Verse. 11 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَالَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِمَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكَ وَمَاۗ اُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ۝۰ۚ وَبِالْاٰخِرَۃِ ھُمْ يُوْقِنُوْنَ۝۴ۭ
Waallatheena yuminoona bima onzila ilayka wama onzila min qablika wabialakhirati hum yooqinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين يؤمنون بما أنزل إليك» أي القراَن «وما أنزل من قبلك» أي التوراة والإنجيل وغيرهما «وبالآخرة هم يوقنون» يعلمون.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] عام يتناول كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام، أو ما كان مؤمناً بهما، ودلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض، لأن العام يحتمل التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية، وقد شرف الله تعالى المسلمين بقوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 2- 3] فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول: كعبد الله بن سلام وأمثاله بقوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] ثم تخصيص عبد الله بن سلام وأمثاله بهذا التشريف ترغيب لأمثاله في الدين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام، ثم نقول. أما قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد منه التصديق، فإذا قلنا فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به ولا يكون المراد أنه صام وصلى، فالمراد بالإيمان ها هنا التصديق بالأَتفاق لكن لا بدّ معه من المعرفة لأن الإيمان ها هنا خرج مخرج المدح والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذباً فهو إلى الذم أقرب. المسألة الثانية: المراد من إنزال الوحي وكون القرآن منزلاً، ومنزلاً، ومنزولاً به، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على الرسول به، وهذا كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل ويؤدي في سفل. وقوله الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال فلان ينقل الكلام إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر. فإن قيل كيف سمع جبريل كلام الله تعالى، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم؟ قلنا يحتمل أن يخلق الله تعالى له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، ويجوز أن يكون الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه، ويجوز أن يخلق الله أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل عليه السلام ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم. المسألة الثالثة: قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } هذا الإيمان واجب، لأنه قال في آخره: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 5] فثبت أن من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحاً، وإذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل، لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علماً وعملاً إلا إذا علمه على سبيل التفصيل، لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية، فإن تحصيل العلم بالشرائع النازلة على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة، وأما قوله: {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد، والإيمان به واجب على الجملة، لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل، بل إن عرفنا شيئاً من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل، وأما قوله: {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الآخرة صفة الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا وقيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة. المسألة الثانية: اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، فلذلك لا يقول القائل: تيقنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي لما أن العلم به غير مستدرك، ويقال ذلك في العلم الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً، فيقول القائل: تيقنت ما أردته بهذا الكلام وإن كان قد علم مراده بالاضطرار، ويقول تيقنت أن الإله واحد وإن كان قد علمه بالاكتساب؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء. المسألة الثالثة: أن الله تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة، والكافرين النار. روى عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا ـ يعني النوم واليقظة ـ وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة».

القرطبي

تفسير : قيل: المراد مؤمنو أهل الكتاب؛ كعبد اللَّه بن سَلاَم وفيه نزلت، ونزلت الأولى في مؤمني العرب. وقيل: الآيتان جميعاً في المؤمنين، وعليه فإعراب «الذين» خفضٌ على العطف، ويصح أن يكون رفعاً على الاستئناف أي وهم الذين. ومن جعلها في صنفين فإعراب «الذين» رفع بالابتداء، وخبره{أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى} ويحتمل الخفض عطفاً. قوله تعالى: {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يعني القرآن {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني الكتب السالفة؛ بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}تفسير : [البقرة:91] الآية. ويقال: لما نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} قالت اليهود والنصارى: نحن آمنّا بالغيب، فلما قال: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ} قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قالوا: نحن ننفق ونتصدّق، فلما قال: {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} نفروا من ذلك، حديث : وفي حديث أبِي ذَرّ قال قلت: يا رسول الله كم كتاباً أنزل الله؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شِيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان»"تفسير : . الحديث أخرجه الحسين الآجُرّي وأبو حاتم البُسْتِيّ. وهنا مسألة: إن قال قائل: كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها؟ قيل له فيه جوابان: أحدهما: أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله؛ وهو قول من أسقط التعبد بما تقدّم من الشرائع. الثاني: أن الإيمان بما لم ينسخ منها؛ وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدّمة، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي وبالبعث والنشر هم عالمون. واليقين: العلم دون الشك؛ يقال منه: يَقْنِتُ الأمرَ (بالكسر) يَقْناً، وأيقنتُ وٱستيقنتُ وتيقّنتُ كله بمعنىً، وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واواً في قولك: مُوقِن، للضمة قبلها، وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مُييْقِن. والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع. وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللَّغْو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه؛ قال الشاعر:شعر : تَحسَّبَ هَواسٌ وأيْقنَ أنّنِي بها مُفْتدٍ مِن واحِدٍ لا أُغَامِرُهْ تفسير : يقول: تشمّم الأسد ناقتي، يظنّ أنني مُفْتَدٍ بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته. فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير؛ وسيأتي. والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها، كما أن الدنيا مشتقة من الدّنو؛ على ما يأتي.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وأضرابه، معطوفون على {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ }تفسير : [البقرة: 3] داخلون معهم في جملة المتقين دخول أخصين تحت أعم، إذ المراد بأولئك الذين آمنوا عن شرك وإنكار، وبهؤلاء مقابلوهم فكانت الآيتان تفصيلاً {لّلْمُتَّقِينَ} وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. أو على المتقين وكأنه قال {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} عن الشرك، والذين آمنوا من أهل الملل. ويحتمل أن يراد بهم الأولون بأعيانهم، وَوُسِّط العاطف كما وسط في قوله:شعر : إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام وليْثِ الكتيبةِ في المزْدَحمْ تفسير : وقوله:شعر : يا لهفَ ذؤابةَ للحارثِ الصَـ ائحِ فالغَانمِ فالآيِبِ تفسير : على معنى أنهم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية وبين الإيمان بما لا طريق إليه عبر السمع. وكرر الموصول تنبيهاً على تغاير القبيلين وتباين السبيلين. أو طائفة منهم وهم مؤمنو أهل الكتاب، ذكرهم مخصصين عن الجملة كذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة تعظيماً لشأنهم وترغيباً لأمثالهم. والإنزال نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها، ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل بأن يلتقفه الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً، أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به فيبلغه إلى الرسول. والمراد {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقباً تغليباً للموجود على ما لم يوجد. أو تنزيلاً للمنتظر منزلة الواقع، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ }تفسير : [الأحقاف: 30] فإن الجنَّ لم يسمعوا جميعه ولم يكن الكتاب كله مُنَزَّلاً حينئذ. وبما {أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } التوراة والإنجيل وسائر الكتب السابقة، والإيمان بها جملةً فرض عين، وبالأول دون الثاني تفصيلاً من حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض، ولكن على الكفاية. لأن وجوبه على كل أحد يوجب الحرج وفساد المعاش. {وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } أي يوقنون إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، واختلافهم في نعيم الجنة: أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره؟ وفي دوامه وانقطاعه، وفي تقديم الصلة وبناء يوقنون على هم تعريض لمن عداهم من أهل الكتاب، وبأن اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ولا صادر عن إيقان. واليقين: إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه نظراً واستدلالاً، ولذلك لا يوصف به علم البارىء، ولا العلوم الضرورية. والآخرة تأنيث الآخر، صفة الدار بدليل قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ }تفسير : [القصص: 83] فغلبت كالدنيا، وعن نافع أنه خففها بحذف الهمزة إلقاء حركتها على اللام، وقرىء يوقنون بقلب الواو همزة لضم ما قبلها إجراء لها مجرى المضمومة في وجوه ووقتت ونظيره:شعر : لحبِّ المؤقدان إلى مؤسَى وجعدةَ إذ أضاءهما الوقودُ

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس: والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم، وبالآخرة هم يوقنون، أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان. وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا. وقد اختلفت المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدّم من قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3] ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدها: أن الموصوفين أولاً هم الموصوفون ثانياً، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب، ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم. قاله مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة، والثاني؛ هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب. وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات؛ كما قال تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1 - 5] وكما قال الشاعر:شعر : إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيْبَةِ في المُزْدَحَمْ تفسير : فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفين أوّلاً مؤمنو العرب، والموصوفون ثانياً بقوله: { وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} لمؤمني أهل الكتاب. نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة، واختاره ابن جرير رحمه الله، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ}تفسير : [آل عمران: 199] الآية. وبقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}تفسير : [القصص: 52 - 54] وبما ثبت في الصحيحين من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها»تفسير : وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي وكتابي (قلت): والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: أربع آيات من أوّل سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي، من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من قبله من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والإيقان بالآخرة؛ كما أنّ هذا لا يصح إلا بذاك، وقد أمر الله المؤمنين بذلك؛ كما قال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ}تفسير : [النساء: 136] الآية وقال تعالى: {أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ}تفسير : [العنكبوت: 46] الآية وقال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ}تفسير : [النساء: 47] وقال تعالى: {أية : قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [المائدة: 68] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك، فقال تعالى: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285] وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [النساء: 152] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلاً، فإذا دخلوا في الإسلام، وآمنوا به مفصلاً، كان لهم على ذلك الأجر مرتين. وأما غيرهم، فإنما يحصل له الإيمان بما تقدّم مجملاً كما جاء في الصحيح: «حديث : إذا حدّثكم أهل الكتاب، فلا تكذبوهم، ولا تصدّقوهم، ولكن قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وأنزل إليكم» تفسير : ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } أي القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } أي التوراة والإنجيل وغيرهما {وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } يعلمون.

الشوكاني

. تفسير : قيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، فإنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزله على من قبله وفيهم نزلت. وقد رجح هذا ابن جرير، ونقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [آل عمران: 119] وبقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ }تفسير : الآية [القصص: 52 ــ 54]. والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب. وقيل الآيتان جميعاً في المؤمنين على العموم. وعلى هذا فهذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة، ويجوز أن تكون مرفوعة على الاستئناف، ويجوز أن تكون معطوفة على المتقين فيكون التقدير: هدى للمتقين وللذين يؤمنون بما أنزل إليك. والمراد بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: هو القرآن. وما أنزل من قبله: هو الكتب السالفة. والإيقان: إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، قاله في الكشاف. والمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الآخرة من دون شك. والآخرة تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهي صفة الدار كما في قوله تعالى {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ٱلاْرْضِ وَلاَ فَسَاداً }تفسير : [القصص: 83] وفي تقديم الظرف مع بناء الفعل على الضمير المذكور إشعار بالحصر، وأن ما عدا هذا الأمر الذي هو أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل للإيقان به، والقطع بوقوعه. وإنما عبر بالماضي مع أنه لم ينزل إذ ذاك إلا البعض لا الكل؛ تغليباً للموجود على ما لم يوجد، أو تنبيهاً على تحقق الوقوع كأنه بمنزلة النازل قبل نزوله. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } أي يصدقونك بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم {وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } إيماناً بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاء من ربك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. والحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها، وليس مجرد ذكر الإيمان بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله بمقتض لجعل ذلك وصفاً لمؤمني أهل الكتاب، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا ولا في النظم القرآني ما يقتضي ذلك. وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين في غير آية. فمن ذلك قوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ }تفسير : [النساء: 136] وكقوله: {أية : وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ }تفسير : [العنكبوت: 46]، وقوله: {أية : آمن الرسول بما انزل إليه مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ }تفسير : [البقرة: 285]، وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ }تفسير : [النساء: 152].

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وما بعدها. أما قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يعني القرآن، {وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} يعني به التوراة والإنجيل، وما تقدم من كتب الأنبياء، بخلاف ما فعلته اليهود والنصارى، في إيمانهم ببعضها دون جميعها. {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني الدار الآخرة. والثاني: يعني النشأة الآخرة وفي تسميتها بالدار الآخرة قولان: أحدهما: لتأخرها عن الدار الأولى. والثاني: لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا لدنِّوها من الخلق. وقوله: {يُوقِنُونَ} أي يعلمون، فسمي العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً.

ابن عطية

تفسير : اختلف المتأولون فيمن المراد بهذه الآية وبالتي قبلها. فقال قوم: "الآيتان جميعاً في جميع المؤمنين". وقال آخرون: "هما في مؤمني أهل الكتاب". وقال آخرون: "الآية الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وفيه نزلت". قال القاضي أبو محمد: فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب و{الذين} خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعاً على الاستنئاف، "أي وهم الذين" ومن جعل الآيتين في صنفين، فإعراب "الذين" رفع على الابتداء، وخبره {أولئك على هدى} ويحتمل أن يكون عطفاً. وقوله: {بما أنزل إليك} يعني القرآن {وما أنزل من قبلك} يعني الكتب السالفة. وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب. "بما أنزل... وما أنزل" بفتح الهمزة فيهما خاصة. والفعل على هذا يحتمل أن يستند إلى الله تعالى، ويحتمل إلى جبريل، والأول أظهر وألزم. {وبالآخرة} قيل معناه بالدار الآخرة، وقيل بالنشأة الآخرة. و {يوقنون} معناه يعلمون علماً متمكناً في نفوسهم. واليقين أعلى درجات العلم، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه وقول مالك رحمه الله: "فيحلف على يقينه ثم يخرج الأمر على خلاف ذلك" تجوّز منه في العبارة على عرف تجوّز العرب، ولم يقصد تحرير الكلام في اليقين. وقوله تعالى: {أولئك} إشارة إلى المذكورين، و "أولاء" جمع "ذا"، وهو مبني على الكسرة لأنه ضَعُفَ لإبهامه عن قوة الأسماء، وكان أصل البناء السكون فحرك لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب، و "الهدى" هنا الإرشاد. و {أولئك} الثاني ابتداء، و {المفلحون} خبره، و{هم} فصل، لأنه وقع بين معرفتين ويصح أن يكون {هم} ابتداء، و{المفلحون} خبره، والجملة خبر {أولئك}، والفلاح الظفر بالبغية وإدراك الأمل ومنه قول لبيد: [الرمل]. شعر : اعقلي إن كنت لمّا تعقلي ولقد أفلح من كان عقلْ تفسير : وقد وردت للعرب أشعار فيها الفلاح بمعنى البقاء، كقوله: [الطويل] شعر : ونرجو الفلاحَ بَعْدَ عادٍ وحمْيَرِ تفسير : وقول الأضبط: [المنسرح] شعر : لِكُلّ همٍّ من الهموم سَعَهْ والصُّبْحُ والمسى لا فلاح معه تفسير : والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه وحكى الخليل الفلاح على المعنيين.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} القرآن. {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}: التوراة، والإنجيل وسائر الكتب. {وَبِالأَخِرَةِ}: النشأة الآخرة، أو الدار الآخرة لتأخرها عن الدنيا، أو لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا لدنوها منهم {يُوقِنُونَ}: يعلمون، أو يعلمون بموجب يقيني.

الخازن

تفسير : {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} أي يصدقون بالقرآن المنزل عليك وبالكتب المنزلة على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء كلها فيجب الإيمان بذلك كله {وبالآخرة} يعني بالدار الآخرة سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا وكونها بعدها {هم يوقنون} من الإيقان وهو العلم والمعنى يستيقنون ويعلمون أنها كائنة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ...} قال الزمخشري: إن قلت إنْ عَنَى بما أنزل إليك كلّ القرآن فليس بماض وإن أراد بما سبق (إنزاله) منه فهو إيمان ببعض المنزل والإيمان بالجميع واجب. (ورده) ابن عرفة: بأنه إنما يجب مع العلم بإنزال ما وسينزل منه. أما مع عدم العلم/ فلاَ يجب الإيمان إلا بما أنزل منه فقط. وأمّا ما لمْ يعلم في الحال بأنه سينزل (فلسنا) بمكلفين بالإيمان به. وأجاب الزمخشري: أن المراد بالإيمان بالجميع، وعبر بالماضي تغليا لما أنزل على ما سينزل. قال ابن عرفة: ويلزم على كلام الزمخشري استعمال اللّفظة الواحدة في حقيقتها ومجازها. وفيه خلاف عند الأصوليين. قال ابن عرفة: أو يجاب بأن المراد إنزاله من اللّوح المحفوظ إلى سماء الدنيا وقد كان (حينئذ) ماضيا. قال ابن عرفة: وعادة الشيوخ يوردون هنا سؤالا لم أره لأحد وهو هلا قيل: والذينَ يُؤْمِنونَ بما أنزل من قبلك وما أنزل إليك (فهو) الأَرْتَبُ ليكونَ الأَسْبَقَ في الوجود (متقدما) في اللّفظ؟ قال: وعادتهم يجيبون عنه بأن الإيمان بما أنزل على النّبي صلى الله عليه وسلم سبب في الإيمان بما أنزل من قبله، لأن المكلف إن آمن به يسمع القرآن المعجز والسنة المعجزة ويرى سائر المعجزات، فيطلع (من ذلك) على أخبار الكتب السّابقة وصحتها، فيؤمن بها إيمانا حقيقيا أقوى من إيمانه بها مستندا لأخبار اليهود وأخبار النصارى عنها: قيل (له): أو يجاب (عنه): بأنه قدم لكونه أشرف وأحد أسباب تقدم الشرف. قال: وهلا أخر ويكون (مترقيا)؟ قوله تعالى: {وَبِٱلآخِرَةِ...} المنعوت إما النشأة الآخرة أو الدار الآخرة أو الملة (الآخرة)، والموصوف لا يحذف إلا إذا كانت الصفة خاصة، وعموما (هذا) في نوع الموصوف فلا يمنع الخصوص. قوله تعالى: {هُمْ يُوقِنُونَ} إن قلنا: إن العلوم متفاوتة، فنقول: اليقين أعلاها. وإن قلنا: إنها لا تتفاوت في (أنفسها)، فنقول: اليقين منها هو العلم الذي لا يقبل التشكيك (وغيره هو العلم القابل للتشكيك) وهو قسمان: بديهي، ونظري. فالتشكيك في الأمور الضرورية البديهية غير قادح بوجه، والتشكيك في النظريات ممكن (شائع). وبهذا يفهم اختلاف العلماء الذين هم مجتهدون فيصوب أحدهم قولا ويخطئه الآخر، (وقد) (أَلِفَ) الناس التشكيك على كتاب إقليدس في الهندسة.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّنْ رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولَىٰ في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب؛ كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ؛ وفيه نزلت. وقوله: {بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ}: يعني القرآن، {وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}، يعني: الكتب السالفة، و {يُوقِنُونَ} معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلَىٰ درجات العلم. وقوله تعالَىٰ: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّنْ رَّبِّهِمْ} إِشارة إِلى المذكورين، والهُدَىٰ هنا: الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل. قوله تعالَىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ } إلى {عَظِيمٌ}: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَـــيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ، ونظرائهم. والقولُ الأول هو المعتمد عليه. وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: {خَتَمَ}: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ؛ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة.......... لا أنه مجاز؛ فقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ وَٱسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ؛ حَتَّىٰ تَغَلَّقَ قَلْبُهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين:14]»تفسير : انتهى. والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالَىٰ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: معناه: لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرِهِمْ باللَّهِ، و {عَظِيمٌ}: معناه بالإضافة إِلى عذابٍ دونه.

