٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: المشار إليه ههنا حاضر، و «ذلك» اسم مبهم يشار به إلى البعيد، والجواب عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن المشار إليه حاضر، وبيانه من وجوه: أحدها: ما قاله الأصم: وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد، فقوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } تفسير : [الأعراف: 204] وقال حاكياً عن الجن {أية : إنا سمعنا قرآناً عجباً } تفسير : [الجن: 1] وقوله: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } تفسير : [الأحقاف: 30] وهم ما سمعوا إلا البعض، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت، وثانيها: أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه، ويؤيده قوله: {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } تفسير : [المزمل: 5] وهذا في سورة المزمل، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث، وثالثها: أنه تعالى خاطب بني إسرائيل، لأن سورة البقرة مدنية، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وينزل عليه كتاباً فقال تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، ورابعها: أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله: {أية : وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا } تفسير : [الزخرف: 4] وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك، فغير ممتنع أن يقول تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. وخامسها: أنه وقعت الإشارة بذلك إلى «ألم» بعد ما سبق التكلم به وانقضى، والمنقضى في حكم المتباعد، وسادسها: أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك ـ وقد أعطيته شيئاً ـ احتفظ بذلك. وسابعها: أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها ـ والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه ـ فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب. «ذلك» يشار بها للقريب والبعيد: المقام الثاني: سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة «ذلك» لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، وهذا حرفاً إشارة، وأصلهما «ذا»؛ لأنه حرف للإشارة، قال تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] ومعنى «ها» تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه، وقد تدخل الكاف على «ذا» للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل: «ذلك» فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيدالبعد في أصل الوضع، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض، وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع. العرفي وحينئذٍ لا يفيد البعد؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ} تفسير : [صۤ: 45] إلى قوله - {أية : وَكُلٌّ مّنَ ٱلأخْيَارِ } تفسير : [صۤ: 48] ثم قال: {أية : هَـٰذَا ذِكْرُ } تفسير : [الأنبياء: 24] وقال: {أية : وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [صۤ: 52 - 53] وقال: {أية : وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } تفسير : [قۤ: 19] وقال: {أية : فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىٰ } تفسير : [النازعات: 25- 26] وقال: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ أَنَّ ٱلأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 105] ثم قال: {أية : إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } تفسير : [الأنبياء: 106] وقال: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذٰلِكَ يَحْيَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 73] أي هكذا يحيـى الله الموتى، وقال: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 17] أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث، وهو السورة، الجواب: لا نسلم أن المشار إليه مؤنث؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم، والأول باطل، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث، وأما الاسم فهو (آلم) وهو ليس بمؤنث، نعم ذلك المسمى له اسم آخر ـ وهو السورة ـ وهو مؤنث، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو (آلم)، لا الذي هو مؤنث وهو السورة. مدلول لفظ «كتاب»: المسألة الثالثة: اعلم أن أسماء القرآن كثيرة: أحدها: الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل: فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ } تفسير : [صۤ: 29] والكتاب جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الفرض {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178] {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] {أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } تفسير : [النساء: 103] وثانيها: الحجة والبرهان {أية : فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [الصافات: 157] أي برهانكم. وثالثها: الأجل {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الحجر: 4] أي أجل. ورابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده {أية : وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النور: 33] وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته، وسميت الكتيبة لاجتماعها، فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق. اشتقاق لفظ «قرآن»: وثانيها: القرآن {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } تفسير : [الإسراء: 88] {أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً }تفسير : [الزخرف: 3] {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185]. {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9] وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد، كالخسران والخسارة واحد، والدليل عليه قوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } تفسير : [القيامة: 18] أي تلاوته، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته: الثاني: وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وقال سفيان بن عيينة: سمي القرآن قرآناً لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، والكلمات جمعت فصارت آيات، والآيات جمعت فصارت سوراً، والسور جمعت فصارت قرآناً، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين. فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية. معنى الفرقان: وثالثها: الفرقان {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } تفسير : [الفرقان: 1]. {أية : وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } تفسير : [البقرة: 185] واختلفوا في تفسيره، فقيل: سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقاً أنزله في نيف وعشرين سنة، ودليله قوله تعالى: {أية : وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً } تفسير : [الإسراء: 106] ونزلت سائر الكتب جملة واحدة، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك } تفسير : [الفرقان: 32] وقيل: سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول، وقيل: الفرقان هو النجاة، وهو قول عكرمة والسدي، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وعليه حمل المفسرون قوله: {أية : وَإِذْ آتينا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ْ } تفسير : [البقرة: 53]. معنى تسميته بالذكر: ورابعها: الذكر، والتذكرة، والذكرى، أما الذكر فقوله: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [الأنبياء: 50] {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9]. {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وفيه وجهان: أحدهما: أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره. والثاني: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وأنه شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، وأما التذكرة فقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الحاقة: 48] وأما الذكرى فقوله تعالى: {أية : وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الذاريات: 55]. تسميته تنزيلاً وحديثاً: وخامسها: التنزيل {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأمِينُ } تفسير : [الشعراء: 192 - 193]. وسادسها: الحديث {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً } تفسير : [الزمر: 23] سماه حديثاً؛ لأن وصوله إليك حديث، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به، فإن الله خاطب به المكلفين. وسابعها: الموعظة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [يونس: 57] وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى، والآخذ جبريل، والمستملي محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف لا تقع به الموعظة. تسميته بالحكم والحكمة: وثامنها: الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم، أما الحكم فقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا } تفسير : [الرعد: 37] وأما الحكمة فقوله: {أية : حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } تفسير : [القمر: 5] {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ } تفسير : [الأحزاب: 34] وأما الحكيم فقوله: {أية : يس وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يۤس: 1- 2] وأما المحكم فقوله: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ } تفسير : [هود: 1]. معنى الحكمة: واختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل: هو مأخوذ من الإحكام والإلزام، وقال المؤرخ: هو مأخوذ من حكمة اللجام؛ لأنها تضبط الدابة، والحكمة تمنع من السفه. وتاسعها: الشفاء {أية : وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الإسراء: 82] وقوله:{وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ } وفيه وجهان: أحدهما: أنه شفاء من الأمراض. والثاني: أنه شفاء من مرض الكفر، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض، فقال: {أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } تفسير : [البقرة: 10] وبالقرآن يزول كل شك عن القلب، فصح وصفه بأنه شفاء. كونه هدي وهادياً: وعاشرها: الهدى، والهادي: أما الهدى فلقوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2]. {أية : هُدًى لّلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 4، الأنعام: 91]. {أية : وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [يونس: 57] وأما الهادي {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9] وقالت الجن: {أية : إِنا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَبَاً يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ } تفسير : [الجن: 1، 2]. الحادي عشر: الصراط المستقيم: قال ابن عباس في تفسيره: إنه القرآن، وقال: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ }. والثاني عشر: الحبل: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } تفسير : [آل عمران: 103] في التفسير: إنه القرآن، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك، ومن ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصمة فقال: «حديث : إن هذا القرآن عصمة لمن اعتصم به»تفسير : لأنه يعصم الناس من المعاصي. الثالث عشر: الرحمة {أية : وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الإسراء: 88] وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات. تسميته بالروح: الرابع عشر: الروح {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52]. {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح، وسمي جبريل بالروح {أية : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } تفسير : [مريم: 17] وعيسى بالروح {أية : أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ } تفسير : [النساء: 171]. الخامس عشر: القصص {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }تفسير : [يوسف: 3] سمي به لأنه يجب اتباعه {أية : وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ } تفسير : [القصص: 11] أي اتبعي أثره؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } تفسير : [آل عمران: 62]. السادس عشر: البيان، والتبيان، والمبين: أما البيان فقوله: {أية : هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 138] والتبيان فهو قوله: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } تفسير : [النحل: 89] وأما المبين فقوله: {أية : تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } تفسير : [يوسف: 1]. السابع عشر: البصائر {أية : هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 203] أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيهاً بالبصر الذي يرى طريق الخلاص. الثامن عشر: الفصل {أية : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } تفسير : [الطارق: 13- 14] واختلفوا فيه، فقيل معناه القضاء، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوماً إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار. تسميته بالنجوم: التاسع عشر: النجوم {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } تفسير : [الواقعة: 75] {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } تفسير : [النجم: 1] لأنه نزل نجماً نجماً. العشرون: المثاني: {أية : مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } تفسير : [الزمر: 23] قيل لأنه ثنى فيه القصص والأخبار. تسميه القرآن نعمة وبرهانا: الحادي والعشرون: النعمة: {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } تفسير : [الضحى: 11] قال ابن عباس يعني به القرآن. الثاني والعشرون: البرهان {أية : قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [النساء: 174] وكيف لا يكون برهاناً وقد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله. الثالث والعشرون: البشير والنذير، وبهذا الاسم وقعت المشاركة بينه وبين الأنبياء قال تعالى في صفة الرسل: {أية : مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } تفسير : [النساء: 165- الأنعام: 48] وقال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } تفسير : [الفتح: 8] وقال في صفة القرآن في حۤم السجدة {أية : بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ } تفسير : [فصلت: 4] يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع وبالنار منذراً لمن عصى، ومن ههنا نذكر الأسماء المشتركة بين الله تعالى وبين القرآن. تسميته قيماً: الرابع والعشرون: القيم {أية : قِيمَاً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً } تفسير : [الكهف: 2] والدين أيضاً قيم {أية : ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } تفسير : [التوبة: 36] والله سبحانه هو القيوم {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } تفسير : [البقرة: 255- آل عمران: 2] وإنما سمي قيماً لأنه قائم بذاته في البيان والإفادة. الخامس والعشرون: المهيمن {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } تفسير : [المائدة: 48] وهو مأخوذ من الأمين، وإنما وصف به لأنه من تمسك بالقرآن أمن الضرر في الدنيا والآخرة، والرب المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم أمناء الله تعالى على خلقه كما قال: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاس } تفسير : [البقرة: 143]. السادس والعشرون: الهادي {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9] وقال: {أية : يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ } تفسير : [الجن: 2] والله تعالى هو الهادي لأنه جاء في الخبر «النور الهادي». تسميته نوراً: السابع والعشرون: النور {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35] وفي القرآن {أية : وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ } تفسير : [الأعراف: 157] يعني القرآن وسمي الرسول نوراً {أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } تفسير : [المائدة: 15] يعني محمد وسمي دينه نوراً {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [الصف: 8] وسمي بيانه نوراً {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الزمر: 22] وسمي التوراة نوراً {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } تفسير : [المائدة: 44] وسمي الإنجيل نوراً {أية : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور}تفسير : [المائدة: 46] وسمي الإيمان نوراً {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الحديد: 12]. الثامن والعشرون: الحق: ورد في الأسماء «الباعث الشهيد الحق» والقرآن حق {أية : وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الحاقة: 