٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل نحوية، ومسائل أصولية، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى، أما قوله: {إن } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن {إن } حرف والحرف لا أصل له في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة، وفيه مقدمات: المقدمة الأولى: في بيان المشابهة، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني، كما يدخل على الفعل نحو: أعطاني وأكرمني، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر، كما أنك إذا قلت: قام زيد، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية: أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناءً على الدوران المقدمة الثالثة: في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر؟ وتقريره أن يقال: إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً، أو تنصبهما معاً، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس، والأول باطل؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول {إن } عليهما مرفوعين، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة، ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل، والقسم الثاني: أيضاً باطل؛ لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل، لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه. والقسم الثالث: أيضاً باطل، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع. ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع: وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض. المسألة الثانية: قال البصريون: هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعاً به قبل ذلك. حجة البصريين: أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه، والفعل له تأثير في الرفع والنصب، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك. وحجة الكوفيين من وجهين: الأول: أن معنى الخبرية باقٍ في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف، فهذه مقدمات ثلاثة: إحداها: قولنا: الخبرية باقية، وذلك ظاهر، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسنداً إلى المبتدأ، وبعد دخول حرف «إن» عليه فذاك الإسناد باقٍ. وثانيها: قولنا: الخبرية ههنا مقتضية للرفع: وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول «إن» مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءاً من المقتضي. لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع، لأن المقتضي بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل. وثالثها: قولنا: الخبرية أولى بالاقتضاء، وبيانه من وجهين: الأول: أن كونه خبراً وصف حقيقي قائم بذاته، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما. الثاني: أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو كون كل واحد منهما مسنداً إلى الغير، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي، فإنه ليس فيه إسناد، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها: لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعاً، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلاً للحاصل، وهو محال. الوجه الثاني: أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة. والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم، فوجب أن لا يعملها في الخبر. المسألة الثالثة: روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال: إني أجد في كلام العرب حشوا، أجد العرب تقول: عبد الله قائم، ثم تقول إن عبد الله قائم، ثم تقول إن عبد الله لقائم، فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه، واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كان جواباً للقسم نحو والله إن زيداً منطلق ويدل عليه من التنزيل قوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [الكهف: 83] وقوله في أول السورة: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ } تفسير : [الكهف: 13] وقوله: {أية : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 216] وقوله: {أية : قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 56] وقوله: {أية : وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } تفسير : [الحجر: 89] وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه، وعليه قوله: {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 16] وقوله: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأعراف: 104] وفي قصة السحرة {أية : إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } تفسير : [الأعراف: 125] إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله: {أية : ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لكم } تفسير : [طه: 71 , الشعراء: 49] وقال عبد القاهر: والتحقيق أنها للتأكيد وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى «إن» وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف، ولذلك تراها تزداد حسناً إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس:شعر : عليك باليأس من الناس إن غنى نفسك في الياس تفسير : وإنماحسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس. وأما جعلها مع اللام جواباً للمنكر في قولك: «إن زيداً لقائم» فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضاً أن يكون من الحاضرين. واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك: إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي توهمت، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم {أية : قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تفسير : [آل عمران: 36] وكذلك قول نوح عليه السلام: {أية : قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } تفسير : [الشعراء: 117]. أما قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر، وتحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد. أما القسم الأول: وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن، ومن لم يصدقه في ذلك، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به، ومثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالماً قادراً مختاراً أو كونه واحداً أو كونه منزهاً عن النقائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله عليه وسلم كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافراً؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه. فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالماً بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني، بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال، فلا جرم لم يكن إنكاره، ولا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان فلا يكون موجباً للكفر، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباً للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل. وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه. فهذا قولنا في حقيقة الكفر. فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالضرورة مجيئه به، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفراً لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع، بل يجعل لها معرفات وعلامات ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مداراً للأحكام الشرعية، وليس الغيار وشد الزنار من هذا الباب، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها، لا أنها في أنفسها كفر، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي والأخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار، إذا عرفت هذا فنقول: احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماضٍ مثل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أو {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9]، {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1]، {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } تفسير : [نوح: 1] على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات أو كان شيئاً آخر. قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلا إذا كان مسبوقاً بالخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً فيجب أن يكون محدثاً، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين: الأول: أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى. الثاني: أن الله تعالى قال: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } تفسير : [الفتح: 27] فلما دخلوا المسجد لا بدّ وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا مثله؟ أجاب المستدل أولاً عن السؤال الأول فقال: عند أبي الحسين البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات، وكيف لا والعلم بأن العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلاً لا علماً، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة. وعن الثاني: أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة، فقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد، فنظيره في مسألتنا أن يقال إن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافاً بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلاً في الأزل وهذا هو المقصود، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلاً في الأزل أو ما كان، فإن لم يكن حاصلاً في الأزل كان ذلك تصريحاً بالجهل. وذلك كفر، وإن قلنا إنه كان حاصلاً فزواله يقتضي زوال القديم، وذلك سد باب إثبات حدوث العالم والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } صيغة للجمع مع لام التعريف وهي للاستغراق بظاهره ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر، لأن كثيراً من الكفار أسلموا فعلمنا أن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسن ذلك لعدم التلبيس وظهور المقصود، ومثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع مخصوص من الأعداء، فإذا قال «إن الناس يؤذونني» فهم كل أحد أن مراده من الناس ذلك الجمع على التعيين، وإما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص جائز وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا جرم حسن ذلك، وأقصى ما في الباب أن يقال: لو وجدت هذه القرينة لعرفناها وحيث لم نعرفها علمنا أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود من أضعف الإمارات المفيدة للظن فضلاً عن القطع، وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف والله أعلم ومن المعتزلة من احتال في دفع ذلك فقال إن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله: إن الذين كفروا يؤمنون، وقوله: إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم؛ لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان، فثبت أن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم والجواب: أن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } صيغة الجمع وقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ } أيضاً صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذٍ يعود الكلام المذكور. المسألة الرابعة: اختلف أهل التفسير في المراد ههنا بقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فقال قائلون: إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال آخرون: بل المراد قوم من المشركين، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وهم الذين جحدوا بعد البينة، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما قال الله تعالى: {أية : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 4، 5] وكان عليه السلام حريصاً على أن يؤمن قومه جميعاً حيث قال الله تعالى له: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } تفسير : [الكهف: 6] وقال: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [يونس: 99] ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك، فإن اليأس إحدى الراحتين. أما قوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب (الكشاف ) {سَوَآء } اسم بمنعى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 64] {أية : فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } تفسير : [فصلت: 10] بمعنى مستوية، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. المسألة الثانية: في ارتفاع سواء قولان: أحدهما: أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و {ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } في موضع الرفع به على الفاعلية، كأنه قيل، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه. الثاني: أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبره مقدماً بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن، واعلم أن الوجه الثاني أولى؛ لأن «سواء» اسم، وتنزيله بمنزلة الفعل يكون تركاً للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز، وإذا ثبت هذا فنقول: من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء، فوجب أن يكون سواء خبراً فيكون الخبر مقدماً. وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز، ونظيره قوله تعالى: {أية : سَوَاء مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } تفسير : [الجاثية: 21] وروى سيبويه قولهم: «تميمي أنا» / «ومشنوء من يشنؤك» أما الكوفيون فإنهم لا يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين: الأول: المبتدأ ذات، والخبر صفة، والذات قبل الصفة بالاستحقاق، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياساً على توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية. الثاني: أن الخبر لا بدّ وأن يتضمن الضمير، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر، وأنه غير جائز، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أم معلوم، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه، فكان الإضمر قبل الذكر محالاً، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى، لا أن يكون واجباً وعن الثاني: أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب، كقولهم: «في بيته يؤتى الحكم» قال تعالى: {أية : فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } تفسير : [طه: 67] وقال زهير:شعر : فمن يلق يوماً على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقا تفسير : والله أعلم. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه، لأن من قال: خرج ضرب لم يكن آتياً بكلام منتظم، ومنهم من قدح فيه بوجوه: أحدها: أن قوله: {ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } فعل وقد أخبر عنه بقوله: {سَوَاء عَلَيْهِمْ } ونظيره قوله: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ } تفسير : [يوسف: 35] فاعل «بدا» هو «ليسجننه» وثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لا بدّ وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل: المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا: المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل إسماً كان هذا الخبر كذباً، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً، لأن الاسم لا يكون فعلاً، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه وثالثها: أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه، وهذا خطأ وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه ثم قال هؤلاء: لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر. أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان التقدير: سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لا بدّ وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة ههنا؟ قلنا قوله: {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه. وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله، ولما قال: {ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم، وقد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك. المسألة الرابعة: قال صاحب (الكشاف): «الهمزة» و «أم» مجردتان لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً، قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء. المسألة الخامسة: في قوله: {ءأَنذَرْتَهُمْ } ست قراءات: إما بهمزتين محققتين بينهما ألف، أولا ألف بينهما، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية والثانية بين بين بينهما ألف، أولا ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرىء «قد أفلح» فإن قيل: فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟ قال صاحب (الكشاف): هو لاحن خارج عن كلام العرب. المسألة السادسة: الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى. أما قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب (الكشاف): هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبراً «لأن» والجملة قبلها اعتراض. المسألة الثانية: احتج أهل السنّة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } تفسير : [يۤس: 7] وقوله: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } تفسير : [المدثر: 11] إلى قوله: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } تفسير : [المدثر: 17] وقوله: {أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1] على تكليف ما لا يطاق، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر لله تعالى الصدق كذباً، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما محالان على الله، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا في صورة العلم، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً، وذلك محال ومستلزم المحال محال. فالأمر واقع بالمحال. ونذكر هذا على وجه ثالث: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً وهو محال، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك محال ونذكر هذا على وجه رابع: وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان ألبتة، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات، ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } تفسير : [الفتح: 15] فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى، وذلك منهي عنه. ثم ههنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضاً مخالفة لأمر الله تعالى، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع، وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال. ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة وهدم قواعدهم، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه فما أتوا بشيء مقنع، وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه: قالت المعتزلة: لنا في هذه الآية مقامان: المقام الأول: بيان أنه لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعاً من الإيمان، والمقام الثاني: بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل، أما المقام الأول فقالوا: الذي يدل عليه وجوه: أحدها: أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [الإسراء: 94] وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أن رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي كان ذلك منه مستقبحاً وكذا قوله: {أية : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ } تفسير : [الأعراف: 12] وقوله لإبليس: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } تفسير : [النساء: 39] وقول موسى لأخيه: {أية : مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } تفسير : [طه: 92] وقوله: {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الانشقاق: 20] {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } تفسير : [المدثر: 49] {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] {أية : لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } تفسير : [التحريم: 1] قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان وقد منعه عنه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول أنى تصرفون؟ ويخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون؟ وأنشأ فيهم الكفر ثم يقوم لم تكفرون؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول {أية : لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } تفسير : [آل عمران: 71] وصدهم عن السبيل ثم يقول: {أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ } وذهب بهم عن الرشد ثم قال: {أية : فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } تفسير : [التكوير: 26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }. تفسير : [المدثر: 49] وثانيها: أن الله تعالى قال: {أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [السناء: 165] وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ } تفسير : [طه: 134] فلما بين أنه ما أبقي لهم عذراً إلا وقد أزاله عنهم، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعاً لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مانع. وثالثها: أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة «حۤم السجدة» أنهم قالوا: قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذماً لهم في هذا القول، فلو كان العلم مانعاً لكانوا صادقين في ذلك فلم ذمهم عليه؟ ورابعها: أنه تعالى أنزل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إلى آخره ذماً لهم وزجراً عن الكفر وتقبيحاً لفعلهم، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذوراً في أن لا يمشي. وخامسها: القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى رسوله، فلو كان العلم والخبر مانعاً لكان لهم أن يقولوا: إذا علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالاً منا، فلم تطلب المحال منا ولم تأمرنا بالمحال؟ ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم والخبر يمنع وسادسها: قوله تعالى: {أية : نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } تفسير : [الأنفال: 40] ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى، بل كان بئس المولى ومعلوم أن ذلك كفر، قالوا: فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع البتة، فوجب القطع بأن علم الله تعالى بعدم الإيمان وخبره عن عدمه لا يكون مانعاً عن الإيمان. المقام الثاني: قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه: أحدها: أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء؛ لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، والذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع، والواجب لا قدرة له عليه؛ لأنه إذا كان واجب الوقوع، لا بالقدرة فسواء حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع، والذي يكون كذلك لم يكن للقدرة فيه أثر، وأما الممتنع فلا قدرة عليه، فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء أصلاً، وذلك كفر بالاتفاق فثبت أن العلم بعدم الشيء لا يمنع من إمكان وجوده. وثانيها: أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، فإن كان ممكناً علمه ممكناً وإن كان واجباً علمه واجباً، ولا شك أن الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم، وقد بينا أنه محال. وثالثها: لو كان الخبر والعلم مانعاً لما كان العبد قادراً على شيء أصلاً؛ لأن الذي علم الله تعالى وقوعه كان واجب الوقوع، والواجب لا قدرة عليه؛ والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدره عليه، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على شيء أصلاً، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات، والحركات الاضطرارية للحيوانات، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك، فإن رمى إنسان إنساناً بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي ولا نذم الآجرة، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار: ولذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ويقولون لم فعلت ولم تركت؟ فدل على أن العلم والخبر غير مانع من الفعل والترك. ورابعها: لو كان العلم بالعدم مانعاً للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه، وكما أنه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم، بأن يعدموا علمه؛ لأن إعدم ذات الله وصفاته غير معقول، والأمر به سفه وعبث، فدل على أن العلم بالعدم لا يكون مانعاً من الوجود. وخامسها: أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات الجائزات نظراً إلى ذاته وعينه، فوجب أن يعلمه الله تعالى من الممكنات الجائزات، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلاً، وهو محال، وإذا علمه الله تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها وعدمها البتة، فلو صار بسبب العلم واجباً لزم أن يجتمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات، وكونه ليس من الممكنات وذلك محال. وسادسها: أن الأمر بالمحال سفه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضاً بكل أنواع السفه، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين ولا إنزال الأكاذيب والأباطيل، وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء ولا بصحة القرآن، بل يجوز أن يكون كله كذباً وسفهًا، ولما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان والخبر عن عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان. وسابعها: أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف. والمزمن بالطيران في الهواء، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه وألقي من شاهق جبل: لم لا تطير إلى فوق؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز الأمر بالمحال، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود، وثامنها: لو جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات وإنزال الكتب عليها، وإنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالاً بعد حال، ومعلوم أن ذلك سخرية وتلاعب بالدين. وتاسعها: أن العلم بوجود الشيء لو اقتضى وجوبه لأغنى العلم عن القدرة والإرادة، فوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً مريداً مختاراً، وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب. وعاشرها: الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد، قال الله تعالى: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] وقال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] وقال: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلاْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الأعراف: 157] وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال المقام الثالث الجواب على سبيل التفصيل، للمعتزلة فيه طريقان: الأول: طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار، فإنا لما قلنا: لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه جهلاً قالوا خطأ: قول من يقول: إنه ينقلب علمه جهلاً، وخطأ أيضاً قول من يقول: إنه لا ينقلب، ولكن يجب الإمساك عن القولين: والثاني: طريقة الكعبي واختيار أبي الحسين البصري: أن العلم تبع المعلوم، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل لله تعالى هو العلم بالإيمان، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلاً عن الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان، فهذا فرض علم بدلاً عن علم أخر، لا أنه تغير العلم. فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة. واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة: فمنها أن منكري التكاليف والنبوات قالوا: قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قوياً قاطعاً، وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت العاقل إليهما، وسمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف ويقبح، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جداً فصار مجموع الكلامين كلاماً قوياً في نفي التكاليف، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات. ومنها أن الطاعنين في القرآن قالوا: الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة على أنه لا منع من الإيمان ومن الطاعة فقد صدقوا فيه، والذي قاله الجبرية: من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه، فدل على أن القرآن ورد على ضد العقل وعلى خلافه، وذلك من أعظم المطاعن وأقوى القوادح فيه، ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم توسل به إلى الطعن فيه، وقال قوم من الرافضة: إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غير وبدل. والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر. ومنها أن المقلدة الطاعنين في النظر والاستدلال احتجوا بهذه المناظرة وقالوا: لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف والنبوة بسبب هذه المناظرة، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات الجبر، وكلام أهل القدر في بيان أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في نهاية القوة، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح والتكليف والنبوة، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر والضلال، وعند هذا قيل من تعمق في الكلام تزندق. ومنها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وجوز البداء على الله تعالى وقال: إن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } إنما وقع على سبيل الاستدلال بالأمارة، ويجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره، وإنما قال بهذا المذهب فراراً من تلك الإشكالات المتقدمة. واعلم أن جملة الوجوه التي رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب. بل هي جارية مجرى التشنيعات. فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية الضعف. أما قول أبي علي وأبي هشام والقاضي: خطأ قول من يقول إنه يدل، وخطأ قول من يقول: إنه لا يدل: إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين كان ذلك حكماً بفساد النفي والإثبات وذلك لا يرتضيه العقل وإن كان معناه أن أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفى في دفعه تقرير وجه الاستدلال، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم، فلو حصل الوجود معه لكان قد اجتمع العدم والوجود معاً ولا يتمكن العقل من تقرير كلام أوضح من هذا وأقل مقدمات فيه. وأما قول الكعبي ففي نهاية الضعف، لأنا وإن كنا لا ندري أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بوجود الإيمان أو بعدمه لكنا نعلم أن العلم بأحد هذين الأمرين كان حاصلاً، وهو الآن أيضاً حاضر، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافاً بانقلاب العلم جهلاً، وهذا آخر الكلام في هذا البحث. واعلم أن الكلام المعنوي هو الذي تقدم، وبقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية ولا بدّ من ذكرها وهي خمسة: أحدها: روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال: كنت جالساً عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال: يا أبا عثمان سمعت والله اليوم بالكفر، فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشماً الأوقص يقول: إن {أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1] وقوله: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } تفسير : [المدثر: 11] إلى قوله: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 26] إن هذا ليس في أم الكتاب والله تعالى يقول: {أية : حـم وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } تفسير : (الزخرف 1، 2) إلى قوله: {أية : وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } تفسير : [الزخرف: 4] فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل عليّ فقال والله لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم، ولا على الوليد من لوم، فلما سمع الرجل ذلك قال أتقول يا أبا عثمان ذلك، هذا والله الذي قال معاذ فدخل بالإسلام وخرج بالكفر. وحكي أيضاً أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد وقرأ عنده: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 22] فقال له أخبرني عن {تبت } أكانت في اللوح المحفوظ؟ فقال عمرو: ليس هكذا كانت، بل كانت: تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل، هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة: فغضب عمرو وقال: إن علم الله ليس بشيطان، إن علم الله لا يضر ولا ينفع. وهذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة القرآن. وثانيها: روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر، أن رجلاً قام إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن إن أقواماً يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ويقولون كان ذلك في علم الله فلم نجد منه بداً، فغضب ثم قال سبحان الله العظيم، قد كان في علمه أنهم يفعلونها فلم يحملهم على الله على فعلها. حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، والأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله تعالى، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم الله تعالى عليها. تفسير : واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة، والغرض من رواية هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك، وذلك لأنه متناقض وفاسد، أما المتناقض فلأن قوله: «وكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله» صريح في الجبر وما قبله صريح في القدر فهو متناقض، وأما أنه فاسد، فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات، أما السماء والأرض فإنهما لا ينافيان شيئاً من الأعمال، فظهر أن تشبيه إحدى الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل، وجل منصب الرسالة عنه. وثالثها: الحديثان المشهوران في هذا الباب: أما الحديث الأول: فهو ما روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه ملكاً فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» تفسير : وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد أنه قال: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله عزّ وجلّ يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقنا. وأما الحديث الثاني: فهو مناظرة آدم وموسى عليهما السلام، فإن موسى قال لآدم: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله لرسالاته ولكلامه وأنزل عليك التوراة فهل تجد الله قدره علي؟ قال نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى، والمعتزلة طعنوا فيه من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آدم على الصغيرة وذلك يقتضي الجهل في حق موسى عليه السلام، وأنه غير جائز. وثانيها: أن الولد كيف يشافه والده بالقول الغليظ. وثالثها: أنه قال: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، وقد علم موسى أن شقاء الخلق وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم، بل الله أخرجه منها، ورابعها: أن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة إذ لو كان حجة لكان لفرعون وهامان وسائر الكفار أن يحتجوا بها، ولما بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجة. وخامسها: أن الرسول عليه السلام صوب آدم في ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب. إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه. أحدها: أنه عليه السلام حكى ذلك عن اليهود لا أنه حكاه عن الله تعالى أو عن نفسه، والرسول عليه السلام كان قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام، فظن أنه عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود. وثانيها: أنه قال: فحج آدم منصوباً أي أن موسى عليه السلام غلبه وجعله محجوباً وأن الذي أتى به آدم ليس بحجة ولا بعذر. وثالثها: وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية، ولا الاعتذار منه بعلم الله بل موسى عليه السلام سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة، فقال آدم: إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب عليّ أن أخرج من الجنة إلى الأرض وأكون خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوباً في التوراة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية وصار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب واعلم أن الكلام في هذه المسألة طويل جداً والقرآن مملوء منه وسنستقصي القول فيها في هذا التفسير إن قدر الله تعالى ذلك؛ وفيما ذكرنا ههنا كفاية.
القرطبي
تفسير : لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم. والكفر ضدّ الإيمان وهو المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان؛ ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف:«حديث : ورأيت النار فلم أر منظراً كاليوم قطّ أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء» قيل: بِمَ يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن»؛ قيل أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العَشِير ويكفرن الإحسان لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهرَ كلّه ثم رأتْ منك شيئاً قالت ما رأيت منك خيراً قط»تفسير : أخرجه البخاري وغيره. وأصل الكَفْر في كلام العرب: الستر والتغطية؛ ومنه قول الشاعر:شعر : في ليلة كَفَر النُّجُومَ غَمَامُها تفسير : أي سترها. ومنه سُميَ الليل كافراً؛ لأنه يغطي كل شيء بسواده؛ قال الشاعر:شعر : فَتَذَكَّرَا ثَقَلاً رَثيداً بَعْدَمَا ألقَتْ ذُكاءُ يَمينَها في كافر تفسير : ذكاء (بضم الذال والمدّ): اسم للشمس؛ ومنه قول الآخر: شعر : فوردَتْ قبل ٱنبلاج الفجرِ وٱبنُ ذُكاءٍ كَامِنٌ في كَفْر تفسير : أي في ليل. والكافر أيضاً: البحر والنهر العظيم. والكافر: الزارع، والجمع كُفّار، قال الله تعالى: {أية : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ}تفسير : [الحديد:20] يعني الزُّراع لأنهم يغطون الحب. ورماد مكفور: سفت الريح عليه التراب. والكافر من الأرض: ما بَعُد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمرّ به أحد؛ ومَن حلّ بتلك المواضع فهم أهل الكفور. ويقال الكفور: القُرَى. قوله تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه؛ أي سواء عليهم هذا. وجيء بالاستفهام من أجل التسوية؛ ومثله قوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ}تفسير : [الشعراء:136]. وقال الشاعر:شعر : وليلٍ يقول الناسُ من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها تفسير : قوله تعالى: {أَأَنذَرْتَهُمْ} الإنذار الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتّسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعاراً ولم يكن إنذاراً؛ قال الشاعر:شعر : أنذرتَ عَمراً وهو في مَهَلٍ قبلَ الصباح فقد عصى عَمْرُو تفسير : وتَناذَر بنو فلان هذا الأمر إذا خَوَّفه بعضُهم بعضاً. وٱختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقّت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعيّن أحداً. وقال ٱبن عباس والكلبي: نزلت في رؤساء اليهود، منهم حُيَيُّ بن أَخْطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما. وقال الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب؛ والأوّل أصح، فإن من عيّن أحداً فإنما مثّل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر، وذلك داخل في ضمن الآية. قوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ} موضعه رفعٌ خبر «إنّ» أي إن الذين كفروا لا يؤمنون. وقيل: خبر «إنّ» «سواء» وما بعده يقوم مقام الصلة؛ قاله ٱبن كَيسان. وقال محمد بن يزيد: «سواء» رفع بالابتداء، {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} الخبر، والجملة خبر «إنَّ». قال النحاس: أي إنهم تَبالَهُوا فلم تغن فيهم النذارة شيئاً. وٱختلف القراء في قراءة {أَأَنذَرْتَهُمْ} فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد اللَّه بن أبي إسحٰق: {آنذرتهم} بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وٱختارها الخليل وسيبويه، وهي لغة قريش وسعد بن بكر، وعليها قول الشاعر:شعر : أيَا ظَبْية الوَعْساءِ بين جُلاَجِلٍ وبَيْن النَّقا ٱنْت أمْ أمُّ سالِم تفسير : هجاء «آنت» ألفٌ واحدة. وقال آخر:شعر : تطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُه فعرفتُه فقلت له آنتَ زَيْدُ الأرانِبِ تفسير : وروي عن ٱبن مُحَيْصِن أنه قرأ: {أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} بهمزة لا ألف بعدها، فحذف لالتقاء الهمزتين، أو لأن أم تدل على الاستفهام؛ كما قال الشاعر:شعر : تَرُوح مِن الْحَيّ أم تَبْتَكِرْ وماذا يَضيرُك لو تَنْتَظِر تفسير : أراد: أتروح؛ فاكتفى بأمْ من الألف. وروي عن ٱبن أبي إسحٰق أنه قرأ "أاأنذرتهم" فحقّق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو حاتم: ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخَفّفَ الثانية؛ وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيراً. وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين: "ءأنذرتهم" وهو ٱختيار أبي عبيد؛ وذلك بعيد عند الخليل. وقال سيبويه: يشبه في الثقل ضَنِنُوا. قال الأخفش: ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك رديء؛ لأنهم إنما يخفِّفون بعد الاستثقال، وبعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم: ويجوز تخفيف الهمزتين جميعاً. فهذه سبعة أوجه من القراءات، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن؛ لأنه مخالف للسّواد. قال الأخفش سعيد: تبدل من الهمزة هاء تقول: هأنذرتهم؛ كما يقال هيّاك وإياك؛ وقال الأخفش في قوله تعالى: «أية : هَا أَنْتُمْ»تفسير : [آل عمران:66] إنما هو أاأنتم.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لما ذكر خاصة عباده، وخلاصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم للهدى والفلاح، عقبهم بأضدادهم العتاة المردة، الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا تغني عنهم الآيات والنذر، ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين كما عطف في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلاْبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ }تفسير : [الإنفطار: 13-14] لتباينهما في الغرض، فإن الأولى سيقت لذكر الكتاب وبيان شأنه والأخرى مسوقة لشرح تمردهم، وانهماكهم في الضلال، و (إن) من الحروف التي تشابه الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ولزوم الأسماء وإعطاء معانيه، والمتعدي خاصة في دخولها على اسمين. ولذلك أعملت عمله الفرعي وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني إيذاناً بأنه فرع في العمل دخيل فيه. وقال الكوفيون: الخبر قبل دخولها كان مرفوعاً بالخبرية، وهي بعد باقية مقتضية للرفع قضية للاستصحاب فلا يرفعه الحرف. وأجيب بأن اقتضاء الخبرية الرفع مشروط بالتجرد لتخلفه عنها في خبر كان، وقد زال بدخولها فتعين إعمال الحرف. وفائدتها تأكيد النسبة وتحقيقها، ولذلك يُتَلَقَّى بها القَسَم ويصدر بها الأجوبة، وتذكر في معرض الشك مثل قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الكهف: 83-84]، {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنَ إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأعراف: 104] قال المبرد: "قولك: عبد الله قائم، إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم، جواب سائل عن قيامه، وإن عبد الله لقائم، جواب منكر لقيامه". وتعريف الموصول: إما للعهد، والمراد به ناس بأعيانهم كأبي لهب، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأحبار اليهود. أو للجنس، متناولاً من صمم على الكفر، وغيرهم. فخص منهم غير المصرين بما أسند إليه. والكفر لغة: ستر النعمة، وأصله الكَفْر بالفتح وهو الستر، ومنه قيل للزارع ولليل كافر، ولكمام الثمرة كافور. وفي الشرع: إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم به، وإنما عُدَّ لبس الغيار وشد الزنار ونحوهما كفراً لأنها تدل على التكذيب، فإن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجترىء عليها ظاهراً لا أنها كفر في أنفسها. واحتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي على حدوثه لاستدعائه سابقة المخبر عنه، وأجيب بأنه مقتضى التعلق وحدوثه لا يستلزم حدوث الكلام كما في العلم. {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } خبر إن وسواء اسم بمعنى الاستواء، نعت به كما نعت بالمصادر قال الله تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }تفسير : [آل عمرآن: 64] رفع بأنه خبر إن وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، أو بأنه خبر لما بعده بمعنى: إنذارك وعدمه سيان عليهم، والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له، أما لو أطلق وأريد به اللفظ، أو مطلق الحدث المدلول عليه ضمناً على الاتساع فهو كالاسم في الإضافة، والإسناد إليه كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ }تفسير : [البقرة: 13] وقوله: {أية : يَوْمَ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ }تفسير : [المائدة: 119] وقولهم: تَسْمَعُ بِالْمِعيديِّ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَراَه. وإنما عدل ههنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد وحسن دخول الهمزة، وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده، فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء، كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. والإنذار: التخويف أريد به التخويف من عذاب الله، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيراً في النفس، من حيث إن دفع الضر أهم من جلب النفع، فإذا لم ينفع فيهم كانت البشارة بعدم النفع أولى، وقرىء {ءَأَنذَرْتَهُمْ } بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية بين بين، وقلبها ألفاً وهو لحن لأن المتحركة لا تقلب، ولأنه يؤدي إلى جمع الساكنين على غير حده، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين وبحذف الاستفهامية، وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. {لاَ يُؤْمِنُونَ} جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء فلا محل لها أو حال مؤكدة. أو بدل عنه. أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض بما هو علة الحكم. والآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق، فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان، فلو آمنوا انقلب خبره كذباً. وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون فيجتمع الضدان، والحق أن التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلاً من حيث إن الأحكام لا تستدعي غرضاً سيما الامتثال، لكنه غير واقع للاستقراء، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره، وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجح إلزام الحجة، وحيازة الرسول فضل الإبلاغ، ولذلك قال {سَوَاء عَلَيْهِمْ } ولم يقل سواء عليك. كما قال لعبدة الأصنام {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ }. وفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: غطوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه؛ فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاَْلِيمَ}تفسير : [يونس: 96 ـ 97] وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: {أية : وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ}تفسير : [البقرة: 145] الآية، أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة، فلا مسعد له، ومن أضله، فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم، ولا يهمنك ذلك {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ}تفسير : [هود: 12] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد ابن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذاراً وتحذيراً، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟ قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} تفسير : [إبراهيم: 28 ـ 29] والمعنى الذي ذكرناه أولاً، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة، أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها، والله أعلم. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً فقال: حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا ابن لهيعة حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم عن عبد الله بن عمرو قال: قيل: يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن، فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: «حديث : ألا أخبركم»تفسير : ثم قال: «{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}» «حديث : هؤلاء أهل النار»تفسير : قالوا: لسنا منهم يا رسول الله قال: «حديث : أجل»تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ} محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} أي؛ هم كفار في كلا الحالين، فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ} ويحتمل أن يكون لا يؤمنون خبراً؛ لأن تقديره: إن الذين كفروا لا يؤمنون. ويكون قوله تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} جملة معترضة، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهَّلة والأخرى وتركه {أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لعلم الله منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم والإنذار إعلام مع تخويف.
الشوكاني
تفسير : ذكر سبحانه فريق الشرّ بعد الفراغ من ذكر فريق الخير، قاطعاً لهذا الكلام عن الكلام الأوّل، معنوناً له بما يفيد أن شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم، وأنه لا يترتب عليهم ما هو المطلوب منهم من الإيمان، وأن وجود ذلك كعدمه. و{سواء} اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر، "والهمزة وأم" مجرّدتان لمعنى الاستواء غير مراد بهما ما هو أصلهما من الاستفهام، وصحّ الابتداء بالفعل والإخبار عنه بقوله: سواء، هجراً لجانب اللفظ إلى جانب المعنى، كأنه قال: الإنذار وعدمه سواء، كقولهم: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه: أي سماعك. وأصل الكفر في اللغة: الستر والتغطية، قال الشاعر:شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : أي: سترها، ومنه سمي الكافر كافراً؛ لأنه يغطي بكفره ما يجب أن يكون عليه من الإيمان. والإنذار: الإبلاغ والإعلام. قال القرطبي: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله تعالى أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحداً. وقال ابن عباس والكلبي: نزلت في رؤساء اليهود حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظرائهما. وقال الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، والأول أصح، فإن من عين أحداً فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر انتهى. وقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} خبر مبتدأ محذوف: أي: هم لا يؤمنون، وهي جملة مستأنفة لأنها جواب سؤال مقدر كأنه قيل: هؤلاء الذين استوى حالهم مع الإنذار وعدمه ماذا يكون منهم؟ فقيل: لا يؤمنون: أي: هم لا يؤمنون. وقال في الكشاف: إنها جملة مؤكدة للجملة الأولى، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض. انتهى. والأولى ما ذكرناه، لأن المقصود الإخبار عن عدم الاعتداد بإنذارهم، وأنه لا يجدي شيئاً بل بمنزلة العدم، فهذه الجملة هي التي وقعت خبراً لأن، وما بعدها من عدم الإيمان متسبب عنها لا أنه المقصود. وقد قال بمثل قول الزمخشري القرطبي. وقال ابن كيسان: إن خبر إن {سواء}، وما بعده يقوم مقام الصلة. وقال محمد بن يزيد المبرّد: {سواء} رفع بالابتداء، وخبره {أأنذرتهم أم لم تنذرهم}، والجملة خبر "إن". والختم: مصدر ختمت الشيء، ومعناه: التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه ختم الكتاب، والباب، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غيره. والغشاوة: الغطاء، ومنه غاشية السرج، والمراد بالختم والغشاوة هنا: هما المعنويان لا الحسيان، أي: لما كانت قلوبهم غير واعية لما وصل إليها، والأسماع غير مؤدية لما يطرقها من الآيات البينات إلى العقل على وجه مفهوم، والأبصار غير مهدية للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته جعلت بمنزلة الأشياء المختوم عليها ختماً حسياً، والمستوثق منها استيثاقاً حقيقياً، والمغطاة بغطاء مدرك، استعارة أو تمثيلاً، وإسناد الختم إلى الله قد احتجّ به أهل السنة على المعتزلة، وحاولوا دفع هذه الحجة بمثل ما ذكره صاحب الكشاف، والكلام على مثل هذا متقرّر في مواطنه. وقد اختلف في قوله تعالى {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } هل هو داخل في حكم الختم، فيكون معطوفاً على القلوب؟ أو في حكم التغشية، فقيل: إن الوقف على قوله {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } تامّ، وما بعده كلام مستقلّ، فيكون الطبع على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار كما قاله جماعة، وقد قرىء "غِشَـٰوَةً" بالنصب. قال ابن جرير: يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محلّ {وعلى سمعهم}، كقوله تعالى {أية : وَحُورٌ عِينٌ } تفسير : [الواقعة: 22] وقول الشاعر:شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : وإنما وحد السمع مع جمع القلوب والأبصار؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير والعذاب: هو ما يؤلم، وهو مأخوذ من الحبس والمنع، يقال في اللغة: أعذبه عن كذا: حبسه ومنعه، ومنه عذوبة الماء؛ لأنها حبست في الإناء حتى صفت. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضلّ إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أيضاً في تفسير الآية: أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فكيف يسمعون منك إنذاراً وتحذيراً، وقد كفروا بما عندهم من علمك {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية:{أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا }تفسير : [إبراهيم: 28] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل القادة في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان والحكم بن العاص. وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: {ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } قال: أوعظتهم أم لم تعظهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في هذه الآية قال: أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: الختم على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فلا يعقلون ولا يسمعون، وجعل على أبصارهم: يعني أعينهم غشاوة فهم لا يبصرون. وروى ذلك السدي عن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ }تفسير : [الشورى: 24] وقال: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً }تفسير : [الجاثية: 23]. قال ابن جرير في معنى الختم: والحق عندي في ذلك ما صحّ نظيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر إسناداً متصلاً بأبي هريرة، قال: قال رسول الله: «حديث : إنّ المؤمن إذا أذنب ذنباً كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه»تفسير : فذلك الران الذي قال الله: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [المطففين: 14]. وقد رواه من هذا الوجه الترمذي وصححه، والنسائي. ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله سبحانه والطبع، فلا يكون إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو: الختم الذي ذكره الله في قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } نظير الطبع، والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفضّ ذلك عنها ثم حلها، فلذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فضّ خاتمه، وحلّ رباطه عنها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَروا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} وأصل الكفر عند العرب التغطية، ومنه قوله تعالى: {أَعْجَبَ الكُفَّار نَبَاتُهُ} يعني الزُّرَّاع لتغطيتهم البذر في الأرض، قال لبيد: شعر : في لَيْلَةٍ كَفَّرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا .............................. تفسير : أي غطَّاها، فسمي به الكافر بالله تعالى لتغطيته نعم الله بجحوده. وأما الشرك فهو في حكم الكفر، وأصله في الإشراك في العبادة. واختلف فِيمَنْ أُرِيدَ بذلك، على ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم اليهود الذين حول المدينة، وبه قال ابن عباس، وكان يسميهم بأعيانهم. والثاني: أنهم مشركو أهل الكتاب كلهم، وهو اختيار الطبري. والثالث: أنها نزلت في قادة الأحزاب، وبه قال الربيع بن أنس.
ابن عطية
تفسير : معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة: [الكامل] شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : أي سترها ومنه سمي الليل كافراً لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر: [ثعلبة بن صغيرة]: [الكامل]. شعر : فتذكر ثقلاً رثيداً بعدما ألقت ذكاءَ يمينها في كافر تفسير : ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، فــ"كفر" في الدين معناه غطى قلبه بالرِّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله. واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها. فقال قوم: "هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس في هذه حاله دون أن يعين أحد". وقال ابن عباس: "نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ونظارائهم" وقال الربيع بن أنس: "نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحداً فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية. وقوله: {سواء عليهم} معناه معتدل عندهم، ومنه قول الشاعر: [أعشى قيس]: [الطويل]. شعر : وليل يقول الناس من ظلماتِهِ سواء صحيحاتُ العيونِ وعورُها تفسير : قال أبو علي: في اللفظة أربع لغات: سوى بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك. ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا: "قي، وقواء"، و {سواء} رفع على خبر {إن}، أو رفع على الابتداء وخبره فيما بعده، والجملة خبر {إن}، ويصح أن يكون خبر {إن} {لا يؤمنون}. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع: "آنذرتهم" بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خففت، غير أن مد أبي عمرو أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفاً، وابن كثير لا يفعل ذلك. وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية. وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر: فبالهمزتين "أأنذرتهم"، وما كان مثله في كل القرآن. وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما. وقرأ الزهري وابن محيصن "أنذرتهم" بحذف الهمزة الأولى، وتدل {أم} على الألف المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين. قال الله عز وجل: {أية : فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} تفسير : [فصلت: 13] وقال: {أية : إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} تفسير : [النساء: 40] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه. وقوله تعالى: {آنذرتهم أم لم تنذرهم} لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبراً سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهماً أخرج زيد أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى عل هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهاماً. وقوله تعالى: {ختم الله} مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعاً إصبعاً. وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختماً. وقال آخرون ممن حمله على المجاز: "الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلاناً وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه". وقرأ الجمهور: {وعلى سمعهم}. وقرأ ابن أبي عبلة: "وعلى أسماعهم"، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضاً فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه. والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة: [البسيط] شعر : هلا سألت بني ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشى الأشمط البرما تفسير : وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي]: [الطويل] شعر : تبعتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلتْ قطعت نفسي ألومها تفسير : ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره. وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه "غشاوة" بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقف على قوله {وعلى سمعهم}. وقرأ الباقون "غشاوةٌ" بالرفع. قال أبو علي: "وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به" وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه {ختم} تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب: "متقلداً سيفاً ورمحاً" وقول الآخر: [الرجز]: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة". قال: "ولم أسمع من الغشاوة فعلاً مصرفاً بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة". وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله {على قوبهم}. وقال آخرون: "الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم". قال القاضي أبو محمد: وقد ذكرنا اعتراض أبي عليّ هذا القول. وقرأ أبو حيوة "غَشوة"، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش. وقال الثوري: "كان أصحاب عبد الله يقرؤونها "غَشيةٌ" بفتح الغين والياء والرفع". وقرأ الحسن: "غُشاوة" بضم الغين، وقرئت "غَشاوة" بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة الأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنابة والعصابة والربابة وغير ذلك. قوله تعالى: {ولهم عذاب عظيم} معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، و {عظيم} معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ كَفَرُواْ}: نزلت في قادة الأحزاب، أو في مشركي أهل الكتاب، أو في معينين من اليهود حول المدينة أو مشركو العرب، والكفر: التغطية. شعر : ......................... في ليلة كفرَ النجومَ غمامُها تفسير : والزارع، كافر، لتغطيته البذر في الأرض، فالكافر مغطي نعم الله تعالى بجحوده.