ابن عادل

تفسير : "والَّذِين" عطف على "الذين" قبلها، ثم لك اعتباران: أحدهما: أن يكون من باب عطف بعض الصفات على بعض كقوله: [المتقارب] شعر : 128- إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وابْنِ الْهُمَامِ وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ تفسير : وقوله: [السريع] شعر : 129- يَا وَيْحَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصْـ ـصَابِحِ فَالغَانِمِ فَالآيِبِ تفسير : يعني: أنهم جامعون بين هذه الأوصاف إن قيل: إن المراد بها واحد. الثاني: أن يكونوا غيرهم. وعلى كلا القولين، فيحكم على موضعه بما حكم على موضع "الَّذِين" المتقدمة من الإعراب رفعاً ونصباً وجرًّا قطعاً وإتباعاً كما مر تفصيله. ويجوز أن يكون عطفاً على "المتّقين"، وأن يكون مبتدأ خبره "أولئك"، وما بعدها إن قيل: إنهم غير "الذين" الأولى. و "يؤمنون" صلة وعائد. و "بما أنزل" متعلّق به و "ما" موصولة اسمية، و "أنزل" صلتها، وهو فعل مبني للمفعول، لعائد هو الضَّمير القائم مقام الفاعل، ويضعف أن يكون نكرة موصوفة وقد منع أبو البقاء ذلك قال: لأن النكرة الموصوفة لا عموم فيها، ولا يكمل الإيمان إلا بجميع ما أنزل. و "إليك" متعلّق بـ "أنزل"، ومعنى "إلى" انتهاء الغاية، ولها معان أخر: المُصَاحبة: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2]. والتبيين: {أية : رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} تفسير : [يوسف: 33]. وموافقة اللام و "في" و "من": {أية : وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ} تفسير : [النمل: 33] أي: لك. وقال النابغة: [الطويل] شعر : 130- فَلاَ تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأَنَّنِي إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 131-..................... أَيُسْقَى فَلاَ يُرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا تفسير : أي: لا يروى منّي، وقد تزاد؛ قرىء: "تَهْوَى إليهم" [إبراهيم: 37] بفتح الواو. و "الكاف" في محل جر، وهي ضمير المُخَاطب، ويتّصل بها ما يدل على التثنية والجمع تذكيراً وتأنيثاً كـ "تاء" المُخَاطب. ويترك أبو جعفر، وابن كثير، وقالون، وأبو عمرو، ويعقوب كل مَدّة تقع بين كلمتين، والآخرون يمدونها. و "النزول" الوصول والحلول من غير اشتراط عُلُوّ، قال تعالى: {أية : فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} تفسير : [الصافات: 177] أي حلّ ووصل. قال ابن الخطيب: والمراد من إنزال الوَحْي، وكون القرآن منزلاً، ومنزولاً به - أن جبريل سمع في السماء كلام الله - تعالى - فنزل على الرسول به، كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القَصْر، والرسالة لا تنزل ولكن المستمع يسمع الرسالة من عُلوّ، فينزل ويؤدي في سفل، وقول الأمير لا يُفَارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل، ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال: فلان ينقل الكلام إذا سمع وحدث به في موضع آخر. فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله تعالى؛ وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم؟ قلنا: يحتمل أن يخلق الله - تعالى - له سمعاً لكلامه، ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، ويجوز أن يكون الله - تعالى - خلق في اللَّوح المحفوظ كتابةً بهذا النظم المخصوص، فقرأه جبريل - عليه السلام - فحفظه، ويجوز أن يخلق الله أصواتاً مقطّعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص، فيتلقّفه جبريل - عليه السلام - ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدّية لمعنى ذلك الكلام القديم. فصل في معنى فلان آمن بكذا قال ابن الخطيب: لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدّى بـ "الباء"، فالمراد منه التصديق. فإذا قلنا: فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به، فلا يكون المراد منه أنه صام وصلى، فالمراد بالإيمان - هاهنا - التصديق، لكن لا بُدّ معه من المعرفة؛ لأن الإيمان - ها هنا - خرج مخرج المدح، والمصدق مع الشّك لا يأمن أن يكون كاذباً، فهو إلى الذَّم أقرب. و "ما" الثانية وَصِلَتُهَا عطف "ما" الأولى قبلها، والكلام عليها وعلى صِلَتِهَا كالكلام على "ما" التي قبلها، فتأمله. واعلم أن قوله: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ" عام يتناول كل من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، أو لم يكن مؤمناً بهما، ثم ذكر بعد ذلك هذه الآية وهي قوله: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [البقرة: 4] يعني: التوراة والإنجيل؛ لأن في هذا التخصيص مزيدَ تشريف لهم كما في قوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98]، ثم في تخصيص عبد الله بن سلام، وأمثاله بهذا التشريف ترغيبٌ لأمثاله في الدِّين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذكر العام. و "من قبلك" متعلّق بـ "أنزل"، و "من" لابتداء الغاية، و "قبل" ظرف زمان يقتضي التقدم، وهو نقيض "بعد"، وكلاهما متى نُكّر، أو أضيف أعرب، ومتى قطع عن الإضافة لفظاً، وأريدت معنى بني على الضم، فمن الإعراب قوله: [الوافر] شعر : 132- فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلاً أَكَادُ أَغَصُّ بِالمَاءِ الْقَرَاحِ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 133- وَنَحْنُ قَتَلْنَا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ فَمَا شَرِبُوا بَعْداً عَلَى لَذَّةٍ خَمْراً تفسير : ومن البناء قوله تعالى: {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} تفسير : [الروم: 4] وزعم بعضهم أن "قبل" في الأصل وصف نَابَ عن موصوفه لزوماً. فإذا قلت: "قمت قبل زيد" فالتقدير: قمت [زماناً قبل زمان قيام زيد، فحذف هذا كله، وناب عنه قبل زيد]، وفيه نظر لا يخفى على متأمله. واعلم أن حكم "فوق وتحت وعلى وأول" حكم "قبل وبعد" فيما تقدّم. وقرىء: "بِمَا أَنْزلَ إِلَيْكَ" مبنياً للفاعل، وهو الله - تعالى - أو جبريل، وقرىء أيضاً: "بِمَا أُنْزِلّ لَيْك" بتشديد اللام، وتوجيهه أن يكون سكن آخر الفعل كما سكنه الأخر في قوله: [الرمل] شعر : 134- إِنَّمَا شِعْرِيَ مِلْحٌ قدْ خُلِطْ بِجُلْجُلاَنِ تفسير : بتسكين "خُلط" ثم حذف همزة "إليك"، فالتقى مِثْلاَن، فأدغم لامه. و "بالأخرة" متعلّق بـ "يوقنون"، و "يوقنون" خبر عن "هم"، وقدّم المجرور؛ للاهتمام به كما قدم المنفق في قوله: {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3] لذلك، وهذه جملة اسمية عطفت على الجملة الفعلية قبلها فهي صلَةٌ أيضاً، ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف: {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3]؛ لأن وصفهم بالإيقان بالآخرة أوقع من وصفهم بالإنفاق من الرزق، فناسب التأكيد بمجيء الجملة الاسمية، أو لئلا يتكرّر اللفظ لو قيل: "ومما رزقناكم هم ينفقون". والمراد من الآخرة: الدَّار الآخرة، وسميت الآخرة آخرة، لتأخرها وكونها بعد فناء الدنيا. والآخرة تأنيث آخر مقابل لـ "أول"، وهي صفة في الأصل جرت مجرى الأسماء، والتقدير: الدار الآخرة، أو النشأة الآخرة، وقد صرح بهذين الموصوفين، قال تعالى: {أية : وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ} تفسير : [الأنعام: 32] وقال: {أية : ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} تفسير : [العنكبوت: 20]. و "يوقنون" من أيقن بمعنى: استيقن، وقد تقدّم أن "أفعل" [يأتي] بمعنى: "استفعل" أي: يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان وهو العلم. وقيل: اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكًّا فيه، فلذلك لا تقول: تيقّنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي، ويقال ذلك في العلم الحادث، سواء أكان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً. وقيل: الإيقان واليقين علم من استدلال، ولذلك لا يسمى الله موقناً ولا علمه يقيناً، إذ ليس علمه عن استدلال. وقرىء: "يُؤْقِنُون" بهمز الواو، وكأنهم جعلوا ضمّة الياء على الواو لأن حركة الحرف بين بين، والواو المضمومة يطرد قبلها همزة بشروط: منها ألاّ تكون الحركة عارضة، وألاّ يمكن تخفيفها، وألاّ يكون مدغماً فيها، وألاّ تكون زائدة؛ على خلاف في هذا الأخير، وسيأتي أمثلة ذلك في سورة "آل عمران" عند قوله: {أية : وَلاَ تَلْوُنَ عَلَىٰ أحَدٍ} تفسير : [آل عمران: 153]، فأجروا الواو السَّاكنة المضموم ما قبلها مُجْرَى المضمومة نفسها؛ لما ذكرت لك، ومثل هذه القراءة قراءةُ قُنْبُلٍ "بالسُّؤْقِ" [ص: 33] و "على سُؤْقِهِ" [الفتح: 29] وقال الشاعر: [الوافر] شعر : 135- أَحَبُّ المُؤْقِدَيْنِ إِلَيَّ مُؤْسَى وَجَعْدَةُ إِذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ تفسير : بهمز "المؤقدين". وجاء بالأفعال الخمسة بصيغة المضارع دلالة على التجدُّد والحدوث، وأنهم كل وقت يفعلون ذلك. وجاء بـ "أنزل" ماضياً، وإن كان إيمانهم قبل تمام نزوله تغليباً للحاضر المنزول على ما لم ينزل؛ لأنه لا بُدّ من وقوعه، فكأنه نزل من باب قوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1]، بل أقرب منه؛ لنزول بعضه. فصل فيما استحق به المؤمنون المدح قال ابن الخطيب: إنه - تعالى- مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بتيقّن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلاّ إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب، والسؤال، وإدخال المؤمنين الجَنّة، والكافرين النار. روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: "حديث : يا عجباً كل العَجَب من الشَّاك في الله وهو يرى خَلْقَهُ، وعجباً ممن يعرف النَّشْأَةَ الأولى ثم ينكر النَّشْأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البَعْثَ والنشور، وهو [في] كل يوم وليلة يموت ويَحْيَا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنّة، ما فيها من النعيم، ثم يسعى لدار الغرور؛ وعجباً من المتكبر الفخور، وهو يعلم أن أوله نطفةٌ مَذِرَةٌ، وآخره جيفة قَذرة ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} أي يصدقونك بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم {وبالآخرة هم يوقنون} أي بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاءك من ربك. واخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} قال: هو الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل {وما أنزل من قبلك} أي الكتب التي قد خلت قبله {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} قال: استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإِيمان ، ثم نعت المشركين فقال {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم} تفسير : [البقرة: 6] الآيتين. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند والحاكم والبيهقي في الدعوات عن أبيّ بن كعب قالحديث : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء اعرابي فقال: يا نبي الله إن لي أخاً وبه وجع قال: وما وجعه؟ قال: به لمم قال: فائتني به. فوضعه بين يديه فعوّذه النبي صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أوّل سورة البقرة، وهاتين الآيتين {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18] وآية من الأعراف {إن ربكم الله} [الآعراف: 54] وآخر سورة المؤمنين {فتعالى الله الملك الحق} [المؤمنون: 116] وآية من سورة الجن {وأنه تعالى جدُّ ربنا} [الجن: 3] وعشر آيات من أوّل الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، و {قل هو الله أحد} و(المعوّذتين) فقام الرجل كأنه لم يشك قط ". تفسير : وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه. مثله سواء. وأخرج الدارمي وابن الضريس عن ابن مسعود قال: من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثاً من آخر سورة البقرة، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله، ولا يقرأن على مجنون إلاَّ أفاق. وأخرج الدارمي وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح. أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتيمها. أولها {أية : لله ما في السماوات } تفسير : [البقرة: 284]. وأخرج سعيد بن منصور والدارمي والبيهقي في شعب الإِيمان عن المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله قال: من قرأ عشر آيات من البقرة عند منامه لم ينس القرآن. أربع آيات من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث من آخرها. وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة، في قبره ". تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج قال: قال لي أبي: يا بني إذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله، وعلى ملة رسول الله. ثم سن علي التراب سناً، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها. فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق محمد بن علي المطلبي عن خطاب بن سنان عن قيس بن الربيع عن ثابت بن ميمون عن محمد بن سيرين قال: نزلنا يسيري فأتانا أهل ذلك المنزل فقالوا: ارحلوا فانه لم ينزل عندنا هذا المنزل أحد إلا اتخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت للحديث الذي حدثني ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من قرأ في ليلة ثلاثاً وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة سبع ضار، ولا لص طار، وعوفي في نفسه، وأهله، وماله حتى يصبح ". تفسير : فلما أمسينا لم أنم حتى رأيتهم قد جاءوا أكثر من ثلاثين مرة، مخترطين سيوفهم فما يصلون إلي، فلما أصبحت رحلت فلقيني شيخ منهم فقال: يا هذا إنسي أم جني؟ قلت: بل إنسي! قال: فما بالك..! لقد أتيناك أكثر من سبعين مرة كل ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد. فذكرت له الحديث، والثلاث وثلاثون آية، أربع آيات من أول البقرة إلى قوله {المفلحون} وآية الكرسي، وآيتان بعدها إلى قوله {خالدون} [البقرة: 257] والثلاث آيات من آخر البقرة {أية : لله ما في السماوات وما في الأرض} تفسير : [البقرة: 284] إلى آخرها وثلاث آيات من الأعراف {إن ربكم الله} إلى قوله {من المحسنين} [الأعراف: 54ـ57] وآخر بني إسرائيل {أية : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}تفسير : [الإِسراء: 110] إلى آخرها، وعشر آيات من أوّل الصافات إلى قوله {لازب} وآيتان من الرحمن {أية : يا معشر الجن والإِنس}تفسير : إلى قوله {أية : فلا تنتصران}تفسير : [الرحمن: 33ـ34] ومن آخر الحشر {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل}تفسير : [الحشر: 21] إلى آخر السورة، وآيتان من {أية : قل أوحي تفسير : إلى {أية : وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة}تفسير : إلى قوله{أية : شططاً}تفسير : [الجن: 1ـ4]. فذكرت هذا الحديث لشعيب بن حرب فقال لي: كنا نسميها آيات الحرب، ويقال: إن فيها شفاء من كل داء. فعدّ عليّ الجنون، والجذام، والبرص، وغير ذلك. قال محمد بن علي: فقرأتها على شيخ لنا قد فلج حتح أذهب الله عنه ذلك. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة أوّل النهار لا يقربه شيطان حتى يمسي، وإن قرأها حين يمسي لم يقربه حتى يصبح، ولا يرى شيئاً يكرهه في أهله وماله، وإن قرأها على مجنون أفاق. أربع آيات من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها.

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} معطوفٌ على الموصول الأول، على تقدير وصلِه بما قبله، وفصلُه عنه مندرجٌ معه في زُمرة المتقين من حيث الصورةُ والمعنى معاً، أو من حيث المعنى فقط، اندراجَ خاصَّيْنِ تحت عام، إذ المرادُ بالأولين الذين آمنوا بعد الشركِ والغفلةِ عن جميع الشرائعِ كما يُؤذِن به التعبـيرُ عن المؤْمَن به بالغيب، وبالآخرين الذين آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزلةِ قبله، كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه، أو على المتقين على أن يراد بهم الأولون خاصة، ويكون تخصيصُهم بوصف الاتقاءِ للإيذان بتنزّههم عن حالتهم الأولى بالكلية، لما فيها من كمال القباحة والمباينةِ للشرائعِ كلِّها، الموجبةِ للاتقاء عنها، بخلاف الآخرين، فإنهم غيرُ تاركين لما كانوا عليه بالمرة، بل متمسكون بأصول الشرائعِ التي لا تكاد تختلف باختلاف الأعصار، ويجوز أن يُجعلَ كِلا الموصولين عبارةً عن الكل مندرجاً تحت المتقين، ولا يكون توسيطُ العاطفِ بـينهما لاختلاف الذوات، بل لاختلاف الصفات كما في قوله: [المتقارب] شعر : إلى الملِكِ القَرْم وابنِ الهُمام وليثِ الكتيبةِ في المُزدَحَمْ تفسير : وقــولِـه: [السريع] شعر : يا لَهفَ زيّابةَ للحارثِ الصابحِ فالغانِمِ فالآيبِ تفسير : للإيذان بأن كلَّ واحدٍ من الإيمان بما أشير إليه من الأمور الغائبةِ، والإيمان بما يشهد بثبوتها من الكتب السماوية نعتٌ جليلٌ على حِياله، له شأنٌ خطير مستتبِعٌ لأحكام جمّة، حقيقٌ بأن يُفردَ له موصوفٌ مستقل، ولا يُجعل أحدُهما تتمةً للآخر، وقد شُفِع الأولُ بأداء الصلاة والصدقة اللتين هما من جملة الشرائعِ المندرجةِ تحت تلك الأمور المؤمَن بها تكملةً له، فإن كمالَ العلم بالعمل، وقُرن الثاني بالإيقان بالآخرة مع كونه منطوياً تحت الأول تنبـيهاً على كمال صِحتِه، وتعريضاً بما في اعتقاد أهلِ الكتابـين من الخلل كما سيأتي، هذا على تقدير تعلّقِ الباءِ بالإيمان، وقِسْ عليه الحالَ عند تعلّقِها بالمحذوف، فإن كلاً من الإيمان الغيبـيِّ المشفوعِ بما يصدّقه من العبادتين ــ مع قطع النظر عن المؤمَن به والإيمانِ بالكتب المنزلةِ الشارحة لتفاصيل الأمور التي يجب الإيمانُ بها مقروناً بما قُرن به ــ فضيلةٌ باهرة، مستدعية لما ذكر، والله تعالى أعلم. وقد حُمل ذلك على معنى أنهم الجامعون بـين الإيمانِ بما يدركه العقلُ جملةً والإتيانِ بما يصدّقه من العبادات البدنية والمالية، وبـين الإيمانِ لا طريقَ إليه غيرُ السمع. وتكريرُ الموصول للتنبـيه على تغايُر القَبـيلَيْن، وتباينُ السبـيلين فلْيُتأمَّلْ، وأن يراد بالموصول الثاني بعد اندراج الكلِّ في الأول فريقٌ خاصٌّ منهم، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب، بأن يُخَصّوا بالذكر تخصيصَ جبريلَ ومكائيلَ به إثرَ جَرَيانِ ذكر الملائكة عليهم السلام تعظيماً لشأنهم وترغيباً لأمثالهم وأقرانِهم في تحصيل ما لهم من الكمال. [معنى إنزال الكتاب] والإنزالُ النقلُ من الأعلى إلى الأسفل، وتعلُّقه بالمعاني إنما هو بتوسّط تعلّقِه بالأعيان المستتبعة لها، فنزولُ ما عدا الصحفَ من الكتب الإلهية إلى الرسل عليهم السلام والله تعالى أعلم بأن يتلقاها الملَكُ من جنابه عز وجل تلقياً روحانياً، أو يحفَظَها من اللوح المحفوظ، فينزِلَ بها إلى الرسل فيُلقِيهَا عليهم عليهم السلام، والمراد (بما أنزل إليك) هو القرآنُ بأسره، والشريعةُ عن آخرها. والتعبـيرُ عن إنزاله بالماضي مع كون بعضِه مُترقَّباً حينئذ لتغليب المحقَّقِ على المقدَّر، أو لتنزيل ما في شرَفِ الوقوعِ ــ لتحقُّقه ــ منزلةَ الواقع، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } تفسير : [الأحقاف، الآية30] مع أن الجنَّ ما كانوا سمعوا الكتابَ جميعاً ولا كان الجميعُ إذ ذاك نازلاً، وبما أنزل من قبلك التوراةُ والإنجيلُ وسائرُ الكتب السالفة، وعدمُ التعرضِ لذكر من أُنزل إليه من الأنبـياء عليهم السلام، لقصد الإيجازِ مع عدم تعلُّقِ الغرَض بالتفصيل حسَبَ تعلقِه به في قوله تعالى: {أية : قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } تفسير : [البقرة، الآية 136] الآية. والإيمانُ بالكل جملةً فرضٌ، وبالقرآنِ تفصيلاً - من حيث إنا متعبَّدون بتفاصيله - فرضُ كفاية، فإن في وجوبه على الكل - عَيناً - حَرَجاً بـيناً، وإخلالاً بأمر المعاش، وبناءُ الفعلين للمفعول للإيذان بتعيُّن الفاعل، والجَرْيِ على سَنن الكِبرياء، وقد قُرئا على البناء للفاعل. {وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} الإيقانُ إتقانُ العلم بالشيء بنفي الشكِّ والشبهةِ عنه، ولذلك لا يُسمَّى علمُه تعالى يقيناً، أي يعلمون علماً قطعياً مُزيحاً لما كان أهلُ الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمُهم أن الجنة لا يدخُلها إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النارَ لن تمسَّهم إلا أياماً معدوداتٍ، واختلافُهم في أن نعيمَ الجنة هل هو من قبـيل نعيم الدنيا أو لا، وهل هو دائم أو لا، وفي تقديم الصلة وبناءِ (يوقنون) على الضمير تعريضٌ بمن عداهم من أهل الكتاب، فإن اعتقادَهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلاً عن الوصول إلى مرتبة اليقين. والآخرةُ تأنيثُ الآخِر، كما أن الدنيا تأنيثُ الأدنى، غَلَبتا على الدارين فجرَتا مَجرىٰ الأسماء، وقرىء بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على اللام، وقرىء يؤقنون بقلب الواو همزة، إجراءً لضم ما قبلها مُجرىٰ ضمِّها في وجوه ووقتت، ونظيره ما في قوله: [الوافر] شعر : لحب المؤقدان إلى مؤسى وجعدة إذ أضاءهما الوقود

