Verse. 12 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اُولٰۗىِٕكَ عَلٰي ھُدًى مِّنْ رَّبِّہِمْ۝۰ۤوَاُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الْمُفْلِحُوْنَ۝۵
Olaika AAala hudan min rabbihim waolaika humu almuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك» الموصوفون بما ذكر «على هدىّ من ربِّهم وأولئك هم المفلحون» الفائزون بالجنة الناجون من النار.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة: أحدها: أن ينوي الابتداء بِـ {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] وذلك لأنه لما قيل: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول: ما السبب في اختصاص المتقين بذلك؟ فوقع قوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } إلى قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } جواباً عن هذا السؤال، كأنه قيل: الذي يكون مشتغلاً بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لا بدّ وأن يكون على هدى من ربه. وثانيها: أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعاً { لّلْمُتَّقِينَ } ثم يقع الابتداء من قوله: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ } كأنه قيل أي سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصين بالهدى؟ فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً. وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة ٱلْمُتَّقِينَ ويرفع الثاني على الابتداء و {أُوْلَـٰئِكَ } خبره ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى. المسألة الثانية: معنى الاستعلاء في قوله: {عَلَىٰ هُدًى } بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونظيره «فلان على الحق، أو على الباطل» وقد صرحوا به في قولهم: «جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل» وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك ويحرسه عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى مدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولاً، ومدحهم بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانياً، وذلك واجب على المكلف، لأنه إذا كان متشدداً في الدين خائفاً وجلا فلا بدّ من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله، ويتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحاً بأنه على هدى وبصيرة، وإنما نكر {هُدًى } ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً. قال عون بن عبد الله: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير. ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدى بها إلا العلماء. المسألة الثالثة: في تكرير {أُوْلَـٰئِكَ } تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضاً، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين. فإن قيل: فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 179] قلنا: قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهمامتفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، وكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل. المسألة الرابعة: {هُمْ } فصل وله فائدتان: إحداهما: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة وثانيتهما: حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان، أما لو قلت: الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان. المسألة الخامسة: معنى التعريف في {ٱلْمُفْلِحُونَ } الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته، أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو. المسألة السادسة: المفلج الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، والمفلح بالجيم مثله، والتركيب دال على معنى الشق والفتح، ولهذا سمي الزراع فلاحاً، ومشقوق الشفة السفلى أفلح، وفي المثل «الحديد بالحديد يفلح» وتحقيقه أن الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علماً وعملاً بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال والإعظام، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات. المسألة السابعة: هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه، والمرجئة من وجه آخر. أما الوعيدية فمن وجهين: الأول: أن قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحاً، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة والزكاة. الثاني: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخل بهذه الأشياء لم يحصل له علة الفلاح، فوجب أن لا يحصل الفلاح. أما المرجئة فقد احتجوا بأن الله حكم بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكروة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً وإن زنى وسرق وشرب الخمر، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة، إذ لا قائل بالفرق. والجواب: أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان، ثم الجواب عن قول الوعيدية: أن قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح، ونحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفاً منه، وعن الثاني: أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تعالى. والجواب عن قول المرجئة: أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن إتقاء المعاصي، وإتقاء ترك الواجبات والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قال النحاس أهل نجد يقولون: أُلاَكَ، وبعضهم يقول: أُلاَلِكَ؛ والكاف للخطاب. قال الكسائي: من قال أولئك فواحده ذلك، ومن قال أُلاَك فواحده ذاك، وأُلاَلِك مثل أولئك، وأنشد ٱبن السِّكّيت:شعر : أُلاَلِكَ قَومي لم يكونوا أُشَابةً وهل يَعِظُ الضِّلّيل إلا أُلالِكَا تفسير : وربما قالوا: أولئك في غير العقلاء؛ قال الشاعر:شعر : ذُمّ المنازل بعد منزلة اللِّوَى والعيشَ بعد أولئك الأيامِ تفسير : وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}تفسير : [الإسراء:36] وقال علماؤنا: إن في قوله تعالى: {مِّن رَّبِّهِمْ} ردّاً على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم! ولو كان كما قالوا لقال: «من أنفسهم»، وقد تقدّم الكلام فيه وفي الهُدى فلا معنى لإعادة ذلك. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} «هم» يجوز أن يكون مبتدأ ثانياً وخبره «المفلحون» والثاني وخبره خبر الأوّل، ويجوز أن تكون «هم» زائدة ـ يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عماداً و «المفلحون» خبر «أولئك». والفَلْح أصله في اللغة الشق والقطع؛ قال الشاعر:شعر : إن الحديد بالحديد يُفْلَح تفسير : أي يشق؛ ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقّها للحرث، قاله أبو عبيد. ولذلك سُمّيَ الأَكَّارُ فلاّحاً. ويقال للذي شُقّت شفته السفلى أفلح، وهو بَيّن الفَلَحة، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. وقد يستعمل في الفوز والبقاء، وهو أصله أيضاً في اللغة، ومنه قول الرجل لامرأته: ٱستَفْلِحِي بأمْرِك، معناه فوزي بأمرك، وقال الشاعر:شعر : لو كان حَيّ مدرك الفلاح أدركه مُلاعب الرماح تفسير : وقال الأضْبط بن قُرَيع السعديّ في الجاهلية الجهلاء:شعر : لكلِّ هَمٍّ من الهموم سعَهْ والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فَلاح مَعَهْ تفسير : يقول: ليس مع كرّ الليل والنهار بقاء. وقال آخر:شعر : نحل بلاداً كلّها حلّ قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحِمْيَر تفسير : أي البقاء. وقال عبيد:شعر : أفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدرَك بالضَّـ عْف وقد يُخَدَّعُ الأرِيبُ تفسير : أي أبق بما شئت من كَيْس وحُمْق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. فمعنى «وأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون»: أي الفائزون بالجنة والباقون فيها. وقال ٱبن أبي إسحٰق: المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوْا من شر ما منه هربوا، والمعنى واحد. وقد ٱستعمل الفلاَح في السَّحور؛ ومنه الحديث: "حديث : حتى كاد يفوتنا الفلاَح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وما الفلاَحَ؟ قال: السَّحور"تفسير : . أخرجه أبو داود. فكأنّ معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمّاه فلاحاً. والفلاح (بتشديد اللام): المُكارِي في قول القائل:شعر : لها رِطلٌ تَكيلُ الزيت فيه وفَلاَّحٌ يسوق لها حِمارَا تفسير : ثم الفلاحَ في العُرْف: الظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. مسألة: إن قال قائل كيف قرأ حمزة: عليهُم وإليهُم ولديهُم؛ ولم يقرأ من ربُهم ولا فيهُم ولا جَنَّتَيْهُم؟ فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرّت الهاء على ضمتها؛ وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جَنَّتَيْهِمْ، ووافقه الكسائي في «عليهم الذِّلة» و «إليهم ٱثنين» على ما هو معروف من القراءة عنهما.

البيضاوي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ } الجملة في محل الرفع إن جعل أحد الموصولين مفصولاً عن المتقين خبر له، فكأنه لما قيل {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] قيل ما بالهم خصوا بذلك؟ فأجيب بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ }تفسير : [البقرة: 3] إلى آخر الآيات. وإلا فاستئناف لا محل لها، فكأنه نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة. أو جواب سائل قال: ما للموصوفين بهذه الصفات اختصوا بالهدى؟ ونظيره أحسنت إلى زيد صديقك القديم حقيق بالإحسان، فإن اسم الإشارة ههنا كإعادة الموصوف بصفاته المذكورة، وهو أبلغ من أن يستأنف بإعادة الاسم وحده لما فيه من بيان المقتضى وتلخيصه، فإن ترتب الحكم على الوصف إيذان بأنه الموجب له. ومعنى الاستعلاء في {عَلَىٰ هُدًى } تمثيل تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه، وقد صرحوا به في قولهم: امتطى الجهل وغوى واقتعد غارب الهوى، وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر وإدامة النظر فيما نصب من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس في العمل. ونُكِّرَ هدىً للتعظيم. فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره، ونظيره قول الهذلي:شعر : فلا وأبي الطيرُ المربَّةَ بالضُّحَى على خالدٍ لقدْ وقَعْتَ على لحمتفسير : وأُكِد تعظيمه بأن الله تعالى مَانِحُهُ والموفق له، وقد أدغمت النون في الراء بغنة وبغير غنة. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } كرر فيه اسم الإشارة تنبيهاً على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحدة من الأثرتين وإن كلاً منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم، ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين ههنا بخلاف قوله {أية : أُوْلَـئِكَ كَٱلانْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ }تفسير : [الأعراف: 179] فإن التسجيل بالغفلة والتشبيه بالبهائم شيء واحد فكانت الجملة الثانية مقررة للأولى فلا تناسب العطف. وهم: فصل يفصل الخبر عن الصفة ويؤكد النسبة، ويفيد اختصاص المسند إليه، أو مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك. والمفلح بالحاء والجيم: الفائز بالمطلوب، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر، وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين نحو فلق وفلذ وفلي يدل على الشق. والفتح وتعريف المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة. أو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصوصياتهم. تنبيه: تأمل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله كل أحد من وجوه شتى، وبناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسيط الفصل، لإظهار قدرهم والترغيب في اقتفاء أثرهم، وقد تشبث به الوعيدية في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب، ورد بأن المراد بالمفلحين الكاملون في الفلاح، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح له رأساً.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات {عَلَىٰ هُدًى} أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي في الدنيا والآخرة، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي: على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم به {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا. وقال ابن جرير: وأما معنى قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة وسداد، بتسديده إياهم، وتوفيقه لهم. وتأويل قوله تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب. وقد حكى ابن جرير قولاً عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}تفسير : [البقرة: 4] الآية، على ما تقدم من الخلاف، وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}تفسير : [البقرة: 4] منقطعاً مما قبله، وأن يكون مرفوعاً على الابتداء، وخبره: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وأختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب؛ لما رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الذين يؤمنون بالغيب، فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم. وقد نقل عن مجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة رحمهم الله، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم، واسمه سليمان بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له: يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن، فنرجو، ونقرآ من القرآن، فنكاد أن نيأس، أو كما قال، قال: «حديث : أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟»تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله قال: «حديث : {الۤمۤ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } هؤلاء أهل الجنة، قالوا إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال:{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } هؤلاء أهل النار قالوا: لسنا هم يا رسول الله قال: أجل».

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر {عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون بالجنة الناجون من النار.

الشوكاني

تفسير : هذا كلام مُستأنف استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: كيف حال هؤلاء الجامعين بين التقوى والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض والإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقيل: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى } ويمكن أن يكون هذا خبراً عن الذين يؤمنون بالغيب الخ فيكون متصلاً بما قبله. قال في الكشاف: ومعنى الاستعلاء في قوله {عَلَىٰ هُدًى } مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل. وقد صرّحوا بذلك في قوله: جعل الغواية مركباً وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى انتهى. وقد أطال المحققون الكلام على هذا بما لا يتسع له المقام، واشتهر الخلاف في ذلك بين المحقق السعد والمحقق الشريف. واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين، وقد جمعت في ذلك رسالة سميتها (الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف) فليرجع إليها من أراد أن يتضح له المقام ويجمع بين أطراف الكلام على التمام. قال ابن جرير: إن معنى {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ } على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم، و{ٱلْمُفْلِحُونَ } أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله. هذا معنى كلامه. والفلاح أصله في اللغة: الشقّ والقطع، قاله أبو عبيد ويقال: الذي شقت شفته أفلح، ومنه سمي الأكَّار فلاحاً لأنه شقّ الأرض بالحرث، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. قال القرطبي: وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضاً في اللغة، فمعنى {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون بالجنة والباقون. وقال في الكشاف: المفلح الفائز بالبغية، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. انتهى. وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث الذي أخرجه أبو داود «حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور. فكأن معنى الحديث: أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحاً. وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أنَّ كلاً من الهدى والفلاح مستقلّ بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزاً على حاله. وفائدة ضمير الفصل الدلالة على اختصاص المسند إليه بالمسند دون غيره. وقد روى السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة أن الذين يؤمنون بالغيب: هم المؤمنون من العرب، الذين يؤمنون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله: هم، والمؤمنون من أهل الكتاب ثم جمع الفريقين فقال: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } وقد قدمنا الإشارة إلى هذا، وإلى ما هو أرجح منه كما هو منقول عن مجاهد وأبـي العالية والربيع بن أنس وقتادة. وأخرج ابن أبـي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ فنكاد أن نيأس أو كما قال: فقال ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله، قال "حديث : {الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} إلى قوله: {لْمُفْلِحُونَ} هؤلاء أهل الجنة،تفسير : قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء، ثم قال "حديث : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ} إلى قوله: {عظِيمٌ } هؤلاء أهل النار،تفسير : قالوا: ألسنا هم يا رسول الله؟ قال: "حديث : أجل"تفسير : . وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث. منها ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال «كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابيّ فقال: يا نبيّ الله إن لي أخاً وبه وجع فقال حديث : وما وجعه؟تفسير : قال: به لمم، قال:حديث : فائتني به، فوضعه بين يديه، فعوّذه النبيّ بفاتحة الكتاب وأربع آيات ومن أوّل سورة البقرة، وهاتين الآيتين تفسير : {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ }تفسير : [البقرة: 163] وآية الكرسي وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [آل عمران: 18]، وآية من الأعراف {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 54]، وآخر سورة المؤمنين {أية : فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ }تفسير : [المؤمنون: 116 - 118]، وآية من سورة الجنّ {أية : وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا }تفسير : [الجن: 3]، وعشر آيات من أوّل الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، و{أية : قل هو الله أحد}تفسير : [الأخلاص: 1] والمعوّذتين، فقام الرجل كأنه لم يشتك قطّ». وأخرج نحوه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عبد الرحمن بن أبي يعلى عن رجل عن أبيّ مثله. وأخرج الدارمي وابن الضريس عن ابن مسعود قال: من قرأ أربع آيات من أوّل سورة البقرة وآية الكرسي وآيتين بعد آية الكرسي وثلاثاً من آخر سورة البقرة، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله، ولا تقرأ على مجنون إلا أفاق. وأخرج الدارميّ وابن المنذر والطبراني عنه قال: «من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح أربع من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتمها أوّلها متصل {أية : للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [البقرة: 284]. وأخرج سعيد بن منصور، والدارمي، والبيهقي عن المغيرة بن سبيع، وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود بنحوه. وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة» تفسير : وقد ورد في ذلك غير هذا.

الماوردي

تفسير : وقوله تعالى: {أُولئِكَ على هُدىً مِنْ رَبِّهُمْ} يعني بيان ورشد. {وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم الفائزون السعداء، ومنه قول لبيد: شعر : لَوْ أَنَّ حَيّاً مُدْرِكُ الْفَلاَحِ أَدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ تفسير : والثاني: المقطوع لهم بالخير، لأن الفلح في كلامهم القطع، وكذلك قيل للأكار فلاح، لأنه يشق الأرض، وقد قال الشاعر: شعر : لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ تفسير : واختلف فيمن أُرِيدَ بهم، على ثلاثة أوجه: أحدها: المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل على محمد، وعلى من قبله من سائر الأنبياء من غير العرب. والثاني: هم مؤمنو العرب وحدهم. والثالث: جميع المؤمنين.

