Verse. 10 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

الَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ وَيُـقِيْمُوْنَ الصَّلٰوۃَ وَمِمَّا رَزَقْنٰھُمْ يُنْفِقُوْنَ۝۳ۙ
Allatheena yuminoona bialghaybi wayuqeemoona alssalata wamimma razaqnahum yunfiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين يؤمنون» يصدِّقون «بالغيب» بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار «ويقيمون الصلاة» أي يأتون بها بحقوقها «ومما رزقناهم» أعطيناهم «ينفقون» في طاعة الله.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب( الكشاف): {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه بـ {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى } فإذا كان موصولاً كان الوقف على المتقين حسناً غير تام، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً. المسألة الثانية: قال بعضهم: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً للحسنات وتاركاً للسيآت، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب ـ وهو قوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } ـ وإما أن يكون فعل الجوارح، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة؛ لأن العبادة أما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة، أو مالية، وأجلها الزكاة؛ ولهذا سمى الرسول عليه السلام: «حديث : الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام» تفسير : وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تفسير : [العنكبوت: 45] والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيراً لكونهم متقين؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي، فالترك هو التقوى، والفعل إما فعل القلب، وهو الإيمان، أو فعل الجوارح، وهو الصلاة والزكاة، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، واللروح يجب تطهيره أولاً عن النقوش الفاسدة، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه، وكذا القول في الأخلاق، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي. المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى «أقر وأعترف» وأما ما حكى أبو زيد: ما آمنت أن أجد صحابة أي ماوثقت، فحقيقته صرت ذا أمن، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق. وأقول: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع. الفرقة الأولى: الذين قالوا: الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنّة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً. فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله، ويكون المراد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله، فالإيمان المُعدَّى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي ـ الذي هو التصديق ـ إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد. وثانيها: أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم. وثالثها: أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال: شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها. وأما أهل الحديث فذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب. الثاني: زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه، ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. الفرقة الثانية: الذين قالوا: الإيمان بالقلب واللسان معاً، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين. أحدهما: اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم ـ سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل ـ وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. وثانيهما: اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟ قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم أنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. وقال أهل الإنصاف: المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو عالماً لذاته وبكونه مرئياً أو غيره لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان. القول الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً، وهو قول بشر بن غِياث المريسي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس. القول الثالث: قول طائفة من الصوفية: الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب. الفرقة الثالثة: الذين قالوا: الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين: أحدهما: أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان. أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان. وحكى الكعبي عنه: أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم. وثانيهما: أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي. الفرقة الرابعة: الذين قالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان: الأول: أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولاً لغيلان. الثاني: أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول: أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثاً، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمراً واحداً يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، بقي ههنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهين أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة. القيد الأول: أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه: الأول: أنه كان في أصل اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلماً بغير كلام العرب، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربياً. الثاني: أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع. الثالث: أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك. الرابع: أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال: {أية : مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } تفسير : [البقرة: 41] وقوله: {أية : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } تفسير : [النحل: 106] {أية : كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] {أية : وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } تفسير : [الحجرات: 14] الخامس: أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلاً في الإيمان لكان ذلك تكراراً. السادس: أنه تعالى كثيراً ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي، قال: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 82] {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْر اللهِ } تفسير : [الحجرات: 9] واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178] من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا } فدل على أنه مؤمن. وثانيها: قوله: {أية : فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } تفسير : [البقرة: 178] وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان، لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] وثالثها: قوله: {أية : ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } تفسير : [البقرة: 178] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمنوا ولم يهاجروا } تفسير : [الأنفال: 72] هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النحل: 28] وقوله: {أية : مَالَكُمْ مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } تفسير : [الأنفال: 72] ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضاً عليه قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } تفسير : [الممتحنة: 1] وقال: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 27] وقوله تعالى: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } تفسير : [التحريم: 8] والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله: {أية : وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [النور: 31] لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنباً وليس كذلك قولنا: هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة. القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } تفسير : [البقرة: 8] نفي كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي. القيد الثالث: أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً. القيد الرابع: ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عزّ وجلّ؛ لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطاً معتبراً في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا. فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان، فإن قال قائل: ها هنا صورتان: الصورة الأولى: من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة. فههنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان، وهو خرق للإجماع، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: «حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»تفسير : وهذا قلب طافح بالإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟ الصورة الثانية: من عرف الله تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع، وإن قلتم ليس بمؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: «حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» تفسير : ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق. والجواب: أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين، وحكم بكونهما مؤمنين، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان. المسألة الرابعة: قيل: {ٱلْغَيْبَ } مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، والزور بمعنى الزائر، ثم في قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } قولان: الأول: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني ـ أن قوله: {بِٱلْغَيْبِ } صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزءون. ونظيره قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52] ويقول الرجل لغيره: نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقاً لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائباً عن الحاسة ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما ليس عليه دليل. فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثناء العظيم. واحتج أبو مسلم على قوله بأمور: الأول: أن قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } تفسير : [البقرة: 4] إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه، وأنه غير جائز: الثاني: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب، وهو خلاف قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث: لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته، فقوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور. والجواب عن الأول: أن قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة، وهو جائز كما في قوله: {أية : وَمَلَـٰئِكَتُهُ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلُ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] وعن الثاني: أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا، فكان ذلك التخصيص لازماً على الوجهين جميعاً. فإن قيل أفتقولون: العبد يعلم الغيب أم لا؟ قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل، ويفيد الكلام فلا يلتبس، وعلى هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة. وعن الثالث: لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد. ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم. المسألة الخامسة: قال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله تعالى به في القرآن والخبر، أما القرآن فقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [النور: 55] وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً» تفسير : واعلم أن تخصيص المطلق من غير الدليل باطل. المسألة السادسة: ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوهاً: أحدها: أن إقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قومه. وثانيها: أنها عبارة عن المداومة عليها كما قال تعالى: {أية : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } تفسير : [المعارج: 34] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } تفسير : [المعارج: 23] من قامت السوق إذا نفقت، وإقامتها نفاقها؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإذا أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه وثالثها: أنها عبارة عن التجرد لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها، وفي ضده: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط. ورابعها: إقامتها عبارة عن أدائها، وإنما عبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنها بالقنوت وبالركوع وبالسجود، وقالوا: سبح إذا صلى، لوجود التسبيح فيها، قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ } تفسير : [الصافات: 143] واعلم أن الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه من الثناء العظيم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خلل في أركانها وشرائطها؛ ولذلك فإن القيم بأرزاق الجند إنما يوصف بكونه قيماً إذا أعطى الحقوق من دون بخس ونقص؛ ولهذا يوصف الله تعالى بأنه قائم وقيوم؛ لأنه يجب دوام وجوده؛ ولأنه يديم إدرار الرزق على عباده. المسألة السابعة: ذكروا في لفظ الصلاة في أصل اللغة وجوهاً. أحدها: أنها الدعاء قال الشاعر:شعر : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتشم تفسير : وثانيها: قال الخارزنجي. اشتقاقها من الصلى، وهي النار، من قولهم: صليت العصا إذا قومتها بالصلى، فالمصلي كأنه يسعى في تعديل باطنه وظاهره مثل من يحاول تقويم الخشبة بعرضها على النار. وثالثها: أن الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى: {أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً } تفسير : [الغاشية: 4] {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 3] وسمي الفرس الثاني من أفراس المسابقة مصلياً. ورابعها: قال صاحب( الكشاف): الصلاة فعلة من «صلى» كالزكاة من «زكى» وكتبتها بالواو على لفظ المفخم، وحقيقة صلى حرك الصلوين، لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل الداعي مصلي تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد، وأقول ها هنا بحثان: الأول: إن هذا الاشتقاق الذي ذكره صاحب( الكشاف) يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة، وذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة وأكثرها دوراناً على ألسنة المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل، ولو جوزنا أن يقال: مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره، ثم إنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لكان مثله في سائر الألفاظ جائزاً، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله تعالى من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا، لاحتمال أنها كانت في زمان الرسول موضوعة لمعان أخر، وكان مراد الله تعالى منها تلك المعاني، إلا أن تلك المعاني خفيت في زماننا واندرست كما وقع مثله في هذه اللفظة، فلما كان ذلك باطلاً بإجماع المسلمين علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل. الثاني: الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضاً مفتتحة بالتحريم، مختتمة بالتحليل، وهذا الاسم يقع على الفرض والنفل. لكن المراد بهذه الآية الفرض خاصة؛ لأنه الذي يقف الفلاح عليه؛ لأنه عليه السلام لما بين للإعرابي صفة الصلاة المفروضة قال والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفلح إن صدق »تفسير : . المسألة الثامنة: الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } تفسير : [الواقعة: 82] أي حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره ثم قال بعضهم: الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهو باطل، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الرعد: 22] فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. وقال آخرون: الرزق هو ما يملك وهو أيضاً باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولداً صالحاً أو زوجة صالحة وهو لا يملك الولد ولا الزوجة، ويقول: اللهم ارزقني عقلاً أعيش به وليس العقل بمملوك، وأيضاً البهيمة يكون لها رزق ولا يكون لها ملك. وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا الله تعالى الأموال، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالاً فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص، وإذا سألناه أن يرزق البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص، وإنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به، ولم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به، واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقاً. وقال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقاً، فحجة الأصحاب من وجهين: الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظاً ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له الثاني: أنه تعالى قال: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً. أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب فوجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى، فلو كان الحرام رزقاً لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك باطل بالاتفاق. وثانيها: لو كان الحرام رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 254] وأجمع المسلون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقاً. وثالثها: قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءآللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ } تفسير : [يونس: 59] فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقاً، وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب( الغرر) بإسناده عن صفوان بن أمية قال. كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأئذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام: «حديث : لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله رزقاً طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئاً ضربتك ضرباً وجيعاً» تفسير : وأما المعنى فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام وأمر غيره بمنعه منه والانتفاع به، من منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال. إن السلطان قد رزق جنده مالاً قد منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان لكل من الله، لكنه كما يقال: يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } تفسير : [الإنسان: 6] فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضاً من العباد، وكذلك ها هنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقاً أيضاً، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا، لأن قوله عليه السلام: «حديث : فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه»تفسير : صريح في أن الرزق قد يكون حراماً وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض للغة وهو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله أعلم. المسألة التاسعة: أصل الإنفاق إخراج المال من اليد، ومنه نفق المبيع نفاقاً إذا كثر المشترون له، ونفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها، ونافقاء الفأرة لأنها تخرج منها ومنه النفق في قوله تعالى: {أية : أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [الأنعام: 35]. المسألة العاشرة: في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } فوائد: أحدها: أدخل من التبعيضية صيانة لهم، وكفى عن: الإسراف والتبذير المنهي عنه. وثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال ويخصون بعض المال بالتصدق به. وثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية، الإنفاق الواجب، والإنفاق المندوب، والإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة وهي قوله في آية الكنز: {أية : وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّه } تفسير : [التوبة: 34]. وثانيها: الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته. وثالثها: الإنفاق في الجهاد. وأما الإنفاق المندوب فهو أيضاً إنفاق لقوله: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } وأراد به الصدقة لقوله بعده: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [المنافقون: 10] فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح.

القرطبي

تفسير : فيها ست وعشرون مسألة: الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ} في موضع خفض نعت «للمتقين»، ويجوز الرفع على القطع أي هم الذين، ويجوز النصب على المدح. {يُؤْمِنُونَ} يصدقون. والإيمان في اللغة: التصديق؛ وفي التنزيل: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} تفسير : [يوسف: 17] أي بمصدق؛ ويتعدّى بالباء واللام؛ كما قال: {أية : وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 73] {أية : فَمَآ ءامَنَ لِمُوسَىٰ}تفسير : [يونس: 83]. وروى حجاج بن حجاج الأحول ـ ويلقب بزق العَسَل ـ قال سمعت قتادة يقول: يا ابن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السّأْمة والفَتْرَة والملّة؛ ولكنّ المؤمن هو المتحامل، والمؤمن هو المُتقوَّى، والمؤمن هو المتشدّد، وإن المؤمنين هم العجّاجون إلى الله الليل والنهار؛ واللَّهِ ما يزال المؤمن يقول: ربَّنا ربَّنا في السرّ والعلانية حتى ٱستجاب لهم في السر والعلانية. الثانية: قوله تعالى: {بِٱلْغَيْبِ} في كلام العرب: كل ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء؛ يقال منه: غابت الشمس تَغيب؛ والغيبة معروفة. وأغابت المرأة فهي مُغيبة إذا غاب عنها زوجها؛ ووقعنا في غَيبة وغَيابة، أي هبطة من الأرض؛ والغيابة: الأَجَمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها؛ ويسمى المطمئن من الأرض: الغيب، لأنه غاب عن البصر. الثالثة: وٱختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا؛ فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه. وضعّفه ٱبن العربي. وقال آخرون: القضاء والقدر. وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ٱبن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. قلت: وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الإيمان. قال: «حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره»تفسير : . قال: صدقت. وذكر الحديث. وقال عبد اللَّه بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}. قلت: وفي التنزيل: {أية : وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} تفسير : [الأعراف: 7]، وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الأنبياء: 49]. فهو سبحانه غائب عن الأبصار، غير مَرْئي في هذه الدار، غير غائب بالنظر والاستدلال؛ فهم يؤمنون أن لَهم رَبًّا قادراً يجازي على الأعمال، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم بٱطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض؛ والحمد لله. وقيل: «بالغيب» أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين؛ وهذا قول حسن. وقال الشاعر:شعر : وبالغيب آمنّا وقد كان قومُنا يصلّون للأوثان قبل محمّد تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ} معطوف جملة على جملة. وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها؛ على ما يأتي بيانه. يقال: قام الشيء أي دام وثبت؛ وليس من القيام على الرِّجْل؛ وإنما هو من قولك: قام الحق أي ظهر وثبت؛ قال الشاعر:شعر : وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : وقال آخر:شعر : وإذا يقال أتيتُم لم يبرحوا حتى تُقيم الخيلُ سُوقَ طِعانِ تفسير : وقيل: «يقيمون» يديمون، وأقامه أي أدامه؛ وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله: من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضَيّعها فهو لما سواها أضيع. الخامسة: إقامة الصلاة معروفة؛ وهي سنة عند الجمهور، وأنه لا إعادة على تاركها. وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وٱبن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة؛ وبه قال أهل الظاهر، وروي عن مالك، وٱختاره ٱبن العربي قال: لأن في حديث الأعرابي: «وأقم» فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء. قال: فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعيّن عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض. قال ٱبن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وتحريمها التكبير»تفسير : دليل على أنه لم يَدخل في الصلاة من لم يُحْرِم، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للاجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك. وقال بعض علمائنا: مَن تركها عمداً أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن، والله أعلم. السادسة: وٱختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يُسرع أوْ لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام: «حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسعَون وأتوها تمشون وعليكم السكِينة فما أدركتم فصَلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا»تفسير : . رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وعنه أيضاً قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا ثُوّب بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدكم ولكن لِيمْشِ وعليه السَّكِينة والوقار صَلِّ ما أدركت وٱقضِ ما سبقك»تفسير : . وهذا نص. ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع ٱنبهر فشوّش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف منهم ٱبن عمر وٱبن مسعود على ٱختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحٰق: يسرع إذا خاف فوات الركعة؛ وروي عن مالك نحوه، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرّك الفرس؛ وتأوّله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب؛ لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي. قلت: وٱستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار؛ لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر؛ فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه. ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة، وما خرّجه الدّارمي في مسنده قال: حدّثنا محمد بن يوسف قال حدّثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عُجْرَة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تُشَبِّكَنّ بين أصابعك فإنك في صلاة»تفسير : . فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلّي؛ وهذه السنن تبيّن معنى قوله تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 9] وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام، وإنما عنى العمل والفعل؛ هكذا فسره مالك. وهو الصواب في ذلك والله أعلم. السابعة: وٱختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام: «حديث : وما فاتكم فأتِمُّوا»تفسير : وقوله: «حديث : وٱقض ما سبقك»تفسير : هل هما بمعنىً واحد أوْ لا؟ فقيل: هما بمعنىً واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام، قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ}تفسير : [الجمعة: 10] وقال: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ}تفسير : [البقرة: 200]. وقيل: معناهما مختلف وهو الصحيح؛ ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أوّل صلاته أو آخرها؟ فذهب إلى الأوّل جماعة من أصحاب مالك ـ منهم ٱبن القاسم ـ ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة، فيكون بانياً في الأفعال قاضياً في الأقوال. قال ٱبن عبد البر: وهو المشهور من المذهب. وقال ٱبن خُوَيْزْ مَنْدَاد: وهو الذي عليه أصحابنا، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن عليّ. وروى أشهب وهو الذي ذكره ٱبن عبد الحكم عن مالك، ورواه عيسى عن ٱبن القاسم عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وأنه يكون قاضياً في الأفعال والأقوال؛ وهو قول الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وهو مشهور مذهب مالك. قال ٱبن عبد البر: من جعل ما أدرك أوّلَ صلاته فأظنهم راعوا الإحرام؛ لأنه لا يكون إلا في أوّل الصلاة، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها؛ فمن ها هنا قالوا: إن ما أدرك فهو أوّل صلاته، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله: «حديث : فأتموا» تفسير : والتمام هو الآخر. وٱحتج الآخرون بقوله: «حديث : فٱقضوا» تفسير : والذي يقضيه هو الفائت، إلا أن رواية من روى «حديث : فأتموا»تفسير : أكثر، وليس يستقيم على قول من قال: إن ما أدرك أوّل صلاته ويطرد، إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سَلَمة الماجِشُون والمزني وإسحٰق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه؛ وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها؛ فهؤلاء ٱطرد على أصلهم قولهم وفعلهم؛ رضي الله عنهم. الثامنة: الإقامة تمنع من ٱبتداء صلاة نافلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»تفسير : خرّجه مسلم وغيره؛ فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}تفسير : [محمد: 33] وخاصة إذا صلى ركعة منها. وقيل: يقطعها لعموم الحديث في ذلك. والله أعلم. التاسعة: وٱختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة؛ فقال مالك: يدخل مع الإمام ولا يركعهما؛ وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد ـ التي تصلَّى فيها الجمعة ـ اللاصقة بالمسجد؛ وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه؛ ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب؛ وَلأنْ يصلّيهما إذا طلعت الشمس أحبّ إليّ وأفضل من تركهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة الفجر خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام. وكذلك قال الأوزاعي؛ إلا أنه يجوِّز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة. وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد. وقال الحسن بن حَيّ ويقال ٱبن حَيَان: إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوّع إلا ركعتي الفجر. وقال الشافعي: من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك؛ وهو الصحيح في ذلك؛ لقوله عليه السلام: «حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» تفسير : . وركعتا الفجر إمّا سنة، وإمّا فضيلة، وإمّا رَغِيبة؛ والحجة عند التنازع حجة السُّنة. ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ٱبن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حُجرة حفصة، ثم إنه صلى مع الإمام. ومن حجة الثَوْري والأوزاعي ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلي إلى أُسْطُوَانة في المسجد ركعتي الفجر، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما. قالوا: وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد، روى مسلم عن عبد اللَّه بن مالك ٱبن بُحَيْنَة قال: أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: «حديث : أتصلي الصبح أربعاً»تفسير : وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي، ويمكن أن يستدل به أيضاً على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صَحّت؛ لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك، والله أعلم. العاشرة: الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صَلّى يصلّي إذا دعا؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليُجِب فإن كان مفطراً فليطعم وإن كان صائماً فليُصَلّ»تفسير : أي فليدْعُ. وقال بعض العلماء: إن المراد الصلاة المعروفة، فيصلي ركعتين وينصرف؛ والأوّل أشهر وعليه من العلماء الأكثر. ولما وَلدت أسماءُ عبد اللَّه بن الزبير أرسلته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قالت أسماء: ثم مسحه وصلّى عليه، أي دعا له. وقال تعالى: {أية : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 103] أي ٱدع لهم. وقال الأعشى:شعر : تقول بِنْتي وقد قَرُبتُ مرتحلاً يا ربّ جنّب أبي الأوْصاب والوَجَعَا عليكِ مثلَ الذي صلّيتِ فاغْتمِضِي نوماً فإن لجَنْبِ المرء مُضطجَعَا تفسير : وقال الأعشى أيضاً:شعر : وقابلها الرّيح في دَنِّها وصلَّى على دَنِّها وارتْسَمْ تفسير : ٱرتسم الرجل: كبّر ودعا؛ قاله في الصحاح. وقال قوم: هي مأخوذة من الصَّلا وهو عِرْق في وسط الظهر ويفترق عند العَجْب فيكتنفه؛ ومنه أُخذ المُصَلَّي في سبق الخيل؛ لأنه يأتي في الحَلْبة ورأسه عند صَلْوَى السابق؛ فٱشتقت الصلاة منه، إمّا لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمُصَلِّى من الخيل، وإما لأن الراكع تثنى صَلَوَاه. والصَّلا: مَغْرِز الذَّنَب من الفرس، والاثنان صلوان. والمُصَلّى: تالي السابق؛ لأن رأسه عند صَلاه. وقال عليّ رضي الله عنه: سَبَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصَلَّى أبو بكر وثَلّث عمر. وقيل: هي مأخوذة من اللزوم؛ ومنه صَلِي بالنار إذا لزمها؛ ومنه {أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تفسير : [الغاشية: 4]. قال الحارث بن عُبَاد:شعر : لم أكن من جُنَاتِها علم اللّـ ـهُ وإنّي بحرّها اليومَ صالِ تفسير : أي ملازم لحرّها؛ وكأنّ المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحدّ الذي أمر الله تعالى به. وقيل: هي مأخوذة من صَلَيت العود بالنار إذا قوّمته وليّنته بالصّلاء. والصِّلاء: صِلاء النار بكسر الصاد ممدود؛ فإن فتحت الصاد قَصَرْت، فقلت صَلا النار، فكأنّ المصلي يقوّم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع؛ قال الخارزنجي:شعر : فلا تعْجل بأمرك وٱستدمْهُ فما صَلَّى عصاك كمستديمِ تفسير : والصلاة: الدعاء. والصلاة: الرحمة؛ ومنه: «حديث : اللّهم صلّ على محمد»تفسير : الحديث. والصلاة: العبادة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [الأنفال: 35] الآية؛ أي عبادتهم. والصلاة: النافلة؛ ومنه قوله تعالى:{أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ} تفسير : [طه: 132]. والصلاة التسبيح؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} تفسير : [الصافات: 143] أي من المصلين. ومنه سُبْحة الضحى. وقد قيل في تأويل{أية : نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} تفسير : [البقرة: 30]: نصلّي. والصلاة: القراءة؛ ومنه قوله تعالى:{أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} تفسير : [الإسراء: 110] فهي لفظ مشترك. والصلاة: بيت يصلّى فيه؛ قاله ٱبن فارس. وقد قيل: إن الصلاة ٱسم عَلَم وضع لهذه العبادة؛ فإن الله تعالى لم يُخلِ زماناً من شرع، ولم يُخلَ شرع من صلاة؛ حكاه أبو نصر القشيري. قلت: فعلى هذا القول لا ٱشتقاق لها؛ وعلى قول الجهور وهي: الحادية عشرة: ٱختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي، وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام، أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرّها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع. هنا ٱختلافهم والأوّل أصح؛ لأن الشريعة ثبتت بالعربية، والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين؛ ولكن للعرب تحكُم في الأسماء، كالدابة وضعت لكل ما يدِب؛ ثم خصصها العرف بالبهائم؛ فكذلك لعرف الشرع تحكُّم في الأسماء، والله أعلم. الثانية عشرة: وٱختلف في المراد بالصلاة هنا؛ فقيل: الفرائض. وقيل: الفرائض والنوافل معاً؛ وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام والمتّقي يأتي بهما. الثالثة عشرة: الصلاة سبب للرزق؛ قال الله تعالى:{أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ}تفسير : [طه:132] الآية؛ على ما يأتي بيانه في «طه» إن شاء الله تعالى. وشفاء من وجع البطن وغيره؛ روى ٱبن ماجه عن أبي هريرة قال: "حديث : هَجَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم فهجَّرتُ فصليتُ ثم جلستُ؛ فٱلتفت إليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «أشكمت دَرْدَه» قلت: نعم يا رسول الله؛ قال: «قم فصلّ فإن في الصلاة شفاء». في رواية: «أشكمت درد»"تفسير : يعني تشتكي بطنك بالفارسية؛ وكان عليه الصلاة والسلام إذا حَزَبَه أمرٌ فزع إلى الصلاة. الرابعة عشرة: الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض؛ فمن شروطها: الطهارة، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة. وستر العورة، يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى. وأما فروضها: فاستقبال القبلة، والنية، وتكبيرة الإحرام والقيام لها، وقراءة أم القرآن والقيام لها، والركوع والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه، والسجود والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من السجود، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والسجود الثاني والطمأنينة فيه. والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أخَلَّ بها، فقال له: «حديث : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم ٱستقبل القبلة ثم كبر ثم ٱقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم ٱركع حتى تطمئن راكعاً ثم ٱرفع حتى تعتدل قائماً ثم ٱسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ٱرفع حتى تطمئن جالساً ثم ٱفعل ذلك في صلاتك كلها»تفسير : خرّجه مسلم. ومثله حديث: رفاعة بن رافع، أخرجه الدّارقُطْنِي وغيره. قال علماؤنا: فبيّن قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة، وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حدّ القراءة وعن تكبير الانتقالات، وعن التسبيح في الركوع والسجود، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام. أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما. وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء؛ لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع. وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام. وقال بعض أصحابه: الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب، وإنّ من لم يرفع يديه فصلاته باطلة؛ وهو قول الحميدي، ورواية عن الأوزاعي. وٱحتجوا بقوله عليه السلام: «حديث : صلُّوا كما رأيتموني أصلي»تفسير : أخرجه البخاري. قالوا: فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل؛ لأنه المبلِّغ عن الله مرادَه. وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور. وكان ٱبن قاسم صاحب مالك يقول: من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام، وإن لم يسجد بطلت صلاته؛ وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضاً للسهو، فإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها. وهذا يدل على أن عُظْم التكبير وجملته عنده فرض، وأن اليسير منه متجاوز عنه. وقال أصْبَغ بن الفرج وعبد اللَّه بن عبد الحكم: ليس على من لم يكبّر في الصلاة من أوّلها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام، فإن تركه ساهياً سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شيء عليه؛ ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامداً؛ لأنه سنة من سنن الصلاة، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية. قلت: هذا هو الصحيح، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غيرَ من ذهب مذهب ٱبن القاسم. وقد ترجم البخاري رحمه الله (باب إتمام التكبير في الركوع والسجود) وساق حديث مُطَرِّف بن عبد اللَّه قال: صلّيت خلف عليّ بن أبي طالب أنا وعمران بن حُصين، فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر؛ فلما قضى الصلاة أخذ بيدِي عمرانُ بن حصين فقال: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم. وحديثَ عكرمة قال: رأيت رجلاً عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ٱبن عباس فقال: أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أُمَّ لك! فدلّك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم. روى أبو إسحاق السَّبِيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال: صلّى بنا عليّ يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود؛ قال أبو موسى: فإما نسيناها وإما تركناها عمداً. قلت: أتراهم أعادوا الصلاة! فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته! ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه؛ وبالله التوفيق. الخامسة عشرة: وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور؛ وأوجبه إسحٰق بن رَاهْوَيْه، وأن من تركه أعاد الصلاة، لقوله عليه السلام: «حديث : أما الركوع فعظموا فيه الربّ وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِن أن يستجاب لكم».تفسير : السادسة عشرة: وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك؛ فقال مالك وأصحابه: الجلوس الأوّل والتشهد له سنتان. وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأوّل وقالوا: هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعَرايا من المُزَابنة، والقِراض من الإجارات، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعاً. وٱحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة. ٱحتج من لم يوجبه بأن قال: لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به، كما لو ترك سجدة أو ركعة؛ ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة؛ ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما. وفي حديث عبد اللَّه بن بُحَيْنة: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبّح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائماً فقاموا؛ فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم"تفسير : ؛ فلو كان الجلوس فرضاً لم يسقطه النسيان والسهو؛ لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم. وٱختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك. وهي: السابعة عشرة: على خمسة أقوال: أحدها: أن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض. وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة، وبه قال داود. قال الشافعي: من ترك التشهد الأوّل والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم فلاإعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه. وإذا ترك التشهد الأخير ساهياً أو عامداً أعاد. وٱحتجوا بأن بيان النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض؛ لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي».تفسير : القول الثاني: أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب، وإنما ذلك كله سنة مسنونة؛ هذا قول بعض البصريين، وإليه ذهب إبراهيم بن عُلَيّة، وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى، فخالف الجمهور وشذّ؛ إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئاً من ذلك كله. ومن حجتهم حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدةٍ في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته»تفسير : وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر؛ وقد بيناه في كتاب المقتبس. وهذا اللفظ إنما يُسقط السلام لا الجلوس. القول الثالث: إن الجلوس مقدار التشهد فرض، وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضاً. قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين. وٱحتجوا بحديث ٱبن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف؛ وفيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلّم فقد تمت صلاته»تفسير : . قال ٱبن العربي: وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس:شعر : ويرى الخروج من الصلاة بضَرْطَة أيْن الضّراطُ من السلامِ عليكُم تفسير : قال ٱبن العربي: وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين، أما أحدهما: فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلَّم من ركعتين متلاعبا، فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه، وهذا مذهب أهل العراق بعينه. وأما الثاني: فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمداً وقبل السلام أنه يجزىءُ من خلفَه، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى؛ وإن عمرت به المجالس للذكرى. القول الرابع: أن الجلوس فرض والسلام فرض، وليس التشهد بواجب. وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية. وٱحتجوا بأن قالوا: ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن. القول الخامس: أن التشهد والجلوس واجبان، وليس السلام بواجب؛ قاله جماعة منهم إسحٰق بن رَاهْوَيْه، وٱحتج إسحٰق بحديث ٱبن مسعود حين علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له: «حديث : إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك»تفسير : . قال الدّارقُطّني: قوله «حديث : إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك»تفسير : أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وفصله شَبَابة عن زهير وجعله من كلام ٱبن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم. وشَبَابة ثقة. وقد تابعه غَسّان بن الربيع على ذلك، جعل آخر الحديث من كلام ٱبن مسعود ولم يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. الثامنة عشرة: وٱختلف العلماء في السلام؛ فقيل: واجب، وقيل: ليس بواجب. والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث عليّ الصحيح خرّجه أبو داود والترمذيّ ورواه سفيان الثوريّ عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن عليّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم»تفسير : وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، وأنه لا يجزىء عنهما غيرهما كما لا يجزىء عن الطهارة غيرها باتفاق. قال عبد الرحمن بن مهدي: لو ٱفتتح رجل صلاته بسبعين ٱسماً من ٱسماء الله عز وجلّ ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه؛ وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث عليّ، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه. وحَسْبُك به! وقد ٱختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي: التاسعة عشرة:فقال ٱبن شهاب الزهري وسعيد بن المسيّب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول؛ والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة؛ وهو الصواب وعليه الجمهور، وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة. الموفية عشرين: وٱختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة؛ فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء: لا يجزىء إلا التكبير، لا يجزىء منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد. هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين؛ ولا يجزىء عند مالك إلا «الله أكبر» لا غير ذلك. وكذلك قال الشافعي وزاد: ويجزىء «الله الأكبر» و «الله الكبير». والحجة لمالك حديث عائشة قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ «ـالحمد لله رب العالِمين»"تفسير : . وحديث عليّ: وتحريمها التكبير. وحديث الأعرابي: فكبّر. وفي سنن ٱبن ماجه حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعليّ بن محمد الطنافسي قالا: حدّثنا أبو أسامة قال حدّثني عبد الحميد بن جعفر قال حدّثنا محمد ابن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ٱستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «الله أكبر»" تفسير : وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير؛ قال الشاعر:شعر : رأيتُ الله أكبرَ كلِّ شيء محاولةً وأعظمه جنودا تفسير : ثم إنه يتضمن القدم، وليس يتضمنه كبير ولا عظيم، فكان أبلغ في المعنى؛ والله أعلم. وقال أبو حنيفة: إن ٱفتتح بلا إلٰه إلا الله يجزيه. وإن قال: اللهم ٱغفر لي لم يجزه، وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير. وكان الحكم بن عتيبة يقول: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. قال ٱبن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلّل وكبّر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره، كما لا يجزىء مكان القراءة غيرها. وقال أبو حنيفة: يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية. قال ٱبن المنذر: لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين، وخلاف ما علّم النبيّ صلى الله عليه وسلم أمته، ولا نعلم أحداً وافقه على ما قال. والله أعلم. الحادية و العشرون: وٱتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئاً روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة؛ وحقيقتها قصد التقرّب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه. قال ٱبن العربي: والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنويّ بها، أو قبل ذلك بشرط ٱستصحابها، فإن تقدّمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها. كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل، وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في ٱقترانها بأوّله. قال ٱبن العربيّ: وقال لنا أبو الحسن القرويّ بثَغْر عسقلان: سمعت إمام الحرمين يقول: يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية، ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوّات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل، وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة، لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل، وتذكارها يكون في لحظة، ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها، إلا أن ذلك لما كان أمراً يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها. سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون: رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها؛ فقلت له ما هذا؟ فقال: عَزَبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها. قلت: فهذه جملة من أحكام الصلاة، وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى؛ فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة، ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف، في «النساء» والأوقات في «هود وسبحان والروم» وصلاة الليل في «المزمل» وسجود التلاوة في «الأعراف» وسجود الشكر في «ص» كلٌّ في موضعه إن شاء الله تعالى. الثانية والعشرون: قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} رزقناهم: أعطيناهم، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، خلافاً للمعتزلة في قولهم: إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه، وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى المِلك. قالوا: فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئاً إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصاً، ثم لم يزل يتلصّص ويأكل ما تلصّصه إلى أن مات، فإن الله لم يرزقه شيئاً إذ لم يملكه، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئاً. وهذا فاسد، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقاً، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السِّخال من البهائم، لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال. ولما ٱجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين؛ فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه. والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر:3] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}تفسير : [الذاريات:58] وقال: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}تفسير : [هود:6] وهذا قاطع؛ فالله تعالى رازق حقيقة وٱبن آدم رازق تجّوزاً، لأنه يملك ملكاً منتزعاً كما بيناه في الفاتحة؛ مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها؛ إلا أن الشيء إذا كان مأذوناً له في تناوله فهو حلال حكماً، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكماً؛ وجميع ذلك رزق. وقد خَرَّج بعض النبلاء من قوله تعالى: {أية : كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}تفسير : [سبأ:15] فقال: ذكر المغفرة يسير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ} الرزق مصدر رزق يرزق رَزقاً ورِزقاً، فالرَّزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وجمعه أرزاق؛ والرزق: العطاء. والرازقية: ثياب كتان بيض. وٱرتزق الجند: أخذوا أرزاقهم. والرزقة: المرة الواحدة؛ هكذا قال أهل اللغة. وقال ٱبن السكيت: الرزق بلغة أَزْدِ شَنُوءَة: الشكر؛ وهو قوله عزّ وجلّ: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة:82] أي شكركم التكذيب. ويقول: رزقني أي شكرني. الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {يُنْفِقُونَ} ينفقون: يخرجون. والإنفاق: إخراج المال من اليد؛ ومنه نَفَق البيع: أي خرج من يد البائع إلى المشتري. ونَفَقت الدّابةُ: خرجت روحها؛ ومنه النافِقاء لجُحْر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى. ومنه المنافق؛ لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه. ونَيْفَق السراويل معروفة وهو مخرج الرِّجل منها. ونَفِق الزاد: فني وأنفقه صاحبه. وأنفق القوم: فنى زادهم؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ}تفسير : [الإسراء:100]. الخامسة والعشرون: وٱختلف العلماء في المراد بالنفقة ها هنا؛ فقيل: الزكاة المفروضة ـ روي عن ٱبن عباس ـ لمقارنتها الصلاة. وقيل: نفقة الرجل على أهله ـ روي عن ٱبن مسعود ـ لأن ذلك أفضل النفقة. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دينارٌ أنفقَته في سبيل الله ودينار أنفقته في رَقَبة ودينار تَصدّقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك»تفسير : . وروي عن ثَوْبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضلُ دينارٍ ينفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عزّ وجلّ ودينارٌ ينفقه على أصحابه في سبيل الله»تفسير : قال أبو قِلابة: وبدأ بالعيال ثم قال أبو قِلابة: وأيُّ رجلٍ أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفّهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. وقيل: المراد صدقة التطوّع ـ روي عن الضحاك ـ نظراً إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة؛ فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة ٱحتملت الفرض والتطوّع، فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوّع. قال الضحاك: كانت النفقة قرباناً يتقرّبون بها إلى الله جلّ وعزّ على قدر جِدَتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في «براءة». وقيل: إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة؛ لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضاً، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها. وقيل: هو عام وهو الصحيح، لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا، وذلك لا يكون إلا من الحلال، أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعنّ في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه. وقيل: الإيمان بالغيب حظ القلب. وإقام الصلاة حظ البدن. ومما رزقناهم ينفقون حظ المال، وهذا ظاهر. وقال بعض المتقدّمين في تأويل قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي مما علّمناهم يعلّمون؛ حكاه أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم القُشيري.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة مقيدة له إن فسر التقوى بترك ما لا ينبغي مترتبة عليه ترتيب التحلية على التخلية، والتصوير على التصقيل. أو موضحة إن فسر بما يعم فعل الحسنات وترك السيئات لاشتماله على ما هو أصل الأعمال وأساس الحسنات من الإيمان والصلاة والصدقة، فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصي غالباً، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ }تفسير : [العنكبوت: 45] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام»تفسير : أو مسوقة للمدح بما تضمنه المتقين. وتخصيص الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهار لفضلها على سائر ما يدخل تحت اسم التقوى. أو على أنه مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير أعني أو هم الذين. وإما مفصول عنه مرفوع بالابتداء وخبره أولئك على هدى، فيكون الوقف على المتقين تاماً. والإيمان في اللغة عبارة عن التصديق مأخوذ من الأمن، كأن المصدِّق أمن من المصدَّق التكذيب والمخالفة، وتعديته بالباء لتضمنه معنى الاعتراف وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق بالشيء صار ذا أمن منه، ومنه ما أمنت أن أجد صحابة وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب. وأما في الشرع: فالتصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء، ومجموع ثلاثة أمور: اعتقاد الحق، والإقرار به، والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج. فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق، ومن أخل بالإقرار فكافر، ومن أخل بالعمل ففاسق وفاقاً، وكافر عند الخوارج، وخارج عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة، والذي يدل على أنه التصديق وحده أنه سبحانه وتعالى أضاف الإيمان إلى القلب فقال: {أية : أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22]، {أية : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ }تفسير : [النحل: 106]، {أية : وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ }تفسير : [المائدة: 41]، {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ }تفسير : [الحجرات: 14] وعطف عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى وقرنه بالمعاصي فقال تعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [الحجرات: 9] {أية : &#1649 يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى }تفسير : [البقرة: 178]، {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ }تفسير : [الأنعام: 82] مع ما فيه من قلة التغيير فإنه أقرب إلى الأصل وهو متعين الإرادة في الآية، إذ المعدى بالباء هو التصديق وفاقاً. ثم اختلف في أن مجرد التصديق بالقلب هل هو كاف لأنه المقصود أم لا بد من انضمام الإقرار به للمتمكن منه، ولعل الحق هو الثاني لأنه تعالى ذم المعاند أكثر من ذم الجاهل المقصر، وللمانع أن يجعل الذم للإنكار لا لعدم الإقرار للمتمكن منه. والغيب مصدر، وصف به للمبالغة كالشهادة في قوله تعالى: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ }تفسير : [الأنعام: 73] والعرب تسمي المطمئن من الأرض والخمصة التي تلي الكلية غيباً، أو فيعل خفف كقيل، والمراد به الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] وقسم نصب موقع عليه دليل: كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله وهو المراد به في هذه الآية، هذا إذا جعلته صلة للإيمان وأوقعته موقع المفعول به. وإن جعلته حالاً على تقدير ملتبسين بالغيب كان بمعنى الغيبة والخفاء. والمعنى أنهم يؤمنون غائبين عنكم لا كالمنافقين الذين إذا {أية : لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ }تفسير : [البقرة: 14] أو عن المؤمن به لما روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية. وقيل المراد بالغيب: القلب لأنه مستور، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. فالباء على الأول للتعدية. وعلى الثاني للمصاحبة. وعلى الثالث للآلة. {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ } أي يعدلون أركانها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها، من أقام العود إذا قومه أو يواظبون عليها، من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة قال:شعر : أقَامتْ غزالةً سُوقَ الضُراب لأهْلِ العِرَاقينِ حَولاً قَمِيطا تفسير : فإنه إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب فيه، وإذا ضيعت كانت كالكاسد المرغوب عنه، أو يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد، وضده قعد عن الأمر، وتقاعد. أو يؤدونها. عبر عن الأداء بالإقامة لاشتمالها على القيام، كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح. والأول أظهر لأنه أشهر وإلى الحقيقة أقرب، وأفيد لتضمنه التنبيه على أن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا {لّلْمُصَلّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ }، ولذلك ذكر في سياق المدح والمقيمين الصلاة، وفي معرض الذم فويل للمصلين، والصلاة فعلة من صلى إذا دعا كالزكاة من زكى، كتبتا بالواو على لفظ المفخم، وإنما سمي الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء. وقيل: أصل صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعله في ركوعه وسجوده، واشتهار هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله عنه، وإنما سمي الداعي مصلياً تشبيهاً له في تخشعه بالراكع الساجد. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } الرزق في اللغة: الحظ قال تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ }تفسير : [الواقعة: 82] والعرف خصصه بتخصيص الشيء بالحيوان للانتفاع به وتمكينه منه. وأما المعتزلة لما استحالوا على الله تعالى أن يمكن من الحرام لأنه منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه، قالوا: الحرام ليس برزق، ألا ترى أنه تعالى أسند الرزق ههنا إلى نفسه إيذاناً بأنهم ينفقون الحلال المطلق. فإن إنفاق الحرام لا يوجب المدح، وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً }تفسير : [يونس: 59] وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم والتحريض على الإنفاق، والذم لتحريم ما لم يحرم. واختصاص ما رزقناهم بالحلال للقرينة. وتمسكوا لشمول الرزق له بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن قرة: «حديث : لقد رزقك الله طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله». تفسير : وبأنه لو لم يكن رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً، وليس كذلك لقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلاْرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود: 6] وأنفق الشيء وأنفده أخوان، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون وعينه فاء دالاً على معنى الذهاب والخروج، والظاهر من هذا الإنفاق صرف المال في سبيل الخير من الفرض والنفل. ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها. وتقديم المفعول للاهتمام به وللمحافظة على رؤوس الآي، وإدخال من التبعيضية عليه لمنع المكلف عن الإسراف المنهي عنه. ويحتمل أن يراد به الإنفاق من جميع المعاون التي أتاهم الله من النعم الظاهرة والباطنة، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن عِلماً لا يُقال به، ككنزٌ لا يُنفق منه»تفسير : وإليه ذهب من قال: ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون.

ابن كثير

تفسير : قال أبو جعفر الرازي: عن العلاء بن المسيب بن رافع عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: الإيمان: التصديق، وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: يؤمنون: يصدّقون. وقال معمر عن الزهري: الإيمان: العمل، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: يؤمنون: يخشون. قال ابن جرير: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً، وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل (قلت): أما الإيمان في اللغة، فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 61] وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ}تفسير : [يوسف: 17] وكذلك إذا استعمل مقروناً مع الأعمال كقوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [العصر: 3] فأما إذا استعمل مطلقاً، فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً وقولاً وعملاً. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيدة وغير واحد إجماعاً: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث، أفردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنَّة. ومنهم من فسره بالخشية؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [الملك: 12] وقوله: {أية : مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}تفسير : [ق: 33] والخشية: خلاصة الإيمان والعلم؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28] وقال بعضهم يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين:{أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}تفسير : [البقرة: 14] وقال: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1] فعلى هذا يكون قوله بالغيب حالاً أي في حال كونهم غيباً عن الناس. وأما الغيب المراد ههنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد؛ قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} قال يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث؛ فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن؛ وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بالغيب قال: بما جاء منه - يعني من الله تعالى - وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب القرآن وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب وقال إسماعيل بن أبي خالد يؤمنون بالغيب، قال: بغيب الإسلام وقال زيد بن أسلم: الذين يؤمنون بالغيب قال: بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به. وقال سعيد بن منصور: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيّناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {الۤمۤ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن الأعمش به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الحديث الذي رواه أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدّثني أسد بن عبد الرحمن عن خالد بن دريك عن ابن محيريز قال: قلت لأبي جمعة: حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، أحدّثك حديثاً جيّداً: تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، قال: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك. قال: «حديث : نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني»تفسير : طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدّثنا عبد الله بن جعفر حدّثنا إسماعيل عن عبد الله ابن مسعود. حدّثنا عبد الله بن صالح حدّثنا معاوية بن صالح عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يؤمئذٍ رجاء ابن حيوة رضي الله عنه، فلما انصرف، خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقاً، أحدّثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: هات رحمك الله، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً؟ آمنا بالله واتبعناك، قال: «حديث : ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم، يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم، يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً »تفسير : مرتين. ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة عن مرزوق بن نافع عن صالح بن جبير عن أبي جمعة بنحوه. وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث؛ كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجراً من هذه الحيثية، لا مطلقاً. وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي عن المغيرة بن قيس التميمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟»تفسير : قالوا: الملائكة، قال: «حديث : وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟»تفسير : قالوا: فالنبيون، قال: «حديث : وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟»تفسير : قالوا: فنحن، قال: «حديث : وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟»تفسير : قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا إن أعجب الخلق إليّ إيماناً لقوم يكونون من بعدكم، يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيها»تفسير : قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث (قلت): ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله أو نحوه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعاً، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن محمد المسندي حدثنا إسحاق بن إدريس أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري أخبرني جعفر بن محمود عن جدته نُوَيلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال: «حديث : أولئك قوم آمنوا بالغيب»تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه. قال ابن عباس ويقيمون الصلاة، أي: يقيمون الصلاة بفروضها. وقال الضحاك عن ابن عباس: إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها، وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور بها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} قال: زكاة أموالهم، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} قال: نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جويبر عن الضحاك: كانت النفقات قرباناً يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهنّ الصدقات هن الناسخات المثبتات. وقال قتادة: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عوار وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير أنّ الآية عامة في الزكاة والنفقات؛ فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين زكاة كانت ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته من أهل أو عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. قلت: كثيراً ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»تفسير : والأحاديث في هذا كثيرة، وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء. قال الأعشى:شعر : لها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها وإنْ ذَبَحَتْ صَلَّى عَلَيْها وزَمْزَما تفسير : وقال أيضاً:شعر : وقابَلَها الريحُ في دَنها وصَلّى على دَنها وارْتَسَمْ تفسير : أنشدهما ابن جرير مستشهداً على ذلك. وقال الآخر، وهو الأعشى أيضاً:شعر : تقولُ بِنْتي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلاً يارب جَنبْ أَبِي الأَوْصابَ والوَجَعا عَلَيْكِ مِثْلُ الذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي نَوْماً فَإِنَّ لِجَنْبِ المرْءِ مُضْطَجَعا تفسير : يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي، وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة، في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة. قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعلمه مع ما يسأل ربه من حاجاته. وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفان عجب الذنب، ومنه سمي المصلي، وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر. وقيل: هي مشتقة من الصلي، وهو الملازمة للشيء، من قوله تعالى: {أية : لاَ يَصْلَـٰهَآ }تفسير : [الليل: 15] أي لا يلزمها ويدوم فيها {أية : إِلاَّ ٱلأَشْقَى}تفسير : [الليل: 15] وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار؛ لتقوم؛ كما أن المصلي يقوم عوجه بالصلاة {أية : إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [العنكبوت: 45] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم. وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } يصدِّقون {بِٱلْغَيْبِ } بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ } أي يأتون بها بحقوقها {وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ } أعطيناهم {يُنفِقُونَ } في طاعة الله.

الشوكاني

تفسير : هو وصف للمتقين كاشف. والإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع ما سيأتي. والغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك. قال القرطبي: واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية هو الله سبحانه، وضعفه ابن العربي. وقال آخرون: القضاء والقدر. وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار. قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها، قال: وهذا هو: الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشرّه، قال: صدقت»تفسير : .انتهى. وهذا الحديث هو ثابت في الصحيح بلفظ: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره، وشرّه». وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وأبو نعيم، كلاهما في معرفة الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت: «صليت الظهر، أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيليا، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت، فتحوّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أولئك قوم آمنوا بالغيب». وأخرج البزار، وأبو يعلى، والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب، قال: «كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيماناً؟تفسير : فقالوا: يا رسول الله الملائكة، قال: حديث : هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم، وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؛تفسير : قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته، والنبوّة، قال:حديث : هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم، وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بهاتفسير : ؛قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال:حديث : هم كذلك، وما يمنعهم، وقد أكرمهم الله بالشهادةتفسير : ؛قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال:حديث : أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً» تفسير : وفي إسناده محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف. وأخرج الحسن بن عرفة في حزبه المشهور، والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو الحديث الأول، وفي إسناده المغيرة بن قيس البصري، وهو منكر الحديث. وأخرج نحوه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً، والإسماعيلي عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً، والبزار عن أنس مرفوعاً. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا ليتني قد لقيت إخواني. قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بلى، ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ويصدقوني تصديقكم وينصروني نصركم، فيا ليتني قد لقيت إخواني»تفسير : وأخرج نحوه ابن عساكر في الأربعين السباعية من حديث أنس، وفي إسناده أبو هدبة، وهو كذاب، وزاد فيه: «ثم قرأ النبي {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ } تفسير : [البقرة: 3] الآية». وأخرج أحمد، والدارمي، والبارودي، وابن قانع معاً في معجم الصحابة، والبخاري في تاريخه، والطبراني، والحاكم عن أبي جمعة الأنصاري قال: «قلت: يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً آمنا بك، واتبعناك؟ قال:حديث : ما يمنعكم من ذلك، ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؟ بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون بي، ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجراً »تفسير : . وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم، عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع راكبان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كنديان أو مَذْحجيان حتى أتيا، فإذا رجلان من مذحج، فدنا أحدهما ليبايعه، فلما أخذ بيده قال: يا رسول الله أرأيت من جاءك فآمن بك، واتبعك، وصدّقك فماذا له؟ قال: طوبى له فمسح على زنده، وانصرف، ثم جاء الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك، وصدّقك، واتبعك، ولم يرك؟ قال: طوبى له ثم طوبى له، ثم مسح على زنده، وانصرف»تفسير : . وأخرج الطيالسي، وأحمد، والبخاري في تاريخه، والطبراني، والحاكم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي، ولم يرني سبع مرات»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن حبان، عن أبي سعيد: «أن رجلاً قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك، وآمن بك؟ قال: حديث : طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي، ولم يرني» تفسير : وأخرج الطيالسي، وعبد بن حميد، عن ابن عمر نحوه. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبراني من حديث أنس نحو حديث أبي أمامة الباهلي المتقدّم. وأخرج سفيان بن عيينة، وسعيد بن منصور، وأحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم، وابن الانباري، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، أنه قال: والذي لا إلٰه غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {أية : الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ }تفسير : إلى قوله: {أية : ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 1 ــ 5] وللتابعين أقوال، والراجح ما تقدم من أن الإيمان الشرعي يصدق على جميع ما ذكر هنا، قال ابن جرير: والأولى أن تكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولاً، واعتقاداً، وعملاً. قال: وتدل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو: تصديق القول بالعمل والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله، وكتبه، ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وقال ابن كثير: إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً، وقولاً، وعملاً، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وغير واحد إجماعاً أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص. وقد ورد فيه آيات كثيرة. انتهى. {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} هو معطوف على {يؤمنون} والإقامة في الأصل: الدوام والثبات. يقال قام الشيء: أي دام وثبت. وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك قام الحق. أي: ظهر وثبت. قال الشاعر:شعر : وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : وقال آخر: شعر : وإذا يقال أقيموا لم تبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعان تفسير : وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها، وسننها، وهيئاتها في أوقاتها. والصلاة أصلها في اللغة: الدعاء من صلى يصلي إذا دعا. وقد ذكر هذا الجوهري، وغيره. وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العُجْب. ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل؛ لأنه يأتي في الحلبة، ورأسه عند صلوى السابق، فاشتقت منه الصلاة؛ لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لأن الراكع يثني صلويه، والصلا مغرز الذنب من الفرس، والاثنان صلوان، والمصلي تالي السابق؛ لأن رأسه عند صلوه. ذكر هذا القرطبي في تفسيره. وقد ذكر المعنى الثاني في الكشاف هذا المعنى اللغوي. وأما المعنى الشرعي، فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان، والأذكار. وقد اختلف أهل العلم هل هي مبقاة على أصلها اللغوي أو موضوعة وضعاً شرعياً ابتدائياً. فقيل بالأوّل، وإنما جاء الشرع بزيادات هي الشروط والفروض الثابتة فيها. وقال قوم بالثاني. والرزق عند الجمهور ما صلح للانتفاع به حلالاً كان أو حراماً خلافاً للمعتزلة، فقالوا: إن الحرام ليس برزق، وللبحث في هذه المسألة موضع غير هذا. والإنفاق: إخراج المال من اليد، وفي المجيء بـ "من" التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله: {يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } قال: الصلوات الخمس {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } قال: زكاة أموالهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها، وسجودها {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } قال: أنفقوا في فرائض الله التي افترض عليهم في طاعته وسبيله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } قال: هي نفقة الرجل على أهله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله عزّ وجل على قدر ميسورهم وجهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة هنّ الناسخات المبينات. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات وهو الحق من غير فرق بين النفقة على الأقارب وغيرهم وصدقة الفرض والنفل وعدم التصريح بنوع من الأنواع التي يصدق عليها مسمى الإنفاق يشعر أتمّ إشعار بالتعميم.

الماوردي

تفسير : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبَ} قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبَ} فيه تأويلان: أحدهما: يصدقون بالغيب، وهذا قول ابن عباس. والثاني: يخشون بالغيب، وهذا قول الربيع بن أنس. وفي الأصل الإيمان ثلاثة أقوال: أحدها: أن أصله التصديق، ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي بمصدِّق لنا. والثاني: أن أصله الأمان فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمِنُ لأوليائه من عقابه. والثالث: أن أصله الطمأنينة، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن، لأنه مطمئن. وفي الإيمان ثلاثة أقاويل: أحدها: أنّ الإيمان اجتناب الكبائر. والثاني: أن كل خصلة من الفرائض إيمان. والثالث: أن كل طاعةٍ إيمان. وفي الغيب ثلاثة تأويلات: أحدها: ما جاء من عند الله، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه القرآن، وهو قول زر بن حبيش. والثالث: الإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور. {وَيُقِيمونَ الصَّلوة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)} وفي قوله تعالى: {وَيُقِيمُون الصَّلاَةَ} تأويلان: أحدهما: يؤدونها بفروضها. والثاني: أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها، وهذا قول ابن عباس. واختُلف لِمَ سُمِّي فعل الصلاة على هذا الوجه إقامةً لها، على قولين: أحدهما: من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه. والثاني: أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها، لما فيها من القيام فلذلك قيل: قد قامت الصلاة. وفي قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ثلاثة تأويلات: أحدها: إيتاء الزكاة احتساباً لها، وهذا قول ابن عباس. والثاني: نفقة الرجل على أهلِهِ، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى، وهذا قول الضحاك: وأصل الإنفاق الإخراج، ومِنْهُ قيل: نَفَقَتِ الدابة إذا خرجت رُوحها. واختلف المفسرون، فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم، لأنه قال بعد هذا: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} يعني به أهْلَ الكتاب، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب، لأنه ذكرهم في بعضها. والثالث: أن الآيات الأربع من أول السورة، نزلت في جميع المؤمنين، وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: "نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثَلاَث عَشْرَةَ في المُنافقين.

ابن عطية

تفسير : {يؤمنون} معناه يصدقون ويتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام كما قال تعالى: {أية : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} تفسير : [آل عمران: 73] وكما قال: {أية : فما آمن لموسى} تفسير : [يونس: 83] وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تعدٍّ بالباء يفهم من المعنى. واختلف القراء في همز {يؤمنون} فكان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يهمزون "يؤمنون" وما أشبهه، مثل يأكلون، ويأمرون، ويؤتون؛ وكذلك مع تحرك الهمزة مثل "يؤخركم" و "يؤوده" إلا أن حمزة كان يستحب ترك الهمز إذا وقف، والباقون يقفون بالهمز. وروى ورش عن نافع ترك الهمز في جميع ذلك. وقد روي عن عاصم أنه لم يكن يهمز الساكنة. وكان أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة، إلا أنه يهمز حروفاً من السواكن بأعيانها ستذكر في مواضعها إن شاء الله. وإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل {أية : ننسأها} تفسير : [البقرة:105] {أية : وهيىء لنا} تفسير : [الكهف: 8] وما أشبهه. وقوله: {بالغيب} قالت طائفة: معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا. وقال آخرون: معناه يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع. واختلفت عبارة المفسرين في تمثيل ذلك، فقالت فرقة: "الغيب في هذه الآية هو الله عز وجل" وقال آخرون: "القضاء والقدر" وقال آخرون: "القرآن وما فيه من الغيوب" وقال آخرون: "الحشر والصراط والميزان والجنة والنار". قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها، والغيب في اللغة: ما غاب عنك من أمر، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله. وقوله: {يقيمون} معناه يظهرونها ويثبتونها، كما يقال: أقيمت السوق، وهذا تشبيه بالقيام من حالة خفاء، قعود أو غيره، ومنه قول الشاعر: [الكامل]. شعر : وإذا يقال أتيتُم لم يبرحوا حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طِعان تفسير : ومنه قول الشاعر: [المتقارب] شعر : أقمنا لأهل العراقين سوق الطِّــ ـــطِعان فخاموا وولّوا جميعا تفسير : وأصل {يقيمون} يقومون، نقلت حركة الواو إلى القاف فانقلبت ياء لكون الكسرة قبلها. و {الصلاة} مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، كما قال الشاعر: [البسيط] شعر : عليكِ مثل الذي صلّيت فاغتمضي يوماً فإنَّ لجنب المرءِ مُضْطَجعا تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : لها حارس لا يبرح الدهرَ بيتها وإنْ ذبحت صلّى عليها وزمزما تفسير : فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء انضاف إليه هيئات وقراءة سمي جميع ذلك باسم الدعاء. وقال قوم: هي مأخوذة من الصَّلاَ وهو عِرْق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صَلَوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلِّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صَلَواه. قال القاضي أبو محمد: والقول إنها من الدعاء أحسن. وقوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} كتبت "مما" متصلة "وما" بمعنى "الذي" فحقّها أن تكون منفصلة، إلا أن الجار والمجرور كشيء واحد، وأيضاً فلما خفيت نون "من" في اللفظ حذفت في الخط. والرزق عند أهل السنة. ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق. و{ينفقون} معناه هنا يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وما ندبهم إليه من غير ذلك. قال ابن عباس: {ينفقون} يؤتون الزكاة احتساباً لها". قال غيره: "الآية في النفقة في الجهاد". قال الضحاك: "هي نفقة كانوا يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر يُسْرهم". قال ابن مسعود وابن عباس أيضاً: "هي نفقة الرجل على أهله". قال القاضي أبو محمد: والآية تعمّ الجميع. وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُؤْمِنُونَ} يصدقون أو يخشون الغيب، أصل الإيمان التصديق {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} تفسير : [ يوسف: 17] أو الأمان، فالمؤمن يؤمن نفسه بإيمانه من العذاب، والله تعالى مؤمِّن لأوليائه من عذابه، أو الطمأنينة، فالمصدق بالخبر مطمئن إليه، ويُطلق الإيمان على اجتناب الكبائر، وعلى كل خَصلة من الفرائض، وعلى كل طاعة. {بِالْغَيْبِ} بالله، أو ما جاء من عند الله، أو القرآن، أو البعث والجنة والنار، أو الوحي. {وَيُقِيمُونَ} يديمون، كل شيء راتب قائم، وفاعله يقيم، ومنه فلان يقيم أرزاق الجند، أو يعبدون الله بها، إقامتها: أداؤها بفروضها، أو إتمام ركوعها وسجودها وتلاوتها وخشوعها "ع"، سُمي ذلك إقامة لها من تقويم الشيء، قام بالأمر أحكمه، وحافظ عليه، أو سمى فعلها إقامة لها لاشتمالها على القيام. {رَزَقْنَاهُمْ} أصل الرزق الحظ، فكان ما جعله حظاً من عطائه رزقاً. {يُنفِقُونَ} وأصل الإنفاق الإخراج، نفقت الدابة خرجت روحها، والمراد الزكاة "ع"، أو نفقة الأهل، أو التطوع بالنفقة فيما يقرب إلى الله تعالى. نزلت هاتان الآيتان في مؤمني العرب خاصة، واللتان بعدهما في أهل الكتاب "ع"، أو نزلت الأربع في مؤمني أهل الكتاب، أو نزلت الأربع في جميع المؤمنين، فتكون الأربع في المؤمنين، وآيتان بعدهن في الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ...} (قال ابن عرفة): الغيب ما (لم) يَنصبّ عليه دليل (فَمِنَ) الناس من أجاز النظر في علم النجوم وعلم الهيئة والكسوفات. وقال أبو العز المقترح في عقيدته: أجمعوا على أن النظر في علم الهيئة محرم. قال ابن عرفة: إنما ذلك إذا نظر (فيه) للحكم، أما إذا (نظره) ليعلم الكواكب (والنجوم) فجائز، لكن الاشتغال بالعبادة وتعلّم ما ينفعه أولى. قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. قال القرطبي: الآية حجة على المعتزلة ويلزمهم الكفر في قولهم: إنّ لفظ الرزق لا يطلق إلا على الحلال لأن من تغذى من صغره إلى كبره بالحرام يلزمهم أن لا يدخل في عموم قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}. تفسير : قال ابن عرفة: يكون عاما مخصوصا (إن) سمّاه رزقا مجازا أو من باب التغليب باعتبار الأكثر فإنّ الأكثر حلال. وقال غيره: هذا الخلاف لفظي لا يبنى عليه كفر أو إيمان.