القشيري

تفسير : إيمانهم بالغيب اقتضى إيمانهم بالقرآن، وبما أنزل الله من الكتب قبل القرآن، ولكنه أعاد ذكر الإيمان ها هنا على جهة التخصيص والتأكيد، وتصديق الواسطة صلى الله عليه وسلم في بعض ما أخبر يوجب تصديقه في جميع ما أخبر، فإن دلالة صِدْقه تشهد على الإطلاق دون التخصيص، وإنما أيقنوا بالآخرة لأنهم شهدوا على الغيب فإن حارثة لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً، وكأني بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتعاوون وكأني بعرش ربي بارزاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبْتَ فالْزَمْ "تفسير : . وهذا عامر بن عبد القيس يقول: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً". وحقيقة اليقين التخلص عن تردد التخمين، والتقصي عن مجوزات الظنون.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين يؤمنون} نزلت فى مؤمنى اهل الكتاب وما قبله الى قوله تعالى {ومما رزقناهم ينفقون} نزلت فى مؤمنى العرب {بما انزل اليك} هو القرآن باسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن انزاله بالماضى مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر او لتنزيل ما فى شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما فى قوله تعالى {أية : إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى}تفسير : [ الأَحقاف: 30] مع ان الجن ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ولا كان الجمع اذ ذاك نازلا. وفى الكواشى لان القرآن شئ واحد فى الحكم ولان المؤمن ببعضه مؤمن بكله انتهى ثم معنى ما انزل اليك هو القرآن الذى يتلى والوحى الذى لا يتلى فالمتلو هو هذه الصور والآيات وغير المتلو ما بين النبى عليه السلام من اعداد الركعات ونصب الزكوات وحدود الجنايات قال تعالى {أية : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى}تفسير : [ النجم: 3-4] ولانزال فى هذا الآية بمعنى الوحى ويكون بمعنى الاعلاء وهو النقل من الاسفل الى الاعلى وان حمل الانزال الذى هو من العلو الى السفل فمعناه انزال جبريل لتبليغه كما قال تعالى {أية : نزل به الروح الأمين}تفسير : [الشعراء: 193] يعنى ان الانزال نقل الشئ من اعلى الى اسفل وهو انما يلحق المعانى بتوسط لحقوقه الذوات الحاملة لها فنزول ما عدا الصحف من الكتب الآلهية الى الرسل عليهم السلام والله اعلم بان يتلقاها الملك من جنابه عز وجل تلقيا روحانيا او يحفظها من اللوح المحفوظ فينزل بها الى الرسل فيلقيها عليهم {وما انزل من قبلك} التوراة والانجيل وسائر الكتب السالفة والايمان بالكل جملة فرض عين وبالقرآن تفصيلا من حيث انا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية فان فى وجوبه على الكل عينا حرجا بينا واخلالا بامر المعاش. قال فى التيسير الايمان بكل الكتب مع تنافى احكامها على وجهين احدهما التصديق ان كلها من عند الله والثانى الايمان بما لم ينسخ من احكامها {وبالاخرة} تأنيث الآخر الذي يقابل الاول وهو فى المعدودات اسم للفرد اللاحق وهى صفة الدار بدليل قوله تعالى {أية : تلك الدار الآخرة}تفسير : [القصص: 83] وهى من الصفات الغالبة وكذا الدنيا والآخرة بفتح الخاء الذى يلى الاول وسميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا {هم يوقنون} الايقان اتقان العلم بالشئ بنفى الشك والشبه عنه نظرا واستدلالا ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا وكذا العلوم الضرورية اى يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان اهل الكتاب عليه من الشكوك والاوهام التى من جملتها زعمهم ان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى وان النار لم تمسهم الا اياما معدودات واختلافهم فى ان نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا اولا وهل هو دائم اولا فقال فرقة منهم يجرى حالهم فى التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها فى الدنيا وقال آخرون ان ذلك انما احتيج اليه فى هذه الدار من اجل نماء الاجسام ولمكان التوالد والتناسل واهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون الا بالنسيم والارواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور وبناء يوقنون على الضمير تعريض بمن عداهم من اهل الكتاب وبما كانوا عليه من اثبات امر الآخرة على خلاف حقيقته فان اعتقادهم فى امور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول الى مرتبة اليقين فدل التقديم على التخصيص بان ايقان من آمن بما انزل اليك وما انزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز الى ما اثبته الكفار بالاقرار من اهل الكتاب * قال ابو الليث رحمه الله فى تفسيره اليقين على ثلاثة اوجه يقين عيان ويقين خبر ويقين دلالة فاما يقين العيان فهو انه اذا رأى شيأ زال الشك عنه فى ذلك الشئ واما يقين الدلالة فهو ان يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين ان هناك نارا وان لم يرها واما يقين الخبر فهو ان الرجل يعلم باليقين ان فى الدنيا مدينة يقال لها بغداد وان لم ينته اليها فههنا يقين خبر ويقين دلالة لان الآخرة حق ولان الخبر يصير معاينة عند الرؤية انتهى كلامه. ويقال علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الاخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها والعلم اليقين هو العلم الحاصل بالادراك الباطنى بالفكر الصائب والاستدلال وهذا للعلماء الذين يوقنون بالغيب ولا تزيد هذه المرتبة العلمية الا بمناسبة الارواح القدسية فاذا يكون العلم عينا ولا مرتبة للعين الا اليقين الحاصل من مشاهدة المعلوم ولا تزيد هذه المرتبة الا بزوال حجاب الاثنينية فاذا يكون العين حقا وزيادة هذه المرتبه اى حق اليقين عدم ورود الحجاب بعده وعينه للاولياء وحقه للانبياء وهذه الدرجات والمراتب لا تحصل الا بالمجاهدة مثل دوام الوضوء وقلة الا كل والذكر او السكوت بالفكر فى ملكوت السموات والارض وباداء السنن والفرائض وترك ما سوى الحق والغرض وتقليل المنام والعرض واكل الحلال وصدق المقال والمراقبة بقلبه الى الله تعالى فهذه مفاتيح المعاينة والمشاهدة كذا فى شرح النصوص المسمى باسرار السرور بالوصول الى عين النور. ثم ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها فقد قيل عشرة من المغرورين من ايقن ان الله خالقه ولا يعبده ومن ايقن ان الله رازقه ولا يطمئن به ومن ايقن ان الدنيا زائلة ويعتمد عليها ومن ايقن ان الورثة اعداؤه ويجمع لهم شعر : توباخود ببرتوشة خويشتن كه شفقت نيايد زفرزندوزن تفسير : ومن ايقن ان الموت آت فلا يستعد له ومن ايقن ان القبر منزله فلا يعمره ومن ايقن ان الديان يحاسبه فلا يصحح حجته ومن ايقن ان الصراط ممره فلا يخفف ثقله ومن ايقن ان النار دار الفجار فلا يهرب منها ومن ايقن ان الجنة دار الابرار فلا يعمل لها كما فى التيسير. قال ذو النون المصرى اليقين داع الى قصر الامل وقصر الامل يدعو الى الزهد والزهد يورث الحكمة والحكمة تورث النظر فى العواقب. قال ابو على الدقاق رحمه الله فى قول النبى عليه السلام فى عيسى ابن مريم عليهما السلام "حديث : لو لم يزدد يقينا ما مشى فى الهواء ". تفسير : اشار بهذا الحديث الى حال نفسه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لان فى لطائف المعراج انه قال رأيت البراق قد بقى ومشيت * وقال ابو تراب رأيت غلاما فى البادية يمشى بلا زاد فقلت ان لم يكن معه يقين فقد هلك فقلت يا غلام أيمشى فى مثل هذا الموضع بلا زاد فقال يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله تعالى فقلت الآن فاذهب حيث شئت. قال ابراهيم الخواص طلب المعاش لاكل الحلال فاصطدمت السمك فيوما وقع فى الشبكة سمك فاخرجتها وطرحت الشبكة فى الماء فوقعت اخرى فيها ثم عدت فهتف بى هاتف لم تجد معاشا الا ان تأتى الى من يذكر الله فتقتلهم فكسرت القصبة وتركت كذا فى الرسالة القشيرية وذكر فى التأويلات النجمية ان من تخلص من ذل الحجاب الوجودى يجد عزة الايقان بالامور الاخروية وكان مؤمنا بها من وراء الحجاب فصار موقنا بها بعد رفع الحجاب كما قال امير المؤمنين على كرم الله وجه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا لان من كشف عنه غطاء الوجود لا يحجبه غطاء المحسوسات الدنيوية عن الامور الاخروية فبكشف الحجب يتخلصون من مرتبة الايمان الى مرتبة الايقان كما قال تعالى {وبالآخرة هم يوقنون} ولكن هذا خاص اى يوقنون بالآخرة دون ما انزل على الانبياء من الكتب فانهم لا يتخلصون من مرتبة الايمان بالله وكتبه ابدا وهذا سر عظيم وما رأيت احدا فرق بين هاتين المرتبتين وذلك لانه لا يمكن للانسان ان يشاهد الامور الاخروية كلها بطريق الكشف فى الدنيا واما بطريق المشاهدة فى العقبى فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى {أية : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}تفسير : [ق: 22]. فاما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته فلا مكن لاحد ان يشاهده بالكلية لانه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدة وان فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا من مرتبة الايمان بما لم يشاهدوا بعد ولا يحيطون به علما الى ابدا لآباد بل ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الموصول مبتدأ، و {أولئك} خبره، أو عطف على {المتقين}، وحذف المنزل عليه في جانب الكتب المتقدمة، فلم يقُلْ: وما أنزل على مَن قبلك؛ إشارة إلى أن الإيمان بالكتب المتقدمة دون معرفة أعيان المنزل عليهم كاف، إلا من ورد تعيينُه في الكتاب والسنّة فلا بد من الإيمان به، أما القرآن العظيم فلا بد من الإيمان أنه منزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن اعتقد أنه منزل على غيره كالروافض فإنه كافر بإجماع، ولذلك ذكر المتعلق بقوله: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}. يقول الحقّ جل جلاله: {وَالَّذينَ} يصدقون {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} يا محمد من الأخبار الغيبية والأحكام الشرعية، والأسرار الربانية والعلوم اللدنية {ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الكتب السماوية، والأخبار القدسية، وهم {يُوقِنُونَ} بالبعث والحساب والرجوع إلينا والمآب، على نعتٍ ما أخبرتُ به في كتابي وأخبار أنبيائي، {أُولَئِكَ} راكبون على مَتْنِ الهداية، مُسْتَعْلون على محمل العناية، محفوفون بجيش النصر والرعاية، {وَأُولَئِكَ هُم} الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مخوف ومرهوب، دون من عداهم ممن سبق له الخذلان، فلم يكن له إيمان ولا إيقان، فلا هداية له ولا نجاح، ولا نجاة له ولا فلاح، نسأل الله العصمة بمنّه وكرمه. الإشارة: قلت: كأن الآية الأولى في الواصلين، والثانية في السائرين، لأن الأولين وصفهم بالإنفاق من سعة علومهم، وهؤلاء وصفهم بالتصديق في قلوبهم، فإن داموا على السير كانوا مفلحين فائزين بما فاز به الأولون. فأهل الآية الأولى من أهل الشهود والعيان، وأهل الثانية من أهل التصديق والإيمان. أهل الأولى ذاقوا طعم الخصوصية، فقاموا بشهود الربوبية وآداب العبودية، وأهل الثانية صدقوا بنزول الخصوصية ودوامها، واستنشقوا شيئاً من روائح أسرارها وعلومها، فهم يوقنون بوجود الحقيقة، عالمون برسوم الطريقة، فلا جرم أنهم على الجادة وطريق الهداية، وهم مفلحون بالوصول إلى عين العناية.دون الفرقة الثالثة التي هي الإنكار موسومة، ومن نيل العناية محرومة، التي أشار إليها الحق تعالى.