51] فسماه الله حقاً؛ لأنه ضد الباطل فيزيل الباطل كما قال: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } تفسير : [الأنبياء: 18] أي ذاهب زائل. التاسع والعشرون: العزيز {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [الشعراء: 9] وفي صفة القرآن {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ } تفسير : [فصلت: 41] والنبي عزيز {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ } تفسير : [التوبة: 128] والأمة عزيزة {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8] فرب عزيز أنزل كتاباً عزيزاً على نبي عزيز لأمة عزيزة، وللعزيز معنيان: أحدهما: القاهر، والقرآن كذلك؛ لأنه هو الذي قهر الأعداء وامتنع على من أراد معارضته. والثاني: أن لا يوجد مثله. تسمية القرآن بالكريم: الثلاثون: الكريم {أية : إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كريم فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ }تفسير : [الواقعة: 77] واعلم أنه تعالى سمى سبعة أشياء بالكريم {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الانفطار: 6] إذ لا جواد إجود منه، والقرآن بالكريم، لأنه لا يستفاد من كتاب من الحكم والعلوم ما يستفاد منه، وسمى موسى كريماً {أية : وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الدخان: 17] وسمي ثواب الأعمال كريماً {أية : فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } تفسير : [يۤس: 11] وسمي عرشه كريماً {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [النمل: 26] لأنه منزل الرحمة، وسمى جبريل كريماً {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } تفسير : [التكوير: 19] ومعناه أنه عزيز، وسمى كتاب سليمان كريماً {أية : إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } تفسير : [النمل: 29] فهو كتاب كريم من رب كريم نزل به ملك كريم على نبي كريم لأجل أمة كريمة، فإذا تمسكوا به نالوا ثواباً كريماً. ومن أسمائه «العظيم»: الحادي والثلاثون: العظيم: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ } تفسير : [الحجر: 87] اعلم أنه تعالى سمى نفسه عظيماً فقال: {أية : وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ } تفسير : [البقرة: 255] وعرشه عظيماً {أية : وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [التوبة: 129] وكتابه عظيماً {أية : والقرآن العظيم } تفسير : [الحجر: 87] ويوم القيامة عظيماً {أية : لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 5 - 6] والزلزلة عظيم {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } تفسير : [القلم: 4] والعلم عظيماً {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] وكيد النساء عظيماً {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } تفسير : [يوسف: 28] وسحر سحرة فرعون عظيماً {أية : وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } تفسير : [الأعراف: 116] وسمي نفس الثواب عظيماً {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } تفسير : [الفتح: 29] وسمى عقاب المنافقين عظيماً {أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } تفسير : [البقرة: 7]. ومنها المبارك: الثاني والثلاثون: المبارك: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } تفسير : [الأنبياء: 50] وسمى الله تعالى به أشياء، فسمي الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام مباركاً {أية : فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : [القصص: 30] وسمى شجرة الزيتون مباركة {أية : يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } تفسير : [التوبة: 35] لكثرة منافعها، وسمي عيسى مباركاً {أية : وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً } تفسير : [مريم: 31] وسمى المطر مباركاً {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً } تفسير : [قۤ: 9] لما فيه من المنافع، وسمي ليلة القدر مباركة {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } تفسير : [الدخان: 3] فالقرآن ذكر مبارك أنزله ملك مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة. اتصال «ألم» بقوله «ذلك الكتاب»: المسألة الرابعة: في بيان اتصال قوله: {ألم } بقوله: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } قال صاحب الكشاف: إن جعلت {ألم } اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: الأول: أن يكون {ألم } مبتدأ و {ذٰلِكَ } مبتدأ ثانياً و {ٱلْكِتَـٰبِ } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وإنه الذي يستأهل أن يكون كتاباً كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال، وأن يكون الكتاب صفة، ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون {ألم } خبر مبتدأ محذوف أي هذه {ألم } وَيَكُونَ {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، ومعناه هو ذلك، وأن تكون هذه {الم } جملة و {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } جملة أخرى وإن جعلت {الم } بمنزلة الصوت كان {ذٰلِكَ } مبتدأ وخبره {ٱلْكِتَـٰبِ } أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب وقرأ عبد الله {أية : الم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [السجدة: 2] وتأليف هذا ظاهر. تفسير قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ }: قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: الريب قريب من الشك،. وفيه زيادة، كأنه ظن سوء تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء، ومنها قوله عليه السلام: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»تفسير : فإن قيل: قد يستعمل الريب في قولهم: «ريب الدهر» و «ريب الزمان» أي حوادثه قال الله تعالى: {أية : نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } تفسير : [الطور: 30] ويستعمل أيضاً في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر:شعر : قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا تفسير : قلنا: هذان قد يرجعان إلى معنى الشك، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل، فهو كالمشكوك فيه، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن، فقوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه، والمقصود أنه لا شبهة في صحته، ولا في كونه من عند الله، ولا في كونه معجزاً. ولو قلت: المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } تفسير : [البقرة: 23] وها هنا سؤالان: السؤال الأول: طعن بعض الملحدة فيه فقال: إن عني أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه. الجواب: المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه، والأمر كذلك؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه. السؤال الثاني: لم قال ههنا: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } وفي موضع آخر {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفسير : [الصافات: 47]؟ الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً آخر حصل الريب فيه لا ها هنا، كما قصد في قوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث: من أين يدل قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } على نفي الريب بالكلية؟ الجواب: قرأ أبو الشعثاء {لاَ رَيْبَ فِيهِ } بالرفع. واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية، والدليل عليه أن قوله: {لاَ رَيْبَ } نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، وذلك يناقض نفي الماهية، ولهذا السر كان قولنا: «لا إله إلا الله» نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى. وأما قولنا: «لا ريب فيه» بالرفع فهو نقيض لقولنا: «ريب فيه» وهو يفيد ثبوت فرد واحد، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض. الوقف على «فيه»: المسألة الثانية: الوقف على {فِيهِ } هو المشهور، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على {لاَ رَيْبَ } ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبراً، ونظيره قوله: {أية : قَالُواْ لاَ ضَيْرَ } تفسير : [الشعراء: 50] وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز؛ والتقدير: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } {فِيهِ هُدًى }. واعلم أن القراءة الأولى أولى؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى والله أعلم. حقيقة الهدى: قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: في حقيقة الهدى: الهدى عبارة عن الدلالة، وقال صاحب (الكشاف): الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم. والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبراً في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهدتاء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [فصلت: 17] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد، وذلك يدل على قولنا، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة: أولها: وقوع الضلالة في مقابلة الهدى، قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] وقال: {أية : لَعَلَىٰ هُدًى أوفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24] وثانيها: يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى يقال: هديته فاهتدى، كما يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى. والجواب عن الأول: أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع، وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى سمي مهدياً، وغير منتفع به لا يسمى مهدياً؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم. وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول الائتمار، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضياً إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم. معنى المتقي: المسألة الثانية: المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية فرط الصيانة، إذا عرفت هذا فنقول: إن الله تعالى ذكر المتقي ههنا في معرض المدح، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقياً في أمور الدنيا، بل بأن يكون متقياً فيما يتصل بالدين، وذلك بأن يكون آتياً بالعبادات محترزاً عن المحظورات. واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى؟ فقال بعضهم: يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد، وقال آخرون: لا يدخل، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟ فروي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس»تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه. واعلم أن التقوى هي الخشية، قال في أول النساء: {أية : يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } تفسير : [النساء: 1] ومثله في أول الحج، وفي الشعراء {أية : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ } تفسير : [هود: 106] يعني ألا تخشون الله، وكذلك قال هود وصالح، ولوط، وشعيب لقومهم، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ } تفسير : [نوح: 3] يعني اخشوه، وكذا قوله: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران: 102] {أية : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 197] {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا }تفسير : [البقرة: 48] واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة، والتوبة أخرى، والطاعة ثالثة، وترك المعصية رابعاً: والإخلاص خامساً: أما الإيمان فقوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الفتح: 26] أي التوحيد {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الحجرات: 3] وفي الشعراء {أية : قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ } تفسير : [الشعراء: 11] أي ألا يؤمنون وأما التوبة فقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [الأعراف: 96] أي تابوا، وأما الطاعة فقوله في النحل: {أية : أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } تفسير : [النحل: 2] وفيه أيضاً: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } تفسير : [النحل: 52] وفي المؤمنين {أية : وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } تفسير : [المؤمنون: 52] وأما ترك المعصية فقوله: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [البقرة: 189] أي فلا تعصوه، وأما الإخلاص فقوله في الحج: {أية : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } تفسير : [الحج: 32] أي من إخلاص القلوب، فكذا قوله: {أية : وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ } تفسير : [البقرة: 41] واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } تفسير : [النحل: 128] وقال: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] وعن ابن عباس قال عليه السلام: «حديث : من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده» تفسير : وقال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة. قال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله. وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً. ولا الملائكة في أفعالك عيباً ولا ملك العرش في سرك عيباً وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق، ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك، ويقال: المتقي من سلك سبيل المصطفى، ونبذ الدنيا وراء القفا، وكلف نفسه الإخلاص والوفا، واجتنب الحرام والجفا، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } كفاه، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 185] ثم قال ههنا في القرآن: إنه هدى للمتقين، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بإنسان. المسألة الثالثة: في السؤالات: السؤال الأول: كون الشيء هدى ودليلاً لا يختلف بحسب شخص دون شخص، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط؟ وأيضاً فالمتقي مهتدي، والمهتدي لا يهتدي ثانياً والقرآن لا يكون هدى للمتقين. الجواب: القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع، وعلى دينه وصدق رسوله، فهو أيضاً دلالة للكافرين. إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] وقال: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } تفسير : [يۤس: 11] وقد كان عليه السلام منذراً لكل الناس، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره. وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه، لأن كون القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين. السؤال الثاني: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن، ومن هذا نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج. لا تحتج عليهم بالقرآن، فإنه خصم ذو وجهين، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به، ونرى القرآن مملوءاً من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد، فكيف يكون هدى؟. الجواب: أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين ـ وهو إما دلالة العقل أو دلالة السمع ـ صار كله هدى. السؤال الثالث: كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وفي معرفة النبوة، ولا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله الله تعالى هدى على الإطلاق؟. الجواب: ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم، فإن الله تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم. السؤال الرابع: الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره، والقرآن ليس كذلك، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة، وما يكون كذلك لا يكون مبيناً في نفسه فضلاً عن أن يكون مبيناً لغيره، فكيف يكون هدى؟ قلنا: من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة، ولا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا السؤال، وأما نحن فقد رجحنا واحداً على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف»: محل {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع {لاَ رَيْبَ فِيهِ } {لذلك} أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه الإشارة، أو الظرف، والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحاً، وأن يقال: إن قوله: { الم } جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } جملة ثانية، و {لاَ رَيْبَ فِيهِ } ثالثة و {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، والثانية متحدة بالأولى وهلم جراً إلى الثالثة، والرابعة. بيانه: أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقرير الجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر ـ الذي هو هدى ـ موضع الوصف الذي هو هادٍ، وإيراده منكراً.
