءً على حرف وهو أهل السنّة جوزوا نسخ الفعل قبل مدة الامتثال وحاصل حروفهم فيه أن الأمر يسن تارة لحكمة تنشأ من نفس المأمور به، وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر، فإن السيد قد يقول لعبده إفعل الفعل الفلاني غداً وإن كان يعلم في الحال أنه سينهاه عنه غداً، ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر العبد الانقياد لسيده في ذلك ويوطن نفسه على طاعته، فكذلك إذا علم الله من العبد أنه سيموت غداً فإنه يحسن عند أهل السنّة أن يقول: صلِ غداً إن عشت، ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل المأمور به، لأنه ههنا محال بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط، وهو حصول الانقياد والطاعة وترك التمرد. إذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال الخبر أيضاً كذلك؟ فتارة يكون منشأ الحكمة من الأخبار هو الشيء المخبر عنه وذلك في الوعد، وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر لا المخبر عنه كما في الوعيد، فإن الأخبار على سبيل الوعيد مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات، فإذا حصل هذا المقصود جاز أن لا يوجد المخبر عنه كما في الوعيد، وعند هذا قالوا إن وعد الله بالثواب حق لازم؛ وأما توعده بالعقاب فغير لازم، وإنما قصد به صلاح المكلفين مع رحمته الشاملة لهم، كالوالد يهدد ولده بالقتل والسمل والقطع والضرب، فإن قبل الولد أمره فقد انتفع وإن لم يفعل فما في قلب الوالد من الشفقة يرده عن قتله وعقوبته، فإن قيل فعلى جميع التقادير يكون ذلك كذباً والكذب قبيح قلنا لا نسلم أن كل كذب قبيح بل القبيح هو الكذب الضار، فأما الكذب النافع فلا، ثم إن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أنه كذب، أليس أن جميع عمومات القرآن مخصوصة ولا يسمى ذلك كذباً، أليس أن كل المتشابهات مصروفة عن ظواهرها، ولا يسمى ذلك كذباً فكذا ههنا. وثالثها: أليس أن آيات الوعيد في حق العصاة مشروطة بعدم التوبة وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً في صريح النص، فهي أيضاً عندنا مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً بصريح النص صريحاً، أو نقول: معناه أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب فيحمل الإخبار عن الوقوع على الأخبار عن استحقاق الوقوع فهذا جملة ما يقال في تقرير هذا المذهب. وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب، فقالوا إنه نقل إلينا على سبيل التواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع العذاب فإنكاره يكون تكذيباً للرسول وأما الشبه التي تمسكتم بها في نفي العقاب فهي مبنية على الحسن والقبح وذلك مما لا نقول به والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيها عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ} بيَّن سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله: «ختم الله». والختم مصدر ختمت الشيء ختماً فهو مختوم ومختّم؛ شدّد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء؛ ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه. وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرَّيْن والموت والقساوة والانصراف والحَمِيّة والإنكار. فقال في الإنكار: {أية : قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}تفسير : [النحل:22] وقال في الحَمِيّة: {أية : إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ}تفسير : [الفتح:26] وقال في الانصراف: {أية : ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون}تفسير : [التوبة:127] وقال في القساوة: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر:22] وقال: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة:74] وقال في الموت: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ}تفسير : [الأنعام:122]. وقال: {أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنعام:36]. وقال في الرَّيْن: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين:14]. وقال في المرض: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَض}تفسير : [البقرة:10]. وقال في الضيق: {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً}تفسير : [الأنعام:125] وقال في الطبع: {أية : فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون:3] وقال: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النساء:155]. وقال في الختم: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}. وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى. الثانية: الختم يكون محسوساً كما بينا، ومعنىً كما في هذه الآية. فالختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق ـ سبحانه ـ مفهوم مخاطباته والفكر في آياته. وعلى السمع. عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعُوا إلى وحدانيته. وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته؛ هذا معنى قول ٱبن عباس وٱبن مسعود وقتادة وغيرهم. الثالثة: في هذه الآية أدَلّ دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان؛ فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم؛ فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جَهَدوا؛ وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون، أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}تفسير : [الرعد:33] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعه حقاً وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسميةُ والحكم والإخبارُ بأنهم لا يؤمنون، لا الفعل. قلنا: هذا فاسد، لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعاً مختوماً؛ لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم؛ ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعاً ومختوماً، لا التسمية والحكم. هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم؛ كما قال تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النساء:155]. وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع؛ فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما ٱمتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون؛ لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون؛ ويحكمون عليهم بذلك. فثبت أن الختم والطبع هو معنىً غير التسمية والحكم؛ وإنما هو معنىً يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به؛ دليله قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ.لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}تفسير : [الحجر:12]. وقال: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}تفسير : [الأنعام:25]. أي لئلا يفقهوه، وما كان مثله. الرابعة: قوله: {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح. والقلب للإنسان وغيره. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه؛ فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر قَلَبْتُ الشيء أقلِبه قلباً إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء: رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه؛ كما قيل:شعر : ما سُمِّيَ القلب إلاّ مِنْ تقلُّبِه فاحذْر على القلب من قَلْبٍ وتحويل تفسير : ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه، تفريقاً بينه وبين أصله. روى ٱبن ماجه عن أبي موسى الأشعري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَثَلُ القلب مَثَلُ ريشة تقلّبها الرياح بفلاة»تفسير : . ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول: «حديث : اللهم يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك»تفسير : . فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به؛ قال الله تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}تفسير : [الأنفال:24]. وسيأتي. الخامسة: الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب ـ وإن كان رئيسها وملِكها ـ بأعمالها للارتباط الذي بين الظاهر والباطن؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل ليصدُقُ فتُنْكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه»تفسير : . وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة: «حديث : أن الرجل ليصيب الذنب فيسودّ قلبه فإن هو تاب صقل قلبه»تفسير : . قال: وهو الرَّين الذي ذكره الله في القرآن في قوله: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين:14]. وقال مجاهد: القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع، ثم يطبع. قلت: وفي قول مجاهد هذا، وقوله عليه السلام: «حديث : إن في الجسد مُضْغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب »تفسير : دليل على أن الختم يكون حقيقياً؛ والله أعلم. وقد قيل: إن القلب يشبه الصّنوْبرة، وهو يَعْضُد قول مجاهد؛ والله أعلم. وقد روى مسلم عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدّثنا «حديث : أن الأمانة نزلت في جِذْر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فَعلِموا من القرآن وعلِموا من السُّنة»تفسير : . ثم حدّثنا عن رفع الأمانة قال: (حديث : ينام الرجل النَّومة فتُقْبَض الأمانةُ من قلبه فَيَظَل أثرها مثلَ الوكْت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المَجْلِ كَجْمرٍ دحرجته على رجلك فَنفِط فتراه مُنْتَبِراً وليس فيه شيء ـ ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله ـ فيُصبِح الناس يتبابعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلاً أميناً حتى يقال للرجل ما أجْلدَه ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيَّكم بايعت لئن كان مسلماً ليردّنه عليّ دينه ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردّنه عليّ ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً)تفسير : ففي قوله: «الْوَكْت» وهو الأثر اليسير. ويقال للبُسْر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب: قد وكَت، فهو مُوكِّت. وقوله: «الْمَجْل»، وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء؛ وقد فسّره النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : كجمرٍ دحرجته»تفسير : أي دوّرته على رجلك فنفط. «فتراه مُنْتَبِراً» أي مرتفعاً ـ ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه؛ وكذلك الختم والطبع؛ والله أعلم. وفي حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً فأَيُّ قلب أُشْرِبَها نُكِت فيه نُكتةٌ سوداء وأيّ قلب أَنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قَلْبين على أبيضَ مثل الصَّفا فلا تضره فتنةٌ ما دامت السموات والأرض والآخرُ أسودُ مُرْبَادٌ كالكُوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً ولا يُنْكر منكراً إلاّ ما أُشْرب من هواه...»تفسير : وذكر الحديث. «مُجَخِّياً»: يعني مائلاً. السادسة: القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [الفرقان: 32]. وقال: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح:1] يعني في الموضعين قلبك. وقد يعبر به عن العقل؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}تفسير : [ق:37] أي عقل؛ لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد؛ والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} ٱستدل بها مَن فضّل السمع على البصر لتقدمه عليه، وقال تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ}تفسير : [الأنعام:46]. وقال: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ}تفسير : [السجدة: 9]. قال: والسمع يُدْرَك به من الجهات الست، وفي النور والظلمة؛ ولا يُدْرَك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع؛ لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها. قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل؛ وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست. الثامنة: إن قال قائل: لِمَ جمع الأبصار ووَحَّد السمع؟ قيل له: إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير؛ يقال: سمعت الشيء أسمعه سَمْعاً وسماعاً، فالسّمع مصدر سمعت؛ والسمع أيضاً ٱسم للجارحة المسموع بها سُمِّيت بالمصدر. وقيل: إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة؛ كما قال الشاعر:شعر : بها جِيَفُ الحَسْرَى فأما عِظامُها فبيضٌ وأما جلدها فصَلِيبُ تفسير : إنما يريد جلودها فوحّد؛ لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد. وقال آخر في مثله:شعر : لا تُنكِرِ القتلَ وقد سُبينَا في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شجينا تفسير : يريد في حلوقكم؛ ومثله قول الآخر:شعر : كأنّه وجهُ تُرْكِيّيْن قد غضبا مستهدف لطعان غير تذبيب تفسير : وإنما يريد وجهين، فقال وجه تركيين؛ لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد؛ ومثله كثير جداً. وقرىء: «وعلى أسماعهم» ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم؛ لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقد يكون السمع بمعنى الاستماع؛ يقال: سَمْعُك حديثي ـ أي ٱستماعك إلى حديثي ـ يعجبني؛ ومنه قول ذي الرُّمة يصف ثورا تَسمَّع إلى صوت صائد وكلاب:شعر : وقد تَوَجَّسَ رِكْزاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ بِنَبْأَةِ الصوتِ ما في سَمعه كَذِبُ تفسير : أي ما في ٱستماعه كذب؛ أي هو صادق الاستماع. والنَّدُس: الحاذق. والنَّبْأَة: الصوت الخفي، وكذلك الركز. والسِّمع (بكسر السين وإسكان الميم): ذِكر الإنسان بالجميل؛ يقال: ذهب سِمْعه في الناس أي ذكره. والسِّمْع أيضاً: ولد الذئب من الضبع. والوقف هنا: «وعلى سمعهم». و «غِشَاوَةٌ» رفع على الابتداء وما قبله خبر. والضمائر في «قلوبهم» وما عُطِف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش، وقيل من المنافقين، وقيل من اليهود، وقيل من الجميع، وهو أصوب؛ لأنه يعم. فالختم على القلوب والأسماع. والغشاوة على الأبصار. والغشاء: الغطاء. وهي: التاسعة: ومنه غاشية السَّرْج؛ وغشيت الشيء أغشيه. قال النابغة:شعر : هلاّ سألت بني ذُبْيان ما حسبِي إذا الدُّخَانُ تَعشَّى الأشمْطَ البَرَمَا تفسير : وقال آخر:شعر : صحبتُكَ إذ عيني عليها غشاوةٌ فلما ٱنجلَتْ قطَّعتُ نفسي أَلُومُها تفسير : قال ٱبن كَيسان: فإن جمعت غشاوة قلت: غشاء بحذف الهاء. وحكى الفرّاء: غشاوى مثل أداوى. وقرىء: «غشاوةً» بالنصب على معنى وجعل، فيكون من باب قوله:شعر : علفتُها تبْناً وماء بارداً تفسير : وقال الآخر:شعر : يا ليت زوجَك قد غدا متقلِّداً سيفاً ورُمْحَا تفسير : المعنى وأسقيتها ماء، وحاملا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد. قال الفارسي: ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة وٱختيار؛ فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. قال: ولم أسمع من الغشاوة فعلاً متصرفاً بالواو. وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار؛ والوقف على «قلوبهم». وقال آخرون: الختم في الجميع، والغشاوة هي الختم؛ فالوقف على هذا على «غشاوة». وقرأ الحسن «غُشاوة» بضم الغين، وقرأ أبو حَيْوَةَ بفتحها؛ وروي عن أبي عمرو: غشوة؛ ردّه إلى أصل المصدر. قال ٱبن كيسان: ويجوز غَشْوة وغُشْوة وأجودها غِشاوة؛ كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملاً على الشيء، نحو عِمامة وكِنانة وقِلادة وعِصابة وغير ذلك. العاشرة: قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } أي للكافرين المكذبين {عَذَابٌ عظِيمٌ} نعته. والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد؛ إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان. وفي التنزيل: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور:2] وهو مشتق من الحبس والمنع؛ يقال في اللغة: أَعْذِبه عن كذا أي ٱحبسه وٱمنعه؛ ومنه سمي عذوبة الماء؛ لأنها قد أعذبت. وٱستعذب بالحبس في الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه؛ ومنه قول عليّ رضي الله عنه: أَعْذِبُوا نساءكم عن الخروج؛ أي ٱحبسوهن. وعنه رضي الله عنه وقد سَيَّعَ سَرِيَّةً فقال: أَعْذِبُوا عن ذكر النساء أنفسكم فإن ذلك يَكْسِرُكم عن الغزو؛ وكل من منعته شيئاً فقد أعذبته؛ وفي المثل: «لألجمنّك لجاماً معذِباً» أي مانعاً عن ركوب الناس. ويقال: أَعْذَبَ أي ٱمتنع. وَأَعْذَب غيره، فهو لازم ومتعدٍّ؛ فسمي العذاب عذاباً لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها.
البيضاوي
تفسير : {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ } تعليل للحكمِ السابق وبيان لما يقتضيه. والختم الكتم، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره نظراً إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه. والغشاوة: فعالة من غشاه إذا غطاه، بنيت لما يشتمل على الشيء، كالعصابة والعمامة ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الإيمان والطاعات بسبب غيهم، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق، وأسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنها غُطي عليها. وحيل بينها وبين الإبصار، وسماه على الاستعارة ختماً وتغشية. أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختماً وتغطية، وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ }تفسير : [النحل: 108] وبالاغفال في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا }تفسير : [الكهف: 28] وبالاقساء في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً }تفسير : [المائدة: 13] وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }تفسير : [النساء: 155] وقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ }تفسير : [المنافقون: 3] وردت الآية ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم. واضطربت المعتزلة فيه فذكروا وجوهاً من التأويل: الأول: أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه. الثاني: أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن. أو قلوب مقدر ختم الله عليها، ونظيره: سال به الوادي إذا هلك. وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته. الثالث: أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر، لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب. الرابع: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الإلجاء والقسر، ثم لم يقسرهم إبقاء على غرض التكليف، عبر عن تركه بالختم فإنه سد لإيمانهم. وفيه إشعار على تمادي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي. الخامس: أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولون مثل:{أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ }تفسير : [فصلت: 5] تهكماً واستهزاءً بهم [و] كقوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة: 1] الآية. السادس: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا }تفسير : [الإسراء: 97] السابع: أن المراد بالختم وَسْمُ قُلوبهم بسمة تعرفها الملائكة، فيبغضونهم وينفرون عنهم، وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع وإضلال ونحوهما. و {عَلَىٰ سَمْعُهُمْ } معطوف على قلوبهم لقوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } تفسير : [الجاثية: 23] وللوفاق على الوقف عليه، ولأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة، وكرر الجار ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين واستقلال كل منهما بالحكم. ووحد السمع للأمن من اللبس واعتبار الأصل، فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تجمع. أو على تقدير مضاف مثل وعلى حواس سمعهم. والأبصار جمع بصر وهو: إدراك العين، وقد يطلق مجازاً على القوة الباصرة، وعلى العضو وكذا السمع، ولعل المراد بهما في الآية العضو لأنه أشد مناسبة للختم والتغطية، وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق ويراد به العقل والمعرفة كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }تفسير : [ق: 37] وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير. وغشاوة رفع بالابتداء عند سيبويه، وبالجار والمجرور عند الأخفش، ويؤيده العطف على الجملة الفعلية. وقرىء بالنصب على تقدير، وجعل على أبصارهم غشاوة، أو على حذف الجار وإيصال الختم بنفسه إليه والمعنى: وختم على أبصارهم بغشاوة، وقرىء بالضم والرفع، وبالفتح والنصب وهما لغتان فيها. وغشوة بالكسر مرفوعة، وبالفتح مرفوعة ومنصوبة وعشاوة بالعين الغير المعجمة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} وعيد وبيان لما يستحقونه. والعذاب كالنكال بناءً، ومعنى تقول: عذب عن الشيء ونكل عنه إذا أمسك، ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويردعه ولذلك سمي نقاخاً وفراتاً، ثم اتسع فأطلق على كل ألم قادح وإن لم يكن نكالاً، أي: عقاباً يردع الجاني عن المعاودة فهو أعم منهما. وقيل اشتقاقه من التعذيب الذي هو إزالة العذب كالتقذية والتمريض. والعظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكما أن الحقير دون الصغير، فالعظيم فوق الكبير، ومعنى التوصيف به أنه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه وحقر بالإضافة إليه ومعنى التنكير في الآية أن على أبصارهم نوع غشاوة ليس مما يتعارفه الناس، وهو التعامي عن الآيات، ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.
ابن كثير
تفسير : قال السدي: ختم الله، أي: طبع الله. وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون. وقال ابن جريج: قال مجاهد: ختم الله على قلوبهم، قال: الطبع، ثبتت الذنوب على القلب، فحفت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع قال ابن جريج: وحدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهداً يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده، فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه، يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنباً ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، ثم قال: يطبع عليه بطابع. وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن الأعمش عن مجاهد بنحوه، قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق؛ كما يقال: إن فلاناً أصم عن هذا الكلام إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبراً. قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم (قلت): وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير ههنا، وتأول الآية من خمسة أوجه، وكلها ضعيفة جداً، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم، ومنعها من وصول الحق إليها، قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم }تفسير : [الصف: 5] وقوله: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأنعام: 110] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى، جزاء وفاقاً على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال، والله أعلم. قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم؛ كما قال:{أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النساء: 155] وذكر حديث تقليب القلوب «حديث : ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك»تفسير : وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً»تفسير : الحديث، قال ابن جرير: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا به محمد بن بشار: حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}» تفسير : [المطففين: 14] هذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة والليث بن سعد، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان به، وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب، أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} نظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحل رباطه عنها. واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}، وقوله: {وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ} جملة تامة، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة، وهي الغطاء، يكون على البصر؛ كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} يقول: فلا يعقلون، ولا يسمعون. يقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم، فلا يبصرون. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد حدثنا أبي حدثني عمي الحسين بن الحسن عن أبيه عن جده عن ابن عباس: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم. قال: وحدثنا القاسم حدثنا الحسين - يعني ابن داود وهو سنيد - حدثني حجاج - وهو ابن محمد الأعور - حدثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشورى: 24] وقال: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية: 23] قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوة}، يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: وعلى سمعهم؛ كقوله تعالى: {أية : وَحُورٌ عِينٌ }تفسير : [الواقعة: 22] وقول الشاعر:شعر : عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً حَتَّى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها تفسير : وقال الآخر:شعر : ورأيتُ زوجَكِ في الوَغَى مُتَقَلداً سَيْفاً وَرُمْحا تفسير : تقديره: وسقيتها ماء بارداً، ومعتقلاً رمحاً. لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرَّف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس، أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور؛ تعريفاً لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضاً، فقال تعالى:
المحلي و السيوطي
تفسير : {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } طبع عليها واستوثق فلا يدخلها خير {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } أي مواضعه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحق {وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌ } غطاء فلا يبصرون الحق {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } قوي دائم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ} الختم الطبع، ومنه ختم الكتاب، وفيه أربعة تأويلات: أحدها: وهو قول مجاهد: أن القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبْدُ ذنباً ضُمَّ منه كالإصبع، فإذا أذنب ثانياً ضم منه كالإصبع الثانية، حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع. والثاني: أنها سمة تكون علامة فيهم، تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين. والثالث: أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق، تشبيهاً بما قد انسدَّ وختم عليه، فلا يدخله خير. والرابع: أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم، بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه، والغشاوة: تعاميهم عن الحق. وسُمِّي القلب قلباً لتقلُّبِهِ بالخواطر، وقد قيل: شعر : ما سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ، والإنْسَانُ أَطْوَارُ تفسير : والغشاوة: الغطاء الشامل.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَتَمَ اللَّهُ} حفظ ما في قلوبهم ليجازيهم عنه، كأنه مأخوذ من ختم ما يُراد حفظه، الختم: الطبع، ختمت الكتاب. وذلك علامة تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين، أو القلب كالكف إذا أذنب العبد ذنباً ختم منه كالإصبع، فإذا أذنب آخر ختم منه كالإصبع الثانية حتى ينختم جميعه، ثم يطبع عليه بطابع، أو هو إخبار عن كفرهم، وإعراضهم عن سماع الحق شبهه بما سد وختم عليه فلا يدخله خير، أو شهادة من الله عليها أنها لا تعي الحق، وعلى أسماعهم أنها لا تصغي إليه، كما يختم الشاهد على الكتاب {غِشَاوَةٌ} والغشاوة الغطاء الشامل، أراد بذلك تعاميهم عن الحق. سمى القلب قلباً، لتقلبه بالخواطر. شعر : ما سمى القلب إلا من تقلبه والرأي يصرف والإنسان أطوار