الطوسي

تفسير : القراءة لا يمد القراء الألف من ما إلا حمزة فانه مدها، وقد لحن في ذلك. وكان يقف قبل الهمزة فيقرأ: وبالاخرة تسكيناً على اللام شيئاً ثم يبتدىء بالهمزة، وكذلك الارض وشيء يقطع عند الياء من شيء كأنه يقف ثم يهمز. وموضع (ما) خفض بالباء ويكره الوقف على (ما) لأن الألف حرف منقوص. التفسير وقال قتادة: {ما أنزل إليك} القرآن {وما أنزل من قبلك} الكتب الماضية، وقد بينا أن الأولى حمل الآيه على عمومها في المؤمنين، وذكرنا الخلاف فيه، والآخرة صفة الدار، فحذف الموصوف، قال الله تعالى: {أية : وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} تفسير : ووصفت بذلك لمصيرها آخرة لأولى قبلها كما يقال: جئت مرة بعد أخرى، ويجوز أن يكون سميت بذلك لتأخيرها عن الخلق، كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق؛ وإيقانهم ما جحده المشركون من البعث والنشور والحساب والعقاب. وروي ذلك عن ابن عباس، والايقان بالشيء هو العلم به؛ وسمي يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : يحتمل أن يراد بهؤلاء الموصوفين بالإيمان بما أُنزل على جميع الأنبياء وباليوم الآخر، أعيانُ المذكورين سابقا، كلاً أو بعضاً وتوسيط العاطف ها هنا كتوسيط بين الصفات في قولك: هو الشجاعُ والجوادُ وقوله: شعر : الى الملكِ القَرْم وابن الهمام وليثِ الكتيبة في المزدحَم تفسير : على معنى انّهم الجامعون بين الإيمان العلمي ولوازمه - من التقوى عن محارم الله، والعملِ بما فرَضه الله عليهم من العبادات البدنية والماليّة - وبين الإيمان الكشفي بما لا يستقلّ العقل بإثباته، من كيفيّة إنزال الوحي على الأنبياء، وأحوال البعْث والحشْر. أو انّهم الجامعون بين المعقول والمسموع من الإيمان بالله واليوم الآخر مع العمل الصالح. وكرّر الموصول تنبيهاً على تباين المسلكين وتفاوت المنقبتين. ويحتمل أن يراد بهم طائفة أخرى، وهم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأترابه، من الذين آمنوا بالله لا عن شرك. فاشتمل ايمانهم على كلّ وحي أُنزل من عند الله وأيقنوا بالآخرة ايماناً زالَ معه ما كانوا عليه من أنّه: لا يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارىٰ، وأن النار لن تمسّهم إلاّ أياماً معدودات، ومن اختلافهم في نعيم الجنّة كالتلّذذ بالمطاعم والمناكح؛ أهو على حسب مجراها في الدنيا أم غيره، واختلافهم في الدوام والانقطاع. فعلى هذا، إما أن تكون هذه الجملة معطوفة على: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} فيكون هؤلاء داخلين مع المذكورين أولاً في جملة المتقين، دخول أخصَّين متقابلين تحت أعمّ، وجهة التباين أنّ المراد بأولئك هم الذين آمنوا عقيب شرك وإنكار، وبهؤلاء مقابلوهم ممّن ليس كذلك، وكانت الآيتان تفصيلاً للمتّقين. وإما أن تكون معطوفة على المتّقين، فكأنّه قال: هدىً للمتّقين عن الشرك، وللّذين آمنوا من أهل الملل. والطائفتان هما أهل التزكية وأهل التحلية. وربما قيل: إن قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} وإن كان شاملاً لأهل الكتاب وغيرهم، إلا انّ دلالة العامّ على بعض ما دخل تحته، ليس في القوّة كدلالة لفظ مخصوص به، إذ العامّ ممّا يحتمل التخصيص بما سوى هذا البعض، والخاصّ لا يحتمل ذلك، ولمّا كانت السورة مدنيّة وقد شرّف الله المسلمين بقوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} ذكر بعد ذلك مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ونُظرائه في العلم واليقين بقوله: {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} - الى آخره - لأنّ في هذا التخصيص بالذكْر مزيد تشريف لهم، كما في ذكر جبرائيل وميكائيل بعد الملائكة، وترغيب لأمثالهم في الدين القويم والصراط المستقيم، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاصّ بعد ذلك العامّ. فصل المراد {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}، صورةُ ألفاظ القرآن السمعيَّة بأسرها، نزولاً سمعيّاً في عالَم الأشخاص والأجسام الغائبة عنّا، وصورة معانيها العقليّة عن آخرها، نزولاً قلبيّا في عالّم الأرواح القدسيّة، وإنّما عبَّر عن إنزالها بلفظ الماضي، وإن كان بعضها ممّا يترقّب إنزاله؛ لأنّ الأشياء المتجدّدة في موطن الدنيا، المتعاقبة في أزمنة كثيرة منها، إنّما هي مجتمعة ثابتة في المواطن العالية في زمان واحد دفعة واحدة، كما أشار اليه قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج:47]. وقوله: {أية : لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} تفسير : [القدر:3 - 4]. وقيل: لأنّ القرآن شيء واحد في الحكم، ولأنّ المؤمن ببعضه مؤمن بكله. وقيل: هذا من باب التغليب للموجود على ما لم يوجَد، والتنزيل للمنتظَر المتوقَّع وقوعه منزلة الواقع كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} تفسير : [الأحقاف:30]، إذ الجنُّ لم يسمعوا جميعَ القرآن، ولم يكن الكتاب منزَلاً حينئذ كلّه. والمراد بما {أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}: سائر الكتب السماويّة السابقة، والايمان بها جميعاً على الجملة فرضُ عينٍ، لعدم تحقّق الفلاح بدونه كما يستفاد من قوله: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [البقرة:5]. وأمّا الإيمان التفصيلي بالمعارف الإلٰهيّة المذكورة فيها، التي لا تتبدّل بتعاقُب الزمانِ من علم التوحيد وعلمِ الملائكة وعلمِ المعاد وعلمِ النفس وعلمِ النبوّة والولاية والآيات وغيرها، فليس بواجبٍ على كل أحدٍ فرض عين، وإلاّ للزم الحرَج وبطَل النظام وتشوّش أمر المعاش المتوقّف عليه أمر المعاد. بل هو واجب على الكفاية، وعلى من هو ميسَّر له وخُلق لأجله، وكذا العلم والإيمان بأحكام الأول دون الثاني تفصيلاً من جهة كوننا متعبّدين بتفاصيل أحكامه فرض على الكفاية لا غير لما ذكرنا. فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء (عليهم السلام) كما يجب علينا الإيمان بالكتبِ الإلٰهيّة المنَزلة على الأنبياء (عليهم السلام)، فكذلك يجب على المؤمن ايماناً حقيقيّاً بما أُنزل إليهم من حيث كونه منَزلاً إليهم، أن يعلم كيفيّة الإنزال والإيحاءِ، وكيفيّة إرسال الأنبياء (عليهم السلام)، وفي ذمّة العالِم بتأويل القرآن، أن يحاول هذا العلم ويتعاطاه، فمن الدائر على ألسِنَة جماعة من المفسّرين وغيرهم من المتكلّمين، انّ المراد من إنزال الوحي انّ جبرائيل (عليه السلام) سمع في السماء كلام الله تعالى، فنزَل به على الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهذا كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر. والرسالة لا تنزل، ولكن المستمع سمع الرسالةَ في علوّ فينزل بها ويؤدّيها في سفل. وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمعه ويؤدّي بلفظ نفسه. وربما استشكل بعضهم هذا - أي سماع جبرائيل كلامَ الله - سيّما القائل بأنّ كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف، فأجابوا عنه: أمّا المعتزلةُ: فبأنّه يخلق الله أصواتاً وحروفاً على لسان جبرائيل. وهذا معنى الكلام عندهم. وأمّا الأشاعرة فتارةً بأنّه يحتمل أن يخلق الله له سماعاً لكلامه، ثمّ أقدَرة على عبارة يعبِّر بها عن ذلك الكلام، وتارةً بأنّه يجوز أن يخلق الله في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص، فقرأ جبرائيلُ (عليه السلام) فحَفِظه، وتارةً بتجويز أن يَخلق أصواتاً مقطّعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فتلقّفه جبرائيل، ويخلق له علْماً ضروريّاً بأنّه هو العبارة المؤدّية لمعنى ذلك الكلام القديم، هذا خلاصة ما ذكروه في هذا المقام. وطائفة استدلّوا على كونِ الملائكة أجساماً متحيّزة؛ بأنّ وصف القرآن بالنزول الذي لا يتّصف به إلاّ المتحيّز بالذات دون الأعراض، وسيّما غير القارّ منها كالأصوات، إنّما هو بتبعيّة محلّه، سواء اخذ حروفاً ملفوظة، أو معاني محفوظة، وهو الملَك الذي يتلقّف الكلام من جانب الملِك العلاّم تلقّفاً سماعياً، أو يتلقّى القرآن تلقّياً قلبيّاً، أو يتحفّظه من اللوح المحفوظ ثمّ ينزل به على الرسول، ولا يتمشّىٰ ذلك إلاّ بالقول بتجسّم الملائكة، وهذا هو مسلك أرباب الجدَل والتخييل، دون أصحاب البصيرة والتحصيل. وأما على مسلك هؤلاء وممشاهم من القول بما هو صريح الحقّ وما عليه كافّة الحكماء الإلٰهيّين، والربّانيون من الإسلاميّين، وهو انّ الملائكة - كما مرّ - تطلق على قبائل علويّات وسفليّات، سماويّات وأرضيّات، قدسيّات وجسمانيّات، وفي القبائل شعوب بطبقات كالقُوى المنطبعة والطبائع الجوهريّة، والنفوس المفارقة، وأرباب الأنواع والصور المفارقة، والعقول القادسة بطبقات أنواعها. ومنها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواع اولي القوّة القدسيّة بإذن الله وغير ذلك ممّا لا يَعلم أعدادَها ولا أنواعها إلاّ الله كما قال: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر:31]. وقال (صلّى الله عليه وآله): حديث : اطّت السماء وحقّ لها أن تئِط. ما فيها موضعُ قدمٍ إلاّ وفيه مَلَك ساجد أو راكع . تفسير : فالأمر غير مشتبه على الناهج منهجهم، والماشي ممشاهم، وقد مرّ منّا القول بأنّ كلام الله ليس مقصوراً على ما هو من قبيل الأصوات أو الحروف، ولا على ما هو من قبيل الأعراض مطلقاً ألفاظاً كانت أو معاني، بل كلامه ومتكلّميّته، يرجع الى ضرب من قدرتِه وقادريّته، وله في كل عالَم من العوالِم العلويّة والسفليّة صورة مخصوصة. وطائفة أخرى اقتصروا على القول بالتلاقي الروحاني والظهور العقلاني بين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والملَكِ الحامل للوحي، فسمّوا ظهورَه العقلاني لنفوس الأنبياء (عليهم السلام) نزولاً، تشبيهاً للهبوط العقليِّ بالنزول الحسّي، وللاعتلاق الروحاني بالاتّصال المكاني، فيكون قولنا: نزَل الملكُ، استعارة تبعيّة، وقولنا: نزل الفرقان، مجازاً بتبعيّة تلك الاستعارة التبعيّة. وهذا ممّا فيه إسراف في فحوله التنزيه، كما في القول الأول في انوثة التشبيه، وإن في كِلا القولّين زَيغاً عن طريق الصواب، وحيداً عمّا فيه هدى لأولي البصائر والألباب، وشقاً لعصا الأمة لِفرَقها المتفرَقة وأحاديثها النبويّة المتواترة، وخرْقاً للقوانين العقليّة المنضبطة، فالأمّة مطبقة على أن النبي (صلّى الله عليه وآله)، كان يرى جبرائيل وملائكة الله المقرّبين (عليهم السلام)، ببصره الجسماني، ويسمع كلام الله الكريم على لسانهم القدسي، بسمعه الجسدانيّ الشخصي. والبرهان العقلي قائم بالقسط، على أنّ مناطَ الرؤية والسماع الحسيّين في الإنسان، وجودُ الصورة البصريّة، كالألوان والأشكال وغيرهما، والصورة المسموعة كالأصوات والحروف والكلمات عند النفس بقوّتها الباطنة المدركة للجزئيات الصوريّة، ومثولها بين يدي الحسّ الباطن لها، الذي هو مجمع الحواسّ الظاهرة، وإنّما المبصَر بالحقيقة والمسموع بالحقيقة من الشيء الماثل بين يدي الحسّ الظاهر؛ هو صورته الحاضرة في ساحة النفس النطاقة وصقع ملكوتها. وأمّا وجود ذي الصورة بهويّته الخارجيّة ومادّته الوضعيّة، فهو مدرَك بالعرَض وبالقصد الثاني، وليس المثول الخارجي للمبصَر المادي بنسبته الوضعيّة الماديّة بالقايس الى الآلة الجسمانيّة الداثِرة وجليدتيها اللتين هما مسلكا التأدية، وليستا لوحي الانطباع، من الشرائط الضروية للإبصار، الذي هو قيام الصورة المبصَرَة في حضرة النفس، بل ذلك طريقُ واحد من طرق الحصول للصورة والمثول الإنكشافيّ النوريّ لها عند النفس، ما دام كونها في هذه النشأة الداثرة وعظيمة التعلّق بها وتمكن حصولها بطريق آخر للنفس، كما في النوم، حيث لا يكون وجودُ الصورة في مادّتها المخصوصة شرطاً لانكشافها وحضورها للنفس، وعلى هذا القياس شاكلةُ السمع أيضاً. ومبدأ حضور الصورة مطلقاً، هو واهب الصوَر، والإفاضة من تلقائه. وللنفس في ذاتها سمعاً وبصراً وشمّاً وذوقاً ولَمْساً وإن انسلخت عنها هذه الآلات العنصريّة الداثرة البائدة، وإنّما الحاجة لها الى هذه الداثرات، ما دام كونها الناقص الدنيوي، وعدم خروج قواها وحواسّها الباطنيّة من القوّة الى الفعل. فعند خروجها من ظلمات هذه الحواسّ، وغبار هذا العالَم الداثر، وبروزها لله من زيارة هذه المقابر، تشاهد المحسوسات بقوّتها المتخيّلة. ونحن قد أقمنا البرهان العرشيّ على جوهريّة القوّة الخياليّة وتجرّدها عن المادّة البدنيّة في الشواهد الربوبيّة عند البحث عن تحقيق المعاد الجسماني، فمَن كانت نفسه واغلة الهمّة في الجنبة السافلة، طفيفة الانجذاب الى الجنبة العالية، قليلة التوجّه الى يمين الحقّ وعالَم القدس، لم يكن لجوهر قلبه سبيلٌ الى مطالعة الصوَر الغيبيّة إلاّ من مسلك الحاسّة الظاهرة، والاتّصال بالآلة البدنية، وحضور المادّة الخارجيّة. فأمّا إذا كانت نفسُه قويّة العزيمة، مجموعة الهمّة، قدسيّة الفطرة، نقيّة الجوهر بحسب جِبلّتها المفطورة، أو بحسب ملكتها المكسوبة، وبالجملة، شديدة الاستحقار لعالَم الحسّ، قاهرة القوّة على تسخير القوى وضبطها، ذات سلطنة على خلع البدن ورفْض الحواسّ الظاهرة، والانصراف عنها الى صقع الملكوت بإذن ربّها؛ فهو مستغنٍ بقوة نفسه المتخيّلة اللامنغمسة في قوى البدن عن استعمال الحواسّ الظاهرة. فله أن يتلّقى الصورة الجزئية من معادنها الأصلية من غير استعانة بهذه الآلات، ويقتدر على تصوير المعاني بصوَرها المقداريّة في عالَم الصور الخالصة عن هذه الموادّ متىٰ شاء وحيث شاء. فمهما وجدت نفسُه فرصةً عن هذه الشواغل العارضة في اليقظة، تخلص بقوّتها المتخيّلة عن جانب الطبيعة، راجعة الى عالَمها، متّصلة بأبيها المقدّس وهو روح القدس، وبمَن شاء الله تعالى من الأرواح المقدّسة، ويستفيد من هناك العلْم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشْح، أو العكس، كمرآة مجلوّة حْوذِيَ بها شطْر الشمس. ولكن حيث إنّ النفس تكون بعدُ في دار غربتها بالطبع، ولم تنسلخ ولم ترتفع أذيالها بالكليّة عن علاقتها التدبيريّة لقواها البدنيّة وجنودها الحسّية، أو انّها لم تتجرّد عن عالَم التمثّل بالكليّة وإن تجرّدت عن عالَم المادّة بالكليّة، فيكون منالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن وتلك الدرجة، تحوّل الملك الحامل للوحي على صورة متمثّلة في شبح شخص بشريّ ناطق بكلمات إلٰهية منظومة مسموعة، كما قال تعالى: {أية : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} تفسير : [مريم:17] يعني بذلك ارتسام الصورة عنده لا في لوح بنطاسياه - كما زعمه الظاهريّون من الحكماء ممن لا تحقيق له في علم النبوات -، ولا من سبيل الظاهر والأخذ عن مادة خارجيّة، بل بالانحدار إليه من العالم الأعلى، والنزول اليه من جانب اليمين وصقع الإفاضة. فإنّ الشأن في السماع والإبصار المشهورين انّه ترتفع صورة المسموع والمبصَر من الموادّ الخارجيّة الى لوح الانطباع، ثمّ منه الى عالَم الخيال والمتخيّلة. ثمّ يصعد الأمر الى النفس الناطقة، كما هو المعروف عند الجمهور، والمثبَت منهم في الكتب. وعندنا: النفس ترتفع من المحسوس الى المتخيّل، ومنه الى المعقول، والصور ثابتة في أحيازها وعوالمها. وفي إبصار المَلَك وسماعِ الوحي - وهما الإبصار والسماع الصريحان - ينعكس الشأن، فينزل الفيض من عالَم الأمر الى النفْس، فهي تطالع شيئاً من الملكوت مجرّدة غير مستصحبة لقوّة حسّية أو خياليّة أو وهميّة. ثمّ يفيض من النفس الى القوّة الخياليّة فتمثّل لها الصورة بما انضمّ اليها من الكلام في الخيال من معدن الإفاضة وصقْع الرحمة، ثمّ تنحدر الصورة المتمثّلة والعبارة المنظومة من الخيال والمتخيّلة الى الحسّ الشاهد، بل النفْس تنزل من العالَم الأعلى الى الأوسط، ثمّ الى الأدنى، فتشاهد في كل عالَم ما يتعارف لها ويناسبها على عكس الحالة الأولى، لأنّ تلك الحركة عُروجيّة وهذه نزوليّة، فتسمع الكلام وتبصر الصورة في كلّ عالَم من العوالم الثلاثة. وهذا أفضل ضروب الوحي والإيحاء، وله أنحاء مختلفة ومراتب متفاضلة بحسب درجات النفس. وقد يكون في بعض الدرجات لا يتخصّص المسموع والمبصر بجهة من جهات العالَم بخصوصها، بل الأمر يعمّ الجهات بأسرها في حالة واحدة، وقد يكون بخلاف ذلك. وفي الحديث: حديث : إنّ الحارث بن هاشم سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله): كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرَس، وهو أشدّ عليَّ، فيفصم عنّي وقد وعيتُ عنه ما قال. وأحياناً يمثّل لي المَلَك رجلاً فيكلّمني، فأعِي بالقول . تفسير : وربما تكون صقالة النفس النبويّة أتم، وتجرّدها في بعض الأحايين أقوىٰ، وسلطانها على قهر الصوارف الجسدانيّة والشواغل الهيولانيّة أعظم، فيكون عند الانصراف عن عالم الحسّ والاتّصال بروح القدس، استيناسها بجوهر ذاته المجرّدة، أشدّ منه بالشبح المتمثّل، فتشاهد ببصر ذاتها العاقلة الصائرة عقلاً بالفعل، معلّمَها القدسي ومخرجَها من حدّ القوّة النفسانيّةِ الهيولانية الى حدّ الكمال العلمي والعقل الصوري، وتستفيد منه وهو في صورة القدسيّة، العلومَ والأحوالَ، كما قال تعالى: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النجم:5 - 8]. وربما وصل النبي (صلّى الله عليه وآله) الى مقامٍ أعلى من أن تتوسّط بينه وبين المبدأ الأول والمُفيض على الكلّ واسطة، فسمع كلام الله بلا واسطة، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم:8 - 10]. وقد ذُكر انّ النبي (صلّى الله عليه وآله) إنّما رأى جبرائيل (عليه السلام) بصورته الحقيقيّة مرّتين وكان بحيث طبّق الخافقَين. والى مثل هذه الرؤية له (عليه السلام) أشار تعالى بقوله: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ} تفسير : [النجم:13 - 14]. ثمّ دون هذا الضرب بسائر درجاته، مما يتّفق لمن له من القوّة القدسيّة نصيبٌ أن يرى ملائكة الله، ويسمع كلامَ الله، ولكن في النوم لا في اليقظة، وسبيل القول أيضاً انّ الأمر ها هنا ينتهي الى القوّة المتخيّلة، ويقف عندها بمحاكاتها وتفصيلها وترتيبها لما قد طالعتْه النفس من عالَم الملكوت، من دون أن تتمثّل الصورة بألفاظها المعبّرة بين يدي الحس، وذلك لضعْف القوّة الخياليّة، أو لقوّة العائق وكثافة المادّة، فإنّ القوة الخياليّة عندنا تفعَل فِعلَ الحواسّ الظاهرة كلّها عندما تكون قويّة والعائقُ البدنيِّ ضعيفاً، فلها أن تعزل الحواسّ عن أفاعيلها. وبهذا يتحقّق الفرقُ بين مطالعة الأنبياء (عليهم السلام) للصوَر الباطنة، وبين مطالعة غيرهم إيّاها كالأولياء والحكماءِ. فالرؤيا الصالحة لنفوس العرفاء والصالحين، إنّما هي واقعة في هذا الطريق غير واصلة الى درجة النبوّة وبلوغ الغاية، ولهذا ورَد في الحديث انّها جزءٌ من ستّة وأربعين جزءاً، أو من خمسة وأربعين، أو من سبعين جزءاً - على اختلاف الروايات -. وقُصارى مرتبة الرؤيا وأقصاها كمالاً ما وقع للمحدَّثين - بفتح الدال المشدّدة وهم الذين يرفضون عالَمَ الشهادة، ويصعدون الى عالَم الغيب، فربما يسمعون الصوت في اليقظة من سبيل الباطن، ولكنّهم لا يعاينون شخصاً متشبّحاً كما مرّ ذكره في المفاتيح الغيبيّة. وفي كتاب الحجّة من كتب الكليني رحمه الله باب في الفرق بين الرسول والنبيّ والمحدَّث، والأئمة (عليهم السلام) كلّهم محدَّثون مفهمون. فصل مشرقي متعلق بقوله: {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} إعلم انّ اليقين هو العلم بالشيء بعد أن يكون صاحبُه شاكاً فيه، ولذلك لا يقول القائل: تيقّنت انّ السماء فوق الأرض، وانّ الكلّ أعظم من الجزء، فيقال ذلك في العلْم الحادث والمكتسَب، وستعلم أنّ العلْم بالآخرة وما فيها، لا يحصل الا من جهة العلْم بما في الدنيا. ثمّ إنّه تعالى مدحَهم على كونهم متيقّنين بالآخرة، ومعلوم أن مجرّد الإيقان بها لأحدٍ لا يوجب استحقاق التمدّح، بل لا يستحقّ المدح إلا من تيقّن بوجود الآخرة مع ما فيها من الحشْر والنشْر والحساب والميزان والجنّة والنار، وما فيهما من نعيم السُّعداء وجحيم الأشقياء. وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: حديث : يا عجباً كل العجب من الشاكّ في الله وهو قد يرى خلقَه. وعجباً ممن يعرف النشأةَ الأولى ويُنكر النشأةَ الآخرة. وعجباً ممّن يُنكر البعثَ والنشور وهو كل يوم وليلة يموتُ ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممّن يؤمنُ بالجنّة وما فيها من النعيم ويسعى لدار الغرور، وعجباً للمتكبّر الفَخور وهو يعلم أنّ أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة . تفسير : وإنّما قال صلّى الله عليه وآله: عجباً ممن يعرف النشأة الأولى ويُنكر النشأة الآخرة، لأنهما متضايفتان، والمتضايفتان معانِ في التعقّل. فمن أنكر الآخرة فكأنه لم يعرف الدنيا بحسب التعقّل بل بالحس فقط. وتحقيق هذا المقام: أنّ الآخرة صفة للنشأة أو الدار، وإنّما وُصفت بها لأنّها متأخّرةٌ عن النشأة الأولى والدار الدنيا. وإنما سمّيت الدنيا بالدنيا، لأنّها أدنى من الآخرة بالقياس إلينا لا بحسب الترتيب الوجودي، فإنّ هذه الدار آخر العوالِم والنشآت طبعاً وشرفاً، لأنّ موجوداتها آخر الموجودات وأبعدها في سلسلة الاستناد الى المبدإ الأول وبارىء الكلّ، والإنسان في مبدإ كونه وحدوثه هو من جملة الموجودات الواقعة في هذه الدار، لأنّه في أول الوجود من حزب الحيوانات، ونشأة الحيوان - بما هو حيوان - نشأة الحسّ والمحسوس، ولهذا حد بأنّه جوهر ذو بُعد حسّاس. والحسّاس تمام حقيقته، وكمالُ أول لجنسه به يتمّ نوعه ويكمل جنسه. فما من حيوان إلاّ وله قوّة الحسّ، أي حسٍ كان، وإن كان مجرد قوّة اللمس، وهذا أنزلُ مراتب الحيوانات كالدُّود والخراطين، وآخر مراتب الحيوانيّة يتحقّق فيما له الحواسّ الظاهرة والباطنة جميعاً، فإن كان مع ذلك يستعدُّ لإدراك المعقولات بالقوّةِ فهو الواقع في آخر الدرجات الحيوانيّة وأول النشآت الإنسانية ومنازِله، فأول منزلٍ من منازل الإنسان الذي يشارك معه سائر الحيوان، هو نشأةُ الحسِّ، ويقال لها: الدنيا، وعالَم الشهادة، وتقابله الآخرة وعالم الغيب، وهذا العالَم هو منزل الأبدان والقوالب الحسيّة، والآخرة منزل النفوس، وبعدها منزل الأرواح القدسية. وللإنسان أن ينتقل من منزل الى منزل، فالمحسوسات منزله الأول، والمتخيَّلات منزله الثاني، والمعقولات منزله الثالث، وهذا الانتقال هو بعينه من قبيل الانتقالات الفكريّة الواقعة له من المحسوس الى المتخيّل، ومنه الى المعقول. فالدنيا نشأة الحسّ وعالَم الشهادة، والإنسان ما دام كونه في هذه النشأة بحسب الطبع، غير مرتقٍ الى ما وراءَها، فهو بعدُ من جملة البهائم والدوابّ والأنعام، وإذا انتقل الى نيل المتخيّلات والوهميّات مقتصراً عليهما، فهو من قبيل الجنّ، إذ الجنّ والشياطين إدراكاتها مقصورة على المتخيّلات والموهومات، وليس يفتح لهم بابُ الملكوت الأعلى. وبعد هذا المنزل يترقّى الإنسان الى إدراك الأمور التي لا تدخل في حسّ ولا تخيّل ولا وهمٌ، فيشاهد الأمور المستقبلة الدائمة، ويكشاف الصوَر العقليّة، ويتهيّأ لادراك الحقائق الاخرويّة والسرور الأبدي، ويصل الى السعادة القصوى التي ليس وراءها سعادة، وهذا هو آخر درجات الإنسان، وبه يتمّ حقيقة الإنسانيّة، لأنّ تمام حقيقته هي الروح المنسوبة الى الله تعالى في قوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29]. وإذا علمتَ هذه المقدّمات، فاعلم أنّ الإيقان بالآخرة الذي مدح الله به طائفة من العرفاء والمحقّقين من أهل الإيمان، المهتدين بنور الله؛ هو مكاشفة أحوال الآخرة ومشاهدة الأرواح المجرّدة عن غشاوة هذه القوالب بواسطة انفتاح باب الملكوت على روزنة القلوب، وأعني بهذه الأرواح؛ الحقائق المحضة والصوَر المجردة عن كسوة التلبيس وغشاوة الأشكال. وهذا العالَم لا نهاية له، بخلاف عوالم المحسوسات والمتخيّلات، فإنّها متناهية، وأكثر الناس إدراكُهم مقصور على عالَم الحسّ والتخيّل من الطبيعيات والمقداريّات، ولم يؤمنوا بما وراء المحسوس والمتخيَّل، ولم يعلموا علمَ ما قبل الطبيعة، ولم يذعنوا بها كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103]. وهذان المنزلان هما النتيجة الأخيرة من نتائج عالَم الملكوت، سيّما عالَم المحسوس، فإنّه القشر الأقصى من اللباب الأصفى، ومن لم يجاوز هذه الدرجة، فكأنه لم يشاهد من مراتب الجوز إلا قشرته، ومن عجائب الإنسان إلاّ بشرته. ومقام كلّ أحد ومحلّه ومنزله ومعاده في العلو والسفل، بقدر إدراكه، وهو معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "الناسُ أبناء ما يُحسنون" أي يعلمون وبه يعملون. فالإنسان بين أن يكون بهيمةً أو جنيّاً أو ملكاً؛ وللملائكة درجات، فالسير في عالَم الملكوت - وفيه منبع الحياة الأبدية - مثاله المشي على الماء، ثمّ يترقّى منه الى المشي في الهواء، ولذلك لمّا قيل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن عيس (عليه السلام) كان يمشي على الماء، قال: لو ازداد يقيناً لمشى في الهواء. وأمّا التردّد على المحسوسات، فهو كالمشي على الأرض؛ وبينها وبين الماء - أي عالم الملكوت - عالمٌ يجري مجرى السفينة، والمَعبر من عالَم الملك الى عالَم الملكوت الأعلى، وفيها تتولّد درجات الجنّ والشياطين. فمتى تجاوزَ الإنسانُ عالَم البهائم، ينتهي الى عالَم الجنّ والشياطين، ومنه يسافر الى عالم الملائكة، وقد ينزل فيه ويسعى، وشرح ذلك يطول. وهذه العوالم كلّها منازل للهدى، ولكن الهدى المنسوب الى الله يوجد في العالم الأخير، وهو عالَم الأرواح، وهو قوله: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:73].