البيضاوي
تفسير : {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } ذلك إشارة إلى {الۤمۤ} إن أول بالمؤلف من هذه الحروف أو فسر بالسورة أو القرآن فإنه لما تكلم به وتقضى، أو وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار متباعداً أشير إليه بما يشار به إلى البعيد وتذكيره، متى أريد بـ {الم} السورة لتذكير الكتاب فإنه خبره أو صفته الذي هو هو، أو إلى الكتاب فيكون صفته والمراد به الكتاب الموعود إنزاله بنحو قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } تفسير : [المزمل: 5] أو في الكتب المتقدمة. وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة. وقيل فعال بمعنى المفعول كاللباس، ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يكتب لأنه مما يكتب. وأصل الكتب الجمع ومنه الكتيبة. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} معناه أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحياً بالغاً حد الإعجاز، لا أن أحداً لا يرتاب فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا }تفسير : [البقرة: 23]. الآية فإنه ما أبعد عنهم الريب بل عرفهم الطريق المُريح له، وهو أن يجتهدوا في معارضة نجم من نجومه ويبذلوا فيها غاية جهدهم حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة. وقيل: معناه لا ريب فيه للمتقين. وهدى حال من الضمير المجرور، والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي. والريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها، سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة. وفي الحديث «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» تفسير : فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة، ومنه ريب الزمان لنوائبه. {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} يهديهم إلى الحق، والهدى في الأصل كالسرى والتقى ومعناه الدلالة. وقيل: الدلالة الموصلة إلى البغية لأنه جعل مقابل الضلالة في قوله تعالى: {أية : لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }تفسير : [سبأ: 24] ولأنه لا يقال مهدي إلا لمن اهتدى إلى المطلوب. واختصاصه بالمتقين لأنهم المهتدون به والمنتفعون بنصه، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر وبهذا الاعتبار قال تعالى: {أية : هُدًى لّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 185] أو لأنه لا ينتفع بالتأمل فيه إلا من صقل العقل واستعمله في تدبر الآيات والنظر في المعجزات، وتعرف النبوات، لأنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة فإنه لا يجلب نفعاً ما لم تكن الصحة حاصلة، وإليه أشار بقوله تعالى: {أية : وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا }تفسير : [الإسراء: 82] ولا يقدح ما فيه من المجمل والمتشابه في كونه هدى لما لم ينفك عن بيان يعين المراد منه. والمتقي اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى. والوقاية: فرط الصيانة. وهو في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة، وله ثلاث مراتب: الأولى: التوقي من العذاب المخلد بالتبري من الشرك وعليه قوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ }تفسير : [الفتح: 26] الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع، وهو المعنى بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ }تفسير : [الأعراف: 96] الثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }تفسير : [آل عمران: 102] وقد فسر قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} ههنا على الأوجه الثلاثة. واعلم أن الآية تحتمل أوجهاً من الإعراب: أن يكون {الۤمۤ} مبتدأ على أنه اسم للقرآن. أو السورة. أو مقدر بالمؤلف منها، وذلك خبره وإن كان أخص من المؤلف مطلقاً، والأصل أن الأخص لا يحمل على الأعم لأن المراد به المؤلف الكامل في تأليفه البالغ أقصى درجات الفصاحة ومراتب البلاغة والكتاب صفة ذلك. وأن يكون{الۤمۤ} خبر مبتدأ محذوف وذلك خبراً ثانياً. أو بدلاً والكتاب صفته، و{لاَ رَيْب} في المشهورة مبني لتضمنه معنى من منصوب المحل على أنه اسم لا النافية للجنس العاملة عمل إنَّ، لأنها تقتضيها ولازمة للأسماء لزومها. وفي قراءة أبي الشعثاء مرفوع بلا التي بمعنى ليس وفيه خبره ولم يقدم كما قدم في قوله تعالى: {أية : لا فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات: 47] لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب به من بين سائر الكتب كما قصد ثمة، أو صفته وللمتقين خبره. وهدى نصب على الحال، أو الخبر محذوف كما في {لا}، ضمير. فلذلك وقف على {لاَ رَيْبَ}، على أن فيه خبر هدى قدم عليه لتنكيره والتقدير: لا ريب فيه، فيه هدى، وأن يكون ذلك مبتدأ و {ٱلْكِتَـٰبِ } خبره على معنى: أنه الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً، أو صفته وما بعده خبره والجملة خبر {الۤمۤ} والأولى أن يقال إنها جمل متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة ولذلك لم يدخل العاطف بينهما. فـ {الۤمۤ}، جملة دلت على أن المتحدى به هو المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم، وذلك الكتاب جملة ثانية مقررة لجهة التحدي، و {لاَ رَيْبَ فِيهِ}، جملة ثالثة تشهد على كماله بأن الكتاب المنعوت بغاية الكمال إذ لا كمال أعلى مما للحق واليقين. و {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}، بما يقدر له مبتدأ جملة رابعة تؤكد كونه حقاً لا يحوم الشك حوله بأنه {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}، أو تستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول، وبيانه أنه لما نبه أولاً على إعجاز المتحدى به من حيث إنه من جنس كلامهم وقد عجزوا عن معارضته، استنتج منه أنه الكتاب البالغ حد الكمال واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه إذ لا أنقص مما يعتريه الشك والشبهة، وما كان كذلك كان لا محالة {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}، وفي كل واحدة منها نكتة ذات جزالة ففي الأولى الحذف والرمز إلى المقصود مع التعليل، وفي الثانية فخامة التعريف، وفي الثالثة تأخير الظرف حذراً عن إيهام الباطل، وفي الرابعة الحذف والتوصيف بالمصدر للمبالغة وإيراده منكراً للتعظيم وتخصيص الهُدى بالمتقين باعتبار الغاية تسمية المشارف للتقوى متقياً إيجازاً وتفخيماً لشأنه.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جريج: قال ابن عباس: ذلك الكتاب، أي: هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تعارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة، فيستعملون كلاً منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم، وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة. وقال الزمخشري: ذلك إشارة إلى {أية : الۤمۤ}تفسير : [البقرة: 1] كما قال تعالى: {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة: 68] وقال تعالى: {أية : ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 10] وقال:{أية : ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [يونس: 3] وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره، والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي وغيره أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بإنزاله عليه، أو التوراة، أو الإنجيل، أو نحو ذلك، في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم. والكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير وغيره، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به. والريب: الشك. قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: لا شك فيه. وقال أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذه خلافاً. وقد يستعمل الريب في التهمة، قال جميل:شعر : بُثَيْنَةُ قالَتْ يا جميلُ أَرَبْتَنِي فقلْتُ كِلانا يا بُثَيْنَ مُرِيبُ تفسير : واستعمل أيضاً في الحاجة كما قال بعضهم:شعر : قَضَيْنا مِنْ تِهامَةَ كُلَّ رَيْبٍ وخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمعْنا السُّيوفا تفسير : ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله؛ كما قال تعالى في السجدة [1-2]: {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : وقال بعضهم هذا خبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ} ويبتدىء بقوله تعالى: {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} والوقف على قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أولى للآية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى: {هُدىً} صفة للقرآن وذلك أبلغ من كونه فيه هدى. وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعاً على النعت ومنصوباً على الحال وخصت الهداية للمتقين كما قال: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}تفسير : [فصلت: 44] {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا}تفسير : [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار؛ كما قال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مَّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [يونس: 57] وقد قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} يعني: نوراً للمتقين. وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: هدى للمتقين، قال: هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي. وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {لِلْمُتَّقِينَ} قال: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال سفيان الثوري عن رجل عن الحسن البصري: قوله تعالى: للمتقين، قال: اتقوا ما حرم الله عليهم، وأدّوا ما افترض عليهم. وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن المتقين، قال: فأجبته، فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: يرى أنه كذلك، ولم ينكره. وقال قتادة: للمتقين، هم الذين نعتهم الله بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ}تفسير : [البقرة: 3] الآية والتي بعدها، واختيار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال. وقد روى الترمذي وابن ماجه من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل عن عبد الله بن يزيد عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس» تفسير : ثم قال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي حدّثنا عبد الله بن عمران عن إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالساً عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة. ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله عز وجل، قال الله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ }تفسير : [القصص: 56] وقال {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}تفسير : [البقرة: 272] وقال: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}تفسير : [الأعراف: 186] وقال: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا}تفسير : [الكهف: 17] إلى غير ذلك من الآيات. ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه، والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] وقال: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7] وقال تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }تفسير : [فصلت: 17] وقال: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 10] على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر، وهو الأرجح، والله أعلم. وأصل التقوى: التوقي مما يكره؛ لأن أصلها وقوى من الوقاية. قال النابغة:شعر : سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إِسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنا بِاليَدِ تفسير : وقال الآخر:شعر : فَأَلْقَتْ قِناعاً دونَهُ الشَّمْسُ واتَّقَتْ بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفَ وَمِعْصَمِ تفسير : وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمرت، واجتهدت، قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:شعر : خَل الذُّنُوبَ صَغِيْرها وكَبِيْرَها ذاك التُّقَى واصْنَعْ كَماشٍ فَوْقَ أر ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً إِنّ الجِبالَ مِنَ الحَصَى تفسير : وأنشد أبو الدرداء يوماً:شعر : يريدُ المرءُ أَنْ يُؤْتَى مُناهُ ويَأْبى اللّهُ إِلاَّ ما أَرادا يقولُ المَرْءُ فائِدَتي ومَالِي وتَقْوَى اللّهِ أَفْضَلُ ما اسْتَفادا تفسير : وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيراً من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله».