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ...} قرر ابن عرفة وجه المناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها (بأنها) سبب فيه، كأنه قيل: لِمَ لا ينفع الإنذار فيهم؟ فقيل: بسبب الختم على قلوبهم. قال ابن عرفة: هكذا قرره بعضهم. ويرد عليه (أنه كان يكون الأوْلى تقدير هذه الآية على ما قبلها، لأنها سبب فيه وكان يمشي لنا فيه) إن كان تقرير المناسبة بأنّ امتناع تأثير الفعل في المفعول إما (لخلل) في الفاعل أو المَانِعِ في القابل فقد يضرب بالسيف شجاع قوي ويكون على المضروب مصفّح من حديد فلا يؤثر فيه شيئا، فأخبر هنا أن (تعذر) تأثير الإنذار فيهم لا بتوهم أنه (لإخلال) (واقع في الرسول) في تبليغه بوجه بل لمانع فيهم هو (الطبع) على قلوبهم. وفسر ابن عطية الختم بثلاثة أوجه: الأول: أنه (حسي) حقيقة، فإن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال كما ينقبض الكف إصبعا إصبعا. الثاني: أنّه مجاز (عبارة عن خلق الضّلال في قلوبهم) (وأنّ ما خلق الله في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سمّاه ختما). الثالث: إنّه مجاز في الإسناد كما (يقال)، أهلك المال فلانا وإنّما أهلكه (سوء تصرفه فيه). قال ابن عرفة: وسكت ابن عطية عن هذا الثالث وهو إنما يناسب مذهب المعتزلة ولما جاءت الآية مصادمة لمذهبهم تأولها الزمخشري وأطال وقال: إنه مجاز واستعارة. وقال ابن عرفة: فجعله تمثيلا. قال: والفرق بين التشبيه والتمثيل والاستعارة أن إطلاق الصفة على الموصوف إن كان بأداة التشبيه فهو تشبيه مثل: زيد كالأَسَدِ، وإلا فإن كان بواسطة ما يدل على التمثيل فهو تمثيل نحو: زيد الأسد، وإن لم يكن بواسطة فهو استعارة مثل: رأيت أسدا (يكرّ) ويفرّ في الحرب. وظاهر كلام الطيبي أنّه لا فرق بين التشبيه والتمثيل. قال: والآية حجة لمن يقول: إن العقل في القلب، ولو كان في الدماغ لقال: ختم الله على أدمغتهم. فإن قلت: لم قدم القلب والأصل تأخيره؟ قلت: لوجهين: إما (لأنّ) السمع والبصر طريقان إليه فما يلزم من الختم (عليهما) الختم عليه، إذ لعلّه يعلم (المعقولات) بقلبه. ويلزم من الختم على القلب عدم الانتفاع بمدركات السمع؛ وإما لأن المدركات قسمان: وجدانيات ومحسوسات. فما يلزم من نفي المحسوسات نفي الوجدانيات (بخلاف) العكس. (قال): وأجاب (الطيبي) بأن (الأمور) المدركات على ثلاثة أقسام: معقولات، ومسموعات، ومبصرات قال: فإن المعقولات أغمض وإدراكها (أصعب) والمحسوسات أبين وإدراكها أهون، فقدم الختم على القلب ليكون تأسيسا، إذ لا يلزم من عدم إدراكهم الدليل الصعب الغميض عدم إدراكهم الدليل البين الظاهر. ((وقال بعض الناس: (نص) أفلاطون وأرسطو وغيرهما على أن المعقولات فرع المحسوسات))، ونفي الفرع لا يستلزم نفي الأصل بخلاف العكس. قوله تعالى: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ...} إفراد السمع إما لأمن اللبس أو لأنه مصدر (مبهم) (يحتمل القليل والكثير). أو لإضافته إلى (المجموع فأغنى عن جمعه أو لأن الكلام على حذف مضاف قدره الزمخشري: (وعلى) حواس سمعهم، وابن عطية: على (مواضع) سمعهم. (وضعف ابن عرفة الأول بأنه أمن اللبس أيضا في القلوب فهلا قيل: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} وضعف الثاني بأن الختم إذا كان (حقيقة) كأول تأويلات ابن عطية: فيه أنه حسّي فلا يصح تعلقه (بالسمع) لأن (المصدر) معنى من المعاني إلا أن يتجوز في الختم، (أو) يتجوز في السمع فيراد به محله. قال الزمخشري: (والبصر) نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك به المرئيات، كما أنّ البصيرة نور القلب وهو ما (به) يستبصر ويتأمل. قيل لابن عرفة: إنّ ابن (راشد) قال: (إنّ) هذا لا يجري على قواعده وإنما يتم على مذهب أهل السنة؟ (فقال): بل هو (يحتمل) (الأمرين)، لأن ذلك النور هل هو بأشعة تنفصل من الرائي للمرئي، أو يحتمل المذهبين؟ قال: وإعادة حرف الجر دليل على أن لكل واحد منهما (ختما) (يخصه) فهو يمنزله (الكلّية) لاَ الكل. قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال ابن عرفة: (العَظِيمُ) للتّهكم. قال الزمخشري: والعظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، والعظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير. قال ابن عرفة: هذا ينتج له العكس (لأن) نفي (الأبلغ) يحصل (بثبوت) (أدون نقائضه)، ونفي (احقر) العذاب يصدق (بثبوت) العذاب العظيم وإن كان في نفسه صغيرا، أما العذاب الصغير يصدق عليه أنه عذاب عظيم لأن نفي (الأبلغ) في الحقارة عنه منتف، فإذا كان ضد الحقير عظيما لزم أن يكون الكبير أعظم من العظيم قطعا، لأنه إذا انتفى عن العذاب اسم الحقارة ثبت له نقيضه وهو (العظم) وإن كان في نفسه صغيرا. ((وإذا انتفى عنه ما فوق الحقارة وهو (الصغر) ثبت له ما فوق ذلك وهو (الكبر) (وكان) أعظم من العظيم./ ويؤيد ذلك (اختيارهم) في تكبير الصلاة عند الإحرام لفظ: الله أكبر (ولم يختاروا) الله العظيم فدل على أن الكبير أعظم من العظيم)). قلت: هذا عند مالك خلافا لأبي حنيفة فإنه أجاز دخول الصّلاة بالله العظيم أو السّميع أو الكبير ونحو ذلك والزمخشري حنفي المذهب.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه - تعالى - لما بيَّن في الآية الأولى أنَّهُمْ لا يؤمنون أخبر في هذه الآية السَّبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم. واعلم أن الختم والكَتْم أخوان وهو: الاشتياق بالشَّيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية؛ لئلا يتوصّل إليه، ومنه: الخَتْم على الباب. "على قلوبهم" متعلّقة بـ "ختم"، و "على سمعهم" يحتمل عطفه على "قلوبهم"، وهو الظاهر، للتصريح بذلك، أعني: نسبة الختم إلى السمع في قوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ} تفسير : [الجاثية: 23] ويحتمل أن يكون خبراً مقدماً، وما بعده عطف عليه. و "غشاوة" مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خَبرُها ظرفاً، أو حرف جر تاماً، وقدم عليها جاز الابتداء بها، [ويكون تقديم الخبر حينئذ واجباً؛ لتصحيحه الابتداء بالنكرة]، والآية من هذا القبيل، وهذا بخلاف قوله تعالى: {أية : وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} تفسير : [الأنعام: 2]؛ ويبتدأ بما بعده، وهو "وعلى أبصارهم غشَاوَةٌ" فـ "على أبصارهم" خبر مقدم، و "غِشَاوة" مبتدأ مؤخر. وعلى الاحتمال الثاني يوقف على "قلوبهم"، وإنما كرر حرف الجر؛ ليفيد التأكيد ويشعر ذلك بتَغَايُرِ الختمين، وهو: أن ختم القلوب غير ختم الأسماع. وقد فرق النحويون بين "مررت بزيد وعمرو" وبين "مررت بزيد وبعمرو" فقالوا في الأول هو ممرور واحد، وفي الثاني هما ممروران، وهو يؤيد ما قُلْتُهُ، إلا أن التعليل بالتأكيد يشمل الإعرابين، أعني: جعل "وعلى سمعهم" معطوفاً على قوله: "على قلوبهم"، وجعله خبراً مقدماً. وأما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول، وقد يُقَال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يُشعر بتغاير الغِشَاوتين، وهو أنَّ الغشاوة على السَّمع غير الغِشَاوة على البَصَرِ، كما تقدم ذلك في الختمين. وقرىء: غِشَاوة بالكسر والنصب، وبالفتح والنصب وبالضَّم والرفع، وبالكسر والرفع - و "غشوة" بالفتح والرفع والنصب - و "عشاوة" بالعين المهملة، والرفع من العَشَا. فأما النصب ففيه ثلاثة أوجه: الأول: على إضمار فعل لائق، أي: وجعل على أبصارهم غِشَاوة، وقد صرح بهذا العامل في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَٰوَةً} تفسير : [الجاثية: 23]. والثاني: الانتصاب على إسقاط حرف الجر، ويكون "على أَبْصَارهم" معطوفاً على ما قبله، والتقدير: ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم بغشاوة، ثم حذف الجر، فانتصب ما بعده؛ كقوله: [الوافر] شعر : 159- تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا كَلاَمُكُم عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ تفسير : أي: تمرون بالدِّيَار، ولكنه غير مقيس. والثالث: أن يكون "غشاوة" اسماً وضع موضع المصدر الملاقي لـ "خَتَمَ" في المعنى؛ لأن الخَتْمَ والتغشية يشتركان في معنى السّتر، فكأنه قيل: "وختم تغشية" على سبيل التأكيد، فهو من باب "قعدت جلوساً"، وتكون "قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة". وقال الفَارِسِيّ: قراءة الرفع الأولى، لأن النَّصب إما أن تحمله على ختم الظاهر، فَيَعْرِضُ من ذلك أنك حُلْتَ بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدلّ عليه "ختم"، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، فهذا الكلام من باب: [الكامل] شعر : 160- يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحا تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 161- عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً حتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا تفسير : ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سَعَةٍ، ولا اختيار. واستشكل بعضهم هذه العبارة، وقال: لا أدري ما معنى قوله؛ لأن النصب إما أن تحمله على "خَتَم" الظاهر، وكيف تحمل "غشاوة" المنصوب على "ختم" الذي هو فعل هذا ما لا حمل فيه؟ قال: اللّهم إلا أن يكون أراد أن قوله تعالى: "ختم الله على قلوبهم" دعاء عليهم لا خَبَر، ويكون "غشاوة" في معنى المصدرية المَدْعُو به عليهم القائم مقام الفعل، فكأنه قيل: وغَشَّى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على "ختم" عطف المصدر النائب مناب فعله في الدّعاء، نحو: "رحم الله زيداً وسُقياً له" فتكون إذ ذاك قد حُلْت بين "غشاوة" المعطوف وبين "خَتَمَ" المعطوف عليه بالجار والمجرور. وهو تأويل حسن، إلاّ أن فيه مناقشة لفظيةً؛ لأن الفارسي ما ادّعى الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إنما ادعى الفصل بين حرف العطف والمعطوف به أي بالحرف، فتحرير التأويل أن يقال: فيكون قد حُلْت بين غشاوة وبين حرف العطف بالجار والمجرور. والقراءة المشهورة بالكسر؛ لأن الأشياء التي تدلّ على الاشتمال تجيء أبداً على هذه الزِّنَة كالعِصَابة والعِمَامَة. والغِشَاوة فِعَالة: الغطاء من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لِمَا يشتمل على الشيء، ومنه غشي عليه، وَالغِشْيَان كناية عن الجِمَاع. و "القلب" أصله المصدر، فسمي به هذا العضو الصَّنَوْبَرِي؛ لسرعة الخواطر إليه وتردُّدها عليه، ولهذا قال: [البسيط] شعر : 162- مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ فَاحْذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ تفسير : ولما سمي به هذا العضو التزموا تفخيمه فرقاً بينه وبين أصله، وكثيراً ما يراد به العقل ويطلق أيضاً على لُبّ كل شيء وخالصه. و "السمع" و "السماع" مصدران لـ "سمع"، وقد يستعمل بمعنى الاستماع؛ قال: [البسيط] شعر : 163- وَقَدْ تَوَجَّسَ رِكْزاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ بِنَبْأَةِ الصَّوْتِ مَا فِي سَمْعِهِ كَذِبُ تفسير : أي: ما في استماعه. و "السِّمْع" - بالكسر - الذِّكْر بالجميل، وهو - أيضاً - ولد الذئب من الضَّبُع، ووحد وإن كان المراد به الجمع كالذي قبله وبعده؛ لأنه مصدر حقيقة، يقال: رَجُلان صَوْم، ورجال صوم، ولأنه على حذف مضاف، أي: مواضع سمعهم، أو حواس سمعهم، أو يكون كني به عن الأُذُن، وإنما وحَّده لفهم المعنى؛ كقوله [الوافر] شعر : 164- كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ تفسير : أي: بطونكم. ومثله قال سيبويه: "إنه وإن وُحِّد لفظ السمع إلاَّ أن ذكر ما قبله وما بعده بلفظ الجمع دليل على إرادة الجمع". ومنه أيضاً قال تَعَالى: {أية : يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]، {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ} تفسير : [ق: 17]؛ قال الراعي. شعر : 165- بِهَا جِيَفُ الْحَسْرى فأمّا عِظَامُهَا فَبِيضٌ وأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : أي: جلودها. وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ: "أسماعهم". قال الزمخشري: واللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الخَتْم، وفي حكم التَّغْشِيَةِ، إلاّ أن الأولى دخولها في حكم الختم؛ لقوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} تفسير : [الجاثية: 23] و "الأبصار": جمع بصر، وهو نور العين الذي يدرك به المرئيات. قالوا: وليس بمصدر لجمعه، ولقائل أن يقول: جمعه لا يمنع كونه مصدراً في الأصل، وإنما سهل جَمْعَهُ كَوْنُهُ سمي به نور العين، فَهُجِرَت فيه معنى المصدرية، كما تقدم في قلوب جمع قَلْب. وقد قلتم: إنه في الأصل مصدر ثم سمي به، ويجوز أن يكنى به عن العَيْن، كما كني بالسمع عن الأذن، وإن كان السَّمع في الأصل مصدراً كما تقدم. وقرأ أبو عمرو والكِسَائي: "أبصارهم" بالإِمَالَةِ، وكذلك كلّ ألف بعدها مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها. ويميل حمزة منها ما تكرر فيه الراء "كالقرار" ونحوه، وزاد الكسائي إمالة {أية : جَبَّارِينَ} تفسير : [المائدة: 22]، و {أية : ٱلْجَوَارِ} تفسير : [الشورى: 32]، و {أية : بَارِئِكُمْ} تفسير : [البقرة: 54]، و {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ} تفسير : [آل عمران: 32]، و {أية : نُسَارِعُ} تفسير : [المؤمنون: 56] وبابه، وكذلك يميل كل ألف هي بمنزلة لام الفعْل، أو كانت علماً للتأنيث مثل: {أية : ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [طه: 23]، و {أية : ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [الزمر: 42]، ولام الفعل مثل: {أية : يَرَى} تفسير : [البقرة: 165]، و {أية : ٱفْتَرَىٰ} تفسير : [آل عمران: 94] يكسرون الراء منها. و "الغشاوة": الغطاء. قال: [الطويل] شعر : 166- تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 167- هَلاَّ سَأَلْتِ بَنِي ذُبْيَانَ مَا حَسبِي إِذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ الْبَرِمَا تفسير : وجمعها "غِشاءٌ"، لما حذفت الهاء قلبت الواو همزة. وقيل: "غشاوي" مثل "أداوي". قال الفارسي: لم أسمع من "الغشاوة" فعلاً متصرفاً بـ "الواو"، وإذا لم يوجد ذلك، وكان معناها معنى ما "اللام" منه "الياء"، وهو غشي بدليل قولهم: "الْغِشْيَان"، و "الغشاوة" من غشي كـ "الجِبَاوة" من جبيت في أن "الواو" كأنها بدل من "الياء"، إذْ لم يُصَرَّفْ منه فعل كما لم يُصَرَّف منه الجباوة. وظاهر عبارته أن "الواو" بدل من "الياء"، و "الياء" أصل بدليل تصرف الفعل منها دون مادة "الواو". والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين "غ ش و"، و "غ ش ي"، ثم تصرفوا في إحدى المادتين، واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب "الواو" "ياء" من غير سبب، وأيضاً "الياء" أخف من "الواو"، فكيف يقلبون الأخف للأثقل؟ و "لهم" خبر مقدم فيتعلّق بمحذوف، و "عذاب" مبتدأ مؤخر و "عظيم" صفة. والخبر - هنا - جائز التقديم؛ لأن للمبتدأ مسوغاً وهو وصفة ونظيره: {أية : وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} تفسير : [الأنعام: 2] من حيث الجواز. والعذاب في الأَصْلِ: الاستمرار، ثم سمي به كلّ استمرار أَلَمٍ. وقيل: أصله: المَنْع، وهذا هو الظَّاهر، ومنه قيل للماء: عَذَب؛ لأنه يمنع العطش، والعذاب يمنع من الجريمة. "عظيم" اسم فاعل من "عَظُمَ"، نحو: كريم من "كَرُم" غير مذهوب به مذهب الزمان، وأصله أن توصف به الأجرام، ثم قد توصف به المعاني. وهل هو و "الكبير" بمعنى واحد أو هو فوق "الكبير"؛ لأن العظيم يقابل الحقير، والكبير يقابل الصغير، والحقير دون الصغير؟ قولان. و "فعيل" له معانٍ كثيرة، يكون اسماً وصفة، والاسم مفرد وجمع، والمفرد اسم معنى، واسم عين، نحو: "قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كلب". والصفة مفرد "فُعَلَة" كـ "غَزِي" يجمع على "غُزَاة" ومفرد "فَعَلَة" كـ "سَرِي" يجمع على "سَرَاة". ويكون اسم فاعل من "فَعُلَ" نحو: عظيم من عَظُم كما تقدم. ومبالغةً في "فَاعِل"، نحو "عليم من عالم". وبمعنى "أَفْعَل" كـ "شميط" بمعنى: "أشمط" و "مَفْعُول" كـ "جريح" بمعنى: مجروح، و "مُفْعِل" كـ "سَمِيع" بمعنى: "مُسْمِع"، و "مُفْعَل"، كـ "وَلِيْد" بمعنى: مُولَد، و "مُفَاعِل"، كـ "جَلِيس" بمعنى: مُجَالِس، و "مُفْعَل"، كـ "بَدِيع" بمعنى: مُبْتَدِع، و "مُتَفَعِّل" كـ: "سَعِيْر" بمعنى: "مُتَسَعِّر"، و "مُسْتَفْعِل" كـ "مَكِين" بمعنى: "مُسْتَمْكن". و "فَعْل" كـ "رطيب" بمعنى: "رَطْب"، و "فَعَل" كـ "عجيب" بمعنى: "عجب" و "فِعَال" كـ "صحيح" بمعنى: صِحَاح، وبمعنى: "الفاعل والمفعول" كـ "صريخ" بمعنى: "صارخ ومصروخ". وبمعنى الواحد والجمع نحو: "خليط"، وجمع فاعل كـ "غريب" جمع غارب. فصل في أيهما أفضل: السمع أو البصر؟ من الناس من قال: السَّمع أفضل من البَصَرِ؛ لأن الله - تعالى - حيث ذكرهما قدم السَّمع على البصر، والتقديم دليلٌ على التفضيل، ولأنّ السمع شرط النّبوة بخلاف البَصَرِ، ولذلك ما بعث الله رسولاً أَصَمّ، وقد كان فيهم الأعمى، ولأنَّ بالسَّمع تصلُ نتائج عقول البعض إلَى البعض، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العَقْلِ بالمعارف، والبَصَر لا يوقفك إلا على المحسوسات، ولأن السمع متصرف في الجهات السّت بخلاف البَصَرِ، ولأنّ السمع متى بطل النُّطق، والبصر إذا بطل لم يبطل النُّطق. ومنهم من قدم البصر؛ لأنّ آلة القوة الباصرة أشرف، ولأن متعلّق القوة الباصرة هو النور، ومتعلّق القوة السَّامعة هو الريح. فصل في ألفاظ وردت بمعنى الختم الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الخَتْم هي "الطَّبع" و "الكنان" و "الرين" على القلب، و "الوقر" في الأذن، و "الغشاوة" في البصر. واختلف الناس في هذا الخَتْم: فالقائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله - تعالى - فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان: منهم من قال: الختم هو خلق الكُفْر في قلوب الكفار. ومنهم من قال هو خلق الدَّاعية التي إذا انضمّت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكُفْر. وأما المعتزلة فأوّلوا هذه الآية، ولم يجروها على ظاهرها. أما قوله تعالى: {لهم عذاب عظيم} أي: في الآخرة. وقيل: الأَسْر والقَتْل في الدنيا، والعذاب الدائم في العُقْبَى. و "العذاب" مشتق من "العَذْب" وهو القَطْع، ومنه سمي الماء الفرات عَذْباً، لأنه يقطع العطش.
ابو السعود
تفسير : {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} استئنافٌ تعليلي لما سبق الحكم، وبـيانٌ لما يقتضيه، أو بـيان وتأكيد له، والمرادُ بالقلب محلُّ القوة العاقلة من الفؤاد، والختم على الشيء الاستيثاقُ منه بضرب الخاتم عليه صيانةً له، أو لما فيه من التعرض له كما في البـيت الفارغ والكيس المملوء، والأولُ هو الأنسب بالمقام، إذ ليس المراد به صيانةَ ما في قلوبهم، بل إحداثَ حالةٍ تجعلها بسبب تماديهم في الغي وانهماكِهم في التقليد، وإعراضِهم عن منهاج النظر الصحيح، بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفُذُ فيها الحقُّ أصلاً، إما على طريقة الاستعارة التبعية، بأن يُشبّه ذلك بضرب الخاتم على نحو أبوابِ المنازل الخالية المبنية للسُكنى تشبـيهَ معقولٍ بمحسوس بجامعٍ عقلي هو الاشتمالُ على منع القابل عما من شأنه وحقه أن يقبَلَه، ويستعار له الختمُ ثم يشتق منه صيغةُ الماضي، وإما على طريقة التمثيل بأن يُشبه الهيئةُ المنتزعةُ من قلوبهم وقد فُعل بها ما فعل من إحداث تلك الحالة المانعة من أن يصل إليها ما خلقت هي لأجله من الأمور الدينية النافعة، وحيل بـينها وبـينه بالمرة بهيئةٍ منتزعةٍ من محالٍَّ مُعدةٍ لحلول ما يَحُلُّها حُلولاً مستتبعاً لمصالحَ مُهمة وقد مَنَع من ذلك بالختم عليها وحيل بـينها وبـين ما أعدت لأجله بالكلية، ثم يُستعار لها ما يدل على الهيئة المشبَّهِ بها فيكون كلٌّ من طرفي التشبـيه مركباً من أمور عدةٍ قد اقتُصر من جانب المشبَّهِ به على ما عليه يدور الأمرُ في تصوير تلك الهيئةِ وانتزاعِها وهو الختم، والباقي منويٌّ مرادٌ قصداً بألفاظٍ متخيَّلة بها يتحقق التركيب، وتلك الألفاظُ وإن كان لها مدخَلٌ في تحقيق وجهِ الشبه الذي هو أمرٌ عقلي منتزَع منها وهو امتناعُ الانتفاعِ بما أُعِدَّ له بسبب مانعٍ قوي، ليس في شيء منها على الانفراد تجوز باعتبار هذا المجاز، بل هي باقية على حالها من كونها حقيقةً أو مجازاً أو كنايةً، وإنما التجوُّزُ في المجموع، وحيث كان معنى المجموع مجموعَ معاني تلك الألفاظ التي ليس فيها التجوزُ المعهود، ولم تكن الهيئةُ المنتزعةُ منها مدلولاً وضعياً لها ليكون ما دلَّ على الهيئة المشبه بها عند استعمالِه في الهيئة المشبهة مستعملاً في غير ما وضع له، فيندرجَ تحت الاستعارةِ التي هي قسمٌ من المجاز اللغوي، الذي هو عبارةٌ عن الكلمة المستعملة في غير ما وضع له، ذهب قدماء المحققين كالشيخ عبدِ القاهر وأضرابِه إلى جعل التمثيلِ قسماً برأسه، ومن رام تقليلَ الأقسام عَدَّ تلك الهيئةَ المشبَّهَ بها من قبـيل المدلولات الوضعية، وجعل الكلامَ المفيد لها عند استعمالِه فيما يُشبَّه بها من هيئة أخرى منتزعةٍ من أمور أُخَرَ من قبـيل الاستعارة، وسماه استعارة تمثيلية، وإسنادُ إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لاستناد جميعِ الحوادث عندنا من حيث الخلقُ إليه سبحانه وتعالى، وورودُ الآية الكريمة ناعيةً عليهم سوءَ صنيعهم ووخامةَ عاقبتِهم لكون أفعالِهم من حيث الكسبُ مستندةً إليهم، فإن خلْقَها منه سبحانه ليس بطريق الجبر بل بطريق الترتيبِ على ما اقترفوه من القبائح كما يُعرِبُ عنه قوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } تفسير : [النساء، الآية 155] ونحو ذلك. وأما المعتزلةُ فقد سلكوا مسلكَ التأويل، وذكروا في ذلك عدةً من الأقاويل منها أن القومَ لمّا أعرضوا عن الحق وتمكنَ ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبـيعة لهم شُبّه بالوصف الخَلْقي المجبول عليه، ومنها أن المراد به تمثيلُ قلوبِهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خاليةً عن الفِطَن، أو بقلوب قد ختم الله تعالى عليها كما في: سال به الوادي إذا هلك، وطارت به العنقاءُ إذا طالت غَيْبته، ومنها أن ذلك فعلُ الشيطان أو الكافر، وإسنادُه إليه تعالى باعتبار كونه بإقداره تعالى وتمكينه، ومنها أن أعراقَهم لما رسَخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصل إيمانهم طريقٌ سوى الإلجاءِ والقسرِ، ثم لم يَفعَلْ ذلك محافظةً على حكمة التكليف عُبّر عن ذلك بالختم، لأنه سدٌّ لطريق إيمانهم بالكلية، وفيه إشعارٌ بترامي أمرهم في الغي والعِناد، وتناهي انهماكِهم في الشر والفساد، ومنها أن ذلك حكايةٌ لما كانت الكفرة يقولونه مثل قولهم: {أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت، الآية 5] تهكّماً بهم، ومنها أن ذلك في الآخرة، وإنما أُخبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ويعضُده قوله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا } تفسير : [الإسراء، الآية 97] ومنها أن المراد بالختم وسْمُ قلوبهم بسِمَةٍ يعرِفها الملائكة فيبغضونهم وينفِرون عنهم. {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} عطفٌ على ما قبله داخل في حكم الختم لقوله عز وجل: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } تفسير : [الجاثية، الآية 23] وللوفاق على الوقف عليه لا على قلوبهم، ولاشتراكهما في الإدراك من جميع الجوانب، وإعادةُ الجارّ للتأكيد والإشعار بتغايُر الختمَيْن، وتقديمُ ختمِ قلوبهم للإيذان بأنها الأصلُ في عدم الإيمان، وللإشعار بأن ختمَها ليس بطريق التبعيةِ بختم سمعِهم، بناءً على أنه طريقٌ إليها، فالختمُ عليه ختمٌ عليها، بل هي مختومةٌ بختم على حِدَة، لو فُرض عدمُ الختم على سمعهم فهو باقٍ على حاله حسبما يُفصح عنه قوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ }تفسير : [الأنفال، الآية 23] والسمعُ إدراكُ القوة السامعة، وقد يُطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا، إذ هو المختومُ عليه أصالةً، وتقديمُ حاله على حال أبصارِهم للاشتراك بـينه وبـين قلوبهم في تلك الحال، أو لأن جنايتَهم من حيث السمعُ الذي به يُتلقىٰ الأحكامُ الشرعية، وبه يَتحققُ الإنذارُ أعظمَ منها من حيث البصرُ الذي به يشاهَد الأحوالُ الدالة على التوحيد، فبـيانُها أحقُّ بالتقديم، وأنسبُ بالمقام. قالوا: السمعُ أفضلُ من البصر، لأنه عز وعلا حيث ذكَرهما قدم السمعَ على البصر، ولأن السمع شرطُ النبوة ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم، ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقلِ بالمعارف التي تُتلقف من أصحابها، وتوحيدُه للأمن عن اللَّبس، واعتبارِ الأصل، أو لتقدير المضاف، أي وعلى حواسِّ سمعهم، والكلامُ في إيقاع الختم على ذلك كما مر من قبل {وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ} الأبصار جمع بصر، والكلام فيه كما سمعته في السمع، والغِشاوةُ فِعالة من التغشية أي التغطية، بُنيت لما يشتمل على الشيء كالعِصابة والعِمامة، وتنكيرُها للتفخيم والتهويل، وهي على رأي سيبويه مبتدأ خبرُه الظرفُ المقدم، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، وإيثارُ الاسمية للإيذان بدوام مضمونها، فإن ما يُدرَك بالقوة الباصرة من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفسِ حيث كانت مستمرةً كان تعاميهم من ذلك أيضاً كذلك. وأما الآياتُ التي تُتلقَّى بالقوة السامعة فلمّا كان وصولُها إليها حيناً فحيناً أوثر - في بـيان الختم عليها وعلى ما هي أحدُ طريقي معرفتِه، أعني القلبَ - الجملةُ الفعلية، وعلى رأي الأخفش مرتفعٌ على الفاعلية مما تعلق به الجار، وقرىء بالنصب على تقدير فعلٍ ناصب، أي وجَعَل على أبصارهم غشاوة، وقيل: على حذف الجار وإيصال الختم إليه، والمعنى وختم على أبصارهم بغشاوة، وقرىء بالضم والرفع وبالفتح والنصب، وهما لغتان فيها، و(غشوٰة) بالكسر مرفوعةٌ وبالفتح مرفوعة ومنصوبة، وعشاوةٌ بالعين غير المعجمة والرفع {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وعيد وبـيان لما يستحقونه في الآخرة والعذاب كالنَكال بناءً ومعنى، يقال: أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، ومنه الماءُ العذبُ لما أنه يقمَعُ العطش ويردَعه، ولذلك يسمى نُقاخاً، لأنه ينقَخُ العطشَ ويكسِرُه، وفرُاتاً لأنه يرفتُه على القلب ويكسره، ثم اتُسِع فيه فأطلق على كل ألمٍ فادح، وإن لم يكن عقاباً يُراد به ردْعُ الجاني عن المعاودة، وقيل: اشتقاقُه من التعذيب الذي هو إزالة العذاب، كالتقذية والتمريض. والعظيم نقيضُ الحقير، والكبـير نقيضُ الصغير، فمن ضرورة كونِ الحقيرِ دونَ الصغير كونُ العظيم فوق الكبـير، ويستعملان في الجُثث والأحداث. تقول: رجل عظيم وكبـير، تريد جثتَه أو خطرَه، ووصفُ العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكيرُ من التفخيم والتهويل والمبالغة في ذلك. والمعنى: أن على أبصارهم ضرباً من الغِشاوة خارجاً مما يتعارفه الناس، وهي غشاوة التعامي عن الآيات، ولهم من الآلام العظامِ نوعٌ عظيم لا يُبلغ كُنهُه ولا يدرك غايتُه، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك كلِّه يا أرحم الراحمين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}. فلا يقول عن الحق فهوم مخاطباته، على سمعهم فلم يسمعوا منه لذيذ كلامه، وعلى أبصارهم فلم يبصروا المغيبات بعين الغرامة، غشاوة غشيتهم ظلمات أنفسهم فلم تضئ لهم أنوار قلوبهم، ولهم عذاب عظيم سكوتهم إلى هذه الأحوال واكتفاؤهم بها. وقال بعضهم: أهل البصر نظروا من الله إلى الأشياء فشاهدوها فى سر القدرة، وأهل النظر استدلوا بالأشياء على الله تعالى محجتهم عقولهم واستدلالهم عن بلوغ كنه المعرفة بالله.
القشيري
تفسير : الختم على الشيء يمنع ما ليس فيه أن يدخله وما فيه أن يخرج منه، وكذلك حَكَمَ الحقُّ سبحانه بألا يُفارقَ قلوبَ أعدائه ما فيها من الجهالة والضلالة، ولا يدخلها شيء من البصيرة والهداية. على أسماع قلوبهم غطاء الخذلان، سُدَّت تلك المسامع عن إدراك خطاب الحق من حيث الإيمان، فوساوس الشيطان وهواجس النفوس شغلتها عن استماع خواطر الحق. وأمَّا الخواص فخواطر العلوم وجولان تحقيقات المسائل في قلوبهم شغلت قلوبهم عن ورود أسرار الحق عليهم بلا واسطة، وإنما ذلك لخاص الخاص، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد كان في الأمم مُحَدَّثُون فإن يكن في أمتي فعمر"تفسير : فهذا المحدَّث مخصوص من الخواص كما أن صاحب العلوم مخصوص من بين العوام. وعلى بصائر الأجانب غشاوة فلا يشهدون لا ببصر العلوم ولا ببصيرة الحقائق، ولهم عذاب عظيم لحسبانهم أنهم على شيء، وغفلتهم عما مُنُوا من المحنة (و...) في الحال والمال، في العاجل فُرقَته، وفي الآجل حُرقته.
البقلي
تفسير : {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} اي ما انظر اليها منذ خلقها فحرَّم عليها انوار ذكره ومواصلة الهامة {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} اي على سمعهم وقر الضلال فلم يسمعوا حقائق الخطاب {وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} اي على ابصارهم عطاء القَصْر فلم يبسُروا بها طراوةَ صفة الصانع في الصنع ولم يتفرَّ سوا بالبصائر ما كشف الله الاهل الايمان من ملكوت السموات والارض {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} عَذَابهم بُعْدهم عن قرب مولاهم حتى لم يدركوا بركات كراماته وقيل اَهلْ البصر تطروا من الله الى الاشياء فشاهَدوها في اسرار القدر واهل النظر استدلوا بالاشياء على الله فحَجَبَهم عقولهم واستدلا لاتهم عن بلوغ كنه المعرفة بالله قال علي بن ابي طالب رضى الله عنه طبع الله على قلوبهم برؤية افعالهم بمعاونة النفوس حتى كفروا سرّاً وامنوا علانية قال جفعر الصادق الختم على وجوهٍ منهم من خَتَم على قلبه برؤية فعله ومنهم مَن ختم على قلبه برؤية الاعَواض منهم من ختم قلبه بالاسلام ومنهم من ختم قلبَه بالايمان ومنهم من ختم قلبه بالمعرفة ومنهم من ختم قلبه بالتوحيد فكلُّ واقف مع ذلك الختم وقال سهل اسبل عليهم ستر شقاوةٍ فصمُّوا عن سماع الحق وعَمّلوا عن ذكِره.