الأعقم

تفسير : {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} يعني يؤمنون بنبوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويصدقونه ولا يكذبونه. {وما أنزل من قبلك} من الكتب على لسان كل نبي. {وبالآخرة هم يوقنون} يعرفونها بالأدلة. {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} والمفلح الفائز بالغنيمة، وقيل: الظافرون بالمراد، وقيل: الفائزون بالجنة الناجون من النار. {إن الذين كفروا} الآية، قيل: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، وقيل: في اليهود، وقيل: في قوم من المنافقين، وقيل: في مشركي العرب، وقيل في قادة الاحزاب، وقيل: في حيي بن اخطب، وقيل: هو عام في جميع الكفار. {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} قيل: هو ذم لهم لأنها كالمختوم عليها، وقيل: نكتة سوداء جعلها الله في قلوبهم علامة للملائكة انه لا يفلح، وقيل: هو ذم لهم كما قال الشاعر: شعر : ختم الاله على لسان عذافِر ختما فليس على الكلام بقادِر تفسير : يعني فلم يختم. {ومن النَّاس من يقول آمنا بالله} الآية، نزلت في عبد الله بن أُبي وأصحابه المنافقين، افتتح سبحانه أول سورة البقرة بالذين اخلصوا دينهم فيه، وثنّى بالذين كفروا ظاهراً وباطناً، وثلّث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية وبيّن فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم، واستهزأ بهم، ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة، وقصة المنافقين معطوفة على قصة الذين كفروا كما يعطي دلالة على الجملة. {يخادعُون الله} قيل: تقديره يخادعون رسول الله، وقيل: ذكر الله هنا للتعظيم والانكار. {وما يشعرون} اي لا يعلمون انهم يخدعون انفسهم لأن وبال ذلك عليهم والشعور علمٌ مشققٌ من الشعار. {في قلوبهم مرض} المرض الغل والحسد والميل الى المعاصي والعزم عليها كما قال: شعر : حامل اقواماً حياء وقد أرى قلوبُهم تغلي على مراضُها تفسير : {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} قيل: هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن تبعه. {قالوا} هؤلاء المتقدم ذكرهم عبد الله بن أُُبي وأصحابه. {أنؤمن كما آمن السفهاء} فرد الله عليهم بقوله: {ألا إنهم هم السفهاء} وقيل: اراد كما آمن الناس عبد الله بن سلام وأصحابه، قال اليهود: أنؤمن كما آمن السفهاء.

الهواري

تفسير : قوله: {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي والذين يصدِّقون بما أنزل إليك من القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي من التوراة والإِنجيل والزبور؛ نؤمن بها ولا نعمل إلا بما في القرآن. قال: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي أنها كائِنَة. {أُوْلَئِكَ} أي الذين كانت هذه صفتهم {عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي على بيان من ربهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يعني هم السعداء، وهم أهل الجنة. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهؤلاء الذين يلقون الله بكفرهم، لأنهم اختاروا العمى على الهدى. {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يعني طبع، فهم لا يفقهون الهدى] {[وَعَلَى سَمْعِهِمْ} فلا يسمعونه {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} فلا يبصرونه {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]} بفعلهم الكفرَ الذي استحبوه واختاروه على الإِيمان، فهؤلاء أهل الشرك.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}: يا محمد من القرآن والسنة والإيمان بما أنزل منهما يتضمن الإيمان بما أنزل منهما. أو المراد بما نزل إليك: ما أنزله وما سينزل تغليباً لما نزل على ما ينزل تسمية للكل باسم البعض، أو تنزيلاً لما ينزل منزلة ما نزل على الاستعارة والتشبيه، شبه ما لم يتحقق نزوله بما تحقق نزوله، وفى الوجهين جمع بين الحقيقة والمجاز. والتحقيق ما ذكرته قبلهما فافهمه، فلعلى لم أسبق به. والجمع بين الحقيقة والمجاز ولو أجازته جماعة منهم الشافعى، لكن خلاف الأصل فلا يتركب مع وجه صحيح لا تكلف فيه. {وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}: من التوراة والإنجيل وغيرهما. وهم أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار. وهذا فى مؤمنى أهل الكتاب. وقوله للمتقين فى مؤمنى العرب، أو فى مؤمنيهم ومؤمنى غير أهل الكتاب. وإن قلت فلم خص أهل الكتاب بذكر إيمانهم بما أنزل إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل من قبله؟.. قلت: لتقدم عهدهم بالإيمان بما أنزل من قبله متضمناً الإيمان بما أنزل إليه، ولانتساب التوراة والإنجيل إليهم بخلاف غيرهم، فمن آمن بالقرآن فإن كتابهم القرآن فلم يذكر فى شأنهم غيره، مع أن بإيمانهم به إيمان بغيره متضمن له، ولأنه قد وصفهم بالاتقاء. ومن لم يؤمن بكتاب من كتب الله أو بحرف فليس بمتق. ويجوز أن يكون المراد بقوله للمتقين: مؤمنو العرب، ومؤمنو أهل الكتاب، ومؤمنو غيرهم. والمراد بقوله: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُوْنزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} مؤمنو أهل الكتاب، خصصهم بالذكر بعد دخولهم فى عموم المتقين لمزيتهم المشار إليها بنحو قوله تبارك وتعالى: {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين}.تفسير : فالعطف فى هذا الوجه عطف خاص على عام. كعطف الصلاة الوسطى على الصلوات. وجبريل على الملائكة، والنحل والرمان على الفاكهة، ويجوز أن يكون المراد بالمتقين: كل متق من العرب، أو من أهل الكتاب، أو من غيرهم. والمراد بالذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك: كل متق كذلك قالوا وعلى هذا الوجه عاطفة للصفة وهى لفظ الذين الثانية على الصفة الأخرى وهى لفظ الذين الأولى مثل قولك: جاء زيد العالم الكريم، تريد جاء زيد العالم والكريم. وإن العلم والكرم كليهما صفتان لزيد، فذلك الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل من قبله. كل ذلك صفات للمتقين. ومن عطف الصفات لموصوف واحد كذلك قوله: شعر : إلى الملك القرم ابن الهمام وليث الكتبية فى المزدحم تفسير : فإن المراد بابن الهمام وليث الكتيبة هو المراد بالملك القرم، فقد وصف إنساناً واحداً بأنه قرم أى كفحل مكرم لا يحمل عليه وبأنه ابن الهمام أى ابن الملك، سمى الملك هماماً لأنه يهتم بالمعالى، أو يفعل ما اهتم به، وبأنه أسد الجيش فى موضع الازدحام للقتال. وقوله سلمة بن زيابة: شعر : يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب تفسير : أى للحارث الذى يغير صبحاً فيغنم فيرجع، وزيابة اسم أبيه وقيل اسم أمه، واسم أبيه ذهل حسر أباه وأمه من الحارث ابن همام الشيبانى مخافة أن يغير عليه فيغنم فيرجع وقد قتله أو أسره أو تهكم به أن يطبق الإغارة عليه وغنمه وقتله وأسره. ويجوز أن يراد بالمتقين: مؤمنو العرب، وكذا بقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِليْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} فيكون مدحاً لهم، وذما لمن لم يؤمن بالقرآن ولا بغيره، ولأهل الكتاب الذين آمنوا بغير القرآن وكفروا بالقرآن، وقالوا وأيضاً على الوجه عاطفة لصفة على أخرى لموصوف واحد. ويجوز أن يراد بذلك كله أهل الكتاب، فيكون العطف كذلك. والله أعلم. والإنزال يختص بالذوات، وهو نقلها من أعلى إلى أسفل، وإنما يستعمل فى غير الذوات بواسطة الذوات بالملك ذات أنزل بالكلام وكذا النزول والتنزيل فنزول القرآن وغيره بنزول الملك بهما. {وَبالآخِرَةِ}: أى الدار المتأخرة عن هذه الدار المتقدمة الدنيا، والمتأخرة الجنة والنار. ويدل على بقاء وصفية الأخرى وكونه نعتاً لمحذوف، وقوله تعالى:{أية : تلك الدار الآخرة}تفسير : إلا أنها فى هذه الآية: الجنة، وفى آي البقرة الجنة والنار، ويجوز أن يراد بها أيضاً هنا الجنة، أى يوقنون أنها للمتقين المؤمنين بما ذكر الفاعلين لما ذكر. ويفهم أنها ليست لغيرهم وتفيد الآيات الأخرى والأحاديث أن لغيرهم النار. ويجوز كونها خارجة عن الوصفية متقلبة عليه الاسمية. وقرأ غير نافع بالآخرة بإسكان اللام وإثبات الهمزة مفتوحة ممدودة بالألف. وأما نافع فالذى نتلوا عن ورش عنه النقل فى جميع القرآن لحركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها ومد ما قبلها بما مدت به إن كانت لها مدة. وقدم الآخرة ليكون آخر الآية نوناً. وللطريقة العربية فى الاهتمام، وفى ذلك تلويح إلى ذم من لم يوقن بالآخرة من أهل الكتاب وغيرهم حين لم يوقنوا بشىء يعظم شأنه مهول، يهتم به من استعمل نظره. {هُم يُوقِنُونَ}: إنما ذكر قوله هم، وأخبر عنه بقوله: يوقنون، للتلويح الذى ذكرته آنفاً بأن اعتقاد غير من ذكر الله - عز وجل - فى أمر الآخرة غير مطابق لما هو عند الله فيه ولا صادر عن إيقان، كأنه قيل: هم لا غيرهم يوقنون. أما غيرهم فنوعان: منكر للآخرة أصلا، ومثبت لها على صفة ليست عليها، كوصف النار بأنها لا تمسهم إلا أياماً معدودة، ووصف اليهود أن أهلها النصارى وكل من خالفهم. ووصف النصارى أن أهلها اليهود، ووصف اليهود أنها لا يدخلها إلا من كان هودا، ووصف النصارى أنها لا يدخلها إلا من كان نصارى. وكتشبيه بعض الكفرة نعيم الآخرة بأنه كنعيم الدنيا، وكوصفهم الجنة والنار بأنهما ستفنيان بهما ومن فيهما. وكوصف بعضهم أن أصحاب النار لا يتألمون بها، كما لا يتأذى دود الكنيف أو الخل به. فوصف الله سبحانه وتعالى أولياءه بأنهم يوقنون إيقاناً لا يشوبه شىء من هذا الضلالات، فإن اليقين أعلى درجات العلم، وهو إتقان العلم بنفى الشك والشبهة عنه نظراً واستدلالا. ولذلك لا يوصف به العلم القديم والعلم الضرورى، إذ هما ليس بنظر واستدلال، فلا يقال الله متيقين بكذا، فإن علمه قديم لا بنظر واستدلال، ولا يقال تيقنت أن الجزء أعظم من الكل، لأن علم هذا ضرورى لا بنظر واستدلال. وترى أقواماً ينتسبون إلى الملة الحنيفة يضاهون اليهود فى قولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة. وترى أبعضاً يقولون: بأنه سيفنى أهل الجنة والنار. فما علمهم بالآخرة إلا كعلم من سردنا ذكرهم. والواو الأولى فى يوقنون بدل من ياء أيقن لسكونها بعد ضمة. وأما همزة أيقن فمحذوفة، لأن همزة أفعل تحذف فى المضارع، واسم الفاعل، واسم المفعول، فى الكلام الفصيح. وأما قراءة أبى حية النميرى: يؤقنون - بهمزة ساكنة بعد الياء - فليست الهمزة فيها همزة أيقن، بل هى بدل من واو يوقنون المبدلة عن ياء أيقن، إجراء لضم ما قبل الواو مجرى ضم الواو. فأبدلت همزة، كما تبدل الواو المضمومة همزة، كقولك فى وجوه ووقتت ووقود أجوه وأقتت وأقود، كقول جرير: شعر : لحب الموقدان إلى موسى وجعدة إذ أضاءهما الوقود تفسير : بابدال واو الموقدان وموسى والوقود همزة الأول والثانى لانضمام ما قبلهما والثالث لانضمامه. واللام لام الابتداء وجب فعل ماض بوزن كرم نقلت ضمة بإئه للحاء فأدغمت فى الياء بعدها وحذفت ضمة الياء فأدغمت فتبقى الخاء على فتحها. وإنما دخلت عليه لام الابتداء، لأنه جامد بصيرورته من باب نعم. والموقدان فاعل. وإلى متعلق بحب. وموسى بدل أو بيان من الموقدان بواسطة عطف جعدة وهما أبناء. وإذا متعلق بحب. أو خارجه عن الظرفية بدل اشتمال من الموقدان، أو موسى وجعدة مدحهما بالكرم وإيقاد نار الضيافة، ومعنى إضاءة الوقود لهما: إظهاره إياهما بالنور.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} القرآن وسائر الوحى {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} على الأنبياء، من كتب وغيرها {وَبِالآخِرَةِ} البعث، والموقف، والجنة، والنار، قدم الاهتمام، والفاصلة على قوله {هُمْ يُوقِنُونَ} وذكْر الذين يؤمنون بما أنزل إليك تخصيص بعد تعميم، وهو شامل لمن لم يكفر من أهل الكتاب بسيدنا موسى، أو سيدنا عيسى، عليهما السلام، ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكفر به، ولكنه طلب الدليل، فآمن به صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، أولئك يؤتون أجرهم مرتين، وقيل: هم المراد، وفي الآية ترغيب لأهل الكتاب بسيدنا موسى، أو سيدنا عيسى، عليهما السلام، ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكفر به، ولكنه طلب الدليل، فآمن به صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، أولئك يؤتون أجرهم مرتين، وقيل: هم المراد، وفى الآية ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان، وعطف الذين عطف صفة في وجه العموم، وإن أريد مؤمنو أهل الكتاب فمجرد عطف أو مبتدأ خبره أولئك... إلخ.