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } أي هذا {ٱلْكِتَٰبُ } الذي يقرؤه محمد {لاَ رَيْبَ } لا شك {فِيهِ } أنه من عند الله وجملة النفي خبر مبتدؤه ذلك والإشارة به للتعظيم {هُدًى } خبر ثانٍ أي هاد {لّلْمُتَّقِينَ } الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار.
الشوكاني
. تفسير : الإشارة بقوله {ذلك} إلى الكتاب المذكور بعده.قال ابن جرير: قال ابن عباس: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل وزيد بن أسلم وابن جريج، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة. والعرب قد تستعمل الإشارة إلى البعيد الغائب مكان الإشارة إلى القريب الحاضر كما قال خفاف:شعر : أقول له والرمحُ يأطر مَتنهُ تأمل خِفافاً أنني أنا ذلِكا تفسير : أي: أنا هذا، ومنه قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }تفسير : [السجدة: 6] {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [الأنعام: 83] ــ {أية : تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ }تفسير : [البقرة: 252، وآل عمران: 108، والجاثية: 6] {أية : ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } تفسير : [الممتحنة: 10] وقيل: إن الإشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: هو: الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة، والأجل والرزق {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي لا مبدل له، وقيل ذلك الكتاب الذي كتبه الله على نفسه في الأزل؛ أن رحمته سبقت غضبه، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي»تفسير : . وفي رواية «سبقت». وقيل الإشارة إلى ما قد نزل بمكة، وقيل إلى ما في التوراة والإنجيل، وقيل إشارة إلى قوله قبله {آلم}، ورجحه الزمخشري، وقد وقع الاختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه القرطبي وأرجحها ما صدَّرناه، واسم الإشارة مبتدأ، و{الكتاب} صفته، والخبر {لا ريب فيه}، ومن جوّز الابتداء بـ {آلم} جعل {ذلك} مبتدأ ثانياً، وخبره {الكتاب} أو هو صفته، والخبر {لا ريب فيه}، والجملة خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون المبتدأ مقدّراً، وخبره {آلم}، وما بعده. والريب مصدر، وهو قلق النفس واضطرابها، وقيل إن الريب: الشك. قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافاً. وقد يستعمل الريب في التهمة والحاجة، حكى ذلك القرطبي. ومعنى هذا النفي العام، أن الكتاب ليس بمظنة للريب؛ لوضوح دلالته وضوحاً يقوم مقام البرهان المقتضى لكونه لا ينبغي الارتياب فيه بوجه من الوجوه، والوقف على {فيه} هو المشهور. وقد روي عن نافع وعاصم الوقف على {لاَ رَيْبَ }، قال في الكشاف: ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبراً، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَالُواْ لاَ ضَيْرَ }تفسير : [الشعراء: 50] وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه فيه هدى. والهدى مصدر. قال الزمخشري: وهو: الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته انتهى. ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف المذكور قبله على ما سبق. قال القرطبي: الهدى هديان: هدى دلالة وهو الذي يقدر عليه الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: {أية : وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ }تفسير : [الرعد: 7] وقال: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }تفسير : [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ }تفسير : [القصص: 56] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: ــ {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ }تفسير : [البقرة: 5] وقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] انتهى. والمتقين من ثبتت لهم التقوى. قال ابن فارس: وأصلها في اللغة قلة الكلام. وقال في الكشاف: المتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية: الصيانة، ومنه: فرس واقٍ، وهذه الدابة تقي من وجاورها: إذا أصابها ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة: الذي يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. انتهى. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود؛ أن {الكتاب}: القرآن، {لا ريب فيه}: لا شك فيه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال: الريب: الشك. وأخرج عبد ابن حميد عن قتادة مثله، وكذا ابن جرير عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } قال: نور للمتقين، وهم المؤمنون. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } أي: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه، وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل أنه قيل له: من المتقون؟ فقال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة: أن رجلاً قال له: ما التقوى؟ قال: هل وجدت طريقاً ذا شوك؟ قال نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة حين يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً يكون حجاباً بينه وبين الحرام. وقد روى نحو ما قاله أبو الدرداء عن جماعة من التابعين. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس»تفسير : فالمصير إلى ما أفاده هذا الحديث واجب ويكون هذا معنى شرعياً للمتقي أخصّ من المعنى الذي قدمنا عن صاحب الكشاف زاعماً أنه المعنى الشرعي.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ الكِتَابُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني التوراة والإنجيل، ليكون إخباراً عن ماضٍ. والثاني: يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة، وهذا قول الأصم. والثالث: يعني هذا الكتاب، وقد يستعمل ذلك في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعاً للإشارة إلى غائب، قال خُفاف بن ندبة: شعر : أَقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا تفسير : ومن قال بالتأويل الأول: أن المراد به التوراة والإنجيل، اختلفوا في المخاطب به على قولين: أحدهما: أن المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم، أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل، هو الذي أنزلته عليك يا محمد. والقول الثاني: أن المخاطب به اليهود والنصارى، وتقديره: أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب، الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام. قوله عز وجل: {لاَ رَيْبَ فيهِ} وفيه تأويلان: أحدهما: أن الريب هو الشك، وهو قول ابن عباس، ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى: شعر : لَيْسَ في الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ تفسير : والتأويل الثاني: أن الريب التهمة ومنه قول جميل: شعر : بُثَيْنَةُ قالتْ: يا جَمِيلُ أَرَبْتَنِيُ فَقُلْتُ: كِلاَنَا يَا بُثَيْنَ مُرِيب تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}، يعني به هدىً من الضلالة. وفي المتقين ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدَّوا ما افترض عليهم، وهذا قول الحسن البصري. والثاني: أنهم الذين يحذرون من الله تعالى عقوبته ويرجون رحمته وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنهم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا فاسد، لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسق وإنما خص به المتقين، وإن كان هدىً لجميع الناس، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه.