ابن عادل

تفسير : "الذين" يحتمل الرفع والنصب والجر، والظاهر الجر، وهو من ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه نعت لـ "المتقين". والثاني: بدل. والثالث: عطف بيان. وأما الرفع فمن وجهين: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف على معنى القطع، وقد تقدم. والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره قولان: أحدهما: "أولئك" الأولى. والثاني: "أولئك" الثانية، والواو زائدة، وهذان القولان منكران؛ لأنه قوله: "والذين يؤمنون" يمنع كونه "أولئك" الأولى خبراً، ووجود الواو يمنع كون "أولئك" الثانية خبراً أيضاً. وقولهم: الواو زائدة لا يلتفت إليه. والنصب على القطع. و "يؤمنون" صلة وعائد. قال الزمخشري: "فإذا كان موصولاً كان الوقف على "المتقين" حسناً غير تام، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً". وهو مضارع علامة رفعه "النون"؛ لأنه أحد الأمثلة الخَمْسَةِ وهي عبارة عن كل فعل مضارع اتصل به "ألف" اثنين، أو "واو" جمع، أو "ياء" مخاطبة، نحو: "يؤمنان - تؤمنان - يؤمنون - تؤمنون - تؤمنين". والمضارع معرب أبداً، إلاّ أن يباشر نون توكيد أو إناث، على تفصيل يأتي إن شاء الله - تعالى - في غُضُون هذا الكتاب. وهو مضارع "أمن" بمعنى: صدق، و "آمن" مأخوذ من "أمن" الثلاثي، فالهمزة في "أمن" للصّيرورة نحو: "أعشب المكان" أي: صار ذا عُشْب. أو لمطاوعة فعل نحو: "كبه فأكب"، وإنما تعدى بالباء، لنه ضمن معنى اعترف، وقد يتعدّى باللام كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} تفسير : [يوسف: 17]، {أية : فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰ} تفسير : يونس: 83] إلاَّ أن في ضمن التعدية باللام التّعدية بالباء، فهذا فرق ما بين التعديتين. وأصل "يؤمنون": "يؤأمنون" بهمزتين: الأولى: همزة "أفْعَل". والثاني فاء الكلمة، حذفت الأولى؛ لأن همزة "أَفْعَل" تحذف بعد حرف المُضَارعة، واسم فاعله، ومفعوله نحو: "أكرم" و "يكرم" و "أنت مُكْرِم، ومُكْرَم". وإنما حذفت؛ لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان، وذلك إذا كان حرف المُضَارعة همزة نحو: "أنا أكرم"، الأصل: أأكرم بهمزتين، الأولى: للمضارعة والثانية: همزة أفعل، فحذفت الثانية؛ لأن بها حصل الثّقل؛ ولأن حرف المضارعة أولى بالمحافظة عليه، ثم حصل باقي الباب على ذلك طَرْداً للباب. ولا يجوز ثبوت همزة "أفعل" في شيء من ذلك إلا في ضرورة؛ كقوله: [الرجز] شعر : 119- فَإِنَّهُ أَهْلٌ لأَنْ يُؤَكْرَمَا تفسير : وهمزة "يؤمنون" - وكذلك كل همزة ساكنة - يجوز أن تبدل بحركة ما قبلها، فتبدل حرفاً مجانساً نحو: "راس" و "بير" و "يومن"، فإن اتفق أن يكون قبلها همزة أخرى وجب البدل نحو: "إيمان" و "آمن". فصل قال بعضهم: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً للحسنات وتاركاً للسيئات، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب وهو قوله: "الذين يؤمنون". وإما أن يكون فعل الجوارح، أساسه الصَّلاة والصدقة؛ لأن العبادة إما أن تكون بدنية، وأصلها الصَّلاة، أو مالية وأصلها الزكاة، ولهذا سمى الرسول عليه الصلاة والسلام: "حديث : الصَّلاَة عِمَاد الدِّين، والزَّكَاة قَنْطَرَة الإسْلاَم"تفسير : . أما التَّرْك فهو داخل في الصَّلاة، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45] واختلف الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع على أربع فرق: الفرقة الاولى: قالوا: الإيمان اسم لأفعال القلوب، والجوارح، والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث. أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله، وبكل ما وضع عليه دليلاً عقلياً، أو نقلياً من الكتاب والسُّنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً. فقالوا: مجموع هذه الأشياء هو الإيمان، وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أنَّ الإيمان إذا عدي بالباء، فالمراد به التصديق؛ إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال: فلان آمن بكذا إذا صَلّى وصام، بل يقال: فلان آمن بالله كما يقال: صام وصلّى لله، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة. أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى، فقد اتفقوا على أنه منقولٌ من المُسَمَّى اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن الإيمان عبارةٌ عن فعل كل الطَّاعات، سواء كانت واجبة أم مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال، أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عَطَاءٍ، وأبي الهذيل، والقاضي عبد الجبار بن أحمد. وثانيها: أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم. وثالثها: أن الإيمان عبارة عن [اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد. ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد. فالمؤمن عند الله كل من اجتنب] كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النّظام، ومن أصحابه من قال: شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها. وأما أهل الحديث فذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حِدَةِ، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلاّ إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعد كُفْر على حِدَةٍ، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجُحُود والإنكار؛ لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب. والثاني: زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها، وهو إيمان واحد، وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه. ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. الفرقة الثانية الذين قالوا: الإيمان باللِّسان والقَلْب معاً، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامّة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين: أحدهما: اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فَسّرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقاداً تقليدياً، أو كان علماً صادراً عن الدليل - وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلّد مسلم. ومنهم من فسرها بالعلم الصادر من الاستدلال. وثانيهما: اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقيق الإيمان عِلْمٌ بماذا؟ قال بعض المتكلّمين: هو العلم بالله، وبصفاته على سبيل الكمال والتمام، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كلّ طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. وقال أهل الإنصاف: المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه الصَّلاة والسلام، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم، أو عالماً بذاته، وبكونه مرئياً أو غير مرئي، لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان. القول الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً، وهو قول بشر بن غياث المَرِيسِي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب الكَلاَم القائم بالنفس. القول الثالث: قول جماعة من الصُّوفية: الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب. الفرقة الثالثة الذين قالوا: الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء اختلفوا على قولين: أحدهما: أن الإيمان معرفة الله بالقَلْبِ، حتى إن من عرف الله بقلبه، ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يُقرَّ بِهِ فهو مؤمن كامل الإيمان، وهو قول جهم بن صَفْوَان. وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلةٍ في حَدّ الإيمان. وحكى الكعبي عنه: أنّ الإيمان معرفة الله مع معرفة كلّ ما علم بالضَّرورة كونه من دين محمد. ثانيهما: أنّ الإيمان مُجَرَّد التصديق بالقَلب، وهو قول الحسين بن الفَضْلِ البَجَلي. الفرقة الرابعة الذين قالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، وهم فريقان: الأول: أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لا أنها داخلةٌ في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدِّمشقي، والفضل الرقاشي، وإن كان الكعبي قد أنكر كونه لـ "غيلان". الثاني: أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المُنَافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا، وحكم الكافرين في الآخرة، فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع. و "بالغيب" متعلّق بـ "يؤمنون"، ويكون مصدراً واقعاً موقع اسم الفاعل، أو اسم المفعول، وفي هذا الثاني نظر؛ لأنه من "غاب" وهو لازم، فكيف يبنى منه اسم مفعول من حتى يقع المصدر موقعه؟ إلا أن يقال: إنه واقع موقع اسم مفعول من "فَعَّلَ" مضعفاً متعدياً، أي: المُغَيَّب، وفيه بعد. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مخففاً من "فَيْعِل" نحو: "هَيِّن" من "هَيْن"، و "مَيِّت" من "مَيْت". وفيه نظر؛ لأنه لا ينبغي أن يدعى ذلك فيه حتى يسمع مثقلاً كنظائره، فإنها سمعت مخففةً ومثقلةً، ويبعد أن يقال: التزم التخفيف في هذا خاصّة. ويجوز أن تكون "الباء" للحال فيتعلّق بمحذوف أي: يؤمنون متلبسين بالغيب عن المؤمن به، و "الغيب" حينئذ مصدر على بابه. فصل في معنى "يؤمنون بالغيب" في قوله "يؤمنون بالغيب" قولان: الأول: قول أبي مسلم الأصفهاني أن قوله: "يؤمنون بالغيب" صفة المؤمنين معناه: أنهم يؤمنون بالله حال الغيبة كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين {إِذَا لَقُوا الَّذِيْنَ آمَنُوا، قَالُوا: ءَامَنّا: وَإذَا خَلوا إِلَى شَيَٰطِيْنِهِمْ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ}. نظيره قوله: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 52]، وذلك مدح للمؤمنين بأن ظاهرهم موافق لباطنهم ومباين لحال المُنَافقين. الثاني: وهو قول جمهور المُفَسّرين أن الغيب هو الَّذي يكون غائباً عن الحاسّة، ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما هو عليه دليل، وإلى ما ليس عليه دليل. فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغَيْبِ الذي دل عليه بأن يتفكروا، ويستدلوا فيؤمنوا به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله - تعالى - وبصفاته والعلم بالآخرة، والعلم بالنبوة، والعلم بالأحكام بالشرائع، فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقّة يصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثَّنَاء العظيم. واحتج أبو مسلم بأمور: الأول: أن قوله: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة: 4] إيمان بالأشياء الغائبة، فلو كان المراد من قوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه، وهو غير جائز. الثاني: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب، وهو خلاف قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] وكذا سائر الآيات الباقية تدلّ على كون الإنسان عالماً بالغيب. أما على قولنا فلا يلزم هذا المحذور. الثالث: لفظ "الغيب" إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحُضُور، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله - تعالى - وصفاته، فقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ} لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله وصفاته، ولا ينبغي فيه الإيمان بالآخرة، وذلك غَيْرُ جائز؛ لأن الركن الأعظم هو الإيمان بذات الله وصفاته، فكيف يجوز حمل اللّفظ على معنى يقتضي خروج الأصل؟ أما على قولنا فلا يلزم هذا المحذور. والجواب عن الأول: أن قوله: "يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ" يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال، ثم إن قوله بعد ذلك: {أية : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} تفسير : [البقرة:4] يتناول الإيمان ببعض الغائبات، فكان هذا من باب عَطْفِ التَّفصيل على الجملة، وهو جائز كقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} تفسير : [البقرة: 98]. وعن الثاني: لا نزاع في أننا نؤمن بالأشياء الغائبة عنَّا، فكان ذلك التخصيص لازماً على الوجهين جميعاً. فإن قيل: أفتقولون: العبد يعلم الغيب أم لا؟ قلنا: قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما لا دليل عليه. أما الذي لا دليل عليه، فهو سبحانه العالم به لا غيره. وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن نقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل، وعلى هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة. وعن الثالث: لا نسلّم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلاَّ فيما يجوز عليه الحُضُور، والدَّليل على ذلك أنّ المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشَّاهد، ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته، والله أعلم. واختلفوا في المراد بـ "الغيب". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "الغيب - هاهنا - كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل: الملائكة والبَعْث والجَنّة والنَّار والصِّراط والمِيْزان". وقيل: الغيب هاهنا هو الله تعالى. وقيل: القرآن. وقال الحسن: الآخرة. وقال زرُّ بن حبيش، وابن جريج: بالوحي. ونظيره: {أية : أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ} تفسير : [النجم: 35] قال ابن كيسان: بالقدر. وقال عبد الرحمن بن يزيد: كنا عند عبد الله بن مَسْعُودٍ، فذكرنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما سبقوا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قطّ أفضل من إيمان الكتب، ثم قرأ: "الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ" إلى قوله "المفلحون". وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المَهْدِي المنتظر. قال ابن الخطيب: "وتخصص المطلق من غير دليل باطل". قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وورش: "يُومِنُونَ"، بترك الهمزة. ولذلك يترك أبو جعفر كل همزة ساكنة إلاّ في {أية : أَنبِئْهُم} تفسير : [البقرة: 33]، و {أية : يُنَبِّئُهُمُ} تفسير : [المائدة: 14]، و {أية : نَبِّئْنَا} تفسير : [يوسف: 36]. ويترك أبو عمرو كلها، إلا أن يكون علامةً للجزم نحو: {أية : وَنَبِّئْهُمْ} تفسير : [الحجر: 51]، "وأَنبئْهُمْ"، و {أية : تَسُؤْهُمْ} تفسير : [آل عمران: 120]، و {أية : إِن نَّشَأْ} تفسير : [الشعراء: 4] ونحوها، أو يكون خروجاً من لُغَةٍ إلى أخرى نحو: {أية : مُّؤْصَدَةٌ} تفسير : [البلد: 20]، و {أية : وَرِءْياً} تفسير : [مريم: 74]. ويترك ورش كلّ همزة ساكنة كانت "فاء" الفعل، إلا {أية : وَتُؤْوِيۤ} تفسير : [الأحزاب: 51] و {أية : تُؤْوِيهِ} تفسير : [المعارج: 13]، ولا يترك من عين الفعل إلا {أية : ٱلرُّؤْيَا} تفسير : [الإسراء: 60] وبابه، أو ما كان على وزن "فعل". و "يقيمون" عطف على "يؤمنون" فهو صلةٌ وعائد. وأصله: يؤقومون حذفت همزة "أفعل"؛ لوقوعها بعد حرف المُضَارعة كما تقدم فصار: يقومون، فاستثقلت الكسرة على الواو، ففعل فيه ما فعل في "مستقيم"، وقد تقدم في الفاتحة. ومعنى "يقيمون": يديمون، أو يظهرون، قال تعالى: {أية : عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعارج: 23] وقال الشاعر: [الوافر] شعر : 120- أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الطْـ ـطِعَانِ فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعا تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 121- وَإِذَا يُقَالُ: أَتَيْتُمُ لَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى تُقِيْمَ الخَيْلُ سُوْقُ طِعَانِ تفسير : من قامت السّوق: إذا أنفقت؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجّه إليه الرغبات، وإذا أضيفت كانت كالشّيء الكاسد الذي لا يرغب فيه. أو يكون عبارة عن تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع خَلَل في فرائضها وسُننها، أو يكون من قام بالأمر، وقامت الحرب على ساق. وفي ضده: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه: إذا تقاعس وتثبط، فعلى هذا يكون عبارة عن التجرُّد لأدائها، وألاّ يكون في تأديتها فُتُور، أو يكون عبارةً عن أدائها، وإنما عبر عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام ببعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت. وذكر الصّلاة بلفظ الواحد، وأن المراد بها الخمس كقوله تعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [البقرة: 213] يعني: الكتب. و "الصّلاة" مفعول به، ووزنها: "فَعَلَة"، ولامها واو، لقولهم: صَلَوات، وإنما تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، واشتقاقها من: "الصَّلَوَيْنِ" وهما عِرْقَان في الْوِرْكَيْنِ مفترقان من "الصَّلاَ"، وهو عِرْق مُسْتَبْطِنٌ في الظهر منه يتفرق الصَّلَوان عند عَجْبِ الذَّنَبِ، وذلك أن المصلّي يحرك صَلَوَيْهِ، ومنه "المُصَلِّي" في حَلْبَةِ السِّباق لمجيئه ثانياً عند "صَلْوَي" السابق. ذكره الزَّمخشري. قال ابن الخطيب: وهذا يفضي إلى طَعْنٍ عظيم في كون القرآن حُجّة؛ وذلك لأن لفظ "الصلاة" من أشدّ الألفاظ شهرة، وأكثرها دوراناً على ألسنة المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصّلوين من أبعد الأشياء اشتهاراًَ فيما بين أهل النقل، ولو جوزنا أن [يقال]: مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره، ثم إنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلاّ الآحاد لكان مثله في سائر الألفاظ جائزاً، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله - تعالى - من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المَعَاني في زماننا هذا، لاحتمال أنها كانت في زمن الرسول موضوعة لمعانٍ أخر، وكان مراد الله - تعالى - تلك المعاني، إلاّ أن تلك المعاني خَفِيت في زماننا، واندرست كما وقع مثله في هذه اللَّفظة، فلما كان ذلك باطلاً بإجماع المسلمين علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل. وأجيب عن هذا الإشكال بأن بعثة محمد - عليه الصلاة والسلام - بالإسلام، وتجديد الشريعة أمر طبق الآفاق، ولا شَكّ أنه وضع عبارات، فاحتاج إلى وضع ألفاظ، ونقل ألفاظ عمّا كانت عليه، والتعبير مشهور. وأما ما ذكره من احتمال التعبير فلا دليل عليه، ولا ضرورة إلى تقديره فافترقا. و "الصَّلاة" لغة: الدّعاءُ: [ومنه قول الشاعر] [البسيط] شعر : 122- تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحلاً يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا فَعَلَيكِ مِثْلُ الَّذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي يَوْماً فَإِنَّ لجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا تفسير : أي: مثل الَّذي دعوت، ومثله: [الطويل] شعر : 123- لَهَا حَارِسٌ لاَ يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا وإِن ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمزَمَا تفسير : وفي الشرع: هذه العبادة المعروفة. وقيل: هي مأخوذة من اللزوم، ومنه: "صَلِيَ بِالنَّارِ" أي: لزمها، ومنه قوله تعالى: {أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تفسير : [الغاشية: 4] قال: [الخفيف] شعر : 124- لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّـ ـهُ وإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِ تفسير : وقيل: من صَلَيْتُ العودَ بالنَّار، أي: قَوَّمْتُهُ بالصِّلاَء - وهو حَرّ النار، إذا فَتَحْتَ قَصَرْتَ، وإن كَسَرْتَ مَدَدْتَ، كأن المصلِّي يُقَوِّم نفسه؛ قال: [الوافر] شعر : 125- فَلاَ تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ واسْتَدِمْهُ فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمِ تفسير : ذكر ذلك الخَارزنجِيّ، وجماعة أجلّة، وهو مشكل، فإن "الصلاة" من ذوات الواو، وهذا من الياء. وقيل في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلآئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} تفسير : [الأحزاب: 56] الآية: إنّ الصّلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاسْتِغْفَار، ومن المؤمنين الدعاء. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} مما: جاء ومَجْرور متعلّق بـ "ينفقون" و "ينفقون" معطوف على الصِّلة قبله، و "ما" المجرورة تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون اسماً بمعنى "الذي"، و "رزقناهم" صِلَتُهَا، والعائد محذوف. قال أبو البقاء: "تقديره رزقناهموه، أو رزقناهم إياه". وعلى كل واحد من هذين التقديرين إشكال؛ لأن تقديره متصلاً يلزم منه اتصال الضَّمير مع اتحاد الرُّتبة، وهو واجب الانفصال، وتقديره منفصلاً يمنع حذفه؛ لأنّ العائد متى كان منفصلاً امتنع حذفه، نصُّوا عليه، وعللوا بأنه لم يفصل إلا لغرض، وإذا حذف فاتت الدِّلالة على ذلك الغرض. ويمكن أن يجاب عن الأوّل بأنه لما اختلف الضَّميران جمعاً وإفراداً - وإن اتحدا رتبةً - جاز اتصاله؛ ويكون كقوله: [الطويل] شعر : 126- فَقَدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطِيبُ لِضَغْمَةٍ لِضَغْمِهِمَاهَا يَقْرَعُ الْعَظْمَ نَابُهَا تفسير : وأيضاً فإنه لا يلزم من منع ذلك ملفوظاً به منعه مقدّراً لزوال القُبْحِ اللفظي. وعن الثَّاني: بأنه إنما يمنع لأجل اللَّبْس الحاصل، ولا لبس هنا. الثَّاني: يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً، والكلام في عائدها كالكلام في عائدها موصولةً تقديراً واعتراضاً وجواباً. الثَّالث: أن تكون مصدريةً، ويكون المصدر واقعاً موقع المفعول أي: مرزوقاً. وقد منع أبو البقاء هذا الوَجْهَ قال: "لأنَّ الفعل لا يتفق"، وجوابه ما تقدّم من أنّ المصدر يراد يه المفعول. والرزق لغة: العَطَاء، وهو مصدر؛ قال تعالى: {أية : وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} تفسير : [النحل: 75] وقال الشَّاعر: [البسيط] شعر : 127- رُزِقْتَ مَالاً وَلَمْ تُرْزَقْ مَنَافِعَهُ إِنَّ الشَّقِيَّ هُوَ الْمَحْرُومُ مَا رُزِقَا تفسير : وقيل: يجوز أن يكون "فِعْلاً" بمعنى "مفعول" نحو: "ذِبْح"، وَ "رِعْي" بمعنى: "مَذْبوح"، و "مَرْعيّ". وقيل: "الرَّزْق" - بالفَتْح - مصدر، وبالكسر اسم، وهو في لغة أزد شنوءة: الشّكر، ومنه: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 82]. وقال بعضهم: ويدخل فيه كل ما ينتفع به حتى الولد والعَبْد. وقيل: هو نصيب الرجل، وما هو خاص له دون غيره. ثم قال بعضهم الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهو باطل؛ لأن الله - تعالى - أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا} تفسير : [المنافقون: 10]، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. وقال آخرون: الرزق هو ما يملك وهو باطل أيضاً؛ لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولداً صالحاً، أو زوجة صالحة، وهو لا يملك الولد ولا الزَّوجة، ويقول: اللَّهم أرزقني عقلاً أعيش به، والعقل ليس بمملوك، وأيضاً البهيمة يحصل له رزْقٌ ولا يكون لها ملك. وأما في عُرف الشَّرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحَسَنِ البَصْرِي: الرزق تمكين الحَيَوَان من الانتفاع بالشيء، والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به. فإذا قلنا: قد رزقنا الله الأموال، فمعنى ذلك أنه مَكَّننا بها من الانتفاع بها، وإذا سألنا - تعالى - أن يرزقنا مالاً فإنا لا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخصّ. واعلم أن المعتزلة لما فَسّروا الرزق بذلك لا جَرَمَ قالوا: الحرام لا يكون رزقاً. وقال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقاً. قال ابن الخطيب: حُجّة الأصحاب من وجهين: الأول: أنّ الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام، فذلك الحرام صار حظَّا ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له. الثَّاني: أنه تعالى قال: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6]، وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السّرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزق شيئاً. أما المعتزلة: فقد احتجُّوا بالكتاب، والسُّنة، والمعنى: أما الكتاب فوجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقاً لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك باطل بالاتفاق. ثانياً: لو كان الحرام رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا} تفسير : [المنافقون: 10]، وأجمع المسلمون على أنَّهُ لا يجوز للغاصب أن ينفق [مما أخذه]، بل يجب عليه رَدّه، فدلّ على أنَّ الحرام لا يكون رزقاً. ثالثها: قوله تَعَالَى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} تفسير : [يونس: 59] فبين أن من حرم رزق الله، فهو مُفْتَرٍ على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقاً. وأما السُّنة فما رواه أبو الحسين في كتاب "الفرائض" بإسناده عن صفوان بن أمية قال: حديث : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذْ جاءه عمرو بن مُرَّةَ فقال له: يا رسول الله إنّ الله كتب عليَّ الشّقْوة، فلا أُرَانِي أُرْزقَ من دُفِّي بِكَفِّي، فائذن لي في الغناء من غير فَاحِشَةٍ. فقال عليه الصّلاة والسلام: "لا آذَنَ لَكَ ولا كَرَاهة ولا نعْمة كَذَبت أي عَدُوّ الله لقد رزقك الله [رزقاً] طيباً فاخترت ما حَرَّمَ الله عليك من رِزْقِهِ على ما أَحَلّ الله لك من حَلاَلهِ، أَمَا وإنك لو قُلْتَ بعد هَذِهِ المقدّمة شيئاً ضَرَبْتُكَ ضرباً وجيعاً" . تفسير : وأما المعنى فإنَّ الله - تَعَالَى - منع المكلّف من الانتفاع به، وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال: إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالاً قد منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكَّنهم من أخذه، ولا يمنعهم منه، ولا أمر بمنعهم منه. وأجاب أصحابنا عن التمسُّك بالآيات بأنه كان الكلّ من الله، فإنه لا يُضَاف إليه ذلك؛ لما فيه من سُوءِ الأدب، كما يقال: يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكِلاَب والخَنَازير، وقال: {أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 6] فخصّ اسم العباد بالمتّقين، وإن كان الكُفّار أيضاً من العباد، وكذلك هاهنا خصّ اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف، وإن كان الحرام رزقاً أيضاً. وأجابوا عن التمسُّك بالخبر بأنه حُجَّة لنا؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: "فَاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللهُ عليك من رِزْقِه" صريح في أن الرزق قد يكون حراماً. وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة مَحْضُ اللغة، وهو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ، والله أعلم. و "نفق" الشيء: نفد، وكلّ ما جاء مما فاؤه نون، وعينه فاء، فدالّ على معنى ونحو ذلك إذا تأملت، قاله الزمخشري، وذلك نحو: نَفِدَ نَفَقَ نَفَرَ "نفذ" "نَفَشَ" "نَفَحَ" "نفخ" "نفض" "نفل". و "نفق" الشيء بالبيع نَفَاقاً ونَفَقَتِ الدابة: ماتت نُفُوقاً، والنفقة: اسم المُنْفَق. فصل في معاني "من" و "من" هنا لابتداء الغاية. وقيل: للتبعيض، ولها معانٍ أخر: بيان الجنس: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]. والتعليل: {أية : يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} تفسير : [البقرة: 19]. والبدل: {أية : بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38]. والمُجَاوزة: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [آل عمران: 121]. وانتهاء الغاية: "قربت منه". والاستعلاء {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [الأنبياء: 77]. والفصل: {أية : يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تفسير : [البقرة: 220]. وموافقة "الباء" {أية : يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} تفسير : [الشورى: 45]، {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 40]. والزيادة باطّراد، وذلك بشرطين كون المجرور نكرة والكلام غير موجب. واشترط الكوفيون التنكير فقط، ولم يشترط الأخفش شيئاً. و "الهمزة" في "أنفق" للتَّعدية، وحذفت من "ينفقون" لما تقدم في "يؤمنون". فصل في قوله تعالى "ومما رزقناهم ينفقون" قال ابن الخَطِيبْ: في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} فوائد: إحداها: أدخل "من" للتبعيض نهياً لهم عن الإسراف والتَّبذير المنهي عنه. وثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهَمّ، كأنه قال: يخصّون بعض المال بالتصدق به. وثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية، الإنفاق الواجب، والإنفاق المندوب، والإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة وهي قوله تعالى: {أية : يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا} تفسير : [التوبة: 34]. وثانيها: الإنفاق على النفس، وعلى من تجب عليه نفقته. وثالثها: الإنفاق في الجهاد. وأما الإنفاق المندوب فهو أيضاً إنفاق لقوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ} تفسير : [المنافقون: 10]، وأراد به الصدقة؛ لقوله بعد: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون: 10] فكل هذه داخلةٌ تحت الآية، لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح.

السيوطي

تفسير : أخرج جرير عن قتادة {هدى للمتقين} قال: نعتهم ووصفهم بقوله {الذين يؤمنون بالغيب} الآية. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله { الذين يؤمنون} قال: يصدقون {بالغيب} قال: بما جاء منه، يعني من الله. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {الذين يؤمنون بالغيب} قال: هم المؤمنون من العرب قال: و {الإِيمان} التصديق و {الغيب} ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصحاب الكتاب، أو علم كان عندهم {يؤمنون بما أنزل إليك} هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال {أولئك على هدى} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {الذين يؤمنون بالغيب} قال: بالله وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه، والحياة بعد الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {الذين يؤمنون بالغيب} قال: آمنوا بالبعث بعد الموت، والحساب، والجنة والنار، وصدقوا بموعود الله الذي وعد في هذا القرآن. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {الذين يؤمنون بالغيب} قال: ما غاب عنهم أمر الجنة والنار قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت أبا سفيان بن الحرث يقول: شعر : وبالغيب آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمد تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت: "حديث : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد ايلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلو البيت الحرام. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال "أولئك قوم آمنوا بالغيب" ". تفسير : وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن الحرث بن قيس أنه قال لابن مسعود: عند الله يحتسب ما سبقتمونا به يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن مسعود: عند الله يحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه! إن أمر محمد كان بيِّناً لمن رآه. والذي لا إله غيره. ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ {أية : الۤمۤ ذلك الكتاب لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 1 ـ 2] إلى قوله{أية : المفلحون} تفسير : [البقرة: 5]. وأخرج البزار وأبو يعلي والمرهبي في فضل العلم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : انبئوني بأفضل أهل الإِيمان إيماناً؟ قالوا: يا رسول الله الملائكة...؟ قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالاته والنّبوة! قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء...! قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة مع الأنبياء. بل غيرهم قالوا: فمن يا رسول الله؟! قال: أقوام في أصلاب الرجال، يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً ". تفسير : وأخرج الحسن بن عروة في حزبه المشهور والبيهقي في الدلائل والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة...قال: وما لهم لايؤمنون، وهم عند ربهم. قالوا: فالأنبياء...قال: فما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم. قالوا: فنحن...قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم، ألا إن أعجب الخلق إلي إيماناً، لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال "حديث : ما من ماء ما من ماء؟ قالوا: لا. قال: فهل من شن؟ فجاؤوا بالشن، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يده عليه ثم فرق أصابعه، فنبع الماء مثل عصا موسى من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بلال اهتف بالناس بالوضوء، فأقبلوا يتوضأون من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت همة ابن مسعود الشرب، فلما توضأوا صلى بهم الصبح، ثم قعد للناس فقال: يا أيها الناس من أعجب الخلق إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال: وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر! قالوا: فالنبيون يا رسول الله. قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء! قالوا: فأصحابك يا رسول الله فقال: وكيف لا تؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني أولئك اخواني ". تفسير : وأخرج الإسماعيلي في معجمه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أي شيء أعجب إيماناً؟ قيل: الملائكة... فقال كيف وهم في السماء يرون من الله ما لا ترون! قيل: فالأنبياء... قال: كيف وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: فنحن... قال: كيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله! ولكن قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، أولئك أعجب إيماناً، وأولئك إخواني، وأنتم أصحابي ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا الملائكة.. قال: الملائكة... كيف لا يؤمنون؟ قالوا: النبيون... قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟ ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون من بعدكم، فيجدون كتاباً من الوحي، فيؤمنون به ويتبعونه. فهؤلاء أعجب الناس إيماناً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا ليتني قد لقيت إخواني؟ قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك وأصحابك: قال: بلى. ولكن قوماً يجيئون من بعدكم، يؤمنون بي إيمانكم، ويصدقوني تصديقكم، وينصروني نصركم. فيا ليتني قد لقيت إخواني ". تفسير : وأخرج ابن عساكر في الأربعين السباعية من طريق أبي هدبة وهو كذاب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليتني قد لقيت إخواني؟ فقال له رجل من أصحابه: أولسنا إخوانك؟ قال: بلى أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ثم قرأ {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} ". تفسير : وأخرج أحمد والدارمي والباوردي وابن قانع معاً في معجم الصحابة والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي جمعة الأنصاري قال "حديث : قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً؟ آمنا بك، واتبعناك. قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، يأتيكم الوحي من السماء! بل قوم يأتون من بعدي، يأتيهم كتاب بين لوحين، فيؤمنون به، ويعملون بما فيه،أولئك أعظم أجراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي عمر وأحمد والحاكم عن أبي عبد الرحمن الجهني قال "حديث : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع راكبان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنديان، أو مذحجيان، حتى أتيا فإذا رجلان من مذحج فدنا أحدهما ليبايعه، فلما أخذ بيده قال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك واتبعك وصدقك، فماذا له؟ قال: طوبى له، فمسح على يده وانصرف. ثم جاء الآخر حتى أخذ على يده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك؟ قال: طوبى له ثم طوبى له. ثم مسح على يده وانصرف". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن رجلاً قال: يارسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ". تفسير : وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعينكم هذه؟ قال: نعم قال: طوبى لكم. فقال ابن عمر: ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: سمعته يقول "حديث : قال طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ثلاث مرات ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلي والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات ". تفسير : وأخرج الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً "حديث : أن ناساً من أمتي يأتون بعدي، يودّ أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحق عن ابن عباس في قوله {ويقيمون الصلاة} قال: الصلوات الخمس {ومما رزقناهم ينفقون} قال: زكاة أموالهم. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ويقيمون الصلاة} قال: يقيمونها بفروضها {ومما رزقناهم ينفقون} قال: يؤدّون الزكاة احتساباً لها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال، عليها فيها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {يقيمون الصلاة} قال: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها {ومما رزقناهم ينفقون} قال: انفقوا في فرائض الله التي افترض الله عليهم، في طاعته وسبيله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله {ومما رزقناهم ينفقون} قال: إنما يعني الزكاة خاصة، دون سائر النفقات. لا يذكر الصلاة إلا ذكر معها الزكاة، فإذا لم يسم الزكاة قال في أثر ذكر الصلاة {ومما رزقناهم ينفقون} . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {ومما رزقناهم ينفقون} قال: هي نفقة الرجل على أهله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {ومما رزقناهم ينفقون} قال: كانت النفقات قرباناً يتقربون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة. هن الناسخات المبينات.

ابو السعود

تفسير : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} إما موصولٌ بالمتقين، ومحلُّه الجرُّ على أنه صفةٌ مقيِّدةٌ له إن فُسّر التقوى بترك المعاصي فقط، مترتبةٌ عليه ترتّبَ التحلية على التَّخْلية، وموضِّحةٌ إن فُسِّر بما هو المتعارَفُ شرعاً والمتبادَرُ عُرفاً، من فعل الطاعات وتركِ السيئات معاً، لأنها حينئذٍ تكون تفصيلاً لما انطوى عليه اسمُ الموصوف إجمالاً، وذلك لأنها مشتملة على ما هو عمادُ الأعمال وأساسُ الحسنات، من الإيمان والصلاة والصدقة، فإنها أمهاتُ الأعمال النفسانية والعباداتِ البدنية والمالية المستتبِعة لسائر القُرَب الداعيةِ إلى التجنب عن المعاصي غالباً، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت، الآية 45] وقوله عليه السلام: «حديث : الصلاةُ عمادُ الدين، والزكاةُ قنطرةُ الإسلام» تفسير : ، أو مادحةً للموصوفين بالتقوى المفسَّرِ بما مر من فعل الطاعات وتركِ السيئات. وتخصيصُ ما ذكر من الخِصال الثلاثِ بالذكر لإظهار شرفِها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسمِ التقوى من الحسنات، أو النصبُ على المدح بتقدير أعني أو الرفعُ عليه بتقدير «هم»، وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ بالابتداء خبرُه الجملةُ المصدّرةُ باسم الإشارة كما سيأتي بـيانُه، فالوقفُ على (المتقين) حينئذ وقفٌ تام، لأنه وقف على مستقلٍ، ما بعده أيضاً مستقل، وأما على الوجه الأول فحسنٌ لاستقلال الموقوف عليه، غيرُ تامَ لتعلق ما بعده به وتبعيّته له، أما على تقدير الجر على الوصفية فظاهر، وأما على تقدير النصبِ أو الرفع على المدح فلما تقرَّر من أن المنصوبَ والمرفوعَ مدحاً وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورةً حيث لم يتبعاه في الإعراب، وبذلك سُمّيا قطعاً لكنهما تابعان له حقيقة، ألا ترى كيف التزموا حذفَ الفعل والمبتدأ في النصب والرفع رَومْاً لتصوير كلَ منهما بصورة متعلِّقٍ من متعلقات ما قبله وتنبـيهاً على شدة الاتصال بـينهما، قال أبو علي: إذا ذُكرت صفاتٌ للمدح وخولف في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان، أي للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجِدّ في الإصغاء، فإن تغيـير الكلامِ المَسوقِ لمعنىً من المعاني وصَرْفَه عن سَننه المسلوكِ يُنبىء عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم، ويستجلب مزيدَ رغبةٍ فيه من المخاطب. إن قيل: لا ريب في أن حال الموصول عند كونه خبراً لمبتدأ محذوف كحاله عند كونه مبتدأ خبرُه (أولئك على هدى) في أنه ينسبك به جملةً اسميةً مفيدة، لاتصاف المتقين بالصفات الفاضلة، ضرورةَ أن كلاًّ من الضمير المحذوف والموصولِ عبارةٌ عن المتقين. وأن كلاًّ من اتصافهم بالإيمان وفروعِه، وإحرازهم للهدى والفلاحِ من النعوت الجليلة، فما السرُّ في أنه جُعل ذلك في الصورة الأولى من توابع المتقين، وعُدَّ الوقفُ غيرَ تام، وفي الثانية مقتطعاً عنه، وعُدَّ الوقفُ تامًّا؟ قلنا: السرُّ في ذلك أن المبتدأ في الصورتين وإن كان عبارة عن المتقين، لكن الخبرَ في الأولى لما كان تفصيلاً لما تضمنه المبتدأ إجمالاً حسبما تحققته معلومُ الثبوت له بلا اشتباه، غيرُ مفيد للسامع سوى فائدةِ التفصيلِ والتوضيح، نُظم ذلك في سلك الصفاتِ مراعاةً لجانب المعنى، وإن سمي قطعاً مراعاة لجانب اللفظ، كيف لا وقد اشتهر في الفن أن الخبر إذا كان معلومَ الانتساب إلى المُخبَر عنه فحقُّه أن يكون وصفاً له، كما أن الوصف إذا لم يكن معلومَ الانتساب إلى الموصوف حقُّه أن يكون خبراً له، حتى قالوا: إن الصفاتِ قبل العلم بها أخبارٌ، والأخبارُ بعد العلم بها صفات. وأما الخبرُ في الثانية فحيث لم يكن كذلك بل كان مشتملاً على ما لا ينبىء عنه المبتدأ من المعاني اللائقة كما ستحيط به خبراً مفيداً للمخاطب فوائدَ رائقة، جُعل ذلك مقتطعاً عما قبله محافظةً على الصورة والمعنى جميعاً. والإيمانُ إفعالٌ من الأمن المتعدّي إلى واحد، يقال آمنتُه، وبالنقل تعدى إلى اثنين، يقال آمنَنيه غيري، ثم استُعمل في التصديق، لأن المصَدِّقَ يؤمِنُ المُصَدَّق، أي يجعله أميناً من التكذيب والمخالفة، واستعماله بالباء لتضمينه معنى الاعتراف، وقد يطلق على الوثوق، فإن الواثقَ يصير ذا أمنٍ وطُمأنينة، ومنه ما حُكي عن العرب ما آمِنْتُ أن أجد صحابة، أي ما صِرْتُ ذا أمنٍ وسكون، وكلا الوجهين حسنٌ هنا وهو في الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما عُلم، ضرورةَ أنه من دين نبـينا عليه الصلاة والسلام، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها، وهل هو كافٍ في ذلك أو لا بد من انضمام الإقرار إليه للتمكن منه؟. والأول رأيُ الشيخ الأشعري ومن شايعه، فإن الإقرارَ عنده منشأٌ لإجراء الأحكام، والثاني مذهبُ أبـي حنيفة ومن تابعه وهو الحق، فإنه جعلهما جزأين له، خلا أن الإقرارَ ركنٌ محتمِلٌ للسقوط بعذر، كما عند الإكراه، وهو مجموعُ ثلاثةِ أمور: اعتقادُ الحق، والإقرارُ به، والعملُ بموجبه عند جمهورِ المحدثين والمعتزلة والخوارج، فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق، ومن أخل بالإقرارِ فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق اتفاقاً وكافرٌ عند الخوارج، وخارجٌ عن الإيمان غيرُ داخلٍ في الكفر عند المعتزلة. وقرىء (يُومنون) بغير همزة، والغيبُ إما مصدرٌ وُصف به الغائبُ مبالغةً كالشهادة في قوله تعالى: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } تفسير : [الزمر، الآية 46]، أو فعيل خُفّف كقَتْل في قتيل وهيْنٍ في هيّن، وميْتٍ في ميِّت، لكن لم يُستعمل فيه الأصلُ كما استعمل في نظائره. وأيًّا ما كان فهو ما غاب عن الحس والعقلِ غَيْبة كاملةً، بحيث لا يُدرَك بواحد منهما ابتداءً بطريق البَداهة، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه، وهو الذي أريد بقوله سبحانه: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }تفسير : [الأنعام، الآية 59] وقسم نُصب عليه دليل كالصانع وصفاتِه، والنبواتِ وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع، واليومِ الآخر وأحوالِه من البعث والنشورِ والحسابِ والجزاء، وهو المرادُ هٰهنا، فالباءُ صلةٌ للإيمان، إما بتضمينه معنى الاعتراف، أو بجعله مجازاً من الوثوق، وهو واقعٌ موقعَ المفعول به، وإما مصدرٌ على حاله كالغَيبة، فالباءُ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الفاعل كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [الأنبياء، الآية 49] وقوله تعالى: {أية : لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف، الآية 52] أي يؤمنون ملتبسين بالغيبة، إما عن المؤمن به، أي غائبـين عن النبـي صلى الله عليه وسلم غيرَ مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة، لما رُوي أن أصحابَ ابنِ مسعود رضي الله عنه، ذكروا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمانَهم، فقال رضي الله عنه: «إن أمرَ محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام كان بـيِّناً لمن رآه، والذي لا إله غيرُه ما آمن مؤمنٌ أفضلَ من الإيمان بغيب، ثم تلا هذه الآية». وإما عن الناس، أي غائبـين عن المؤمنين، لا كالمنافقين الذين إذا لقُوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلَوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم. وقيل: المرادُ بالغيب القلبُ، لأنه مستور، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فالباءُ حينئذٍ للآلة، وتركُ ذكرِ المؤمَن به على التقادير الثلاثةِ إما للقصد إلى إحداث نفسِ الفعلِ كما في قولهم فلانٌ يُعطي ويمنع، أي يفعلون الإيمان، وإما للاكتفاء بما سيجيء، فإن الكتبَ الإلهية ناطقةٌ بتفاصيل ما يجب الإيمانُ به. {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ} إقامتُها عبارةٌ عن تعديل أركانها، وحفظِها من أن يقع في شيء من فرائضها وسننها وآدابِها زيغٌ، من إقامة العُودِ إذا قوّمه وعدّله. وقيل عن المواظبة عليها، مأخوذٌ من قامت السُّوق إذا نفَقت، وأقمتُها إذا جعلتُها نافقة، فإنها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يُرغب فيه، وقيل عن التشمُّر لأدائها عن غير فتورٍ ولا تَوانٍ، من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جدَّ فيه واجتهد، وقيل عن أدائها، عبَّر عنه بالإقامة لاشتماله على القيام، كما عبَّر عنه بالقنوت الذي هو القيامُ وبالركوع والسجود والتسبـيح، والأولُ هو الأظهر، لأنه أشهرُ، وإلى الحقيقة أقربُ، والصلاةُ فَعْلةٌ، من صلَّى إذا دعا، كالزكاة من زكّى، وإنما كُتبتا بالواو مراعاةَ اللفظِ المفخّم، وإنما سُمِّيَ الفعلُ المخصوصُ بها لاشتماله على الدعاء، وقيل: أصلُ صلَّىٰ حرَّك الصَّلَوَيْنِ، وهما العظمان الناتئان في أعلى الفخِذين، لأن المصليَ يفعله في ركوعه وسجوده، واشتهارُ اللفظ في المعنى الثاني دون الأول لا يقدح في نقله عنه، وإنما سُمِّيَ الداعي مصلياً تشبـيهاً له في تخشّعه بالراكع والساجد. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} والرزقُ في اللغة العطاءُ، ويطلق على الحظ المُعْطىٰ، نحو ذِبْحٍ ورِعْيٍ للمذبوح والمَرْعيِّ. وقيل: هو بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، وفي العُرف ما ينتفِعُ به الحيوان. والمعتزلةُ لما أحالوا تمكينَ الله تعالى من الحرام لأنه منَعَ من الانتفاع به وأمرَ بالزجر عنه قالوا: الرزقُ لا يتناول الحرام، ألا ترى أنه تعالى أسند الرزقَ إلى ذاته إيذاناً بأنهم يُنفِقون من الحلال والصِّرْف، فإن إنفاقَ الحرام بمعزل من إيجاب المدح، وذمَّ المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } تفسير : [يونس، الآية 59] وأصحابنا جعلوا الإسنادَ المذكورَ للتعظيم والتحريضِ على الإنفاق، والذمَّ لتحريم ما لم يحرّم، واختصاصَ ما رزقناهم بالحلال للقرينة. وتمسكوا لشمول الرزق لهما بما رُوي عنه عليه السلام حديث : في حديث عَمْرو بن قرَّة حين أتاه فقال: يا رَسُول الله، إنَّ الله [قد] كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ، فلا أرى أُرْزَقُ إلاَّ مِنْ دُفِّي بِكَفِّي، فَأْذَنْ لِي فِي الغِنَاءِ، من غيرِ فَاحِشَةٍ، من أنه قال عليه السلام: لاَ آذَنُ لَكَ وَلاَ كَرَامةَ، ولا نُعْمَةَ (عَيْنٍ) كَذَبْتَ أيْ عَدُوَّ الله، والله لَقَدْ رَزَقَكَ الله حَلاَلاً طَيِّباً، فَاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ الله عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ الله لَكَ مِنْ حَلاَلِهِ» تفسير : وبأنه لو لم يكن الحرامُ رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً، وقد قال الله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود، الآية 6] والإنفاقُ والإنفادُ أخوانِ، خلا أن في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول، والمرادُ بهذا الإنفاق الصَّرْفُ إلى سبـيل الخير، فرضاً كان أو نفلاً، ومن فسَّر [ه] بالزكاة ذكر أفضلَ أنواعه الأصلَ فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقُها، والجملة معطوفة على ما قبلها من الصلة، وتقديمُ المفعول للاهتمام، والمحافظةِ على رؤوس الآي، وإدخال (من) التبعيضية عليه للكف عن التبذير. هذا وقد جاز أن يراد به الإنفاقُ من جميع المعاون التي منحهم الله تعالى من النعم الظاهرة والباطنة، ويؤيده قوله عليه السلام: «حديث : إن علماً لا يُنال به ككنز لا يُنفق منه» تفسير : وإليه ذهب من قال: ومما خَصَصْناهم من أنوار المعرفة يَفيضون.

التستري

تفسير : قوله: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [3] قال سهل: إن الله تعالى وصف بذلك من جبله بجبلّةٍ متعلقاً بسبب من سببه غير منفك عن مراقبته، وهم الذين لم يختاروا قط اختياراً، ولا أرادوا شيئاً دونه، ولا اختياراً دون اختياره لهم كما اختاره لهم، ولا أرادوا شيئاً منسوباً يغنيهم عنه، ومن غيره هم مبرؤون. قال أبو بكر: قيل لسهل: لقد آتاك الله الحكمة، فقال: قد أوتيت، إن شاء الله، الحكمة، وغيباً علمت من غيب سره، فأغناني عن علم ما سواه. {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم:42] وبإتمام ما بدأني به من فضله وإحسانه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}. قيل: الغيب هو الله. وقيل: إن الإيمان بالغيب للعام، لأن الإيمان بالغيب قطع عن مغيب الغيب حجبهم بالغيب عن مغيبه. وقال: بعض العراقيين: الغيب هو مشاهدات الملك بعين الحق. وقيل: الذين يؤمنون بالغيب: الذين يصدقون ما أظهره على أوليائك من الآيات والكرامات. وقال أبو يزيد رحمة الله عليه: لا يؤمن بالغيب من لم يكن معه سراج الغيب. وقال بعض العراقيين: إنهم بغيب القرآن عاينوا غيب الآخرة، ثم بغيب الغيب شاهدوا الحق مطلعًا عليهم فى جميع الأوقات، فغابوا باطلاعه عليهم مشاهدة عن مشاهدة كل ما سواه، فهم قائمون معه على المشاهدة، وهذا هو الإيمان بالغيب. وقال فارس: الإيمان بالغيب تعظيم الحقيقة وصون الشريعة والرضا بالقضية، حتى تستيقن أن ليس لك من الأمر شىء. قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ}. وإقامتها: حفظ حدودها ظاهرًا وباطنًا. وقال بعضهم: النية فى إقامة الصلاة أى: لا أواصلك بها ولا أواصلك بتركها، ولكنها اتباع الأمر والنهى. وقيل لا يكن حظك من صلاتك إقامتها دون السرور بما أحلت له من القربة والمناجاة. وقيل: لا يكن همك فيها إقامتها دون الهيبة والتعظيم والخوف عن كيفية إقامتها ورؤية التقصير فيها. وقال ابن عطاء: إقامة الصلاة فيها حفظ حدودها مع حفظ السرّ مع الله أى: لا يختلج بسرك سواه. قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. قال بعض العراقيين: فى الإمساك لذة وفى الإنفاق لذة، وكل ما يلتذ به العبد فهو يعبد من عين الحق. وقيل: مما رزقناهم ينفقون أى: مما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون بركتها ونورها على متبعيهم. وقيل: الذين يؤمنون بالغيب حظ قلبك ويعلمون حظ بدنك، ومما رزقناهم ينفقون حظ مالك معناه تجرد قلبك وتتعب بدنك في خدمتى وتنفق مالك فى مرضاتى لأوصلك إلى معرفتى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ}. حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق، وموجب الأمرين التوفيق. والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد، في حفظ العهد، ومراعاة الحد. فالمؤمنون هم الذين صدَّقوا باعتقادهم ثم الذين صَدَقُوا في اجتهادهم. وأمَّا الغيب فما يعلمه العبد مما خرج عن حد الاضطرار؛ فكل أمر ديني أدركه العبد بضرب استدلال، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غَيْبِيُّ. فالرب سبحانه وتعالى غيب. وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر، والثواب والمآب، والحساب والعذاب - غيب. وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين، فأوْرَدَهم صدقُ الاستدلال ساحاتِ الاستبصار، وأوصلهم صائبُ الاستشهاد إلى مراتب السكون؛ فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعي الريب. ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية، وطلب بخواطر ذكية، وردِّ وردع لدواعٍ ردية، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم، وفي معناه أنشدوا: شعر : لَيْلِي من وجهك شمس الضحا وظلامه في الناس ساري والنــاس فـي ســدف الظـــلا م ونحن في ضوء النهـار تفسير : وأنشدوا: شعر : طلعت شمس من أحبَّك ليلاً فاستضاءت وما لها من غروب إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليست تغيب تفسير : ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب في شهود الغيب فصار غيباً يغيب. وأمَّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية مَنْ يُصَلَّى له فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه، وهو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم مستقبلة القِبْلة، وقلوبهم مستغرقة في حقائق الوصلة: شعر : أراني إذا صَلَّيْت يَمَّمْت نحوها بوجهي وإنْ كان المُصَلَّى ورائيا أصلي فلا أدري إذا ما قضيتها اثنتين صليت الضحا أم ثمانيا؟ تفسير : وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون. أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون؛ فشتَّان بين غائبٍ يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة، وبين غائبٍ يرجع إلى أَحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة. قوله جلّ ذكره: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. الرزق ما تمكَّن الإنسان من الانتفاع به، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمَّا نَفْلاً وإما فرضاً على موجب تفصيل العلم. وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله سبحانه وتعالى شيئاً من ميسورهم؛ فينفقون نفوسهم في آداب العبودية، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية. فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال، فهؤلاء يكتفي منهم عِشْرين بنصفٍ ومن المائتين بِخَمس، وعلى هذا السَّنَن جميع الأموال يعتبر فيه النِّصاب. وأمَّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم - لأنفسهم ولحظوظهم - لحظةً قامت عليهم القيامة. فصل: الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على مناهم، والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم، فلازموا سراً وعلناً نفوسهم. والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من دنياهم وعقباهم. والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرَّبهم الحق سبحانه وأجزاهم، ويحكم الإفراد به لقَّاهم. فصل: الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم. والفقراء أنفقوا من هممهم على مَنَابَتِهمْ. ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم، وحين قاموا لِحَقِّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية.

البقلي

تفسير : { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} ما غابَ عن الابصار منكشفا بنعت الانوار لعيون الاسرار والايمان بالغيب هو تفرس الرّوح بنور اليقين مشاهدة الحق سبحانه وتعدو الايمان بالغيب شوق القلب الى لقاء الربّ وايضاً الايمان تصديق السّرَ الرّوح من مكنون حقائق الغيب بنعت مباشرة حلاوة انكاشف نور الحق في صميم سرّ السّرو اتصار بروقه بطنان القلب وتعريفه اوصاف صفات الحق عقل الكل وايضا الايمان وتصديق القلب بوجدان الرّوح ريوة الربّ جلّ وعلاوة المؤمن هم الذي صدقوا مواعيد الغيوب بعداد لاكهم مواجيد قلوبهم من رؤيتها ومواجيدُ قلوبهم لا يكون الا من رؤية ابصار بصائرهم انوار غيب الغيب وترائى الغيب لا يكون لروح الناطقة الا بعد ان يؤدها الحق بتبين البرَاهين واستكشافه حقائق الاستدلال بشهود الحال رؤية المدلول واستحكام انوار البصيرة فاذا كَمُلت هذه الاوصاف للرّوح ابصُرَتَ صفاء صحارى الغيب وتمكن تحت ركوبهم انوار اليقين وسناء قدس الحق بنعت بروزه في لباس حق اليقين وحيقية حق ايقين لا تحصل بالتحقيق الا بعد انسلاخ السّر عن لاستشهاد والاستدلال فاذا فرغ منها اوصله التائيد الى مراتب الكشوف وايضاح الفرقان واورده صدق تحقيقُ روية الغيب ساحات استبصار عيون النفوس ولاتسغناه بما اَنَس من عجائب جلال المشهود من سَيرانه في عالم الشواهِدِ واذا عاين مكشوفات الغيب ببصر العرفان دَخَل في سُجوفِ ايواءِ عزّ الحقّ واغناءِ الحقّ بوايح البيان عن طلب الماشهدة بالفكر في الحدثان وتَطلع له شموسُ اسرارانوار القَدِم وتَخُلصُه بجمالِها عن اقتباس مصابيح البراهين واذا بَرَق السَرَ بهذه المعانى اشرق له حق الغيب باوصافه فصار السُر والغيب متحداً ويكو السّر غيباً بعينه والغيب سرا بعينه فيغُيَّبُ السّر في الغيب والغيب في السّر وتحصيل هذا العلم ان الغيبَ يصير اهلاً للسّر لا يحوى فوءهُ ابداً وصاحبه في كل حالٍ شاهداً لمشاهدة يرى في جميع الانفاس عالم الملكوتِ وعالم الجبروت وهذا صفةٌ قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وقال الشبلى لما صَفَتُ اروحُهُمُ وشَرّفَتْ هموهم اشرفوا على اسرار الغيب بعظم اما نَتهم وقال بعضهم الّذين تُصدّق نفوسُهُم ارواحَهم بما ادَّت اليهم من خبر ما شاهدته قلوبُهم بما غيب عن نفوسهم وقال ابو بكر بن ظاهرٍ اشار الحقُّ الى اخلاص عبادة المخلصين باَنّهم بذلوا لمحبوبهم قلوبهم بالايمان والغيب وبَذَلوا نفوسّهُم الخدمة والعبودية بقوله ويقيمون الصلوة وبذلوا ماملكهم فاينجلوا عليه بشئ من ذلك علماً بانّها عوارٍ في ايديهم وهو تعالى المالكُ للها ولهم على الحقيقة بقوله ومِمّا رزقنهم ينفقون وقال الواسطى امنوا بالغيب ولما عاينوا الحق في القيمة علموا حقيقية انّ ما امنوا به بعيدٌ ما شاهَدُونا وقال بعضهم الله غيب وهو مُغيب الغَيْب والقلبُ غيب فاذا امن الغيب مع الححابُ عن الغيب فوجد في الغيب الغيب صاحب الغيب وذلك قوله الذين يؤمنون بالغيب وقال بعضهم الذين يقضون بالغيب في الغيب للغيبُ قال الاستاذ حقيقة الايمان التصديق ثم التحقيق وموجب الامرين التوفيق فالتصديق بالعقد والتحقيق بذلك الجهد في حفظ العهد وفرسان اهل الغيب خمس طوائف النفوسُ والارواح والعقول والقلوب والاسرار ومشاربهم متفاوته فمشرب صرف بلا مزاجٍ ومشرب عذبُ بلا اجاج ومشربُ ملحُ ومشربُ يَقٌ ومشربُ سايقُ ومشرب زنجيل المحَّة ومشرب سلسبيل المعرفة ومشرب تسنيم المشاهدة ومشرب عين المكاشفة وقائدُ التوفيق يقود طائفة السَّعَادة الى مناهل القرية وسائق الخذلان يَسُوق طائفة الشقاو الى موارد الشهود وموارد النفوس التي تَرُدّها اسُنّ المنى واحَسَنُ الهوى ومناهل الشهوات سواحِل نهر الغفلات ومشارب الاروح الت تُرُدها هي سواقى المشاهدات والمكاشفات وعيون القلوب التي تَرُدُّها هي صفاء المعاملات وانوارُ المناجات والانهار التي ترُدّها القعول هي مشاهدة الربوبيّة واردارك نور القربة من مرأة الايات والينابيع التي تُرّدها الاسرار هي عجائب كشوف جمال القِدم وشهودها مشهدا التّوحيد وحقائق حق البروبيّة ومطالع شموس الصفات ومشارق اقمار انوار الذات فالزّهاد اصحاب العقول ومَشُرَبُهم الطاعات والعبادات والهبوبون هم اصحاب القلوب ومشربهُمُ الوجود الحالات العرافون هم اصحاب الارواح ومشربهم المقراقبات والانس والخلوات والموجّدون هم اصحاب الاسرار ومشربهُهُ التفرّد عن الاكوان والتجّرد عن الحدثان والبطالون هم اصحاب النفوس ومشربهم الدَّعاوى والاباطيل والترهت والمزخرفات وقيل الغيب هو الله تعالى وقال بعض العراقين الغيبُ هو مشاهدة الكلّ بعين الحقّ وقال ابو يزيد لا يؤمن بالغيب من لم يكن معه سراج من الغيب {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ} يراقبون اوقاتَ الصّلوة لاستنشاقِ نفخات الصفات واقامة الصلوة حفظ اداب العبوديّة في جناب الربوبية بنعت الافتقار الى مشاهضدة الملك الجبار لان في الصّلوة قرّة عيون العارفين ومناجاة المحبين ومشاهدة الحق للشائقين وقال ابن عطا اقامه الصلوة حفظ حدودها مع حفظ السرّ مع الله ان لا يختلم بسره سواه {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} اي يطلبَوُن قرب الرزّاق بخروجهم عن الارزاق واينماً يتقربون اليه بما نالوا منه وايضاً يتخلَّقون بخلقه في الاكرام والاعطاء وايضاً يتحدّثون بما وَجَدُ وامن انوارالكواشف وكرائم المعارف عند السّالكين الصّادقين وقيل في الامسَاك لذة وفي الانفاق لذة وكلُ ما يَلذ فهو يعبد من عَين الحق وقيل ينفقون مما خصصناهم به من انوار المعرفة يفيضون بركاتها ونورها على مَنْ تَبَعهُم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين يؤمنون بالغيب} الجملة صفة مقيدة للمتقين ان فسر التقوى بترك ما لا ينبغى مترتبة عليه ترتب التحلية على التخلية والتصوير على التصقيل وموضحة ان فسر بما يعم فعل الطاعة وترك المعصية لاشتماله على ما هو اصل الاعمال واساس الحسنات من الايمان والصلاة والصدقة فانها امهات الاعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصى غالبا ألا يرى قوله تعالى {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : [العنكبوت: 45] وقوله عليه السلام "حديث : الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الاسلام ". تفسير : والايمان هو التصديق بالقلب لان المصدق يؤمن المصدق يؤمن المصدق يؤمن المصدق اى يجعله آمنا من التكذيب او يؤمن نفسه من العذاب بفعله والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن عباده من عذابه بفضله واستعماله بالباء ههنا لتضمنه معنى الاعتراف وقد يطلق على الوثوق فان الواثق يصير ذا امن وطمانينة. قال فى الكواشى الايمان فى الشريعة هو الاعتقاد بالقلب والاقرار باللسان والعمل بالاركان والاسلام الخضوع والانقياد فكل ايمان اسلام وليس كل اسلام ايمانا اذا لم يكن معه تصديق فقد يكون الرجل مسلما ظاهرا غير مصدق باطنا ولا يكون مصدقا باطنا غير منقاد ظاهرا. قال المولى ابو السعود رحمه الله فى تفسيره هو فى الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما علم ضرورة انه من دين نبينا صلى الله عليه وسلم كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها وهل هو كاف فى ذلك او لا بد من انضمام الاقرار اليه للتمكن منه الاول رأى الشيخ الاشعرى ومن تابعه والثانى مذهب ابى حنيفة رحمه الله ومن تابعه وهو الحق فانه جعلهما جزئين له خلا ان الاقرار ركن محتمل للسقوط كما عند الاكراه وهو مجموع ثلاثة امور اعتقاد الحق والاقرار به والعمل بموجبه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج فمن اخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ومن اخل بالقرار فهو كافر ومن اخل بالعمل فهو فاسق اتفاقا عندنا وكافر عند الخوارج وخارج عن الايمان غير داخل فى الكفر عند المعتزلة. والغيب مصدر سمى به الغائب توسعا كقولهم للزآئر زور وهو ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو الذي اريد بقوله سبحانه {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}تفسير : [الأنعام: 59]. وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها من الاحكام والشرائع واليوم الآخر واحواله من البعث والنشور والحساب والجاء وهو المراد ههنا. فالباء صلة الايمان اما بتضمينه معنى الاعتراف او بجعله مجازا عن الوثوق وهو واقع موقع المفعول به وان جعلت الغيب مصدرا على حاله كالغيبة فالباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل اى يؤمنون ملتبسين بالغيبة اما عن المؤمن به اى غائبين عن النبى صلى الله عليه وسلم غير مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة ويدل عليه انه قال حارث بن نغير لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه نحن نحتسب لكم يا اصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته فقال عبد الله ونحن نحتسب لكم ايمانكم به ولم تروه وان افضل الايمان ايمان بالغيب ثم قرأ عبد الله {الذين يؤمنون بالغيب} كذا فى تفسير ابى الليث واما عن الناس اى غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين {أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم}تفسير : [البقرة:14] وقيل المراد بالغيب القلب لانه مستور والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بافواههم ما ليس فى قلوبهم فالباء حينئذ للآلة. حديث : وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه احد منا فاقبل حتى جلس بين يدى رسول الله الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال يا محمد أخبرنى عن الاسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا" فقال صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه ثم قال فما الايمان قال "ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره" فقال صدقت ثم قال فما الاحسان قال "ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" قال صدقت ثم قال فاخبرنى عن الساعة فقال "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" قال صدقت قال فاخبرنى عن اماراتها قال "ان تلد الامة ربتها وان ترى العراة الحفاة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان" قال صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عمر هل تدرى من الرجل" قلت الله ورسوله اعلم قال "ذاك جبريل اتاكم يعلمكم امر دينكم وما اتانى فى صورة الا عرفته فيها الا فى صورته هذه"تفسير : وفى التأويلات النجمية {يؤمنون بالغيب} اى بنور غيبى من الله فى قلوبهم نظروا فى قول محمد صلى الله عليه وسلم فشاهدوا صدق قوله فآمنوا به كما قال عليه السلام "حديث : المؤمن ينظر بنور الله"تفسير : . واعلم ان الغيب غيبان غيب غاب عنك وغيب غبت عنه فالذى غاب عنك عالم الارواح فانه قد كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك فى عهد الست بربكم واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعارف الارواح من الانبياء والاولياء وغيرهم فغاب عنك اذ تعلقت بالقالب ونظرت بالحواس الخمس اى بالمحسوسات من عالم الاجسام واما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود وما غاب عنك بالوجود وهو معكم اينما كنتم انت بعيد منه وهو قريب منك كما قال {أية : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}تفسير : [ق:16] انتهى كلام الشيخ نجم الدين قدس سره قال الشيخ سعدى شعر : دوست نزديكتر ازمن بمنست وين عجبتركه من ازوى ذورم جه كنم باكه توان كفت كه او در كنار من ومن مهجورم تفسير : {ويقيمون الصلاة} الصلاة اسم للدعاء كما فى قوله تعالى {أية : وصل عليهم}تفسير : [التوبة: 103]اى ادع لهم والثناء كما فى قوله تعالى {أية : إن الله وملائكته يصلون}تفسير : [الأحزاب: 56]. والقراءة كما فى قوله تعالى {أية : ولا تجهر بصلاتك}تفسير : [الإِسراء:110] اى بقراءتك والرحمة كما فى قوله تعالى {أية : أولئك عليهم صلوات من ربهم}تفسير : [البقرة: 157] والصلاة المشروعة المخصوصة بافعال واذ كار سميت بها لما فى قيامها من القراءة وفى قعودها من الثناء والدعاء ولفاعلها من الرحمة. والصلاة فى هذه الآية اسم جنس اريد بها الصلوات الخمس. واقامتها عبارة عن المواظبة عليها من قامت السوق اذا نفقت او عن التشمر لادائها من غير فتور ولاتوان من قولهم قام بالامر واقامه اذا جد فيه وتجلد وضده قعد عن الامر وتقاعد او عن ادائها فان قول المؤذن قد قامت الصلاة معناه اخذوا فى ادائها عبر عن ادائها بالاقامة لاشتمالها على القيام كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح او عن تعديل اركانها وحفظها من ان يقع فى شئ من فرائضها وسننها وادائها زيغ من اقام العود اذا قومه وعدله وهو الاظهر لانه اشهر والى الحقيقة اقرب وافيد لتضمنه التنبيه على ان الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن وحقوقها الباطنه من الخشوع والاقبال بقلبه على الله تعالى لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون. قال ابراهيم النخعى اذا رأيت رجلا يخفف الركوع والسجود فترحم على عياله يعنى سن ضيق المعيشة. وذكر ان حاتما الزاهد دخل على عاصم بن يوسف فقال له عاصم يا حاتم هل تحسن ان تصلى فقال نعم قال كيف تصلى قال اذا تقارب وقت الصلاة اسبغ الوضوء ثم استوى فى الموضع الذى اصلى فيه حتى يستقر كل عضو منى وارى الكعبة بين حاجبى والمقام بحيال صدرى والله فوقى يعلم ما فى قلبى وكأن قدمى على الصراط والجنة عن يمينى والنار عن شمالى وملك الموت خلفى واظن انها آخر الصلاة ثم اكبر تكبيرا باحسان واقرأ قراءة بتفكر واركع ركوعا بالتواضع واسجد سجودا بالتضرع ثم اجلس على التمام وأتشهد على الرجاء واسلم على السنة ثم اسلمها للاخلاص واقوم بين الخوف والرجاء ثم اتعاهد على الصبر قال عاصم يا حاتم أهكذا صلاتك قال كذا صلاتى منذ ثلاثين سنة فبكى عاصم وقال ما صليت من صلاتى مثل هذا قط كذا فى تنبيه الغافلين: قال السعدى شعر : كه داند جو دربند حق نيستى اكربى وضو درنماز ايستى تفسير : قال فى تفسيره التيسير المذكور فى الآية اقامة الصلاة والله تعالى امر فى الصلاة بأشياء باقامتها بقوله {أية : واقيموا الصلاة}تفسير : [البقرة:43] وبالمحافظة عليها وادامتها بقوله {أية : الذين هم على صلاتهم دائمون}تفسير : [المعارج: 23] وبادائها فى اوقاتها بقوله {أية : إِن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}تفسير : [النساء: 103] وبادائها فى جماعة بقوله {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43] وبالخشوع فيها بقوله {أية : الذين هم فى صلاتهم خاشعون}تفسير : [المؤمنون: 2] وبعد هذه الاوامر صارت الناس على طبقات. طبقة لم يقبلوها ورأسهم ابو جهل لعنه الله قال الله تعالى فى حقه {أية : فلا صدق ولا صلى}تفسير : [القيامة: 31] وذكر مصيرهم فقال {أية : ما سلككم فى صقر قالوا لم نكن من المصلين}تفسير : [المدثر: 42-43] الى قوله {أية : وكنا نكذب بيوم الدين}تفسير : [المدثر:46] وطبقة قبلوها ولم يؤدوها وهم اهل الكتاب قال الله تعالى {أية : فخلف من بعدهم خلف}تفسير : [مريم: 59] وهم اهل الكتاب {أية : أضاعوا الصلاة}تفسير : [مريم: 59] وذكر مصيرهم فقال {أية : فسوف يلقون غيا}تفسير : [مريم: 59] وهى دركة فى جهنم هى اهيب موضع فيها تستغيث الناس منها كل يوم كذا وكذا مرة ثم قال الله {أية : إلا من تاب}تفسير : [مريم: 60] اى من اليهودية والنصرانية {أية : وآمن}تفسير : [مريم: 60] اى بمحمد {أية : وعمل صالحا}تفسير : [مريم: 60] اى حافظ على الصلاة. وطبقة ادوا بعضا ولم يؤدا بعضا متكاسلين وهم المنافقون قال الله تعالى {أية : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}تفسير : [النساء: 142] وذكران مصيرهم ويل وهو واد فى جهنم لو جعلت فيه جبال الدنيا لماعت اى سالت قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك صلاة حتى مضى وقتها عذب فى النار حقبا"تفسير : والحقب ثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم الف سنة مما تعدون. قالوا وتأخير الصلاة عن وقتها كبيرة واصغر الكبيرة ما قيل انه يكون كانه زنا بامه سبعين مرة كما فى روضة العلماء. وطبقة قبلوها وهم يراعونها فى مواقيتها بشرائطها ورأسهم المصطفى صلى الله عليه وسلم قال تعالى {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل}تفسير : [المزمل:20] وقال تعالى {أية : قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين}تفسير : [الأنعام: 162] الآية واصحابه كذلك فذكرهم الله تعالى بقوله {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون}تفسير : [المؤمنون: 1-2] وذكر مصيرهم فقال {أية : أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس}تفسير : [المؤمنون: 10-11] وهو ارفع موضع فى الجنة وابهاه ينال المؤمن فيه مناه وينظر الى مولاه. قال الحكماء كن نجما فان لم تستطع فكن قمرا فان لم تستطع فكن شمسا اى مصليا جميع الليل كالنجم يشرق جميع الليل او كالقمر يضيء بعض الليل او كالشمس تضيء بالنهار معناه فصل بالنهار إن لم تستطع بالليل كذا في زهرة الرياض. واعلم أن الجماعة من فروض الكفاية وفيها فضل وليست بفرض عند عامة العلماء حتى اذا صلى وحده جاز وان فاته فضل الجماعة. وقال احمد بن حنبل ان الجماعة فرض وليست بنافلة حتى اذا صلى وحده لم تجز صلاته غير انها وان لم تكن فريضة عندنا فالواجب على المسلم ان يتعاهدها ويحفظها قال تعالى {أية : يا قومنا اجيبوا داعى الله}تفسير : [الأَحقاف: 31] قال بعضهم المراد من الداعى المؤذنون الذين يدعون الى الجماعة فى الصلوات الخمس وتارك الجماعة شر من شارب الخمر وقاتل النفس بغير حق ومن القتات ومن العاق لوالديه ومن الكاهن والساحر ومن المغتاب وهو ملعون فى التوراة والانجيل والزبور والفرقان وهو ملعون على لسان الملائكة لا يعاد اذا مرض ولا تشهد جنازته اذا مات قال النبى عليه الصلاة والسلام "حديث : تارك الجماعة ليس منى ولا انا منه ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا"تفسير : اى نافلة وفريضة فان ماتوا على حالهم فالنار اولى بهم كذا فى روضة العلماء. وقال فى نصاب الاحتساب قال عليه السلام "حديث : لقد هممت ان آمر رجلا يصلى بالناس وانظر الى اقوام يتخلفون عن الجماعة فاحرق بيوتهم"تفسير : وهذا يدل على جواز احراق بيت الذى يتخلف عن الجماعة لان ألهم بالمعصية لا يجوز من الرسول عليه السلام لانه معصية فاذا علم جواز احراق البيت على ترك السنة المؤكدة فما ظنك فى احراق البيت على ترك الواجب والفرض وما ظنك فى احراق آلات المعصية انتهى كلام النصاب هذا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما بعث الله نبيه عليه السلام بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم اكمل لهم الدين. قال مقاتل كان النبى عليه السلام يصلى بمكه ركعتين بالغداة وركعتين بالعشاء فلما عرج به الى السماء أمر بالصلوات الخمس كما فى روضة الاخيار. وانما فرضت الصلاة ليلة المعراج لان المعراج افضل الاوقات واشرف الحالات واعز المناجات والصلاة بعد الايمان افضل الطاعات وفى التعبد احسن الهيآت ففرض افضل العبادات فى افضل الاوقات وهو وصول العبد الى ربه وقربه منه. واما الحكمة فى فرضيتها فلانه صلى الله عليه وسلم لما اسرى به شاهد ملكوت السموات باسرها وعبادات سكانها من الملائكة فاستكثرها عليه السلام غبطة وطلب ذلك لامته فجمع الله له فى الصلوات الخمس عبادات الملائكة كلها لان منهم من هو قائم ومنهم من هو راكع ومنهم من هو ساجد وحامد ومسبح الى غير ذلك فاعطى الله تعالى اجور عبادات اهل السموات لامته اذا قاموا الصلوات الخمس. واما الحكمة فى ان جعلها الله تعالى مثنى وثلاث ورباع فلانه عليه السلام شاهد هياكل الملائكة تلك الليلة اى ليلة الاسراء اولى اجنحة مثنى وثلاث ورباع فجمع الله ذلك فى ضور انوار الصلوات عند عروج ملائكة الاعمال بارواح العبادات لان كل عبادة تتمثل فى الهيا كل النورانية وصورها كما وردت الاشارات فى ذلك بل يخلق الملائكة من الاعمال الصالحة كما ورد فى الاحاديث الصحيحة وكذلك جعل الله اجنحة الملائكة على ثلاث مراتب فجعل اجنحتك التي تطير بها الى الله موافقه لاجنحتهم ليستغفروا لك وأما الحكمة فى كونها خمس صلوات فلانه عليه السلام بعد سؤاله التخفيف ومراجعته قال له الله تعالى "حديث : يا محمد انهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر حسنات فتلك خمسون صلاة وكانت خمسين على من قبلنا"تفسير : فحطت ليلة المعراج الى خمس تخفيفا وثبت جزاء الخمسين تضعيفا. وحكمة اخرى فى كونها خمس صلوات انها كانت متفرقة فى الامم السالفة فجمعها سبحانه لنبيه وامته لانه عليه السلام مجمع الفضائل كلها دنيا وآخره وامته بين الامم كذلك فاول من صلى الفجر آدم والظهر ابراهيم والعصر يونس والمغرب عيسى والعشاء موسى عليهم السلام فهذا سر القرار على خمس صلوات وقيل صلى آدم عليه السلام الصلوات الخمس كلها ثم تفرقت بعده بين الانبياء عليهم السلام واول من صلى الوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لذلك قال "حديث : زادنى ربى صلاة"تفسير : اى الوتر على الخمس او صلاة الليل فافهم اول من بادر الى السجود جبريل عليه السلام ولذلك صار رفيق الانبياء وخادمهم واول من قال سبحان الله جبريل والحمد لله آدم ولا اله الا الله نوح والله اكبر ابراهيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل ذلك فى كشف الكنوز وحل الرموز. وذكر فى الحكم الشاذلية وشرحها انه لما علم الحق منك وجود الملل لون لك الطاعات لتستريح من نوع الى نوع وعلم ما فيك من وجود الشر المؤدى الى الملل القاطع عن بلوغ الامل فحجرها عليك فى الاوقات اذ جعل فى اليوم خمسا وفى السنة شهرا وفى المائتين خمسة وفى العمر زورة ولكل واحدة فى تفاصيلها وقت لا تصح فى غيره كل ذلك رحمة بك وتيسيرا للعبودية عليك وقد قيد الله الطاعات باعيان الاوقات كيلا ينفك عنها وجود التوسيف ووسع الوقت عليك كى تبقى صفة الاختيار: قالوا المولى جلال الدين قدس سره شعر : كرنباشد فعل خلق اندرميان بس مكوكس راجرا كردى جنان يك مثال ايى دل بى فرقى بيار تابدانى جبررا از اختيار دست كان لرزان بود ازار تعاش وانكه دستى را تولرزانى زجاش هردوجنبش آفريده حق شناس ليك نتوان كرد اين با آن قياس تفسير : وفى التأويلات النجمية بداية الصلاة اقامة ثم ادامة فاقامتها بالمحافظة عليها بمواقيتها واتمام ركوعها وسجودها وحدودها ظاهرا وباطنا وادامتها بدوام المراقبة وجمع الهمة فى التعرض لنفحات الطاف الربوبية التى هى مودعة فيها لقوله عليه السلام "حديث : ان لله فى ايام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". تفسير : فصورة الصلاة صورة التعرض والامر بها صورة جذبة الحق بان يجذب صورتك عن الاستعمال لغير العبودية وسر الصلاة حقيقه التعرض ففى كل شرط من شرائط صورتها وركن من اركانها وسنة من سننها وأدب من آدابها وهيئة من هيآتها سر يشير الى حقيقة التعرض لها. ومن شرائط الصلاة الوضوء ففي كل أدب وسنة وفرض منه سر يشير الى طهارة يستعد بها لاقامة الصلاة ففى غسل اليدين اشارة الى تطهير نفسك عن تلوث المعاصى وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية كما قال تعالى لحبيبه عليه السلام {أية : وثيابك فطهر}تفسير : [المدثر: 4]. جاء فى التفسير اى قلبك فطهر وغسل الوجه اشارة الى طهارة وجه همتك من دنس ظلمة حب الدنيا فانه رأسُ كل خطيئة. ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة وفيه اشارة الى الاعراض عما سوى طلب الحق والتوجه الى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة ورفع اليدين اشارة الى رفع يدالهمة عن الدنيا والآخرة والتكبير تعظيم الحق بانه اعظم من كل شيء فى قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة ومقارنة النية مع التكبير اشارة الى ان صدق النفية فى فى الطلب ينبغى ان يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا تطلب منه الا هو فان من طلب غيره غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب لا الله تعالى فلا تجوز صلاته حقيقة كما لا تجوز صلاته صورة الا بتكبير الله فان قال الدنيا اكبر او العقبى أكبر لا يجوز حتى يقول الله أكبر فكذلك في الحقيقة في وضع اليمنى على اليسرى ووضعها على الصدر اشارة الى اقامة رسم العبودية بين يدى مالكه وحفظ القلب عن محبة ما سواه وفى افتتاح القراءة بوجهت اشارة الى توجهه للحق خالصا عن شرك طلبه غير الحق وفى وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها اشارة الى حقيقة تعرض العبد فى الطلب لنفحات الطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين وطلب الهداية وهى الجذبات الالهية التى توازى كل جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقسومة بين العبد والرب نصفين والقيام والركوع والسجود اشارة الى رجوعه الى عالم الارواح ومسكن الغيب كما جاء منه فاول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم بالحيوانية ثم بالانسانية فالقيام من خصائص الانسان والركوع من خصائص الحيوان والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : [الرحمن: 6] فللعبد فى كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران والحكمة فى تعلق الروح العلوى والنورانى بالجسد السفلى الظلمانى كان هذا الربح لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام "حديث : خلقت الخلق ليربحوا على لا لأربح عليهم"تفسير : ليربح الروح فى كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد فى مراتب العلويات وان كان قد ابتلى اولا ببلاء الخسران كما قال تعالى {أية : والعصر ان الانسان لفى خسر الا الذين آمنوا}تفسير : [العصر: 1-3] الآية. فبنور الايمان والعمل الصالح يتخلص العبد من بلاء خسران المراتب السفلية ويفوز بربحها فبالقيام فى الصلاة بالتذلل وتواضع العبودية يتخلص من خسران التكبر والتجبر الذى من خاصته ان يتكامل فى الانسان ويظهر منه انا ربكم الاعلى ويفوز بربح علو الهمة الانسانية التى اذا كملت فى الانسان لا يلتفت الى الكون فى طلب المكون كما كان حال النبى عليه السلام {أية : اذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاع البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى}تفسير : [النجم: 16-18] فاذا تخلص من التكبر الانسانى يرجع من القيام الانسانى الركوع الحيوانى بالانكسار والخضوع فالبركوع يتخلص من خسران الصفة الحيوانية ويفوز بربح تحمل الاذى والحلم ثم يرجع من الركوع الحيوانى الى السجود النباتى فبالسجود يتخلص من خسران الذلة النباتية والدناءة السفلية ويفوز بربح الخشوع الذى يتضمن الفلاح الابدى والفوز العظيم السرمدى كما قال تعالى {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلتهم خاشعون} تفسير : [المؤمنون: 1-2] فالخشوع اكمل آلات العروج فى العبودية وقد حصل فى تعلقه بالجسد النيرانى وليس لاحد من العالمين هذا الخشوع وبهذا السرابت الملائكة وغيرهم ان يحملن الامانة فاشفقن منها لان الاباء ضد الخشوع وحملها الانسان باستعداد الخشوع وكمل خشوعه بالسجود اذ هو غاية التذلل فى صورة الانسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلى وعروجه الى العالم الروحانى العلوى برجوعه من مراتب الانسانية والحيوانية والنباتية وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وانفاق الموجود من انانية الوجود الذى هو من شرط المصلين كقوله تعالى {أية : ويقيمون الصلاة}تفسير : [التوبة: 17] {أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : [البقرة: 3] الرزق فى اللغة العطاء. وفى العرف ما ينتفع به الحيوان وهو تناول الحلال والحرام عند اهل السنة والقرينة تخصصه ههنا بالحلال لان المقام مقام المدح وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤوس الآى وادخال من التبعيضية عليه للكف عن الاسراف المنهى عنه وصيغة الجمع فى رزقنا مع انه تعالى واحد لا شريك له لانه خطاب الملوك والله تعالى مالك الملك وملك الملوك والمعهود من كلام الملوك اربعة اوجه الاخبار على لفظ الواحد نحو فعلت كذا وعلى لفظ الجمع فعلنا كذا وعلى ما لم يسم فاعله رسم لكم كذا واضافة الفعل الى اسمه على وجه المغايبة امركم سلطانكم بكذا والقرآن نزل بلغة العرب فجمع الله فيه هذه الوجوه كلها فيما اخبر به عن نفسه فقال تعالى {أية : ذرنى ومن خلقت وحيدا}تفسير : [المدثر:11] على صيغة الواحد وقال تعالى {أية : إنا أنزلناه فى ليلة القدر}تفسير : [القدر: 1] على صيغة الجمع وقال فيما لم يسم فاعله {أية : كتب عليكم الصيام}تفسير : [البقرة: 183] وامثاله وقال فى المغايبة {أية : والله الذى خلقكم}تفسير : [الروم:54] وامثاله كذا فى التيسير. ويقول الفقير جامع هذه اللطائف سمعت من شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة ان الافراد بالنظر الى الذات والجمع بالنظر الى الاسماء والصفات ولا ينافى كثرة الاسماء والصفات وحدة الذات اذ كل منها راجع اليها والانفاق والانفاد اخوان خلا ان فى الثانى معنى الاذهاب بالكلية دون الاول والمراد بهذا الانفاق الصرف الى سيبل الخير فرضا كان او نفلا ومن فسره بالزكاة ذكر افضل انواعه والاصل فيه او خصصه بها لاقترانه بما هى شقيقتها واختها وهى الصلاة وقد جوز ان يراد به الانفاق من جميع المعادن التى منحهم الله اياها من النعم الظاهرة والباطنة ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه"تفسير : واليه ذهب من قال فى تفسير الآية ومما خصصناهم من انوار المعرفة يفيضون والاظهر ان يقال المراد من النفقة هى الزكاة وزكاة كل شئ من جنسه كما روى عن انس بن مالك (زكاة الدار ان يتخذ فيها بيت للضيافة) كما فى الرسالة القشيرية. قالوا انفاق اهل الشريعة من حيث الاموال وانفاق ارباب الحقيقة من حيث الاحوال: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : آن درم دادن سخى را لايق است جان سبردن خود سخاى عاشق است تفسير : وانفاق الاغنياء من اموالهم لا يدخرونها عن اهل الحاجة وانفاق العابدين من نفوسهم لا يدخرونها عن وظائف الخدمة وانفاق العارفين من قلوبهم لا يدخرونها عن حقائق المراقبة وانفاق المحبين من ارواحهم لا يدخرونها عن مجارى الاقضية. والاقصر ان يقال انفاق الاغنياء اخراج المال من الجيب وانفاق الفقراء اخراج الاغيار من القلب ثم ذكر فى الآية الايمان وهو بالقلب ثم الصلاة وهى بالبدن ثم الانفاق وهو بالمال وهو مجموع كل العبادات ففى الايمان النجاة وفى الصلاة المناجاة وفى الانفاق الدرجات وفى الايمان البشارة وفى الصلاة الكفارة وفى الانفاق الطهارة وفى الايمان العزة وفى الصلاة القربة وفى الانفاق الزيادة. وقيل ذكر فى هذه الآية اربعة اشياء التقوى والايمان بالغيب واقامة الصلاة والانفاق وهى صفة الخلفاء الراشدين الاربعة ففى الآية بيان فضلهم التقوى لابى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى {أية : فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى}تفسير : [الليل: 5-6] والايمان بالغيب لعمر الفاروق رضى الله عنه قال الله تعالى {أية : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}تفسير : [الأنفال: 64]. واقامة الصلاة لعثمان ذى النورين رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى {أية : أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما}تفسير : [الزمر: 9] الآية. والانفاق لعلى المرتضى رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى {أية : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار}تفسير : [البقرة: 247] الآية. وعند القوم اى الصوفية السخاء هو الرتبة الاولى ثم الجود بعده ثم الايثار فمن اعطى البعض وابقى البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الاكثر وابقى لنفسه شيأ فهو صاحب جود والذي قاسى الضرورة وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب ايثار وبالجملة فى الانفاق فضائل كثيرة. وروى عن ابى عبد الله الحارث الرازى انه قال اوحى الله الى بعض انبيائه "حديث : انى قضيت عمر فلان نصفه بالفقر ونصفه بالغنى فخيره حتى اقدم له أيهما شاء"تفسير : فدعا نبى الله عليه السلام الرجل واخبره فقال حتى اشاور زوجتى فقالت زوجته اختر الغنى حتى يكون هو الاول فقال لها ان الفقر بعد الغنى صعب شديد والغنى بعد الفقر طيب لذيذ فقالت لا بل اطعنى فى هذا فرجع الى النبى عليه السلام فقال اختار نصف عمرى الذى قضى لى فيه بالغنى ان يقدم فوسع الله عليه الدنيا وفتح عليه باب الغنى فقالت له امرأته ان اردت ان تبقى هذه النعمة فاستعمل السخاء مع خلق ربك فكان اذا اتخذ لنفسه ثواباً اتخذا لفقير ثوبا مثله فلما تم نصف عمره الذى قضى له فيه بالغنى اوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان "حديث : انى كنت قضيت نصف عمره بالفقر ونصفه بالغنى لكنى وجدته شاكرا لنعمائى والشكر يستوجب المزيد فبشرة انى قضيت باقى عمره بالغنى"تفسير : : قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : هركه كارد كردد انبارش تهى ليكش اندر مزرعه باشد بهى وانكه در انبار ماند وصرفه كرد ابش وموش حوادثهاش خورد تفسير : قال الحافظ. شعر : احوال كنج قارون كايام درد برباد باغنجه باز كوييد تازر نهان ندارد تفسير : وفى التأويلات النجمية {ومما رزقناهم ينفقون} اى من اوصاف الوجود يبذلون بحق النصف المقسوم من الصلاة بين العبد والرب فاذا بلغ السبيل زباه والتعرض منهاه ادركته العناية الازلية بنفحات ألطاف وهداه الى درجات قرباته فكما جذبة الحق للنبي عليه السلام فى صورة خطاب (أدن) فجذبة الحق للمؤمن تكون فى صورة خطاب{أية : واسجد واقترب}تفسير : [العلق: 19] ففى التشهد بعدا السجود اشارة الى الخلاص من حجب الانانية والوصول الى شهود جمال الحق بجذبات الربانية ثم بالتحيات يراقب رسوم العباد فى الرجوع الى حضرة الملوك بمراسم تحفة الثناء والتحنن الى اللقاء وفى التسليم عن اليمين وعن الشمال اشارة الى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين الى نعيم الجنات او عن الشمال الى اللذات والشهوات وهو فى مقامات الاجابات والمناجاة ودرجات القربات مستغرق فى بحر الكرامات مقيد بقيد الجذبات كما قال تعالى {أية : واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}تفسير : [الفرقان: 63] فاهل الصورة بالسلام يخرجون من اقامة الصلاة واهل الحقيقة بالسلام يدخلون فى ادامة الصلاة كقوله {أية : الذين هم على صلاتهم دائمون}تفسير : [المعارج: 23] فقوم يقيمون الصلاة والصلاة تحفظهم كما قال تعالى {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : [العنكبوت: 45] فهم {أية : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : [ البقرة: 3] بمالهم فى الغيب معد بقوله "حديث : اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : فعلموا ان ماهو المعد لهم لا تدركه الابصار ولا الآذان ولا القلوب التى رزقهم الله وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب الا وجودهم فاشتاقوا الى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم فآنسوا من جانب طور صلاتهم نار لان صلاتهم بمثابة الطور لهم للمناجاة فلما اتاها نودى ان بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين فجعلوا ما رزقهم الله من اوصاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقونه عليها ويقيمون الصلاة حتى نودوا انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون ومن لم يكن له نار تحرق فى نار جهنم الصلاة حطب وجوده ووجود كل من يعبد من دون الله فلا بدله من الحرقة بنار جهنم الآخرة فالفرق بين النارين ان نار الصلاة تحرق لب وجودهم الذى هم به محجوبون عن الله تعالى ويبقى جلد وجودهم وهو الصورة والحجاب من لب الوجود لا من جلده وهذا سر عظيم لا يطلع عليه الا اولوا الالباب المحترقة ونار جهنم تحرق جلودهم ويبقى لب وجودهم لا جرم لا ترفع الحجب عنهم كلا انهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون لان اللب باق والجلد وان احترق بقى اللب كما قال تعالى {أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها}تفسير : [ النساء: 56] فمن انفق لب الوجود وما تبدى منه له الوجود من المال والجاه فى سبيل نار الصلاة والقربة الى الله فينفق الله عليه وجود نار الصلاة كما قال لحبيبه عليه السلام "انفق عليك" فبقى بنار الصلاة بلا انانية الوجود فتكون صلاته دائمة بنور نار الصلاة يؤمن بما انزل على الانبياء عليهم الصلاة والسلام.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: هذه الأوصاف تتضمن ثلاثة أعمال، الأول: عمل قلبي وهو الإيمان، والثاني: عمل بدني، وهو الصلاة، والثالث: عمل مالي، وهو الإنفاق في سبيل الله، وهذه الأعمال هي أساس التقوى التي تدور عليها. أما العمل القلبي: فهو الإيمان أولاً، والمعرفة ثانياً، فما دام العبد محجوباً بشهود نفسه، محصوراً في الأكوان وفي هيكل ذاته فهو مؤمن بالغيب، يؤمن بوجود الحق تعالى، وبما أخبر به من أمور الغيب، يستدل بوجود أثره عليه، فإذا فني عن نفسه وتلطفت دائرة حسه، وخرجت فكرته عن دائرة الأكوان، أفضى إلى الشهود والعيان، فصار الغيب عنده شهادة، والملك ملكوتاً، والمستقبل حالاً، والآتي واقعاً، وقد قلت ذلك: شعر : فَلا تَرْضى بغَيْرِ الله حِبّاً وكُنْ أبداً بعِشْقٍ واشْتِيَاقِ تَرَى الأمْرَ الْمُغَيَّبَ ذا عيَانٍ تَحْظَى بالوصُولِ وبالتَّلاَقِي تفسير : وفي الحكم: "لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت بهجة الدنيا وكسوة الفناء ظاهرة عليها" وقال في التنوير: ولو انْهَتَكَ حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولأشرق نور الإيقان فغطّى وجود الأكوان. هـ. وإنما اقتصر الحق تعالى على الإيمان بالغيب لأنه هو المكلف به؛ إذ هو الذي يطيقه جلّ العباد، بخلاف المعرفة الخاصة فلا يطيقها إلا الخصوص، والله تعالى أعلم. وأما العمل البدني: فهو إقامة الصلاة، والمراد بإقامتها إتقان شروطها وأركانها وخشوعها، وحفظ السر فيها، قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: (كل موضع ذكر فيه المصلّون في معرض المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة، إما بلفظ الإقامة، وإما بمعنى يرجع إليها، قال تعالى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقيمُونَ الصَّلاَةَ}، وقال تعالى: {أية : أَقِمِ الصَّلاَةَ}تفسير : [الإسرَاء: 78]، {أية : وَالْمُقِيمِى الصَّلاَةِ}تفسير : [الحَجّ: 35]، ولما ذكر المصلّين بالغفلة قال: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ }تفسير : [الماعون: 4، 5] ولم يقل: فويل للمقيمين الصلاة). وأما العمل المالي فهو الإنفاق في سبيل الله واجباً أو مندوباً، وهو من أفضل القربات، يقول الله - تبارك وتعالى:"حديث : يا ابنَ آدم أنفِقْ، أنفقْ عليك"تفسير : ، وفي حديث آخر: "حديث : أنفِقْ ولا تخَفْ مِنْ ذي العرشِ إقْلالاً" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ فِي الجنَةِ غُرفاً يُرى ظَاهِرُهَا مِنْ باطنها وباطِنَها مِنْ ظَاهِرهَاتفسير : ، قيل: لِمَنْ هِي يا رسولَ الله؟ قال:حديث : لِمَنْ أطْعَمَ الطعَامَ، وأفْشَى، السلام، وصَلى باللَّيْلِ والناسُ نِيام"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله - عزّ وجلّ - ليُدْخلُ باللقمةِ مِن الخبز والقبضةِ مِن التمْر ومثله ممَّا ينتفع به المسكين ثلاثةً، الجنةَ: رَب البيتِ الآمرَ به، والزوجة تصلحه، والخادمَ الذي يناولهُ المسْكِين"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنّ الصدقةَ لتسُدُّ سَبعينَ باباً من السّوء"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : صنائِع المعْرُوف تقي مَصارعَ السُّوءِ، وصدقةُ السِّر تُطفِئ غَضَبَ الربِّ، وصِلةُ الرَّحِم تزيدُ في العمرِ ". تفسير : الإشارة: يا من غرق في بحر الذات وتيار الصفات {ذلك الكتاب} الذي تسمع من أنوار ملكوتنا، وأسرار جبروتنا {لا ريب فيه} أنه من عندنا، فلا تسمعه من غيرها،{أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ }تفسير : [القيامة: 18]، فهو هاد لشهود ذاتنا، ومرشد للوصول إلى حضرتنا، لمن اتقى شهود غيرِنا، وغرق في بحر وحدتنا، الذي يؤمن بغيب غيبنا، وأسرار جبروتنا، التي لا تحيط بها العلوم، ولا تسمو إلى نهايتها الأفكار والفهوم، الذي جمع بين مشاهدة الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، إظهاراً لسر الحكمة بعد التحقق بشهود القدرة، فهو على صلاته دائم، وقلبه في غيب الملكوت هائم، ينفق مما رزقه الله من أسرار العلوم ومخازن الفهوم، فهو دائماً ينفق من سعة علمه وأنوار فيضه، فلا جرم أنه على بينة من ربه. ولمَّا ذكر الحق تعالى من آمن من العرب، ذكر من آمن من أهل الكتاب.