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الكفر ستر الحق بالجحود، والتركيب دال على الستر ولذا سمي الزراع كافراً وكذا الليل. ولم يأت بالعاطف هنا كما في قوله: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ }تفسير : [الأنفطار: 13، 14] لأن الجملة الأولى هنا مسوقة بياناً لذكر الكتاب لا خبراً عن المؤمنين وسيقت الثانية للإخبار عن الكفار بكذا، فبين الجملتين تفاوت في المراد وهما على حد لا مجال للعطف فيه، ولئن كان مبتدأ على تقرير فهو كالجاري عليه، والمراد بالذين كفروا أناس بأعيانهم علم الله أنهم لا يؤمنون كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما. {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } بهمزتين كوفي، وسواء بمعنى الاستواء، وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى: {أية : إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء }تفسير : [آل عمران: 64]، أي مستوية، وارتفاعه على أنه خبر لإن و«أأنذرتهم أم لم تنذرهم» مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه. أو يكون «سواء» خبراً مقدماً و«أأنذرتهم أم لم تنذرهم» في موضع الابتداء أي سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لـ «إن» وإنما جاز الإخبار عن الفعل مع أنه خبر أبداً لأنه من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى. والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً. قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك «اللهم اغفر لنا أيتها العصابة» يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام كما جرى ذلك على صورة النداء ولا نداء. والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر على المعاصي {لاَ يُؤْمِنُونَ } جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبر لـ «إن»، والجملة قبلها اعتراض أو خبر بعد خبر. والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة وليكون الإرسال عاماً وليثاب الرسول صلى الله عليه وسلم. {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } قال الزجاج: الختم التغطية لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه. وقال ابن عباس: طبع الله على قلوبهم فلا يعقلون الخير. يعني أن الله طبع عليها فجـعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان. وحاصل الختم والطبع خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. وعند المعتزلة أعلام محض على القلوب بما يظهر للملائكة أنهم كفار فيلعنونهم ولا يدعون لهم بخير. وقال بعضهم: إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجـاز والخاتم في الحقيقة الكافر، إلا أنه تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب فيقال: بنى الأمير المدينة، لأن للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له، فإسناده إلى الفاعل حقيقة. وقد يسند إلى هذه الأشياء مجازاً لمضاهاتها الفاعل في ملابسة الفعل كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته فيستعار له إسمه وهذا فرع مسألة خلق الأفعال {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } وحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا من بعض بطنكم تعفوا لأمن اللبس ولأن السمع مصدر في أصله يقال: سمعت الشيء سمعاً وسماعاً، والمصدر لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى التثنية والجمع فلمح الأصل. وقيل: المضاف محذوف أي وعلى مواضع سمعهم وقرىء «وعلى أسماعهم». {وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ } بالرفع خبر ومبتدأ، والبصر: نور العين وهو ما يبصر به الرائي، كما أن البصيرة نور القلب وهي ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار. والغشاوة: الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة والقلادة. والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التغشية لقوله: {أية : وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً }تفسير : [الجاثية: 23]، ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. ونصب المفضل وحده غشاوة بإضمار «جعل» وتكرير الجار في قوله «وعلى سمعهم» دليل على شدة الختم في الموضعين. قال الشيخ الإمام أبو منصور بن علي رحمه الله: الكافر لما لم يسمع قول الحق ولم ينظر في نفسه وفي غيره من المخلوقات ليرى آثار الحدوث فيعلم أن لا بد من صانع، جعل كأن على بصره وسمعه غشاوة، وإن لم يكن ذلك حقيقة وهذا دليل على أن الأسماع عنده داخلة في حكم التغشية. والآية حجة لنا على المعتزلة في الأصلح فإنه أخبر أنه ختم على قلوبهم ولا شك أن ترك الختم أصلح لهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } العذاب مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول نكل عنه، والفرق بين العظيم والكبير أن العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثة والأحداث جميعاً تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره. ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من التغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم كنهه إلا الله. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين قلوباً وألسنة، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعاً ولذا نزل فيهم {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء: 145] وقال مجاهد: أربع آيات من أول السورة في نعت المؤمنين، وآيتان في ذكر الكافرين، وثلاث عشرة آية في المنافقين، نعى عليهم فيها نكرهم وخبثهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة. وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً وحذفها كاللازم مع لام التعريف لا يكاد يقال الأناس ويشهد لأصله إنسان وأناسي وإنس، وسموا به لظهروهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم. ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول فإنك تقول وزن قه افعل وليس معك إلا العين، وهو من أسماء الجمع ولام التعريف فيه للجنس ومن موصوفة ويقول صفة لها كأنه قيل ومن الناس ناس يقولون كذا. وإنما خصوا الإيمان بالله وباليوم الآخر وهو الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، وإنما سمي بالآخر لتأخره عن الأوقات المنقضية أو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنهم أوهموا في هذا المقال أنهم أحاطوا بجانبي الإيمان أوله وآخره، وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه، ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة. وفي تكرير الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. وإنما طابق قوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } وهو في ذكر شأن الفاعل لا الفعل، قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهو في ذكر شأن الفعل لا الفاعل لأن المراد إنكار ما ادعوه ونفيه على أبلغ وجه وآكده وهو إخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين، ونحوه قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا }|تفسير : [المائدة: 37]، فهو أبلغ من قولك «وما يخرجون منها». وأطلق الإيمان في الثاني بعد تقييده في الأول لأنه يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، ويحتمل أن يراد نفي أصل الإيمان وفي ضمنه نفي المذكور أولاً. والآية تنفي قول الكرامية: إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير لأنه نفى عنهم اسم الإيمان مع وجود الإقرار منهم، وتؤيد قول أهل السنة إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان. ودخلت الباء في خبر «ما» مؤكدة للنفي لأنه يستدل به السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام، ومن موحد اللفظ فلذا قيل يقول وجمع «وما هم بمؤمنين» نظراً إلى معناه. {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذف المضاف كقوله {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ }تفسير : [يوسف: 82] كذا قاله أبو علي رحمه الله وغيره، أي يظهرون غير ما في أنفسهم. فالخداع إظهار غير ما في النفس، وقد رفع الله منزلة النبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }تفسير : [الفتح: 10] وقيل: معناه يخادعون الله في زعمهم لأنهم يظنون أن الله ممن يصح خداعه، وهذا المثال يقع كثيراً لغير اثنين نحو قولك «عاقبت اللص». وقد قرىء «يخدعون الله» وهو بيان ليقول أو مستأنف كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما منفعتهم في ذلك؟ قيل: يخادعون الله، ومنفعتهم في ذلك متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفار وإجراء أحكام المؤمنين عليهم ونيلهم من الغنائم وغير ذلك. قال صاحب الوقوف: الوقف لازم على «بمؤمنين» لأنه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمنين مخادعين فينتفي الوصل كقولك «ما هو برجل كاذب» والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع لهم. ومن جعل «يخادعون» حالاً من الضمير في يقول والعامل فيها «يقول» والتقدير يقول آمنا بالله مخادعين أو حالاً من الضمير في «بمؤمنين» والعامل فيها اسم الفاعل والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف والوجه الأول: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي يخادعون رسول الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر. {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن ضررها يلحقهم. وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم وما يخادعون. أبو عمرو ونافع ومكي للمطابقة وعذر الأولين أن خدع وخادع هنا بمعنى واحد، والنفس ذات الشيء وحقيقته. ثم قيل للقلب والروح النفس لأن النفس بهما، وللدم نفس لأن قوامها بالدم، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم، والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ } أن حاصل خداعهم يرجـع إليهم والشعور علم الشيء علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد، ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم، لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي شك ونفاق لأن الشك تردد بين الأمرين والمنافق متردد. في الحديث «حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين» تفسير : والمريض متردد بين الحياة والموت، ولأن المرض ضد الصحة والفساد يقابل الصحة فصار المرض اسماً لكل فساد والشك والنفاق فساد في القلب. {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } أي ضعفاً عن الانتصار وعجزاً عن الاقتدار. وقيل: المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله كما عرف في زيادة الإيمان. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } كوفي. أي بكذبهم في قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، فما مع الفعل بمعنى المصدر، والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به يكذبون غيرهم أي بتكذيبهم النبي عليه السلام فيما جاء به. وقيل: هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل صدق ونظيرهما بان الشيء وبين.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ...} قال ابن عرفة: لما كان المخاطب في مادة (أن ينكر) مساواة (حالة) إنذارهم لحالة عدم الإنذار بل (نقول): إنّها مظنة الانزجار والفلاح (والنجاح) احتيج إلى تأكيد المساواة بأن قال ابن عطية: قيل: (للزارع) كافر لأنه يغطي الحب ويقال: إذا غطى قلبه بالدين عن (الإيمان) أو غطى الحق بأقواله وأفعاله. قال ابن عرفة: أما الأول فظاهر لأنّ الدّين يجامع القلب فيصح تغطيته إياه، واعتقاد الحق لا يجامع اعتقاد الباطل، بل هو نقيضه وستره (له) لا يكون إلا مع اجتماعه معه: والفرض أنه لا يجامعه وأما باعتبار الأفعال فظاهر. قيل لابن عرفة: يصحّ اجتماعهما باعتبار اختلاف المتعلق؟ فقال: تحول المسألة وما (كلامه) إلا فيما إذا كان متعلق الكفر هو متعلق الإيمان، (فحينئذ) (تتعلق) التغطية. قيل له: تكون التغطية مجازا، عبر به عن (معاندة) أحد الاعتقادين للآخر؟ فقال: إنما هو مخبر عن أصل العقيدة أي هذه اللفظة ممّاذَا هي مشتقة؟ فما حقه أن يأتي إلاّ الحقيقة اللّغوية، وأما المجاز فليس بأصلي. واختلف الأصوليون في الألف واللام الداخلة على الموصول فقيل: إنها للجنس ويكون عاما مخصوصا كأكثر عمومات القرآن. وقيل: إنها مطلقة فتكون للحقيقة أعني الماهية، فلا يحتاج إلى تخصيص، ويحتمل أن تكون للعهد. ابن عطية: وقال الرّبيع بن أنس: (إنّ) الآية نزلت في قادة الأحزاب وهم أهمّ أهل القليب ببدر، وفي بعض النسخ وأهل القليب ببدر. قال ابن عرفة: وهو الصحيح فإن غزوة الأحزاب متأخرة عن بدر، وأهل القليب ببدر قتلوا فلم يبق منهم أحد للأحزاب. قال ابن عرفة: إلاّ أن يريد بالأحزاب الجماعة ولا يريد به الغزوة. قال الإمام ابن الخطيب: والآية دليل على جواز تأخير البيان (عن) وقت الحاجة، فإنها لم (تبين) متعلقها. ورده ابن عرفة بأنها ليس المراد بها التكليف (فيحتاج) إلى بيان وإنما هي تخويف وإنذار، والعموم أدعى (لحصول) التخويف من الخصوص. قوله تعالى: {ءَأَنذَرْتَهُمْ...} أنكر الزمخشري هنا قراءة ورش وجعلها لحنا وكفره الطيبي. وظاهر كلام الطيبي هذا أن (السّبع) (قراءات) أخبار آحاد وليس بمتواتر. قال ابن عرفة: وحاصل (كلام) (الناس) فيها أنها على وجهين: فأما ما يرجع إلى آحاد الكلم كملك ومالك ويخدعون ويخادعون فهو متواتر اتفاقا من غير خلاف منصوص، إلا أن ظاهر كلام الدّاودي على ما نقل عنه (الأنباري) أنها غير متواترة. وأما ما يرجع إلى كيفية النطق بها من إعراب وإمالة وكيفية وقف ففيه ثلاثة أقوال: الأول نقل (الأنباري) شارح البرهان عن أبي المعالي أنها متواترة وأنكره عليه وهو اختيار الشيخ أبي عبد الله محمد بن سلامة من أشياخنا. (الثاني) أنّها متواترة عند القراء فقط (نقله المازري في شرح البرهان واختاره شيخنا ابن عرفة. الثالث: أنها غير متواترة) قاله ابن العربي في العواصم والقواصم (والأنباري) وابن رشد في كتاب الصلاة الأول وفي كتاب (الجامع) الرابع من البيان والتحصيل. قال ابن عرفة: وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق إبراهيم (الجزري) وشيخنا القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام وصاحبنا الفقيه أبي العباس أحمد بن إدريس (البجائي). ءَأنذَرْتَهُمْ: استفهام في معنى الخبر أو معنى المصدر أي إنذارك وعدم إنذارك سواء. قال: (وسَوَاءٌ) مبتدأ وءَأَنذرْتَهُمْ إما فاعل وإما خبره (ويصح) أن يكون مبتدأ لأنه يكون الخبر أفاده المبتدأ، فلا فائدة (فيه). ورده ابن عرفة: بأنه يفيد التسوية إذْ لَعلّ المراد إنذارك وعدم إنذارك مختلفان. قال ابن عرفة: والصواب أنه على/ حذف مضاف أي سواء عليهم جواب {ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}. ويكون استفهاما حقيقة لأن الاستفهام في قوله مجاز (والمصدر) يحتاج إلى (أداة) (تصيّر) الفعل مقدرا بالمصدر وهو (بمنزلة) قول. قيل: يشتمل على إنذار وجوابه (إمّا معه) أو قبله ولذلك هنا جواب (الأمرين) عندهم سواء. قوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ}. هو احتراز لأنه قد يكون الاختيار (باستواء) الحالتين عندهم يقتضي مبادرتهم إلى الإيمان وعدم (توقّفهم) على الإنذار فاحترز من ذلك (ببيان) أنهم على العكس. قيل لابن عرفة: إن (ابن فورك) أبطل بهذه الآية قاعدة التحسين والتقبيح؟ قال: لأن الله تعالى أخبر أن الإنذار لا ينفع فيهم، وقد أمر بإنذارهم، ومراعاةُ الأصلح (تقتضي) عدم تكليفهم وعدم إنذارهم. (فقال): (تقدم) ذلك في جواز تكليف ما لا يطاق وهذا متفق عليه فإنّ هؤلاء المخبر عنهم بذلك غير معيّنين فليست هذه كقضية أبي لهب وإنّما الخلاف يخبر عن معينين (بعدم) الإيمان وتكليفهم بالإيمان كقضية أبي لهب فليس في هذه الآية دليل بوجه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: "أأنذرتهم" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان. وروى الحلواني عن هشام "آءنذرتهم" بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون الثانية. والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة الهمزة. "وعلى أبصارهم" ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو. كذلك قوله عز وجل {بقنطار} و {بالأسحار} و {كالفخار} و {الغار} و {من أنصار} و {أشعارها} وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب الحروف المستعلية. "غشاوة" بالفصل. وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف لنفسه. وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري مدغمة النون والتنوين في الواو في جميع القرآن. "عظيم" بالإشمام في الوقف، وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا. الوقوف: "لا يؤمنون" (ه) "على سمعهم" (ط) لأن الواو للاستئناف. "غشاوة" (ز) لأن الجملتين وإن اتفقتا نظماً فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب موعود. "عظيم" (ه) التفسير: وفيه مسائل: الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم النحو. وأما فائدته فما ذكره المبرد في جواب الكندي من أن قولهم "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه. وقد يضاف إليه القسم أيضاً نحو "والله إن عبد الله لقائم. قال أبو نواس: شعر : عليك باليأس من الناس إن غنى نفسك في اليأس تفسير : حسن موقع "إن" لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك "إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء" وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله تعالى حكاية عن أم مريم {أية : قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت}تفسير : [آل عمران: 36] وكذلك قول نوح {أية : رب إن قومي كذبون} تفسير : [الشعراء: 117]. الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه. وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في نحو قوله تعالى {أية : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم}تفسير : [الانفطار: 13 - 14] لتباين الجملتين ههنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا جعلت "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعاً له في المعنى، فحكمه حكم الأول. وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات "هدى للمتقين" لارتباط بينهما من حيث المعنى. الثالثة: التعريف في "الذين" إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم. الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان، وقد تقدم. وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه. قال في التفسير الكبير: "كفروا" إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار. فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير. قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه تعالى أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو {أية : لتدخلن المسجد الحرام}تفسير : [الفتح: 27] {أية : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} تفسير : [آل عمران: 151] وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب. ومن هذا يعلم أن قوله {سنلقي} ليس كونه مستقبلاً بالنظر إلى الأزل مقصوداً بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم. الخامسة: "سواء" اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر {أية : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}تفسير : [آل عمران: 64] {أية : في أربعة أيام سواء للسائلين} تفسير : [فصلت: 10] يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر "إن" و "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه. ويحتمل أن يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الابتداء، و "سواء" خبر مقدم، والجملة خبر "إن". و إنما صح وقوع الفعل مخبراً عنه مع أنه أبداً خبر نظراً إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل، فإن "أن" مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت الهمزة. و "أم" لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً. قال سيبويه: هذا مثل قولهم "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء. ومعنى الاستواء في الداخل عليهما "الهمزة" و "أم" استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين. والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب. وفائدة العدول عن العبارة الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجواً منهم الإيمان، لا في علم الله تعالى بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير والتصوير. أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغاً يصح أن يستفهم عنه لكونه خالياً عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول القائل "الإنذار وعدمه مستويان عليهم" يمكن أن يحمل على التقريب لا التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم. والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع. وقوله "لا يؤمنون" إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض. السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه. والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة. والقلب يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب التكاليف {أية : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}تفسير : [ق: 37]. وهي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}تفسير : [النحل: 40]. كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك {أية : ألا له الخلق والأمر} تفسير : [الأعراف: 54]. وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة {أية : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}تفسير : [الشمس: 7، 8] وبالروح {أية : قل الروح من أمر ربي} تفسير : [الإسراء: 85] {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [ص: 72] والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطاً بعنف يحدث منه تموّج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموّجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا. ولعل هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ا لمجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية. وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار. وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعاً. والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور. أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي. وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه. ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو يدركه أصغر مما هو عليه. ولا يلزم من قولنا "إن للبصر نوراً يقع في المرئي" أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياساً على أنوار الكواكب والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم. وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كافٍ بحسب المقام. ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله تعالى {أية : وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} تفسير : [الجاثية: 23] ولهذا يوقف على "سمعهم" دون "قلوبهم". وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا. فإن زمانكم زمن خميص. إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطناً، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه. ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع الأذن في قوله {أية : وفي آذاننا وقر}تفسير : [فصلت: 5]. ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل {أية : عن اليمين والشمائل}تفسير : [النحل: 48] {أية : يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [البقرة: 257]. السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة. فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر. ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر. ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح. والبصر يرى من بعيد دون السمع، ولأن عجائب الله تعالى في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع. وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في الرؤية وفي المثل "ليس وراء العيان بيان". وفي العين جمال الوجه دون السمع. والحق أن من فقد حساً فقد فقد علماً وهو المتوقف على ذلك الحس. ولا ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على الإطلاق يتوقف على السمع. فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض على البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه. الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار وعدمه عليهم سيان. والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق، وعلى أن الله تعالى هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل. وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟ وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟ ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته. فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم "فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه" يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم "سال به الوادي" إذا هلك، و "طارت به العنقاء" إذا أطال الغيبة. وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر. إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب في قولهم "بنى الأمير المدينة" أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم على الكفر إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم. أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم {أية : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : [فصلت: 5] ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال: لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة. وسئل عن أهل الجبر فقال: لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد. وزعم الإمام فخر الدين أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟ أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر. ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال. قلت - وبالله تعالى التوفيق -: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادراً على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل. فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإردته. والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله تعالى {أية : ولو شاء لهداكم أجمعين} تفسير : [النحل: 9] {أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} تفسير : [السجدة: 13] {أية : قل كل من عند الله}تفسير : [النساء: 78] كثيرة. وكذا الأحاديث "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له" "حديث : كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" "حديث : احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى"تفسير : الحديث. فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف. أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك. بل الوجه أن يقال: إن لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك. ولا سيما ملك الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند. ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها. وههنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري. ولله در القائل: "وبضدها تتبين الأشياء". فخلق الله تعالى للجنة خلقاً يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقاً يعملون بعمل أهل النار. ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله. وههنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة {أية : فمنهم شقي وسعيد} تفسير : [هود: 105] الآية: وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد" تفسير : الحديث. وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه تعالى، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين. وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيراً قريباً وبعضهم كناساً بعيداً لأن كلاً منهما من ضرورات المملكة، وينسب الظلم إليه تعالى في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلاً منهم ضروري في مقامه؟! فهذا القائل بهدم بناء حكمته، تعالى، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح. وأما قوله "أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب" ففي غاية السخافة، لأنا لما بينا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن يقول: لما جعل الله تعالى الشيء الفلاني سبباً وواسطة للشيء الفلاني؟ كما أنه ليس له أن يقول مثلاً لم جعل الشمس سبباً لإنارة الأرض؟ غاية ما في الباب أن يقول إذا علم الله تعالى أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سبباً وواسطة لاهتدائهم {أية : إنما أنت منذر من يخشاها} تفسير : [النازعات: 45] كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح. وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه{أية : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}تفسير : [التوبة: 125] غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهراً {أية : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }تفسير : [النساء: 165] {أية : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً}تفسير : [طه: 134] وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء. وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم كما أن الأكمة ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار. وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلاً فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله تعالى، فكأنه لا اختيار له. والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادت واسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل، فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذراً من التطويل. ومن لم يستضئ بمصباح لا يستفيد بإصباح {أية : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4]. التاسعة: العذاب مثل النكال؛ بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول: نكل عنه. ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده. ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة. والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعاً. تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره. ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله. ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله نعوذ بالله منه. العاشرة:اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار. وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله "ولهم عذاب عظيم" وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو. وذكروا أيضاً دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خالٍ عن المنفعة لأن الله تعالى منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة. وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمراً متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع كان قبيحاً، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب. وكقولهم: إنه سبحانه هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها. وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه. أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟ ولم كان في الدنيا بحيث قال: {أية : ادعوني أستجب لكم}تفسير : [غافر: 60] وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون} تفسير : [المؤمنون: 108] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا مصير إلى إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن والقبح. وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته تعالى، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسناً. ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها. وهل يستقبح أحد وقوع بعض الأحجار للملوك تيجاناً وبعضها للحشوش جدراناً، أو وقوع بعض من الحديد سيفاً يتقلده الناس وبعضه نعلاً يطؤها الأفراس، حيث يرى كلاً منهما في مصالح الوجود ضرورياً؟ ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله تعالى لازم للكفر والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم. وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها. فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى الآخرة. ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟ وكذا لو قال ملك لواحد: افعل الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلاً ولا ينفعه الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات الغضب وعلامات العذاب {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون}تفسير : [غافر: 85]. صدق الله العظيم.
ابن عادل
تفسير : اعلم أن الحروف لا أَصْلَ لها في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى، فاقتضى كونه عاملاً. أما المُشَابهة في اللفظ فلأنه تركّب من ثلاثة أحرف انفتح آخرها، ولزمت الأسماء كالأفعال، وتدخل نون الوقاية نحو "إنّني وكأنّني" كما تدخل على الفعل نحو: "أعطاني وأكرمني"، وأما المعنى فلأنه يفيد معنى في الاسم، فلما اشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل. روى ابن الأنباري "أن الكِنْدِيّ" المتفلسف ركب إلى المبرد وقال: إني أجد في كلام العرب حشواً، أجد العرب تقول: "عبد الله قائم"، ثم يقولون: "إنَّ عبد الله قائم" ثم يقولون: "إِنّ عبد الله لقائم". فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ: فقولهم: "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه. واحتج عبد القاهر على صحّة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال سائلٍ بقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} تفسير : [الكهف: 83] إلى أن قال: {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ} تفسير : [الكهف: 84]، وقوله: {أية : نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} تفسير : [الكهف: 13]، وقوله: {أية : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ} تفسير : [الشعراء: 216]. قال عبد القاهر: والتحقيق أنّها للتأكيد، فإذا كان الخبر ليس يظنّ المخاطب خلافه لم يحتج إلى "أن"، وإنما يحتاج إليها إذا ظنّ السامع الخلاف، فأما دخوله اللاّم معها في جواب المنكر، فلأن الحاجة إلى التأكيد أشد. فإن قيل: فلم لا دخلت "اللام" في خبرها في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 16]، وأدخل "اللام" في خبرها في قوله قبل ذلك: {أية : ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} تفسير : [المؤمنون: 15]، وهم كانوا يتيقنون الموت، فلا حاجة إلى التأكيد، فكانوا ينكرون البعث فكانت الحاجة لدخول "اللام" على البعث أشد ليفيد التأكيد. فالجواب: أن التأكيد حصل أولاًَ بقوله: {أية : خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 12- 14]. فكان ذكر هذه السبع مراتب في خلق الإنسان أبلغُ في التأكيد من دخول "اللام" على خبر "إن"، فلذلك استغنى عن دخول "اللام" على خبر "إن"، وهي تنصب الاسم، وترفع الخبر خلافاً للكوفيين بأن رفعه بما كان قبل دخولها. وتقرير الأول أنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ أو الخبر معاً، وتنصبهما معاً، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل؛ لأنهما كانا مرفوعين قبل دخولهما، فلم يظهر للعمل أثر ألبتة، ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الاسمين، فلا معنى للاشتراك، والفرع لا يكون أقوى من الأصل. والثاني - أيضاً - باطل، لأنه مخالف لعمل الفِعْلِ، لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خُلُوه عما يرفعه. والثالث - أيضاً - باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع؛ لأن الفعل يعمل في الفاعل أولاً بالرفع؛ ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف ها هنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع. ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعيّن الرابع، وهي أنها تنصب الاسم، وترفع الخبر، وهذا مما ينبّه على أن هذه الحروف لَيْسَتْ أصلية في العمل؛ لأنّ تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل. وتخفّف "إن" فتعمل وتهمل، ويجوز فيها أن تباشر الأفعال، لكن النواسخ غالباً تختص بدخول "لام" الابتداء في خبرها، أو معمولة المقدم عليها، أو اسمها المؤخّر، ولا يتقدم خبرها إلا ظرفاً أو مجروراً، وتختص - أيضاً - بالعَطْفِ على محل اسمها، ولها ولأخواتها أحكام كثيرة. و "الذين" اسمها و "كفروا" صلة وعائد، و "لا يؤمنون" خبرها، وما بينهما اعتراض، و "سواء" مبتدأ، و "أنذرتهم" وما بعده في قوة التَّأويل بمفرد هو الخبر، والتقدير: سواء عليهم الإنذار وعدمه، ولم يحتج هنا إلى رَابِطٍ؛ لأنّ الجملة نفس المبتدأ، ويجوز أن يكون "سواء" خبراً مقدماً، و "أنذرتهم" بالتأويل المذكور مبتدأ مؤخر تقديره: الإنذار وعدمه سواء. قال ابن الخَطِيْبِ: اتفقوا على أنّ الفِعْل لا يخبر عنه؛ لأن قوله: "خرج ضرب" ليس بكلام منتظم، وقد قدحوا فيه بوجوه: أحدها: أنّ قوله: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} فعل، وقد أخبر عنه بقوله: {أية : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ}، ونظيره {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ}تفسير : [يوسف:35] فاعل "بَدَا" هو "يسجننه". وثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لا بد وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل. فإن قيل: المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم. قلنا: فعلى هذا المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل اسماً كان هذا الخبر كذباً؛ والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً؛ لأن الاسم لا يكون فعلاً، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه. وثالثها: أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه، فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أَنَّا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه، وهذا خطأ، وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه. ثم قال هؤلاء: لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجةٌ إلى ترك الظاهر. أما جمهور النحويين فقالوا: لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان التقدير: سواء عليهم إنذارك وعدمه. وهذه الجملة يجوز أن تكون معترضة بين اسم "إن" وخبرها، وهو "لا يؤمنون" كما تقدم، ويجوز أن تكون هي نفسها خبراً لـ "إن"، وجملة "لا يؤمنون" في محل نصب على الحال، أو مستأنفة، أو تكون دعاءً عليهم بعد الإيمان - وهو بعيد - أو تكون خبراً بعد خبر على رأي من يجوز ذلك. ويجوز أن يكون "سواء" وحده خبر "إن"، و"أأنذرتهم" وما بعده بالتأويل المذكور في محل رفع بأنه فاعل له، والتقدير: استوى عندهم الإنذار وعدمه. و "لا يؤمنون" على ما تقدّم من الأوجه أعني: الحال والاستئناف والدعاء والخبرية. والهمزة في "أأنذرتهم" الأصل فيها الاستفهام، وهو - هنا - غير مراد، إذ المراد التسوية، و "أنذرتهم" فعل وفاعل ومفعول. و "أم" - هنا - عاطفة وتسمى متصلةً، ولكونها متصلة شرطان: أحدهما: أن يتقدمها همزة استفهام أو تسوية لفظاً أو تقديراً. والثاني: أن يكون ما بعدها مفرداً أو مؤولاً بمفرد كهذه الآية، فإن الجملة فيها بتأويل مفرد كما تقدم، وجوابها أحد الشَّيئين أو الأشياء، ولا تجاب بـ "نعم" ولا بـ "لا"، فإن فقد الشرط سميت منقطعة ومنفصلة، وتقدر بـ "بل والهمزة"، وجوابها "نعم" أو "لا" ولها أحكام أخر. و "لم" حرف جزم معناه نفي الماضي مطلقاً خلافاً لمن خصَّها بالماضي المنقطع، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} تفسير : [مريم: 4] {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} تفسير : [الإخلاص: 3]. وهذا لا يتصور فيه الانقطاع، وهي من خواصّ صيغ المضارع إلاّ أنها تجعله ماضياً في المعنى كما تقدم. وهل قلبت اللفظ دون المعنى أو المعنى دون اللفظ؟ قولان: أظهرهما الثاني: وقد يحذف مجزومها كقوله: [الكامل] شعر : 145- إِحْفَظْ وَدِيعَتَك الَّتِي اسْتُودِعْتَهَا يَوْمَ الأَعَازِبِ، إِنْ وَصَلْتَ، وَإِنْ لَمِ تفسير : و "الكفر" أصله: الستر؛ ومنه: "الليل الكَافِرُ"؛ قال: [الرجز] شعر : 146- فَوَرَدَتْ قَبْلَ انْبِلاَجِ الْفَجْرِ وَابْنُ ذُكَاءٍ كَامِنٌ فِي كَفْرِ تفسير : وقال [الكامل] شعر : 147- فَتَذَكَّرَا ثَقَلاً رَثِيداً بَعْدَما أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِرِ تفسير : والكفر - هنا - الجحود. وقال آخر: [الكامل] شعر : 148-....................... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا تفسير : قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ "الكفر" في القرآن على أربعة أَضْرُبٍ: الأول: الكُفْر بمعنى ستر التوحيد وتغطيته قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}؟ الثاني: بمعنى الجُحُود قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]. الثالث: بمعنى كفر النّعمة، قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7] أي: بالنعمة، ومثله: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} تفسير : [البقرة: 152] وقال تعالى: {أية : أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} تفسير : [النمل: 40]. الرابع: البراءة، قال تعالى: {أية : إِنَّا بُرَءآؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 4] أي: تبرأنا منكم، وقوله: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ} تفسير : [العنكبوت: 25]. و "سواء" اسم معنى الاستواء، فهو اسم مصدر، ويوصف على أنه بمعنى مستوٍ، فيحتمل حينئذ ضميراً، ويرفع الظاهر، ومنه قولهم: "مررت برجل سواء والعدم" برفع "العدم" على أنه معطوفٌ على الضمير المستكنّ في "سواء"، وشذ عدم بمعنى: "مثل"، تقول: "هما سِيّان"بمعنى: مِثْلان، قال: [البسيط] شعر : 149- مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ سِيَّانِ تفسير : على أنه قد حكي سواءان. وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 150- وَلَيْلٍ تَقُولُ النَّاسُ فِي ظُلُماتهِ سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا تفسير : فـ "سواء" خبر عن جمع هو "صحيحات"، وأصله: العدل؛ قال زهير: [الوافر] شعر : 151- أَرُونَا سُبَّةً لا عَيْبَ فِيهَا يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيْها السَّوَاءُ تفسير : أي: يعدل بيننا العدل. وليس هو الظرف الذي يستثنى به في قولك: "قاموا سواء زيد" وإن شاركه لفظاً. ونقل ابن عطية عن الفارسي فيه اللغات الأربع المشهورة في "سوى" المستثنى به، وهذا عجيب فإن هذه اللغات في الظرف لا في "سواء" الذي بمعنى الاستواء. وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدرية بالهمزة المُعَادلة بـ "أم" كهذه الآية، وقد تحذف للدلالة كقوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الطور: 16] أي: أصبرتم أم لم تصبروا، وقد يليه اسم الاستفهام معمولاً لما بعده كقول علقمة: [الطويل] شعر : 152- سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَيَّ حِينٍ أَتَيْتَهُ أَسَاعَةَ نَحْسٍ تُتَّقى أَمْ بأَسْعَدِ تفسير : فـ "أي حين" منصوب بـ "أتيته"، وقد يعرى عن الاستفهام، وهو الأصل؛ نحو: [الطويل] شعر : 153-................. سَوَاءٌ صَحِيْحاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا تفسير : فصل في استعمالات "سواء" وقد ورد لفظ "سواء" على وجوه: الأول: بمعنى: الاستواء كهذه الآية. الثاني: بمعنى: العَدْل، قال تعالى: {أية : إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 64] أي: عدل؛ ومثله: {أية : سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الممتحنة: 1] أي: عدل الطريق. الثالث: بمعنى: وسط، قال تعالى: {أية : فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55] أي: وسط الجحيم. الرابع: بمعنى: البَيَان؛ قال تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58] أي: على بيان. الخامس: بمعنى: شرع، قال تعالى: {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} تفسير : [النساء: 89] يعني: شرعاً. السادس: بمعنى: قصد، قال تعالى: {أية : عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [القصص: 22] أي: قصد الطريق. و "الإنذار": التخويف. وقال بعضهم: هو الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلاَّ في تخويف يسع زمانه الاحتراز، فإن لم يسع زمانه الاحتراز، فهو إشعار لا إنذار؛ قال: [الكامل] شعر : 154- أَنْذَرْتُ عَمْراً وَهُوَ فِي مَهَلٍ قَبْلَ الصَّبَاحِ فقَدْ عَصَى عَمْرُو تفسير : ويتعدّى لاثنين، قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} تفسير : [النبأ: 40]، {أية : أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً} تفسير : [فصلت: 13] فيكون الثاني في هذه الآية محذوفاً تقديره: أأنذرتهم العذاب أم لم تنذرهم إياه، والأحسن ألا يقدر له مفعول، كما تقدم في نظائره. والهمزة في "أنذر" للتعدية، وقد تقدّم أن معنى الاستفهام هنا غير مراد؛ لأن التسوية هنا غير مرادة. فقال ابن عَطيَّةَ: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام؛ لأنّ فيه التسوية التي هي الاسْتِفْهَام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبراً: "سواء علي أَقُمْت أم قعدت"، وإذا قلت مستفهماً: "أخرج زيد أم قام"؟ فقد استوى الأمران عندك؟ هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على الخبر لفظ الاستفهام؛ لمشاركته إيَّاه في الإبهام، فكلّ استفهام تسوية وإن لم تكن كل تسوية استفهاماً، إلاَّ أن بعضهم ناقشه في قوله: "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه "الخبر" بما معناه: أن هذا الذي صورته صورة استفهام ليس معناه الخبر؛ لأنه مقدر بالمفرد كما تقدم، وعلى هذا فليس هو وحده في معنى الخبر؛ لأن الخبر جملة، وهذا في تأويل مفرد، وهي مناقشة لفظية. وروي الوقف على قوله: "أَمْ لَمْ تُنْذرْ" والابتداء بقوله: "هُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" على أنها جملة من مبتدأ وخبر. وهذا ينبغي ألا يلتفت إليه، وإنْ كان قد نقله الهُذَلِيّ في "الوقف والابتداء" له. وقرىء "أأنذرتهم" بهمزتين محقّقتين بينهما ألف، وبهمزتين، محقّقتين بلا ألف بينهما وهي لغة "بني تميم"، وأن تكون الأولى قوية، والألف بينهما، وتخفيف الثانية بين بين، وهي لغة "الحجاز" وبتقوية الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية، وبينهما ألف. فمن إدخال الألف بين الهمزتين تخفيفاً وتحقيقاً قوله: [الطويل] شعر : 155- أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاَجِلٍ وبَيْنَ النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 156- تَطَالَلْتُ فَاسْتَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ آأَنْتَ زَيْدُ الأَرَانِبِ؟ تفسير : وروي عن وَرْش إبدال الثَّانية ألفاً محضة. ونسب الزمخشري هذه القراءة لِلَّحْنِ، قال: لأنه يؤدي إلى الجمع بين ساكنين على غير حدّهما، ولأن تخفيف مثل هذه الهمزة إنما هو بَيْنَ بَيْنَ. وهذا منه ليس بصواب، لثبوت هذه القراءة تواتراً. وقرأ ابن محيصن بهمزة واحدةٍ على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرادة، ولكن حذفها تخفيفاً، وفي الكلام ما يدلّ عليها، وهو قوله: "أم لم"؛ لأن "أم" تُعَادل الهمزة، وللقراء في مثل هذه الآية تفصيل كثير. فصل في المراد بالكافرين في الآية المراد من "الذين كفروا" يعني مشركي العرب كأبي لَهَبٍ؛ وأبي جهل، والوليد بن المغيرة وأضرابهم. وقال الكلبي: "هم رؤساء اليَهُودِ والمُعَاندون" وهو قول ابن عباس. والكفر - هنا - الجحود، وهو على أربعة أضرب: كفر إنكار، وكفر جُحُود، وكفر عِنَادٍ، وكفر نفاق: فـ "كفر الإنكار": هو ألا يعرف الله أصلاً، ولا يعترف به. وكفر الجُحُود: هو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه، ككفر إبليس؛ قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]. وكفر العناد: هو أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به؛ ككفر أبي طَالِبٍ؛ حيث يقول: [الكامل] شعر : 157- وَلقَدْ عَلِمْتُ بَأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا تفسير : وكفر النفاق: هو أن يقر باللسان، ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله - تعالى - بواحد منها؛ لا يغفر له. فصل في تحقيق حد الكفر قال ابن الخطيب: تحقيق القول في حد الكفر أن كل ما نقل عن محمد - عليه الصلاة والسلام - أنه ذهب إليه، وقال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبر الواحد الذي علم بالضرورة، فمن صدق به جميعه، فهو مؤمن، ومن لم يصدق بجميعه، أو لم يصدق ببعضه، فهو كافر، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة أنه ليس من دين محمد عليه الصلاة والسلام. ومثاله من أنكر وجود الصّانع، أو كونه عالماً مختاراً، أو كونه واحداً، أو كونه منزهاً عن النَّقَائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ كوجوب الصَّلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافراً. فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دين محمد مثل كونه عالماً بالعلم أو بذاته، وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا، فلم ينقل بالتواتر القاطع للعُذْرِ، فلا جرم لم يكن إنكاره والإقرار به داخلاً في ماهيّة الإيمان، فلا يكون موجباً للكفر، والدليل عليه أنه لو كان جزءاً من ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول ألا يحكم بإيمان أحد إلاّ بعد أن يعرف أنه عرف الحق في تلك المسألة بين جميع الأمّة؛ ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلمَّا لم ينقل ذلك دلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - ما وقف الإيمان عليها، ولما لم يكن كذلك وجب ألا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباً للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من الأمة من أرباب التأويل، وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد، فظاهر أنه لا يمكن توقّف الكفر والإيمان عليه، والله أعلم. فصل في الردّ على المعتزلة احتجت المُعْتَزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماض مثل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9]، {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1]، {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً} تفسير : [نوح: 1] على أن كلام الله محدث، سواء كان الكلام هذه الحروف، أو الأصوات، أو كان شيئاً آخر. قالوا: لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلاّ إذا كان مسبوقاً بالمخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير، فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً، فيجب أن يكون محدثاً. أجاب القائلون بقدم الكلام عنه بوجهين: الأول: أن الله - تعالى - كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي، ولم يلزم حدوث علم الله تَعَالَى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن خبر الله - تعالى - في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون، فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا، ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى؟. الثاني: أن الله - تعالى - قال: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} تفسير : [الفتح: 27]، فلما دخلوا المسجد الحرام، ولا بد أن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا أجاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا؟ فإن قلت: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} صيغة جمع مع "لام" التعريف، وهي للاستغراق بظاهره، ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر؛ لأن كثيراً من الكفار أسلموا، فعلمنا أن الله - تعالى - قد تكلّم بالعام وأراد الخاص، إما لأجل أنَّ القرينة الدالّة على أن المراد من ذلك العام ذلك الخصوص كانت ظاهرةً في زمان الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - فحسن ذلك لعدم اللّبس، وظهور المقصود، وإمّا لأجل أنّ المتكلّم بالعام لإرادة الخاص جائز، وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بَيَان التخصيص عن وقت الخِطَاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسُّك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق، لاحتمال أن المراد منها هو الخاص، وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا جَرَمَ حسن ذلك، وعدم العلم بوجود قرينة لا يدلّ على العدم. وإذا ثبت ذلك ظهر أنّ استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف، والله أعلم. فصل في المذهب الحق في "تكليف ما لا يطاق" قال ابن الخطيب: احتج أهل السُّنة بهذه الآية وما أشبهها على تكليف ما لا يطاق وتقريره: أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قطّ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله - تعالى - الصدق كذباً، والكذب عند الخصم قبيح، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما مُحَالان على الله تعالى، والمفضي إلى المُحَال محال، فصدور الإيمان منه مُحَال، فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا في صورة العلم، وهو أنه - تعالى - لما علم منه أنه لا يؤمن، فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله جهلاً، وذلك محال، ويستلزم من المُحَال محال، فالأمر واقع بالمحال. ونذكر هذا على وجهٍ ثالثٍ: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بأنه لا يؤمن؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً، وهذا مُحَال، والأمر بالإيمان مع وجود علم الله بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضِّدِّين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك مُحَال. ونذكر هذا على وَجْه رابع: وهو أنه - تعالى - كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة [والإيمان يعتبر فيه تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط] وقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهو مكلّف بالجمع بين النفي والإثبات. ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه - تعالى - عاب الكُفّار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر عنه في قوله: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} تفسير : [الفتح: 15]، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه. ثم ها هنا أخبر الله - تعالى - عنهم أنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه وترك محاولة الإيمان يكون - أيضاً - مخالفة لأمر الله، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل. فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع وهي هادمة لأصول الاعتزال، وكل ما استدلّ به المعتزلة من الآيات الواردة، فيأتي الجواب عنها عند ذكر كل آية منها إن شاء الله تعالى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جريج وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير في السنة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ونحو هذا من القرآن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأوّل ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال "حديث : قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد نيأس فقال: ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال {الۤمۤ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} إلى قوله {المفلحون} هؤلاء أهل الجنة قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم} إلى قوله {عظيم} هؤلاء أهل النار. قلنا لسنا هم يا رسول الله؟ قال أجل ". تفسير : وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن الذين كفروا} أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاء من قبلك {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذاراً وتخويفاً، وقد كفروا بما عندهم من نعتك {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} أي عن الهدى أن يصيبوه أبداً بغير ما كذبوا به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما عليه من خلافك {عذاب عظيم} فهذا في الأحبار من يهود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {إن الذين كفروا} قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية {أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} تفسير : [إبراهيم: 28] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل من القادة أحد في الإِسلام إلا رجلان. أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص. وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} قال: وعظتهم لم لم تعظهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم، فختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لايبصرون هدى، ولا يسمعون، ولا يفقهون، ولا يعقلون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: الختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم. وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود قال {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} فلا يعقلون، ولا يسمعون، وجعل على أبصارهم يقول: أعينهم {غشاوة} فلا يبصرون. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {ختم الله على قلوبهم} قال: طبع الله عليها قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : وصهباء طاف يهود بها فابرزها وعليها ختم تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء قرأ أحدهما {غشاوة} والآخر {غشوة}.