ابن عطية
تفسير : الاسم من {ذلك} الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع {ذلك} رفع كأنه ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في {ذلك} هنا فقيل: هو بمعنى "هذا"، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن. قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه قد يشار بـ "ذلك" إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وبــ"هذا" إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقُرْب. وقيل: هو على بابه إِشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ؛ أي الكتاب الذي هو القدر وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد. وقال الكسائي: "{ذلك} إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد". وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتاباً، فالإشارة إلى ذلك الوعد، وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال {الم} حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها. ولفظ {الكتاب} مأخوذ من "كتبتُ الشيء" إذا جمعتَه وضممتَ بعضه إلى بعض ككتبَ الخَرَز بضم الكاف وفتح التاء وكتبَ الناقة. ورفع {الكتاب} يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان. و {لا ريب فيه} معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به؛ والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريبٌ للكفار. وقال قوم: لفظ قوله {لا ريب} فيه لفظ الخبر ومعناه النهي. وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص؛ أي عند المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقرأ الزهري، وابن محيصن، ومسلم بن جندب، وعبيد بن عمير: "فِيهُ" بضم الهاء؛ وكذلك "إليهُ" و "علَيْهُ" و "بِهُ" و "نُصْلِهُ" ونولهُ وما أشبه ذلك حيث وقع على الأصل. وقرأ ابن إسحاق: "فيهو" ضم الهاء ووصلها بواو. و{هدى} معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر {ذلك}، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصباً على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في {فيه}، والعامل معنى الاستقرار؛ وفي هذا القول ضعف. وقوله {للمتقين} اللفظ مأخوذ من وَقَى، وفعله اتَّقى، على وزن افتعل، وأصله "للموتقيين" استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاءً على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار {للمتقين}. والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذّلِكَ الْكِتَابُ}: إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة أو المدينة، أو إلى قوله {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل: 5] أو ذلك بمعنى هذا إشارة إلى حاضر، أو إشارة إلى التوراة والإنجيل، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم: أي: الكتاب الذي ذكرته لك في التوراة والإنجيل هو الذي أنزلته عليك، أو خوطب به اليهود والنصارى: أي الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب الذي أنزلته على محمد، أو إلى قوله: {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً }،تفسير : أو قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل هو هذا الذي أنزلته عليك [أو المراد] بالكتاب: اللوح [المحفوظ] {لا رَيْبَ فِيهِ}: الريب التهمة أو الشك. {لِلْمُتَّقِينَ} الذين أقاموا الفرائض واجتنبوا المحرمات، أو الذين يخافون العقاب ويرجون الثواب، أو الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أورد الزمخشري هنا سؤالا قال: الإشارة بذلك للبعيد وهو هنا قريب. وأجاب بأن المراد القرب المعنوي. قال ابن عرفة: السؤال غير وارد لأنه أجاب في غير هذا الموضع في قوله تعالى {أية : فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تفسير : وفي قوله تعالى: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ} تفسير : لأن الإشارة بلفظ (البعيد) للقريب على سبيل التَّعظيم وهو معنى (يذكره) البيانيون. قال: وعبر عنه باسم الإشارة دون ضمير الغيبة تنبيها على أنه كالمحسوس المشار إليه فهو دليل على عظمته في النفوس. وقوله تعالى: لاَ رَيْبَ فِيهِ: إما خبر في هذا معنى النهي وإما خبر على بابه والمراد إما نفي وقوع ذلك حقيقة. فيكون عاما مخصوصا بمن ارتاب فيه، أو المراد لا ينبغي فيه ريب أي ليس بأهل لأن يرتاب فيه (أحد). قال: ومن الناس من يقف على (لاَ رَيْبَ) وكان بعضهم يتعقبه بأن فيه شبه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، ومنهم من وقف على {لاَ رَيْبَ فِيهِ} (وعادتهم بأنهم يصوّبونه بأنه يبتدئ) بقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، (فجعله) خبر مبتدأ مضمر، أي هو هدى فيكون القرآن كله (هُدى) أي هو نفس الهدى، فهو أبلغ ممن جعل الهدى فيه. فإن قلت: أخر المجرور هنا وقدمه في قوله: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} {أية : وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ }؟ تفسير : (فالجواب) أن المراد نفي الرّيب بالإطلاق. فيتناول جميع الكتب من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فليس نفي الريب خاصا بالقرآن فقط بل هو (عام) بخلاف ما لو قيل لا (فيه ريب)، (لأوهم) خصوص النفي به وبخلاف: {أية : وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} تفسير : فإنّ الغشاوة خاصة بأبصارهم دون أبصار المؤمنين.
السيوطي
تفسير : قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلي عشرين ومائة في بني إسرائيل. وأخرج وكيع عن مجاهد قال: هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى {المفلحون} نزلت في نعت المؤمنين، واثنتان من بعدها إلى {عظيم} نزلت في نعت الكافرين، وإلى العشر نزلت في المنافقين. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود {الۤمۤ} حرف اسم الله، و {الكتاب} القرآن {لا ريب} لا شك فيه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ذلك الكتاب} قال: هذا الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة. مثله. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال {الريب} الشك من الكفر. وأخرج الطستي في مسائل ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت ابن الزبعرى وهو يقول: شعر : ليس في الحق يا أمامة ريب إنما الريب ما يقول الكذوب تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. قوله تعالى: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ أخرج وكيع وابن جرير عن الشعبي في قوله {هدى} قال: من الضلالة. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {هدى} قال: نور {للمتقين} قال: هم المؤمنون. وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} قال: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هدى للمتقين} قال: جعله الله هدى وضياء لمن صدَّق به، ونور للمتقين. وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: يُحبَسُ الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي منادٍ: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لايحتجب الله منهم، ولا يستتر. قيل: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبدة الأوثان واخلصوا، لله العبادة، فيمرون إلى الجنة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة. أن رجلاً قال له: ما التقوى؟ قال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه؟ فقال: التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله، والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرماً. يكون حجاباً بينه وبين الحرام. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام. واخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: لو أن رجلاً اتقى مائة شيء ولم يتق شيئاً واحداً، لم يكن من المتقين. واخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال: تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها، إلى ما قد علمت منها. وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال: من سره أن يكون متقياً فليكن أذل من قعود إبل، كل من أتى عليه أرغاه. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة. أما بعد... فإن لأهل التقوى علامات يُعْرَفون بها ويُعرِفونها من أنفسهم. من صبر على البلاء، ورضي بالقضاء، وشكر النعماء، وذل لحكم القرآن. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: لحسن توكله على الله فيما نابه، ولحسن رضاه فيما أتاه، ولحسن زهده فيما فاته. وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال: معدن من التقوى لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله. واخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: بلغنا أن رجلاًً جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقياً لله كما ينبغي له؟ قال: بيسير من الأمر. تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك. قال: من ابن جنسي يا معلم الخير؟ قال: ولد آدم كلهم، وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقاً. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أياس بن معاوية قال: رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئاً دون الله، ثم تتفاضل الناس بالتقى والنهى. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال: فواتح التقوى حسن النية، وخواتمها التوفيق، والعبد فيما بين ذلك، بين هلكات وشبهات، ونفس تحطب على سلوها، وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز. وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا؟!. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله، ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير. وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري، وأنت تنام الليل؟ فقل لي: اسكت... ملاك هذا الأمر التقوى. وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب بن شبة قال: تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان، فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه، وآثر الآخرة على الدنيا، ولم تكربه المطالب، ولم تمنعه المطامع، نظر ببصر قلبه إلى مثالي إرادته، فسما لها ملتمساً لها، فزهده مخزون، يبيت إذا نام الناس ذا شجون، ويصبح مغموماً في الدنيا مسجون، قد انقطعت من همته الراحة دون منيته، فشفاؤه القرآن، ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة، لا يرى منها الدنيا عوضاً، ولا يستريح إلى لذة سواها. فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى بالاً منا، وأنعم عيشاً. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، حتى تعلم من أين مطعمه، ومن أين ملبسه، ومن أين مشربه، أمن حل ذلك أو من حرام؟. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز. أنه لما وُلي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: يا أيها اتقوا الله، فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى. وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال: لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: القيامة عرس المتقين. وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قيل لأبي الدرداء: إنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعراً، فما لك لا تقول؟! قال: وأنا قلت فاستمعوه: شعر : يريد المرءُ أن يُعطي مُناهُ ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرءُ فائدتي وذخري وتقوى الله أفضل ما استفادا تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العفيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين.