الطوسي

تفسير : آية بلا خلاف الذين في موضع خفض لأنه نعت للمتقين، ويجوز ان يكون رفعاً على الابتداء و {يؤمنون} رفع لأنه فعل مستقبل والواو والنون في موضع رفع لأنه كناية عن الفاعل، والنون الأخيرة مفتوحة لأنها نون الجمع والصلاة نصب لأنها مفعول به. والايمان في اللغة هو التصديق، ومنه قوله: وما انت بمؤمن لنا. أي بمصدق لنا. وقال: {أية : يؤمِنُونَ بِالجبتِ والطاغوت} تفسير : وكذلك هو في الشرع عند أكثر المرجئة ،والمراد بذلك التصديق بجميع ما اوجب الله او ندبه او اباحة وهو المحكي عن ابن عباس في هذه الاية لأنه قال: الذين يصدقون بالغيب. وحكى الربيع بن انس انه قال: الذين يخشون بالغيب. وقال: معناه يطيعون الله في السر والعلانية. وقيل: إن الايمان مشتق من الامان، والمؤمن من يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمن لاوليائه من عذابه وذلك مروي في اخبارنا وقالت المعتزلة باجمعها: الايمان هو فعل الطاعة، ومنهم من اعتبر فرائضها ونوافها، ومنهم من اعتبر الواجب منها لا غير، واعتبروا اجتناب الكبائر من جملتها. وروي عن الرضا عليه السلام: ان الايمان هو التصديق بالقلب والعمل بالاركان والقول باللسان. وقد بينا الاقوى من ذلك في كتاب الاصول. واما {الغيب} فحكي عن ابن عباس انه قال: ما جاء من عند الله. وقال جماعة من الصحابة كابن مسعود وغيره: ان الغيب ما غاب عن العباد علمه من امر الجنة والنار والأرزاق والاعمال وغير ذلك، وهو الاولى لأنه عام، ويدخل فيه ما رواه اصحابنا من زمان الغية ووقت خروج المهدي عليه السلام. وقال قوم: الغيب هو القرآن، حكي ذلك عن زر بن جيش. وذكر البلخي ان الغيب كل ما ادرك بالدلائل والآيات مما تلزم معرفته. وقال الرماني: الغيب خفاء الشيء عن الحس قرب أو بعد إلا انه قد كثرت صفة الغائب على البعيد الذي لا يظهر للحس. واصل الغيب من غاب يقولون: غاب فلان يغيب، وليس الغيب ما غاب عن الادراك لأن ما هو معلوم وان لم يكن مشاهداً، لا يسمى غيباً، والأولى ان تحمل الآية على عمومها في جميع من يؤمن بالغيب، وقال قوم: انها متناولة لمؤمني العرب خاصة دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب، قالوا بدلالة قوله فيما بعد {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} قالوا ولم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي انزله الله على نبيه تدين بتصديقه، وانما الكتاب لأهل الكتابين وهذا غير صحيح لأنه لا يمنع أن تكون الآية الاولى عامة في جميع المؤمنين المصدقين بالغيب وإن كانت الآية الثانية خاصة في قوم لأن تخصيص الثانية لا يقتضي تخصيص الأولى. وقال قوم: انهما مع الآيتين اللتين بعدهما أربع آياتٍ نزلت في مؤمني أهل الكتاب، لأنه ذكرهم في بعضها. وقال قوم: ان الأربع آيات من أول السورة نزلت في جميع المؤمنين، واثنتان نزلتا في نعت الكافرين، وثلاثة عشر في المنافقين وهذا أقوى الوجوه، لأنه حمل على عمومه، وحكي ذلك عن مجاهد وقوله: {يقيمون الصلاة} فاقامتها أداؤها بحدودها وفرائضها وواجباتها، كما فرضت عليهم يقال: أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع والشراء قال الشاعر: شعر : أقمنا لأهل العراقين سوق الضراب فخاموا وولوا جميعا تفسير : وقال أبو مسلم محمد بن بحر: معنى {يقيمون الصلاة} يديمون أداء فرضها يقال للشيء الراتب قائم ولفاعله مقيم، ومن ذلك: فلان يقيم أرزاق الجند. وقيل انه مشتق من تقويم الشيء من قولهم: قام بالأمر، إذا أحكمه وحافظ عليه. وقيل انه مشتق مما فيه من القيام، ولذلك قيل قد قامت الصلاة. وأما الصلاة فهي الدعاء في اللغة، قال الشاعر: شعر : وقابلها الريح في دنّها وصلى على دنّها وارتسم تفسير : أي دعا لها. وقال الأعشى: شعر : لها حارس لا يبرح الدهر بيتها فان ذبحت صلى عليها وزمزما تفسير : يعني دعا لها: وأصل الاشتقاق في الصلاة من اللزوم من قوله تصلى ناراً حامية، والمصدر الصلا ومنه اصطلى بالنار إذا لزمها، والمصّلى الذي يجيء في اثر السابق للزوم أثره، ويقال للعظم الذي في العجز صلواً، وهما صلوان. فأما في الشرع ففي الناس من قال إنها تخصصت بالدعاء والذكر في موضع مخصوص. ومنهم من قال، وهو الصحيح، انها في الشرع عبارة عن الركوع والسجود على وجه مخصوص وأركان واذكار مخصوصة. وقيل انها سميت صلاة لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله ونعمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته. وأما الرزق، فهو ما للحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد منعه منه، وهذا لا يطلق إلا فيما هو حلال فأما الحرام فلا يكون رزقاً لأنه ممنوع منه بالنهي، ولصاحبه أيضاً منعه منه، ولأنه أيضاً مدحهم بالانفاق مما رزقهم، والمغصوب والحرام يستحق الذم على إنفاقه، فلا يجوز أن يكون رزقاً. وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} حكي عن ابن عباس انها الزكاة المفروضة يؤتيها احتساباً. وحكي عن ابن مسعود أنها نفقة الرجل على أهله، لأن الآية نزلت قبل وجوب الزكاة. وقال الضحاك: هو التطوع بالنفقة فيما قرّب من الله والأولى حمل الآية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة وتطوع بالخيرات. وأصل الرزق الحظ لقوله: {أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون}: تفسير : أي حظكم، وما جعله حظا لهم فهو رزقهم. والانفاق أصله الاخراج، ومنه قيل: نفقت الدابة إذا خرجت روحها، والنافقاء، جحر اليربوع، من ذلك لأنه يخرج منها. ومنه النفاق لأنه يخرج إلى المؤمن بالايمان والى الكافر بالكفر.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قوله جل اسمه: ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ في الكشّاف: الذين يؤمنون: إمّا موصولٌ بالمتّقين على أنّه صفة مجرورة، أو مدحٌ، منصوبٌ أو مرفوعٌ، بتقدير: أعني الذين يؤمنون، أو: هم الذين يؤمنون. وإمّا منقطعٌ عن المتّقين، مرفوعٌ على الابتداء مخبَرٌ عنه بأولئك على هدى. فإذا كان موصولاً، كان الوقفُ على المتقين حسناً غير تامّ، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تامّا. انتهى. واعلم أنّه على تقدير كون "الذين" مع ما يليه متّصلاً بالمتقين وصِفةً له، فإن كان المراد بالتقوى ترك ما لا ينبغي، فهو يكون صفةً مقيدةً له، مترتبة عليه ترتّب الفعل على القوّة، وتوقّف التحلية على التخلية، والتصوير على التطهير. فإنّ النفس الإنسانيّة كاللوح القابل لنقوش العلوم الحقة؛ وهي الإيمان بالله واليومِ الآخر والأخلاقُ الفاضلة التي هي مبادئ الأفعال الحسنة، كالصلاة والزكاة. فيجب تطهره أولاً بالتقوى عن النقوش الفاسدة حتّى يمكن إثبات النقوش الجيّدة فيه، ويستقرّ حصول الأوصاف الحسنة عليه، فلهذا السبب قدّم ذكر التقوى وهي ترك ما لا ينبغي، ثمّ ذكر بعده فعل ما ينبغي وهو الإيمان والطاعة. وإن فسِّر التقوى بما يعمّ فعل الطاعات وترك المعاصي، فيكون صفة موضحة للمتّقين، وذلك لاشتماله على ما هو أصل الأعمال الصالحة، كالإيمان بالله وملكوته، فإنّه من امّهات الأعمال القلبيّة؛ وعلى أساس الحسنات كالصلاة والزكاة، فإنهما من أمّهات العبادات البدنية والمالية، المستتبعة لسائر الطاعات، والتجنّب عن المعاصي غالباً، ألا ترَى الى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت:45]. وقوله عليه وآله السلام: الصلاةُ عمادُ الدين، والزكاةُ قنطَرةُ الإسلام. تنبيه [التقوى والمتقين] غايةُ التقوى، الاتّصال بالحضرة الإلهيّة بترك الالتفات بغير الله، وقطْع النظَر سواه، وهذا هو غاية النشأة الآدميّة ونهاية الكمال الأخروي للروح الإنساني، ولا يمكن تحصيله إلاّ بتكميل القوّة العاقلة من النفس بالعلوم الحقّة، وبتعديل القوّة العاملة منها بالأعمال الحسَنة، ليتحلّى بالفضائل ويتخلّى عن الرذائل. فالمتكفّل لتكميل الأولى، هو الإيمانِ بالغيبِ، وهو العِلْم بأحوال المبدإ وملائكته وكتبه ورُسله، وأحوال المعاد ومراتبه، وطبقات نفوس الإنسان بحسب درجات الجنان ودركات النيران. والمتكفّل لتكميل الثانية، هو العملُ الصالح، وأصل الأعمال الصالحة الصلاةُ والزكاةُ، أمّا الأولى، فلاشتمالها على الأذكار والنيّات الحسنة، وهيئات الخضوع والخشوع. وأمّا الثانية، فلاستلزامها تركَ التعلّق باللذّات النفسانيّة، والمحبوبات الدنيويّة، لأنّ المال وسيلةٌ لأكثرها. وقد قال سبحانه: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران:92]. فإذا تقرَّر هذا، فقوله: "الذين" مع ما يتلوه، بمنزلة تفسيرٍ كاشفٍ للمتّقين وَحَدٍّ مبيّن له. [الأقوال في ماهية الإيمان] ثمّ الإيمانِ بحسب اللغةِ - كما ذكَره صاحب الكشّاف - مأخوذٌ من الأمن؛ ثمّ يقال: آمَنه إذا صدَّقَه، كأن المصدِّق أمِنَ من التكذيب والمخالفة. وتعديته بالباء، لتضمّنه معنى الاعتراف، وقد يُطلق بمعنى الوثوق كما حَكى أبو يزيد: ما آمنت أن أجد صحابة، أي ما وثقت فهو من حيث أنّ الواثقَ صار ذا أمنٍ، وكلا الوجهين حسَنٌ في: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}. وأما بحسب الشرع فقد اختلف أهل القبلة في معنى الإيمان في عرف الشرع إلى اربعة مذاهب. أحدها: إنّه إسم لأفعال القلوب، والجوارح، والإقرار باللسان. وهو مذهب المعتزلة والخوارج والزيدية واهل الحديث، فهو اسمٌ لمجموع أمور ثلاثة: اعتاقد الحقّ، والإقرار به، والعمل بمقتضاه، فمَن أخلَّ بالاعتقاد وحده فهو منافق، ومن أخلَّ بالإقرار فهو كافر على رأي. ومن أخلَّ بالعملِ ففاسقٌ وفاقاً، وكافرٌ عند الخوارج، خارجٌ عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة. وروى الخاصُّ والعامُّ عن مولانا عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): "إنّ الإيمان هو التصديقُ بالقلبِ والإقرارُ باللسانِ والعمَلُ بالأركانِ" وقد روي ذلك عنه أيضاً على لفظ آخر: "الإيمانُ قولٌ مقولٌ، وعملٌ معمولٌ، وعرفانٌ بالعقول، واتّباعُ الرسول". ثمّ إنّ الخوارجَ اتّفقت على أنّ الإيمان بالله متناولٌ للمعرفة به، وبكلّ ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً او نقلياً، ويتناول طاعته في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك، حتّى الصغائر، فالإخلالُ بشيء من هذه الأمور كفْرٌ. وأمّا المعتزلة فقد اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: إنّ الإيمان عبارةٌ عن الإتيان بكلّ الطاعات، سواء كانت من الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وسواء كانت واجبةً أو مندبةً، وهو قول واصِل بن عَطاء وأبي هذيل والقاضي عبد الجبّار. وثانيها: إنّه عبارةٌ عن فعل الواجبات فقط دون النوافل. وهو قولُ أبي هاشم وأبي علي. وثالثها: إنّه عبارة عن اجتناب كلّ ما جاء به الوعيد. وأما أهل الحديث: فذكروا وجهين: الأول: إنّ المعرفة ايمانٌ كاملٌ، وهو الأصل، ثمّ بعد ذلك كل طاعة ايمان على حِدةٍ، وهذه الطاعات لا يكون شيءٌ منها ايماناً إلاّ إذا كانت مرتّبةً على الأصل الذي هو المعرفة، وكذا القياس في جانب مقابله: أعني الكفر، وهو قول عبد الله بن سعيد الكُلاّب. الثاني: زعموا أنّ الإيمان اسم للطاعات كلّها، وهو إيمانٌ واحدٌ، وجعلوا الفرائضَ والنوافلَ كلَّها من جملة الإيمان، ومنهم من قال: الإيمانُ اسمٌ للفرائض دون النوافل. وثانيها: إنّ الإيمان بالقلب واللسان معاً، وقد اختلف أهل هذا المذهب على أقوالٍ. الأول: إنّه إقرارٌ باللسان ومعرفةٌ بالقلب، وهو قولُ أبي حنيفة وعامّة الفقهاء. ثمّ هؤلاء اختلفوا في موضعين. أحدهما: في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسّرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقاداً تقليدياً، أو علماً صادراً عن الدليل - وهم الأكثرون الذين يحكمون أنّ المقلّد مسلم، ومنهم من فسَّرها بالعلْم الصادر عن الاستدلال. والثاني: في متعلّق هذا العلْم، فقال بعضُ المتكلمين: هو العلْم بالله وصفاتِه على سبل الكمال والتمام. ثمّ لما كثُر الاختلافُ بينهم في الصفات، واقدمت كلُّ طائفةٍ على تكفير من عداها، قال أهل الإنصاف: المعتَبر هو العلْم بكل ما عُلِم بالضرورة من دين محمد (صلّى الله عليه وآله). القول الثاني: إنّه التصديقُ بالقلبِ واللسان معاً، وهو قول أبي الحسن الأشعري، وبشر بن غياث المريسي، والمراد بالتصيدق بالقلب: الكلامُ القائم بالنفس. القول الثالث: قولُ جماعةً من الصوفية: إنّه إقرارٌ باللسان وإخلاصٌ بالقلب. وثالثها: إنّه عبارة عن عمَل القلب وأصحاب هذا المذهب اختلفوا على قولين: أحدهما: إنّه معرفة الله بالقلب، حتّى انّ من عرف الله بقلبه ثمَّ جحَد بلسانه ومات قبل التوبة، فهو مؤمنٌ كامل الإيمان، وهو قول جهم بن صفوان، أما معرفة الكتاب والرسل واليوم الآخر فقد زعَم إنّها غير داخلةٍ في حدّ الإيمان. وحكى الكعبيُّ عنه: أنّ الإيمانَ معرفةُ الله مع معرفة كلّ ما عُلم بالضرورة إنّه من دين محمد (صلّى الله عليه وآله). وثانيهما: إنّه مجرد التصديق بالقلب، وهو قول الحسين بن الفضل البجلي. ورابعها: إنّه إقرارٌ باللسان فقط، وأصحابُه فريقان: الأولى: قالوا: إن الإقرارَ باللسان هو الإيمانُ فقط، لكن شرط كونه ايماناً حصول المعرفة، فالمعرفة شرطٌ لكون الإقرار باللسان ايماناً، لا انّها داخلة في مسمّى الايمان. وهو قول غَيْلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي، وإن كان الكعبيُّ قد أنكر كونه قولاً لغيلان. الفرقة الثانية قالوا: إنّ الإيمانَ مجرّد الإقرار باللسان، وهو قول الكرّامية، وزعموا أنّ المنافقَ مؤمنٌ بالظاهر، كافرٌ بالسريرة، فثبت له حكمُ المؤمنين في الدنيا وحكْم الكافرين في الآخرة، فهذا مجموع أقوال الناس في مسمّى الإيمان في الشرع حسبما وُجِد في كتب الكلام وغيره. اشارة فيها انارة [ماهية الإيمان وانه مجرد العلم والتصديق] أعلم إنّ الإيمان وسائر مقامات الدين ومعالم شريعة سيد المرسلين (عليه وآله السلام)، إنّما ينتظم من ثلاثة أمور: معارفٌ وأحوالٌ وأعمالٌ. فالمعارفُ هي الأصول، وهي تورث الأحوالَ، والأحوالُ تورث الأعمالَ. أما المعارف، فهي العلم بالله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأما الأحوال، فكالانقطاع عن الأغراض الطبيعيّة، والشوائب النفسانيّة، والوساوس العاديّة، كالشهوةِ والغضبِ والكِبْر والعُجب، ومحبّة الجاه والشهرة وغير ذلك. وأما الأعمال، فكالصلاةِ والزكاةِ والصومِ والطوافِ والجهادِ وفعْلِ ما أمره الله به وتركِ ما نهى عنه. فهذه الثلاثة إذا قيس بعضُها الى بعضٍ، لاحَ للناظرين الى الأشياء بالنظر الظاهر، المقتصرين على إدراك النشأة الحسيّة، أنّ العلوم تُراد للأحوالِ، والأحوالُ تراد للأعمال، فالأعمالُ هي الأصل عندهم، والأفضل في نظرهم. وأما أرباب البصائر، المقتبسين أنوار المعرفة من مشكاة النبوّة لا من أفواه الرجال، المستفيضين أسرار الحكمة الحقّة من معدن الوحي والرسالة، لا من مقارعة الأسماع بالقيل والقال، فالأمر عندهم بالعكس من ذلك، فإنّ الأعمالَ تُراد للأحوال، والأحوالَ للعلوم، فالأفضلُ العلومُ، ثمّ الأحوالُ، ثم الأعمال. فإنّ لوح النفس كالمرآة، والأعمالُ تصقيلها وتطهيرها، والأحوالُ صقالتها وطهارتها، والعلومُ صوَرها المرتسمة فيها. فنفسُ الأعمال - لكونها من جنس الحركات والانفعالات - تتبعها المشقّةُ والتعبُ، فلا خير فيها إذا نُظر اليها لذواتها. ونفس الأحوال - لكونها من قبيل الأعدام والقُوى - فلا وجود لها، وما لا وجود له فلا فضيلة فيه، وإنّما الخيرُ والفضيلةُ لما له الوجودُ الأتمّ والشرف الأنور، وهي الموجودات المقدّسة والمعقولات الصوريّة المجرّدة عن التغيّر والزوال، والشرّ والوبال. كالباري وملائكته العلويّة، والأرواح المطهّرة الإنسيّة، والحضرة الإلٰهيّة، والحظيرة القدسيّة. ففائدةُ إصلاح العملِ إصلاحِ القلب. وفائدةُ إصلاح القلب، أن ينكشفَ له جلالُ الله في ذاته وصفاته وأفعاله. فأرفعُ علوم المكاشفة هي المعارف الإيمانيّة ومعظَمها معرفةُ الله ثمّ معرفة صفاتِه وأسمائِه، ثمّ معرفة أفعاله، فهي الغاية الأخيرةُ التي يُراد لأجلها تهذيبُ الظواهر بالأعمال، وتهذيبُ البواطن بالأحوال، فإنّ السعادة بها تنال، بل هي عين الخير والسعادة واللذة القصوى. ومقابلها وهو الجهل بها، محضُ الشرّ والشقاوةِ والألم الشديد، ولكن قد لا يشعر القلبُ في الدنيا بأنّها عين السعادة، ولا قلب من اتّصف بالجهل بحقائق الإيمان بأنّه محض الشر والألم، وانّما يقع الشعورُ بتلك السعادة وهذه الشقاوة في الدار الآخرة، التي فيها أعلنت السرائر، وأبطنت الظواهر، ونُشرت الصحائف، وبُعثِر ما في القبور وحُصِّلَ ما في الصدور. فالعلْم بالإلٰهيّات هو الأصل في الإيمان بالله ورسولِه، وهو المعرفة الحرّة التي لا قيد عليها ولا تعلّق له بغيرها، وكل ما عداه عبيدٌ وخدمٌ بالإضافة، فإنما يراد لأجلها، وهي أيضاً معطى أصولها، ومثبِت موضوعاتِ مسائلها ومحقّق مبادئ براهينها وغايات مطالبها. ولمّا كانت سائر العلوم لأجلها، كان تفاوتها في الفضيلة بحسب تفاوت نفعها بالإضافة الى معرفة الله، فإنّ بعضَ المعارف يفضي الى بعضٍ إما بواسطة أو بوسائط، حتّى يتوسل بها الى معرفة الله، كما انّ الأعمال والأخلاق يفضي بعضُها إلى بعض حتّى ينجزّ الى تصفية الباطن بالكليّة. فمن العلوم كلّما كانت الوسائطُ بينه وبين معرفة الله أقل، كان أفضل، كما انّ من الأعمال كلّما كانت الوسائط بينه وبين تصفية القلب أقل، كان أزكىٰ. وأمّا الأحوالُ - أعني صفاءَ القلب وطهارته من شوائب الدنيا وشواغل الخلق - فيعني بها استحقاقه لحصول نور المعرفة، واستعداده لانكشاف حقيقة الحقّ وصورة الحضرة الإلٰهيّة، حتّى إذا تمّت طهارتُه، وصقلت صفحةُ وجهه، واجَهته أنوارُ الكبرياء، وحضرَت عندَه وانكشفت لديه حقائقُ الأشياء. فقد ثبت انّ وجوب الأعمال الصالحة وترك القبائح، لأجل إصلاح القلب وجلْب الأحوال، وتفاوتها في الفضيلة إتياناً وتركاً، بقدر تأثيرها في تطهير القلب وتهذيبه وإعداده لأن تحصل له المعرفةُ الإلٰهيّة والعلوم الكشفيّة. وكما انّ تصقيل المرآة يحتاج الى أعمال تتقدّم على تمام أحوال المرآة في صفائها وصقالتها، وتلك الأعمال بعضُها أقرب إلى الصقالة التامّة من بعض، فكذلك الأعمال المورثة لأحوال القلب، تترتّب في الفضيلة ترتّب الأحوال، فالحالة القريبة أو المقربة من صفاء القلب، هي أفضل مما دونها لا محالة بحسب قربها من المقصود الأصلي. فكلّ عملٍ، إما أن يجلب الى القلبِ حالةً مانعةً من المكاشفة، موجبةً لظلمة القلب، جاذبةً الى زخارف الدنيا. وإما أن يجلب إليه حالةً مهيّئة للمكاشفة، موجبةً لصفاء القلب وقطع علاقته عن الدنيا، واسم الأول في عرف الشرع: المعصية، سواء كان فعلاً أو تركاً، واسم الثاني: الطاعة، فعلاً كان أو تركاً. والمعاصي، من حيث تأثيرها في ظلمة القلب وقساوته، متفاوتةٌ، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته، فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها. وذلك يختلف باختلاف الأزمان والأشخاص. فربما كان قيام الليل لأحدٍ أفضل من إيتاء الصدقات المتبرّعة، وربما كان الأمر بالعكس من ذلك، وربما كان صوم ستّين يوماً أفضل في باب الكفّارة من عتق رقبة، كما للسلاطين والأمراء من أهل الدنيا. فإذا تقرّرت هذه المقدّمات، فقد عُلم أنّ الأصل في الإيمان هو المعرفة بالجنان، وأما العملُ بالأركان، فإنّما يعتبر لتوقّف المعرفة على إصلاح القلب، وتهذيب الباطن، وتلطيف السرّ، وتوقّفها على فعل الحسنات وترك السيّئات. ومما يدلّ على أنّ الإيمان مجرّد العلم والتصديق وحده أمور: الأول: أنّه تعالى أضَاف الإيمان الى القلب فقال في حق المؤمنين: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22]. وفي حقّ المنافقين: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} تفسير : [المائدة:41]. {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات:14] وقوله: {أية : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل:106]. وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حديث : الإيمانُ سرٌّ - وأشار الى صدره - والإسلام علانية . تفسير : الثاني: إنّه تعالى كثيراً ما ذكَر الإيمانَ وقرنَ به العملَ الصالحِ، ولو كان داخلاً فيه لكان ذكُره تكراراً. الثالث: إنّ كثيراً ما ذكَر الإيمانَ وقرَنه بالمعاصي قال: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} تفسير : [الأنعام:82]. وقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي} تفسير : [الحجرات:9]. واحتجّ ابن عباس على هذا المطلب بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة:178] من ثلاثة أوجه: أحدها: إنّما يجبُ القصاصُ على القاتلِ المتعمِّد، ثمّ إنّه خاطَبه بالإيمان، فدلّ على أنّه مؤمن. وثانيها: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} تفسير : [البقرة:178]. وهذه الأخوّة ليست إلا أخوّةُ الإيمان لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات:10]. وثالثها: قوله: {أية : ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} تفسير : [البقرة:178] وهذا لا يليق إلاّ بالمؤمن، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال: 72] جعلهم مؤمنين مع عظيم الوعيد في ترك الهجرة بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النساء:97]. إلى قوله: {أية : مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال:72]. ومنه ايضاً قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} تفسير : [الأنفال:27] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} تفسير : [التحريم:8]. إلى غير ذلك من الآيات التي تجري هذا المجرى. الرابع: إنّه تعالى قال: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة:256] يدلّ على أنَّه من الأمور الإعتقاديّة التي لا يمكن تحصيلها بالجبر والإكراه. وكذا قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : ليس الدين بالتمنّي" تفسير : يعلم أنّه ليس أمر اختياريّاً، ولو كان من باب الأعمال البدنيّة كالصلاة والصيام، لأمكن تحصيلُه في شخصٍ آخر بالجبر، وفي الشخص نفسه بالتمنّي. الخامس: إنّ العلم والتصديق اليقيني غير قابل للزوال والتغيير، فهو المتعيّن بأن يكون أصلاً في الإيمان. السادس: إنّ الإيمان في أصل اللغة بمعنى التصديق والإذعان، فلو صار في عرْف الشرع لغير هذا المعنى، لزم أن لا يكون عربيّاً، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربيّاً. وأيضاً لو صار منقولاً عن معناه ومسمّاه الأصلي، لتوفّرت الدواعي على معرفة ذاك المسمّى، ولاشتهر وبلَغ الى حدّ التواتر، وليس كذلك فعُلِم أنّه باقٍ على أصل الوضع. وأيضاً: لا خلاف لأحدٍ في أنّ لفظَ الإيمان اذا عدّي بحرف الباء، كان معناه التصديق، كما هو في اللغة، فوجَب أن يكون المعدّى كذلك، لا يقال: هذا إثبات اللغة بالقياس، وهو غير جائز، كما ثبت في علم الاصول، لأنّا نقول: ليس كذلك، بل هذا استنباط المعنى الأصلي من موارد الاستعمال، إذ التعدية بالحرف لا تغيِّر أصل المعنى المصدري بل تزيده كمالاً وقوةً. وأمّا المعتزلةُ، فقد اعترفوا أنّ الإيمان اذا عدّي بالباء. كان المراد به التصديق كما في أصل اللغة، ولذلك إذا قيل: "فلانٌ آمَن بالله وبرسوله" يكون المراد عندهم أيضاً مجرد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال: "فلانٌ آمَن بكذا" إذا صام أو صلّى، وأما إذا ذُكر مطلقاً بلا تعدية، فقد زعموا أنّه منقول من المسمّى اللغوي الى معنى آخر، وهذا تحكّم محضٌ كما لا يخفى. فصل [درجات الإيمان ومراتبه] فالمذهب المنصور المعتضَد بالبرهان، أنّ الإيمان في عرف الشرع هو التصديق بكل ما علُم بالضرورة من دين نبيّنا (صلّى الله عليه وآله). لكن قد يسمّى الإقرار ايماناً كما يسمّى تصديقاً، إلا انّه متى صدَر عن شك أو جهلٍ كان ايماناً لفظيّاً لا حقيقياً، ومن هذا القبيل تقسيم المنطقيّين القضية - وهي الحكم بثبوت أمرٍ لآخر - الى قضيّةٍ معقولة، والى قضيّة ملفوظة. وقد تسمّى أعمال الجوارح ايماناً استعارة وتلويحاً، كما تسمّى تصديقاً لذلك، كما يقال: فلان يصدق أفعالُه مقالَه"، والفِعلُ ليس بتصديقٍ باتّفاق أهل اللغة، فالإيمان من الألفاظ المشكّكة التي يتفاوت معناها في الشدّة والضعف، والكمال والنقص، فهو منقسم الى حقيقيّ ومجازيّ، باطنيّ وظاهريّ، بل ينقسم كما أشار اليه بعض العرفاء، الى لُب ولبّ لب، وقِشرٍ وقشرِ قشرٍ وهذا بعينه كانقسام الإنسان الى هذه المراتب، فإن الإيمان من مقامات الإنسان في إنسانيّته. وقد يمثّل هذا تقريباً للأفهام الضعيفة بالجَوْز، فإنّ له قشرين؛ الأعلى والأسفل، وله لبٌّ وللُّبِّ دُهن، وهو لب لبِّه. فالمرتبة الأولى من الإيمان: أن يقول الإنسانُ كلمةَ الشهادة، ويعترف باللسان وقلبُه غافل عنه، أو جاحد له، كما للمنافقين. والثانية: أن يصدّق بمعنى هذه الكلمة، وبكلّ ما هو معلومٌ بالضرورة من الدين، كتصديق عامّة المسلمين، وهذا اعتقاد ليس بيقين. والثالثة: أن يعرف هذه المعارف الإيمانيّة، ويصدّق بها عرفاناً كشفياً، أو تصديقاً برهانيّاً وعلماً يقينيّاً بواسطة نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، وهو المشار اليه في قوله: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد:12]. وهذا هو الإيمان الحقيقي، الذي سأل رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) حارثة الأنصاري عن بيان حقيقته لمّا قال: إنّي أصبحتُ مؤمناً حقاً، فقال (صلّى الله عليه وآله): لِكلِّ حق حقيقة، فما حقيقةُ ايمانك؟ فأجاب بقوله: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا بما فيها، فاستوى عندي حجَرها وذهِبها. فكأني أرى أهل الجنّة يتزاورون، وأهل النار في النار يتعاوَون. وكأنّي أرى عرش ربّي بارزاً. فصدّقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقال: أصبتَ فالزم. والرابعة: أن يستغرق الإنسان في نور الحضرة الأحديّة بحيث لا يرى في الوجود إلاّ الواحد القهّار، فيقول بلسان حاله وايمانه: لِمَن المُلكُ اليَوم؟ ثمّ يجيب عنه بلغة توحيده وعرفانه: لله الواحدِ القهّارِ. وهذا المقام لا يحصل لأحد ما دام كونه في هذه الحياة الدنيا إلا للكمّل من العرفاء والأولياء بواسطة غلبة سلطان الآخرة على بواطنهم. فصاحب المقام الأوّل، مؤمنٌ بمجرّد اللسان في عالَم الأجسام ونشأة الحواس، وفائدة ايمانه ترجع اليه في هذه النشأة، إذ يحقن دمه من السيف والسنان، ويعصم ماله وذراريه من النهب والسَّبي. وصاحب المقام الثاني، مؤمنٌ بمعنى أنّه معتقدٌ بقلبه مفهومَ هذا اللفظ، وقلبُه خالٍ عن التكذيب، وهو عقد على القلب وليس فيه انشراح القلب لنور المعرفة، ولا انفتاحُ رَوْزَنَته لعالَم الملكوت الغيبي المقابل لهذا العالم، عالم المُلك والشهادة. وفائدته انّه يصير منشأ بعض الأعمال الصالحة، ومبدأ بعض الخيرات وأداء الأمانات وفعل الحسنات، التي ينجرّ تارة أخرى الى اصلاح القلب وتصفيته وليستعد لحصول المعرفة على وجه أكمل؛ حتى ينتهي الى الإيمان الحقيقي. فعلى هذا صحّ القولُ بأنّ الإيمان هو المبدأ والغاية، فإنّ الإيمانَ والعمل الصالح كلٌّ منهما يدور على صاحبه، فكلّ إيمان موجبٌ لصالح من العمل، وكل صالحٍ من العَمل ينجرّ الى حصول ضَرْبٍ من الإيمان، فيدور كلٌّ منهما على نفسه دوراً غير مستحيل، لتغايره بالعدد. لكن الإيمان أول الأوائل في الحدوث، وهو أيضاً آخرُ الأواخر في البقاء. ثمّ لهذا العقد الإيماني الذي كلامنا فيه، شُبه وحِيلٌ يُقصَد بها تحليلُه وتوهينُه تسمّى "بدعة"، وله أيضاً حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل والتوهين، ويقصد بها إحكام هذه العقدة وشدّها على قلوب المسلمين، ويسمّى كلاماً والعالِم بها متكلّماً. وهو في مقابلة المتبدَع، ومقصدُه دفعُ المبتِدَع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب العوامّ. وصاحب المقام الثالث مؤمنٌ، بمعنى أنه بصيرٌ بحقائق الأمور الإيمانيّة بصيرة قلبيّة ومشاهدة عقليّة. إذ قد انكشفت له أسرار الملكوت وخفايا عالَم الغيب والجبروت. لا انّه مكلَّف بعقد قلبه على مفهوم هذه الألفاظ، فإنّ ذلك رتبة العوام والمتكلّمين، إذ لا يفارق المتكلّمُ العاميّ في أصل الاعتقاد، بل في صنعة تلفيق الكلام الذي يدفع به حيَل المبتدِعة في تحليل هذه العقدة. وصاحب المقام الرابع مؤمن، بمعنى أنّه لم يحضر في شهوده غير الواحد القهّار مبدأ الأشياء وغايتها، وأولها وآخرها، وظاهرها وباطنها، الذي إليه ترجع عواقبُ الأمور، وبه ينقطع سير السائرين وسفَر المسافرين، وهذه المرتبة في الإيمان هي الغايةُ القصوى التي لا حدّ لها ولا منتهى. والتمثيل لمراتب الإيمان والتوحيد بقِشْرَي الجوز ولُبيه على هذا الوجه، ذكره صاحب كتاب إحياء العلوم بأدنى تغيير ثمّ قال: فالأول كالقِشرة من العُليا الجوز، والثاني كالقشِرة السُّفلى، والثالث كاللبّ، والرابع كالدُهن المستخرَج من اللبّ. وكما أنّ القشرة العليا لا خير فيها، بل إن أُكِل فهو مُرّ المذاق، وإن نُظِر الى باطنه فهو كريه المنظَر، وإن اتخّذ حطباً أطفأ النار وأكثَرَ الدخان، وإن تُرك في البيت ضيَّق المكان، فلا يصلح إلاّ أن يترك مدّة على الجوز للصَّوْن ثمّ يرمى؛ فكذلك التوحيد بمجرّد اللسان عديمُ الجدوىٰ، كثيرُ الضررِ، مذمومُ الظاهرِ والباطن، لكنّه ينفع مدّةً في حفظ القشرة السفلى الى وقت الموت، والقشرة السفلى هي القالب والبدن وتوحيد المنافق يصون بدنَه عن سيف الغُزاة، فإنّهم لم يؤمَروا بشَقِّ القلوب، والسيفُ انام يسلب الجسم وهو القِشر، وإنّما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لإيمانه فائدةٌ بعده. وكما انّ القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة الى القشرة العليا، فإنها تصون اللبّ وتحرسه عن الفساد، وعند الادّخار فإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطباً لكنها ناقصة القدْر بالإضافة الى اللبّ، فكذلك مجرد الاعتقاد من غير كاشف، كثير النفع بالإضافة الى مجرّد نطق اللسان، ناقص القدْر بالإضافة الى الكشف والمشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر وانفتاحه، وإشراق نور القلب فيه، إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام:125]، وبقوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر:22]. وكما انّ اللُّبّ نفيسٌ في نفسه بالإضافة الى القشر، فكأنّه المقصود، لكنّه لا يخلو عن شوب عصارة بالإضافة الى الدُّهن المستخرج منه. فكذلك ايمان الثالث مقصد عال للسالكين، ولكنّه لا يخلو عن شوب ملاحظة غير الله، والالتفات الى ما سواه بالإضافة الى حال من لا يشاهد سوى الواحد الحقّ. تكميل فيه دفع إذا تحققت ماهية الإيمان على هذا الوجه، من كونه ذا مراتب متفاوتة متدرّجة في الشرف والخسّة، فقد علم فائدة قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء:136]. فإن الأول ايمانٌ صوريٌّ دنيويٌّ، والآخر معنويٌّ أخرويٌّ. ولما ثبَت ممّا قرّرناه انّ مراتب الإيمان متعلّقة بمراتب العلم، ومتعاكسة كلّ منهما على الأخرى، فإن استشكل أحد على ما هو المختار عندنا، من أنّ الإيمان هو عبارةٌ عن نفس التصديق والعرفان، وأنّ الأعمال خارجة عنه؛ بأنّا لو فرضنا أنّ أحداً عرف الله بالدليل والبرهان، ولمّا تمّ له العرفانُ ماتَ ولم يجد من الوقت ما يتلفّظ فيه بكلمة الشهادة، أو وجد من الوقت شيئاً لكنه لم يتلفّظ فيه بها، ففي هاتين الصورتين إن حكمتُم بأنّه مؤمنٌ، فقد حكمتم بأنّ الإقرار اللساني غير معتبرٍ في تحقّق الإيمان، وهو خرْقُ الإجماع. وإن حكمتم بأنّه غير مؤمن، فهو باطلٌ لما بُيِّن، ولقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان" تفسير : وهذا قلبه طافحٌ بالإيمان فكيف لا يكون مؤمناً؟ فالجواب: بمنع ثبوت هذا الإجماع، والحُكم بايمانه كما فعَله حجة الاسلام الغزالي، فإنّه منَع من هذا الإجماع في الصورتين، وحكَم بكونه مؤمناً، وأنّ الامتناع عن النُّطق يجري مجرى الأعمال التي يؤتى بها مع الإيمان. أقول: لا يخفى عليك - بعدما تقدّم من الكلام - أنّ الإيمان القلبيّ - لكونه كمالاً عقليّاً وصورة باطنيّة - لا يحصل إلا عقيب الأعمال الشرعيّة، والأفعال الدينيّة، والرياضات السمعيّة، من القيام والصيام والعبادات والقربات، وهذه الأمور منوطة بالتسليم والانقياد لمن عنده الحجج والبيّنات، والإذعان والاعتراف بما أتى به القادة والرؤساء، من أولي الشرائع والآيات. فالصورة المفروضة ممّا لا يمكن وقوعُها عقلاً وعادةً، فلا تقدح في الإجماع. بل نقول: الإجماع إنّما انعقد على كُفر من كُلِّف بالإيمان وإظهاره فلم يقبَل، ولم يظهر الكلمة، وهذا ممّا لا شبهة فيه، فإنّه إمّا بصدد الجحود والفتنة في الدين، وإفساد قاعدة المسلمين، وإما بصدد الإباحة والتعطيل، والخروج عن التكاليف الدينيّة، فعلى أي الوجهين يكون كافراً ظاهراً و باطناً. تنوير عقلي إعلم أن الحقيقي من الإيمان، هو الذي به يصير الإنسانُ إنساناً حقيقيّاً عقليّاً بعدما كان إنساناً حيوانيّاً، وبه يخرج من القوّة الى الفعل في الوجود البقائي الأخروي، ويتخلّص عن ألم الجحيمِ والتعذّب بالنار، ويتجرّد عن الرقّ والحدثان، وتبدّل الجلود والذوبان، كما قال تعالى في صفة أهل النار: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء:56]. وهذه الحقيقة الإيمانية يعبّر عنها بعبارات مختلفةٍ تسمّى بأسامي متعدّدة في لسان الشرع والعقل. فتارة يعبر عنه بالنور: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40] وقوله: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد:12]. وتارةً بالحكمة: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269]. فكلّ إنسان حكيمٌ مؤمنٌ، وكل مؤمنٍ حقيقيّ فهو حكيم. إذ الحكمة بالحقيقة هي معرفة الأشياء الموجودة كما هي بحسب الطاقة البشريّة، وأصل الموجودات هو الباري وملائكته ورسله وكتبه. وتارةً بالفقه، قال تعالى: {أية : لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} تفسير : [التوبة:122]. وليس المراد منه معرفة الفروع الغريبة في الفتاوى الأحكاميّة، والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ الأقوال المتعلّقة بها، كما هو عُرف أهل هذه الأزمنة والأعصار اللاحقة بزمان النبي (صلّى الله عليه وآله)، وزمان الأئمة (عليهم السلام). قال صاحب الإحياء: اسم الفقْه كان في العصر الأول مطلقاً على علم طريق الآخرة، ودقائق آفات النفس، ومفسدات الأعمال، وقوّة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلّع على السعادة الأخرويّة، واستيلاء الخوف على الشقاوة التي بازائها. والذي يوجب التشوّقَ الى الدار الآخرة وسعادتها، ويقتضي الخوفَ والخشَية في القلب عن الحرمان الأخروي والشقاوة الأبديّة، ويوجب إنذار القوم وتخويفهم - كما أشير اليه في الآية المذكورة - هو هذا العلم وهذا الفقْه، دون تفريعات الطلاق، واللعان، والسَّلَم والإجارة. فذلك لا يحصل به شيء من الرغْبة والرهْبة الأخرويتين، ولا الإنذارُ والتخويفُ، بل التجرّد فيه على الدوام مما يقسّي القلب، وينزع الخشية منه، كما يشاهَد من المتجرّدين له. وقال تعالى: {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} تفسير : [الأعراف:179] وأراد به معاني الآيات، دون الفتاوى والأقضية. وقال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات الله، وحتّى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة ". تفسير : وروي أيضاً مرفوعاً عن أبي الدرداء مع قوله: ثمّ يُقْبل على نفسه، فيكون لها أشدَّ مقتاً. وسأل فرقد السبخي الحسنَ البصري عن شيء فأجاب، فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمّك، وهل رأيتَ فقيهاً بعينك؟ إنّما الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربّه، الورع الكافّ عن أعراض الناس، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعته، ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى. وتارة يسمى الإيمان بعلم الكتاب والسنّة قال تعالى: {أية : يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [الجمعة:2]. ولفظ "العلْم" أيضاً مما وقع التصريف فيه على ما كان بإزائه، فإنّه كان مطلقاً على معنى العلم بالله وبآياته وبأفعاله في عباده وخلْقه، فكان مرادفاً للإيمان والحكمة. وقد تصرّفوا فيه أيضاً بالتخصيص، حتّى اشتهَر في الأكثر بصنعة المناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهيّة والكلاميّة، فيقال: هو العالِم على الحقيقة، وهو الفحْل: لمن مارَس هذا الفنّ، ومن لا يشتغل به يعدّونه من ضعفاء العقول، ولا يعدّونه في زمرة العلماء. ولم يعلموا أنّ ما ورَد في فضائل العلْم والعالِم أكثرُه في العلماء بالله وصفاته، وبأحكامه في أفعاله. فأطلقوا "العالِمَ" على من لا يحيط من علوم الدين بشيء سوى رسوم جدليّة ومسائل خلافيّة، فيعدّ من فحول العلماء، مع جهله بحقائق التفسير وغيرها، وصار ذلك فتنة عظيمة في الدين، مهلكاً لخلْقٍ عظيم من الطلَبة والمستعدين. ومن أسمائه: التوحيد، وهو في اصطلاح الصوفية إسم لحقيقة الإيمان، وفي المشهور وعند الجمهور عبارة عن صنعة الكلام، ومعرفة المجادلة، والإحاطة بمناقضات الخصوم، والقُدرة على تكثير الأسئلة وتقرير الإلزامات، وايراد الشبهات، وتأليف المناقضات والمدافعات. ومن هذا المعنى لقّبت طائفة من المتكلمين: أصحاب العدل والتوحيد: وسُمّي المتكلمون: العلماء بالتوحيد، ولعبت بهم الشكوك، وطعن كلّ لاحقٍ منهم لسابقه مع انّه أيضاً لم يأت بشيء يزيد به على السابق. على أنّ جميع ما هو خاصية هذه الصناعة، لم يكن يعرف شيء منها في العصر الأول. بل كان يشتد النكير من السلفِ على من يفتح أبواب الجدل والمماراة، كما يستفاد من أحاديث أئمتنا سلام الله عليهم أجمعين، حيث وقَع منهم المنعُ من علم الكلام وصنعة المناظرة، إلا على سبيل الضرورة عند مكافحة المتبدِعين. وأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلّة الظاهرة التي تسبق الأذهان الى قبولها في أول السماع، فلقَد كان ذلك معلوماً للكلّ، وكان علم التوحيد عندهم عبارةً عن أمرٍ آخر يستفاد من القرآن بنحو آخر لا يفهمه أكثر المتكلّمين. وهذا مقام شريف إحدى ثمراته هي أن يرى الأمور كلّها من الله رؤية يقطع التفاته عن الأسباب والوسائط، ويترتّب عليه التوكّل والرضا والتسليم لحكم الله وترك شكاية الخلق وترك الغضب عليهم. ومن أسمائه: العقل المستفاد، وهذا اصطلاح الفلاسفة الموحّدين، والحكماء الإلٰهييّن دون الطبيعيّين والرياضيّين والأطباء والمنجّمين، فإنّهم بمعزل عن هذا المقام ومعرفته. واسم العقل، من الأسماء المشتركة التي تطلق على معان أخرى، إلاّ انّ الذي استعملته الحكماء في علم النفس، ويعدّ من أسامي مراتب النفس في استكمالاتها من حدّ القوّة الاولى الى حدّ الكمال الأخيرة، هو العقل بالمعنى المرادف فيه معه لفظ "الإيمان" في عرف شريعتنا، وذلك حيث ذكروا انّ للنفس درجات في القوّة والكمال: إحداها: درجة استعدادها الأول عند خلوّها عن العلوم كلّها، كما للطفل بالنسبة الى الكتابة، وهي المسمى بالعقل الهيولاني، تشبيهاً لها بالهيولى الأولى، الخالية عن الصوَر كلّها بحسب ذاتها. والثانية: درجة استعدادها الثاني من جهة اطّلاعها على البديهيّات، واوائل العقليّات، فيتهيّأ لإدراك الثواني إمّا بالفكر، أو الحدس، ويسمّى عندهم بالعقل بالمَلَكة. ثمّ يحصل للنفس بعدها قوّةٌ وكمالٌ، أما القوّة فهي أن يكون بحيث أن يطالع المعقولات المفروغ عنها متى شاءتْ من غير تعمّل وطلب، وهذه هي القوّة القريبة من الفعل، ويسمّى عقلاً بالفعل، وأمّا الكمال، فهو أن تكون المعقولات حاصلة بالفعل مشاهدة، ويسمى العقل المستفاد، وهذان العقلان متعاكِسان في التقدّم والتأخّر من جهة الحدوث والاستمرار، وبقاء الأخير لا يكون إلا في الدار الآخرة، اللهم إلاّ لبعض الكاملين من إخوان التجريد. وأما أنّه كم ينبغي أن يحصل للنفس الإنسانيّة من تصوّر المعقولات حتّى يقعَ عليه هذا الإسم، اي العقل بالفعل المساوق للعقل المستفاد من جهة الاستمرار الأخروي، ويرجو السعادة العقلية، ويتخلّص من الشقاوة التي بإزائها لمن يتّصف بالجهل المضادّ للعلم اليقيني الإيماني، فقد قال صاحبُ الشفاء: إنّه ليس يمكنني أن انصّ عليه نصّاً إلاّ بالتقريب، وأظنّ أنّ ذلك أن تتصوّر نفس الإنسان المبادي المفارقة تصوّراً حقيقياً، وتصدّق بها تصديقاً يقينياً لوجودها عندها بالبرهان، وتعرف العللَ الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكليّة دون الجزئيّة، التي لا تتناهى، وتتقرر عندها هيئة الكلّ ونسب أجزائه بعضها الى بعض، والنظام الآخذ من المبدإ الأول الى أقصى الوجودات في ترتيبه، وتتصوّر العناية وكيفيتها، وتتحقّق انّ الذات المفيدة للكلّ أيّ وجود يخصّها وأيّة وحدة تخصّها، وأنّها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثّر وتغيّر بوجه من الوجوه، وكيف تترتّب نسبة الموجوات اليها. ثمّ كلما ازداد الناظر استبصاراً، ازداد للسعادة استعداداً، وكأنّه ليس يتبرّأ الإنسان عن هذا العالَم وعلائقه، إلا أن يكون أكّد العلاقة مع ذلك العالَم، فصار له شوقٌ الى ما هناك وعشقٌ لما هناك، فصدّه عن الالتفات الى ما خلفه جملةً، ونقول أيضاً: إنّ هذه السعادة لا تتمّ إلاّ بإصلاح الجزء العلمي من النفس. انتهى كلامه. وهذه التي ذكرها من المعارف التي لا بدّ للانسان الكامل الإيمان أن يعرَفها، هي بعينها من المقاصد التي يستفاد وجوبُ معرفتها عقلاً من الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة، على تغايرٍ في الاصطلاح، لا في أصول المقاصد. وكذا قوله: إنّ هذه السعادة لا تتمّ إلا بإصلاح الجزء العملي، يدلّ على أنّ الإيمان لا يتمّ إلاّ بأن يكون مشفوعاً بالأعمال الصالحة، من الطاعات والعبادات. كالقيام والإمساك عن الطعام، وبذل المال للفقراء، والمجاهدة مع أعداء الدين، وزيارة بيت الله وحضور مناسِك المسلمين، وغير ذلك ممّا ورد في الشريعة الحقّة، فإنّ اصلاح الجزء العملي الذي غايته قطع علائق الدنيا والأغراض النفسانيّة، لا يمكن إلاّ بالعمل الصالح. فالعمل الصالح وإن لم يكن داخلاً في ما هو المقصود من الإيمان كما توهّم، إلاّ انّه لا بدّ منه في حصول حقيقة الإيمان، أي النور القلبي الذي إذا حصل للإنسان يصير بصيراً بالأمور الغيبيّة والحقائق الملكوتيّة الغائبة عن مشاهدة الحواسّ. فصل [الأقوال في المراد من الغيب] فقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}، إشارة الى ما ذكر، أي أنّهم يصدّقون تصديقاً بالأشياء المرتفعة عن هذا العالَم، والخارجة عن مدركات الحسّ الظاهر، كوجود الباري، والملائكة، واللوح، والقلم، والأمور الأخرويّة من الجنّة والنار، والصراط والحساب والميزان، وتطاير الكتب ونشر الصحف، وأحوال القبر والبعث، وأهوال المحشر وغير ذلك مما لا تستقلّ باثباته عقول الخلائق بأنظارهم الفكريّة، ودلائلهم النظريّة، وإنّما تتكشف بنور متابعة الشريعة، والاقتباس من مشكاة الوحي والنبوّة. والغيب في اللغة: مصدرٌ أقيم مقامَ اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، والمفسّرون ذكروا في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} وجهين: الأول:- وهو اختيار أبي مسلم الإصفهاني - أن يكون صفة للمؤمنين، معناه انّهم يؤمنون بالله حال الغيبة كما يؤمنون حال الحضور، لا كالمنافقين الذين {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة:14]. ونظيره قوله: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف:52] ويقول الرجل لغيره: نِعمَ الصديق لك فلان بظهْر الغيب، فكلّ ذلك مدح للمؤمنين بأنّ ظواهرهم تُوافِق بواطنَهم، ومباينتهم لحال المنافقين الذين {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران:167]. أقول: هذا القول لا يخلو من ضَعف ورَكاكة، فإنّ سَوق الكلام في هذا المقام من التأكيد في بيان عظمة القرآن بكونه كتاباً من عند الله، وعِلماً إلهياً لا يحويه الشكّ، وحقاً لا يأتيه الباطلُ، ونوراً يهتدي به المتّقون في طريق الآخرة وسبيل النجاة، ممّا يدلُّ دلالةً واضحة على أنّ الخطْب فيه أعظم من أن يوصف أهلُه، والحاملون لأسراره والمستبصرون بأنواره في عالّم الملكوت، بأنّهم ليسوا عند الاهتداء به والإيمان بحقائقه منافقين ولا مستهزئين، بل هم أجلّ قدراً وأعظم شأناً من أن يقال في مدحهم: إنّهم ليسوا من حزب المنافقين والشياطين. والقول الثاني: وعليه جمهور المفسّرين: إنّ الغيب هو أن يكون غائباً عن الحاسّة. والحقّ هو القول الثاني كما لا يخفى. لكن أصحاب هذا القول ذكروا انّ الغيب ينقسم الى ما عليه دليل والى ما ليس عليه دليل، فالمراد من هذه الآية هو الثاني. ويدخل فيه العِلم بالله وبصفاته، والعِلم بالآخرة، وبالنبوّة، وبالشرائع والأحكام. وسبب كون العِلم به مدحاً للمؤمنين، أنّ في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقّة، فيصلح أن يكون سبباً للثناء والتعظيم. أقول: وفيه ما لا يخفى من التعسّف، لما علمت من أنّ اصل الإيمان الحقيقي نور من أنوار الله الفائضة على باطن الإنسان، وهو كمال حقيقي وسعادة حقيقية يوجب الثناء، لا لأنّ في تحصيل العلوم المتعلّقة بها مشقّة، بل لأنّه الغاية التي لأجلها خُلِق الإنسان بل بني العالَم والأكوان، وما يترتّب عليه من الأجر والثواب مما لا يسع في الميزان ولا يحويه الحساب، يوم يقوم الناس لربّ العالمين، بخلاف ثواب الأعمال وميراث الأفعال، فإنّ لها حدّاً معدوداً، وثواباً معلوماً، وقدراً موزوناً يشاهِده كلُّ أحدٍ في ذلك اليوم. ظلمات وهمية تزاح بأنوار عقلية إنّ القائلين بالقول الأول احتجّوا بوجوه: الأول: إنّ قوله: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة:4] فيه ايمان بالأشياء الغائبة، فلو كان المراد من قوله {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}، هو الإيمان بالأشياء الغائبة، لكان المعطوف عين المعطوف عليه، وأنّه غير جائز. الثاني: إنّه لو حملناه على الإيمان بالغيب، يلزم القول بأنّ الإنسان يعلم الغيب وهو خلاف قوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام:59]. وكذا الآيات النافية لكون الإنسان عالِماً بالغيب، أما لو فسّرناه بما قلنا، فلا يلزم هذا المحذور. الثالث: إنّ إطلاق الغيب إنّما يجوز على ما يجوز عليه الحضور، فعلىٰ هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله وصفاته، فلو كان المراد من الآية الإيمان بالغيب بهذا المعنى، لمَا دخل فيه الإيمان بالله وبصفاته، ولا يبقى فيه إلا الإيمان باليوم الآخرِ، وذلك باطلٌ، لأنّ الركن العظيم في الإيمان، هو الإيمان بذات الله وصفاته. فحمْل اللفظ على هذا المعنى فاسدٌ. والجواب أما عن الأول: فبأنّ قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}، يتناول الإيمان بالغائبات إجمالاً، وقوله: والّذين، مع ما يتلوه، يتناول تفصيل بعضها؛ وهذا من باب عطف التفصيل على الجملة، كما في قوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة:98]. وأما عن الثاني: فبأنّه لا نزاع في أنّا نؤمن بالأشياء الغائبة عنّا، وكان ذلك التخصيص لازماً في الآيات الدالّة على نفي العلم بالغيب عن الإنسان على أيّ وجه كان، فنقول: الغيبُ على ضربين: فمنه ما يتطرق إليه الدليل والبرهان، ومنه ما لا يكون كذلك، فللإنسان أن يعلم من الغيوب ما عليه برهانٌ، بأن يهديه الله إليه بإقامة البراهين، أو يلهمه عليه بنور الحدس الشديد، كيف وقد شاع عند العلماء، أنّ الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلّة. وأما عن الثالث: فبمنع أنّ لفظ "الغيب" لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور، أو لاَ ترى انّ المتكلمين يقولون: هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد، ويريدون بالغائب ذات الله وصفاته؟ وعنه جواب آخر لا نسمح به، لأنّه مما تشمئزّ عنه قلوب جماعة كاشمئزاز المزكوم من رائحة الوَرد، فإن لاستشمام روائح رياحين العالَم القدسي، لا بدّ من أدمغةٍ صافية عن مضارّ الأهوية الرديّة، خاليةٍ عن عفونات أخلاط أهل الدنيا الدنيّة. توجيهات نقلية [المراد من الغيب] قال بعض المفسرين: معنى {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} يصدّقون بجميع ما أوجبه الله تعالى أو ندَب إليه أو أباحه. وقال الحسن؛ معناه: يصدّقون بالقيامة والجنّة والنار، وعن ابن عبّاس: بما جاء من عند الله، وعن ابن مسعود وجماعة من الصحابة: ما غاب عن العباد علمه، وهذا اولى لعمومه. ويدخل ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدي (عليه السلام) ووقت خروجه، وأكّد كونه منتظراً بالقرآن والخبر: أما القرآن {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النور:55]: الآية. وأما الخبر فقوله لَو لَمْ يَبْق مِن الدّنيا إلا يَومٌ واحد لطوّل الله ذلك اليومَ حتّى يخرجَ رجل من أهل بيتي يوافق اسمه اسمي وكنيته كنيتي، به يملأ الله الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً. وقيل: الغيب: هو القرآن وهو قول زيد بن حبيش، وكأنه أراد به أسرار القرآن وتأويلات الآيات. وقيل: المراد بالغيب، هو القلْب، والمعنى: يؤمنونَ بقلوبِهم، لا كمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويمكن حمل ما روي عن ابن مسعود من أنه قال: والذي لا الٰه غيره ما آمن أحد أفضل من ايمانٍ بغيب - ثمّ قرأ هذه الآية -، على هذا المعنى. كما أمكن حملُه على كلّ من الوجهين السابقين. أعني قول من جعل قوله: "بالغيب"، صفة للمؤمنين، وحالاً عن ضمير: يؤمنون، كما مرّ، أو عن: المؤمن به، وقول من جعلَه صلةً للإيمان وأوقعه موقع المفعول به، فالباء إمّا للتعدية، أو للمصاحبة، أو للآلية. قوله جل اسمه: وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ أما معنى الإقامة للصلاة، فذكروا له وجوهاً: أحدها: تعديل أركانها، وحفظها من أن يقعَ في فرائضها خلل وفي آدابها زَيغٌ، من أقام العودَ: إذا قوّمه. وثانيها: إدامتها والمواظبة عليها، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعارج:23]. مِن: قامت السوق: إذا نفقت، وأقمتها: إذا جعلتها نافقة قال الشاعر: شعر : أقامت غزالةُ سوقَ الضراب لأهل العراقين حَولاً قميطا تفسير : لأنّها إذا اديمت وحوفظ عليها، كانت كالشيء النافق الذي يُرغب فيه، وإذا أضيعت، كانت كالشيء الكاسد الذي لا يُرغب فيه. وثالثها: التجلّد لأدائها من غَير تهاونٍ ولا فُتور، من قولهم: قام الأمرُ وقامت الحربُ على ساقها، بل من قولهم: قام بالأمر وأقامة إذا جدّ فيه وتشمّر له، وفي ضدّه: قعدَ عن الأمر وتقاعَد عنه. ورابعها: إقامتها؛ عبارةٌ عن أدائها عبِّر عن أدائها بالإقامة لاشتمالها على القيام، وهو بعض أركانها، عبِّر عنها به، كما عبِّر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح، قالوا: سبّح إذا صلّى، لوجود التسبيح فيها، قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} تفسير : [ص:143]. وإذا نظرت في هذه المعاني، وجدتَها مشتركة في معنى الوجود والايجاد، مع تفاوت في مراتب الكمال والضّعف. فالأول إكماله، والثاني إدامته، والثالث تأكيده، والرابع تحصيل شيء منه، فالأوْلى حمل الكلام على ما هو أكمل في الثناء، وأشهر وأقرب الى الحقيقة، وأفيد لما هو المقصود بالذات، وهو الحمل على إدامتها من غير خلل في أركانها وشرائطها، ولهذا يوصف الباري، بأنّه قائم وقيّومٌ، لأنه يجب دوام وجوده للأشياء وإدامته للأرزاق. فمن أدام فعلَها، وراعىٰ حدودَها الظاهرة، - من الفرائض والسنن - وحقوقَها الباطنة - من التوجّه الى الله والعروج بقلبه الى حضرة القدس والخشوع بين يديه، لا كَحالِ {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون:5] - فهو حريٌّ بالمدح والثناء العظيم، والأجر الجسيم، ولذلك ذكر الله تعالى في سياق المدح: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء:162]. وفي معرض الذمّ: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} تفسير : [الماعون:4]. وأما معنى الصلاة في أصل اللغة فقيل: إنها الدعاء ومنه الحديث: حديث : إذا دُعي أحدُكم الى طعامٍ فليُجبْ، فإن كان صائماً فليُصَلِّ. أي: فليَدْعُ له بالبركة والخير . تفسير : وقيل: مشتقّ من الصَّلَى، وهي النار من قولهم: صَلَيْتُ العصا، إذا قوّمتها بالصَّلَى، فالمصلّي يسعى في تعديل ظاهره وباطنه، مثل من يحاول تقويم الخشبَة وإصلاحها بعَرْضها على النار. أقول: وها هنا سرٌّ لطيف لا يمكنني ضبط عنان القلم عن كشْفه، وهو أنّ الإنسان في بداية الأمر في غاية الجمود والقساوة كالحجارة أو أشدّ قسوة منها، لعدم المناسبة له الى حضرة نور القدس، وإنّما يلين جِلدُه وقلبُه لذكْر الله على التدريج، بواسطة تلطّف سرّه بالرياضات والتلطفيات، وذوبان لحْمه وشحْمه بإذابة التكاليف الدينيّة والعقليّة، حتى يبلغ الى مقام يتسخّن كبدُه بحرارة الشوق والمحبّة، ثم يشتعل زيت قلبه بنار التوبة والندامة، ثمّ يتنوّر مصباحُ روحه بنور الإيمان والمعرفة. وأصل الكلام وبناؤه؛ على أنّ الموجودات متفاوتة في الوجود وكماليّته، وللإنسان أن يسلك في سبيل الله، ويتدرّج في الدرجات، ويسير من أدنى منازل الوجود الى اعلاها، فيترقّى من أول منازل الموجودات الأرضيّة والمائيّة الى آخر منازل الموجودات الهوائيّة والناريّة كالجنّ والشياطين، ومنها يأخذ في سيره الى منازل الموجودات النوريّة، وهي مراتب الملكوت الأعلى، فلا بدّ من وروده في سيره الباطني أولاً الى نشأة من نشئآت النيران، سواء كان في الدنيا أو في العقبى، كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}تفسير : [مريم:71]. فإن ورد عليها في الدنيا، فيقع الخلاص منها، وإلاّ فسوف يعذّب بها في العقبىٰ، ووروده على النار في الدنيا، عبارةٌ عن احتراق قلبِه أولاً بنار التوبة والندم، ثمّ ذوبان جسمه بنار الرياضات والتكاليف الشاقّة، ثمّ اشتعال ذهنه بنار الحركات الفكريّة والانتقالات النفسانيّة، وهكذا حتّى يتجاوزَ من هذه المقامات بقوّة البرهان ونور الإيمان، الى عالَم الأنوار الملكوتيّة، ويتخلّص عن عذاب النيران، ويحل في منازل الجنان ومجاورة الرحمٰن، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم:72]. فإذا تقرّر هذا، فَلَعَمْري إنّ الصلاة أشدُّ العبادات تأثيراً في تسخين الباطن، وتليين الجُلود والقلوبَ لذكْرِ الله، وتذويب ذهَب الخلاص في كورة الامتحان، لاشتمالها على نارِ الإيمان والمعرفة ونارِ الخوف والخشية للقرب، ونارِ التوبة والندامة، ونارِ الفكر والرياضة النفسيّة والبدنيّة. وفي الحديث: حديث : كان يصلّي رسولُ الله وفي صدره ازيز، كأزيز المرجل . تفسير : وقيل: إنّ الصلاة عبارةٌ عن الملازمة من قوله تعالى: {أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تفسير : [الغاشية:4]. {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} تفسير : [المسد:3] وسمّي الفرسُ الثاني من أفراس المسابقة مصلّيا. وقال صاحب الكشّاف: الصلاة فعَلَةٌ من صلّى، كالزكاة من زكّى، وكتابتها بالواو على لفظ المفخّم، وحقيقة "صلّى" حرك الصَّلَوين، لأنّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل للداعي: مصلٍّ، تشبيهاً له في تخشّعه بالراكع والساجد. واعترض عليه صاحب التفسير الكبير: بأن هذا يفضي الى طعنٍ عظيمٍ في كون القرآن حجّة، لأنّ لفظ الصلاة من أشدّ الألفاظ شهرة، وأكثرها دَوراناً على ألسِنة المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصَّلَوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل، ولو جوّزنا انّها في الأصل ما ذُكر، ثمّ خفي واندرس حتّى صار بحيث لا يعرفه الآن إلاّ الآحاد، لكان مثلُه جائزاً في سائر الألفاظ، ولو جوَّزنا ذلك لما قطعنا بأنّ مراد الله من هذه الألفاظ ما يتبادر إلى أفهامنا، لاحتمال أنّه كانت موضوعة لمعانٍ أخر في زمان الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وكان مرادُ الله تلك المعاني، لكنها خفيت واندرست هي في زماننا كما وقع مثلُه في هذه اللفظة. ولما كان هذا باطلاً بالاجماع، علِمنا أنّ هذا الاشتقاق الذي ذكره مردودٌ باطلٌ انتهى كلامُه. وفيه ما لا يخفى من التعسّف، فإنّ اشتهار اللفظ في المعنى الاصطلاحي المنقول إليه دون اللغوي المنقول منه، لا يقدحُ في الحكْم بكونه منقولاً بحسب الرواية والضبط من أهل اللغة ولا يوجِب ذلك عدم الاطلاع على معاني الألفاظ القرآنيّة في سابق الزمان، كزمان نزول القرآن، إذ بواسطة ضمّ القرآئن المعلومة لمن تتبّع موارد الاستعمالات اللغويّة، وتتبع معاني ألفاظ المفسّرين وغيرهم الذين كانت أزمنتهم قريبة من زمان الوحي، يحصل اطّلاع تام على معاني هذه اللغات في ذلك الزمان بلا شك. والصلاة في الشرع عبارة عن أفعالٍ مخصوصة، على وجوه وشرائط مخصوصة. وهذا يدلُّ على أن هذا اللفظ منقولٌ من اللغة الى الشرع. وقيل: إنّ هذا ليس بنقلٍ، بل تخصيص. لأنه يطلق على الذكْر والدعاء في مواضع مخصوصةٍ. إشارة [الصلاة] إنّ الصلاة المعهودة، من أعظم العبادات الدينيّة والأوضاع الشرعيّة جلالة وقدراً، وأشدّها قرباناً الى الباري، وأوفرها تشبّهاً بفعل المبادي المطيعة لله على الدوام، لاشتمالها على الأعمال العقليّة والبدنيّة، واحتوائها على هيئات الخضوع والتذلّل لله؛ ولهذا كانت واجبة في جميع الشرايع المعظّمة والملل القديمة. قال أفلاطون الربّاني في المقالة الثانية من كتابه في النواميس: إنّ الصلاة تجمع الإقرار بالربوبيّة، وطاعة العقل في توجه النفس اليه، وتركها استعمال الحواسّ، ونهيها بذلك عن مقتضاها طلباً للروحانيات، وترك الاشتغال بطاعة الجسَد والتخلّي عن المعاصي، والإقرار بالذنب، والمسألة في الصفح. ألاَ ترى الى الرجل كيف يرفع يديه بالتكبير، وإنّما ذلك استعاذة من شيء خاف ايقاعه به عليه فطلَب الاستقالة منه. وكان ملك اليونانيّين إذا دخل الأسرى الى بلدانهم، تقدّموا اليهم أن يبسطوا أيديهم بسط التضرّع، لترى العامّة أنّهم على الخوف والذُّعْر من مسيرهم في المدينة. فأمّا الركوع، فكتمكين الرجلِ من نفسه من حاولَ ضربَ عنقه، فإنّك لا تجد له حالةً أمكَن من الركوع. وأمّا السجود ووضع الوجوه في مراتب الأقدام، فمن تعمّد ذلك يمحق غضبه، فلهذا كانت فصول الصلاة أغضّ الأشياء من الغضب المؤذي، كما انّ الصوم من أغضّ الأشياء لدفع آفة الشهوة. انتهى كلامه. مكاشفات عقلية متعلقة بأسرار الصلاة الأولى: في حكمة وجوب الطاعات وسرّ التكليف بها: إعلم أنّه لما اقتضت الأسماء الحسنى الإلٰهيّة ظهور آثارها جميعاً في المظاهر الكونيّة، لئلا يتعطّل طرف من الألوهيّة، ظهرت في نوع الإنسان الذي هو أشرف الأكوان، وقد أوجده الله للعبادة كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56]. وطبايع أكثر الناس مجبولة على العدول عن منهج الحقّ، والانحراف عن سَنَن العدل، كما أشار اليه بقوله: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ:13]. وقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103]. وقوله: {أية : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون:70]. وقد تقرّر بنيان هذا البيان في كثير من الأحاديث القدسيّة والنبويّة، مثل قوله تعالى: كلّكم ضالٌّ الاّ من هَديته فاسألوني الهُدى اهدِكُم، وكلّكم فقير الاّ من أغنيته فاسألوني أرزقكم، وكلّكم مذنب الا من غفرتُه فمَن علِم منكم منّي انّي ذو قُدرةٍ على المغفرةِ فاستغفر غفرتُ ولا ابالي. فلو أنّ الناسَ أُهمِلوا وطبائعَهم وتُركوا سُدىً، وخُلّيَ بينهم وبين طبائعهم، لتوغّلوا في الدنيا، وانهمكوا في اللّذات الجسمانيّة، وطلبوا دواعي القوى الظلمانيّة لِضراوتهم واعتيادهم بها من الطفوليّة والصِّبىٰ، حتّى زالت استعداداتهم، وانسلخوا عن رتبة الإنسانيّة فمُسخوا ومُثّلوا بالبهائم والسباع، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} تفسير : [المائدة:60] وإن حوفظوا ودُعوا بالسياسات الشرعيّة والعقليّة، والحِكم والآداب النبويّة، ترقّوا وتنوّرت بواطنُهم بنور الملَكية كما قال الشاعر: شعر : هي النفسُ ان تهمل تلازم خساسةً وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج تفسير : فلهذا وُضعت العبادات، وفُرض عليهم تكرارُها في الأوقات المعيّنة، ليزول بها دَرَن الطبائع المتراكمة في أوقات الغفَلات، وظُلمة الشواغل العارضة في أزمنة اتّخاذ اللذات، وارتكاب الشهوات، وتتنوّر بواطنُهم بنور الحضور، وتنبعث قلوبُهم بالتوجّه الى الحقّ عن السقوط في هاوية النفس والعثور، وتنشرح صدورُهم وتستريح بروح الرَّوح، وحبّ الوحدة عن وحشة الهوىٰ وتفرّق الكثرة، كما قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : الصلاة الى الصلاة كفّارةُ ما بينهما من الصغائِر ما اجتُنِبَت الكبائر . تفسير : ألاَ ترى كيف أمرهم عند الحدَث الأكبر ومباشرة الشهوة بتطهير البدن بالغُسل، وعند الحدَث الأصغر بالوضوء، وعند الاشتغال بالأشغال الدنيويّة في ساعات الليل والنهار بالصلَوات الخمس المزيلة لكدورات مدرَكات الحواسّ الخمس الحاصلة للنفس منها كلٌّ بما يناسبه. وكذلك وضَعوا بإزاء تفرقة الأسبوع، وظلمة انفرادهم بدؤوب الأشغال والمكاسب والملابِس البدنيّة والملاذّ الجمسانية، اجتماع قومٍ على العبادة والتوجّه، لتزولَ وحشةُ التفرقة بأنس الاجتماع والحضور، ويحصلَ بدلَ ظلمةِ النفرة نورُ المحبّة الايمانية، ويرفعَ عنهم ظُلمةَ الاشتغال بالأمور الجزئية، والإعراض عن الحقّ من جهة الأغراض المختصّة الشخصيّة. وهكذا الحال في أكثر التكاليف، إذ مرجع الغرض في أكثرها الى تصفية القلب عن ظلمة الدنيا، وتجريد الباطن عن كدورة الطبيعة ودَرَن اللذات الجسمانيّة، وتخليص العقل عن طاعة الهوى والشيطان بنور طاعة الحقّ بالايمان. مكاشفة اخرى في لميّة وجوب الصلاة مطلقاً من بين العبادات على عامّة الناس بوجهٍ عقلي لمّا علِم الشارعُ انّ جميع أفراد الإنسان لا يرتفعون عن حضيض البشريّة، ولا يرتقون في مدارج العقل الى درجة الملَكيّة بحسب المعرفة والإخلاص، فلا جرَم سوّىٰ لهم رياضة بدنيّةً، وساسَهم سياسةً تكليفية، تخالف أهواءَهم الطبيعيّة، وحفظ لهم الصورةَ الإنسانية، وراعىٰ فيهم حكاية النُّسْك العقليّة، وهيكل العبادات الملَكيّة. فمهَّد لهم قاعدةً في الأذكار والأوراد، وألزمهم تركَ النسيان بتكرير الأعداد، وهي في الوجوب أعمّ وفي الحسّ أعظم، لترتبط بظواهر أشخاص الإنسان، وتمنعهم عن التشبّه بسائر أفراد الحيوان، وأقرّ بهذا الهيكل الظاهر على كلّ بالغٍ عاقل، فقال (صلّى الله عليه وآله): حديث : صلّوا كما رأيتُمونيتفسير : ، ولو قال: صلّوا كصلاتي، فمَن الذي صلّى مثل صلاته؟ لأنّه كان يصلّي وبصدره ازيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان في صلاته يَرى من خَلفه. فقد ظهر أنّ في صلاة القالب مصلحةً كثيرة لا تخفى على اللبيب العاقل، ولا يقر به لسان الجاهل العاذل. وهذا المعنى من الصلاة قد كانت واجبة على الأمم السابقة على أعداد اكثر من اعداد صلواتنا لعموم جدْواها، وكانوا مكلّفين بأعمالٍ جسمانيّة كثيرة المشقّة لغلبة القسوة والجسمانيّة عليهم، وقلّة ظهور آثار الملكوتيّين منهم. وشريعتنا المحمديّة - على الصادع بها وآله خير الصلاة والتحيّة - أقلّ تكليفاً وأكثر منفعة، لصفاء القوابل، ولطافة القلوب، ورقّة الحجاب في أمّته بحمد الله، ولذلك قال: بعثتُ بالشريعة السهْلةِ السمْحاء. مكاشفة اخرى في لميّة وجوب الصلاتين القلبيّة والقالبيّة. إن الله قد بعث النبيّين معلّمين بالكتاب والحكمة، واضعين من قِبل الله للشريعة والملّة، مقيمين للعدل والقسط لقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الحديد:25]. فوضعوا للناس النواميس الإلٰهيّة ليُخرجوهم عن حضيض البرزخ الظلماني، ويبلّغوهم الى أوج العالَم النوارني، لينخرطوا في سلك الملائكة المقرّبين، وينغمسوا في جوار القدس مع الأنبياء والصدّيقين، رحمةً من الله وفضلاً ونعمة منه. فشرع كلّ منهم بإذن الله لأمّته حسب ما أعطته العنايةُ الإلٰهيّة، واقتضته الرحمة الأزليّة في ذلك الوقت والزمان، من الأعمال القلبيّة والبدنيّة، ما تكمل به قوّتاهم العلميّة والعمليّة بحسب طاقتهم. ولمّا كانت الحكمة المحمديّة - على مقيمها وآله أفضل المحامد العليّة -، حكمة فردة، لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، بل هو أكمل الممكنات علويّها وسفليّها، روحانيّها وجسمانيّها، وكان تأثير قوّة نبوّته في تكميل أرواح أمّته، أبلغ وأتمّ كمالاً وأقوم، وحكمته أحكم، وكتابه وشريعته أبلغ وأعمّ، كانت أمّته خير الأمم وأعدلها، وأشرف الفِرق وأكملها، كما قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران:110]. وإليه أشار صلّى الله عليه وآله: حديث : بعثتُ لاتمّم مكارمَ الأخلاق تفسير : وبقوله: حديث : علماءُ امّتي كأنبياء بني إسرائيل . تفسير : فخصّ المحمّديون بوجوب حقيقة الصلاة والذكْر القلبي، والمعرفة الإلٰهيّة التي هي روح الصلاة، كما وجَبت عليهم صورةُ الصلوات الخمس المكتوبة، وأمروا بالمواظبة عليها، والمحافظة لها، وتكريرها في كل يوم بهيئة مشتملة على سرّ إلٰهي في أوقات معيّنة له؛ وهي ذكرٌ له تعالى، وقربة الى جناب الحقّ، ومناجاةٌ معه، كما قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : المصلّي مناجٍ ربَّه . تفسير : وروح الصلاة، وهي معرفة الحقّ وتعظيمه وتنزيهه عن نقائص الإمكان، أشدّ وجوباً على بواطن العقلاء الكاملين من صورتها، وهي القيام والقعود والقراءة والركوع وسائر الهيئات والأوضاع على ظوهر سائر الناس، وقال سبحانه: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه:124]. مكاشفة اخرى في تحقيق القول من سبيل آخر قد بانَ لك انّ في الإنسان شيئاً من العالَم الأسفل، وشيئاً من العالَم الأعلى، وأعني بالعالَم الأسفل: الدنيا وما فيها، وبالعالَم الأعلى: الآخرة وما فيها. وكذلك في كلّ عمل من الأعمال الدينية قشرٌ ظاهرٌ ولبٌّ باطنٌ، فالقشر متعلّق بالدنيا، واللُّبٌّ متعلّق بالآخرة، وكما انّ مقصود الشارع من طهارة الثوب - وهو القشر الخارج - ومن طهارة البدن - وهو القشر القريب - إنّما هو طهارةُ القلب - وهو اللبّ الباطن - وطهارة عن نجاسات الأخلاق كالكفر والحسد والنفاق والبخل والإسراف وغيرها. فكذلك مقصود الشارع من صورة كلّ عبادة، هو الأثر الحاصل منه في القلب. ولا يبعد أن يكون لأعمال الجوارح آثارٌ في تنوير القلب وإصلاحه، كما لا يبعد أن يكون لطهارة الظاهر أيضاً تأثير في إشراق نورها على القلب، فإنّك إذا أسبغت الوضوء، واستشعرت نظافة ظاهرك، صادفتَ في القلب انشراحاً وصفاءً لا تصادفه قبله، كيف وإدراك النظافة يوجب حصول صورتها في القلب، وهذا ضرب من الوجود، وفعلُ الطهارة أوجب حصولها في القلب ولو بوجهٍ ضعيف. وذلك لسرّ العلاقة الواقعة بين عالَم الشهادة وعالَم الغيب، فإنّ ظاهر البدن من عالَم الشهادة والملك، والقلب من عالَم الغيب والملكوت بأصل فطرته، وإنّما يكون هبوطه الى هذا القالب، كالغريب عن موطنه الأصلي، ونزوله الى ارض عالم الشهادة عن الجنة التي هي موطنه وموطن أبيه المقدس، لجناية صدرَت أولاً عن أبيه. وكما تنحدرُ من معارف القلب آثارٌ الى البدن، فكلذلك ترتفع من أحوال الجوارح أنوار الى القلب، ولذلك أمر بالصلاة مع انّها حركات للجوارح، وهي من عالَم الشهادة. وبهذا الوجه، جعلَها رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) من الدنيا فقال: حديث : أحببتُ من دنياكُم ثلاثاً الحديث. وعدّ الصلاة من جملتها . تفسير : ومن ها هنا قد شممت شيئاً يسيراً من أسرار الطهارة والصلاة وسائر العبادات، وإذا تقرّر هذا عندك، وعلمت بمثل هذا التقسيم في جميع العبادات، واتّضح لك وتأكّد عندك حسبما قدمنا اليك أنّ الصلاة منقسمةٌ الى رياضيّ جسمانيّ والى حقيقيّ روحانيّ، فاعلم أنّ نفوس الإنسان متفاوتة بحسب آثار القُوى والأرواح والدواعي المتركّبة فيها، فمن غلب عليه الروح الطبيعي والحيواني، فإنّه عاشق البدن يحبّ نظامَه وتزيينَه وتعظيمه وأكلَه وشُربَه ولبسه وطالَب جذب منفعته ودفعَ مضرّته، فهذا الطالِب من عِداد الحيوانات وزمرة البهائم. فأيّامه مستغرقة باهتمام بدنه، وأوقات عمره مصروفة الى مصالح جثّته وشخصيّته. فهو غافلٌ عن الحقّ جاهلٌ بأمره، فلا يجوز له التهاون بهذا الأمر الشرعي اللازم الواجب، وإن قعد عنه فبالسياسات والزواجر يُكْرَهُ عليه ويجبر، حتى لا يفوت عنه حقّ التضرّع والاشتياق الى الله تعالى، ليفيض عليه بجوده، وينجيه من عذاب وجوده، ويخلّصه من آمال بدنه، ويوصله الى منتهى أمله. فإنّه لو انقطع عنه قليلُ خير، لتسارع اليه كثير شرّ، ولكان أدنى درجة من البهائم، وأضلُّ سبيلاً من الأنعام. ومن غلبت عليه قواه الروحانية، وتسلطت على هواه قوّته الناطقة، وتجرّد عن محبّة الدنيا وعلائق العالَم الأدنى، فهذا الأمر الحقيقي والتعبّد الروحاني، وذكْر الله بالقلب ومناجاته وقرباته، واجبٌ عليه أشدّ وجوباً وأقوى إلزاماً، كما قيل: الحكمة أشد تحكّماً على باطِن العاقل من السيفِ على ظاهر الأحمق. لأنّه استعدّ بطهارة نفسه وشرافة عقله ليفيض عليه ربُّه، فهو أقبل بمشقّته، واجتهد في تعبّده لتسارع إليه جميع الخيرات العلوية والسعادات الأخرويّة، حتى إذا انفصل عن جسمه وفارَق الدنيا، يدخل عليه الملائكة من كلّ، باب ويشاهد مفيضَه وموجِدَه ومكمِّله ربَّ الأرباب، ويجاور حضرتَه ويلتذّ بمنادميه حينئذ ومجاوريه، وهم سكان ملك الملكوت وقطّان عالَم الجبروت. مكاشفة اخرى في سرّ الصلاة وروحها من جهة اشتمالها على ظاهر جسماني وباطن نوراني إعلم أنّ الصلاة عبارة عن تشبّه ما للنفس الإنسانية بالأشخاص الكريمة الإلٰهية في تحريكها للأجرام الفلكيّة، فما أشدّ شباهة الإنسان حين التشغّل بالصلاة الكاملة بتلك الأشخاص الكريمة بأرواحها الملكيّة، في تعبّدها الدائم، وركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها طلباً للثواب السرمدي، وتقرّباً الى المعبود الأحدي. ولذلك قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : الصلاةُ معراجُ المؤمن. وقال: الصلاةُ عِماد الدين . تفسير : وأصل الدين، تصفية الروح عن الكدورات الشيطانيّة والهواجس النفسانيّة، والصلاة الحقيقية هي التعبّد للمبدإ الأعلى والمعبود الأعظم، والخير الأشراف، والتعبّد في الحقيقة، عرفان الحقّ جلّ مجده، والعلم بآياته بالسرّ الصافي والقلب النقيّ والنفس الفارغة. فسرّ الصلاة التي هي عماد الدين؛ هو العلم بوحدانيّة الله، ووجوب وجوده وتنزه ذاته، وتقدُّس صفاته، وإِحكام أفعاله، ونفاذ أمره في خَلْقه، وجريان قضائه في قدَره، وقلمه في لوحه، وتعلّق عنايته ورحمته بعباده، وإنزال كتبه على رسُله، ورجوع العباد في معادهم اليه، يوم مثول الأرواح والنفوس بين يديه، وقيام صفوف الملائكة والروح لديه. مع الإخلاص له بالعبوديّة. وأعني بالإخلاص؛ أن يعبد الله بلا مشاركة أحدٍ، وأن يعلمَ ذاتَه وصفاته وأفعاله بحيث لا يبقى للكثرة فيه مَشْرَعاً، ولا للاضافة اليه مترعاً. ومن فَعل هذا فقد أخلص وصلّى، وما ضلّ وما غوى، ومن لم يفعل هكذا فقد افترى وعَصى، والله أجلّ من ذلك وأعلى وأغنى. مكاشفة اخرى في مبدأ وجوب هذا التعبد الروحاني إن هذه الصلاة قد وجبَت على سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) في ليلة مباركة، قد صعَد الى العالَم العلوي، وتجرّد عن بدنه، وتنزّه عن أهله، ولم يبق معه من آثار الحيوانيّة شهوة، ولا من لوازم الطبيعة قوّة، ولا من الدواهي النفسانيّة بقيّة. فناجىٰ ربَّه بقلبه وروحه عند طرح قالبه وبدنه في آخر منازل الجسميّة، فقال - كما رُوي عنه (صلّى الله عليه وآله):- حديث : إنّي وجدتُ لذّة غريبة في ليلتي هذه، فأعطني يا ربّ هُدىً، ويسِّر عليَّ طريقاً يوصِلني كلّ وقت الى لذّتي، فأمره الله بالصلاة فقال: يا محمد، المصلّي مناج ربه . تفسير : ولا يخفى على العاقل المتأمّل، انّ مناجاة الله لا تكون بالأعضاء البدنيّة، ولا بالألسُن الجمسانيّة، لأن هذه المكالمة إنما تصلح لمن يحويه مكان وتقترن به حركة وزمان، أما الواحد المقدّس الخارج عن عالَم المحسوس والحسّ الذي لا يحيط به مكان ولا يحويه زمان، ولا يعتريه تجدّد وتغيّر، ولا يشار اليه بجهة من الجهات، ولا يختلف حكمه في صفة من الصفات، فكيف يعاينه الإنسانُ المشكَّل المجسّم المحدود بجسمه، المقيّد المحصور بحسب قوله وفعله وشعوره وحسّه؟ وكيف يناجي في هذا العالَم المركّب الخروب، من لا يعرف حدود جهاته ولا يرى جناب صفاته. فإنّ الوجود المطلق عن عالَم المثل والمحسوسات، بل المرتفع عن إمكان الأرواح والعقليّات، غائب عن الحواسّ، غير مشار إليه بالأخماس، ولا يدرك بالإلماس، ومن عادة الجسم والجسمي، أن لا يناجي ولا يجالس الا من يراه بالبصَر، ويحسّه بالحس، ويدركه بإحدى الخمس. وإذا لم ينظر إليه ولم يشاهده يعده غائباً، ويكون بفقده عن المشاعر خائباً. فمن كان خارجاً عن هذا الباب، مقدّساً عن طرفي هذا النفي والإثبات جميعاً، وعن المداخلة والمزايلة رفيعاً، فمناجاته بإحدى الظواهر والآلات أمحل المحالات، وأفحش الخرافات الموهومات. فاذن قوله "حديث : المصلّي مناجٍ ربه" تفسير : محمولٌ على عرفان النفوس العرّافة العلاّمة المجرّدة عن جهات الجسم والمكان، وحوادث الحركة والزمان. فهم يشاهدون الحقّ مشاهدةً عقلية، ويبصرون الإلٰه ويبصرونَه بصيرة نوريّة، ويسمعون كلامَه سماعاً قلبيّاً روحانياً. تفريع فعلىٰ هذا ظهر انّ الصلاة الحقيقيّة هي التي تليق أن يمدح الله بها المؤمنين المتّقين المهتدين بأنوار معارف هذا القرآن، وهي التي تنهى عن فحشاءِ القوّة الشهويّة، ومنكَر القوّة الغضبية، وبغي القوّة الوهمية، ويدفع آفات هذه الثلاث التي أولاها كالبهائم، ووسطاها كالسباع، وأُخراها كالشياطين. وذلك لأنها كما علمت، مكالمةٌ عقليّة مع الله عند مشاهدة قلبيّة له، أو هي التضرّع بالنفس الناطقة نحو الله الحقّ والموجود المطلق، وجعلها بمنزلة يدٍ باسطةٍ إليه تعالى. ولأصحاب العلوم الظاهرة من هذا حظٌّ ناقصٌ، وإن ارتفعوا عن منزل الأنعام قليلاً، وارتفعوا عن درجة العوام يسيراً، وللمحقّقين قِسمٌ وافرٌ ونصيب كامل من هذا البحر الزاخر، ولهم قرّة أعين في الصلاة أخفيت عن أعين الناس، ومن كان حظّه أكمل، فثوابه أجزل. فالعاقل الحكيم، يتأمّل سلوك طريق التعبّد والمداومة على الصلاة، ويلتذّ بمناجاة ربّه لا بشخصه، وينطقه لا بنُطِقه، ويبصره لا ببَصرِه، ويحسّه لا بحسِّه. وأما الجاهل اللئيم، المغرور الممكور، المشعوف بما عنده من القشور، الطالب في مناجاته للذّات عالم الزور، المتوجّه الى تحصيل المنزلة والجاه عند أصحاب القبور، ومن آثر الهوى واتّبع الشيطان، وانحرف عن الحقّ والهدى، حرّم الله عليه لذّة مناجاته، كما ورَد في أخبار داود على نبيّنا وعليه السلام: يا داود إنّ أدنى ما أصنع بالعالَم إذا آثرَ شهوتَه على محبّتي، أن احرم عليه لذيذ مناجاتي. ومثل هذا الخبر ما ذكره مالك بن دينار من قوله: قرأت في بعض الكتب انّ الله عز وجل يقول: إنّ أهون ما أصنع بالعالَم اذا أحبّ الدنيا أن اخرج مناجاتي من قلبه. {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُور} تفسير : [النور:40]. قوله جل اسمه: وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) الرِزْق في كلام العرب، الحظّ مطلقاً قال تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الواقعة:82]. أي حظكم ونصيبَكم. والعرْف خصّصه بما ينتفع به الحيوان، يؤكل أو يستعمل، وقيل: هو ما يُملك، وهو باطلٌ. لأن الإنسان قد يقول: اللّهم ارزقني ولداً صالحاً، وزوجةً صالحةٍ. وهما مما ليسا بمملوكين له. وكذا يقول: اللّهم ارزقني عقلاً أعيشُ به. والعقل ليس بمملوك. وأيضاً البهيمةُ لها رزق ولا يكون لها ملك. وقيل: هو عبارة عن تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، وهذا مذهب أبي الحسين البصري وسائر المعتزلة، ولهذا ذهبوا الى أن الحرامَ لا يكون رزقاً، وذلك لأنّهم استحالوا من الله أن يمكّن من الحرام، بدليل أنّه منع من الانتفاع بالحرام، وأمر بالزجْر عنه، وبما ذكره صاحب الكشّاف في هذه الآية من قوله: "إسناد الرزق الى نفسه للإعلام بأنّهم ينفقون الحلال الطلْق الذي يستأهل أن يضاف الى الله ويسمّى رزقاً منه". وبقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} تفسير : [يونس:59]. إذ قد بينّ انّ من حرّم رزق الله فهو مفترٍ عليه، فثبت انّ الحرام لا يكون رزقاً. وبما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن رجلاً قال له: "حديث : إنّ الله كتَب عليَّ الشقوة أفلا أراني أرزق إلا من دَفّي بكفّي، فأذَنْ لي في الغناء من غير فاحشةٍ؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبتَ يا عدوّ الله، لقد رزَقك الله طيّباً، فاخترتَ ما حرّم الله عليكَ من رزقِه مكان ما أحلّ الله لك من حلالِه، أم إنّك لو قلتَ بعد هذه النوبةِ، ضربتُك ضرباً وجيعاً ". تفسير : والجواب: أمّا عن الأول، فبأنّ المنع الشرعي للكل عن الحرام، لا يناقض السياق القدَري لبعض الأشخاص إليه، وتحقيق هذا المقام يحتاج الى مسلك آخر غير علم الكلام. وأما عن الثاني: فبأنّ إسناد الرزق الى الله على سبيل التشريف والتحريض على الإنفاق، وإن كان الحرام رزقاً أيضاً، كما يقال: يا خالق العرشِ والكرسي، [ولا يقال] يا خالق الكلاب والخنازير، وكقوله: {أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان:6]. فخصّ العباد بالمتّقين وإن الكفّار من العباد. وأما عن الثالث: فبأنّ الذمّ للمشركين لأجل انّهم حرّموا ما أحلّ الله من الرزق. وأما عن الرابع: فبأنّ الخبر حجّة عليكم لا لكم، لأنّ قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : فاخترتَ ما حرّم الله عليكَ من رزقه"تفسير : ، صريحٌ في أنّ الرزقَ قد يكون حراماً. واستدلّ بعض الأشاعرة: بأنّ الحرام لو لم يكن رزقاً، لم يكن المغتذي به طول عمره مرزوقاً، وليس كذلك لقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود:6]. وأقول: هذا الاستلال ضعيف، لمنع تحقّق مادة النقض، إذ ما من حيوان إلاّ وله رزقٌ من الحلال ولو في بعض الأوقات، كما عند كونه في بطن أمّه. والحقّ أنّ النزاع في هذه المسألة يرجع الى محض اللغة وهو: أن الحرام هل يسمّى رزقاً أمْ لا؟ ولا مجال للدليل العقلي في الألفاظ. وأصل الإنفاق، إخراج المال من اليد، ومنه نفقَ المبيع نفاقاً إذا كثُر المشتَرون له، ونفقتِ الدابّة إذا خرجت روحُها، ومنه نافق الفأرة لأنها تخرج منها، ومنه النفق في قوله تعالى: {أية : أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام:35]. وفي الكشّاف: انّ "أنفقه وأنفده" أخَوان، و"نفق ونفد" واحد، وكلّما جاء مما فاؤه نون وعينُه فاء، فدالٌّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأمّلت. تنبيه في قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} فوائد لطيفة: إدخال "من" التبعيضيّة صيانة لهم عن الإسراف، وكفّاً عن التبذير المنهيّ عنه، وتقديم المفعول للاهتمام به كأنّه قال: ويخصّون بعض المال للتصدّق به، والمحافظة على رؤوس الآي، وإطلاق الانفاق حتّى يشمل الزكاة وغيرها. ومن فسّر الإنفاق بالزكاة، فقد ذكر أفضل أنواعه وما هو الأصل فيه، وإنّما وقَع التخصيص بها لاقترانه بما هو شقيقها. ولا يخفى انّ الإنفاق منه واجب ومنه مندوب. والإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة وهي قوله تعالى في آية الكنز: {أية : وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:34]. وثانيها: الإنفاق على النفس والأهل ومَن تجِب عليه نفقته. وثالثها: الإنفاق في الجهاد. وأما الإنفاق المندوب، فهو ما سوى ما ذكَرناه لقوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [المنافقون:10] وأراد به الصدقة، بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون:10]، فجميع هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية، لأن كل ذلك سببٌ لاستحقاق المدح، فالأوْلىٰ أن يراد به الإنفاق من جميع المعارف التي منحهم الله بها من النعَم الظاهرة والباطنة، والماليّة والعلميّة، يؤيّده قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : إنّ علْماً لا يقال به، ككنزٍ لا ينفق منهتفسير : . ولهذا المعنى ذكر بعض المحقّقين في تفسيره: وممّا خصصناهم به من أنوار المعارف يفيضون. واعلم أنّ الرزق كلّه من قِبَل الله لا من قِبَل غيره، لأنه من ضروريّات بقاء الإنسان والحيوان. فهو مقدر بتقدير الله، مضمونٌ بضمانه، والبرهان عليه من طريق العقل: أنّه تعالى يعلمُ ذاتَه، وما توجبه ذاتُه على الترتيب الأقدم فالأقدم. وهكذا الى أدنى المراتب، فهو قد عقل جميع الموجودات من جهة عقله لذاته، لأنّ عقله لذاته علّة لعقل ما يقتضيه ذاتُه وإن كان بالقصد الثاني، وكل ما يعقله لا بدّ وأن يوجده، لأنّ علمَّه علمٌ فِعْلي لأجل كون علمه عين ذاته، فقد ترتب وجود جميع الموجودات عن علمه بذاته، وبما توجبه ذاته من المبدَعات والكائنات، لأن الله تعالى علم وجود الكلّ من ذاته، فكما انّ تعقله لذاته لا يجوز أن يتغيّر، فكذلك تعقّله لكل ما يترتّب عن ذاته. فكل ما يعقل وجوده عن ذاته وعن عقله لذاته، لا يجوز أن يتغيّر، بل يجب وجود كلّ ذلك على الوجه الذي عقله، ووجود أنواع الحيوانات وبقاؤها متعقَّل له تعالى بلا شكّ فيه ولا خلاف من أحد من العقلاء، وخصوصاً وجود النوع الإنساني وبقاؤه، فيجب وجود هذا النوع وبقاؤه، وكذا سائر الأنواع الحيوانيّة المتوالدة. ولمّا كان وجودُ النوع إنّما يبقى مستحفظاً، إذا لم يمكن لواحد من أعداده الديمومة الشخصيّة بتعاقب أشخاصه، وبلوغ كلّ شخص منها الى كماله الذي يمكن به أن يَلِدَ شخصاً آخر مثله، وبلوغه الى ذلك الكمال لا يمكن إلاّ ببقائه مدّة يصل فيها اليه، وبقاؤه تلك المدّة لا يمكن إلاّ بما به قوام حياة البدن من الرطوبات الغريزيّة التي هي أبداً في التحلّل والذوبان والنقصان، بواسطة استيلاء الحرارات الداخليّة والخارجيّة عليها، فيحتاج في تحلّلها وذوبانها ونقصانها كلّ لحظة الى البدل، وهو الرزق الصوري، فقوام الحياة البدنيّة بالرزق. ولمّا تقرّر أنّه تعالى يعقل وجودَ الكلّ من ذاته، وينال أسبابها وعللها من ذاته، ووجود ما يعقله من ذاته واجب، ويعقل بقاء النوع الإنساني ببقاء الأشخاص وتناسلهم، ويعقل تناسلَهم ببقاء كلّ شخص مدّة، ويعقل بقاء كلّ شخص مدّة بما به قوام حياته وهو الرزق، والرزق إنّما يكون من النبات والحيوان كالخبز واللحم والفواكه والحلوىٰ، فوجب أن يكون الرزق مضموناً بتقدير الرؤوف الرحيم، ولذلك قال: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات:22 - 23]. فقد علم أنّ الرزق، سواء كان حلالاً بحسب الشرع، أو حراماً، أو غيرهما، كرزق سائر الدوابّ، واجب من قِبَل الله وجوباً عقليّاً كما قال: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود:6]. حكاية في هذا الباب ذكر في كتاب إخوان الصفا، أنّ بعض الخلفاء العباسيين رأى شيخاً سقّاء في داره فقال له: كم تعدّ من الخلفاء؟ قال: كثير، فقال له شبه المتعجّب: ما بالكم طوال الأعمار ونحن قصارها؟ قال له السقّاء: لأنّ أرزاقَكم تجيء مثل أفواه القِرب، وأرزاقنا تجيء مثل قطر الأجفان، فاستحسن الخليفةُ وأمر له بجائزة أغناه بها عن صنعه. ثمّ سأل عنه بعد حينٍ، فقيل: ماتَ فقال: صدقَ لما جاءه الرزقُ مثل أفواه القِرب قصُر عمرُه، وهكذا الحكم والقياس، وقد جعل الله لكلّ إنسان نصيباً من السعادة وقسطاً من النعيم، وجعلَ له قِسطا في الدنيا وقسطاً في الآخرة، كما قال تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد:8]. وقال: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحِجر:21]. فمقدار ما يأخذ الإنسان نصيباً وحظاً من النعيم والتلذّذ في الدنيا، فبذلك المقدار ينقص حظّه ونصيبه من نعيم الآخرة. وهذا وإن كان إقناعيّاً، فهو ممّا يحكُم به صاحبُ الحدسِ الصحيح بضربٍ من الشواهد والآثار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} تفسير : [الأحقاف:20] و: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى:20]. قال النبي (صلّى الله عليه وآله) حديث : نَفَثَ روحُ القدسِ في روعي إنّ نفْساً لن تَموتَ حتّى تستكملَ رزقها ألا فاتّقوا الله واجْمِلوا في الطلبتفسير : . وقال امير المؤمنين (عليه السلام): اعلموا علماً يقيناً أنّ الله لم يجعل للعبد وإن عظُمتْ حيلتُه وقويَت مكيدتُه واشتدّت طلبته، أكثر مما سمّى له في الذكر الحكيم. تذكرة فيها تبصرة [الرزق وأقسامه] إعلم أنّ الرزق عند أهل الحقّ، هو ما يتقوّى به الشخص وينمو ويزيد في تجوهره، سواء كان من الجواهر الجسمانية، أو الروحانية، فللأرواح أيضاً أغذية كما للأبدان. وغذاء كلّ موجود من جنسه ومما يشابهه، فكما انّ غذاءَ الأبدان من جنسها وهو نيل المطعومات المحسوسة، فغذاء العقول الإنسانيّة إدراك العلوم العقليّة، إذ بها حياة تلك العقول، وبها تكمل وتزيد، وبفَقدها تموت وتهلك، وبحسب نقصانها تذبل وتضعف، والى الرزق المعنوي العلمي وقعت الإشارة في قوله تعالى: {أية : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}تفسير : [طه:13]. ولهذا المعنى أوّلَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللبن بالعلم، قال الفتح الموصلي: أليس الرجل إذا منع عنه الطعام والشراب يموت؟ قالوا: بلى، قال: كذلك القلوب إذا منع عنها الحكمة والعلم ثلاثة أيّام تموت، وغذاء الملائكة التسبيح والتقديس، وغذاء الفلكيّات بما يرد عليها من الواردات والأنوار العلويّة المتجدّدة على الاتّصال بواسطة حركاتها المتّصلة المستمرّة. وكذا غذاء كلّ قوة من القوى الباطنة والظاهرة، بنيل ما يُشببها وإدراك ما يناسبها، فغذاءُ الوهم الموهومات، وغذاء الخيال المتخيّلات، وغذاء قوّة الباصرة إدراك الأنوار الحسّية، وغذاء الجنّ بالنسيم والأرواح العَبِقة وسماع الأصوات، وعلى هذا القياس، فما من قوّة إلاّ ولها رزق صوريٌّ أو معنويٌّ من جنسها، وبه تحصل لذّتُها وبما يضادّه ألمُها. وتحقيق هذا المقام من شمول رازقيّته تعالى لجميع الموجودات العلويّة والسفليّة والروحيّة والجسميّة والأخرويّة والدنيويّة، مما يتوقّف على الأصول التي وقع الاثبات لها في كتبنا الحكميّة: كالشواهد الربوبيّة وغيرها فليرَاجع إليها من أراد الإطلاع على هذا المطلب.