ابو السعود
تفسير : [من أحوال الكفار] {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كلامٌ مستأنف سيق لشرح أحوالِ الكَفَرة الغواة المَرَدة العُتاة، إثرَ بـيانِ أحوالِ أضدادِهم المتصفين بنعوت الكمال الفائزين بمباغيهم في الحال والمآل، وإنما تُرك العاطفُ بـينهما ولم يُسلك به مسلكَ قولِه تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } تفسير : [الانفطار، الآية 13و 14]لِمَا بـينهما من التنافي في الأسلوب، والتبايُن في الغرض، فإن الأولى مَسوقةٌ لبـيان رفعةِ شأنِ الكتاب في باب الهداية والإرشاد، وأما التعرضُ لأحوال المهتدين به فإنما هو بطريق الاستطراد، سواءٌ جُعل الموصولُ موصولاً بما قبله، أو مفصولاً عنه، فإن الاستئنافَ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من الكلام المتقدم، فهو من مستتبِعاته لا محالة. وأما الثانيةُ فمسوقةٌ لبـيان أحوالِ الكفرة أصالةً، وترامي أمرِهم في الغَواية والضلالِ إلى حيث لا يُجديهم الإنذارُ والتبشير، ولا يؤثّر فيهم العِظةُ والتذكير، فهم ناكبون في تيهِ الغيِّ والفساد عن منهاج العقول، وراكبون في مسلك المكابرة والعِناد متنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلول، وإنما أوثرتْ هذه الطريقةُ ولم يؤسَّس الكلامُ على بـيان أن الكتابَ هادٍ للأولين وغيرُ مُجدٍ للآخَرِين لأن العنوانَ الأخيرَ ليس مما يورثُه كمالاً حتى يُتعرَّضَ له في أثناء تعدادِ كمالاتِه. و(إن) من الحروف التي تشابه الفعلَ في عدد الحروف والبناءِ على الفتح ولزومِ الأسماءِ ودخولِ نون الوقاية عليها، كإنني ولعلني ونظائرهما، وإعطاءِ معانيه، والتعدي خاصةً في الدخول على اسمين، ولذلك أُعملت عملَه الفرْعيَّ، وهو نصبُ الأول ورفعُ الثاني إيذاناً بكونه فرعاً في العمل دخيلاً فيه، وعند الكوفيـين لا عملَ لها في الخبر، بل هو باقٍ على حاله بقضية الاستصحاب. وأجيب بأن ارتفاعَ الخبر مشروطٌ بالتجرد عن العوامل، وإلا لما انتصب خبرُ كان وقد زال بدخولها، فتعين إعمالُ الحرف، وأثرُها تأكيدُ النسبة وتحقيقُها، ولذلك يُتلقىٰ بها القسمُ، وتُصدَّر بها الأجوبة، ويؤتىٰ بها في مواقع الشكِ والإنكارِ لدفعه وردِّه، قال المبّرِد: قولُك عبدُ اللَّه قائمٌ إخبارٌ عن قيامه، وإن عبدَ اللَّه قائمٌ جوابُ سائلٍ عن قيامه شاكٍ فيه، وإن عبدَ اللَّه لقائمٌ جوابُ منكرٍ لقيامه. وتعريف الموصولُ إما للعهد والمرادُ به ناسٌ بأعيانهم كأبـي لهبٍ وأبـي جهلٍ والوليدِ بن المغيرة وأضرابِهم وأحبارِ اليهود، أو للجنس، وقد خُص منه غيرُ المُصرِّين بما أسند إليه من قوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْهِمْ} الخ، والكُفْرُ في اللغة سترُ النعمة، وأصلُه الكَفْرُ بالفتح أي الستر. ومنه قيل للزارع والليلِ كافرٌ، قال تعالى: {أية : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } تفسير : [الحديد، الآية: 20] وعليه قول لبـيد: [الكامل] شعر : يعلوا الطريقة متنها متواترٌ في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها تفسير : ومنه المتكفِّرُ بسلاحه وهو الشاكي الذي غطّىٰ السلاحُ بدنه، وفي الشريعة إنكارُ ما عُلم بالضرورة مجيءُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام به، وإنما عُدَّ لبسُ الغيارُ وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرُهما كفراً لدلالته على التكذيب، فإن مَنْ صدق النبـي عليه السلام لا يكاد يجترىء على أمثال ذلك، إذ لا داعيَ إليه كالزنى وشربِ الخمر، واحتجت المعتزلة على حدوث القرآن بما جاء فيه بلفظ الماضي على وجه الإخبار، فإنه يستدعي سابقةَ المُخبَرِ عنه لا محالة، وأُجيب بأنه من مقتضيات التعلقِ وحدوثِه لا يستدعي حدوثَ الكلام، كما أن حدوثَ تعلّقِ العلم بالمعلوم لا يستدعي حدوثَ العلم {سَوَآء} هو اسمٌ بمعنى الاستواء، نُعت به كما يُنعت بالمصادر مبالغةً، قال تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [آل عمران، الآية 64] وقوله تعالى: {عَلَيْهِمْ} متعلق به، ومعناه عندهم، وارتفاعُه على أنه خبر، لأن قوله تعالى: {أأنذرتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} مرتفعٌ به على الفاعلية لأن الهمزةَ وأَمْ مجردتان عن معنى الاستفهام، لتحقيق الاستواء بـين مدخوليهما، كما جُرِّد الأمر والنهي لذلك عن معنيـيهما في قوله تعالى: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [التوبة، الآية 80] وحرفُ النداء في قولك: اللهم اغفرْ لنا أيتها العِصابة عن معنى الطلب لمجرد التخصيص، كأنه قيل: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارُك وعدمُه. كقولك: إن زيداً مختصمٌ أخوه وابنُ عمه، أو مبتدأ، و{سَوَاء عَلَيْهِمْ} خبرٌ قُدم عليه اعتناء بشأنه، والجملة خبرٌ لإن، والفعل إنما يمتنعُ الإخبار عنه عند بقائه على حقيقته. وأما لو أريد به اللفظُ أو مطلقُ الحدث المدلولِ عليه ضمناً على طريقة الاتساع فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه، كما في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } تفسير : [المائدة، الآية 119] وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ } تفسير : [البقرة، الآية 11] وفي قولهم: (تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ)، كأنه قيل: إنذارُك وعدمه سيان عليهم، والعدول إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدُّد، والتوصّلُ إلى إدخال الهمزة ومُعادلِها عليه لإفادة تقرير معنى الاستواء وتأكيده، كما أشير إليه وقيل: (سواء) مبتدأ وما بعده خبره وليس بذاك لأن مقتضىٰ المقام بـيانُ كونِ الإنذار وعدمِه سواءً، لا بـيان كون المستوي الإنذارَ وعدمَه، والإنذارُ إعلامُ المَخوفِ للاحتراز عنه، إفعال من نذر بالشيء إذا علِمه فحذِره، والمراد هٰهنا التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي، والاقتصارُ عليه لما أنهم ليسوا بأهل للبشارة أصلاً، ولأن الإنذار أوقعُ في القلوب، وأشدُّ تأثيراً في النفوس، فإن دفع المضارِّ أهم من جلب المنافع، فحيث لم يتأثروا به فَلألاّ يرفعوا للبشارة رأساً أولى، وقرىء بتوسيط ألفٍ بـين الهمزتين مع تحقيقهما، وبتوسيطها والثانية بَـيْنَ بـين، وبتخفيف الثانية بـين بـين بلا توسيط، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرىء قدَ أفلح، وقرىء بقلب الثانية ألفاً، وقد نسب ذلك إلى اللحن. {لاَ يُؤْمِنُونَ} جملةٌ مستقلةٌ مؤكدة لما قبلها، مبـينة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء، فلا محلَّ لها من الإعراب، أو حال مؤكدةٌ له، أو بدل منه أو خبرٌ لأن، وما قبلها اعتراضٌ بما هو عِلة للحكم، أو خبرٌ ثانٍ على رأي من يجوِّزه عند كونه جملة، والآية الكريمة مما استدل به على جواز التكليف بما لا يطاق، فإنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون، فظهر استحالةُ إيمانهم لاستلزامه المستحيلَ الذي هو عدمُ مطابقةِ إخباره تعالى للواقع مع كونهم مأمورين بالإيمان، باقين على التكليف، ولأن من جملة ما كُلفوه الإيمانَ بعدم إيمانهم المستمر، والحق أن التكليفَ بالممتنع لذاته وإن جاز عقلاً من حيث إن الأحكامَ لا تستدعي أغراضاً لا سيما الامتثالُ، لكنه غيرُ واقع للاستقراء، والإخبارُ بوقوعِ الشيء أو بعدمه لا ينفي القُدرة عليه، كإخباره تعالى عما يفعله هو، أو العبدُ باختياره، وليس ما كلفوه الإيمانَ بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يُكلفوا الإيمان بعدم إيمانهم المستمر، بل هو الإيمانُ بجميع ما جاء به النبـي عليه السلام إجمالاً، على أن كون الموصولِ عبارةً عنهم ليس معلوماً لهم. وفائدةُ الإنذار بعد العلم بأنه لا يفيد إلزامَ الحجةِ وإحرازَ الرسول صلى الله عليه وسلم فضل الإبلاغ، ولذلك قيل: سواء عليهم، ولم يقل: عليك، كما قيل لعبَدة الأصنام {أية : سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ }تفسير : [الأعراف، الآية 193] وفي الآية الكريمة إخبارٌ بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} الآية. معناه: إن الذين ضلوا عن رؤية منتى عليهم فى السبق سواء عليهم من شاهد الأعواض فى خدمتى ومن شاهد العوض لأخلص سرائرهم، ولا يثبت لهم الإيمان الغيبى، وإنما إيمانهم على العادة.
القشيري
تفسير : من كان في غطاء وصفه محجوباً عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلَّه على الحق، وقول من أعانه على استجلاب الحظ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل، وفي الإصغاء إليها أرغب. كيف لا؟ وهو بِكَيِّ الفرقة موسوم، وفي سجن الغيبة محبوس، وعن محل القربة ممنوع، لا يحصل منهم إيمان، لأنه ليس لهم من الحق أمان؛ فلمَّا لم يؤمنوا لم يؤمِنوا. حكم سبق من الله حتم، وقول له فصل، وإن القدرة لا تُعارَض، ومن زاحم الحق في القضية كبسته سطوات العزة، وقَصَمتهْ بواده الحكم. ويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالتهِ لِمَا سَبَق من شقاوته، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده، ولا يسلك قصده. ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المُبْطِلين، لأن الله سبحانه وتعالى نزع عن أحواله بركاتِ الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول، ولا يُصغي إلى داعي الرشاد، كما قيل: شعر : وعلى النصوح نصيحتي وعليَّ عصيان النصوح تفسير : ويقال من ضلَّ عن شهود المِنَّةِ عليه في سابق القسمة تَوَهَّمَ أن الأمر من حركاته وسَكَنَاته فاتَّكَلَ على أعماله، وتعامى عن شهود أفضاله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كفروا} لما ذكر خاصة عباده وخالصة اوليائه بصفاتهم التى اهلتهم للهدى والفلاح عقبهم اضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا يغنى عنهم الآيات والنذر وتعريف الموصول اما للعهد والمراد به ناس باعيانهم كابى لهب وابى جهل والوليد ابن المغيرة واحبار اليهود او للجنس مناولا كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم فخص منهم غير المصرين بما اسند اليه. والكفر لغة الستر والتغطية وفى الشريعة انكار ما علم بالضرورة مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم به وانما عد لباس الغيار وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرها كفرا لدلالته على التكذيب فان من صدق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يكاد يجترئ على امثال ذلك اذ لا داعى اليه كالزنى وشرب الخمر لا لانه كفر فى نفسه. والكافر فى القرآن على اربعة اوجه. احدها نقيض المؤمن قال الله تعالى {أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله}تفسير : [محمد: 1] والثانى الجاحد قال تعالى {أية : ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين}تفسير : [آل عمران: 97]. اى جحد وجوب الحج. والثالث نقيض الشاكر قال تعالى {أية : واشكروا لى ولا تكفرون}تفسير : [البقرة: 152] والرابع المتبرى قال تعالى {ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} اى يتبرأ بعضكم من بعض كذا فى التيسير. وقال فى البغوى الكفر على اربعة اوجه كفر الانكار وهوان لا يعرف الله اصلا ولا يعترف به وكفر الجحود وهو ان يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر ابليس قال الله تعالى {أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به}تفسير : [ البقرة: 89] وكفر العناد وهو ان يعرف بقلبه ولا يعترف بلسانه ولا يدين به ككفر ابى طالب حيث يقول شعر : ولقد علمت بان دين محمد من خير اديان البرية دينا لولا الملامة او حذرا مسبة لوجدتنى سمحا بذاك مبينا تفسير : وكفر النفاق وهو ان يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجميع هذه الانواع سواء فى ان من لقى الله بواحد منها لا يغفر له انتهى كلام البغوى لكن الكلام فى ابى طالب سيجئ عند قوله تعالى {أية : ولا تسئل عن أصحاب الجحيم}تفسير : [البقرة: 119] {أية : سواء عليهم}تفسير : [ البقرة: 6] اى عندهم وهو اسم بمعنى الاستواء نعت به كما ينعت بالمصادر مبالغة قال الله تعالى {أية : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}تفسير : [آل عمران: 64] وارتفاعه على انه خبر لان وقوله تعالى {ءانذرتهم} يا محمد {أم لم تنذرهم} مرتفع على الفاعلية لان الهمزة وما مجردتان عن معنى الاستفهام لتحقيق معنى الاستواء بين مدخوليهما كما جرد الامر والنهى لذلك عن معنييهما فى قوله عز وجل {أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}تفسير : [التوبة: 80]. وحرف النداء فى قولك اللهم اغفر لنا ايتها العصابة وعن معنى الطلب لمجرد التخصيص كانه قيل ان الذين كفروا مستو عليهم انذارك وعدمه كقولك ان زيدا مختصم اخوه وابن عمه. واصل الانذار الاعلام بامر مخوف وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا كما فى تفسير ابى الليث والمراد ههنا التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصى وانما اقتصر عليه لما انهم ليسوا باهل للبشارة اصلا ولا الانذار اوقع فى القلوب واشد تأثيرا فى النفوس فان دفع المضار أهم من جلب المنافع فحيث لم يتأثروا به فلأن لا يرفعوا للبشارة رأسا اولى. وانما لم يقل سواء عليك كما قال لعبدة الاصنام {أية : سواء عليكم ادعوتموهم أم أنتم صامتون}تفسير : [الأعراف: 193]. لان انذارك وترك انذارك ليسا سواء فى حقك لانك تثاب على الانذار وان لم يؤمنوا فاما فى حقهم فهما سواء لانهم لا يؤمنون فى الحالين وهو نظير الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فانه يثاب به الآمر وان لم يعمل به المأمور وكان هؤلاء القوم كقوم هود الذين قالوا لهود عليه السلام {أية : سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين}تفسير : [الشعراء: 136] وقال تعالى فى حق هؤلاء {سواء عليهم} الخ ويقال لهم فى القيامة {أية : اصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون}تفسير : [الطور: 16]. واخبر عنهم انهم يقولون {أية : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}تفسير : [إبراهيم:21] فلما كان الوعظ وتركه سواء كان صبرهم فى النار وتركه سواء وجزعهم فيها وتركه سواء وانت اذا كان عصيانك فى الشباب والشيب سواء وتماديك فى الصحة والمرض سواء واعراضك فى النعمة والمحنة سواء وقسوتك على القريب والبعيد سواء وزيغك فى السر والعلانية سواء اما تخشى ان تكون توبتك عند الموت واصرارك عند النزع وسكوتك سواء وزيارة الصالحين لك وامتناعهم سواء وقيام الشفعاء بامرك وتركهم سواء كذا فى تفسير التيسير {لا يؤمنون} جملة مستقلة مؤكدة لما قبلها مبينة لما فيه من اجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الاعراب ثم هذا تخفيف للنبى عليه السلام وتفريغ لقلبه حيث اخبره عن هؤلاء بما اخبر به نوحا صلوات الله عليه وعلى سائر الانبياء فى الانتهاء فانه قال تعالى لنوح عليه السلام بعد طول الزمان ومقاساة الشدائد والاحزان {أية : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}تفسير : [هود: 36]. فدعا بهلاكهم بعد ذلك وكذلك سائر الانبياء. فى الآية الكريمة اخبار بالغيب على ما هو به ان اريد بالموصول اشخاص باعيانهم فهى من المعجزات الباهرة وفى الآية اثبات فعل العباد فانه قال لا يؤمنون فيه اثبات الاختبار ونفى الاكراه والاجبار فانه لم يقل لا يستطيعون بل قال لا يؤمنون. فان قلت لما علم الله انهم لا يؤمنون فلم امر النبى عليه السلام بدعائهم. قلت فائدة الانذار بعد العلم بانه لا ينجع الزام الحجة كما ان الله تعالى بعث موسى الى فرعون ليدعوه الى السلام وعلم انه لا يؤمن قال الله تعالى {أية : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}تفسير : [النساء: 165] وقال {أية : ولو انا اهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك}تفسير : [طه: 134]. فان قلت لما اخبر الله رسوله انهم لا يؤمنون فهلا الهكهم كما اهلك قوم نوح بعدما اخبرانهم لا يؤمنون. قلت لان النبى عليه السلام كان رحمة للعالمين كما ورد به الكتاب وقد قال الله تعالى {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}تفسير : [الأَنفال: 33] ثم ان الاخبار بوقوع الشئ او عدمه لا ينفى القدرة عليه كاخباره تعالى عما يفعله هو او العبد باختياره فلا يلزم جواز تكليف ما لا يطاق. قال الامام القشيرى من كان فى غطاء صفته محجوبا عن شهود حقه فسيان عنده قول من دله على الحق وقول من اعانه على استجلاب الحظ بل هو الى داعى الغفلة اميل وفى الاصغاء اليه ارغب وكما ان الكافر لا يرعوى عن ضلالته لما سبق من شقاوته فكذلك المربوط باغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده. وقال ايضا ان الذى بقى فى ظلمات دعاويه سواء عنده نصح الراشدين وتسويلات المبطلين لان الله تعالى نزع من احواله. بركات الانصاف فلا يصغى الى داعى الرشاد كما قيل شعر : وعلى النصوح نصيحتى وعلى عصيان النصوح تفسير : وفى التأويلات النجمية {ان الذين كفروا} اى جحدوا ربوبيتى بعد اقرارهم فى عهد الست بربكم باجابة بلى وستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من اعمالهم الطبيعية النفسانية وافسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التى فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية كما قال تعالى {أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}تفسير : [المطففين: 14] وذلك بان ارواحهم النفسية لما نظروا بروزنة الحواس الخمس الى عالم الصورة الخسيسة حجبت عن مألوفاتها ومحابها ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها ولهذا يسمى الانسان انسانا لانه انيس فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا فاستحسن ما استحسنت النفس واستلذ به ما استلذ به النفس واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطع عند الاغذية الروحانية ونسى حظائر القدس وجوار الحق فى رياض الانس ولهذا سمى الناس ناسا لانه ناس فتاه فى اودية الخسران واستهوته الشياطين فى الارض حيران ولما نسوا الله بالكفران نسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى واوقعهم فى مهالك الردى فاصبحوا بنفوس احياء وقلوب موتى {سواء عليهم ءانذرتهم} بالوعد والوعيد وخوفتهم بالعذاب الشديد {ام لم تنذرهم لا يؤمنون} بما اخبرتهم ودعوتهم اليه وانذرتهم عليه لان روزنة قلوبهم الى عالم الغيب منسدة بقساوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مقفول عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى {أية : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}تفسير : [محمد: 24]. فما تنسموا روائح الانس من رياض القدس بل هب عليهم صرصر الشقاوة من مهب حكم السابقة وادركهم بالختم على أقفا لها كما قال تعالى{أية : ختم الله}تفسير : [البقرة: 7] الآية انتهى ما فى التأويلات. ومن امثال الانجيل قلوبكم كالحصاة لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الريح: قال السعدى شعر : جون بو داصل جوهرى قابل تربيت را دراواثر باشد هيج صيقل نكو نداند كرد آهنى راكه بد كهر باشد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {سواء} خبر مقدم، و {أنذرتهم} مبتدأ لسبك همزة التسوية، أي: الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة، والجملة خبر إن، و {غشاوة} مبتدأ، والجار قبله خبره، والغشاوة: ما يغشى الشيء ويغطيه، كنى به عن مانع قهرهم عن الإيمان. يقول الحقّ جلّ جلاله: يا محمد {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بما أنزل إليك جهراً، وسبقت لهم مني الشقاوة سرّاً، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار، ولا البشارة والتذكار، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء، فالتذكير في حقهم عناء، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء، لأني ختمتُ على قلوبهم بطابع الكفران، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان، ومنعت أسماعهم أن تصغي إلى الوعظ والتذكير، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب، قد أعددتُهم لعذابي ونقمتي، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي. وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادي؛ فإني لا أظلم أحداً من خلقي وعبادي،{أية : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الأنعَام: 149]. فما ظلمتُهم؛ لأني بعثتُ الرسلَ مبشرين ومنذرين، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين، فحكمتي اقتضيت الإنذار، وقدرتي اقتضت القهر والإجبار، فالواجب عليك أيها العبد أن تكون لك عينان: عين تنظر لحكمتي وشريعتي فتتأدب، وعينٌ تنظر لقدرتي وحقيقتي فتُسلم، وتكون بي الأمن والرّهْب، فلا تأمَنْ مَكْرِي وإن أمَّنتُك، ولا تيأس من حلمي وإن أبعدتك، فعلمي لا يحيط به محيط، إلا من هو بكل شيء محيط. الإشارة: إن الذين أنكروا وجود الخصوصية، جحدوا أهل مشاهدة الربوبية من أهل التربية النبوية، لا ينفع فيهم الوعظ والتذكير، بما سبق لهم في علم الملك القدير، فسواء عليهم أأنذرتهم وبال القطيعة والحجاب، أم لم تنذرهم؛ لعدم فتح الباب، قد ختم الله على قلوبهم بالعوائد والشهوات، أو حلاوة الزهد والطاعات، أو تحرير المسائل والمشكلات، وعلى سمع قلوبهم بالخواطر والغفلات، وجعل على أبصارهم غشاوة الحجاب، فلا يبصرون إلا المحسوسات، غائبون عن أسرار المعاني وأنوار التجليات، بخلاف قلوب العارفين، فإنها ترى من أسرار المعاني ما لا يُرى للناظرين، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : قلوبُ العَارفِينَ لَهَا عُيُونٌ تَرى ما لا يُرى للناظرينا وألسنةٌ بأسْرارٍ تُنَاجِي تغيبُ عَنَ الكِرَام الكَاتِبِينَا وأجنحةٌ تَطِيرُ بغير ريشٍ إلى ملكُوتٍ ربِّ العَالَمِينَا تفسير : فسبحان من حجب العالمين بصلاحهم عن مصلحهم، وحجب العلماء بعلمهم عن معلومهم، واختصّ قوماً بنفوذ عزائمهم إلى مشاهدة ذات محبوبهم، فهم في رياض ملكوته يتنزهون، وفي بحار جبروته يسبحون، {أية : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ }تفسير : [الصَّافات: 61]. ولما ذكر الحق - جلّ جلاله - من أعلن بالإنكار، ذكر من أسَرَّ بالجحود وأظهر الإقرار.
الطوسي
تفسير : النزول ـ نزلت في أبي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الاحزاب قتلوا يوم بدر في قول الربيع بن أنس، واختاره البلخي والمغربي. وقال ابن عباس: نزلت في قوم باعيانهم من أحبار اليهود ذكرهم باعيانهم، من اليهود الذين حول المدينة. وقال قوم: نزلت في مشركي العرب، واختار الطبري قول ابن عباس. والذي نقوله إنه لا بد أن تكون الآية مخصوصة لأن حملها على العموم غير ممكن، لأنا علمنا أن في الكفار من يؤمن فلا يمكن العموم، وأما القطع على واحد مما قالوه فلا دليل عليه، ويجب تجويز كل واحد من هذه الاقوال، ومن مات منهم على كفره يقطع على أنه مراد بالآية، فعلى هذه قادة الاحزاب مرادون على ما قال ربيع بن انس ومن قتل يوم بدر كذلك ومن قال ان الآية مخصوصة بكفار اهل الكتاب قال: لأن ما تقدمها مختص بمؤمنيهم فيجب ان يكون ما يعقبها مختصاً بكفارهم وقد قلنا إن الآية الاولى حملها على عمومها اولى ولو كانت خاصة بهم لم يجب حمل هذه الآية على الخصوص لما تقدم فيما مضى. والذين نصب بأن. والكفر هو الجحود والستر ولذلك سمي الليل كافراً لظلمته قال الشاعر: شعر : فتذكرا نقلا رشيداً بعد ما القت ذكاء يمينها في كافر تفسير : وقال لبيد: شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : يعني غطاها. والكافور اكمام الكرم الذي يكون فيه والكفري وِعاءُ الطلعة لأنه يستر اللب ومنه قوله تعالى: {أية : كمثل غيث أعجب الكفار نباته} تفسير : وسمي الزارع كافراً لتغطيته البذر ويقال فلان متكفر بالسلاح اذا تغطى به. وفي الشرع عبارة عمن جحد ما اوجب الله عليه معرفته من توحيده وعدله ومعرفة نبيه والاقرار بما جاء به من اركان الشرع فمن جحد شيئاً من ذلك كان كافراً وربما تعلقت به احكام مخصوصة من منع الموارثة والمناكحة والمدافنة والصلاة عليه وربما لم يتعلق بحسب الدليل عليه. قوله تعالى: {سواء عليهم ءأنذرتهم} جمع بين الهمزتين أهل الكوفة وابن عامر إلا الحلواني وكذلك في كل همزتين في كلمة واحدة اذا كانت الاولى للاستفهام إلا في مواضع مخصوصه نذكرها فيما بعد الباقون بتخفيف الاولى وتليين الثانية وفصل بينهما بالألف أهل المدينة إلا ورشاً وابا عمرو والحلواني عن هشام. ومعنى قوله {سواء} أي معتدل مأخوذ من التساوي كقولك متساو وتقول: هذان الأمران عندي سواء أي معتدلان، ومنه قوله: {أية : فانبذ إليهم على سواء} تفسير : يعني بذلك اعلمهم وآذنهم للحرب ليستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منكم للاخر ومعناه: أي الامرين كان منك اليهم الانذار أم ترك الانذار فانهم لا يؤمنون. وقال عبد الله بن قيس الرقيات: شعر : تعدت بي الشهباء نحو ابن جعفر سواء عليها ليلها ونهارها تفسير : يعني بدلك عندها معتدل في السير الليل والنهار، لأنها لا فتور فيه ومنه قول الآخر: شعر : وليل يقول المرء من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها تفسير : لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصراً ضعيفاً من ظلمته، وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر، وله نظائر في القرآن، كما تقول ما أبالي أقمت أم قعدت، وانت مخبر لا مستفهم لأنه وقع موقع أي، كأنك قلت لا أبالي أيّ الامرين كان منك وكذلك معنى الآية: سواء عليهم أيّ هذين منك اليهم حسن في موضعه، سواء فعلت أم لم تفعل. وقال بعض النحويين ان حرف الاستفهام انما دخل مع سواء وليس باستفهام؛ لأن المستفهم اذا استفهم غيره قال: أزيد عندك أم عمرو ويستفهم صاحبه ايهما عنده وليس احدهما احق بالاستفهام من الآخر فلما كان قوله: {سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} بمعنى التسويه أشبه ذلك الاستفهام اذ شبهه بالتسوية، وقال جرير: شعر : الستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح تفسير : فهذا في صورة الاستفهام وهو خبر، لأنه لو أراد الاستفهام لما كان مدحاً وقال آخر: شعر : سواء عليه أي حين أتيته أساعة نحس تتقى أم باسعد تفسير : ولا يجوز أن تقع أو في مثل هذا مكان أم لأن أم هي التي تعادل بها الهمزة لا أو. والفرق بينهما ان أو يستفهم بها عند أحد الامرين هل حصل أم لا وهو لا يعلمها معاً كقول القائل: أذَّن أو أقام؟ اذ المراد تعلمهما، فاذا علم واحداً منهما ولم يعلمه بعينه قال أذن أم اقام؟ يستفهم عن تعيين أحدهما هذا في الاستفهام. وفي الخبر تقول: لا أبالي أقمت أم قعدت. أي هما عندي سواء ولا يجوز ان تقول لا أبالي أقمت أو قعدت لأنك ليت بمستفهم من شيء. وحكي عن عاصم الجحدري انه قرأ سواو بواو مضمومة لا بهمزة وهذا غلط لأن العرب كلها تهمز ما بعده مده يقولون: كساء ورداء وهواء وجزاء وغير ذلك. وأما الانذار فهو اعلام وتخويف، وكل منذر معلم وليس كل معلم منذراً وقد سمى الله نفسه بذلك فقال: {أية : إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} تفسير : لأن الاعلام يجوز وصفه به والتخويف أيضاً كذلك في قوله: {ذلك يخوف الله به عباده} فاذا جاز وصفه بالمعنيين جاز وصفه بلفظ يشتمل عليهما وانذرت فعل متعد إلى مفعولين كقوله تعالى: {أنذرتكم صاعقة} و {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} وقد ورد معداً بالباء في قوله تعالى: {أية : قل إنما أنذركم بالوحي} تفسير : وقيل الانذار هو التحذير من مخوف يتسع زمانه الاحتراز، فان لم يتسع زمانه للاحتراز كان اشعاراً ولم يكن انذاراً. قال الشاعر: شعر : انذرت عمراً وهو في مهل قبل الصباح فقد عصى عمرو تفسير : فان قيل الذين علم الله منهم انهم لا يؤمنون، هل كانوا قادرين على الايمان أم لا؟ فان قلتم ما كانوا قادرين، وقد كلفهم الله تعالى الايمان، فقد كلفهم ما لا يقدرون عليه، وهذا لا يجوز ـ وان كانوا قادرين ـ فقد قلتم: انهم كانوا قادرين على تجهيل الله. قلنا: هذا يلزم المخالف مثله، فانه لا خلاف أنهم مأمورون بالايمان، فيقال لهم: انه لا يجب ذلك كما لا يجب اذا كانوا مأمورين بالايمان، ان يكونوا مأمورين (بابطال ما علم الله) أليس الله قد علم انه لا يقيم القيامة اليوم؟ ايقولون: انه قادر على اقامتها أم لا؟ فان قلتم: انه لا يقدر، فقد عجّزتم الله وان قلتم: انه يقدر، فقد قلتم: انه يقدر على ان يجهّل نفسه. والجواب الصحيح عن ذلك: أن العلم يتناول الشيء على ما هو به، ولا يجعله على ما هو به، فليس يمتنع ان يعلم حصول شيء بعينه، وان كان غيره مقدورا ألا ترى أن من خُيرّ بين الصدق والكذب وقد علم أن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه في باب الغرض وقد علم قد علم قبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق ـ وان كان قادراً على الكذب ـ فبان بذلك صحة ما قلناه.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "إنّ" من الحروف، والحروفُ بما هي حروفٌ، لا أصل لها في العلم، إلاّ انَّ "إنَّ" وأخواتها لمّا شابهت الفعلَ - في عدد بسائطها، وبنائها على الفتح، ولزوم الأسماء، وإعطاء معانيه وخصوصاً المتعدّي في دخولها على اسمين - عملت عملَه الفرعي، وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني ايذاناً بأنّه فرعٌ في العمل دخيل فيه. ومعناها؛ تأكيد النسبة وتحقيقها، ولذلك يتلقّى بها القسم، وتصدّر بها الأجوبة، وتذكر في معرض الشكّ. روى الأنباري: انّ الكندي المتفلسِف ركب الى المبرّد وقال: إنّي أجد في كلام العرب حشواً؛ أجد العربيَّ يقول: عبدُ الله قائم، ثمّ يقول: إنّ عبد الله قائمٌ، ثمّ يقول؛ إنّ عبد الله لقائم، فقال المبرّد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ. ففي الأول: إخبارٌ عن قيامه، وفي الثاني: جوابٌ عن سؤال سائل، وفي الثالث: جوابٌ عن إنكار منكرٍ لقيامه. وتعريف الموصول إمّا للعهد، إذا كان إشارة الى جماعة معيّنة كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن مغيرة وأحبار اليهود، أو للجنس، إذا أُريد به المتناول للمصمّمين على الكفر وغيرهم، فخصّ عنهم غير المصرّين بما اسند إليه. والكُفْر في اللغة: إخفاء حقّ النعمة. وهو منقولٌ لغويٌ عن الكَفر بالفتح، وهو الستر، ولهذا يقال للزارع: الكافر، وكذا الليل. ولكمام الثمرة: كافور. وفي عرف الشريعة: إنكار ما عُلم بالضرورة من دين نبيّنا (صلّى الله عليه وآله)، وذلك أنّ كل ما نقل عنه (صلّى الله عليه وآله) انّه ذهب اليه وقال به، فإمّا أن يعرف صحّة ذلك النقل بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبرٍ الواحد. أما القِسم الأول - هو الذي علم بالضرورة مجيء الرسول (صلّى الله عليه وآله) به - فمَن صدّقه في جميع ذلك فهو مؤمنٌ، ومن لم يصدّقه في كل ذلك، فإمّا بأن لا يصدّقه في جميعها، أو بأن لا يصدّقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر، إذا الكفر عدم تصديق الرسول (صلّى الله عليه وآله) في شيء مما علم بالضرورة مجيئُه به. ومثاله من أنكر وجودَ الصانع، أو كونه عالِماً قادراً مختاراً، أو كونه واحداً منزّهاً عن النقائص والآفات، أو أنكر صحّة نبوّة النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو صحة القرآن، أو الشرائع التي علم كونها من دين نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) كوجوب الصلاة والزكاة، وحُرمة الزنا والخمر، فهو كافرٌ لإنكاره ضروريّاً من هذا الدين. فأما الذي يعرف بالدليل انّه من الدين، مثل عينيّة الصفات له تعالى، أو زيادتها، وكونه تعالى جائز الرؤية أم لا، وكون كلام الله قديماً أو محدَثاً، وكونه خالق أفعال العباد أم لا مما لم ينقل بالتواتر القاطع أحدُ طرفَيه، فليس إنكاره ولا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان، ولا موجباً للكفر. والدليل عليه؛ انّه لو كان جزءاً لماهية الإيمان، لوجب أن لا يحكم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بايمان أحدٍ إلاّ بعد أن يعرف انّه هل يعرف الحق في تلك المسألة؛ ولو كان كذلك، لاشتهر قول النبي (صلّى الله عليه وآله) في تلك المسألة بين جميع الأمّة، ولكانَ منقولاً بالتواتر، وليس الأمر كذلك، ونفيُ التالي يوجب نفي المقدّم، فوجب أن لا تكون معرفتها من أجزاء الإيمان ولا إنكارها موجباً للكفر. وأما المنقول بخبر الواحد، فالأمر فيه أظهر. فهذا تحقيق ماهية الكُفر على قاعدة الإستدلالات الكلاميّة، وظهَر منه انّه يرجع الى الإنكار الباطني، أو عدم التصديق القلبي، فيكون من أعمال القلب كالإيمان، لكونهما متقابلان إما تقابل التضاد، أو تقابل العدَم والمَلَكة كالعلْم والجهْل، فعلى هذا لبس الغبار وشد الزنّار ونحوهما إنّما يسمّى كفراً، لأنّها تدل على تكذيب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ من آمن بالله وصدّق الرسول، لا يجترئ عليها ظاهراً لا أنها كفر في نفسها كما انّ التزّيي بشعار المسلمين دالٌّ على الإيمان، لا أنّه إيمان. وأما تحقيق حقيقة الكفر عند العرفاء الذين يعرفون الأمور بالبصيرة الباطنيّة لا بالاستدال الكلامي، فهو انّه عبارة عن الاحتجاب عن نور الإيمان، لما علمت انّ الإيمان الحقيقي نور فائض من الله على القلب، به تنكشف أحوال المبدأ وأسرار المعاد، ولهذا الإيمان قشرٌ وهو إيمان المتكلّم، ولقشرة قشرٌ وهو إيمان العوامّ. فالكفر الذي يقابله، هو الستر والاحتجاب عن ذلك النور بالكليّة، وهو على ضربين: لأن هذا الاحتجاب: إمّا بأمر وجودي كالظلمة التي تضادّ ذلك النور، وهو الجحود للحقّ والانكار له عدواناً وعناداً، للجهل المركّب الراسخ في النفس، أو بأمر عدمي، هو عبارةٌ عن عدم الإيمان، للجهل البسيط المقابل للعلم تقابُل العدم للمَلَكة. وقد وقع الفرقُ بين القسمين في كلام الله كثيراً، كما في هذه الآية، والآية التي تتلوها، ولهذا قيل: إنّ المراد ها هنا بقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مشركو مكّة، وصناديد قريش من الذين غلظت طبائِعُهم، وغلبت الكثافةُ والجسميّة على نفوسهم، والختمُ على قلوبهم، فقلوبهم في