الخليلي

تفسير : أقوال في المعنيين بالوصف: اختلف في المعنيين بهذا الوصف، هل هم نفس الطائفة الموصوفة في الآية السابقة بأنهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، أو هم طائفة أخرى؟ وبناء على هذا الرأي الأخير، فمن المراد بهم؟ روى ابن جرير في تفسيره عن ترجماني القرآني ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد بالذين يؤمنون بالغيب .. الخ ما في الآية السابقة، مؤمنو العرب، إذ لم يكن لهم رصيد من علم الكتب السماوية من قبل، وإنما فوجئوا به على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وهو ما لم يكونوا يألفونه، فكان إيمانهم به صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل إليه أحرى بأن يوصف أنه إيمان بالغيب، وأما هذه الآية فهي في أهل الكتاب، لأنهم سبق لهم إيمان بما أنزل على النبيين من قبل، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى من عند الله، عرفوا صدقه بما سبق لهم من العلم بالنبوات، وبما كانوا يتلونه في كتبهم من البشائر ببعثته عليه أفضل الصلاة والسلام. واختار هذا القول ابن جرير واستدل له بما ذكرته، وعضده بتقسيم المعرضين عن هدي ما أنزل الله على رسول صلى الله عليه وسلم - في الآيات الآتية - إلى طائفتين؛ طائفة جاهرت بالكفر وأعلنت التكذيب، وأخرى أسرّت كفرها في قرارة نفسها ولم تبح بالتكذيب إلا فيما بينها. وهذا التقسيم يتناسب - حسب رأيه - مع تقسيم المؤمنين المنتفعين بهدى التنزيل إلى طائفتين؛ مؤمني العرب، ومؤمني أهل الكتاب، واستشهد ابن كثير لهذا القول بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ} تفسير : [آل عمران: 199]، وقوله سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [القصص: 52 - 54]. وبحديث أبي موسى عند الشيخين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين؛ رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ". تفسير : ويلمح من كلام القطب رحمه الله في هيميانه أنه يجنح إلى هذا القول، وذلك من تصديره إياه، وإتباعه كثيرا من البحوث المتفرعة عنه، واعتمده من المعاصرين العلامة ابن عاشور، واستدل له بما يوجبه تكرار الموصول من التغاير، غير أنه نبه على دخول أهل الكتاب - إن آمنوا - في عموم الفريق الأول، لأنهم يصدق عليهم أنهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون. وكلامه يقتضي أن عطف الموصول الثاني على الأول من باب عطف الخصوص على العموم. وقيل: الآيتان في أهل الكتاب وحدهم، ذكر هذا القول ابن جرير ولم يعزه إلى أحد، ووصفه صاحب المنار بالشذوذ. وقيل: كلتاهما في كل المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، المتبعين لهديه سواء منهم العرب الذين كانوا على الجاهلية الجهلاء، أو من كان من قبل على ملة كتابية، وعزا ابن جرير هذا القول إلى مجاهد والربيع بن أنس ورجحه ابن كثير في تفسيره - مع استشهاده للقول الأول بما تقدم ذكره - والشوكاني في فتح القدير. وتردد جار الله الزمخشري والعلامة الألوسي بين هذا القول والقول الأول. وفرق الامام محمد عبده بين الموصوفين في الآيتين تفريقا دقيقا، سلك فيه مسلكا غريبا وافقه عليه تلميذه السيد رشيد رضا، لأنه - حسب رأيه - أقرب إلى مدلول النظم وإن كان أبعد عن الروايات. وخلاصة قوله أن الناس قسمان: مادي لا يؤمن إلا بالحسيات، وغير مادي يؤمن بما لا يدركه الحس متى أرشد إليه الدليل أو الوجدان السليم. والايمان بالله وملائكته وباليوم الآخر، إيمان بالغيب، ومن لم يكن مؤمنا بالله لا يمكن أن يهتدي بالقرآن، ومن يتصدى لدعوته، عليه أولا أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلها متصفا بصفات الكمال التي يتوقف عليها وصف الألوهية، ثم يقنعه بأن هذا القرآن هداية من عنده سبحانه. لذلك كان الايمان بالغيب أول ما وصف الله به المتقين الذين يهتدون بالقرآن، وهو في حقيقته الايمان بما وراء المحسوس، ومن اتصف بهذا الايمان فهو واقف على رأس طريق الرشاد، لا يحتاج إلى من يأخذ بيده فيسلك به فيه، فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل وإن كانت لا تقع تحت إدراك الحس إذا أقمت له الدلائل، ونصبت له الشواهد على وجود موجِد الوجود، الذي ليس كمثله شيء، لم يشق عليه تصديقك ولم يتردد في النظر في جلي المقدمات وخفيها، وإذا جاءه الرسول بوصف اليوم الآخر أو وصف عالم من عوالم الغيب التي استأثر الله بعلمها، كعالم الملائكة، لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر، بعد ثبوت النبوة، وذلك بخلاف شأن أولئك الذين انحبسوا في مضائق المادة فصاروا ينفرون من كل خبر عما وراءها. ويرى الأستاذ أن المتقين هنا هم طائفة من العرب في الجاهلية، كان عندهم إيمان جزئي بالغيب أداهم إلى مقت عبادة الأصنام لما عرفوه بالفطرة من أن فاطر السماوات والأرض لا يرضيه الخضوع لها، وأنه يحب الخير ويبغض الشر، وقد أدى ذلك ببعضهم إلى اعتزال الناس، وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال، وتعظيم جانب الربوبية - وذلك ما كان يسمى صلاة في عرفهم - وبعض الخبرات التي يهتدي إليها العقل في معاملات الخلق. وطائفة من أهل الكتاب، وهم الموصوفون بقوله سبحانه: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [آل عمران: 113 - 114]، وقوله: {أية : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [المائدة: 82 - 83]. فإن كلتا الطائفتين على استعداد لتلقي هداية الحق والاستجابة له والانضمام إليه، لأنهم كانوا جميعا مشمئزين مما عليه أقوامهم من الكفر والضلال، ومتطلعين إلى شعاع من الهدى يلوح لهم فينير لهم الطريق، فهم جديرون بوصف التقوى، لأنهم زكت فطرهم فأصابت عقولهم ضربا من الرشاد، واستعدت لتلقي نور الحق الذي يحملها على توقي سخط الله واتباع مرضاته. فالطائفتان هما - في نظر الامام - أحرى بالوصف الذي في قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ..} "الآية"، وأما الموصوفون في هذه الآية فهم عنده الذين تحققت هدايتهم، ووصلوا إلى الغاية التي ينشدونها، إذ آمنوا فعلا بالرسول واتبعوا النور الذي جاء به، فهم أرقى درجة في الخير، وأبعد مدى في الهدى، واستدل الأستاذ للتغاير بينهما بمثل ما استدل به العلامة ابن عاشور، وهو إعادة لفظ الموصول معطوفا، كما استأنس لرأيه بتكرار اسم الاشارة مع العطف في قوله تعالى بعد ذلك: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [البقرة: 5]. الرأي الراجح في هذه الأقوال: هذا؛ وقد تأملت هذه الأقوال وتتبعت أدلتها؛ فوجدت في نفسي ميلا إلى رأي من يرى أن هذه الصفات التي ذكرت في هذه الآيات؛ هي لطائفة واحدة وهم المتقون حقا، الذين صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي جاء به والتزموا منهاج الحق، فإن هذه الصفات هي صفات التقوى التي لا تنفك عن المتقين ولا ينفكون عنها، ولا داعي للتفرقة بين من كان من قبل على جاهلية العرب أو على ملة كتابية، بحيث يُعد بعض هذه الأوصاف خاصة بأهل الكتاب، والبعض الآخر خاصا بمؤمني العرب، فإن الجميع انصهروا في بوتقة الايمان، وصاروا كالجسد الواحد، وهم مخاطبون بالايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالنبيين من قبله وبما أنزل إليه وإليهم، كما في قوله تعالى: {أية : قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 136]، وهذا الايمان بجميع النبوات وكل ما أنزل على النبيين هو الذي وصف الله به رسوله والمؤمنين في قوله: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} تفسير : [البقرة: 285]، أما إعادة اسم الموصول معطوفا على ما قبله فليس فيه دليل على التغاير بين الموصوف بالموصولَيْن لمجيء ذلك كثيرا في القرآن، وفي الكلام العربي مع اتحاد الموصوف، ومنه قوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1 - 4]، فقد تكرر فيه الموصول ثلاث مرات، ولا يقصد به إلا الرب الأعلى، ونحوه قوله سبحانه في وصف عباده: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 63 - 65] "الآيات"، فانظر كيف تكرر الموصول ثماني مرات، ولا يقصد به إلا عباد الرحمن، ومثل ذلك في فاتحة سورة (المؤمنون) في وصفهم، وفي سورة المعارج في وصف المصلين. ولا إشكال في العطف، ولو أن القاعدة فيه تقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه لأن التغاير لا يلزم أن يكون في الذوات، بل كثيرا ما يلحظ في الصفات، فتعطف صفة على أخرى والموصوف واحد، كما في الآيات التي استدللنا بها، ومنه قول الشاعر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : ويؤكد أن هذه الصفات جارية على جميع المؤمنين بالكتاب من غير تفرقة بين من كان من قبل على ملة كتابية أو على طريقة جاهلية أنهم جميعا جمعوا في الوصف في سائر السور، كما في قوله سبحانه: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [النمل: 1 - 3]، وقوله: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [لقمان: 2 - 5]. وفي تعدد الاشارة في سورة لقمان مع أن المشار إليه طائفة واحدة - وهي طائفة المحسنين - نقض لاستدلال الامام محمد عبده بتعدد الاشارة في سورة البقرة على اختلاف المشار إليه، كما سنبينه إن شاء الله في الآية التي تلي هذه. أما ما ذكره ابن جرير من أن في تقسيم المؤمنين إلى طائفتين تناسبا مع ما يأتي من بعد من تقسيم غيرهم إلى طائفتين أيضا؛ طائفة الكفار، وطائفة المنافقين، فهو مما لا ينبغي التعويل عليه في تأويل الكتاب، فإن تقسيم الكفار إلى طائفتين إنما هو بحسب ما هم عليه في الحال لا بحسب ما كانوا عليه من قبل. والمؤمنون بعد إيمانهم توحدت حالهم فلا داعي لاعتبار ما كانوا عليه قبل أن يكرمهم الله بالهدى، على أن الحق هو مذهب واحد بخلاف الباطل، فإنه على طرائق؛ بدليل قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153]. أثر الإِيمان بالغيب في صفاء النفوس: والخلاصة: أن الصحيح مما تقدم من الأقوال قول مجاهد والربيع بن أنس ومن وافقهما، وهو أن هذه الصفات هي لجميع المؤمنين، وذلك الذي يقتضيه تناسق الآيات وترابط النعوت، فالله عز وعلا عندما ذكر الكتاب بيّن أن هدايته خاصة بالمتقين، والتقوى تستلزم صفاء الروح، وروحانية النفس، وزكاء الفطرة وسلامة الحس، وطهارة اللسان، ونقاء الوجدان، واستقامة الأركان، وحياة الضمير. وبهذا يتم التناسق بين المشاعر الباطنة، والحركات الظاهرة عند المتقين. وبسبب هذا النقاء الباطني تشف السرائر وتتألف البصائر، وترتفع عن النفوس حجب الطبع الكثيفة الحائلة بين كثير من الناس، واتصالهم بعالم الغيب، وبارتفاعها عن نفوس المتقين تتجلى لهم الحقائق الغيبية بحسب ما تفيضها الأدلة العقلية أو النقلية، تجليا لا يدع مجالا للشك أو الريب. ومن ثم كان الايمان بالغيب أول ما نعت به المتقون هنا. والايمان شعلة في النفس تطوي من جنباتها سجاف ظلماتها، فتستنير لها مسالك الحياة، وينكشف لها ما فيه سلامتها أو خطرها. وهذه الشعلة المعنوية لا تختلف عن الشعل الحسية في حاجتها إلى ما يمدها بالطاقة؛ وإلا خبا نورها واختفى شعاعها، وقد جعل الله سبحانه عباداته المتنوعة وقودا روحانيا للايمان، وعلى رأس هذه العبادات الصلاة التي تتميز بعمق أثرها وقوة تأثيرها، فلذلك كانت إقامتها الصفة الثانية للمتقين. وبما أن الإِيمان بالغيب، وإقام الصلاة يسكبان في النفس الإِنسانية الشعور بآلام الآخرين ويبعثان فيها الإِحساس بضرورة العطف على البؤساء والمحرومين، وهو مما يدفع صاحبه إلى الإِحسان، كان ثالث ما وصفوا به الإِنفاق من رزق الله. ومع كل ذلك فالضرورة داعية إلى الوحدة الفكرية والرابطة الروحية التي تنتظم عباد الله منذ بداية الخلق إلى أن يرث الكون مكوّنه، وبدونها تتقطع جميع الروابط وتنحل كل الوشائج، وهذه هي المناسبة في اختتام هذه الصفات بكونهم يؤمنون بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله من النبيين، وهذا مما يقتضي وراثة هذه الأمة لمن تقدمها من الأمم في هدي أنبيائها، كما يؤكد وحدة رسالات الله التي تتابعت مواكب رسله لنقل هدايتها إلى الناس. والإِنزال: نقل الشيء من جهة عالية إلى أدون منها، ويطلق مجازا على الإِيصال والإِبلاغ، كما يطلق النزول على الوصول والحلول، نحو قوله تعالى: {أية : فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} تفسير : [الصافات: 177]. وقد يطلق على إنشاء النعم أو إظهارها نحو قوله: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25]، وقوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6]. والتحقيق أنه لا بد من رعاية معنى العلو في مصدره، والله سبحانه متعال فوق خلقه بقهره وسلطانه، فلذا صح إطلاق لفظ الانزال على ما يصدر منه من إحسان إلى خلقه. ويكون العلو معنويا كما يكون حسيا. وإنزال القرآن وسائر الكتب السماوية إنما هو عبارة عن نزول الملك المكلف بإبلاغها متلبسا بها حتى تصل إلى المرسل إليه بأمر الله. والملك يتلقاها من الله سبحانه بالطريقة التي تقتضيها مشيئته تعالى. وقد أخبر سبحانه أن تكليمه للبشر لا يكون إلا بصفات ثلاث، بيّنها في قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الشورى: 51]. وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم كيفية تلقيه للوحي في جوابه للحارث بن هشام الذي رواه الامام الربيع والشيخان من طريق عائشة - رضي الله عنها - قالت: "حديث : سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملَك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" ". تفسير : وبناء على رأي من قال إن هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب خاصة، استظهر العلامة ابن عاشور فائدة من الاتيان بالموصول في قوله: {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}، ولم تكن العبارة والذين يؤمنون بك من أهل الكتاب، وهي الدلالة بالصلة على أن هؤلاء كانوا آمنوا بما ثبت نزوله من الله على رسلهم دون تخليط بتحريفات صدت قومهم عن الدخول في الاسلام، ككون التوراة لا تقبل النسخ، وأنه يجيء في آخر الزمان من عقب إسرائيل من يخلص بني إسرائيل من الأسر والعبودية، ونحو ذلك من كل ما لم ينزل في الكتب السابقة، ولكنه من الموضوعات أو من فاسد التأويلات - قال - ففيه تعريض بغلاة اليهود والنصارى الذين صدهم غلوهم في دينهم، وقولهم على الله غير الحق عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. هذا؛ وقد عبر في الآية بصيغة الماضي في قوله بما أنزل إليك، مع أن القرآن لم يكن كله منزلا عند نزول هذه الآية، والناس مطالبون بالايمان بكل ما أنزل أو سوف ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الايمان بما تحقق نزوله يقتضي الايمان بما سوف ينزل، لاندراجه فيه، ويرى بعض المفسرين أن هذا التعبير من باب المجاز العقلي، وهو تغليب ما أنزل على ما لم ينزل، ويرى غيرهم أنه مجاز لغوي، وذلك أنه أستعير ما أنزل لما لم ينزل. وانتقد القطب رحمه الله هذين الرأيين لما فيهما من الجمع بين الحقيقة والمجاز، واختار ما تقدم ذكره من أن الايمان بما أنزل يقتضي الايمان بما سوف ينزل، وهو الذي يقتضيه كلام المحقق ابن عاشور، إذ يرى أن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل منهم إيمان بما نزل لا توقع إيمانهم بما سينزل، لعدم احتياج ذلك إلى الذكر، فإنه من المعلوم أن الذي يؤمن يستمر إيمانه بكل ما ينزل على الرسول، لأن العناد وعدم الاطمئنان إنما يكونان في أول الأمر، فإذا زالا بالايمان أمِنَ من الارتداد، كما قال هرقل: وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب. فالايمان بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب، وهي الدلالة الأخروية، وليس هو مدلولا للفظ الماضي بطريق التغليب، ولكنه مراد من الكلام. الإِيمان بالقرآن الكريم وأثره: والايمان بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون إيمانا تفصيليا، بحيث يقصد المؤمن بإيمانه الكتاب المنزل إليه للاعجاز والهداية الذي رقم في المصاحف وتناقلته الألسنة بالتواتر. أما الايمان بما أنزل من قبل على سائر الرسل فيكفي أن يكون إيمانا إجماليا، بل هذا هو الواجب نظرا إلى أن المنزل إليهم لم يبق كما هو، بل دخله التحريف والتبديل، فليس ثم شيء معين مما أنزل إليهم باقيا على ما كان عليه حتى يقصد بالايمان، وهذا أحد سببين أوجبا التفرقة في الايمان بين القرآن والكتب السالفة. وثاني السببين أن القرآن تعبدنا بالعمل به بخلاف تلك الكتب، فقد انتهى أمدها وهيمن عليها جميعا هذا الكتاب الخالد الذي لا أمد لأثره وهدايته، ولا يمكن العمل به إلا بعد تشخيصه في الايمان. وذهب جماعة، منهم الفخر الرازي وأبو السعود والألوسي، إلى أن الايمان بالقرآن الواجب على العوام هو إيمان إجمالي أيضا كغيره من الكتب المنزلة لتعذر الاحاطة بدقائق حِكَمِهِ وتفاصيل أحكامه على عوام الناس، وإنما رأوا الايمان به تفصيلا فرضا كفائيا يقوم به العلماء المتبحرون الذين يستخرجون من أعماق بحاره الزاخرة مكنون جواهر حكمه وأحكامه. وذكر العلامة الألوسي اختلاف الفقهاء في قدر المسافة التي يجب أن يتوفر فيها من يقوم بهذه المهمة بين الناس، فمنهم من رأى وجوب وجود مثله في كل حد مسافة القصر من البلاد الاسلامية لئلا تبقى طائفة من الناس تتخبط في ظلمات جهلها بدون مرشد ولا دليل، ويحرم - عند هؤلاء - على الامام إخلاء مثل هذه المسافة من مثل هذا الشخص الجامع لهذه الصفات. ومنهم من يرى وجوب توفر مثله في كل إقليم، ومنهم من يرى أن وجود مثله في أي جزء من العالم الاسلامي يسقط هذا الواجب عن جميع الأمة، وفي المقام بحث نرجئه إلى مكانه المناسب بتوفيق الله. ولا أرى فارقا معنويا بين ما قالوه وما قلته في تحديد الايمان الواجب بما أنزل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن مرادهم بالتفصيل الاحاطة بكل محتوى ما يؤمن به، ومرادي به تشخيصه بالايمان وتمييزه عن غيره، واتباع ما جاء به بحيث يصبح مسيطرا على شعاب النفس، وموجها للجوارح والأركان، وهذه هي صفة المؤمنين بآيات الله كما وصفهم بها في قوله: {أية : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [السجدة: 15 - 16]. وقد وبخ الله سبحانه الذين ادعوا الايمان بالقرآن ثم هَمُّوا بأن يتحاكموا إلى غيره حيث قال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 60]. وإذا كان الله تعالى جعل صنيع بني إسرائيل - إذ عملوا ببعض ما أنزل إليهم وأعرضوا عن بعض - من باب الخلط بين الايمان والكفر، حيث قال بعد تعداد ما صدر منهم: {أية : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [البقرة: 85]. فإن هذا الحكم نفسه يسري على الذين ينتسبون إلى القرآن وهم يعرضون عنه بمجانبة هديه وتعطيل أحكامه ومخالفة تعاليمه، وابتغاء الحق في غيره، ومن ثم حكم سبحانه وتعالى على من لم يحكم بما أنزل بالكفر والظلم والفسق، وذلك في قوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44]، {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [المائدة: 45]، {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 47]. وبهذا يتبين أن الايمان بالقرآن له معنى عميق ترتبط به حياة المؤمن، وذلك أن يتكيف في فعله وتركه بحسب ما تقتضيه أحكامه وتعاليمه. وقد كان السلف الصالح يعدون مجانبة شيء من هديه منافيا للايمان به، كما قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عندما أبصرت امرأة عليها ثياب رقاق: "ما آمنت بسورة النور امرأة لبست هذه الثياب"، فأعجب لأولئك الذين يزعمون أنهم من أمة القرآن وهم يرتعون في المعاصي، غير مبالين بخلق ولا فضيلة ولا شرف، ما قيمة إيمان هؤلاء بالقرآن؟ إن القرآن الكريم مليء بأوامر الله الموجهة إلى عباده، منها ما يتعلق بالحياة الفكرية، ومنها ما يتعلق بالشعائر التعبدية، ومنها ما يتعلق بالشؤون السياسية، ومنها ما يتعلق بالنظم الاقتصادية، ومنها ما يتعلق بالواجبات الاجتماعية، ومنها ما يتعلق بالأحكام القانونية. والواجب على من آمن به أن يسلم تسليما لذلك كله وينقاد له بفكره ومشاعره وجوارحه، حتى يتحول القرآن إلى واقع محسوس يتجلى للناس جميعا في حياة المؤمنين الخاصة والعامة. أثر الإِيقان بالآخرة: واختتم تعالى صفات هذه الطائفة بذكر الإِيقان بالآخرة، لأنه ملاك الأمر، وسور الصالحات، والحاجز دون تردي النفس في مهاوي شهواتها ونزواتها، لأن فيه ربط العمل بالجزاء، ووصل المبدأ بالمصير، وما قبل الموت بما بعده، ولأن اليقين بالحياة المطلقة الأبدية بعد هذه الحياة المقيدة الفانية؛ هو مفترق الطرق بين أولئك الذين يعيشون في مضيق الحس لا يعرفون وجودا إلا هذا الوجود المحسوس، ولا متعة إلا هذه المتعة الفانية، ولا هدفا إلا ما يختص بحياة الأرض، وأولئك الذين تفتحت مداركهم واتسعت آفاق أفكارهم فأيقنوا أن المحسوس ليس هو كل شيء في الوجود، وأن هذه الحياة ليست هي كل وجود الانسان، وأن متعها الفانية ليست هي كل شيء بالنسبة إلى منافعه ومصالحه، وأن أهدافها يجب أن تكون وراءها أهداف أسمى منها قدرا، وأغلى منها قيمة، فإن من شأن هذا الإِيقان أن يدفع بصاحبه إلى التفكير في العاقبة والجزاء على الأعمال وتكييفها بحسب رغبته في نوع جزائها. والآخرة وصف أغنى عن الموصوف في التعبير، لاستقراره في الأفهام، والمراد به الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، حيث يحاسب كل أحد على عمله، ويجزى به جزاء وفاقا، والايمان بها يشمل الايمان بكل ما يحدث فيها، مما تضمنته النصوص القاطعة. واليقين: قيل هو الاعتقاد للواقع الذي لا يقبل الشك ولا الزوال. ذلك لأن الاعتقاد إما أن يكون اعتقادا بأن الشيء كذا، أو اعتقادا بأنه لا يمكن إلا أن يكون كذا. وقيل: هو الاعتقاد الجازم في غير الحسيات والضروريات، ويعم الجزم بخبر الصادق والاعتقاد المبني على الأدلة والأمارات إن كان ثابتا لا شك فيه. وفسره أئمة اللغة بأنه العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر. وقالوا: إنه نقيض الشك، كما أن العلم نقيض الجهل، ولعل هذا التفسير دعا بعض المفسرين من المتقدمين والمتأخرين إلى القول بأنه العلم بالشيء عن نظر واستدلال، أو بعد شك سابق. والشك إنما يكون فيما يستوجب النظر، وعليه فيكون اليقين أخص من الايمان ومن العلم. واحتج بعضهم لذلك بقوله تعالى: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} تفسير : [التكاثر: 5 - 6]. ومن ثم لا يطلق الايقان على علم الله ولا على العلوم الضرورية، وبناء على هذا فإن إيثار مادة الايقان في ذكر الايمان بالآخرة لما فيها من الاشعار بأن علمهم بالآخرة ناتج عن كد الفكر وسعة التأمل في الاستدلال، لأن الحياة الأخروية حياة غائبة عن الأبصار وسائر الحواس، غريبة على الأفكار المنغلقة بين جدران الحس، وقد تراكمت على هذه الأفكار شبه جمة حالت بينها وبين إدراكها حالة الدار الآخرة، وهي مناسبة جديرة بالاعتبار في اقتناص دقائق أسرار التعبير القرآني وقد نبه عليها أحد أئمة التفسير الحاذقين. وبناء على ما ذهب إليه الامام محمد عبده من التفرقة بين الطائفتين الموصوفتين في الآيتين، وأن الأولى كانت على إيمان جزئي، والثانية هي التي آمنت الايمان الكلي، قال ما معناه: وصفت هذه الطائفة التي اكتمل إيمانها بالإِيقان بالآخرة، لأنهم مؤمنون بالقرآن، بخلاف الأولى فإنها كانت فقط على جزء من الايمان، وهي في طريقها إلى الايمان الكامل لما أوتيت من الاستعداد لذلك. وقد عرفت مما تقدم أنني أرجح رأي من يقول إن جميع الصفات الواردة في الآيتين هي لموصوف واحد، وهو الطائفة المؤمنة. واليقين هو أساس الايمان الذي لا يقوم إلا عليه، فإن إيمان من يعتمد على مجرد الظن إيمان متزلزل لا ثبات له، فهو منهار الأسس منهد الأركان، ولذلك قال سبحانه في اعتقاد بعض الناس: {أية : وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [النجم: 28]. وإذا كان هذا هو حكم الظن في الاعتقاد، فما بالك بما دونه من الشك والارتياب. واليقين الحق في الايمان بالله واليوم الآخر إنما يعرف بآثاره في الأعمال، كما سبق ذكره في الحديث عن الايمان وصفات المؤمنين حسب ما يدل عليه القرآن. وذكر الامام محمد عبده من أمثلة من لم يقم إيمانه على الايقان، من يأتي إلى محكمة بدعوى كاذبة يريد بها أكل مال أخيه بغير حق، أو بشهادة مفتراة يجامل بها صديقه، أو ينتقم بها من عدوه، وهو يعلم باطله وزوره، فيوعظ ويذكر: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} تفسير : [الفرقان: 27] فيقول: أعوذ بالله أنا أعلم ذلك اليوم الذي أمامي، وأن بين يدي شبرا من الأرض - يعني القبر - وأن الدنيا لا تغني عن الآخرة، ويحلف اليمين الغموس باسم الله تعالى بأنه محق في كلامه، ثم يكشف التحقيق عن إفكه، ويضطر إلى الاعتراف بزوره، فكأن الايمان بالله واليوم الآخر عنده خيال يلوح له عندما يريد أن يخادع غيره، وشرك يصطاد به حقوق الناس بغير حق. صفة الإِيمان اليقيني: وذكر الامام أن الايمان المبني على اليقين هو الذي يكون معه إحساس من طريق الوجدان يجعل المؤمن كأنه يرى ما آمن به، وهذا الايمان هو الذي يملك نفس صاحبه، وهو يأتي من طريقين: الأول: النظر الصحيح فيما دعت الحاجة فيه إلى النظر، كالايقان بوجود الله ورسالة رسله، وذلك بتخليص المقدمات إلى أن تصل إلى حد الضروريات، فيكون الانسان بذلك كأنه راء بعينيه ما استقرت عقيدته عليه. الثاني: خبر الصادق المعصوم بعدما دلت على صدقه الدلائل، وقامت على عصمته الشواهد. ولا يكون ذلك الخبر طريقا لليقين حتى يسمعه السامع من نفس المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، أو يصل إليه من طريق لا يحوم حولها الريب، وهي طريق التواتر دون سواها، فلا مصدر لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة فيما يأتي من طريق النقل إلا التواتر الذي لا خلاف فيه، وذلك في الأمور الغيبية التي لا سبيل للعقل إليها، نحو وصف الآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وصفاته. وكذلك صفات الله تعالى التي تتوقف معرفتها على الوحي. وتقديم الجار والمجرور - وهما بالآخرة - على متعلقهما - وهو يوقنون - وبناؤه على الضمير يفيدان الحصر عند الزمخشري، وفي ذلك تعريض بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالآخرة على حقيقتها، وخالفه في ذلك العلامة ابن عاشور، فرأى أن تقديم الجار والمجرور إنما هو لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة، وفيه ثناء على هؤلاء لأنهم أيقنوا بأهم ما يوقن به المؤمن، وأنكر الحصر الذي ادعاه الزمخشري لاقتضائه أن يكونوا يوقنون بالآخرة دون غيرها، ورأى أن تكلف إخراج الحصر عن تعلقه بذات المحصور فيه إلى تعلقه بأحواله غير معهود.