الجنابذي

تفسير : فقوله تعالى {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} يحتمل وجوهاً عديدة من الاعراب فنقول فى بيانها {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} امّا صفة للمتّقين او بدل او عطف بيان او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف فهذه خمسة {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} جملة فعلية معطوفة على الصّلة او جملة اسميّة معطوفة على الصّلة او مستأنفة او حاليّة فهذه اربعة مضروبة فى الخمسة {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} عطف على المتّقين او على الّذين يؤمنون بالغيب وما فى "ما انزل اليك" موصولة اسميّة او موصوفة او مصدريّة وما انزل من قبلك بثلاثة اوجه فى لفظ ما معطوفة على ما انزل اليك او ما انزل من قبلك جملة حاليّة او مستأنفة ولفظ "ما" نافية او استفهاميّة فهذه احد وعشرون مضروبة فى الاربعين و "بالاخرة" عطف على ما انزل اليك وجملة {هم يوقنون} حال او مستأنفة او بالاخرة متعلّق بيوقنون والجملة حال او مستأنفة او معطوفة على الصّلة فهذه خمسة مضروبة فى الثمانمائة والاربعين الحاصلة من ضرب الاحد والعشرين فى الاربعين والحاصل من الضّرب اربعة آلاف ومائان 4200 وعليها فاولئك الاولى بدل او عطف بيان للّذين الاوّل او الثّانى و {على هدىً من ربّهم} حال مفرداً او جملة مستأنفة بتقدير مبتدء {وَأُوْلَـٰئِكَ} الثّانية عطف على {أُوْلَـٰئِكَ} الاولى و{هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} جملة حاليّة او مستأنفة او {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} جملة معطوفة على على {هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} او حاليّة او مستأنفة وهم ضمير الفصل او مبتدء فهذه اربعة وستّون مضروبة فى الاربعة الالاف والمأتين والحاصل من الضرب مأتان وثمانية وستّون الفاً وثمانمائة 268800، او على الاربعة الالاف والمئتين {أُوْلَـٰئِكَ} الاولى مبتدء والجملة حال او مستأنفة وعلى هدىً خبره {وَأُوْلَـٰئِكَ} الثّانية عطف عليها عطف المفرد وهم المفلحون جملة حاليّة او مستأنفة او اولئك هم المفلحون جملة معطوفة على جملة اولئك على هدىً او حال او مستأنفة والضّمير للفصل او مبتدئان فهذه ستّة عشر مضروبة فى الاربعة الالاف والمئتين والحاصل من الضّرب سبعة وستّون الفاً ومائتان 67200 او على الاربعة الالاف والمئتين اولئك الاولى مبتدأ والجملة حال او مستأنفة وعلى هدى من ربّهم حال {وَأُوْلَـٰئِكَ} الثّانية عطف عليه وهم المفلحون خبره والضّمير للفصل او مبتدأ ثانٍ فهذه اربعة مضروبة فى السّابق والحاصل ستّة عشر الفاً وثمانمائةٍ 16800، او نقول الّذين يؤمنون بالغيب على الخمسة وممّا رزقناهم ينفقون على الاربعة والّذين الثّانى مبتدأ والجملة حال او مستأنفة وبما انزل اليك وما انزل من قبلك على الاحد والعشرين {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} على الخمسة فهذه ايضاً اربعة آلاف ومائتان 4200، وعليها فاولئك الاولى خبره وعلى هدىً خبر بعد خبر او حال او مستأنف بتقدير مبتدأ واولئك الثّانية عطف على الاولى عطف المفرد وهم المفلحون حال او مستأنفة او اولئك الثّانية مبتدأ والجملة معطوفة على جملة {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ} او على، {عَلَىٰ هُدًى} او حال او مستأنفة والضّمير على الوجهين فهذه ثلاثون وجهاً مضروبة والحاصل مائة وستّة وعشرون الفاً 126000 او على الاربعة الالاف والمأتين اولئك الاولى بدل او عطف بيان للّذين الثّانى و{عَلَىٰ هُدًى} خبر الّذين الثّانى {وَأُوْلَـٰئِكَ} الثّانى عطف على {أُوْلَـٰئِكَ} الاوّل او على {ٱلَّذِينَ} الثّانى وهم المفلحون على الوجهين او اولئك الثّانى مبتدأ وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبره والجملة معطوفة على جملة الّذين يؤمنون بما انزل او على على هدىً او حال او مستأنفة فهذه اربعة وعشرون والحاصل من الضرب مائة الف وثمن مئة 100800، او على الاربعة الالاف والمئتين اولئك الاولى بدل او عطف بيان و{على هدىً} حال او مستأنف {وَأُوْلَـٰئِكَ} الثّانية عطف عليها عطف المفرد وهم المفلحون خبر {ٱلَّذِينَ} الثّانى والضّمير بالوجهين فهذه ثمانية مضروبة والحاصل ثلاثة وثلاثون الفاً وستّمائة 33600، او على الاربعة الالاف والمئتين {أُوْلَـٰئِكَ} الاولى مبتدءٌ ثانٍ و{عَلَىٰ هُدًى} خبره والجملة خبر الّذين الثّانى واولئك الثّانية عطف على الّذين الثّانى او على اولئك او على على هدى عطف المفرد وهم المفلحون بالوجهين او {اولئك هم المفلحون} بالوجهين فى الضّمير جملة معطوفة على جملة الّذين وخبره او على جملة {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى} او على، على هدىً او حال او مستأنفة او اولئك الاولى مبتدأ ثانٍ وعلى هدىً بالوجهين واولئك الثّانية عطف على اولئك الاولى او على الّذين الثّانى وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبر اولئك الاولى والجملة خبر الّذين الثّانى فهذه اربعة وعشرون مضروبة والحاصل مائة الف وثمانمائة 100800، او نقول الّذين الاوّل مبتدء والجملة حال او مستأنفة {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} على الاربعة والّذين الثّانى عطف على الاوّل و{بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} على الاحد والعشرين {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} على الخمسة فهذه ثمانمائة واربعون 840 وعليها فاولئك الاولى خبره وعلى هدى على الثلاثة واولئك الثّانية عطف على المتّقين او على الّذين او على اولئك الاولى عطف المفرد وهم المفلحون على الوجهين او اولئك الثّانية مبتدأ وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبره والجملة عطف على جملة الّذين وخبره او على {اولئك عَلَىٰ هُدًى} او على {عَلَىٰ هُدًى} او حال او مستأنفة فهذه ثمانية واربعون مضروبة فى الثمانمائة والاربعين والحاصل اربعون الفاً وثلاثمائة وعشرون 40320، او على الثمانمائة والاربعين اولئك الاولى بدل او عطف بيان وعلى هدىً خبر الّذين واولئك الثّانية عطف على الّذين او على اولئك او على، على هدىً وهم المفلحون على الوجهين او اولئك الثّانية مبتدأ وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبره والجملة عطف على جملة الّذين وخبره او على {عَلَىٰ هُدًى} او حال او مستأنفة فهذه ثمانية وعشرون مضروبة والحاصل ثلاثة وعشرون الفاً وخمسمائة وعشرون 23520، او على الثمانمائة والاربعين اولئك الاولى بدل او عطف بيان وعلى هدىً حال او مستأنف او اولئك على هدىً مبتدأ وخبر وحال او مستأنف واولئك الثّانية عطف على الّذين او على اولئك الاولى وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبره فهذه اربعة وعشرون مضروبة والحاصل عشرون الفاً ومائة وستّون 20160، او نقول الّذين الاوّل مبتدأ والجملة حال او مستأنفة {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} على الاربعة والّذين الثّانى مبتدء والجملة حال او معترضة {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} على الاحد والعشرين {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} على الخمسة فهذه الف وستّمائة وثمانون 1680، وعليها فاولئك الاولى خبر المبتدأ الثّانى وعلى هدىً خبر الاوّل واولئك مفردا عطف على المبتدء الاوّل او الثّانى او الخبر الاوّل او الثّانى وهم المفلحون بالوجهين، او اولئك هم المفلحون بالوجهين فى الضّمير جملة معطوفة على الجملة الاولى او الثّانية او الخبر الاوّل او الثّانى او حال او مستأنفة فهذه ثلاثة وثلاثون الفاً وستّمائة 33600 او على الالف والسّتمائة والثّمانين اولئك الاولى بدل او عطف بيان للّذين الثّانى وعلى هدىً خبر الّذين الثّانى واولئك الثّانى عطف على الّذين الاوّل او الثّانى او على اولئك الاولى او على على هدىً وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبر الاوّل فهذه ستّة وعشرون الفاً وثمانمائة وثمانون 26880، او على الالف والسّتمائة والثّمانين اولئك مبتدأ ثانٍ وعلى هدىً خبره والجملة خبر الّذين الثّانى واولئك الثّانية عطف على الّذين الاوّل والثّانى او على جملة اولئك على هدىً او على على هدىً او على اولئك نفسه وهم المفلحون بالوجهين فى الضّمير خبر الّذين الاوّل فهذه ستّة عشر الفاً وثمانمائة 16800، واذا جمعت المجموعات الحاصلات حصل ثمانمائة وخمسة وسبعون الفاً ومائتان وثمانون 875280، ويجرى كلّ فى مجموع الوجوه المحتملة فى {الۤمۤ} الى قوله للمتّقين وهى ثلاثة عشر الف الف ومائة وعشرون الفاً وستّمائة وثمانية 13120608، واذا ضرب ذلك المجموع فى هذا المجموع يحصل احد عشر الف الف الف الف واربعمائة واربعة وثمانون الف الف الف ومئتان وخمسة آلاف الف وسبعمائة وسبعون الفاً ومئتان واربعون وهذه ارقامه، 11484205770240. وهذه هى الوجوه الشّايعة الّتى لا شذوذ لها ولا ندور ولا غلق فيها، وامّا الوجوه الضّعيفة الّتى فيها امّا ضعف بحسب المعنى او غلق بحسب اللّفظ او يورث التباساً فى المعنى وقد رأيت بعض من تعرّض لوجوه الاعراب ذكر اكثرها وترك اكثر هذه الوجوه القويّة الشّائعة فهى ايضاً كثيرة تركناها وكذا تركنا الوجوه الّتى فيها شوب تكرارٍ مثل كون الاحوال مترادفة ومتداخلة وقد ذكرنا هذه الوجوه فى الآية الشّريفة مع التزامنا فى هذا التّفسير الاختصار وعدم التّعرض لتصريف الكلمات ووجوه الاعراب والقراءات تنبيهاً على سعة وجوه القرآن بحسب اللّفظ، الدّالة على سعة وجوهه بحسب المعنى الّتى تدلّ على سعة بطون القرآن وتأويله، وبعد ما عرفت انّ الانسان حين الانسلاخ من هذا البنيان يشاهد او يتحقّق بمراتب العالم الّتى هى بوجهٍ حقائق القرآن وبوجهٍ مراتب الانسان، ويظهر من تلك الحقائق بحكم اتّباع الدّانى للعالى واقتضائه من حظوظ العالى وافاضة العالى على الدّانى واجابته لاقتضاء الدّانى واستدعائه على بشريّته ومداركها اجمالا او تفصيلا صور مناسبة لتلك الحقائق وتلك المدارك وكلمات وحروف كذلك منقوشة على الواح او مسموعة مدركة بآلة السّمع او البصر الخياليّتين او الجسمانيّتين وانّ "الۤمۤ" وكذا سائر فواتح السّور اشارة الى تلك الحقائق ولا يمكن التعبير عمّا يشار بها اليه الاّ بالامثال، وما ورد فى تفسيرها ليس الاّ امثالاً مناسبة لتلك الحقائق موافقة لشاكلة المخاطب سهل عليك معرفة انّ: تحقيق كون جميع الكتب المدوّنة حقّه وباطله صور الكتاب الحقيقىّ الّذى هو حقيقة القرآن قوله تعالى {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} اشارة الى تلك الحقائق وانّ الاتيان باسم الاشارة البعيدة لعظمة تلك الحقائق وبعدها غاية البعد عن ادراك الابصار والبصائر وانّ الحصر المستفاد من تعريف المسند على تقدير كون ذلك الكتاب مبتدأ وخبراً انّما هو باعتبار انّ تلك الحقائق حقيقة الكتاب الّذى كتبه الرّحمن بالاقلام الالٰهيّة على الالواح السّماويّة او الأرضيّة العينيّة وانّ سائر الكتب المدوّنة الالٰهيّة او غير الالٰهيّة صور شؤن ذلك الكتاب ونازلته لكنّ الكتب الحقّة المدوّنة فى العلوم الشّائعة الشّرعيّة وغير الشّرعيّة وفى العلوم الغير الشّائعة من العلوم الغريبة بأنواعها صور شؤن تلك الحقائق الّتى تترائى فى المرآة المستقيمة الصّافية والكتب الغير الحقّة المدوّنة فى العلوم الباطلة الشيطانيّة بأنواعها وفنونها شؤنها المتراءاة فى المرايا المعوّجة الكدرة الّتى لا تترائى الصّور فيها الاّ بخلاف ما هى عليه وتفسير ذلك الكتاب بالقرآن كما ورد عن الامام (ع) انّه قال يعنى القرآن الّذى افتتح بـ "الۤمۤ" هو ذلك الكتاب الّذى أخبرت به موسى (ع) ومن بعده من الانبياء (ع) وهم أخبروا بنى اسرائيل انّى سأنزله عليك يا محمّد (ص) باعتبار انّ القرآن هو الكتاب الجامع لصور جميع شؤن تلك الحقائق، وهذا الخبر يدلّ على جعل ذلك الكتاب خبراً لـ "الۤمۤ" وقد سبق، او خبراً لمحذوف ولم نذكره فى الوجوه السّابقة؛ وتفسيره بمحمّد (ص) او علىّ (ع) باعتبار انّهما متحقّقان بتلك الحقائق، وتفسيره بالرّسالة او النبوّة او الولاية باعتبار ظهور تلك الحقائق بجميع شؤنها او ببعضها فيها وكذلك تفسيره بالصّدر والقلب والرّوح من حيث انتقاشها بصور تلك الحقائق، وما ورد من تفسيره بكتاب علىّ (ع) يمكن ان يراد به مكتوب كتبه علىٌّ (ع) بعلويّته فانّ جملة ما سوى الله مكتوب علويّة علىّ (ع)، وان يراد به كتاب نزل من الله على محمّد (ص) فى علىّ (ع) وخلافته، وان يراد كتاب هو علىّ (ع) على ان يكون الاضافة بيانيّة. وروى عن الصّادق (ع) انّ الكتاب علىٌّ (ع) لا شكّ فيه. تحقيق الكتاب ومصاديقه ولفظ الكتاب مصدر يطلق على ما من شأنه ان ينطبع بنفسه كالصّور المنطبعة فى الموادّ او بصورته كالالفاظ المنطبعة بصورها الكتبيّة فى شئ آخر وعلى الصّورة المنطبعة وعلى ما يرتسم فيه الصّور باعتبار ارتسام الصّور فيه فالالفاظ الموضوعة لارتسام صورها فى الصّحائف والصّور المكتوبة والصّحائف المرتسمة فيها الصّور تسمّى كتاباً، والصّور الطبيعيّة والموادّ المنطبعة فيها الصّور تسمّى ايضاً كتاباً، والنّفوس الحيوانيّة والنّفوس الانسانيّة والفلكيّة ومحالّها كتاب، والنّفوس المتعلّقة بالاجساد المثاليّة والاجساد المثاليّة كتاب، والصّور العلميّة الحاصلة فى النّفوس السّفليّة او العلويّة ونفس تلك النّفوس من حيث حصول العلوم فيها كتاب، والرّذائل والخصائل الحاصلة فى النّفوس؛ ونفس تلك النّفوس من حيث حصول الاخلاق فيها كتاب، والعلوم الفائضة على العقول والعقول كتاب، والاسماء الالٰهيّة ولوازمها الظّاهرة فى مقام الواحديّة والفيض المنبسط الّذى هو محلّ ظهور الاسماء والصّفات كتاب، والتعيّنات الامكانيّة والوجودات المتعيّنة بتلك التعيّنات كتاب، كما قيل بالفارسيّة: شعر : بنزد آنكه جانش درتجلّى است همه عالم كتاب حق تعالى است تفسير : وقد كثر اطلاق الكتاب فى الآيات والاخبار على مراتب وجود العالم، وعلى بنى آدم، وعلى الصّدر المستنير بنور الرّسالة، وعلى أحكام الرّسالة، وعلى القلب المستنير بنور النّبوّة، وعلى احكام النّبوّة، وعلى الرّوح المستنير بنور الولاية، وعلى آثار الولاية. تحقيق معنى الكلام والكلام مصدر لم يستعمل فعله لانّ الكلام مجرّداً لم يستعمل فى معنى التكلّم بل استعمل من باب قتل وضرب بمعنى جرح والمستعمل بمعنى التكلّم كلّم من باب التّفعيل وتكلّم من باب التفعّل وكالم من المفاعلة وتكالم من التفاعل، وقيل هو اسم مصدر بمعنى التّكلّم لكنّه فى العرف العامّ صار اسماً للحاصل بالتّكلّم وفى عرف النحاة صار اسماً للمركّب المفيد من الكلمات. الفرق بين الكتاب والكلام والفرق بين الكتاب والكلام بالنّسبة الى ما صدر من المبادئ العالية اعتبارىّ محض فانّ الفيض المقدّس المسمّى بفعل الحقّ تعالى واضافته الاشراقيّة ونفس الرّحمن ومشيئة باعتبار ظهور الصّفات والاسماء ولوازم الاسماء به اذا لوحظ نسبته الى الحقّ الاوّل تعالى وقيامه به قيام الفعل بالفاعل كان كلاماً ومتكلّميّةً له تعالى، واذا لوحظ شيئيّته فى نفسه ومغايرته له تعالى وبينونته منه كان كتاباً له تعالى، وهكذا الحال فى العقول والنّفوس وعالم المثال وعالم الطّبع فانّها بالنّسبة اليه تعالى كلام وكتاب بتوسط المشيئة الّتى هى من الله كنفس الانسان من الانسان، ومن مراتب الممكنات كنفس الانسان من مخارج الحروف ولذا سميّت بنفس الرّحمن، وكلّ مرتبةٍ من مراتب الوجود بالنّسبة الى عاليها كلام وكتاب بالاعتبارين، والانسان بمراتبه العالية نظير المراتب العالية للعالم، وامّا بمقامه البشرىّ فنفسه المتكيّف بكيفيّة الحروف بتوسّط تقطيعه بمخارج الحروف بسبب عدم ظهور استقلاله ونفسيّته كلاميّته ظاهرة وكتابيّته خفيّة، ومكتوبه لظهور بينونته واستقلاله كتابيّته ظاهرة وكلاميّته خفيّة، ونظير هذين عالم الارواح وعالم الطّبع بالنّسبة الى الله تعالى لاختفاء البينونة هناك وظهورها هاهنا. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} لا لنفى الجنس او لنفى الفرد الشّائع على اختلاف القراءتين والرَّيب والرّيبة القلق والاضطراب فى النّفس عن الانقياد لامر معلومٍ او مظنونٍ او مشكوكٍ وتبادر معنى الشكّ واستعماله فيه لكونه فى الاغلب مع الشّكّ، ولانّه اذا كان مع العلم والظّنّ يستعقب الشّكّ كما ورد:حديث : لا ترتابوا فتشكّوا، ولا تشكّوا فتكفرواتفسير : ، والمراد منه هاهنا معناه الحقيقىّ، او الشّكّ والضمير المجرور راجعٌ الى الكتاب او الى "الۤمۤ". اعلم انّ الكتاب هنا كما مرّت الاشارة اليه عبارة عن الحقائق المشهودة له (ص) حين الانسلاخ عن البشريّة والاتّصال بالعوالم العالية المشار اليها بـ "الۤمۤ" او المأخوذ منها "الۤمۤ" وتفسيره بالقرآن المفتتح بـ "الۤمۤ" وبعلىّ (ع) او بما نزل فى علىّ (ع) يعنى بالولاية وآثارها او بالنّبوّة او الرّسالة وأحكامهما لكون المذكورات نازلة تلك الحقائق وظهورها. تحقيق انّ الانسان ما لم يخرج من اسر نفسه لا يدرك من القرآن الاّ اللّفظ والعبارة والانسان ما لم يخرج من اسر نفسه وهواها ولم يبلغ حدّ التّسليم والاستماع الّذى هو اولى درجات العلم بوجهٍ، وثانيتها بوجهٍ، اوحدّ التّحقيق والغنى عن التّقليد مشار اليهما بقوله تعالى {أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق: 37] لا يمكن له ادراك تلك الحقائق ولا ادراك نازلتها وظهورها فلا يمكن له ادراك القرآن ولا النّبوّات والرّسالات والولايات من حيث انّها ظهور تلك الحقائق ونازلتها، بل لا يدرك من القرآن الاّ الصوت والعبارة او النّقش والكتابة ولا يتصوّر من معانيه الاّ ما هو الموافق لشأنه المناسب لمقامه لا ما هو العناوين الالٰهيّة للحقائق العالية كما قال تعالى {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} تفسير : [الواقعة: 79] ولا يدرك من خلفاء الله الاّ مقامهم البشرىّ ولا من دعاويهم الاّ ما هو الموافق لادراكاته الشيطانيّة وشؤنها البهيميّة والسبعيّة لا مقاماتهم العالية وأخلاقهم الملكوتيّة وأوصافهم الالٰهيّة ولهذا نسبوا الانبياء الى ما نسبوهم فاللّفظ المسموع من القرآن والنّقش المبصر منه ان كان لفظ القرآن ونقشه بان لا يكون المتكلّم بالقرآن متكلّماً بلسانه ولم يكن الكاتب كاتباً بيده فالشّيطان يخلّيهما من معانيهما ويجعل فيهما معانى اُخر موافقة له حين السّماع والابصار؛ وهذا احد وجوه تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء هم الّذين يقال فيهم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ} ويسمعونه ويبصرونه {بِأَيْدِيهِمْ} وأسماعهم وأبصارهم {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} وسمعت اذانهم وابصرت عيونهم {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}. والشّكّ والارتياب من جنود الجهل والنّفس، والعلم والانقياد من جنود العقل والقلب، اذا تمهّد هذا فنقول: من لم يخرج من أسر نفيه لا يدرك الكتاب فى مرتبةٍ من مراتبه، ومن خرج من أسر نفسه لا يقع منه شكٌّ وارتياب فيما أدرك من الكتاب، فالشّاكّون فى الكتاب شكّهم راجعٌ الى مدركاتهم لا الى الكتاب، فما وقع فيه الشّكّ غير الكتاب، وما هو الكتاب لا يقع فيه شكٌّ وريبة، فصحّ نفى جنس الرّيب او جميع افراده من الكتاب من غير حاجةٍ الى ارتكاب تضمينٍ او تقديرٍ او تقييدٍ بمعنى لا ينبغي الرّيب بتضمين الابتغاء او تقديره، او لا ريب للعاقل بالتّقدير، او للمتّقين بتقييده بالظّرف. تحقيق معنى الهداية {ٰ هُدًى} الهدى كالتّقى مصدرٌ بمعنى اراءة الطّريق مصاحبة للايصال اليه او الى المقصود، او غير مصاحبةٍ سواء عدّى الى المفعول الثّانى بنفسه او بالّلام او بلفظ الى، وسواء كانت الهداية من الله او من الخلق، وسواء تعلّقت بنفس الطّريق او بالمقصود، وامّا الهداية من الله اذا تعلّقت بشئٍ اىّ شيئ كان مطلقة عن المهدىّ اليه فالمراد هدايته الى طريق كماله المطلوب منه، والكمال المطلوب من الانسان هو حصول الولاية المطلقة ثمّ النّبوّة المطلقة ثمّ الرّسالة المطلقة، وطريقه الى هذا الكمال هو طريقه من نفسه الانسانيّة الّتى يعبّر عنها بالصّدر منشرحاً بالكفر او بالاسلام، او غير منشرحٍ بشئ منهما الى قلبه ومنه الى روحه وهكذا الى الولاية المطلقة، ولمّا كان هذا الطّريق مختفياً عن الابصار مسدوداً بالتّعيّنات النّفسيّة وكان المرور عليه اختياريّاً والانسان فى بيداء النّفس ضالاًّ فى بدو حاله ظانّاً انّ الكمال المطلوب منه هو الوصول الى المشتهيات النّفسيّة واستكال القوى الحيوانيّة والشّيطانيّة مبغضاً لما سوى مظنونه اقتضت الحكمة البالغة الالٰهيّة والرّحمة التّامّة الرّبوبيّة ان يبعث الى النّوع من ينبّههم عن ضلالهم، وانّ ما وراء مظنونهم هو الكمال المطلوب منهم، وانّ ما ظنّوه كمالاً سمومٌ مهلكةٌ وشبّاك الشّيطان، وانّ فى الوادى سباعاً مترصّدةً ضلالهم مغتنمةً ضياعهم، ويحذّرهم عن الوقوف فيه وعن ترصّد السّباع لهم وعن حبائل الشّيطان حتّى يتنبّهوا ويأخذوا حذرهم ويتأهّبوا للخروج منه ويطلبوا الطّريق ومن يدلّهم عليه؛ حتّى يبعث بعد ذلك عليهم من يرفع موانعهم بالرّفق ويريهم طريق كمالاتهم ويذهب بهم الى غاياتهم، وتلك الاراءة وهذا الاذهاب تسمّى هداية، والرّسول وخليفته لمّا كان كلّ منهما ذا شأنين شأن الرّسالة وبه يقع التّنبيه والانذار المذكوران، وشأن الولاية وبه يقع الاذهاب والاراءة المزبوران كان كلّ منهما بوجهٍ منذراً وبوجهٍ هادياً، وحصر شأن الرّسول فى الانذار فى قوله تعالى: {أية : انّما انت منذر}تفسير : ؛ مع انّه امام الكلّ فى الكلّ للاشارة الى شأن الرّسالة وانّ المخاطب هو الرّسول بما هو رسول لا بما هو ولىّ او نبىٌّ، والاّ فهو بولايته صاحب الهداية المطلقة وكلّ الهادين مقتبسون منه، وبنبوّته صاحب الشأنين فالرّسول بما هو رسول منذرٌ والولىّ بما هو ولىّ هادٍ، والنّبىّ صاحب الشأنين والهداية من الله لا تتعلّق الاّ بمن أنذر واتّقى فاذا أخذ هدى هاهنا مطلقاً بحسب اللّفظ او مقيّداً بقوله للمتّقين كان المقصود واحداً. تحقيق معنى التقوى ومراتبها والتّقوى والتّقى والتّقاة مصادر من الوقاية واذا نسبت الى الله او الى سخطه او الى المحرّمات او اطلقت فالمراد منها التحفّظ عمّا ينافى او يضرّ حصول الكمالات او الكمالات الحاصلة الانسانيّة؛ ولها مراتب عديدة بعضها قبل الاسلام، وبعضها بعد الاسلام وقبل الايمان، وبعضها بعد الايمان بمراتبها الى الفناء التامّ الذّاتىّ، فأولُ مراتبها الانزجار عن مساوى النّفس ودواعيها المنافية للعاقلة وهى مقام الاستغفار، وثانيها الانصراف عنها وطلب الخلاص منها بالفرار وهى مقام التّوبة، وثالثُها الرّجوع فى الفرار الى خلفاء الله ووسائله بينه وبين خلقه وهى مقام الانابة؛ وهذه الثّلاثة مقدّمة على الاسلام واليها اشار تعالى بقوله حكاية عن قول بعض أنبيائه مع أممهم: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} تفسير : [هود: 52]؛ وتقييد التّوبة بقوله "اليه" اشارة الى المرتبة الثالثة، واذا اسلم الانسان على يد نبىٍّ (ص) او خليفته (ع) وقبل منه احكامه القلبيَّة من أوامره ونواهيه حصل له مرتبة رابعة من التّقوى الّتى هى التحفّظ عن مخالفة قوله بامتثال اوامره ونواهيه، والخامسة الانزجار عن الوقوف على ظاهر الاوامر وطلب بواطنها وروحها وطلب من يدلّه على بواطنها، وهاتان بعد الاسلام وقبل الايمان؛ وهذه التّقوى هى تقوى العوامّ وتنقسم بوجهٍ الى تقوى العوامّ من الحرام، وتقوى الخواصّ من الشبهات، وتقوى الاخصّ من المباح، واذا وجد الطالب من يدلّه على روح الاعمال وتاب على يده توبة خاصّة وآمن بالبيعة الخاصّة الولايّة واستبصر بباطنه وبرذائله وخصائله حصل له مرتبة أخرى من التّقوى وهى التّحفّظ من الرّذائل باستكمال الخصائل، واذا تطهّر قلبه من الرّذائل وتحلّى بالخصائل تمثّل امامه ودخل بيت قلبه وحينئذٍ يشاهد فى وجوده فاعلاً الٰهيًّا وفاعلاً شيطانيّاً فيظنّ انّ فى الوجود الاهين فيقع فى ورطة الاشراك والثّنويّة ويرى وجوداً لنفسه ووجوداً لشيخه داخلاً فى مملكته فيظنّ انّه حالّ فى وجوده فيقع فى ورطة الحلول، او يرى وجوداً واحداً هو ذاته وامامه فيقع فى ورطة الاتّحاد، وان ساعده التّوفيق واتّقى نسبة الافعال الى الشّيطان ورأى الفعل مطلقاً من الرّحمن فى المظهر الالهىّ او الشّيطانىّ وحصّل ووجد معنى لا حول ولا قوّة الاّ بالله والتذّ به حصل له مرتبة أخرى من التّقوى هى التحفّظ من نسبة الافعال الى غير الله والخروج من الاشراك الفعلىّ الى التّوحيد الفعلىّ، واذا تفطّن بانّ الاوصاف الوجوديّة كالافعال نسبتها الى الله بالصّدور والوجوب والى غيره تعالى بالظّهور والقبول؛ وانّ الكلّ مظاهر اوصاف الله وحصّل ووجد معنى الحمد لله والتّذ به حصل له مرتبة أخرى من التّقوى هى التحفّظ عن رؤية نسبة الاوصاف الى غيره تعالى. بيان سرّ ظهور بعض الشطحات من السّلاك وفي هذه المرتبة قد يتجلّى الله على المؤمن بصفة الواحديّة فلا يرى لشيئٍ ذاتاً ولا صفة مع بقاء انانيّةٍ ما لنفسه فيقع فى ورطة الوحدة الممنوعة، ويظنّ انّ الوجود واحد والموجود واحد وبعد الافاقة يعتقد ذلك ويتفوّه به ويقع فى الاباحة والالحاد لو لم يكن له شيخ او لم يرجع الى شيخه ولا يعدّ الرّسل وشرائعهم حينئذٍ فى شيئٍ بل يستهزء بهم وبها، وقد يتجلّى بصفة الصّمديّة عليه فيظهر الانانيّة منه والاستغناء من كلّ شيئ حتّى من الله وهكذا، ففى هذه المرتبة من التّقوى والمرتبة السّابقة ورطات مهلكة وعقبات موبقة ان لم يكن المؤمن فى تربية شيخ او لم يرجع اليه واستغنى منه أعاذنا الله وجميع المؤمنين منها وفى هاتين المرتبتين يظهر جميع ما يظهر من السّلاك من الشطحات الممنوعة؛ واكثر الغالين نشأ غلوّهم من هاتين المرتبتين، واكثر المتشيّخة المغرورين من هاتين استدرجوا وهلكوا من حيث ظنّوا انّهم وصلوا واستغنوا عن الشيخ المكمّل والحال انّهم فى هذه الاحوال أشدّ احتياجاً منهم الى الشيخ فى غير هذه الاحوال، وبالجملة مهالك مراتب التّوحيد الفعلىّ والوصفىّ الى الخروج الى التّوحيد الذّاتىّ اكثر من ان يحيط بها البيان او يحصيها تحرير الاقلام، واذا تفطّن بأنّ المتحقّق بالذّات هو الحقّ الاوّل تعالى شأنه وانّ سائر مراتب الوجود اعتبارات محضّة وتعيّنات اعتباريّة ناشئة من مراتب سعة تلك الحقيقة وانقلب بصره فلا يرى فى دار الوجود الاّ الوجود الحقّ المنزّه عن كلّ تعيّن واعتبار وحصّل ووجد معنى لا الٰه الاّ الله بل معنى لا هو الاّ هو، والتّذ به حصّل له مرتبة أخرى من التّقوى وهى آخر مراتب التّقوى فانّه لا يبقى للسّالك بعد هذه عينٌ ولا اثر حتّى يتصوّر له فعل ووصف وتقوى، فان ادركته العناية الالهيّة بموهبة البقاء بعد الفناء والصّحو بعد المحو وشهود الحقّ فى الخلق والتّشبّه بالرّحمن باعطاء الله له فضيلة الاحسان لتكميل العباد وتكثير جنوده عوضاً لما اقرض الله من الجنود والاعوان فى جهاد الاعداء فى سبيله تمّ له السّلوك وصار نبيّاً او خليفته، ولمّا لم يكن مراتب التّقوى الّتى قبل الاسلام من مراتب حقيقة التّقوى لانّ الانسان ما لم يدخل فى دين الاسلام ولم يتعلّم ما يضرّه فى تحصيل كما له من عالم وقته لا يدرى اىّ شيئ يضرّه حتّى يتّقى منه، ولمّا كان المراتب الباقية منقسمة الى ثلاثة اقسام؛ التّقوى الّتى بعد الاسلام وقبل الايمان، والّتى بعد الايمان وقبل التّقوى عن نسبة الصّفات الى غير الله تعالى، والتّقوى عن رؤية صفة وذات غيره تعالى اسقط التّقوى الّتى قبل الاسلام وذكر الاقسام الثلاثة الباقية فى قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تحقيق قوله تعالى {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [المائدة: 93] اى اسلموا فانّ المراد بالايمان هنا الايمان العامّ الّذى هو الاسلام كما سيجيئ تحقيقه وتفصيله، ولم يقل {ليس على الّذين اتّقوا وآمنوا} للاشارة الى انّ الّتى قبل هذا الايمان ليست من التّقوى {وعملوا الصالحات} والمراد بعمل الصالحات العمل بالاحكام الشّرعيّة القالبيّة جناحٌ فيما طعموا {اذا ما اتّقوا} اى اتّقوا بالتّقوى الّتى بعد الاسلام وقبل الايمان وآمنوا بالايمان الخاصّ الّذى يحصل بالبيعة الخاصّة الولاية ويدخل به بذر الايمان فى القلب وبه يتمسّك بالعروة الوثقى الّتى هى حبل من النّاس مضافاً الى التمسّك بالعروة التّكوينيّة الّتى هى حبل من الله {وعملوا الصالحات} الّتى هى اعمالهم القلبيّة مضافة الى اعمالهم القالبيّة {ثم اتّقوا} بمراتب التّقوى الّتى بعد الايمان وقبل التّقوى عن نسبة الصّفات الى غير الله {وآمنوا} شهوداً اى أيقنوا عين اليقين بانّ الافعال كلّها منه جارية على مظاهره اللّطفية والقهريّة ولم يقل وعملوا الصّالحات لما ذكر من انّ هذه التقوى تطهير عن الرّذائل وتحفّظ عن نسبة الافعال الى غير الله فلا يرون فعلاً لانفسهم حتّى ينسب الاعمال اليهم لكن بقى بعدُ نسبة الصّفات الى الذّوات الامكانية ونفس الذّوات الامكانيّة فى انظارهم {ثم اتّقوا} عن نسبة الصّفات الى غيره تعالى وعن رؤية الذّوات الامكانيّة فى جنب ذاته حتّى عن رؤية ذواتهم وعن رؤية اتّقائهم ويعبّر عن الاتّقاء عن رؤية التّقوى بفناء الفناء فلا يبقى حينئذٍ عنهم فعل ولا صفة ولا ذات فلا يبقى ايمان ولا عمل لهم ولذا لم يأت بهما بعد هذه التّقوى وقال {احسنوا} اشارة الى البقاء بعد الفناء فانّ الباقى بعد الفناء فعله على الاطلاق احسان لا غير، وفى الخبر: المتّقون شيعتنا؛ والمراد بالتّقوى فى الخبر التّقوى عمّا يخرج من الطّريق الانسانىّ او ينافى السّلوك عليه، وغير المؤمن بالايمان الخاصّ لمّا لم يكن على الطّريق لا يتصوّر له تقوى بهذا المعنى ولمّا لم يكن لغير الشيعة بهذا المعنى تقوىً صح حصر المتّقى فى الشيعة. ونعم ما قيل: شعر : هرجه كَيرد علّتى علّت شود كفر كَيرد سلّتى ملّت شود تفسير : تحقيق الايمان ومراتبه {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} الايمان لغة التّصديق والاذعان واعطاء الامان وانفاذ الامان وجعله آمناً من الخوف والايتمان، وشرعاً يطلق على البيعة الاسلاميّة وقبول الدّعوة الظاهرة وعلى ما بعد التّوبة من اجزاء البيعة وعلى الحالة الحاصلة بالبيعة العامّة من كون البائع مقرّاً بالاصول الاسلاميّة قابلاً للفروع وعلى الحالة الشبيهة بالحالة الحاصلة بالبيعة الاسلاميّة من كون الانسان مقرّاً وقابلاً كالبايع حين عدم الوصول الى البيعة، ويطلق على ارادة البيعة والاشراف عليها وهذه بعينها معانى الاسلام الّذى هو مقابل الايمان الحقيقىّ ومقدّمته، ويطلق على البيعة الخاصّة الايمانيّة وقبول الدّعوة الباطنة، وعلى ما بعد التوبة من اجزاء البيعة وعلى الحالة الحاصلة بالبيعة الخاصّة الولويّة من كون البائع مقرّاً بالتّوحيد والرّسالة والولاية وقابلاً للاحكام القلبيّة مضافة الى الاحكام القالبيّة، وعلى الحالة الشبيهة بالحالة المزبورة من الاقرار والقبول المذكورين من دون بيعة حين عدم الوصول الى البيعة، ويشبه ان يكون اطلاقه على معانى الاسلام مجازاً لسلبه عنها فى قوله تعالى {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} تفسير : [الحجرات: 14]؛ من حيث انّهم بايعوا البيعة العامّة الاسلاميّة قل لهم يا محمّد لم تؤمنوا حتّى تنبّههم على انّ الايمان امر آخر يقتضى بيعة أخرى فلم يقفوا على ظاهر الاسلام وحتّى يطلبوا ويجدوا من يدلّهم على الايمان ولكن قولوا اسلمنا لانّ البيعة العامّة والاقرار بالاصول الاسلاميّة وقبول الاحكام القالبيّة ان كانت موافقة لما فى القلب كانت اسلاماً وان لم تكن موافقة للقلب لم تكن اسلاماً ايضاً ولذا قال {قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} ولم يقل ولكن اسلمتم، {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ} اى البذر الّذى يدخل بسبب البيعة الايمانيّة فى القلوب {فِي قُلُوبِكُمْ} وما لم يدخل فى قلب الانسان بذر الايمان الّذى بسببه يصدق اسم الايمان وان لم يكن الموصوف باسم الايمان متّصفاً بحقيقته الّتى هى شأن من حقيقة الانسان لم يصدق عليه أنّه مؤمن، {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بالوفاء بالعهد الّذى أخذه رسوله (ص) فى البيعة الاسلاميّة وامتثال اوامره ونواهيه بظاهرهما لا يلتكم من اعمالكم شيئاً وهذا يدلّ على كفاية البيعة العامّة فى النّجاة ان كان البايع صادقا فى بيعته، وعلى انّ من مات فى زمان الرّسول على البيعة العامّة كان مغفوراً لا محالة، وفى قوله تعالى {أية : يمنّون عليك ان اسلموا قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ}تفسير : [الحجرات:17] تصريح بانّ المسمّى بالاسلام غير الايمان وانّ الاسلام مقدّمة للايمان وبه يرى طريق الايمان وفى الاخبار تصريحات بمغايرة الاسلام للايمان وانّ الاسلام قبل الايمان وانّ الثواب على الايمان، والاسلام لا يفيد الاّ حفظ الدّماء وجواز المناكحة وصحّة التّوارث، والايمان بمعناه الشّرعىّ يناسب كّلاً من معانيه اللّغويّة والمراد به هاهنا ان كان الظّرف صلة له معنى التّصديق او الاذعان وفيما روى عن مولانا الصّادق (ع) انّ المراد بالغيب هنا ثلاثة اشياء يوم قيام القائم (ع) ويوم الكرّة ويوم القيامة من آمن بها فقد آمن بالغيب وهذا بعينه هو معنى قوله تعالى {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم: 5] دلالة على كونه صلة ليؤمنون، وان كان مستقرّاً حالاً من الفاعل والمعنى الّذين يؤمنون حال كونهم فى الغياب من الله او الآخرة او متلبّساً بالغيب يمكن ان يراد معناه الشّرعىّ او كلّ واحد من معانيه اللّغويّة سوى اعطاء الامان وانفاذ الامان. تحقيق الصّلاة ومراتبها {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ} اعلم انّ الانسان كما مرّ ذو مراتب كثيرة وادنى مراتبه مرتبة القالب الجسمانىّ وبعدها مرتبة نفسه الّتى يعبّر عنها بالصّدر وبالقلب ايضاً وبعدها مرتبة قلبه الّتى هى بين النّفس والرّوح، وبعدها مراتب الاخر، وفى كلّ مرتبةٍ له صلاة وصلاته القالبيّة فى الشّريعة المحمديّة (ص) الافعال والاذكار والهيئات المخصوصة المعلومة لكلّ من دخل فى هذا الدّين بالضّرورة وصلاة قلبه الّذى هو صدره الذّكر المخصوص المأخوذ من صاحب الاجازة، والفكر المخصوص المأخوذ من قوّة الذّكر او من تعمّل المفكّرة، والمراد بالفكر ما هو مصطلح الصوفيّة زمن التّوجّه الى الامام كما ورد وقت تكبيرة الاحرام تذكّر رسول الله (ص) واجعل واحداً من الائمّة نصب عينيك وصلاة القلب الّذى هو بين النّفس والرّوح مشاهدة معانى اذكار الصّلاة ومشاهدة الاحوال والشؤن المشار اليها بأطوار الصّلاة وصلاة الرّوح معاينة هذه وهكذا، ومعنى اقامة الصّلاة جعل صلاة القالب متّصلة بصلاة الصدر وصلاة الصّدر متّصلة بصلاة القلب، وهكذا سواء كان الاقامة بمعنى الاقامة عن اعوجاج او عن قعود، او بمعنى اقامة حدود الصّلاة فانّ اعظم حدودهما حدودها الطّوليّة فانّها بالنّسبة الى الحدود العرضيّة كالرّوح بالنسبة الى القالب فصلاة القالب كقالب الانسان والصّلاة الذّكريّة القلبيّة الجسمانيّة كالرّوح البخار من الانسان الّذى هو مركب القوى والمدارك الحيوانيّة، والصّلوة الفكريّة الصدريّة كالبدن المثالىّ من الانسان، والصّلاة القلبية الرّوحانيّة كروح الانسان، فكما انّ الانسان بدون المراتب الباطنة ميتة عفنة تؤذى قرينها كذلك الصّلاة القالبيّة بدون مراتبها الباطنة جيفة عفنة مؤذية؛ وقد ورد حديث : ربّ مصلٍّ والصّلاة تلعنه . تفسير : تحقيق استمرار الصّلاة والزّكاة للانسان تكويناً واعلم ايضاً انّ الانسان خلق ذا قوّة وفعليّة من اوّل خلقة مادّته الى مرتبته الاخيرة الّتى هى بالفعل من كلّ جهة وليس فيها قوّة فالنّطفة لها فعليّة النّطفة وقوّة العلقة قريبة وقوّة المضغة والجنين والطّفل الانسانى وهكذا بعيدة، وما لم ينقص من فعليّة النّطفة شيئٌ لم يحصل من فعليّة العلقة شيئ ويحصل بالاتّصال والاستمرار فعليّة العلقة بقدر نقصان فعليّة النّطفة الى ان صار العلقة بالفعل من جهة كونها علقة ثمّ يصير فعليّة العلقة فى النقصان وفعليّة المضغة فى الحصول والازدياد وهكذا جميع المراتب فانّ فعليّة كلّ مرتبة موقوفة على نقصان سابقتها او فنائها، وهذا النقصان والفناء زكاة الانسان تكويناً، وذلك الحصول والازدياد صلاته تكويناً لانّ الزّكاة اعطاء فضول المال وتطهير باقيه، وهذا ايضاً كذلك والصّلاة جلب الرّحمة وطلبها والازدياد المذكور جلب للرّحمة الّتى هى كمالات الانسان واستجماعٌ لها، ولمّا كان التّكليف موافقاً للتّكوين وحسن الاعمال الاختياريّة بكونها مطابقة للافعال التّكوينيّة لم يبعث نبىّ قط الاّ بتشريع الصّلاة والزّكاة وجعلهما اصلاً وعماداً لتمام الاعمال الشّرعيّة الفرعيّة لكن وضعهما وصورتهما فى الشّرائع مختلفة غير متوافقة، وتقديم الصّلاة فى هذه الآية وفى سائر الآيات على الزّكاة امّا لتقدّمها طبعاً لانّ اسقاط ما فى اليد موقوف على وجدان غيره او طلب الافضل منه والصّلوة كما علمت وجدان او طلب للكمال المفقود بعد الاتّصاف بكمال موجود، فما لم يطلب الانسان كمالاً آخر لا يترك كمالاً حاصلاً وقيل بالفارسيّة: شعر : تا نبيند كود كى كه سيب هست او بياز كَنده را ندهد زدست تفسير : او لانّ الصّلاة اشرف والاهتمام بها اتمّ لانّها طلب ووجدان، والزّكاة ترك وفقدان. {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} انفق من باب الافعال من نفق ماله اى نفد لكن خصّص بانفاق المال فيما ينتفع به وتقديم الظّرف للاهتمام ومراعاة رؤس الاى وللحصر كأنّه اراد ان يشير الى انّ الاموال قد تحصل بامرنا ومن الوجه الّذى قرّرناه لتحصيلها، وقد تحصل بأمر الشّيطان ومن الوجه الّذى نهينا عنه، وقد تحصل بشركة الشّيطان، وكذا العلوم والقوى والشّؤن والنّيّات والخيالات المتولّدة فى عالم الانسان وانّ المؤمن لا يوجد فى ملكه الاّ ما رزقناه لانّه لو أراد الشّيطان ان يداخله فى تحصيل ما له تذكّر فاذا هو يبصر ويتّقى فلا ينفق الاّ ما رزقناه، ولهذا الوجه عدل عن قوله يؤتون الزّكاة وكأنّك تفطّنت ممّا اسلفنا بتعميم ما رزقهم الله وتعميم الانفاق فانّ الانفاق الاختيارىّ للانسان من اوّل بلوغه بل من اوّل زمان تمرينه الى آخر مقام الاطلاق والخروج من التعيّنات، وروى عن الصّادق (ع) انّ معناه وممّا علّمناهم يبثّون، وهذا بيان لاحد وجوه المرزوق والانفاق بحسب اقتضاء المقام، وادخال من التبعيضيّة للاشعار الى التوسّط فى الانفاق وانّه لا ينبغى انفاق الجميع كما لا ينبغى التّقتير وعدم الانفاق. {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} ان كانت الباء للسّببيّة صحّ ارادة كلّ من المعانى الشّرعية واللّغويّة من الايمان وان كانت صلة للايمان فمعناه التّصديق او الاذعان والمراد بما انزل اليه جملة ما نزل اليه من القرآن والاحكام، او خصوص ما نزل فى ولاية علىّ (ع) من القرآن، او خصوص ما نزل من حقيقة الولاية على قلبه؛ هذا اذا كان ما موصولة او موصوفة، واذا كانت مصدريّة فالمعنى الايمان بنفس الوحى وانزال الكتاب من دون اعتبار المنزل. {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الشّرايع والكتب او من التنصيص على ولاية الاوصياء او من الولايات النّازلة على الانبياء من علويّة علىّ (ع) هذا ان كان ما انزل من قبلك معطوفاً على ما انزل اليك، وان كان جملة حاليّة ولفظة ما نافية او استفهاميّة فالمعنى وما أنزل، ما أنزل اليك من الشّرايع والقرآن او الولاية من قبلك، او اىّ شيئ أنزل من قبلك على معنى الانكار اى ليس ما أنزل اليهم بشيئ فى جنب ما أنزل اليك. {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} الايقان اتقان العلم بحيث لا يعتريه شكّ وارتياب ولا يشوبه تقليد واعتياد والحصر المستفاد من تقديم الضّمير سواء كان مسنداً اليه او للفصل اشعار بانّ الايقان الّذى هو من صفات العقلاء مختصّ بهؤلاء الموصوفين بما ذكر دون غيرهم فانّهم أصحاب النّفوس الّتى ليس من شأنها الاّ الظّنّ والشّكّ والرّيبة، وعلومهم ان كانت برهانيّة فهى ظنونٌ ولا يخلو من شوب ريبة وتقليد وعادة، وتقديم الظّرف على تقدير كونه معمولاً ليوقنون لا على تقدير جعله عطفاً على بما أنزل لمراعاة رؤس الاٰى وللحصر مشاراً به الى انّ هؤلاء الموصوفين بالاوصاف السّابقة المختصّ بهم اليقين ليس علمهم وايقانهم الاّ متعلّقاً بالآخرة لانّهم جعلوا الآخرة نصب أعينهم وغاية هممهم فلا يلتفتون الى غيرها حتّى يتعلّق يقينهم به بخلاف غيرهم فانّهم جعلوا الدّنيا نصب أعينهم ونبذوا الآخرة وراء ظهورهم فلا تعلّق لعلمهم النّفسانىّ بالآخرة لانّ علومهم مقصورة على الدّنيا وعلى ما يلزم العيشَ فيها فتكون نفسانيّة غير ايقانيّة يعلمون ظاهراً من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ذلك مبلغهم من العلم؛ وقد قيل بالفارسيّة: شعر : اندر اين سوراخ بنّائى كَرفت در خور سوراخ دانائى كَرفت جون بى دانش نه بهرروشنى است همجو طالب علم دنياى دنيست طالب علم است بهرعام وخاص نى كه تايابد ازاين عالم خلاص همجو موشى هرطرف سوراخ كرد جونكه نورش راند ازدركَشت سرد تفسير : والآخرة تأنيث الآخر كان فى الاصل وصفاً والتّأنيث باعتبار الموصوف الّذى هى الدّار ثم غلب عليه الاسميّة، واطلاق الآخرة على عالم الغيب باعتبار انّها للانسان بعد الدّار الدّنيا ومتأخّرة عنها، فان كان المراد بالغيب المبدء والعوالم العالية فى سلسلة النّزول؛ وبالآخرة العوالم المتأخّرة فى سلسلة الصّعود يعنى المعاد فالكلام تأسيس، وان كان المراد بالغيب مطلق العوالم العالية مبدءً ومعاداً فالكلام مبتنٍ على ذكر الخاصّ بعد العامّ وكان الكلام باعتبار ذكر الايقان بعد الاسمان تأسيساً ايضاً. {أُوْلَـٰئِكَ} العظماء المذكورون بالاوصاف العظام {عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} بحيث انّهم حاكمون على وصف الهدى لا أنّهم محكومون به فالاتيان باسم الاشارة البعيدة لاحضار المسند اليه بأوصافه المذكورة ليكون كالعلّة للحكم وللاشارة الى بُعد مرتبتهم لعظمتهم، وان كان {ٱلَّذِينَ} الاولى او الثّانية مبتدأ فتكرير المبتدأ باسم الاشارة يفيد الحصر، وان كانتا تابعتين للمتّقين فكون الجملة جواباً لسؤالٍ ناشئٍ عن المقام يقتضى الحصر فانّه بعد ذكر المتّقين وكون الكتاب هادياً لهم وذكر اوصافهم الجميلة صار المقام مقام ان يقال: ما لهم من الله، وبما امتازوا من غيرهم فقال: اولئك امتازوا عن غيرهم بكونهم على هدىً اهدى اليهم من ربّهم دون غيرهم، والحصر فى القرين الثّانى قرينة للحصر هاهنا. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تكرار المبتدأ للاشارة الى امتيازهم بكلّ من الصّفتين على حيالهما لا بجمعهم بينهما، وتوسيط العاطف للاشارة الى انّ كّلاً من الوصفين غير الآخر، ولو اتى بالجملة الثّانية مجرّدة عن العاطف لتوهّم انّ الثّانية تأكيد للاولى وانّ الوصفين متّحدان او متلازمان.