أكنّة ونفوسهم لم تخرج بعد من القوّة الى الفعل، لعدم المسع الباطني والبصر الباطني لهم. ونظيره ما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس:9] الآية. وقوله: {أية : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} تفسير : [فصّلت:4 - 5]. والمراد بقوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [البقرة:8] رؤساء اليهود وأحبارهم، الذين عانَدوا الحقَّ وأنكروا الآيات وجحَدوها، وكانوا يُخادعون الله ورسوله، وهؤلاء أسوأ حالاً وأردأ مآلاً من المشركين، وسنزيدك ايضاحاً إنشاء الله. فصل [الأقوال في حدوث كلامه تعالى] احتجّت المعتزلة على حدوث كلامه تعالى - سواء كان ألفاظاً بهذه الحروف والأصوات أو شيئاً آخر - بالإخبارات الواقعة في القرآن بصيغة الماضي، الدالّة على تقدّم الواقعة المخبَر عنها بهذه الصيغة عليه، اذ القديم لا يكون مسبوقاً بغيره. وأجابت الأشاعرة عنه بما هو المشهور عنهم بأنّ التجدّد والمضيَّ والانقضاء وغيرها، كلّها صفة تعلّق الكلام، وحدوث التعلّق لا يوجب حدوثَ الشيء المتعلّق، نظيره في صفة العلم، أنّ الله تعالى كان في الأزل عالماً بأنّ العالَم سيوجد، فلمّا أوجده انقلب العلم بأنّه سيوجد في المستقبل علماً بأنّه قد وجد في الماضي. ولم يلزم حدوث علم الله، فكذا ها هنا بأن يقال أخبر الله تعالى في الأزل بأنّهم سيكفرون فلمّا وجد كُفرهم صار ذلك خبراً عن أنّهم قد كفَروا ولم يلزم حدوثٌ. وكلمات الفريقين في هذه المسألة كثيرة ممّا لا طائل تحتها، ولا يزيد الخوضُ فيها إلاّ بُعداً عن الحقّ وقساوة في القلب، والصوابُ الرجوعُ عنها الى طريقة أهل الله، والاقتباس عن مشكاة النبوّة بحقّ المتابعة للرسول وآله عليهم السلام. فصل قوله: سواء عليهم، هو اسم بمعنى الاستواء. وصف به كما وصف بالمصادر، ومنه قوله تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [آل عمران:64] وقوله: {أية : فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصّلت:10]. بمعنى مستوية وهو مرفوع إمّا بأنّه خبر لإنّ وانذَرْتَهُمْ امْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ في موضع المرتفع به على الفاعليّة، كأنّه قيل: إنّ الكافرين مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه. أو بأنّه خبر لأَنذَرْتَهُمْ امْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، وانذَرْتَهُمْ امْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ في موضع المبتدإ المقدم عليه خبُره، والجملة خبر لإنّ، بمعنى إنذارك وعدمه سيّان عليهم. والثاني أَوْلىٰ، لأنّ "سواء" اسم، فتنزيله منزلة الفعْل تركٌ للظاهر بلا ضرورة، فأمّا صيروة الفعل مبتدأ مخبَراً عنه ها هنا - مع انّهم اتّفقوا على أنّ الفعل لا يكون مخبِراً ولا مخبَراً عنه - فمن قال: (ضرب خرج) لم يكن آتياً بكلام منتظم، فالوجه في صحّته: انّ الفعلَ إنّما يمتنع الإخبار عنه إذا كان على صرافة حاله وتمام مفهومه الموضوع له من حيث اشتماله على المعنى النسبيّ الممتنع الحكم عليه وبه. وأمّا لو أُطلق واريد به اللفظ كما في قولك: "ضربَ على وزن فعَل" أو مطلق المعنى الحدَثي الدالّ عليه الفعل ضمناً على سبيل الاتّساع، فهو كالاسم فيما يختصّ به من الإضافة والإسناد اليه كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} تفسير : [البقرة:13]، وقوله: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} تفسير : [يوسف:35]. وقوله: {أية : يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} تفسير : [المائدة:119]. وقولهم: تسمعُ بالمُعَيْدي خيرٌ من أن تراه. ولأنا إذا قلنا الفعلُ لا يخبر عنه، فهذا خطأ، إذ قد صار الفعل مخبَراً عنه، ولأن المخبَر عنه بأنه فعل، لا بدّ وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنّه فعل. فإن قيل: المخبَر عنه تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم، قلنا: إذا كان اسماً كان الإخبار عنه بأنّه فعل، كذِباً. والتحقيق: انّ المخبَر عنه بأنّه فعلٌ لا يخلو، إمّا أن يكون اسماً، أو فِعلاً فإن كان اسماً، فقد حكمت على الاسم بأنّه فِعل، فيكون كاذباً، وإن كان فِعلاً فقد وقع الإخبار عن الفعلِ، وهو المطلوب. وهذا الوجه الأخير الذي قلته ممّا ذكره صاحب التفسير الكبير. وأقول: هذه شبهة كشبهة المجهول المطلق، لا يجوز التمسّك بها في هذا المقام ونظائره، لأنها منحلّة العقدة بما حُقّق في الحكمة الميزانيّة، وهو أنّ الحَمل - أي الحكم العقلي بالاتّحاد بين شيئين بهو هو - على ضربين: أحدهما: الحمل الشائع، كما في قولك: زيدٌ حيوان، في الذاتيات وزيدٌ كاتب، في العرَضيات، ومفاده ومصداقه كون الموضوع من أفراد المحمول، سواء كان فرده بالذات أو بالعرَض، وسواء كان الحكْم على أفراد الموضوع كما في القضيّة المحصورة، أو على نفس مفهومه، كما في القضية الطبيعيّة. وثانيهما: الحمل الذاتي الأولى، ومفاده: كون أحد المفهومين عنواناً للآخر سواء كان نفسه، كما في حمل المترادفين أحدهما على الآخر كقولك: الإنسانُ بشَر، أو كان بينهما تفاوت بالإجمال والتفصيل، كما في قولك: الإنسان حيوان ناطق، إذا حكمت على نفس المفهوم في المثالين. فإذا تقررّ هذا فنقول: كل شيء فهو يصدق على نفسه بالحمل الأولي، لاستحالة سلب الشيء عن نفسه؛ وإنّ بعض الأشياء مما لا يصدق على نفسه بالحمل الشائع، بل نقيضه يصدق عليه بهذا الحمل، وبعضه يصدق على نفسه بكِلا الحملين. فالأول: كالجزئي، فإنّه ليس بجزئيٍّ، لأنّ مقهومَه كلي، وكاللامفهوم، فإنّه مفهوم، والثاني: كالكليّ والمفهوم ونظائرهما. فقولك: الجزئيُّ جزئيٌّ. والجزئيُّ ليس بجزئيٍّ، كلاهما صحيح صادق من غير تناقض عند اختلاف الحملَين. ولهذا اعتبر في شرائط التناقض بين القضيّتين، وحدةُ الحمْل، سوى الوحَدات الثمان المشهورات ثمّ إنّ جملة الأشياء التي يصدق ويكذب على نفسها وعينها مفهوم الفِعْل ومفهم الحَرف، فإن كلاً منهما يصدق على نفسه ويكذب عنها أيضاً من غير تناقضٍ، فمفهومُ الحَرفِ مفهُوم الحرَف بأحد الحملين، بمعنى انّه عين مفهوم ما دلّ على معنى في غيره، كعينية الحدّ مع المحدود وغيره بالحمل الآخر، إذ يصدق عليه حدّ الإسم. وكذا لفظ "الحرْف" حرفٌ واسمٌ باعتبارين: باعتبار انّه بعينه لفظ الحرف، وباعتبار انّه يصدق عليه حدُّ الإسم، أي كلمةُ دلّت على معنى في نفسه، وعلى هذا فقِس الفعْل. فقد ثبت وتحقّق بما ذكرنا، أنّ الفعل إذا أريد به المفهوم العنواني، يجوز الحكم عليه وبه بالاتّفاق من أفراد الإسم، كقولك: الفعلُ ما دلّ على معنى مقترن بالزمان، وهذا غير ما نحن فيه، إذ لا بحث عنه ها هنا ولم ينقل خلافٌ لأحد فيه، إنّما الكلام في أفراد هذا المعنى، وهي التي يصدق عليها حدُّ الفعل ومفهومه - كضرَبَ وعَلِم وأمثالهما-، هل يصح الإخبار عنها أم لا؟ وهذا هو محل البحْث وموضع الخلاف. وبما ذكره لم يثبت صحّة الإخبار عن ما يصدق عليه الفعْل، فالوجه كما ذكر أولاً من جواز ذلك عند الضرورة، وعلى سبيل التجوّز، أو الحكاية لكن بقي ان يقال: ما الفائدة في العدول ها هنا عن الحقيقية؟ فنقول: قد عدل من المصدر الى الفعل تنبيهاً على التجدّد، لأن القوم كانوا قد بلغوا في الاصرار واللجاج والإنكار للحق، والإعراض عن الآيات والنُّذُر، الى حالة ما بقي منهم رجاءُ القبول ألبتّة، وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال: "سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك" لم يفد تجدّد هذه الحالة في هذا الوقت دون ما قبله. واعلم أنّ "الهمزة" و"أم" ها هنا عاريتان عن معنى الاستفهام، وإنّما هما لتقرير معنى الاستواء وتأكيده فقط، قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا، أيّتها العصابة، فإنَها لمجرد الاختصاص. ومعنى الإنذار: هو التخويف عن عقاب الله وإنّما اقتصر عليه دون البشارة، لأنّ تأثيره أوقع في القلب وأشدّ من جهة انّ دفع المضرّة أهمّ من جلب المنفعة. وفي "أَأَنذَرْتَهُمْ" ستّ قراءات: تحقيق الهمزتين بينهما ألف أوْلا، وتخفيف الثانية بين بين، وبينهما ألف أَوْلا، وحذف الاستفهاميّة والقاء حركته على الساكن، وقرئ بتخفيف الأولىٰ وإبدالها هاءً، وهو شاذّ. وقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} جملة مفسرة لما قبلها لإجماله في ما فيه الاستواء، فلا محلّ لها من الإعراب، أو حال مؤكِّدة له، أو بدل عنه، أو خبر إنّ وما قبلها، اعتراض بما هو سبب الحكم. فصل [احتجاجات الأشاعرة والمعتزلة بهذه الآية ونظائرها] وممّا احتجّ به أهل السّنّة على صحّة القول بالتكليف بما لا يطاق عليه، هذه الآية ونظائرها. كقوله: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس:7] وقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103]. وقوله: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} تفسير : [المدثر:17]. وقوله: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} تفسير : [المسد:1]. وبيانه من جهة الكلام: أنّه تعالى أخبر عن شخصٍ معيّن انّه لا يؤمن قطّ، فلو صدر منه الإيمان، يلزم الكذب على الله في كلامه. ومن جهة العلم، أنّه تعالى علم منه في الأزل أنّه لا يؤمن. فلو آمن يلزم انقلاب علمه جهلاً وذلك محال؛ فكذا ما يستلزمه فصدور الإيمان منه محالٌ وقد كلّف به. وأيضاً: الإيمان يُعتبر فيه التصديق بكلّ ما اخبر الله عنه، ومن جملته: أنّهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات. فهذه عمدة الوجوه التي تمسّك بها السلفُ من الأشاعرة في دفع أصول المعتزلة وهدم قوانينهم. وهم تفصَّوا عن هذه الاحتجاجات إجمالاً وتفصيلاً. أمّا المقام الأول: فبيان أنّ علم الله تعالى وخبَره عن عدم الايمان، لا يجوز أن يكون مانعاً من الإيمان لوجوه: الأول: أن القرآن مملوء من الآيات على أن لا مانع لأحد من الإيمان، كما قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الإسراء:94]. والكلام إنكار بصورة الاستفهام، دالّ على أن المانع من أن يؤمنوا منتفٍ في الواقع. وكقوله لإبليس: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} تفسير : [ص:75]. وقوله: {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الانشقاق:20] {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر:49]. والثاني: أن الله تعالى قال: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء:165]. وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} تفسير : [طه:134]. فقد تبيّن انه ما أبقى لهم عذراً إلا وقد أزاله عنهم. فلو كان علمه تعالى بكفرهم مانعاً لهم عن الإيمان، لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة لاستقحاقهم للعقاب. والتالي باطل، فكذا المقدّم. والثالث: انه ذكر في مقام الذم والزجر والتقبيح قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} الآية، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه، لما استحقوا التقبيح البتة، بل كانوا معذورين كالأعمى في أن لا يرى. والرابع: إنّ القرآن إنّما أُنزل ليكون حجّة لله ولرسوله عليهم، لا أن يكون حجّة لهم على الله وعلى رسوله، فلو كان العلمُ والخبر مانعين، لكان لهم أن يقولوا: إنّما كفَرنا لسبْق القضاء على كُفرِنا، وتركُ المقضيّ مستحيل، فلِمَ يُطلب المحالُ مِنّا ولِمَ يأمرنا بالمحال؟! والخامس: إنّه لو كان علمُه السابق بعدم الإيمان مانعاً عن الإيمان، لوجَب أن لا يكون الله قادراً على شيء أصلاً. والتالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة: أنّ الذي علم وقوعه واجب والذي علم عدم وقوعه ممتنع، وشيء من الواجب والممتنع لا يكون مقدوراً، إذ المصحّح للمقدوريّة هو الإمكان، دون قسيميه. والسادس: إنّ الأمر بالمحال سفَه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به، لجاز وروده بكلّ أنواع السفَه، فما كان يمنع وروده باظهار المعجزة على يد الكاذب، فلا يبقى وثوقٌ بصحّة النبوّات ولا بصحّة القرآن وسائر الكتب، بل يجوز أن يكون الكلُّ سفَهاً وباطلاً. والسابع: لو جاز ورود الأمر بالمحال، لجازَ الأمر للأعمىٰ برؤية النجوم في السماء، والزمِن بالطيران في الهواء، ولو جاز ذلك، لجازَ بعثةُ الأنبياء (عليهم السلام) الى الجمادات والعجماوات، وإنزال الكتب والملائكة عليها لتبليغ التكاليف حالاً بعد حال، ومعلومٌ أنّ ذلك سخريّة وتلاعب بالدين. قال الصاحب بن عبّاد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان وقد منعَه منه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه؟ وكيف يصرفهم عن الإيمان ثمّ يقول: {أية : أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} تفسير : [غافر:69]. ويخلق فيهم الإفك ثمّ يقول: {أية : أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [المائدة:75]. وأنشأ فيهم الكفر ثمّ يقول: {أية : لِمَ تَكْفُرُونَ} تفسير : [آل عمران:98]. وخلق فيهم لبس الحق بالباطل، ثمّ يقول: {أية : وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة:42]. وصدّهم عَن السبيل ثمّ يقول: {أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:99]. وحالَ بينهم وبين الإيمان ثمّ قال: {أية : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ} تفسير : [النساء:39]. وذهب بهم عن الرشد ثمّ قال: {أية : فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}تفسير : [التكوير:26]. وأضلّهم عن الدين حتّى أعرضوا ثمّ قال: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر:49]. والثامن: من الآيات الدالّة على أنّ التكليف بما لا يطاق لم يقعْ قال سبحانه: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة:286]. وقال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج:78]. وقال: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الأعراف:157]. وأيّ حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال. أما المقام الثاني، فهو الجواب على سبيل التفصيل فللمعتزلة فيه طريقان: أحدهما: طريقة أبي هاشم، وأبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبّار: قالوا لمن قال: "لو وقع خلافُ عِلْمِ الله، لانقلبَ علمُه جهلاً" إنّه قد أخطأ من قال: "إنّه لانقَلَب علمُه جهلاً"، وأخطأ أيضاً من قال: "إنَ علمَه لا ينقلب جهلاً" ولكن يجب الإمساك عن القولين. وثانيهما: طريق الكعبي، واختيار أبي الحسين البصري والمتأخرين منهم: انّ العلمَ تبعُ للمعلوم، فإذا فرَضت الواقعُ من العبد هو الايمان؛ عرفت أنّ الحاصِلَ في الأزل لله تعالى العلمُ بالإيمان ومتى فرضت الواقع منه هو الكفْر بدلاً عن الإيمان؛ عرفت أنّ الحاصلَ في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان، فهذا فرض علمٍ بدلاً من علْم آخر، لا انّه انقلابٌ في العلم وتغيّر له. تبصرة مشرقية [الجبر والتفويض] إعلم أنّ مسألة الجبر والاختيار من المسائل العظيمة المهمّة في الاسلام، وهي ممّا لم تتنقّح بعدُ الى الآن بين جمهور أهل الكلام، مع أنّهم صرفوا عمرَهم في تحرير الدلائل والمناقضات، وتقدير المباحث والمناظرات، وتطويل الكلام وكثرة الردّ والإحكام والنقض والإبرام، حتّى صارت معارك للآراء ومصادم للأهواء، ولم يبق لأحد من الجانبين منزعة في كان فكره إلاّ ورماها الى صاحبه في ميدان المجادلة والمناظرة، ومع ذلك لم يأت أحد منهما بحاصل في الدين، ولم يظفر بطائلٍ في سلوك طريق اليقين. بل ما زادتهم هذه إلاّ استكبارً وجحوداً وعناداً، ولم تزدهم إلاّ نفرة عن الحقّ وبعاداً، وذلك لاشتغالهم بالفروع عن الأصول، واهتمامهم عن الواجب المهمّ بالفضول، واستغراقهم في المجادلة بالردّ والقبول، ولذلك حُرموا عن الوصول، ومُنعوا عن معاينة المعاني، لا بفكر ونظم قياسي، ويئسوا عن مشاهدة الحقائق لا باعتمال ونصْب تعريف حدّي أو رسمي، بل بأنوار شارقة متفاوتة، وإلهامات بارقة متتالية، تزيد في العمر والبقاء، وتطلق الروح عن المهوى، وتسلب النفس عن هذه القوى وترغبها عن الدنيا، وتسوقها الى العُقبى، وتشوّقها الى لقاء الربّ تعالى. واعلم أنّ أكثر أصحاب البحوث، قد تركوا وصيةَ ربّهم ونصيحةَ نبيّهم سلام الله عليه وآله فيما أُمروا، من تزكية نفوسهم، وتصفية بواطنهم، وإصلاح قلوبهم، وتعديل قُواهم، وتهديب أخلاقهم، وتصقيل، مرآة قلوبهم لتتجلّى فيها خبايا عالَم الملكوت، وتنكشف لديها خفايا أسرار الجبروت، وادركوا الأشياء كما هي، كما وقع دعاء نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) له ولأمته: "اللّهم أرنا الأشياء كما هي". فرفضوا طريق الهداية والسعي في بلوغ النهاية، ولم يقرؤوا صحيفةَ الملكوت من كتابها، ولم يأتوا البيوت من أبوابها، فاغترّوا من حقائق الدين بلوامع سرابها، وقنعوا فيه من أنوار وجوه الحكمة واليقين بظلمات نقابها، فاشتَغلوا بما قد نُهوا عنه بذكر عيوب بعضهم بعضاً، وشنعة بعضهم على بعض، فصاروا فِرقاً ومذاهب وشِيَعاً وأحزاباً، كلّ حزبٍ بما لديهم فرِحُون، وهم في العذاب مشتركون، إلاّ مَن آمنَ منهم بالله واليوم الآخر ببصيرة صافية عن غشاوة الشكّ والامتراء، وقلبٍ فارغ عن مرَض العناد والمراء. ولما تركوا وصيّة ربّهم، ونصيحةَ رسولهم، ونسوا يومَ الآخرة، وركَنوا الى الدنيا، توقّدت بينهم نيرانُ العداوة والبغضاء الى يوم القيامة، فيلعنُ بعضُهم بعضاً، ويكفّر بعضُهم بعضاً، ويطعن بعضه على بعض، بحرقة في قلوبهم، وألم في نفوسهم، كما حكى الله عن أهل الجحيم بقوله: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف:38 - 39]. وقالوا: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} تفسير : [الأعراف:38 - 39] يعني: من كان بينهم رئيساً ومقتدىً في رأيهم في الضلال، وقيل لَهُمْ: {أية : فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} تفسير : [الأعراف:38 - 39]. وبظهور هذه الآراء الفاسدة، والبِدع الخبيثة، والأهواء الرديّة، انطمَس أهل الحقّ وضاعت السَيرُ الفاضلة، وغابت العلوم الإلٰهية من بين الخلْق، وصارت كأنْ لم تكن شيئاً مذكوراً. وهذه الآراء والأهواء كثيرة كلّها من هذا القبيل، وستعلم وجهَ بطلانها مع هذه الشهرة العظيمة للقائلين بها، والرواج لها، حيث ترى الكتب الكلامية وغيرها مشحونة بذكرها وذكر نظائرها، ونسبة قائلها الى الفضل والبراعة، والخوض في تحقيق أُصول الشريعة وفروعها بهذه الكلمات الواهية والآراء العاطلة. فكانوا يتصدّون في المجالس، ويتفاخَرون على الأماثل، ويُعيَّنون بالأنامل، وبضاعتهم في العلم والمعرفة، ورأس مالهم في الفضيلة أمور لا تفيد علماً ولا تنتج فائدة. مثل كلامهم في الطفرة والتفكيك، وسكون المتحرّك، والتداخل، وشيئية المعدوم وإعادته، ونفي الجزء وإثبات الخلاء، وإنكار الروح، ونفي التوحيد، وإثبات الكثرة على الله، وتجويز الرؤية له، وخلْق الأعمال، ونفي القدرة عن العبد، ونفي الوجود الذهني؛ وانكار عالَم الملكوت والنشأة الباقية، وجوهرية الطعوم والروائح بل رؤيتها، الى غير ذلك من المسائل المموّهة المزخرفة التي لا حقيقة لها ولا وجود إلا في الأوهام الكاذبة، لا تصحّ لمدع فيها حجة ولا لسائل عنها برهان. وثلّة من الأولين منهم قد بقوا في هذا الزمان، شاهَدناهم يخوضون في الثواني والمعقولات، وهم لا يعرفون الأوائل والمحسوسات، ويتعاطون البراهين من غير ممارسة علم المنطقيّات، ويتكلّمون في الإلٰهيّات، وهم يجهلون الطبيعيّات، وإذا سئلوا عن أشياء مقرون بها عند أكثر الناس، لا يُحسنون أن يجيبوا عنها. وإذا استقصى عليهم السؤال والبحث، فكلامهم فيها أوهن من بيوت العنكبوت، ويأبون أن يقولوا: لا ندري، الله ورسوله وأولياؤه أعلم، بل يلجّون في خيالاتهم الواهية وهي طغيانهم يعمهون. فلنرجع الى تحقيق القول في هذه المسألة، وتوهين ما قرّروه، والجواب عمّا ذكروه وكشف الفضيحة عما تصوّروه، في فصلين نذكر فيهما فساد القولين وبطلان المذهبين: الجبر والاختيار. فصل [رد احتجاجات المجبرة] أما قول المجبّرة بجواز تكليف المحال، والجبر للعبد في الأفعال من جهة علم الله بحقيقة الأحوال، أو إخباره عن كفر طائفة ونكالهم في الآخرة والمآل، ففي غاية السخافة والوهْن، فإنّ العلم والجَبر لا يسلبان عن العباد القُوى والقُدرة، بل القدرة ثابتة للعبد، والتمكّن من أفعاله وأقواله مبذولٌ له، والتصرّف في قواه الإدراكية - كالمسع والبصر - وأعضائه التحريكيّة - مثل اليد والرِّجل - متى شاء وكيف شاء مفوَّضٌ إليه ميسّر له، والعلم بوجوه النفع والضرّ، والخير والشرّ ممنون عليه من قِبَل الله، لأنّ هذه المبادي والقوى القريبة خلقتْ موجبةً لأفاعيله وحركاته، مقتضيةً لآثاره وتبعاته، جعلها الله خادمةً للقلب، مسخرةً له، وهو المتصرّفُ فيها بقوتّه المدبّرة، وهي مجبولة على طاعة القلب، لا يستطيع له خلافاً ولا عليه تمرّداً. وفائدة التكليف له والإنذار كالابتلاء وغيره، عائدة إليه ولو قليلاً، وإلى غيره كثيراً، ولا يلزم أن تكون فائدة التكليف لأحد بشيءٍ، نفس ذلك الشي؛ إذ ربما يترتّب على التكليف فائدة اخرى، غير ما كلّف به، فلي لهم أن يقولوا بنفي الأعراض وبطلان الدواعي واثبات التعطيل، والعبَث في فعل العبد، ذلك ظنّ الذين كفروا من المجوس والثنويّة، النافين لاختيار العبد، المثبتين لإجباره، ولهذا المعنى قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : القدرَيّة مجوس هذه الأمّة ". تفسير : ومن الحكايات المأثورة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، ما رواه جماعة من علماء الإسلام أنّه قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : لُعنت القدَرية على لسان سبعين نبيّاً، قيل: ومَن القدَرية يا رسول الله؟ قال: قومٌ يزعمون انّ الله سبحانَه قدَّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها . تفسير : ومنها أيضاً ما رواه صاحب الفائق محمود الخوارزمي وغيره من العلماء، عن محمد بن علي المكّي باسناده قال: حديث : إنّ رجلاً قدِم على النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أخبرني بأعجب شيء رأيته، قال: رأيت قوماً ينحكون أمَهاتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لِمَ تفعلون؟ قال: قضى الله تعالى وقدَّره. فقال: سيكون في أُمّتي أقوام يقولون مثلَ مقالتهم، أُولئك مجوس أمتي . تفسير : ومنها أيضاً ما ذكره صاحب الفائق وغيره من علماء الاسلام، عن جابر بن عبد الله أنّه قال: يكون في آخر الزمان قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون: إن الله قد قدَّرها عليهم، الرادّ عليهم كشاهر سيفه في سبيل الله. ومن الحكايات في هذا الباب ما يروى من انّ أبا حنيفة اجتاز على موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) فقال سائلاً: المعصيةُ ممّن؟ فقال له موسى الكاظم (عليه السلام): اجلس حتّى اخبرك، فجلس أبو حنيفة، فقال (عليه السلام): لا بدّ أن تكون المعصية من العبد أو من الله تعالى أو منهما جميعاً، فإن كانت من الله تعالى، وهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده الضعيف، ويؤاخذه بما لم يفعله، وإن كانت المعصية منهما، فهو شريكه، والقويّ أَوْلىٰ بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت المعصية من العبد وحده؛ فعليه وقعَ الأمر وإليه توجّه النهي، وله حقّ الثواب والعقاب، ووجبت له الجنّة والنار، فقال أبو حنيفة: ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم. وقد نظم هذا بعض شعرائهم: شعر : لم تخلُ أفعالُنا اللاتي نلام بها إحدى ثلاث خصالٍ حين نأتيها إمّا نفرّدَ بارينا بصنعتها فيسقط اللوم منّا حين نُبديها أو كان يُشركنا فيها، فيلحقه ما سوف يلحقه من لائمٍ فيها أولم يكن لإلٰهي في جنايتها ذنبٌ، فما الذنب إلاّ ذنب جانيها تفسير : ومنها ما رواه جماعة من العلماء، أنّ الحجاج بن يوسف كتبَ الى الحسن البصري والى عمرو بن عبيد والى واصل بن عطاء والى عامر الشعبي: أن يذكروا ما عندهم وما وصل اليهم في القضاء والقدَر. فكتب اليه الحسن البصري: إنّ مِن أحسن ما انتهى الينا ما سمعتُ عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: أتظنّ أنّ الذي نهاك دهاك؟ إنّما دهاك أسفلك وأعلاك، والله بريٌّ من ذاك. وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدَر، قولُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): لو كان الوِزْر في الأصل محتوماً، كان الوزر في القصاص مظلوماً. وكتب إليه واصلُ بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقَدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): أيدلّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق؟ وكتب إليه الشعبي: أحسن ما سمعت في القضاء والقدَر قول أمير المؤمنين علي يبن أبي طالب (عليه السلام): كلّما استغفرتَ الله منه فهو منك، وكلّما حمدتَ الله تعالى عليه فهو منه، فلما وصلت كتبُهم الى الحجّاج ووقَف عليها قال: لقد أخذوها عن عينٍ صافيةٍ. هذا مع ما كان عنده من الفضاضة والأمور الواهية. ومما روي أيضاً أن رجلاً سأل جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) عن القضاء والقَدر؟ فقال: ما استطعت أن تلوم العبدَ عليه فهو فِعلُه، وما لم تستطع أن تلومَ العبدَ عليه، فهو فعلُ الله يقول الله للعبد: لِمَ عصيتَ لِمَ فسقتَ لِمَ شربتَ الخمرَ لِمَ زنيتَ؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول: لِمَ مرضتَ؟ لِمَ قَصُرتَ؟ لِمَ ابيضضت؟ لِمَ اسوددت؟ لأنه من فِعل الله في العبد. ومن الحكايات أيضاً: أنّ الفضل بن سهل سأل علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بين يدي المأمون؛ فقال: يا أبا الحسن، الخَلقُ مجبورون؟ فقال: الله تعالى أعدل من أن يجبر خَلقَه ثمّ يعذبهم، قال فمُطْلَقون؟ قال: الله تعالى أحكم من يهمل عبدَه ويُكله الى نفسه. ومنها: أنّ رجلاً وقَف على جماعة من المجبّرة فقال لهم: أنا ما أعرف المجادلَة والإطالَة في الكلام؛ لكنّي أسمعُ في القرآن قوله تعالى: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة:64]. ومفهوم هذا الكلام عند كلّ عاقل، أنّ الموقِد للنار غير المطفئ. فانقطعوا ولم يردّوا جواباً. وقيل لجبري: نرى الله يقول: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس:9 - 10] مَن هذا الذي قد خاب؟ فلم يكن له من ذلك جواب. وقال معتزلي لجبري: ممّن الحقُّ؟ فقال: من الله. قال له: فمَن المحقّ؟ قال: هو الله قال له: فممّن الباطلُ؟ قال: من الله. فقال له: فمن هو المبِطلُ؟ فانقطع المجبّر ولم يقدم على أن يقول: إن الله - تعالى عن ذلك علواً كبيراً- هو المبطِل. وكان يلزمه ذلك على مذهبه. ومن عجائب ما يعتقده المجبّرة ويلزمهم أيضاً، أنّه يجوز من الله في عقولهم مع عدله وحكمته، أن يجمع الأنبياءَ والمرسلين والملائكةَ المقرّبين وعباده الصالحين، فيخلّدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد الآبدين، ويجمع الكفّار والملحدين والزنادقة والمنافقين وإبليس والشياطين، ويخلّدهم في الجنة والنعيم دهر الداهرين، وزعموا ذلك إنصافاً منه وعدلاً، وركبوا في ذلك مكابرةً وجهلاً ولعلّه قد كان لهم سلَفٌ صدرت منهم كلماتٌ على سبيل الزمر والإشارة وما بلغت عقول هؤلاء على كنْه أقوال أولئك الأوائل، أو كان في عقول طائفة من رؤسائهم جهلٌ وسفَه أوجبَ مثلَ هذا الاعتقاد، وجاء الخلفُ مقلّداً للسلف، محبّاً للمنشأة وسنّة الآباء، كما حكى الله عن أشباههم من الأخلاف الذين قلّدوا آراء الأشياخ والأسلاف، حيث ذكر: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف:22] {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة:170]. وإن كان ذلك كذلك، فأيّ عذرٍ بقيَ للمتأخّرين من الأحياء والأبناء في اتّباع السلَف والآباء على الضلال في أمرٍ لا يخفى على أدنى العقلاء؟ فما أحسن ما يقرؤونه في كتابهم: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الأنعام:91] لا والله ما قدَروا الله حقَّ قدره، ولا هذا قدْرُ جلالته وعظمته، ولا جزاء إحسانه ونعمته. والعجب، أنّهم زعموا أنّ هذا ما عليه أكابر العرفاء ومحقّقو الصوفيّة من القول بالتوحيد الأفعالي، وليس كذلك، كما يظهر من تتبّع كلماتهم وتصفّح مقالاتهم، قال الشيخ العظيم محيي الدين الأعرابي في الباب التاسع عشر وثلاثمأة من الفتوحات المكيّة: "إنّ رافعَ الأسباب سّيء الأدب مع الله، ومَن عزلَ مَن ولاّه الله تعالى فقد أساء الأدبَ وكذّب في عزْل ذلك الوالي، فانظر ما أجهلَ من كفَر بالأسباب وقال بتركِها، ومَن تَرك ما قرّره الحقُّ، فهو منازعٌ لا عبد، وجاهل لا عالم واني أعظِك أن تكون من الجاهلين، وأراك في مذهب الجبر تكذب نفسك في ترك الأسباب، فإنّي أراك في وقت حديثك معي في تركِها ورمْيها يأخذكَ العطشُ، فتترك كلامي وتجري الى لماء فتشرب منه لتدفعَ بذلك المَ العطش، وكذلك إذا جِعتَ تناولتَ الخبزَ، وغايتك أن لا تتناوله بيدك حتى تجعل في فيك، فما حصل في فَمِك مضغته وابتلعته فما اسرَع ما اكذبتَ به نفسك بين يدي. وكذلك إذا أردتَ أن تنظر الى شيء افتقرتَ الى فتح عينك، فهل فَتَحها إلاّ سبب، فكيف تنفي الأسبابَ بالأسباب؟ أترضى لنفسك بهذه الجهالة؟ فالأديب الإلٰهي العالِم مَن اثبتَ ما اثبتَه الله في الموضع الذي أثبته، وعلى الوجه الذي أثبته، ثمّ تكذب نفسَك في عبادة ربّك. أليست عبادتُك سبباً في سعادتك وأنت تقولُ بترك الأسباب؟ فلِمَ لا تقطع العملَ. أرأيت أحداً من رسولٍ ولا نبيّ ولا وليٍّ ولا مؤمنٍ ولا كافرٍ ولا شقيٍّ خرجَ قطّ عن رقِّ الأسباب مطلقاً، أدناها التنفّس؟ فيا تارك السببِ لا تتنفّس؛ فإنّ التنفّس سببٌ لحياتك فأمسِكْ نفسَك حتّى تموتَ فتكونَ قاتلَ نفسك فتحرُم عليك الجنة. وإذا فعلتَ هذا فأنت تحت حكم السبب..." "فما اظنّك عاقلاً إن كنتَ تزعم أن ترفعَ ما نصبَه الله وأقامه علماً مشهوداً، ودعْ عنكَ ما تسمعُ من كلام أهل الله، فإنّهم لم يردوا بذلك ما توهّمته، بل جهلتَ ما أرادوا بقطع الأسباب، كما جهلتَ ما أراد الحقُّ بوضع الأسباب، ولقد ألقيتُ بكَ على مدرجة الحقّ، واتيتُ لكَ الطريقة التي وضعَها لعباده وأمرهم بالمشي عليها فاسلُكْ: {أية : وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [النحل:9]. وقال في الباب السادس والتسعين ومائتين: "ولقد نبّهني الولدُ العزيز العارف شمسُ الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمرٍ كان عندي من غير الوجه الذي نبَّهنا عليه هذا الولد؛ وهو التجلّي في الفعل، هل يصحّ أو لا يصحّ؟ فوقْتاً كنتُ أنفيه بوجهٍ، ووقْتاً كنتُ اثبته بوجهٍ يقتضيه التكليفُ، إذ كان التكليفُ بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيمٍ يقول: "اعمَلْ وافعل" لمَن يعلم انّه لا يعملُ ولا يفعلُ، إذ لا قدْرة له عليه. وقد ثبت الأمرُ الإلٰهي بالعمل للعبد، مثل قوله تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} تفسير : [البقرة:43] و {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} تفسير : [آل عمران:200] {أية : وَجَاهِدُواْ} تفسير : [التوبة:41]. فلا بدّ أن يكونَ له في المنفعل عنه تعلّق من حيث الفعل فيه، فيسمّى به فاعلاً وعاملاً، وإذا كان هذا، فبهذا القدر من النسبة يقع التجلّي فيه، فبهذا الطريق كنتُ أثبته، وهو طريقٌ مرضيٌّ في غاية الوضوح، يدلّ على أنّ القدْرةَ الحادثة لها نسبةُ تعلّقٍ بما كُلّفت عليه لا بدّ من ذلك، ورأيتُ حجّة المخالف واهية في غاية من الضعف والاختلال. ولمّا كان يوماً فاوضَني في هذه المسألة هذا الولدُ فقال لي: وأيّ دليلٍ أقوى على نسبة الفعل إليه والتجلّي فيه، إذا كان من صفته من كون الحقّ خلَق الإنسانَ على صورته، فلو جرّد عنه الفعْلَ، لما صحَّ أن يكون على صورته، ولما قَبِل التخلّقَ بالأسماء، وقد صحّ عندكم وعند أهل الطريق بلا خلاف، أنّ الإنسان مخلوق على الصورة، وقد صح التخلُّق بالأسماء؟ فلا يقدر أحد أن يعرف ما يدخل عليّ من السرور بهذا التنبيه، فقد يستفيد الاستاذ من التلميذ أشياء من مواهب الحقّ تعالى لم يقض الله للاستاذ أن ينالَها إلاّ من التلميذ، كما يعلم قطعاً انّه قد يفتح للإنسان الكبير في أمر يسأله عنه بعض العامّة، فيرزق العالِم في ذلك الوقت لصدْق اللسان علم تلك المسألة، ولم يكن عنده قبل ذلك عناية من الله بالسائل ان حصل للمسؤول علماً لم يكن عنده، ومن راقَب يجدُ ما ذكرناه. فالحمد لله استفَدنا من أولادنا مثل ما استفاد منّا شيوخنا أموراً كانت أشكلت عليهم" انتهى كلامه. فصل فيما يرد على المعتزلة القائلين باستقلال العبد في أفعاله وحركاته فممّا يرد عليهم أنّهم اشركوا بالله في أفعاله، ولم يتّفق لهم التوحيد الأفعالي، كما لم يبق للأشاعرة - المثبتين للصفات - التوحيد الوصفي. ويرد عليهم أيضاً؛ انّهم منكرون لقضاء الله وقدَره في كلّ شيء، ولم يذعنوا انّ الخيرات والشرور كلّها بقضائه وقدَره. أمّا الخيرُ فهو مقضيٌّ بالذات، وأما الشرّ فهو مقضيٌّ بالعرَض. ومذهبهم في صدور الأفاعيل من العباد قريبٌ من مذهب بعض الطبيعيّين والأطبّاء الذين جعلوا مبدأ فعل الآدمي طبيعتَه ومزاجَه، ولم يرتفع نظرُهم الى ما فوق الدهر والطبيعة من الملكوت الأعلى والأسباب القُصوى، ولم يعلموا أنّ كل ما يقع في هذا العالَم من الحوادث والأكوان والأفعال والإرادات والحركات والسكَنات، مقدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر قبل؛ كما دلّت عليه البراهين العقليّةُ والمشاهدات الذوقيّةُ والمناماتُ الصادقة، والإلهامات، والكلمات الإلٰهيّة، والأحاديث النبويّة، منها قوله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} تفسير : [القمر:52-53]. ومنها قوله تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام:59]. ومنها قوله تعالى: {أية : وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس:12]. وكذا قوله: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية:29]. وقوله: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} تفسير : [الحديد:22]. الى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث النبويّة قوله عليه وآله الصلاة والتحيّة: "حديث : جفَّ القلمُ بما هو كائن"، "حديث : اعلموا فالكلُّ ميسّر لما خُلق ". تفسير : ومنها قوله: "حديث : إنّ أحدَكم يجمَع في بطنِ أمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضْغةً مثل ذلك، ثمّ يُرسل الله مَلكاً فينفخ فيه الروحَ فيؤمَر بأربع كلماتٍ فيكتبُ رزقَه، وأجلَه، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إلٰه غيره، إنّ أحدكم ليعملُ عملَ أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبين الجنّة إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم الله له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدَكم ليعلمُ بعمل أهل النار حتّى [ما] يكون ما بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم الله له بعمل أهل الجنّة فيدخلها ". تفسير : وقريبٌ من هذا ما ورَد من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، رواه رئيس المحدّثين محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله عن عدّة من أصحابه، مسنداً الى أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه قال: "يُسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتّى يقولَ الناسُ ما أشبهه بهم بل هو منهم، ثمّ تتداركه السعادة. وقد يُسلك بالشقيّ طريق السعداء حتّى يقولَ الناسُ ما أشبهه بهم، بل هو منهم. ثمّ يتداركه الشقاءُ. إنّ من كتَبه الله سعيداً وإن لم يبق من الدنيا إلاّ فواق ناقة خُتم له بالسعادة". ونقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "اعلموا علماً يقيناً أنّ الله لم يجعل للعبد وإن عظمتْ حيلتهُ وقويتْ مكيدتُه واشتدتْ طَلِبته، أكثر ممّا سمّى له في الذكر الحكيم". وفي طريقتهم أيضاً رواه الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: "إنّ ممّا أوحى الله الى موسى (عليه السلام) وأنزل عليه [في] التوراة: إنّي أنا الله لا إلٰه إلاّ أنا، خلقتُ الخلْقَ وخلقتُ الخيرَ وأجريته على يدي مَن أحبّ فطوبىٰ لمَن أجريته على يديه، وأنا الله لا إلٰه إلاّ أنا خلقتُ الخلْقَ وخلقتُ الشرَّ وأجريتُه على يدي مَن أريده، فويلٌ لمَن أجريتُه على يديه" وعن أبي عبد الله (عليه السلام): "ما من قبضٍ وبسطٍ إلاّ ولله فيه [مشيئةٌ وقضاءٌ وابتلاءٌ". وعنه (عليه السلام): "إنّه ليس شيءٌ فيه] قبض أو بسطٌ ممّا أمر الله به أو نهى عنه، إلاّ وفيه لله عزّ وجلّ ابتلاءٌ وقضاءٌ". وعنه (عليه السلام) أيضاً في كتاب الكافي انّه قال: "لا يكون شيءٌ في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبع: بمشيئة، وإرادة، وقدَر، وقضاء، وإذن، وكتابٍ وأَجَل؛ فمَن زعم انّه يقدِر على نقْض واحدة فقد كفَر". وعنه أيضاً (عليه السلام) مثله بسند آخر. وفيه أيضاً عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: "لا يكون شيء في السموات ولا في الأرض إلاّ بسبع: بقضاءٍ، وقدَرٍ وإرادةٍ، ومشيئةٍ، وكتابٍ وأجَلٍ، وإذْنٍ، فمَن زعم غير هذا فقد كذب على الله". ومن طريقه فيه باسناده عن محمّد بن عبد الرحمن [عن أبيه] رفعه الى من قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: "حديث : قدَّر الله المقاديرَ قبل أن يخلقَ السمواتِ والأرضَ بخمسين الف سنة ". تفسير : ومن طريقه رحمه الله في كتاب مَن لا يحضره الفقيه مسنداً الى اسماعيل بن مسلم انّه سأل جعفر الصادق (عليه السلام) عن الصلاة خلفَ رَجل يُكَذّبُ بقَدَر الله عز وجل؟ قال: "لِيُعِدْ كلّ صلاةٍ صلاّها خلفه". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: حديث : خرجَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) وفي يده كتابان، فقال للذي في يده اليُمنى: "هذا كتاب من ربِّ العالَمين، فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً" ثمّ قال للذي في شماله "هذا كتابٌ من ربّ العالَمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثمّ اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً". ثم مال بيده فنبذهما ثمَّ قال: "فرغ ربُّكم من العباد، فريقٌ في الجنّة وفريقٌ في السعير" . تفسير : ومن الحكايات التي نقلها أهلُ الإسلام في كُتب الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مناظرةُ آدم وموسى (عليهما السلام)، وهي انّه قال (صلّى الله عليه وآله): "احتجّ آدم وموسى عند ربّهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقَكَ الله بيده ونفخَ فيكَ من روحه وأسجدَ لكَ ملائكتَه، وأسكنكَ في الجنّة، ثمّ أهبطت الناس بخطيئتك الى الأرض فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقرّبكَ نجيّاً، فبِكَمْ وجدتَ الله كتبَ التوارة قبل أن أخلَق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدتَ فيها: وَعَصَى آدمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ؟ قال: نعم قال: أفتلومني على أن عملتُ عملاً كتَبه الله عليَّ أن أعملَه قبلَ أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله): فحجَّ آدمُ موسى (عليه السلام)". والمعتزلة طعنوا في هذا الحديث من وجوه: أحدها: أنّ هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذمَّ آدمَ على الصغيرة، وذلك يقتضي الجهلَ في حقّ موسى (عليه السلام)، وذلك غير جايز. وثانيها: إنّ الولدَ كيف يُشافه الوالدَ بالقول الغليظ؟ وثالثها: إنّه قال: "أنتَ أشقيتَ وأهبطتَ الناس من الجنّة" وقد علِم موسى أنّ شقاء الناس وإخراجهم من الجنّة لم يكن من جهة آدم، بل الله أخرجه منها. ورابعها: إنّ آدم احتجّ بما ليس حجّةً. إذ لو كان حجّة، لكان لفرعونَ وهامانَ وسائر الكفار أن يحتجّوا به، ولمّا بطل ذلك، علِمنا فسادَ هذه الحجّة. وخامسها: إنّ الرسولَ صوّبَ آدمَ في ذلك، مع أنّا بيّنا أنّه ليس بصواب، إذا ثبت هذا وجب حملُ الحديث على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: إنّه (صلّى الله عليه وآله) حكى ذلك عن اليهود - لا انّه حكاه عن الله أو عن نفسه - واشتبه على الراوي. وثانيها: انه قال: "فحجّ آدم - منصوباً - أي: إنّ موسى جعلَه محجوجاً. وثالثها: وهو المعتمَد أنّه ليس المراد من المناظرة الذمّ على المعصيَّة، ولا الاعتذار منه بعلم الله، بل موسى سأله عن السبب الذي حملَه على تلك الزَّلة حتّى خرجَ بسببها من الجنَّة، فقال آدمُ: إنّ خروجي منها لم يكن بسبب تلك الزلّة، بل بسبب أنّ الله تعالى كان قد كتَب عليَّ أن أخرج إلى الأرض وأكونَ خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوباً في التوارة، فلا جرم كانت حجّة آدمَ قويّة، وصار موسى في ذلك كالمغلوب. واعلم أنّ الكلام يؤدّي الى التطويل، وإلاّ لأّجبتُ عن تلك الوجوه الخمسة متفصّيا، ولناقَضتُ لهذه الوجوه الثلاثة مفصِحاً عن فسادها، فاضحاً لقصور قائلها، كاشفاً عن اختلال أحواله، وبطلان مقاله، واعوجاج سبيله، وانبتات سلوكه لفقدان دليله، حيث لا حجّة ولا برهان، ولا حديث ولا قرآن، ولا عقل ولا ايمان. قال بعض أكابر الحكماء في وصفهم عندما نقَل بعضاً من الآراء السخيفة عنهم في إثبات شيئيّة المعدوم وثبوت الأحوال: "وهؤلاء قومٌ نبَغوا في ملّة الإسلام وما كانت لهم أفكارٌ سليمةٌ، ولا حصَل لهم ما حصل للصوفيّة من الأمور الذوقيّة، ووقع بأيديهم ممّا نقل جماعةٌ في عهد بني اميّة، من كتب قوم كانت أساميهم تُشبه أسامي الفلاسفة، فظنَّ القومُ أنّ كلّ اسم يوناني [هو] اسم فيلسوف، فوجدوا فيها كلمات استحسنوها وذهبوا عليها وفرّعوها رغبة في الفلسفة، وانتشرت في الأرض وهم فرِحون بها، وتبعَهم جماعةٌ من المتأخّرين وخالفوهم في بعض منها، إلاّ انّ كلّهم إنّما غلَطوا بسبب ما سمعوا أسامي يونانيّة لجماعة صنّفوا كتباً يتوهم انّ فيها فلسفةً - وما كان فيها شيء منها - فقبِلَها متقدّموهم، وتبَعهم فيها المتأخّرون، وما خرجت الحكمةُ عن يونان، إلاّ بعد انتشار أقاويل عامّة اليونان وخطبائهم وقبول الناس لها. ولنرجع الى طريق العقل في هدم قاعدة الاعتزال، بعد أن ذكرنا من طريق السمع ما يليق بذلك من الأقوال. تبصرة عقلية [علمه تعالى وقضاؤه] قد علمت أنّ جميع الأشياء صادرة من الله تعالى وهو عالِمٌ بصدورها عنه راضٍ بذلك غير كاره، وهذا معنى مختاريّته الخالي عن النقص والقصور والتغيّر. وقد ثبتَ في العلوم اليقينيّة: أنّ العلمَ بالسبب التام يستلزم العلمَ بالمسبّب، فإذاً كان تعالى عالِماً في الأزل بجميع الموجودات الروحانيّة والجسمانيّة، والعلويّة والسفليّة على ما هي دفعة واحدة من غير تجدّد وانفعال في علمه - وهو معنى قضائه - ويكون مخرِجاً إيّاها من القوّة الى الفعْل شيئاً بعد شيءٍ على سبيل التجدّد والانقضاء على التفصيل - وهو معنى قدره -، وقد ثبت أنّ كلّما لم يجب لم يوجَد، فقضاؤه نافذٌ في قدَره، حاكمٌ على كل أحد من هذا العالَم في نفعه وضرّه وخيره وشره، فالإيمان بالقدَر واجبٌ من هذه الجهة، والرضا بالقضاء فرضٌ متحتّم من هذا البرهان. كما ورد في الحديث الإلٰهي: حديث : من لم يرضَ بقضائي ولم يصبر على بلائي فليبعدْ رباً سوائي وليخرج من أرضي وسمائي . تفسير : ومن الأحاديث المستفيضة الشائعة بين طوائف العلماء المتَّفق عليها، ما رواه محمد بن عقوب الكليني رحمه الله في باب الجبْر والقدَر والأمر بين الأمرين منه عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، وإسحق بن محمد، وغيرهما رفعوه، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذ أقبَل شيخٌ فجثا بين يديه، ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين، أَخبرِنا عن مسيرنا الى أهل الشام، أبقضاء من الله وقدَر؟ فقال له أميرُ المؤمنين (عليه السلام): أجَلْ يا شيخ، ما عَلَوتُم تلعةً ولا هبطتم بطنَ واد إلاّ بقضاء من الله وقدَرٍ، فقال له الشيخ، عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال له: مَهْ يا شيخ، فوالله لقد عظّم الله لكم الأجرَ في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مُقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرَفكم وأنتم منصرفون. ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرَهين، ولا إليه مضطرّين. فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرَهين ولا إليه مضطرّين، وكان بالقضاء والقدَر مسيرُنا ومنقَلبنا ومنصرَفُنا؟ فقال: أو تظنّ أنّه كان قضاء حتماً وقدَراً لازماً إنّه لو كان ذلك كذلك، لبطلَ الثوابُ والعقابُ، والأمر والنهي، والزجرُ من الله وسقط معنى الوعْدِ والوعيدِ. فلم يكن لائِمةٌ للمذنبِ، ولا محمَدةٌ للمحسِن، ولكان المذنبُ أولى بالإحسان من المحسِن، وكان المحسنُ أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدةِ الأوثان، وخُصماء الرحمن، وحزب الشيطان، وقدَريّة هذه الأمّة ومجوسها، إنّ الله تباركَ وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُعطِ مكرَهاً ولم يملك النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً: {أية : ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص:27]. فانشأ الشيخ: شعر : أنتَ الإمامُ الذي نرجو بطاعتهِ يومَ النجاةِ من الرحمٰنِ غُفرانا أوضحتَ من أمرنا ما كان ملتبسا جزاكَ ربُّك بالإحسانِ إحسانا تفسير : ومما رواه أيضاً عن عليّ بن إبراهيم [عن أبيه] عن اسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا يونس، لا تقل بقول القَدَريّة، فإنّ القدَريّة لم يقولوا بقول أهل الجنّة، ولا بقول أهل النار، ولا بقول إبليس؛ فإنّ أهل الجنّة قالوا: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف:43]. وقال أهل النار: {أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} تفسير : [المؤمنون:106]. وقال إبليس: {أية : قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} تفسير : [الحجر:39]. الحديث. وروى أيضاً عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشّا، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاءِ فقد كذبَ على الله. ومن زعم أنّ الخيرَ والشرَّ إليه فقد كذبَ على الله" - الظاهر أنّ الضمير في "إليه" راجعٌ الى الموصول. وعن الحسين، عن معلّى، عن الحسن بن علي الوشّا، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته فقلت: الله فوَّضَ الأمرَ إلى العباد؟ قال: الله أعزُّ من ذلك، قلتُ: فجبَرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدلُ وأحكمُ من ذلك، ثمّ قال الله: يا ابن آدم، أنا أَوْلىٰ بحسناتِك منكَ. وأنت أولى بسيّئاتك منّي، عملتَ المعاصي بقوّتك التي جعلتُ فيك. وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيئة الله، فقد أخرج اله من سلطانه. ومن زعَم أنّ المعاصي بغيره قوّة الله، فقد كذب على الله. وعن أبي عبد الله (عليه السلام) سأل عنه رجلٌ قال: قلت: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: لا، قال: قلت: ففوّضَ إليهم الأمَر؟ قال: لا، قلتُ: فماذا؟ قال: لطفٌ من ربّك بين ذلك. عُقدة وحَلّ [اختيارنا في أفعالنا] ولمّا ثبت وتحقّق ممّا ذكر من الكلام أنّ كلّ ما يقع في هذا العالَم أو سيقع مقدّر مكتوبٌ بهيئته وزمانه ووضعه ومكانه في عالم آخر، فإن اشتبه عليك أيّها القدَري حالُ الأفعال المنسوبة الى الاختيار، وتخيّل لك أنّها على هذا التقدير واقعة بالاضرار والإجبار؛ فما بالنا نتصرفُ فيها بالتدبير والتغيير، ونصرّفها بالتقديم والتأخير، ونجد الفرق بين المجبور عليه والمخيّر، والمختار والمضطرّ في جريان الأمر الإلٰهي في مجاري القضاء والقدر. وتفكّر في ترتيب سلسلة الأسباب والعلل، واعلم أنّ قدرةَ العبد وإرادته وعلمه وشوقه من الأسباب القريبة لفعله، وهي مستندة بأسباب أخرى متوسطة، وأخرى بعيدة، حتى تنتهي الى قدرة الله وعلمه وإرادته ومشيئته وقضائه وقدَره. فالقضاءُ والقدَر، إنّما يوجبان ما يوجبان بتوسّط أسبابٍ وعللٍ بعضها مقدّمات مدبّرات، كالملائكة السماوية، عقليّة كانت أو نفسيّة، قلميّة كانت أو لوحيّة وبعضها فاعلات محرّكات وموجبات مقتضيات، كالمبادي العالية من الجواهر الفلكيّة والصوَر المنطبعة، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتيّة وعارضيّة. والصور اللاحقة الماديّة والأوضاع الفلكية والأمور الاتفاقية كالإدراكات والإرادات الإنسانية، والحركات والسكنات الحيوانيّة، تختصّ بحال دون حال، وبصورة دون صورة، ترتّباً وانتظاماً معلوماً في القضاء السابق. فاجتماع تلك الأسباب والشرائط، مع ارتفاع الموانع، سببٌ تامٌّ يجب بها وجودَ ذلك الأمر المدبَّر المقضيّ المقدّر، وعند تخلّف شيء منها، أو حصول مانع، يبقى في حيّز الإمكان أو الامتناع، فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصاً القريبة - وجودُ هذا الشخص الإنساني وعلمه وإرادته وقدرته وتشوّقه وتفكّره وتخيّله اللذان هما مختار أحد طرفي الفعل والترك، كان ذلك الفعل اختياريّا واجباً وقوعه بجميع تلك الأمور التي هي علّة تامّة لوجود المقدور، ممكناً بالنسبة الى كل واحد منها، فوجب الفعل لا ينافي اختياريّته. كيف! وقد مرّ أنّ الشيء ما لم يجبْ لم يوجَد. فإن قلت: مع حصول القُدرة والإرادة إن كان الترك ممكناً، لم يكن الفعل واجباً، وإن لم يكن ممكناً لم يكن العبدُ مختاراً؟ قلت: التركُ غير ممكن، ولا يلزم من ذلك أن يكون مختاراً، فإنّ الفعل الاختياريّ ما يكون الاختيار من جملة أسبابه، ويكون صدوره موقوفاً بالاختيار، لا ما يكون ممكناً على تقدير تحقّق علّته التامّة التي من جملتها الإرادة. عقدة وَحَلّ [لِمّية التكليف] ثمّ إذا رجعت إلينا ثانياً وقلت: فما فائدة التكليف على هذا التقدير؟ لأنّه إذا كانت الأسبابُ العالية مقتضية، والقوابل السفلية حاملة، والاستعدادات الماديّة مهيّئة، أو متأبّية معوّقة؛ فصدور الفعل إمّا واجب او مستحيل، وعلى أي الوجهين فالتكليف بالأفاعيل عبثٌ. وأيّ فائدة للتكليف بالطاعات، وبعثة الأنبياء بالمعجزات والآيات، وأيّ تأثير للسعي والجهد وأي توجيه للوعيد الوعْد، وما معنى الابتلاء في قوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود:7] إذا كان الكلُّ بالتقدير والقضاء؟ إذ مدار التكليف والسعي والجهد والوعيد والوعْد على الاختيار، لا على الإجبار والاضطرار. قلنا: فائدة التكليف والوعْد الوعيد، تحصيل الشوق الذي هو مبدأ الإرادة للأفعال الجميلة، فإنّ المراد ها هنا بالإرادة: هي العزيمة الثابتة الباعثة الجازمة على الفعل أو الترك، فإذا أدركنا شيئاً وعلمناه؛ فإن اعتقدنا ملائمة أو منافرة لنا دفعة بالتوهّم أو ببديهة العقل، انبعث منه شوق الى جذبه او دفعه يتبعه إرادة، فإذا انضمّت الى المقدرة، انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء ليحصل الفعل بالاختيار، وإن لم نعتقد بالضرورة، الملائمة والمنافرة، أعملنا الرويَّة، واستعملنا القُوى الدرّاكة لطلب الترجيح بإرادة عقليّة أو وهميّة. فربما كان ملائماً ببعض الوجوه، غير ملائم ببعضها، أو ملائماً للحسّ، غير ملائم للعقل، أو بالعكس، أو نافعاً في العاجل غير نافع في الآجل، أو بالعكس، ويحدث بسبب كلّ ملائمة داعٍ، وبحسب كلّ منافرةٍ صارف، ويترجّح عزْم أحد طرفَي الفعل والترك بحسب ترجيح دواعيه، وعند تعارض الدواعي وتكافؤ الأشواق، يقع التحيّر، ونستعمل القوّة الفكريّة حتى يسنح ما يرجّح أحد الطرفين، فنفعل بحسبه. فنقول: كما تفطّنتَ أنّ الأشياء الداخلة في وجود الإنسان كالعلم والقُدرة والإرادة من جملة أسباب الفعل، فاحدسْ أنّ هذه الأمور الخارجة أيضاً من جملتها، فالدعوة والتكليف، والإرشاد والتهذيب، والوعد والترغيب، والإيعاد والتهديد، أمورٌ جعلها الله مهيّجات الأشواق، ودواعي الى الخيرات والطاعات، واكتساب الفضائل والكمالات، ومحرّضات على أعمال حسنة، وعادات محمودة، وملكات مرضيّة، وأخلاق فاضلة نافعة لنا في معاشنا ومعادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا ويحسن بها سعادة عقبانا. أو محذّرات عن أضدادها من الشرور والقبائح والذنوب والرذائل، مما يضرّنا في العاجل، ونشقى بها في الآجل. وكذلك السعي والجدّ والتدبير والحذر، إذا قدّرت مهيّئة لمطالبنا، موصِلة إيّانا الى مقاصدنا، مخرِجة لكمالاتنا من القوّة الى الفعل، فجعلت أسباباً لما يصل إلينا من أرزاقنا، وما قدّر لنا من معايشنا، أو هيّىء لنا في آخرتنا، أو لما يصرفه الله عنّا من المكاره ويدفع عنّا من المضارّ والمفاسد، لم يحصل ذلك إلاّ بها، وكانت تلك الوسائط أيضاً مقدّرة لنا، واجبة باختيارنا، كما قال عليه وآله السلام لمن سأله: حديث : هل يغني الدواء والرقية من قدَر الله؟ قال: الدواء والرقية أيضاً من قدَر الله . تفسير : ولما قال (عليه السلام): جفّ القلمُ بما هو كائنٌ، قيل: ففيمَ العمل؟ فقال: اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لما خُلق. ولما سئل: أنحن في أمر فُرغ منه؟ قال: في أمر مفروغ منه وفي أمر مستأنف. ومن هذا عُلم أنّ كل ما يصدر عنّا من الحركات والسكَنات، والحسَنات والسيِّئات، محفوظةٌ مكتوبةٌ علينا، واجبٌ صدورها عنّا مع كونها باختيارنا، كما قال: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} تفسير : [القمر:52 - 53] وغير ذلك من الآيات التي نقلناها. فهذه معرّفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى، ليست بموجبات، وكذلك ما يصل الينا من الرغائب والمكاره، كما قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): حديث : واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف . تفسير : تحقيق حكمي [لا جبر ولا تفويض] وإذا ثبت وتحقّق انّ جميع الممكنات، وسلسلة الأسباب التي من جملتها قدرة العبد وإرادته وعلمه، وشوقه ومشيئته، مستندة الى مشيئة الله وعلمه، مثبتة في قضائه وقدَره، وأنّ من الأسباب القريبة الظاهرة لأفاعيلنا إنّما هي قدرتنا وإرادتنا فمَن نظَر اليها قاصراً نظره الى هذه الأسباب القريبة، قال بالقدَر والتفويض، أي واقعةٌ بتقديرنا، مفوّضةٌ الى تدبيرنا. قال النبي (صلّى الله عليه وآله):"حديث : القَدريّة مجوس هذه الأمَّة"تفسير : ، لأنّهم يثبتون مبدأين كالمجوس القائلين بيزْدان، , وأَهْرِمَن. ومن نظرَ الى السبب الأوّل، وعلِم كون تلك الأسباب والوسائط بأسرها مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات الى الله استناداً واجباً وترتيباً معلوماً على وفْق القضاء والقدَر، وقطَع النظر عن الأسباب القريبة مطلقاً، قال بالجبر، وخلْق الأفعال، ولم يفرّق بينها وبين أفعال الجمادات. وكِلاهما أعور يبصر بإحدى عينيه. أما القدريّة فبالعين اليُمنى - أي النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق - وأما الجبريّة فباليسرى - أي الأضعف الذي به يدرك الظواهر - فأما من نظَر حقّ النظر فأصاب، فقلبُه ذو عينين، يبصر الحقَّ باليمنى فيضيف الأفعال إليه خيرها وشرّها، ويبصر الخلْق باليُسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال، ولا بمعنى الاشتراك كما توهّم بل بمعنى آخر يعلمه العارف الحكيم، وأشار اليه الصادق (عليه السلام) "لا جبرَ ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين"، فيذهب اليه ويتذهّب به وذلك هو الفضل الكبير. روى صاحب الكافي رحمه الله، عن عليّ بن ابراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عبد الرحمن [عن غير واحد] عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقَه على الذنوب ثمّ يعذبهم عليها، والله أعزُّ من أن يريد أمراً فلا يكون. قال: فسئلا (عليهما السلام): هل بين الجبر والقدَر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض. وعن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن صالح بن سهل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام): سئل عن الجبر والقدر؟ فقال: لا جبَر ولا قدَر ولكن منزلة بينهما، فيها الحقّ التي بينهما؛ لا يعلمها إلاّ العالِم أو من علّمها إيّاه العالِم. وأما من أضاف الأفعال الى الله تعالى بنظر التوحيد، وإسقاط الإضافة، ومحو الأسباب والمسببّات كما هي عليها عند الغايات، وعند فناء الممكنات، لا بمعنى خلْق الأفعال فينا، أو خلق قدرة وإرادة جديدتين مستقلّتين عند صدور الفعل عنّا - كما عليه المجبرة -، فهو الذي طوىٰ بساطَ الكون، وخلص عن مضيق البون، وخرج من البين والأين وفني في العين، لكنّه تروّح في المحْو، ولم يجئ الى الصحْو، مستغرقاً في عين الجمع، محجوباً بالحقّ عن الخلْق، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وسبَحات وجهه وذاته، الى ملاحظة صفاته، فاضمحلّت الكثرة في شهوده، واحتجب التفصيل عن وجوده، وذلك هو الفوز العظيم. فإذا رجع الى الصحْو بعد المحو، نظَر الى التفصيل في عين الجمع، غير محتجب برؤية الحق عن الخلْق، ولا بالخلْق عن الحقّ، ولا مشتغلاً بوجود الصفات عن الذات، ولا بالذات عن الصفات، فذلك هو الوليّ المحقّ، والصديق المحقّق، صاحب التمكين والتحقيق، ينسب الأفعال الى الله بالايجاد، ولا يسلبها بالكليّة عن العباد، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال:17]. وذلك هو الفوز العظيم والمنُّ الجسيم. عقدة وَحَلّ [بماذا يتفاضل السعيد على الشقي] ولعلّك تضطرب أيّها القدَريّ وتصول، فتقول: إذا كانت الفضائل والرذائل والمحاسن والقبائح، والطاعات والمعاصي، وبالجملة الخيرات والشرور كلّها مقدّرة مكتوبة علينا قبل صدورها منّا، معجونة فينا، مربوطة بأوقاتنا التي تصدر فيها عنّا، فما بالُنا لا نتساوى فيها ولا نتعادل؟ ولِمَ لا نتشاكل فيها ونتماثل؟ وكيف نحترز عمّا يجب الاحتراز عنها، فننجو من وَبالِها وتَبعاتها؟ وبأيّ شيء يتفضّل السعيد على الشقيّ وقد تساوَيا فيما قدِّر لهما؟ وأين عدلُ الله فينا وقد قال تعالى: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق:29]. فنجيبك أيّها القدريّ بما قد مرّ ذكره في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة:6] من أنّ الاستعدادات مختلفة، والصور النوعيّة الفائضة عليها من جهة الوسائط العقليّة الّتي (هي) مظاهر الأسماء الإلٰهيّة متنوّعة، فالأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الأولى متباينة، وفي درجات القُرب والبُعد من الله تعالى متفاوتة، وفي مراتب الصفاء والنوريّة والكدورة والظلمة متخالفة. والموادّ السفليّة التي هي بإزائها أيضاً متفاوتة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي، فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح متباينة، وقد قدّر الله بإزاء كلّ روح فيضها في قضائه، ما يناسبها من الموادّ، وحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والادراكات دون بعض، موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض، على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق، كما قال: "الناسُ معادن كمعادِن الذهب والفضَّةِ" وتتفاوت العقول والإدراكات، والأشواق والإرادات، بحسب اختلاف الطبائع والغرائز، فينزع بعضهم بطبعه الى ما ينفر عنه الآخر، ويستحسن أحدهما بهواه، ما يستقبحه الثاني. والعناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن. وأما كيف السبيل الى الاحتراز عمّا يجب الاحتراز عنه، فإنّ شريف النفس، نجيب الجوهر، طيّب الأصل؛ قلّما يهمّ بشيء ممّا ليس في فطرته، ولم يقدّر له من الفواحش والرذائل لعدم المناسبة، وإذا همّ نادراً لغلبة صفة من صفات نفسه وقواه، ولاستيلاء داعية من دواعي الوهم وهيجان من شهوة، زجرَه زاجرٌ من عقله. وهذا كما قال تعالى في حقّ يوسف (عليه السلام): {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} تفسير : [يوسف:24]. فإذا كان دون ذلك في صفاء الاستعداد، فلا ينزجر الاّ بزجْر زاجر من الشرع والسياسة، والناصح والأديب وغير ذلك، ويستحيي منه، وإذا همّ بشيء مما فطربه من المحاسن، وَجَدَ باعثاً من عقله ودرايته، وناصراً من توفيقه وهدايته، فيقدر عليه بشوقه وشغفه لمناسبته إيّاه، لا ينتهي عنه بدفع دافعٍ ولا يمنعه منعُ مانعٍ، وإن كان دون ذلك، احتاج الى محرّض باعثٍ ومشوّقٍ من خارج. والخسيسُ النفسِ، الخبيثُ الجوهرِ، الرديُّ الأصلِ، بالعكس، وكل يشتاق الى ما يفعله بطبعه وبحبّه ويستحسنه، وإن كان الثاني يعمل أنّ ضده أجود وأحسن، كمحبّة الزنجي ولده مع قُبحه، دون الغلام التركي مع علمه بحسنه، وأما حديث السعادة والشقاوة فيسأتي تحقيقه. عقدة اخرى وَحَلّ [لماذا الثواب والعقاب] ثمّ لعلك تعود وترجع الى حال الثواب والعقاب فتقول: إذا كان الكلّ بقضاء الله وكتابه، فلِماذا يعاقَب من ساقَه القدرُ الى ارتكاب خطيئة أو اقتراف سيّئة؟ فنُجيبكَ يا أخا القدرَيّ: بأنّ العقابَ على فعل السيئات والخطيئات، ليس لمنتقمٍ خارجيّ غضبان يريد أن ينتقمَ من عدوِّه نيلاً لما يطلبه من إزالة ألم الغيظ؛ أو التشفيّ عن حرقة لهب الغضَب، بل النفسُ العاصيةُ الخاطئةُ، هي حمّالةُ حطب نيرانها الى يوم القيامة. فإنّها ستحترق بنيران عقائدها الباطلة، وشهواتها الكامنة، وتلتدغ بحيّات وعقارب منبعثة عند الآخرة من سموم أخلاقها وعاداتها الرديّة. فمن ساء عملُه، وأظلم جوهرُ نفسه، وكدّر مرآةُ فطرته، وأخطأ في اعتقاده واحتجب عن مراده بحسب ما اقتضاه في أصل استعداده، فقد ظلَم نفسَه بظلمة جوهره، وبطلان استعداده، فكان أهلاً للشقاوة في مرجعه ومعاده، ينادى على لسان المالك: "مهلاً، فيَداك أوكتا وفوكَ نفخ" كما قال سبحانه: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} تفسير : [البقرة:225] وقوله: {أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل:33]. فثبت وتحقّق، أنّ ترتّب العقوبات ومقابلاتها من المثوبات، هي ثمراتٌ ولوازم، وتبعات وعوارض لأمور موجودةٍ فينا بالقوّة، تخرج اليوم الآخر من القوّة الى الفعل، بل هي مطويّةٌ في نفوسنا في هذه النشأة، مكمونةٌ في مكامن الطبيعة وغشاوات المادّة، فإذا قامت القيامة وكُشف الغطاء، وحُشرت النفوس، ونُشرت الصحائف، أظهرها الله وأبرزها، بحيث تترتّب عليها المثوبةُ والعقوبة، وتنبعث منها النعمةُ والنِّقمة، والراحةُ والمصيبة، والنعيم المقيم والعذاب الأليم. عقدة اخرى وحَلّ [الخلود في النار] ولك أن تقول: إنّ الذي بقي من الإشكالات المتعلّقة بهذا المقام، والعقود المفصلة الغير المنحلّة الى الآن عند جمهور العلماء وأهل النظر والكلام - إلاّ من نوّر الله بصيرتَه بنور الكشف - إعضالُ خلودِ الكفار في النار بالعذاب الدائم، فإنّ شيئاً ممّا ذُكر من الأسباب الفاعلة، والمدبّرات العالية، لا يوجب ذلك - لأنّها مبرّأة عن الشرور والنقائص - ولا شيئاً من القوابل الماديّة يحتمل التعذيب الدائم والانفعال الغير المتناهي - كما بيّن في مقامه - والرحمةُ الإلٰهيّة التي وسعتْ كلَ شيءٍ تنافي التعذيبَ الدائم - كما مرّت الإشارة إليه عند قوله تعالى: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة:7]. وهذه إحدى المسائل التي من مواضع الخلاف بين علماء الكشف وعلماء الرسوم، بل هي موضع الخلاف بين علماء الكشف بعضهم مع بعض أيضاً، فإنّهم اختلفوا على يُسَرْمد العذاب عليهم الى ما لا نهاية له، أو يكون لهم نعيمٌ بدار الشقاء، فينتهي عذابُهم الى أجلٍ مسمّى؟ مع الاتّفاق للجميع على عدم خروج الكفّار من دار البوار ومحلّ الأشرار، وأنّهم ماكثون. قلنا: كلّ ما ذكرتَ في باب الاستحالة في صدور التعذيب الأبدي والايلام السرمدي، وقبولهما من الجهات الفاعلة والقابلة، ومخالفة ذلك للرحمة والعناية المقتضيتين لحفظ النظام، وإقامة القوام، وإبقاء الأنواع بالديمومة السرمديّة بتعاقب الأفراد وتوارد الأعداد، إنّما يقتضي الاستحالة والامتناع، إذا كان المعذَّب واحداً شخصيّاً، على صورة واحدة، واستعداد واحدٍ لقابلٍ واحد. وأما إذا كانت الصوَر متواردة على قابلٍ واحد، والاستعدادات متعاقبة لمادّة واحدة ضعيفة الوحدة واهنة الوجود ما بين صرافة الوجود الفعليّة، ومحوضة العدم والقوّة، كما فصح عنه قوله تعالى: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} تفسير : [طه:74] فتواردُ العقوبات الإلٰهيّة، وتعاقب التعذيبات والنقمات الجبّارية، على حسب توارد الصوَر المستقبحة، وتعاقب الاستعدادات الظلمانيّة في أزمنة متمادية الى ما لا نهاية له، كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء:56]. مما لا ينافي شيئاً من الأصول الحِكَميّة والقواعد العقليّة والسمعيّة. فأهل الحجاب الكلّي والشقاء الطبيعي، ممّا لا طريق لهم إلا طريقَ جهنّم، ومسلك الطبيعة والهوى، وانسدّت عليهم سبل الاهتداء والاتقاء من هذه الهاوية السفلىٰ، ولا يفتّح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنّة والمنزل الأعلى، والأصول الحكميّة دالّة على أنّ القسر لا يدوم على طبيعة واحدة، وأنّ لكلّ موجود غاية يصل اليها يوماً، وأنّ الرحمة الإلٰهيّة نائلة لكلّ أحد، واسعة على كلّ شيء، كما قال تعالى: {أية : عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف:156]. وعندنا أيضاً أصول دالّة على أنّ الجحيم وآلامها وشرورها دائمة بأهلها، كما أنّ الجنّة ونعيمها وخيراتها دائمة بأهلها، إلاّ انّ الدوام في كلّ منهما على معنى آخر، ولكلّ من الدارين عمّار من أهلها. ولهذا المقام شروحٌ كثيرةٌ وتحقيقات لطيفةٌ واستبصارات شريفةٌ، ذكرنا طرفاً منها في آخر سورة الفاتحة، وشطراً صالحاً في كتاب الشواهد الربوبيّة، وسنستقصي القول فيها في مواضع متفرّقة من هذا التفسير، إن ساعدَتني المشيّة الإلٰهيّة النافذة في التقدير، وفيما ذكرنا كفايةٌ ها هنا، ولنرجع الى ما نحن بصدده، مستعينين بالله وتوفيقه وتسديده.
الجنابذي
تفسير : بيان الكفر واقسامه {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله لا بالشّيطان فانّ الكفر كفران؛ كفر بالله وكفر بالشّيطان وإذا اطلق فى الآيات والاخبار كان المراد الكفر بالله؛ والكفر بالله ينقسم الى كفر الوجوب الذّاتىّ وكفر الآلهة وكفر التّوحيد وكفر الرّسالة وكفر الولاية وكفر المعاد وكفر النّعماء؛ فانّ القائلين بالبخت والاتّفاق كافرون بالوجوب الذّاتىّ، واليهود القائلين بالوجوب الذّاتىّ وانّه قد فرغ من الامر، والمعتزلة القائلين بأنّ العباد فاعلون بالاستقلال كافرون بالآلهة، والقائلون بمبدأين واجبين او بمبدء واحد واجب وفاعلين الاهين كافرون بالتّوحيد، ومنكر الرّسالة المطلقة او رسالة رسول خاصّ كافر بالرّسالة، ومنكر بقاء الولاية بعد انقطاع الرّسالة مطلقاً او منكر ولاية ولىّ خاصّ كالعامّة، والفرق المنحرفة من الشيعة كافرون بالولاية، ومنكر المعاد كافر بالمعاد، ومنكر انعام المنعم كافر بالنّعم، وكلّ واحد من ذلك امّا كفر قولي او جنانىّ او حالىّ او شهودىّ او تحقّقىّ، والمنفصلة مانعة الخلوّ فانّ الكافر بالنّعمة امّا كافر لساناً كقارون حين قال: انّما اوتيته على علمٍ عندى، او اعتقاداً كمن لا يعتقد مبدء ولا انعاماً منه، او حالاً كاكثر المقرّين بالله وبانعامه الغافلين عنه، او شهوداً وقلّ من لا يكفر بهذا الكفر، او تحقّقاً ولا ينفكّ عنه الاّ الانبياء وبعض الاولياء، وينقسم بقسمة أخرى الى الكفر الفطرىّ وهو الكفر الذّاتىّ الّذى لا ينفع لصاحبه الانذار، والى الكفر العرضى الّذى ينتفع صاحبه بالانذار بل الانذار لهذا الكافر والاّ فالمؤمن بجهة ايمانه ليس له الاّ البشارة، والمراد بالكفر فى الآية الكفر الذّاتىّ الّذى لا ينتفع صاحبه بالانذار ولذا حمل على الّذين كفروا قوله {سَوَآءٌ} مصدرٌ بمعنى مستو سواء فيه المفرد والجمع والمذكّر والمؤنّث {عَلَيْهِمْ} لا عليك فانّ الانذار طاعة ونافع لك سواء اثّر ام لم يؤثّر فانّما عليك البلاغ وهم المذمومون بعدم التّأثّر والكلام فى ذمّهم عكس قوله تعالى {سواءٌ عليكم ادعوتموهم ام انتم صامتون} فانّ المراد ذمّ المخاطبين على ارتكاب امر لا ينفعهم {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} الفعل الّذى بعد همزة التّسوية امّا مؤوّلٌ بالمصدر او ملحوظٌ فيه معنى المصدر مقطوع النّظر عن النسبة الّتى هى جزء من معناه ولذا يحكم عليه وسواء هاهنا خبر انّ وما بعد الهمزة فاعله او سواء مبتدأ لما بعده او خبر عنه والجملة خبر انّ او فاعل سواء مستتر وما بعد الهمزة مفسّر له {لاَ يُؤْمِنُونَ} خبر بعد خبرٍ او مستأنف جواب للسؤال عن حالهم او دعاء عليهم او خبر انّ {لا يؤمنون} و{سواء عليهم} الى الآخر حاليّة او معترضة.