ابن عبد السلام

تفسير : {هُدىً} بيان ورشد، {الْمُفْلِحُونَ} الناجون من عذاب الله، والفلاح: النجاة أو الفائزون السعداء، أو الباقون في الثواب، الفلاح: البقاء، أو المقطوع لهم بالخير، الفلح: القطع، الأكَّار: فلاح لشقه الأرض. شعر : لقد علمت يا ابن أم صحصح أن الحديد بالحديد يفلح تفسير : والمراد بهم جميع المؤمنين، أو مؤمنو العرب، أو المؤمنون من "العرب" وغير العرب ممن آمن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى من قبله من الأنبياء.

الخازن

تفسير : {أولئك} أي الذين هذه صفتهم {على هدى من ربهم} أي على رشاد ونور من ربهم وقيل على استقامة {وأولئك هم المفلحون} أي الناجون الفائزون نجوا من النار وفازوا بالجنة والمفلح الظافر بالمطلوب أي الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه ويكون الفلاح بمعنى البقاء قال الشاعر: شعر : لو كان حيِّ مدرك الفلاح أدركه مُلاعب الرماح تفسير : يريد البقاء فيكون المعنى أولئك هم الباقون في النعيم المقيم والفلاح والظفر وإدراك البغية من السعادة والعز والبقاء والغنى وأصل الفلاح الشق كما قيل: إن الحديد بالحديد يفلح، أي يقطع، فعلى هذا يكون المعنى أولئك هم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. واعلم أن الله عزّ وجل صدر هذه السورة بأربع آيات أنزلها في المؤمنين وبآيتين أنزلهما في الكافرين وبثلاث عشرة آية أنزلها في المنافقين فأما التي في الكفار فقوله تعالى: {إن الذين كفروا} أي جحدوا وأنكروا وأصل الكفر في اللغة الستر والتغطية، ومنه سمي الليل كافراً لأنه يستر الأشياء بظلمته قال الشاعر: شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : أي سترها والكفر على أربعة أضرب: كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله أصلاً ككفر فرعون وهو وقوله ما علمت لكم من إله غيري، وكفر جحود وهو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس، وكفر عناد وهو أن يعرف الله بقلبه ويقر بلسانه ولا يدين به ككفر أمية بن أبي الصلت وأبي طالب حيث يقول في شعر له: شعر : ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا تفسير : وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد صحة ذلك بقلبه، فجميع هذه الأنواع كفر. وحاصله أن من جحد الله أو أنكر وحدانيته أو أنكر شيئاً مما أنزله على رسوله أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أحداً من الرسل فهو كافر فإن مات على ذلك فهو في النار خالداً فيها ولا يغفر الله له نزلت في مشركي العرب. وقيل في اليهود {سواء عليهم} أي متساوٍ لديهم {أأنذرتهم} أي خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف فكل منذر معلم وليس كل معلم منذراً {أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي لا يصدقون وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة العذاب في سابق علم الله الأزلي أنهم لا يؤمنون. ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال تعالى: {ختم الله على قلوبهم} أي طبع الله عليها فلا تعي خيراً ولا تفهمه وأصل الختم التغطية وحقيقة الاستيثاق من الشيء لكي لا يخرج منه ما حصل فيه ولا يدخله ما خرج منه، ومنه ختم الكتاب. قال أهل السنة: ختم الله على قلوبهم بالكفر لما سبق في علمه الأزلي فيهم وإنما خص القلب بالختم لأنه محل الفهم والعلم {وعلى سمعهم} أي وختم على موضوع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه كأنها مستوثق منها بالختم أيضاً، وذكر السمع بلفظ التوحيد ومعناه الجمع قيل إنما وحده لأنه مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع {وعلى أبصارهم غشاوة} هذا ابتداء كلام والغشاوة الغطاء، ومنه غاشية السرج أي وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يرون الحق وهي غطاء التعامي عن آيات الله ودلائل توحيده {ولهم عذاب عظيم} يعني في الآخرة وقيل الأسر والقتل في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. وحقيقة العذاب هو كل ما يؤلم الإنسان ويعيبه ويشق عليه وقيل هو الإيجاع الشديد وقيل هو ما يمنع الإنسان من مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش والعظيم ضد الحقير. قوله عزّ وجلّ: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم وذلك أنهم أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا بها من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأسروا الكفر واعتقدوه وأكثرهم من اليهود. وصفة المنافق أن يعترف بلسانه بالإيمان ويقربه وينكره بقلبه ويصبح على حال ويمسي على غيرها، والناس جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسى قال الشاعر: شعر : سميت إنساناً لأنك ناسي تفسير : وقيل سمي إنساناً لأنه يستأنس بمثله {وباليوم الآخر} أي وآمنا باليوم الآخر وهو يوم القيامة سمي بذلك لأنه يأتي بعد الدنيا وهو آخر الأيام المحدودة المعدودة وما بعده فلا حد له ولا آخر قال الله تعالى رداً على المنافقين {وما هم بمؤمنين} نفى عنهم الإيمان بالكلية.

ابن عادل

تفسير : "أولئك" مبتدأ، خبره الجار والمجرور بعده أي: كائنون على هُدًى، وهذه الجملة: إما مستأنفة، وإما خبر عن قوله: الذي يؤمنون إما الأولى وإما الثانية، ويجوز أن يكون "أولئك" وحده خبراً عن "الذين يؤمنون" أيضاً إما الأولى أو الثانية، ويكون "على هُدًى" في هذا الوجه في محلّ نصب على الحال، هذا كله إذا أعربنا "الذين يؤمنون" مبتدأ أما إذا جعلناه غير مبتدأ، فلا يخفى حكمه مما تقدم. ويجوز أن يكون "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" بدل أو بَيَان، و "على هدى" الخبر. و "أولئك": اسم إشارة يشترك فيه جماعة الذُّكور والإناث، وهو مبني على الكَسْرِ؛ لشبهه بالحرف في الافتقار. وقيل: "أولاء" كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو: "هم" و "الكاف" للخطاب، كما في حرف "ذلك"، وفيه لغتان: المد والقصر: ولكن الممدود للبعيد، وقد يقال: "أولالك" قال: [الطويل] شعر : 136- أُولاَلِكَ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أُشَابَةً وَهَلْ يَعِظُ الضِّلِّيلَ إِلاَّ أُولاَلِكَا تفسير : وعند بعضهم: المقصور للقريب والممدود للمتوسّط، و "أولالك" للبعيد، وفيه لغات كثيرة، وكتبوا "أولئكَ" بزيادة "واو" قبل "اللام". قيل: للفرق بينها وبين "إليك". و "الهدى" الرشد والبيان والبَصِيرة. و "مِنْ رَبِّهِمْ" في محل جر صفة لـ "هدى" و "مِنْ" لابتداء الغاية، ونكر "هدى" ليفيد إبهامه التَّعظيم كقوله: [الطويل] شعر : 137- فَلاَ وَأَبِي الطَّيْرِ الْمُرِبَّةِ بِالضُّحَى عَلَى خَالِدٍ لَقَدْ وَقَعْتُ عَلَى لَحْمِ تفسير : وروي "من ربهم" بغير غُنّة، وهو المشهور، وبغُنّة، ويروى على أبي عمرو، و "أولئك" مبتدأ، و "هم" مبتدأ ثانٍ، و "المفلحون" خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون "هم" فصلاً أو بدلاً، و "المفلحون" الخبر. وفائدة الفصل: الفرق بين الخبر والتابع، ولهذا سمي فصلاً، ويفيد - أيضاً - التوكيد. قال ابن الخطيب: يفيد فائدتين: إحداهما: الدلالة على أن "الوارد" بعده خبر لا صفة. والثاني: حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت لإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلاّ في الإنسان. وقد تقدم أنه يجوز أن يكون "أولئك" الأولى، أو الثّانية خبراً عن "الذين يؤمنون"، وتقدم تضعيف هذين القولين. وكرر "أولئك" تنبيهاً على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى ثبت لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من الأُثْرَتَيْنِ في تميزهم بها عن غيرهم بمثابة لو انفردت لكانت مميزة عن حدّها، وجاء هنا بالواو بين جملة قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179] لأن الخبرين - هنا - متغايران، فاقتضى ذلك العطف، وأما تلك الآية الكريمة، فإن الخبرين فيها شيء واحد؛ لأن التسجيل عليهم بالغَفْلَةِ، وتشبيههم بالأنعام معنى واحد، فكانت عن العَطْف بمعزل. قال الزمخشري: وفي اسم الإشارة الذي هو "أولئك" إيذانٌ بأن ما يراد عقبه، والمذكورين قبله أهل لاكتسابه من أجل الخِصَال التي عددت لهم، كقول حاتم: [الطويل] شعر : 138- وَلِلَّهِ صُعْلُوكٌ.... ...................... تفسير : ثم عدَّد له فاضلة، ثم عقَّب تعديدها بقوله: [الطويل] شعر : 139- فَذَلِكَ إِنْ يَهْلِكْ فَحُسْنَى ثَنَاؤُهُ وَإِنْ عَاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَا تفسير : و "الفلاح" أصله: الشقُّ؛ ومنه قوله: [الرجز] شعر : 140- إِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلِحُ تفسير : ومنه قول بكر بن النّطاح: [الكامل] شعر : 141- لاَ تَبْعَثَنَّ إِلَى رَبِيعة غَيْرَهَا إِنَّ الْحَدِيدَ بِغَيْرِهِ لا يُفْلَحُ تفسير : ويعبر به عن الفوز، والظفر بالبغية وهو مقصود الآية؛ ويراد به البقاء قال: [الرجز] شعر : 142- لَوْ أَنَّ حَيَّا مُدْرِكُ الفَلاَحِ أَدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ تفسير : وقال: [الطويل] شعر : 143- نَحُلُّ بِلاَداً كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ونَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ تفسير : وقال: [المنسرح] شعر : 144- لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُوم سَعَهْ والْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لاَ فَلاَحَ مَعَهْ تفسير : والمُفْلج - بالجيم - مثله، ومعنى التعريف في "المُفْلِحون" الدلالة على أن المتقين هم الناس أي: أنهم الذين إذا حصلت صفةُ المفلحين فهم هم كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد، وما جُبِلَ عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو. فصل فيمن احتج بالآية على مذهبه هذه الاية يتمسّك بها الوعيدية والمُرْجِئة. أما الوعيديّة فمن وجهين: الأول: أن قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحاً، وذلك يوجب القطع بوعيد تارك الصَّلاة والزكاة. الثاني: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فيلزم أن تكون علّة الفلاح في فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخلّ بهذه الأشياء لم تحصل له علّة الفلاح، فوجب إلا يحصل الفلاح. وأما المُرْجئة: فقد احتجّوا بأن الله حكم بالفَلاَح على الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية، فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً، وإن زَنَى وشَرِبَ الخَمْرَ وسَرَقَ، وإذا ثبت تحقق العفو في هذه الطائفة ثبت في غيرهم ضرورة؛ لأنه لا قائل بالفرق. قال ابن الخطيب: والجواب أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر، فيتساقطان. والجواب عن قول الوعيدية: أن قوله: "أولئك هم المفلحون" يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل الفلاح، ونحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح، وهو غير جازمٍ بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفاً. وعن الثاني: أن نفي السبب لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تَعَالى. والجواب عن قول المرجئة: أنّ وصفهم بالتقوى يكفي لنَيْلِ الثواب؛ لأنه يتضمّن اتقاء المعاصي، واتقاء ترك الواجبات، والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الذين حُكيت خِصالُهم الحميدةُ من حيث اتصافُهم بها، وفيه دلالةٌ على أنهم متميِّزون بذلك أكمل تميُّز، منتظمون بسببه في سِلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلوِّ درجتِهم وبُعدِ منزلتهم في الفضل، وهو مبتدأ، وقوله عز وعلا: {عَلَىٰ هُدًى} خبرُه، وما فيه من الإبهام المفهومِ من التنكير لكمال تفخيمِه، كأنه قيل: على أيِّ هدىً لا يُبلَغ كُنهُه، ولا يُقادَرُ قدرُه. وإيرادُ كلمةِ الاستعلاء بناءً على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يَعْتلي الشيء ويستولي عليه يتصرف فيه كيفما يريد، أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارةً تبعية، متفرّعةً على تشبـيهه باعتلاء الراكبِ واستوائِه على مركوبه، أو على جعلها قرينةً للاستعارة بالكناية بـين الهدى والمركوبِ للإيذان بقوةِ تمكّنِهم منه وكمالِ رسوخهم فيه، وقوله تعالى: {مّن رَّبّهِمُ} متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له مبـينةً لفخامته الإضافية إثرَ بـيانِ فخامته الذاتية، مؤكدةً لها، أي على هدىً كائنٍ من عنده تعالى، وهو شاملٌ لجميع أنواع هدايتِه تعالى، وفنونِ توفيقِه. والتعرّضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرهم لغاية تفخيمِ الموصوفِ والمضافِ إليهم وتشريفِهما، ولزيادة تحقيقِ مضمونِ الجملة، وتقريرِه ببـيانِ ما يوجبُه ويقتضيه وقد أُدغمت النونُ في الراء بغُنّةٍ أو بغير غنة، والجملةُ على تقدير كونِ الموصولَين موصولَين بالمتقين، مستقلةٌ لا محل لها من الإعراب، مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} مع زيادة تأكيدٍ له وتحقيق. كيف لا وكونُ الكتاب هدىً لهم فنٌّ من فنون ما مُنِحوه واستقروا عليه من الهدى، حسبما تحققْتَه، لا سيما مع ملاحظة ما يستتبعه من الفوز والفلاح، وقيل: هي واقعةٌ موقعَ الجواب عن سؤالٍ ربما ينشأ مما سبق، كأنه قيل: ما للمنعوتين بما ذُكر من النعوت اختُصّوا بهداية ذلك الكتابِ العظيمِ الشأن؟ وهل هم أحقاءُ بتلك الأثرَة؟ فأجيب بأنهم بسبب اتصافِهم بذلك مالِكُونَ لزِمام أصلِ الهدى الجامعِ لفنونه، المستتبِع للفوز والفلاح، فأيُّ ريبٍ في استحقاقهم لما هو فَرعٌ من فروعه؟ ولقد جار عن سَنن الصواب من قال في تقرير الجواب: بأن أولئك الموصوفين غيرُ مستبعَدٍ أن يفوزوا دون الناسِ بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلاً. وأما على تقدير كونِهما مفصولَين عنه فهي في محل الرفع على أنها خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصولُ الأول، والثاني معطوفٌ عليه، وهذه الجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهنُ من تخصيص ما ذُكر بالمتقين قبل بـيانِ مبادىءِ استحقاقِهم لذلك، كأنه قيل: ما بالُ المتقين مخصوصين به؟ فأجيب بشرح ما انطوى عليه اسمُهم إجمالاً من نعوت الكمال، وبـيان ما يستدعيه من النتيجة، أي الذين هذه شؤونُهم أحقاءُ بما هو أعظمُ من ذلك، كقولك: أُحِبّ الأنصارَ الذين قارعوا دون رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبذلوا مُهجتَهم في سبـيل الله، أولئك سوادُ عيني، وسُوَيْدَاءُ قلبـي. وأعلم أن هذا المسلكَ يُسلك تارةً بإعادة اسمِ مَن استُؤنِفَ عنه الحديثُ، كقولك: أحسنتُ إلى زيدٍ، زيدٌ حقيقٌ بالإحسان، وأخرى بإعادةِ صفتِه، كقولك: أحسنتُ إلى زيدٍ صديقِك القديمِ، أهلٌ لذلك، ولا ريب في أن هذا أبلغُ من الأول، لما فيه من بـيان الموجِبِ للحكم، وإيرادُ اسمِ الإشارةِ بمنزلة إعادة الموصوفِ بصفاته المذكورة، مع ما فيه من الإشعار بكمال تميُّزِه بها، وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمورِ المشاهدة، والإيماءِ إلى بُعد منزلتِه كما مر. هذا وقد جُوِّز أن يكون الموصولُ الأول مُجرىً على المتقين حسبما فُصّل، والثاني مبتدأ، وأولئك الخ خبرُه، ويُجعل اختصاصُهم بالهدى والفلاح تعريضاً بغير المؤمنين من أهل الكتاب حيث كانوا يزعُمون أنهم على الهدى، ويطمعون في نيل الفلاح. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تكريرُ اسمِ الإشارة لإظهار مزيدِ العنايةِ بشأن المشارِ إليهم، وللتنبـيه على أن اتصافَهم بتلك الصفات يقتضي نيلَ كلِّ واحدة من تينك الأثَرَتين، وأن كلاً منهما كافٍ في تميّزهم بها عمن عداهم، ويؤيده توسيطُ العاطف بـين الجملتين، بخلاف ما في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ كَٱلأنَعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} تفسير : [الأعراف، الآية 179] فإن التسجيلَ عليهم بكمال الغفلة عبارةٌ عما يفيده تشبـيهُهُم بالبهائم، فتكون الجملةُ الثانية مقررةً للأولى، وأما الإفلاحُ الذي هو عبارةٌ عن الفوز بالمطلوب فلمّا كان مغايراً للهدىٰ - نتيجةً له - وكان كلٌّ منهما في نفسه أعزَّ مرامٍ يتنافس فيه المتنافسون فُعل ما فُعل، و(هم) ضميرُ فصلٍ يفصِل الخبرَ عن الصفة ويؤكِّد النسبة، ويفيد اختصاصَ المُسند بالمسند إليه، أو مبتدأ خبرُه المفلحون، والجملةُ خبرٌ لأولئك، وتعريفُ المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناسُ الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو إشارةً إلى ما يعرِفه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين وخصائصِهم. هذا، وفي بـيان اختصاصِ المتقين بنيل هذه المراتبِ الفائقةِ على فنونٍ من الاعتبارات الرائقة اللائقة حسبما أشير إليه في تضاعيف تفسير الآية الكريمة من الترغيب في اقتفاءِ أثرِهم والإرشاد إلى اقتداءِ سيرِهم ما لا يخفى مكانُه، والله وليُّ الهداية والتوفيق.