اطفيش

تفسير : {الَّذِين}: نعت للمتقين مقيد له، أعنى لمنعوته الذى هو بعض المتقين، إن فسرنا التقوى بترك ما لا ينبغى مترتبة عليه ترتب التحلية بالحاء المهملة، وهو التزيين بالأشياء الجميلة على التحلية، وهى التجريد من الأوساخ والأصداء، وترتب النفس فى الشئ على تصقيله، أو نعت للمتقين موضح له، إن فسرنا التقوى بما يعم فعل الطاعة وترك المعصية، لاشتمال التقوى على الإيمان والصلاة والزكاة، وهن أصل الأعمال والحسنات وأعمال القلب والبدن والمال، وعليهن يترتب سائر الطاعات وتجنب المعاصى غالباً، قال الله تبارك وتعالى:{أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}،تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الصلاة عماد الدين"تفسير : . قال:"حديث : والزكاة قنطرة الإسلام"تفسير : أخرج البيهقى فى شعب الإيمان مرفوعاً بسند منقطع:"حديث : الصلاة عماد الدين"تفسير : ، وأخرج أبونعيم شيخ البخارى عن بلال بن يحيى مرفوعاً:"حديث : الصلاة عماد عمود الدين"تفسير : وهو مرسل، وقال إن رجاله ثقاة، وأخرج الطبرانى فى الكبير، والبيهقى فى شعبه مرفوعاً بسند ضعيف:"حديث : الزكاة قنطرة الإسلام"تفسير : وأخرج عمروس ابن فتح رحمه الله عن على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى خطبته:"حديث : ألا إنه لا صلاة لمانع الزكاة، لا صلاة لمانع الزكاة، والمتعدى فيها كمانعها"تفسير : وروى الربيع عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة ولا ضوء له، ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له، ولا صوم له إلا بالكف عن محارم الله ". تفسير : أو: الذين نعت للمتقين على طريق المدح، فهو التقوى صلته مدح لما تضمنه بعض المتقين من الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق مما رزقهم الله، وإنما يجعل الإنفاق الذى هو غير زكاة مما تضمنه بواسطة باعتبار أنها للمحاذرة عن النار بكل ما أمكن، ولأن التقوى تستتبع الأعمال الصالحة، ولك أن تقول التقوى الإيمان بالغيب، وتضمنت الصلاة والزكاة ونحوهما من الواجبات فقط، وخص ذلك بالذكر إظهاراً لتفضيلها على سائر ما يدخل تحت التقوى، أو الذين مفعول لأمدح أو لأعنى، أو خبر لمحذوف، أى هم الذين، ويجوز أن يكون الذين مبتدأ خبره:{أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : وإذا جعلناه نعتاً للمتقين، فالوقف على المتقين حسن، وكذا باقى الأوجه، إلا إذا جعلناه مبتدأ فالوقف على المتقين كاف، لأنه لو فصل عنه لفظاً فقد وصل به معنى، قاله السعد، وقال القاضى تام، والأرجح أن يكون نعتاً للمتقين، كأنه قيل المتقين المتصفين بأنهم: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب}: الإيمان فى اللغة التصديق، والماضى: أمن بهمزة فألف فميم مفتوحة، فالهمزة للتعدية، والألف بدل من الهمزة التى هى فاء الفعل الثلاثى، بوزن أفعل كأكرم، لأن مصدره إفعال بكسر الهمزة لا بوزن فاعل بفتح العين، إذ لم يكن مصدره فعالا بالكسر كان المصدق بكسر الدال صير المصدق بفتحها أمناً من أن يكذبه أو يخالفه، فالأصل أن يقول: آمنت الغيب وآمنت النبى محمداً صلى الله عليه وسلم، أى صيرتهما آمنين من أن أكذبهما أو أخالفهما، بالتعدية بالهمزة المزيدة، ولكن عدى بالباء لتضمنه معنى الاعتراف بالقلب واللسان، أو بالقلب، أو باللسان دون القلب، فى حالة الكذب، ولو كان المشهور عندنا معشر الإباضية الوهبية: أنه لا يدخل الإنسان فى التوحيد إلا باعتقاد وإقرار باللسان جميعاً، وقد يطلق بمعنى الوثوق، فالهمزة للصيرورة نحو أمنت زيداً أى صيرته ذا أمن من أن يكذبنى، يقول ناوى السفر ما آمنت أن أحد صحابة، أى ما أثق أن أظفر بمن أرافقه، وذلك إما على تضمين آمنت بالشىء بمعنى استوثقت، واطمأن قلبى إلى وجوده وصحته، وإما على أن الواثق صار ذا أمن به لم يدخله ريب من جانبه، وتلك الوجوه كلها حسنة فى الآية. وإن قلت كيف يصح أن يقال صيرت الغيب آمناً، من أن أكذبه، وإنما الأمن يكمن فيمن يمكن منه الخوف؟ قلت: يصح ذلك مجازاً شبه التكذيب به بمنازعة إنسان ومعاداته بجانب المباعدة فى كل، أو لمنافرة المستلزم ذلك لخوفه، وإن قلت: الإيمان التصديق حقيقة والاعتراف مجازاً، فإذا عدى بالباء علمنا أنه ضمن معنى الاعتراف، فيلزم اجتماع الحقيقة والمجاز، قلت: المشهور منعه، وأجازه الشافعى وغيره، مع أنه لا يتعين ذلك، لجواز أن نقول إنه مستعمل فى حقيقته دالا على محذوف مؤدى للمعنى المجاز، أى مصدقين حال كونهم معترفين بالغيب، كما يقال أحمد الله إليك، أى أحمده منهياً حمده إليك، فإن حقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقى مع معنى آخر يناسبه، من غير أن يقال إنه موضوع لهذا المعنى الآخر على ما يفيده كلام السعد، بل يشير الفعل إلى ذلك المعنى، بواسطة دلالة المقام على تقدير ما يؤدى ذلك المعنى، ولك أن تقول حقيقة التضمين استعماله فى ذلك المعنى الآخر مجازاً، مع تلويح إلى المعنى الأصلى بواسطة التزام أو نحوه، هذا ما سمح به خاطرى ولى فى ذلك أبحاث. والإيمان فى الشرع تارة يطلق على التصديق، بما علم بالضرورة أنه من دين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كنفى الشركة عن الله سبحانه وتعالى، وإثبات النبوة والرسالة والبعث والجزاء. ومعنى كون ذلك معلوماً بالضرورة أنه مشهور، حتى كأنه أمر ضرورى لا يحتاج إلى كسب، ثم ما لوحظ إجمالا كالملائكة والكتب والرسل، كنفى الإيمان به إجمالا، وما لوحظ تفصيلا كجبريل وموسى والإنجيل، اشترط الإيمان به تفصيلا، حتى إن من لم يصدق بمعين من ذلك فهو مشرك، كذا ذكر بعض الشافعية وهو حق كما نقول معشر الإباضية الوهبية، إلا أن جمهورنا يوجب معرفة جبريل وآدم، ولا يمهل المكلف إلى ورود معرفتهما عليه، كما لا نمهله نحن ولا قومنا فى معرفة النبى محمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن، ولا يشرك الإنسان بإنكار نبى لم يتواة، وتارة يطلق على مجموع الاعتقاد والإقرار أو العمل بمقتضى ذلك فمن أخل بالاعتقاد وحده و به وبالعمل فهو مشرك، من حيث الإنكار منافق أيضاً، من حيث إنه أظهر ما ليس في قلبه، ومن أخذ بالإقرار وحده، أو بالإقرار والعمل، فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا، وقال القليل إنه إذا أخل بالإقرار وحده مسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخل به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، ونريد باسم آخر له وهو لفظ منافق، وإن أخل بالعمل فقط فمنافق عندنا فاسق ضال كافر كفراً دون شرك، غير مؤمن الإيمان التام، وقالت المعتزلة خارج عن الإيمان غير داخل فى اسم الكفر، سواء كفر الشرك وما دونه، وروى الإيمان إقرار باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، وقيل هو كلام من بعض السلف، واختلفوا - الخوارج - وهم الذين خرجوا عن ضلالة على، فقالت الإباضية الوهبية وسائر الإباضية فيمن أخل بواحد من الثلاثة ما تقدم: من إشراكه بترك الاعتقاد أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل، ويثبتون الصغيرة، وقال الباقون كذلك وأنه لا صغيرة، ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن، ونحن نقول: انضمامهما إليه ركن وهما جزء ماهيته، وقيل شرط خارج عن الماهية لا ينتفع به بدونهما، وأن ماهيته هى التصديق بالقلب فقط، وأما الإقرار فلإشهار دين الله - تبارك وتعالى - وتعظيمه والدعاء إليه، ونفى أحكام المشركين عن نفسه، وأما العمل فلوجوب الصدق، فمن لم يعمل فقد كذب اعتقاده، وإقراره إن أقر وخرج عن عبادته من أقر له واعترف له، واعتقد أنه عبده، وعلى كلا القولين من أن الإقرار والعمل شرطان، أو شطران لماهية الإيمان يكفى إقراره وعمله فى خلوة عن حضور أحدى، وزعمت الكرامية أن الإيمان هو التلفظ بالشهادتين، سواء طابقه الاعتقاد أم لا، فإن طابقه نجا ولو لم يعمل، وإلا فهو مخلد فى الناس من غير أن يسموه مشركاً، فعندهم التلفظ ينفى اسم الشرك باطناً كما ينفيه ظاهراً، ولا ينفى حكمه وهو الجزاء بالنار إن لم يطابقه الاعتقاد، ويبطل قولهم ما وردت به لغة العرب والقرآن والسنة أن الإيمان تصديق بالقلب وإذعانه، وقال أبو حنيفة وبعض الأشاعرة: الإيمان تصديق بالحنان وإقرار باللسان، لأن التصديق لما اعتبر بكل من اللسان والحنان، كان كلا منهما جزءاً من ماهية الإيمان، ولكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط، وتصديق اللسان يسقط لنحو خرس أو إكراه، وهو موافق لما نقوله معشر الإباضية الوهبية، غير أنا نقول: إن العمل جزء من ماهية الإيمان، لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام لا من مطلق الإيمان، بدليل انه لا نحكم بالشرك على من ترك العمل، قال الإيمان باق فيمن ترك العمل، ولكنه لا ينفيه، فمطلق الإيمان تركت ماهيته عندنا بالاعتقاد والإقرار فقط، ورجح بأن الله - جل وعلا - ذم المعاند أكثر من الجاهل المقصر، ويجاب بأن الذم للإنكار والعناد لا لمجرد عدم الإقرار، وقيل الاعتقاد فقط، وأما الإقرار فلما مر من إشهار الدين والدعاء إليه ونفى أحكام الشرك ونحو ذلك، وللعبادة والثواب والتوكيد، ويدل له إضافة الإيمان إلى القلب مثل: {أية : وقلبه مطمئن بالإيمان}تفسير : ولم يؤمن قلبه،{أية : ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم}،تفسير : وعطف العمل الصالح عليه فى مواضع لا تحصى، ونطق اللسان من العمل الصالح وقرنه بالمعاصى كالاقتتال والقتل والظلم فى نحو:{أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}، {أية : كتب عليكم القصاص فى القتلى} {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}،تفسير : مع ما فى ذلك من قلة التغير عن معناه اللغوى، ومن قربه إليه وبدل لذلك تعديه بالباء، فإنه يتبادر منه التصديق، وبدله له إنا إذا رأينا من أحد أمارة المؤمنين حكمنا بإيمانه، وأزلنا عنه حكم الشرك، وكذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم أن الإيمان فى القلب، وأنه بأى علامة كشف عنه حكمنا به، سواء كشف عنه اللسان أو غير اللسان، ولست فى ذلك قاصد لمخالفة أصحابنا رحمهم الله، ولكن ذكرت ما أدى إليه اجتهادى. وأما أحاديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا... إلخ" فقد يستدل بها على أن الإقرار جزء من ماهية الإيمان، لكن قد يقال إن النطق إنما هو شرط لإجراء أحكام الإسلام، بدليل أنه رتب عليه حقن الدماء والأموال إلا بحق دون النجاة فى الآخرة، بل وكل أمرهم إلى الله عز وجل، فإن خالف اعتقادهم نطقهم أو عملهم أو طابق فهو العالم بذلك المجازى عليه، وإن قلت لا يتصور لمعتقد ألا يقر، قلت يتصور لأنه يمكن أن يصلى بسورة ليس فيها تصريح بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، مع الفاتحة، وأن يسلم من التحيات قبل أن ينطق بذلك، بل لو لم يتصور له ذلك فى حال فالكلام عليه قبل تلك الحال، غير أن جمهورنا كما علمت إلا قليلا جدا، وجمهور قومنا أيضاً يقولون: لا إيمان بلا إقرار، ومن لم يشترط الإقرار فهل يحكم بإيمانه بدون أن يحكم بمعصيته بعد الإقرار أو لا يحكم بمعصيته؟ قولان لمن لا يشترط الإقرار، بل قال النووى تلميذ ابن مالك صاحب الألفية والتسهيل فى العربية، والحديث والتفسير فى شرح مسلم: أن أهل السنة من المحدثين والفقهاء، والمتكلمين، اتفقوا على أن من آمن بقلبه ولم ينطق بلسانه مع قدرته: أن مخلداً في النار، ولكن يرده ما ثبت أن لكل واحد من مالك وأحمد والشافعى وأبى حنيفة قولا بأنه مؤمن عاص بترك التلفظ، بل ذكر ابن حجر كالكمال بن الهمام وغيره: أن جمهور الأشاعرة وبعض محققى الحنفية، أن الإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء أحكام الدنيا فحسب، حتى زعم بعضهم أنه لو أجريت عليه لنطقه بلسانه وهو كافر باطناً، كنكاح مسلمة، وأخذ ميراث قريب مسلم ثم زال كفره القلبى، احتمل حل الوطء وأخذ الإرث لقيام التلفظ به لإجراء الأحكام عليه، والصواب عدم حل النكاح إلا بعد تجديده، وإنما حلله بعد التجديد، مع أنه زان بها إذ جامعها وهو مشرك، للأثر الوارد: المشرك الزانى بامرأة، إن أوله سفاح وآخره نكاح، غير أن المرأة هنا مسلمة، لكنها لم تدخل على نية الزانى بل غرها بتوحيد لسانه، فيجوز لها العود إليه بنكاح جديد، لأنها لا يصدق عليها أنها زانية، وإسلامه هو جب لما صدر منه فى شركه، والصواب أيضاً عدم أخذه الإرث المذكور، وذلك لأنا إنما لم نؤاخذه بما فى باطنه أولا لعدم ظهوره لغيره، وأما بالنسبة له فهو كظاهره ونظيره الحكم بشاهدى زور فى النكاح، فإنه لا يحل لمن علم بالزور العمل بقضية ذلك الحكم عندنا وعند جمهور قومنا، وهو الصواب الموافق للكتاب والسنة، واتفق من لا يشترط الإقرار ولا يجعله شرطاً، على أنه لا ينفعه اعتقاده إلا إن نوى أنه متى طولب بالإقرار أو حضر له أمر لازم متوقف على الإقرار أقر، فإن طولب أو حضر ذلك فامتنع أو اعتقد أنه لا يقر إذا طولب أو حضر ذلك، فهو مشرك كما لو سجد لصنم أو استخف بنبى أو بالكعبة، أو حضر ذلك فهو مشرك كما لو سجد لصنم أو استخف بنبى أو بالكعبة، أو نحو ذلك من المكفرات، واستشكل الحكم بكفره بأحد هذه المذكورات مع كونه مصدقاً بقلبه لما يلزم عليه أن تعريف الإيمان بالتصديق غير مانع لصدقه على هذا، مع انتفاء الإيمان عنه، وجوابه يعلم من تقرير مهمات يتعين التفطن لها، وهى أنهم اختلفوا فى التصديق بالقلب الذى هو تمام مفهوم الإيمان عند الأشعرية، أعنى أنه ماهية الإيمان أو جزء مفهومه عند غيرهم كما هو عند أصحابنا، أعنى أنه جزء الماهية والجزء الآخر الإقرار، فقيل هو من باب العلوم والمعارف، ورد بأنا نقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقيقة رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، قال الله تبارك وتعالى:{أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به}، {أية : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}تفسير : وبأن الإيمان مكلف به والتكليف إنما يقع بالأفعال الاختيارية، والعلم بصدق مدعى النبوة عن وجود سببه، وهو مشاهدة المعجزة حاصل قهرا عليه. وقال إمام الحرمين وأبو الحسن الأشعرى: إنه كلام النفس، وإن المعرفة شرط فيه، إذ المراد بكلام النفس الاستسلام الباطن، والانقياد لقبول الأوامر والنواهى، وبالمعرفة إدراك مطابقة دعوى النبى - صلى الله عليه وسلم - للواقع، أى تجليها للقلب وانكشافها له، وذلك الاستسلام إنما يحصل بعد حصول هذه المعرفة، ويحتمل أن كلا من هذين المذكورين ركن، فلا بد من المعرفة إن جعلناها شرطاً أو ركناً، ومن ضم الاستسلام لها لما من ثبوتها مع الكفر، وقهراً على النفس، وأما تعلق التكليف بها مع ثبوتها قهراً فى قوله تعالى: {أية : فاعلم أنه لا إله إلا الله}تفسير : فانما أريد به تحصيل أسبابها من القصد إلى النظر فى آثار القدرة الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته، وتوجيه الحواس إليها، وترتيب المقدمات المأخوذة من ذلك على الوجه المؤدى إلى المقصود، وظاهر كلام شارح المقاصد أنه لا يكتفى بذلك العلم القهرى، بل لا بد من تحصيله بعد بطريق الاستدلال، ورد بأن حصول الاستسلام الباطن بعد حصول العلم القهرى حصول للمقصود إليه، فالوجه الاكتفاء بحصول القهرى المنضم إليه الاستسلام، والتكليف بتعاطى الأسباب مغن عن استحصاله بتعاطى أسبابه، إنما هو لمن لم يحصل له ذلك العلم القهرى، وأخذ بعضهم من أنه لا بد من ضم الاستسلام إلى المعرفة، أن مفهوم الإسلام لغة الذى هو هذا الاستسلام جزء من مفهوم الإيمان، وأطلق بعضهم اسم المرادف عليها. والأظهر كما قال بعض المحققين إنهما متلازمان مفهومان، فلا يعتبر شرعاً فى الخارج إيمان بلا إسلام، ولا عكسه وأن التصديق قول للنفس مغاير للمعرفة وإن نشأ عنها، إذ هو لغة لنسبة الصدق بالقلب أو اللسان إلى القائل وهو فعل وهى ليست فعلا، بل من قبيل الكيف، فكل منها ومن الاستسلام خارج عن مفهوم التصديق لغة وإن اعتبر شرعاً فى الإيمان، ثم اعتبارهما فيه شرعاً إما على أنهما جزءان لمفهومه شرعاً أو شرطان لاعتباره، وهو الراجح، لأن الأول يلزمه نقل الإيمان عن معناه اللغوى إلى معنى شرعى، والنقل خلاف الأصل فلا يصار إليه بغير دليل، بل الدليل على خلافه، لأنه كثير فى الكتاب والسنة طلبه من العرب، ولم يستفسر من أجاب إليه عن معناه اللغوى ووقوع استفساره عن بعضهم، إنما هو عن متعلقه بدليل أن جبريل عليه السلام لما سأل عنه أجابه - صلى الله عليه وسلم - بذكر المتعلق، إذ قال:"حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" تفسير : ففسره بما يتعلق به، ولم يفسر لفظه، بل أعاد لفظه بقلبه أن تؤمن لأنه كان معروفاً عندهم لا نزاع فيه أنه لغة مطلق التصديق، وشرعاً تصديق بأمور خاصة وهى المعلومة من الدين بالضرورة، فهو تصديق بها بمعنى اللغوى، ويدل لذلك حديث الشيخ عامر - رحمه الله - فى الإيضاح فى كتاب الكفارات فى حديث : الأمة التى أراد سيدها أن يعتقها عن دين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءتك فأت بها" فأتاه بها فقال لها: "من ربك ومن أنا؟" فقالت: الله ربى وأنت محمد رسول الله، فقال: "إنها مؤمنة""تفسير : فإنه يتبادر أنه إذا أراد أن يختبر هل هى مؤمنة؟ فلما قالت ذلك أخبر أنها مؤمنة، أى أنها مؤمنة قبل نطقها من قبل أن تأتى مثلا، ولم يقل لها إنها قد آمنت الآن، بل أخبر بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت، فأفاد ذلك أنه قد حصل لها اسم مؤمنة بما فى قلبها بلا نطق، وما أفادنا نطقها إلا معرفة حالها وغير هذا محتمل، لكن غير متبادر. وانتفاء الإيمان بانتفاء المعرفة والاستسلام لا يستلزم جزئيتهما لمفهومه شرعاً، لجواز كونهما شرطين له شرعاً فظهر أنه يمكن ثبوت التصديق لغة بدونهما، وإن هذا الثبوت يمكن مجامعة الكفر له، إذ لا مانع عقلا أن يصدق جبار نبياً ويقتله، لنحو حمق أو غاية هوى، فقتله لا يدل على انتفاء التصديق به من أصله، كما ظنه بعض الأئمة من أصحابنا ومن قومنا، بل يدل على أن ما عنده من التصديق غير منج له شرعاً من النار، ورأيت الله سبحانه وتعالى التلبس بالإيمان لازماً لا ينفك عنه وهو سعادة الأبد، وعلى ضده شقاوته وهى لازم الكفر شرعاً، وأنه اعتبر فى ترتيب لازم الإيمان وجود أمور بعدما يترتب لازم الكفر، فمنها تعظيمه - سبحانه وتعالى - وتعظيم أنبيائه وكتبه وملائكته، وترك السجود لنحو الصنم والاستسلام باطناً لقبول أوامره ونواهيه الذى هو معنى الإسلام لغة، فلو كان رجل مصدقاً بوحدانية الله سبحانه وتعالى ورسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبكل ما يجب التصديق به مجملا أو مفصلا، ثم سجد لصنم فهو باق على ذلك التصديق فى قلبه لم ينقص منه شيئاً، فبالظاهر نقول إنه غير مشرك، وسجوده للصنم منزل منزلة سائر الكبائر التى يفعلها تشهياً إذا اعتقد تحريم ذلك، وبالتحقيق نقول: إنه مشرك ناقض لإيمانه وتصديقه، لأنه إذا سجد للصنم ورآه أهلا لأن يسجد له فقد جعل لله شريكاً، ولو اعتقد تحريم الإشراك والسجود لغيره، وإن سجد له عبثاً ففعله كبيرة نفاق، وقيل شرك، واتفق أهل الحق والأشاعرة والحنفية: أنه لا يعتبر إيمان بلا إسلام ولا عكس ذلك، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر إذا أخذ بالمعنى الحقيق لهما، ولكنا أهل الحق والحنفية خالفنا الأشاعرة، إذ حكمنا بتكفير بعض الناس بأقوال وأفعال، ووافقنا محققو الأشاعرة كتعمد صلاة بلا وضوء، ودوام ترك سنته استخفافاً بها واستقباحها، كإحفاء الشارب وجعل طرف العمامة تحت الحلق، فمن قصد الاستخفاف بالسنة أشرك مطلقاً، ومن فعل خلافها بلا استخفاف نافق وكفر كفر نفاق، وهو كفر نعمة إذا كانت غير واجبة، ومن أنكر ما هو من الدين وليس علمه ضرورياً، بل فيه خفاء، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، فلا كفر لإنكاره عند الشافعية، وكفره الحنفية إن علم ثبوته قطعاً، أو ذكر له أهل العلم أنه قطعى فاستمر على جحوده، وكفره أصحابنا مطلقاً لأنه يعذر عندهم فى جهل ما هو موسع، ما لم يدخل فيه بخلاف الحق. واعلم أن الإيمان والإسلام متلازمان مفهوماً، فلا ينفك أحدهما عن الآخر، وإن اختلف المفهومان أو مترادفان فلا يوجد شرعاً إيمان من غير إسلام ولا عكسه عند التحقيق، وأن الإسلام يطلق أيضاً على الأعمال فى الشرع، كما يطلق على الانقياد لغة وشرعاً، وأن الإيمان يطلق عليهما شرعاً باعتبار أنه يتعلق بهما، فحيث ورد ما يدل على تغايرهما كما فى حديث:"حديث : إن جبريل قال يا محمد أخبرنى عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، ثم قال فاخبرنى عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره"تفسير : وكما فى قوله تعالى:{أية : قالت الأعراب آمنا}تفسير : إلخ الآية، فهو باعتبار أصل مفهومهما، فأصح تفسير فى الآية قول ابن عباس وغيره إنهم آمنوا باطناً وظاهراً، ولكن كان إيمانهم ضعيفاً، ويدل على هذا قوله تعالى:{أية : وإن تطيعوا الله ورسوله}تفسير : إلى آخره الدال على أن معهم من الإيمان ما خرجوا به عن الشرك، فيؤخذ من الآية أنه يجوز نفى الإيمان عن ناقص الإيمان، باعتبار الكمال، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن"تفسير : أى لا يزنى وهو مؤمن إيماناً كاملا، بل ناقصاً فحينئذ يقال له: آمن ولا يقال مؤمن، كما نفى عنه فى الحديث اسم مؤمن، لأنه يوهم كمال إيمانه إلا بقيد، فيجوز مؤمن ناقص الإيمان، ووافقنا على ذلك محققو المتسمين بأهل السنة، قال على بن محمد بن إبراهيم البغدادى الخازن المختار عند أهل السنة: أن من لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان من الصلاة والزكاة والحج، ونحو ذلك من أركان الدين، لا يسمى مؤمناً لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن"تفسير : ، فنفى عنه اسم الإيمان أو كمال الإيمان.. انتهى. بخلاف لفظ الإسلام فإنه لا يفنى بانتفاء ركن من أركانه وبانتفاء ما عدا الشهادتين، فترى أصحابنا بعدما ينفون اسم مسلم عن صاحب الكبيرة، قد يسمونه مسلماً بمعنى موحد، لأن نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفى الإيمان، فحيث ورد نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفى الإيمان، فحيث ورد ما يدل على اتحادهما كقوله تعالى:{أية : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين...}تفسير : الآية، فباعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما، ولذلك قال كثير: إن المؤمن والمسلم كالفقير والمسكين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما مغايراً كما قال أحمد بن حنبل خبراً مرفوعاً: الإسلام علانية والإيمان فى القلب، وإذا وقع تفسير الإيمان بالأعمال، فباعتبار إطلاقه على متعلقاته لما مر من أنه تصديق بأمور مخصوصة، ومنه:{أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : اتفقوا على أن المراد به هنا الصلاة. ومنه حديث وفد عبد القيس:"حديث : هل تدرون ما الإيمان؟ قالوا: لا، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمساً من المغنم"تفسير : ففسر فيه الإيمان بما فسر به الإسلام فى حديث جبريل السابق، فاستفدنا منهما إطلاق الإيمان والإسلام على الأعمال شرعاً، باعتبار أنهما متعلق مفهوميهما المتلازمين، وهما التصديق والانقياد، وقد صح حديث:"حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان"تفسير : ، رواه أصحابنا بإسقاط بضع، ورواه البخارى ومسلم، وقد يطلق الإسلام على التصديق والعمل معاً كقوله تعالى:{أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : وحديث مسند أحمد:"حديث : أى الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان"تفسير : وخبر ابن ماجه: "حديث : ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أنى رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها حلوها ومرها"تفسير : وقد أطلق الإيمان كذلك كما روى الإيمان اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وذلك توسع وتجوز، واتفقوا على أنه يستفاد من الأسماء الشرعية زيادة على أصل الوضع، فالإيمان لغة مطلق التصديق، وشرعاً تصديق بأمور مخصوصة، فسمى الإيمان والإسلام لغة غيره شرعاً، والراجع إثبات الحقائق الشرعية، فتلك الزيادة ضارب مع الأصل موضوعاً شرعياً، ومن نفى ذلك قال هى لغات على وضعها اللغوى، وإنما الشرع تصرف فى شروطها وأحكامها، ثم إنه لا يخفى أن الحق معنا فى قولنا: إن مرتكب الكبيرة كافر كفر نفاق وهو كفر نعمة موحد إيمانه ناقص، لا كما زعمت المرجئة أنه مؤمن كامل الإيمان، ولا كما زعمت المعتزلة أنه لا كافر ولا مؤمن، فإن أرادوا لا مؤمن إيماناً كاملا ولا كافر كفر شرك، فقد صدقوا وإن أرادوا نفى اسم الكفر عنه مطلقاً كذبتهم آثار وأحاديث جمعتها فى بعض ما من الله به على من التأليف، وذكر الشيخ يوسف بن إبراهيم - رحمه الله - فى ترتيب مسند الربيع بن حبيب - رحمه الله - كثيراً منها، ولا كما قالت المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية: إنه لا يسمى باسم كافر أصلا، ووافقنا محققوهم على أنه يسمى به على معنى كفر النعمة، ولا كما زعمت الصفرية من أنه مشرك، ولا كما زعم بعض الصفرية أنه مشرك بالمعصية مطلقاً، ولو لم تكن كبيرة. واعلم أن الوحدانية وسائر صفاته تعالى الذاتية قديمة، والإيمان مخلوق قطعاً، لأنه قول واعتقاد أو اعتقاد أو كلاهما وعمل، وإنما القديم وبعض متعلقاته وهو الصفات الذاتية وهى مراد من قال غير مخلوق، فالخلاف لفظى نسب الأول لجمع من الحنفية وأبى حنيفة، والثانى الآخرين منهم وأحمد وجماعة من المحدثين وأبى الحسن الأشعرى، والله أعلم. ومنع أبو حنيفة وأصحابه: أنا مؤمن إن شاء الله، وإنما يقال أنا مؤمن حقاً، وأجازه آخرون. قال السبكى هو وأكثر السلف من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم الشافعية والمالكية والحنابلة، ومن المتكلمين الأشعرية وسفيان الثورى، وذكر النووى فى شرح مسلم عن أكثر المتكلمين من الشافعية أنه لا يقال: أنا مؤمن مقتصراً عليه، بل يضم إليه إن شاء الله، وعن الأوزاعى وغيره التخيير وهو حسن صحيح إذ من أطلقه نظر إلى أنه جازم فى الحال، ومن قال إن شاء الله قال إما للتبرك أو للجمل بالخاتمة، فإن من شك فى إيمانه كافر، وقد صرح بإن شاء الله فما هو قطعى، كقوله تعالى:{أية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله}تفسير : تعليما وتأديبا للعباد فى صرف المشيئة إلى الله تعالى، ووجه بعضهم تقييده بإن شاء الله بأنه يوهم عدم الجزم بالإيمان، وعدم الجزم به كفر وبأنه قد تعتاد نفسه التردد فتميل إلى الشك، ويجاب بأنه لا إيهام مع القرائن ولا ميل إلى الشك، مع اعتقاده التبرك عند النطق بإن شاء الله، وإن غفل عن اعتقاد التبرك ولم يعتقد شكا فهو باق على إيمانه، فإن الإيمان باق فى حال النوم والسكر والإغماء والجنون، والغفلة والنوم والموت، كبقاء نحو النكاح وسائر العقود فى هذه الأحوال. قال بعض أصحابنا: الدين والإسلام والإيمان مختلفة المفهوم متحدة المعانى، فلا يوجد بالتحقيق أحدها دون الآخر، ويدل عليه حديث جبريل السابق، وفى الوضع والسؤالات أنها مترادفة، وقيل متباينة، وقيل متلازمة مرتبطة، والتحقيق أنها تستعمل تارة مترادفة وتارة متباينة، ويطلق كل على ما يطلق عليه الآخر، فإذا أطلق الدين على الأحكام الشرعية، مثل أن يحكم على كذا بالحل وعلى كذا بالتحريم، والإيمان على التصديق، والإسلام على الانقياد والامتثال، فقد تباين اللفظ والمعنى والمحل، واستعمل الإسلام عاما والإيمان خاصا فى قوله تعالى:{أية : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} تفسير : فمعنى قوله: من المؤمنين من المصدقين حقيقة التصديق والعمل لازمه ومرتب عليه لاجزاءه، ومعنى قوله: من المسلمين من المصدقين العاملين، ففيهما تداخل أدخل الإيمان تحت الإسلام، وتحتمل الآية الترادف ومن ذلك قوله تعالى:{أية : إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}تفسير : يحتمل هذا أيضاً التداخل المذكور، والترادف، ومن التداخل ما روى فى حديث سعيد: حديث : أنه صلى الله عليه وسلم أنه أعطى رجلا ولم يعط الآخر، فقال له سعيد: يا رسول الله تركت فلاناً فلم تعطه وهو مؤمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومسلم؟ فقال سعيد: هو مؤمن، فقال صلى الله عليه وسلم: أومسلم؟تفسير : يريد صلى الله عليه وسلم هل هو بعد كونه مؤمناً مسلم أم مؤمن غير مسلم؟ فأراد الإسلام العام للإيمان لمعنى التصديق والعمل، وأراد بالإيمان التصديق. وسعيد لم يفهم ذلك منه، ومن التداخل أيضاً حديث:"حديث : "أى الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام" أى أعمال القلب والجوارح فقيل: "أى الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان""تفسير : أى التصديق، فجعل الإيمان جزءاً من الإسلام داخل تحت عمومه، ومن التداخل بنى الإسلام على خمس على أن يوحد الله تعالى، الحديث، فالتوحيد اعتقاد الوحدة واعتقادها تصديق، فهو الإيمان، وأما اللسان فترجمان، ففى الحديث جعل الإيمان داخلا تحت الإسلام خاصاً تحت عمومه، واستعمل الإيمان مرادفاً للإسلام العام المذكور أيضاً، حين سئل عن الإيمان مرة أخرى. فأجاب بهذه الخمس، فإذا اعتبرت هذا الحديث الأخير مع الإسلام المستعمل خاصا فى العمل، وجدت الإيمان عاما والإسلام خاصا، ومن تخالفهما قوله تعالى:{أية : قالت الأعراب آمنا}،تفسير : ... الآية قيل أراد بالإيمان التصديق بالقلب، وأراد بالإسلام الاستسلام باللسان والجوارح، إنه ثم لا شك عندى أن الإيمان محله القلب، لأنه التصديق، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان ها هنا" تفسير : وأشار إلى صدره، وقوله تعالى:{أية : كتب فى قلوبهم الإيمان}تفسير : ونحو ذلك مما مر غير أنه يختلف، هل يقبل منه ذلك ويثاب عليه أو لا؟ إلا إن أقر، وهل الإقرار شرط أو شطر فى الشرع، أو لا شرط ولا شطر؟.. وهل هو حقيقة عرفية شرعية فى الاعتقاد فقط، أو فيه مع الإقرار، أو فيهما مع العمل، أو هو موضوع بالاشتراك لكل من ذلك؟ والله أعلم. ومذهبنا أن الإيمان يزيد وينقص فى ذاته، ويزيد وينقص بزيادة ما يؤمن به، وعدم زيادته ونسيان ما أمن به، فكلما كثر إمعان النظر فى الأدلة والبراهين قوى الإيمان، وكلما قل ذلك ضعف، فإذا قوى كان كمن يشاهد محسوساً وصدق به، وإذا ضعف كان كمن يصدق بشىء غائب، وكلما عثر على شىء مما يؤمن به فآمن به قد زاد إيمان له بعد إيمان، وإذا نسيه فقد نقص عنه هذا الإيمان الذى زاد، ويدل لذلك قول ربنا تبارك وتعالى:{أية : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً}تفسير : وقول أبينا إبراهيم الخليل عليه السلام:{أية : ولكن ليطمئن قلبى}تفسير : فقد تعرض شبهة لإنسان فيترك الإيمان ببعض ما آمن به مما يجب الإيمان به فيكفر. ووافقنا على ذلك بعض محققى قومنا، وقال بعض قومنا: إن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعى يزيد وينقص، وأنكر أكثر متكلميهم زيادته ونقصانه، وقالوا متى قيل الزيادة والنقص، كان شكا وكفراً، وكذا قال أبو حنيفة وأتباعه، واختاره إمام الحرمين صاحب الورقات فى أصول الفقه وغيره من الأشاعرة، قال النووى: عليه أكثر المتكلمين وأثبتها جمهور الأشاعرة، قال النووى: وهو مذهب السلف والمحدثين، قال الفخر الرازى وغيره الخلاف مبنى على أن الطاعة إن أخذت فى مفهوم الإيمان فإنه يقبل الزيادة والنقص وإلا فلا، لأنه اسم للتصديق الجازم مع الإذعان، وهذا لا يتغير بضم طاعة ولا معصية، ورد بأن القائلين بهما مصرحون بأنه مجرد التصديق أو التصديق والإقرار، وحملهم على ذلك ظواهر الكتاب والسنة، نحو:{أية : فزادتهم إيمانا} {أية : ليزدادوا إيماناً}تفسير : ولا مانع من قبول التصديق لهما، لأن اليقين الأخص الذى هو أخص من التصديق متفاوت القوة، ألا ترى إلى ما بين أجلى البديهيات ككون الواحد نصف الاثنين، وأخفى النظريات القطعية ككون العالم حادثاً عالم السماوات والأرض، ولا خلاف فى أن تصديقنا ليس كتصديق أبى بكر، وتصديقه ليس كتصديق الأنباه، ومانع الزيادة والنقص نقول لا تمنعها إلا بالنسبة لذات التصديق دون آثاره الخارجة، وتفاوت اليقين السابقة ليس تفاوتاً فى شدة وضعف، بل فى ظهور الكشاف أو تقدم أو تأخر، ويقول زيادته فى الأدلة هى زيادة إشراقه فى القلب، وثمراته كدوام حضوره بتوالى أشخاصه، ويقول الإيمان عرض لا يبقى زمانين، بل يتجدد حضوره وتواليها الاستمرار شهود موجبة مع شهود الجلال والكمال، وهذا يخص كماله بالإنبياء، ويشاركهم أكابر المؤمنين فى نوع منه، فثبت لهم إعداد من الإيمان لا تثبت لغيرهم، وقضية ذلك أن استمرار حضور الجزم زيادة قوة فى ذاته، وليس كذلك عند المانع، ومن أثبتهما وأراد هذا فالخلاف لفظى لاتفاق الفريقين على ثبوت التفاوت فى الإيمان بهذا الأمر المعين، فبقى الخلف هل هذا المعين داخل فى ماهية التصديق أو خارج عنها ولا عبرة به، لأنه ليس خلافاً فى نفس التفاوت، قال النووى: قال محققو أصحابنا المتكلمين يعنى الشافعية نفس التصديق لا يقبلهما، والإيمان الشرعى يقبلهما يزيادة ثمراته وهى الأعمال ونقصها، قال وفى هذا توفيق بين ظواهر لنصوص التى جاءت بالزيادة واللغة وهو حسن ولكن الأظهر - والله أعلم - أن نفس التصديق يزيد لكثرة النظر، ويظاهر الأدلة إذ لا يمكن إنكار إن إيمان المصدقين أقوى من إيمان نحو المؤلفة. والله أعلم. قال ابن أبى مليكة أدركت ثلاثين صحابياً كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحد يقول إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل، رواه البخارى وقد قال الله عز وعلا لإبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام:{أية : أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى}تفسير : فهو كمن علم ببستان فى غاية النضرة والخضرة، فنازعته نفسه فى مشاهدته، فإنها لا تسكن ولا تطمئن إلا إن شاهدته، فطلب بذلك سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية تلك الكيفية التى طلب رؤيتها، وأنه طلب العلم البديهى بعد العلم الاستدلالى. والله أعلم. والغيب فى الأصل مصدر بمعنى الغيبوية والخفاء، وأخرج عن ذلك واستعمل بمعنى اسم الفاعل، كأنه قيل: يؤمنون بالشىء الغائب، وهو البعث ورضا الله سبحانه وتعالى وسخطه، والجنة والنار والملائكة، والقضاء والقدر ونحو ذلك. فالباء للتعدية متعلقة بيؤمنون، ويجوز أن يكون فى الآية وما أشبهها وصفاً من أول الأمر أصله، غيب بفتح الغين وكسر الياء مشددة، حذفت الياء المتحركة وبقيت المدغمة، فهو قبل التخفيف يوزن فيعل بفتح الفاء وإسكان الياء وكسر العين، أو بوزن فعيل بفتح فكسر وإسكان، ووقع القلب المكانى كما قيل فى سيد وميت ولين وهين ونحو ذلك، والمراد بالغائب الذى يؤمنون به ما لا يدركه حس كما مر التمثيل به أنفاً، ولا تقتضيه بدلالة العقل، سواء كان عليه دليل كالأمثلة المذكورة أو لم يكن، وهو المراد بقوله تعالى:{أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}،تفسير : ويجوز كون الغيب باقياً على المصدرية، والباء بمعنى مع تتعلق بمحذوف حال، أى يؤمنون ملتبسين بالغيب، أى بالغيبة والخفاء، أو بمعنى فى تتعلق بيؤمنون، والمعنى على هذين الوجهين أنهم يؤمنون حال غيبة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، كما يؤمنون حال حضورهم، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ويجوز على الوجهين كون الغيبة عما يؤمن به، بفتح الميم، قال ابن مسعود رضى الله عنه: والذى لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية، رواه الحاكم وصححه، ويجوز كون أراد بالغيب الخفاء كما ذكر، والباء بمعنى فى كما ذكر، لكن المعنى يؤمنون فى قلوبهم لا فى ألسنتهم فقط، وهو بمعنى الغائب الذى هو القلب، أى يؤمنون بالقلب لا باللسان فقط، لكن يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم، فالباء للآلة، ويبعد أن تجعل الهمزة للتعدية والباء للسببية، أى يؤمن نفسه من عذاب الله بسبب الغيب، إذ صدق به وتفسير الغيب على العموم السابق هو ما ظهر لى، وبه قال ابن عباس: وقيل الغيب: الله تعالى، وقيل القرآن، وقيل الآخرة، وقيل الوحى، وقيل القدر، ويحتمل أن يريد أصحاب هذه الأقوال التمثيل، والقول بالقرآن صادق بالعموم، لاشتماله على جميع ما يؤمن به. {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}: يأتون بالصلوات الخمس قائمة معتدلة، راغبين فيها كالإنسان الحسن الصورة المنتصب المعتدل، بأن تكون بطهارة وخشوع وإتمام وفى وقتها لا قبل ولا بعد، ولا فى وقتها الضرورى، ولا يأتون بها معوجة كالإنسان المعوج المنتكس، بأن تكون بلا طهر، أو بلا خشوع، أو بنقر أو التفات، أو فى غير وقتها، أو بتهاون بها، سواء صليت فى وقتها أو فى وسطه أو فى الجزء الضرورى منه، فإنما الحقيق بالمدح والثواب من يأتى بها قائمة معتدلة كما وصفت، لأنه هو الذى أتى بحدودها الظاهرة والباطنة. فهو المخلص، وإنما يقبل من الأعمال ما كان مخلصاً ومن يرائى بها لم يصدق عليه أنه خاشع، فهو غير مخلص، وكذا من كدرها بنو تهاون أو التفات أو عدم الطهر، فيكون قد شُبهت الصلاة المحافظ عليها بإنسان منتصب القامة معتدلا حسناً مرغوباً فيه، قال الله تعالى:{أية : ولقد كرمنا بنى آدم}، {أية : لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم}،تفسير : ورمز إلى ذلك التشبيه بإثبات لازم الإنسان لها وهو الإقامة، فإن الله جل وعلا قد جعل الإنسان معتدلا منتصباً مطلقاً، وإنما زدت فى الشبه كونه حسناً مرغوباً فيه لقرينة المقام أنها لا تشبه بإنسان خسيس، فتلك استعارة مكنية، ويجوز أن يشبه الإتيان بالصلاة على وجهها يجعل الشىء من إنسان أو غيره قائماً، فاستعير لذلك الإتيان لفظ الإقامة بمعنى الإتيان، فاشتق منهم مقيم بمعنى يأتى بها على وجهها، فتلك استعارة تبعية، وإنما خصصت المشبه به بقيام، لأن الشىء ينتفع به غالباً إذا كان قائماً، وبالقيام يكون الانتفاع العظيم، ويجوز أن يكون يقيمون الصلاة بمعنى يديمونها من قولك أقمت السوق، أى جعلتها قائمة، أى نافقة فإنها إذا كانت نافقة طال مدتها، وإذا كسدت انقطعت وزالت، ففى ذلك استعارة بالكناية إذ شبه الصلاة بالسوق تشبيهاً غير مصرح ورمز إليه بذكر لازم السوق وهو الإقامة بمعنى التصيير نافقة أو استعارة تبعية إذ شبه الإتيان بالصلاة على وجهها بإنفاق السوق المسمى بالإقامة، فسمى ذلك بلفظ الإقامة، واشتق منه يقيم بمعنى يأتى بها على وجهها، وتسمية إنفاق السوق إقامة مجاز وقد أجيز بنا مجاز على مجاز أو هى حقيقة عرفية، والجامع بين الصلاة والسوق الرغبة فى كل لإيصاله إلى فائدة، ويجوز أن يكون يقيمون بمعنى يتشمرون لها من غير فتور ولا توان ولا تهاون ولا تقصير فى أمر من أمورها، يقال قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد، وضده قعد عن الأمر وتقاعد شبه التهيؤ لأداء الصلاة بالقيام بأمر من الأمور الدنيوية التى يجتهد فيها لا بأمر من الأمور مطلقاً، لأن الصلاة من الأمور المطلقة، فلو كان كذلك لم تحتج إلى التشبيه، ويجوز أن يقال شبه الإتيان بالصلاة على وجهها بإقامة جسم ثقيل بعد امتداده على الأرض، أو بالقيام به فى الأرض على استواء القامة، ويجوز أن يكون يقيمون الصلاة بمعنى يؤدونها، فسميت تأديتها باسم بعض تأديتها، وذلك البعض هو الوقوف فيها كما تسمى الصلاة بالركوع أو بالسجود الذى هو بعضها، وإن قلت اشترط غير واحد فى البعض الذى يسمى الكل باسمه أن تكون له مزية اختصاص فى مقام الكلام، قلت نعم ولا مانع من أن يكون لمتعدد من أبعاضه مزية تقصد مزية هذا فى الكلام، ومزية ذلك فى كلام آخر، فيقصد للقيام فى الصلاة مزية للتعب فى القيام، وكونه على صورة المتهىء للخدمة، فتسمى تأديتها باسم القيام، ويقصد فى كلام آخر مزية للركوع وللسجود لما فيهما من ظهور الخضوع، فتسمى تأديتها باسم أحدهما، وقيد فى كلام آخر مزية للقراءة، لأن القرآن كلام الله جل وعلا، ولأنه المقيد للحلال والحرام والواجب وغيره، والمشعر بوجوب الصلاة فتسمى باسم القرآن، والله أعلم. ويقصد فى كلام مزية الدعاء لتضمنه ما يشتهى الإنسان، فتسمى باسم القنوت والصلاة اسم للفظ التصلية الذى هو مصدر غير مستعمل، ويطلق لفظ الصلاة أيضاً على المعنى الذى يحصل من المعنى المصدرى، ووزن صلاة فعلة بفتح الفاء والعين واللام، وأصل صلوة بفتح الصاد واللام والواو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، ولكون أصلها واواً كتبت واواً كما كتبت ألف الزكاة واواً لكون أصلها واوا، غير أنى أكتبه بالألف على أصل قاعدة الخط لأجل البيان، وهذا فى غير المصحف، وأما فيه فلا يجوز مخالفة مصاحف عثمان، وقد أذكرنى هذا المحل شأن فتح ما قبل تاء التأنيث غالباً تحقيقاً أو تقديراً، حتى إن عامة العرب والأعراب وعامة من يتكلم بكلامهم بعد فساد لسانهم يكتفون بفتح ما قبل هاء التأنيث عنها، ويسقطونها، ويقولون فى النعجة نعج، وفى البقرة بقر، وفى النخلة نخل، بإسقاط تاء التأنيث وإثبات ما فتح قبلها أو بإبدالها هاء للوقف، أو فى الوصل الجارى مجراه بصوت ضعيف، ثم لما زاد لسانهم فساداً اضمحلت كلها، ويقولون فى فاطمة فاطم، وفى عائشة عيش بعين وياء وشين، وفى حنة حن بإسقاط التاء فى ذلك كله وإثبات فتح ما قبلها، وذلك فى لغتنا البربرية أيضاً، فإذا كتب ذلك أحداً وكتب نحو فافه أو لاله، فليكتبه بهاء منقوطة نقطتين أو غير منقوطة، لأن ذلك الأصل. وقد أبقوا الفتحة دليلا عليها فلا إيهام بإثبات الهاء فى الخط، ومن لم يعرف أن الفتحة دليل عليها فكذلك يكتب له الكاتب بإثبات الهاء، لأن ذلك منه جهل بالمعنى عدم علمه بالهاء ودليلها، وقد جرى الكتب بها ولم يقع إيهام فى ذلك، ولا توهم من جاهل ولا من غيره، فذلك علة من تقدمنا فى كتب ذلك بالهاء، والله أعلم. وأيضاً إذا لم يكتب نحو نعجة وبقرة بالتاء توهم القارئ والسامع أن المراد ثلاث فصاعداً، فيقع فى أكل أموال الناس بالباطل، وأيضاً إذا كتبت قولهم عيش ونعج عائشة ونعجة كان حكاية بالمعنى والحكاية بالمعنى جائزة واردة فى القرآن والسنة. قال ابن هشام والشيخ خالد فى الجملة يجوز حكايتها على المعنى، فتقول فى حكاية زيد قائم قائم زيد، وإن كانت الجملة ملحونة حكيت بلا لحن على الأصح صوتاً عن ارتكاب اللحن، ولئلا يتوهم أن اللحن نشأ من الحاكى، فعلى هذا إذا قال شخص جاء زيد بالجر وأردت حكاية كلامه، قلت قال فلان جاء زيد بالرفع ولكنه خفض زيداً لتنبيه بالاستدراك على لحنه وإلا لتوهم أنه نطق به على الصواب، وعلى القول الثانى نقول: قال فلان جاء زيد وتجر زيداً مراعاة للفظه. انتهى. قال بعض من حشا عليهما التصحيف فى ذلك كاللحن وهو تغيير الحروف، وإن زعم زاعم مكابر لعقله وجاحد للظاهر أن ذلك لفظ عجمى يحكى، كما يقال قلنا إن العجمى يجوز تعريبه كما نص عليه فى التصريح وغيره فبطل ادعاء بعض أن أصل أحد لا يجوز، لكن ذلك البعض من عامة الناس، مع أن ذلك ليس جله عجمياً فبطل ادعاء ذلك العامى خطأ السلف الذين يكتبونه بالتاء ويصلحونه، وتعريب العجمى كثير فى القرآن والسنة وكلام العرب، بل نقول أيضاً يدل على أنه ليس ذلك بربريا النطبق به بلا تاء تأنيث فى أوله وآخره، فإن لغة البربر يجتمع فيها فيما كان مؤنثاً تاء تأنيث أوله وآخره، الأولى مفتوحة والأخيرة ساكنة، وذلك فى أسماء الأجناس، ولغة العرب لا تجتمع فيها علامتا تأنيث، فتبين أن نحو قولك: نعج بقر عربى ملحون فجاز تعريبه. وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها على الصلوات اللغوية وهى الدعاء، كقول المصلى:{أية : اهدنا الصراط المستقيم}،تفسير : وقوله:{أية : ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}،تفسير : أو لتحريك الصلاة فيها وهو عرق فى أعلى الفخذ وفى المقعدة، وفى الحيوان صلوان بفتح اللام تثنية صلاة سميت تلك العبادة صلاة لأن المصلى يحركهما فيها بالركوع والسجود، ولأن أول ما يعلم به القائم المصلى من القائم المطلق تحريك الصلوين بالركوع، أعنى أنه يتحرك بهما للركوع فيظهر ركوعه، ولانه أول ولو كان لا يريان والألف على الوجهين منقلبة واواً، ولذلك كتبت واو على لفظ المفخم، أعنى الناطق بالواو، فإن لفظ الواو ساكنة أو متحركة سكوناً ميتاً أو حيا، فأى حركة أغلظ من لفظ الألف، فإن نطقك بالواو أغلظ منه بالألف، هكذا أفهم كلام القاضى، وقرره، وقال الشيخ زكرياء مراده إمالة الألف إلى مخرج الواو فهو ضد الترقيق بمعنى ترك هذه الإمالة لا ضد الإمالة المطلقة وهو تركها، ولا ضد الترقيق بمعنى إخراج اللام من أسفل اللسان، فالتفخيم على ثلاثة أوجه، والجمهور على أن الصلاة الشرعية مأخوذة من الصلاة بمعنى الدعاء، وهو الصحيح، واختار الزمخشرى أنها من الصلاة وإن قلت اشتهر لفظ صلى فى الصلاة الشرعية لا فى الدعاء أو تحريك الصلوين فكيف ينقل من الدعاء أو تحريكهما؟ قلت: لا مانع من كون المنقول إليه فوق المنقول منه فى الشهرة ولا سيما مع تخالفهما شرعاً ولغة، وإن قلت معنى تحريك الصلوين أشهر من الدعاء المعبر عنه بلفظ الصلاة فكيف تنقل الصلاة الشرعية من الدعاء ما هو أشهر؟ قلت: لا مانع من النقل ما هو غير أشهر وذلك لقصد مناسبة لها مزية، مع أنا لا نسلم أن الصلاة بمعنى تحريكهما أشهر من الصلاة بمعنى الدعاء، بل الأمر بالعكس، وإن قلت كيف يسمى الداعى مصلياً مع أنه لا يحرك صلويه، قلت لا نسلم أن الصلاة بمعنى الدعاء منقولة من الصلاة بمعنى تحريك الصلوين، بل وضعت لفظة الصلاة للدعاء، كما وضعت لتحريكهما، ولئن سلمنا لنقولن سمى الداعى مصلياً تشبيهاً له فى فى تخشعه بالراكع الساجد المحرك صلويه. ومن أراد المحافظة على الصلاة فليكتب إحدى وستين آية يذكر فيها الصلاة أول ساعة الخميس والقمر بثلث المشترى، وإن كتبه فى شرفه أو بيته خالياً من النحوس فأجود بزعفران وماء ورد ومسك، ويمحوها بماء المطر ويصبه فى زجاجة، وكلما سمع الأذان نام وتوضأ وشرب منها يسراً وقرأ الآيات فى الطريق سراً فى نفسه حتى ينقضى الماء. ولا يكتب قوله تعالى: {أية : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}،تفسير : وقوله جل وعلا:{أية : فويل للمصلين}تفسير : ونحو ذلك. {وَمِّمَا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}: ينفقون مما رزقهم الله النفقة الواجبة كالزكاة وإقراء الضيف الواجب، وتنجية المضطر ونفقة من لزمته نفقته، وأداء ما وجب من الكفارات ونحو ذلك، ونفقة التطوع فى وجوه الأجر، ويحتمل أن يريد النفقة الواجبة مطلقاً ويدل له، إنما ذكر قبل ذلك وما ذكر بعده فى الآية كله واجب، ويحتمل أن يريد أداء الزكاة اقتصارا فى الذكر على أفضل أنواع الإنفاق، ويدل له اقترانه بالصلاة، وقد كان معلوماً أن الصلاة والزكاة أختان، إلا أن يقال المراد بالصلاة الواجبة وغير الواجبة، قيل ويحتمل أن يراد الإنفاق من جميع ما رزقهم الله من أنواع الأموال، ومن العلم وقوة البدن والجاه وفصاحة اللسان، ينفعون بذلك عيال الله سبحانه وتعالى على الوجه الجائز، وقيل المعنى ومما خصصناهم به أنوار معرفة الله جل وعلا يفيضون، وهذا القول الذى قبله أظنهما للصوفية أو لمن يتوصف، وليس تفسير الصوفية عندى مقبولا إذا خالف الظاهر، وكان تكلفاً أو خالف أسلوب العربية، ولا أعذر من يفسر به ولا أقبل شهادته وأتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه، فإنه لو كان فى نفسه حقاً لكن جعله معنى للآية أو للحديث خطأ، لأنه خروج عن الظاهر وأساليب العرب الذين يتخاطبون بها وتكلف من التكلف الذى يبغضه الله، فإن القولين وإن ناسبهما قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن علماً لا يقال به ككنز لا ينفق منه"تفسير : الذى رواه ابن أبى شيبة وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مثل الذى يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذى يكنز الكنز ثم لا ينفق منه"تفسير : الذى رواه الطبرانى فى الأوسط، لكن لا يصحان تفسيراً للآية، إذ لا يتبادر ذلك ولا يجرى على أسلوب العرب، والقول الأخير أبعد، وأنا أعد اعتقادى ذلك نوراً ومعرفة أفاضها الله الرحمن الرحيم على، وقد أقبل القول الذى قبله لأنه قريب من أسلوب العرب، وقليل التكلف، والصحيح أن المراد النفقة الواجبة وغير الواجبة من المال، وقد أذكرنى هذا المحل بواقعة حال، هى خفاء معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ملعون من سئل بالله بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ثم لم يعط ما لم يسأل هجراً"تفسير : رواه الطبرانى عن ابن موسى فى الكبير وهو مذكور فى صحيحى الذى من الله على الرحمن الرحيم بتأليفه، الذى ألفته بحول الله وقوته، لتتم به مع مسند الربيع بن حبيب - رحمه الله - الفائدة، وكثرة سؤال الطلبة عن معناه، وقد ألفت فى تفسيره تأليف تطول وستدلال. وأقول هنا بطريق الاختصار وترك الاستدلال: المراد فيه بالمسائل والمسئول نوع من السائلين والمسئولين مخصوص. أما السائل فهو من يسأل بوجه الله ليعطيه من لا يسمح بالإعطاء فيعطيه كارهاً مقهوراً فيكون السائل بمنزلة الغاصب، ومن جملة من يأكل أموال الناس بالباطل، أو من يسأل على صفة يعطى بها، وليست فيه كادعاء فقر أو نسب أو غرامة أو كتابة أو إرادة نكاح أو ادعاء عيال أو نحو ذلك مما ليس فيه، أو من يسأل تكاثراً عن ظهر غنى على القول بكفره، أو من يسأل معصية من العاصى أن يفعلها المسئول فى نفسه أو فى السائل أو فى غيرهما، أو فى ماله أو مال السائل أو غيرهما، كتعد فى زكاة كإعطائها غير أهلها أو فى عرض أحدهم، أو معنى لعنه شتمه بأن يقال ملح ملحف حريص يسألنا بالله فنعطيه أجبنا أو كرهنا، أو من سأل عن صفة من صفات الله فلم يجد جواباً بحق فإنه كافر كفر شرك على مشهور المذهب، والذى عندى أنه لا يكفر ولا يكفر من خطرت فى قلبه أو سمعها ولم نعلم حكمها، بل يعتقد أنه تعالى ليس كمثله شىء والباء بمعنى عن أو فى، أى فى شأن صفة من صفات الله ووجه الله أهو الله، وأما المسئول فهو من سأله مضطر محتاج فلم يعطه. وقد وجد أن يعطيه وجل الإعطاء أو سأله الإمام العدل أو نائبه الزكاة فمنع أو سئل الحق الواجب عليه فمنع كنفقة من تجب نفقته، وإقراء الضيف الواجب، أو سئل عن صفة من صفات الله فلم يعط الجواب لجهله، أو لكتم العلم فإنه يكفر عن المشهور كما مر كفر شرك، إذا جهل ما سئل عنه منها أو خطر فى قلبه أو سمعه، ولم يعلم حكمه ولا يكفر عندى. والباء فى هذا الوجه بمعنى عن أو فى أى فى شأن صفة من صفات الله ووجه الله هو الله، أو معنى لعن السائل إبعاده عن ساحة الزهاد وإدخاله فى نوع الحريصين، إذا بذل وجه الله سبحانه فى شىء، ومعنى لعن المسئول كذلك إذا اختار غير الله على الله وإن قلت نجدهما ملعونين بأحد المعانى السابقة، سواء ذكر السائل اسم الله أو لم يذكر، قلت: نعم لكن خص ذكر الله - جل وعلا - لأنه أشد أيقاعاً فى اللعنة على أوجهها فى المعانى السابقة، وذلك كله ما لم يسأل هجراً لبناء يسأل للفاعل الذى هو السائل، أو المفعول الذى هو المسئول، فنفرض كل مسألة لا يجوز للسائل أن يسألها إنها هى الهجر، فلا يكون المسئول فيها ملعوناً إذا رده، فمن الهجر السؤال عن ظهر غنى، والسؤال بصفة غير ثابتة للسائل، وسؤال المعصية ونحو ذلك فافهم، ومن الهجر أن يسأله ليلقيه فى مشقة العطاء أو الكفر تعنيتاً، فإذا عرف منه هذا لم يجب عليه الإعطاء ولو اضطر السائل إذا عرف منه ذلك القصد، ومن أراد الإطالة فى ذلك فعليه بتأليفى الذى أفردته فيه. والله أعلم. وإن قلت الرزق عندنا معشر الإباضية الوهبية وعند غيرنا ما مكن الله جل وعلا الحيوان من الانتفاع به، سواء كان حلالا أو حراماً، أو شبهة، وسواء كان مأكولاً أو مشروباً أو غيرهما، وسواء كان الحيوان إنساناً أو غيره، فهل تقول إن الله - جلا وعلا - مدحهم على الإنفاق ولو من حرام؟ قلت: لا نقول مدحهم على الإنفاق من حرام، بل إنما ينفقون من حلال، وبه مدحهم، ويدل على هذا وصفه إياهم بالاتقاء، فهم ينفقون الحرام والشبهات، فكيف يتناولهما حتى ينفقوهما؟ فوصفه إياهم بالإيمان بما نزل إلى سيدنا محمد وغيره صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء، وقد حرم عليهم فى ذلك ما هو حرام من مال أو غيره، فكيف يتملكون الحرام وينفقونه، وقوله سبحانه وتعالى:{أية : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}تفسير : ونحو ذلك من الأدلة النقلية أو العقلية، وخالفتنا المعتزلة فى ذلك فقالوا: إن الحرام لا يسمى رزقاً، قلت يبطل قولهم بأنه لا شك أن من غصب شيئاً فأكله أما أكل رزقه وهو الصواب وإنما يعاقب على كسبه بالغصب، وما أكل رزق غيره فيلزمه أن يكون قد غلب قضاء الله، إذ قضاه رزقاً لغيره فأكله هو، فإن قالوا بهذا كفروا، وإن قالوا قضاه الله رزقاً لغيره ثم صيره رزقاً لغيره فقط شبهوه بخلقه وقالوا إنه تبدو له البدوات فيكفروا، والحق أن الله جل وعلا قضاه رزقاً لأكله وإن كان مالا انتفع به مالكه وغاصبه فقد قضاه جل وعلا رزقاً لكل منهما فى مدة مخصوصة، ويبطل قولهم أيضاً إنه قد يتقوت الإنسان طول عمره بحرام أو فى بعض عمره فيلزمهم أن يكون فى ذلك قد عاش بلا رزق من الله وهو خلاف قوله تعالى:{أية : وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها}تفسير : ويبطله أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو ابن قرة:"حديث : لقد رزقك الله طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله"تفسير : رواه ابن ماجه وغيره، من حديث صفوان بن أمية هكذا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : فجاءه عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله إن الله قد كتب على الشقوة فلا أرانى أرزق إلا من دفر بكفى، فأذن لى فى الغنى من فاحشة. فقال: "لا إذن لك ولا كرامة، كذبت أى عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيباً... إلخ"تفسير : وحجة المعتزلة أن الله سبحانه يستحيل أن يمكن من الحرام، إذ منع الناس من الانتفاع به، وأمر بالزجر عنه، وأسند الرزق هنا إلى نفسه إيذاناً بأنهم منفقون الحلال الخالص، لأن إنفاق الحرام لا يوجب المدح. وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم لقوله:{أية : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالا}تفسير : ويرد عليهم بما ذكرنا آنفاً، وأن الله سبحانه وتعالى لم يمكنهم من الحرام رضا به، ولكن خلق الحرام وسبق القضاء بأكله وتناوله، ويؤخذ على كسبهم وتناولهم فى الأكل وغيره. ونقول: إسناد الرزق إلى نفسه للتعظيم والتحريض على الإنفاق، والمراد تعظيم الرزق، والتحريض على الإنفاق من الحلال. واختصاص الرزق فى الآية بالحلال لقرينة أنه لا يمدح الإنفاق من الحرام. وليس إسناد الأشياء التى لا تجوز إلى الله تعالى بممنوع ولا بقبيح، إذا أسندت إليه على جهة أنه خالق لها، فإنه هو الخالق لها لحكمة. وإنما القبيح تناول المكلف لها. والله أعلم. وقد قدم قوله: {وما رزقناهم} على قوله: {ينفقون} مع أنه متعلق به للاهتمام، أعنى على طريق العرب فى الاهتمام. ولست أريد أن الله - جل وعلا - يوصف بالاهتمام. وأيضاً قدمه لأن أواخر الآى نون قبلها مدة فلو أخره لكان هذه ميماً، والميم لو قربت من النون قد تغنى عنها، لكن لا مدة قبلها. ومن للتبعيض ونكتتها الكف بسط اليد بالإنفاق كل البسط. وذلك إنما ينهى عنه الإنسان إذا أدى به إلى الانقطاع كبقاء بلا ثوب يصلى به ويستر عورته أو إلى طمع فى الناس أو سؤالهم أو تضرر عظيم بجوع أو عطش أو إلى الإعراض عن الورع عند حضور الطعام مثلا، لشدة الحاجة إليه، أو إلى تضييع من لزمته نفقته، أو إلى معصية ما، أو فى معصية أو بإهمال نية. وقد تصدق أبو بكر وغيره من الصحابة بما عنده كله أجمع، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرزق فى اللغة: الحظ، كقوله تعالى:{أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}.تفسير : والإنفاق الصرف أو الإخفاء بالإذهاب، ألا ترى نافقاء اليربوع؟ والنفق الذى هو السرب فى الأرض؟ ونفاق السوق وهو ذهاب ما فيها بشرائه؟ رغبة فيه بل غالب ما فيه دون وفاء دال على الذهاب، والخروج كالنفث فانه إخراد ريق قليل أو ريح قليلة، وكالنفل فإنه التبرع بما عندك وكالنفار والنفاد، فإنه الوصول من جانب لآخر والنفود وهو انقضاء الشىء ضد البقاء {أية : ما عندكم ينفد وما عند الله باق}تفسير : وكالنفف فانه السرب يذهب فيه الشىء ويخفى، وكالنفخ فإنه إخراج صوت وريح من فم أو أنف، وكالأنف من الشىء وهو التكبر عن الشىء والخروج عنه، وكالنفس فإنه خروج ريح من أنف. والنفس التوسع وهو خروج عن الضيق وكالنفظ والنقط وغير ذلك بل لو قيل كل لفظ فيه نون وفاء كذلك لصح، لكن بعض بظهور وبعض بتأويل.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} في قلوبهم وألسنتهم لا فيها فقط {بِالْغَيْبِ} بذى الغيب أو الغائب، وهو الله، جل جلاله، وما أخبر عنه مما سيكون في الدنيا أو الآخرة، أو كان ولم يشاهدوه أو آمنوا بذلك، وهم في غيب عنه {وَيُقِيمُونَ الصَّلَٰوةَ} يأتون بها في وقتها المختار، لا الضرورى إلا لعذر بطهارة، وخشوع وإخلاص، وترك ما يكره حتى كأنها كجسم مستقيم لا عوج فيه، أو كسوق أقيمت ورغب فيها، وذلك مستتبع لإقامة صلاة النفل إلا أنه لاعقاب عليها، وقال الجمهور: المراد صلاة الفرض، وعليه ابن عباس، ومثل هذا اللفظ حقيقة شرعية عن معنى لغوى مجاز لغوى؛ كما هو المشهور، وقال الباقلاني مجاز، وقال المعتزلة حقيقة شرعية مخترعة، وليست منقولة عن معان لغوية {وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ} طعاما أو دراهم أو ثيابا، أو دواب، أو عقارا، أو غير ذلك من الحلال، إذ لا مدح بإنفاق الحرام، لأن التصرف فيه وإمساكه كفر {يُنْفِقُونَ} في طاعة الله، كإنفاق من تجب نفقته من أهل ورحم وتنجية مضطر، وضيف وإنفاق الزكاة، وكإنفاق تطوع، وكإنفاق نفسه بنية أن يتقوى على العبادة وأن ينفر عن مال الناس، قيل، إن أريد بالتقوى في قوله، المتقين، اتقاء المشرك فالذين... الخ صفة مخصصة. أو ترك ما لا بأس به مخافة أن يقع في اليأس فمادحة، كما فى حديث الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما فيه بأس ".