اطفيش
تفسير : {إِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: هذا شروع فى ذكر ضد المتقين الذين تأثروا بهداية القرآن والكفرة لا يتأثرون بها، ولم تعطف قصتهم على قصة المتقين، لأن قصة المتقين إنما سقاها الله - جل وعلا - لذكر الكتاب وبيان شأنه، لأنه حق وهدى لهم وتفخيم شأنه فى الانتفاع به. وقصة الكفرة ساقها الله - عز وجل - لشرح تمردهم وانهماكهم فى الضلال. وأما وصفهم بأن وجود الكتاب وعدمه سواء عليهم، فليس كون الكتاب كذلك غرضاً مسوقاً له الكلام، بل تفخيم شأنه، وفائدة أن تأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ سواء كانت إيجابية أو سلبية، سواء كانت فى جواب منكر، أو ظان أو شاك أو خالى الذهن أو موقن، بحسب غرض المتكلم فى إخباره من مبالغة أو عدمها. هذا ما ظهر لى لاما اشتهر فى كتب المعانى من أن الإتيان بها فى أخبارك من أن أيقن لا يجوز أو يخل بالبلاغة، والتعريف الحاصل فى الموصول للعهد الذكرى والحضورى أو الذهنى، والمراد ناس بأعيانهم كأبى لهب وأبى جهل والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، فإنه قد وقع لهم ذكر فيما نزل من الآيات قبل هذه، وصح لهم حضور محسوس للجدال وغيره، وثبوت فى ذهنه - صلى الله عليه وسلم - مهما بطريق إرشادهم وقلقاً بما قالوا. وعن ابن عباس: نزلت فى حيى بن أخطب وكعب ابن الأشرف ونظائرهما من اليهود. وقيل فى مشركى العرب كأبى جهل. وإما للجنس متناولا من أصر على الكفر كما قال سواء إلى... إلخ. ومن لم يصر وهو من استثناه بقوله: إلا الذين تابوا ونحوه، من آيات استثناء والتائبين ولا تتناول من سيأتى بعده - صلى الله عليه وسلم - ومن تقدمه. وقيل تتناول من يأتى، لأن إنذار القرآن بعده إنذار منه. وقيل تتناول من سبق أيضاً، على معنى أنك لو أنذرتهم لم يتأثروا به. والكفر لغة ستر النعمة. وأصله الكفرة (بفتح) وهو الستر. ومنه قيل للزارع كافر، لأنه يستر البذر، وكذا الليل لأنه ساتر بظلمته، وكذا البحر لأنه يستر ما فيه وما وقع فيه، وللطلع لأنه يستر الثمار. فهو فى أصل اللغة مطلق الستر. ثم اختص فى عرف أُهلها بستر النعمة وهو عدم شكرها. وأما فى الشرع فله معنى عام وهو ستر النعمة، الذى هو عدم شكرها، فإن فعل كبيرة كالنفاق أو الشرك خرج عن شكر النعمة. فإن شكرها هو عدم فعل ذلك والتحرز عنه، ومعنيان خاصان أحدهما يسمى نفاقاً عندنا، وهو فعل الكبيرة التى دون الشرك، والآخر كفر شرك سواء أظهر أو لم يظهر. وهما فعل كبيرة الشرك، وهما المراد فى الآية. ويخص أصحابنا ما لم يظهر منه باسم آخر هو لفظ النفاق أيضاً، وحد كفر الشرك بنوعيه بأنه إنكار ما علم بالضرورة مجىء الرسل به وخرج بلفظ الإنكار الفعل فإنه ليس شركاً فليس كهيئة المشرك، وإنما حرم لأنه يوهم أنه مشرك فيحكم من لم يعلمه مسلماً أنه مشرك، ويظن من علمه بالتوحيد لأنه مرتد، ولا من التحرز عن هيئتهم من تمام بغضهم، فلو لبس الإنسان الزنار لدل على أنه نصرانى، أو مرتد إلى النصرانية ومن صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجترىء على لبسهم ظاهراً والزنار (بضم الزاء) خيط غليظ فيه ألوان يشد فى الوسط فوق الثياب. وإنما أخرجت بالإنكار مع أنه جنس، لأن الجنس فى الحدود، كما يدل على الإدخال يدخل على الإخراج، ودخل فى الإنكار الإنكار بالقلب أو باللسان أو بهما، وإذا أنكر باللسان فقط حكم بشركه، لأنما فى قلبه غير. وفى كونه مشركاً بذلك عند الله قولان. والصحيح نفى شركه، وكذا فى الحكم إذا علم أنه أشرك بلسانه فقط. وخرج بالضرورة إنكار ما ليس علمه ضروريا، فإنه ليس شركاً، وفيه خلاف تقدم فى الكلام على الإيمان، فمن أنكر ما أجمعوا عليه إجماعاً لفظيا مشرك، لأن معرفته ضرورية، ومن أنكر ما أجمعوا عليه إجماعاً ليس لفظيا فهو غير مشرك، لأن معرفته غير ضرورية، وفيه خلاف، وإذا أخبره من يصدقه بما ليس ضروريا، مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مما أجمعوا عليه فأنكره، أشرك ودخل بالضرورة المجسمة فهم مشركون، فإن نفى الجسم عن الله سبحانه من حيز الضروريات لكثرة أدلته، ولثبوت كل نقص وكل شبه بإثبات الجسمية لله، تعالى عنها وعن كل نقص، فبالجسمية يثبت الحلول والتحييز والجهات وخلو الأماكن عنه، والجهل بالبعد وعدم المشاهدة، والتركيب والحدوث العجز، وغير ذلك - تعالى الله - وكذلك العرض. وأشرك الطاعن فى براءة عائشة - رضي الله عنها - لثبوتها بالقرآن لأنها ولو كانت بدلالة لفظية، والأدلة اللفظية لا توجب العلم، فلا تكون ضرورية، لكنها قد توجبه بالقرآن وهى موجودة فى براءة عائشة. والله أعلم. واحتجت المعتزلة على حدوث القرآن بما جاء فيه من لفظ المضى مثل:{أية : إن الذين كفروا}تفسير : و{أية : إنا نحن نزلنا الذكر}تفسير : و {أية : إنا أرسلنا نوحا}تفسير : لاستدعاء ما جاء بلفظ الماضى سابقة المخبر عنه (بالكسر) وهو القرآن، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بغيره، وأجاب الشافعية وغيرهم: بأن ما جاء بلفظ الماضى يقتضيه تعلق الحكم بالمخبر عنه، وحدوث ما يقتضيه التعلق، لا يستلزم حدوث المخبر عنه فلا يستلزم حدوث كلام الله تعالى. كما أن علمه تعالى قديم. ومقتضى تعلقه بغيره حادث وحاصل الجواب أنه لا يلزم من حدوث مقتضى التعلق، وهو الكلام اللفظى، حدوث الكلام النفسى. والجواب فى نفسه صحيح لإثبات الكلام النفسى فلا نسلمه فانتفى قدم القرآن، وثبت حدوثه، وذلك أنه لا يمكن لعاقل أن يقول: إن ما نلفظ به قديم لحدوث التلفظ وفنائه، ولا أن نقول إن النقوش فى اللوح المحفوظ وألواحنا ونحو ذلك قديم لحدوثه وفنائه. وكل من اللفظ والنقش محدود متحيز مركب، فالقديم لا يكون كذلك. فلم يبق إلا أن يقول مرادنا بقدم القرآن أنه كلام نفسى لله تعالى، وهذا الكلام النفسى يستلزم الحلول والظرفية وتحيز الظرف وإثبات ذلك فى حقه تعالى محال، لأنه صفة محلوق حادث، وإن قالوا إن الكلام النفسى وصف قديم ناقص كلامهم، لأنما هو صفة مخلوق لا يكون قديماً، وإن قالوا بقدمه لزم تعدد القديم، وإنما القديم علمه تعالى، وهو هو لا غيره، بمعنى أنه ليس صفة حالية فيه ولا بعضه بل انكشاف الكائنات كلها له. وإنما القديم علمه تعالى بما سيكون كله مما فى القرآن وغيره، وإنه سنخلق القرأن ونقوشه تلفظ الخلق به. {سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}: سواء خبر لإن، وأنذر وتنذر فى تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية بسواء، لأن سواء مصدر بمعنى اسم الفاعل، أى مستو عليهم إنذارك وعدمه. أو خبر لهذا المصدر، والجملة خبر لإن. أى إنذارك وعدمه سواء، وذكروا أن الفعل فى باب التسوية يؤول بالمصدر بدون وجود حرف مصدر. وقيل إن الهمزة بعد سواء حرف مصدر. وقيل إن الفعل إذا أريد به مطلق الحدوث المدلول عليه ضما على الاتساع، عومل معاملة المصدر، لأن المقصود حينئذ بالذات هو مطلق الحدث المذكور، الذى هو معنى المصدر، فيصح الإسناد إليه بلا تأويل بمصدر، ويصح الإضافة كذلك، فمن الإسناد إليه أن يجعل مبتدأ مثل أن يجعل أنذر مبتدأ، لتضمينه معنى إنذار. فتقدر الضمة فى آخره. ومثل أن نجعل تسمع، مبتدأ لتضمينه معنى السماع فى قولهم: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. فالرفع الذى فيه رفع المبتدأ أو من الإسناد إليه أن يجعل فاعلا. نحو أعجبنى تقوم فتقوم فاعل لتضمينه معنى قيام ومن الإضافة قوله تعالى:{أية : يوم ينفع الصادقين صدقهم}تفسير : ونحوه مما المضاف ظرف، كما يصح الإسناد إليه إذا يريد لفظه، نحو: ضرب فعل ماض. ونحو قوله تعالى:{أية : وإذا قيل لهم آمنوا}تفسير : أى لفظ آمنوا. والمشهور فى باب التسوية وغيرها أن المبتدأ هو المصدر المقدر، وأن الحرف المصدرى مقدر، فى نحو: تسمع بالمعيدى، ولا مانع من تقديره عندى فى باب التسوية، حذف وعوضت عنه فيه الهمزة وإن المضاف إليه أو المحكى هو الجملة لا الفعل وحده. وإن قلت إذا كان الفعل المطلق الحدث هنا كالمصدر فلم لم يؤت بالمصدر دونه؟ قلت: لأن الفعل ولو قصد به مطلق الحدث لكنه مشعر بالتجدد، فقصدت الإشارة إليه بالفعل، ولو عبر بالمصدر لم يدل عليه. والفعل ولو قصد به مطلق الحدث لا يدل على الثبات الصريح الخالص، بل مع تجدد ملوح إليه، وهو أصله. وإنما صح جعل ما بعد الهمزة مبتدأ لخبر قبله أو فاعلا لما قبله، لأنها خارجة عن الاستفهام إلى التسوية فلا يصدر لها. وصرح السعد بأن مجموع همزة التسوية والفعل فاعل لسواء أو مبتدأ له، وإنما دخلت همزة التسوية وأم بعد سواء لتقرير الاستواء وتأكيده، وخرجتا عن الاستفهام إلى مجرد الاستواء. والفرق بين الاستواءين لأن الاستواء الذى تفيده الهمزة وأم: هو تردد المستفهم فإن من يستقهم عن شىء يستوى عنده ثبوته وعدمه فى أصل عدم الجزم بأحدهما. ولو كان قد يرجح أحدهما، مع أن لفظ الاستفهام لا يفيد الترجيح. والاستواء الذى تفيده لفظة سواء هو الاستواء فى الغرض المسوق له الكلام، فالهمزة وأم على صورة الاستفهام خارجتان عنه. كما أن باب الاختصاص على صورة النداء. والله أعلم. والإنذار: التخويف بإخبار فهو إعلام مع تخويف. والمراد فى الآية التخويف من عقاب الله - عز وجل - على كفرهم، وإنما اقتصر على ذكر الإنذار ثبوتاً وعدماً. ولم يقل ءأنذرتهم أم بشرتهم، لأن الاقتصار عليه أوقع فى القلب، وأشد تأثيراً فى النفس من حيث إن دفع الضرر من جلبه النفع، فإذا لم يؤثر فيهم الإنذار فمن باب أولى ألا يؤثر فيهم التبشير، والأصل ءأنذرتهم بهمزتين مفتوحتين، أبدلت الثانية ألفاً وهو قراءة نافع من طريق ورش عنه. وهو عربى فصيح وبه أخذ أهل مصر عن ورش وأبى يعقوب الأزرق وبه أخذت فى جميع نظائره فى القرآن ءأنتم أعلم، ءأقررتم، ءأسلمتم ءأنت قلت، ءألد، ءأرباب، ءأسجد، ءأنت فعلت، ءأنتم أضللتم، ءأشكر، ءأتخذ، ءأعجمى، ءأنتم تخلقونه، أءنتم تزرعونه، ءأنتم أنزلتموه، ءأنتم أنشأتم، ءأشفقتم، ءأمنتم من فى السماء، ءأنتم أشد خلقاً؟ وروى البغداديون والشاميون عن عبد الصمد عن ورش أنه يسهل الثانية بين ألف وهمزة، لا همزة مخصوصة ولا ألفاً محضة. والأشهر عنه الإبدال. وعليه أكبر الروايات عنه. والتسهيل أقيس فى العربية، لأنه ينبىء ما يدل عليه من بعض النطق بالهمزة، وسهلت الثانية لأن الثقل حصل بها. وإن قلت: كيف صح إبدال الثانية ألفاً مع أن المتحرك لا تبدل؟.. قلت: لا نسلم أنها لا تبدل، بل يجب إبدالها. وقد قرأ بعضهم الثانية فى: {يا سماء أقلعى} واوا مفتوحة وفى: يشاء إلى ياء مكسورة، وقاس ذلك قياساً مطرداً ولا سيما إن كان بعدها ساكن، نحو: من السماءان وعلى البقاءان، فإن ورشا يقرؤها ياء ساكنة سكوناً ميتا، فإن الفصل بين الساكنين بالإشباع الزائد على مقدرا الألف جائز، ولا سيما عند الهمزتين، فإنه يجوز عندهما التقاء الساكنين، وفيما إذا وقف مطلقاً. وقيل لا يجوز إلا وقفاً وفيما إذا كان الثانى ساكناً مدغماً والأول حرف مدو أجاز الكوفيون التقاء الساكنين مطلقاً وبطل ادعاء أن القراءة بالإبدال فى الآية لحن لما سردته لك، ولا يكفر مدعى ذلك. ولو كان الطعن فى القراءات السبع كفراً لأنه إنما يكون كفراً فيما ليس من قبيل الأداء لأنه المتواتر، أما ما كان منه كالمد وتخفيف الهمزة، بالتسهيل أو الإبدال وتحقيقها فلا، بل قيل إن نسبة قراءة من السبع إلى اللحن الذى يغير المعنى لا يكون كفراً، وقرىء بحذف همزة التسوية، وقرأ بعض من يسكن ميم الجمع، ولو قيل همزة القطع تنقل فتحة الهمزة إليها، ولو كان يفهم من قوة الكلام أنها فى عدم الإيمان وحذفها وهى قراءة حمزة فى الوقف، وقال الطبرانى إنها شاذة، فيجمع بأنها شاذة فى الوصل، قال أبو عمر الدانى: إذا اتفقت الهمزتان فى كلمة بالفتح نحو ءأنذرتهم فنافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام يسهلون الثانية منهما، وورش يبدلها ألفاً، والقياس أن يكون بين بين. وابن كثير لا يدخل قبلها ألفاً. وقالون وهشام وأبو عمرو يدخلونها. والباقون يحققون الهمزتين وإذا اختلفتا بالفتح والكسر نحو قوله عز وجل أإذا كنا، وأإله مع الله، فنافع وابن كثير وأبو عمرو ويسهلون الثانية، وقالون وأبو عمرو يدخلان بينهما ألفاً، والباقون يخففونهما. وهشام من قراءتى على أبى الفتح يدخل بينهما ألفاً، ومن قراءتى على أبى الحسن يدخلها فى الأعراف أإنكم، أإن لنا لأجراً. وفى مريم أإذا، وفى الشعراء أإن لنا لأجرا، وفى الصافات أإنك لمن المصدقين، وأإفكا، وفى فصلت أإنكم لتكفرون. ويسهل الثانية هنا خاصة وإذا اختلفتا (بالفتح والضم) وذلك فى قل أؤنبئكم، أؤنزل عليه الذكر، أؤلقى، فنافع وابن كثير وأبو عمرو، يسهلون الثانية وقالون يدخلها بينهما ألفاً، والباقون يحققون الهمزتين وهشام من قراءتى على أبى الحسن يحققهما من غير ألف بينهما فى آل عمران، ويسهل الثانية ويدخل قبلهما ألفاً فى الباقين كقالون ومن قراءتى على أبى الفتح يحققهما هشام، ويدخل بينهما ألفاً وإذا اتفقتا بالكسر فى كلمتين نحو: هؤلاء إن كنتم، فورش وقنبل يجعلان الثانية كالباء الساكنة. وقال ابن خاقان عن ورش فى هؤلاء إن كنتم وعلى البقاء إن أراد أن جعل فيهما فقط. الثانية ياء مكسورة وذلك مشهور عنه فى القراءة لا فى الكتابة، يعنى لأنه لا نجعل حركة لها فالضبط فى الآيتين، وقالون والبزى يجعلان الأولى كالباء المكسورة، وأبو عمرو يسقطها والباقون يحققونهما، وإذا اتفقتا بالفتح نحو {أية : جاء أجلهم} تفسير : فورش وقنبل يجعلان الثانية كالمدة. وقالون وأبو عمرو والبزى يسقطون الأولى، والباقون يحققونهما، وإذا اتفقتا بالضم، وذلك فى موضع واحد فى الأحقاف فى قوله عز وجل: {أية : أولياء أولئك}تفسير : فورش وقنبل يجعلان الثانية كالواو الساكنة، وقالون والبزى يجعلان الأولى كالواو المضمومة، وأبو عمرو يسقطها، والباقون يحققونهما، وإذا اختلفتا نحو السفهاء إلا، ومن الماء أو مما، وشهداء إذ حضر، ومن يشاء إلى صراط مستقيم، وجاء أمة، فنافع وابن كثير وأبو عمرو يسهلون الثانية والباقون يحققونها. والتسهيل جعلها بين الهمزة والحرف الذى منه حركتها إلا إن فتحت بعد ضمة أو كسرة فتبدل مع الضمة واواً مفتوحة ومع الكسرة باء مفتوحة، وإلا إن كسرت بعد ضمة فإنها تبدل واوا مكسورة، أو تجعل بين الهمزة او الياء وتكسر، والأول مذهب القراء وهو أثر والثانى مذهب النحويين وهو أقيس. والله أعلم. وجملة {لاَ يُؤْمِنُونَ} جملة مفسرة لإجمال ما قبلها، فإن تسوية الإنذار وعدمه مجملة لا نص فيها على ما وقع فيه التسوية، فأزال الإجمال بقوله {لاَ يُؤْمِنُونَ} أى استوى إنذارك وعدمه، فى عدم وجود الإيمان، فكما لا يؤمنون إن لم تنذرهم لا يؤمنون إن أنذرتهم. فالجملة لا محل لها، ويجوز أن تكون حالا من هاء عليهم، مؤكدة لما يفهم من قوة الكلام إن التسوية فى عدم الإيمان، واستبعد أبو حيان كونها حالا. ولعله استبعده على أنها حال منتقلة، ويجوز أن تكون الجملة بدلا من قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}، على أن سواء خبر مقدم، وهو من بدل الاشتمال، فإن عدم الإيمان من متعلقات تلك التسوية، لا هى ولا بعضهما، ويجوز أن يكون {سَوَآءٌ عَلَيْهُمْ أَءَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} معترضا، فجملة لا يؤمنون خبر إن، وذلك إذا اعترض بما هو علة الحكم، فإن علة عدم إيمانهم مساواة الإنذار وعدمه يجوز أن يكون {سَوَآءٌ عَلَيْهُمْ أَءَنذَرْتَهُم} خبراً لأن، وجملة لا يؤمنون خبر ثان، ويجوز كون {لاَ يُؤْمِنُونَ} مستأنفا كأنه قيل: هم لا يؤمنون. قال ابن هشام: هذا أولى بدليل الآية الأخرى {سَوَآءٌ عَلَيْهُمْ أَءَنذَرْتَهُم أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ليس فيها أن، والاعتراض أن يؤتى بجملة فصاعدا بين فردين أو جملتين، أو جملة وفرد متصلين إعراباً ومعنى، أو معنى فقط لنكتة سوى دفع الإيهام، ويجوز أن يكون لدفعه عن بعض وبه أقول، وأجاز بعضهم الاعتراض آخر الكلام وهو خارج عن اعتراض الاصطلاح والمعترضة مؤكدة وغير مؤكدة، والتأكيد بها تارة يكون كسائر التأكيد بالجمل، بأن تتضمن ما صرح به الكلام السابق أو الذى اكتنفها أو وما لوح إليه، وتارة يكون بمعنى المبالغة بذكر الجملة، وبمعنى الاهتمام بشأنها التى أتى بها قبل تمام ما قصد من الكلام، وهى كالمؤكدة، إلا أنها أحسن موقعاً وألطف مسلكاً، ودالة على زيادة الاهتمام. والله أعلم. واستدل بعضهم بالآية على جواز التكليف بما لا يطاق، فإن إيمانهم محال إذ قضى الله أنهم لا يؤمنون، كما أخبرنا بقوله لا يؤمنون، ومع ذلك أمرهم فى آيات كثيرة بالإيمان تصريحاً وتضميناً، ويستحيل إيمانهم من جهة أخرى أيضاً وهى استحالة الكذب على الله تعالى، فإنهم لو آمنوا انقلب خبره كذبا، وتدل الآية أيضاً، عند هؤلاء، على التكليف بما لا يطاق من جهة أخرى: وهى الجمع بين الضدين، لأن الإيمان يشمل إيمانهم لأنهم لا يؤمنون. قلت: التكليف بالإيمان ليس تكليفاً بالمحال، وإلا لزم اتصافه بالظلم إذا عذبهم على عدم الإيمان مع أنه محال، بل إيمانهم من الجائزات التى لا تكون، لأنه تعالى جعل فيهم ما يتوصلون فيه إلى الإيمان، وجعل لهم أدلة فقصروا وأتاهم العقاب من حيث التقصير، وإنما يكون تكليفاً بالمحال لو لم يجعل لهم عقولا ولم يجعل لهم أدلة، كما لو كلف الأصم السمع والأخرس الكلام، فهم قادرون على الإيمان بما ركب فيهم من عقل وما جعل لهم من الأدلة. و إخباره تعالى: بأنهم لا يؤمنون لا ينافى القدرة على الإيمان، وإيمانهم لم يمتنع بالذات بل لغيره، وهو عدم تعلق علم لله تعالى به، وسمع الأصم وكلام الأخرس وإيمان ما لم يركب فيه تمييز يصل به إلى الإيمان، ونحو ذلك ممتنعات بالذات والتكليف بالممتنع لغير ذاته جائز واقع قطعاً. ومنه تكليفهم بالإيمان. والممتنع إنما هو التكليف بالممتنع بالذات، وهو عندى غير جائز عقلا وغير واقع: إذ لا فائدة فيه، فلا يكون من الحكمة. وقال القاضى جائز عقلا بناء منه على أنه لا يشترط فى الأمر والنهى حكمه وغرض ولا نعلم هذا بل نقول لا بد من الحكمة لأنه تعالى حكيم منزه عن العبث، فمنها ما يظهر لنا ومنها ما يخفى. وقال إنه غير واقع كما قلت. وعدم دليل وقوعه أنا لم نطلع عليه فى القرآن والسنة ولم يرو لنا عن كتاب من كتب الله عز وجل قبل القرآن وإنما قلت بامتناعه عقلا لأنه يؤدى إلى وصف الله بالنقص، وهو العبث أو الظلم وهو العقاب على ما لا طاقة عليه، والعابث لا يكون إلهاً، وكذا الظالم لأن ذلك عجز عن الحكمة والعدل، فبثبوتهما تنتفى الألوهية، وانتفاؤهما محال، لأن الكائنات لم تتكون بذاتها، لأن المعدوم لا يوجد نفسه ولا يحادث مثلها، لأنه يؤدى إلى التسلسل، هذا ما ظهر لى. وإنما أمرهم وأنذرهم، مع علمه بأنهم لا يأتمرون ليلزمهم الحجة. ويقطع عذرهم وليجوز الرسول ثواب التبليغ، والأمر والنهى، وليجوز من يأمر وينهى ثواب الأمر والنهى، ولتكون الآية إخباراً بالغيب على ما هو به على طريق المعجزة إن أريد بالذين كفروا اشخاص معينة. واستفدت من كلام القاضى أن التكليف بالمحال يجوز، سواء كان محالا للذات أم لغيره، لأنه إذا أثبت جواز الممتنع لذاته عقلا، فأولى أن يثبت جواز ما امتنع لغيره، وضابط المحال بالذات أنه الممتنع عقلا، وعادة كالجمع بين السواد والبياض والمحال لغيره ممكن فى نفسه لكن لا تتعلق به قدرة المخلوق، كحمل الجبل والطيران من الإنسان وهذا إما ممتنع عادة كالمثالين. والمشى من المقعد بمرض أو غيره، أم ممتنع عقلا لإعادة كذا قال المحلى ومثله بإيمان من علم أنه لا يؤمن. قال زكرياء الأنصارى لأن العقل يحيل إيمانه لاستلزامه انقلاب العلم القديم جهلا، قال ولو سأل عنه أهل العلم لم يحيلوا إيمانه، كذا جرى عليه كثير. والذى عليه الغزالى وغيره من المحققين أن ذلك ليس محالا عقلا أيضاً بل ممكن مقطوع بعدم وقوعه، ولا يخرج القطع به بذلك عن كونه ممكنا بحسب ذاته. قال السعد التفتازانى: كل ممكن عادة ممكن عقلا ولا ينعكس. انتهى. وتمثيل المحلى مشكل، وكذا تجويزه أن يكون الشىء محالا عقلا جائز عادة. وقد يجاب بأن الاستحالة إنما هى باعتبار ملاحظة لزوم انقلاب العلم جهلا. وهذا الاعتبار عقلى لا مدخل للعادة فيه، لأنه إنما ينظر فيها لظاهر الحال، قال ابن القاسم وكنت أجيب به من تلقاء نفسى حتى رأيته له والحمد لله، ومعنى استحالة الشىء لذاته أن العقل إذا تصوره حكم بامتناع ثبوته، قال بعض: إن جواز التكليف بالمحال عقلى وإن معناه أن يأخذ فى الأسباب لا أن يقع بالفعل إن كان لذاته، والتكليف المحال راجع للمأمور كمسألة تكليف الغافل والساقط من جبل، وقضية تعبيرهم بالتكليف اختصاص الخلاف بالوجوب، ولا يبعد جريانه فى الندب أيضاً وهو يتصور ذلك فى الحركة والكراهة، بأن يطلب منه ترك ما يستحيل تركه طلباً جازماً أو غير جازم فيه نظر، ويمكن أن يتكلف تصويره بتحريم، نحو المكث تحت السماء. قاله الصبان ومنع أكثر المعتزلة وأبو حامد الإسفرانى والغزالى وابن دقيق العيد التكليف بالمحال. الذى ليس ممتنعا لتعلق العلم بعدم وقوعه. قاله فى جمع الجوامع. قال منع الموانع أى منعوا الممتنع لغير تعلق العلم، لأنه لظهور امتناعه للمكلفين لا فائدة فى طلبه منهم، فالذى لا يجوز التكليف به عندهم: المحال لذاته والمحال عادة الذى هو أحد قسمى المحال لغيره، واعترض بأن انتفاء الفائدة فى طلبه لا يمنع. لأن أفعال الله تعالى لا لعله ولا لغرض: وأجيب بأن المراد بالفائدة الحكمة، والمنفعة الراجعة إلى المخلوق، وبالنظر إلى قول الغزالى ومن معه، والعلة والباعث بالنظر إلى قول المعتزلة، لأنه بعد ما ينفى النافى العلة والغرض من أفعاله تعالى لا ينفى عنها الفوائد، بمعنى الحكم والمصالح الراجعة إلى الخلق، وأجيب عن قولهم لا فائدة. إلخ: بأن فائدة اختيارهم هل تأخذون فى المقدمات فيترتب عليها الثواب أو لا؟.. فالعقاب إما الممتنع لتعلق علم الله بعدم وقوعه، فالتكليف به جائز وواقع اتفاقاً، وما ذكر من الجواب بأن فائدته إخبارهم جواب بتسليم أنه لا بد من اشتمال فعله - تعالى - على فائدة، مع أنه لا يسأل عما يفعل. ولئن سلمنا لا نسلم أنه لا بد من ظهورها، إذ لا بد من الحكيم إطلاع من دونه على وجه الحكمة. كما قاله القفال فى محاسن الشريعة، واعترض بأن هذه الفائدة ينميها قول المستدل لظهور امتناعه للمكلفين. وقد يجاب بأن الأخذ فى الأسباب باعتبار أن المكلف يجوز خرق العادة، فيأخذ فى المقدمات، ويبحث فى هذا بأنه إنما يتم فى المستحيل عادة لا فى المستحيل لذاته. والأحسن أن يجاب بأن المراد بالأخذ فى الأسباب ما يشمل طيب النفس وإذعاتها للتكليف بذلك. ولا شك أنه يتصور تعلقهما بالممتنعات، قاله ابن القاسم. قال ابن الصبان: ولا يخفى ما فيه ومنع معتزلة بغداد والآمدى التكليف بالمحال لذاته دون المحال لغيره بقسميه، ومنع إمام الحرمين التكليف بما استحالته لغير تعلق العالم، فاستحالته عند مانعة من التكاليف به فإن طلب الشىء مع العلم باستحالته لا يتصور كونه طلباً حقيقة إذ طلب الشىء حقيقة فرع عن إمكان حصوله وإلا كان عبثاً، وليست استحالته مانعة من طلبه فى قول الأسفرانى والغزالى، وابن دقيق العيد السابق، وهو مخالف لقول إمام الحرمين فى المأخذ لا فى الحكم، فإن مأخذ الإمام الاستحالة، ومأخذهم عدم الفائدة فى الطلب، ولم يمنع إمام الحرمين ولا غيره ورود صيغة الطلب له لغير طلبه. قال فى جمع الجوامع ومنع الموانع والمعنى أنهم لم يمنعوا أن ترد لغير طلب المحال كقوله تعالى:{أية : كونوا قردة خاسئين}.تفسير : قال ابن السبكى والمحلى والصبان: الحق وقوع التكليف بالممتنع بالغير، وهو الممتنع عادة فقط، وبالممتنع عقلا فقط، وهو الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه، أما وقوع التكليف بالممتنع بالغير، فأنه تعالى كلف الثقلين بالإيمان وقال:{أية : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}تفسير : فامتنع إيمان أكثرهم لعلمه تعالى بعدم وقوعه. وذلك من الممتنع لغيره. وأما عدم وقوع التكليف بالممتنع بالذات فاللاستقراء، إذ لم يوجد أن الله تعالى كلف أحداً أن يجمع بين الماء والنار مع بقائهما على حالهما أو نحو ذلك، وقيل يقع التكليف بما هو محال لذاته كما يقع المحال لغيره لأن من أنزل الله فيه أنه لا يؤمن بقوله مثلا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوْآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كأبى جهل وأبى لهب وغيرهما، مكلف فى جملة المكلفين بتصديق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به جميعاً عن الله. ومنه أنه لا يؤمن أى لا يصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى شىء مما جاء به عن الله، فيكون مكلفاً بتصديقه فى خبره عن الله، بأنه لا يصدقه فى شىء ما جاء به عن الله، وفى هذا التصديق تناقض حيث اشتمل على إثبات التصديق فى شىء ونفيه فى كل شىء، فهو من الممتنع لذاته، وقد تقدم هذا. وإيضاحه: أن من نزلت فيه هذه الآية المذكورة قد حكم عليه بأنه لا يصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى شىء مما جاء به، على السلب الكلى، لأن قوله لا يؤمنون أى لا يصدقون بشىء مما جئت به كما يفيد حذف المعمول فى قوة سالبة كلية قابلة لا تصديق لهم بشىء مما جئت به، وهم مكلفون من جملة المكلفين بتصديق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى جمع ما جاء به الذى من جملة مدلوله هذه السالبة الكلية، وهو عدم تصديقهم فى شىء مما جاء به وتصديقهم هذا الذى متعلقه عدم التصديق بشىء مما جاء به، فرد من أفراد التصديق المنفى الواقع موضوعا للسالبة الكلية المتقدمة، فهو إيجاب جزئى فى قوة قولنا: هم يصدقونه فى أخباره بأنهم لا تصديق لهم بشىء مما جاء به. وقد علم أن الإيجاب الجزئى يناقض السلب الكلى، فيكونون قد كلفوا بهذا التصديق الذى متعلقه عدم التصديق الكلى، مع كون ما كلفوا به من هذا التصديق الجزئى منتفياً، لكونه فرداً من أفراد التصديق المنفى، الواقع موضوعاً للسالبة المتقدمة، فقد لزم من تكليفهم بهذا التصديق اجتماع النقيضين، وهو اللازم على التكليف بالمحال لذاته، فيكون التكليف به من التكليف بالمحال لذاته، ويجاب بأن من أنزل فيه أنه لا يؤمن لم يقصد إبلاغه ذلك أنه لا يؤمن فلا يكون مكلفاً بتصديقه فيه فلا يلزم التناقض، وإنما قصد إبلاغ أنه لا يؤمن لغير من أنزل فيه أنه لا يؤمن وإعلام النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه لييئس من إيمانه كما قيل لنوح عليه السلام:{أية : إنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن}تفسير : فتكليفه بإيمان من التكليف بالممتنع لغيره، وهو الذى امتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه. وقال الجمهور لا يقع التكليف بالممتنع لغيره ولا لذاته إلا فى الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه لقوله تعالى:{أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : والممتنع لتعلق العلم فى وسع المكلفين ظاهرا. واختاره ابن السبكى فى شرح المختصر، وصرح فى شرح المنهاج بأن مختار ابن السبكى مختص بالممتنع، لتعلق العلم بعدم وقوعه، وبأن المحال عادة كالمحال لذاته فى أنه جائز غير واقع. وصرح الغزالى بأن إيمان نحو أبى جهل لا يتصف بالاستحالة، بل ممكن مقطوع بعدم وقوعه، ولا يخرجه العلم بعد وقوعه عن كونه ممكناً فى حد ذاته، وهو ظاهر. والله أعلم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} من سبقت لهم الشقاوة كأبى جهل وأبى لهب، ممن نزل فيه الوحى، أو لم ينزل {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ} أعلمتهم بما أنزل إليك مع تخويف فى وقت إمكان أن يتحرزوا بالإيمان عن الوعيد {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} لسبق القضاء بأنهم لا يؤمنون، أخبره الله بذلك، لئلا يتأسف على من أعلمه الله بشقاوته، وليقلّ أسفه على من أبى من الإيمان، ولم يعلم، أهو شقى، إذ يقول، لعله شقى، فكيف أكثر التأسف عليه، وعلى كل حال لا يترك الإنذار والتبليغ إليه.
الخليلي
تفسير : كان ما تقدم وصفا للكتاب استتبع وصف الذين استضاؤوا بمشكاته وأصغوا إلى مراشده فاتبعوا هديه، وسلكوا نهجه فجمعوا بين الاستقامة في الدنيا والفلاح يوم القيامة، وهذا الوصف في الحقيقة هو وصف للكتاب، لأنه هو الذي قادهم في النقلة من الضلال إلى الهدى، ومن الحيرة إلى البصيرة، ومن الخطر إلى السلامة، وكان جديرا بعد ذلك أن يقفي ذكرهم بذكر أضدادهم الذين أخلدوا إلى الضلال، وآثروه على الهدى، وأغمضوا أبصارهم لئلا ترى نوره وتشاهد جماله فينفذ أثر ذلك إلى بصائرهم، وسدوا آذانهم لئلا تسمع حجته فتلج إلى أفكارهم ووجدانهم، وهؤلاء فريقان: فريق كان صريحا في منابذته للحق، مكشوفا في عداوته له. وفريق كان ملتويا في أمره، يظهر للمؤمنين أنه على الايمان وما دعواه الايمان إلا ستار يرخيه على ما يكنه من الكفر ويضمره من الحقد. الذين كفروا رانت الضلالة على قلوبهم: والفريق الأول هو المراد بهذه الآية والتي تليها، وإنما قدم ذكره لاستواء ظاهره وباطنه في الكفر، وتظاهر سريرته وعلانيته على نصرة الباطل ومنابذة الحق، ولأن حالته كانت مكشوفة وضرره معلوما بخلاف الفريق الثاني فهو أقبح طوية وأسوأ حالا، وأخطر مآلا، وتعريته من لبوس الخداع يحتاج إلى بيان أوسع وعناية أبلغ، فلذلك أخر ذكره وجاءت بصدده إحدى عشرة آية متوالية. وفصلت هذه الآية عما قبلها لما بينهما من كمال الانقطاع، فما تقدمها في ذكر الهدى والمهتدين، وهي في بيان الضلال والضالين، وصدرت بحرف التأكيد لاثارة الاهتمام بمحتواها، ولاستئصال رجاء المؤمنين في تراجع هذه الطائفة عن غيها وثوبها إلى رشدها، فالمعنيون هنا قد رانت على قلوبهم الضلالة واستولى على تفكيرهم الباطل، فتعفنت فطرهم وأظلمت عقولهم وتكدرت طبائعهم، فلم يعد للحق مساغ في نفوسهم. واختلف المفسرون في المعنيين بالذين كفروا هنا، قيل: هم طائفة من اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبق في علم الله عدم إيمانهم. وهو الذي رواه ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنه -. وقيل: هم قادة الأحزاب الذين قتلوا في معركة بدر. روى ذلك ابن جرير عن الربيع بن أنس، وهو قول طائفة من المفسرين، واستدل من قال بذلك بأن الواقع قد كشف عن هؤلاء أنهم لا تجدي فيهم الموعظة شيئا، فقد استوى فيهم الانذار وعدمه، وذلك أن الدعوة كانت تواجههم منذ انبلاج فجرها بقوارع نذرها، وبوارق حججها، وصواعق وعيدها، فلم يعيروها إلا آذانا صما، حتى حق عليهم قول الله فهلكوا شر مهلك، وشفى الله صدور المؤمنين إذ نصرهم عليهم فكان مهلكهم على أيديهم، ورجح ابن جرير أنهم أحبار اليهود الذين أصروا على محاربة الدين الحنيف، ومقاومة دعوة محمد صلى الله عليه وسلم حسدا منهم، مع أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما سبق عندهم من علم الكتاب، واستدل لذلك بأن ما قبل الآية كان ثناء على مؤمني أهل الكتاب، فكان جديرا أن يقفي ذكرهم بذكر أضدادهم وكشف سوء حالهم وبيان شر منقلبهم، لأنهم جميعا ينحدرون من سلالة واحدة، وإنما فرق بينهم الايمان والكفر. كما استدل له بما تتابع من بعد في السورة مع تقريع بني إسرائيل على كفرهم وتوبيخهم على ضلالهم، وكشف طوايا نفوسهم، وتعداد مثالبهم في تاريخهم الطويل مع النبوات والأنبياء. وأنت تدري أن استدلال ابن جرير بما ذكرنا على أن المقصودين في الآية كفار بني إسرائيل فحسب غير واضح، فإن القرآن الكريم كان يواجه بصوادع دعوته جميع المشركين على اختلاف طوائفهم، وتباين مللهم، وكلمة {الذين كفروا} تعمهم جميعا، فلا معنى لقصر مفهومها على بعض أفراد مدلولاتها بدون حجة، على أن مثل ما في الآية من الاخبار بعدم إيمان الكفار جاء في قوله تعالى من سورة (يس): {أية : وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 10]، وقد نزلت بمكة قبل نشوب المعركة بين المؤمنين وأهل الكتاب، ولا نسلم أن ما قبل الآية من الثناء والوعد خاص بمؤمني أهل الكتاب، فقد مرّ بك ما يكفيك حجة ودليلا أن الثناء والوعد في الآيات السابقة شاملان لكل المؤمنين من غير تمييز بين من كان قبل على ملة كتابية أو على طريقة جاهلية. كما أن تعنيف أهل الكتاب في السورة وتعداد مثالبهم ليس دليلا على أنهم وحدهم المعنيون هنا، والذي يدل عليه اللفظ ويقتضيه السياق أن المعنيين كل من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصر على كفره إلى أن مات، فهؤلاء لا تنجع فيهم الدعوة، ولا تتخلل نفوسهم الموعظة، فهم الحقيقون بهذا الوصف والجديرون بهذا الوعيد. هذا، وتأول بعض المفسرين {الذين كفروا} بمعنى الذين قضي عليهم بالكفر والشقاء، وجعله نظيرا لقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 96]، وهو تأويل غير مقبول لأن اللفظ لا يقتضيه، والقرائن لا تساعد عليه ومهما يكن المعنيون في الآية، فإن عدم اهتدائهم بالقرآن إنما هو لأمر يعود إلى نفوسهم لا إلى القرآن، ولا يخل ذلك بوصفه بالهداية، ولا يدل على نقص دلالته على الخير فهو كما أخبر الله عنه {ذكر للعالمين}، {وهدى للناس}، وما مثل الذين عميت بصائرهم عنه، ونبت عقولهم عن قبوله، إلا كمثل الخفافيش التي تأنس إلى الظلام وتستوحش من النور والضياء، ولا يقلل ذلك من قيمة الضوء، فحال هؤلاء لا ينافي ما وُصف به القرآن. والآية وإن كانت تفيد العموم - بناء على أن الموصول يفيد الجنسية، والجنس يقتضي الاستغراق - فإنها قد خصصت بالمشاهدة، فكثير من مشركي العرب ومن أهل الكتاب آمنوا بعد كفرهم، وأسلموا بعد عنادهم، فهي من باب العموم الذي يراد به الخصوص، كالآية التي سبق الاستشهاد بها من سورة (يس)، وكقوله سبحانه في أهل الكتاب: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ}، وإنما هذا الوصف في قوم حقت عليهم كلمة الله كما أخبر عز وجل بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}. الكفر قسمان: وأصل الكفر الستر والاخفاء، ومنه تسمية الزارع كافرا، كما في قوله تعالى: {أية : أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} تفسير : [الحديد: 20]. ثم خص عرفا بإخفاء النعمة وجحدها، وإن من أشد كفران النعم جحد المنعم بها أو صفاته الكمالية، ومن ثم كان إنكار الخالق تعالى أو إنكار صفة من صفاته أو فعل من أفعاله، أو حكم من أحكامه كفرانا بنعمته التي أنعم بها على جاحدها، وغلب اسم الكفر على هذا الباب وهو ينقسم عندنا وعند جماعة من المحققين إلى كفرين؛ كفر شرك، ويعبر عنه بكفر الجحود، وكفر نعمة، ويطلق عليه اسم الفسوق والنفاق. والأول: هو الذي عرف بأنه إنكار ما دلت عليه الأدلة القاطعة، وتناقلته جميع الشرائع الصحيحة الماضية حتى علمه البشر وتوجهت عقولهم إلى البحث عنه، ونصبت عليه الأدلة، كوحدانية الله تعالى ووجوده، ويدخل فيه إنكار كل ما علم من الدين بالضرورة. وقال أبو بكر الباقلاني: الكفر بالله هو الجهل بوجوده. ويرى الحنفية أن الكفر جحد ما ثبت بدليل قاطع، والذي عول عليه الشافعية أنه إنكار ما علم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم به مما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام، وفرعوا عن ذلك أنه لا يكفر جاحد المجمع عليه على الاطلاق، وإنما اشترطوا أن يكون فيه نص بحيث يصبح من الأمور الظاهرة التي يشترك الناس في معرفتها، كوجوب الصلوات الخمس وحرمة الخمر والميسر. وبناء على ما قالوا لا يكفر من جحد المجمع عليه إن كان غير معروف إلا عند الخواص، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، ومن جحد مجمعا عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف عندهم. والذي اشتهر عندنا في المذهب أن هذا الكفر يكون بجحد ما علم من الدين بالضرورة، وهو معنى ما قالته الحنفية. وقال القرافي: إن الكفر انتهاك خاص لحرمة الربوبية، ويكون بالجهل بالله أو بصفاته أو بالجراءة عليه. وتُعقب بأن هذا النوع هو المجال الصعب لأن جميع المعاصي جرأة على الله. والذي يظهر لي أن القرافي لم يرد تعريف كفر الجحود، وإنما أراد تعريف مطلق الكفر الشامل له ولكفر النعمة كما سيأتي، وإنما ينظر في إطلاقه أن الجهل بصفات الله كفر من غير تقييد بقيام الحجة، فإن الحق أن العبد غير مطالب من أول وهلة أن يعرف جميع صفات الله حتى تقوم عليه حجتها، لما في هذه المطالبة قبل الحجة من العنت والمشقة اللذين رفعهما الله عن عباده، فضلا منه وإحسانا. والحق أن كفر الشرك أعم من أن يكون بالقول وحده، فقد يكون به وبالفعل وبالاعتقاد. فالقول إنكار ما علم من الدين بالضرورة مما نص عليه في الكتاب العزيز أو السنة المتواترة أو أجمعت عليه الأمة إجماعا قاطعا، فاشتهر عند الخواص والعوام. والفعل: إتيان بعمل لا يجامع عقيدة التوحيد، كالسجود للصنم وتقديم القرابين إلى الشياطين والجن. والاعتقاد: أن يعتقد بقلبه ما لا يتفق مع عقيدة الاسلام، كوجود شريك لله تعالى، فلذلك أرى أن يعرف هذا القسم من الكفر بأنه الاجتراء على الله بما يهدم عقيدة الاسلام من قول أو عمل أو اعتقاد، وهو يخرج بصاحبه من الملة فلا يناكح ولا يوارث ولا يدفن في مقابر المسلمين. أما القسم الثاني - وهو كفر النعمة - فهو الاجتراء على الله بترك ما فرض، كالصلاة والصوم والزكاة، وارتكاب ما حرم، كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر من غير استحلال للفعل أو الترك، وهو لا يؤدي بصاحبه إلى الخروج من الملة، إذ تبقى له جميع أحكام الاسلام في الدنيا ما عدا الولاية، فتجوز مناكحته وتبقى موارثته ويدفن مع المسلمين، غير أنه يسلب الولاية - وهي المحبة في الله - وينقلب إلى ضدها وهو البراءة، وهذا القسم كالذي قبله ثابت بالكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 97]، وقوله: {أية : وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} تفسير : [سبأ: 17]، مع ثبوت مجازاة غير المشركين بأعمالهم الباطلة بنصوص الكتاب والسنة، وقوله سبحانه حكاية عن سليمان: {أية : لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 40]، فإن الشكر المقصود هنا هو الوفاء بحق النعمة من طاعة المنعم بها الواجبة على المنعم عليه، وفي مقابلة الكفر وهو التقصير في الطاعة. وأما السنة: فهي حافلة بكثير من النصوص الدالة على كفر مرتكب الكبائر، منها ما رواه الامام الربيع - رحمه الله - عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس - رضي الله عنهم - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من أتى الرجال شهوة دون النساء أو أتى النساء في أعجازهن فقد كفر"تفسير : . ومنها ما أخرجه الربيع بهذا السند مرفوعا: "حديث : ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة"تفسير : ، وراه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعا بلفظ "حديث : بين الرجل والكفر ترك الصلاة"تفسير : ، وروى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن حبان عن بريدة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر"تفسير : ، وصححه النسائي والعراقي. ومنها ما رواه البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الاحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط"تفسير : ، وروى مثله مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وحكى الحافظ في الفتح في شرح هذا الحديث عن القاضي أبي بكر ابن العربي أنه قال في شرحه له: مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا، وحكى ذلك عنه أيضا العلامة العيني في شرحه القيم على صحيح البخاري المسمى عمدة القاري. واستدل مسلم في صحيحه لهذا النوع من الكفر بكثير من الأحاديث التي أخرجها؛ منها ما رواه عن ابن عمر وجرير أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال: "حديث : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"تفسير : ، وما رواه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت"تفسير : ، وما أخرجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"تفسير : ، وما أخرجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر"تفسير : ، وما رواه عن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدوُّ الله وليس كذلك إلا حار عليه"تفسير : . ومثل هذا في السنة كثير. وإن تعجب فعجب ممن ينكر هذا القسم من الكفر بعد ثبوته بالكتاب والسنة، ويشنع على الأباضية بأنهم يقولون به ويلقيهم - بسبب ذلك - في مصاف الخوارج الذين يكفرون أهل التوحيد تكفيرا يخرجهم من الملة. وأنت إذا تدبرت كلام المحققين من المحدثين وغيرهم وجدتهم يصرحون بصحة ما ذهب إليه أصحابنا من تكفير مرتكب الكبائر كفر نعمة لا كفر شرك، وكفى بإمامي المحدثين - البخاري ومسلم - اللذين صرحا في صحيحيهما بهذا الكفر غير مرة. وقد مر بك كلام الامام ابن العربي، وهو في مقدمة أئمة المالكية فقها وحديثا وتفسيرا، وتجد نحوه في كلام النووي في شرحه على صحيح مسلم، ومثله ما قاله المحققون من شراح البخاري كالحافظ ابن حجر في فتح الباري، والعيني في عمدة القاري، والقسطلاني في إرشاد