التستري

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ}[5] أي بيان من ربهم بنور هدايته القلوب مشاهدة له، وسكوناً إليه من نوره الذي أفردهم به في سابق علمه، فلا ينطقون إلاَّ بالهدى، ولا يبصرون إلاَّ إلى الهدى، فالذين به اهتدوا غير مفارق لهم، فكانوا بذلك مشاهدين لأنهم غير غائبين عنه، ولو سئلوا عنه أخبروا، ولو أرادوا لسبقت الأشياء إرادتهم، فهم المفلحون، وهم المرشدون إلى الهدى والفلاح بهدايته لهم، والباقون في الجنة مع بقاء الحق عزَّ وجلَّ. قال سهل: ولقد بلغني أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: يا دواد، انظر لا أفوتك أنا، فيفوتك كل شيء، فإني خلقت محمداً صلى الله عليه وسلم لأجلي، وخلقت آدم عليه السلام لأجله، وخلقت عبادي المؤمنين لعبادتي، وخلقت الأشياء لأجل ابن آدم، فإذا اشتغل بما خلقته من أجله حجبته عما خلقته من أجلي.

السلمي

تفسير : الذين لزموا طريق المواصلة بالانفصال عما سوى الحق فأفلحوا فانقطعت الحجب عن قلوبهم فشاهدوا.

القشيري

تفسير : يعني على بيان من ربهم ويقين وكشف وتحقيق، وذلك أنه تجلَّى لقلوبهم أولاً بآياته ثم تجلَّى لها بصفاته ثم تجلى لها بحقه وذاته. وقوم {عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} بدلائل العقول؛ وضعوها في موضعهما فوصلوا إلى حقائق العلوم، وقوم على بصيرة ملاطفات التقريب فبمشاهدة الرحمة والكرم وصلوا إلى بيان اليقين، وآخرون ظهرت الحقيقة لأسرارهم فشهدوا بالغيب حقيقة الصمدية، فوصلوا بحكم العرفان إلى عين الاستبصار. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفلاح الظفر بالبُغية، والفوز الطِلبة، ولقد نال القوم البقاء في مشهد اللقاء فظفروا بقهر الأعداء، وهي غاغة النفوس من هواجسها، ثم زلات القلوب من خواطرها، فوقفوا بالحق للحق بلا واسطة من عقل، أو رجوع إلى ذكر وفكر.

البقلي

تفسير : اي اولئك على حقيقة يقين متصلة بانوار المعرفة ان الله تعالى بلا معارضة النفس وريب الشيطان مفلحون من مكائدهم ووسواسهما وايضاً مفلحون من الله بالله وقيل اولئك الذين لزموا طريق المفاصلة بالانفصال عما سوى الحق فافلحها فانُقَطَع الحجب عن قولبهم فشاهدوا {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} اي انَّ الحتجبوا عنا بحظوظ البشريات سواء عندهم انذارك بقطيعتنا عنهم وتخويفهم بعقوبتنا عليهم لانهم في مهمة الغفلة عن مباشرة المعرفة لا يقرون باللقاء والمشاهدة لا ستغراقهم في بحار الشهوة وقيل ان الذين ضَلّوا عن روية مننى عليهم في السّبْق سواء عندهم مَنْ شاهد الاعواض في خدمتى ومَنْ شاهدا العوّض لا تخلص سَرَايرهم ولا يثبت لهم الايمان الغيبىّ وانّما ايمناهم على العبادة.

اسماعيل حقي

تفسير : {أولئك} الجملة فى محل الرفع ان جعل احد الموصلين مفصولا عن المتقين خبر له وكأنه لما قيل هدى للمتقين قيل ما بالهم خصوا بذلك اجيب بقوله الذين يؤمنون الى آخر الآيات والا فاستئناف لا محل لها فكأنه نتيجة الاحكام السابقة والصفات المتقدمة. واو لاء جمع لا واحد له من لفظه بنى على الكسر وكافه للخطاب كالكاف فى ذلك اى المذكورون قبله وهم المتقون الموصوفون بالايمان بالغيب وسائر الاوصاف المذكورة بعده وفيه دلالة على انهم متميزون بذلك اكمل تميز منتظمون بسببه فى سلك الامور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم فى الفضل وهو مبتدأ وقوله عز وجل {على هدى} خبره وما فيه من الابهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمة كأنه قيل على هدى أى هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره كما تقول لو ابصرت فلانا لابصرت رجلا وايراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم فى ملابستهم بالهدى بحال من يقبل الشئ ويستولى عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد وذلك انما يحصل باستفراغ الفكر وادامة النظر فيما نصف من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس فى العمل يعنى اكرمهم الله فى الدنيا حيث هداهم وبين لهم طريق الفلاح قبل الموت {من ربهم} متعلق بمحذوف وقع صفة له مبينة لفخامته الاضافية اثر بيان فخامته الذاتية مؤكدة لها اى على هدى كائن من عنده تعالى وهو شامل لجميع انواع هدايته تعالى وفنون توفيقه والتعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة الى ضميرهم لغاية تفخيم الموصوف والمضاف اليهم وتشريفهما. ثم فى هذه الآية ذكر الهدى للموصوفين بكل هذه الصفات وفى قوله {أية : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا}تفسير : [البقرة: 136] الى قوله تعالى {أية : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد إهتدوا}تفسير : [البقرة: 137]. ذكر لهم الهداية بالاقرار والاعتقاد بدون سائر الطاعات بيانا لشرف الايمان وجلال قدره وعلو امره فانه اذا قوى لم يبطله نفس المخالفات بل هو الذى يغلب فيرد الى التوبة بعد التمادى فى البطالات وكما هدى اليوم الى يهدى غدا الى الجنان قال تعالى {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم}تفسير : [يونس: 9]. وذلك ان المطيعين يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم وهم على مراكب طاعاتهم والملائكة تتلقاهم قال تعالى {أية : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا}تفسير : [مريم:85]. وتتلقاهم الملائكة وتبقى العصاة منفردين منقطعين فى متاهات القيامة ليس لهم نور الطاعات ولافى حقهم استقبال الملائكة فلا يهتدون السبيل ولا يهديهم دليل فيقول الله لهم {أية : إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون}تفسير : [ يس: 55]. ان اهل الجنة من حسن الثواب لا يتفرغون لكم واهل النار من شدة العقاب لا يرحمونكم معاشر المساكين سلام عليكم كيف انتم ان كان اشكالكم سبقوكم ولم يهدوكم فانا هاديكم ان عاملتكم بما تستوجبون فاين الكرم كذا فى التيسير: قال السعدى شعر : نه يوسف كه جندان بلاديد وبند جوحكمش روان كشت وقدرش بلند كنه عفو كرد آل يعقوبرا كه معنى بود صورت خوبرا بكردار بد شان مقيد نكرد بضاعات مزجاتشان ردنكرد زلطفت همى جشم داريم نيز برين بى بضاعت ببخش اى عزيز بضاعت نياوردم الا اميد خدايا زعفوم مكن نا اميد تفسير : {وأولئك هم المفلحون} تكرير اولئك للدلالة على ان كل واحد من الحكمين مستبد فى تميزهم به عن غيرهم فكيف بهما وتوسط العطف بينهما تنبيه على تغايرهما فى الحقيقة وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر الدلالة على ان ما بعده خبر لا صفة وان المسند ثابت للمسند اليه دون غيره فصفة الفلاح مقصورة عليهم لا تتجاوز الى من عداهم من اليهود والنصارى ولا يلزم من هذا ان لا يكون للمتقين صفة اخرى غير الفلاح فالقصر قصر الصفة على الموصوف لا العكس حتى يلزم ذلك والمفلح الفائز بالبغية كانه الذى انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه والتركيب دال على معنى الشق والفتح والقطع ومنه سمى الزارع فلاحا لانه يشق الارض وفى المثل الحديد بالحديد يفلح اى يقطع والمعنى هم الفائزون بالجنة والناجون من النار يوم القيامة والمقطوع لهم بالخير فى الدنيا والآخرة. وحاصل الفلاح يرجع الى ثلاثة اشياء. احدها الظفر على النفس فلم يتابعوا هواها والدنيا فلم يطغوا بزخارفها والشيطان فلم يفتنوا بوساوسه وقرناء السوء فلم يبتلوا بمكروهاتهم. والثانى النجاة من الكفر والضلالة والبدعة والجهالة وغرور النفس ووسوسة الشيطان وزوال الايمان وفقد الامان ووحشة القبور واهوال النشور وزلة الصراط وتسليط الزبانية الشداد الغلاظ وحرمان الجنان ونداء القطيعة والهجران. والثالث البقاء فى الملك الابدى والنعيم السرمدى ووجدان ملك لا زوال له ونعيم لا انتقال له وسرور لا حزن معه وشباب لا هرم معه وراحة لا شدة معها وصحة لا علة معها ونيل نعيم لا حساب معه ولقاء لا حجاب له كذا فى تفسير التيسير. وقد تشبثت الوعيدية بالآية فى خلود الفساق من اهل القبلة فى العذاب ورد بان المراد بالمفلحين الكاملون فى الفلاح ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم لا عدم الفلاح لهم رأسا كما فى تفسير البضياوى قال الشيخ نجم الدين داية قدس سره ذكر هدى بالنكرة اى على كشف من كشوف ربهم ونور من انواره وسر من اسراره ولطف من ألطافه وحقيقة من حقائقه فان جميع ما انعم الله به على انبيائه واوليائه بالنسبة الى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وانعامه واحسانه قطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق ابدا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : يمين الله ملأ لا ينقصها نفقة سخاء الليل والنهار ". تفسير : وفيه اشارة لطيفة وهى انهم بذلك الهدى آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون واولئك هم المفلحون الذين تخلصوا من حجب الوجود بنور نار الصلاة وشاهدوا الآخرة وجذبتهم العناية بالهداية الى مقامات القربة وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه وما حطوا رحالهم الا بفنائه فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق {أية : وان الى ربك الرجعى} تفسير : [العلق: 8] انتهى كلام الشخ فى تأويلاته: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : كرهمى خواهى كه بفروزى جوروز هستئ همجون شب خودرا بسور هستيت درهست آن هستى نواز همجومس در كيميا اندر كداز