اسماعيل حقي
تفسير : {ختم الله على قلوبهم} لما ذكر هؤلاء الكفار بصفاتهم وحالاتهم الحق به ذكر عقوباتهم فهو تعليل للحكم السابق وبيان ما يقتضيه. والختم الكتم سمى به الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم عليه لانه كتم له وبلوغ آخره ومنه ختم القرآن نظرا الى انه آخر فعل يفعل فى احرازه ولا ختم على الحقيقة وانما المراد به ان يحدث فى نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصى واستقباح الايمان والطاعات بسبب غيهم وانهماكهم فى التقليد واعراضهم عن النظر الصحيح فتجعل قلوبهم بحيث لا يؤثر فيها الانذار ولا ينفذ فيها الحق اصلا وسمى هذه الهيئة على الاستعارة ختما وقد عبر عن احداث هذه الهيئة بالطبع فى قوله تعالى {أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم}تفسير : [النحل: 108]. وبالاغفال فى قوله {أية : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}تفسير : [الكهف: 28]. وبالاقساء فى قوله وجعلنا قلوبهم قاسية وهى من حيث ان الممكنات باسرها مسندة الى الله تعالى واقعة بقدرته اسندت اليه تعالى ومن حيث انها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى {أية : بل طبع الله عليها بكفرهم}تفسير : [النساء: 155] وقوله ذلك {أية : ذلك بإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم}تفسير : [المنافقون: 3]. وردت الآية الكريمة ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم فالختم مجازاة لكفرهم والله تعالى قد يسر عليهم السبل فلو جاهدوا لوفقهم فسقط الاعتراض بانه اذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة. قال الشيخ فى تفسيره واسناد الختم الى الله للتنبيه على ان اباءهم عن قبول الحق كالشئ الخلق غير العرضى انتهى. وقال فى التيسير حاصل الختم عند اهل عقوبة من الله تعالى لا تمنع العبد من الايمان جبرا ولا تحمله على الكفر كرها بل هى زيادة عقوبة له على سوء اختياره وتماديه فى الكفر واصراره يحرم بها من اللطف الذي سهل به فعل الايمان وترك العصيان يدل عليه انهم بقوا مخاطبين بالايمان بقوله تعالى {أية : آمنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. وملومين على الامتناع عنه لقوله تعالى {أية : فما لهم لا يؤمنون}تفسير : [الإِنشقاق: 20]. ولو صاروا مجبورين وعن الايمان عاجزين لزال الخطاب وسقط اللوم والعتاب كما فى الختم على الافواه يوم الحساب لما عجزوا به حقيقة عن الكلام لم يبق الخطاب بالكلام وتحقيق المذهب اثبات فعل العبد وتخليق الله تعالى. والقلوب جمع قلب وهو الفؤاد سمى قلبا لتقلبه فى الامور ولتصرفه فى الاعضاء. وفى تفسير الشيخ القلب قطعة لحمم مشكل بالشكل الصنوبرى معلق بالوتين مقلوبا والوتين عرق فى القلب الذى انقطع مات صاحبه ويقال له الابهر. وفى تفسير الكواشى القلب قطعة سوداء فى الفؤاد وزعم بعضهم انه الشكل الصنوبرى المعلق بالوتين مقلوبا * وفى تعريفات السيد القلب لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسمانى الصنوبرى الشكل المودع فى الجانب الايسر من الصدر تعلق وتلك اللطيفة هى حقيقة الانسان: قال المولى الجامى شعر : نسيت اين بيكر مخروطى دل بلكه هست اين قفص طوطى دل كرتو طوطى زقفس نشناسى بخدا ناس نه نشناسى تفسير : والمراد بالقلب فى الآية محل القوة العاقلة من الفؤاد وقد يطلق ويراد به المعرفة والعقل كما قال {أية : إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب}تفسير : [ق: 37] {و} ختم الله {على سمعهم} اى على آذانهم فجعلها بحث تعاف استماع الحق ولا تصغى الى خير ولا تعيه ولا تقبله كأنها مستوثق منها بالختم عقوبة لهم على سوء اختيارهم وميلهم الى الباطل وايثارهم. والسمع هو ادراك القوة السامعة وقد يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا لانه أشد منهاسبة للختم وهو المختوم عليه اصالة. وفى توحيد السمع وجوده. احدها انه فى الاصل مصدر والمصادر لا تجمع لصلاحيتها للواحد والاثنين والجماعة قال تعالى {أية : إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا}تفسير : [الطارق: 15-16] فان قالوا فلم جمع الابصار والواحد بصر وهو كالسمع قلنا انه اسم للعين فكان اسما لا مصدرا فجمع لذلك. والثانى ان فيه اضمارا اى على مواضع سمعهم وحواسه كما فى قوله تعالى {واسئل القرية} اى اهلها وثبت هذا الاضمار دلالة ان السمع فعل ولا يختم على الفعل وانما يختم على محله. والثالث انه اراد سمع كل واحد منهم والاضافة الى الجماعة تغنى عن الجماعة وفى التوحيد امن اللبس كما فى قوله كلو فى بعض بطنكم اى بطونكم اذا لبطن لا يشترك فيه. والرابع قول سيبويه انه توسط جمعين فدل على الجمع وان وجد كما فى قوله {أية : يخرجهم من الظلمات إلى النور}تفسير : [البقرة: 257] دل على الانوار ذكر الظلمات وتقديم ختم قلوبهم للايذان بانها الاصل فى عدم الايمان وتقديم حال السمع على حال ابصارهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم فى تلك الحال. قالوا السمع افضل من البصر لانه تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ولان السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث الله تعالى رسولا اصم ولان السمع وسيلة الى استكمال العقل بالمعارف التى تتلقف من اصحابها{وعلى ابصارهم} جمع بصر وهو ادراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضوين وهو المراد ههنا لانه اشد مناسبة للتغطية {غشاوة} اى غطاء ولا تغشية على الحقيقة وانما المراد بها احداث حاله تجعل ابصارهم بسبب كفرهم لا تجتلى الآيات المنصوبة فى الانفس والآفاق كما تجتليها اعين المستبصرين وتصير كأنها غطى عليها وحيل بينها وبين الابصار ومعنى التنكير ان على ابصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس وهى غشاوة التعامى عن الآيات. قوله غشاوة مبتدأ مؤخر خبره المقدم قوله وعلى ابصارهم ولما اشترك السمع والقلب فى الادراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذى يمنع من جميع الجهات وادراك الابصار مما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة. قال فى التيسير انما ذكر فى الآية القلوب والسمع والابصار لان الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة فى الحق كما قال تعالى {أية : أفلا تعقلون} تفسير : [البقرة:44] {أية : أفلا تبصرون} تفسير : [القصص: 72] {أية : أفلا تسمعون{ تفسير : [القصص:71] أية : ولهم عذاب عظيم}تفسير : [البقرة: 7] اى عقوبة شديدة القوة ومنه العظم والعذاب كالنكال بناء ومعنى يقال اعذب عن الشئ اذا امسك عنه وسمى العذاب عذابا لانه يمنع عن الجناية اذا تأمل فيها العاقل ومنه الماء العذب لما انه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فانه يزيده ويدل عليه تسميتهم اياه نفاخا لانه ينقخ العطش اى يكسره وفراتا لانه يرفته على القلب يعنى الفرات وهو الماء العذب مأخوذ من الرفت وهو قلبه وقيل انما سمى به لانه جزاء ما استعذ به المرؤ بطبعه اى استطابه ولذلك قالوا فذوقوا عذابى وانما يذاق الطيب على معنى انه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه فى الدنيا * والعظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكان العظيم فوق الكبير كما ان الحقير دون الصغير. قال فى التيسير عظيم اى كبير او كثير او دائم وهو التعذيب بالنار ابدا ثم عظمه باهواله وبشدة احواله وكثرة سلاسله واغلاله فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقونه فى الآخرة وقيل هو القتل والاسر فى الدنيا والتحريق بالنار فى العقبى ومعنى التوصيف بالعظيم انه اذا قيس سائر ما يجانسه قصر عنه جميعه ومعنى التنكير ان لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه الا الله عز وجل. فعلى العاقل ان يجتنب عما يؤدى الى العذاب الاليم والعقاب العظيم وهو الاصرار على الذنوب والاكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب. قيل فى سبب الحفظ من هذه العقوبة التى هى الختم على الكيس فلا يمنعه عن حق ووضع الختم على اللسان فلا يطلق فى باطل قال السعدى شعر : بكمراه كفتن نكو ميروى كناه بزركست وجور قوى مكو شهدشيرين شكر فايقست كسى راكه سقمونيا لا يقست تفسير : قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد" قيل وما جلاؤها؟ قال "تلاوة القرآن وكثرة ذكر الله وكثرة ذكر الموت"تفسير : وامهات الخطايا ثلاث الحرص والحسد والكبر فحصل من هؤلاء ست فصارت تسعا الشبع والنوم والراحة وحب المال وحب الجاه وحب الرياسة فحب المال والرياسة من اعظم ما يجر صاحبه الى الكفر والهلاك – حكى – ان ملكا شابا قال انى لا اجد فى الملك لذة فلا ادرى أكذلك يجدة الناس ام انا اجده فقالوا له كذلك يجده الناس قال فماذا يقيمه قالوا يقيمه لك ان تطيع الله فلا تعصيه فدعا من كان فى بلده من العلماء والصلحاء فقال لهم كونوا بحضرتى ومجلسى فما رأيتم من طاعة الله فأمرونى وما رأيتم من المعصية فازجرونى عنها ففعل ذلك فاستقام له الملك اربعمائة سنة ثم ان ابليس اتاه يوما على صورة رجل وقال له من انت قال الملك رجل من بنى آدم قال لو كنت من بنى آدم لمت كما تموت بنوا آدم ولكنك اله فادع الناس الى عبادتك. فدخل فى قلبه شئ ثم صعد المنبر فقال ايها الناس انى اخفيت عليكم امرا حان اظهاره وهو انى ملككم منذ كذا سنة ولو كنت من بنى آدم لمت ولكنى اله فاعبدونى فاوحى الله الى نبى زمانه وقال اخبره انى استقمت له ما استقام لى فتحول من طاعتى الى معصيتى فبعزتى وجلالى لاسلطن عليه بخت نصر ولم يتحول عن ذلك فسلطه عليه فضرب عنقه وأوقر من خزينته سبعين سفينة من ذهب: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : جز عنايت كه كشايد جثم را جز محبت كه نشاند خشم را جهد بى توفيق خود كس را مباد در جهان والله اعلم بالرشاد تفسير : وفى التأويلات النجمية فى الختم اشارة الى بداية سوابق احكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والارادة الازلية للخليقة كما قال تعالى {أية : فمنهم شقى وسعيد}تفسير : [هود: 105] مع حسن استعداد جميعهم بقبول الايمان والكفر ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب الست بربكم قالوا بلى جميعا ثم اودع الله الذرات فى القلوب والقلوب فى الاجساد والاجساد فى الدنيا فى ظلمات ثلاث وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة الى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التى سمعت خطاب الحق وشاهدت كمال الحق الى وقت ولادة كل انسان كما قال عليه السلام "حديث : كل مولود يولد على فطرة الاسلام فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"تفسير : وفيه اشارة الى ان الله يكل الاشقياء الى تربية الوالدين فى معنى الدين حتى يلقنوهم تقليد ما الفوا عليه آباءهم من الضلالة فيضلوهم كما قال تعالى {أية : قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال مبين}تفسير : [الأنبياء: 54]. فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة فى ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج الى القلوب فيقسيها ويسودها ويغطيها ويسد روزنتها الى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر اهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمع بِسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون فينكرون على الانبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم اليه فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم كقوله تعالى {أية : بل طبع الله عليها بكفرهم}تفسير : [النساء: 155]. فسر القدر مستور لا يطلع عيله احد الا الله فيظهر آثار السعادة باقرار السعداء ويظهر آثار الشقاؤة بانكار الاشقياء وكفرهم من القدر كالبذر فى الارض مستور فتظهر الشجرة منه وهو فى الشجرة مستور فيخرج مع الاغصان من الشجرة وهو فى الاغصان مستور حتى يخرج مع الثمرة من الاغصان وهو فى الثمرة مستور حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر وهو بذر السعادة او الشقاوة مستور فى علم الله تعالى فتظهر شجرة وجود الانسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع اغصان الاخلاق وهى مستورة فيها فتخرج مع ثمرة الاعمال وهى الاقرار والنكار والايمان والكفر فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة او الشقاوة بثمرة الايمان او الكفر فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة او الشقاوة فالذين {ختم الله على قلوبهم} انما ختم بخاتم كفرهم وان كان نقش خاتمهم هو الاحكام الازلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم {على سمعهم} حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذى الجلال {وعلى ابصارهم غشاوة} من العمى والضلال فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم {ولهم عذاب عظيم} لانهم منعوا من مرادهم وهو العلى العظيم فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه انتهى ما فى التأويلات.
الطوسي
تفسير : القراءة ـ أجمع القراء السبعة على كسر الغين وضم التاء، وروي عن بعض القراء فتح الغين، وعن الحسن ضم الغين. وحكي عن عاصم في الشواذ: غشاوةً، بنصب التاء، ولا يقرأ بجميع ذلك. التفسير {ختم الله على قلوبهم} أي شهد عليها بانها لا تقبل الحق، يقول القائل: أراك تختم على كل ما يقول فلان، أي تشهد به وتصدقه، وقد ختمت عليك بانك لا تعلم، أي شهدت، وذلك استعارة. وقيل ان ختم بمعنى طبع فيها أثراً للذنوب كالسمة والعلامة لتعرفها الملائكة فيتبرءوا منهم، ولا يوالوهم، ولا يستغفروا لهم مع استغفارهم للمؤمنين. وقيل: المعنى في ذلك أنه ذمهم بانها كالمختوم عليها في انها لا يدخلها الايمان ولا يخرج عنها الكفر قال الشاعر: شعر : لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي تفسير : أي كأنه لا حياة فيه. والختم آخر الشيء ومنه قوله تعالى: {أية : ختامه مسك} تفسير : ومنه: خاتم النبيين أي آخرهم. ومنه: ختم الكتاب لأنه آخر حال الفراغ منه والختم الطبع والخاتم الطابع. وما يختم الله على القلوب من السمة والعلامة التي ذكرناها ليست بمانعة من الايمان كما أن ختم الكتاب والظرف والوعاء لا يمنع من أخذ ما فيه. وحكي عن مجاهد أنه قال: الرّين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الختم ومن الاقفال والقفل اشد من ذلك. وقيل: إن قوله تعالى: {ختم الله} إخبار عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا اليه من الحق كما يقال: فلان اصم عن هذا الكلام اذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه. والغشاوة: الغطاء وفيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها وكذلك غشوة فيها ثلاث لغات. ويقال: تغشاني السهم اذا تجلله وكل ما اشتمل على شيء مبني على فعالة كالعمامة والقلادة والعصابة وكذلك في الصناعة كالخياطة والقصارة والصباغة والنساجة غير ذلك وكذلك من استولى على شيء كالخلافة والامارة والاجارة وغير ذلك. قال ابو عبيدة: {وعلى سمعهم} معناه على اسماعهم ووضع الواحد موضع الجمع لأنه اسم جنس كما قال:{أية : يخرجكم طفلا} تفسير : يعني اطفالا. ويجوز ان يكون اراد موضع سمعهم فحذف لدلالة الكلام عليه. ويجوز ان يكون اراد المصدر لأنه يدل على القليل والكثير؛ فمن رفع التاء قال: الكلام الاول قد تم عند قوله: {وعلى سمعهم} واستأنف: {وعلى أبصارهم غشاوة} وتقديره: وغشاوة على أبصارهم، ومن نصب قدّره، يعني: جعل على أبصارهم غشاوة، كما قال الشاعر: شعر : علفتها تبناً وماء باردا تفسير : وقال الآخر: شعر : متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : لما دل الكلام الأول عليه، فاذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه، لا يجوز إضماره، ويجوز أن ينصب بالفعل الأول الذي هو الختم، لأن الختم لا يطلق على البصر، كما ذكر في قوله تعالى: {وختم على سمعه وقلبه} ثم قال: {أية : وجعل على بصره غشاوة} تفسير : فلم يدخل المنصوب في معنى الختم وقال قوم: إن ذلك على وجه الدعاء عليهم، لا للاخبار عنهم، وهذا يمكن في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} وفي قوله {وعلى أبصارهم غشاوة} فيمن نصب غشاوة، فاما من رفع ذلك، فلا يكون دعاء. والأقوى أن ذلك خبر، لأنه خرج مخرج الذم لهم والازراء عليهم، فكيف يحمل على الدعاء؟ ويحتمل أن يكون المراد (بختم) أنه سيختم، ويكون الماضي بمعنى المستقبل كما قال: {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} تفسير : وعلى هذا يسقط سؤال المخالف والقلب جعل الشيء على خلاف ما كان. يقال: قلبه يقلبه قلباً والقليب البئر لأن الماء ينقلب اليها، وما به قلبة: أي انقلاب عن صحة، وفلان حوّل قلب: اذا كان يقلب الامور برأيه ويحتال عليها، والقلوب الذئب لتقلبه في الحيلة على الصيد بخبثه، وسمي القلب قلباً لتقلبه بالخواطر. قال الشاعر: شعر : ما سمي القلب إلا من تقلبه والرأي يعزب والانسان أطوار تفسير : والبصر: مصدر بصر به يبصر بصراً، بمعنى أبصره ابصاراً. والبصيرة: الابصار للحق بالقلب. والبصائر قطع الدم لأنها ترى كثيرة للعسل. {ولهم عذاب عظيم} باظهار التنوين، لأن النون تبين عند حروف الحلق وهي ستة أحرف: العين، والغين، والحاء، والخاء، والهمزة والهاء ومن هذه الاحرف ما لا يجوز فيه الاخفاء، وهي العين، كقوله: {من عند الله} و {من عليها}. والهمزة نحو قوله: {أية : غثاء أحوى }تفسير : والخاء والغين يجوز إخفاؤهما عندهم على ضعف فيه من قوله: {والمنخنقة} و {ناراً خالداً} {فان خفتم} {من خلفهم} و {أية : ميثاقاً غليظاً} {أية : ماء غدقا} {أية : قولا غير الذي} تفسير : قال الفراء: أهل العراق يبينون وأهل الحجاز يخفون وكل صواب. فان قيل: اذا قلتم: ان الله ختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فكيف يكونون قادرين على الايمان؟ قيل: يكونون عليه لأن الختم والغشاوة ليسا بشيء يفعلهما الله تعالى في القلب والعين يصد بهما عن الايمان، ولكن الختم شهادة على ما فسرناه من الله عليهم بانهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بانها لا تعي الذكر، ولا تعي الحق، وعلى اسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق. وهذا إخبار عمن يُعلم منه أنه لا يؤمن. والغشاوة هي "إلفُهم الكفر بحبهم له" ولم يقل تعالى: إنه جعل على قلوبهم بل أخبر انه كذلك. ومن قرأ بالنصب ـ وإن كان شاذاً ـ يحتمل أن يكون أراد معنى قوله: ان السورة زادتهم رجساً إلى رجسهم والسورة لم تزدهم ولكنهم ازدادوا عندها، وسنوضح ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى. {ولهم عذاب عظيم} تقديره: ولهم، بما هم عليه من خلافك، عذاب عظيم وحكي ذلك عن ابن عباس. وأصل العذاب الاستمرار بالشيء يقال: عذبه تعذيباً: إذا استمر به الألم. وعذب الماء عذوبة: اذا استمر في الحلق وحمار عاذب وعذوب: اذا استمر به العطش فلم يأكل من شدة العطش. وفرس عذوب مثل ذلك. والعذوب الذي ليس بينه وبين السماء ستر وأعذبته عن الشيء بمعنى فطمته. وعذبة السوط طرفه والعذاب استمرار الألم. وأصل العِظَمِ عِظم الشخص، ومنه عظيم الشأن الغني بالشيء عن غيره وعظمة الله تعالى كبرياؤه والعظام من العِظم لأنه من أكبر ما يركب منه البدن.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لمّا وصفَ الله تعالى الكفارَ بأخصّ صفاتهم التي كانوا عليها، وهو عدم تأثّرهم عند الانذار والنصيحة، والتهذيب والتعليم للإيمان، بيّن في هذه الآية السبب الذي لأجله لا ينجع فيهم الانذار ولا يؤثّر فيهم التعليم، وهو الختْم على القلوب، للقساوة والفظاظة الأصليّة، والغشاوة على الأسماع والأبصار، للصمم والبكْم الفطريّة. وأنت تعلم أنّ نظام الدنيا لا ينصلح إلاّ بنفوس غليظة، وقلوبٍ قاسية، وطبائع جاسية. فلو كان الناس كلّهم سعداء بنفوسٍ خائفة من عذاب الله، وقلوبٍ خاشعة خاضعة لآياته، وطبائع لطيفة منفعلة، لاختلَّ النظام بعدم القائمين بعمارة هذه الدار من النفوس الغلاظ الشداد، كالفراعنة والدجاجلة، والنفوس المكّارة كشياطين الانس، والنفوس البهيمية كجهَلة الكفّار. وفي الحديث الرّباني: إنّي جعلتُ معصيةَ آدم سبباً لعمارة العالَم، وقال سبحانه: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة:13]. فكون الناس على طبقةٍ واحدةٍ، ينافي الحكمة والعناية، وهو إهمال سائر الطبقات الممكنة الوجود في مَكمن الإمكان، من غير أن تخرج من القوّة الى الفعل، وخلوّ أكثر مراتب هذا العالَم عن أربابها، فلا يتمشّى النظام، ولا تنصلح العمارة إلاّ بوجود الأمور الخسيسة والنفوس الدنيّة المحتاج اليها هذه الدار، التي يقوم بها أهل الظلمة والحجاب ويتنعّم بها أهل الذلّة والقسوة وسائر الأنعام والدوابّ، المبعدين عن دار الكرامة والنور، المطرودين عن عالَم المحبّة والسرور. فوجبَ في العناية الأولى والحكمةِ الكبرى، التفاوت في الاستعدادات لمراتب الدرجات، في الشرف والخسّة، والصفاء والكدورة، والعلوّ والدناءة. وثبت بموجب القضاء اللازم النافذ في القدَر المتحتّم، الحكمُ بوجود السعداء والأشقياء جميعاً، والمؤمنين والكفار والمنافقين كُلاً. قال بعض المكاشفين: يدخل أهل الدارين؛ السعداء بفضل الله في دارهم، وأهل النار بعدل الله فيها، وينزلون فيهما بالأعمال، ويخلّدون فيهما بالنيّات. وفي المقام أسرار أخرى تركناها الى مقام آخر. تبصرة [الختم وقول الأشاعرة فيه] الخَتْم والكَتْم؛ أَخَوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتَم عليه كَتْماً له، والغِشاوة: الغطاء فِعالة من غَشّاه إذا غطّاه. وهذا البناء لِما يشتملُ على الشيء كالعِصابة والعِمامة. واختلف الناس في هذا الختْم، أما القائلون بالقضاء والقدَر في الكل، فهو من فعل الله من جهة خصوصيّة بعض القوابل المتخالفة الطبائع والصور كما مرّ، ولهم قولان: منهم من قال: إنّ الختْم هو خلْق الكفْر في قلوب الكفّار، ومنهم من قال: خلْق الداعية التي إذا انضمّت الى القدرة، صار مجموعُ القدرةِ معها سبباً لوقوع الكفر. والحقّ، أنّ الختم موجودٌ لبعض الكفّار لا للجميع، وهو بمنزلة طبيعة جبليّة لذلك البعض، مستحيل الانفكاك عنه، وتقريره: أنّ الذي يحصل منه الكفر، إمّا أن لا يكون قادراً على تركه، أم يكون. فعلى الأول، كان مبدأ الكفر صفةً لازمة لا من غير اختياره وعلى الثاني كانت نسبة قدرته الى فعل الكفْر وتركه على السواء، فإمّا أن تكون صيرورتها مصدراً لأحد الطرفين دون الآخر، يتوقّف على انضمام مرجّح أَوْلا، وعلى الثاني، يلزم صدور الممكن من غير مرجّح، وتجويزه يؤدّي الى القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثّر، وينسدّ منه باب اثبات الصانع، وذلك باطل. وعلى الأوّل: إمّا أن يكون المرجّح من فعْل الله، أو من فعْل العبْد. وعلى الثاني يلزم التسلسل في الأفعال الاختياريّة للعبد، وهو محال، وعلى الأول، وهو كون المرجّح - ولنسمّه الختْم - من فعل الله، يلزم المطلوب. فنقول: إذا انضمّ ذلك المرجّح الى تلك القدرة، فإمّا أن يصير صدور الكفر واجباً، أو جائزاً، أو ممتنعاً. والأخيران باطلان، فتعيّن الأول. أما بطلان كونه جائزاً: فلأنّه لو كان جائزاً، لكان يصحّ صدورُه في وقتٍ وتركُه في وقت آخر. فلنفرض وقوعَه - إذ المفروض جوازه والجائز ما لا يلزم من فرض وقوعه محال - فذلك المجموع، تارةً يترتّب عليه الأثر، وأخرى لا يترتّب عليه، واختصاص أحد الوقتين بترتّبه عليه، إمّا أن يتوقّف على انضمام قرينة إليه أوْلا يتوقّف، فإن توقّف، كان المرجّح هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، والمفروض خلافُه، هذا خلف. وايضاً، فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإنْ توقّف على قيد آخر، لزم التسلسل، وهو محالٌ، وإن لم يتوقّف، حصل ذلك المجموع، بحيث يكون مصدراً تارةً للأثر، وأخرى لا يكون كذلك مع انّه لم يتميّز أحد الوقتين بأمر لا يكون في الوقت الآخر عنه، فيكون هذا قولاً بترجّح الممكن لا عن مرجّح، وهو محال. فثبت أنّ عند حصول ذلك المرجّح، يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً، وأما انّه لا يكون ممتنعاً فظاهر، وإلاّ لكان مرجّح الوجود مرجّحاً للعدم، وهو محال. وإذا بطل القسمان فثبت أنّ عند حصول مرجّح الوجود يكون الأثر واجبَ الوجود عن المجموع الحاصل من تلك القدرة ومن ذلك المرجّح. وإذا عرفت هذا، كان خلْق الداعية موجبةً للكفر، أو الأمر الجِبِلّي الموجب له، ختماً على القلب، ومنعاً عن قبول الإيمان، فهذا هو السبب الفاعلي، والذي ذكرنا في الفصل المتقدّم هو السبب الغائي لوجود الخَتْم وأشباهه، كالطبع والرَّين والغشاوة والصمَم والبكْم وغيرها، فإنّه تعالى لما حكَم بأنّهم لا يؤمنون، ذكَر عقيبَه ما يجري مجرى السبب الموجب له، لأنّ العلم بالعلّة يفيد العلمَ بالمعلول، والعلمُ بذي السبب لا يكمل إلاّ من جهة العلم بسببه، فهذا قول من أضاف جميعَ المحدَثات الى الله على ترتيب الأسباب والمسبّبات، وأمّا الأشاعرة، فهم بمعزل عن ذكر المرجّح والعلّة ها هنا؛ لانكارهم القول بالعلّة والمعلول مطلقاً. فصل [اقوال المعتزلة في المراد من الختم] وأمّا المعتزلة، فلمّا لم يجوزوا بناءً على أصولهم خلْق الكفر وما يشبهه وما يستدعيه من قِبَل الله تعالى، لا يجوز عندهم إجراء هذه الآية على ظاهرها من المنع من الإيمان، سيّما وقد ذمّ الله كفاراً قالوا: إن على قلوبنا أكناناً وغطاءً وفي آذاننا وقر، فقد التجأوا الى حمل الختْم والغشاوة على أمور أخرى. قالوا: لأن إسناد الختْم الى الله - مع كونه دالاً على المنع من قبول الحقّ والتوصل اليه بطرقه - إسناد أمر قبيح اليه تعالى، والله يتعاظَم عمّن فعَل القبيح علوّاً كبيراً، لعلمه بقُبحه، وعلمه بغناه عنه، وقد نصّ على تنزيه ذاته عنه بقوله: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق:29]. {أية : وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الزخرف:76]. {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [الأعراف:28]. ونظائر ذلك. فذكروا في الآية وجوهاً من المحامل والتأويلات: أحدها: القصد الى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختْم الى الله، فللتنبيه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكّنها وثبات قدمها، كالشيء الخَلْقي غير العرَضي، ولهذا قال: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النساء:155]. ألا ترى الى قولهم: فلانٌ مجبول على كذا، مفطور عليه؟ يريدون أنّه بليغٌ في الثبات عليه. وثانيها: إنّه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، والشيطان هو الخاتِم بالحقيقة، أو الكافر. إلاّ انّ الله تعالى لمّا كان هو الذي أقدَرهم على ذلك، أُسند اليه الختْم كما يُسند الفعلُ الى المسبّب. قال صاحب الكشّاف: إن للفعل ملابسات شتّى، يلابس الفاعلَ والمفعولَ به، والمصدرَ والزمانَ والمكانَ والمسبِّب، فإسناده الى الفاعل حقيقة، والى غيره استعارة، لمضاهاتها الفاعل في ملابسته، فيقال: عيشةٌ راضيةٌ، وشعرٌ شاعرٌ، ونهاره صائمٌ، وطريقٌ سائرٌ، وبنى الأميرُ المدينةَ. وثالثها: إنّهم أعرضوا عن التدبّر ولم يصغوا الى الذِكْر، وكان ذلك عند إيراد الله تعالى الدلائل، فأضيف ما فَعلوا الى الله تعالى، لأنّ حدوثَه إنّما اتّفق عند ايراده تعالى دلائله عليهم، كقوله تعالى في أهل التوراة: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة:125]. أي ازدادوا بها كُفر الى كفرهم. ورابعها: أن يكون ذلك حكايةً لِما كان الكفَرةُ يقولونه تهكّماً به في قولهم: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت:5]. ونظيره في الحكاية والتهكّم قوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}تفسير : [البينة:1]. وخامسها: إنّ المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله خالية عن الفطن، أو قلوب مقدّرة ختم الله عليها. ونظيره: سالَ به الوادي: إذا هلك، وطارت به العنقاء: إذا طالت غيبته. وسادسها: إنّ المراد من الختم من الله على قلوب الكفار، وهو الشهادة منه عليهم بأنّهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنّها لا تعي الذكْر ولا تقبل الحقَّ، وعلى أسماعهم بأنّها لا تُصغي الى الحقّ، كما يقول الرجل لصاحبه: أُريُد أن يختم على ما يقوله فلانٌ أي يصدقه ويشهد بأنّه حقٌّ، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنّهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية أنّه قد شهِد بذلك وحفِظَه عليهم. وسابعها: ما قال بعضهم: إنّها جاءتْ في قوم مخصوصين من الكفّار، فعَل الله بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقاباً لهم في العاجل، كما عجّل لكثيرٍ من الكفّار عقوبات في الدنيا، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة:65]. وقال تعالى {أية : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة:26]. ونحو هذا من العقوبات المعجّلة، لما علم الله فيها من العبرة للعباد والمصلحة لهم. فيكون من هذا ما فَعل بهؤلاء من الختْم والطبْع. إلا أنّهم إذا صاروا بذلك الى أن لا يفهموا، سقط عنهم التكليف كسقوطه عمّن مُسخ. وقد أسقط الله التكليفَ عمَّن يعقل بعض العقل كمن قاربَ البلوغ. ولسنا ننكر أن يَخلق الله في قلوب الكافرين مانعاً يمنعهم عن الفهم والاعتبار، إذا عِلم أنّ ذلك أصلح لهم، كما يذهب بعقولهم ويُعمي أبصارَهم، ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلَّفين. وثامنها: يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة، وإنّما أخبر عنه بالماضي لتحقّقه وتيقّن وقوعه، كما قد أخبر أنّه يُعميهم، قال: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} تفسير : [الإسراء:97]. وقال: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه:102]. وقال: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الأنبياء:100]. وتاسعها: ما حكوه عن الحسن البصري، - وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي-: أن المراد بذلك علامةٌ وسِمَةٌ وسم بها قلوبُهم وسمعهم، يعرفها الملائكة ويعرفونهم بها أنّهم كفار، فيبغضونهم وينفرون عنهم، كما لا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامةٌ يَعرف الملائكةُ بها كونَهم مؤمنين عند الله، كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22] وحينئذ يحبّونهم ويستغفرون لهم، والفائدة في تلك العلامة، مصلحةٌ تعود الى الملائكة. وقالوا: وإنّما خصّ السمعَ والقلبَ بذلك، لأن أحدهما للأدلّة السمعيّة، والأخرى للعقليّة. وهؤلاء لم يحملوا الغشاوةَ في البصَر أيضاً على معنى العلامة والسِّمة، كما حمَلوا الختمَ عليه، محافظة على مقتضى اللغة من غير مانع في الختم، إذ لا مانع من حمْله على معناه، بخلاف الغشاوة، لأنّها الغطاء المانع عن الإبصار، ومعلومٌ من حال الكفّار خلاف ذلك، فلا بدّ فيه من حمله على المجاز، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية. وعاشرها: إنّ أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت، بحيث لم يبق لهم طريق الى تحصيل ايمانهم سوى الإلجاء والقَسر، ثمّ لم يقع الإلجاء والقَسْر إبقاءً على غرَضِ التكليف، عبّر عن تركه بالختْم، فإنّه سدٌّ لإيمانهم وفيه إشعارٌ على ترامي أمرهم في الغيّ والضلال، وتناهي انهماكهم في البطلان والوبال. فهذا مجمع ما ذكَروه في هذا المقام. فصل [وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ...] أكثر المفسّرين على أن قوله: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} معطوفٌ على قوله: {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}، وفاقاً لقوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية:23], ولِما مرّ من أن الأدلّة السمعيّة لا تستفاد إلاّ من طريق السمع، والأدلّة العقلية لا تستفاد إلاّ من طريق القلب، ولأنهما لمّا اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب، جعل ما يمنعهما من خاص فعْلهما، الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختصّ بجهة المقابل، جعل المانع عن فعلها الغشاوة المختصّة بتلك الجهة. والفائدة في تكرير الجار في قوله: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}، لاستقلال كلّ منهما بالحكم، ولأنّها لما اعيدت في السمع، كان أدلّ على شدّة الختم في الموضعين، وإنّما وحّد السمع للأمن من اللبس، كما يقال: أتاني برأس كبشين، وكقوله (عليه السلام): "كُلوا في بعض بطنكم"ولأن السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع، فُروُعِيَ الأصل، دلّ عليه جمع الأذُن في قوله: {أية : وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} تفسير : [فصّلت:5]. ووجهٌ ثالث: وهو تقدير مضاف محذوف، أي وعلى حواسّ سمعهم، ووجهٌ رابع إنّه محفوفٌ بين الجمعين فيُراد به الجمع أيضاً، كما قال تعالى: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة:257]. {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ} تفسير : [ق:17]. وقرأ ابن أبي عبلة: وعلى أسماعهم. والأبصار: جمع بصَر، وهو إدراك العين، وقد يطلق على القوّة الباصرة، وعلى العضو، كما يطلق العقل - وهو إدراك الكلّيات - على القوّة الناطقة، وعلى الشخص المحسوس، وهذا ليس من باب المجاز كما زعموه، بل لعلاقة اتّحادية بين الفعل والفاعل، والقوّة وذي القوة، كما بين العقل والعاقل، والنفس والبدن، كما ذهب اليه بعض أعاظم الفلاسفة المسمّى "بفرفوريوس"، ودلّ عليه كلام استاذه معلم الفلسفة القديمة "أرسطاطاليس" في كتابه الموسوم بمعرفة الربوبيّة. وكذا الكلام في السمع، حيث يطلق على الإدراك وقوّته ومادّته، واختلف الناس في كون أيّهما أفضل، فقيل: السمع، لأنّ الله حيث ذكرهما، قدّمه على البصر، والتقديم علامة التفضيل، ولأنّه شرط النبوّة بخلاف البصر، ولهذا ما بُعث نبيٌّ أصم، وقد كان فيهم مبتلى بالعمى، ولِما مرّ من كونه متصرّفاً في الجهات دون البصر، ولأنّه متى بطل، بطل النطق، والعين إذا بطلت لم يبطل النطق، ولأنّ بالسمع تصل نتايج العقول بعضها الى بعض، فهو كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلاّ على المحسوسات. أقول: وفي هذا الوجه محل نظرٍ، وكأنّ مراد القائل، إنّ الواسطة بين السمع والعقل أقلّ ممّا بين البصر والعقل، فإنّ العقلَ يفهم المعاني من النقوش والكتابة بواسطة دلالتهما على الألفاظ، ودلالة الألفاظ على الصوَر العقليّة، ويفهمهما من النقوش السمعيّة لدلالتها على الصوَر العقلية بلا واسطة، وكأنّ الهواء بما فيه من صور الألفاظ صحيفة مكتوبة يدلّ على المعاني من غير توسط الألفاظ، لأنّها نفس الألفاظ. وقيل: بأنّ البصر أقدم، لأن آلة القوّة الباصرة أشرف، ولهذا يقال لهما: كريمتان. وفي الحديث: "حديث : من أحبّ كريمتاه لا يكتبن بالعصر"تفسير : ، ولأنّ متعلّق القوّة الباصرة هو النور، ومتعلّق القوّة السامعة هو الريح. أقول: ولأنّ البصر يعمّ إدراكه القريب والبعيد الى فلك البروج، والسمع لا يتعدّى إدراكه عن كرة البخار، ولأنّ إدراك البصر دفعيٌّ وإدراك السمع زمانيّ تدريجيّ، والأول أشرف، لكونه يشبه إدراك العقل والثاني يشبه الحركة والاستحالة، ومعلومٌ أنّ العقل أشرف من الحركة، لأنّه أشرف الجواهر، وهي أخسّ الأعراض، والشبيه بالأشرف أشرف من الشبيه بالأخسّ، فالبصر أشرف من السمع. فصل فيه ذكر مشرقي [السمع أشرف من البصر] لعلك كنتَ ناظراً فيما ذكرنا من قبلُ في المفاتيح الغيبيّة، الفرق بين كلام الله وكتابه، وانّ احدهما - لكونه من عالَم الأمر والإبداع - أشرف من الآخر - لكونه من عالَم الخلْق والتقدير -. فاعلم أنّ للنفس الإنسانيّة المخلوقة على صورة الكمال، وهي على بيّنة من ربّها، كتاباً وكلاماً وهما يدلاّن على كلام الله وكتابه، يشهدان عليهما، الكلام على الكلام والكتاب على الكتاب، وكل منهما غير صاحبه بوجه، وعينه بوجه آخر، كما مرّ بيانه. فكلام الحقّ يدرك بالسمع الباطني، وكتابه يدرك بالبصر الباطني. وأمّا كلام النفس وكتابها، فهما يدرَكان بهذا السمع وهذا البصر الحسّيين الظاهرين. فإذا تقرّر هذا، ظهر وجهُ كون السمع أقدمَ من البصَرِ في الشرف والفضيلة، ولهذا قُدّم ذكرُه على ذكر البصر في القرآن كما مرّ. وممّا يزيدك استيضاحاً، أنّ النفس الإنسانيّة متى استيقظت من نوم الجهالة وسِنَة الغفلة، وتجاوزت حدودَ البهيميّة، فأول ما أدركته هو العدد، وبه صارت عادّةً ماسِحة، والعددُ والمساحة من الخواصّ الشاملة للنفس الناطقة، لارتفاع الملائكة العقليّة عنها، وانحطاط النفوس الحيوانيّة عن نيلها. فالنفس الآدمية هي العادّة الماسحة، كما تقرّر عند القوم؛ فهي في بداية أمرها عرفت مراتبَ العددِ، لتَعلم بها مراتب الملكوت الباطنة، ولكلّ مرتبة منها اسم يخصّه، فتولّدت من مراتب العدد أساميها، لكن بحكم أنّ الكلام إنّما يتأتّى من جهة السمع، فالحروف والأصوات صارت محصّلة لتلك الأسامي تحصيل البسيط للمركب، فكما أنّ الأسامي المركّبة دالّة على أشخاص وأعداد مركّبة، سواء كان في عالَم الحسّ كزيد وعمروٍ، أو في عالم العقل كالمعقول من الإنسان، والفرس والياقوت والعسل وغيرها، فكذا الحروفُ المبسوطة، دالةٌ على أعداد بسيطة، كالعقل والنفس والطبيعة والهيولىٰ. وأسبق الحروف هي حروف المدّ سيّما الألف، فلذلك صارت حرف أول الموجودات البسيطة الذوات، ثمّ تحصل المركّبات من هذه البسائط، كما تتألّف الأسامي من الحروف الوحدان، وأسامي المفردات وأرقامها من أرقام المفردات بتركيب مفردات كلّ من هذه العوالم العقليّة العدديّة، والسمعيّة اللفظيّة، والحسيّة الرقميّة. فالأعداد دلائل على عالَم العقل، والحروف بأصواتها دلائل على عالَم المثال البرزخي، والأرقام الماديّة دلائل على عالَم الحسّ والشهادة. فالعدد وجوده في لوح النفس، والحروف وجودها في صحيفة الهواء النفسي المتحرّك بسبب قوة التكلّم، وإنّما يدركها السمع لا البصَر. والبصَر يدرك نقوشاً كتابية للحروف والأسامي الدالّة عليها، وعلى ما في النفس، فللأشياء وجود في النفس، ووجود في النَّفَس الإنساني، وهو الهواء اللطيف الخارج من باطنه، بإزاء النَّفَس الرحماني المبعث من فيض وجود الحقّ، المنبسط على هياكل الماهيات وصحائف القابليّات، ووجودٌ في الكتابة. فالأول ليس بمداخلة وضع وتعمّل، بخلاف الأخيرين، والأول قول النفس، والثاني كلامها والثالث كتابها. فعلى ما قرّرنا من المقدمات، ثبت أنّ الكلام أشرف من الكتابة، كما أنّ القول أشرف من الكلام، فقد تحقّق وتبيّن أنّ السمع أشرف من البصر. فصل [اللغة والقراءة] ذكر صاحب الكشّاف: قرأ "غِشاوةً" بالكسر والنصب، و"غُشاوةٌ" بالضم والرفع، و "غَشاوةً" بالفتح والنصب، و "غِشوةٌ" بالكسر والرفع، و"غَشوةٌ" بالفتح والرفع والنصب، و"عشاوةٌ" بالعين غير المعجمة والرفع من "العشاء". والغشاوة: هي الغطاء، ومنه الغاشية، ومنه غشي عليه، أي زال عقله، والغشيان: كناية عن الجماع. والعذاب: مثل النكال بناء ومعنىً، لأنك تقول: أعذَبَ عن الشيء إذا أمسك عنه، كما تقول: نكل عنه، ومنه العَذْب، لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف المِلْح فإنّه يزيده، ويدلّ عليه تسميتهم إيّاه نُقاخاً لانه ينقخ العطش، أي: يكسره، وفُراتاً، لأنه يرفته عن القلب. ثمّ اتّسع فيه فسمّي كل ألَم قادحٍ عذاباً، وإن لم يكن نكالاً، أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة. والفرق بين العظيم والكبير: أنّ العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوقَ الكبير، كما أنّ الحقير دون الصغير، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا تقول: رجلٌ عظيمٌ وكبيرٌ، تريد جثّته أو خطره، ومعنى التنكير: أنّ على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوعٌ عظيم لا يعلم كنهه إلاّ الله. فصل [عذاب الكفّار وخلودهم في النار] اتّفق أهل الإسلام، على أنّه يحسن من الله تعذيب الكفّار وقال بعضهم: لا يحسن، أمّا الفرقة الأولى، فمستندهم ادلّة سمعيّة كالكتاب والخبر والإجماع، وأمّا الفرقة الثانية فمستندهم دلائل عقليّة. الأول: انّه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي، وذلك لحكمة النظام ومصلحة الخلائق، لما مرّ من أنّ الناس لو كانوا كلّهم صلحاء مؤمنين خائفين من عقاب الله، لاختلّ نظام الدنيا، وبطلت أسباب المعيشة، ولِما بيّنا انّ صدور الفعل عن قدرة العبد، يتوقّف على انظمام الداعية من العلم والإرادة وغيرها، وبعد انضمام الداعي يجب صدور الفعل، وحصول الداعي ليس بقدرته، وإلاّ لكان للداعي داعٍ آخر، ويعود الكلام جذعاً فيتسلسل، وهو محال، أو ينتهي الى داعٍ حصل بخَلق الله لا بقدرة العبد، فإذاً كان الله هو الخالق للدواعي الشيطانيّة التي توجب المعاصي، فيكون هو الملجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها. وربما قرّروا هذا بوجه آخر وقالوا: إذا كانت التكاليف الشرعيّة قد جاءت الى شخصين، فقبلها أحدهما فأُثيب، وخالفها الآخر فعوقِبَ، فإذا سُئِل: لِمَ أطاع هذ وعصى الآخر؟ فيجاب: لأنّ المطيعَ أحبَّ الثواب وحذر العقاب، والعاصي لم يحبّ ولم يحذر، أو لأن هذا أصغىٰ الى مَن وعظه وفهم عنه مقالته، فأطاع، وهذا لم يصغ ولم يفهم، فعَصىٰ. فيقال: ولِم أحبّ الخير هذا وأصغى وفهم، ولم يكن الآخر كذلك ولم يفهم؟ فيجاب: لأنّ هذا حازمٌ لبيبٌ فطِنٌ، وذاك أخرقُ جاهلٌ غبيٌ. فيقال: ولِم خُصّ هذا بالعقل والفِطنة دون ذاك؟ ولا شكّ أنّ الفطنة والبَلادة من الأحوال الغريزيّة، فإذا تناهت التعليلات الى أُمور خلَقها الله اضطراراً، فعلم أنّ سبب الطاعة والعصيان، والتوفيق والحرمان، من الأشخاص، أمور واقعة عليها بقضاء الله وتقديره. وعند هذا يقال: أين من العدل والرحمة أن يخلق في عبد من الفظاظة والقساوة والغباوة والطيش والخُرق ما يوجب عنه صدور العصيان، ثمّ يعاقب عليه، وهذه مما هو مجبولٌ عليه، كما جُبل على أضدادها الطائع. وأين من العدل أن يسخّن قلب العاصي ويقوّي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه، ولا يرزقه ما يرزق المطيع من أستاذ سليم، ومؤدب عليم، وواعِظ مبلّغ، وناصحٍ شفيق، بل يقيّض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم، فيكتسب منهم ما يكسبه المطيع، ثمّ يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيبَ الحازم العالم، البارد طبيعة الراس، الصبور، المعتدل مزاج القلب، الزكي، اللطيف الروح، الدرّاك، يقظان النفس، الحازم. ما هذا من العدل والكرم والرحمة، فثبت بهذا أن القول بالعقاب على خلاف قضيّة العقول. الثاني: أنّ التعذيب في الآخرة ضررٌ خالٍ من جهات المنفعة، أمّا أنّه ضرر فظاهر، وأما انّه خالٍ عن جهات النفع، فلأن تلك المنفعة إمّا عائدةٌ الى الله او الى غيره، والأول باطل، لتعاليه عن وَسمة التغيّر والانفعال. والثاني أيضاً باطل، لأنها إمّا عائدة الى المعذَّبِ، أو الى غيره، أما اليه فهو محال، لأنّ الإضرار لا يكون عين الانتفاع وأما الى غيره فهو محال، لأنّ دفع الضرر أولىٰ بالرعاية من ايصال النفع، فايصال الضرر الى شخص لغرَض ايصال النفع الى آخر ترجيحٌ للمرجوح على الراجح، وهو باطلٌ. وأيضاً، فلا منفعة يريد الله ايصالها الى أحد إلاّ وهو قادر عليه بوجوه شتّى، فالإضرار عديم الفائدة. فثبت أنّ التعذيب ضررٌ خال عن جميع جهات المنفعة، وأنّه معلوم القُبح بديهةٌ، بل قُبحه أجلى في العقول من قُبح الكذب الغير الضارّ، والجهل الغير الضارّ، بل من قُبْح الكذب الضارّ والجهل الضارّ؛ لأنّ الكذب الضارّ وسيلة الى الضرر، وقُبْح وسيلة الضرر دون قبح نفس الضرر. وإذا ثبت قُبح التعذيب، امتنع صدوره من الله تعالى، لأنّه حكيمٌ، والحكيم لا يفعل القبيح. الثالث: انّه كان عالماً بأنّ الكافر لا يؤمن، كما اخبر عنه في الآية السابقة، فمتى كُلِّف لم يظهر منه إلاّ العصيان، وهو يكون سبباً للعقاب فكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العذاب، أمّا لأنه تمام العلّة، أو لأنّه شطرها. فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً لكونه مستعقباً للضرر الخالي عن النفع، والحكيم لا يفعل القبيح، فوجب أحد الأمرين: إما عدم التكليف أو عدم العقاب وعلى أيّهما فالمطلوب حاصل. الرابع: إنّه سبحانه، إنّما كلّفنا النفع لعوده إلينا، لأنّه تعالى قال: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء:7]. فإذا عصينا فقد فوّتنا على أنفسنا تلك المنافع، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً ويقول: إني أعذّبك العذاب الشديد لأنك فوّتَ على نفسك بعض المنافع، فإنّه يقول له: إنّ تحصيل النفع مرجوح بالنسبة الى دفع الضرر، فهبْ انيّ فوّت على نفسي أدْوَنَ المطلوبين، فأنت تفوِّت عليَّ لأجل ذلك أعظمها، أو هل يحسن من السيّد أن يأخذ عبده ويقول: إنّك قدرتَ على أن تكتسب ديناراً لنفسك لتنتفع به خاصّة من غير أن يكون لي فيه شيء ألبتّة، فلمّا لم تفعل، فأنا أعذّبكَ وأقطع اعضاءك إرباً إرباً. لا شكّ أنّ هذا نهاية السفاهة، فكيف يليق بأحكم الحاكمين؟! ثمّ قالوا: هبْ أنّا سلّمنا هذا العقابَ، فمن أين القول بالدوام، وذلك لأن أقسى الناس قلباً وأشدّهم غلظةً وبُعداً عن الخير والرحمة؛ إذا أخذ من بالَغ في الإساءة إليه عذّبه يوماً أو شهراً أو سَنةً، ثم إنّه يشبع منه ويملّ، ولو بقي مواظباً عليه يلومه كلّ أحد ويقال: هبْ أنّه بالَغ في الإساءة والإضرار بك، ولكن الى متى هذا التعذيب؟ فإمّا أن تقتله وتريحه، وإمّا أن تخلصه، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذّ بالانتقام، فالغني عن الكلّ كيف يليق به هذا الدوام الذي يقال؟! الخامس: أنّه تعالى نهى عبادَه من استيفاء الزيادة، فقال تعالى: {أية : فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} تفسير : [الإسراء:33]. {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى:40]. ثمّ إنّ العبد هبْ أنّه عصى طولَ عمره، فأين عمره من الأبد، فيكون العذاب المؤبد ظلماً؟ السادس: إنّ العبد لو واظَب على الكفر طولَ عمره فإذا تابَ ثمّ مات؛ عفى الله عنه وأجاب دعاءَه وقبل توبتَه. أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو عقول اولئك المعذَّبين ما بقيت، فلِمَ يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلِمَ لا يقبل الله توبتَهم؟ ولِمَ لا يسمع دعاءَهم ولِمَ يخيّب رجاءَهم، ولِمَ كان في الدنيا في الرحمة والكرم الى حيث قال: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر:60]. {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل:62]. وصار في الآخرة بحيث كلّما كان تضرّعهم إليه أشدّ، فانه لا يخاطبهم إلاّ بقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون:108]؟! قالوا: فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب. واعلم أنّ أكثرها مبنيّة على أصول المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلييّن، وأنّ الأصلح واجبٌ على الله، ولا محيص لهم عنها من جهة العقل. والأشاعرة أجابوا عن هذه الشُّبه بمنع صحّة تلك الأصول، وبما تواتر من الآيات والأخبار المنقولة من الرسول (صلّى الله عليه وآله)، الورادة في باب خلود الكفّار في عذاب النار. وأما على أصولنا الحكميّة الإيمانية، فالجواب عنها بما مرّ من أن العقوبة إنّما لحق الكفار، لا من جهة انتقام منتقِمٍ خارجي، يفعل الإيلام والتعذيب على سبيل القصد وتحصيل الغرَض، حتى يرد السؤال في الفائدة وعدم الفائدة او في كون المنفعة عائدة إليه تعالى أو الى العبد، بل العقوبةُ إنّما تلحقهم من باب اللوازم والتبعات والنتايج والثمرات، فهذا هو الجوابُ بحسب الأصول الحقّة عن الإشكال الوارد على أصل العقاب. وأمّا الإشكال الوارد على دوام العذاب وأبديّته للكفار، فوروده من جهة أخرى غير جهة التحسين والتقبيح، فلذلك كان موجب تحيّر الحكماء ودهشة أفاضل العرفاء، حتّى أنّ الشيخ العارف السبحاني محيي الدين الأعرابي وتلميذه الشيخ صدر الدين القونوي قدّس سرهما، صرّحا القول بانتهاء مدّة العقاب وعدم تسرمد العذاب، وتبعهما غيرهما من شرّاح الفصوص ومن يحذو حذوهم. قال في الفص الإسماعيلي: "الثناء بصدق الوعْد لا بصدق الوعيد، والحضرة الإلٰهيّة تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها بصدق الوعْد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز: {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} تفسير : [إبراهيم:47]. ولم يقل: ووعيده: بل قال: {أية : وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} تفسير : [الأحقاف:16] مع انّه توعّد على ذلك. وقال في الفصّ اليونسي من فصوص الحكم بعدما بيّن فضيلة الإنسان وشرفه بهذه العبارة: "ولا بدّ أن يكون في الإنسان جزء يذكر الحق به، ويكون الحقّ جليس ذلك الجزء، فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية، وما يتولّى الحقّ هدم هذه النشأة بالمسمّى موتاً، فليس بإعدام، وإنّما هو تفريقٌ، فيأخذ اليه وليس المراد إلا أن يأخذه الحقّ اليه، واليه يرجع الأمر كلّه، فإذا أخذه الحقّ اليه، سوّى له مركباً من جنس الدار التي ينتقل اليها، وهي دار البقاء لوجود الاعتدال، فلا يموتُ أبداً، أي لا تفترق أجزاؤه، وأما أهل النار، فمآلهم الى النعيم، ولكن في النار، إذ لا بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العذاب أن تكون برْداً وسلاماً على مَن فيها، وهذا نعيمُهم، فنعيمُ أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيمُ خليل الله (عليه السلام) حين ألقي في النار" - انتهى. وقال في الباب الثامن والخمسين "وأمّا كتاب الفجّار ففي سجّين، وفيه أصول السِّدرة التي هي شجرة الزقّوم فهناك تنتهي أعمال الفجّارْ في أسفل السافلين، فإن رَحِمَهم الرحمٰن من عرش الرحمانيّة بالنظرة التي ذكرناها، جعل لهم نعيما في منزلهم فلا يموتون فيه ولا يحيون، فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور، وربما يكون في فراشه مريضاً ذا بؤس وفقْر، ويرىٰ نفسه في المنام ذا سلطان ونَعمة وملك. فإن نظرتَ الى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذّ به، قلتَ: إنّه في نعيم وَصَدَقْتَ، وإن نظرتَ إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشِن ومرضه وبؤسِه وفقره وكُلُومه، قلت: إنّه في عذاب. هكذا يكون أهل النار، (لا يموت فيها ولا يحيى) أي لا يستيقظ أبداً من نومته، فتلك (هي) الرحمة التي يرحم الله بها أهل النار الذين هم أهلها وأمثالها، كالمحرور منهم يتنعم بالزمهرير، والمقرور منهم يُجعل في الحَرور. وقد يكون عذابهم توهّم وقوع العذاب بهم، وذلك كلّه بعد قوله: {أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} تفسير : [الزخرف:75] ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمةُ التي سبقت الغضب الإلٰهي، فإذا اطّلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل النار ورأوا منازلَهم في النار، وما أعدّ الله فيها، وما هي عليه من قُبح المنظَر، قالوا: معذَّبون، وإذا كوشفوا على الحسن المعنوي الإلٰهي في خلق ذلك المسمى قُبحاً ورأوا ما هم فيه من نومتهم، وعلموا أحوال أمزجتهم، قالوا: منعَّمون، فسبحانه القادر على ما يشاءُ، لا إلٰه إلاّ هو العزيزُ الحكيم، فقد فهمت قول الله تعالى: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} تفسير : [طه:74]. وقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): حديث : أمّا أهل النار الذين هم أهل فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون تفسير : انتهى. وقال في الباب الثامن والخمسين وثلاثمائة من الفتوحات المكيّة: اعلم - أسعدنا الله وإيّاك بسعادة الأبد - أنّ النفس الناطقة سعيدةٌ في الدنيا والآخرة، لا حظّ لها في الشقاء، لأنّها ليست من عالَم الشقاء، إلاّ انّ الله ركبها هذا المركب البدني المعبَّر عنه بالنفْس الحيوانيّة، فهي لها كالدّابة، وهي كالراكب عليها، وليس للنفْس الناطقة في هذا المركب الحيواني إلاّ المشي بها على الصراط المستقيم الذي عيّنه لها الحقّ، فإن أجابت النفس الحيوانيّة لذلك، فهي المركَب الذَّلول المرتاض، وإن أبتْ، فهي الدابّة الجَموح، كلّما أراد الراكبُ أن يردّها الى الطريق، جمَحت وحَرَنَت عليه، وأخذت يميناً وشمالاً لقوّة رأسها، وسوء تركيب مزاجها. فالنفس الحيوانيّة، ما تقصد المخالفة ولا تأتي المعصية انتهاكاً لحرمة الشريعة، وإنّما تجري بحسب طبعها، لأنّها غير عالمة بالشرع، واتّفق انّها على مزاج لا يوافق راكبها على ما يريد منها. والنفس الناطقة، لا يتمكن لها المخالفة، لأنّها من عالَم العصمة والأرواح الطاهرة، فإذا وقع العقاب يوم القيامة، فإنّما يقع على النفس الحيوانيّة، كما يَضربُ الراكب دابّته إذا جَمَحَت وخرجت عن الطريق الذي يريد صاحبها أن يمشي بها عليه. ألاَ ترى الحدودَ في الزنا والسرقة والافتراء، إنّما محلّها النفس الحيوانيّة البدنيّة، وهي التي تحسّ بألم القتل وقطع اليَد وضرب الظَّهر، فقامت الحدود بالجسم، وقام الألم بالنفس الحسّاسة الحيوانيّة التي يجتمع فيها جميع الحيوان المحسّ للآلام. فلا فرق بين محلّ العذاب من الإنسان، وبين جميع الحيوان في الدنيا والآخرة. والنفس الناطقة على شرفها مع علمها في سعادتها دائمةٌ، ألا ترى أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد قام لجنازة يهوديٍّ فقيل له: إنّها جنازةُ يهودي؟! فقال: أليست نَفْساً فما علّل بغير ذاتها، فقام إجلالاً وتعظيماً لشرفها ومكانتها. وكيف لا يكون لها الشرف وهي منفوخة من روح الله، فهي من العالَم الأشرف الملكي الروحاني، عالَم الطهارة. فلا فَرْق بين النفس الناطقة الموجودة لكل أحد، وانّها ما عصتْ، وإنما النفس الحيوانيّة ما ساعدتها على ما طلبت منها، وانّ الحيوانيّة خوطبت بالتكليف فتتّصف بطاعة أو معصية. فاتّفق أن كانت جموحاً اقتضاه طبعها لمزاج خاصّ، فاعل ذلك. وان الله يعمّ برحمته الجميع لأنّها سبقت غضبه لما تجاريا الى الانسان" انتهى كلامه. وقال في الباب الخامس وثلثمائة من الفتوحات أيضاً: واعلم أنّ من الأحوال التي هي الأمّهات من هذا الباب.... أحوال الفطرة التي فطَر الله الخلَق عليها، وهو أن لا يعبدوا إلاّ الله، كما قال: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء:23] فبقوا على تلك الفطرة في توحيد الله، فما جعلوا مع الله مسمّى آخر هو الله بل، جعلوا آلهة على طريق القربة الى الله، ولهذا قال: {أية : قُلْ سَمُّوهُمْ} تفسير : [الرعد:33]، فإنّهم إذا سمّوهم بانَ أنّهم ما عبَدوا إلاّ الله، فما عبَد عابدٌ إلاّ الله في محل الذي نصب الألوهيّة له، فصحَّ بقاء التوحيد لله الذي أقرّوا به في الميثاق، وانّ الفطرة مستصحبة. والسبب في نسبة الألوهيّة لهذه الصوَر المعبودة؛ هو أنّ الحقّ لمّا تجلّى لهم في أخذ الميثاق، تجلّى لهم في مظهَر من المظاهر الإلٰهيّة، فذلك الذي أجرأهم على أن يعبدوه في الصوَر. ومن قوّة بقائهم على الفطرة، أنّهم ما عبدوه على الحقيقة في الصوَر، وإنّما عبَدوا الصوَر لِمَا تخيّلوا فيها من رتبة التقرّب كالشفعاء، وهاتان الحقيقتان إليهما مال الخلْق في الدار الآخرة، وهما الشفاعة والتجلّي في الصور على طريق التحوّل. فإذا تمكّنت هذه الحالة في قلب الرجل، وعرف من العلم الإلٰهي ما الذي دعى هؤلاء الذين صفتُهم هذا وانّهم تحت قهر ما إليه يؤولون، تضرّعوا الى الله في الدياجير، وتملّقوا له في حقّهم وسألوه أن يدخلهم في رحمته إذا أخذَتْ منهم النقمةُ حدَّها، وإن كانوا عمّار تلك الدار فيجعل لهم فيها نعيماً به إذا كانوا من جملة الأشياء التي وسعتهم الرحمةُ العامّة، وحاشى الجنابُ الإلٰهي من النقمة وهو القائل بأنّ رحمتَه سبقتْ غضبَه، فلحق الغضبُ بالعدم فإن كان شيئاً فهو تحت إحاطة الرحمة الإلٰهيّة الواسعة. وقد قال (صلى الله عليه وآله): حديث : إنّ الأنبياء (عليهم السلام) يوم القيامة إذا سُئلوا في الشفاعة قالوا: إنّ الله قد غضب اليومَ غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثلهتفسير : ، وهو من أرجى حديث يُعتمد عليه في هذا الباب أيضاً، فإنّ اليومَ المشار اليه - وهو يوم القيامة - هو يوم قيام الناس من قبورهم لربّ العالمين، وفيه يكون الغضبُ من الله على أهل الغضب، وأعطى حكم ذلك الغضب الأمر بدخول النار، وحلول العذاب والانتقام من المشركين وغيرهم من القوم الذين يخرجون بالشفاعة، والذين يُخرجهم الرحمن كما ورد في الصحيح، ويُدخلهم الجنّة إذا لم يكونوا من أهل النار - الذين هم أهلها - ولم يبق في النار إلاّ أهلها الذين هم أهلها، فعمّ الأمر بدخول النار كلّ من دخل فيها من أهلها ومن غير أهلها لذلك الغضب الإلٰهي الذي لن يغضب مثله بعده، فلو سرمدَ عليهم العذابَ لكان ذلك عن غضب أعظم من غضب الأمر بدخول النار. وقد قالت الأنبياء: إن الله لا يغضبُ بعد ذلك مثل ذلك الغضب، ولم يكن حكمُه إلاّ الأمر بدخول النار، فلا بدّ من حكم الرحمة على الجميع، ويكفي من الشارع التعريف بقوله: "وَأما أهل النار الذين هم أهلها" ولم يقل أهل العذاب. ولا يلزم من كان من أهل النار الذين يعمرونها أن يكونوا معذَّبين بها، فإنّ أهلَها وعمّارها مالك وخزنتها، وهم ملائكة، وما فيها من الحشرات والحيّات وغير ذلك من الحيوانات التي تبعث يوم القيامة - ولا واحد منها يكون النار عليه عذاباً - كذلك مَن يبقى فيها، لا يموتون فيها ولا يحيون، وكلّ من ألِف موطنه كان به مسروراً، وأشدّ العذاب مفارقة الوطن، ولو فارقَ النار أهلُها، لتعذّبوا باغترابهم عمّا أُهِّلوا له، وأنّ الله قد خلقَهم عل نشأة تألف ذلك الموطن. فعمّرت الداران، وسبقت الرحمةُ الغضبَ، ووسِعتْ كلَّ شيءٍ - جهنم ومن فيها - والله أرحم الراحمين كما قال في نفسه. وقد وجدنا في نفوسنا ممّن جَبَلهم الله على الرحمة، أنّهم يرحمون جميعَ عباد الله، حتّى لو حكّمهم الله في خلْقه لأزالوا صفة العذاب من العالَم، ممّا تمكّن حكمُ الرحمةِ من قلوبهم، وصاحب هذه الصفةَ أنا وأمثالي - ونحن مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض - وقد قال عن نفسه جلّ علاؤه: انَّه ارْحَمُ الرَّاحِمين، فلا يشك أنّه أرحم منّا بخلقه، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة فكيف يتسرمد العذابُ عليهم وهو بهذه الصفة العامة؟ إنّ الله أكرمُ من ذلك، ولا سيّما وقد قام الدليلُ العقليّ على أنّ الباري لا تنفعه الطاعات ولا تضرّه المخالفات، وأنّ كلّ شيء جارٍ بقضائه وقدَره وحكمِه، وأنّ الخلْقَ مجبورون في اختيارهم. وقد قام الدليل السمعي على أنّ الله يقول في الصحيح: "يا عبادي" فأضافهم الى نفسه، وما أضاف قطُّ العبادَ الى نفسه إلاّ مَن سبقت له الرحمة، وأن لا يؤبد عليهم الشقاء فقال: "حديث : يا عبادي، لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص من ملكي شيئاً ". تفسير : فقد أخبرَ بما دلّ عليه العقل، أنّ الطاعات والمعاصي ملكه، وأنّه على ما هو عليه لا يتغيّر ولا يزيد ولا ينقص ملكه مما طرأ عليه وفيه، فإنّ الكلّ مُلكه ومِلكه. ثم قال من تمام هذا الخبر الصحيح: يا عبادي، لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كلّ واحد منكم مسألتَه، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. الحديث. وما نشكّ انّه ما من أحد إلاّ وهو يكره ما يؤِلمه طبعاً، فما من أحدٍ إلاّ وقد سأله أن لا يؤلمه، وأن يعطيه اللذّة في الأشياء، ولا يقدح ما أومأنا اليه في الحديث إذا تعلّق به المنازع في المسألة إدخال "لو" في ذلك، فإنّ السؤال من العالم قد عُلم وقوعه بالضرورة من كلّ مخلوق، فإنّ الطبع يقتضيه، والسؤال قد يكون قولاً، وحالاً، كبكاء الصغير الرضيع وإن لم يعقل عند وجود الألم الحسّي بالوجع أو الألم النفسي لمخالفة الغرَض إذا مُنِع من الثدي، وقد أخذت المسألة حقّها. والأحوال التي ترِدُ على قلوب الرجال لا تحصىٰ كثرته، وقد أعطيناك منها في هذا الباب أنموذجاً على هذا الأسلوب". انتهى كلامه. وقال العلاّمة القيصري في شرح الفصّ الهودي من الفصوص: اعلم أنّ من اكتحلت عينُه بنور الحقّ، يعلم أنّ العالَم بأسره عباد الله، وليس لهم وجودٌ وصفةٌ وفعْل إلاّ بالله وحولِهِ وقوّته، وكلهم محتاجون الى رحمته، وهو الرحمن الرحيم، ومن شأن من هو موصوفٌ بهذه الصفات، أن لا يعذّب أحداً عذاباً أبديّاً، وليس ذلك المقدار من العذاب أيضاً إلا لأجل ايصالهم الى كمالاتهم المقدَّرة لهم، كما يُذاب الذهبُ والفضّة بالنار لأجل الخلاص ممّا يكدّره وينقص عياره، وهو متضمّن لعين اللطف والرحمة كما قيل: شعر : وتعذيبكم عذبٌ وسخطكم رِضىً وقطْعكم وصلٌ وجوركم عدلُ تفسير : والشيخ - رضي الله عنه - إنّما يشير في أمثال المواضع، الى ما فيه من الرحمة الحقّانية، وهو من المطّلعات المدرَكة بالكشف، لا انّه ينكر وجودَ العذاب وما جاءَت به الرسلُ من أحوال جهنّم، فإنّ من يبصر بعينه أنواعَ التعذيب في النشأة الدنيوية بسبب الأعمال القبيحة، كيف ينكر في النشأة الأخرويّة، وهو من أكبر ورثة الرسل صلوات الله عليهم، فلا ينبغي أن يسيء أحدٌ ظنّه في حق الأولياء الكاملين الكاشفين لأسرار الحقّ بأمره". انتهى. وقال في موضع آخر من شرحه للفصوص: اعلم أنّ المقامات الكليّة الجامعة لجميع العباد في الآخرة ثلاثة، وإن كان كلٌّ منها مشتملاً على مراتب كثيرة لا تُحصى وهي: الجنّة والنار، والأعراف الذي بينهما، على ما نطَق به الكلام الإلٰهي. ولكل منها اسم حاكم عليه يطلب بذاته أهل ذلك المقام لأنهم رعاياه، وعمارة الملك بهم، والوعْد شامل للكلّ، إذ وعده في الحقيقة عبارةٌ عن ايصال كلّ واحد منّا الى كماله المعيَّن له أزلاً، فكما أنّ الجنّة موعود بها، كذلك النار والأعراف موعود بهما. والإيعاد أيضاً شامل للكلّ؛ فإنّ أهل الجنة إنّما يدخلونها بالجاذب والسائق، قال تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21]. والجاذب: المناسبة الجامعية بينهما بواسطة الأنبياء والأولياء، والسائق: هو الرحمن بالإيعاد والابتلاء بأنواع المصائب والمحن. كما ان الجاذب الى النار: المناسبة الجامعة بينها وبين أهلها، والسائق: الشيطان، فعين الجحيم موعود لهم لا متوعَّد بها. والوعيد: هو العذاب الذي يتعلّق بالاسم المنتقِم، وتظهر أحكامه في خمس طوائف لا غير. لأن أهل النار إما مشركٌ أو كافرٌ أو منافقٌ أو عاصٍ من المؤمنين، وهو ينقسم بالموحّد العارف الغير العامل والمحجوب. وعند تسلّط سلطان المنتقِم عليهم، يتعذّبون بنيران الجحيم كما قال تعالى: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف:29] وَقَالُوا: {أية : يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف:77]. {أية : فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة:86] وقال: {أية : إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} تفسير : [الزخرف:77]. {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون:108]. فلما مرّت عليهم السِنون والأحقاب، واعتادوا بالنيران ونسوا نعيم الرضوان، قالوا: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [إبراهيم:21] فعند ذلك تعلّقت الرحمة بهم ورفع عنهم العذاب. مع أن العذاب بالنسبة الى العارف الذي دخل فيها بسبب الأعمال التي تناسبها، عذبٌ من وجه، وإن كان عذاباً من آخر كما قيل: وتعذيبكم عذبٌ - البيت. لأنه يشاهد المعذِّب في تعذيبه، فيصير التعذيب سبباً لشهود الحقّ، وهو أعلى ما يمكن من النعيم حينئذ في حقّه. وبالنسبة الى المحجوبين الغافلين عن اللّذات الحقيقة أيضاً، عذْبٌ من وجهٍ، كما جاء في الحديث: إنّ بعض أهل النار يتلاعبون فيها بالنار. والملاعبة لا تنفكّ عن التلذّذ وإن كان معذّباً، لعدم وجدانه ما آمن به من جنّة الأعمال التي هي الحُور والقصور. وبالنسبة الى قوم يطلب استعدادهم البُعدَ من الحقّ والقربَ من النار - وهو المعنيُّ بجهنم - أيضاً عذبٌ وإن كان في نفس الأمر عذاباً، كما يشاهد ها هنا ممّن تقطع سواعدهم وترمى أنفسهم من القلاع مثل بعض الملاحدة. وقد شاهدتُ رجلاً سُمِّر في أصول أصابع إحدى يديه خمسةُ مسامير، غلظ كلّ مسمارٍ مثل غلظ القلم، واجتهد المسمِّر ليخرجه من يده فما رضِيَ بذلك، وكان يفتخر به وبقيَ على حاله الى أنّ استدركه الأجل. وبالنسبة الى المنافقين الذين لهم استعداد الكمال واستعداد النقص وإن كان أليماً لإدراكهم الكمال وعدم إمكان وصولهم إليه، ولكن لما كان استعداد نقصهم أغلب؛ رضَوا بنقصانهم، وزال عنهم تألّمهم بعد انتقام المنتقِم منهم بتعذيبهم، وانقلب العذاب عذْباً، كما يشاهدَ ممّن لا يرضى بأمر خسيس أولاً، ثم إذا وقع فيه وابتلي به وتكرّر صدورُه منه، تألّف به واعتادَ فصار يفتخرُ به بعد أن كان يستقبحه. وبالنسبة الى المشركين الذين يعبدون غير الله من الموجودات، فينتقم منهم لكونهم حصروا الحقّ في ما عبدوه، وجعلوا الإلٰه المطلق مقيّداً، وأمّا من حيث انّ معبودهم عين الوجود الحقّ الظاهر في تلك الصورة، فما يعبدون إلاّ الله، فرضي الله عنهم من هذا الوجه، فينقلب عذابهم عذباً في حقهم. وبالنسبة الى الكافرين أيضاً، وإن كان العذاب عظيماً، لكنهم لم يتعذّبوا به لرضاهم بما [هم] فيه، فإنّ استعدادهم يطلب ذلك كالأتوني الذي يفتخر بما هو فيه، وعِظَم عذابه بالنسبة الى من يعرف انّ وراء مرتبتهم مرتبة، وانّ ما هم فيه عذابٌ بالنسبة إليها. وأنواع العذاب غير مخلّد على أهله من حيث إنّه عذاب، لانقطاعه بشفاعة الشافعين، وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين، كما جاء في الحديث الصحيح، ولذلك ينبت الجرجير في قعر جهنّم لانطفاء النار وانقطاع العذاب، وبمقتضى "سبقتْ رحمتي غضبي" فظاهر الآيات التي جاءت في حقّهم بالتعذيب، كلّها حقٌّ، وكلام الشيخ لا ينافي ذلك، لأنّ كون الشيء من وجه عذاباً لا ينافي كونه من وجه آخر عذْباً. وإنّما بسطتُ الكلام لئلا ينكر على هذا الخاتَم المحمدي فيما أخبر، فإنّ الأولياء - رضوان الله عليهم - ما يخبرون إلاّ ما يشاهدونه يقيناً من أحوال الاستعدادات في الحضرة العلميّة، وعوالم الأرواح والأجساد، لعلْمهم بالحقائق وصوَرها في كل عالَم. والله أعلم" انتهى كلامه بألفاظه. وممّا يدل أيضاً على نفي تسرمد العذاب، حديث: سيأتي على جهنّم زمانٌ ينبت في قعرها الجرجير، وذكر البغوي المشهور بمحيي السُنَّة، في معالم التنزيل، في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ}تفسير : [هود:108] أنه قال ابن مسعود: ليأتينّ على جهنّم زمانٌ ليس فيها أحدٌ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً. فصل [احتجاجات القائلين بالخلود في النار والنافين له] واعلم أنّ القائلين بنفي تخليد الكفّار في العذاب، زعموا أن لا دليل يفيد القطع واليقين في تخليدهم في العذاب، أما التمسك بالدلائل اللفظيّة، فلا يفيد اليقين، بل يفيد الظنّ. والدلائل العقليّة في مقابلها تفيد اليقين، والمظنون كيف يعارض المقطوع؟ وإنّما قلنا: "إنّ الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين" لأنها مبنيّة على أصول كلّها ظنيّة، والمبنيّ على الظني لا يكون إلا ظنيّاً. وإنّما قلنا إنّها ظنية، لأنها مبنيّة على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف. ورواةُ هذه الأشياء لا يُعلم بلوغُهم الى حدّ التواتر، فكانت روايتهم مظنونة. وأيضاً، فهي مبنيّة على عدم الاشتراك، وعدم التخصيص، وعدم الاضمار بالزيادة والنقصان، وعدم التقديم والتأخير، وكلّ ذلك أمور ظنيّة، وأيضاً فهي مبنيّةٌ على عدم المعارض العقليِّ، فإنّ بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معاً، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل، لأنّ العقل أصل النقل، فالطعن في العقل يوجب الطعنَ في النقل والعقل معاً، لكن عدم المعارض العقليِّ مظنون. هذا إذا لم يوجَد، فكيف [وقد] وجَدنا ها هنا دلائل عقليّة على خلاف هذه الظواهر. فثبت أنّ دلالة هذه الدلائل النقليّة ظنيةٌ، وأما أنّ الظنيَّ لا يعارض فلا شك فيه. الثاني: هو إنّ التجاوز عن الوعيد مستحسنٌ فيما بين كما مرّ في كلام صاحب الفصوص، قال الشاعر: شعر : فإنّي إذا أوعدتُه أو وعدتُه لمُخِلفُ معيادي ومُنجزُ موعدي تفسير : بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه يُعدّ لؤماً. وإذا كان كذلك وجب أن لا يقبح من الله تعالى وهذا بناءً على حرفٍ، وهو أنّ كثيراً من أهل الإسلام جوّزوا نسخ الفعل قبل مضيّ مدّة الامتثال، وحاصل حرفهم فيه، أنّ الأمر يحسن تارةً لحِكمة تنشأ من نفس المأمور به، وتارةً لحكمة تنشأ من نفس الأمر، فإنّ السيد قد يقول لعبده: إفعل الفعلَ الفلاني غداً وإن كان يعلمُ في الحال انّه سينهاه غداً، ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يُظهر العبدُ الانقياد لسيّده، ويوطّن نفسه على طاعته، وكذلك إذا علم الله من العبد أنّه سيموت غداً، فإنّه يحسن عند هؤلاء القوم أن يقول: صلّ غداً إن عشتَ. ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل الأمور به لأنه ها هنا محالٌ، بل المقصود حكمةٌ تنشأ من نفس الأمر فقط. وهو حصول الانقياد والطاعة وترك التمرّد. وإذا ثبت هذا فنقول: لِمَ لا يجوز أن يقال: الخبر أيضاً كذلك، فتارةً يكون منشأ الحكمة من الإخبار هو الشيء المخبَر، وذلك في الوعد، وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر، لا المخبَر عنه؛ كما في الوعيد، فإن الإخبار على سبيل الوعيد، مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات، فإذا حسن هذا المقصود، جاز أن لا يوجد المخبَر وعند هذا قالوا: إن وعد الله الثواب حقّ لازمٌ، أما توعيده بالعقاب فغير لازمٍ، وإنما قصد به صلاح المكلّفين، مع رحمته الشاملة لهم كوالد يهدّد ولده بالقتل والسَّلِّ والقطع والضرب، فإن قَبل الولدُ أمره فقد انتفع، وإن لم يقبل؛ فما في قلب الوالد من الشفقة يرده عن قتله وعقوبته. فإن قيل: فعلى جميع التقادير ذلك كِذباً، والكذب قبيحٌ. قلنا: لا نسلّم أنّ كلّ كذْبٍ قبيحٌ، بل القبيح هو الكذب الضارّ، أما الكذْب النافع فلا، ثمّ - إن سلّمنا - لكن لا نسلم انّه كذبٌ. أليس أن جميع عمومات القرآن مخصوصة ولا نسمّي ذلك كذْباً؟ أليس أنّ كل المتشابهات مصروفة عن ظواهرها وعند الأكثر لا يسمّى ذلك كذباً؟ فكذا ها هنا. الثالث: أليس أن آيات الوعيد في حقّ الكفار مشروطة بعدم التوبة، وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً في صريح النصّ، فهي أيضاً عندنا مشروطة بعدم العفو، وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً صريحاً. أو نقول: معناها: أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب، فيحمل الإخبار عن الوقوع الى الإخبار عن استحقاق الوقوع، فهذا جملة ما يقال في تقرير هذا المذهب. وأما الذين أثبتوا وقوعَ العذاب، فقالوا: إنّه نقل إلينا على سبيل التواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقوع العقاب، فإنكارُه يكون تكذيباً للرسول صلوات الله عليه وآله، وتفتيحاً لأبواب القدح في نصوصيّة القرآن، فغير مسموع، والله الهادي الى سبيل الصواب وبيده مفاتيح الأبواب.
الجنابذي
تفسير : {خَتَمَ ٱللَّهُ} خبر بعد خبر او حال او استئناف فى مقام التعليل او فى مقام الدّعاء والختم الطّبع ختم الكتاب والاناء وختم على الكتاب طبع عليه بخاتمه او بشيئ مثل الخاتم بحيث اذا فتح لا يمكن ختمه الاّ بمثل ذلك وختم الكتاب بلغ آخره فى قراءته. تحقيق مراتب القلب واطلاقاته وتحقيق ختم القلب والبصر {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} جمع القلب والقلب يطلق على القلب الصّنوبرىّ اللحمىّ وعلى النّفس الانسانيّة الّتى هى برزخ بين عالم الجنّة والشّياطين وبين عالم الملائكة وهى الّتى يعبّر عنها بالصّدر منشرحاً بالكفر او الاسلام او غير منشرح بشيئ منهما ويعبّر عنها بالاعتبارات بالنّفس الامّارة واللّوامة والمطمئنّة ويطلق على المرتبة الّتى بين هذه النّفس والعقل ويدرك الانسان فى تلك المرتبة شيئاً من حقائق علومه وثمرات اعماله ويتشأنّ بشؤنات علومه وأعماله ولذا قيل انّ القلب معدن المشاهدة اى مشاهدة شيئ جزئىٍّ من حقائق العلوم والاعمال، والى هذا اشار تعالى بقوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق:37] فانّ المراد بمن كان له قلب من كان متحقّقاً ومشاهداً لشيء يسير من حقائق علمه وعمله وخارجاً من التّقليد الصّرف داخلاً فى تحقيقٍ ما، ويطلق على اللّطيفة السّيارة الانسانيّة وعلى المرتبة الرّوحانيّة من الانسان من دون اعتبار مرتبة خاصّة، ويسمّى القلب قلباً لتقلّبه بين عالمى الملائكة والشّياطين وتقلّبه فى العلوم والاحوال وفى الشؤن والاطوار، والمراد بالقلوب هاهنا هى النّفوس الانسانيّة، وجمع القلوب امّا باعتبار جمعيّة المضاف اليه او باعتبار كلّ واحد من المضاف اليه اى ختم الله على قلب كلّ منهم او على قلوب كلّ منهم نظير كلّ قلب متكبّر جبّار على قراءة اضافة القلب الى متكبّر جبّار فانّ النّفس الانسانيّة ذات شؤن كثيرة كدارٍ ذات بيوت كثيرة فى طبقة واحدة، وذات مراتب كثيرة بعضها فوق بعضٍ كدارٍ ذات بيوت بعضها فوق بعضٍ وكلّ شأنٍ او مرتبة منها يسمّى قلباً، والقلب لمّا كان واقعاً بين مصرى الاشقياء والسّعداء ومحّلاً للجنود العقليّة والجهليّة، وله بابان الى مصر السّعداء والاشقياء قال تعالى: ختم الله على ابواب قلوبهم الى مصر السّعداء حتّى لا يتمكّن أحدٌ من الدّخول والخروج من تلك الابواب وختم تلك الابواب ملازم لفتح ابواب العالم السّفلىّ، واطلاق الختم للاشارة الى أنّ باب القلب هو الباب الّذى الى العالم العلوىّ وأمّا بابه الى العالم السّفلىّ فليس باباً للقلب حقيقةً، ونسبة الختم اليه تعالى كنسبة الاضلال لا يستلزم جبراً لانّ الختم من شعب الرّحمة الرّحمانيّة الّتى تختلف باعتبار القابل فانّ الرّحمة الرّحمانيّة كشعاع الشّمس الّذى يبيّض ثوب القصّار ويسوّد وجهه ويطيّب ريح الورد وينتن ريح الغايط حسب استعداد القابل واقتضائه وسيأتى تمام الكلام فيه ان شاء الله فى موضعٍ آخر. {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} السّمع مصدر سمع الكلام كالسّماع ويطلق على العضو الّذى قوّة السّماع موضوعة فيه، ويطلق على القوّة المودعة فى الرّوح المصبوبة فى العصبة المفروشة فى الصّماخ الّتى بها يحصل السّماع، والمدرك بالسّمع هو الصّوت الحاصل من تموّج الهواء والحاصل من امساسٍ عنيفٍ سواء كان بالقرع او الامرار؛ او تفريقٍ عنيفٍ كقلع الشّجرة وخرق الثّوب، والقوّة الّتى بها يدرك النّفس المسموعات شأن من شؤن النّفس ولها كالقلب سوى قوتها الى الخارج قوتان؛ قوة الى العالم العلوىّ والى الارواح الطّيّبة بها تسمع من الملائكة، وما تسمع من الخارج بها تؤدّى جهته الحقّة الى مرتبتها الحقّة العقلانيّة، وقوة الى العالم السّفلىّ والى الارواح الخبيثة بها تسمع من الشّيطان وتصغى اليه، وما تسمع من خارج بها تؤدّى الى جهته الباطلة الى مرتبتها الباطلة السّفليّة، ولمّا كان قوتها الى الارواح الطّيّبة ذاتيّةً لها وقوتها الى الارواح الخبيثة غير ذاتيّةٍ فختمها على الاطلاق منصرف الى ختم قوتها العلويّة فلا ينفث فيها الملك ويوسوس فيها الشّيطان وما تسمع من خارج يصرفه الشّيطان الى ما يوافقه ويحرّف الكلمة عن معناها ويجعل فيها معنى؛ آخر، وافراد السّمع مع كون القلوب والابصار جمعين لملاحظة كونه مصدراً فى الاصل واستواء التّأنيث والتّذكير والافراد والتثنية والجمع فيه بخلاف الاذن ولذا اتى بالجمع فى قوله تعالى {أية : وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الأنعام: 25] {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ} تفسير : [الكهف: 11]؛ وتقديمه على الابصار لانّه أعلى تجرّداً من البصر كما حقّق فى موضعه ولذا لا يغلبه النّوم فى بعض ما يغلب البصر {وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ} عطف على: {على قلوبهم}؛ او متعلّق بمحذوف اى جعل على أبصارهم على قراءة نصب ما بعده وخبر مقدّم على قراءة رفعه او مبتدأ مكتفٍ بمرفوعه عن الخبر، والابصار جمع البصر وهو ادراك العين او العضو المخصوص او القوّة المودعة فى الرّوح المصبوبة فى العصبتين المجوّفتين الممتدّتين الى العينين وهذه ايضاً كقوّة السّماع شأن من شؤن النّفس ولها سوى قوتها الى الخارج قوتان، وختمها على الاطلاق ختم قوتها العلويّة وكذا حجابها {غِشَاوَةٌ} قرء بالنّصب وبالرّفع وبتثليث الفاء وتنكير الغشاوة للتّفخيم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} عطف على قوله تعالى "على أبصارهم" غشاوة او على قوله "ختم الله"
اطفيش
تفسير : {خَتَمَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}: هذه الجملة الفعلية ومتعلقاها اللذان هما على قلوبهم وعلى سمعهم، والجملة الاسمية بعد ذلك تعليل لاستواء الإنذار وعدمه عندهم ولعدم إيمانهم، فذلك من التعليل الجملى المستأنف كقولك لجائع: كل إنك جائع، ويجوز كون ذلك مستأنفاً لبيان ما يتولد عى استواء الإنذار وعدمه، وعلى عدم الإيمان من ختم الله عز وجل على قلوبهم وسمعهم. والختم على الشىء الإغلاق عليه وكتمه ويسمى الاستيثاق إذا كان بضرب الخاتم على الشىء ختما، لأنه كتم له. ويسمى أيضاً بلوغ آخر الشىء ختما لأنه آخر ما يفعل فى إحراز ذلك الشىء وإن قلت: إذا كان الله هو الذى ختم على قلوبهم، فكيف يعذبهم على كفرهم؟. قلت: التحقيق أنه ليس ذلك الختم على طريق الجبر على الكفر بل أتوا الكفر باختيارهم، فعذبهم على كفرهم باختيارهم وإعراضهم عن الآيات، ولكن لما كان كفرهم مخلوقاً لله - جل وعلا - سما ما يتولد منه من زيادة كفر ختما منه تعالى، وإن شئت فقل: لما كان ما يتولد على غيهم وتقليدهم وإعراضهم عن الآيات من زيادة كفر واستحبابه، واستقباح الإيمان ومتعلقاته، ومن ملازمة ذلك والجرأة عليه مخلوقاً لله تعالى، سماه ختما من الله - عز وجل - وإن شئت فقل: لما كان حدوث ذلك خلقاً من الله سماه ختما منه تعالى وفى التعبير بختم استعارة تصريحية تحقيقية تبيعة شبه خلق عدم نفود الحق فى القلوب وتحقق كلال الأسماع وامتناعها عن سماعه سماعا موصلا إلى القلوب، بالإغلاق على الشىء، والمنع من الوصول إليه، بجامع انتفاء التوصل من خارج إلى داخل، وعدم الانتفاع بداخل. فكما لا ينتفع بسمن مختوم عليه فى خابية ما دام مختوماً عليه، كذلك لا ينتفع بقلب فى داخل الجسد فاسد، ولا يسمع داخل الأذن لا يوصل مسموعه إلى القلب أيضاً لا نافعاً، فكان خلق عدم النفوذ وتحقق الكلال من جنس الإغلاق على شىء، فسمى باسم الإغلاق على شىء واسمه الختم، فاشتق من الختم بمعنى الخلق لعدم النفوذ وتحقق الكلال ختم بمعنى خلق عدم النفوذ وتحقق الكلال. فاستعاره فى ختم تابعة لها فى الختم وليس المشبه مخيلاً فكانت تحقيقية، وقد صرح بلفظ المشبه وهو ختم فكانت تصريحية، وإن شئت فقل فى قوله: {خَتَمَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} استعارة تمثيلية، بأن تقول شبه القلوب وعدم نفوذ الحق فيها وخلق ذلك العدم والإسماع وكلالهما، وخلق ذلك الكلال بإناء وشىء فيه والإغلاق على ذلك الشىء بجامع مطلق وجود وعاء وشىء فيه، وعدم الوصول للشىء الذى فيه. بل حفظت عن بعض كتب عصام الدين فى الاستعارات وغيره: أنه لا يعدل عن الاستعارة التمثيلية إلى المفردة ما وجدت التمثيلية، وهى المركبة. ومثل الختم الطبع والأغفال والأقسار حيث ذكرنا ولا جبر فى شىء من ذلك بيل أسند إلى الله - جل وعلا - من حيث إنه خلقهن ووقعن بقدرته وأسنده إليهم لأنهم اكتسبوها باختيارهم، ووصفت بالقبح وذموا عليها لاختيارهم، فلا قبح فيها من حيث إنه تعالى خلقها، بل من حيث إنهم اكتسبوها، فلا إشكال فى إسنادها إلى الله - جل وعلا - من حيث خلقها. والمعتزلة لما منعوا إسناد القبيح إلى الله تعالى من أى وجه، أجابوا عن ذلك بأوجه ذكرها القاضى الأول: أنه لما أعرض الكفار عن الحق وتمكن ذلك فى قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقى المجبول عليه. الثانى: أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التى خلقها الله تعالى خالية من الفطن. وقد مر فى كلامى تخريج ذلك على الاستعارة المفردة والمركبة. الثالث: أن ذلك فى الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر، ولكن لما كان صدوره عنه بإقدار الله تعالى إياه، أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب. الرابع: أن أعراقهم لما رسخت فى الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى القهر والجبر، ثم لم يقرهم ولم يجبرهم إبقاء على عرض التكليف، عبر عن ترك التحصيل بالختم فإنه سد لإيمانهم وفيه إشعار عن وقع أمرهم بالكلية فى الغى. ووصول انهماكهم غاية الضلال والبغى. الخامس: أن يكون حكاية لما كانوا يقولونه مثل:{أية : قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : تهكماً واستهزاء بهم، كما تهكم بهم إذ قال:{أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين}..تفسير : الآية كانوا يقولون: لا ننفك عن ديننا حتى يأتى الرسول الموعود به فى التوراة والإنجيل، فتهكم بذكر ما قالوا، لأنهم لما جاء كفروا به، ولو كان غير تهكم لتحقق الانفكاك عند مجيئه لاستحالة تخلف أخباره. السادس: أن ذلك فى الآخرة وإنما أخبر عنهم بالماضى لتحققه وتيقن وقوعه، ويشهد له قوله جل وعلا:{أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما}.تفسير : والسابع: أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسيما تعرفهم بها الملائكة فيبغضونهم وينفرون عنهم. والكلام على التعبير بحصول الغشاوة على أبصارهم، كالكلام على ما قبله فى المجاز والاستعارة، وفى نفى الجبر على ذلك، وكيفية التوصل إليه بالأوجه المذكورة وكرر على مع سمعهم ليكون أدل على شدة الختم فى القلب والسمع، وعلى استقلال كل منهما بالختم. وعطف قوله على سمعهم على قوله على قلوبهم، لأن القلب والبصر لما اشتركا بالإدراك من جميع الجوانب الست، جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما، الختم الذى يمنع من جميع الجهات، فإن الأذن تسمع الصوت من أى جهة كان من الجهات كما يدرك القلب الشىء فى أى جهة كان، ولذلك قلنا إنه معطوف على قلوب، ولم نقل إنه خبر لغشاوة، فتعطف عليه على أبصارهم، وأيضاً يدل على أنه معطوف على قوله:على قلوبهم لا خبر لغشاوة قوله تعالى: {أية : وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} تفسير : فجمع القلب والسمع فى الختم ويدل على ذلك أيضاً الوفاق على الوقف عليه، والإضافة فى سمعهم للحقيقة أو للاستغراق فكأنه جمع كما جمع القلب ولو أفرد القلب على نية تلك الإضافة لجاز، ولكن خص السمع بالإفراد لأنه فى الأصل مصدر يستعمل فى مقام الأذن، والكلام فيها والمصدر يكفى بلفظ المفرد مع أنه لا يتوهم الإفراد فيه. والقلب ولو كان إفراده لا لبس فيه لكنه مصدراً مستعملا، فى مقام القلب الذى به يعقل، بخلاف السمع فإنه يقال سمع بأذنه سمعاً، ولا يقال قلب بقلبه قلبا، ولو كان أيضاً فى الأًول مصدرا. والسمع بمعنى الأذن ويجوز إبقاؤه على المعنى المصدرى، فبقدر مضاف أى على حواس شمعهم أو آلات سمعهم أو نحو ذلك مثل أن تقول: وعلى مواضع سمعهم وهى داخل الأذن الذى خلق الله سبحانه فيه إدراك الأصوات. ولفظ السمع يطلق على إدراك الصوت، وقد يطلق مجازا على القوة السامعة الموضوعة داخل الأذن، وعلى الأذن. ولعله المراد فى الآية، لأنه أشد مناسبة للختم فإن الذات مثل الإناء أشد مناسبة له من المعانى ولهذه العلة يختار تفسير القلب بالعضو المخصوص، وهو محل العلم. وقد يطلق علىالمعرفة كما قال بعض فى قوله عز وجل:{أية : إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب}تفسير : وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن العبد إذا أذنب نكتت نكتة سوداء فى قلبه. فإن تاب وفزع واستغفر صقل قلبه، وإن زايد زادت حتى تعلق قلبه"تفسير : لذلك الرين الذى قال الله تعالى:{أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}تفسير : رواه الطبرى وقال مختصر هذا الحديث يدل على أن الختم على الحقيقة. {وَعَلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}: على أبصارهم خبر، وغشاوة مبتدأ، أى على أبصارهم تغطية مشتملة عليها، حدثت بانهماكهم فى التقليد وإعراضهم عن النظر الصحيح فلا يبصرون إبصارا نافعاً مؤثرا في القلب كأنه غطى على عيونهم، فكانت لا تبصر أصلا، كما كانت أسماعهم. كأنه غطى عليها، فكانت لا تسمع إذ كانوا لا يستمعون الآيات وينفرون عنها، وإذا سمعوا لم يؤثر فيهم كأنهم لم يسمعوا. ولما كان البصر يختص إدراكه بما قابله فقط ولو من جنب، ولا يدرك ما لم يقابله، جعل المانع للأبصار عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة. والأبصار: جمع بصر، وهو إدراك العين، وقد يطلق مجازاً على القوة الباصرة الموضوعة فى العين، وعلى العين. ولعل المراد فى الآية العين لأنها من حيث إنها ذات كوعاء أنسب فى الختم وإنما أميلت ألف أبصارهم والفتح المتولدة هى منها مع أن الصاد قبلها، والمفتوح هو الصاد لأن الراء المكسورة تغلب حرف الاستقلاء لما فيها من التكرير، كأنها حرفان مكسوران، وجملة على أبصارهم غشاوة من المبتدأ والخبر مستأنفة أو حال، أو معطوفة على الجملة الفعلية عطف اسمية على فعليه، ويجوز على مذهب الأخفش المجيز أن يرفع الظاهر فاعلا ولو لم نعتمد أن يكون غشاوة فالعلا لقوله: على أبصارهم، لنيابة الظرف على قوله عن، ثبتت فيكون عطف فعلية على فعلية، وقرىء بنصب غشاوة بمحذوف، أى وأثبت على أبصارهم غشاوة، أو واجعل على أبصارهم غشاوة، فيتعلق على بذلك المحذوف، أو النصب بختم على نزع الخافض، وعلى متعلق بختم المذكور بواسطة العطف، أو بختم محذوفاً أى ختم بغشاوة، قرىء غشاوة بكسر الغين وفتح التاء وبفتحهما وبضمهما، وغشاوة بكسر الغين وإسكان الشين وضم التاء، وغشاوة بفتح الغين وإسكان الشين مع ضم التاء، ومع فتحها، وعشاوة بالعين المهملة مكسورة، وضم التاء من عشى يعشى كعلم يعلم إذا صار يعشى لا يبصر ليلا، أو من عشاء يعشو كدعا يدعو إذا جعل نفسه كأنه أعشى، قال جل وعلا:{أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً}. تفسير : {ولهم عذاب عظيم}: اللام للاستحقاق أى أعد الله لهم عذابا عظيما استوجبوه بكفرهم، والعذاب الإيلام الفادح، ويطلق أيضاً على الألم الفادح، وهما جائزان فى الآية وغيرها، والعذاب والتعذيب مستعملان بالوجهين، وسواء كان ذلك الإيلام أو الألم عقابا كما فى الآية عما يردع الجانى من المعاودة أو لم يكن عقاباً كذلك، وأصلهما أن يستعملا عقاباً، وأصل هذا الأصل أن يستعملا بمعنى الإمساك عن الشىء، ويقال ماء عذب أى مبعد عن العطش ممسك عنه، ولذا يقال نقاح أى يكسر العطش، وفراث أى يسكن العطش، والعذاب أعم من العقاب والنكال، أما العقاب فواضح، وأما النكال فلأنه إما بمعنى العقاب، وإما بمعنى الإمساك عن الشىء وقيل العذاب مأخوذ من التعذيب الذى هو إزالة العذاب، كما يقال قذيت العين بالتشديد، بمعنى أزلت قذاها وأخرجته، فإن التفعيل والإفعال يكونان للسلب، يقال أقردت البعير أزلت قراده، وأعذرن خالداً أزلت عذره، والعظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فالعظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، فالحقير إذا كان مقابلا للعظيم، والصغير مقابلا للكبير، كان العظيم فوق الكبير لأن العظيم لا يكون حقيراً، والكبير قد يكون حقيراً، كما أن الصغير قد يكون عظيما، والمراد أن لهم على كفرهم عذاباً يقصر عنه ما عداه من العذاب، ويحتقر بالنسبة إليه. وتنكير عذاب عظيم، وغشاوة للتعظيم كأنه قيل إن على أبصارهم نوع غشاوة، وليس مما يتعارفه الناس، وهو التعامى عن الآيات التى تظهر لمن دونهم فى الفهم والفصاحة، ولهم من العذاب نوع لا يعلم غايته إلا الله.