الساري، وهو الحق الذي لا غبار عليه. أما الذين يشنعون على من قال بكفر النعمة، فلا يخلو إما أن يكون تشنيعهم نتيجة سوء فهم وقلة علم، وإما أن يكون بباعث حالة نفسية تدفع إلى تشويه الحقيقة ومكابرة الحق، وكثيرا ما يرتبك هؤلاء عندما يواجهون مثل هذه النصوص، فيتكلفون لها تأويلات شتى، كالقول بأنها يراد بها المبالغة في التنفير عن تلك الأعمال، أو أنها أطلق عليها اسم الكفر لأنها من شأن الكفار غالبا، وهي تأويلات لا تتفق مع سياق النصوص، وإنما يلجئهم إليها التقليد الأعمى والتعصب البغيض. والكفر المعني هنا هو الكفر الذي يخرج بصاحبه من الملة، سواء قلنا إن المعنيين به مشركو العرب أو كفرة أهل الكتاب أو الطائفتان جميعا كما هو الصحيح، لأنهم جميعا يصدق عليهم وصف الكفر المخرج من الملة. وقال الامام محمد عبده: الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بلاغا صحيحا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها؛ فأعرض عن شيء من ذلك وجحده عنادا أو تساهلا أو استهزاء، نعني بذلك أنه لم يستمر في النظر حتى يؤمن - ثم قال - ولم نسمع أن أحدا من الصحابة - رضي الله عنهم - كفر أحدا بما وراء هذا فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة - أي لم يكن سنده قطعيا كسند الكتاب - فلا يعد منكره كافرا إلا إذا قصد تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن ضعفت شبهته في الاستناد إليه ما دام صادق النية فيما يعتقد، ولم يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات أو يخالف شيئا مما سبق الاجتهاد فيه أو ينكر بعض المسائل الخلافية، فجرأوا الناس على هذا الأمر العظيم حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين، ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين. وهذا كلام في منتهى النفاسة، فإن التجرؤ على إخراج أحد من الموحدين من حظيرة الملة أمر لا يستهان به، فهو تترتب عليه عواقب سيئة في الدنيا والآخرة، لأنه سبب انفكاك العُرى وانحلال الروابط وتقطع الصلات بين الأمة. ومن ثم نجد أصحابنا - رحمهم الله - لا يكفرون كفر شرك من يصطدم بالنصوص القاطعة إن كان متشبثا بشيء من التأويل، وإن كان في ذاته أو هي من نسج العنكبوت، وإنما يصفون مثله بالنفاق وكفر النعمة. أما المسائل الاجتهادية فللرأي فيها مجال رحب عندهم، فلا يعنف من قال برأي ما لم يصطدم بنص قاطع ولا يفسق من عمل به. هذا، وقسم الأستاذ الامام الكافرين إلى أقسام، فقال: منهم من يعرف الحق وينكره عنادا، وهؤلاء هم الأقلون ولا ثبات لهم ولا قوام، وكان منهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلبثوا أن انقرضوا - قال - كنت قلت بهذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ، وهي: أن جحود الحق مع العلم به كاليقين في العلم، كلاهما قليل في الناس. ومنهم من لا يعرف الحق ولا يريد ولا يحب أن يعرفه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 22 - 23]. فهؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا وأعرضوا واستكبروا، ففي أنفسهم شعور بالحق، ولكنهم يجدون فيه زلزلة كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم. وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحق، ويخافون أن لو استعملوها أن ينقصهم شيء مما يظنونه خيرا ويتوهمونه معقودا بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم. ومنهم من مرضت نفسه واعتل وجدانه، فلا يذوق للحق لذة، ولا يجد نفسه فيه رغبة، بل انصرف عنه إلى هموم أخر ملكت قلبه وأسرت فؤاده، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على عقولهم ودينهم، وهي ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة في سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية أو قضاء شهوة وهمية، فعمي عليهم كل سبيل سوى سُبل ما استهلكوا فيه، فإذا عرض عليهم الحق أو ناداهم إليه مناد رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي، ولا يميزون بين ما يدعو إليه وبين ما هم عليه، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير قالوا لا نصدق ولا نكذب حتى ننتهي إلى ذلك المصير، وهذا القسم كالذي قبله كثير العدد في الناس في كل زمان ومكان، خصوصا في الأمم التي يفشو فيها الجهل وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل، فيصبحون كالبهائم السائمة لا هم لهم إلا فيما يملأ بطونهم أو يداعب أوهامهم، ويصح جمع هذين القسمين تحت قسم واحد، وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين. والقسم الأول هو قسم المعاندين المكابرين. هذا كلامه، وهو مع نفاسته ينبغي أن ينظر فيه، فإن الشواهد قائمة على كثرة أفراد القسم الأول. فاليهود الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم قال الله فيهم: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 146]. وقد ذكرهم الله في كثير من الآيات بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون ما أنزل الله فيما بأيديهم من الكتاب من آيات كاشفة للحق لأجل منفعة مادية زائلة، أو من أجل حسدهم أهل الحق أو بباعث العنت والاستكبار، وقد كانوا يستفتحون بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم على الذين كفروا من العرب الأميين فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ومن فحص أحوال اليهود، وجدهم من أعرف الناس برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقها، وإنما آثروا ما توهموه مصلحة لهم على الايمان فباؤوا بالخسران وهووا في دركات الهوان. أما مشركو العرب فإنهم وإن كانوا على جاهلية جهلاء وأمية متأصلة فيهم، فقد كانوا يتصفون برقة الشعور ودقة النظر، وقد أوتوا من ملكة البيان ما كانوا به متفوقين على غيرهم، فلم يكن يعزب عن أذهانهم صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وما كانوا عميا عن إشراق حجته ونصوع دليله. كيف وقد كان عليه أفضل الصلاة والسلام مشهورا بينهم بالصدق والأمانة لا يختلف في ذلك اثنان منهم، وكان القرآن يصبحهم ويمسيهم بقذائف إعجازه ويدعوهم إلى التحدي والمعارضة بأسلوب يبعث عزائم الخاملين منهم، وقد وقفوا مشدوهين أمام سطوع حججه، وظهور براهينه، ولم تحدثهم نفوسهم العاتية بأن ينزلوا إلى ميدان المعارضة فيحاولوا أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة من سُوَره، وهم الذين لا يصطلى بنارهم في البيان، ولا يجرى في مضمارهم في منثور القول ومنظومه. على أن كل ما كان يدعو إليه صلى الله عليه وسلم من عقيدة وأعمال وأخلاق، هو نفسه شاهد على صدقه، لأنه نابع من الفطرة الانسانية وملب لضرورات البشر، فلم يكن الباعث على كفرهم إلا العناد والمكابرة، كما ثبت ذلك في أقوال بعض كبرائهم. أقوال في إعراب "سواء": {وسواء}؛ اسم مصدر بمعنى الاستواء، يخبر به عن المفرد وغيره من غير أن تدخل عليه علامة للتثنية أو الجمع، قال تعالى: {أية : فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} تفسير : [الروم: 28]. ويوصف به المفرد وغيره كذلك، فمثال وصف المفرد قوله تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} تفسير : [آل عمران: 64]. ومثال وصف الجمع قوله سبحانه: {أية : فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 10]، على قراءة من جر سواء. وكما أن المصدر يحل محل اسم الفاعل لقصد المبالغة، نحو محمد عدل، بمعنى عادل، إذا أردت أن العدل يتمثل في شخصه ويتجسد في حكمه، فكذلك اسمه، ولذلك صح الاخبار بسواء عن المبتدأ. واختلف علماء العربية والتفسير في إعراب سواء هنا، منهم من أعربه خبرا لإِن ورفع به الفاعل المفهوم من {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}، كأنه قيل إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، ومنهم من أعربه خبر مبتدأ محذوف، تقديره الأمران سواء ثم بين الأمرين بقوله: {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}. ومنهم من أعربه خبرا مقدما لمبتدأ مؤخر، أي سواء عليهم إنذارك وعدمه، وهو المشهور على الألسنة، وأورد عليه أمور: أولها: أن الفعل يسند ولا يسند إليه. ثانيها: أن الاستفهام له صدر الكلام، وهذا الاعراب يبطل ذلك. ثالثها: أن الهمزة وأم موضوعان لأحد أمرين، ولفظ سواء لا يدل على مفرد، لأنه بمعنى الاستواء وهو يقتضي الاشتراك، ولذلك يقال استوى وجوده وعدمه، ولا يقال أو عدمه. رابعها: أن تقديمه مع تقديره خبرا يؤدي إلى التباس المبتدأ بالفاعل فلا يصح. وأجيب عن الأول بأنه من جنس الكلام الذي يهجر فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، ومثله شائع عند العرب، كقولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإن إجراءه على ظاهره يستلزم عطف الاسم المنصوب على الفعل، بل المفرد على جملة لا محل لها وعن الثاني والثالث: بأن الهمزة وأم قد جردا هنا عن معنى الاستفهام عن أحد الأمرين ولأجل استوائهما في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلق الحكم بهما حتى قيل إنهما تُجُوِّز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها في نسبةٍ ما من غير ملاحظة تقدم أو تأخر، وحاصل هذا الجواب أنهما يدلان على الاشتراك فقط ولا ملاحظة فيهما للاستفهام. وأجيب عن الرابع: بأن الالتباس إنما يحصل في الخبر الفعلي نحو زيد قام، وإذا لم يمتنع تقديمه وهو صفة صريحة فعدم امتناعه هنا أولي. واستظهر ابن عاشور أن المبتدأ بعد سواء مقدر يدل عليه الاستفهام الواقع معه وأن التقدير سواء جواب {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}، ومثل لذلك بقول القائل: علمت أزيد قائم، فإن تقديره علمت جواب هذا السؤال، وهذا الاعراب مبين للمعني المراد غير أنه لا يتفق مع أصول الفن. وأجيز جعل سواء مبتدأ واقعا لفاعل سد مسد الخبر، لأن سواء بمعنى مستوٍ فهو كاسم الفاعل، فلذلك أعطى حكمه في رفع الفاعل الساد مسد خبر المبتدأ. ومهما يكن الاعراب فإن الآية تفيد عدم جدوى الانذار في هؤلاء الناس، فلذلك تساوى مع عدمه. مهمة الداعي الاصلاح: وإنما واجب الرسول صلى الله عليه وسلم القيام بما أمر به من الانذار والتبليغ، وليس في مقدوره ولا في مقدور أحد من الناس تمكين الهداية من القلوب، وإنما هو من مقدور الله وحده، وفائدة تبليغ هؤلاء - مع القطع بعدم تقبلهم - إقامة حجة الله عليهم لئلا يقولوا: {أية : رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} تفسير : [طه: 134]. وفي ذلك إيماء إلى أن مهمة الداعي محاولة استصلاح الناس وإن أيس من نجاح هذه المحاولة، كما سيأتي إن شاء الله موضحا في موضعه. وتعدية سواء بعلى للدلالة على التمكن، فقد سبق أن على تفيد الاستعلاء، وهو يقتضي تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ويراد به هنا استواء الانذار وعدمه عند هؤلاء المعنيين. وقوله {لا يؤمنون} يفيد تقرير ما تقدم، وهو إما تأكيد له، وإما خبر بعد خبر، ولا يصح أن يكون خبر إن، وجملة {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} اعتراضية وإن جوّزه صاحب الكشاف لأن فائدة الاخبار بيان استواء الانذار وعدمه لا إفادة عدم إيمانهم فحسب. لا يكلف الله إلا بما في وسع المكلفين: هذا وقد تشبث بهذه الآية كثير من القائلين بجواز التكليف بالمحال ووقوعه، ووجه استدلالهم أن الله سبحانه أخبر عن هؤلاء الكفار بعدم إيمانهم، واستواء الانذار وعدمه عليهم، وهم مع ذلك مخاطبون بالايمان مكلفون به مع عدم جواز تبديل شيء من كلمات الله تعالى، وهو يعني أنهم مطالبون بأن يؤمنوا أنهم لا يؤمنون لاندراج ذلك فيما طولبوا بالايمان به من الكتاب. هذا ملخص ما يقولونه، ولهم في الاستدلال لذلك مسالك متشعبة ووجوه مختلفة، وكأني بهؤلاء يتصاممون عن قوله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا}. والآيات الدالة على أن عدم إيمان الكفار ناتج عن عنادهم وإخلادهم إلى الضلالة، وإصرارهم على الباطل، كقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} تفسير : [الكهف: 55]، وقوله: {أية : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ} تفسير : [النساء: 39]. والقول الحق في ذلك أن إخبار الله عز وجل بعدم إيمانهم إنما هو إخبار عما علمه من حالهم، فلا يسقط ذلك تكليفهم بالايمان، ولا يدل على أنهم طولبوا بما هم عاجزون عنه، فإنهم كانوا قادرين على التسليم، وإنما باعدهم عنه ما رسخ في نفوسهم من كراهة الحق، وعداوة أهله. ويرى العلامة ابن عاشور أن الاختلاف في هذه المسألة ناشئ عن الالتباس الحاصل من مفهوم المحال، فهو يطلق على ما هو محال عقلا، كجمع النقيضين، ومحال عادة، كصعود السماء، وما فيه حرج وإعنات كذبح المرء ولده، ووقوف الواحد لعشرة من أقرانه، وما عرضت له الاستحالة بالنظر إلى شيء آخر، كإيمان من علم الله عدم إيمانه وحج من علم الله أنه لا يحج، وكل ذلك مندرج فيما لا يطاق كما في قوله سبحانه: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، فإن المراد بذلك ما يشق على النفس مشقة عظيمة، وأطلق لفظ المحال على كل واحد من هذه الأقسام حقيقة ومطابقة في بعضها، والتزاما في البعض ومجازا في البعض. وأطلق عليها عدم المقدور كذلك، كما أطلق الجواز على الامكان وعلى الامكان للحكمة، وعلى الوقوع، فكان ذلك منشأ الاختلاف الذي ملأ الفضاء حتى جاء من فتح إغلاق الاشكال بمفاتيح التحرير، فتبين أن الجواز الامكاني ثابت لأن يفعل ما يشاء لو شاء، وثبت أن الجواز الملائم للحكمة منتفٍ عند الطائفتين وإن اختلفتا في تفسير الحكمة، لاتفاق الكل على أن فائدة التكليف تنعدم إذا كان المكلف به متعذر الوقوع، وثبت أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه مكلف به جوازا ووقوعا، وجل التكاليف لا تخلو من ذلك، وثبت ما هو أخص وهو رفع الحرج الخارجي عن الحد المتعارف تفضلا من الله تعالى لقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]، وقوله: {أية : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المزمل: 20]، أي لا تطيقونه كما أشار إليه ابن العربي في الأحكام. انتهى المراد من كلامه بتصرف. ولا يماري عاقل في أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأن جميع أفعاله عدل لا يوصف شيء منها بالظلم والجور، ولكنه سبحانه أخبرنا بعدم تكليفه إلا بما في وسع المكلفين، فليس لنا أن نتجاوز عن ذلك فنصفه بما يخالفه. ومن المعلوم أن الله هدى كل أحد السبيل وفتح لكل من شاء أبواب الرشاد، فانحراف الانسان إلى مسالك الغواية ليس بسبب حيلولة القدر بينه وبين الرشد، وإنما هو باستحباب نفسه، كما أخبر الله عن ثمود بقوله: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]، والله يعلم ما اشتملت عليه طوايا الأنفس وحنايا الضمائر، فلا غرو في إخباره عمن أخبر عنه بعدم الايمان مع دعوته إليه، إذ الخبر إنما هو عما علمه الله من هوى نفسه وميلولة رغبته. وبهذا يندفع الاعتراض الذي تصوره الامام ابن عاشور في دعوة أمثال هؤلاء إلى الحق مع العلم بعدم استجابتهم، ولا داعي إلى ما أجاب به من أن الرسول صلى الله عليه لم يقصد أحدا بعينه من هؤلاء الذين ماتوا مصرين على الكفر فيخصه بالدعوة إلى الايمان كما صنع مع عمر بن الخطاب حين جاءه، إذ قال له: أما آن لك يا ابن الخطاب أن تقول: لا إله إلا الله؟ وكما صنع مع غيره ممن أسلم. وكلامه هذا دعوى لم تنهض بها حجة، ومن أين له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع أحدا بعينه ممن لم يسلموا إلى الاسلام، مع قوله تعالى: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ..} تفسير : [يس: 6] إلى قوله: {أية : ..لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7]. ودعوته صلى الله عليه وسلم لم تختلف عن دعوات النبيين من قبله في حيثية الاتجاه بها إلى جميع من أرسل إليهم، سواء من وفق لقبولها منهم ومن لم يوفق، وقد أرسل الله موسى وهارون - عليهما السلام - برسالة الحق إلى فرعون الكافر العنيد، الذي سبق في علم الله أنه سيموت على كفره وضلاله، وأمرهما أن يقولا له قولا لينا، وبين هذا القول اللين قوله تعالى: {أية : فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات: 18 - 19]. وهكذا كانت رسالات جميع المرسلين إلى أقوامهم كما هو واضح لمن تدبر القرآن، وليت شعري ما هو الفارق بين دعوة الأعيان ودعوة المجموعة، على أن الدعوة هي تكليف إلهي للرسل يجب عليهم القيام بها مع غض النظر عما يكون من عاقبة أمرها. ولأجل ذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحط عن صدره أثقال الهموم التي كان ينوء بها بسبب ما كان يلقاه من قومه من صدود، وقال له تعالى: {أية : إِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40]. هذا وقد شدد الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده النكير على القائلين بالتكليف بالمحال، وذكر أن الصحابة - رضي الله عنهم - ما كان ذلك يخطر على بال أحد منهم، ثم قال: إن الاتفاق واقع بين الأئمة، بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية. وقس كلامه هذا إلى ما قاله الفخر الرازي من أن القول بجوازه هو قول أهل السنة، والقول بعدم جوازه هو قول المعتزلة.
الالوسي
تفسير : كلام مستأنف يتميز به حال الكفرة/ الغواة المردة العتاة سيق إثر بيان بديع أحوال أضدادهم المتصفين بنعوت الكمال الفائزين بمطالبهم في الحال والمآل، ولم يعطف على سابقه عطف القصة على القصة لأن المقصود من ذلك بيان اتصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية تقريراً لكونه يقيناً لا مجال للشك فيه، ومن هذا بيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي فيهم الإنذار، والقول إنهما مسوقان لبيان حال الكتاب وأنه هدى لقوم وليس هدى لآخرين لا يجدي نفعاً لأن عدم كونه هدى لهم مفهوم تبعاً لا مقصود أصالة على أن الانتفاع به صفة كمال له يؤيد ما سبق من تفخيم شأنه وإعلاء مكانه بخلاف عدم الانتفاع. وقيل إن ترك العطف لكونه استئنافاً آخر كأنه قيل ثانياً ما بال غيرهم لم يهتدوا به؟ فأجيب بأنهم لإعراضهم وزوال استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب إلى الإيمان وليس بشيء لأنه بعد ما تقرر أن تلك الأوصاف المختصة هي المقتضية لم يبق لهذا السؤال وجه، وأغرب من هذا تخيل أن الترك لغاية الاتصال زعماً أن شرح تمرد الكفار يؤكد كون الكتاب كاملاً في الهداية نعم يمكن على بعد أن يوجه السؤال بأن يقال: لو كان الكتاب كاملاً لكان هدى للكفار أيضاً فيجاب بأن عدم هدايته إياهم لتمردهم وتعنتهم لا لقصور في الكتاب.شعر : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر تفسير : والعطف في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ }تفسير : [الإنفطار: 13-14] لاتحاد الجامع إذ الجملة الأولى مسوقة لبيان ثواب الأخيار، والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيهما من الترصيع والتقابل وقد عد التضاد وشبهه جامعاً يقتضي العطف لأن الوهم ينزل المتضادين منزلة المتضايفين فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن حتى قالوا إن الضد أقرب خطوراً بالبال مع الضد من الأمثال. وصدرت الجملة بإن اعتناء بمضمونها وقد تصدر بها الأجوبة لأن السائل لكونه متردداً يناسبه التأكيد وتعريف الموصول إما للعهد والمراد من شافههم صلى الله عليه وسلم بالإنذار في عهده وهم مصرون على كفرهم أو للجنس كما في قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ }تفسير : [البقرة: 171] وكقول الشاعر:شعر : ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم تفسير : فهو حينئذٍ عام خصه العقل بغير المصرين، والإخبار بما ذكر قرينة عليه أو المخصص عود ضمير خاص عليه من الخبر لا الخبر نفسه وقد ذكر الأصوليون ثلاثة أقوال فيما إذا عاد ضمير خاص على العام فقيل يخصصه وقيل لا وقيل بالوقف ومثلوه بقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء }تفسير : [البقرة: 228] فإن الضمير في {بُعُولَتُهُنَّ} للرجعيات فقط. وما ذكره بعض أجلة المفسرين أن المخصص هنا الخبر أورد عليه أن تعين المخبر عنه بمفهوم الخبر ينافي ما تقرر من أن المخبر عنه لا بد أن يكون متعيناً عند المخاطب قبل ورود الخبر فلو توقف تعين المخبر عنه على الخبر لزم الدور. والكفر بالضم مقابل الإيمان وأصله المأخوذ منه الكفر ـ بالفتح ـ مصدر بمعنى الستر يقال كفر يكفر من باب قتل، وما في "الصحاح" من أنه من باب ضرب فالظاهر أنه غير صحيح وإن لم ينبه عليه في "القاموس" وشاع استعماله في ستر النعمة خاصة وفي مقابل الإيمان لأن فيه ستر الحق ونعم الفيض المطلق، وقد صعب على المتكلمين تعريف الكفر الشرعي الغير التبعي واختلفوا في تعريفه على حسب اختلافهم في تعريف الإيمان إلا أن الذي عول عليه الشافعية/ رحمهم الله تعالى أنه إنكار ما علم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم به مما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام فلا يكفر جاحد المجمع عليه على الإطلاق بل من جحد مجمعاً عليه فيه نص وهو من الأمور الظاهرة التي يشترك في معرفتها سائر الناس كالصلاة وتحريم الخمر ومن جحد مجمعاً عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فليس بكافر ومن جحد مجمعاً عليه ظاهراً لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف، وأما ساداتنا الحنفية رضي الله تعالى عنهم فلم يشترطوا في الإكفار سوى القطع بثبوت ذلك الأمر الذي تعلق به الإنكار لا بلوغ العلم به حد الضرورة وهذا أمر عظيم وكأنه لذلك قال ابن الهمام: يجب حمله على ما إذا علم المنكر ثبوته قطعاً لأن مناط التكفير التكذيب أو الاستخفاف. ولا يرد على أخذ الإنكار في التعريف أن أهل الشرع حكموا على بعض الأفعال والأقوال بأنها كفر وليست إنكاراً من فاعلها ظاهراً لأنهم صرحوا بأنها ليست كفراً وإنما هي دالة عليه فأقيم الدال مقام مدلوله حماية لحريم الدين وصيانة لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وليست بعض المنهيات التي تقتضيها الشهوة النفسانية كذلك فلا يبطل الطرد بغير الكفر من الفسق فليس شعار الكفار مثلاً ليس في الحقيقة كفراً كما قاله مولانا الإمام الرازي وغيره إلا أنهم كفروا به لكونه علامة ظاهرة على أمر باطن وهو التكذيب لأن الظاهر أن من يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي به فحيث أتى به دل على عدم التصديق وهذا إذا لم تقم قرينة على ما ينافي تلك الدلالة ولهذا قال بعض المحققين: إن لبس شعار الكفرة سخرية بهم وهزلاً ليس بكفر. وقال مولانا الشهاب وليس ببعيد إذا قامت القرينة وأنا أقول إذا قامت القرينة على غرض آخر غير السخرية والهزل لا كفر به أيضاً كما يظنه بعض من ادعى العلم اليوم وليس منه في قبيل ولا دبير ولا في العير ولا النفير. ثم الإنكار هنا بمعنى الجحود ولا يرد أن من تشكك أو كان خالياً عن التصديق والتكذيب ليس بمصدق ولا جاحد وأنه قول بالمنزلة بين المنزلتين وهو باطل عند أهل السنة لأنه يجوز أن يكون كفر الشاك والخالي لأن تركهما الإقرار مع السعة والأعمال بالكلية دليل - كما قاله السيالكوتي - على التكذيب كما أن التلفظ بكلمة الشهادة دليل على التصديق وقيل هو هٰهنا من أنكرت الشيء جهلته فلا ورود أيضاً، وفيه أن الإنكار بمعنى الجهل يقابل المعرفة فيلزم أن يكون العارف الغير المصدق كأحبار اليهود واسطة فالمحذور باق بحاله. وعرف في "المواقف" الكفر بأنه عدم تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة ولعله أيضاً يقول بإقامة بعض الأفعال والأقوال مقام عدم التصديق واعترض على أخذ الضرورة بأن ما ثبت بالإجماع قد يخرج من الضروريات وكذا براءة عائشة رضي الله تعالى عنها ثبتت بالقرآن، وأدلته اللفظية غير موجبة للعلم فتخرج عن الضروريات أيضاً. وأجيب بأن خروج ما ثبت بالإجماع عن الضروريات ممنوع والدلالة اللفظية تفيد العلم بانضمام القرائن وهي موجودة في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها ولقد عد أصحابنا رضي الله تعالى عنهم في باب الإكفار أشياء كثيرة لا أراها توجب إكفاراً والإخراج عن الملة أمر لا يشبهه شيء فينبغي الاتئاد في هذا الباب مهما أمكن، وقول ابن الهمام: أرفق بالناس وفي "أبكار الأفكار" ـ في هذا البحث ـ ما يقضي منه العجب ولا أرغب في طول بلا طول وفضول بلا فضل. واستدل المعتزلة بهذه الآية ونحوها على حدوث كلامه سبحانه وتعالى لاستدعاء صدق الأخبار بمثل هذا الماضي سابقة المخبر عنه أعني النسبة بالزمان وكل مسبوق بالزمان حادث، وأجيب بأن سبق المخبر عنه يقتضي تعلق كلامه الأزلي بالمخبر عنه فاللازم سبق المخبر عنه على التعلق وحدوثه وهو لا يستلزم حدوث الكلام كما في علمه تعالى بوقوع الأشياء فإن له تعلقاً حادثاً مع عدم حدوثه أو يقال إن ذاته تعالى وصفاته/ لما لم تكن زمانية يستوي إليها جميع الأزمنة استواء جميع الأمكنة فالأنواع كل منها حاضر عنده في مرتبته واختلاف التعبيرات بالنظر إلى المخاطب الزماني رعاية للحكمة في باب التفهيم، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره، وقد ذكرنا في الفائدة الرابعة ما يفيدك ذكره هنا فتذكر. و {سَوَآء} اسم مصدر بمعنى الاستواء وهو لا يثنى ولا يجمع وقد استغنوا عن تثنيته بتثنية {سي} إلا شذوذاً وكأنه في الأصل مصدر كما قاله الرضى ورفع على أنه خبران وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه ـ أو خبر مبتدأ محذوف ـ تقديره الأمران سواء ثم بين الأمرين بقوله سبحانه: {ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} أو خبر لما بعده أي إنذارك وعدمه سيان وهو المشهور على ألسنة الطلبة في مثله. وأورد عليه أمور. الأول: إن الفعل لا يسند إليه. الثاني: إنه مبطل لصدارة الاستفهام. الثالث: إن الهمزة و {أَمْ} موضوعان لأحد الأمرين وكل ما يدل على الاستواء لا يسند إلا إلى متعدد فلذا يقال استوى وجوده وعدمه ولا يقال أو عدمه. الرابع: إنه على تقدير كونه خبراً يلزم أن لا يصح تقديمه لالتباس المبتدأ بالفاعل. ويجاب أما عن الأول فبأنه من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، والعرب تميل في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاً بيناً ومن ذلك ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن ولو أجرى على ظاهره لزم عطف الاسم المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها. ودعوى البيضاوي ـ بيض الله تعالى غرة أحواله ـ أنه استعمل فيه اللفظ في جزء معناه وهو الحدث تجوزاً فلذا صح الإخبار عنه كما يجوز الإخبار عما يراد به مجرد لفظه كضرب ماض مفتوح الباء على ما فيها لا تتأتى فيما إذا كان المعادلان ـ أو أحدهما بعد همزة التسوية ـ جملة اسمية كما في قوله تعالى: {أية : سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ }تفسير : [الأعراف: 193] ويدخل في الميل مع المعنى مع أنه لا يلزم عليه الخروج عن الحقيقة وقد نقل ابن جني عن أبـي علي أنه قال: الجملة المركبة من المبتدأ والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بأن إذا انتصب وانصرف القول به والرأي فيه إلى مذهب المصدر كقوله تعالى: {أية : هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ}تفسير : [الروم: 28] وكقوله سبحانه وتعالى: {أية : أَعِنَده عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ }تفسير : [النجم: 35] ألا ترى أن الفاء جواب الاستفهام وهي تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بأن مضمرة والفعل المنصوب مصدر لا محالة حتى كأنه قال أعنده علم الغيب فرؤيته وهل بينكم شركة فاستواء، وأما عن الثاني والثالث فبأن الهمزة و {أَمْ} انسلخا عن معنى الاستفهام عن أحد الأمرين ولما كانا مستويين في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلق الحكم بكليهما، ولهذا قيل تجوز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها في نسبة ما من غير ملاحظة تقدم أو تأخر، ثم إن مثل هذا المعنى وإن كان مراداً إلا أنه لا يلاحظ في عنوان الموضوع بعد السبك كما لا يلاحظ معنى العاطف فلا يقال في الترجمة هنا إلا الإنذار وعدمه سواء من غير نظر إلى التساوي حتى يقال إذا كان تقدير المبتدأ المتساويان يلغو حمل سواء عليه فيدفع بما يدفع، وقد قال الإمام الآفسراي: إن أنذرتهم الخ. انتقل عن أن يكون المقصود أحدهما إلى أن يكون المراد كليهما وهذا معنى الاستواء الموجود فيه، وأما الحكم بالاستواء في عدم النفع فلم يحصل إلا من قوله: {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} وذكر أنه ظفر بمثله عن أبـي علي الفارسي، وكلام المولى الفناري يحوم حول هذا الحمى، وذهب بعض المحققين إلى أنهما في الأصل للاستفهام عن أحد الأمرين وهما مستويان في علم المستفهم، وقد ذهب ذلك الاستواء هنا إذ سلخ عنهما الاستفهام وبقي الاستواء في العلم وهو معنى قول من قال الهمزة و {أَمْ} مجردتان لمعنى الاستواء فيكون الحاصل فيما نحن فيه المتساويان في علمك مستويان في عدم/ الجدوى وهذا على ما فيه تكلف مستغنى عنه بما ذكرناه ومثله ما ذكر العاملي من أن تمام معناهما الاستواء والاستفهام معاً فجردا عن معنى الاستفهام وصارا لمجرد الاستواء ولتكرر الحكم بالاستواء بمعنى واحد يحصل التأكيد كأنه قيل سواء الإنذار وعدمه سواء وهو بعيد عن ساحة التحقيق كما لا يخفى ويوهم قولهم بالتجريد أن هناك مجازاً مرسلاً استعمل فيه الكل في جزئه، والتحقيق إنه إما استعارة أو مستعمل في لازم معناه ثم المشهور أنه لا يجوز العطف بعد سواء بأو إن كان هناك همزة التسوية حتى قال في «المغني»: إنه من لحن الفقهاء، وفي شرح الكتاب للسيرافي {سَوَآء} إذا دخلت بعدها ألف الاستفهام لزمت {أَمْ} كسواء علي أقمت أم قعدت فإذا عطف بعدها أحد اسمين على آخر عطف بالواو لا غير نحو سواء عندي زيد وعمرو فإذا كان بعدها فعلان بغير استفهام عطف أحدهما على الآخر ـ بأو ـ كقولك سواء عليّ قمت أو قعدت فإن كان بعدها مصدران مثل سواء عليّ قيامك وقعودك فلك العطف بالواو وبأو. وإنما دخلت في الفعلين بغير استفهام لما في ذلك من معنى المجازاة، فتقدير المثال إن قمت أو قعدت فهما على سواء، والظاهر من هذا بيان استعمالات العرب ـ لسواء ـ ولم يحك في شيء من ذلك شذوذاً فقراءة ابن محيصن من طريق الزعفراني ـ سواء عليهم أنذرتهم أو لم تنذرهم ـ شاذة رواية فقط لا استعمالاً كما يفهمه كلام ابن هشام فافهم هذا المقام فقد غلط فيه أقوام بعد أقوام. وأما عن الرابع فبأن النحاة قد صرحوا بتخصيص ذلك بالخبر الفعلي دون الصفة نحو زيد قام فلا يقدم لالتباس المبتدأ بالفاعل حينئذٍ فإذا لم يمتنع في صريح الصفة فعدم امتناعه هنا أولى على ما قيل، وإنما عدل سبحانه عن المصدر فلم يأت به على الأصل لوجهين، لفظي وهو حسن دخول الهمزة وأم لأنهما في الأصل للاستفهام وهو بالفعل أولى، ومعنوي وهو إيهام التجدد نظراً لظاهر الصيغة، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم أحدث ذلك وأوجده فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وإنما لم يؤمنوا لسبق الشقاء ودرك القضاء لا لتقصير منه وحاشاه فهو وإن أفاد اليأس فيه تسلية له صلى الله عليه وسلم. وعلى هنا باعتبار أصل معناه لأن الاستواء يتعدى بعلى كقوله تعالى: {أية : ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }تفسير : [الأعراف: 54] وقيل بمعنى عند ـ ففي «المغني» ـ على تجرد للظرفية، وعلى ذلك أكثر المفسرين والقول بأنها هنا للمضرة كدعاء عليه ليس بشيء لأن {سَوَآء} تستعمل مع على مطلقاً فيقال ـ مودتي دائمة سواء على أزرت أم لم تزر ـ. والإنذار التخويف مطلقاً أو الإبلاغ وأكثر ما يستعمل في تخويف عذاب الله تعالى ويتعدى إلى اثنين كقوله تعالى: { أية : إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً }تفسير : [النبأ: 40] {أية : فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً }تفسير : [فصلت: 13] فالمفعول الثاني هنا محذوف أي العذاب ظاهراً ومضمراً واستحسن أن لا يقدر ليعم، وفي البحر: "الإنذار" الإعلام مع التخويف في مدة تسع التحفظ من المخوف فإن لم تسع فهو إشعار وإخبار لا إنذار ولم يذكر سبحانه البشارة لأنها تفهم بطريق دلالة النص لأن الإنذار أوقع في القلب وأشد تأثيراً فإذا لم ينفع كانت البشارة بعدم النفع أولى. وقيل لا محل للبشارة هنا لأن الكافر ليس أهلاً لها. وقوله عز من قائل: {لاَ يُؤْمِنُونَ} يحتمل أن تكون مفسرة لإجمال ما قبلها مما فيه الاستواء والكفر وعدم نفع الإنذار في الماضي بحسب الظاهر مسكوت فيه عن الاستمرار و {لاَ يُؤْمِنُونَ} دال عليه ومبين له فلا حاجة إلى القول بأن هذا بالنظر إلى مفهوم اللفظ مع قطع النظر عن أنه إخبار عن المصرين وهي حينئذٍ لا محل لها من الإعراب كما هو شأن الجمل المفسرة، وعند الشلوبين لها محل لأنها عطف بيان عنده ويحتمل أن تكون حالاً مؤكدة لما قبلها وصاحب الحال ضمير {عليهم} أو {أنذرتهم} وليس هذا كزيد أبوك عطوفاً لفقد ما يشترط في هذا النوع هٰهنا وأن/ تكون بدلاً، إما بدل اشتمال لاشتمال عدم نفع ما مر على عدم الإيمان، أو بدل كل لأنه عينه بحسب المآل أو خبراً بعد خبراً أو خبر مبتدأ محذوف ـ أي هم لا يؤمنون ـ أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض. وفي "التسهيل": الاعتراضية هي المفيدة تقوية وهي هنا كالعلة للحكم لدلالتها على قسوة قلوبهم وعدم تأثرها بالإنذار وهو مقتض لعدم الإيمان؛ وحيث أن الموضوع دال على عدم الإيمان في الماضي والمحمول على استمراره في المستقبل اندفع توهم عدم الفائدة في الإخبار وجعل الجملة دعائية بعيد، وأبعد منه ما روي أن الوقف على ـ أم لم تنذر ـ والابتداء ـ بهم لا يؤمنون ـ على أنه مبتدأ وخبر بل ينبغي أن لا يلتفت إليه. وقرأ الجحدري: {سَوَآء} بتخفيف الهمزة على لغة الحجاز فيجوز أنه أخلص الواو ويجوز أنه جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة والواو وعن الخليل أنه قرأ (سوء عليهم) بضم السين مع واو بعدها فهو عدول عن معنى المساواة إلى السب والقبح وعليه لا تعلق إعرابياً له بما بعده كما في "البحر"، وقرأ الكوفيون وابن ذكوان ـ وهي لغة بني تميم ـ (أأنذرتهم) بتحقيق الهمزتين وهو الأصل، وأهل الحجاز لا يرون الجمع بينهما طلباً للتخفيف فقرأ الحرميان وأبو عمرو وهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية إلا أن أبا عمرو وقالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع وهشام يدخلون بينهما ألفاً وابن كثير لا يدخل. وروي تحقيقهما عن هشام مع إدخال ألف بينهما وهي قراءة ابن عباس وابن أبـي إسحاق. وروي عن ورش كابن كثير وكقالون إبدال الهمزة الثانية ألفاً فيلتقي ساكنان على غير حدهما عند البصريين، وزعم الزمخشري أن ذلك لحن وخروج عن كلام العرب من وجهين أحدهما: الجمع بين ساكنين على غير حدة الثاني: إن طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها هو بالتسهيل بين بين لا بالقلب ألفاً لأنه طريق الهمزة الساكنة وما قالوه مذهب البصريين، والكوفيون أجازوا الجمع على غير الحد الذي أجازه البصريون، وهذه القراءة من قبيل الأداء، ورواية المصريين عن ورش وأهل بغداد يروون التسهيل بين بين كما هو القياس فلا يكون الطعن فيها طعناً فيما هو من السبع المتواتر إلا أن المعتزلي أساء الأدب في التعبير. وقد احتج بهذه الآية وأمثالها من قال بوقوع التكليف بالممتنع لذاته بناءً على أن يراد بالموصول ناس بأعيانهم، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه وتعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان وهو ممتنع إذ لو كان ممكناً لما لزم من فرض وقوعه محال لكنه لازم إذ لو آمنوا انقلب خبره كذباً وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون لكونه مما جاء به صلى الله عليه وسلم وإيمانهم بأنهم لا يؤمنون فرع اتصافهم بعدم الإيمان فيلزم اتصافهم بالإيمان وعدم الإيمان فيجتمع الضدان، وكلا الأمرين من انقلاب خبره تعالى كذباً واجتماع الضدين محال وما يستلزم المحال محال وأجيب بأن إيمانهم ليس من المتنازع فيه لأنه أمر ممكن في نفسه وبإخباره سبحانه وتعالى بعدم الإيمان لا يخرج من الإمكان، غايته أنه يصير ممتنعاً بالغير واستلزام وقوعه الكذب أو اجتماع الضدين بالنظر إلى ذلك لأن إخباره تعالى بوقوع الشيء أو عدم وقوعه لا ينفي القدرة عليه ولا يخرجه من الإمكان الذاتي لامتناع الانقلاب وإنما ينفي عدم وقوعه أو وقوعه فيصير ممتنعاً بالغير واللازم للممكن أن لا يلزم من فرض وقوعه نظراً إلى ذاته محال، وأما بالنظر إلى امتناعه بالغير فقد يستلزم الممتنع بالذات كاستلزام عدم المعلول الأول عدم الواجب. وقيل في بيان استحالة إيمانهم بأنهم لا يؤمنون أنه تكليف بالنقيضين لأن التصديق في الإخبار بأنهم لا يصدقونه في شيء يستلزم عدم تصديقهم في ذلك والتكليف بالشيء تكليف بلوازمه، وقوبل بالمنع لا سيما اللوازم العدمية. وقيل لأن تصديقهم في أن لا يصدقوه يستلزم أن لا يصدقوه وما يستلزم وجوده عدمه محال، ورد بأنه يجوز أن يكون ذلك الاستلزام/ لامتناعه بالغير كما فيما نحن فيه، وقيل لأن إذعان الشخص بخلاف ما يجد في نفسه محال. واعترض بأنه يجوز أن لا يخلق الله تعالى العلم بتصديقه فيصدقه في أن لا يصدقه نعم إنه خلاف العادة لكنه ليس من الممتنع بالذات كذا قيل، ولا يخلو المقام بعد عن شيء وأي شيء، والبحث طويل واستيفاؤه هنا كالتكليف بما لا يطاق وسيأتيك إن شاء الله تعالى على أتم وجه. ثم فائدة الإندار بعد العلم بأنه لا يثمر استخراج سر ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء في المكلفين {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ }تفسير : [النساء: 165] فإن الله تعالى لو أدخل ابتداء كلا داره التي سبق العلم بأنها داره لكان شأن المعذب منهم ما وصف الله تعالى بقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}تفسير : [طه: 134] فأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين ليستخرج ما في استعدادهم من الطوع والآباء ـ فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ـ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ـ وتقوم به الحجة على الآخرين إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسالة تتحرك الدواعي للطوع والإباء بحسب الاستعداد الأزلي فيترتب عليه الفعل أو الترك بالمشيئة السابقة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت الأزلي فيترتب عليه النفع والضرّ من الثواب والعقل وإنما قامت الحجة على الكافر لأن ما امتنع من الإتيان به بعد بلوغ الدعوة وظهور المعجزة من الإيمان لو كان ممتنعاً لذاته مطلقاً لما وقع من أحد لكنه قد وقع فعلم أن عدم وقوعه منه كان عن إباء ناشىء من استعداده الأزلي باختياره السيء وإن كان إباؤه بخلق الله تعالى به فإن فعل الله تعالى تابع لمشيئته التابعة لعلمه التابع للمعلوم والمعلوم من حيث ثبوته الأزلي غير مجعول فتعلق العلم به على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي في الإرادة تعلقت بتخصيص ما سبق العلم به من مقتضى استعداده الأزلي فأبرزته القدرة على طبق الإرادة قال تعالى: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } فلهذا قال: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الأنعام: 149] لكنه لم يشأ إذ لم يسبق به العلم لكونه كاشفاً للمعلوم وما في استعداده الأزلي فالمعلوم المستعد للهداية في نفسه كشفه عما هو عليه من قبوله لها، والمستعد للغواية تعلق به على ما هو عليه من عدم قبوله لها فلم يشأ إلا ما سبق به العلم من مقتضيات الاستعداد فلم تبرز القدرة إلا ما شاء الله تعالى فصح أن لله الحجة البالغة سبحانه إذا نوزع لأن الله تعالى: {قَدْ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } وما يقتضيه استعداده وما نقص منه شيئاً ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فمن وجد خيراً فليحمد الله»تفسير : فإن الله متفضل بالإيجاد ولا واجب عليه "حديث : ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"تفسير : لأنه ما أبرز قدرته بجوده ورحمته مما اقتضته الحكمة من الأمر الذي لا خير فيه له إلا لكونه مقتضى استعداده فالحمد لله على كل حال ونعوذ به من أحوال أهل الزيغ والضلال، وإنما قال سبحانه: {سَوَاء عَلَيْهِمْ } ولم يقل عليك لأن الانذار وعدمه ليسا سواء لديه صلى الله عليه وسلم ـ لفضيلة الإنذار الواجب عليه ـ على تركه، وإذا أريد بالموصول ناس معينون على أنه تعريف عهدي كما مر كان فيه معجزة لأخباره بالغيب وهو موت أولئك على الكفر كما كان.