الالوسي

تفسير : عطف على الموصول الأول مفصولاً وموصولاً والمروي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أنهم مؤمنو أهل الكتاب وحيث إن المتبادر من العطف أن الإيمان بكل من المنزلين على طريق الاستقلال اختص ذلك بهم لأن إيمان غيرهم بما أنزل من قبل إنما هو على طريق الاجمال والتبع للإيمان بالقرآن لا سيما في مقام المدح، وقد دلت الآيات والأحاديث على أن لأهل الكتاب أجرين بواسطة ذلك وبهذا غايروا من قبلهم وقيل التغاير باعتبار أن الإيمان الأول بالعقل وهذا بالنقل أو بأن ذاك بالغيب وهذا بما عرفوه كما يعرفون أبناءهم {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى}تفسير : [البقرة: 5] حينئذ إشارة إلى الطائفة الأولى لأن إيمانهم بمحض الهداية الربانية {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 5]/ إشارة إلى الثانية لفوزهم بما كانوا ينتظرونه أو بأن أولئك من حيث المجموع كان فيهم شرك وهؤلاء لم يشركوا ولم ينكروا، وقيل التغاير بالعموم والخصوص مثله في قوله تعالى: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ }تفسير : [القدر: 4] والتخصيص هنا بعد التعميم للإشارة إلى الأفضلية من حيثية إنهم يعطون أجرهم مرتين وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل وفي ذلك ترغيب أهل الكتاب في الدخول في الإسلام، وقال بعضهم إن هؤلاء هم الأولون بأعيانهم وتوسيط العطف جار في الأسماء والصفات باعتبار تغاير المفهومات ويكون بالواو والفاء وثم باعتبار تعاقب الانتقال في الأحوال والجمع المستفاد من الواو هنا واقع بين معاني الصفات المفهومة من المتعاطفين والإيمان الذي مع أولهما إجمالي وعقلي ومع ثانيها تفصيلي ونقلي وإعادة الموصول للتنبيه على تغاير القبيلين وتباين السبيلين وقد يعطف على {أية : لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2] والموصول غير مفصول لما يلزم على الوصل الفصلي بأجنبـي بين المبتدأ وخبره والمعطوف، والمعطوف عليه والتغاير بين المتعاطفين باعتبار أن المراد بالمعطوف عليه من آمن من العرب الذين ليسوا بأهل كتاب وبالمعطوف من آمن به صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وقد رجح بعض المحققين احتمال أن يكون هؤلاء هم الأولون وتوسط الواو بين الصفات بأن الإيمان بالمنزلين مشترك بين المؤمنين قاطبة فلا وجه لتخصيصه بمؤمني أهل الكتاب والإفراد بالذكر لا يدل على أن الإيمان بكل بطريق الاستقلال فقد أفرد الكتب المنزلة من قبل في قوله تعالى: {أية : قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ }تفسير : [البقرة: 136] ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد وبأن أهل الكتاب لم يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبل لأن اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل ودينهم منسوخ به وبأن الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب فالتخصيص بمن عداهم تحكم وجعل الكلام من قبيل عطف الخاص على العام لا يلائم المقام. وأجيب أما أولاً فبأن المتبادر من السياق الإيمان بالاستقلال لا سيما في مقام المدح وإليه يشير ما جاء أنهم يؤتون أجرهم مرتين والخطاب في الآية للمسلمين بأن يقولوا دفعة ولم يعد فيها الإيمان والمؤمن فلا ترد نقضاً، وأما ثانياً فلأن إيمان أهل الكتاب بكل وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن والتوراة، والنصارى اشتمل إيمانهم على الإنجيل أيضاً ويكفي هذا في توجيه المروي عمن شاهدوا نزول الوحي ولا يرغب عنه إذا أمكن توجيهه وكون المفهوم المتبادر ثبوت الحكم لكل واحد إن سلم لا يرده ولا يرد أن اليهود الذين آمنوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا قبل ذلك بالتوراة وإلا لتنصروا لأن فيها نبوة عيسى كما فيها نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قد ورد فيها ـ إن الله جاء من طور سيناء وظهر بساعير وعلن بفاران ـ وساعير بيت المقدس الذي ظهر فيه عيسى، وفاران جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنا نقول إنهم آمنوا بالتوراة وتأولوا ما دل منها على نبوة المسيح عليه السلام فبعض أنكر نبوته رأساً ورموه بما رموه ـ وحاشاه وهم الكثيرون ـ وبعض كالعنانية قالوا: إنه من أولياء الله تعالى المخلصين العارفين بأحكام التوراة وليس بنبـي وهؤلاء قليلون مخالفون لسائر اليهود في السبت والأعياد ويقتصرون على أكل الطير والظباء والسمك والجراد وهذا الإيمان وإن لم يكن نافعاً في النجاة من النار إلا أنه يقلل الشر بالنسبة إلى الكفر بالتوراة وإنكارها بالكلية مع الكفر بعيسى عليه السلام وربما يمدحون بالنظر إلى أصل الإيمان بها وإن ذموا بحيثية أخرى وكأنه لهذا يكتفى منهم بالجزية ولم يكونوا طعمة للسيوف مطلقاً والقول بأنهم مدحوا بعد إيمانهم بالقرآن بالإيمان بالتوراة نظراً إلى أسلافهم الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام فإنهم مؤمنون بها إيماناً صحيحاً على وجهها كما أنهم ذموا بما صنع آباؤهم على عهده على ما ينطق به كثير من الآيات ليس بشيء إذ لا معنى لإيتائهم/ أجرين حينئذٍ والفرق بين البابين واضح. ثم النسخ الذي ادعاه المرجح خلاف ما ذكره الشهرستاني وغيره من أن الإنجيل لم يبين أحكاماً ولا استبطن حلالاً وحراماً ولكنه رموز وأمثال ومواعظ والأحكام محالة إلى التوراة وقد قال المسيح ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها وهذا خلاف ما تقتضيه الظواهر وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، وأما ثالثاً فلأن ثبوت الصفات لمن آمن من أهل الكتاب لا يضرنا لأنها مذكورة في الأول صريحاً وفي الثاني التزاماً، وأما رابعاً فلأنا لا نسلم أن ذلك العطف لا يلائم المقام فنكات عطف الخاص على العام لا تخفى كثرتها على ذوي الأفهام فدع ما مر وخذ ما حلا، وعندي بعد هذا كله أن الاعتراض ذكر والجواب أنثى لكن الرواية دعت إلى ذلك ولعل أهل مكة أدرى بشعابها وفوق كل ذي علم عليم على أن الدراية قد تساعده كما قيل بناءً على أن إعادة الموصول وتوصيفه بالإيمان بالمنزلين مع اشتراكه بين جميع المؤمنين واشتمال الإيمان بما أنزل إليك على الإيمان بما أنزل من قبلك يستدعي أن يراد به من لهم نوع اختصاص بالصلة وهم مؤمنو أهل الكتاب حيث كانوا مطالبين بالإيمان بالقرآن خصوصاً قال تعالى: {أية : وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } تفسير : [البقرة: 41] مؤمنين بالكتب استقلالاً في الجملة بخلاف سائر المؤمنين، ثم المتبادر من أهل الكتاب أهل التوراة والإنجيل وحمله على أهل الإنجيل خاصة وقد آمن منهم أربعون واثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من أرض الحبشة وثمانية من الشام لا تساعده رواية ولا دراية كما لا يخفى. والإنزال الإيصال والإبلاغ ولا يشترط أن يكون من أعلى خلافاً لمن ادعاه نحو: {أية : فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } تفسير : [الصافات: 177] أي وصل وحل وإنزال الكتب الإلهية قد مر في المقدمات ما يطلعك إلى معارجه، وذكر أن معنى إنزال القرآن أن جبريل سمع كلام الله تعالى كيف شاء الله تعالى فنزل به أو أظهره في اللوح كتابة فحفظه الملك وأداه بأي نوع كان من الأداء. وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه الذي نجزم به من غير بحث عن كيفيته. وقال الحكماء: إن نفوس الأنبياء عليهم السلام قدسية فتقوى على الاتصال بالملأ الأعلى فينتقش فيها من الصور ما ينتقل إلى القوة المتخيلة والحس المشترك فيرى كالمشاهد وهو الوحي وربما يعلو فيسمع كلاماً منظوماً ويشبه أن نزول الكتب من هذا. وعندي أن هذا قد يكون لأرباب النفوس القدسية والأرواح الإنسية إلا أن أمر النبوة وراء ذلك وأين الثريا من يد المتناول. وفعلاً الإنزال مبنيان للمفعول وقرأهما النخعي وأبو حيوة ويزد بن قطيب مبنيين للفاعل وقرىء شاذاً (بما أنزل إليك) بتشديد اللام ووجه ذلك أنه أسكن لام (أنزل) ثم حذف همزة إلى ونقل كسرتها إلى اللام فالتقى المثلان فأدغم. وضمير الفاعل قيل الله وقيل جبريل عليه السلام. وفي «البحر» أن فيه التفاتاً لتقدم {.. مّمّا رَزَقْنَـٰهُمْ} فخرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة ولو جرى على الأول لجاء ـ بما أنزلنا إليك وما أنزلنا من قبلك ـ. وأتى سبحانه بصلة (ما) الأولى فعلاً ماضياً مع أن المراد بالمنزل جميعه لاقتضاء السياق، والسباق له من ترتب الهدى والفلاح الكاملين عليه ولوقوعه في مقابلة ما أنزل قبل ولاقتضاء {يُؤْمِنُونَ} المنبـىء عن الاستمرار والجميع لم ينزل وقت تنزل الآية لأمرين: الأول إنه تغليب لما وجد نزوله على ما لا يوجد فهو من قبيل إطلاق الجزء على الكل والثاني تشبيه جميع المنزل بشيء نزل في تحقق الوقوع لأن بعضه نزل وبعضه سينزل قطعاً فيصير إنزال مجموعه مشبهاً بإنزال ذلك الشيء الذي نزل فتستعار صيغة الماضي من إنزاله لإنزال المجموع، هذا ما حققه من يعقد عند ذكرهم الخناصر وفيه دغدغة كبرى. وأهون منه أن التعبير بالماضي هنا للمشاكلة لوقوع غير المتحقق في صحبة المتحقق، وأهون من ذلك كله أن المراد به حقيقة الماضي ويدل على الإيمان بالمستقبل بدلالة النص. وما قيل من أن الإيمان بما سينزل ليس بواجب إلا أن حمله على الجميع أكمل فلذا اقتصر عليه لا وجه له إذ لا شبهة في أنه يلزم المؤمن أن يؤمن بما/ نزل وبأن كل ما سينزل حق وإن لم يجب تفصيله وتعيينه، وقد ذكر العلماء أن الإيمان إجمالاً بالكتب المنزلة مطلقاً فرض عين وتفصيلاً بالقرآن المتعبد بتفاصيله فرض كفاية إذ لو كان فرض عين أدى إلى الحرج والمشقة والدين يسر لا عسر، وهذا مما لا شبهة فيه حتى قال الدواني: يجب على الكفاية تفصيل الدلائل الأصولية بحيث يتمكن معه من إزالة الشبه وإلزام المعاندين وإرشاد المسترشدين، وذكر الفقهاء أنه لا بد أن يكون في كل حد من مسافة القصر شخص متصف بهذه الصفة ويسمى المنصوب للذب ويحرم على الإمام إخلاؤها من ذلك كما يحرم إخلاؤها عن العالم بالأحكام التي يحتاج إليها العامة وقيل لا بد من شخص كذلك في كل إقليم وقيل يكفي وجوده في جميع البلاد المعمورة الإسلامية ولعل هذا التنزل لنزول الأمر وقلة علماء الدين في الدنيا بهذا العصر:شعر : أمست يباباً وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد تفسير : وإلى الله تعالى المشتكى وإليه الملتجى:شعر : إلى الله أشكو إن في القلب حاجة تمر بها الأيام وهي كما هيا تفسير : والآخرة تأنيث الآخر اسم فاعل من أخر الثلاثي بمعنى تأخر وإن لم يستعمل كما أن الآخر ـ بفتح الخاء ـ اسم تفضيل منه وهي صفة في الأصل كما في ـ {أية : ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ } تفسير : [القصص: 83] و {أية : يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَخِرَةَ } تفسير : [العنكبوت: 20] ـ ثم غلبت كالدنيا. والوصف الغالب قد يوصف به دون الاسم الغالب فلا يقال قيد أدهم للزوم التكرار في المفهوم وهو وإن كان من الدهمة إلا أنه يستعمله من لا تخطر بباله أصلاً فافهم. وقد تضاف الدار لها كقوله تعالى: {أية : وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [يوسف: 109] أي دار الحياة الآخرة وقد يقابل بالأولى كقوله سبحانه وتعالى: {أية : لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأُولَىٰ وَٱلأَخِرَةِ } تفسير : [القصص: 70] والمعنى هنا الدار الآخرة أو النشأة الآخرة والجمهور على تسكين لام التعريف وإقرار الهمزة التي تكون بعدها للقطع، وورش يحذف وينقل الحركة إلى اللام. والإيقان التحقق للشيء كسكونه ووضوحه يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته وهو واليقين بمعنى خلافاً لمن وهم فيه. قال الجوهري: اليقين العلم وزوال الشك يقال منه يقنت بالكسر يقيناً وأيقنت واستيقنت كلها بمعنى، وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال فلا يوصف به البديهي ولا علم الله تعالى. وذهب الإمام النسفي وبعض الأئمة إلى أنه العلم الذي لا يحتمل النقيض، وعدم وصف الحق سبحانه وتعالى به لعدم التوقيف، وذهب آخرون إلى أنه العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه سواء كان ضرورياً أو استدلالياً، وذكر الراغب ((أن اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها يقال علم يقين ولا يقال معرفة يقين وهو سكون النفس مع ثبات الحكم))، وفي "الأحياء" ـ والقلب إليه يميل ـ ((أن اليقين مشترك بين معنيين. الأول عدم الشك فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر أو حس أو غريزة عقل أو بتواتر أو دليل هذا لا يتفاوت. الثاني وهو ما صرح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب حتى يقال فلان ضعيف اليقين بالموت وقوي اليقين بإتيان الرزق فكل ما غلب على القلب واستولى عليه فهو يقين وتفاوت هذا ظاهر))، وقرأ الجمهور: {يُوقِنُونَ} بواو ساكنة بعد الياء وهي مبدلة منها لأنه من أيقن وقرأ النميري بهمزة ساكنة بدل الواو وشاع عندهم أن الواو إذا ضمت ضمة غير عارضة كما فصل في العربية يجوز إبدالها همزة كما قيل في وجوه جمع وجه أجوه فلعل الإبدال هنا لمجاورتها للمضموم فأعطيت حكمه وقد يؤخذ الجار بظلم الجار، وغاير سبحانه بين الإيمان بالمنزل والإيمان بالآخرة فلم يقل ـ وبالآخرة هم يؤمنون ـ دفعاً لكلفة التكرار أو لكثرة غرائب متعلقات الآخرة وما أعد فيها من الثواب/ والعقاب وتفصيل أنواع التنعيم والتعذيب ونشأة أصحابهما على خلاف النشأة الدنيوية مع إثبات المعاد الجسماني كيفما كان إلى غير ذلك مما هو أغرب من الإيمان بالكتاب المنزل حتى أنكره كثير من الناس وخلا عن تفاصيله على ما عندنا التوراة والإنجيل فليس في الأول ـ على ما في "شرح الطوالع" ـ ذكر المعاد الجسماني وإنما ذكر في كتب حزقيل وشعياء والمذكور في الإنجيل إنما هو المعاد الروحاني فناسب أن يقرن هذا الأمر المهم الغريب الذي حارت عقول الكثيرين في إثباته وتهافتوا على إنكاره تهافت الفراش على النار بالإيقان وهو هو إظهاراً لكمال المدح وإبداءً لغاية الثناء، وتقديم المجرور للإشارة إلى أن إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى خلاف حقيقتها مما يزعمه اليهود مثلاً حيث قالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا }تفسير : [البقرة: 111] {أية : لَنْ تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }تفسير : [البقرة: 80] وزعموا أنهم يتلذذون بالنسيم والأرواح إذ ليس ذلك من الآخرة في شيء وفي بناء {يُوقِنُونَ} على {هُمْ} إشارة إلى أن اعتقاد مقابليهم في الآخرة جهل محض وتخييل فارغ وليسوا من اليقين في ظل ولا فيء.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : [البقرة: 3] طائفة ثانية على الطائفة الأولى المعنية بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} وهما معاً قسمان للمتقين، فإنه بعد أن أخبر أن القرآن هدى للمتقين الذين آمنوا بعد الشرك وهم العرب من أهل مكة وغيرهم ووصفهم بالذين يؤمنون بالغيب لأنهم لم يكونوا يؤمنون به حين كانوا مشركين، ذَكر فريقاً آخر من المتقين وهم الذين آمنوا بما أنزل من الكتب الإلٰهية قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ثم آمنوا بمحمد، وهؤلاء هم مؤمنو أهل الكتاب وهم يومئذٍ اليهود الذين كانوا كثيرين في المدينة وما حولها في قريظة والنضير وخيبر مثل عبد الله بن سلام، وبعضُ النصارى مثل صهيب الرومي ودِحية الكلبي، وهم وإن شاركوا مسلمي العرب في الاهتداء بالقرآن والإيمان بالغيب وإقامة الصلاة فإن ذلك كان من صفاتهم قبل مجيء الإسلام فذكرت لهم خصلة أخرى زائدة على ما وُصف به المسلمون الأوَّلون، فالمغايرة بين الفريقين هنا بالعموم والخصوص، ولما كان قصد تخصيصهم بالذكر يستلزم عطفهم وكان العطف بدون تنبيه على أنهم فريق آخر يوهم أن القرآن لا يهدي إلا الذين آمنوا بما أنزل من قبل لأن هذه خاتمة الصفات فهي مرادة فيظن أن الذين آمنوا عن شرك لا حظ لهم من هذا الثناء، وكيف وفيهم مِن خِيرة المؤمنين من الصحابة وهم أشد اتقاءً واهتداءً إذْ لم يكونوا أهل ترقب لبعثة رسول من قبل فاهتداؤهم نشأ عن توفيق رباني، دُفع هذا الإيهام بإعادة الموصول ليؤذِن بأن هؤلاء فريق آخر غير الفريق الذي أجريت عليهم الصفات الثلاث الأول، وبذلك تبين أن المراد بأهل الصفات الثلاث الأوَل هم الذين آمنوا بعد شرك لوجود المقابلة. ويكون الموصُولاَنِ للعهد، وعلم أن الذين يؤمنون بما أنزل من قبل هم أيضاً ممن يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة وينفق لأن ذلك مما أنزل إلى النبي، وفي التعبير بالمضارع من قوله {يؤمنون بما أُنزل إليك} من إفادة التجدُّد مثل ما تقدم في نظائره لأن إيمانهم بالقرآن حدَثَ جديداً، وهذا كله تخصيص لهم بمزية يجب اعتبارها وإن كان التفاضل بعد ذلك بقوة الإيمان ورسوخه وشدة الاهتداء، فأبو بكر وعمر أفضل من دحيَة وعبد الله بن سلام. والإنزالُ جعل الشيء نازلاً، والنزول الانتقال من علو إلى سُفل وهو حقيقة في انتقال الذوات من علو، ويطلق الإنزال ومادة اشتقاقه بوجه المجاز اللغوي على معان راجعة إلى تشبيه عملٍ بالنزول لاعتبار شرفٍ ورفعةٍ معنوية كما في قوله تعالى: {أية : قد أنزلنا عليكم لباساً}تفسير : [الأعراف: 26] وقوله: {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : [الزمر: 6] لأن خلق الله وعطاءَه يُجعل كوصول الشيء من جهة عُليا لشرفه، وأما إطلاقه على بلوغ الوصف من الله إلى الأنبياء فهو إما مجاز عقلي بإسناد النزول إلى الوحي تبعاً لنزول المَلك مبلِّغه الذي يتصل بهذا العالَم نازلاً من العالم العلوي قال تعالى: {أية : نزل به الروح الأمين على قلبك}تفسير : [الشعراء: 194، 195] فإن المَلك ملابس للكلام المأمور بتبليغه، وإما مجاز لغوي بتشبيه المعاني التي تُلقى إلى النبي بشيء وصل من مكان عالٍ، ووجه الشبه هو الارتفاع المعنوي لا سيما إذا كان الوحي كلاماً سَمعه الرسول كالقرآن وكما أُنزل إلى موسى وكما وصفَ النبي صلى الله عليه وسلم بعضَ أحوال الوحي في الحديث الصحيح بقوله: «حديث : وأحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلَة الجَرَس فيفصم عني وقد وَعيت ما قال»تفسير : وأما رؤيا النوم كرؤيا إبراهيم فلا تسمَّى إنزالاً. والمراد بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم المقدار الذي تحقق نزوله من القرآن قبل نزول هذه الآية فإن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل منهم إيمان بما نزل لا تَوقَّعُ إيمانهم بما سَينزل لأن ذلك لا يحتاج للذكر إذ من المعلوم أن الذي يؤمن بما أُنزل يستمر إيمانه بكل ما يَنزل على الرسول لأن العناد وعدم الاطمئنان إنما يكون في أول الأمر، فإذا زالا بالإيمان أَمِنوا من الارتداد "وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب". فالإيمان بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب وهي الدلالة الأخروية فإيمانهم بما سينزل مراد من الكلام وليس مدلولاً للفظ الذي هو للماضي فلا حاجة إلى دعوى تغليب الماضي على المستقبل في قوله تعالى: {بما أنزل} والمراد ما أنزل وما سينزل كما في «الكشاف». وعدي الإنزال بإلى لتضمينه معنى الوصف فالمُنْزَل إليه غاية للنزول والأكثر والأصل أنه يُعدَّى بحرف على لأنه في معنى السقوط كقوله تعالى: {أية : نزل عليك الكتاب بالحق}تفسير : [آل عمران: 3] وإذا أريد أن الشيء استقر عند المنزل عليه وتمكن منه قال تعالى: {أية : وأنزلنا عليكم المن والسلوى}تفسير : [البقرة: 57] واختيار إحدى التعديتين تفنن في الكلام. ثم إن فائدة الإتيان بالموصول هنا دون أن يقال: والذين يؤمنون بك من أهل الكتاب الدلالة بالصلة على أن هؤلاء كانوا آمنوا بما ثبت نزوله من الله على رسلهم دون تخليط بتحريفات صدت قومهم عن الدخول في الإسلام ككون التوراة لا تقبل النسخ وأنه يجىء في آخر الزمان من عقب إسرائيل من يخلص بني إسرائيل من الأَسر والعبودية ونحو ذلك من كل ما لم ينزل في الكتب السابقة، ولكنه من الموضوعات أو من فاسد التأويلات ففيه تعريض بغلاة اليهود والنصارى الذين صدهم غلوهم في دينهم وقولهم على الله غير الحق عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: {وبالآخرة هم يوقنون} عطف صفة ثانية وهي ثبوت إيمانهم بالآخرة أي اعتقادهم بحياة ثانية بعد هذه الحياة، وإنما خص هذا الوصف بالذكر عند الثناء عليهم من بين بقية أوصافهم لأنه مِلاَك التقوى والخشية التي جعلوا موصوفين بها لأن هذه الأوصاف كلها جارية على ما أجمله الوصف بالمتقين فإن اليقين بدار الثواب والعقاب هو الذي يوجب الحذر والفكرة فيما ينجي النفس من العقاب وينعمها بالثواب وذلك الذي ساقهم إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأن هذا الإيقان بالآخرة من مزايا أهل الكتاب من العرب في عهد الجاهلية فإن المشركين لا يوقنون بحياة ثانية فهم دُهريون، وأما ما يحكى عنهم من أنهم كانوا يربطون راحلة الميت عند قبره ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى الموت ويزعمون أنه إذا حيي يركبها فلا يحشر راجلاً ويسمونها البَلِية فذلك تخليط بين مزاعم الشرك وما يتلقونه عن المتنصرين منهم بدون تأمل. والآخرة في اصطلاح القرآن هي الحياة الآخرة فإن الآخرة صفة تأنيث الآخر بالمد وكسر الخاء وهو الحاصل المتأخر عن شيء قبله في فعل أو حال، وتأنيث وصف الآخرة منظور فيه إلى أن المراد إجراؤه على موصوف مؤنث اللفظ حُذف لكثرة استعماله وصيرورته معلوماً وهو يقدر بالحياة الآخرة مراعاة لضده وهو الحياة الدنيا أي القريبة بمعنى الحاضرة، ولذلك يقال لها العاجلة ثم صارت الآخرة علماً بالغلبة على الحياة الحاصلة بعد الموت وهي الحاصلة بعد البعث لإجراء الجزاء على الأعمال. فمعنى: {وبالآخرة هم يوقنون} أنهم يؤمنون بالبعث والحياة بعد الموت. واليقين هو العلم بالشيء عن نظر واستدلال أو بعد شك سابق ولا يكون شك إلا في أمر ذي نظر فيكون أخص من الإيمان ومن العلم. واحتج الراغب لذلك بقوله تعالى: {أية : لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم}تفسير : [التكاثر: 6، 7] ولذلك لا يطلقون الإيقان على علم الله ولا على العلوم الضرورية وقيل: هو العلم الذي لا يقبل الاحتمال وقد يطلق على الظن القوي إطلاقاً عرفياً حيث لا يخطر بالبال أنه ظن ويشتبه بالعلم الجازم فيكون مرادفاً للإيمان والعلم. فالتعبير عن إيمانهم بالآخرة بمادة الإيقان لأن هاته المادة، تشعر بأنه علم حاصل عن تأمل وغوص الفكر في طريق الاستدلال لأن الآخرة لما كانت حياة غائبة عن المشاهدة غريبة بحسب المتعارف وقد كثرت الشبه التي جرت المشركين والدهريين على نفيها وإحالتها، كان الإيمان بها جديراً بمادة الإيقان بناء على أنه أخص من الإيمان، فلإيثَار {يوقنون} هنا خصوصية مناسبة لبلاغة القرآن، والذين جعلوا الإيقان والإيمان مترادفين جعلوا ذكر الإيقان هنا لمجرد التفنن تجنباً لإعادة لفظ {يؤمنون} بعد قوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك}. وفي قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} تقديم للمجرور الذي هو معمول {يوقنون} على عامله، وهو تقديم لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة، وأرى أن في هذا التقديم ثناء على هؤلاء بأنهم أَيقنوا بأَهم ما يوقن به المؤمن فليس التقديم بمفيد حصراً إذ لا يستقيم معنى الحصر هنا بأن يكون المعنى أنهم يوقنون بالآخرة دون غيرها، وقد تكلف صاحب «الكشاف» وشارحوه لإفادة الحصر من هذا التقديم ويخرج الحصر عن تعلقه بذات المحصور فيه إلى تعلقه بأحواله وهذا غير معهود في الحصر. وقوله: {هم يوقنون} جيء بالمسند إليه مقدماً على المسند الفعلي لإفادة تقوية الخبر إذ هو إيقان ثابت عندهم من قبل مجيء الإسلام على الإجمال، وإن كانت التوراة خالية عن تفصيله والإنجيل أشار إلى حياة الروح، وتعرض كتابا حزقيال وأشعياء لذكره وفي كلا التقديمين تعريض بالمشركين الدهريين ونداء على انحطاط عقيدتهم، وأما المتبعون للحنيفية في ظنهم مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نُفيل فلم يلتفت إليهم لقلة عددهم أو لأنهم ملحقون بأهل الكتاب لأخذهم عنهم كثيراً من شرائعهم بعلة أنها من شريعة إبراهيم عليه السلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَبِٱلآخِرَةِ} (4) - وَهؤلاءِ المُتَّقُونَ هُمُ الذينَ يُصَدِّقُونَ بما جِئْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبمَا أُنزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلا يَجْحَدُونَ بما جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ بِصِدْقِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ النُّبُوَّاتُ مِنَ البَعْثِ وَالحِسَابِ في الآخِرَةِ. اليَقِينُ - هُوَ التَّصدِيقُ الجَازِمُ. وَيُعرَفُ اليَقِينُ بآثَارِهِ في الأَعْمَالِ، فَمَنْ شَهِدَ زُوراً، أَوْ أَكَلَ مَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِيمانُهُ قَائِماً عَلَى اليَقِينِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يعطينا صفات أخرى من صفات المؤمنين .. فبعد أن أبلغنا أن من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله .. يأتي بعد ذلك إلى صفات أخرى. فهؤلاء المؤمنون هم: {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ..} [البقرة: 4] أي بالقرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى .. و {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ..} [البقرة: 4] وهذه لم تأت في وصف المؤمنين إلا في القرآن الكريم .. ذلك أن الإسلام عندما جاء كان عليه أن يواجه صنفين من الناس .. الصنف الأول هم الكفار وهم لا يؤمنون بالله ولا برسول مُبَلِّغ عن الله .. وكان هناك صنف آخر من الناس .. هم أهل الكتاب يؤمنون بالله ويؤمنون برسل عن الله وكتب عن الله. والإسلام واجه الصنفين .. لأن أهل الكتاب ربما ظنوا أنهم على صلة بالله .. يؤمنون به ويتلقون منه كتباً ويتبعون رسلاً وهذا في نظرهم كاف .. نقول لا، فالإسلام جاء ليؤمن به الكافر، ويؤمن به أهل الكتاب، ويكون الدين كله لله. والله سبحانه وتعالى في كتبه التي أنزلها أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن اسمه وأوصافه، وطلب من أهل الكتاب الذين سيدركون رسالته صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به. ولقد أعطى الله جل جلاله أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب حتى إنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل كانت معرفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزمنه وأوصافه معرفة يقينية .. وكان يهود المدينة يقولون للكفار .. أَطَلَّ زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم .. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أول مَنْ حاربه وأنكر نبوته .. فأوصاف رسول الله عليه الصلاة والسلام موجودة في التوراة والإنجيل .. ولذلك كان بعض أهل الكتاب من اليهود ينذرون الكفار بأنهم سيؤمنون بالرسول الجديد ويسودون به العرب .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. أي أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن مفاجئة لأهل الكتاب بل كانوا ينتظرونها .. كانوا يؤكدون أنهم سيؤمنون بها كما تأمرهم بها كتبهم .. ولكنهم رفضوا الإيمان وأنكروا الرسالة عندما جاء زمنها. ثم يقول سبحانه وتعالى: {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] ونلاحظ هنا أن كلمة {وَبِٱلآخِرَةِ} [البقرة: 4] قد جاءت .. لأنك اذا تصفحت التوراة التي هي كتاب اليهود، أو قرأت التلمود لا تجد شيئاً عن اليوم الآخر .. فقد أخذوا الأمر المادي فقط من كتبهم .. والله تبارك وتعالى أكد الإيمان باليوم الآخر حتى يعرف الذين يقولون آمنا بالله وكتبه ورسله ولا يلتفتون إلى اليوم الآخر، أنهم ليسوا بمؤمنين، فلو لم يجئ هذا الوصف في القرآن الكريم ربما قالوا إن الإسلام موافق لما عندنا، ولكن الله جل جلاله يريد تصوير الإيمان تصويراً كمالياً بأن الإيمان بالله قمة ابتداء والإيمان باليوم الآخر قمة انتهاء .. فمن لم يؤمن بالآخرة وأنه سيلقى الله وسيحاسبه .. وأن هناك جنة ينعم فيها المؤمن، وناراً يُعذَّبُ فيها الكافر؛ يكون ايمانه ناقصاً، ويكون قد اقترب من الكافر الذي جعل الدنيا غايته وهدفه. فالمؤمن يتبع منهج الله في الدنيا ليستحق نعيم الله في الآخرة .. فلو أن الآخرة لم تكن موجودة، لكان الكافر أكثر حظاً من المؤمن في الحياة .. لأنه أخذ من الدنيا ما يشتهيه ولم يقيد نفسه بمنهج، بل أطلق لشهواته العنان .. بينما المؤمن قَيَّدَ حركته في الحياة طبقاً لمنهج الله وتعب في سبيل ذلك. ثم يموت الاثنان وليس بعد ذلك شيء .. فيكون الكافر هو الفائز بنعم الدنيا وشهواتها. والمؤمن لا يأخذ شيئاً والأمر هنا لا يستقيم بالنسبة لقضية الإيمان .. ولذلك كان الإيمان بالله قمة الإيمان بداية والإيمان بالآخرة قمة الإيمان نهاية.