اطفيش
تفسير : {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} لم يوفقهم، سمى القلب قلباً لتقلبه، روى البيهقى عن أبى عبيدة بن الجراح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قلب ابن آدم مثل العصفور، يتقلب في اليوم سبع مراتتفسير : ، وليس المعنى فى الآية الإجبار، جل الله شبه الخذلان بالربط أو الإعلاق على شىء حتى لا يدخله غيره، فقلوبهم من حيث عدم نفوذ الحق إليها واستقراره فيها كالخابية والخريطة المختوم عليهما، وهذا تصوير للمعقول بصورة المحسوس للإيضاح، وكذا الختم فى قوله {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} أي آلات سمعهم، فلذلك لا ينتفعون بما سمعوا من الحق، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا أذنب العبد ضم من قلبه هكذا، فضم خنصره، وإذا أذنب ضم من قلبه هكذا، وضم التى تليها، وهكذا إلى الإبهامتفسير : . والمراد بالقلوب هنا الجسم اللطيف القائم بالقلب، الكثيف الصنوبرى الشكل قيام العرض بالجسم، وقيام الحرارة فى الوقود، والبرودة بالماء، وبهذا اللطيف يحصل الإدراك وترتسم المعرفة، وكذا الأسماع يقوم بصماخها جسم لطيف يدرك الأصوات، {وَعَلَى أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ} غطاء عظيم، كأنه لا يرون بها، فيستدلون بما يرون على قدرة الله، لما لم ينتفعوا فى الدين بالنظر بها كانوا كمن جعل على بصره غشاوة، وفى ختم استعارة تصريحية تبعية. وفى غشاوة تصريحية أصلية، أو الاستعارة تمثيلية، شبه قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأحوالهم المانعة من الانتفاع بأشياء معدة للانتفاع، منع مانع من الانتفاع بها {وَلَهُمْ} على كفرهم {عَذَابٌ عَظِيمٌ} عظم شدة وأنواع ودوام، ولم يعطف إن الذين كفروا لأن المراد، والله أعلم، استئناف بيان أن عدم اهتداء الأشقياء لسبق شقوتهم وبيان مقابلتهم بإصرارهم لمن اتصف بالكمال ومضاتدتهم، لا لقصور فى القرآن عن البيان، فإنه غاية فى البيان، وإنما ضلوا باختيارهم للسوء، كما قال قائل: شعر : وَالنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأَبْصَارُ رَؤْيَتَهُ وَالذَّنْبُ لِلطَّرْفِ لاَ لِلنَّجْمِ فِي الصِّغَرِ
الخليلي
تفسير : تمكن الضلال من نفوس الكافرين: حال هؤلاء الذين كفروا تدعو إلى الاستغراب وتبعث الحيرة في نفوس السامعين، ما بالهم لا يؤمنون، وقد توفرت دواعي الايمان، فهو سبب سلامة الدنيا وسعادة العقبى، وقد برزت معالمه ووضحت مسالكه، وتبرأ من كل أسباب الشك ودواعي اللبس، ليس فيه ما لا تستسيغه العقول المبصرة وتميل إليه الطبائع السليمة، فإذا طرق مسامع الناس ما تقدم في الآية السابقة من استواء الانذار وعدمه عليهم، حاروا من ذلك ولم يدركوا السبب الذي أدى بهم إلى هذه الحالة، حيث استولى الضلال على عقولهم وهيمن العناد على نفوسهم، فلذلك عقبت تلك الآية بهذه ليكون ما فيها كالتعليل لما تقدم، فهي مع تقريرها لسابقتها كاشفة عن علة ما فيها، ولا ينافي ذلك ما قيل إن جملة ختم الله على قلوبهم استئناف بياني يفيد جواب سائل يسأل عن سبب كونهم لا يؤمنون. ومن ناحية أخرى هي مقابلة لجملة {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ}، فتلك مشعرة بتمكن المؤمنين من الهدى والثناء عليهم بارتقائهم في درجاته، وهذه مشعرة بتمكن الضلال من نفوس الكافرين وإحاطته بها حتى لم يعد للحق سبيل إليها، كما أنها مشعرة بذمهم على انحطاطهم في دركات الضلال. والختم والكتم أخوان، كما قال الزمخشري، لأن تقاربهما اللفظي يشعر بالتقائهما في المعنى، وحقيقته في المحسوسات كالختم على الاناء بمعنى سده، والختم على الكتاب بوضع علامة - مرسومة في خاتم - عليه ليمنع ذلك من فتحه. واختُلِف في المراد بالختم هنا: فذهبت طائفة من مفسري السلف إلى أن الخَتم واقع حقيقة على القلوب، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن الأعمش، قال: أرانا مجاهد بيده فقال كانوا يرون أن القلب في مثل هذا - يعني الكف - فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه - وقال بإصبعه الخنصر هكذا - فإذا أذنب ضم - وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم - وقال بإصبع أخرى - هكذا حتى ضَمَّ أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع. قال مجاهد: وكانوا يرون أن ذلك الرَّيْن. واختار هذا القول ابن جرير والقرطبي، وعضداه بما رواه الترمذي - وصححه - والنسائي وابن ماجة وابن جرير نفسه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المذنب إذا أذنب ذنبا كان نَكتَة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يُغلف قلبه وذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ". تفسير : ووجه الاستدلال بالحديث أنه يفيد أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للايمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص. وعضده القرطبي أيضا بما رواه مسلم عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا "حديث : أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة"تفسير : ، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: "حديث : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوَكْتِ، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المَجْلِ كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه مُنْتَبِرا وليس فيه شيء - ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله - فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيَّكُم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا ". تفسير : وعضده كذلك بحديث حذيفة عند البخاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبادِّ كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه .." تفسير : "الحديث". وذهب أكثر مفسري الخلف إلى أن ذلك من باب المجاز، فإن عدم وعي القلوب للحق ونبوَّها عن قبوله جعلها كأنها مختوم عليها بسداد يحول بينها وبين وصول الحق إليها، ويقال مثال ذلك في ختم الأسماع، ومثله في تغشية الأبصار، وإيضاح ذلك، أن يصور رفض عقولهم لما أنزل الله من هدى - بسبب كفرهم بالله الذي ملأ تفكيرهم وسيطر على نفوسهم ومج أسماعهم لأصوات الحق - في صورة الاستيثاق بالختم، ويصور إعراضهم عن النظر في آيات الله الدالة على وحدانيته، في صورة تغشية الأبصار بغشاوة حائلة بينها وبين الإِبصار، فيكون المجاز استعاريا ويصح أن يكون من باب المجاز التمثيلي، بأن تشبه هيئة منتزعة من تصميمهم على الكفر، وإعراضهم عن داعي الحق الصادع بقواطع البراهين، بهيئة الختم المنتزعة من فعله وفاعله، وهو الخاتم، والواقع عليه الفعل، وهو المختوم عليه، وتشبه حالة أبصارهم في عدم تأمل دلائل وحدانية الله وصدق رسوله بهيئة الغشاوة، ويجوز أيضا أن يكون من باب المجاز الارسالي، فإن لازم الختم والغشاوة عدم العقل والحس، فيراد هذا اللازم بذكر ملزومه وأنكر أصحاب هذا القول على أصحاب القول الأول ووصفوهم بالظاهرية، وقد ظهر لي بعد إمعان النظر في القولين أن الثاني هو الراجح، فإن اقتران القلوب بالأسماع، واشتراكهما في الختم، وذكر غشاوة الأبصار من بعد، قرائن كافية لصرف لفظ الختم عن حقيقته إلى مجازه، فإن الأسماع يتعذر أن يكون ختمها حقيقيا، فإذا حمل ختم القلوب على الحقيقة، كان ذلك من باب حمل اللفظ على حقيقته ومجازه في إطلاق واحد، وذلك ما لا يصح، على أن ختم الأسماع لو كان حقيقيا ما وصل إلى مسامعهم صوت، وكذلك يتعذر حمل الغشاوة التي في الإبصار على معناها الحقيقي، إذ لا غشاوة حسية تشاهد، ولو أن عليها غشاوة حسية لامتنع عليها الابصار رأسا، وذلك لا ينافي أن تتأثر القلوب تأثرا محسوسا بمعصية الله، كما يقيده ظاهر حديث أبي هريرة، وحديثي حذيفة - رضي الله عنهما - على انني أميل إلى أن المراد من هذه الأحاديث تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم، ما يعرو القلوب بسبب المعصية من الانقباض عن الحق، واستثقاله والانبساط للباطل، والارتياح له، في صورة الأمر المحسوس تيسيرا للأفهام، وتقريبا للأذهان، كما هو شأنه صلى الله عليه وسلم في غالب كلامه. والغشاوة ما يغشى العين من موانع الابصار، كما قال الشاعر: شعر : صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها تفسير : وأصلها بمعنى الغطاء، وإنما قصرت الغشاوة على الأبصار، وألحقت الأسماع بالقلوب في الختم ليتفق ما في هذه الآية مع ما في قوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} تفسير : [الجاثية: 23]، ولأن الغشاوة أنسب بالأبصار، والختم بالقلوب والأسماع، لأن الختم من شأنه أن يكون على المستور المكنون، وهكذا موضع حس السمع، وموضع إدراك العقل، أما حاسة البصر فهي منكشفة ظاهرة، فلذلك كانت الغشاوة هي المناسبة لها. هذا، وما أصاب هؤلاء من الختم على قلوبهم، وعلى أسماعهم، وغشاوة أبصارهم، ليس إلا نتيجة إصرارهم على الكفر، وإخلادهم إلى الضلال، كما يدل عليه قوله سبحانه: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 155]، وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [المنافقون: 3]. وهذا لأن الاسترسال في العصيان، والاستسلام لمطالب الشيطان، يؤديان إلى الهبوط في دركات المعاصي، وحضيض الضلال، حتى يحرم صاحب ذلك من عناية الله التي تفك عنه أغلال الغواية، وتخلصه من حبائل الهوى. ومهما يكن المراد بالختم في الآية، فإن إسناده إلى الله حقيقي، لأن القلوب كسائر مخلوقاته واقعة في قبضته، يصرفها كما يشاء، وما الهداية إلا محض فضل منه، كما أن الخذلان ليس هو إلا عدلا منه سبحانه {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23]. الافراط والتفريط في نسبة الأفعال: وبهذا تعلم أن معصية العبد لربه لها صلة بقدرة الله وإرادته، فهو سبحانه الخالق لها عندما تتجه إرادة العبد إلى اكتسابها، ومثل ذلك يقال في طاعته، وهذه مسألة اضطربت فيها الأفهام، وكثر فيها الجدل منذ القرن الأول الهجري، وقد ضلت فيها طائفتان؛ طائفة تطاولت على الله عز وجل، فادعت اشتراكها معه في الايجاد، ويُمثّل هذه الطائفة المعتزلة، أصحاب واصل بن عطاء، الذين نفوا تعلق قدرة الله وإرادته بأفعال العبد، وزعموا أن العبد يستقل استقلالا تاما بخلق أفعاله. وطائفة ما قدرت الله حق قدره، إذ نسبت إليه معاصي العباد، وزعمت أن العبد ليست له إرادة فيما يفعل، وإنما هو مصرف في ذلك تصريفا إجباريا كالخيط في الهواء الذي تحركه الرياح، ويمثل هذه الطائفة الجبرية، أصحاب جهم ابن صفوان، وإذا كانت الطائفة الأولى فرّطت في نسبة القدر والمقدور إلى الله حتى سلبته تعالى الارادة والقدرة في أفعال العباد، فإن هذه الطائفة أفرطت في نسبة ما يصدر من العبد إليه عز وجل، حتى زعمت أنه يجبر العباد على المعاصي التي يرتكبونها ثم يعاقبهم عليها، وليس قولهم هذا إلا صريحا في نسبة الظلم إليه تعالى، والقضية مزلة للأقدام، ومزلقة للأفهام، فيجب على من رام الهدى والسلامة أن يتبصر فيها، ولا ينسب إلى الله ما هو برريء منه، ولا يسلبه ما هو حقيق به، والقول الفصل الذي هدى الله إليه أهل البصائر فاعتقدوه دينا، هو أن الفعل تتعلق به قدرتان وإرادتان؛ قدرة العبد وإرادته، وهما متعلقتان بكسبه ولا تستقلان بإيجاده، وقدرة الله وإرادته وهما اللتان تهيئان أسباب الكسب للعبد، وتخلقان له الفعل عندما يريد اكتسابه، سواء كان حقا أو باطلا، من غير إكراه للعبد عليه، وبهذا ندرك أن الله لا يعصى مكرها، ولا يؤاخذ العباد بما لم يجعل لهم محيصا عنه، ولا مخلصا منه، وبهذا يجمع بين الآيات التي قد يحسبها الغبي متناقضة بسبب قلة تدبره وسوء فهمه، فكل ما دل على نسبة أفعال العباد إلى الله، فهو يعني به خلق هذه الأفعال، وكل ما دل على إسناده إلى العباد فيقصد به الكسب دون الخلق، وثواب الله وعقابه متعلقهما كسب العباد، كما قال عز من قائل: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]، وقد علم الله تعالى في الأزل ما سيختاره كل أحد من أعمال الخير والشر، فكان قدره تعالى في ذلك بحسب ما سبق من علمه، وقد أمر سبحانه بالخير، ونهى عن الشر، وأثنى على من عمل خيرا، وذم من عمل سوءا، وذلك لأنه سبحانه وهب الجميع القدرة على الأمرين، فكان الثناء والذم على اختيار الناس بأنفسهم، ولا شك أنها مسألة دقيقة، ولذلك كان جل الذين بحثوها لم يرووا ببحثهم غليلا، ولم يشفوا علة، بل كثيرا ما أدت بحوثهم إلى التعقيد، وقد تردد بعض العلماء بين المذهبين، مذهب الجبر ومذهب القدر، ولم يستقر رأيه على أحدهما، ومن هؤلاء الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، فبعد أن أتى بأدلة الطائفتين صرح أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله، وعلو كبريائه، وإنما وقع نظر فريق منهم على العظمة، ونظر فريق آخر إلى الحكمة، وروي مثل هذا القول عن أبي القاسم الأنصاري، ولم ير الفخر القطع بما تفيده الأدلة السمعية في المسألة بناء على أصله أن الدلالة السمعية لا تتجاوز الظن إلى القطع، ولم ير كذلك القطع بمفاد الأدلة العقلية، نظرا إلى ما توهمه من التعارض بينها، والأدلة إذا تعارضت تساقطت. وبما أن المعتزلة ومن حذا حذوهم يفرون من نسبة إيجاد أفعال العباد إلى الله، هاموا في مثل هذه الآية وسلكوا طرائق قددا في تأويلها، كما ترى ذلك في الكشاف وغيره مما دبّجته أقلامهم، فقالوا تارة إن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله حتى صارت المعصية مألوفة لهم، كانوا كأنما طبعوا عليها، فأشبهت حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه، فلذلك أضيف إلى الله تعالى ما حلّ بهم، لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي، وتارة قالوا إن الشيطان هو الخاتم في الحقيقة، أو الكافر نفسه، وإنما إسناد ذلك إلى الله لأن إقدار الشيطان والكافر منه عز وجل، وقالوا تارة أخرى إنه لما اتفق أن يكون كفرهم عند ورود دلائل الله عليهم، كان ورود هذه الدلائل كالسبب لما حصل منهم من الكفر، فلذلك أسند إليه تعالى الختم المذكور، وذلك على غرار قوله سبحانه: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125]، ومرة قالوا إن القوم لما بلغوا من الكفر مبلغا لا يمكن معه إيمانهم إلا بالقسر والالجاء من الله، ولما لم يفعل ذلك بهم ناسب ذلك إسناد الختم إليه عز وجل، إلى غير ذلك من التأويلات المتشابهة في التكلف والهروب من الحقيقة، ولعمري لو أنصفوا لرأوا الحق جليا، ولما أدى بهم اللجاج إلى الهروب من الواضح إلى المشكل، ومن الحقيقة إلى الوهم، ومن الصواب إلى الخطأ، ولسنا نشك في كونهم أرادوا تنزيه الله تعالى من نسبة المعاصي إليه، ولكنهم وقعوا فيما هو أعظم منها، وهو نسبة العجز إليه سبحانه، إذ لو كانت المعصية الصادرة من العبد وقعت على كره منه تعالى، لما كان لذلك تفسير، إلا أنه تعالى يحدث في ملكه ما ليس من مقدوره ضده، وبالجملة فإن علينا أن نتقيد في ذلك بدلائل النص، وأن لا نطلق لأنفسنا عنان الفكر الشارد الذي كثيرا ما يهوي بصاحبه في مهاوي الأوهام، وللعقل البشري حدود مرسومة، لو حاول تجاوزها تردى في المخاطر والعياذ بالله، وهذه المسألة ترتبط بقاعدتين اعتزاليتين؛ أولاهما: تحكيم العقل، فإن المعتزلة يبنون معتقداتهم وسائر آرائهم على العقل، ويرون الشرع لا يكون إلا مؤكدا للعقل أو مبينا له، وإذا تصادما وجب الاستمساك بالعقل لأنه الأصل. ثانيتهما: وجوب مراعاة الأصلحية والصلاحية على الله، ومن تأمل هذه الأصول الثلاثة التي هي أمهات الاعتزال، رآها لا ينفك بعضها عن بعض، فالقول بنفي خلق الأفعال عن الله فيه التفات إلى كل واحد من الأصلين الآخرين، فهو من ناحية ناشئ عن كون العقل يستقبح أن يخلق الله للعبد ما يعذبه به، وبما أن ذلك مستقبح عقلا فهو غير سائغ فعلا. ومن ناحية أخرى فإن ذلك يتنافى مع ما يتبادر من مصلحة العباد، ويجب على الله - في زعمهم - أن لا يفعل إلا ما فيه مصلحتهم، وسيأتي إن شاء الله بحث كل واحد من هذه الأصول بما فيه مقنع لمن وفقه الله للهدى. وبالجملة فإن إسناد الختم إلى الله حقيقي ولا داعي إلى تكلف الاجابات المتنوعة التي جاء بها الزمخشري، إذ لا يصار إلى المجاز إلا مع تعذر الحقيقة، والشواهد قائمة - بحمد الله - على أن الحقيقة هنا مقصودة. والمراد بالقلب هنا العقل، فإن العرب تطلق القلب على اللحمة الصنوبرية المعروفة في الجسم بهذا الاسم، وتطلقه على العقل والادراك، ومن هذا الاطلاق قوله عز وجل: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق: 37]. وهذا الاطلاق ناشئ عما بين العقل والقلب من الترابط، فإن العقل وإن كان سلطانه في الدماغ أو هو نفسه في الدماغ، كما يرى المتأخرون، فإن للقلب تأثيرا عليه لأنه مصدر الانفعالات، ومنبع العواطف ومحل الوجدان باتفاق الجميع، ولكل ذلك تأثير على العقل ولا يبعد أن يكون للقلب أثر في تكوين الفكر في الدماغ. وسمي بهذا الاسم لما يطرأ عليه من التقلب، وهو ما يشير إليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"تفسير : ، وما هو إلا كناية عن تصريف الله تعالى له بحكمته ولطفه. ومن ثم قال الشاعر: شعر : ما سمي القلب إلا من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل تفسير : والسمع: مصدر سمع، ويطلق على القوة المدركة للأصوات المودعة في الجارحة، ويطلق على نفس الجارحة وهي الأذن. والبصر: هو القوة المدركة للصور، ويطلق على الجارحة التي يحل فيها، كما يطلق على الابصار فيكون اسم مصدر. واختلف في إفراد السمع مع جمع القلوب والأبصار، فقيل: هو لأجل لمح أصله وهو المصدر، فإن من شأن المصادر أن لا تثنى ولا تجمع، ومن ثم جمع عندما أبدل لفظه بالأذن كما في قوله تعالى: {أية : يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} تفسير : [البقرة: 19]، وقوله: {أية : وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الأنعام: 25]، أما القلوب فهي متعددة. والأبصار جمع بصر، وهو اسم وليس بمصدر، وقيل هو على تقدير محذوف نحو وعلى حواس سمعهم أو على جوارح سمعهم، وهذا ضعيف، فإن التقدير لا يصار إليه إلا مع الضرورة، والمعنى هنا تام بدون مقدر. وقيل إن في إفراد السمع لطيفة من لطائف التعبير القرآني، وهي جديرة بأن تعد من مزاياه التي لا يرقى إليها سائر الكلام، فإن السمع مصدر من مصادر العلم والناس متساوون فيه، فإن تلقي المعلومات السمعية لا يختلف فيه سامع عن سامع، فهو بمثابة الينبوع الواحد المتدفق بما يعم جميع الواردين. أما القلوب فهي تتفاوت في استقبالها المعلومات بتفاوت استعدادها واشتغالها بما تتلقاه، وبتفاوت ما يلمح لها من الأدلة والبراهين، واختلاف ما يرد عليها من الأفكار، قلة وكثرة، وكذلك الأبصار متفاوتة في مشاهدة المبصرات التي توحي إلى النفس أنواعا من العلوم، فلكل بصر حظه من النظر في آيات الله في الأنفس وفي الآفاق الشاهدة بوحدانيته، واتصافه بكل كمال ذاتي والدالة على صدق رسله فيما يدعون إليه الناس، ولذا كان الأنسب بالقلوب والأبصار الجمع، وبالسمع الإِفراد، وأجيز بأن يكون الإِفراد هنا لأمْنِ اللبس، كما في قول الشاعر: شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خمص تفسير : وقول الآخر: شعر : كأنه وجه تركيين قد غضبا مستهدف لطعان غير تذبيب تفسير : وهو شائع في الشعر العربي، ولكني لا أرى تخريج ما في القرآن عليه لسمو القرآن عن درجات الشعر. وإذا كان النثر البليغ يستعصي أحيانا تخريجه على ما يباح في الأشعار، فما بالك بكلام الله تعالى الذي لا يعدل فيه عن لفظة إلى أخرى إلا وفي طي هذا العدول معنى بليغ يشار به إليه. وبعد أن بين سبحانه حال هؤلاء، في الدار الدنيا بأنهم لا يهتدون سبيلا ولا يسمعون للحق قيلا، لما على قلوبهم وسمعهم من الختم، وعلى أبصارهم من الغشاوة، أتبعه ببيان مآلهم في الدار الآخرة، بما يوعدهم به من العذاب العظيم، هذا إن قلنا إن العذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهو المتبادر، وأجاز بعض المفسرين أن يقصد به إما عذاب النار في الآخرة، وإما عذاب القتل والسغب في الدنيا. والعذاب كالنكال لفظا ومعنى مأخوذ من أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، كما يقال فيه نكل عنه. أو من قولهم عذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب، وبناء على ذلك فالتعذيب أصله حمل الانسان على أن يعذب أي يجوع ويسهر. وقيل: هو مأخوذ من العذب والعذوبة، وعليه فمعنى التعذيب إزالة عذوبة حياة المعذب، كما يقال مَرَّضْته أي أزلت مرضه، وقَذَّيْته أي أزلت قذاه. وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط، أي طرفه، وبناء على ما تقدم فالعذاب رديف النكال ويراد بهما العقاب. وقيل: إن العذاب أعم منهما، فهو يشمل ما يلم بالنفس أو الجسم من الألم سواء كان رادعا عن العصيان أم غير رادع. أما النكال والعقاب، فلا يكادان يطلقان إلا على ما يردع. والعظيم قيل هو كالكبير، وقيل فوقه لأنه يقابله الحقير، ويقابل الكبير الصغير، والحقير أدنى من الصغير، فيلزم أن يكون العظيم أعلى من الكبير. واستشكل ذلك مع قوله تعالى في الحديث القدسي: "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" تفسير : حيث جعل تعالى الكبرياء في مقام الرداء والعظمة في مقام الازار، مع أن الرداء أرفع من الازار، ويترتب عليه كون الكبرياء أرفع من العظمة، ويندرىء هذا الاشكال باعتبار أن المراد من هذا الحديث القدسي بيان اختصاص الله تعالى بالكبرياء والعظمة، كاختصاص أحدنا بردائه وإزاره، وليس المراد منه بيان التفاضل بين الصفتين، ولو قلنا بالتفاضل لاعتبرنا ما كان في محل الازار أكثر اختصاصا لأن ملابسة الازار لصاحبه أكثر من ملابسة الرداء عادة، ويغنيك هذا الجواب عما ساقه الألوسي من الأجوبة كقوله بأن ما ذكر خاص بما إذا استعمل الكبير والعظيم في غيره تعالى، أو فيما إذا خلا الكلام عن قرينة تقتضي العكس، أو أنه سبحانه جعل العظمة وهي أشرف من الكبرياء إزارا لقلة العارفين به جل شأنه بهذا العنوان إذا ما قيسوا إلى عارفيه بعنوان الكبرياء: فلقلة أولئك كانت إزارا، ولكثرة هؤلاء كانت رداء، ولا يخلو جواب مما ذكره من التكلف والتعسف الظاهرين، ولا يستند شيء منها إلى دليل عقلي أو نقلي. والعظمة تكون حسية، وذلك إذا وصفت بها الأجسام، ومعنوية إذا وصفت بها الأسماء الدالة على المعاني. وتنكير عذاب للدلالة على أنه نوع غريب من أنواع جنسه، وذهب بعضهم إلى أن التنكير للتعظيم، وما وليه من وصفه بأنه عظيم إنما هو لتأكيد هذا التعظيم المستفاد من التنكير، ورده الامام ابن عاشور بأن دلالة التنكير على التعظيم غير وضعية والدلائل غير الوضعية يستغنى عنها مع وجود ما يدل على المراد وضعا.