الطوسي

تفسير : القراءة اولئك بهمزتين، وفيهم من يخففهما وحمزة يمد اولئك واولئك اسم مبهم يصلح لكل حاضر تعرفه الاشارة كقولك ذاك في الواحد، وأولاء جمع ذاك في المعنى ومن قصر قال أولا وأولالك، واذا أمددته لم يجز زيادة اللام لئلا يجتمع ثقل الهمزة وثقل الزيادة، وتقول: أولاء للقريب وها أولئك للبعيد وأولئك للمتوسط. واضيف الهدى إلى الله لأحد الأمرين: احدهما: لما فعل بهم من الدلالة على الهدى والايضاح له، والدعاء اليه. الثاني: لأنه يثيب عليه، فعلى هذا يضاف الايمان بأنه هداية من الله. {وهدى} في موضع خفض بعلى. ومعنى {على هدى}: أي على حق وخير بهداية الله إياهم ودعائه إلى ما قالوا به، ومن قال: هم على نور واستقامة أو بيان ورشد، فهو داخل تحت ما قلنا، والاولى أن يكون ذلك عاماً فيمن تقدم ذكره في الآيتين، ومن خص ذلك فقد ترك الظاهر؛ لأن فيهم من خصها بالمعنيين في الآية الاولى، وفيهم من خصها بالمذكورين في الآية الثانية، وقد بينا أن الجمع محمول على العموم وحملها على العموم في الفريقين محكي عن ابن عباس وابن مسعود. و {المفلحون} هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم. والفلاح: النجاح. قال الشاعر: شعر : اعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل تفسير : يعتي من ظفر بحاجته وأصاب خيراً. وتقول أفلح يفلح إفلاحا وتقول فلح يفلح فلاحاً وفِلاحا والفلاح البقاء أيضاً. قال لبيد شعر : نحل بلاداً كلها حل قبلنا ونرجو فلاحاً بعد عاد وحمير تفسير : يعني البقاء وأصل الفلح القطع، فكأنه قطع لهم بالخير، ومنه قيل للاكار فلاحاً لأنه يشق الارض، والفلاح المكاري لأنه يقطع الارض قال الشاعر: شعر : إن الحديد بالحديد يفلح تفسير : وفى اولئك لغات: فلغة أهل الحجاز: أوليك بالياء، وأهل نجد وقيس وربيعة وأسد يقولون: اولئك بهمز. وبعض بني سعيد من بني تميم يقولون: الاّك مشددة، وبعضهم يقول: الالك. قال الشاعر: شعر : ألا لك قوم لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا ألالكا تفسير : وهم دخلت للفصل.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : ولهذا قد وصف تعالى اولئك الموقنين بالآخرة على طريقة المدح بقوله عز وجل: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} معنى هذا الاستعلاء، بيان لتمكّنهم من الهُدى واستقرارهم عليه تشبيهاً بحال من اعتلى الشيء وركبه، واستعارة لِعلَى الموضوعةُ للثاني للأول، ونظيره: فلانٌ على الحقّ وفلانٌ على الباطل. وربما وقع التصريحُ به كما في قولهم: ركِب على متْن الجهل وجعلَ الغوايّة مركَباً والجهلَ مطيّةً. وامتطى الباطلَ. وتحقيق القول في كونهم على الهُدى تكرّر الإدراكات للأُمور العقليّة، وتكثّر الاشتغال بملاحظة الأشياء الملكوتيّة، والمواظبة على الأفكار الصحيحة، ودفْع الشكوك والشبهات عن المقاصد الحقّة، وطرد شياطين الأوهام والخيالات بنور المعرفة واليقين، حتّى تحصل للنفس ملكة الاتّصال بعالَم الملكوت متى شاءت من غير تجشّم وكثير تعمّل. فكأنّه تعالى، لمّا مدحَهم بالإيمان بما أُنزل على الأنبياء (عليهم السلام)، والاطّلاع على ما في الصُّحف النازلة من السماء، مدحَهم بالإقامة على ذلك وإدامة النظَر فيها، والمواظبة على حراستها عن شُبه الضالّين، وأوهام المعطّلين وذلك واجبٌ على كلّ عاقل إذا كان متشدداً في الدين، خائفاً وجِلاً محاسِباً نفسَه في علمه وعمله بمقتضى البراهين، وإذا حرسَ نفسه عن الزيغ والضلال، وداومَ على العمل للآخرة من غير إخلال، كان ممدوحاً بكونه على هدى وعلى بصيرة. وتنكير "هُدىً"، للدلالة على ضربٍ مبهمٍ لا يُبلغ كنهُه ولا يُعلم غورُه ولا يُعرف قدْرُه قال بعض الأكابر: الهدى من الله كثيرٌ لا يبصره إلا بصير، ولا يُعمل به إلاّ يسير ألا ترى انّ نجوم السماء يبصرها كلّ بصير ولا يهتدي بها إلاّ عالِم خبير. واعلم أنّ الوجه في انتظام هذه الآية وتعلّقها بما قبلها، انّ الجملة في محلّ الرفع بالخبَرية، إذا جُعل أحدُ الموصولين مفصولاً عن "المتّقين"، فوقع الابتداء إما بـ{ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}، أو بالذين الثاني مع صلته، وذلك لأنه لمّا قيل: {هُدىً لِلْمتّقين}، فكأنه سُئل: ما بالُهم خُصّوا بذلك؟ فوقع الجواب بقوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}، الى قوله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، معناه أنّ الموصوفين بهذه الصفات أحقّاء بأن يكونوا مختصّين بالهُدى والفوز على الفلاح. ويحتمل الاستيناف، فلا يكون لها محلٌّ من الإعراب. فكأنه نتيجة للأوصاف والأحكام المتقدّمة، أو جواب عن سؤال كأنه قيل: ما بال الموصوفين بهذه الصفات اختصّوا بالهدى؟ فاجيب بأنّ مثلَهم حقيق دون غيرهم بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً. وايراد اسم الإشارة في هذا المقام ابلغ من أن يستأنف بإعادة الإسم وحده، لأنّ ذلك بمنزلة إعادة الموصوف بجميع صفاته المذكورة، فكان فيه ذكْر المقتضي للحكم بخلاف هذا. وفي تكريره تنبيه على أنّ اتّصافَهم بالصفات المذكورة، يقتضي كل واحد من الأمرين: الهدى والفلاح، على سبيل الاستقلال، وأن كلاً منهما كاف في تمّيزهم عن غيرهم. وتوسيط العاطفة ها هنا وعدم توسيطها في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [الأعراف:179] لاختلاف الحكْمين ها هنا واتّحادهما هناك، فإنّ التسجيل عليهم بالبهيمية وبالغفلة شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقررة للاولى، فهي من العطف بمعزل. و"هم" إمّا فصلٌ، وله فائدتان: تمييز الخبر عن الصفة وتخصيص المسند بالمسند إليه، أو مبتدأ و"المفلحون" خبرُه، والجملة خبر "اولئك". ومعنى التعريف في "المفلحون" الدلالة على أنّ المتّقين الموصوفين بتلك الصفات، هم الذين بلغك انّهم من اهل الفلاح، والمفلح هو الظافرُ بالمطلوب، كأنه الذي انفتحت له وجوهُ الظفَر، وكذا المُفلح - بالجيم - وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين دالٌّ على معنى الفتح والشقّ، نحو فلق وفلد وفلىٰ، ولهذا يسمى الزارعُ فلاّحاً، ومشقوقُ الشفة السفلى أفلَح. وفي المثل: الحديد بالحديد يفلح. مبحث كلامي [الجواب عن احتجاج الوعيدية والمرجئة] احتجّت كلّ واحدة من الفرقتين الوعيديّة والمرجئة بهذه الآية على حقّية مذهبها: أما الوعيديّة فبأن الحَصرَ المستفاد من {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، وتعليق الحكم على الوصف السابق المشعر بكونه علّة، كلٌّ منهما يدلّ على أن الإخلال بشيء من الإيمان والصلاة والزكاة يوجب عدم الفلاح، وهو بعينه وعيد مرتكب الكبيرة كتارك الصلاة والزكاة وإن تحقّق فيه أصل الإيمان. وأما المرجئة، فبأنّه بمقتضى الآية، وجَب أن يكونَ الموصوف بهذه الصفات، مفلِحاً وإن زنىٰ وسرقَ، وإذا تحقّق الفلاح في هذه البعض، تحقّق في غيرهم ضرورةً إذ لا قائلَ بالفرق. والجواب عنهما: أولاً: بالمعارضة على كل منهما بالآخر فيتساقطان. ثمّ عن حجة الوعيديّة: بأنّ المراد من قوله تعالى: {أولئِكَ هُمْ المفْلِحُون} أنّهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون غيرهم - كصاحب الكبيرة - غير كامل في الفلاح، ونحن قائلون بموجبه، إذ الفلاحُ التامّ ما لا يكون معه خوف العقاب الدائم، وتجويز عدم الخلاص، وبأن نفي السبب الواحد لا يوجب نفي المعلول إذا كان له سببٌ آخر، وعندنا عن أسباب الفلاح عفوُ الله. وعن حجّة المرجئة: بأنّ وصفهم بالتقوى والإيمان الكامل، يكفي سبباً للفلاح وحصول الثواب، لتضمّنه انتفاء المعاصي وانتفاء ترك الواجبات. تحقيق عرشي [هل توجب الكبيرة الخلود في النار]؟ اعلم أنّ سبب خلود أهل النار في النار وحرمانهم من النجاة، هو المَلَكة الراسخة للنفْس بواسطة الأفاعيل الموجبة لحصول ما هو فيها، بمنزلة الطبع والرَّيْن في المرآة المقتضي لعدم قبولها للتصقيل والتصفية، سواء كان منشأها الكفر والجحود، أو المعاصي والسّيئات. فإنّ النفسَ الإنسانيّة في الفطرة الأولى، قابلة لقبول آثار الملائكة، وآثار الشيطانيّة، وآثار البهائم والسباع قبولاً متساوياً، وإنّما يقع المنع لها عن قبول بعض تلك الآثار بواسطة حصول بعض آخر لها، ومتى اشتدّ حصول البعض فيها بحيث صار ملكةً راسخةً فيها، منع بالكليّة عن قبول آثار الغير، فمتى رسخت للقلب صفاتُ البهيميّة أو السبعيّة أو الشيطانيّة، بحيث أنّها صارت مَلَكة كالطبع والرَين لمرآة القلب، فكدّرتها وظلّمتها، صارت مانعة له عن قبول صورة الرحمة الرحَموتيّة والهيئة الملكوتيّة منعاً كلياً أبديّاً، لكون المانع هناك صفة ذاتيّة جوهريّة، كما حقّق في مجال أوسع من هذا المجال. وقد مرّت الإشارة الى أن الإنسان في أول أمره، بين أن يكون بهيمة أو سَبُعاً أو شيطاناً أو مَلَكاً، وفي الآخرة لا يكون إلاّ أحد هذه الأمور لأجل غلبة بعض الصفات المختصّة به على قلبه من جهة تكرّر أفاعيل تناسبها، والى نحو هذا المعنى أُشير في قوله: {أية : وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}تفسير : [التوبة:87] وقوله: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين:14]. فإذا تقرّر هذا، قربَّ كبيرةٍ من المعاصي يوجب تكرّرُ فعلها عن النفس خلودَها في النار لضعف الإيمان وقوّة العائق عن الخلاص، وربَّ كبيرةٍ لا تكون كذلك لقوّة الإيمان وضعف العائق فيحتمل العفو عنها، والله أعلم بأحوال قلوب العباد. فعلى هذا لا تناقُضَ بين الآيات الدالّة على ثبوت الوعيد من الله على صاحب الكبيرة، والآيات الدالّة على ثبوت العفو عمّن يشاء، وسنزيد لهذا وضوحاً في موضع آخر إنشاء الله تعالى.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا أَبو عُبَيْدِ اللهِ مُحَمَّد بن عِمْرانَ المَرْزُبانيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبو الحَسَن عليُّ بنُ محمَّدِ بنِ عُبْيدٍ الحافِظُ، قِراءةً عليْهِ، في بابِ مَنْزِلِهِ في قَطيعَةِ جَعْفَرٍ، يومَ الأَحَدِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلاْثْمائَةٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ الحِبَرِيُّ الكُوفيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بنُ عَبْدِ اللهِ، عن أَبيهِ [عن أبيهِ] عن جَدِّهِ، قالَ: كانَ سَلْمانُ يَقُولُ: يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِيْنَ تَعَاهَدُوا ما في قُلُوبِكُمْ لِعَلِيٍّ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ فَإنّي ما كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وسلَّمَ قَطُّ، فَطَلَعَ عَلِيٌّ، إلاّ ضَرَبَ النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يا سَلْمانُ، هَذَا وَحِزْبُهُ {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

اطفيش

تفسير : {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ}: هذه الجملة مستأنفة استئنافاً نحويا بيانيا هو نحوى بلا عكس فإن البيانى تكوين الجملة جواب لسؤال يقتضيه المقام كأنه قيل: ما السبب فى اختصاص المتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، والذين يؤمنون بما أنزل إلى سيدنا محمد ومن قبله - صلى الله عليه وسلم - ويوقنون بالآخرة، يكون القرآن هدى لهم؟ فأجاب: بأن السبب فى اختصاصهم يكون القرآن هدى لهم التوفيق من الله واللطف عليهم بالهدى، ولا يقال هذا نفس قوله هدى للمتقين فيلزم تحصيل الحاصل لأنا نقول معنى قوله: هدى للمتقين زيادة هدى لهم، أو صالح لأن يهتدوا به. ثم قال أولئك الموصوفون بتلك الصفات غير بعيد أن يختصموا بكون القرآن زيادة هدى لهم، أو بكونه هدى موصلا لهم إلى تلك الصفات. وإن شئت فقل: إن جملة: أولئك على هدى من ربهم، ليست بياناً للعلة، بل إخبار بأن الهدى الحاصل لهم من القرآن إنما جاءهم من فضل الله. وهذا على أن معنى هدى للمتقين: أنه هداهم بالفعل، واهتدوا بالصلاحية والإمكان فقط. نقول أحسن زيد إلى شيخه، شيخه حقيق بالإحسان سواء أردت بيان العلة كأنك قلت: لأن شيخه حقيق بالإحسان من أجل أنه شيخه، أو أردت مجرد الإخبار بأنه حقيق به ولكن تعليق الحكم بمشتق يؤذن تعليته. والشيخ فى معنى المشتق، والآية من هذا القبيل، فإن أولئك غير مشتق، لكنه إشارة إلى المتصفين بتلك الصفات. فهو فى معنى المشتق فكأنه قيل: اتصافهم بالاتقاء والإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وما بعد ذلك سبب لزيادة الهدى الحاصلة لهم من توفيق الله وتفضله عليهم، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة لمجرد الإخبار بأنهم أحقاء بالهدى، بأن تكون الإشارة إلى أنفسهم لا تفيد اعتبار صفة، فضلا عن أن تكون موذنة بالعلية، كقولك: أكرم زيداً زيد أهل للإكرام، فإن قولك زيد أهل للإكرام غير متضمن لما هو علة لإكرامه، ولو جعلت العلة تعليلا. وإذا ذكرت الجملة الثانية بصفة ما بنى له الكلام الأول، كانت كمصرحة بالعلة نحو أكرم زيداً صديقك القديم أهل للإكرام، كأنه قيل: أكرم زيدا لأنه صديقك الكريم، والصديق الكريم أولى بالإكرام وأهل له. وهذا النوع أحسن وأبلغ لانطوائه على بيان الموجب وهو العلة، وكيفية حمل الآية عليه أن تجعل الإشارة إلى المتصفين بتلك الصفات من حيث إنهم متصفون بها. كأنه قيل: المؤمنون بالغيب.. إلخ، أهل لزيادة الهدى الكائن لهم من ربهم، أو أهل لأن يهتدوا بالقرآن ويتأثروا به، أى من علم الله أنهم سيتقون ويؤمنون بالغيب.. إلخ أهل لأن يهتدوا به ويتأثروا به. ويجوز أن يكون الذين الأول مبتدأ والثانى معطوفاً عليه. وأولئك على هدى من ربهم خبراً، والثانى مبتدأ خبره أولئك على هدى من ربهم. فيكون الذين وما بعده مسأنفاً أيضاً استئافاً نحويا وبيانيا أيضا، كأنه قيل لم خص المتقون بكون القرآن زيادة هدى لهم أو بتأثره فيهم من أول؟ فأجيب بأنه كان زيادة لهم لإيمانهم بالغيب إلخ أو بأنه تأثروا به واهتدوا لعلم الله أنهم سيتقون ويؤمنون بالغيب... الخ. قبل أن يصدر منهم الاتقاء والإيمان.. إلخ، ولك فى أوجه الاستئناف كلها استئناف الذين أو استئناف أولئك على هدى من ربهم، أن تجعل جواباً لسؤال على هذه الكيفية أى لم خص المتقون المؤمنون بالغيب.. إلخ بذكر كون القرآن مرشداً لهم؟ مع أنه مرشد لكل مسلم وكل كافر، غير أن المسلم قد ارتشد، والكافر عصى وأعرض. فأجيب بأنه خص ذكر المتقين المؤمنين بالغيب، لأنهم المطاوعون لإرشاده المقتفون له. وإن قلت: فهل ذلك التوفيق تخصيص لهم بلا موجب؟ قلت: بل بموجب وهو تسببهم واكتسابهم. وإن قلت تسببهم واكتسابهم أيضاً مخلوقان لله. فذلك تخصيص بلا موجب؟ قلت: نعم مخلوقان لله تبارك وتعالى مجملين، وقد علم الله تعالى بلا أول أنهم سيتصفان بهما فافهم. فإنه جل وعلا خلق جزاء من استفراغ الكفر وإدامة النظر فيما نصب من الأدلة والمواظبة على محاسبة النفس فى العمل، وعلم أنه يكون فيهم. والاستعلاء فى هدى من الاستيلاء المجازى. وإيضاحه أنه شبه تلبس المتقين المؤمنين إلخ بالهدى وتشبهم به، بمن تلبس بدابة أو سفينة وكان عليها، ووجه الشبه التمكن والاستعلاء والنجاة من مكروه، فاستعار لذلك التلبس والتشبث الحرف الموضوع للتلبس والتشبث على نحو الدابة من المحسوسات، وهو لفظ على، فذلك إبراز للمعانى فى صورة الذوات زيادة فى البيان، ونكر هدى للتعظيم، أى أولئك على هدى عظيم لا يحصى غايته ولا يعلم قدره إلا الله الرحمن الرحيم، الذى كان هو من فضله وتوفيقه. ففى الوصف وصف هدى بقوله: من ربهم، تأكيد لذلك التعظيم. وقرئ قوله من ربهم بثلاث قراءات: الفك وإدغام النون فى الراء إدغاماً صريحاً بإبدالها راء صريحة وإدغامها فيها، والثالثة الإبدال غير الصريحة والإدغام مع إبقاء بعض النون فى الخيشوم. والجمهور على الثانية وبهذا نأخذ وهو قراءة نافع والكسائى وحمزة. وأما أبو عمرو، فعنه الثانية والثالثة، ورويت الثالثة والثانية عن ابن كثير وورش وكذا ما أشبه ذلك. {وَأُولَئكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}: وإشارة البعد هنا وفى الذى تقدم إنما هى لما مر فى قوله ذلك الكتاب. وإن قلت لِمَ لم يكف لفظ أولئك الأول فيقال هنا: وهم المفحلون؟ قلت: لأن تكريره يفيد أنه كما ثبت لهم التخصيص بالهدى ثبت لهم بالفلاح. وأكد واحد من التخصيصيين فى تميزهم به من غيرهم بالمنزلة التى لو انفردت كفت مميزة وإن كلا من التخصيص يترتب على تلك الصفات كأنه قيل المتصفون بالاتقاء والإيمان إلخ مختصون بالإفلاح لتلك الصفات. ولو قال: وهم المفلحون لم يفد كل ذلك بل بعضه، وقرنت الجملة الثانية بالواو والعاطفة لمغايرة الإفلاح للهدى، فإن الإفلاح الفوز بالمطلوب من رضى الله - جل وعلا - ونعيم الجنة والنجاة من النار وهو فى الآخرة ومقصود على حدة والهدى الدلالة والتوفيق وهما فى الدنيا مقصودان على حدة بخلاف قوله تبارك وتعالى:{أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}تفسير : فإن وصفهم بكونهم كالأنعام ووصفهم بالغفلة واحد فى الحقيقة. وأما الثانى أن لا مقرر للأول إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة فى الغفلة، وكونهم كالأنعام وغفلتهم كلاهما فى الدنيا. فلذلك الاتحاد فى المعنى والزمان لم يكن بالعطف لاقتضائه التغاير.. والله أعلم. والتحقيق عندى أن أولئك هم المفلحون يفيد الحصر وتأكيد نسبة الإفلاح إلى أولئك. وإيضاح كون المفلحون خبراً لا نعتاً والترغيب فى اقتفاء أثرهم وإظهار قدرهم، سواء جعلنا قولهم هم ضمير فصل أو مبتدأ. وإذا عقلت هذا الحصر ظهر لك أن أصحاب الكبائر يخلدون فى النار، فإن المعنى لا يفلح إلا المتصفون بتلك الصفات. فمن لم يتصف بها غير مفلح، ومن يدخل النار غير مفلح. ولو فرضنا خروجه منها لكان مفلحاً وغير مفلح، وهذا لا يصح. ولعل قومنا القائلين بالخروج يجعلون أل فى المفلحون للكمال، أى أولئك هم المتصفون بتلك الصفات هم أصحاب الفلاح الكامل وغيرهم ممن أقر وفسق مفلحون أيضاً. لكن فلاحهم غير كامل. أم يقولون نزل فلاحهم منزلة العدم، فحصل الفلاح فى المتصفين بتلك الصفات، وإنما لم نسلم لهم هذين التأويلين لو لم يكونا خلاف الظاهر بلا داع موجب، ولا يعارضوننا بوصف الفاسق كغيره بالاصطفاء فى قوله عز وجل:{أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}تفسير : فإنه مشروط بالموت على التوبة. وإن قلت: لو قيل أولئك المفلحون على الابتداء والخبر لأفاد الحصر أيضاً بدون ذكر قوله: هم. قلت: نعم لكن إذا ذكر قوله هم، كان هو المفيد للحصر بواسطة ما بعده، مع أنه قد يتوهم من عدم ذكره كون المفلحون نعتاً لأولئك فلا يظهر تمام الإسناد فضلا عن الحصر. وأل فى المفلحون للعهد الذهنى، أى أولئك هم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون، أو للحقيقة حقيقة المفلحين، أو للعهد الذكرى إذا ذكر من يفلح فى غير هذه الآية فى السورة النازلة قبل هذه السورة، وإذا تتبعت الكلام وجدت كل كلمة أصلها الأول فاء. والثانى لام دالة على الشق بظهور أو تأويل. كفلق وفلذا وفلى، فكذلك المفلح قد انفتح له وجوه الظفر وانشقت له، وفلق شق، وفلذ قطع. وأفلاذ الكبد قطعها. وفلى رأس الكافر ضربه بالسيف، ويكون الفلاح أيضاً فى لغة العرب بمعنى البقاء. فيصح تفسير الآية به، أى أولئك هم الباقون فى النعيم الدائم، الخالدون فيه، الذين لا ينقطعون عنه أبدا. قال الشاعر: شعر : لو أن حيا مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح تفسير : أى مدرك البقاء، غير أنه يحتمل أن يريد بالفلاح الفوز بالمطلوب وهو البقاء، فلم يخرج عن تفسير الفلاح بالفوز بالمطلوب. فافهم.