الأندلسي

تفسير : و"الذين" يجوز في إعرابه الأوجه الثلاثة لأنه صفة مدح والغيب المؤمن به هو ما غاب عن المؤمن مما كلف الإِيمان به وتضمن الاعتقاد القلبي والفعل البدني وإخراج المال وهذه الثلاثة عمد الاسلام وإفعال المتقي ومن للتبعيض والأولى حمل الانفاق على الزكاة لكثرة ورودها مقترنة مع الصلاة في القرآن والسنة، وأضاف الرزق إليه لا إلى كسب العبد ليعلم أن الذي ينفقه العبد هو بعض مما رزقه الله تعالى وجعلت صلاة الذين افعالا مضارعة لا صلات لأل لأن المضارع على ما ذكر البيانيون مشعر بالتجدد والحدوث والتجدد في صفة المتقين أمدح. وال قالوا تدل على الثبوت وكان هذا الموصول بصلاته شرح للمتقين فدل المتقين على الثبوت والمضارعات على الحدوث فتعددت وأخرت الصلة الثالثة لأجل الفواصل وحذف العائد على ما وتقديره رزقنا همو، وترتيب هذه الصلات من باب ترتيب الأهم فالأهم والألزم فالألزم فالايمان لازم للمكلف دائماً والصلاة في كثيرٍ من الأوقات والنفقة في بعض الأوقات. و"الانزال" الإِيصال والإِبلاغ ولا يشترط أن يكون من علو. وقرىء بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك مبنيين للفاعل وهو التفات إذ هو خروج من ضمير متكلم في رزقناهم إلى ضمير غائب وقرىء بما أنزل إليك ووجهه أنه سكن لام أنزل ونقل إليها حركة همزة إليك بعد حذفها ثم أدغم والذين معطوف على الذين ويظهر أنه تفسير للإِيمان بالغيب وهو أن يؤمن بما أنزل إلى الرسول وبما أنزل إلى الرسل قبله. و"بالآخرة" هي صفة غالبة وهي في الأصل تأنيث آخر وحملها على الدار الآخرة أولى من حملها على النشاة الآخرة، والمضي في وما أنزل من قبلك متحقق وفي بما أنزل إليك لأن أكثره كان نزل بمكة والمدينة فقام الأكثر مقام الجمع أو غلب الموجود لأن الإِيمان بالمتقدم الماضي يقتضي الايمان بالمتأخر، والإِيقان: التحقق للشيء لسكونه ووضوحه، يقن الماء: سكن وظهر ما تحته، ولم تعد بآء الجر في ما الثانية ليدل على أنه إيمان واحد إذ أعادته تشعر بأنهما إيمانان وأكد أمر الآخرة بتعلق الإِيقان الذي هو أجلى وآكد مراتب العلم والتصديق وإن كان لا تفاوت في الحقيقة بينهما رفعا لمجاز إطلاق العلم على الظن فذكر أن الإِيمان والعلم بالآخرة لا يكون إلا إيقاناً، وغاير بين الإِيمان بالمنزل والإِيمان بالآخرة لا يكون إلا إيقاناً، وغاير بين الإِيمان بالمنزل والإِيمان بالآخرة في اللفظ لزوال كلفة التكرار وكان الإِيقان هو الذي اختص بالآخرة لكثرة غرائب متعلقاتها ولكون المنزل مشاهداً أو كالمشاهد والآخرة غيب صرف فناسب الإِيقان: قالوا: والإِيقان هو العلم الحادث سواء كان ضرورياً أم استدلالياً فلذلك لا يوصف به الباري سبحانه وتعالى وقدم المجرور اعتنآء به وإبراز هذه الجملة اسمية وإن كانت معطوفة على فعلية آكد في الاخبار عن هؤلاء بالإِيقان والتصدير بالمبتدأ يشعر بالاهتمام بالمحكوم عليه كما أن التصدير بالفعل مشعر بالاهتمام بالمحكوم به ولم يذكرهم في: ومما رزقناهم، لأن الوصف بالإِيقان أعلى من الوصف بالانفاق ولكونه يكون فيه قلق لفظي. "أولئك" اسم إشارة للجمع مطلقاً وهو للرتبة الوسطى وهو مبتدأ خبره الذي بعده، وهي جملة استئنافية ولا تختار ما أجتازه الزمخشري من كون هذه الجملة في موضع خبر عن الذين يؤمنون وإعراب الذين مبتدأ والذهاب بالذين مذهب الاستئناف لأن تعلقه واتصاله بما قبله في غاية الوضوح. على هدى إلا أنه لما وصف المتقين بصفات مدح فصلت جهات التقوى أشار إليهم بأن من حاز هذه الأوصاف الشريفة هو على هدى جعل رسوخهم في الهداية كأنهم استعلوه، ووصف الهدى بأنه من ربهم تعظيم للهدى الذي هم عليه، ومن: لابتداء الغاية أو للتبعيض، أي من هدى ربهم. وذكر الرب هنا في غاية المناسبة. والفلاح: الفوز والظفر بإدراك البغية والبقاء. وقرىء من ربهم بضم الهاء كان ضمير جمع لمذكر أو مؤنث ولا يراعي سبق كسر أو ياء وهذان خبران مختلفان لذلك كرر أولئك ليقع كل منهما في جملة مستقلة أخبر عنهم بالتمكن من الهدى في الدنيا وبالفوز في الآخرة وهم فصل أو بدل أو مبتدأ.