الالوسي
تفسير : إشارة إلى برهان لميّ للحكم السابق كما أن {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ}تفسير : [البقرة: 6] الخ على تقدير كونه اعتراضاً برهان إنِّي، فالختم والتغشية مسببان عن نفس الكفر، واقتراف المعاصي سببان للاستمرار على عدم الإيمان أو لاستواء الإنذار وعدمه فالقطع لأنه سؤال عن سبب الحكم، والختم الوسم بطابع ونحوه والأثر الحاصل، ويتجوز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء والمنع منه اعتباراً بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، وتارة في تحصيل أثر عن أثر اعتباراً بالنقش الحاصل، وتارة يعتبر معه بلوغ الآخر، ومنه ختمت القرآن والغشاوة ـ على ما عليه السبعة ـ بكسر الغين/ المعجمة من غشاه إذا غطاه، قال أبو علي: ولم يسمع منه فعل إلا يائي فالواو مبدلة من الياء عنده أو يقال لعل له مادتين وفعالة عن الزجاج لما اشتمل على شيء كاللفافة ومنه أسماء الصناعات كالخياطة لاشتمالها على ما فيها وكذلك ما استولى على شيء كالخلافة، وعند الراغب: هي لما يفعل به الفعل كاللف في اللفافة فإن استعملت في غيره فعلى التشبيه، وبعضهم فرق بين ما فيه هاء التأنيث وبين ما ليس فيه، فالأول: اسم لما يفعل به الشيء كالآلة نحو حزام وإمام، والثاني: لما يشتمل على الشيء ويحيط به وحمل الظاهريون الختم والتغشية على حقيقتهما وفوضوا الكيفية إلى علم من لا كيفية له سبحانه، وروى عن مجاهد أنه قال: إذا أذنب العبد ضم من القلب هكذا ـ وضم الخنصر ـ ثم إذا أذنب ضم هكذا ـ وضم البنصر ـ وهكذا إلى الإبهام ثم قال: وهذا هو الختم والطبع والرين، وهو عندي غير معقول، والذي ذهب إليه المحققون أن الختم استعير من ضرب الخاتم على نحو الأواني لإحداث هيئة في القلب والسمع مانعة من نفوذ الحق إليهما كما يمنع نقش الخاتم ـ تلك الظروف ـ من نفوذ ما هو بصدد الانصباب فيها فيكون استعارة محسوس لمعقول بجامع عقلي وهو الاشتمال على منع القابل عما من شأنه أن يقبله ثم اشتق من الختم ختم، ففيه استعارة تصريحية تبعية، وأما الغشاوة فقد استعيرت من معناها الأصلي لحالة في أبصارهم مقتضية لعدم اجتلائها الآيات والجامع ما ذكر؛ فهناك استعارة تصريحية أصلية أو تبعية إذا أولت الغشاوة بمشتق أو جعلت اسم آلة على مقيل، ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن يقال شبهت حال قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مع الهيئة الحادثة فيها المانعة من الاستنفاع بها بحال أشياء معدة للانتفاع بها في مصالح مهمة مع المنع من ذلك بالختم والتغطية ثم يستعار للمشبه اللفظ الدال على المشبه به فيكون كل واحد من طرفي التشبيه مركباً والجامع عدم الانتفاع بما أعد له بسبب عروض مانع يمكن فيه كالمانع الأصلي وهو أمر عقلي منتزع من تلك العدة ثم إن إسناد الختم إليه عز وجل باعتبار الخلق والذم والتشنيع الذي تشير إليه الآية باعتبار كون ذلك مسبباً عما كسبه الكفار من المعاصي كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155] وإلا أشكل التشنيع والذم على ما ليس فعلهم كذا قاله مفسرو أهل السنة عن آخرهم فيما أعلم. والمعتزلة لما رأوا أن الآية يلزم منها أن يكون سبحانه مانعاً عن قبول الحق وسماعه بالختم وهو قبيح يمتنع صدوره عنه تعالى على قاعدتهم التزموا للآية تأويلات ذكر الزمخشري جملة منها حتى قال: الشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله سبحانه وتعالى لما كان هو الذي أقدره (أو) مكنه أسند الختم إليه كما يسند [الفعل] إلى السبب نحو ـ بني الأمير المدينة، وناقة حلوب ـ وأنا أقول: إن ماهيات الممكنات معلومة له سبحانه أزلاً فهي متميزة في أنفسها تميزاً ذاتياً غير مجعول لتوقف العلم بها على ذلك التميز وإن لها استعدادات ذاتية غير مجعولة أيضاً مختلفة الاقتضاءات والعلم الإلهي متعلق بها كاشف لها على ما هي عليه في أنفسها من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو واختلاف مقتضيات تلك الاستعدادات فإذا تعلق العلم/ الإلهي بها على ما هي عليه مما يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين الخير والشر تعلقت الإرادة الإلهية بهذا الذي اختاره العبد بمقتضى استعداده فيصير مراده بعد تعلق الإرادة الإلهية مراداً لله تعالى فاختياره الأزلي بمقتضى استعداده متبوع للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحكمة وأن اختياره فيما لا يزال تابع للإرادة الأزلية المتعلقة باختياره لما اختاره، فالعباد منساقون إلى أن يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر وليسوا مجبورين في اختيارهم الأزلي لأنه سابق الرتبة على تعلق العلم السابق على تعلق الإرادة والجبر تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الذي هو هنا اختيارهم الأزلي فيمتنع أن يكون تابعاً لما هو متأخر عنه بمراتب، فما من شيء يبرزه الله تعالى بمقتضى الحكمة ويفيضه على الممكنات إلا وهو مطلوبها بلسان استعدادها وما حرمها سبحانه شيئاً من ذلك كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ }تفسير : [طه: 50] أي الثابت له في الأزل مما يقتضيه استعداده الغير المجعول، وإن كانت الصور الوجودية الحادثة مجعولة. وقوله تعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }تفسير : [الشمس: 8] أي الثابتين لها في نفس الأمر والكل من حيث أنه خلقه حسن لكونه بارزاً بمقتضى الحكمة من صانع مطلق لا حاكم عليه ولهذا قال عز شأنه: {أية : أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ }تفسير : [السجدة: 7] و {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ }تفسير : [الملك: 3] أي من حيث أنه مضاف إليه ومفاض منه وإن تفاوت من جهة أخرى وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض، فعلى هذا يكون الختم منه سبحانه وتعالى دليلاً على سواء استعدادهم الثابت في علمه الأزلي الغير المجعول بل هذا الختم الذي هو من مقتضيات الاستعداد لم يكن من الله تعالى إلا إيجاده وإظهار يقينه طبق ما علمه فيهم أزلاً حيث لا جعل {أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [النحل: 33] تعالى في إظهاره إذ من صفته سبحانه إفاضة الوجود على القوابل بحسب القابليات على ما تقتضيه الحكمة {أية : وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 33] حيث كانت مستعدة بذاتها لذلك فحينئذ يظهر أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الإيجاد حقيقة ويحسن الذم لهم به من حيث دلالته على سوء الاستعداد وقبح ما انطوت عليه ذواتهم في ذلك الناد {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَٱلَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا }تفسير : [الأعراف: 58]. وأما ما ذكره المفسرون من أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الخلق فمسلم لا كلام لنا فيه، وأما إن الذم باعتبار كون ذلك مسبباً عما كسبه الكفار الخ فنقول فيه: إن أرادوا بالكسب ما شاع عند الاشاعرة من مقارنة الفعل لقدرة العبد من غير تأثير لها فيه أصلاً وإنما المؤثر هو الله تعالى فهو مع مخالفته لمعنى الكسب وكونه {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور: 39] لا يشفي عليلاً ولا يروى غليلاً إذ للخصم أن يقول أي معنى لذم العبد بشيء لا مدخل لقدرته فيه إلا كمدخل اليد الشلاء فيما فعلته الأيدي السليمة وحينئذ يتأتى ما قاله الصاحب بن عباد في هذا الباب: كيف يأمر الله تعالى العبد بالإيمان وقد منعه منه وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول: {أية : أنى يُصْرَفُونَ }تفسير : [غافر: 69] ويخلق فيهم الإفك ثم يقول: {أية : أَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تفسير : [الأنعام: 95] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول {أية : لِمَ تَكْفُرُونَ }تفسير : [آل عمران: 70] وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: {أية : لِمَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ }تفسير : [آل عمران: 71] وصدهم عن السبيل ثم يقول: {أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال: {أية : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ } تفسير : [النساء: 39] وذهب بهم عن الرشد ثم قال: {أية : فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } تفسير : [التكوير: 26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }تفسير : [المدثر: 49]؟ فإن أجابوا بأن لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }تفسير : [الأنبياء: 23] قلنا لهم: هذه كلمة حق أريد بها باطل وروضة صدق ولكن ليس لكم منها حاصل لأن كونه تعالى لا يسأل عما يفعل ليس إلا لأنه حكيم لا يفعل ما عنه يسأل وإذا قلتم لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومه فوجه مطالبة/ العبد بأفعاله كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألواناً وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرائع العظام ورد ما ورد عن النبيين عليهم الصلاة والسلام. وإن أرادوا بالكسب فعل العبد استقلالا ما يريده هو وإن لم يرده الله تعالى فهذا مذهب المعتزلة وفيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال وسلوك مهامه الوبال.شعر : مساوٍ لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق تفسير : وإن أرادوا به تحصيل العبد بقدرته الحادثة حسب استعداده الأزلي المؤثرة لا مستقلاً بل بإذن الله تعالى ما تعلقت به من الأفعال الاختيارية مشيئته التابعة لمشيئة الله تعالى على ما أشرنا إليه فنعمت الإرادة وحبذا السلوك في هذه الجادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطها وإقامة الأدلة على صحتها وإماطة الأذى عن طريقها إلا أن أشاعرتنا اليوم لا يشعرون وأنهم ليحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون.شعر : ما في الديار أخو وجد نطارحه حديث نجد ولا خل نجاريه تفسير : وأما ما ذكره المعتزلة لا سيما علامتهم الزمخشري فليس أول عشواء خبطوها وفي مهواة من الأهواء أهبطوها ولكم نزلوا عن منصة الإيمان بالنص إلى حضيض تأويله ابتغاء الفتنة واستيفاء لما كتب عليهم من المحنة وطالما استوخموا من السنة المناهل العذاب ووردوا من حميم البدعة موارد العذاب، والشبهة التي تدندن هنا حول الحمى أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما نعاها على عباده ولا عاقبهم بها ولا قامت حجة الله تعالى عليهم وهي أوهى من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت، وقد علمت جوابها مما قدمناه لك ـ وليكن على ذكر منك ـ على أنا نرجع فنقول إن أسندوا الملازمة ـ وكذلك يفعلون ـ إلى قاعدة التحسين والتقبيح، وقالوا: معاقبة الإنسان مثلاً بفعل غيره قبيحة في الشاهد لا سيما إذا كانت من الفاعل فيلزم طرد ذلك غائباً، قيل: ويقبح في الشاهد أيضاً أن يمكن الإنسان عبده من القبائح والفواحش بمرأى ومسمع ثم يعاقبه على ذلك مع القدرة على ردعه ورده من الأول عنها وأنتم تقولون إن القدرة التي بها يخلق العبد الفواحش لنفسه مخلوقة لله تعالى على علم منه عز وجل أن العبد يخلق بها لنفسه ذلك فهو بمثابة إعطاء سيف باتر لفاجر يعلم أنه يقطع به السبيل ويسبى به الحريم وذلك في الشاهد قبيح جزماً. فَانٍ قَالُواْ ثم حكمة استأثر الله تعالى بعلمها فرقت بين الغائب والشاهد فحسن من الغائب ذلك التمكين ولم يحسن في الشاهد قُلْنَا سبيل التنزل والموافقة لبعض الناس ما المانع أن تكون تلك الأفعال مخلوفة لله تعالى ويعاقب العبد عليها لمصلحة وحكمة استأثر بها كما فرغتم منه الآن حذو القذة بالقذة؟!على أن في كون الخاتم في الحقيقة هو الشيطان مما لا يقدم عليه حتى الشيطان ألا تسمعه كيف قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [ص: 82] فلا حول ولا قوة إلا بالله. وليكن هذا المقدار كافياً في هذا المقام ولشحرور القلم بعد إن شاء الله تعالى على كل بانة تغريد بأحسن مقام. والقلوب ـ جمع قلب ـ وهو في الأصل مصدر سمي به الجسم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو مشرق اللطيفة الإنسانية، ويطلق على نفس اللطيفة النورانية الربانية العالمة التي هي مهبط الأنوار الإلهية الصمدانية وبها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لاكتساب الأوامر واجتناب الزواجر وهي خلاصة تولدت من الروح الروحاني ويعبر عنها الحكيم بالنفس الناطقة ولكونها هدف سهام القهر واللطف ومظهر الجمال والجلال ومنشأ البسط والقبض ومبدأ المحو والصحو ومنبع الأخلاق المرضية والأحوال الردية، وقلما تستقر على حال وتستمر على منوال ـ سميت قلباً ـ فهي متقلبة في أمره ومنقلبة/ بقضاء الله وقدره. وفي الحديث «حديث : إن القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح»تفسير : وقد قال الشاعر:شعر : قد سمي القلب قلباً من تقلبه فأحذر على القلب من قلب وتحويل تفسير : وتسمية الجسم المعروف قلباً إذا أمعنت النظر ليس إلا لتقلب هاتيك اللطيفة المشرقة عليه لأنه العضو الرئيس الذي هو منشأ الحرارة الغريزية الممدة للجسد كله ويكنى بصلاحه وفساده عن صلاح هاتيك اللطيفة وفسادها لما بينهما من التعلق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وكأنه لهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» تفسير : وكثير من الناس ذهب إلى أن تلك المضغة هي محل العلم، وقيل: إنه في الدماغ وقيل إنه مشترك بينهما وبنى ذلك على إثبات الحواس الباطنة والكلام فيها مشهور. ومن راجع وجد أنه أدرك أن بين الدماغ والقلب رابطة معنوية ومراجعة سرية لا ينكرها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن معرفة حقيقة ذلك متعززة كما هي معتذرة والإشارة إلى كنه ما هنالك على أرباب الحقائق وأصحاب الدقائق متعسرة، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، والعجز عن درك الإدراك إدراك. والسمع مصدر ـ سمع سمعا وسماعا ـ ويطلق على قوة مودعة في العصب المفروش أو المبطل في الأذن تدرك بها الأصوات ويعبر به تارة عن نفس الأذن وأخرى عن الفعل نحو {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }تفسير : [الشعراء: 212]، والأبصار ـ جمع بصر ـ وهو في الأصل بمعنى إدراك العين وإحساسها ثم تجوز به عن القوة المودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين الواصلتين من الدماغ إلى الحدقتين التي من شأنها إدراك الألوان والأشكال بتفصيل معروف في محله وعن العين التي هي محله، وشاع هذا حتى صار حقيقة في العرف لتبادره وهو المناسب للغشاوة لتعلقها بالأعيان ويناسب الختم ما يناسب الغشاوة، وإنما قدم سبحانه الختم على القلوب هنا لأن الآية تقرير لعدم الإيمان فناسب تقديم القلوب لأنها محل الإيمان والسمع ـ والأبصار طرق وآلات له ـ وهذا بخلاف قوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ }تفسير : [الجاثية: 23] فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ ولذا جاءت الفاصلة {أية : أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }تفسير : [الجاثية: 23] فكان المناسب هناك تقديم السمع، وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدل على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا في مررت بزيد وعمرو: مرور واحد، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروران، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهراً مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال. ووحد السمع مع أنه متعدد في الواقع ومقتضى الانتظام بالسباق واللحاق أن يجري على نمطهما للاختصار والتفنن مع الإشارة إلى نكتة ـ هي أن مدركاته نوع واحد ومدركاتهما مختلفة ـ وكثيراً ما يعتبر البلغاء مثل ذلك، وقيل: إن وحدة اللفظ تدل على وحدة مسماه ـ وهو الحاسة ـ ووحدتها تدل على قلة مدركاتها في بادىء النظر فهناك دلالة التزام ويكفي مثل ما ذكر في اللزوم عرفاً ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة وإن كان ذلك هو المعروف في استعمال الفقهاء في جميعها على أن الإسماع قلما قرع السمع ـ ومنه قراءة ابن أبـي عبلة في الشواذ ـ (وعلى أسماعهم)، واستشهد له بقوله:شعر : / قالت ولم تقصد لقيل الخنا مهلا لقد أبلغت أسماعي تفسير : والقول بأنه وحدة للأمن عن اللبس كما في قوله:شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص تفسير : ولأنه في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فروعي ذلك ليس بشيء لأن ما ذكر مصحح لا مرجع وأدنى من هذا عندي تقدير مضاف مثل - وحواس سمعهم - وقد اتفق القراء على الوقف على {سمعهم} وظاهره دليل على أنه لا تعلق له بما بعده فهو معطوف على {على قلوبهم} وهذا أولى من كونه هو وما عطف عليه خبراً مقدماً لغشاوة أو عاملان فيه على التنازع وإن احمتلته الآية لتعين نظيره في قوله تعالى: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ}تفسير : [الجاثية: 23] والقرآن يفسر بعضه بعضاً ولأن السمع كالقلب يدرك ما يدركه من جميع الجهات فناسب أن يقرن معه بالختم الذي يمنع من جميعها وإن اختص وقوعه بجانب إلا أنه لا يتعين، ولما كان إدراك البصر لا يكون عادة إلا بالمحاذاة والمقابلة جعل المانع ما يمنع منها وهو الغشاوة لأنها في الغالب كذلك كغاشية السرج، ومثل هذا يكفي في النكات ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار، وما في "الكشف": من أن الوجه أن الغشاوة مشهورة في أمراض العين فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه، يكشف عن حاله النظر في المعنى اللغوي ممن لا غشاوة على بصره. ولعل سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات الست مثله دون البصر. ومن هنا قيل: إنه أفضل منه، والحق أن كلا من الحواس ضروري في موضعه، ومن فقد حساً فقد علماً، وتفضيل البعض على البعض تطويل من غير طائل. وقد قرىء بإمالة {أَبْصَارِهِمْ} ووجه الإمالة - مع أن الصاد حرف مستعل وهو مناف لها لاقتضائها لتسفل الصوت - مناسبة الكسرة واعتبرت على الراء دون غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق، والمشهور عند أهل العربية أن ذلك لقوة الراء لتكرره على اللسان في النطق به فإنه يرتعد ويظهر ذلك إذا شدد أو وقف عليه فكسرته بمنزلة كسرتين فقوي السبب حتى أزال المانع. ولعل مرادهم أنه متكرر طبعاً كما يدركه الوجدان إلا أنه يجب المحافظة لئلا يقع التقرير فإنه مضر في الأداء حتى سمعت من بعض الشافعية أن من كرر الراء في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته والعهدة على الراوي، والجمهور على أن {عَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ} خبر مقدم لغشاوة والتقديم مصحح لجواز الابتداء بالنكرة مع أن فيه مطابقة الجملة قبله لأنه تقدم الجزء المحكوم به فيها وهذا كذلك، ففي الآية جملتان خبريتان فعلية دالة على التجدد واسمية دالة على الثبوت حتى كأن الغشاوة جبلية فيهم وكون الجملتين دعائيتين ليس بشي، وفي تقديم الفعلية إشارة إلى أن ذلك قد وقع وفرغ منه، ونصب المفضل وأبو حيوة وإسماعيل بن مسلم {غِشَاوَةٌ} فقيل هو على تقدير جعل كما صرح به في قوله تعالى {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية: 23]، وقيل إنه على حذف الجار، وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون مصدراً من معنى ختم لأنه معناه غشى وستر كأنه قيل تغشيه على سبيل التأكيد فيكون حينئذ قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة، وقيل: يحتمل أن يكون مفعول ختم والظروف أحوال أي ختم غشاوة كائنة على هذه الأمور لئلا يتصرف بها بالرفع والإزالة، وفي كل ما لا يخفى، فقراءة الرفع أولى، وقرىء أيضاً بضم الغين ورفعه، وبفتح الغين ونصبه، وقرىء (غشوة) بكسر المعجمة مرفوعاً وبفتحها مرفوعاً ومنصوباً، وغشية بالفتح والرفع وغشاوة بفتح المهملة والرفع، وجوز فيه الكسر والنصب من الغشا/ بالفتح والقصر وهو الرؤية نهاراً لا ليلاً، والمعنى أنهم يبصرون إبصار غفلة لا إبصار عبرة أو أنهم لا يرون آيات الله في ظلمات كفرهم ولو زالت أبصروها، وقال الراغب: العشا ظلمة تعرض للعين، وعشي عن كذا عمي قال تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الزخرف: 36] فالمعنى حينئذ ظاهر والتنوين للإشارة إلى نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ويحتمل أن يكون للتعظيم أي غشاوة أيّ غشاوة، وصرَّح بعضهم بحمله على النوعية والتعظيم معاً كما حمل على التكثير والتعظيم معاً في قوله تعالى:{أية : فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ}تفسير : [فاطر: 4]. واللام في {لَهُمْ} للاستحقاق كما في {أية : لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ}تفسير : [البقرة: 114] وفي "المغني": لام الاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات وهنا كذلك إلا أنه قدم الخبر استحساناً لأن المبتدأ نكرة موصوفة ولو أخر جاز كـ {أية : أَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} تفسير : [الأنعام: 2] ويجوز كما قيل: أن يكون تقديمه للتخصيص فلا يعذب عذابهم أحد ولا يوثق وثاقهم أحد وكون اللام للنفع واستعملت هنا للتهكم مما لا وجه له لأنها إنما تقع له في مقابلة (على) في الدعاء وما يقاربه ولم يقل به أحد ممن يوثق به هنا ولا يقال عليهم العذاب، والظاهر أن الجملة مساقة لبيان إصرارهم بأن مشاعرهم ختمت وأن الشقوه عليهم ختمت، وهي معطوفة على ما قبلها وليست استئنافاً ولا حالاً، وقال السيالكوتي: عطف على {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البقرة: 6] والجامع أن ما سبق بيان حالهم وهذا بيان ما يستحقونه، أو على خبر إن والجامع الشركة في المسند إليه مع تناسب مفهوم المسندين، وجعل ذلك لدفع ما يتوهم من عدم استحقاقهم العذاب على كفرهم لأنه بختم الله تعالى وتغشيته ليس بوجيه كما لا يخفى. والعذاب في الأصل الاستمرار ثم اتسع فيه فسمي به كل استمرار ألم، واشتقوا منه فقالوا: عذبته أي دوامت عليه الألم قاله أبو حيان، وعن الخليل - وإليه مال كثير - أن أصله المنع يقال:عذب الفرس إذا امتنع عن العلف، ومنه العذب لمنعه من العطش ثم توسع فأطلق على كل مؤلم شاق مطلقاً وإن لم يكن مانعاً ورادعاً ولهذا كان أعم من النكال لأنه ما كان رادعاً كالعقاب، وقيل العقاب ما يجازي به كما في الآخرة، وشمل البيان عذاب الأطفال والبهائم وغيرهما، وخص السجاوندي العذاب بإيصال الألم إلى الحي مع الهوان فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب عنده، وقيل إن العذاب مأخوذ في الأصل من التعذيب ثم استعمل في الإيلام مطلقاً، وأصل التعذيب على ما قيل: إكثار الضرب بعذبه السوط، وقال الراغب أصله من العذب فعذبته أزلت عذب حياته على بناء مرضته وقذيته والتنكير فيه للنوعية أي لهم في الآخرة نوع من العذاب غير متعارف في عذاب الدنيا، وحمله على التعظيم يستدعي حمل ما يستفاد من الوصف على التأكيد ولا حاجة إليه. والعظيم الكبير، وقيل: فوق الكبير لأن الكبير يقابله الصغير والعظيم يقابله الحقير والحقير دون الصغير، فالصغير والحقير خسيسان والحقير أخسهما، والعظيم والكبير شريفان والعظيم أشرفهما فتوصيف العذاب به أكثر في التهويل من توصيفه بالكبير كما ذكره الكثير ممن شاع فضله إذ العادة جارية بأن الأخس يقابل بالأشرف والخسيس بالشريف فما يتوهم من أن نقيض الأخص - أعم - مما لا يلتفت إليه هنا، نعم يشكل على دعوى أن التعظيم فوق الكبير قوله عز شأنه في الحديث القدسي: " حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري "تفسير : حيث جعل سبحانه الكبرياء مقام الرداء والعظمة مقام الإزار، ومعلوم أن الرداء أرفع من الإزار فيجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة، ويقال: إن الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا، وأما العظمة فعبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، فالصفة الأولى على هذا ذاتية وأشرف من الثانية ويمكن أن يجاب على بعد بأن ما ذكروه خاص بما إذا استعمل الكبير والعظيم في غيره تعالى أو فيما إذا خلا الكلام عن قرينة تقتضي العكس، أو يقال: إنه سبحانه جعل العظمة وهي أشرف من الكبرياء إزاراً لقلة العارفين به جل شأنه بهذا العنوان بالنظر إل العارفين/ بعنوان الكبرياء فلقلة أولئك كانت إزاراً ولكثرة هؤلاء كانت رداءاً وسبحان الكبير العظيم، وذكر الراغب (( أن أصل عظم الرجل كبر عظمه ثم استعير لكل كبير وأجري مجراه محسوساً كان أو معقولاً معنى كان أو عيناً، والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة والكبير يقال في المنفصلة، وقد يقال فيها أيضاً: عظيم وهو بمعنى كبير كجيش عظيم))، وعظم العذاب بالنسبة إلى عذاب دونه يتخلله فتور وبهذا التخلل يصح ان يتفاضل العذابان كسوداين أحدهما اشبع من الآخر وقد تخلل الآخر ما ليس بسواد. وقد ذهب المسلمون إلى أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، وهذه الآية وأمثالها شواهد صدق على ذلك. وقال بعضهم: لا يحسن وذكروا دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح العقلين فقالوا: التعذيب ضرر خال عن المنفعة لأنه سبحانه منزه عن أن ينتفع بشيء والعبد يتضرر به ولو سلم انتفاعه فالله تعالى قادر أن يوصل إليه النفع من غير عذاب، والضرر الخالي عن النفع قبيح بديهة، وأيضاً إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع قبيح، فأما أن يقال لا تكليف أو تكليف ولا عذاب، وأيضاً هو الخالق لداعية المعصية فيقبح أن يعاقب عليها، وقالوا أيضاً: هب أنا سلمنا العقاب فمن أين القول بالدوام؟ وأقسى الناس قلباً إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه - وعذبه وبالغ فيه وواظب عليه - لامه كل أحد وقيل له إما أن تقتله وتريحه وإما أن تعفو عنه فإذا قبح هذا من إنسان يلتذ بالانتقام، فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام؟! وأيضاً من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون أو يحسن أن يقول في الدنيا: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] وفي الآخرة لا يجيب دعاءهم إلا بـ {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108]. بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة العقلية المفيدة له على أنا ندعي أن أخبار الوعيد في الكفار مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً صريحاً كما قال ذلك فيها من جوز العفو عن الفساق، على أنه يحتمل أن تكون تلك الجمل دعائية أو أنها إخبارية لكن الإخبار عن استحقاق الوقوع لا عن الوقوع نفسه، وهذا خلاصة ما ذكر في هذا الباب. وبسط الإمام الرازي الكلام فيه ولم يتعقبه بما يشرح الفؤاد ويبرد الأكباد وتلك شنشنة أعرفها من أخزم، ولعمري إنها شبه تمكنت في قلوب كثير من الناس فكانت لهم الخناس الوسواس فخلعوا ربقة التكليف وانحرفوا عن الدين الحنيف وهي عند المؤمنين المتمكنين كصرير باب أو كطنين ذباب، فأقول: وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب نفي العذاب مطلقاً مما لم يقله أحد ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر حتى إن المجوس لا يقولونه مع أنهم الذين بلغوا من الهذيان أقصاه فإن عقلاءهم - والعقل بمراحل عنهم - زعموا أن إبليس عليه اللعنة لم يزل في الظلمة بمعزل عن سلطان الله تعالى ثم لم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب فصار في سلطان الله تعالى وأدخل معه الآفات والشرور فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع فيها فصار لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه فبقي محبوساً يرمى بالآفات فمن أحياه الله تعالى أماته ومن أصحه أسقمه ومن أسره أحزنه وكل يوم ينقص سلطانه فإذا قامت القيامة وزالت قوته طرحه الله تعالى في الجو وحاسب أهل الأديان وجازاهم على طاعتهم للشيطان وعصيانهم له، نعم المشهور عنهم أن الآلام الدنيوية قبيحة لذاتها ولا تحسن بوجه من الوجوه فهي صادرة عن الظلمة دون النور، وبطلان مذهب هؤلاء أظهر من نار على علم، ولئن سلمنا أن أحداً من الناس يقول ذلك فهو مردود، وغالب الأدلة التي تذكر في هذا الباب مبني على الحسن والقبح العقليين وقد نفاهما أهل السنة والجماعة وأقاموا الأدلة على بطلانهما وشيوع ذلك/ في كتب الكلام يجعل نقله هنا من لغو الكلام على أنا نقول إن لله تعالى صفتي لطف وقهر ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك - لا سيما ملك الملوك - كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلك فقد كابر، وقد مدح في الشاهد ذلك كما قيل: شعر : يداك يد خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظة تفسير : فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهيات الأزلية والأعيان الثابتة ورأى فيها من استعد للخير وطلبه بلسان استعداه ومن استعد للشر وطلبه كذلك أفاض على كل بمقتضى حكمته ما استعد له وأعطاه ما طلبه منه ثم كلفه ورغبه ورهبه إتماماً للنعمة وإظهاراً للحجة إذ لو عذبه وأظهر فيه صفة قهره قبل أن ينذره لربما قال: {أية : لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}تفسير : [طه: 134] فالتعذيب وإن لم يكن فيه نفع له سبحانه بالمعنى المألوف لكنه من آثار القهر ووقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته تعالى وكل ما تقتضيه حكمته تعالى وكماله حسن، وإن شئت فقل: إن صفتي اللطف والقهر من مستتبعات ذاته التي هي في غاية الكمال ولهما متعلقات في نفس الأمر مستعدة لهما في الأزل استعداداً غير مجعول. وقد علم سبحانه في الأزل التعلقات والمتعلقات فظهرت طبق ما علم ولو لم تظهر كذلك لزم انقلاب الحقائق وهو محال. فالإيمان والكفر في الحقيقة ليسا سبباً حقيقاً وعلة تامة للتنعيم والتعذيب وإنما هما علامتان لهما دعت إليهما الحكمة والرحمة. وهذا معنى ما ورد في " الصحيح" "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له "تفسير : أما من كان - أي في علم الله - من أهل السعادة المستعدة لها ذاته فسييسر بمقتضى الرحمة لعمل أهل السعادة لأنه شأنه تعالى الإفاضة على القوابل بحسب القابليات، وأما من كان القهر - لعمل أهل الشقاوة، وفي ذلك تظهر المنة وتتم الحجة ولا يرد في قوله تعالى: {أية : فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [لأنعام: 149] لأن نفي الهداية لنفي المشيئة ولا شك أن المشيئة تابعة للعلم والعلم تابع لثبوت المعلوم في نفس الأمر كما يشير إليه قوله تعالى في المستحيل الغير الثابت في نفسه: {أية : أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الرعد: 33] وحيث لا ثبوت للهداية في نفسها لا تعلق للعلم بها، وحيث لا تعلق لا مشيئة، فسبب نفي إيجاد الهداية نفي المشيئة وسبب نفي المشيئة تقرر عدم الهداية في نفسها فيئول الأمر إلى أن سبب نفي إيجاد الهداية انتفاؤها في نفس الأمر وعدم تقررها في العلم الأزلي: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 23] فإذا انتقش هذا على صحيفة خاطرك، فنقول: قولهم الضرر الخالي عن النفع قبيح بديهة ليس بشيء لأن ذلك الضرر من آثار القهر التابع للذات الأقدس ومتى خلا عن القهر - كان عز شأنه عما يقوله الظالمون - كالأقطع الذي ليس له إلا يد واحدة بل من أنصفه عقله يعلم أن الخلو عن صفة القهر يخل بالربوبية ويسلب إزار العظمة ويحط شأن الملكية إذ لا يرهب منه حينئذ فيختل النظام وينحل نبذ هذا الانتظام. على أن هذه الشبهة تستدعي عدم إيلام الحيوان في هذه النشأة لا سيما البهائم والأطفال الذين لا ينالهم من هذه الآلام نفع بالكلية لا عاجلاً ولا آجلاً مع أنا نشاهد وقوع ذلك أكثر من نجوم السماء فما هو جوابهم عن هذه الآلام منه سبحانه في هذه النشأة مع أنه لا نفع له منها بوجه فهو جوابنا عن التعذيب في تلك النشأة. وقولهم إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب الخ، ففيه أن الكافر في علم الله تعالى حسب استعداده متعشق للنار تعشق الحديد للمغناطيس وإن نفر عنها نافر عن الجنة نفور الظلمة عن النور وإن تعشقها فهو إن كلف وإن لم يكلف لا بد وأن يعذب فيها، ولكن التكليف لاستخراج ما في استعداده من الإباء لإظهار الحجة والكفر مجرد علامة {أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 33]. وقولهم هو سبحانه الخالق لداعية المعصية مسلم لكنه خلقها وأظهرها طبق ما دعا إليه الاستعداد الذاتي الذي لا دخل للقدرة إلا في إيجاده وأي قبح في إعطاء الشيء ما طلبه بلسان استعداده وإن أضر به ولا يلزم الله تعالى عقلاً أن يترك مقتضى حكمته ويبطل شأن ربوبيته مع عدم تعلق علمه بخلاف ما اقتضاه ذلك الاستعداد. وقولهم هب أنا سلمنا العقاب فينم أين الدوام الخ قلنا الدوام من خبث الذات وقبح الصفات الثابتين فيما لم يزل الظاهرين فيما لا يزال بالإباء بعد التكليف مع