الخليلي

تفسير : معنى الإِيمان وأثره: الإِيمان هو أساس الهداية، ومصدر التقوى وينبوع الفضائل، وأصله التصديق نحو قوله عز وجل: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا..} تفسير : [يوسف: 17]، ومأخذه من الأمن، لأن المصدق آمن مُحدثه التكذيب، والإِيمان بالغيب هو نقطة الافتراق بين أصحاب الفطر السليمة والنفوس الزكية والعقول الراسخة والأفكار الواعية، الذين يتصلون بما وراء هذا العالم المحسوس، ويدركون أنه محاط بقوة تقهره وإرادة تدبره، وأن الوجود لا ينحصر فيما تدرك الحواس، وأن الحياة ليست مقيدة بهذه الرحلة العابرة على ظهر الأرض، وبين الذين تكدرت فطرهم، وأظلمت نفوسهم، واضطربت عقولهم، وانغلقت أفكارهم، فلم يفهموا تفسيرا للوجود إلا ما وقعت عليه حواسهم المحدودة، ولا معنى للحياة إلا هذه الرحلة التي يقطعونها على ظهر الأرض، وهم الماديون المنحبسون في مضائق المادة؛ الذين سدوا على أنفسهم منافذ التفكير، وحالوا بين عقولهم ومسارح الاعتبار، فلا يتجاوزون حدود الحواس إلا في محيط الاكتشافات بالأجهزة التي هي في حقيقتها امتداد للحواس. ويتضح بهذا الفارق بين الطائفتين، فالمؤمنون بالغيب ينطلقون بأرواحهم وعقولهم وقلوبهم في فسيح ملكوت الله الواسع، ويرون أن هدف الحياة أسمى من أن يكون من أجل شهوات الدنيا والتنافس على حطامها والتناحر على منافعها، بينما الذين يكذبون بالغيب لا يعرفون هدفا في الحياة إلا إرضاء العواطف المضطربة، وإشباع الغرائز المنهومة، ومن هنا يختلف سلوك الطائفتين، وتختلف موازين الأمور بينهما، فالمؤمنون بالغيب يلمحون في كل شيء المبدأ والمصير، فيحرصون على أن تكون أعمالهم كلها خالصة لِمُبْدِئِهم تعالى، ومنطبقة على المقاييس التي أنزلها، ومؤمنة لمصيرهم في الدار الآخرة. ومن ثم كان الإِيمان بالغيب القاعدة الأساسية التي يقوم عليها العمل الاسلامي وينطلق منها المسلم في اتجاهه إلى ربه في جميع مجالات الحياة. فالأنظمة كلها في الإِسلام يجب أن يكون بناؤها على هذه القاعدة، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية. كما أن جميع التصورات والأفكار الإِسلامية لا تنشأ إلا عنها، ولا ترتكز إلا عليها، وبهذا تعلمون سبب تصدير صفات المتقين في هذه الآية بالإِيمان بالغيب، ولا ينبغي أن يفوتنا الحديث عن وضع كل من كلمتي الإِيمان والغيب: أما الإِيمان؛ فقد ذكرت لكم في أول هذا الحديث أنه مأخوذ من معناه اللغوي وهو التصديق، ولوحظ هذا المعنى في الحقيقة الشرعية لهذه الكلمة، غير أن الشرع قد يطلقها على العقيدة وحدها، كما يستفاد من حديث جبريل - عليه السلام - في أركان الإِيمان، وهو: "حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله"تفسير : ، وعلى هذا المعنى يحمل الإِيمان عندما يعطف عليه العمل الصالح، وقد يطلقها عليها وعلى ما تستلزمه من صالح العمل، وتدل على ذلك صفات المؤمنين المبينة في القرآن كقوله تعالى في فاتحة سورتهم: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1 - 11]. وقوله في سورة الأنفال: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 2 - 4]. وقوله في سورة الحجرات: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} تفسير : [الحجرات: 15]. إلى غيرها من الآيات الواصفة للمؤمنين الكاشفة لخصال الإِيمان، وهي تدل على أن الإِيمان الصحيح هو ما اقترن به العمل الصالح، واجتناب المحرمات، ويؤكد هذا إطلاق إسم الإِيمان على بعض الأعمال كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الإِيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ". تفسير : ومن أمعن في أصول الإِيمان وأركانه التي أتى بها حديث جبريل، يجدها تقتضي الاستقامة في الدين باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه والاقتصار على ما أباحه ومراقبة النفس مع ذلك مراقبة دقيقة لئلا تزل عن هذا المنهج السوي، ذلك لأن الإِيمان بالله وبصفاته وبأفعاله يستلزم حبه على ما أنعم، ورجاء بره وفضله، وخشية عقوبته ومكره، وهي كلها حوافز إلى طاعته، واجتناب معصيته، والإِيمان بملائكته يقتضي استشعار أعمالهم ووظائفهم، ومنها مراقبة الإِنسان وتسجيل أعماله وأقواله، {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]، {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الانفطار: 10 - 12]. ومن شأن ذلك التيقظ والمراقبة الدقيقة للنفس حذرا من تورطها، وتسجيل السيئات عليها، وحرصا على الأعمال الصالحة التي ينقلب بها الملائكة الى ربهم وهم يشهدون بها. والإِيمان بالكتب يفضي إلى اتباع هداها، والانتفاع بمراشدها. والإِيمان بالرسل يؤدي إلى حسن الاقتداء، وجميل التأسي بهم. والإِيمان باليوم الآخر أكبر داع إلى توطين النفس على الخير لتزوده لذلك اليوم؛ الذي يكون فيه كل أحد رهين عمله. والإِيمان بقضاء الله وقدره من مقتضياته تعلق النفس بالله وحده، وتوطنها على ما يصيبها من مكاره الدنيا. من ذلك تجد الجم الغفير من علماء السلف يقولون إن الايمان ليس محصورا في الاعتقاد وإنما يصدق عليه مع ما يقتضيه من صادق القول وصالح العمل. وهذا القول هو الذي درج عليه أصحابنا ونقله عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، ونقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم، وروي بإسناد صحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإِيمان قول وعمل. وذكر ابن كثير في تفسيره أن الشافعي وأحمد بن حنبل وأبا عبيدة وغير واحد حكوا الإِجماع عليه وهذا هو الإِيمان المطلوب شرعا، وهو الذي يترتب عليه الفوز بنعيم الآخرة والنجاة من عقابها. وذلك معنى الفلاح في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}، ولا ينافي ما ذكرنا أنه يقصد بالإِيمان تارة الاعتقاد وحده، فإن الاعتقاد هو منشأ العمل كما ذكرت، ومن هنا كان الاقتران بينهما في كثير من الآيات وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاية في الدلالة على حقيقة الإِيمان الشرعي المطلوب، من ذلك ما أخرجه الشيخان عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"تفسير : ، فإن في هذا الحديث ما لا يخفى من كون الانصاف من النفس للغير من جوهر الإِيمان، وهو يقتضي استقامة التعايش الاجتماعي بين المؤمنين. وفي حديث أنس أيضا عند الشيخين: "حديث : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإِيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"تفسير : ، وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: "حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"تفسير : ، ورواه عن أنس - رضي الله عنه - في الصحيح مرفوعا بلفظ: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"تفسير : ، ومن البدهي أن المحبة تستلزم متابعة المحبوب في أمره ونهيه، فمحبة الله ومحبة رسول صلى الله عليه وسلم لا تتحققان إلا بامتثال أمرهما والانتهاء عن نهيهما، وإذا كانت ثم أقوال لأصحاب الفرق في جوهر الإِيمان تخالف ما ذكرته، فإن المعول في فهم معناه وتجلية حقيقته على نصوص الكتاب والسنة، ثم على أقوال أسلاف الأمة الذين كانوا أغزر علما وأعمق فهما، وأقرب عهدا بزمن الرسالة. وفيما ذكرته من ذلك غني عن الاطالة. وبناء على ما سلف من أن الايمان الشرعي يطلق على الاعتقاد الصحيح، ويطلق عليه مع اقترانه بصادق القول وصالح العمل، اختلف المفسرون في المراد بالإِيمان هنا، فعن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد بيؤمنون؛ يصدقون. أخرجه ابن جرير عنهما. وروي عن الربيع بن أنس أن المراد به يخشون. وعن الزهري أن المراد به العمل. وأتبع ذلك ابن جرير قوله: "الإِيمان كلمة جامعة للإِقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإِقرار بالفعل. وإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القول أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب قولا واعتقادا وعملا". وحكى ابن كثير عن بعض المفسرين أن المراد بإيمانهم بالغيب تساوي غيبهم وشهادتهم في الإِيمان بخلاف المنافقين الذين أخبر الله عنهم بقوله: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة: 14]، وقوله: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. وعليه فقوله بالغيب حال من الضمير في يؤمنون، وهو يتفق مع تفسير الايمان بالخشية أو العمل وتفسيره بالخشية مستوحى من قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الملك: 12]، وقوله: {أية : مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} تفسير : [ق: 33]. مفهوم الغيب وأثره: وأما الغيب فما غاب عن علمك، واختلف المفسرون في كونه هنا صفة للمؤمن أو المؤمن به. وعلى الأول فقوله بالغيب حال من الضمير في يؤمنون - كما سبق - أي يؤمنون غائبين ومتعلق الإِيمان غير مذكور لعلمه من سائر الأدلة، واستدل له الزمخشري في كشّافه بما أخرجه سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الضباري والحاكم وصححه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: إن أمر محمد كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ.. إلى قوله .. ٱلْمُفْلِحُونَ}، ومن هذا الباب قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 52]. وعلى الثاني فالغيب هو متعلق الإِيمان، واختلف فيه، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ما جاء منه - أي من الله جل ثناؤه -. أخرجه عنه ابن جرير وأخرج عنه وعن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن الغيب ما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن لم يكن تصديقهم بذلك من قِبَل أصل كتاب أو علم كان عندهم، وهذا مبني على أن هذا الوصف خاص بمؤمني العرب كما سيأتي. وأخرج ابن جرير أيضا عن زر بن حبيش قال: الغيب؛ القرآن، والظاهر أنه يعني بذلك ما حواه القرآن من أمور غيبية. وعن قتادة أن المراد به الجنة والنار والبعث بعد الموت ويوم القيامة. وعن الربيع بن أنس أنه قال: الذين يؤمنون بالغيب آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وآمنوا بالحياة بعد الموت. وقيل: الغيب؛ القضاء والقدر. وقيل: كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. وقيل: هو الله سبحانه، وضعّفه ابن العربي. وأنت تدري أن مفهوم الغيب يصدق على كل ما غاب عن الحواس، سواء اهتدى إليه الإِنسان بعقله أو دله عليه دليل الوحي، فيدخل في ذلك كل ما ذكره المفسرون، كما يدخل فيه كل ما دل عليه القرآن أو تواترت به السنة من أخبار الأمم البائدة، وأحوال الأحداث المستقبلة، فإن الإِيمان به إيمان بغير محسوس، بل يدخل فيه التصديق بالعبادات المشروعة المعلومة من طرق الأخبار الثابتة والعمل بها، بدليل ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم عن تويلة بنت أسلم قالت: "حديث : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيليا فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت، فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب" ". تفسير : وما أخرجه البزار وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب، قال: "حديث : كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أنبئوني بأفضل أهل الإِيمان إيمانا، فقالوا: يا رسول الله؛ الملائكة، قال: هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها، قالوا: يا رسول الله؛ الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته والنبوة. قال: هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها. قالوا: يا رسول الله؛ الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء. قال: هم كذلك، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة. قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإِيمان إيمانا" ". تفسير : وبما أن الإِيمان بالغيب المطلوب هو الإِيمان العميق الأثر، القوي التأثير، الذي يقود صاحبه إلى مناهج الخير والصلاح، ويبعد به عن مسالك الشر والفساد، وليس الايمان التقليدي الذي لا أثر له في سلوك صاحبه، ولا تأثير له على وجدانه ومشاعره، وصف الله سبحانه هؤلاء المؤمنين بصفات تدل على التزامهم موجب الإِيمان، وتكييف حياتهم بمقتضاه، وذلك بتصديق الإِيمان بالعمل. إقام الصلاة أول صفات المؤمن: وأول ما وصفوا به من الأعمال التي يلتزمونها تصديقا لايمانهم: إقام الصلاة، لأن الصلاة هي عمود الدين وإمام الواجبات العملية، والمحافظة عليها ركن من أركان الاسلام، ولأجل ذلك تتابع التأكيد عليها في القرآن حتى في أوائل السور نزولا، واقترنت بالترغيب والترهيب. ففي سورة العلق - وهي أول ما أنزل - يقول تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تفسير : [العلق: 9 - 10]، وأمر بها سبحانه في سورة المزمل التي كان نزولها في أوائل العهد المكي، وذلك في قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [المزمل: 20]. وبيّن أن المهتدين بالكتاب أول صفاتهم العملية وأبرزها إقام الصلاة كما في هذه السورة، وفي سورة النمل في قوله: {أية : هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [النمل: 2 - 3]، ومثل ذلك في سورة لقمان في قوله: {أية : هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [لقمان: 3 - 4]. وبيّن تعالى صفات نصرة الله من العبد التي تؤدي إلى نصرة الله للعبد، وصدَّرها بإقام الصلاة في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ} تفسير : [الحج: 41] (الآية). وذكر إسماعيل - عليه السلام - فوصفه بقوله: {أية : وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ} تفسير : [مريم: 55]. وذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ} تفسير : [الأنبياء: 73]. وعندما وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض في قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ..} تفسير : [النور: 55] (الآية)، أتبع ذلك قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [النور: 56]، تنبيها على أن أول أسباب النصر على الأعداء والاستخلاف في الأرض؛ إقام الصلاة، وفي سورة "المؤمنون" صدرت صفاتهم بالخشوع في الصلاة، واختتمت بالمحافظة عليها، في قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1 - 2] - إلى قوله - {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9]. وذكر تعالى المؤمنين أيضا في سورة الأنفال، فكان أول ما ذكر من صفاتهم العملية إقام الصلاة، وذلك في قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [الأنفال: 2 - 3]. وشرط في تحقق الأخوة الدينية إقام الصلاة، حيث قال: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [التوبة: 11]. وفيه أيضا دليل على أن توبة الكافر مشروطة بإقام الصلاة، لأن الاسلام يتحقق بها، وكذلك مسالمة المؤمنين، كما يدل على ذلك قوله سبحانه: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]، وعلى ذلك نص حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله ". تفسير : وإذا كانت صفات المؤمنين تبدأ غالبا بإقام الصلاة فإن صفات المشركين والمنافقين تصدر بتضييعها، كما في قوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} تفسير : [مريم: 59]. وقوله في ذكر ما يكون من تساؤل بين أهل الجنة وأهل النار: {أية : فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} تفسير : [المدثر: 40 - 47]، فانظر كيف ذكروا أول ما ذكروا من أعمالهم التي سلكتهم في سقر، تركهم الصلاة، وقدموا ذلك على تكذيبهم بالدين، ففي هذا ما يكفي لأن يكون رادعا عن التهاون بالصلاة وباعثا على المحافظة عليها، وبجانب هذه الآيات المبينة لشأن الصلاة وقدرها في الاسلام وأثرها في النفس والمجتمع، وما تضمنته من وعد على إقامتها ووعيد على التفريط فيها، تضافرت كذلك روايات جمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تتعلق بالصلاة وأدائها، منها حديث ابن عمر الذي مر آنفا، وحديث في أركان الاسلام عند أحمد والشيخين، وحديث عائشة - رضي الله عنها - عند الربيع - رحمه الله - مرفوعا: "حديث : لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة الخشوع ". تفسير : وأخرج الربيع عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا إيمان لمن لا صلاة له .."تفسير : ، وروى الربيع عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة"تفسير : ، ورواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعا بلفظ: "حديث : بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة"تفسير : ، وروى أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم وصححه النسائي والعراقي عن بريدة قال: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر""تفسير : ، وروى أحمد بإسناد رجاله ثقات، والطبراني في الكبير والأوسط عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاة يوما فقال: "حديث : من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأُبَيْ بن خلف"تفسير : . وذكر بعض العلماء مناسبة لذكر هؤلاء الأربعة دون غيرهم من الكفار، وهي أن مضيع الصلاة إما أن يكون ملكا فيشغله عنها ملكه، أو غنيا فيشغله عنها ماله، أو وزيرا فتشغله عنها وزارته، أو تاجرا فتشغله عنها تجارته، فإن كان ملكا حشر مع فرعون، وإن كان غنيا حشر مع قارون، وإن كان وزيرا حشر مع هامان، وإن كان تاجرا حشر مع أُبي بن خلف - وهو أحد تجار مكة الذين حاربوا الله ورسوله وقاوموا دينه وصدوا عن سبيله -. وروى الربيع بن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير الصلاة فقال: "حديث : تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم يتحدث حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان ثم يقوم فينقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا"تفسير : ، وأخرج الجماعة إلا البخاري وابن ماجة معناه عن أنس أيضا، وفي حديث أنس كذلك عن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط" تفسير : قالها ثلاثا. أثر الصلاة في تهذيب النفوس: وإذا كانت العبادات المتنوعة التي شرعت في الإِسلام ذات أثر عميق في الإِصلاح النفسي والاجتماعي، وتنوير الفكر، وتهذيب الأخلاق، وإمداد العقيدة بالطاقات التي تمكنها من الهيمنة على العقل والقلب والروح والجسم والعواطف والغرائز، فإن الصلاة أعمق أثرا وأغزر عطاء، ولذلك شرعت متكررة في كل يوم دون غيرها، وهي بهذا التكرار تسد جانبا مهما من الفراغ الروحي، ذلك لأن للروح مطالب كمطالب الجسم، وقد هيأ الله سبحانه لكل منهما مطالبه بحسب مقتضى ضرورته إليها، فالجسم الحي أحوج ما يكون إلى الهواء فالماء فالطعام فالدواء، وكل ما كانت الحاجة إليه أدعى كان أيسر من غيره، فالهواء أيسر من الماء، والماء أيسر من الطعام، والطعام أيسر من الدواء، وذلك مثل مطالب الروح، وهي العبادات المشروعة، فما كانت الضرورة إليه أبلغ كانت ممارسته أيسر، ومن هنا كرر وجوب الصلاة في اليوم، وجعلت أيسر من سائر العبادات كالصيام والزكاة والحج. حكمة مشروعية الصلاة: ومعرفة حكمة مشروعية الصلاة موقوفة على إخبار الشارع الحكيم تعالى عنها، وفي كتاب الله المبين وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يغنينا عن التخمين في ذلك، فإذا تأملنا آي الذكر الحكيم وطالعنا مدونات السنة النبوية خرجنا بدليل قاطع على أن الصلاة إنما شرعت لذكر الله تعالى الذي يترتب عليه محق السيئات وتثبيط العزائم عنها، وتقوية عزائم الخير، وتواصل قلوب المؤمنين برباط الايمان، وذلك فيما إذا حافظ عليها العبد وأداها على النهج المشروع، ومن الآيات الواضحة في ذلك قوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45]، وقوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعارج: 19 - 23]، وفي هذه الآيات الأخيرة بيان أن الصلاة بما لها من سلطان روحي وأثر نفسي تأتي على خصال جبلية مذمومة فتجتثها من نفس مَن داوم عليها، وهي وإن كانت مشتركة مع سائر أعمال البر في ذلك، كما يشهد به عطف هذه الأعمال عليها فهي أبعد أثرا منها، بدليل تقديمها عليها والتنويه بها مرة أخرى في نهاية سردها في قوله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9]، بل يشير ذلك إلى أنها سور للأعمال الصالحة جميعا. وفي سورة الماعون شاهد على أن التهاون بالصلاة منشأ لأعمال الشر، ذلك أن الله عز وجل ذكر فيها التكذيب بالدين ودّع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين، ثم أتبع ذلك قوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون: 4 - 5]، والسياق يقتضي أن يقول فويل لهم ولكن عدل عن ذلك فأتى بالاسم الظاهر مكان الضمير، وكان هذا المظهر المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، للدلالة على أن السهو عن الصلاة هو باب هذه الموبقات كلها، ويشهد لذلك العطف بالفاء التي تقتضي ربط ما بعدها بما قبلها، ورب قائل يقول: إذا كانت الصلاة مشروعة لتزكية النفس - حسب ما قلت - فما بال كثير من الناس يحافظون عليها في مواقيتها ويؤدونها مع الجماعات كما أمر بها، ومع ذلك ليس لها أي أثر نفسي عليهم فلا تردعهم عن المنكرات، ولا تمنعهم من الدنايا، ولا تبعثهم إلى الصالحات؟ والجواب عن هذا التساؤل أن الصلاة المؤثرة هي الصلاة المؤداة بحسب ما شرعت روحا وشكلا بحيث تشعر القلب عظمة الخالق المعبود وعظم منته وإحاطة علمه وقدرته، وشدة بطشه ونقمته، وسعة ثوابه ورحمته، فيستشعر بها المصلي افتقاره إلى المعبود، واستغناء المعبود عنه، وذلك داع إلى تحري مرضاته فيما يصدر عنه فعلا وتركا، أما الصلاة الخالية من هذه الروح فهي صلاة ميتة بعيدة عن هذه المزايا، لا يحصل منها أي أثر نفسي أو اجتماعي. وقد أجاد الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده إذ قسم الصلاة إلى عادة وعبادة، فالعادة هي صلاة أكثر العوام، فإن أحدهم وهو في طور الرشد والعقل إذا قام يصلي لم تختلف صلاته عنها في طور طفولته عندما كان يحاكي أباه فيها، والعبادة هي هيكل وروح، فالهيكل ما شرع من الأقوال والأفعال الظاهرة فيها المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فهي لا تعدو أن تكون بمثابة الجسم الميت الذي لا حراك له ولا جدوى منه ما لم تقترن بروحها، وروحها الخشوع الذي يوصل القلب والعقل بالله عز وجل. الخشوع روح الصلاة: ومن ثم كان الفلاح منوطا بالخشوع كما في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}، وقد نص حديث عائشة - رضي الله عنها - السالف الذكر على أن الخشوع هو عمودها. ولكون المحافظة على الصلاة الشرعية المستكملة لأركانها الظاهرة والباطنة هو من أعظم الواجبات الدينية، تضافرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتشنيع والوعيد على من يفرط في أي شيء من واجبات الصلاة، كأولئك الذين يحولون أبصارهم فيها تارة إلى الميمنة وأخرى إلى الميسرة، ويرفعون رؤوسهم إلى الأعلى مرة ويطأطئونها أخرى غير مبالين بآداب المناجاة التي يقتضيها المقام واستغناء المناجى وافتقار المناجي، وأولئك الذي يختلسون منها الركوع والسجود والطمأنينة، ويبدلون هيآتها، ومما ورد في ذلك حديث أبي هريرة، قال: "حديث : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث؛ عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب"تفسير : . وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، وكان إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه وكان بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، وإذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقب الشيطان، وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختتم الصلاة بالتسليم. وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أنه نهى المصلي أن يقعي في صلاته إقعاء الكلب، وأن ينقر فيها نقر الديك أو يلتفت فيها التفات الثعلب أو يقعد فيها قعود القرد. قال الربيع: إقعاء الكلب أن يفرش ذراعيه ولا ينصبهما، وقعود القرد أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه، قال: ومن فعل شيئا من هذه الوجوه الأربعة فعليه إعادة الصلاة. وروى أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود "حديث : عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفت في الصلاة، قال: اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"تفسير : . وروى الترمذي وصححه عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة .." تفسير : (الحديث). وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه ". تفسير : وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لينتهين أقوام عن رفع رؤوسهم في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم"تفسير : ، وروى من طريقه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة - واشتد ذلك عليه حتى قال - لينتَهُنَّ عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أبصارهم"تفسير : ، "حديث : وروى أحمد والشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ارجع فصَلِّ فإنك لم تصل"، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها""تفسير : . وروى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده"تفسير : ، وروى أحمد وابن ماجة عن علي بن شيبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود"تفسير : ، وروى أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود"تفسير : ، وروى أحمد والبخاري عن حذيفة - رضي الله عنه - أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته دعاه، فقال له حذيفة: ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم. صفة الصلاة الصحيحة: وبالجملة فإن الأدلة متضافرة على أن الصلاة الصحيحة المقبولة عند الله هي الصلاة المصحوبة بالطمأنينة والسكينة، المقترنة بروحها ومصدر سلطانها - وهو الخشوع - وبدون ذلك لا يكون لها على النفس سلطان ولا في الحياة أثر، فإنها تُعد ميتة لا تغني شيئا ولا تحيي قلبا، وأذا أردت أن تعرف حقيقة ذلك فأمعن فكرك فيما تقوله في صلاتك مستحضرا معانيه، مستشعرا عظمة الله المعبود الذي أنت واقف بين يديه، تجد كل كلمة تلفظ بها دافقة بمعنى حيوي يسري في نفسك كما تسري الروح في جسمك، وأول ما تنطق به التكبير، وبه تدخل في صلاتك، وهو يسكب في نفسك شعورا بأن كل ما في الوجود - وإن عظم شأنه وعلا قدره عند الخلق - هو صغير حقير بجانب كبرياء الله تعالى وعظمته، إذ ليس من المعقول أن يقارن بين الخالق والمخلوق، وبين القديم والحادث، وبين الباقي والفاني، فالمخلوق مهما أوتي من قوة أو سلطان فهو نسبي في حدوده لا يوازي شيئا بجانب قوة الله المطلقة، وسلطانه المهيمن على الوجود، وإذا استشعرت هذه الحقيقة كان لها أثر نفسي عليك؛ لأنك إما أن تكون من ذوي القدر والمكانة عند الناس بمنصبك، أو مالك، أو جاهك ووجاهتك، وإما أن تكون من الذين تتجاوزهم الأنظار ولا زنة لك عند الناس لضعفك المادي، ولضعة قدرك بينهم، فإن كنت من الصنف الأول، كان نطقك بتكبير الله عز وجل كافيا في تنبيه قلبك الغافل، وإيقاظ بصيرتك النائمة بأنك لا مزية لك على غيرك من الناس، فأنتم جميعا متساوون في الضعف، والفقر، والذلة والمسكنة أمام الله، وليس ما أوتيته - مما تظنه أو يظنه غيرك مزية وعلوا لقدرك - إلا ابتلاء من الله تعالى مالك الملك ذي الطَّول والحول الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويهب النعمة من يشاء، ويسلبها ممن يشاء، وله ما آتى وما نزع، وبيده ما وهب وما سلب، فيكون لك من ذلك دواء لغرورك، وكبح لشرورك، لأنك تستشف بهذا الشعور عيوبك المتنوعة، سواء ما كان خاصا بك أو كان مشتركا بينك وبين الناس، وتدرك أنك واحد من العباد المفتقرين إلى الله لا مزية لك بينهم، ولا فضل لك عليهم إلا بقدر ما تتقي ربك، وتتقرب إليه بالتذلل والخضوع والخشية والخشوع، وذلك ينافي ما أنت فيه من الغرور والاستكبار والتطاول على الناس بما ابتلاك الله به. وإن كنت من الصنف الثاني كان شعورك بما يوحيه التكبير كافيا لأن يرفع من قدرك، فلا ترضى أن تنزل منزلة المهانة والذلة بين الناس بسبب فقرك أو ضعفك، فإنهم مثلك، وكلكم في الضعف سواء، ولئن كان بعضهم أوتي ما لم تؤته من أسباب القوة ووسائل النعيم في الحياة الدنيا؛ فإن ذلك لا يعدو أن يكون ظلا زائلا، وخيالا عابرا، وإذا أنت تقربت إلى الله بصالح الأعمال، واستمسكت بعروة التقوى كنت أجدر منهم بالعزة، وأولى منهم بالكرامة، وهذا الشعور نفسه كفيل بتحرير نفسك من الذل لغير الله وجعلك تقصر خضوعك على مقام الربوبية، فما أعظم هذه التربية النفسية للمصلين، سواء كانوا من الفريق الأول أو الثاني. وإذا شرعت في التلاوة وافتتحتها بالاستعاذة عملا بقول الله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} تفسير : [النحل: 98]، شعرت أنك تلجأ إلى حمى الله المنيع هروبا من الشيطان ووساوسه ومكائده، وفي ذلك ما يوقظ نفسك لما يريد بك الشيطان من سوء، وما يقصدك به من إضلال، فهو عدوك الذي لا ينفك عن الكيد لك؛ حتى يرديك في الجحيم إن لم يتداركك الله بلطفه، ويعصمك منه بحوله، وهذا يقتضي أن لا يكون لجوؤك إلى الله لجوءا قوليا فحسب، بل لجوءا قلبيا وعمليا بحيث تُستنفَد طاقتك في مقاومة مكائد إبليس بالطاعات التي تؤهلك للدخول في حمى الله، أما إذا قلت ذلك بلسانك فحسب، وكان قلبك وجوارحك في قبضة الشيطان، لم يغنك هذا القول شيئا، وإنما يكون مثلك مثل الأسير في قبضة عدوه لا يستطيع الانفلات منه، وهو مع ذلك يدعي بلسانه أنه هارب من ذلك الأسر، ولاجىء إلى حمى أحد الملوك، وكيف يكون لمثله اللجوء وقد أحاطت به حبال الأسر، ومنعته من قصده قيود القهر. فإذا نطقت بالبسملة استشعرت عظمة الموقف الذي أنت واقفه، وقدر العمل الذي أنت عامله، فإنك واقف بين يدي الله، وعامل باسمه، ومن شأن ذلك أن يوحي إليك أنه لا اعتداد بشيء ما لم يكن لله تعالى خالصا، فإذا قلت {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} شعرت بفيض من نعم الله تعالى يغمر جوانبك ويملأ وجودك ووجود كل شيء، فإن كون الحمد محصورا في الله سبحانه دليل على أنه مصدر كل نعمة، وهذا داع إلى قطع حبال التعلق بغيره تعالى؛ لأجل تحقيق منفعة أو دفع مضرة، ويؤكد ذلك وصفه بأنه رب العالمين، فهو مشعر بخضوع كل ما في الوجود لعزه وسلطانه، وافتقار كل كائن إلى فضله وإحسانه، فما من ذرة في الكون إلا وهي واقعة تحت حيطة قدرته، معلنة بلسان حالها افتقارها إلى فضله ومنته، وشعورك بذلك يقوي صلتك به تعالى بحيث لا ترى غيره أهلا لأن يرجى أو يتقى، كما يستدعي أن تكون في أحوالك المتقلبة، وتصرفاتك المتنوعة تتحرى مرضاته، وتجانب سخطه، ولا ريب أن قلبك - في مثل هذا الموقف الذي تتجلى فيه آيات توحيده تعالى، وتشاهد شواهد عظمته وجلاله - تغمره الدهشة وتمتلكه الهيبة، غير أنك إذا قلت {الرحمن الرحيم} أحسست بالسكينة تسري في نفسك، وتمتزج بدهشتك، وبالطمأنينة تزاحم الهيبة في قلبك، فتتعادل فيه كفتا الخوف والرجاء، لأنك تستشعر أن ربوبيته تعالى - مع جلاله الباهر وسلطانه القاهر - هي ربوبية رحمة وإنعام وفضل وإحسان، ويقوي هذا التعادل إذا ما قلت: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} واستشعرت خطورة ذلك الموقف الذي تَمْثُل فيه بين يدي رب العالمين، وقد تجردت من كل ما خولته في الدنيا، وقطعت جميع علائقك بأحبابك ونصرائك فيها، لتعرض عليك أعمالك السيئة والحسنة فلا يخفى منها خافية، وأنت بين الجنة والنار، أولاهما عن يمينك والثانية عن شمالك، لا تدري إلى إيهما منقلبك والله بك محيط لا مهرب لك عنه، ولا نصير لك دونه، وفي شعورك بهذا تقوية لعزائم الخير في نفسك، وكبح لعزائم الشر التي يمليها عليك هواك. فإذا قلت {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أحسست بتضاعف الهيبة، لأنك انتقلت إلى خطاب الله تعالى خطاب الحاضر، ومضمون الخطاب نفسه يستلزم منتهى الخضوع والوصول إلى أقصى حد في التواضع، لأن معنى خطابك تقديم عبادتك إليه تعالى وهو غني عنك وعنها، وإنما هي وظيفتك التي لأجلها خلقك، ورفع قدرك بما بسط لك من نعمه وسخر لك من خلقه، فقيامك بها إنما هو شرف لنفسك ومنفعته عائدة إليك. وهذا الخطاب منك يقتضي عدة أمور، منها: صدق المقال، وإخلاص السريرة، وتعظيم المقام، والاستمرار على الخضوع المطلق للمعبود، وطاعته الدائبة، والعطف والرحمة بعباده. فإن الله علمك في هذا الخطاب أن تشرك نفسك مع غيرك من عباده العابدين، ولم يعلمك أن تخاطبه بصيغة فردية، التي تقتضي استقلالك عنهم، وفي هذا ما يقتضي وحدة الأمة المؤمنة القائمة بعبادة ربها، وحدة عامة في الشعور والإِحساس، وفي القول والعمل، وفي المبادىء والأهداف، وفي الآلام والآمال. فإذا قلت: {وإياك نستعين} شعرت بقيمتك عند خالقك، إذ لم يجعل بينك وبينه وسائط تستعين بها في طلب محبوب أو اتقاء مخوف، كما أنه لم يجعل بينك وبينه وسائط تعبدها دونه، فالعبادة والاستعانة خاصتان به تعالى وذلك فيما لم يجعل الله التعاون فيه بين الناس من سنن كونهم ونواميس حياتهم - كما تقدم تفصيله في تفسير الفاتحة الشريفة - وفي شعورك بهذا تخليص لك من التشبث بالأوهام، كالضراعة إلى الموتى في القبور، أو الى الأشجار والأحجار، أو العيون والأنهار، أو الجن والشياطين، في طلب فكاك من معضلة أو وصول إلى هدف. فإذا قلت: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}، شعرت أنك أمام طريقين: طريق الهداية والاستقامة المؤدي إلى نعمة الله تعالى بالتوفيق والفوز بالرضوان، وهو الذي وفق الله لسلوكه عباده الصالحين من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحُسن أولئك رفيقا. وطريق الضلال والانحراف المؤدي إلى غضب الله وعقوبته، وتتشعب منه مسالك لا تحصى كلها ملتوية مطموسة المعالم، وهو طريق الفريق الآخر الذي نكب عن صراط الحق، وتعرض لغضب الخالق سبحانه. وفي هذا الشعور ما يدعو إلى التبصر في مسالك الحياة والدؤوب على اتباع الحق، واجتناب الباطل، ويدعو إلى الترابط المديد بين أهل الحق، أسلافهم وأخلافهم، فلا تخرج أجيالهم عن كونها حلقات متواصلة في سلسلة واحدة. وهكذا شأن الخاشع في صلاته في كل ما يتلوه من القرآن وما يكرره من تكبير وتسبيح وتعظيم، وجميع حركاته من قيام وقعود وركوع وسجود. فإذا أدى صلاته على هذا النحو خرج منها طاهر الروح، زكي النفس، نقي الوجدان، مرهف الحس، مهذب الأخلاق. فإذا خاض من بعد غمار الحياة وكاد يتلوث من جديد بدخانها وغبارها، عاد إلى هذا المعين الفياض فارتمى فيه وتطهر من أوضاره وتخلص من أكداره، وهكذا تتكرر العملية في اليوم والليلة خمس مرات، فضلا عن الرواتب والنوافل. وقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأثر النفسي للصلاة وتطهيرها باطن الانسان من الأرجاس المعنوية في صورة المحسوس المألوف - وهو الطهارة الحسية - حيث قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهرا جاريا غمرا ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس"تفسير : ، وهو مثل أراد به صلى الله عليه وسلم إفهام العقول وتقريب المعاني، فإن النفس آلَفُ للمحسوس وأدرك لحقيقته، وإلا فشتان بين نقاء الظاهر ونقاء الباطن، وطهارة الجسم وطهارة الروح. معنى الإِقامة ومغزاه: والذي يلاحظ أن الأمر بالصلاة في القرآن لم يأت بلفظ صلوا، وكذلك الثناء لم يكن للمصلين من غير اقتران بذكر إقامة الصلاة، أو المحافظة والمداومة عليها، بل نجد أن الأمر أكثر ما يكون بإقامة الصلاة، وقد يأتي بلفظ المحافظة عليها كما في قوله عز من قائل: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ..} تفسير : [البقرة: 238]، وكذلك الثناء يختص بالمقيمي الصلاة والمحافظين عليها، والمراد بكل من إقامة الصلاة والمحافظة عليها؛ الإِتيان بها مستكملة جميع أركانها وهيئاتها وآدابها الظاهرة والباطنة، بل مدلولهما الحقيقي توفية الصلاة حقها والقيام بكل لوازمها. والدليل على أن ذلك هو المراد بالإِقامة قوله تعالى: {أية : يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تفسير : [المائدة: 68] أي حتى توفوهما حقهما من العلم والعمل، وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66]، وفي هذا ما يكفي دليلا على أن الصلاة التي أُمر بها الناس، والتي أثنى الله بها على عباده المؤمنين؛ هي الصلاة التامة الأركان، المستوفية الشروط، المعتدلة الهيئات، الممتزجة بروحها وهي الخشوع. وذكر أئمة التفسير وجوها في معنى الإِقامة غايتها واحدة، وإن اختلفت ألفاظها باختلاف أنظار قائليها. أحدها: أن المراد بها الإِتيان بها مستوية، كالجسم القائم الذي لا انحناء فيه. ثانيها: أنها بمعنى المداومة عليها؛ من قولهم قام على الشيء إذا داوم عليه، واستدل له بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعارج: 23]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9]. ثالثها: أنها مأخوذة من إقامة السوق؛ إذا أعد لها الإِعداد التام، حتى تصير رائجة الزبائن؛ لأنها بالمحافظة التامة عليها تكون كالبضاعة النافقة التي تتجه إليها الأنظار ويتنافس فيها التجار، بخلاف ما إذا أهملت، ومنه قول الشاعر: شعر : وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعان تفسير : وقول آخر: شعر : أقامت غزالة سوق الطعان لأهل العراقَين حولا قميطا تفسير : وقول غيره: شعر : أقمنا لأهل العراقين سوق الضـ ـراب فخاسوا وولوا جميعا تفسير : رابعها: أن إقامتها عبارة عن استجماع الهمة وتحريك العزيمة لأدائها؛ من قولهم قام بالشيء إذا اشتدت به همته، وبالغ بالعناية بإتمامه، ويقال في الضد: قعد عن الشيء أو نام عنه، إذا استخف به، ولم يتمم لوازمه، ومن المعلوم أن القيام في العمل لا يكون إلا لداعي الاهتمام به، كقيام الخطيب في خطبته فإنه دليل على اهتمامه بما يتحدث به وحرصه على وصوله إلى مسامع الحاضرين، وولوجه إلى أذهانهم، وامتزاجه بأفهامهم، وكذلك قيام الصانع في صنعته، وهكذا، ويدل كذلك على صعوبة ما يمارسه القائم من القول أو العمل. وثَم وجه آخر؛ وهو أن ذكر الإِقامة جاء تنويها بالقيام في الصلاة، لأنه ركن من أركانها، وجزء مهم من أعمالها، ولاحظ عليه قطب الأئمة - رحمه الله - في الهيميان بأن الجزء الذي يذكر عن الكل يلزم أن يكون جزءا مهما، وكل من الركوع والسجود أدل على الخضوع وأقرب إلى الخشوع من القيام، فكيف يذكر دونهما مع قصد الصلاة نفسها، وأجاب عن هذه الملاحظة بأن للقيام في الصلاة أهمية لا تقل عن أهمية الركوع والسجود، لأنه يدل على غاية الامتثال ومنتهى التذلل. ومثله فيها مثل ما يكون من المحكومين أمام الحاكمين، والمرؤوسين أمام الرؤساء، ومن هنا أمر الله تعالى بالقيام بين يديه في قوله: {أية : قُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238] وذلك في الصلاة قطعا. وما ذكرته أولا من تفسير إقام الصلاة معناه محكي عن بعض السلف، فقد أخرج ابن جرير عن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: المراد "بيقيمون الصلاة" أنهم يقيمونها بفروضها، وروي عنه من طريق الضحاك أنه قال: إقام الصلاة تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإِقبال عليها فيها، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: أن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، ولا يعد هذا اختلافا بينهم لأنه ناشىء عن اختلاف مقامات السؤال بحسب أنظار المجيبين إلى أحوال السائلين، أو إلى الظروف الملابسة لسؤالهم، وقد تقدم أن مثل هذا لا يعد خلافا. وأكثر المفسرين على أن المراد بالصلاة هنا الصلوات المفروضة لأنها هي التي يتوقف عليها الفلاح، كما في حديث الأعرابي: "حديث : أفلح إن صدق"تفسير : ، ونسب ذلك ابن جرير إلى الضحاك، ونسب أيضا إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ولا مانع من دخول صلاة النفل فيها تبعا، نظرا إلى أن من صفات المتقين المسابقة إلى كل ما يقربهم إلى الله كما شأنهم، وكما يدل عليه وصفهم في القرآن. معنى الصلاة لغة واصطلاحا: وأصل الصلاة عند العرب الدعاء، ومنه قول الشاعر: شعر : تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا تفسير : وقول غيره: شعر : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم تفسير : وقول الأعشى: شعر : لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما تفسير : ويرى ابن جرير أن الصلاة نقلت من هذا المعنى اللغوي إلى معناها الشرعي - وهو العبادة المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، المشتملة على القيام والقعود والركوع والسجود مع التلاوة والتسبيح والتعظيم - لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله لعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته؛ تعرض الداعي بدعائه ربه لاستنجاح حاجاته وسؤله. وذهب بعض المفسرين إلى أنها مأخوذة من اللزوم من قولهم: صليَ النار. ومنه قوله تعالى: {أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تفسير : [الغاشية: 4] وذلك لأن المصلي يلازم العبادة حسب ما أمره الله، وقيل: هي مأخوذة من تصلية العود بالنار لأجل تقويمه وتليينه، لأن المصلي يقوِّم نفسه بخشوعه وخضوعه في الصلاة، وذهب الزمخشري إلى أنه مأخوذ من الصلا وهو عرق في الظهر يفترق عند عجم الذنب فيكتنف جانباه الوركين، ويسميان الصلوين، وهذا لأن المصلي يحرك صلويه في ركوعه وسجوده، وتابعه على رأيه جم غفير، غير أن الفخر الرازي بالغ في انتقاد قول الزمخشري، مدعيا أن كلامه يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة، وذلك لأن لفظ الصلاة من أعظم الألفاظ شهرة، وأكثرها دورانا على ألسنة المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء عن الاشتهار فيما بين أهل النقل، ولو جوز أن يكون ذلك أصل مسمى الصلاة، ثم خفي واندرس حتى صار لا يعرف إلا عند الآحاد، لكان مثله جائزا في سائر الألفاظ، ولو جوز مثل ذلك لما جاز القطع بأن مراد الله تعالى من هذه الألفاظ يتبادر إلى الأذهان من المعاني، لاحتمال أنها كانت في زمن الرسول ذات معان أخر، وهي المرادة منها، ولما بطل ذلك بالإِجماع بطل الاشتقاق الذي ادعاه الزمخشري. وتعقبه ابن عاشور بأنه لا مانع من أن يكون لفظ المشهور منقولا من معنى خفي لأن العبرة في الشيوع بالاستعمال، وأما الاشتقاق فبحث علمي، وعضد ذلك بقول البيضاوي واشتهار هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله منه وأيد ابن عاشور قول الزمخشري بأن الصلاة مأخوذة من الصلا بما معناه أن كتابة الصلاة في المصاحف بالواو تشير إلى اشتقاقها من الصلا، إذ لو لم تقصد الاشارة إلى ذلك لما كان وجه لكتابته بالواو، وإنما ذلك نظير صنيعهم في كتابة الزكاة والربا والحياة بالواو إشارة إلى أصلها، وانتقد ابن عاشور توجيه الزمخشري في كشافه كتابتها بالواو بأنها ورادة على لفظ المفخم، أي لغة تفخيم اللام من حيث لم يصنع مثل ذلك في غيرها من اللامات المفخمة. وقيل: هي مأخوذة من المصلي في حلبة السباق، وهو يأتي بعد المجلي، وقد روعي في هذا الأخذ مجيئها تالية للركن الأول من أركان الاسلام، والمجلي هو الأول من الخيل في حلبة السباق، والمصلي الذي يليه، لأنه يأتي ورأسه بين صلوي سابقه. ولا يتبادر من هذه الآراء إلا الأول وهو أنها مأخوذة من الصلاة التي هي الدعاء، لأن كلا من الداعي والمصلي لاجىء إلى الله عز وجل، راج منه الفوز بالمطلوب والوصول إلى المحبوب، وأرى أن سائر الأقوال لا تخلو من تكلف، وإذا كانت كتابة الصلاة في المصاحف بالواو تشير - حسبما يقول ابن عاشور - إلى أصل اشتقاقها فإن هذا لا يدل على صحة هذا الاشتقاق بحيث لا ينازع فيه، فإن الكتابة لا تعدو أن تكون اصطلاحا ناشئا عن اجتهاد بعض السابقين، وقد تابعهم عليه من جاء بعدهم، وذلك لا يقتضي أن ما اصطلحوا عليه حجة قاطعة في بيان أصول الاشتقاق، ولو كان الأمر كذلك لاتفقت كلمة مفسري السلف على ما تقتضيه هذه الاشارة المزعومة من أن الصلاة من الصلا، وقد علمت مما تقدم أن آراءهم تخالف ذلك، ولعل الزمخشري لم يسبق إلى المذهب الذي اختاره، فكيف يكون أمر اصطلحوا عليه دليلا على خلاف ما ذهبوا إليه؟ وقد أجاد الأستاذ الإِمام في قوله: الصلاة إظهار الحاجة والافتقار إلى المعبود بالقول أو العمل، وهو المراد بقولهم: الصلاة معناها الدعاء، لأن إظهار الحاجة إلى العظيم الكريم ولو بالفعل فقط، التماس للحاجة واستدرار للنعمة أو طلب لدفع النقمة، أرأيتم أولئك الذين يقفون بين أيدي الملوك ناكسي رؤوسهم حاني ظهورهم، وتارة يقعون على أقدامهم يقبلونها، أليس الباعث على هذا العمل إما خوف من عقوبة يطلبون به دفعها وإما حذر على نعمة يتقون سلبها ورفعها فيلتمسون بقاءها ويرجون زيادتها ونماءها؟ هذه الصلاة كانت توجد عند بعض الجاهليين وهم الذين كانوا يعرفون بالحنيفيين والحنفاء، وعند بعض أهل الكتاب - ثم قال - والصلاة بالمعنى الذي ذكرناه قد ظهر في الإِسلام في أفضل أشكاله، وهو تلك الصلاة التي فرضها الله على المسلمين، فإن هذه الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم على النحو الذي جاءت به السنة المتواترة من أفضل ما يعبر به عن الإِحساس بالحاجة إلى المعبود، وشعور الأنفس بعظمته لو أقامها المصلون وأتوا بها على وجهها. ومما ذكره تتضح لك المناسبة بين الصلاة التي هي الدعاء والصلاة التي هي العبادة المعروفة، ولذلك أطلق عليها اسمها. والصلاة مصدر صلَّى، والأصل في نحوه مما جاء على وزن (فعَّل) وهو معتل اللام أن يكون مصدره على وزن تفعلة، كزكّى تزكية، ونمى تنمية، ولكن خولف هذا الأصل هنا لئلا تلتبس هذه العبادة المقدسة بالتصلية بالنار إن جاءت على لفظها، حتى أن بعض كبراء أئمة اللغة زعم أنه لم يستعمل في كلام العرب لفظ التصلية بمعنى الصلاة، وليس كذلك، فقد نقل بعضهم استعماله بهذا المعنى وهو نادر، ومنه قول الشاعر: شعر : تركت القيان وعزف القيان وأدمنت تصلية وابتهالا تفسير : وفي نقل الصلاة وأمثالها من الحقائق الشرعية عن أصولها اللغوية مجال واسع لمناقشات علماء أصول الفقه وغيرهم، فمن أراد الاطلاع على ذلك فليرجع إلى الكتب الخاصة بهذه الفنون. الإِنفاق ركيزة من ركائز الإِيمان: وبعد تثنية وصف المتقين بإقام الصلاة ثلّث بالإِنفاق من رزق الله، وقد تتابعت هذه الصفات حسب أهميتها وترتبها الواقعي، فالايمان بالغيب - كما سبق - هو القاعدة الأساسية التي تقوم عليها الأعمال الصالحة وتنبثق منها الفضائل، وهو صفة لازمة للمتقين لا تنفك عنهم في جميع الأحوال، والصلاة هي إمام الأعمال البدنية، وأقواها في تهذيب النفس وتقويم السلوك، وأجداها في إمداد العقيدة لما فيها من التذكير بالله وسلطانه وإحسانه - كما تقدم تفصيله - وهي أكثر الوظائف اليومية للمسلم تكررا. والإِنفاق من رزق الله هو الركن المالي الاجتماعي من أركان هذا الدين، وبه يتم تماسك المجتمع وترابط الأمة، لأن الله تعالى اقتضت حكمته أن لا يستقل أحد من الناس بمصالحه الحيوية، مهما أوتي من بسطة في الجسم وسعة في الرزق ونبوغ في التفكير، وبالانفاق من رزق الله من عباده الأغنياء على إخوانهم الفقراء يحصل بينهم التعاون الذي يترتب عليه التعايش السلمي والاستقرار النفسي والاجتماعي، وقبل حديثي عن الانفاق يحسن أن أتحدث عن الرزق من حيث مفهومه اللغوي والديني. معنى الرزق لغة واصطلاحا: الرزق مأخوذ من رزق يرزق رَزْقا - بالفتح - إذا أعطى، وهو بالكسر إسم للشيء الذي يرزق ويحصل به الانتفاع، وقيل: هو مصدر أيضا وهو عند أهل اللغة بمعنى النصيب أو الحظ كما في قوله تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ..} تفسير : [الواقعة: 82] أي حظكم التكذيب، وروى ابن السكيت عن أزد شنؤه أنه بمعنى الشكر وحمل عليه الآية، وروي عن بعضهم أن الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل. وأبطله الفخر نظرا إلى أن الله أمر عباده أن ينفقوا مما رزقهم في قوله: {أية : أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} تفسير : [البقرة: 254] فلو كان الرزق هو المأكول لما أمكن إنفاقه، وحكى الفخر عن جماعة بأن الرزق هو ما يُملّك، وأبطله أيضا لجواز أن يقول الانسان اللهم ارزقني ولدا صالحا، وامرأة صالحة، وعقلا يسوسني إلى الخير، مع أنه ليس من المعقول أن يملك أحد عقله، كما أنه ليس من المشروع أن يملك ولده أو امرأته. وفيما قاله نظر، لأن من الظاهر أن المراد من قول القائل أن الرزق هو ما يؤكل ويستعمل، ما جرت العادة بأكله واستعماله، ولا يلزم أن يكون المرزوق هو الذي يأكله أو يستعمله، وإنما يكفي في اعتباره مرزوقا إياه؛ تمكنه من أكله أو استعماله. وقول القائل اللهم ارزقني ولدا صالحا أو امرأة صالحة أو عقلا أعيش به، لا ينافي أن يكون المرزوق مالكا لرزقه، لأن الملك إما أن يكون ملك عين، أو ملك منفعة، ولا يشك أحد أن الانسان مالك للمنفعة التي تحصل له من ولده أو امرأته أو عقله. نعم يصح أن يعترض بجواز ما ذكره على القول السابق، واختلف علماء الشرع في تعريف الرزق، فقال أبو الحسين البصري: هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به. وذهب بعض الأشاعرة إلى أنه؛ ما ساقه الله تعالى إلى الحيوان فانتفع به، سواء كان حلالا أو حراما من المطعومات أو المشروبات أو الملبوسات أو غير ذلك. وقيل: هو اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان ليتغذى به، وعلى هذا فالرزق قاصر على ما يطعم دون سائر المنافع. والأقرب شمول الرزق لكل ما ينتفع به، بدليل جواز قول القائل: اللهم ارزقني ولدا صالحا أو امرأة صالحة أو مسكنا واسعا. وحصر الرزق في المطعومات مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل قائم على خلافه، فإن الله قال في قارون: {أية : وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} تفسير : [القصص: 76] ثم حكى الحوار الذي كان في شأنه بين الذين أوتوا العلم والذين يريدون الحياة الدنيا، وقفى ذلك حكاية قولهم بعد هلاكه: {أية : وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} تفسير : [القصص: 82] وهم يشيرون بذلك إلى ما أوتيه قارون من الكنوز. وعندما ذكر الله تعالى أحكام المواريث في سورة النساء قال: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 8] مع أن المقسوم لا يلزم أن يكون مما يتغذى به. وقال تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} تفسير : [الطلاق: 7]، والنفقة غير محصورة في صنوف الأغذية، وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26]، وقال: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 27] ومن الظاهر أن البسط لا يكون في المطعومات وحدها. وظاهر كلام ابن عاشور أن الرزق مخصوص بالإِنسان دون غيره من أنواع الحيوان، ويتضح ذلك من تعريفه للرزق حيث قال: والرزق ما يناله الإِنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته، وحاجاته، وينال بها ملائمه. وقد زاد ذلك وضوحا قوله من بعد: وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء، فهو على المجاز كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] وقوله: {أية : وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} تفسير : [آل عمران: 37] وقوله: {أية : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} تفسير : [يوسف: 37]. وإن تعجب فعجب إدراجه الآيتين الأخيرتين فيما مثل له من إطلاق الرزق - مجازا حسب قوله - على غير ما أوتيه الجنس البشري، فإن الضمير في قوله تعالى: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} عائد إلى مريم - عليها السلام - والخطاب في قوله: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} إنما هو لصاحبي السجن اللذين دخلاه مع يوسف الصديق - عليه السلام -، والجميع من الجنس البشري. ونحن لا نسلم لهذه المجازية التي يدعيها في هاتين الآيتين وفيما قبلهما، فإن حمل الألفاظ على المجاز لا يكون إلا مع القرائن الصارفة لها عن حقائقها. وإذا عرفت أن الغاية من الرزق هي المنفعة أدركت أن الحيوان مرزوق حقيقة لأنه ينتفع برزقه، على أن قوله سبحانه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}، يدخل في عموم مدلوله الإِنسان؛ لصدق مفهوم الدابة لغة على كل ما يدب على الأرض، وإذا كان إطلاق الرزق على منافع الانسان حقيقة وعلى منافع الحيوان مجازا، لزم أن يكون لفظه في الآية حقيقة ومجازا في آن واحد، وهو مردود عند أهل التحقيق، ويؤكد أن الرزق ليس من اختصاص الإِنسان قوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [العنكبوت: 60]. ومذهبنا ومذهب الأشاعرة وجمهور الأمة أن الرزق يشمل الحلال والحرام، كما تقدم ذكره في التعريف المنسوب إلى بعض الأشاعرة، وهذا لأن الحل والحرمة إنما هما بالنظر إلى العبد المرزوق لا إلى الرب الرازق، وخالفهم المعتزلة؛ فزعموا أن الرزق لا يكون إلا حلالا محضا، وهو مبني على قاعدتهم في وجوب مراعاة الصلاحية والأصلحية على الله - تعالى الله عن ذلك - ولعل ابتناء قولهم هذا على هذه القاعدة الفاسدة هو الذي شجع خصومهم على التشنيع عليهم في هذه المسألة. ورأي الامام ابن أبي نبهان - رحمهما الله - أنها ليست من مسائل الأصول، فلا تشنيع عنده على المخالف فيها، والظاهر أنه لم يلتفت إلى تلك القاعدة التي قامت عليها، واحتجت المعتزلة لقولها بدلائل من الكتاب والسنة، ومدلول الكلمة نفسها. أما الكتاب فقد استدلوا منه بقوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وهو مدح لعباده المتقين بإنفاقهم من رزقه، وهو لا يمدحهم بإنفاق الحرام، وبقوله عز وعلا: {أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} ولا يأمر بالإِنفاق من الحرام، وبقوله سبحانه: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59]. وأما السنة فقد استدلوا بما أخرجه ابن ماجة وأبو نعيم والديلمي من حديث صفوان ابن أمية، قال: "حديث : جاء عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله؛ إن الله قد كتب عليّ الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله تعالى رزقا حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله تعالى عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله" ". تفسير : وأما مدلول الكلمة فمن حيث إن الله عز وجل منع عباده من الحرام وتوعدهم عليه وأمر بزجرهم عنه، لا يصح أن يقال إنه رزقهم إياه كما لا يقال رزق السلطان جنده مالا وقد منعهم من أخذه، وأجيب عن تمسكهم بالآيات بأن الاسم قد يخص ببعض أفراد مدلولاته في الاستعمال لأجل التنويه والتشريف كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر: 42]، وقوله: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الانسان: 6]، فقد خص لفظ العباد في الآيتين بالمتقين، وإن كان بحسب مدلوله يشمل المتقين والفجار فإن الكل عباده عز وجل، وإنما خص بالمتقين في الآيتين تشريفا لهم وتنويها بقدرهم، وكذلك إطلاق الرزق في الآيات التي تعلق بها المعتزلة على الحلال وحده، إنما هو من هذا الباب ومنه قول الداعي: يا خالق العرش والكرسي والشمس والقمر، دون يا خالق الخنازير والكلاب، مع أن الكل من خلقه تعالى. وأما الحديث فهو أدل على خلاف ما ذهبوا إليه، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه" تفسير : دليل على دخول الحرام في ضمن الرزق. وأجيب عما استدلوا به من مدلول الكلمة اللغوي بأن المفاهيم اللغوية لا تخضع للمقاييس العقلية، فلا دخل لأدلة العقل في التسميات. هذا وقد استدل أصحابنا والجمهور لما ذهبوا إليه بقوله عز وجل: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}. مع تصور إمكان أن يعيش الانسان على الحرام طيلة حياته، وذلك بأن ينشأ طفلا مع اللصوص وقطاع الطرق يطعمونه مما ينهبون، حتى إذا بلغ الحُلم ودخل في دور التكليف صنع صنيعهم وعاش عيشتهم إلى أن لقي الله فإنه يلزم على مذهب المعتزلة أن يكون مثل هذا لم يصب من رزق الله شيئا، وهو مما تبطله الآية. ويرى الإِمام الألوسي أن هذا الاستدلال ليس بشيء، وأن للمعتزلة أن ينفكوا عن هذا اللزوم باعتبار أن الرزق غير قاصر على الغذاء، بل يشمله ويشمل غيره من المنافع الجسدية والروحية، مع استحالة أن يعيش الانسان من غير أن يصيب منفعة محللة منذ ولادته إلى موته، لا مصّة ثدي ولا رشفة ماء ولا نسمة هواء، ولا نظرة سارة ولا وصولا إلى بغية، ولو قدر وقوع ذلك لساغ أن يقال إن ذلك مباح في حقه لقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} تفسير : [البقرة: 173]. وللمعتزلة أن يعترضوا غيرهم بمن عاش يوما ثم مات قبل أن يتناول حلالا أو حراما وما يتوجه إليه من جواب يمكنهم أن يجيبوا به أيضا على أن الآية الكريمة لا تدل على أن الله يوصل إلى كل أحد ما ينتفع به، فإن الواقع يدل على خلافه، بل تدل على أنه عز وجل يسوق الرزق ويمكن من الانتفاع به، فإذا حصل إعراض من أحد عن الحلال إلى الحرام، لم يكن ذلك قادحا في تحقق كون الله رازقا له، ولقائل أن يقول إن معنى الآية ما من دابة متصفة بالمرزوقية، فلا تدخل مادة النقض ليضر خروجها، كما أن قول القائل كل دابة تذبح بالسكين؛ لا يقتضي شمول السمك لعدم اتصافه بالمذبوحية. ولأجل هذه الايرادات التي تتجه إلى استدلال الجمهور؛ اختار الألوسي أن يكون الاستدلال بالاجماع المنعقد قبل ظهور المعتزلة وخلافهم على أن آكل الحرام طول عمره مرزوق طول عمره ذلك الحرام، وأنت تدري أن الإِجماع يحتاج إلى ثبوت النقل بصحة وقوعه، والظاهر أن هذه المسألة لم تُثَرْ عند السلف إلا بعد ظهور المعتزلة بجدلهم الكلامي، فدعوى الاجماع غير مسلمة فيها، ولأجل قوة أدلة الفريقين أجنح إلى ما رآه الإِمام ابن أبي نبهان من أنها مسألة فرعية يسوغ فيها الاجتهاد، وإنما عُدَّت عند الأكثرين من الأصول لملاحظة القواعد الاعتزالية التي يمكن بناؤها عليها، كالقول بوجوب مراعاة الصلاحية والأصلحية على الله - كما تقدم - والقول بالتحسين والتقبيح العقليين. ولولا ملاحظة هاتين القاعدتين الفاسدتين؛ واحتمال بناء المعتزلة مذهبهم في هذه المسألة عليهما، لما اعتبرت هذا الخلاف إلا لفظيا. على أننا نجد من وافق المعتزلة فيها من غيرهم؛ كالجصاص صاحب كتاب أحكام القرآن. ولا خلاف بين الجميع في أن الانفاق المشار إليه في الآية، والمأمور به في كثير من آي الكتاب، هو الانفاق من الرزق الحلال المحض، فإن الله سبحانه لا يأمر بالإِنفاق من الحرام ولا يمدح به، وقد جاء في الحديث التنبيه على أن الصدقة المقبولة لا تكون إلا من الحلال، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقبل الله صدقة من غلول" تفسير : وقوله: "حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ". تفسير : والإِنفاق: جعل الشيء نافقا، والنفاق كالنفاد: هو خروج المال من يد إلى يد. والإِنفاق الشرعي: هو إخراج المال أو جزء منه في السبل التي أمر الله سبحانه بإخراجه فيها، وهو آية من آيات صدق الإِيمان، فإن كثيرا ممن يدعون الإِيمان قد يقضون أوقاتهم في ضروب من العبادات البدنية، فإذا عرضت مسألة الإِنفاق وطولبوا به قبضوا أيديهم عنه لضيق صدورهم منه، ولذلك تكرر في كتاب الله وصف المؤمنين الصادقين بالإِنفاق من فضل الله. كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} تفسير : [الحجرات: 15]. الحض على الإِنفاق يوسع دائرة الخير: كثيرا ما اقترن الحض على الإِنفاق في سبيل الله بالوعد أو الوعيد، نحو قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 245]. وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254]. وقوله: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون: 10]. ومن حيث إن المال قوام الحال، تتوقف عليه مصالح النفس وترتبط به شئون الحياة، كان الانفاق المأمور به الذي مدح الله به عباده المتقين، هو لبعض المال لا لكل المال، وذلك واضح في هذه الآية، فقد قال تعالى فيها: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ولم يقل وما رزقناهم ينفقون، ونحوه قوله سبحانه: {أَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ}. وهذا هو المنهج المعتدل بين الافراط والتفريط، فلا تبذير ولا تقتير في الانفاق الشرعي. أفاد ذلك الزمخشري وتابعه جل المفسرين، وخالفهم أبو السعود حيث رأى أن دخول من على الموصول للتنبيه على أن إنفاق بعض المال كاف في جعل المنفق من المتصفين بالهداية المستحقين للفلاح. وذكر أن ما قاله الزمخشري وتابعه عليه غيره مخصوص بمن لم يصبر على مشقة الفقر وإلا فلا مانع شرعا من التصدق بجميع المال، كما فعل الصديق - رضي الله عنه - ولم ينكره عليه النبي صلى الله عليه وسلم بما هو عليه من الصبر وما وقر في قلبه من الإِيمان. ومن ثم لما قيل للحسن بن سهل لا خير في الإِسراف، أجاب: لا إسراف في الخير. والنكتة التي نبه عليها الزمخشري المشار إليها بمن يدل على قصدها ما أمر الله سبحانه به في غير هذه الآية من الاعتدال في الانفاق بين طرفي التفريط والافراط، وذلك في قوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} تفسير : [الاسراء: 29]. وهو مسلك اقتصادي وسط بين التبذير والتقتير، وهو الأليق بالتوجيه العام للناس، أما مسلك الصديق - رضي الله عنه - فهو مسلك لا يليق إلا بالقلة النادرة من الذين عزفوا عن الدنيا نهائيا، فلم يفتحوا عليها أبصارهم ولم تمل إلى شيء من حطامها قلوبهم، وحكم هؤلاء ووصفهم لا ينسحبان على عامة المؤمنين {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}. واختلف في الإِنفاق المقصود هنا، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه زكاة الأموال، أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق، ويعني ذلك أن الانفاق النفلي غير مقصود هنا، وهو يتفق مع قوله الذي أخرجه عنه المذكورون أن المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ويحتمل أن يكون استناده على اقتران الانفاق بالصلاة في الآية. ومن المعلوم أن الصلاة شقيقة الزكاة، ولا تذكر غالبا إلا مقترنة بها. وروى ابن جرير عن الضحاك، قال: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات هن المثبتات الناسخات. وروى ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - وآخرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النفقة المقصودة هنا هي نفقة الرجل على أهله وذلك قبل أن تنزل الزكاة. واختار ابن جرير أنها شاملة لجميع النفقات بما في ذلك النفقات الواجبة، كالزكاة والانفاق على العيال. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنها النفقة في فرائض الله التي افترض عليهم في طاعته وسبيله، وأخرج مثله ابن المنذر عن سعيد بن جبير، وصدر القطب - رحمه الله - في هيميانه القول بشمول هذا الانفاق للنفقات الواجبة، كالزكاة وإقراء الضيف بشمول هذا الانفاق للنفقات الواجبة، كالزكاة وإقراء الضيف الواجب وتنجية المضطر، ونفقة من لزمتهم نفقته، وأداء ما وجب من الكفارات، ونحو ذلك، ونفقات التطوع في وجوه الأجر، وهو يتفق في ذلك مع الفخر الرازي الذي نص في تفسير الآية على شمول هذا الانفاق لنوعيه الواجب والمندوب، ومن دواعي الاستغراب أن يقول ذلك الفخر في تفسير هذا الانفاق الذي مُدح به المؤمنون مع أنه نفسه حصر الصلاة - التي مُدحوا بإقامتها في هذه الآية نفسها - في الصلوات المفروضة كما تقدم. وابن عطية لا يعد الاختلاف عن السلف في هذا خلافا، وإنما يحمله على قصد التمثيل بحسب ملاءمة الظروف التي تحيط بهم حال السؤال، ويرى الألوسي احتمال ذلك، وحكى عن بعضهم أنه عد ذلك خلافا. ويرى العلامة ابن عاشور أن الانفاق على النفس والعيال لا يدخل فيما مدحوا به، لأنه مما تدعو إليه الجبلة وتقتضيه الضرورة، فلا يعتني الدين بالتحريض عليه، وهو يتفق في رأيه هذا مع الامام محمد عبده، ويضيف الامام إلى ذلك بأن ما تعورف على تسميته بالجود والكرم كقري الضيوف ابتغاء عوض كالشهرة والجاه أو الأنس بالأصحاب، لا يعد من الانفاق المقصود هنا، ورأيهما لا يتفق مع ما ثبت من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل الانفاق على العيال، ومن ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ". تفسير : وروي من طريق ثوبان مرفوعا: "حديث : أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ". تفسير : قال أبو قلابة - وهو أحد رجال سند هذا الحديث -: وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. وقد جاء في الحديث الصحيح في تعداد ما يثاب عليه المرء مع حسن النية: "حديث : حتى ما تجعله في في امرأتك ". تفسير : والانفاق على النفس مطلوب من المسلم للتقوى على طاعة الله وكفها عن المحارم، فلا ريب أنه مما يثاب عليه مع هذه النية الحسنة، وأما إكرام الضيف فهو من الواجبات المالية الاجتماعية، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"تفسير : ، وإذا لابسه الرياء وحب السمعة أحبطا ثوابه، ومثلهما معه كمثلهما مع سائر الواجبات، ولا ينقص ذلك في قيمة الواجب ولا يقلل من أجره مع إخلاص النية في أدائه. وأنت إذا تدبرت ما شرعه الاسلام من النفقات الخاصة والعامة المنظمة وغير المنظمة، أدركت أن الآية شاملة لها جميعا، سواء المفروض منها والمندوب، فالخاص منها ما وجب لأناس مخصوصين كالعيال. والعام ما كان لعامة المحتاجين، وفي سائر السبل الخيرية، والمنظم منها الزكاة التي خصصها الله لأصناف مخصوصين من الناس في أصناف مخصوصة من المال، مع بلوغه مقادير معينة، وبنسب معينة. وغير المنظم سائر النفقات الواجبة التي لا تقدر إلا بقدر الحاجة، وهي أيضا تدخل في ضمن المفروض مع عدم سداد العوز بدونها، كما يدل على ذلك قول الله تعالى في بيان أعمال البر: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ}، حيث ذكر الزكاة من بعد ذكر إيتاء المال لذوي القربى إلى آخره معطوفة عليه، ومن شأن العطف التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وفي هذا ما يكفي دليلا على أن الحقوق المالية المذكورة في الآية قبل الزكاة خارجة عنها، وهو الذي يدل عليه حديث فاطمة بنت قيس عند الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في المال حقا سوى الزكاة" تفسير : وهو وإن أعل بأبي حمزة ميمون الأعور القصاب، فإن له ما يعضده عند ابن ماجة، كما أن صريح الآية واضح في الدلالة على هذا المعنى، وفي هذا المقام مباحث أرى إرجاءها إلى أن أصل إن شاء الله بعونه سبحانه وتوفيقه إلى تفسير آية البر من هذه السورة. الإِنفاق في سبيل الله يعالج الشح والأثرة: والاسلام بما شرعه من الانفاق يعالج النفس البشرية التي من طبعها حب المال، والرغبة في الاستكثار منه، فإنها إذا أرسل لها العنان في هذه الرغبة تجاوزت جميع الحدود، واستخفت بكل الواجبات الأسرية والاجتماعية، وأصبح همها الوحيد ما تكسبه من مال تستكثر به على الآخرين، ولن تبالي في هذه الحالة في الوطء على كل القيم والفضائل، وقطع جميع الوشائج والأواصر، ما دام في ذلك تحقيق لرغبتها الجامحة، وإرواء لظمئها الملتهب، وفي مثل هذه الحالات تنضب العواطف وتغور مشاعر الرحمة، ويغلظ الاحساس في الانسان، وتستعر البغضاء والعداوات حتى بين الأقرباء الأدنين، فلا والد يعطف على ولده، ولا ولد يوقر والده، كما هو الشأن السائد في المجتمعات التي تعبد المادة، وتقدس الثروة، وفي هذا الانفاق علاج لهذا المرض الفتاك، فهو يرهف الحس، ويفجر مشاعر الرحمة وعواطف الاحسان بين ذوي القربى خاصة، وسائر الناس عامة. والله تعالى قدير على إغناء كل أحد حتى يستقل بمصالحه عن غيره، ولكنه أراد بما طبع عليه النفوس من الاحتياج إلى الغير، وأمر به من التعاون بين الناس، تربية الضمير الانساني وتمتين العلاقات بين أفراد الجنس البشري، وإنما انحراف الناس عن هذا المنهج المستقيم الواضح هو السبب في وجود العداوات في القلوب، وتأجج الأحقاد في الصدور، وتحول الانسان إلى سبع ضارٍ لا يبالي بمن يفتك به ما دام ذلك يحقق رغبته، وليس شيء أسرع في اشتعال نار الفتنة بين الناس من حب المال، فكم من ولد استعجل وفاة والده، أو قريب استطال حياة قريبه فسقاه السم الزعاف، أو استخدم أية وسيلة في القضاء على حياته، وما الغاية من ذلك إلا حيازة تركته والتنعم بثروته. ومن استقرأ التاريخ البشري لم يجد عدالة في الاقتصاد أو غيره كعدالة الاسلام، دين الله الحق الذي كفل لكل إنسان حقه، فإن جميع الأنظمة البشرية التي عاشتها الانسانية في أطوارها المتقلبة وعصورها المختلفة لم تكن إلا مصدر شقاء وبلاء، فقد اكتوى الفقراء والبؤساء بسعيرها اللاهب، ولم تمتد منها يد عادلة لتنتزع من الطبقات الغنية ما احتكرته من حقوق الناس، ومن أمثلة ذلك ما ذكرته المصادر التاريخية أن وادي النيل في العهود القديمة كان ينتج من المحصولات الزراعية أضعاف ما كان يحتاج إليه مواطنوه، ولكن لم تكن تنصب فوائدها إلا في خزائن الأغنياء والطبقات المستعلية من الناس، بينما الجماهير الكادحة تكتوي بنار المسغبة، وتتقلب على رمضاء المآسي، وقد أدى الحال في المجاعة المشهورة في الأسرة الثانية عشرة أن باع الفقراء نفوسهم للأغنياء من أجل الحصول على لقمة العيش، وحدث عن مثل ذلك في ممالك كل من بابل، وفارس واليونان، بل ثبت أن في مملكة اليونان كان الأغنياء يذبحون الفقراء ذبح الأغنام لأتفه الأسباب، وفي أثينا نفسها كان الفقراء يباعون مع الماشية والأرض، ووقع مثل ذلك في مملكة الرومان، وفي هذا ما يكفي دليلا على أن شهوة المال إذا استحكمت في النفس جعلت صاحبها يتخطى جميع حدود الانسانية، ويتجاوز ما طبع الله عليه البشر من العطف والرقة والحنان، وهذا هو سر تحذير الله تعالى من احتكار طائفة مخصوصة من الناس رؤوس الأموال، وذلك في قوله، بعد تبيان أحكام الفيء وقسمه: {أية : كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ} تفسير : [الحشر: 7]. وإذا جهل الانسان أو تجاهل تاريخ الظلم المالي في العصور البشرية الغابرة السحيقة، فما عليه إلا أن يفتح عينيه على الأنظمة المالية السائدة في العالم اليوم والتي هي نتيجة الأطوار الاقتصادية التي مر بها الانسان، ففي العالم اليوم نظامان ماليان خطيران، كل منهما يلتهم حقوق الانسان بأتونه المستعر، وهما النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، وما الفرار من أحدهما إلى الآخر إلا فرار من جهنم إلى الجحيم، ولست أتحدث عنهما عن خبر قرأته أو سمعته، وإنما أتحدث عن مشاهد رأيتها ومآسٍ أحسستها، تتفطر منها الكبد ويذوب منها الفؤاد، فقد كنت في زيارة لدولة اشتراكية شيوعية، فشاهدت عيناي جماهير الشعب تساق بعصي الذل والهوان، ليس لأحد منهم اختيار في مأكله أو مشربه أو ملبسه أو عمله أو مسكنه أو حركته وتنقلاته، وإنما يأكل كل أحد ما يشتهى له من قوت لا ما يشتهيه، في الوقت الذي يعين له لا في الوقت الذي يعينه بنفسه، وقل مثل ذلك في مشربه ومسكنه وعمله، ولا يحق لأحد أن ينتقل من مدينة إلى أخرى باختياره، وإنما ذلك إذا اختير له، ولم تكد هذه المشاهد المؤلمة تتوارى عني حتى واجهت مشاهد أخرى في دولة رأسمالية لا تقل عما قبلها إيلاما، وإنما الفارق بين السابقة واللاحقة تنوع أسلوب القهر والظلم، فبينما كنت أشاهد العمارات الضخمة التي كأنما تعانق السحاب، وتناغي النجوم، وهي ملك لأفراد من الناس، إذا بي أشاهد أفواجا من بني الانسان قد أعوزهم المأوى الذي يقيهم لفح الصيف وقسوة الشتاء، ولم يجدوا إلا أن يأووا إما إلى القوارب في البحر، أو إلى الكهوف في الجبال، أو إلى هياكل السيارات المتحطمة، أَوَلا يكفي ذلك دليلا على أن الانسان يفقد كل ما يحتاج إليه من عطف بني جنسه ورحمتهم وحنانهم وإحسانهم في غير ظل الاسلام دين الحق والعدل؟ إن الاسلام لا يقتصر في الانفاق على المحرومين ومواساتهم على الحض فقط، ثم يكل ذلك إلى مروءات الأغنياء وضمائرهم، وإنما يجعل الانفاق ركنا أساسيا من أركانه، لا يكتمل دونه بنيانه، ولأجل ذلك نجد الحض على الانفاق واردا في آيات نزلت في مرحلة مبكرة من تاريخ الدعوة. ومن أمثلة ذلك ما في سورة المزمل التي هي من أوائل السور المكية نزولا، ففيها الأمر الصريح بإيتاء الزكاة في قوله تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} تفسير : [المزمل: 20]. وفي هذا دليل على أن الزكاة فرضت قبل الهجرة بزمن طويل، وليس كما يقول جل العلماء إنها لم تفرض إلا بالمدينة بعد الهجرة، وقد اشتهر ذلك بينهم حتى أصبح من المسلمات. وإنما يتضح من خلال دراسة آيات الانفاق في القرآن الكريم أن فرضيتها اقترنت بفرضية الصلاة، أو جاءت بعدها بقليل، وإنما كانت بادىء الأمر غير منظمة، وقد كانت موكولة إلى ضمائر الأغنياء وسخائهم، مع تتابع الأمر الاجمالي بها إلى أن قامت دولة الاسلام على تربة دار الهجرة الزكية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فبينت مقاديرها وفصّلت أحكامها، ولنا في هذا المقام وقفة مع الدكتور يوسف القرضاوي في قوله: "والملاحظ في السور المكية عن الزكاة أنها لم توردها بصيغة الأمر الدال على الوجوب دلالة مباشرة، ولكنها أوردتها في صورة خبرية، باعتبارها وصفا أساسيا للمؤمنين والمتقين والمحسنين، الذين يؤتون الزكاة، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين خصهم الله بالفلاح وأولئك هم المفلحون، كما أخبر أن تركها من خصائص المشركين الذين لا يؤتون الزكاة". فإن هذا الاطلاق غير مسلم، بدليل ما ذكرناه آنفا من النص الصريح في الأمر بها في آخر آية من سورة المزمل المكية، ومثلها في سورة الأنعام قوله تعالى: {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 41]، وفي سورة الاسراء: {أية : وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الاسراء: 26]. والسورتان مكيتان أيضا. وأما ما استند إليه الدكتور القرضاوي من قول بعضهم إن آية المزمل نزلت بالمدينة فلا يدفع ما قلناه؛ لأنه قول قائل، وهو كغيره من الأقوال يفتقر إلى ما يسنده من الدليل، ولا دليل له إلا ما اشتهر من أن فرضية الزكاة كانت بالمدينة ولم تكن بمكة، والآيات المكية المصرحة بذكر الزكاة المادحة لمن آتاها، والمتوعدة لمن فرط فيها، ترد على هذه الشهرة، ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة فصلت: {أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [فصلت: 6- 7]، وفي سورة النمل: {أية : هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [النمل: 2 - 3]، وفي سورة لقمان: {أية : هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [لقمان: 3 - 4]، وفي سورة المؤمنون: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 4]، ومثله ما في سورة الذاريات وهو قوله: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19]، وقوله في سورة المعارج: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [المعارج: 24 - 25]، فإنه من المعلوم أن الحق المقصود هو الزكاة وجميع هذه السور مكية. هذا؛ وفي وصف المشركين في سورة فصلت بأنهم لا يؤتون الزكاة، إيماء إلى أن تركها ليس من صفة المؤمنين، وكفى ذلك داعيا لذوي العقول السليمة إلى المثابرة إلى أدائها، والمحافظة عليها، ومنذرا لمن استخف بحقها وتهاون في أدائها، والزكاة إنما هي جزء من الانفاق الواجب كما سلف. وفرض الانفاق في الاسلام مبني على اعتبار ما بأيدي الأغنياء - من الأموال - مال الله سبحانه، وما هم إلا مستخلفون فيه، ومؤتمنون عليه، والدلالة على ذلك واضحة في قوله تعالى: {أية : وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} تفسير : [النور: 33]، وقوله: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد: 7]. والشعور بذلك يمنع الغني إذا مد يده إلى الفقير بشيء من المال من الاستعلاء والاستكبار، كما أنه يحمي الفقير حين يمد يده لتناول حقه من الغني من الذلة والانسكار، فالمعطي لم يعط إلا من مال الله، الذي منّ الله عليه به، وأوجب عليه الانفاق منه، والآخذ لم يأخذ إلا حقه الشرعي الذي فرضه الله له مما جعله تعالى في أيدي الأغنياء من المال، فلا منّ ولا إيذاء، ولا استعلاء ولا استكبار من قبل المعطي، ولا ذلة ولا انكسار ولا خضوع ولا استخذاء من قبل الآخذ، وهذه المبادىء القيمة هي التي أسعدت الأمة المسلمة عندما حرصت على تطبيقها، وكانت لها مخلصا من محن الفقر ولأواء الفاقه، حتى بلغ الحال في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه - أن كان المسئولون عن الزكاة يجهدون في البحث عن الفقراء الذين يستحقونها فلا يجدونهم، حتى أمر عمر أن يزوج منها العزَّاب، وأن يُبنى بها بيوت للذين لا يملكون مساكن، ولم تكن نعمة هذه المبادىء خاصة بالمسلمين، بل نعم بها أهل الذمة في ظل دولة الاسلام، فقد أُغنوا بالزكاة عندما لم يوجد فقراء من أهل ملة التوحيد، ولو أن المسلمين اليوم - مع ما تحت أيديهم من الثروات التي منّ الله عليهم بها - أخذوا بهذه المبادىء، لبهروا العالم بأسره، ولما استطاعت لسان أن تنال من حرمة الاسلام أو تجرح كرامة المسلمين، ولكن تهاونهم بأمر الله، واستخفافهم بحقوقه، واندفاعهم وراء شهوات أنفسهم، هو الذي أوقفهم موقف الذلة والهوان بين الأمم، فمزقت كرامتهم الألسن، واستخفت بأقدارهم الأعين، ذلك لأنهم فتحوا على أنفسهم الثغور بتبذيرهم الجنوني لما أفاء الله عليهم من رزق، ووهبهم من فضل، في الفساد والدناءات، حتى أغنوا أعداءهم بأموالهم المتدفقة في دور البغاء ونوادي القمار وجميع أماكن اللعنة ومجامع الشرور. يجري ذلك كله وجماهير من أبناء الاسلام لا تجد ما يسد عوزها من لقمة العيش الخشن، وأطمار الثياب البالية، أما آن لهؤلاء الغارقين في سكرة الهوى أن يفيقوا من سكرتهم، ويدركوا ما يهددهم من خطر لا يبقي ولا يذر - والعياذ بالله -؟ أما آن لهذه الأمة أن تستدرك فائتها، وتعيد كرتها فتستحق أن تسود في الأرض بما جاء به دينها من مبادىء الرحمة التي تعتبر الانسانية اليوم في أمَس الحاجة إليها؟ أما آن لها أن تثبت للعالم بأسره أن سعادة النفس البشرية لا تكون إلا في ظل الاسلام الحنيف؟ إنني من منطلق النصح الديني الذي فرضه الله على عباده وجعله من صميم دينهم، أناشد كبراء هذه الأمة وأهل الحل والعقد فيها، أن ينظروا في مغبة حالها، ويسعوا لتخليصها من قيود المهانة التي ترسف فيها، ووطأة الذل التي تئن تحتها، وليس لذلك طريق إلا اتباع هدى الله الذي جاء به كتابه الكريم، ومثله رسوله العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولست أنسى هنا ما ذكره الداعية الكبير الأستاذ أبو الحسن علي الحسني الندوي في كتابه القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، فبعد أن أسهب في بيان الأمراض المتفشية في العالم الاسلامي عامة، والعربي خاصة، قال: وقد اعتاد العرب - لأسباب كثيرة وبتأثير الحضارة الغربية - حياة الترف والدعة والاعتداد الزائد بالكماليات وفضول الحياة والإِسراف والتبذير والاستهانة بمال الله في سبيل اللذة والشهوة والفخر والزينة. وبجانب هذا الترف والنعيم وحياة البذخ والتبذير؛ جوع وعري وفقر فاضح، يرى الناظر مناظره الشائنة في عواصم البلاد العربية، فتدمع العين ويحزن القلب وينتكس الرأس حياء وخجلا، فبينما هنالك رجل عنده فضول الثياب، وزائد الطعام والشراب، لا يعرف كيف يستهلكه، إذا ببدوي لا يعرف قوت يومه وكسوته. وبينما أمراء العرب وأغنياؤهم على سيارات تباري الريح وتثير النقع، إذا بفوج من النساء والأطفال عليهم ثياب سوداء قد أصبحت خيوطا من طول اللبس، يعدو لأجل فلس أو قرص. فما دامت المدن العربية تجمع بين القصور الشامخة والسيارات الفاخرة، وبين الأكواخ الفقيرة والبيوت المتداعية الضيقة المظلمة. وما دامت التخمة والجوع يزخران في مدينة واحدة، فالباب مفتوح على مصراعيه للشيوعية والثورات والاضطراب والقلق، لا تقفها دعاية ولا قوة، وإذا لم يسد النظام الاسلامي في بلاده بجماله واعتداله، يحل محله نظام جائر بعسفه وقهره، عقابا من الله كرد فعل عنيف. والسيد أبو الحسن الذي سال قلمه بهذه العبارات الدافقة بهذه المعاني البليغة، كان ينظر إلى حالة العرب حينما سجل هذه العبارات منذ ثلث قرن من الزمان، فيستشف منها ما ينتظرهم من مستقبل سيء حافل بالثورات والقلق والاضطراب، نتيجة اعتناق السفهاء والأوغاد المبادىء الهدامة التي لا تبقي ولا تذر، كرد فعل لما عليه المترفون من الانحلال والفساد، ومنع حقوق الناس في مال الله الذي بأيديهم، وتبذيره في غير حدود في شهواتهم وملذاتهم، وقد أرسل كلماته هذه نذيرا صارخا لعلها تصادف قلبا واعيا وسمعا صاغيا، لكن كان - مع الأسف - كمن ينفخ في رماد ويصرخ في واد. وقد وقع فعلا ما كان يحذره ويحذِّر منه، وما زالت هذه الأمة إلى اليوم تعاني من ويلات الاضطراب والقلق في كثير من أنحاء البلاد. فمتى تصحو من سكرتها؟! ويثوب إليها رشدها، عسى أن يكون ذلك يوما قريبا.