اطفيش

تفسير : {أُولَٰئِكَ} الموصوفون بتلك الصفات، العالون شأنا ومرتبة، وقس على ذلك سائر إشارات البعد فى سائر القرآن. وما كان في السوء فإشارة البعد فيه للبعد عن مقام الخير {عَلَى هُدًى} متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه، القوى المطاوع الملجم بلجام فى يده المستولى {مِنْ رَّبِّهِمْ} آت من ربهم، أو ثابت منه دلالة وتوفيقاً {وَأُولَٰئِكَ} كرر الإِشارة إذ لم يقل وهم المفلحون، تنبيهاً على مزيد الاعتداء بشأنهم، وعلى أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضى أن يحصل لهم الكون على الهدى من ربهم، وكونهم مفلحين، كما قال {هُمُ المُفْلِحُونَ} الفائزون بالحظ الأكمل، النجاة من النار ودخول الجنة، وهذا حصر، فمن ترك الصلاة أو الزكاة فليس مفلحاً، فهو فى النار مخلد، لأن مقابل الإفلاح الخسار والهلاك.

الخليلي

تفسير : الاشارة متوجهة إلى المتقين الموصوفين بما سلف والأصل فيها أن تكون لمشاهد معين، غير أن الاستعمال قد يجعلها لغير الحاضر إذا سبقها من وصفه ما يجعل حقيقته مستحضرة في الذهن، فإن تصور أحواله، وإدراك صفاته يجعلانه في حكم المشاهد، وقد يتبع الاشارة الآتية بعد صفات المشار إليه حكم، فيدل ذلك على أن تلك الصفات هي منشأ ذلك الحكم، لأنها هي السبب في استحضار ذات المشار إليه، فالحكم للمشار إليهم هنا بأنهم على هدى من ربهم، وأنهم هم المفلحون ناتج عن وصفهم بتلك النعوت الفاضلة التي تميزهم عن غيرهم من الناس، ومثله مألوف في كلام العرب، ومنه قول حاتم الطائي: شعر : ولله صعلوك يساور همه ويمضي على الأحداث والدهر مقدما فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ولا شبعة إن نالها عد مغنما إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت تيمم كبراهن ثمت صمما يرى رمحه أو نبله ومِجَنَّه وذا شُطَبٍ عَضْب الضريبة مجذما وأحناء سرج قاتر ولجامه عتاد أخى هيجا وطرفا مسوما ويغشى إذا ما كان يوم كريهة صدور العوالي وهو مختضب دما إذا الحرب أبدت ناجذيها وشمرت وولى هذان القوم أقبل معلما تفسير : ثم قال عقب ذلك: شعر : فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما تفسير : وجملة أولئك على هدى مستأنفة استئنافا بيانيا مترتبا على ما وُصفوا به من النعوت من قبل، فإن السامع إذا وقعت تلك الصفات التي ميزوا بها في سمعه تطلع إلى ما يترتب عليها من فائدتها، وإيثار اسم الاشارة على ذكر الضمير الذي يعود إليهم لأن الاشارة تجعل جميع ما وصفوا به مستحضرا في ذهن السامع، إذ الاشارة هنا ليست إلى ذواتهم فحسب، وإنما هي إليها وإلى الصفات التي تلبست بها فميزتها عن سائر الذوات، وفي ذلك ما لا يخفى من التنويه بالصفات المشار إليها، وبما يعقب اسم الاشارة من الأحكام الناشئة عنها. المتقون مختصون بالهُدى: والمشار إليه هو فريق المتقين، وقد سبق في كلامنا ما يفيد ترجيح أن جميع الصفات التي لحقتهم هي صفات جارية عليهم جميعا، إذ هم فريق واحد وليسوا بفريقين خلافا لمن قال ذلك اعتبارا لحالتهم قبل التلبس بالايمان، وهم يوافقوننا أن الاشارة هنا - كالتي بعدها - يراد بها كلتا الطائفتين لأنهم جميعا متمكنون من الهدى ومنقلبون إلى الفلاح، وإنما شذّ الامام محمد عبده فقال بتعدد المشار إليه كما تعددت الاشارة، ورأيه مبني على ما تقدم نقله عنه من أن المهديين منقسمون إلى طائفتين؛ طائفة أخذت تبحث عن الحق وتحاول الوصول إليه، وأخرى وصلت إليه فعلا. فأولى الاشارتين إلى الطائفة الأولى، وثانيتهما إلى الأخرى. وعزز رأيه بما يدل عليه تنكير هدى من النوعية. فالطائفة الأولى - حسب رأيه - أصابوا ضربا من الهدى لتفتيشهم عن الصواب، وبحثهم عن الحقيقة، فقد آمنوا بالغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق في كلامه، وأنفقوا مما رزقهم الله، فهم متمكنون مما وصلوا إليه من الهدى، ومستبصرون في طريق البحث عن المزيد من أنواعه، وذلك وإن لم يكن كافيا لاسعادهم وفلاحهم، فهو كاف لاعدادهم، وتأهيلهم لهما بالايمان التفصيلي المنزل، ولذلك قبلوا عندما بلغتهم دعوته. ويرى الامام أن الطائفة الثانية - وهم المؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم- مشاركة للطائفة الأولى في الهدى الذي وصلت إليه، وإنما زادت عليها بما انتهت إليه من الايمان الكامل بالقرآن، وبسائر الكتب السماوية، ويقينهم بالآخرة، فهم أوسع منهم إيمانا، لأن إيمانهم بالغيب قد تجاوز حدود الاجمال إلى التفصيل، ولذلك كانت الاشارة إليهم متضمنة وعدهم بالفلاح في قوله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، وعزز رأيه أيضا - في التغاير بين مرجع الاشارتين - بترك ضمير الفصل (هم) في الأولى وذكره في الثانية، وقال إن المشار إليه لو كان واحدا لذكر الفصل في الأولى لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح، فهو خاص بهم دون سواهم، لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح فيهم. وأنت إذا تدبرت هذه الآية وما قبلها من الآيات، لن تجد دليلا على التغاير بين الاشارتين، ولا على انقسام المهتدين إلى طائفتين، وحسبك ما مر بك في تفسير ما قبلها وضوحا بأن جميع تلك الصفات جارية على فريق المتقين من غير التفات إلى أي انقسام فيهم. أما تنكير {هدى} فهو للتنويه بشأن ما تمكنوا منه من الهدى، ويعزز ذلك وصفه بأنه من {ربهم} فإنه دليل كونهم موضع عناية الله سبحانه. وأما عدم اقتران الاشارة الأولى بضمير الفصل واقتران الثانية به، فلأجل الترقي في العبارة، ونحوه ما في سورة لقمان مع اتحاد المشار إليه، كما تقدم بيانه. وكذلك في هذه السورة في قوله تعالى بعد وصف الصابرين: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}. وقد بين الله سبحانه اختصاص هؤلاء المتقين بالهدى، بيانا يصور لك هذه الحقيقة المعنوية، ويجليها في صورة المحسوس، حيث قال: {على هدى} دون أولئك أصحاب هدى مثلا، لأن "على" دالة على الاستعلاء، وهو يقضي بتمكن المستعلي من المستعلى عليه، وقدرته على تصريفه وترويضه، فهؤلاء المتقون متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه، وفي الاستعارة التي ينطوي عليها هذا التعبير وجوه: أولها: أنها تبعية، نظرا إلى أن المستعار الأصلي هو الاستعلاء، ثم سرت إلى الحرف الدال عليه وهو (على) وقد جنح إلى هذا الوجه السيد الجرجاني وحمل عليه كلام صاحب الكشاف. ثانيها: أنها تمثيلية، لأن المشبه هيئة منتزعة من عدة أشياء وهي المتقون والهدى، وتمكنهم منه، والمشبه به صورة منتزعة من أشياء متعددة كذلك وهي الراكب والمركوب والاستعلاء، ثم طويت المشبهات لحلول المشبه بها محلها على طريق الاستعارة، وأظهرت (على) من بين الصورة المستعارة لأنها العمدة في هذا التشبيه من بين سائر أركانه، وتدخل بقية الأركان ضمن ألفاظ منوية وإن لم يقتضها سياق الكلام، ولم يبعد الجرجاني هذا الوجه. ثالثها: أن تكون مكنية مرموزا إلى جملتها بعلى الدالة على الاستعلاء الذي هو لازم التشبيه المقصود، وكثير من الناس يسمونها تخييلية. وجمع أنواع الاستعارات الثلاث يحتملها هذا المقام، غير أن معركة جدلية حادة نشأت بين علمي البلاغة البارزين؛ السيد الجرجاني، والسعد التفتازاني، مثارها: جواز مجامعة التمثيلية للتبعية أو عدمه، فالتفتازاني مع اختياره للتمثيلية يرى أن مجيء كلمة (على) في التركيب يقتضي أن يكون معناها - وهو الاستعلاء - مستعارا على حدة لما يماثله في جانب المستعار له، وهو التمكن، وأنكر الجرجاني ذلك بشدة لأنه رأى فيه جمعا بين متنافيين، إذ الاستعارة التمثيلية إنما ينظر فيها إلى الصورة المنتزعة من متعدد من غير التفات إلى أفرادها، والاستعلاء المستفاد من حرف الجر هنا إنما هو فرد من هذه الأفراد، وأطال في حاشيتيه على الكشاف وعلى المطول في شرح حججه. كما أطال السعد في الانتصار لمذهبه في المطول وحاشية الكشاف. وشغلت هذه المسألة أذهان الناس واستهلكت جانبا مهما من فراغهم في عصرهما وبعده، وعقدت فيها مجالس للحوار، أولها كان بمحضر تيمور لنك، وكان الحكم فيه نعمان الخوارزمي، فحكم للجرجاني على خصمه غير أن آراء الذين جاءوا من بعدهم أثقلت كفة السعد التفتازاني، وقد أفردت هذه المسألة بمؤلفات خاصة. وممن عني بها الشوكاني، فقد خصصها برسالة سماها (الطود المنيف في الانتصار لما قاله السعد على ما قاله الشريف). وذكر الألوسي في تفسيره أنه أطال بحثها في كتابه (الأجوبة العراقية على الأسئلة الايرانية) وقد امتدت أذيال العناية بهذا البحث إلى عصرنا. وممن عني به من المفسرين المعاصرين الامام ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير)، فقد حاول فيه التوسط بالحكومة العادلة بين هذين القطبين، لكنه لم يلبث أن وقف في صف التفتازاني. تنزيه القرآن الكريم عن المجادلات اللغوية والبلاغية: وإني أرى جعل التفسير معرضا للمجادلات اللغوية وميدانا للمباريات البيانية، خروجا بهذا العلم الجليل عن حدوده المرسومة، واشتغالا بما لا داعي إليه فيه. وإنما ينبغي الاقتصار من ذلك على ما يجلي من الآية جوهر معناها، ويزيح الستار عن إعجاز مبناها. أما الزيادة على ذلك فقد تفضي إلى تلاشي المقاصد الأساسية التي يجب أن ينحوها المفسر. فالقرآن أنزل لوصل النفوس ببارئها وصقل العقول من أصداء الشك حتى يتجلى لها العلم اليقين وتتخلص من وساوس الشيطان، وتتطهر من أرجاس الطبع وتستقيم على صراط الله العزيز الحميد. وأكثر التفاسير - مع الأسف - بعيدة عن رعاية هذه الأهداف، بل ربما ظن قارئها أنه يتلو كتابا في الاعراب أو في اللغة واشتقاقاتها أو في البلاغة وأساليبها، وهكذا. وفي وسط هذه التيارات تتلاشى مقاصد التفسير الأساسية، وهي إيضاح ما انبهم من هداية القرآن، وبيان موضع العبرة من قصصه وأمثاله، ومحط الحكمة من تشريعاته وأحكامه. وأدهى من ذلك حشو مؤلفات التفسير بمخلفات اليونان وغيرهم، من الفلسفات العقيمة والأساطير القديمة. ولعمري إن ذلك ليس من تفسير القرآن في شيء، بل هو أحرى أن يكون تعتيما على هداه، وحجبا لحقائقه، نسأل الله العافية. هذا، وقد علمت مما سبق اتحاد مرجع الاشارتين في الآية، ووجه تكرار اسم الاشارة التنبيه على أن اختصاصهم بالهداية، واختصاصهم بالفلاح، كل منهما جدير بالعناية، وحقيق بأن يستقل في التنويه به فلا يكون أحد الأمرين تابعا للآخر، ولذلك خص كل واحد منهما بجملة وإشارة. وفي ذلك أيضا تنويه بالموصوفين أنهم جمعوا بين المنقبتين، واختصوا بكلتا المأثرتين، وعطفت الجملة اللاحقة على السابقة لأجل توسطهما بين كمال الاتصال، وكمال الانقطاع، فإن كلا من الهدى والفلاح له مفهومه الخاص، وزمانه الخاص، إذ الهدى يتلبس به في الحياة الدنيا، والفلاح يتوصل إليه في الدار الآخرة. غير أن كون الهدى سبب الوصول إلى الفلاح يُعد رباطا بين الجملتين وتوسط الجملتين بين كمالي الاتصال والانقطاع من دواعي العطف كما قرره علماء المعاني. الاسلام هو طريق الفلاح: وتوسط ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه المعرفين دال على تأكيد الحصر المستفاد من تعريفهما، وهو هنا قاض بانحصار الفلاح في الطائفة التي جمعت بين خصائص الايمان المذكورة في هذه الآيات، وذلك يعني وحدة طريق الفلاح، وهو طريق الحق والرشد الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، كما بعث به النبيين من قبل، وهو يتمثل في هدى القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن حاد عنهما فقد حاد عن طريق الفلاح، وانتهى به السير إلى مهاوي الخسران والعياذ بالله. والفلاح هو النجاة، ولذلك فسر المفلحون هنا بالمنجحين كما في تفسير ابن جرير. ويعني ذلك أنهم بلغوا الهدف المقصود، وأدركوا الضالة المنشودة وهي الفوز برضوان الله الذي تترتب عليه النجاة من أليم عقابه، والخلد في بحبوحة ثوابه، وذلك معنى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: في تفسير المفلحين الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا، ومن شواهد مجيء الفلاح بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعه: شعر : اعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل تفسير : ويجيء بمعنى البقاء، ومنه قول الشاعر: شعر : نحل بلادا كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير تفسير : ومادته تدل على الشق كسائر الكلمات التي ينتظمها معه الاشتقاق الأكبر، كالفلج والفلق، ومن هنا سمي الأكار فلاحا، لأنه يشق الأرض لأجل الزرع، ويرى الامام محمد عبده "أنه لا يقال أفلح الرجل إذا فاز بمرغوبه عفوا من غير تعب ولا معاناة، بل لا بد من تحقيق المعنى اللغوي في هذه المادة من السعي إلى الرغيبة والاجتهاد لادراكها، فهم ما كانوا مفلحين إلا بالايمان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي التي نيط بها الوعد والوعيد فيما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم مع اليقين بالجزاء على جميع ذلك في الآخرة. اتساع مفهوم الفلاح وشموله: ويدخل في هذا كله ترك الكذب والزور، وتزكية النفس من سائر الرذائل كالشَّرَه والطمع، والجبن والهلع، والبخل والجور والقسوة، وما نشأ عن هذه الصفات من الأفعال الذميمة، وارتكاب الفواحش والمنكرات، والانغماس في ضروب