مراعاة الحكمة، وهذا الخبث دائم فيهم ما دامت حكمة الله تعالى الذاتية وذواتهم - كما يرشدك إلى ذلك - قوله سبحانه: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28] ويدوم المعلول ما دامت علته أو يقال العذاب وهو في الحقيقة البعد من الله لازم للكفر والملزوم لا ينفك من اللازم، وأيضاً الكفر مع ظهور البرهان في الأنفس والآفاق بمن لا تتناهى كبرياؤه ولا تنحصر عظمته أمر لا يحيط نطاق الفكر بقبحه وإن لم يتضرر به سبحانه لكن الغيرة الإلهية لا ترتضيه وإن أفاضته القدرة الأزلية حسب الاستعداد بمقتضى الحكمة، ومثل ذلك يطلب عذاباً أبدياً وعقاباً سرمدياً وشبيه الشيء منجذب إليه، ولا يقاس هذا بما ضربه من المثال إذ أين ذل التراب من عزة رب الأرباب، وليس مورد المسألتين منهلاً واحداً. وقولهم من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون الخ. ففيه أن من تاب من الكفر فقد أبدل القبيح بضده وأظهر سبحانه مقتضى ذاته وماهيته المعلومة له حسب علمه فهناك حينئذ كفر قبيح زائل وإيمان حسن ثابت، وقد انضم إلى هذا الإيمان ندم على ذلك الكفر في دار ينفع فيها تدارك ما فات والندم على الهفوات فيصير الكفر بهذا الإيمان كأن لم يكن شيئاً مذكوراً إذ يقابل القبيح بالحسن ويبقى الندم وهو ركن التوبة مكسباً على أن ظهور الإيمان بعد الكفر دليل على نجابة الذات في نفسها وطهارتها في معلوميتها والأعمال بالخواتيم فلا بدع في مغفرة الله تعالى له جوداً وكرماً ورحمة الله تعالى - وإن وسعت كل شيء ببعض اعتباراتها - إلا أنها خصت المتقين باعتبار آخر كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف: 156] فهي كمعيته سبحانه الغير المكيفة، ألا تسمع قوله تعالى مرة: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ }تفسير : [المجادلة: 7]، وتارة {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128] وكرة {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}تفسير : [التوبة: 40] وطوراً {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي}تفسير : [الشعراء: 62] ولا ينافي كون الرحمة أوسع دائرة من الغضب كما يرمز إليه {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] أن الكفار المعذبين أكثر من المؤمنين المنعمين كما يقتضيه قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الرعد: 1] وكذا حديث البعث لأن هذه الكثرة بالنسبة إلى الملائكة والحور والغلمان {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31] {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 8] فيكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب على أن أهل النار مرحومون في عذابهم وما عند الله تعالى من كل شيء لا يتناهى وبعض الشر أهون من بعض وهم متخلفون في العذاب، وبين عذاب كل طبقة وطبقة ما بين السماء والأرض وإن ظن كل من أهلها أنه أشد الناس عذاباً لكن الكلام في الواقع بل منهم من هو ملتذ بعذابه من بعض الجهات ومنهم غير ذلك، نعم فيهم من عذابه محض لا لذ لهم فيه ومع هذا يمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هي التي استعدت لذلك ففاض عليها ما فاض من جانب المبدأ الفياض كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ}تفسير : [غافر: 10] ومن غفل منهم عن ذلك نبهه إبليس عليه اللعنة كما حكى الله عنه بقوله: {أية : فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 22] ولا تنفعهم التوبة هناك كما تنفعهم هنا إذ قد اختلفت الداران وامتاز الفريقان وانتهى الأمد المضروب/ لها بمقتضى الحكمة الإلهية. وقد رأينا في الشاهد أن لنفع الدواء وقتاً مخصوصاً إذا تعداه ربما يؤثر ضرراً ومن الكفار من يعرف أنه قد مضى الوقت وانقضى ذلك الزمان وأن التوبة إنما كانت في الدار الدنيا ولهذا {أية : قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}تفسير : [المؤمنون: 99ـ100] ولما كان هذا الطلب عارف من وجه جاهل من وجه آخر قال الله تعالى في مقابلته: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا}تفسير : [المؤمنون: 100] ولم يغلظ عليه كما أغلظ على من قال: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}تفسير : [المؤمنون: 107] حيث صدر عن جهل محض فأجابهم بقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] فلما اختلف الطلب اختلف الجواب وليس كل دعاء يستجاب كما لا يخفى على أولي الألباب. وقولهم بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة العقلية المفيدة له فيقال فيه إن أرادوا أن هذه الأدلة العقلية مفيدة لليقين فقد علمت حالها وأنها كسراب بقيعة وليتها أفادت ظناً وإن أرادوا مطلق الأدلة العقلية فهذه ليست منها على أن كون الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين إنما هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، ومن صدق القائل يعلم عدم المعارض العقلي فإنه إذا تعين المعنى وكان مراداً له فلو كان هناك معارض عقلي لزم كذبه، نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأن كونها مفيدة لليقين مبني على أنه هل يحصل بمجردها والنظر فيها - وكون قائلها صادقاً - الجزم بعدم المعارض العقلي وأنه هل للقرينة التي تشاهد أو تنقل تواتراً مدخل في ذلك الجزم وحصول ذلك الجزم بمجردها ومدخلية القرينة فيه مما لا يمكنه الجزم بأحد طرفيه الإثبات والنفي فلا جرم كانت إفادتها اليقين في العقليات محل نظر وتأمل. فإن قلت: إذا كان صدق القائل مجزوماً به لزم منه الجزم بعدم المعارض في العقليات كما لزم منه في الشرعيات وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما فلا فرق بينهما. قلت: أجاب بعض المحققين بأن المراد بالشرعيات أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً وانتفاء ولا طريق إليها، وبالعقليات ما ليس كذلك وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم المعارض العقلي للدليل النقلي في العقليات وإن حصل الجزم به في الشرعيات وذلك بخلاف الأدلة العقلية في العقليات فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم المعارض لأنها مركبة من مقدمات علم بالبديهة صحتها أو علم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة، وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها لأن أحكام البديهة لا تتعارض بحسب نفس الأمر أصلاً. هذا وقال الفاضل الرومي هٰهنا بحث مشهور وهو أن المعنى بعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدق القائل وهو قائم في العقليات أيضاً وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتاً أو انتفاء لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الخافي من العقل فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم لئلا يلزم كذبه وإبطال قطع العقل بصدقه فالحق أن النقلي يفيد القطع في العقليات أيضاً ولا مخلص إلا بأن يقال المراد أن النظر في الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض لأجل إفادة الإرادة من القائل الصادق جزماً. وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر بناء على أن إفادته الإرادة محتملة انتهى. وقد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره إلى تقديم الدليل النقلي على العقلي فقال في الباب الثاني والسبعين والأربعمائة من «الفتوحات»:شعر : على السمع عولنا فكنا أولي النهى ولا علم فيما لا يكون عن السمع تفسير : وقال قدس سره في الباب الثامن والخمسين والثلثمائة:شعر : كيف للعقل دليل والذي قد بناه العقل بالكشف انهدم فنجاة النفس في الشرع فلا تك إنساناً رأى ثم حرم / واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عبيد قد عصم اهمل الفكر فلا تحفل به واتركنه مثل لحم في وضم إن للفكر مقاماً فاعتضد به فيه تك شخصاً قد رحم كل علم يشهد الشرع له هو علم فيه فلتعتصم وإذا خالفه العقل فقل طورك الزم ما لكم فيه قدم تفسير : ويؤيد هذا ما روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً ينتهي إليه، وقال الإمام الغزالي: ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل كما لا تستبعد أن يكون العقل طوراً وراء التمييز والإحساس ينكشف فيه عوالم وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز إلى آخر ما قال ففيما نحن فيه في القرآن والسنة المتواترة ما لا يحصى مما يدل على الخلود في النار، وفي العذاب دلالة واضحة لا خفاء فيها فتأويلها كلها بمجرد شبه أضعف من حبال القمر، والعدول عنها إلى القول بنفي العذاب أو الخلود فيه مما لا ينبغي لا سيما في مثل هذه الأوقات التي فيها الناس كما ترى، على أن هذه التأويلات في غاية السخافة إذ كيف يتصور حقيقة الدعاء من رب الأرض والسماء أم كيف يكون التعليق بعد النظر في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] أم كيف يقبل أن يكون الإخبار عن الاستحقاق دون الوقوع على ما فيه في مثل قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } تفسير : [الإسراء: 97] و {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56] سبحانك هذا بهتان عظيم. وأما ما ينقل عن بعض السلف الصالح ـ وكذا عن حضرة مولانا الشيخ الأكبر ومن حذا حذوه من السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم ـ من القول بعدم الخلود فذلك مبني على مشرب آخر وتجل لم ينكشف لنا، والكثير منهم قد بنى كلامه على اصطلاحات ورموز وإشارات قد حال بيننا وبين فهمها العوائق الدنيوية والعلائق النفسانية، ولعل قول من قال بعدم الخلود ممن لم يسلك مسلك أهل السلوك مبني على عدم خلود طائفة من أهل النار وهم العصاة مما دون الكفر وإن وقع إطلاق الكفر عليهم حمل على معنى آخر كما حمل على رأي في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ترك الصلاة فقد كفر»تفسير : ، على أن الشيخ قدس سره كم وكم صرح في كتبه بالخلود فقال في عقيدته الصغرى أول «الفتوحات»: والتأبيد لأهل النار في النار حق، وفي الباب الرابع والستين في بحث ذبح الموت ونداء المنادي يا أهل النار خلود ولا خروج ما نصه: ويغتم أهل النار أشد الغم لذلك ثم تغلق أبواب النار غلقاً لا فتح بعده وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضهم في بعض ليعظم انضغاطهم فيها ويرجع أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ويرى الناس والجن فيها مثل قطع اللحم في القدر التي تحتها النار العظيمة تغلي كغلي الحميم فتدور في الخلق علواً وسفلاً{أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا }تفسير : [الإسراء: 97]. وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه المسمى بـ «الإنسان الكبير»، وفي «شرح لباب الأسرار من الفتوحات»: أن مراد القوم بأن أهل النار يخرجون منها هم عصاة الموحدين لا الكفار، وقال: إياك أن تحمل كلام الشيح محيى الدين أو غيره من الصوفية في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة على الكفار فإن ذلك كذب وخطأ وإذا احتمل الكلام وجهاً صحيحاً وجب المصير إليه انتهى، نعم قال قدس سره في تفسير الفاتحة من «الفتوحات»: فإذا وقع الجدار وانهدم الصور وامتزجت الأنهار والتقى البحران وعدم البرزخ صار العذاب نعيماً وجهنم جنة ولا عذاب ولا عقاب إلا نعيم وأمان بمشاهدة العيان الخ، وهذا وأمثاله محمول على معنى/ صحيح يعرفه الذوق لا ينافي ما وردت به القواطع، وقصارى ما يخطر لأمثالنا فيه أنه محمول على مسكن عصاة هذه الأمة من النار، وفيه: يضع الجبار قدمه ويتجلى بصفة القهر على النار فتقول قط قط ولا تطيق تجليه فتخمد ولا بعد أن تلحق بعد بالجنة وإياك أن تقول بظاهره مع ما أنت عليه وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله تعالى فسلمه لهم بالمعنى الذي أرادوه مما لا تعلمه أنت ولا أنا لا بالمعنى الذي ينقدح في عقلك المشوب بالأوهام فالأمر والله وراء ذلك والأخذ بظواهر هذه العبارات النافية للخلود في العذاب وتأويل النصوص الدالة على الخلود في النار بأن يقال الخلود فيها لا يستلزم الخلود في العذاب لجواز التنعم فيها وانقلاب العذاب عذوبة مما يجر إلى نفي الأحكام الشرعية وتعطيل النبوات وفتح باب لا يسد. وإن سولت نفسك لك ذلك قلبنا البحث معك ولنأتينك بجنود من الأدلة لا قبل لها بها وما النصر إلا من عند الله {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47]، ولا يوقعنك في الوهم أن الخلود مستلزم لتناهي التجليات فالله تعالى هو الله و {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29] {أية : فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 144] ولا أظنك تجد هذا التحقيق من غيرنا والحمد لله رب العالمين.
ابن عاشور
تفسير : {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ}. هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى: {أية : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}تفسير : [البقرة: 6] وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم ختماً وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب، فالجملة استئناف بياني يفيد جواب سائل يسأل عن سبب كونهم لا يؤمنون، وموقع هذه الجملة في نظم الكلام مقابل موقع جملة {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] فلهذه الجملة مكانة بين ذم أصحابها بمقدار ما لتلك من المكانة في الثناء على أربابها. والختم حقيقته السد على الإناء والغلقُ على الكتاب بطين ونحوه مع وضع علامة مرسومة في خاتَم ليمنع ذلك من فتح المختوم، فإذا فُتح علم صاحبه أنه فتح لفسادٍ يظهر في أثر النقش وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً لذلك، وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر ليصلحها انحباس الهواء عنها وتسلم من الأقذار في مدة تعتيقها. وأما تسمية البلوغ لآخِر الشيء ختماً فلأن ذلك الموضع أو ذلك الوقت هو ظرف وَضع الختم فيسمى به مجازاً. والخاتَم بفتح التاء الطين الموضوع على المكان المختوم، وأطلق على القالَب المنقوش فيه علامة أو كتابة يطبع بها على الطين الذي يختم به. وكان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم "محمد رسول الله". وطينُ الختم طين خاص يشبه الجبس يبل بماء ونحوه ويشد على الموضع المختوم فإذا جف كان قوي الشد لا يُقلع بسهولة وهو يكون قِطَعاً صغيرة كل قطعة بمقدار مضغة وكانوا يجعلونه خواتيم في رقاب أهل الذمة قال بشار:شعر : ختم الحب لها في عُنقي موضعَ الخاتَم من أهل الذِّمَم تفسير : والغِشاوة فِعالة من غشاه وتغشاه إذا حجبه ومما يصاغ له وزن فِعالة بكسر الفاء معنى الاشتمال على شيء مثل العِمامة والعِلاوة واللِّفافة. وقد قيل إن صوغ هذه الزنة للصناعات كالخِياطة لما فيها من معنى الاشتمال المجازي ومعنى الغشاوة الغطاء. وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقة كما توهمه بعض المفسرين فيما نقله ابن عطية بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد إليها، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر، وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية، كأنها مختوم عليها ومغشًّى دونها إما على طريقة الاستعارة بتشبيه عدم حصُول النفع المقصود منها بالختم والغشاوة ثم إطلاق لفظ خَتَم على وجه التبعية ولفظ الغشاوة على وجه الأصلية وكلتاهما استعارة تحقيقية إلا أن المشبه محقق عقلاً لا حساً. ولك أن تجعل الختم والغشاوة تمثيلاً بتشبيه هيئة وهمية متخيلة في قلوبهم أي إدراكهم من التصميم على الكفر وإمساكهم عن التأمل في الأدلة - كما تقدم - بهيئة الختم، وتشبيه هيئة متخيلة في أبصارهم من عدم التأمل في الوحدانية وصدق الرسول بهيئة الغشاوة وكل ذينك من تشبيه المعقول بالمحسوس، ولك أن تجعل الختم والغشاوة مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم والمراد اتصافهم بلازم ذلك وهو أن لا تعقل ولا تحس، والختم في اصطلاح الشرع استمرار الضلالة في نفس الضال أو خلق الضلالة، ومثله الطبع، والأكنة. والظاهر أن قوله: {وعلى سمعهم} معطوف على قوله: {قلوبهم} فتكون الأسماع مختوماً عليها وليس هو خبراً مقدماً لقوله {غشاوة} فيكون: {وعلى أبصارهم} معطوفاً عليه لأن الغشاوة تناسب الأبصار لا الأسماع ولأن الختم يناسب الأسماع كما يناسب القلوب إذ كلاهما يشبه بالوعاء ويتخيل فيه معنى الغلق والسد، فإن العرب تقول: استكَّ سمعه ووقر سمعه وجعلوا أصابعهم في آذانهم. والمراد من القلوب هنا الألباب والعقول، والعرب تطلق القلب على اللحمة الصنوبرية، وتطلقه على الإدراك والعقل، ولا يكادون يطلقونه على غير ذلك بالنسبة للإنسان وذلك غالب كلامهم على الحيوان، وهو المراد هنا، ومقره الدماغ لا محالة ولكن القلب هو الذي يمده بالقوة التي بها عمل الإدراك. وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و(أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله: {أية : يجعلون أصابعهم في أذانهم}تفسير : [البقرة: 19] وقوله: {أية : وفي آذاننا وقر}تفسير : [فصلت: 5] فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم. وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعاً كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضاً متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت. وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعاً متساوياً وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعاً واحداً. وإطلاق أسماء الجوارح والأعضاء إذا أريد به المجاز عن أعمالها ومصادرها جاز في إجرائه على غير المفرد إفراده وجمعه وقد اجتمعا هنا فأما الإطلاق حقيقة فلم يصح، قال الجاحظ في «البيان»: "قال بعضهم لغلام له اشتر لي رأس كبشين فقيل له: ذلك لا يكون، فقال: إذاً فرأسي كبش فزاد كلامه إحالة» وفي «الكشاف» أنهم يقولون ذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر:شعر : كُلوا في بعضِ بطنكم تَعُّفوا فإنَّ زمانكم زَمَن خَمِيص تفسير : وهو نظير ما قاله سيبويه في باب ما لُفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع من نحو قوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4] ويقولون: ضع رحالهما وإنما هما اثنان وهو خلاف كلام الجاحظ وقد يكون ما عده الجاحظ على القائل خطأً لأن مثل ذلك القائل لا يقصد المعاني الثانية فحمل كلامه على الخطأ لجهله بالعربية ولم يحمل على قصد لطيفة بلاغية بخلاف ما في البيت فضلاً عن الآية كقول علي رضي الله عنه لمن سأله حين مرت جنازة: من المتوفي (بصيغة اسم الفاعل) فقال له علي: «الله» لأنه علم أنه أخطأ أراد أن يقول المتوفى وإلا فإنه يصح أن يقال توفى فلان بالبناء للفاعل فهو متوف أي استوفى أجله، وقد قرأ عليُّ نفسه قوله تعالى: {والذين يَتوفون منكم} بصيغة المبني للفاعل. وبعد كون الختم مجازاً في عدم نفوذ الحق لعقولهم وأسماعهم وكون ذلك مسبباً لا محالة عن إعراضهم ومكابرتهم أسند ذلك الوصف إلى الله تعالى لأنه المقدِّر له على طريقة إسناد نظائر مثل هذا الوصف في غير ما آية من القرآن نحو قوله: {أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم}تفسير : [النحل: 108] وقوله:{أية : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}تفسير : [الكهف: 28] ونظائر ذلك كثيرة في القرآن كثرة تنبو عن التأويل ومحملها عندنا على التحقيق أنها واردة على اعتبار أن كل واقع هو بقدر الله تعالى وأن الله هدى ووفق بعضاً، وأضل وخذل بعضاً في التقدير والتكوين، فلا ينافي ذلك ورود الآية ونظائرها في معنى النعي على الموصوفين بذلك والتشنيع بحالهم لأن ذلك باعتبار ما لهم من الميل والاكتساب، وبالتحقيق القدرة على الفعل والترك التي هي دون الخلق، فالله تعالى قدَّر الشرور وأوجد في الناس القدرة على فعلها ولكنه نهاهم عنها لأنه أوجد في الناس القدرة على تركها أيضاً، فلا تعارض بين القدَر والتكليف إذ كلٌّ راجع إلى جهة خلاف ما توهمته القدرية فنفوا القدَر وهو التقدير والعلم وخلاف ما توهمته المعتزلة من عدم تعلق قدرة الله تعالى بأفعال المكلفين ولا هي مخلوقة له وإنما المخلوق له ذواتهم وآلات أفعالهم، ليتوسلوا بذلك إلى إنكار صحة إسناد مثل هاته الأفعال إلى الله تعالى تنزيهاً له عن إيجاد الفساد، وتأويلِ ما ورد من ذلك: على أن ذلك لم يغن عنهم شيئاً لأنهم قائلون بعلمه تعالى بأنهم سيفعلون وهو قادر على سلب القُدَر منهم فبتركه إياهم على تلك القُدرة إمهال لهم على فعل القبيح وهو قبيح، فالتحقيق ما ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة أن الله هو مقدر أفعال العباد إلا أن فِعْلها هو من العبد لا من الله وهو الذي أفصح عنه إمام الحرمين وأضرابُه من المحققين. ولا يرد علينا أنه كيف أقدرهم على فعل المعاصي؟ لأنه يَرد على المعتزلة أيضاً أنه كيف عَلم بعد أن أقدرهم بأنهم شارعون في المعاصي ولم يسلب عنهم القدرة؟ فكان مذهب الأشاعرة أسعد بالتحقيق وأجرى على طريق الجمع بين ما طفح به الكتاب والسنة من الأدلة. ولنا فيه تحقيق أعلى من هذا بسطناه في «رسالة القدرة والتقدر» التي لما تظهر. وإسناد الختم المستعمل مجازاً إلى الله تعالى للدلالة على تمكن معنى الختم من قلوبهم وأن لا يرجى زواله كما يقال خِلقةٌ في فلان، والوصف الذي أودعه الله في فلان أوأعطاه فلاناً، وفرق بين هذا الإسناد وبين الإسناد في المجاز العقلي لأن هذا أريد منه لازم المعنى والمجازَ العقلي إنما أسند فيه فعل لغير فاعله لملابسة، والغالب صحة فرض الاعتبارين فيما صلح لأحدهما وإنما يرتكب ما يكون أصلح بالمقام. وجملة: {وعلى سمعهم} معطوفة على قوله: {وعلى قلوبهم} بإعادة الجار لزيادة التأكيد حتى يكون المعطوف مقصوداً لأن (على) مؤذنة بالمتعلق فكأنَّ {خَتَم} كُرر مرتين. وفيه ملاحظة كون الأسماع مقصودة بالختم إذ ليس العطف كالتصريح بالعامل. وليس قوله {وعلى سمعهم} خبراً مقدماً لغشاوة لأن الأسماع لا تناسبها الغشاوة وإنما يناسبها السد ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة}تفسير : [الجاثية: 23] ولأن تقديم قوله: {وعلى أبصارهم} دليل على أنه هو الخبر لأن التقديم لتصحيح الابتداء بالنكرة فلو كان قوله: {وعلى سمعهم} هو الخبر لاستغنى بتقديم أحدهما وأبقى الآخر على الأصل من التأخير فقيل وعَلى سمعهم غشاوة وعلى أبصارهم. وفي تقديم السمع على البصر في مواقعه من القرآن دليل على أنه أفضل فائدة لصاحبه من البصر فإن التقديم مؤذن بأهمية المقدم وذلك لأن السمع آلة لتلقي المعارف التي بها كمال العقل، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع، ولأن السمع ترد إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر فإنه يحتاج إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}. العذاب: الألم، وقد قيل إن أصله الإعذاب مصدر أعذب إذا أزال العذوبة لأن العذاب يزيل حلاوة العيش فصيغ منه اسم مصدر بحذف الهمزة، أو هو اسم موضع للألم بدون ملاحظة اشتقاق من العذوبة إذ ليس يلزم مصير الكلمة إلى نظيرتها في الحروف. ووصف العذاب بالعظيم دليل على أن تنكير عذاب للنوعية وذلك اهتمام بالتنصيص على عظمه لأن التنكير وإن كان صالحاً للدلالة على التعظيم إلا أنه ليس بنص فيه ولا يجوز أن يكون {عظيم} تأكيداً لما يفيده التنكير من التعظيم كما ظنه صاحب «المفتاح» لأن دلالة التنكير على التعظيم غير وضعية، والمدلولات غير الوضعية يستغني عنها إذا ورد ما يدل عليها وضعاً فلا يعد تأكيداً. والعذاب في الآية، إما عذاب النار في الآخرة، وإما عذاب القتل والمسغبة في الدنيا.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} الآية - لا يخفى أن الواو في قوله: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ} محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} معطوف على قوله: {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} وأن قوله: {وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ} استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو {غِشَاوَةٌ} وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله: شعر : ونحو عندي درهم ولي وطر ملتزم فيه تقدُّم الخبر تفسير : فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار، وذلك في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية: 23]. والختم: الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: شعر : هويتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها تفسير : وعلى قراءة من نصب "غشاوة" فهي منصوبة بفعل محذوف أي وجعل على أبصارهم غشاوة كما في سورة الجاثية، وهو كقوله: شعر : علفتها تبناً وماءاً بارداً حتى شتت همالة عيناها تفسير : وقول الآخر: شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : وقول الآخر: شعر : إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا تفسير : كما هو معروف في النحو. وأجاز بعضهم كونه معطوفاً على محل المجرور، فإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضاً، كما في قوله تعالى في سورة النحل: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} تفسير : [النحل: 108] الآية. فالجواب: أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل: هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٰ أَبْصَارِهِمْ} {غِشَاوَةٌ} (7) - وَهؤُلاءِ قَدْ تَمَكَّنَ الكُفْرُ مِنْهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا وَكَأَنَّ اللهَ، قّدْ وَضَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ خَتْماً فَأَصْبَحَتْ لاَ يَصِلُ إِلَيهَا شَيءٌ مِنَ الهِدَايَةِ، وَكَأَنَّ اللهَ وَضَعَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ خَتْماً فَأَصْبَحَتْ لاَ تَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، وَلاَ تَتَأَثَّرُ بِأَسْبَابِ الهِدَايَةِ، وَكَأَنَّ الله تَعَالَى أَلْقَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً فَأَفْقَدَهَا القُدْرَةَ عَلَى الرُّؤْيَةِ الوَاضِحَةِ الجَلِيَّةِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ سَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَسَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً لاستِحْقَاقِهِم العَذَابَ العَظِيمَ مِنْ رَبِّهِمْ. الخَتْمُ وَالطَّبْعُ والرَّينُ - بِمَعْنىً وَاحِدٍ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الشَّيءِ. الغِشَاوَةُ - الغِطَاءُ والسَّتْرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكما أعطانا الحق سبحانه وتعالى أوصاف المؤمنين يعطينا صفات الكافرين .. وقد يتساءل بعض الناس إذا كان هذا هو حكم الله على الكافرين؟ فلماذا يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان منهم وقد ختم الله على قلوبهم؟! ومعنى الختم على القلب هو حكم بألاّ يخرج من القلب ما فيه من الكفر .. ولا يدخل إليه الإيمان. نقول إن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين .. فإن استغنى بعض خلقه عن الإيمان واختاروا الكفر .. فإن الله يساعده على الاستغناء ولا يعينه على العودة إلى الإيمان .. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "حديث : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرَّب إليَّ ذراعا تقرَّبتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". تفسير : وقد وضَّحَ الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يعين المؤمنين على الإيمان، وأن الله جل جلاله كما يعين المؤمنين على الإيمان .. فإنه لا يهمه أن يأتي العبد إلى الإيمان أو لا يأتي .. ولذلك نجد القرآن دقيقاً ومحكماً بأن مَنْ كفروا قد اختاروا الكفر بإرادتهم. واختيارهم للكفر كان أولاً قبل أن يختم الله على قلوبهم .. والخالق جل جلاله أغنى الشركاء عن الشرك، ومَنْ أشرك به فإنه في غنى عنه. إن الذين كفروا .. أي ستروا الإيمان بالله ورسوله .. هؤلاء يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها .. القلب والسمع والبصر. والقلب أداة إدراك غير ظاهرة .. وقد قدم الله القلب على السمع والبصر في تلك الآية لأنه يريد أن يعلمنا منافذ الإدراك .. وفي القرآن الكريم يقول الحق تبارك وتعالى:{أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. وهكذا يعلمنا الله أن منافذ العلم في الإنسان هي: السمع والأبصار والأفئدة، ولكن في الآية الكريمة التي نحن بصددها قدم الله القلوب على السمع والأبصار. إن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر .. وكان هذا الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم .. والختم على القلوب .. معناه أنه لا يدخلها إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم .. ومهما رأت العين أو سمعت الأذن .. فلا فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه .. وفي ذلك يصفهم الحق جل جلاله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 18]. ولكن لماذا فقدوا كل أدوات الإدراك هذه؟ .. لأن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات الله .. والسمع غير قادر على التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بالله رغم رسالاته ورسله وقرآنه .. ماذا يفعل الله بهم؟ إنه يتخلى عنهم. ولأنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي مشوا فيه ويعينهم عليه .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف: 36]. ويقول جل جلاله: {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 221-222]. ومن عظمة علم الله تبارك وتعالى أنه يعلم المؤمن ويعلم الكافر .. دون أن يكون جل جلاله تدخُّل في اختيارهم .. فعندما بعث الله سبحانه وتعالى نوحاً عليه السلام .. ودعا نوح إلى منهج الله تسعمائة وخمسين عاماً. وقبل أن يأتي الطوفان علم الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن بنوح عليه السلام إلا مَنْ آمن فعلاً، فطلب الله تبارك وتعالى من نوح أن يبني السفينة لينجو المؤمنون من الطوفان .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} تفسير : [هود: 36-37]. وهكذا نرى أنه من عظمة علم الله سبحانه وتعالى .. أنه يعلم مَنْ سيصر على الكفر وأنه سيموت كافرا .. وإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلماذا يطلب الله تبارك وتعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم بالمنهج وبالقرآن؟ .. ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة، فلا يأتي هؤلاء الناس يوم المشهد العظيم ويجادلون بالباطل .. إنه لو بلغهم الهدى ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا .. ولكن لماذا يختم الله جل جلاله على قلوبهم؟ .. لأن القلب هو مكان العقائد .. ولذلك، فإن القضية تناقش في العقل، فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها الإنسان تماماً فإنها تستقر في القلب ولا تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيماناً .. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. وإذا عمى القلب عن قضية الإيمان .. فلا عين ترى آيات الإيمان .. ولا أذن تسمع كلام الله .. وهؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لهم في الآخرة عذاب عظيم .. ولقد وصف الله سبحانه وتعالى العذاب بأنه أليم، وبأنه مهين، وبأنه عظيم .. العذاب الأليم هو الذي يسبب ألماً شديداً، والعذاب المهين هو الذي يأتي لأولئك الذين رفعهم الله في الدنيا .. وأحيانا تكون الإهانة أشد إيلاماً للنفس من ألم العذاب نفسه .. أولئك الذين كانوا أئمة الكفر في الدنيا .. يأتي بهم الله تبارك وتعالى يوم القيامة أمام مَنْ اتبعوهم فيهينهم .. أما العذاب العظيم فإنه منسوب إلى قدرة الله سبحانه وتعالى .. لأنه بقدرات البشر تكون القوة محدودة .. أما بقدرات الله جل جلاله تكون القوة بلا حدود .. لأن كل فعل يتناسب مع فاعله .. وقدرة الله سبحانه وتعالى عظيمة في كل فعل .. وبما أن العذاب من الله جل جلاله فإنه يكون عذاباً عظيماً.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {عَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} أي غِطاءٌ وسِترٌ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 1: 110. قال سفين، نزلت أربع آيات من أول البقرة في نعت المؤمنين، وثلث آيات في نعت الكافرين، وثلث عشرة آية في نعت المنافقين. 2: 109. قال سفين، وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرءونها {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ (وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ) وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ}. [الآية 7].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):