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكَ} ذا اسمُ إشارة واللاَّمُ كنايةٌ عما جيء به للدلالة على بُعد المشارُ إليه، والكافُ للخطاب، والمشارُ إليه هو المسمَّى، فإنه منزَّلٌ منزلةَ المشاهَدِ بالحسِّ البَصَري، وما فيه من معنى البعدِ، مع قُرب العهدِ بالمُشار إليه، للإيذان بعلو شأنه، وكونِه في الغاية القاصيةِ من الفضل والشرف، إثرَ تنويهِه بذكر اسمِه، وما قيل من أنه باعتبار التقصّي أو باعتبار الوصولِ من المرسِل إلى المرسَل إليه في حكم المتباعِد، وإن كان مصححاً لإيراده، لكنه بمعزل من ترجيحه على إيراد ما وُضع للإشارة إلى القريب، وتذكيرُه على تقدير كون المسمَّى هي السورة، لأن المشار إليه هو المسمَّى بالاسم المذكورِ من حيث هو مسمًّى به، لا من حيث هو مسمًّى بالسورة، ولئن ادُّعيَ اعتبارُ الحيثية الثانية في الأول بناءً على أن التسمية لتميـيز السور بعضِها من بعض، فذلك لتذكير ما بعده، وهو على الوجه الأول مبتدأٌ على حِدَةٍ، وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثانٍ. وقوله عز وعلا: {ٱلْكِتَـٰبِ} إما خبرٌ له، أو صفةٌ، أما إذا كان خبراً له فالجملةُ على الوجه الأولِ مستأنفةٌ مؤكِّدةٌ لما أفادته الجملةُ الأولى من نباهة شأن المسمَّى، لا محلَّ لها من الإعراب، وعلى الوجه الثاني في محل الرفع على أنها خبرٌ للمبتدأ الأول، واسمُ الإشارة مغنٍ عن الضمير الرابط، والكتابُ إما مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً كالخَلْق والتصوير للمخلوق والمصوَّر، وإما فعلٌ بني للمفعول كاللِّباس، من الكتاب الذي هو ضمُّ الحروف بعضِها إلى بعض، وأصله الجمعُ والضمُ في الأمور البادية للحسِّ البصَري، ومنه الكتيبةُ للعسكر، كما أن أصل القراءة الجمعُ والضمُ في الأشياء الخافية عليه، وإطلاقُ الكتاب على المنظوم عبارةً لِما أن مآله الكتابة، والمرادُ به على تقدير كونِ المسمَّى هي السورة جميع القرآن الكريم وإن لم يتم نزولُه عند نزول السورة، إما باعتبار تحققِه في علم الله عز وجل، أو باعتبار ثبوتِه في اللوح، أو باعتبار نزولِه جملةً إلى السماء الدنيا، حسبما ذُكر في فاتحة الكتاب، واللام للعهد والمعنى أن هذه السورة هو الكتاب أي العمدةُ القصوى منه كأنه في إحراز الفضل كلُّ الكتاب المعهودِ، الغنيُّ عن الوصف بالكمال لاشتهاره به فيما بـين الكتب على طريقة قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحجُّ عَرَفة» تفسير : وعلى تقدير كون المسمَّى كلَّ القرآن، فالمرادُ بالكتاب الجنسُ، واللامُ للحقيقة، والمعنى أن ذلك هو الكتابُ الكاملُ الحقيقُ بأن يُخصَّ به اسمُ الكتاب، لتفوقه على بقية الأفرادِ في حيازة كمالاتِ الجنس، كأن ما عداه من الكُتُب السماوية خارجٌ منه بالنسبة إليه كما يقال هو الرجل، أي الكاملُ في الرجولية الجامعُ لما يكون في الرجال من مراضي الخِصال، وعليه قولُ من قال: [الطويل] شعر : [وإنَّ الذي حانت بفلجٍ دماؤهم] هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ تفسير : فالمدحُ كما ترى من جهة حصر كمالِ الجنس في فرد من أفراده، وفي الصورة الأولى من جهة حصرِ كمالِ الكلِّ في الجزء، ولا مساغَ هناك لحمل الكتاب على الجنس، لما أن فردَه المعهود هو مجموعُ القرآن المقابلُ لسائر أفرادِه من الكتب السماوية، لا بعضُه الذي يُطلق عليه اسمُ الكتاب باعتبار كونِه جزءاً لهذا الفرد، لا باعتبار كونِه جزئياً للجنس على حِياله، ولأن حصرَ الكمالِ في السورة مُشعرٌ بنقصان سائرِ السور، وإن لم يكن الحصرُ بالنسبة إليها لتحقق المغايَرَة بـينهما، هذا على تقدير كونِ الكتاب خبراً (لذلك)، وأما إذا كان صفةً له فذلك الكتابُ على تقدير كون (ألم) خبرَ مبتدإٍ محذوفٍ، إما خبرٌ ثانٍ أو بدلٌ من الخبر الأول، أو مبتدأٌ مستقلٌ خبرُه ما بعده، وعلى تقدير كونِه مبتدأً إما خبرٌ له، أو مبتدأٌ ثانٍ خبرُه ما بعده، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول، والمشارُ إليه على كلا التقديرين هو المسمَّى، سواءٌ كان هي السورةَ أو القرآن، ومعنى البعد ما ذُكر من الإشعارِ بعلوِّ شأنِه، والمعنى ذلك الكتاب العجيبُ الشأنِ، البالغُ أقصىٰ مراتبِ الكمال. وقيل المشارُ إليه هو الكتابُ الموعودُ، فمعنى البعدِ حينئذٍ ظاهرٌ، خلا أنه إنْ كان المسمَّى هي السورةَ ينبغي أن يُرادَ بالوعد ما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } تفسير : [المزمل، الآية 5] كما قيل، وإن كان هو القرآنَ فهو ما في التوراة والإنجيل، هذا على تقدير كون (الم) اسماً للسورة أو القرآن، وأما على تقدير كونِها مسرودةً على نمَط التعديد فذلك مبتدأ، والكتابُ إما خبرُه أو صفتُه، والخبرُ ما بعده على نحو ما سلف، أو يُقدَّر مبتدأٌ، أي المؤلَّفُ من هذه الحروف ذلك الكتابُ، وقرىء (الم تنزيلُ الكتاب). وقوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} إما في محل الرفعِ على أنه خبرٌ (لذلك الكتابُ) على الصور الثلاثِ المذكورة، أو على أنه خبرٌ ثانٍ لألف لام ميم أو (لذلك) على تقدير كونِ الكتابِ خبرَه، أو للمبتدأ المقدرِ آخِراً على رأي من يجوِّز كونَ الخبرِ الثاني جملةً، كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه، الآية 20] وإما في محل النصب على الحالية من (ذلك)، أو من (الكتاب)، والعامل معنى الإشارة، وإما جملةٌ مستأنَفة لا محل لها من الإعراب مؤكِّدة لما قبلها، وكلمةُ (لا) نافية للجنس مفيدةٌ للاستغراق، عاملةٌ عملَ إنَّ بحملها عليها، لكونها نقيضاً لها، ولازمةً للاسم لزومَها، واسمُها مبنيٌّ على الفتح لكونه مفرداً نكرةً لا مضافاً ولا شبـيهاً به، وأما ما ذكره الزجاج من أنه معربٌ وإنما حُذف التنوينُ للتخفيف فمما لا تعويلَ عليه، وسببُ بنائه تضمُّنه لمعنى مِنْ الاستغراقية لأنه مركب معها تركيبَ خمسةَ عشرَ كما توهم، وخبرُها محذوف، أي لا ريب موجودٌ أو نحوُه، كما في قوله تعالى: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود، الآية 43] والظرفُ صفةٌ لاسمها، ومعناه نفيُ الكونِ المطلق وسلبُه عن الريب المفروضِ في الكتاب، أو الخبرُ هو الظرف، ومعناه سلبُ الكونِ فيه عن الريب المطلق وقد جُعل الخبرُ المحذوفُ ظرفاً، وجعل المذكور خبراً لما بعده. وقرىء (لا ريبٌ فيه) على أن لا بمعنى ليس، والفرق بـينه وبـين الأول أن ذلك موجبٌ للاستغراق، وهذا مجوِّزٌ له، والريب في الأصل مصدرُ رابني إذا حصل فيك الرِّيبة، وحقيقتُها قلقُ النفس واضطرابُها، ثم استعمل في معنى الشك مطلقاً، أو معَ تُهمة، لأنه يُقلق النفسَ ويزيل الطُمَأْنينة، وفي الحديث: «حديث : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ». تفسير : ومعنى نفيه عن الكتاب أنه في علو الشأن وسطوعِ البرهانِ بحيث ليس فيه مظنةُ أن يُرتاب في حقّيته، وكونِه وحياً منزلاً من عند الله تعالى، لا أنه لا يرتاب فيه أحد أصلاً، ألا ترى كيف جُوِّز ذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا } تفسير : [البقرة، الآية 23] الخ. فإنه في قوةِ أن يقال: وإن كان لكم ريبٌ فيما نزلنا، أو إنِ ارتبتم فيما نزلنا، الخ إلا أنه خُولِفَ في الأسلوب حيث فُرض كونُهم في الريب لا كونُ الريبِ فيه لزيادة تنزيهِ ساحة التنزيل عنه، مع نوع إشعارٍ بأن ذلك من جهتهم، لا من جهته العالية، ولم يُقصَدْ هٰهنا ذلك الإشعارُ، كما لم يقصَدِ الإشعارُ بثبوت الريبِ في سائر الكتب، ليقتضِيَ المقامُ تقديمَ الظرف، كما في قوله تعالى: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ }.تفسير : [الصافات، الآية 47] {هُدًى} مصدرٌ من هداه، كالسُّرى والبُكى، وهو الدَّلالةُ بلطفٍ على ما يوصِل إلى البُغية، أي ما مِنْ شأنه ذلك، وقيل: هي الدلالة الموصلةُ إليها، بدليل وقوعِ الضلالة في مقابلته، في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة، الآية 16] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ، الآية 24] ولا شك في أن عدم الوصولِ معتبرٌ في مفهوم الضلال، فيعتبر الوصولُ في مفهوم مقابلهِ، ومن ضرورة اعتبارِه فيه اعتبارُه في مفهوم الهدى المتعدّي، إذ لا فرق بـينهما إلا من حيث التأثيرُ والتأثّر، ومحصّلهُ أن الهدى المتعدّي هو التوجيهُ الموصِل، لأن اللازم هو التوجُّه الموصِلُ، بدليل أن مقابِلَه الذي هو الضلال توجهٌ غيرُ موصل قطعاً، وهذا كما ترى مبنيٌّ على أمرين: اعتبارِ الوصولِ وجوباً في مفهوم اللازم، واعتبارِ وجودِ اللازم وجوباً في مفهوم المتعدّي، وكلا الأمرين بمعزل من الثبوت، أما الأول فلأن مدارَ التقابل بـين الهدى والضلالِ ليس هو الوصولَ وعدمَه على الإطلاق، بل هما معتبَران في مفهوميهما على وجهٍ مخصوصٍ به، ليتحقق التقابلُ بـينهما. وتوضيحُه أن الهدى لا بد فيه من اعتبار توجّهٍ عن علم إلى ما مِنْ شأنه الإيصالُ إلى البُغية، كما أن الضلال لا بد فيه من اعتبار الجَوْرِ عن القَصْد إلى ما ليس من شأنه الإيصالُ قطعاً، وهذه المرتبةُ من الاعتبار مُسلّمةٌ بـين الفريقين، ومُحقِّقةٌ للتقابل بـينهما، وإنما النِّزاعُ في أن إمكان الوصولِ إلى البغية هل هو كافٍ في تحصيل مفهومِ الهدىٰ، أو لا بد فيه من خروج الوصولِ من القوة إلى الفعل، كما أن عدم الوصولِ بالفعل معتبرٌ في مفهوم الضلال قطعاً؟ إذا تقرر هذا فنقول: إن أريد باعتبار الوصولِ بالفعل في مفهوم الهدىٰ اعتبارُه مقارِناً له في الوجود زماناً حسَبَ اعتبارِ عدمِه في مفهوم مقابلِه فذلك بـيِّنُ البُطلان، لأن الوصولَ غايةٌ للتوجّه المذكور، فينتهي به قطعاً، لاستحالة التوجُّهِ إلى تحصيل الحاصِل، وما يبقىٰ بعد ذلك فهو إما توجّهٌ إلى الثبات عليه، وإما توجّهٌ إلى زيادته، ولأن التوجّهَ إلى المقصدِ تدريجيّ، والوصولَ إليه دفعيّ، فيستحيلُ اجتماعهما في الوجود ضرورة، وأما عدمُ الوصولِ فحيث كان أمراً مستمراً مثلَ ما يقتضيه من الضلال وجبَ مقارنتُه له في جميع أزمنةِ وجوده. إذ لو فارقه في آنٍ من آنات تلك الأزمنةِ لقارنه في ذلك الآنِ مقابِلهُ الذي هو الوصول، فما فرضناه ضلالاً لا يكون ضلالاً، وإن أريد اعتبارُه من حيث إنه غايةٌ له واجبةُ الترتُّب عليه لزِم أن يكون التوجُّهُ المقارِنُ لغاية الجِدِّ في السلوك إلى ما من شأنه الوصولُ عند تخلُّفِه عنه لمانعٍ خارجي كاحترام المِنيَّةِ مثلاً من غير تقصيرٍ ولا جَوْر من قِبَل المتوجِّه، ولا خللٍ من جهة المسلكِ ضلالاً، إذ لا واسطةَ بـينهما، مع أنه لا جَوْر فيه عن القصد أصلاً، فبطَلَ اعتبارُ وجوبِ الوصولِ في مفهومِ اللازم قطعاً، وتبـين منه عدمُ اعتبارِه في مفهوم المتعديّ حتماً، وأما اعتبارُ وجودِ اللازم فيه وجوباً وهو الأمرُ الثاني، فبـيانُه مبنيٌّ على تمهيد أصل، وهو أن فعلَ الفاعل حقيقةً هو الذي يصدُر عنه ويتمُّ من قِبَله، لكن لمّا لم يكن له في تحقُّقه في نفسه بدٌّ من تعلّقه بمفعوله اعتُبر ذلك في مدلول اسمِه قطعاً، ثم لما كان له باعتبار كيفيةِ صدورِه عن فاعله، وكيفيةِ تعلّقِه بمفعوله، وغيرِ ذلك آثارٌ شتّى مترتبةٌ عليه متمايزةٌ في أنفسها، مستقلةٌ بأحكامٍ مقتضيةٍ لإفرادها بأسماءٍ خاصة، وعُرض له بالقياس إلى كل أثرٍ من تلك الآثارِ إضافةٌ خاصة ممتازة عما عداها من الإضافات العارضة له بالقياس إلى سائرها، وكانت الآثارُ تابعةً له في التحقّق غيرَ منفكّةٍ عنه أصلاً إذ لا مؤثِّرَ لها سوى فاعلِه عُدَّت من متمماته، واعتُبرت الإضافةُ العارضةُ له بحسَبها داخلةً في مدلوله، كالاعتماد المتعلِّق بالجسم مثلاً، وُضع له - باعتبار الإضافةِ العارضةِ له من انكسار ذلك الجسم الذي هو أثرٌ خاصٌّ لذلك الاعتماد - اسمُ الكسر، وباعتبار الإضافةِ العارضةِ له - من انقطاعه الذي هو أثرٌ آخَرُ له - اسم القطع، إلى غير ذلك من الإضافات العارضةِ له بالقياس إلى آثاره اللازمةِ له، وهذا أمرٌ مطَّردٌ في آثاره الطبـيعية. وأما الآثارُ التي له مدخَلٌ في وجودها في الجملة من غير إيجابٍ لها تترتب عليه تارة وتفارقه أخرى، بحسب وجودِ أسبابِها الموجبةِ لها وعدمِها - كالآثار الاختياريةِ الصادرةِ عن مؤثراتها بواسطة كونهِ داعياً إليها - فحيث كانت تلك الآثارُ مستقلةً في أنفسها مستندةً إلى مؤثراتها غيرَ لازمةٍ له لزومَ الآثارِ الطبـيعيةِ التابعةِ له لم تعُدْ من متمماته، ولم تُعتبر الإضافةُ العارضةُ له بحسبها داخلةً في مدلوله كالإضافة العارضةِ للأمر بحسَبِ امتثالِ المأمور، والإضافةِ العارضةِ للدعوة بحسب إجابةِ المدعوّ، فإن الامتثال والإجابة وإن عُدّا من آثار الأمرِ والدعوةِ باعتبار ترتّبهما عليهما غالباً، لكنهما حيث كانا فِعلين اختياريـين للمأمور والمدعوِّ مستقِلَّيْن في أنفسهما غيرَ لازمين للأمر والدعوة، لم يُعَدا من متمماتهما، ولم تُعتبر الإضافةُ العارضةُ لهما - بحسبهما - داخلةً في مدلولِ اسمِ الأمرِ والدعوةِ، بل جُعلا عبارة عن نفس الطلب المتعلّقِ بالمأمورِ والمدعوّ، سواءٌ وجد الامتثالُ والإجابةُ أو لا. إذا تمهّد هذا فنقول كما أن الامتثالَ والإجابةَ فعلان مستقلانِ في أنفسهما صادران عن المدعوِّ والمأمورِ باختيارهما غيرُ لازمين للأمر والدعوة لزومَ الآثارِ الطبـيعية التابعة للأفعال الموجبة لها، وإن كانا مترتِّبـين عليهما في الجملة، كذلك هُدى المَهْديّ أي توجُّهُه إلى ما ذكر من المسلك فعلٌ مستقلٌ له صادرٌ عنه باختياره، غيرُ لازم للهداية، أعني التوجيهَ إليه لزومَ ما ذُكر من الآثار الطبـيعية، وإن كان مترتباً عليها في الجملة، فلما لم يُعَدّا من متممات الأمر والدعوة، ولم تعتبر الإضافةُ العارضةُ لهما بحسبهما داخلةً في مدلولهما عُلم أنه لم يُعدَّ الهدى اللازمُ من متممات الهداية، ولم تُعتبر الإضافةُ العارضة لها - بحسبه - داخلةً في مدلولها. إن قيل: ليس الهُدى بالنسبة إلى الهداية كالامتثال والإجابة بالقياس إلى أصليهما، فإنَّ تعلقَ الأمر والدعوة بالمأمورِ والمدعوِّ لا يقتضي إلا اتصافهما بكونهما مأموراً ومدعواً، وليس من ضرورته اتصافُهما بالامتثال والإجابة، إذ لا تلازمَ بـينهما وبـين الأوّلَيْن أصلاً، بخلاف الهدى بالنسبة إلى الهداية، فإن تعلقها بالمهديِّ يقتضي اتصافه به، لأن تعلقَ الفعل المتعدِّي المبنيِّ للفاعل بمفعوله يدل على اتصافه بمصدره المأخوذِ من المبنيِّ للمفعول قطعاً، وهو مستلزِمٌ لاتصافه بمصدرِ الفعل اللازم، وهل الاعتبار هو وجودُ اللازم في مدلول المتعدي حتماً؟ قلنا كما أن تعلقَ الأمر والدعوةِ بالمأمور والمدعوِّ لا يستدعي إلا اتصافَهما بما ذكر من غير تعرّضٍ للامتثال والإجابة إيجاباً وسلباً، كذلك تعلقُ الهدايةِ التي هي عبارةٌ عن الدلالة المذكورة بالمهديّ لا يستدعي إلا اتصافَه بالمدلولية، التي هي عبارةٌ عن المصدر المأخوذ من المبنيّ للمفعول، من غير تعرض لقبول تلك الدلالة، كما هو معنى الهدى اللازم، ولا لعدم قبوله، بل الهدايةُ عينُ الدعوة إلى طريق الحق، والاهتداءُ عينُ الإجابة، فكيف يؤخذ في مدلولها؟ واستلزامُ الاتصافِ بمصدر الفعل المتعدي المبنيِّ للمفعول للاتصاف بمصدر الفعل اللازم مطلقاً إنما هو في الأفعال الطبـيعية كالمكسورية والانكسار، والمقطوعية والانقطاع، وأما الأفعال الاختيارية فليست كذلك كما تحققته فيما سلف. وإن قيل: التعلمُ من قبـيل الأفعال الاختياريةِ مع أنه معتبرٌ في مدلول التعليم قطعاً، فليكن الهدى مع الهداية كذلك، قلنا: ليس ذلك لكونه فعلاً اختيارياً على الإطلاق، ولا لكون التعليم عبارةً عن تحصيل العلم للمتعلم كما قيل، فإن المعلم ليس بمستقل في ذلك، ففي إسناده إليه ضربُ تجوّز، بل لأن كلاًّ منهما مفتقر في تحققه وتحصُّله إلى الآخر، فإن التعليمَ عبارةٌ عن إلقاء المبادىءِ العلمية على المتعلم وسَوْقِها إلى ذهنه شيئاً فشيئاً على ترتيب يقتضيه الحال، بحيث لا يُساق إليه بعضٌ منها إلا بعد تلقِّيه لبعضٍ آخر، فكلٌّ منهما متمِّمٌ للآخَر معتبرٌ في مدلوله. وأما الهدى الذي هو عبارةٌ عن التوجُّه المذكور ففعلٌ اختياريٌّ يستقِلُّ به فاعلُه لا دخلَ للهداية فيه سوى كونِها داعيةً إلى إيجاده باختياره، فلم يكن من متمماتها ولا معتبراً في مدلولها. إن قيل: التعليمُ نوعٌ من أنواع الهداية، والتعلمُ نوعٌ من أنواع الاهتداء فيكون اعتبارُه في مدلول التعليم اعتباراً للهدى في مدلول الهداية، قلنا إطلاقُ الهداية على التعليم إنما هو عند وضوحِ المسلك، واستبدادِ المتعلم بسلوكه