الالوسي

تفسير : صفة للمتقين قبل، فإن أريد بالتقوى أولى مراتبها فمخصصة أو ثانيتها فكاشفة أو ثالثتها فمادحة. وفي «شرح المفتاح الشريفي» إن حمل المتقي على معناه الشرعي ـ أعني الذي يفعل الواجبات ويترك السيآت ـ فإن كان المخاطب جاهلاً بذلك المعنى كان الوصف كاشفاً وإن كان عالماً كان مادحاً وإن حمل على ما يقرب من معناه اللغوي كان مخصصاً، واستظهر كون الموصول مفصولاً قصد الإخبار عنه بما بعده لا إثباته لما قبله وإن فهم ضمناً فهو وإن لم يجر عليه كالجاري وهذا كاف في الارتباط، والاستئناف إما نحوي أو بياني كأنه قيل ما بال المتقين خصوا بذلك الهدى، والوقف على {أية : الْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة:2] تام على هذا الوجه حسن على الوجه الأول. والإيمان في اللغة التصديق أي إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقاً وهو إفعال من الأمن كأن حقيقة آمن به آمنه التكذيب والمخالفة ويتعدى باللام كما في قوله تعالى: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 111] وبالباء كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله» الحديث، قالوا: والأول باعتبار تضمينه معنى الإذعان والثاني باعتبار تضمينه معنى الاعتراف إشارة إلى أن التصديق لا يعتبر ما لم يقترن به الاعتراف وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق صار ذا أمن وهو فيه حقيقة عرفية أيضاً كما في «الأساس» ويفهم مجازيته ظاهر كلام «الكشاف» وأما في الشرع فهو التصديق بما علم مجيء النبـي صلى الله عليه وسلم به ضرورة تفصيلاً فيما علم تفصيلاً وإجمالاً فيما علم إجمالاً وهذا مذهب جمهور المحققين لكنهم اختلفوا في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا المعنى أم مع الإقرار؟ فذهب الأشعري وأتباعه إلى أن مجرد هذا المعنى كاف لأنه المقصود والإقرار إنما هو ليعلم وجوده فإنه أمر باطن ويجري عليه الأحكام فمن صدق بقلبه وترك الإقرار مع تمكنه منه كان مؤمناً شرعاً فيما بينه وبين الله تعالى ويكون مقره/ الجنة لكن ذكر ابن الهمام أن أهل هذا القول اتفقوا على أنه يلزم أن يعتقد أنه متى طلب منه الإقرار أتى به فإن طولب ولم يقر فهو كفر عناد، وذهب إمامنا أبو حنيفة رحمه الله وغالب من تبعه إلى أن الإقرار وما في حكمه كإشارة الأخرس لا بد منه فالمصدق المذكور لا يكون مؤمناً إيماناً يترتب عليه الأحكام الأخروية كالمصلي مع الرياء فإنه لا تنفعه صلاته ولعل هذا لأنه تعالى ذم المعاندين أكثر مما ذم الجاهلين المقصرين وللمانع أن يجعل الذم للإنكار اللساني ولا شك أنه علامة التكذيب أو للإنكار القلبـي الذي هو التكذيب، وحاصل ذلك منع حصول التصديق للمعاند فإنه ضد الإنكار وإنما الحاصل له المعرفة التي هي ضد النكارة والجهالة، وقد اتفقوا على أن تلك المعرفة خارجة عن التصديق اللغوي وهو المعتبر في الإيمان نعم اختلفوا في أنها هل هي داخلة في التصور أم في التصديق المنطقي فالعلامة الثاني على الأول وأنه يجوز أن تكون الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصوراً وأن التصديق المنطقي بعينه التصديق اللغوي ولذا فسره رئيسهم في الكتب الفارسية (بكر ويدن) وفي العربية بما يخالف التكذيب والإنكار وهذا بعينه المعنى اللغوي ويؤيده ما أورده السيد السند في «حاشية شرح التلخيص» أن المنطقي إنما يبين ما هو في العرف واللغة إلا أنه يرد أن المعنى المعبر عنه (بكر ويدن) أمر قطعي وقد نص عليه العلامة في «المقاصد» ولذا يكفي في باب الإيمان التصديق البالغ حد الجزم والإذعان مع أن التصديق المنطقي يعم الظني بالاتفاق فإنهم يقسمون العلم بالمعنى الأعم تقسيماً حاصراً إلى التصور والتصديق توسلاً به إلى بيان الحاجة إلى المنطق بجميع أجزائه التي منها القياس الجدلي المتألف من المشهورات والمسلمات ومنها القياس الخطابـي المتألف من المقبولات والمظنونات، والشعري المتألف من المخيلات فلو لم يكن التصديق المنطقي عاماً لم يثبت الاحتياج إلى هذه الأجزاء وهو ظاهر وصدر الشريعة على الأخير فإن الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصديق قطعاً فإن كان حاصلاً بالقصد والاختيار بحيث يستلزم الإذعان والقبول فهو تصديق لغوي وإن لم يكن كذلك كمن وقع بصره على شيء فعلم أنه جدار مثلاً فهو معرفة يقينية وليس بتصديق لغوي فالتصديق اللغوي عنده أخص من المنطقي، وذهب الكرامية إلى أن الإيمان شرعاً إقرار اللسان بالشهادتين لا غير، والخوارج والعلاف وعبد الجبار من المعتزلة إلى أن كل طاعة إيمان فرضاً كانت أو نفلاً، والجبائي وابنه وأكثر معتزلة البصرة إلى أنه الطاعات المفترضة دون النوافل منها، والقلانسي من أهل السنة والنجار من المعتزلة ـ وهو مذهب أكثر أهل الأثر ـ إلى أنه المعرفة بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان. قيل: وسر هذا الاختلاف، الاختلاف في أن المكلف هو الروح فقط أو البدن فقط أو مجموعهما؟ والحق أن منشأ كل مذهب دليل دعا صاحبه إلى السلوك فيه، وأوضح المذاهب أنه التصديق ولذا قال يعسوب المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه إن الإيمان معرفة والمعرفة تسليم والتسليم تصديق، ويؤيد هذا المذهب قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادله: 22] وقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } تفسير : [الحجرات: 14] وقوله تعالى: {أية : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } تفسير : [النحل: 106] وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم ثبت قلبـي على دينك»تفسير : حيث نسبه فيها وفي نظائرها الغير المحصورة إلى القلب فدل ذلك على أنه فعل القلب وليس سوى التصديق إذ لم يبين في الشرع بمعنى آخر فلا نقل وإلا لكان الخطاب بالإيمان خطاباً بما لا يفهم ولأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه بلا دليل واحتمال أن يراد بالنصوص الإيمان اللغوي فهو الذي محله القلب لا الإيمان الشرعي فيجوز أن يكون الإقرار أو غيره جزءاً من معناه يدفعه أن الإيمان من المنقولات الشرعية بحسب خصوص المتعلق ولذا بين صلى الله عليه وسلم متعلق دون معناه فقال: «حديث : أن تؤمن بالله وملائكته»تفسير : الحديث/ فهو في المعنى اللغوي مجاز في كلام الشارع والأصل في الإطلاق الحقيقة، وأيضاً ورد في عطف الأعمال على الإيمان كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ }تفسير : [البقرة: 277] والجزء لا يعطف على كله {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ } تفسير : [القدر: 4] على أحد الوجهين بتأويل الخروج لاعتبار خطابـي وتخصيصها بالنوافل بناء على خروجها خلاف الظاهر وكفى بالظاهر حجة، وأيضاً جعل الإيمان شرط صحة الأعمال كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ }تفسير : [ طه: 112] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء لنفسه إذ جزء الشرط شرط، وأيضاً ورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ }تفسير : [الحجرات: 9] مع أنه لا يتحقق للشيء بدون ركنه، وأيضاً ما ذكرناه أقرب إلى الأصل إذ لا فرق بينهما إلا باعتبار خصوص المتعلق كما لا يخفى. وقد أورد الخصم وجوهاً في الالزام، الأول: أن الإيمان لو كان عبارة عن التصديق لما اختلف مع أن إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشبهه إيمان العوام بل ولا الخواص، الثاني: أن الفسوق يناقض الإيمان ولا يجامعه، بنص {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ }تفسير : [الحجرات: 7] ولو كان بمعنى التصديق لما امتنع مجامعته، الثالث: أن فعل الكبيرة مما ينافيه لقوله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }تفسير : [الأحزاب: 43] مع قوله تعالى في المرتكب: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ }تفسير : [النور: 2] ولو كان بمعنى التصديق ما نافاه، الرابع: أن المؤمن غير مخزي لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8] وقال سبحانه في قطاع الطريق: {أية : ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [المائدة: 33] فهم ليسوا بمؤمنين مع أنهم مصدقون. الخامس: مستطيع الحج إذا تركه من غير عذر كافر لقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [آل عمران: 97] مع أنه مصدق، السادس: من لم يحكم بما أنزل الله مصدق مع أنه كافر بنص {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] السابع: أن الزاني كذلك بنص قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزني الزاني وهو مؤمن»تفسير : وكذا تارك الصلاة عمداً من غير عذر وأمثال ذلك، الثامن: أن المستخف بنبـي مثلاً مصدق مع أنه كافر بالإجماع. التاسع: أن فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ }تفسير : [البينه: 5] والدين هو الإسلام لقوله تعالى: {أية : إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ }تفسير : [آل عمران: 19] والإسلام هو الإيمان لأنه لو كان غير لما قبل من مبتغيه لقوله سبحانه: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }تفسير : [آل عمران: 85] العاشر: أنه لو كان هو التصديق لما صح وصف المكلف به حقيقة إلا وقت صدوره منه كما في سائر الأفعال مع أن النائم والغافل يوصفان به إجماعاً مع أن التصديق غير باق فيهما، الحادي عشر: أنه يلزم أن يقال لمن صدق بآلهية غير الله سبحانه مؤمن وهو خلاف الإجماع، الثاني عشر: أن الله تعالى وصف بعض المؤمنين به عز وجل بكونه مشركاً فقال: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }تفسير : [يوسف: 106] ولو كان هو التصديق لامتنع مجامعته للشرك، سلمنا أنه هو ولكن ما المانع أن يكون هو التصديق باللسان كما قاله الكرامية كيف وأهل اللغة لا يفهمون من التصديق غير التصديق باللسان؟. وأجيب عن الأول بأن التصديق الواحد وإن سلمنا عدم الزيادة والنقصان فيه من النبـي والواحد منا إلا أنه لا يمتنع التفاوت بين الإيمانين بسبب تخلل الفعلة والقوة بين أعداد الإيمان المتجددة وقلة تخللها أو بسبب عروض الشبه والتشكيكات وعدم عروضها، وللنبـي الأكمل الأكمل صلى الله عليه وسلم.شعر : وللزنبور والبازي جميعا لدى الطيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز وما يصطاده الزنبور فرق تفسير : وعن الثاني بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن الفسوق لا يجامع الإيمان فإنه لو قيل حبب إليكم العلم وكره إليكم/ الفسوق لم يدل على المناقضة بين العلم والفسوق وكون الكفر مقابلاً للايمان لم يستفد من الآية بل من خارج ولئن سلمنا دلالة الآية على ما ذكرتم إلا أن ذلك معارض بما يدل على عدمه كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ }تفسير : [الأنعام: 82] فإنه يدل على مقارنة الظلم للايمان في بعض، وعن الثالث بأنا لا نسلم أن فعل الكبيرة مناف للايمان {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ }تفسير : [النور: 2] على معنى لا تحملنكم الشفقة على إسقاط حدود الله تعالى بعد وجوبها، وعن الرابع بأن ما ذكر من الآيتين ليس فيه دلالة لأن آية نفي الخزي إنما دلت على نفيه في الآخرة عن المؤمنين مطلقاً أو أصحابه صلى الله عليه وسلم وآية القاطع دالة على الخزي في الدنيا ولا يلزم من منافاة الخزي يوم القيامة للايمان منافاته للايمان في الدنيا، وعن الخامس بأنا لا نسلم كفر من ترك الحج من غير عذر {أية : وَمَن كَفَرَ }تفسير : [آل عمران: 97] ابتداء كلام أو المراد من لم يصدق بمناسك الحج وجحدها ولا يتصور مع ذلك التصديق، وعن السادس بأن معنى: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم}تفسير : [المائدة: 44] الآية من لم يصدق أو من لم يحكم بشيء مما نزل الله أو المراد بذلك التوراة بقرينة السابق، وعن السابع بأنه يمكن أن يقال معنى: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» أي آمن من عذاب الله أي إن زنى والعياذ بالله فليخف عذابه سبحانه وتعالى ولا يأمن مكره أو المراد لا يزني مستحلاً لزناه وهو مؤمن أو لا يزني وهو على صفات المؤمن من اجتناب المحظورات، وهذا التأويل أولى من مخالفة الأوضاع اللغوية لكثرته دونها وكذا يقال في نظائر هذا، وعن الثامن بأنا لا ننكر مجامعة الكبائر للايمان عقلاً غير أن الأمة مجمعة على إكفار المستخف فعلمنا انتفاء التصديق عند وجود الاستخفاف مثلاً سمعاً والجمع بين العمل بوضع اللغة وإجماع الأمة على الإكفار أولى من إبطال أحدهما، وعن التاسع بأن الآية قد فرقت بين الدين وفعل الواجبات للعطف وهو ظاهراً دليل المغايرة، سلمنا أن الدين فعل الواجبات وأن الدين هو الإسلام لكن لا نسلم أن الإسلام هو الإيمان وليس المراد بغير الإسلام في الآية ما هو مغاير له بحسب المفهوم وإلا يلزم أن لا تقبل الصلاة والزكاة مثلاً بل المغاير له بحسب الصدق فحينئذ يحتمل أن يكون الإسلام أعم وهذا كما إذا قلت من يبتغ غير العلم الشرعي فقد سها فإنك لا تحكم بسهو من ابتغى الكلام، وظاهر أن ذم غير الأعم لا يستلزم ذم الأخص فإن قولك غير الحيوان مذموم لا يستلزم أن يكون الإنسان مذموماً، وعن العاشر بأنه مشترك الإلزام فما هو جوابكم فهو جوابنا على أنا نقول التصديق في حالة النوم والغفلة باق في القلب والذهول إنما هو عن حصوله والنوم ضد لإدراك الأشياء ابتداء لا أنه مناف لبقاء الإدراك الحاصل حالة اليقظة، سلمنا إلا أن الشارع جعل المحقق الذي لا يطرأ عليه ما يضاده في حكم الباقي حتى كان المؤمن اسماً لمن آمن في الحال أو في الماضي ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب، وعن الحادي عشر بأن عدم تسمية من صدق بآلهية غير الله مؤمناً إنما هو لخصوصية متعلق الإيمان شرعاً فتسميته مؤمناً يصح نظراً إلى الوضع اللغوي ولا يصح نظراً إلى الاستعمال الشرعي، وعن الثاني عشر بأن الإيمان ضد الشرك بالاجماع وما ذكروه لازم على كل مذهب ونحن نقول إن الإيمان هناك لغوي إذ في الشرعي يعتبر التصديق بجميع ما علم مجيئه به صلى الله عليه وسلم كما تقدم فالمشرك المصدق ببعض لا يكون مؤمناً إلا بحسب اللغة دون الشرع لإخلاله بالتوحيد والآية إشارة إليه. وقولهم أهل اللغة لا يفهمون الخ مجرد دعوى لا يساعدها البرهان نعم لا شك أن المقر باللسان وحده يسمى مؤمناً لغة لقيام دليل الإيمان الذي هو التصديق القلبـي فيه كما يطلق الغضبان والفرحان على سبيل الحقيقة لقيام الدلائل الدالة عليها من الآثار اللازمة للغضب والفرح ويجري عليه أحكام الإيمان ظاهراً ولا نزاع في ذلك وإنما النزاع في كونه مؤمناً عند الله تعالى والنبـي صلى الله عليه وسلم ومن بعده كما كانوا يحكمون بإيمان من تكلم بالشهادتين كانوا يحكمون بكفر المنافق فدل على أنه لا يكفي في الإيمان فعل اللسان/ وهذا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان وكأنه لهذا اشترط الرقاشي والقطان مواطأة القلب مع المعرفة عند الأول والتصديق المكتسب بالاختيار عند الثاني، وقال الكرامية: من أضمر الإنكار وأظهر الإذعان وإن كان مؤمناً لغة وشرعاً لتحقق اللفظ الدال الذي وضع لفظ الإيمان بإزائه إلا أنه يستحق ذلك الشخص الخلود في النار لعدم تحقق مدلول ذلك اللفظ الذي هو مقصود من اعتبار دلالته. هذا وبعد سبر الأقوال في هذا المقام لم يظهر لي بأس فيما ذهب إليه السلف الصالح وهو أن لفظ الإيمان موضوع للقدر المشترك بين التصديق وبين الأعمال فيكون إطلاقه على التصديق فقط وعلى مجموع التصديق والأعمال حقيقة كما أن المعتبر في الشجرة المعينة ـ بحسب العرف ـ القدر المشترك بين ساقها ومجموع ساقها مع الشعب والأوراق فلا يطلق الانعدام عليها ما بقي الساق فالتصديق بمنزلة أصل الشجرة والأعمال بمنزلة فروعها وأغصانها فما دام الأصل باقياً يكون الإيمان باقياً وقد ورد في الصحيح «حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» تفسير : وقريب من هذا قول من قال إن الأعمال آثار خارجة عن الإيمان مسببة له ويطلق عليها لفظ الإيمان مجازاً ولا مخالفة بين القولين إلا بأن إطلاق اللفظ عليها حقيقة على الأول مجاز على الثاني وهو بحث لفظي والمتبادر من الإيمان هٰهنا التصديق كما لا يخفى. والغيب مصدر أقيم مقام الوصف وهو غائب للمبالغة بجعله كأنه هو وجعله بمعنى المفعول يرده كما في «البحر» أن الغيب مصدر غاب وهو لازم لا يبنى منه اسم مفعول وجعله تفسيراً بالمعنى لأن الغائب يغيب بنفسه تكلف من غير داع أو فيعل خفف كقيل وميت ـ وفي «البحر» ـ لا ينبغي أن يدعى ذلك إلا فيما سمع مخففاً ومثقلاً، وفسره جمع هنا بما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بداهة العقل، فمنه ما لم ينصب عليه دليل وتفرد بعلمه اللطيف الخبير سبحانه وتعالى كعلم القدر مثلاً، ومنه ما نصب عليه دليل كالحق تعالى وصفاته العلا فإنه غيب يعلمه من أعطاه الله تعالى نوراً على حسب ذلك النور فلهذا تجد الناس متفاوتين فيه، وللأولياء نفعنا الله تعالى بهم الحظ الافر منه. ومن هنا قيل: الغيب مشاهدة الكل بعين الحق فقد يمنح العبد قرب النوافل فيكون الحق سبحانه بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به ويرقى من ذلك إلى قرب الفرائض فيكون نوراً فهناك يكون الغيب له شهوداً والمفقود لدينا عنده موجوداً ومع هذا لا أسوغ لمن وصل إلى ذلك المقام أن يقال فيه أنه يعلم الغيب {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }تفسير : [النمل: 65].شعر : وقل لقتيل الحب وفيت حقه وللمدعي هيهات ما الكحل الكحل تفسير : واختلف الناس في المراد به هنا على أقوال شتى حتى زعمت الشيعة أنه القائم وقعدوا عن إقامة الحجة على ذلك والذي يميل إليه القلب أنه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام وهو الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره لأن الإيمان المطلوب شرعاً هو ذاك لا سيما وقد انضم إليه الوصفان بعده وكون ذلك مستلزماً لإطلاق الغيب عليه سبحانه ضمناً والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور والغيبة مما لا يضر إذ ليس فيه إطلاقه عليه سبحانه بخصوصه فهذا ليس من قبيل التسمية على أنه لا نسلم أن الغيب لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور وبعض أهل العلم فرق بين الغيب والغائب فيقولون الله تعالى غيب وليس بغائب ويعنون بالغائب ما لا يراك ولا تراه وبالغيب ما لا تراه أنت، ولا يبعد أن يقال بالتغليب ليدخل إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم به صلى الله عليه وسلم إذ ليس بغيب بالنسبة إليهم أو يقال الإيمان به عليه الصلاة والسلام راجع إلى الإيمان برسالته مثلاً إذ لا معنى للإيمان/ به نفسه معرى عن الحيثيات. ورسالته غيب نصب عليها الدليل كما نصب لنا وإن افترقنا بالخبر والمعاينة أو أنه من إسناد ما للبعض إلى الكل مجازاً كبنو فلان قتلوا فلاناً أو المراد أنهم يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة فاستوى عندهم المشاهد وغيره. واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد أن هؤلاء المتقين يؤمنون بالغيب أي حال الغيبة عنكم كما يؤمنون حال الحضور لا كالمنافقين الذين {أية : .. إِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة: 14] فهو على حد قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ }تفسير : [يوسف: 52] ويحتمل أن يقال حال غيبة المؤمن به، ففي «سنن الدارمي» عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن الحرث بن قيس قال له عند الله نحتسب ما سبقتمونا إليه من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن مسعود عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيناً لمن رآه والذي لا إله إلا هو ما من أحد أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ: {أية : الۤمۤ * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }تفسير : [البقرة: 1-2] إلى قوله: {أية : ٱلْمُفْلِحُونَ }تفسير : [البقرة: 5] ولا يلزم من تفضيل إيمان على آخر من حيثية تفضيله عليه من سائر الحيثيات ولا تفضيل المتصف بأحدهما على المتصف بالآخر فإن الأفضلية تختلف بحسب الإضافات والاعتبارات وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل، ويا ليت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سكن لوعة الحرث بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم مرفوعاً «حديث : نعم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بـي ولم يروني»تفسير : وما كان أغناه رضي الله تعالى عنه عما أجاب به إذ يخرج الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن هذا العموم الذي في هذه الآية كما يشعر به قراءته لها مستشهداً بها، وبه قال بعض أهل العلم وأنا لا أميل إلى ذلك وقيل المراد بالغيب القلب أي يؤمنون بقلوبهم لا كمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والباء على الأول للتعدية وعلى الثاني والثالث للمصاحبة وعلى الرابع للآلة وقرأ أبو جعفر وعاصم في رواية الأعشى عن أبـي بكر بترك الهمزة من {يُؤْمِنُونَ } وكذا كل همزة ساكنة بل قد يتركان كثيراً من المتحركة مثل {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } تفسير : [البقرة: 225] و {أية : يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ }تفسير : [آل عمران: 13] وتفصيل مذهب أبـي جعفر طويل وأماأبو عمرو فيترك كل همزة ساكنة إلا أن يكون سكونها علامة للجزم مثل {أية : يهيِّىء لَكُمْ }تفسير : [الكهف: 16] و {أية : نبئهم} تفسير : [الحجر: 51] و { أية : ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } تفسير : [الإسراء: 14] فإنه لا يترك الهمزة فيها وروي عنه أيضاً الهمز في الساكنة وأما نافع فيترك كل همزة ساكنة ومتحركة إذا كانت فاء الفعل نحو {يومنون} و {لا يواخذكم} واختلفت قراءة الكسائي وحمزة ولكل مذهب يطول ذكره. {وَيُقِيمُونَ} من الإقامة يقال أقمت الشيء إقامة إذا وفيت حقه قال تعالى: {أية : لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ } تفسير : [المائدة: 68] أي توفوا حقهما بالعلم والعمل ومعنى {يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ} يعدلون أركانها بأن يوقعوها مستجمعة للفرائض والواجبات أو لها مع الآداب والسنن من أقام العود إذا قومه أو يواظبون عليها ويداومون من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة أو يتشمرون لأدائها بلا فترة عنها ولا توان من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جدّ فيه أو يؤدونها ويفعلونها وعبر عن ذلك بالإقامة لأن القيام بعض أركانها فهذه أربعة أوجه، وفي الكلام على الأولين منها استعارة تبعية وعلى الأخيرين مجاز مرسل، وبيان ذلك في الأول أن يشبه تعديل الأركان بتقويم العود بإزالة اعوجاجه فهو قويم تشبيهاً له بالقائم ثم استعير الإقامة من تسوية الأجسام التي صارت حقيقة فيها لتسوية المعاني كتعديل أركان الصلاة على ما هو حقها، وقيل الإقامة بمعنى التسوية حقيقة في الأعيان والمعاني بل التقويم في المعاني كالدين والمذهب أكثر/ فلا حاجة إلى الاستعارة ولا يخفى ما فيه فإن المجازية ما لا شبهة فيها دراية ورواية وذاك الاستعمال مجاز مشهور أو حقيقة عرفية، وفي الثاني: بأن نفاق السوق كانتصاب الشخص في حسن الحال والظهور التام فاستعمل القيام فيه والإقامة في إنفاقها ثم استعيرت منه للمداومة فإن كلاً منهما يجعل متعلقه مرغوباً متنافساً فيه متوجهاً إليه وهذا معنى لطيف لا يقف عليه إلا الخواص إلا أن فيه تجوزاً من المجاز وكأنه لهذا مال الطيبـي إلى أن في هذا الوجه كناية تلويحية حيث عبر عن الدوام بالإقامة فإن إقامة الصلاة بالمعنى الأول مشعرة بكونها مرغوباً فيها وإضاعتها تدل على ابتذالها كالسوق إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق سلعتها ونفاقها على توجه الرغبات إليها وهو يستدعي الاستدامة بخلافها إذا لم تكن قائمة، وفي الثالث: بأن القيام بالأمر يدل على الاعتناء بشأنه ويلزمه التشمر فأطلق القيام على لازمه، وقد يقال بأن قام بالأمر معناه جدّ فيه وخرج عن عهدته بلا تأخير ولا تقصير فكأنه قام بنفسه لذلك وأقامه أي رفعه على كاهله بجملته فحينئذ يصح أن يكون فيه استعارة تمثيلية أو مكنية أو تصريحية ويجوز أن يكون أيضاً مجازاً مرسلاً لأن من قام لأمر على أقدام الإقدام ورفعه على كاهل الجد فقد بذل فيه جهده، وفي الرابع: بأن الأداء المراد به فعل الصلاة والقيد خارج عبر عنه بالإقامة بعلاقة اللزوم إذ يلزم من تأدية الصلاة وإيجادها كلها فعل القيام وهو الإقامة لأن فعل الشيء فعل لأجزائه أو العلاقة الجزئية لأن الإقامة جزء أو جزئي لمطلق الفعل ويجوز أن يكون هناك استعارة لمشابهة الأداء للإقامة في أن كلاً منهما فعل متعلق بالصلاة. وإلى ترجيح أول الأوجه مال جمع لأنه أظهر وأقرب إلى الحقيقة وأفيد وهو المروي عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم من طرق عنه ولعل ذلك منه عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حمل لكلام الله سبحانه وتعالى على أحسن محامله حيث إنه المناسب لترتيب الهدى الكامل والفلاح التام الشامل وفيه المدح العظيم والثناء العميم ولا يبعد أن يقال باستلزامه لما في الأوجه الأخيرة وتعين الأخير كما قيل في حديث: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام»تفسير : لا يضر في أرجحية الأول في الكلام القديم إذ يرد أنه لو أريد ذلك قيل يصلون والعدول عن الأخصر الأظهر بلا فائدة لا يتجه في كلام بليغ فضلاً عن أبلغ الكلام ولكل مقام مقال فافهم. والصلاة في الأصل عند بعض بمعنى الدعاء ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب وإن كان صائماً فليصل» تفسير : وهي عند أهل الشرع مستعملة في ذات الأركان لأنها دعاء بالألسنة الثلاثة الحال والفعل والمقال، والمشهور في أصول الفقه أن المعتزلة على أن هذه وأمثالها حقائق مخترعة شرعية لأنها منقولة عن معان لغوية والقاضي أبو بكر منا على أنها مجازات لغوية مشهورة لم تصر حقائق وجماهير الأصحاب على أنها حقائق شرعية عن معان لغوية. وقال أبو علي ورجحه السهيلي الصلاة من الصلوين لعرقين في الظهر لأن أول ما يشاهد من أحوالها تحريكهما للركوع واستحسنه ابن جني وسمى الداعي مصلياً تشبيهاً له في تخشعه بالراكع الساجد. وقيل أخذت الصلاة من ذاك لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى من الخيل للآتي مع صلوى السابق وأنكر الإمام الاشتقاق من الصلوين مستنداً إلى أن الصلاة من أشهر الألفاظ فاشتقاقها من غير المشهور في غاية البعد وأكاد أوافقه وإن قيل إن عدم الاستشهار لا يقدح في النقل وقيل من صليت العصا إذا قومتها بالصلي، فالمصلي كأنه يسعى في تعديل ظاهره وباطنه مثل ما يحاول تعديل الخشبة بعرضها على النار وهي فعله/ - بفتح العين - على المشهور وجوز بعضهم سكونها فتكون حركة العين منقولة من اللام وقد اتفقت المصاحف على رسم الواو مكان الألف في مشكوة ونجاة ومناة وصلاة وزكاة وحياة حيث كن موحدات مفردات محلات باللام وعلى رسم المضاف منها كصلاتى بالألف وحذفت من بعض المصاحب العثمانية، واتفقوا على رسم المجموع منها بالواو على اللفظ قال الجعبري: ووجه كتابة الواو الدلالة على أن أصلها المنقلبة عنه واو وهو اتباع للتفخيم وهذا معنى قول ابن قتيبة بعض العرب يميلون الألف إلى الواو ولم أختر التعليل به لعدم وقوعه في القرآن العظيم وكلام الفصحاء والمراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة وهي الصلوات الخمس كما قاله مقاتل أو الفرائض والنوافل كما قاله الجمهور والأول هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وادعى الإمام أنه هو المراد لأنه الذي يقع عليه الفلاح لأنه صلى الله عليه وسلم لما بين للأعرابـي صفة الصلاة المفروضة قال: «حديث : والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها فقال عليه الصلاة والسلام أفلح الأعرابـي إن صدق»تفسير : . والرزق بالفتح لغة الإعطاء لما ينتفع الحيوان به. وقيل إنه يعم غيره كالنبات وبالكسر اسم منه ومصدر أيضاً على قول. وقيل أصل الرزق الحظ ويستعمل بمعنى المرزوق المنتفع به وبمعنى الملك وبمعنى الشكر عند أزد. واختلف المتكلمون في معناه شرعاً فالمعول عليه عند الأشاعرة ما ساقه الله تعالى إلى الحيوان فانتفع به سواء كان حلالاً أو حراماً من المطعومات أو المشروبات أو الملبوسات أو غير ذلك والمشهور أنه اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان ليتغذى به ويلزم على الأول أن تكون العواري رزقاً لأنها مما ساقه الله تعالى للحيوان فانتفع به وفي جعلها رزقاً بعد بحسب العرف كما لا يخفى، ويلزم أيضاً أن يأكل شخص رزق غيره لأنه يجوز أن ينتفع به الآخر بالأكل إلا أن الآية توافقه إذ يجوز أن يكون الانتفاع من جهة الإنفاق على الغير بخلاف التعريف الثاني إذ ما يتغذى به لا يمكن إنفاقه إلا أن يقال إطلاق الرزق على المنفق مجاز لكونه بصدده والمعتزلة فسروه في المشهور تارة بما أعطاه الله تعالى عبده ومكنه من التصرف فيه وتارة بما أعطاه الله تعالى لقوامه وبقائه خاصة، وحيث إن الإضافة إلى الله تعالى معتبرة في معناه وأنه لا رازق إلا الله سبحانه وأن العبد يستحق الذم والعقاب على أكل الحرام وما يستند إلى الله تعالى عز وجل عندهم لا يكون قبيحاً ولا مرتكبه مستحقاً ذماً وعقاباً قالوا إن الرزق هو الحلال، والحرام ليس برزق وإلى ذلك ذهب الجصاص منا في كتاب «أحكام القرآن» وعندنا الكل منه وبه وإليه {أية : قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 78] ولا حول ولا قوة إلا بالله وإلى الله تصير الأمور والذم والعقاب لسوء مباشرة الأسباب بالاختيار نعم الأدب من خير رأس مال المؤمن فلا ينبغي أن ينسب إليه سبحانه إلا الأفضل فالأفضل كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] وقال تعالى: {أية : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 7] فالحرام رزق في نفس الأمر لكنا نتأدب في نسبته إليه سبحانه والدليل على شمول الرزق له ما أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم والديلمي من حديث صفوان بن أمية قال:« حديث : جاء عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله إن الله قد كتب عليَّ الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال صلى الله عليه وسلم: لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله تعالى رزقاً حلالاً طيباً فاخترت ما حرم الله تعالى عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله» تفسير : وحمله على المشاكلة كالقول بأنه يحتمل قوله عليه الصلاة والسلام «فاخترت» الخ كونه رزقاً لمن أحل له فيسقط الاستدلال لقيام الاحتمال خلاف الظاهر جداً. ومثل هذا الاحتمال إن قدح في الاستدلال لا يبقى وجه الأرض دليل والطعن في السند لا يقبل من غير مستند وهو مناط الثريا كما لا يخفى والاستدلال على هذا المطلب كما فعل البيضاوي وغيره بأنه لو لم يكن الحرام رزقاً لم يكن المتغذى/ به طول عمره مرزوقاً وليس كذلك لقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6] ليس بشيء لأن للمعتزلة أن لا يخصوا الرزق بالغذاء بل يكتفوا بمطلق الانتفاع دون الانتفاع بالفعل بل التمكن فيه فلا يتم الدليل إلا إذا فرض أن ذلك الشخص لم ينتفع من وقت وفاته إلى وقت موته بشيء انتفاعاً محللاً لا رضعة من ثدي ولا شربة من ماء مباح ولا نظرة إلى محبوب ولا وصلة إلى مطلوب بل ولا تمكن من ذلك أصلاً والعادة تقضي بعدم وجوده ومادة النقض لا بد من تحققها على أنه لو قدر وجوده لقالوا إن ذلك ليس محرماً بالنسبة إليه {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 173] وأيضاً لهم أن يعترضوا بمن عاش يوماً مثلاً ثم مات قبل أن يتناول حلالاً ولا حراماً وما يكون جوابنا لهم يكون جوابهم لنا على أن الآية لم تدل على أن الله تعالى يوصل جميع ما ينتفع به كل أحد إليه فإن الواقع خلافه بل دلت على أنه سبحانه وتعالى يسوق الرزق ويمكن من الانتفاع به فإذا حصل الإعراض من الحلال إلى الحرام لم يقدح في تحقق رازقيته جل وعلا، وأيضاً قد يقال: معنى الآية ما من دابة متصفة بالمرزوقية فلا تدخل مادة النقض ليضر خروجها كما لا يدخل السمك في قولهم كل دابة تذبح بالسكين أي كل دابة تتصف بالمذبوحية فالاتصاف أن هذا لا يصلح دليلاً، والأحسن الاستدلال بالاجماع قبل ظهور المعتزلة على أن من أكل الحرام طول عمره مرزوق طول عمره ذلك الحرام والظواهر تشهد بانقسام الرزق إلى طيب وخبيث وهي تكفي في مثل هذه المسألة والأصل الذي بني عليه التخصيص قد تركه أهل السنة قاعاً صفصفا. والإنفاق الإنفاد يقال أنفقت الشيء وأنفدته بمعنى والهمزة للتعدية وأصل المادة تدل على الخروج والذهاب ومنه نافق والنافقاء ونفق وإنما قدم سبحانه وتعالى المعمول اعتناء بما خول الله تعالى العبد أو لأنه مقدم على الإنفاق في الخارج ولتناسب الفواصل والمراد بالرزق هنا الحلال لأنه في معرض وصف المتقي ولا مدح أيضاً في إنفاق الحرام قيل ولا يرد قول الفقهاء إذا اجتمع عند أحد مال لا يعرف صاحبه ينبغي أن يتصدق به فإذا وجد صاحبه دفع قيمته أو مثله إليه فهذا الإنفاق مما يثاب عليه لأنه لما فعله بإذن الشارع استحق المدح لأنه لما لم يعرف صاحبه كان له التصرف فيه وانتقل بالضمان إلى ملكه وتبدلت الحرمة إلى ثمنه على أنه قد وقع الخلاف فيما لو عمل الخير بمال مغصوب عرف صاحبه كما قال ابن القيم في «بدائع الفوائد» فذهب ابن عقيل إلى أنه لا ثواب للغاصب فيه لأنه آثم ولا لرب المال لأنه لا نية له ولا ثواب بدونها وإنما يأخذ من حسنات الغاصب بقدر ماله. وقيل إنه نفع حصل بماله وتولد منه ومثله يثاب عليه كالولد الصالح يؤجر به وإن لم يقصده، ويفهم كلام البعض ـ وهو من الغرابة بمكان ـ أن الغاصب أيضاً يؤجر إذا صرفها بخير وإن تعد واقتص من حسناته بسبب أخذه لأنه لو فسق به عوقب مرتين مرة على الغصب ومرة على الفسق فإذا عمل به خيراً ينبغي أن يثاب عليه {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزله:7ـ8] ولا يرد على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يقبل الله صدقة من غُلُول» تفسير : وقوله: «حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»تفسير : لأن مآل ما ذكر أن الثواب على نفس العدول من الصرف في المعصية إلى الصرف فيما هو طاعة في نفسه لا على نفس الصدقة مثلاً بالمال الحرام من حيث إنه حرام والفرق دقيق لا يهتدى إليه إلا بتوفيق. وقد اختلف في الإنفاق هٰهنا فقيل ـ وهو الأولى ـ صرف المال في سبل الخيرات أو البذل من النعم الظاهرة والباطنة وعلم لا يقال به ككنز لا ينفق منه. وعن ابن عباس الزكاة، وعنه وعن ابن مسعود نفقة العيال، وعن الضحاك التطوع قبل فرض الزكاة أو النفقة في الجهاد. ولعل هذه الأقوال تمثيل للمنفق لا خلاف فيه، وبعضهم جعلها خلافاً ورجح كونها الزكاة المفروضة باقترانها/ بأختها الصلاة في عدة مواضع من القرآن ومن التبعضية حينئذ مما لا يسئل عن سرها إذ الزكاة المفروضة لا تكون بجميع المال وأما إذا كان المراد بالإنفاق مطلقه الأعم مثلاً ففائدة إدخالها الإشارة إلى أن إنفاق بعض المال يكفي في اتصاف المنفق بالهداية والفلاح ولا يتوقف على إنفاق جميع المال وقول مولانا البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنه للكف عن الإسراف المنهي عنه مخصوص بمن لم يصبر على الفاقة ويتجرع مرارة الإضافة وإلا فقد تصدق الصديق رضي الله تعالى عنه بجميع ماله ولم ينكره عليه صلى الله عليه وسلم لعلمه بصبره واطلاعه على ما وقر في صدره، و(من) هٰهنا لما قيل للحسن بن سهل لا خير في الإسراف قال لا إسراف في الخير، وقيل النكتة في إدخال (من) التبعضية هي أن الرزق أعم من الحلال والحرام فأدخلت إيذاناً بأن الانفاق المعتد به ما يكون من الحلال وهو بعض من الرزق. و(ما) في الآية إما موصولة أو مصدرية أو موصوفة والأول أولى فالعائد محذوف، واستشكل بأنه إن قدر متصلاً يلزم اتصال ضميرين متحدي الرتبة والانفصال في مثله واجب وإن قدر منفصلاً امتنع حذفه إذ قد أوجبوا ذكر المنفصل معللين بأنه لم ينفصل إلا لغرض وإذا حذفت فاتت الدلالة عليه، وأجيب على اختيار كل. أما الأول: فبأنه لما اختلف الضميران جمعاً وإفراداً جاز اتصالهما وإن اتحدا رتبة كقوله:شعر : لوجهك في الإحسان بسط وبهجة أنا لهماه قفو أكرم والد تفسير : وأيضاً لا يلزم من منع ذلك ملفوظاً به منعه مقدراً لزوال القبح اللفظي، وأما الثاني: فبأن الذي يمنع حذفه ما كان منفصلاً لغرض معنوي كالحصر لا مطلقاً كما قال ابن هشام في «الجامع الصغير» وأشار إليه غير واحد وكتبت (من) متصلة بما محذوفة النون لأن الجار والمجرور كشيء واحد وقد حذفت النون لفظاً فناسب حذفها في الخط قاله في «البحر» وجعل سبحانه صلات {ٱلَّذِينَ} أفعالاً مضارعة ولم يجعل الموصول أل فيصله باسم الفاعل لأن المضارع فيما ذكره البعض مشعر بالتجدد والحدوث مع ما فيه هنا من الاستمرار التجددي وهذه الأوصاف متجددة في المتقين واسم الفاعل عندهم ليس كذلك، ورتبت هذا النحو من الترتيب لأن الأعمال إما قلبية وأعظمها اعتقاد حقيقة التوحيد والنبوة والمعاد إذ لولاه كانت الأعمال كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء أو قالبية وأصلها الصلاة لأنها الفارقة بين الكفر والإسلام وهي عمود الدين ومعراج الموحدين والأم التي يتشعب منها سائر الخيرات والمبرات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة» تفسير : وقد أطلق الله تعالى عليها الإيمان كما قاله جمع من المفسرين في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] أو مالية وهي الإنفاق لوجه الله تعالى وهي التي إذا وجدت علم الثبات على الإيمان وهذه الثلاثة متفاوتة الرتب فرتب سبحانه وتعالى ذلك مقدماً الأهم فالأهم والألزم فالألزم لأن الإيمان لازم للمكلف في كل آن والصلاة في أكثر الأوقات والنفقة في بعض الحالات فافهم ذاك والله يتولى هداك.

ابن عاشور

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}. يتعين أن يكون كلاماً متصلاً بقوله: {أية : للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] على أنه صفة لإرْدَاف صفتِهم الإجمالية بتفصيلٍ يعرف به المراد، ويكون مع ذلك مبدأ استطراد لتصنيف أصناف الناس بحسب اختلاف أحوالهم في تلقي الكتاب المنوَّه به إلى أربعة أصناف بعد أن كانوا قبل الهجرة صنفين، فقد كانوا قبل الهجرة صِنفاً مؤمنين وصنفاً كافرين مصارحين، فزاد بعد الهجرة صنفان: هما المنافقون وأهل الكتاب، فالمشركون الصرحاء هم أعداء الإسلام الأولون، والمنافقون ظهروا بالمدينة فاعتز بهم الأولون الذين تركهم المسلمون بدار الكفر، وأهل الكتاب كانوا في شغل عن التصدي لمناوأة الإسلام، فلما أصبح الإسلام في المدينة بجوارهم أوجسوا خيفة فالتفُّوا مع المنافقين وظاهَروا المشركين. وقد أشير إلى أن المؤمنين المتقين فريقان: فريق هم المتقون الذين أسلموا ممن كانوا مشركين وكان القرآن هُدى لهم بقرينة مقابلة هذا الموصول بالموصول الآخر المعطوف بقوله: {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}تفسير : [البقرة: 4] الخ. فالمثنيُّ عليهم هنا هم الذين كانوا مشركين فسمعوا الدعوة المحمدية فتدبروا في النجاة واتقوا عاقبة الشرك فآمنوا، فالباعث الذي بعثهم على الإسلام هو التقوى دون الطمع أو التجربة، فوائل بن حجر مثلاً لما جاء من اليمن راغباً في الإسلام هو من المتقين، ومسيلمة حين وفد مع بني حنيفة مضمر العداء طامعاً في الملك هو من غير المتقين. وفريق آخر يجيء ذكره بقوله: {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك}تفسير : [البقرة: 4] الآيات. وقد أجريت هذه الصفات للثناء على الذين آمنوا بعد الإشراك بأن كان رائدهم إلى الإيمان هو التقوى والنظر في العاقبة، ولذلك وصفهم بقوله: {يؤمنون بالغيب} أي بعد أن كانوا يكفرون بالبعث والمعاد كما حكى عنهم القرآن في آيات كثيرة، ولذلك اجتلبت في الإخبار عنهم بهذه الصِّلات الثلاث صيغة المضارع الدالة على التجدُّد إيذاناً بتجدد إيمانهم بالغيب وتجدد إقامتهم الصلاة والإنفاق إذ لم يكونوا متصفين بذلك إلا بعد أن جاءهم هدى القرآن. وجوز صاحب «الكشاف» كونه كلاماً مستأنفاً مبتدأ وكون: {أية : أولئك على هدى}تفسير : [البقرة: 5] خبره. وعندي أنه تجويز لما لا يليق، إذ الاستئناف يقتضي الانتقال من غرض إلى آخر، وهو المسمى بالاقتضاب وإنما يحسن في البلاغة إذا أشيع الغرض الأول وأفيض فيه حتى أوعب أو حتى خيفت سآمة السامع، وذلك موقع أما بعد أو كلمة هذا ونحوهما، وإلا كان تقصيراً من الخطيب والمتكلم لا سيما وأسلوب الكتاب أوسع من أسلوب الخطابة لأن الإطالة في أغراضه أمكن. والغيب مصدر بمعنى الغيبة: {أية : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}تفسير : [يوسف: 52] {أية : ليعلم الله من يخافه بالغيب}تفسير : [المائدة: 94] وربما قالوا بظهر الغيب قال الحطيئة:شعر : كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لام بظهر الغيب تأتيني تفسير : وفي الحديث: «حديث : دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة»تفسير : . والمراد بالغيب ما لا يدرك بالحواس مما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صريحاً بأنه واقع أو سيقع مثل وجودِ الله، وصفاتِه، ووجودِ الملائكة، والشياطين، وأشراطِ الساعة، وما استأثر الله بعلمه. فإن فسر الغيب بالمصدر أي الغيبة كانت الباء للملابسة ظرفاً مستقراً فالوصف تعريض بالمنافقين، وإن فسر الغيب بالاسم وهو ما غاب عن الحس من العوالم العلوية والأخروية، كانت الباء متعلقة بيؤمنون، فالمعنى حينئذٍ: الذين يؤمنون بما أخبر الرسول من غير عالم الشهادة كالإيمان بالملائكة والبعث والروح ونحو ذلك. وفي حديث الإيمان: «حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»تفسير : . وهذه كلها من عوالم الغيب. كان الوصف تعريضاً بالمشركين الذين أنكروا البعث وقالوا: {أية : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد}تفسير : [سبأ: 7] فجَمَع هذا الوصف بالصراحة ثناءً على المؤمنين، وبالتعريض ذماً للمشركين بعدم الاهتداء بالكتاب، وذماً للمنافقين الذين يؤمنون بالظاهر وهم مبطنون الكفر، وسيُعْقَب هذا التعريضُ بصريح وصفهم في قوله: {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم}تفسير : [البقرة: 6] الآيات. وقوله: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 8]. ويؤمنون معناه يصدقون، وآمن مزيد أمن وهمزته المزيدة دلت على التعدية، فأصل آمن تعدية أَمِن ضد خاف فآمن معناه جعل غيره آمناً ثم أطلقوا آمن على معنى صدَّق ووَثِق حكَى أبو زيد عن العرب: «ما آمنت أَنْ أجد صحابةً» يقوله المسافر إذا تأخر عن السفر، فصار آمن بمعنى صدَّق على تقدير أنه آمن مُخبِرَه من أن يُكذِّبه، أو على تقدير أنه آمن نفسه من أن تخاف من كَذِب الخبر مبالغة في أمن كأقدم على الشيء بمعنى تقدم إليه وعمد إليه، ثم صار فعلاً قاصراً إما على مراعاة حذف المفعول لكثرة الاستعمال بحيث نزل الفعل منزلة اللازم، وإما على مراعاة المبالغة المذكورة أي حصل له الأمْن أي من الشك واضطراب النفس واطمأن لذلك لأن معنى الأمن والاطمئنان متقارب، ثم إنهم يضمنون آمن معنى أَقر فيقولون آمن بكذا أي أقر به كما في هذه الآية، ويضمنونه معنى اطمأَن فيقولون آمن له: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}تفسير : [البقرة: 75]. ومجيء صلة الموصول فعلاً مضارعاً لإفادة أن إيمانهم مستمر متجدد كما علمت آنفاً، أي لايطرأ على إيمانهم شك ولا ريبة. وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان لأن الإيمان بالغيب أي ما غاب عن الحس هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل عن وجود الله والعالم العلوي، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول وللنظر فيما يبلِّغه عن الله تعالى فسهل عليه إدراك الأدلة، وأما مَن يعتقدُ أن ليس وراء عالم الماديات عالم آخر وهو ما وراء الطبيعة فقد راض نفسه على الإعراض عن الدعوة إلى الإيمان بوجود الله وعالم الآخرة كما كان حال الماديين وهم المسموْن بالدُّهْريين الذين قالوا: {أية : ما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] وقريب من اعتقادهم اعتقاد المشركين ولذلك عبدوا الأصنام المجسمة ومعظم العرب كانوا يثبتون من الغيب وجودَ الخالق وبعضهم يثبت الملائكة ولا يؤمنون بسوى ذلك. والكلام على حقيقة الإيمان ليس هذا موضعه ويجىء عند قوله تعالى: {أية : وما هم بمؤمنين}تفسير : [البقرة: 8]. {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ}. الإقامة مصدر أقام الذي هو معدى قام، عدى إليه بالهمزة الدالة على الجعل، والإقامة جعلها قائمة، مأخوذ من قامت السوق إذا نَفَقَت وتداول الناس فيها البيع والشراء وقد دل على هذا التقدير تصريح بعض أهل اللسان بهذا المقدر. قال أيمن ابن خرَيم الأنطري:شعر : أقامت غزالةُ سُوقَ الضِّرابْ لأَهل العراقَين حَوْلاً قميطاً تفسير : وأصل القيام في اللغة هو الانتصاب المضاد للجلوس والاضطجاع، وإنما يقوم القائم لقصد عمل صعب لا يتأتى من قعود، فيقوم الخطيب ويقوم العامل ويقوم الصانع ويقوم الماشي فكان للقيام لوازم عرفية مأخوذة من عوارضه اللازمة ولذلك أطلق مجازاً على النشاط في قولهم قام بالأمر، ومن أشهر استعمال هذا المجاز قولهم قامت السوق وقامت الحرب، وقالوا في ضده ركدت ونامت، ويفيد في كل ما يتعلق به معنى مناسباً لنشاطه المجازي وهو من قبيل المجاز المرسل وشاع فيها حتى ساوى الحقيقة فصارت كالحقائق ولذلك صح بناء المجاز الثاني والاستعارة عليها، فإقامة الصلاة استعارة تبعية شبهت المواظبة على الصلوات والعناية بها بجعل الشيء قائماً، وأحسب أن تعليق هذا الفعل بالصلاة من مصطلحات القرآن وقد جاء به القرآن في أوائل نزوله فقد ورد في سورة المزمل (20): {أية : وأقيموا الصلاة} تفسير : وهي ثالثة السور نزولاً. وذكر صاحب الكشاف وجوهاً أُخر بعيدة عن مساق الآية. وقد عبر هنا بالمضارع كما وقع في قوله: {يؤمنون} ليصلح ذلك للذين أقاموا الصلاة فيما مضى وهم الذين آمنوا من قبل نزول الآية، والذين هم بصدد إقامة الصلاة وهم الذين يؤمنون عند نزول الآية، والذين سيهتدون إلى ذلك وهم الذين جاءوا من بعدهم إذ المضارع صالح لذلك كله لأن من فعل الصلاة في الماضي فهو يفعلها الآن وغداً، ومن لم يفعلها فهو إما يفعلها الآن أو غداً وجميع أقسام هذا النوع جعل القرآن هدى لهم. وقد حصل من إفادة المضارع التجدد تأكيد ما دل عليه مادة الإقامة من المواظبة والتكرر ليكون الثناء عليهم بالمواظبة على الصلاة أصرح. والصلاة اسم جامد بوزن فَعَلة محرَّك العين (صَلَوة) ورد هذا اللفظ في كلام العرب بمعنى الدعاء كقول الأعشى:شعر : تقول بنتي وقد يَمَّمتُ مُرتحلا يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصاب والوجَعا عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغْتمضِي جَفْنا فإن لجنبِ المرء مضطَجَعا تفسير : وورد بمعنى العبادة في قول الأعشى:شعر : يُراوِح من صلوات المَلِيـك طَوْراً سُجوداً وطَوراً جُؤَاراً تفسير : فأما الصلاة المقصودة في الآية فهي العبادة المخصوصة المشتملة على قيام وقراءة وركوع وسجود وتسليم. قال ابن فارس كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونقلت ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات، ومما جاء في الشرع الصلاة وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود وإن لم يكن على هاته الهيأة قال النابغة:شعر : أو دُرةٌ صَدفيَّةٌ غَوَّاصُها بَهِيجٌ متى يَرَها يُهلِّ ويسجدِ تفسير : وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد والمواقيت ا هـ. قلت لا شك أن العرب عرفوا الصلاة والسجود والركوع وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام فقال: {أية : ربنا ليقيموا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 37] وقد كان بين ظهرانيهم اليهود يصلون أي يأتون عبادتهم بهيأة مخصوصة، وسمَّوا كنيستهم صَلاة، وكان بينهم النصارى وهم يصلون وقد قال النابغة في ذكر دَفن النعمان بن الحارث الغساني:شعر : فآب مُصلُّوه بعين جلية وغودِر بالجولان حزمٌ ونايل تفسير : على رواية مصلوه بصاد مهملة أراد المصلين عليه عند دفنه من القسس والرهبان، إذ قد كان منتصراً ومنه البيت السابق. وعرفوا السجود قال النابغة:شعر : أو درة صدفية غَوَّاصها بَهِج متى يَرَها يُهلِّ ويسجدِ تفسير : وقد تردد أئمة اللغة في اشتقاق الصلاة، فقال قوم مشتقة من الصلا وهو عرق غليظ في وسط الظهر ويفترق عند عَجْب الذنب فيكتنفه فيقال: حينئذٍ هما صَلَوان، ولما كان المصلي إذا انحنى للركوع ونحوه تحرك ذلك العرق اشتقت الصلاة منه كما يقولون أَنِفَ من كذا إذا شمخ بأنفه لأنه يرفعه إذا اشمأز وتعاظم فهو من الاشتقاق من الجامد كقولهم استنوق الجمل وقولهم تنمر فلان، وقولها: «زَوجي إذا دَخل فَهِدْ وإذا خَرج أَسِدْ» والذي دل على هذا الاشتقاق هنا عدم صلوحية غيره فلا يعد القول به ضعيفاً لأجل قلة الاشتقاق من الجوامد كما توهمه السيد. وإنما أطلقت على الدعاء لأنه يلازم الخشوع والانخفاض والتذلل، ثم اشتقوا من الصلاة التي هي اسم جامد صلى إذا فعل الصلاة واشتقوا صلى من الصلاة كما اشتقوا صلّى الفرس إذا جاء معاقباً للمجلى في خيل الحلبة، لأنه يجىء مزاحماً له في السبق، واضعاً رأسه على صَلاَ سابقه واشتقوا منه المصلّى اسماً للفرس الثاني في خيل الحلبة، وهذا الرأي في اشتقاقها مقتضب من كلامهم وهو الذي يجب اعتماده إذْ لم يصلح لأصل اشتقاقها غير ذلك. وما أورده الفخر في «التفسير» أنّ دعوى اشتقاقها من الصلْوَيْن يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل، فإذا جوزنا أنه خَفِي واندرس حتى لا يعرفه إلا الآحاد لجاز مثله في سائر الألفاظ فلا نقطع بأن مراد الله تعالى من هذه الألفاظ ما يتبادر منها إلى أفهامنا في زماننا هذا لاحتمال أنها كانت في زمن الرسول موضوعة لمعان أخر خفيت علينا ا هـ يَرُده أنه لا مانع من أن يكون لفظ مشهور منقولاً من معنى خفي لأنه العبرة في الشيوع بالاستعمال وأما الاشتقاق فبحث علمي ولهذا قال البيضاوي: «واشتهارُ هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله منه». ومما يؤيد أنها مشتقة من هذا كتابتها بالواو في المصاحف إذ لولا قصد الإشارة إلى ما اشتقت منه ما كان وجه لكتابتها بالواو وهم كتبوا الزكاة والربا والحياة بالواو إشارة إلى الأصل. وأما قول الكشاف: وكتابتها بالواو على لفظ المفخم أي لغة تفخيم اللام يرده أن ذلك لم يصنع في غيرها من اللامات المفخمة. ومصدر صلَّى قياسه التصلية وهو قليل الورود في كلامهم. وزعم الجوهري أنه لا يقال صلَّى تصلية وتبعه الفيروزابادي، والحق أنه ورد بقلة في نقل ثعلب في «أماليه». وقد نقلت الصلاة في لسان الشرع إلى الخضوع بهيأة مخصوصة ودعاء مخصوص وقراءة وعدد. والقول بأن أصلها في اللغة الهيئة في الدعاء والخضوع هو أقرب إلى المعنى الشرعي وأوفق بقول القاضي أبي بكر ومن تابعه بنفي الحقيقة الشرعية، وأن الشرع لم يستعمل لفظاً إلا في حقيقته اللغوية بضميمة شروط لا يقبل إلا بها. وقالت المعتزلة الحقائق الشرعية موضوعة بوضع جديد وليست حقائق لغوية ولا مجازات. وقال صاحب «الكشاف»: الحقائق الشرعية مجازات لغوية اشتهرت في معان. والحق أن هاته الأقوال ترجع إلى أقسام موجودة في الحقائق الشرعية. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}. صلة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بذل عزيز على النفس في مرضاة الله؛ لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجاً إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الأعمال، من ذلك التزام آثاره في الغيبة الدالة عليه: {الذين يؤمنون بالغيب} ومن ذلك ملازمة فعل الصلوات لأنها دليل على تذكر المؤمن من آمن به. ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالاً لأمر الله بذلك. والرزق ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته وحاجاته وَينال بها مُلائَمه، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة من الأطعمة والأنعام والحيوان والشجر المثمر والثياب وما يقتني به ذلك من النقدين، قال تعالى: {أية : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه}تفسير : [النساء: 8] أي مما تركه الميت ــــ وقال: {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا}تفسير : [الرعد: 26] وقال في قصة قارون: {أية : وآتيناه من الكنوز} تفسير : إلى قوله {أية : ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر}تفسير : [القصص: 76 ـــ 82] مراداً بالرزق كنوزُ قارون وقال: {أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبَغوا في الأرض}تفسير : [الشورى: 27] واشْهَرُ استعماله بحسب ما رأيتُ من كلام العرب وموارد القرآن أنه ما يحصل من ذلك للإنسان، وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء فهو على المجاز، كما في قوله تعالى: {أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}تفسير : [هود: 6] وقوله: {أية : وجد عندها رزقاً}تفسير : [آل عمران: 37] وقوله: {أية : لا يأتيكما طعام ترزقانه}تفسير : [يوسف: 37]. والرزق شرعاً عند أهل السنة كالرزق لغة إذ الأصل عدمُ النقل إلا لدليل، فيصدق اسم الرزق على الحلال والحرام لأن صفة الحل والحرمة غير مُلتفت إليها هنا فبيان الحلال من الحرام له مواقع أخرى ولا يقبل الله إلا طيباً وذلك يختلف باختلاف أحوال التشريع مثل الخمر والتجارة فيها قبل تحريمها، بل المقصود أنهم ينفقون مما في أيديهم. وخالفت المعتزلة في ذلك في جملة فروع مسألة خلْق المفاسد والشرور وتقديرهما، ومسألة الرزق من المسائل التي جرت فيها المناظرة بين الأشاعرة والمعتزلة كمسألة الآجال، ومسألة السعر، وتمسك المعتزلة في مسألة الرزق بأدلة لا تنتج المطلوب. والإنفاق إعطاء الرزق فيما يعود بالمنفعة على النفس والأهل والعيال ومن يُرغب في صلته أو التقرب لله بالنفع له من طعام أو لباس. وأريد به هنا بثه في نفع الفقراء وأهل الحاجة وتسديد نوائب المسلمين بقرينة المدح واقترانه بالإيمان والصلاة فلا شك أنه هنا خصلة من خصال الإيمان الكامل، وما هي إلا الإنفاق في سبيل الخير والمصالح العامة إذ لا يمدح أحد بإنفاقه على نفسه وعياله إذ ذلك مما تدعو إليه الجبلة فلا يعتني الدين بالتحريض عليه؛ فمن الإنفاق ما هو واجب وهو حق على صاحب الرزق، للقرابة وللمحاويج من الأمة ونوائب الأمة كتجهيز الجيوش والزكاة، وبعضه محدد وبعضه تفرضه المصلحة الشرعية الضرورية أو الحاجية وذلك مفصل في تضاعيف الأحكام الشرعية في كتب الفقه، ومن الإنفاق تطوع وهو ما فيه نفع من دَعَا الدينُ إلى نفعه. وفي إسناده فعل (رزقنا) إلى ضمير الله تعالى وجعْل مفعوله ضميرَ الذين يؤمنون تنبيه على أن ما يصير الرزق بسببه رزقاً لصاحبه هو حق خاص له خَوَّله اللَّهُ إياه بحكم الشريعة على حسب الأسباب والوسائل التي يتقرر بها ملك الناس للأموال والأرزاق، وهو الوسائل المعتبرة في الشريعة التي اقتضت استحقاق أصحابها واستئثارهم بها بسبب الجُهد مما عمله المرء بقوة بدنه التي لا مريَة في أنها حقه مثلُ انتزاع الماء واحتطاب الحطب والصيد وجنْي الثمار والتقاطِ ما لا مِلْك لأحدٍ عليه ولا هو كائنٌ في ملك أحد، ومثلُ خدمتِه بقوته من حَمل ثقل ومشى لقضاء شؤون من يؤجره وانحباس للحراسة، أو كان مما يصنع أشياء من مواد يَملكها وله حق الانتفاع بها كالخَبْز والنسج والتَّجْر وتطريق الحديد وتركيب الأطعمة وتصوير الآنية من طين الفخار، أو كان مما أنتجه مثل الغرس والزرع والتوليد، أو مما ابتكره بعقله مثل التعليم والاختراع والتأليف والطب والمحاماة والقضاء ونحو ذلك من الوظائف والأعمال التي لنفع العامة أو الخاصة، أو مما أعطاه إياه مالِكُ رزقٍ مِن هبات وهدايا ووصايا، أو أذِن بالتصرف كإحياءِ الموات، أو كان مما ناله بالتعارض كالبيوع والإجارات والأكرية والشركات والمغارسة، أو مما صار إليه من مال انعدم صاحبه بكونِه أحقَّ الناس به كالإرث. وتملك اللُّقطة بعد التعريف المشروط، وحق الخمس في الركاز. فهذه وأمثالها مما شمله قول الله تعالى: {مما رزقناهم}. وليس لأحد ولا لمجموع الناس حق فيما جعله الله رزق الواحد منهم لأنه لا حق لأحد في مال لم يسْع لاكتسابه بوسائله وقد جاءت هند بنت عقبة زوج أبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «إن أبا سفيان رجل مِسِّيكٌ فهل أنفق من الذي له عيالَنا فقال لها: «لاَ إلا بالمعروف» أي إلا ما هو معروف أنه تتصرف فيه الزوجة مما في بيتها مما وضعه الزوج في بيته لذلك دون مسارقة ولا خلسة. وتقديم المجرور المعمولِ على عامله وهو {ينفقون} لمجرد الاهتمام بالرزق في عرف الناس فيكون في التقديم إيذان بأنهم ينفقون مع ما للرزق من المعزَّة على النفس كقوله تعالى: {أية : ويطعمون الطعام على حبه}تفسير : [الإنسان: 8]، مع رعي فواصل الآيات على حَرف النون، وفي الإتيان بِمنْ التي هي للتبعيض إيماء إلى كون الإنفاق المطلوب شرعاً هو إنفاق بعض المال لأن الشريعة لم تكلف الناس حرجاً، وهذا البعض يقل ويتوفر بحسب أحوال المنفقين. فالواجب منه ما قَدرت الشريعة نُصُبَه ومقاديره من الزكاة وانفاقِ الأزواج والأبناءِ والعبيدِ، وما زاد على الواجب لا ينضبط تحديده وما زاد فهو خير، ولم يشرع الإسلامُ وجوب تسليم المسلم ما ارتزقه واكتسبه إلى يد غيره. وإنما اختير ذكر هذه الصفات لهم دون غيرها لأنها أول ما شرع من الإسلام فكانت شعارَ المسلمين وهي الإيمان الكامل وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فإنهما أقدم المشروعات وهما أختان في كثير من آيات القرآن، ولأن هذه الصفات هي دلائل إخلاص الإيمان لأن الإيمان في حال الغيبة عن المؤمنين وحال خُوَيصَّة النفس أدل على اليقين والإخلاص حين ينتفي الخوف والطمع إن كان المراد ما غاب. أو لأن الإيمان بما لا يصل إليه الحس أدل دليل على قوة اليقين حتى إِنه يَتلقَى من الشارع ما لا قبل للرأي فيه وشأن النفوس أن تنبو عن الإيمان به لأنها تميل إلى المحسوس فالإيمان به على علاته دليل قوة اليقين بالمخبر وهو الرسول إن كان المراد من الغيب ما قابل الشهادة، ولأن الصلاة كلفة بدنية في أوقات لا يتذكرها مقيمها أي مُحسن أدائها إلا الذي امتلأ قلبه بذكر الله تعالى على ما فيها من الخضوع وإظهار العبودية، ولأن الزكاة أداء المال وقد عُلم شح النفوس قال تعالى: {أية : وإذا مسه الخير منوعاً}تفسير : [المعارج: 21] ولأن المؤمنين بعد الشرك كانوا محرومين منها في حال الشرك بخلاف أهل الكتاب فكان لذكرها تذكير بنعمة الإسلام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. عبر في هذه الآية الكريمة بـ "من" التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه. ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ}تفسير : [البقرة: 219]، والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور. ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ عَفَوْاْ} تفسير : [الأعراف: 95] أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: العفو: نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: شعر : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب تفسير : وهذا القول راجح إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29] فنهاه عن البخل بقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : [الإسراء: 29]. ونهاه عن الإسراف بقوله: {أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29] فيتعين الوسط بين الأمرين كما بينه بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67] فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد. فالجود: غير التبذير، والاقتصاد: غير البخل. فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ}، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضاً وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} وقد قال الشاعر: شعر : لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما فإنها فلتات من وساوسه يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما تفسير : وقد بين تعالى في مواضع أخر أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله، كقوله تعالى: {أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [البقرة: 215] الآية - وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: {أية : فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً}تفسير : [الأنفال: 36] الآية - وقد قال الشاعر: شعر : إن الصنيعة لا تعد صنيعةً حتى يصاب بها طريق المصنع تفسير : فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9]. فالظاهر في الجواب - والله تعالى أعلم - هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعاً. وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وابدأ بمن تعول"تفسير : ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم ما لهم، فلا يجوز له ذلك، والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقاً من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى: {ومما رزقناهم يُنْفِقون} يعني به الزكاة. فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {الذين يؤمنون} : يُصدِّقون {بالغيب} : بما غاب عنهم من الجنَّة والنَّار والبعث. {ويقيمون الصَّلاة} : يُديمونها ويحافظون عليها، {وممَّا رزقناهم} : أعطيناهم ممّا ينتفعون به. {ينفقون} : يُخرجونه في طاعة الله تعالى. {والذين يؤمنون بما أُنزل إليك} نزلت في [مؤمني] أهل الكتاب يؤمنون بالقرآن، {وما أنزل من قبلك} يعني: التَّوراة، {وبالآخرة} يعني: وبالدَّار الآخرة {هم يوقنون} : يعلمونها علماً باستدلالٍ. {أولئك} يعني: الموصوفين بهذه الصِّفات. {على هدىً} : بيانٍ وبصيرةٍ {من ربِّهم} أَيْ: من عند ربِّهم، {وأولئك هم المفلحون} : الباقون في النَّعيم المقيم. {إنَّ الذين كفروا} : ستروا ما أنعم الله عزَّ وجلَّ به عليهم من الهدى والآيات فجحدوها، وتركوا توحيد الله تعالى {سواء عليهم} : معتدلٌ ومتساوٍ عندهم {أأنذرتهم}: أعلمتهم وخوَّفتهم [ {أم لم تنذرهم} ] أم تركت ذلك {لا يؤمنون} نزلت في أبي جهلٍ وخمسةٍ من أهل بيته، ثمَّ ذكر سبب تركهم الإيمان، فقال: {ختم اللَّهُ على قلوبهم} [أَيْ: طبع الله على قلوبهم] واستوثق منها حتى لا يدخلها الإيمان، {وعلى سمعهم} [أَيْ: مسامعهم حتى لا ينتفعوا بما يسمعون، {وعلى أبصارهم}:] على أعينهم {غشاوة} غطاءٌ فلا يبصرون الحقَّ، {ولهم عذابٌ عظيمٌ} مُتواصل لا تتخلَّله فُرجةٌ.

القطان

تفسير : الذين يصدّقون بما غاب عنهم علمُه، كذات الله تعالى وملائكته، والدار الآخرة وما فيها من بعث ونشور، وحساب، وجنة ونار. ويقيمون الصلاة: يؤدون الصلاة المفروضة علهيم خاشعين لله، وقلوبهم حاضرة لمراقبة خالقهم. واقامة الصلاة توفية حقوقها وإدامتها. وقد أمر الله تعالى باقامة الصلاة، وطلب ان تكون تامة وافية الشروط، فقال: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ}، و{وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}.. هذا يعني أنهم يوفونها حقها. وعندما ذم المنافقين قال: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}تفسير : [الماعون:4-5] وفي ذلك تنبيه على أن المصلّين كثير، والمقيمين قليل. وقد نوه القرآن كثيراً بالصلاة وحثّ على اقامتها في كثير من الآيات، لأثرها العظيم. في تهذيب النفوس والسموّ بها الى الملكوت الأعلى. وسيأتي تفصيل ذلك في كثير من الآيات... {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} الرزق كل ما يُنتفع به من المال والثمار والحيوان وغيره. والإنفاق العطاء.. يعطون من أموالهم التي رزقهم إياها الله الى المحتاجين من الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وأمثالهم. وكذلك ينفقون في سبيل الله للجهاد وفي الدفاع عن الوطن، ولبناء المساجد والمدارس والمستشفيات. ومساعدة كل مشروع فيه نفع للناس. فكما أن الله يرزقهم يجب عليهم أن ينفقوا، لأن الدنيا أخذ وعطاء. والواقع اليوم أن كثيراً من الناس قد بات همهم جمعَ المال وتكديسه، فأولئك ليسوا من المتقين. وآية الانفاق هنا أن يكون في وجه الخير ونفع الناس، اما على الترف والمباهاة وفي طريق السفه فإن الانفاق تبذير ممجوج يمقته الله، وعلى المسلمين ان يوقفوه ولو كان ذلك عن طريق العنف. ان أموال الله التي في يد المسلمين هي لكافّتهم بالخير، لا لقلتهم بالضلالة. والمتقون هم الذين يؤمنون بالقرآن الذي أوحي اليك، وبما بينتَ لهم من الدين وما فيه من أحكام وحدود. والإنزال هنا هو الوحي من العليّ القدير. وكذلك يؤمنون بما أُنزل من قبلك على الرسل الكرام من التوراة والانجيل والزبور والصحف. وبهذا يمتاز الاسلام عن غيره ويفضُله. لأن المسلم الحق يؤمن بجميع الديانات السماوية وجميع الأنبياء والرسل. {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} اليقين حقيقةُ العلم. أيقن الأمرَ وبالأمر، تحققه. والذين يصدّقون حق اليقين بأن هناك حياة أخرى بعد الموت، فهم يؤمنون بها ايماناً قاطعاً لا تردد فيه. فهذه صفات المؤمن الحق. الايمان بالغيب. مع التقوى. وإقامْ الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه. ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافاً وشعوراً بالإخاء. وسعة الضمير لموكب الايمان العريق المتلاحق بالوحي، والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن بنبيّ صاحب رسالة، ثم اليقين باليوم الآخر بلا تأرجح في هذا اليقين. الهدى: التوفيق والرشاد. والفلاح: الفوز والنجاة. إن الذين تقدمت صفاتهم في التقوى والايمان بالغيب والعطاء وتصديق جميع الرسل والاديان السماوية واليقين بالآخرة هم المهتدون الظافرون برضى الله وهداه وأولئك هم أهل الفلاح والفوز والنجاة. هذه صورة من ثلاث صور استعرضها القرآن لثلاث فئات: الاولى التي تقدَّم وصفها هي جماعة المؤمنين، وقد وصفهم الله تعالى في آيتين. والثانية: الكافرون الجاحدون، وقد وصفهم تعالى ايضا في آيتين. والفئة الثالثة: المنافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في ثلاث عشرة آية. بهذا يتبين لنا ان الناس أمام القرآن ثلاث طوائف تقدمت الطائفة المؤمنة.اما الثانية فهي: أأنذرت أم لم تنذر.. الآيتان 7،6.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاةَ} {رَزَقْنَاهُمْ} (3) - وَهؤلاءِ المُتَّقُونَ هُمُ الذينَ يُصَدِّقُونَ بِحَزمٍ وَإيمانٍ وإِذعَانٍ بما لاَ يَقَعُ تَحْتَ حَواسِّهِمْ (الغَيْبِ) فَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَبِمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَجَنَّتِهِ وَلِقَائِهِ، وَبِالحَيَاةِ بَعْدَ المَوْتِ. وَهُمْ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤَدُّونَها حَقَّ أَدَائِهَا وَيُتِمُّونَ - بِخُشُوعٍ تَامٍّ، وَحُضُورِ قَلْبٍ - رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَتِلاوَتَهَا، وَيُنْفِقُونَ ممَّا رَزَقَهُمُ اللهُ في وُجُوهِ الخَيرِ، وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ. الغَيْبُ - هُوَ مَا غَابَ عَنْ حِسِّ الإِنسْانِ، أَوْ مَا غَابَ عِلْمُهُ عَنِ الإِنسَانِ كَذَاتِ اللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ. الإِيمانُ - هُوَ تَصْدِيقٌ جَازِمٌ يَقْتَرِنُ بِإِذْعَانِ النَّفْسِ واستِسلامِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب - وهو القرآن الكريم - {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] .. أي أنَّ فيه المنهج والطريق لكل مَنْ يريد أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية .. أراد أن يعرفنا صفات هؤلاء المتقين ومَنْ هم .. وأول صفة هي قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ..} [البقرة: 3]. ما هو الغيب الذي جعله الله أول مرتبة في الهدى .. وفي الوقاية من النار ومن غضب الله؟. الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس. فالأشياء المُحَسَّة التي نراها ونلمسها لا يختلف فيها أحد .. ولذلك يقال: "ليس مع العين أين" .. لأن ما تراه لا تريد عليه دليلاً .. ولكن الغيب لا تدركه الحواس .. إنما يدرك بغيرها. ومن الدلالة على دقة التعريف أنهم قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس .. ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس. لنفرض أن أمامنا حقيبتين .. نفس الشكل ونفس الحجم. هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك أيهما أثقل من الأخرى؟. هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟ .. لا .. لابد أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الأخرى لتعرف أيهما أثقل. بأي شيء أدركت هذا الثقل؟ .. بحاسة العَضَل .. لأن عضلاتك أُجهدت عندما حملت إحدى الحقيبتين، ولم تجهد عندما حملت الثانية .. فعرفت بالدقة أيهما أثقل .. لا تقل باللمس؛ لأنك لو لمست إحداهما ثم لمست الأخرى لا تعرف أيهما أثقل .. إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها ثقل الأشياء. ولنفرض أنك دخلت محلاً لبيع القماش، وأمامك نوعان من قماش واحد .. ولكن أحدهما أرق من الآخر .. بمجرد أن تضع القماشين بين أناملك تدرك أن أحدهما رقيق والآخر أكثر سمكاً .. بأي حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها لا يخطىء. وعندما تشعر بالجوع .. بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟.. ليس بالحواس الظاهرة، وكذلك عندما تظمأ .. ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج إلى الماء .. وعندما تكون نائماً .. أي حاسة تلك التي توقظك من النوم .. لا أحد يعرف. إذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة .. وهناك إدراكات في النفس .. وهي حواس لا يعلمها إلا خالقها .. لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا تعريفاً للنفس البشرية نقول لهم: ماذا تعرفون عن هذه النفس؟!.. إنكم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا .. ولكن هناك أشياء داخل النفس لا تعرفونها .. هناك إدراكات لا يعلم عنها الإنسان شيئاً، وهي إدراكات كثيرة ومتعددة .. لذلك يخطئ مَنْ يقول إن ما لا يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب .. لأن هناك ملكات وإدراكات متعددة تعمل بغير علم منا. لو أُعْطِيَ لطالب تمرين هندسي فحلَّه وأتى بالجواب .. هل نقول: إنه عَلِمَ غيباً؟ .. لأن حَلَّ التمرين كان غيباً عنه ثم وصل إليه .. لا .. لأن هناك مقدمات وقوانين أوصلته الى هذا الحل .. والغيب بلا مقدمات ولا قوانين تؤدي إليه، وهل عندما تعلن الأرصاد الجوية أن غداً يوم مطير شديد الرياح .. أتكون قد عَلمَتْ غيباً؟ .. لا .. لأنها أخذت المقدمات ووصلت بها إلى نتائج وهذا ليس غيباً. وإذا جاء أحد من الدجالين وقال لك إن ما سرق منك عند فلان .. أيكون قد علم الغيب؟ .. لا .. لأنه يشترط في الغيب ألا يكون معلوماً لمثلك .. وما سرق منك معلوم لمثلك .. فالسارق والذي بيعت له المسروقات يعرفان من الذي سرق، وما الذي حدث .. والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات والبحث أن تصل إلى السارق ومَنْ اشترى المسروقات .. وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون الجن .. والمعروف أن الجن مستور عنا يمتاز بخفة الحركة وسرعتها .. والله سبحانه وتعالى يقول عن الشيطان: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. فقد يكون هذا المستعان به من الجن قد رأى شيئاً .. أو انتقل من مكان إلى آخر .. فيعرف شيئاً لا تعرفه أنت .. هذا لا يكون غيباً لأنك جهلته، ولكن غيرك يعلمه بقوانينه التي خلقها الله له .. والعلماء الذين يكتشفون أسرار الكون .. أيقال إنهم أطلعوا على الغيب؟ .. لا .. لأن هؤلاء العلماء اكتشفوا موجوداً له مقدمات فوصلوا إلى هذه النتائج فهو ليس غيباً. ولكن ما هو الغيب؟. هو الشيء الذي ليس له مقدمات ولا يمكن أن يصل إليه علم خَلْقٍ من خلق الله حتى الملائكة .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى حينما عَلَّمَ آدم الأسماء كلها وعرضهم على الملائكة قال جل جلاله: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تفسير : [البقرة: 31-33]. والجن أيضا لا يعلم الغيب .. ولذلك عندما مات سليمان عليه السلام .. وكان الله سبحانه وتعالى قد سَخَّرَ له الجن لم تعلم الجن بموته إلا عندما أكلت دابة الأرض عصاه .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} تفسير : [سبأ: 14]. إذن فالغيب هو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى .. واقرأ قول الحق جل جلاله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} تفسير : [الجن: 26-27]. وهكذا فإن الرسل لا يعلمون الغيب .. ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمهم بما يشاء من الغيب ويكون هذا معجزة لهم ولمَنْ اتبعوهم. وقمة الغيب هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى .. والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر .. كل هذه أمور غيبية، وحينما يخبرنا الله تبارك وتعالى عن ملائكته ونحن لا نراهم .. نقول ما دام الله قد أخبرنا بهم فنحن نؤمن بوجودهم .. وإذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر .. فما دام الله قد أخبرنا فنحن نؤمن باليوم الآخر .. لأن الذي أخبرنا به هو الله جل جلاله .. آمنت به أنه إله .. واستخدمت في هذا الإيمان الدليل العقلي الذي جعلني أؤمن بأن لهذا الكون إلهاً وخالقاً .. وما يأتيني عن الله حيثية الإيمان به أن الله سبحانه وتعالى هو القائل. ولا بد أن نعرف أن وجود الشيء مختلف تماماً عن إدراك هذا الشيء .. فأنت لك روح في جسدك تهبك الحياة .. أرأيتها؟ .. أسمعتها؟ .. أذقتها؟ .. أشممتها؟ .. ألمستها؟ .. الجواب طبعاً لا .. فبأي وسيلة من وسائل الإدراك تدرك أن لك روحاً في جسدك؟ بأثرها في إحياء الجسد.. إذن، فقد عرفت الروح بأثرها، والروح مخلوق لله .. فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقاً في جسدك وذاتك وهو الروح بآثارها .. أن تدرك الله سبحانه وتعالى بحواسك. ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو الله جل جلاله .. فلابد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم نَرَه .. ولقد أراد الله تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشيء، وإدراك هذا الوجود شيئان منفصلان تماماً. فالجراثيم مثلاً موجودة في الكون تؤدي مهمتها منذ بداية الخلق .. وكان الناس يشاهدون آثار الأمراض في أجسادهم من ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم لا يعرفون السبب .. فلما ارتقى العلم وأذن الله لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم .. جعل الله العقول قادرة على أن تكتشف المجهر .. الذي يعطينا الصورة مكبرة .. لأن العين قدرتها البصرية أقل من أن تدرك هذه المخلوقات الدقيقة.. فلما اكتشف العلم المجهر .. استطعنا أن نرى هذا الجراثيم .. ونعرف أن لها دورة حياة وتكاثر إلى غير ما يكشفه الله لنا من علم كلما تقدم الزمن. إن عدم قدرتنا على رؤية أي شيء لا يعني أنه غير موجود .. ولكن آلة الإدراك - وهي البصر - عاجزة عن أن تراه، لأنه غاية في الصغر، فاذا جئت بالمجهر كبَّر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين .. ورؤيتنا للجراثيم والميكروبات ليست دليلاً على أنها خُلقت ساعة رأيناها .. بل هي موجودة تؤدي مهمتها .. سواء رأيناها أو لم نرها. فلو حدثنا أحد عن الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين .. هل كنا نصدق؟ .. والله سبحانه وتعالى ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقي الإنسان ويدرك بعد ذلك، وكان المفروض أنه يزداد إيماناً عندما يدرك وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو غيب عنهم موجود وإن كنا لا نراه. والله تبارك وتعالى قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا الكون خالقاً .. فالشمس والقمر والنجوم والأرض والإنسان والحيوان والجماد لا يستطيع أحد أن يدَّعي أنه خلقهم .. ولا أحد يمكن أن يدَّعي أنه خلق نفسه أو غيره. ولا يمكن لهذا الكون بهذا النظام الدقيق أن يوجد بالصدفة؛ لأن الصدفة أحداث غير مرتبة أو غير منظمة .. ولو وجد هذا الكون بالصدفة لتصادمت الشمس والقمر والنجوم والأرض ولاختل الليل والنهار. ولكن كل ما في الكون من آيات يؤكد لنا أن هناك قوة هائلة هي التي خلقت ونظمت وأبدعت، فإذا جاءنا رسول يبلغنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الكون فلابد أن نصدقه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ ..} [البقرة: 3] .. والصلاة هي إدامة ولاء العبودية للحق تبارك وتعالى وهي لا تسقط عن الإنسان أبداً .. فالإنسان يصلي وهو واقف، فإن لم يستطع يصلي وهو جالس. فإن لم يستطع، فيصلي وهو راقد .. ولا تسقط الصلاة عن الإنسان من ساعة التكليف إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات. ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] .. وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من الناس أن الرزق هو المال .. نقول له لا .. الرزق هو ما ينتفع به. فالقوة رزق، والعلم رزق، والحكمة رزق، والتواضع رزق .. وكل ما فيه حركة للحياة رزق .. فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال .. وتتصدق بها على العاجز المريض .. وإن كان عندك حلم .. فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك .. وإن كان عندك علم فأنفقه لتعلِّم الجاهل .. وهكذا نرى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] تستوعب جميع حركة الحياة.