اللذات، كما تدخل فيه الفضائل التي هي أضداد هذه الرذائل المتروكة. وجميع ما سماه القرآن عملا صالحا من العبادات وحسن المعاملة مع الناس، والسعي في توفير منافعهم الخاصة والعامة مع التزام العمل والوقوف عند ما حده الشرع القويم والاستقامة على صراطه المستقيم، ثم قال عقب ذلك: وجملة القول أن الايمان بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو الايمان بالدين الاسلامي جملة وتفصيلا، فما علم من ذلك بالضرورة، ولم يخالف فيه مخالف يعتد به، فلا يسع أحد جهله. فالايمان به إيمان، والاسلام به لله إسلام، وإنكاره خروج من الاسلام، وهو الذي يجب أن يكون معقد الارتباط الاسلامي، وواسطة الوحدة الاسلامية، وما كان دون ذلك في الثبوت ودرجة العلم فموكول إلى اجتهاد المجتهدين، ولا يصح أن يكون شيء من ذلك مثار اختلاف في الدين". وذكر السيد رشيد رضا أن الأستاذ زاد بخطه بعد قوله اجتهاد المجتهدين ما نصه: أو ذوق العارفين أو ثقة الناقلين بمن نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيها يعتقدون بعد التحري، والتمحيص، وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له مع المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل عنه فلا بد أن يكون عارفا بأحواله وأخلاقه، ودخائل نفسه ونحو ذلك مما يطول شرحه. وتحصل الثقة للنفس بما يقول القائل. وأتبع ذلك السيد رشيد رضا قوله: معنى هذا أن أحاديث الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنه واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها، ولذلك لم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث، ويدعون إليها مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به، وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا من بيان السنة كصحيفة علي كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام كالدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة كمكة، ولم يرض الامام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ، وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة، وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشيء منها أن يأخذه عنه ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما. وأما ذوق العارفين فلا يدخل شيء منه في الدين، ولا يعد حجة شرعية بالاجماع إلا ما كان من استفتاء القلب في الشبهات والاحتياط في تعارض البينات.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ} الظاهر أنه جملة مرفوعة المحل على الخبرية فإن جعل الموصول الأول مفصولاً على أكثر التقادير في الثاني ويتبعه فصله بحسب الظاهر إذ لا يقطع المعطوف عليه دون المعطوف فالخبرية له وإن جعل موصولاً وأريد بالثاني طائفة مما تقدمه وجعل هو مفصولاً كان الإخبار عنه وذكر الخاص بعد العام كما يجوز أن يكون بطريق التشريك بينهما في الحكم السابق ـ أعني {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] ـ يجوز أن يكون بطريق إفراده بالحكم عن العام وحينئذٍ تكون الجملة المركبة من الموصول الثاني وجملة الخبر معطوفة على جملة {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] الموصوفين ـ بـ {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة: 3] ـ والجملة الأولى وإن كانت مسوقة لمدح الكتاب والثانية لمدح الموصوفين بالإيمان بجميع الكتب إلا أن مدحهم ليس إلا باعتبار إيمانهم بذلك الكتاب فهما متناسبتان باعتبار إفادة مدحه وفائدة جعل المدح مقصوداً بالذات ترغيب أمثالهم والتعريض على ما قيل بمن ليس على صفتهم والتخصيص المستفاد من المعطوف بالقياس إلى من لم يتصف بأوصافهم فلا ينافي ما استفيد من المعطوف عليه من ثبوت الهدى للمتقين مطلقاً. نعم ليس هذا الوجه في البلاغة بمرتبة فصل الموصول الأول فهو أولى، وعليه تكون الجملة مشيرة إلى جواب سؤال إما عن الحكم أي إن المتقين هل يستحقون ما أثبت لهم من الاختصاص بالهدى أو عن السبب كأنه قيل ما سبب اختصاصهم أو عن مجموع الأمرين أي هل هم أحقاء بذلك وما السبب فيه حتى يكونوا كذلك؟ فأجيب بأن هؤلاء لأجل اتصافهم بالصفات المذكورة متمكنون على الهدى الكامل الذي منحهم إياه ربهم تعالى بكتابه. ومعلوم أن العلة مختصة بهم فيكونون مستحقين للاختصاص. فالجواب مشتمل على الحكم المطلوب مع تلخيص موجبه وضم نتيجة الهدى تقوية للمبالغة التي تضمنها تنكير هدى أو تحقيقاً للحكم بالبرهان الآتي أيضاً ولذا استغنى عن تأكيد النسبة أو الجملة الإسمية مؤكدة. وقد يقال إنه بين الجواب مرتباً عليه مسببيه أعني الهدى والفلاح لأن ذلك أوصل إلى معرفة السبب ولا حاجة حينئذٍ إلى التأكيد، والأمر على التقدير الثالث ظاهر وجعل الجملة مشيرة إلى الجواب على احتمال وصل الأول وفصل الثاني مما لا يخفى انفصاله عن ساحة القبول، وإذا وصل الأول وعطف الثاني تكون هذه الجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً، والفصل لكمال الاتصال إذ هي كالنتيجة للصفات السابقة أو بيانياً والفصل لكونها كالمتصلة فكأن سائلاً يقول ما للموصوفين بهذه الصفات اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأن سبب اختصاصهم أنه سبحانه قدر في الأزل سعادتهم وهدايتهم فجبلتهم مطبوعة على الهداية والسعيد سعيد في بطن أمه لا سيما إذا انضم إليه الفلاح الأخروي الذي هو أعظم المطالب، أو يقال إن الجواب بشرح/ ما انطوى عليه اسمهم إجمالاً من نعوت الكمال وبيان ما تستدعيه من النتيجة أي الذين هذه شؤونهم أحقاء بما هو أعظم من ذلك. وهذا المسلك يسلك تارة بإعادة من استؤنف عنه الحديث ـ كأحسنت إلى زيد ـ زيد حقيق بالإحسان وأخرى بإعادة صفته ـ كأحسنت إلى زيد صديقك القديم ـ أهل لذلك وهذا أبلغ لما فيه من بيان الموجب للحكم وإيراد اسم الإشارة هنا بمنزلة إعادة الموصوف بصفاته المذكورة مع ما فيه من الإشعار بكمال تميزه بها وانتظامه لذاك في سلك الأمور المشاهدة مع الإيماء إلى بعد منزلته وعلو درجته. هذا وجعل {أُوْلَـٰئِكَ} وحده خبراً و {عَلَىٰ هُدًى} حال بعيد كجعله بدلاً من ـ {أية : ٱلَّذِينَ} تفسير : ـ [البقرة: 3] والظرف خبراً. وإنما كتبوا واواً في {أُوْلَـٰئِكَ} للفرق بينه وبين إليك الجار والمجرور كما قيل، وقيل إنه لما كان مشاراً به لجمع المذكر وكان مبنياً ومبايناً للشائع من صيغ الجموع جبر في الجملة بكتابة حرف يكون في الجمع في بعض الآنات. ومن المشهور ـ "ردوا السائل ولو بظلف محرق" ـ وفي قوله سبحانه: {عَلَىٰ هُدًى} استعارة تمثيلية تبعية حيث شبهت حال أولئك ـ وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به ـ بحال من اعتلى الشيء وركبه ثم استعير للحال التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به وإلى ذلك ذهب السعد، وأنكر السيد اجتماع التمثيلية والتبعية لأن كونها تبعية يقتضي كون كل من الطرفين معنى مفرداً لأن المعاني الحرفية مفردة وكونها تمثيلية يستدعي انتزاعهما من أمور متعددة وهو يستلزم تركبه. وأبدى قدس سره في الآية ثلاثة أوجه. الأول أنها استعارة تبعية مفردة بأن شبه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء. الثاني أن يشبه هيئة منتزعة من المتفي والهدى وتمسكه به بالهيئة المنتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه فيكون هناك استعارة تمثيلية تركب كل من طرفيها لكن لم يصرح من الألفاظ التي بإزاء المشبه به إلا بكلمة {عَلَىٰ} فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة وما عداه تابع له ملاحظ في ضمن ألفاظ منوية وإن لم تقدر في نظم الكلام فليس في {عَلَىٰ} استعارة أصلاً بل هي على حالها قبل الاستعارة كما إذا صرح بتلك الألفاظ كلها. الثالث أن يشبه الهدى بالمركوب على طريق الاستعارة بالكناية وتجعل كلمة {عَلَىٰ} قرينة لها على عكس الوجه الأول. وهذا الخلاف بين الشيخين في هذه المسألة مما سارت به الركبان وعقدت له المجالس وصنفت فيه الرسائل، وأول ما وقع بينهما في مجلس تيمور ـ وكان الحكم نعمان الخوارزمي المعتزلي ـ فحكم ـ والظاهر أنه لأمر ما ـ للسيد السند والعلماء إلى اليوم فريقان في ذلك ولا يزالون مختلفين فيه إلا أن الأكثر مع السعد. وأجابوا عن شبهة السيد بأن انتزاع شيء من أمور متعددة يكون على وجوه شتى فقد يكون من مجموع تلك الأمور كالوحدة الاعتبارية وقد يكون من أمر بالقياس إلى آخر كالإضافات وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر وعلى الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدد مأخذه فيجوز حينئذٍ أن يكون المدلول الحر في لكونه أمراً إضافياً كالاستعلاء حالة منتزعة من أمور متعددة فلجريانها في الحرف تكون تبعية ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية، ولعل اختيار القوم في تعريف التمثلية لفظ الانتزاع دون التركيب يرشد المنصف إلى عدم اشتراط التركيب في طرفيه وإلا لكان الأظهر لفظ التركيب، وقد أشبعنا القول في ذلك وذكرنا ما له وما عليه في كتابنا ـ "الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية" ـ وفي هذا القدر هنا كفاية. وفي تنكير {هُدًى} إشارة إلى عظمته فلا يعرف حقيقته ومقداره إلا اللطيف الخبير وإنما ذكر الرب مع أن الهدى لا يكون إلا منه سبحانه تأكيداً لذلك بإسناده إليه جل شأنه، وفيه مناسبة واضحة إذ حيث كان ربهم ناسب أن يهيَّئ لهم أسباب السعادتين ويمنّ عليهم بمصلحة الدارين وقد تكون/ ثم صفة محذوفة أي {عَلَىٰ هُدًى} أي هدى وحذف الصفة لفهم المعنى جائز. وقيل يحتمل أن يكون التنوين للإفراد أي على هدى واحد إذ لا هدى إلا هدى ما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم لنسخه ما قبله. و {مِنْ} لابتداء الغاية أو للتبعيض على حذف مضاف أي من هدى ربهم، ومعنى كون ذلك منه سبحانه أنه هو الموفق لهم والمفيض عليهم من بحار لطفه وكرمه وإن توسطت هناك أسباب عادية ووسائط صورية على أن تلك الوسائط قد ترتفع من البين فيتبلج صبح العيان لذي عينين. وقد قرأ ابن هرمز ـ من ربهم ـ بضم الهاء وكذلك سائر هاءات جمع المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يراعي فيها سبق كسر أو ياء وأدغم النون في الراء بلا غنة الجمهور وعليه العمل، وذهب كثير من أهل الأداء إلى الإدغام مع الغنة ورووه عن نافع وابن كثير وأبـي عمرو وابن عامر وعاصم وأبـي جعفر ويعقوب، وأظهر النون أبو عون عن قالون، وأبو حاتم عن يعقوب، وهذه الأوجه جارية أيضاً في النون والتنوين إذ لاقت لاماً. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفلاح الفوز والظفر بإدراك البغية وأصله الشق والقطع ويشاركه في معنى الشق مشاركة في الفاء والعين نحو ـ فلى وفلق وفلذ ـ وفي تكرار اسم الإشارة إشارة إلى أن هؤلاء المتصفين بتلك الصفات يستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى والاستبداد بالفلاح والاختصاص بكل منهما ولولاه لربما فهم اختصاصهم بالمجموع فيوهم تحقق كل واحد منهما بالانفراد فيمن عداهم وإنما دخل العاطف بين الجملتين لكونهما واقعتين بين كمال الاتصال والانفصال لأنهما وإن تناسبا مختلفان مفهوماً ووجوداً فإن الهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة وإثبات كل منهما مقصود في نفسه وبهذا فارقاً قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ }تفسير : [الأعراف: 179] فالثانية فيه مؤكدة للأولى إذ لا معنى للتشبيه إلا بالأنعام المبالغة في الغفلة فلا مجال للعطف بينهما و {هُمْ} يحتمل أن يكون فضلاً أو بدلاً فيكون {ٱلْمُفْلِحُونَ} خبراً عن أولئك أو مبتدأ ـ والمفلحون ـ خبره والجملة خبر {..أُوْلَـٰئِكَ} وهذه الجملة لا تخلو عن إفادة الحصر كما لا يخفى. وقد ذكر غير واحد أن اللام في ـ المفلحون ـ حرف تعريف بناءً على أن المراد الثبات على الفلاح فهو حينئذٍ مما غلبت عليه الإسمية أو ألحق بالصفة المشبهة فهي إما للعهد الخارجي للدلالة على أن المتقين هم الذين بلغك أنهم مفلحون في العقبـى وضمير الفصل إما للقصر ـ أو لمجرد تأكيد النسبة ولا استبعاد في جريان القصر قلباً أو تعييناً بل إفراداً أيضاً أو للجنس ـ فتشير إلى ما يعرفه كل أحد من هذا المفهوم فإن أريد القصر كان الفصل لتأكيد النسبة ولتأكيد الاختصاص أيضاً وإن أريد الاتحاد كان لمجرد تأكيد النسبة. وتشبث المعتزلة والخوارج بهذه الآية لخلود تارك الواجب في العذاب لأن قصر جنس الفلاح على الموصوفين يقتضي انتفاء الفلاح عن تارك الصلاة والزكاة فيكون مخلداً في العذاب وهذا أوهن من بيت العنكبوت فلا يصلح للاستدلال لأن الفلاح عدم الدخول أو لأن انتفاء كمال الفلاح كما يقتضيه السياق، والسباق لا يقتضي انتفاءه مطلقاً ولا حاجة إلى حمل المتقين على المجتنبين للشرك ليدخل العاصي فيهم لأن الإشارة ليست إليهم فقط فلا يجدي نفعاً ككون الصفة مادحة كما لا يخفى، وهٰهنا سر دقيق وهو أنه سبحانه وتعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لباريه بسبب إحسانه إليه وترقى فيه ثم مدح الباري هنا عبده بسبب هدايته له وترقى فيه على أسلوب واحد فسبحانه من آله ماجد كم أسدى جميلاً، وأعطى جزيلاً، وشُكر قليلاً، فله الفضل بلا وعد، وله الحمد بلا حد.