ابن عاشور
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}. هذا انتقال من الثناء على الكِتَاب ومتقلِّديه ووصفِ هديه وأَثَرِ ذلك الهدى في الذين اهتدوا به والثناء عليهم الراجع إلى الثناء على الكتاب لمَّا كان الثناء إنما يظهر إذا تحققت آثار الصفة التي استحق بها الثناء، ولما كان الشيء قد يقَدَّر بضده انتقل إلى الكلام على الذين لا يحصل لهم الاهتداء بهذا الكتاب، وسجل أن حرمانهم من الاهتداء بهديه إنما كان من خبث أنفسهم إذ نَبَوْا بها عن ذلك، فما كانوا من الذين يفكرون في عاقبة أمورهم ويحذرون من سوء العواقب فلم يكونوا من المتقين، وكان سواء عندهم الإنذار وعدمه فلم يتلقوا الإنذار بالتأمل بل كان سواء والعدم عندهم، وقد قرنت الآيات فريقين فريقاً أضمر الكفر وأعلنه وهم من المشركين كما هو غالب اصطلاح القرآن في لفظ {الذين كفروا} وفريقاً أظهر الإيمان وهو مخادع وهم المنافقون المشار إليهم بقوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا}تفسير : [البقرة: 8]. وإنما قطعت هاته الجملة عن التي قبلها لأن بينهما كمال الانقطاع إذ الجمل السابقة لذكر الهدى والمهتدين، وهذه لذكر الضالين فبينهما الانقطاع لأجل التضاد، ويعلم أن هؤلاء قسم مضاد للقسمين المذكورين قبله من سياق المقابلة. وتصدير الجملة بحرف التأكيد إما لمجرد الاهتمام بالخبر وغرابته دون رَدِّ الإنكار أو الشك؛ لأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة وهو خطاب أُنُف بحيث لم يسبق شك في وقوعه، ومجيء (إنّ) للاهتمام كثير في الكلام وهو في القرآن كثير. وقد تكون (إنّ) هنا لرد الشك تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الكافرين تجعله لا يقطع الرجاء في نفع الإنذار لهم وحاله كحال من شك في نفع الإنذار، أو لأن السامعين لما أجرى على الكتاب من الثناء ببلوغه الدرجة القصوى في الهداية يطمعهم أن تؤثر هدايته في الكافرين المعرضين وتجعلهم كالذين يشكون في أن يكون الإنذار وعدمه سواء فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ونزل غير الشاك منزلة الشاك. وقد نقل عن المبرد أن (إنَّ) لا تأتي لرد الإنكار بل لرد الشك. وقد تبين أن (الذين كفروا) المذكورين هنا هم فريق من المشركين الذين هم مأيوس من إيمانهم، فالإتيان في ذكرهم بالتعريف بالموصول إما أن يكون لتعريف العهد مراداً منه قوم معهودون كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم من رؤوس الشرك وزعماء العناد دون من كان مشركاً في أيام نزول هذه الآية ثم من آمن بعد مثل أبي سفيان بن حرب وغيره من مُسْلِمة الفتح وإما أن يكون الموصول لتعريف الجنس المفيد للاستغراق على أن المراد من الكفر أبلغ أنواعه بقرينة قوله: {لا يؤمنون} فيكون عاماً مخصوصاً بالحس لمشاهدة من آمن منهم أو يكون عاماً مراداً به الخصوص بالقرينة وهذان الوجهان هما اللذان اقتصر عليهما المحققون من المفسرين وهما ناظران إلى أن الله أخبر عن هؤلاء بأنهم لا يؤمنون فتعيَّن أن يكونوا ممن تبين بعد أنه مات على الكفر. ومن المفسرين من تأوّل قوله تعالى: {الذين كفروا} على معنى الذين قُضى عليهم بالكفر والشقاء ونَظره بقوله تعالى: {أية : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون}تفسير : [يونس: 96] وهو تأويل بعيد من اللفظ وشتان بينه وبين تنظيره. ومن المفسرين من حمل {الذين كفروا} على رؤساء اليهود مثل حيي بن أخطب وأبي رافع يعني بناء على أن السورة نزلت في المدينة وليس فيها من الكافرين سوى اليهود والمنافقين وهذا بعيد من عادة القرآن وإعراض عن السياق المقصود منه ذكر من حرم من هدي القرآن في مقابلة من حصل لهم الاهتداء به، وأيّاً ما كان فالمعنى عند الجميع أن فريقاً خاصاً من الكفار لا يرجى إيمانهم وهم الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وروى ذلك عن ابن عباس والمقصود من ذلك أن عدم اهتدائهم بالقرآن كان لعدم قابليتهم لا لنقص في دلالة القرآن على الخير وهديه إليه. والكفر - بالضم - : إخفاء النعمة، وبالفتح: الستر مطلقاً وهو مشتق من كفر إذا ستر. ولما كان إنكار الخالق أو إنكار كماله أو إنكار ما جاءت به رسله ضرباً من كفران نعمته على جاحدها، أطلق عليه اسم الكفر وغلب استعماله في هذا المعنى. وهو في الشرع إنكار ما دلت عليه الأدلة القاطعة وتناقلته جميع الشرائع الصحيحة الماضية حتى علمه البشر وتوجهت عقولهم إلى البحث عنه ونصبت عليه الأدلة كوحدانية الله تعالى ووجوده ولذلك عد أهل الشرك فيما بين الفترة كفاراً. وإنكار ما علم بالضرورة مجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم به ودعوته إليه وعده في أصول الإسلام أو المكابرة في الاعتراف بذلك ولو مع اعتقاد صدقه ولذلك عبر بالإنكار دون التكذيب. ويلحق بالكفر في إجراء أحكام الكفر عليه كل قول أو فعل لا يجترىء عليه مؤمن مصدق بحيث يدل على قلة اكتراث فاعله بالإيمان وعلى إضماره الطعن في الدين وتوسله بذلك إلى نقض أصوله وإهانته بوجه لا يقبل التأويل الظاهر وفي هذا النوع الأخير مجال لاجتهاد الفقهاء وفتاوى أساطين العلماء إثباتاً ونفياً بحسب مبلغ دلالة القول والفعل على طعن أو شك. ومن اعتبر الأعمال أو بعضها المعين في الإيمان اعتبر فقدها أو فقد بعضها المعين في الكفر. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده والإيمان بالله هو العلم بوجوده فالكفر لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور أحدها الجهل بالله تعالى، الثاني أن يأتي بفعل أو قول أخبر الله ورسوله أو أجمع المؤمنون على أنه لا يكون إلا من كافر كالسجود للصنم، الثالث أن يكون له قول أو فعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى. ونقل ابن راشد في «الفائق» عن الأشعري رحمه الله أن الكفر خصلة واحدة. قال القرافي في الفرق 241 أصل الكفر هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية ويكون بالجهل بالله وبصفاته أو بالجرأة عليه وهذا النوع هو المجال الصعب لأن جميع المعاصي جرأة على الله. وقوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} خبر {إن الذين كفروا} و(سواء) اسم بمعنى الاستواء فهو اسم مصدر دل على ذلك لزوم إفراده وتذكيره مع اختلاف موصوفاته ومخبراته فإذا أخبر به أو وصف كان ذلك كالمصدر في أن المراد به معنى اسم الفاعل لقصد المبالغة. وقد قيل إن (سواء) اسم بمعنى المثل فيكون التزام إفراده وتذكيره لأن المثلية لا تتعدد، وإن تعدد موصوفها تقول هم رجال سواء لزيد بمعنى مثل لزيد. وإنما عدي سواء بعلى هنا وفي غير موضعٍ ولم يعلق بعند ونحوها مع أنه المقصود من الاستعلاء في مثله، للإشارة إلى تمكن الاستواء عند المتكلم وأنه لا مصرف له عنه ولا تردد له فيه فالمعنى سواء عندهم الإنذار وعدمه. واعلم أن للعرب في سواء استعمالين: أحدهما أن يأتوا بسواء على أصل وضعه من الدلالة على معنى التساوي في وصف بين متعدد فيقع معه (سواء) ما يدل على متعدد نحو ضمير الجمع في قوله تعالى: {أية : فهم فيه سواء}تفسير : [النحل: 71] ونحو العطف في قول بثينة:شعر : سواء علينا يا جميل بن معمر إذا مت بأساء الحياة ولينها تفسير : ويجري إعرابه على ما يقتضيه موقعه من التركيب، وثانيهما أن يقع مع همزة التسوية وما هي إلا همزة استفهام كثر وقوعها بعد كلمة {سواء} ومعها {أم} العاطفة التي تسمى المتصلة كقوله تعالى {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} وهذا أكثر استعماليها وتردد النحاة في إعرابه وأظهر ما قالوه وأسلِّمُه أن {سواء} خبر مقدم وأن الفعل الواقع بعده مقترناً بالهمزة في تأويل مبتدأ لأنه صار بمنزلة المصدر إذ تجرد عن النسبة وعن الزمان، فالتقدير في الآية سواء عليهم إنذارك وعدمه. وأظهر عندي مما قالوه أن المبتدأ بعد {سواء} مقدر يدل عليه الاستفهام الواقع معه وأن التقدير سواء جواب {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} وهذا يجري على نحو قول القائل علمت أزيد قائم إذ تقديره علمت جواب هذا السؤال، ولك أن تجعل {سواء} مبتدأ رافعاً لفاعل سد مسد الخبر لأن {سواء} في معنى مستو فهو في قوة اسم الفاعل فيرفع فاعلاً ساداً مسد خبر المبتدأ وجواب مثل هذا الاستفهام لما كان واحداً من أمرين كان الإخبار باستوائهما عند المخبر مشيراً إلى أمرين متساويين ولأجل كون الأصل في خبره الإفراد كان الفعل بعد (سواء) مؤولاً لا بمصدر ووجه الأبلغية فيه أن هذين الأمرين لخفاءِ الاستواء بينهما حتى ليسأل السائلون: أفعل فلان كذا وكذا فيقال إن الأمرين سواء في عدم الاكتراث بهما وعدم تطلب الجواب على الاستفهام من أحدهما فيكون قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم} مشيراً إلى أن الناس لتعجبهم في دوام الكفار على كفرهم مع ما جاءهم من الآيات بحيث يسأل السائلون أأنذرهم النبي أم لم ينذرهم متيقنين أنه لو أنذرهم لما ترددوا في الإيمان فقيل: إنهم سواء عليهم جواب تساؤل الناس عن إحدى الأمرين، وبهذا انتفى جميع التكلفات التي فرضها النحاة هنا ونبرأ مما ورد عليها من الأبحاث ككون الهمزة خارجة عن معنى الاستفهام، وكيف يصح عمل ما بعد الاستفهام فيما قبله إذا أعرب (سواء) خبراً والفعل بعد الهمزة مبتدأ مجرداً عن الزمان، وككون الفعل مراداً منه مجرد الحدث، وكدعوى كون الهمزة في التسوية مجازاً بعلاقة اللزوم، وكون (أم) بمعنى الواو ليكون الكلام لشيئين لا لأحد شيئين ونحو ذلك، ولا نحتاج إلى تكلف الجواب عن الإيراد الذي أورد على جعل الهمزة بمعنى (سواء) إذ يؤول إلى معنى استوى الإنذار وعدمه عندهم سواء فيكون تكراراً خالياً من الفائدة فيجاب بما نقل عن صاحب «الكشاف» أنه قال معناه أن الإنذار وعدمه المستويين في علم المخاطب هما مستويان في عدم النفع، فاختلفت جهة المساواة كما نقله التفتزاني في «شرح الكشاف». ويتعين إعراب (سواء) في مثله مبتدأ والخبر محذوف دل عليه الاستفهام تقديره جواب هذا الاستفهام فسواء في الآية مبتدأ ثان والجملة خبر {الذين كفروا}. ودع عنك كل ما خاض فيه الكاتبون على «الكشاف»، وحرف (على) الذي يلازم كلمة {سواء} غالباً هو للاستعلاء المجازي المراد به التمكن أي إن هذا الاستواء متمكن منهم لا يزول عن نفوسهم ولذلك قد يجيء بعض الظروف في موضع على مع كلمة سواء مثل عند، ولدي، قال أبو الشغب العَبسي:شعر : لا تَعذِلي في جُنْدُجٍ إنَّ جُنْدُجاً وليثَ كِفرّينِ لَدَىَّ سواء تفسير : وسيأتي تحقيق لنظير هذا التركيب عند قوله تعالى في سورة الأعراف (193): {أية : سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون}تفسير : ، وقرأ ابن كثير: {أأنذرتهم} بهمزتين أولهما محققة والثانية مسهلة. وقرأ قالون عن نافع وورش عنه في روايَة البغداديين وأبو عمرو وأبو جعفر كذلك مع إدخال ألف بيْن الهمزتين، وكلتا القراءتين لغة حجازية. وقرأهُ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين وهي لغة تميم. وروى أهل مصر عن ورش إبدال الهمزة الثانية ألفاً. قال الزمخشري: وهو لحن، وهذا يضعّف رواية المصريين عن ورش، وهذا اختلاف في كيفية الأداء فلاينافي التواتر. {لاَ يُؤْمِنُونَ}. الأظهر أن هاته الجملة مسوقة لتقرير معنى الجملة التي قبلها وهي {سواء عليهم أأنذرتهم} الخ فلك أن تجعلها خبراً ثانياً عن (إنّ) واستفادة التأكيد من السياق ولك أن تجعلها تأكيداً وعلى الوجهين فقد فصلت إما جوازاً على الأول وإما وجوباً على الثاني، وقد فرضوا في إعرابها وجوهاً أُخر لا نكثر بها لضعفها، وقد جوز في «الكشاف» جعْل جملة {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} اعتراضاً لجملة {لا يؤمنون} وهو مرجوح لم يرتضه السعد والسيد، إذ ليس محل الإخبار هو {لا يؤمنون} إنما المهم أن يخبر عنهم باستواء الإنذار وعدمه عندهم، فإن في ذلك نداء على مكابرتهم وغباوتهم، وعذراً للنبي صلى الله عليه وسلم في الحرص على إيمانهم، وتسجيلاً بأن من لم يفتح سمعه وقلبه لتلقي الحق والرشاد لا ينفع فيه حرص ولا ارتياد، وهذا وإن كان يحصل على تقديره جعل {لا يؤمنون} خبراً إلا أن المقصود من الكلام هو الأوْلى بالإخبار، ولأنه يصير الخبر غير معتبر إذ يصير بمثابة أن يقال إن الذين كفروا لا يؤمنون، فقد عُلم أنهم كفروا فعدم إيمانهم حاصل، وإن كان المراد من {لا يؤمنون} استمرار الكفر في المستقبل إلا أنه خبر غريب بخلاف ما إذا جعل تفسيراً للخبر. وقد احتج بهاته الآية الذين قالوا بوقوع التكليف بما لا يطاق احتجاجاً على الجملة إذ مسألة التكليف بما لا يطاق بقيت زماناً غير محررة، وكانَ كل من لاح له فيها دليل استدل به، وكان التعبير عنها بعبارات فمنهم من يعنْوِنُها التكليف بالمحال، ومنهم من يعبر بالتكليف بما ليس بمقدور، ومنهم من يعبر بالتكليف بما لا يطاق، ثم إنهم ينظرون مرة للاستحالة الذاتية العقلية، ومرة للذاتية العادية، ومرة للعرضية، ومرة للمشقة القوية المحرجة للمكلف فيخلطونها بما لا يطاق ولقد أفصح أبو حامد الإسفراييني وأبو حامد الغزالي وأضرابهما عما يرفع القناع عن وجه المسألة فصارت لا تحير أفهاماً وانقلب قتادها ثماماً، وذلك أن المحال منه محال لذاته عقلاً كجمع النقيضين ومنه محال عادة كصعود السماء ومنه ما فيه حرج وإعنات كذبح المرء وَلده ووقوف الواحد لعشرة من أقرانه، ومنه محال عرضت له الاستحالة بالنظر إلى شيء آخر كإيمان من علم الله عدم إيمانه وحج من علم الله أنه لا يحج، وكل هاته أطلق عليها ما لا يطاق كما في قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} إذ المراد ما يشق مشقة عظيمة، وأطلق عليها المحال حقيقةً ومطابقة في بعضها والتزاماً في البعض، ومجازاً في البعض، وأطلق عليها عدم المقدور كذلك، كما أطلق الجواز على الإمكان، وعلى الإمكان للحكمة، وعلى الوقوع، فنشأ من تفاوت هاته الأقسام واختلاف هاته الإطلاقات مقالات ملأت الفضاء، وكانت للمخالفين كحجر المضاء، فلما قيض الله أعلاماً نفَوْا ما شاكها، وفتحوا أغلاقها، تبين أن الجواز الإمكاني في الجميع ثابت لأن الله تعالى يفعل ما يشاء لو شاء، لا يخالفُ في ذلك مسلم. وثبت أن الجواز الملائم للحكمة منتف عندنا وعند المعتزلة وإن اختلفنا في تفسير الحكمة لاتفاق الكل على أن فائدة التكليف تنعدم إذا كان المكلف به متعذر الوقوع. وثبت أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه مكلف به جوازاً ووقوعاً، وجل التكاليف لا تخلو من ذلك، وثبت ما هو أخص وهو رفعُ الحرج الخارجي عن الحد المتعارفِ، تفضلاً من الله تعالى لقوله: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : (الحج 78) وقوله: {أية : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم}تفسير : [المزمل: 20] أي لا تطيقونه كما أشار إليه ابن العربي في «الأحكام». هذا ملاك هاته المسألة على وجه يلتئم به متناثرها، ويستأنس متنافرها. وبقي أن نبين لكم وجه تعلق التكليف بمن علم الله عدم امتثاله أو بمن أخبر الله تعالى بأنه لا يمتثل كما في هاته الآية، وهي أخص من مسألة العلم بعدم الوقوع إذ قد انضم الإخبار إلى العلم كما هو وجه استدلال المستدل بها، فالجواب أن من علم الله عدم فعله لم يكلفه بخصوصه ولا وَجَّه له دعوة تخصه إذ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خص أفراداً بالدعوة إلاَّ وقد آمنوا كما خص عمر بن الخطاب حين جاءه، بقوله: «أما آن لك يا ابن الخطاب أن تقول لا إلٰه إلا الله» وقوله لأبي سفيان يوم الفتح قريباً من تلكم المقالة، وخص عمه أبا طالب بمثلها، ولم تكن يومئذٍ قد نزلت هذه الآية، فلما كانت الدعوة عامة وهم شملهم العموم بطل الاستدلال بالآية وبالدليل العقلي، فلم يبق إلا أن يقال لماذا لم يخصَّص مَن عُلم عدم امتثاله من عموم الدعوة، ودَفْعُ ذلك أن تخصيص هؤلاء يطيل الشريعة ويجرىء غيرهم ويضعف إقامة الحجة عليهم، ويوهم عدم عموم الرسالة، على أن الله تعالى قد اقتضت حكمته الفصل بين ما في قدَره وعلمه، وبين ما يقتضيه التشريع والتكليف، وسِرّ الحكمة في ذلك بيناه في مواضع يطول الكلام بجلبها ويخرج من غرض التفسير، وأحسب أن تفطنكم إلى مجمله ليس بعسير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كفروا: الكفر: لُغة التغطية والجحود، وشرعاً التكذيب بالله وبما جاءت به رسلُه عنه كلا أو بعضا. سواء: بمعنى مُسْتَوٍ انذارهم وعدمه، إذ لا فائدة منه لحكم الله بعدم هدايتهم. أأنذرتهم: الإنذار: التخويف بعاقبة الكفر والظلم والفساد. ختم الله: طبع إذ الختم والطبع واحد وهو وضع الخاتم أو الطابع على الظرف حتى لا يعلم ما فيه، ولا يتوصل إليه فيبدل أو يغير. الغشاوة: الغطاء يغشَّى به ما يراد منع وصول شيء إليه. العذاب: الألم يزيد عذوبة الحياة ولذتها. مناسبة الآيتين لما قبلهما ومعناهما: لما ذكر أهل الإِيمان والتقوى والهداية والفلاح ذكر بعدهم أهل الكفر والضلال والخسران فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إلخ فأخبر بعدم استعدادهم للإِيمان حتى استوى إنذارهم وعدمه وذلك لمضي سنة الله فيهم بالطبع على قلوبهم حتى لا تفقه، وعلى آذانهم حتى لا تسمع، وَيَجعلِ الغشاوة على أعينهم حتى لا تبصر، وذلك نتيجة مكابرتهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر. وبذلك استوجبوا العذاب العظيم فحكم به عليهم. وهذا حكم الله تعالى في أهل العناد والمكابرة والإصرار في كل زمان ومكان. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان سنة الله تعالى في أهل العناد والمكابرة والإِصرار بأن يحرمهم الله تعالى الهداية وذلك بتعطيل حواسهم حتى لا ينتفعوا بها فلا يؤمنوا ولا يهتدوا. 2- التحذير من الإصرار على الكفر والظلم والفساد الموجب للعذاب العظيم.
القطان
تفسير : المفردات الكُفر: ستر الشيء وتغطيته، ومن كفر فقد غطى الحقيقة وستر نعم الله عليه، وجحد الايمان. والختم: الطبع، كأنما خُتم على قلوبهم فلا ينفذ اليها الإيمان. والغشاوة: ما يغطى به الشيء. ان هؤلاء الكافرين ميئوس منهم، سواء أخوّفتهم يا محمد أم لم تفعل، فهم لا يؤمنون. لقد أُغلقت قلوبهم وطُبع عليها ففي سمعهم ثِقَل وعلى أعينهم حجاب. وذلك ما فسدت به فطرتهم من أوهامهم الضالة، وقصور استعدادهم لادراك الحق. {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}تفسير : [فصّلت:5]. اولئك هم الكافرون، لهم عذاب أليم. فلا يؤثّر فيهم موعظة ولا تذكير ولا يرجى تغيير حالهم، ولا أن يدخل الإيمان في قلوبهم. هذه هي صورة الطائفة الثانية، وقد بين الله أوصافها في كثير من آيات القرآن وعبر عنها بالكافرين، والفاسقين، والخاسرين، والضالين، والمجرمين. والصورة الثالثة هي صورة المنافقين، الطائفة التي ظهرت في المدينة بعد الهجرة، وبعد أن تركّز المسلمون وقويت شوكتهم، فضعفت هذه الطائفة عن المجاهرة بالكفر والعناد. لذلك ظلوا كافرين في قلوبهم وإن ظهروا بين المسلمين كالمسلمين: يقولون كلمة التوحيد ويصلّون كما يفعل المسلمون. لقد ظنّوا أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين، ومن ثمَ اتخذوا لأنفسهم وجهين. وما ابتُلي المسلمون في أي زمان ومكان بشّرٍ من هذه الطائفة: انها تدبر المكائد، وتروّج الأكاذيب، وتنفث سموم الشر والفتن. وقد اهتم القرآن بالحديث عنهم، والتحذير منهم، حتى لا نكاد نجد سورة مدنية تخلو من ذكرهم، بل وقد نزلت فيهم سورة كاملة سميت باسمهِم "المنافقون".
د. أسعد حومد
تفسير : {أَأَنذَرْتَهُمْ} (6) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَجَحَدُوا الحَقَّ وَسَتَرُوهُ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، سَوَاءٌ أَأَنْذَرْتَهُمْ وَخَوَّفْتَهُمْ عَاقِبَةَ بَغْيِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، لأَِنَّهُمْ لاَ تُؤَثِّرُ فِيهِم المَوْعِظَةُ. الكُفْرُ - هُوَ سَتْرُ الشَّيءِ وَتَغْطِيَتُهُ. سَوَاءٌ - مُسْتَوٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين وصفاتهم، وجزائهم في الآخرة وما ينتظرهم من خير كبير .. أراد أن يعطينا تبارك وتعالى الصورة المقابلة وهم الكافرون .. وبين لنا أن الإيمان جاء ليهيمن على الجميع، يحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة .. فلابد أن يكون هناك شر يحاربه الإيمان، ولولا وجود هذا الشر .. أكان هناك ضرورة للإيمان .. إن الإنسان المؤمن يقي نفسه ومجتمعه وعالمه من شرور يأتي بها الكفر. والكافرون قسمان: قسم كفر بالله أولاً ثم استمع إلى كلام الله، واستقبله بفطرته السليمة فاستجاب وآمن .. وصنف آخر مستفيد من الكفر ومن الطغيان ومن الظلم ومن أكل حقوق الناس وغير ذلك، وهذا الصنف يعرف أن الإيمان إذا جاء فإنه سيسلبه جاهاً دنيوياً ومكاسب يحققها ظلماً وعدواناً. إذن: الذين يقفون أمام الإيمان هم المستفيدون من الكفر، ولكن ماذا عن الذين كانوا كفارا واستقبلوا دين الله استقبالاً صحيحاً. هؤلاء قد تتفتح قلوبهم فيؤمنون. والكفر معناه الستر .. ومعنى كَفَرَ أي سَتَرَ .. وكفر بالله أي ستر وجود الله جل جلاله، والذي يستر لابد أن يستر موجوداً، لأن الستر طارئ على الوجود .. والأصل في الكون هو الإيمان بالله .. وجاء الكفار يحاولون ستر وجود الله. فكأن الأصل هو الإيمان ثم طرأت الغفلة على الناس فستروا وجود الله سبحانه وتعالى .. ليبقوا على سلطانهم أو سيطرتهم أو استغلالهم او استعلائهم على غيرهم من البشر. ولفظ الكفر في ذاته يدل على أن الإيمان سبق ثم بعد ذلك جاء الكفر .. كيف؟. سجود الملائكة وتعليم الأسماء أمر مشهدي بالنسبة لآدم .. والكفر ساعتها لم يكن موجوداً .. وكان المفروض أن آدم بعد أن نزل إلى الأرض واستقر فيها .. يلقن أبناءه منهج عبادة الله لأنه نزل ومعه المنهج في (افعل ولا تفعل) وكان على أبناء آدم أن يلقنوا أبناءهم المنهج وهكذا.. لأن الخلق الأول وهو آدم الذي خلقه الله بيديه .. ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة .. وعلمه الأسماء كلها. ولكن بمرور الزمن جاءت الغفلة في أن الإيمان يقيِّد حركة الناس في الكون .. فبدأ كل مَنْ يريد أن يخضع حياته لشهوة بلا قيود يتخذ طريق الكفر .. والعاقل حين يسمع كلمة كفر .. يجب عليه أن يتنبه إلى أن معناها ستر لموجود واجب الوجود .. فكيف يكفر الإنسان ويشارك في ستر ما هو موجود .. لذلك تجد أن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 29]. وهكذا يأتي هذا السؤال .. ولا يستطيع الكافر له جواباً!! لأن الله هو الذي خلقه وأوجده .. ولا يستطيع أحد منا أن يدَّعي أنه خلق نفسه أو خلق غيره، فالوجود بالذات دليل على قضية الإيمان، ولذلك يسألهم الحق تبارك وتعالى كيف تكفرون بالله وتسترون وجود مَنْ خلقكم؟. والخلق قضية محسومة لله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد أن يدَّعيها .. فلا يمكن أن يدَّعي أحد أنه خلق نفسه .. قضية أنك موجود توجب الإيمان بالله سبحانه وتعالى الذي أوجدك .. إنه عين الاستدلال على الله، وإذا نظر الإنسان حوله فوجد كل ما في الكون مسخراً لخدمته والأشياء تستجيب له فظن بمرور الزمن أن له سيطرة على هذا الكون .. ولذلك عاش وفي ذهنه قوة الأسباب .. يأخذ الأسباب وهو فاعلها فيجدها قد أعطته واستجابت له .. ولم يلتفت إلى خالق الأسباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للإنسان، وقد أشار الحق تبارك وتعالى إلى ذلك في قوله جل جلاله: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. ذلك أن الإنسان يحرث الأرض فتعطيه الثمر .. فيعتقد أنه هو الذي أخضع الأرض ووضع لها قوانينها لتعطيه ما يريد .. يضغط على زر الكهرباء فينير المكان فيعتقد أنه هو الذي أوجد هذه الكهرباء! يركب الطائرة .. وتسير به في الجو فيعتقد أنه هو الذي جعلها تطير .. وينسى الخصائص التي وضعها الله سبحانه وتعالى في الغلاف الجوي ليستطيع أن يحمل هذه الطائرة .. يفتح التليفزيون ويرى أمامه أحداث العالم فيعتقد أن ذلك قد حدث بقدرته هو .. وينسى أن الله تبارك وتعالى وضع في الغلاف الجوي خصائص جعلته ينقل الصوت والصورة من أقصى الدنيا إلى أقصاها في ثوان معدودة .. وهكذا كل ما حولنا يظن الإنسان أنه أخضعه بذاته .. بينما كل هذا مسخر من الله سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان .. وهو الذي خلق ووضع القوانين .. نقول له: إنك لو فهمت معنى ذاتية الأشياء ما حدثتك نفسك بذلك .. الشيء الذاتي هو ما كان بذاتك لا يتغير ولا يتخلف أبداً .. إنما الأمر الذي ليس بذاتك هو الذي يتغير. وإذا نظرت إلى ذاتيتك تلك التي أغرتك وأطغتك .. ستفهم أن كلمة ذاتية هي ألا تكون محتاجاً إلى غيرك بل كل شيء من نفسك .. وأنت في حياتك كلها ليس لك ذاتية .. لأن كل شيء حولك متغير بدون إرادتك، وأنت طفل محتاج إلى أبيك في بدء حياتك .. فإذا كبرت وأصبح لك قوة واستجابت الأحداث لك، فإنك لا تستطيع أن تجعل فترة الشباب والفتوة هذه تبقى، فالزمن يملك ولكن لفترة محدودة .. فإذا وصلت إلى مرحلة الشيخوخة فستحتاج إلى مَنْ يأخذ بيدك ويعينك .. ربما على أدق حاجاتك وهي الطعام والشراب. إذن: فأنت تبدأ بالطفولة محتاجاً إلى غيرك .. وتنتهي بالشيخوخة محتاجاً إلى غيرك .. وحتى عندما تكون في شبابك قد يصيبك مرض يقعدك عن الحركة .. فإذا كانت لك ذات حقيقية فادفع هذا المرض عنك وقل: لن أمرض .. إنك لا تستطيع. الله سبحانه وتعالى أوجد هذه المتغيرات حتى ينتهي الغرور من نفس الإنسان .. ويعرف أنه قوي قادر بما أخضع الله له من قوانين الكون .. لنعلم أننا جميعاً محتاجون إلى القادر، وهو الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الله غني بذاته عن كل خلقه .. يغير ولا يتغير .. يميت وهو دائم الوجود .. يجعل من بعد قوة ضعفاً وهو القوي دائماً .. ما عند الناس ينفد وما عنده تبارك وتعالى لا ينفد أبداً .. هو الله في السماوات والأرض. إذن: فليست لك ذاتية حتى تدَّعي أنك أخضعت الكون بقدراتك .. لأنه ليس لك قدرة أن تبقى على حال واحد وتجعله لا يتبدل ولا يتغير .. فكيف تكفر بالله تبارك وتعالى وتستر وجوده .. كل ما في الكون وما في نفسك شاهد ودليل على وجود الحق سبحانه وتعالى. قلنا: إن الكافرين صنفان: صنف كفر بالله وعندما جاء الهدى حكَّم عقله وعرف الحق فآمن .. والصنف الآخر مستفيد من الكفر .. ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من الإيمان والأدلة الإيمانية فإنه يعاند ويكفر .. لأنه يريد أن يحتفظ بسلطاته الدنيوية ونفوذه القائم على الظلم والطغيان .. ولا يقبل أن يُجَرَّدَ منهما ولو بالحق .. هذا الصنف هو الذي قال عنه الله تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]. فهم لم يكفروا لأن بلاغاً عن الله سبحانه وتعالى لم يصلهم .. أو لأنهم لم يلفتهم رسول أو نبي إلى منهج الله .. فهؤلاء اتخذوا الكفر صناعة ومنهج حياة .. فهم مستفيدون من الكفر لأنه جعلهم سادة ولأنهم متميزون عن غيرهم بالباطل .. ولأنهم لو جاء الإيمان الذي يساوي بين الناس جميعاً ويرفض الظلم، لأصبحوا أشخاصاً عاديين غير مميزين في أي شيء. هذا الكافر الذي اتخذ الكفر طريقاً لجاه الدنيا وزخرفها .. سواء أنذرته أو لم تنذره فإنه لن يؤمن .. إنه يريد الدنيا التي يعيش فيها، بل إن هؤلاء هم الذين يقاومون الدين ويحاربون كل مَنْ آمن .. لأنهم يعرفون أن الإيمان سيسلبهم مميزات كثيرة، ولذلك فإن عدم إيمانهم ليس لأن منهج الإيمان لم يبلغهم، أو أن أحداً لم يلفتهم إلى آيات الله في الأرض، ولكن لأن حياتهم قائمة ومبنية على الكفر.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى صفاتِ المؤمنين في الآيات السابقة، أعقبها بذكر صفات الكافرين، ليظهر الفارق الواضح بين الصنفين، على طريقة القرآن الكريم في المقارنة بين الأبرار والفجار، والتمييز بينَ أهل السعادة وأهل الشقاوة "وبضدها تتميز الأشياء". التفسِير: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي إِن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} أي يتساوى عندهم {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} أي سواءٌ أَحذرتهم يا محمد من عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدقون بما جئتهم به، فلا تطمع في إِيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له... ثم بيَّن تعالى العلة في سبب عدم الإِيمان فقال {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} أي طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور، ولا يُشرق فيها إِيمان قال المفسرون: الختمُ التغطيةُ والطبعُ، وذلك أن القلوب إذا كثرت عليها الذنوب طمست نور البصيرة فيها، فلا يكون للإِيمان إِليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلص كما قال تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155] {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} أي وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون، لأن أسماعهم وأبصارهم كأنها مغطَّاة بحجب كثيفة، لذلك يرون الحقَّ فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه قال أبو حيان: شبَّه تعالى قلوبهم لتأبيها عن الحقِّ، وأسماعهم لإِضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغطَّى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، وذلك لأنها كانت - مع صحتها وقوة إِدراكها - ممنوعة عن قبول الخير وسماعه، وتلمح نوره، وهذا بطريق الاستعارة {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} أي ولهم في الآخِرة عذاب شديدٌ لا ينقطع، بسبب كفرهم وإِجرامهم وتكذيبهم بآيات الله.
الأندلسي
تفسير : والكفر: الستر. وسواء: اسم بمعنى استواء مصدر إستوى وقد يوصف به بمعنى مستو. و"الانذار": الاعلام مع التخويف. والهمزة في أأنذرتهم للتسوية. "والختم" الوسم بطابع أو غيره. "والقلب" اللحمة الصنوبريّة سميت بالمصدر. "السمع" مصدر سمع. وكني به عن الأذن. "البصر" العين. "والغشاوة" الغطاء. و"العذاب" أصله الاستمرار في الألم ولما ذكر أوصاف المتقين المؤدية بهم إلى الفوز ذكر أوصاف الكافرين المؤدية بهم إلى العذاب وافتتح قصتهم بحرف التأكيد ليدل على استئناف الكلام فيهم والظاهر أن الذين كفروا للجنس ملحوظاً فيه قيد وهو أن يقضي عليه بالكفر والموافاة عليه ويحتمل أن يكون لمعيّنين ممن وافى على الكفر كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما. وسواء وما تعلق به جملة اعتراض فلا موضع لها من الاعراب. وسواء مبتدأ والجملة الداخلة عليها الهمزة خبر عن سواء وجوزوا العكس. ولا يؤمنون خبران وجملة الاعتراض لتأكيد مضمون جملة ان وخبرها، لأن من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن استوى إنذاره وعدم إنذاره أو يكون خبر ان سواء والجملة التي فيها الهمزة في موضع الفاعل عند من يجيز أن تكون الجملة فاعلة. أو سواء مبتدأ وما بعده خبره أو العكس. ولا يؤمنون خبر بعد خبر أو على إضمار مبتدأ تقديره هم لا يؤمنون، أولاً موضع لها من الاعراب فتكون تفسيرية لأن عدم الإِيمان استواء الانذار وعدمه. وقرىء أأنذرتهم بتحقيق الهمزتين وهي لغة تميم، وبتسهيل الثانية وهي لغة الحجاز، وبإدخال ألف بينهما حققت الثانية أو سهلت، وبإِبدال الثانية ألفاً وقد أنكره الزمخشري وزعم أنه لحن، وقرىء بحذف الهمزة الأولى وبحذفها ونقل حركتها إلى الميم الساكنة قبلها، ومفعول أأنذرتهم الثاني محذوف تقديره العذاب على كفرهم والظاهر أن لا يؤمنون. وختم خبر لادعاء. والختم على القلب كني به عن كونه لا يقبل شيئاً من الحق استعار المحسوس للمعقول. أو مثل القلب بالدعاء الذي ختم عليه صوتاً لما فيه ومنعاً لغيره من الدخول إليه. وقيل: الختم حقيقة وهو انضمام القلب وانكماشه. وإسناد الختم إلى الله حقيقة لا مجاز كما تأوله الزمخشري. وعلى سمعهم معطوف على قلوبهم لا انه مشارك السمع للأبصار في الغشاوة وان جوزوه وأفرد السمع لكونه لمح فيه الأصل وهو المصدر، أو للإِستغناء بالمفرد عن الجمع لدلالة ما قبله وما بعده عليه، أو على حذف مضاف أي وعلى حواس سمعهم. وقرى: وعلى أسماعهم، والمشهور في قراءة غشاوة - بكسر الغين ورفع التاء - فتضمن الكلام إسنادين فعلية وإسمية ليدلا على التجدد والثبوت وقدمت الفعلية لأن ذلك قد فرغ منه ووقع وقدم خبر الاسمية ليطابق الفعلية في تقديم المحكوم به على المحكوم عليه. وقرىء غشاوة - بالنصب - أي وجعل. وقرىء غشاوة - بضم الغين ورفع التاء وبفتحها والنصب وسكون الشين -. وعشوة وعشية وعشاوة - بالعين المهملة - من العشا وهو شبه العمى في العين. وتقديم القلوب من باب التقديم بالشرف وهو أحد التقديمات الست ولما ذكر تعالى حال هؤلاء الكفار في الدنيا ذكر ما يؤولون إليه في الآخرة من العذاب ولما كان أعد لهم ذلك صيروا كان العذاب ملك لهم لازم. و"العظيم" أصله للجثة.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه جرياً، بل على مقتضى سنته من تعقيب الوعد بالوعيد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا الحق وأعرضوا عنه، وأظهروا الباطل وأصروا عليه عناداً واستكباراً، لا ينفعهم إنذارك وعدمه بل {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] بك وبكتابك؛ لأنهم هم. {خَتَمَ ٱللَّهُ} المحيط بذواتهم وأوصافهم وأفعالهم {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} لئلا يكونوا من أرباب المكاشفات {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} لئلا يكونوا من أصحاب المجاهدة {وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ} لئلا يكونوا من أرباب المشاهدة {غِشَاوَةٌ} ستر عظيم لا يمكنك رفعه بل {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7] هو عذاب الطرد والبعد؛ إذ لا عذاب أعظم منه، أولئك الأشقياء البعداء عن ساحة الحضور، هم الضالون في تيه الحرمان، الباقون في عظلمة الإمكان، أعاذنا الله من ذلك. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} الذين نسوا العهود السابقة التي عهدوا في الفطرة الأصلية {مَن يَقُولُ} قولاً لا يوافق اعتقادهم، وهو أنهم يقولون تلبيساً ونفاقاً: {آمَنَّا} أذعنا {بِٱللَّهِ} أي: الذي أنزل علينا الكتاب وإنك الرسول {وَ} وأيقنا {بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الموعود بجزاء الأعمال {وَ} الحال أنهم {مَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] موقنين بهما في بواطنهم، بل غرضهم من هذا التلبيس في زعمهم الفاسد أنهم: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} المحيط بجميع أحوالهم مخادعتهم مع آحاد الناس، تعالى عن ذلك {وَ} يخادعون الموحدين {ٱلَّذِينَ آمَنُوا} بإحاطة الله بتوفيقه وإلهامه؛ حفظاً لدمائهم وأموالهم منهم {وَ} هم {مَا يَخْدَعُونَ} بهذا الخداع {إِلاَّ أَنْفُسَهُم} لأن الله ومن هو في حمايته أجل من أن ينخدع منهم، فهم بهذا الخداع ما يخدعون إلا أنفسهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] بخداعهم؛ لأن: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} غطاء مختوم على قلوبهم لا ينكشف إلا بكتاب الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يؤمنوا به ولم يلتفتوا إليه بل كذبوا رسوله المنزل عليهم {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} إحكاماً لختمه وتأكيداً لحكمه {وَلَهُم} في يوم الجزاء {عَذَابٌ} هو إبعادهم وطردهم عن ساحة عز الحضور {أَلِيمٌ} مؤلم بسبب تقريب المؤمنين إلى دار السرور جزاء {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم خداعاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 6]، أي حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، بإجابة {بَلَىٰ} ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حُسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصور الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنساناً؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صالح الروح النفيس خسيساً، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناساً لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى. {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، لم تحذرهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى: {أية : أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ}تفسير : [محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}تفسير : [هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ} جميعاً، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"تفسير : وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى: {أية : أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدر مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهرو سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة فالذين {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} إنما ختم بخاتم كفرهم. وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال {وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكومن على قدر عظمة المراد الممنوع منه. ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخر فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمناً بالله وباليوم الآخرة. ولهذا قال: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ}تفسير : [آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو الخادع الممكور. كما قال تعالى: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142]، فعلى هذا: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانة عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه بفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: {كَانُوا يَكْذِبُونَ} دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذاباً ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذاباً آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ}تفسير : [الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم. وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أُخر؛ وهي قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقاً وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عرفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهرها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الحنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ". تفسير : {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} [البقرة: 9]، بغير الله عن الله {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}تفسير : [المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حباً شديداً، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ}تفسير : [البقرة: 165]. {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا آمنا بالله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن الذين كفروا، أي: اتصفوا بالكفر، وانصبغوا به، وصار وصفا لهم لازما، لا يردعهم عنه رادع، ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون على كفرهم، فسواء عليهم أأنذرتهم، أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة الكفر: هو الجحود لما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة، وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول صلى الله عليه وسلم في إيمانهم، وأنك لا تأس عليهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال: { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } أي: طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان، ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يفيدهم. { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } أي: غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن النظر الذي ينفعهم، وهذه طرق العلم والخير، قد سدت عليهم، فلا مطمع فيهم، ولا خير يرجى عندهم، وإنما منعوا ذلك، وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق، كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : وهذا عقاب عاجل. ثم ذكر العقاب الآجل، فقال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو عذاب النار، وسخط الجبار المستمر الدائم. ثم قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):