ابن عاشور

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ}. اسم الإشارة متوجه إلى {أية : المتقين}تفسير : [البقرة: 2] الذين أجرى عليهم من الصفات ما تقدم، فكانوا فريقين. وأصل الإشارة أن تعود إلى ذات مشاهدة معينة إلا أن العرب قد يخرجون بها عن الأصل فتعود إلى ذات مستحضرة من الكلام بعد أن يذكر من صفاتها وأحوالها ما ينزلها منزلة الحاضر في ذهن المتكلم والسامع، فإن السامع إذا وعَى تلك الصفات وكانت مهمة أو غريبة في خير أو ضده صار الموصوف بها كالمشاهد، فالمتكلم يبني على ذلك فيشير إليه كالحاضر المشاهد، فيؤتى بتلك الإشارة إلى أنه لا أوضح في تشخيصه، ولا أغنى في مشاهدته من تعرف تلك الصفات، فتكفي الإشارة إليها، هذا أصل الاستعمال في إيراد الإشارة بعد ذكر صفات مع عدم حضور المشار إليه. ثم إنهم قد يتُبِعون اسمَ الإشارة الوارد بعد تلك الأوصاف بأحكام فيدل ذلك على أن منشأ تلك الأحكام هو تلك الصفات المتقدمة على اسم الإشارة، لأنها لما كانت هي طريق الاستحضار كانت الإشارة لأهل تلك الصفات قائمة مقام الذوات المشار إليها، فكما أن الأحكام الواردة بعد أسماء الذوات تفيد أنها ثابتة للمسميات فكذلك الأحكام الواردة بعد ما هو للصفات تفيد أنها ثبتت للصفات، فكقوله: {أولئك على هدى من ربهم} بمنزلة أن يقول إن تلك الأوصاف هي سبب تمكنهم من هدي ربهم إياهم. ونظيره قول حاتم الطائي:شعر : ولله صُعْلُوكٌ يساوِر هَمَّه ويَمضي على الأحداث والدَّهرِ مُقْدِماً فَتَى طَلَبات لا يَرى الخَمص تُرْحة ولا شُبْعَةً إِنْ نالها عَدَّ مغنَماً تفسير : إلى أن قال:شعر : فذلك إن يَهْلِكْ فحُسْنى ثَناؤه وإن عاش لم يقْعُد ضعيفاً مذمماً تفسير : فقوله: {أولئك على هدى} جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن السامع إذا سمع ما تقدم من صفات الثناء عليهم ترقب فائدة تلك الأوصاف، واسم الإشارة هنا حل محل ذكر ضميرهم والإشارة أحسن منه وقعاً لأنها تتضمن جميع أوصافهم المتقدمة فقد حققه التفتزاني في باب الفصل والوصل من الشرح المطول أن الاستئناف بذكر اسم الإشارة أبلغ من الاستئناف الذي يكون بإعادة اسم المستأنف عنه. وهذا التقدير أظهر معنى وأنسب بلاغة وأسعد باستعمال اسم الإشارة في مثل هاته المواقع، لأنه أظهر في كون الإشارة لقصد التنويه بتلك الصفات المشار إليها وبما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم الناشىء عنها، وهذا لا يحصل إلا بجعل اسم الإشارة مبتدأ أول صدر جملة استئناف. فقوله: {أولئك على هدى من ربهم} رجوع إلى الإخبار عنهم بأن القرآن هدى لهم والإتيان بحرف الاستعلاء تمثيل لحالهم بأن شبهت هيئة تمكنهم من الهدى وثباتهم عليه ومحاولتهم الزيادة به والسير في طريق الخيرات بهيأة الراكب في الاعتلاء على المركوب والتمكن من تصريفه والقدرة على إراضته فشبهت حالتهم المنتزعة من متعدد بتلك الحالة المنتزعة من متعدد تشبيهاً ضمنياً دل عليه حرف الاستعلاء لأن الاستعلاء أقوى أنواع تمكن شيء من شيء، ووجه جعلنا إياها مؤذنة بتقدير مركوب دون كرسي أو مسطبة مثلاً، لأن ذلك هو الذي تسبق إليه أفهامهم عند سماع ما يدل على الاستعلاء، إذ الركوب هو أكثر أنواع استعلائهم فهو الحاضر في أذهانهم، ولذلك تراهم حين يصرحون بالمشبه به أو يرمزون إليه ما يذكرون إلا المركوب وعلائقه، فيقولون جعل الغَواية مركباً وامتطى الجهل وفي «المقامة»: «لما اقتعدتُ غارب الاغتراب وقالوا في الأمثال: ركب متن عمياء، تخبط خبط عشواء. وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل الغنوي:شعر : فإن يكُ عامر قد قال جَهْلا فإن مَطِيَّةَ الجَهْلِ الشبابُ تفسير : فتكون كلمة «على» هنا بعض المركب الدال على الهيأة المشبه بها على وجه الإيجاز وأصله أولئك على مطية الهدى فهي تمثيلية تصريحية إلا أن المصرح به بعض المركّب الدال لا جميعه. هكذا قرر كلام «الكشاف» فيها شارحوه والطيبي، والتحتاني والتفتزاني والبيضاوي. وذهب القزويني في «الكشف» والسيد الجرجاني إلى أن الاستعارة في الآية تبعية مقيدة بأن شبه التمسك بالهدى عند المتقين بالتمكن من الدابة للراكب، وسرى التشبيه إلى معنى الحرف وهو علَى، وجوز السيد وجهاً ثالثاً وهو أن يكون هنا استعارة مكنية مفردة بأن شُبه الهدى بمركوب وحرف الاستعلاء قرينة على ذلك على طريقة السكاكي في رد التبعية للمكنية. ثم زاد الطيبي والتفتزاني فجعلا في الآية استعارة تبعية مع التمثيلية قائلين إن مجيء كلمة على يعين أن يكون معناها مستعاراً لما يماثله وهو التمكن فتكون هنالك تبعية لا محالة. وقد انتصر سعد الدين التفتزاني لوجه التمثيلية وانتصر السيد الجرجاني لوجه التبعية. واشتد السيد في إنكار كونها تمثيلية ورآه جمعاً بين متنافيين لأن انتزاع كل من طرفي التشبيه من أمور متعددة يستلزم تركبه من معان متعددة، كيف ومتعلق معنى الحرف من المعاني المفردة كالاستعلاء هنا؛ فإذا اعتبر التشبيه هنا مركباً استلزم أن لا يكون معنى على ومتعلق معناها مشبهاً به ولا مستعاراً منه لا تبعاً ولا أصالة، وأطال في ذلك في «حاشيته للكشاف» و«حاشيته على المطول» كما أطال السعد في «حاشية الكشاف» وفي «المطول»، وتراشقا سهام المناظرة الحادة. ونحن ندخل في الحكومة بين هذين العلمين بأنه لا نزاع بين الجميع أن في الآية تشبيه أشياء بأشياء على الجملة حاصلة من ثبوت الهدى للمتقين ومن ثبوت الاستعلاء على المركوب غير أن اختلاف الفريقين هو في تعيين الطريقة الحاصل بها هذا التشبيه فالأكثرون يجعلونها طريقة التمثيلية بأن يكون تشبيه تلك الأشياء حاصلاً بالانتزاع والتركيب لهيئة، والسيد يجعلها طريقة التبعية بأن يكون المشبه والمشبه به هما فردان من تلك الأشياء ويحصل العلم ببقية تلك الأشياء بواسطة تقييد المفردين المشبه والمشبه به، ويجوز طريقة التمثيل وطريقة المكنية. فينصرف النظر هنا إلى أي الطريقتين أرجح اعتباراً وأوفى في البلاغة مقداراً. وإلى أن الجمع بين طريقتي التمثيلية والتبعية هل يعد متناقضاً في اعتبار القواعد البيانية كما زعمه السيد؟ تقرر في علم البيان أن أهله أشد حرصاً على اعتبار تشبيه الهيئة فلا يعدلون عنه إلى المفرد مهما استقام اعتباره ولهذا قال الشيخ في «دلائل الإعجاز» عند ذكر بيت بشار:شعر : كَأَنَّ مُثَار النَّقْع فوق رُؤوسنا وأسيافَنَا ليل تَهاوَى كواكبُه تفسير : «قصد تشبيه النقع والسيوف فيه بالليل المتهاوية كواكبه، لا تشبيه النقع بالليل من جانب والسيوف بالكواكب من جانب، ولذلك وجب الحكم بأن أسيافنا في حكم الصلة للمصدر (أي مثار) لئلا يقع في تشبيهه تفرق، فإن نصب الأسياف على أن الواو بمعنى مع لا على العطف». إذا تقرر هذا تبين لديك أن للتشبيه التمثيلي الحظ الأوْفى عند أهل البلاغة ووجهه أن من أهم أغراض البلغاء وأولها باب التشبيه وهو أقدم فنونها، ولا شك أن التمثيل أخص أنواع التشبيه لأنه تشبيه هيئة بهيئة فهو أوقع في النفوس وأجلى للمعاني. ونحن نجد اعتبار التمثيلية في الآية أرجح لأنها أوضح وأبلغ وأشهر وأسعد بكلام «الكشاف»، أما كونها أوضح فلأن تشبيه التمثيل منزع واضح لا كلفة فيه فيفيد تشبيه مجموع هيئة المتقين في اتصافهم بالهدى بهيئة الراكب إلخ بخلاف طريقة التبعية فإنها لا تفيد إلا تشبيه التمكن بالاستعلاء ثم يستفاد ما عدا ذلك بالتقييد. وأما كونها أبلغ فلأن المقام لما سمح بكلا الاعتبارين باتفاق الفريقين لا جرم كان أولاهما بالاعتبار ما فيه خصوصيات أقوى وأعز. وأما كونها أشهر فلأن التمثيلية متفق عليها بخلاف التبعية. وأما كونه أسعد بكلام «الكشاف» فلأن ظاهر قوله: «مَثَل» أنه أراد التمثيل، لأن كلام مثله من أهل هذه الصناعة لا تخرج فيه اللفظة الاصطلاحية عن متعارف أهلها إلى أصل المعنى اللغوي. فإذا صح أن التمثيلية أرجح فلننقل الكلام إلى تصحيح الجمع بينها وبين التبعية وهو المجال الثاني للخلاف بين العلامتين فالسعد والطيبي يجوزان اعتبار التبعية مع التمثيلية في الآية والسيد يمنع ذلك كما علمتم ويقول إذا كان التشبيه منتزعاً من متعدد فقد انتزع كل جزء في المشبَّه من جزئي المشبَّه به وهو معنى التركيب فكيف يعتبر بعض المشبه به مستعاراً لبعض المشبه فينتقض التركيب. وهذا الدليل ناظر إلى قول أئمة البلاغة إن أصل مفردات المركب التمثيلي أن تكون مستعملة في معانيها الحقيقية وإنما المجاز في جملة المركب أي في إطلاقه على الهيئة المشبهة، فكلام السيد وقوف عندها. ولكن التفتزاني لم ير مانعاً من اعتبار المجاز في بعض مفردات المركب التمثيلي إذا لم يكن فيه تكلف، ولعله يرى ذلك زيادة في خصوصيات إعجاز هذه الآية، ومن شأن البليغ أن لا يفيت ما يقتضيه الحال من الخصوصيات، وبهذا تفاوتت البلغاء كما تقرر في مبحث تعريف البلاغة وحد الإعجاز هو الطرف الأعلى للبلاغة الجامع لأقصى الخصوصيات كما بيناه في موضعه وهو المختار فلما وجد في الهيئة المشبهة والهيئة المشبه بها شيئان يصلحان لأن يشبه أحدهما بالآخر تشبيهاً مستقلاً غير داخل في تشبيه الهيئة كان حق هذا المقام تشبيه التمكن بالاستعلاء وهو تشبيه بديع وأشير إليه بكلمة على وأما غير هذين من أجزاء الهيأتين فلما لم يحسن تشبيه شيء منها بآخر أُلْغي التشبيه المفرد فيها إذ لا يحسن تشبيه المتقي بخصوص الراكب ولا الهُدى بالمركوب فتكون «على» على هذا الوجه بعضاً من المجاز المركب دليلاً عليه باعتبار ومجازاً مفرداً باعتبار آخر. والذي أَخْتاره في هذه الآية أن يكون قوله تعالى: {أولئك على هدى} استعارة تمثيلية مكنية شبهت الحالة بالحالة وحذف لفظ المشبه به وهو المركب الدال على الركوب كأن يقال رَاكِبِين مطية الهدى وأبقى ما يدل على المشبه وهو {أولئك} والهدى، ورمز للمركب الدال على المشبه به بشيء من لوازمه وهو لفظ (على) الدال على الركوب عرفاً كما علمتم، فتكمل لنا في أقسام التمثيلية الأقسام الثلاثة: الاستعارة كما في الاستعارة المفردة فيكون التمثيل منه مجاز مرسل كاستعمال الخبر في التحسر ومنه استعارة مصرحة "نحو أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى" ومنه مكنية كما في الآية على رأينا، ومنه تبعية كما في قول الحماسي:شعر : وفارسٍ في غمار الموت منغمسٍ إذا تألَّى على مكروهة صدقا تفسير : فإن منغمس تمثيل لهيئة إحاطة أسباب الموت به من كل جانب بهيئة من أحاطت به المياه المهلكة من كل جانب ولفظ منغمس تبعية لا محالة. وإنما نكر هدى ولم يعرف باللام لمساواة التعريف والتنكير هنا إذ لو عُرِّف لكان التعريف تعريفَ الجنس فرجح التنكير تمهيداً لوصفه بأنه من عند ربهم، فهو مغاير للهدى السابق في قوله: {هدى للمتقين} مغايرةً بالاعتبار إذ القصد التنويه هنا بشأن الهدى وتوسلاً إلى إفادة تعظيم الهدى بقرينة مقام المدح وبذكر ما يدل على التمكن فتعين قصد التعظيم. فقوله: {من ربهم} تنويه بهذا الهدى يقتضي تعظيمه وكل ذلك يرجع إلى تعظيم المتصفين بالتمكن منه. وإنما وصف الهدى بأنه من ربهم للتنويه بذلك الهدى وتشريفه مع الإشارة بأنهم بمحل العناية من الله وكذلك إضافة الرب إليهم هي إضافة تعظيم لشأن المضاف إليه بالقرينة. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. مرجع الإشارة الثانية عين مرجع الأولى، ووجه تكرير اسم الإشارة التنبيه على أن كلتا الأثرتين جديرة بالاعتناء والتنويه، فلا تذكر إحداهما تبعاً للأخرى بل تخص بجملة وإشارة خاصة ليكون اشتهارهم بذلك اشتهاراً بكلتا الجملتين وأنهم ممن يقال فيه كلا القولين. ووجه العطف بالواو دون الفَصْلِ أن بين الجملتين توسطاً بين كمالي الاتصال والانقطاع لأنك إن نظرت إلى اختلاف مفهومهما وزمن حصولهما فإن مفهوم إحداهما وهو الهدى حاصل في الدنيا ومفهوم الأخرى وهو الفلاح حاصل في الآخرة كانتا منقطعتين. وإن نظرت إلى تسبب مفهوم إحداهما عن مفهوم الأخرى، وكون كل منهما مقصوداً بالوصف كانتا متصلتين، فكان التعارض بين كمالي الاتصال والانقطاع منزلاً إياهما منزلة المتوسطتين، كذا قرر شراح «الكشاف» ومعلوم أن حالة التوسط تقتضي العطف كما تقرر في علم المعاني، وتعليله عندي أنه لما تعارض المقتضيان تعين العطف لأنه الأصل في ذكر الجمل بعضها بعد بعض. وقوله: {هم المفلحون} الضمير للفصل، والتعريف في "المفلحون" للجنس وهو الأظهر إذ لا معهود هنا بحسب ظاهر الحال، بل المقصود إفادة أن هؤلاء مفلحون، وتعريف المسند بلام الجنس إذا حمل على مسندٍ إليه معرفٍ أفاد الاختصاص فيكون ضمير الفصل لمجرد تأكيد النسبة، أي تأكيداً للاختصاص. فأما إذا كان التعريف للجنس وهو الظاهر فتعريف المسند إليه مع المسند من شأنه إفادة الاختصاص غالباً لكنه هنا مجرد عن إفادة الاختصاص الحقيقي، ومفيد شيئاً من الاهتمام بالخبر، فلذلك جلب له التعريف دون التنكير وهذا مثَّله عبد القاهر بقولهم: هو البطل الحامي، أي إذا سمِعْت بالبطل الحامي وأحطت به خبراً فهو فلان. وإليه أشار في «الكشاف» هنا بقوله: «أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم» والسكاكي لم يتابع الشيخين على هذا فعدل عنه في «المفتاح» ولله دره. والفلاح: الفوز وصلاح الحال، فيكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة، والمراد به في اصطلاح الدين الفوز بالنجاة من العذاب في الآخرة. والفعل منه أفلح أي صار ذا فلاح، وإنما اشتق منه الفعل بواسطة الهمزة الدالة على الصيرورة لأنه لا يقع حدثاً قائماً بالذات بل هو جنس تحف أفراده بمن قدرت له، قال في «الكشاف»: انظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره وتعريف "المفلحين"، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين {أولئك} ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 5- هؤلاء الموصوفون بما سبق من صفات، متمكنون من أسباب الهداية الإلهية، مستقرون عليها، أولئك هم وحدهم الفائزون بمطلوبهم ومرغوبهم ثواباً لسعيهم واجتهادهم وامتثالهم الأوامر واجتنابهم النواهى. 6- هذا شأن المهتدين، أما الجاهلون الذين فقدوا الاستعداد للإيمان إعراضاً منهم وعناداً، فلن يستجيبوا لله، فيستوى عندهم تخويفك لهم وعدم تخويفك. 7- هؤلاء قد تمكن الكفر منهم حتى كأن قلوبهم مختوم عليها بحجاب لا يدخلها غير ما فيها، وكأن أسماعهم مختوم عليها كذلك، فلا تسمع وعده الحق، وكأن أبصارهم قد غشيها غطاء فهى لا تدرك آيات الله الدالة على الإيمان، ولذلك استحقوا أن ينالهم العذاب الشديد. 8- ومن الكافرين قوم آخرون من الناس يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، يظهرون الإيمان فيقولون: إننا آمنا بالله وبيوم القيامة، وليسوا بصادقين فى قولهم، فلا يدخلون فى جماعة المؤمنين. 9- إنهم يخدعون المؤمنين بما يصنعون، ويظنون أنهم يخادعون الله، إذ يتوهمون أنه غير مطلع على خفاياهم، مع أنه يعلم السر والنجوى، وهم فى الواقع يخدعون أنفسهم لأن ضرر عملهم لا حق بهم، عاجلاً وآجلاً، ولأن من يخدع غيره ويحسبه جاهلاً - وهو ليس كذلك - إنما يخدع نفسه. 10- هؤلاء فى قلوبهم مرض الحسد والحقد على أهل الإيمان مع فساد العقيدة، وزادهم الله على مرضهم مرضاً بنصره للحق، إذ كان ذلك مؤذياً لهم بسبب حسدهم وحقدهم وعنادهم، ولهؤلاء عذاب أليم فى الدنيا والآخرة بسبب كذبهم وجحودهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} (5) - فَهؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ: مِنْ إِيمَانٍ باللهِ، وَإِيمَانٍ بِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَتَأْدِيةِ الزَّكَاةِ... هُمْ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَنُورٍ وَبَصِيرَةٍ، وَهُمُ المُفْلِحُونَ الفَائِزُونَ الذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوهُ بعدَ السَّعيِ الحَثِيثِ فِي الحُصُولِ عَليهِ، وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا اجْتَنَبُوهُ. عَلَى هُدًى - تَعْبِيرٌ يُفِيدُ التَّمَكُّنَ مِنَ الهُدَى، وَكَمَالَ الرُّسُوخِ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: (أولئك) إشارة إلى الذين تنطبق عليهم كل الصفات التي يبينها الله سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين، فأولئك الذين تنطبق عليهم هذه الصفات وصلوا الى الهدى أي: إلى الطريق الموصل للإيمان، ووصلوا إلى الفلاح، وهو الهدف من الإيمان. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] تشمل الجميع. ولكن لماذا استخدم الله تبارك وتعالى {أُوْلَـٰئِكَ} مرتين؟ تلك من بلاغة القرآن الكريم، ولماذا دمج الخبرين مع بعضهما؟ حتى نعرف أنه ليس في الإسلام إيمانان، بل إيمان واحد يترتب عليه جزاء واحد .. وسيلته الهدى، وغايته الفلاح .. ولو نظر إلى التكليفات التي هي الهدى الموصلة إلى الغاية نجد أن الله سبحانه وتعالى رفع المهتدي على الهدى .. لنعرف أن الهدى لم يأت ليقيد حركتك في الحياة ويستذلك، وانما جاء ليرفعك. إن السطحيّين يعتقدون أن الهدى يقيد حركة الإنسان في الحياة ويمنعه من تحقيق شهواته العاجلة .. ولكن الهدى في الحقيقة يرفع الإنسان ويحفظه من الضرر، ومن غضب الله، ومن إفساد المجتمع الذي سيكون هو أول من يعاني منه .. لذلك قال تبارك وتعالى: {عَلَىٰ هُدًى ..} [البقرة: 5]. و (على) تفيد الاستعلاء. فإذا قلت أنت على الجواد فإنك تعلوه .. كأن المهتدي حين يلزم نفسه بالمنهج لا يذل .. ولكنه يرتفع إلى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير إلى خير، وذلك بعكس الضلالة التي تأخذ الإنسان إلى أسفل .. وذلك حين تقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. ترى ما يفيد الارتفاع والعلو في الهداية، وما يفيد الانخفاض والنزول في الضلالة؛ وإنما كان العلوّ في الهدى، لأن المنهج قَيَّدَ حركة حياتك إعزازاً لك لعلوك وسمو مقامك في أنك لا تأخذ من بشر تشريعاً .. ولا تأخذ من ذاتك حركة .. وإنما يرتفع بك لتتلقى عن الله سبحانه وتعالى .. وهذا علو كبير، ولكن عند الضلال قال: "في ضلال" .. و(في) تدل على الظرفية المحيطة .. وهو كما وصفه الله سبحانه وتعالى في آية أخرى بقوله جل جلاله: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [البقرة: 81]. أحاطت به الخطيئة .. أي لا يستطيع أن يفلت منها لأنه مظروف في الضلال .. وما دامت الخطيئة محيطة به فلا يجد منفذاً لأنها تحكمه .. وما دامت تحكمه فلا يمكن أن يصل إلى هدى مطلقاً .. فالحق سبحانه وتعالى حينما قال: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] .. اختار لفظاً عليه دلالة دنيوية تقرب المعنى إلى السامع. ما هو الفلاح؟ .. المعنى العام هو الفوز والْمُفْلِحُ هو الفائز. ومعنى الآية الكريمة أولئك هم الفائزون وقال: "هم المفلحون" .. لأن الفلاح مأخوذ من شق الأرض للبذر .. ومنه سُمِّيَ الفلاح الذي صفته شق الأرض ورمي البذور فيها. والحق سبحانه تعالى جاء بهذا اللفظ بالنسبة للآخرة لآنه يريد أن يأتي لنا مع الشيء بدليله .. وهناك فرق بين أمر غيبي عنا لا نعرفه، وأمر غيبي يستدل عليه بمشهود. فالدين يقيد حريتك في الحياة في أن تفعل ولا تفعل .. ومنهج الله جاء ليقول لك: افعل كذا ولا تفعل كذا. وكثير من الناس يظن أن ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن وإثقال عليه .. لأنه أخذ منه حرية حركته فقيَّدها. إن الله تبارك وتعالى حين يقول لك: لا تفعل .. معناها عند السطحيين أنه ضيَّقَ عليك ما تريد أن تفعله .. وحين يقول لك افعل .. معناها يكون قد ضيق عليك في شيء لا تريد أن تفعله .. فمثلاً: حين يطلب منك الزكاة، فالزكاة في ظاهرها نقص المال، وإن كانت في حقيقتها بركة ونماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ). تفسير : فالحق سبحانه وتعالى إذا قيد حركتك في الحياة .. لا تظن أن هذا تضييق عليك، بل إن هذا لفائدتك .. لأنه لم يأمرك وحدك، ولكن الأمر للناس جميعاً حين يقول جل جلاله: لا تسرق .. فقد قالها للناس جميعاً؛ ولذلك تكون أنت الرابح .. لأنه قيدك وأنت فرد من أن تسرق من غيرك .. ولكنه قيد ملايين الناس من أن يسرقوا منك .. إذن فالله لم يضيق عليك، ولكنه حمى مالك من الناس كل الناس .. قيدك وأنت فرد أن تسرق من مال غيرك، وقيد ملايين أن يسرقوا من مالك .. فمن الفائز؟ .. أنت طبعاً. وقوله تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] (المفلحون) من مادة فلح .. فإذا كانت الأرض صمّاء فحينما نشقَّها ونبذرها تعطي محصولاً عظيماً، العملية أخذناها أباً عن جد .. فالأرض حين تشق وتُبذر تُعطي محصولاً وافراً .. وإذا كانت هذه العملية أُخذت أباً عن جد .. يأتي السؤال مَنْ الذي علم آدم البذر والزرع؟ .. نقول علمه الله سبحانه وتعالى كما علمه الأسماء .. وكما علمه ما يمكنه به أن يباشر مهمته في الأرض. والحق جل جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده .. يعلمه على الأقل بدايات .. ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه .. وبعد ذلك جاءت القرون المتقدمة فاستطعنا أن نستخدم آلات حديثة متطورة تقوم بعملية الحرث والبذر. ولكن الحقيقة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية الكون ولن تتغير حتى نهايته .. هي أن مهمة الانسان أن يحرث ويضع البذرة في الأرض ويسقيها .. أما نمو الزرع نفسه فلا دخل للإنسان فيه، وكذلك الثمر الذي ينتجه لا عمل للإنسان فيه. ولقد نبهنا الله تبارك وتعالى إلى هذه الحقيقة حتى لا نغتر بحركتنا في الحياة ونقول إننا نحن الذين نزرع .. واقرأ قول الحق جل جلاله في سورة الواقعة: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-67]. وهكذا ظلت مهمة الفلاحة في الأرض مقصورة على الحرث والسقي والبذر، وحينما تلقى الحبة في الأرض يخلق الله في داخلها الغذاء الذي يكفيها حتى تستطيع أن تأخذ غذاءها من الأرض، وإذا جئت بحبة وبللتها تجد أنها قد نبت لها ساق وجذور .. من أين جاء هذا النمو؟. من تكوين الحبة نفسها، والله تبارك وتعالى قد قدَّر في كل حبة من الغذاء ما يكفيها حتى تستطيع أن تتغذى من الأرض .. وعلى قدر كمية الغذاء المطلوبة يكون حجم الحبة .. وحين تضعها في الأرض فإنها تبدأ أولاً بأن تغذِّي نفسها .. بحيث ينبت لها ساق وجذور وورقتان تتنفس منهما .. كل هذا لا دخل لك فيه ولا عمل لك فيه .. وتبدأ الحبة تأخذ غذاءها من الأرض والهواء، لتنمو حتى تصبح شجرة كبيرة تنتج الثمر من نوع البذرة نفسه. ومن هنا جاءت كلمة (المفلحون) .. ليعطينا الحق جل جلاله من الأمور المادية المشهودة ما يعين عقولنا المحدودة على فهم الغيب .. فيشبه التكليف وجزاءه في الآخرة بالبذور والفلاحة .. أولا لأنك حين ترمي بذرة في الأرض تعطيك بذوراً كثيرة. واقرأ قول الله سبحانه وتعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 261]. وإذا كانت الأرض وهي المخلوقة من الله تهبك أضعاف أضعاف ما أعطيتها .. فكيف بالخالق؟ .. وكم يضاعف لك من الثواب في الطاعة؟ .. هذا هو السبب في أن الحق تبارك وتعالى يقول: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] .. حتى يلفتنا بمادة الفلاحة .. وهي شيء موجود نراه ونشهده كل يوم. وكما أن التكليف يأخذ منك أشياء ليضاعفها لك .. كذلك الأرض أخذت منك حبة ولم تعطك مثل ما أخذت، بل أعطتك بالحبة سبعمائة حبة .. وهكذا نستطيع أن نصل بشيء مشهود يُفَصِّلُ لنا شيئاً غيبياً.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} والمُفلحُ: المُصيبُ للخَيرِ الظَّافِرُ بِهِ. والاسمُ الفَلاحُ، والفَلاَحُ: الخَيْرُ والفَلاحُ: التُّقَى، والمُفْلِحُ: المُتّقي.