من غير دخلٍ للتعليم فيه، سوى كونه داعياً إليه، وقد عرفت جليةَ الأمر على ذلك التقدير، إن قيل: أليس تخلّفُ الهدى عن الهداية كتخلف التعلم عن التعليم، فحيث لم يكن ذلك تعليماً في الحقيقة فلتكن الهداية أيضاً كذلك، وليُحمَلْ تسميةُ ما لا يستتبعُ الهدى بها على التجوز، قلنا: شتانَ بـين التخلّفَيْن، فإن تخلف التعلم عن التعليم يكون لقصور فيه، كما أن تخلفَ الانكسار عن الضرب الضعيف لذلك. وأما تخلفُ الهدى عن الهداية فليس لشائبةِ قصورٍ من جهتها، بل إنما هو لفقد سببه الموجبِ له من جهة المهديّ، بعد تكاملِ ما يتم من قبل الهادي. وبهذا التحريرِ اتَّضحَ طريقُ الهداية، وتبـين أنها عبارةٌ عن مطلق الدلالةِ على ما من شأنه الإيصالُ إلى البُغية بتعريف معالمهِ وتبـيـين مسالكِه، من غير أن يُشترط في مدلولها الوصولُ ولا القبول، وأن الدلالة المقارِنة لهما أو لأحدهما أو المفارِقة عنهما - كلُّ ذلك مع قطع النظر عن قيد المقارنة وعدمها - أفرادٌ حقيقية لها، وأن ما في قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } تفسير : [القصص، الآية 56] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } تفسير : [النحل، الآية 9] ونحوُ ذلك مما اعتُبر فيه الوصولُ من قبـيل المجاز، وانكشف أن الدلالاتِ التكوينية المنصوبة في الأنفس والآفاق والبـيانات التشريعية الواردة في الكتب السماوية على الإطلاق بالنسبة إلى كافة البرية برِّها وفاجرِها هداياتٌ حقيقيةٌ، فائضة من عند الله سبحانه، والحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله. [معاني التقوى ومراتبها] {لّلْمُتَّقِينَ} أي المتصفين بالتقوى حالاً أو مآلاً، وتخصيصُ الهدى بهم لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره، وإن كان ذلك شاملاً لكل ناظر، من مؤمن وكافر، وبذلك الاعتبار قال الله: {أية : هُدًى لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة، الآية 185] والمتقي اسمُ فاعلٍ من باب الافتعال من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة. والتقوى في عُرف الشرع عبارةٌ عن كمال التوقي عما يضُره في الآخرة قال عليه السلام: «حديث : جُماعُ التقوى في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} »تفسير : [النحل، الآية 90] الآية، وعن عمرَ بنِ عبد العزيز أنه تركُ ما حرم الله، وأداءُ ما فرضَ الله، وعن شَهْر بن حَوْشَب: المتقي من يترك ما لا بأسَ به حذراً من الوقوع فيما فيه بأسٌ، وعن أبـي يزيد: أن التقوى هو التورعُ عن كل ما فيه شبهة، وعن محمد بن حنيف: أنها مجانبةُ كلِّ ما يبعدك عن الله تعالى، وعن سهل: المتقي من تبرأ عَنْ حَوله وقدرته. وقيل التقوى: ألاّ يراك الله حيث نهاك، ولا يفقِدَك حيث أمرك. وعن ميمونِ بنِ مهران: لا يكون الرجلُ تقياً حتى يكون أشدَّ محاسبةً لنفسه من الشريك الشحيحِ والسُلطانِ الجائر، وعن أبـي تراب: بـين يدي التقوى خمسُ عقباتٍ لا ينالها من لا يجاوِزُهن: إيثارُ الشدة على النعمة، وإيثارُ الضعفِ على القوة، وإيثارُ الذلِّ على العزة، وإيثارُ الجهد على الراحة، وإيثارُ الموتِ على الحياة، وعن بعض الحكماء أنه لا يبلغُ الرجل سَنامَ التقوى إلا أن يكون بحيث لو جُعل ما في قلبه في طبَقٍ فطِيفَ به في السوق لم يستحْيِ ممن ينظُر إليه. وقيل: التقوى أن تَزِين سِرَّك للحق، كما تَزينُ علانيتَك للخلق. والتحقيق أن للتقوى ثلاثَ مراتبَ: (الأولى): التوقي عن العذاب المخلِّد بالتبرؤ عن الكفر، وعليه قوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ}.تفسير : [الفتح، الآية 26] (والثانية): التجنبُ عن كل ما يُؤثِم من فعل أو ترك، حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارَفُ بالتقوى في الشرع، وهو المعنيُّ بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [الأعراف، الآية 96] و(الثالثة): أن يتنزه عن كل ما يشغَلُ سرَّه عن الحق عز وجل، ويتبتّلَ إليه بكلّيته، وهي التقوى الحقيقيةُ المأمورُ بها في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران، الآية 102] ولهذه المرتبة عَرْضٌ عريض يتفاوت فيه طبقاتُ أصحابها حسَب تفاوتِ درجاتِ استعداداتهم الفائضةِ عليهم بموجَب المشيئةِ الإلهية، المبنيّةِ على الحِكَم الأبـية، أقصاها ما انتهى إليه هممُ الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام، حيث جمعوا بذلك بـين رياسَتي النبوةِ والولاية، وما عاقهم التعلقُ بعالم الأشباحِ عن العروجِ إلى معالم الأرواح، ولم تصُدَّهم الملابسةُ بمصالح الخلقِ عن الاستغراق في شؤون الحق، لكمال استعدادِ نفوسِهم الزكيةِ المؤيدةِ بالقوة القدسية، وهدايةُ الكتابِ المبـين شاملةٌ لأرباب هذه المراتب أجمعين، فإن أريد بكونه هدىً للمتقين إرشادُه إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى ونيلِها، فالمرادُ بهم المشارفون للتقوى مجازاً، لاستحالة تحصيلِ الحاصل، وإيثارُه على العبارة المعرِبةِ عن ذلك للإيجاز، وتصديرِ السورة الكريمةِ بذكر أوليائه تعالى وتفخيمِ شأنهم. وإن أريد به إرشادُه إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين، فإن عنى بالمتقين أصحابَ الطبقةِ الأولى تعيَّنت الحقيقة، وإن عنى بهم أصحاب إحدى الطبقتين الأخيرتين تعيَّن المجاز، لأن الوصولَ إليهما إنما يتحقق بهدايته المترقَّبة، وكذا الحال فيما بـين المرتبةِ الثانية والثالثة، فإنه إن أريد بالهدى الإرشادُ إلى تحصيل المرتبةِ الثالثة، فإن عنى بالمتقين أصحابَ المرتبة الثانيةِ تعيَّنت الحقيقة، وإن عنى بهم أصحابَ المرتبةِ الثالثةِ تعيَّن المجاز، ولفظُ الهدايةِ حقيقةٌ في جميع الصور، وأما إن أريد بكونه هدىً لهم تثبـيتُهم على ما هم عليه أو إرشادُهم إلى الزيادة فيه على أن يكون مفهومُها داخلاً في المعنى المستعمل فيه فهو مجازٌ لا محالة، ولفظُ المتقين حقيقةٌ على كل حال، واللامُ متعلقةٌ بهدىً أو بمحذوفٍ وقع صفةً له، أو حالاً منه، ومحلُ (هدى) الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي هو هدى، أو خبرٌ مع لا ريب فيه لذلك الكتاب، أو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ المقدم، كما أشير إليه، أو النصبُ على الحالية من (ذلك) أو من (الكتاب)، والعامل معنى الإشارة، أو من الضمير في (فيه)، والعاملُ ما في الجار والمجرور من معنى الفعل المنفي، كأنه قيل: لم يحصُلْ فيه الريبُ حال كونه هادياً، على أنه قيدٌ للنفي لا للمنفيّ، وحاصلُه انتفاءُ الريبِ فيه حال كونه هادياً، وتنكيرُه للتفخيم، وحملُه على الكتاب إما للمبالغة، كأنه نفسُ الهدى، أو لجعل المصدر بمعنى الفاعل. هذا والذي يستدعيه جزالةُ التنزيلِ في شأن ترتيب هذه الجُمل أن تكون متناسقةً تقرِّرُ اللاحقةُ منها السابقة، ولذلك لم يتخلل بـينها عاطف، فـ(ألم) جملةٌ برأسها على أنها خبرٌ لمبتدأ مضمر، أو طائفةٌ من حروف المُعجم مستقلةٌ بنفسها دالةٌ على أن المتحدَّى به هو المؤلَّفُ من جنس ما يؤلِّفون منه كلامَهم، و(ذلك الكتابُ) جملةٌ ثانيةٌ مقرِّرةٌ لجهة التحدي، لما دلت عليه من كونه منعوتاً بالكمال الفائق، ثم سجل على غاية فضلِه بنفي الريبِ فيه، إذ لا فضلَ أعلى مما للحق واليقين، و(هدى للمتقين) مع ما يقدَّر له من المبتدأ جملةٌ مؤكدةٌ لكونه حقاً لا يحوم حوله شائبةُ شكٍ ما، ودالةٌ على تكميله بعد كمالِه، أو يستتبعُ السابقة منها اللاحقةُ استتباعَ الدليل للمدلول، فإنه لما نبَّه أولاً على إعجاز المتحدَّى به من حيث إنه من جنس كلامِهم، وقد عجَزوا عن معارضته بالمرة، ظهر أنه الكتابُ البالغُ أقصى مراتبِ الكمال، وذلك مستلزمٌ لكونه في غاية النزاهة عن مظنّة الريب، إذ لا أنقصَ مما يعتريه الشك، وما كان كذلك كان لا محالة هدىً للمتقين، وفي كلِّ منها من النُكت الرائقةِ والمزايا الفائقةِ ما لا يخفى جلالةُ شأنه حسبما تحققته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}. قيل: ذلك الكتاب الذى كتبت علىالخلق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق، لا ريب فيه: لا مبدل له. وقيل: ذلك الكتاب الذى كتبت فى قلوب أوليائى من محبتى ومعرفتى فى الرضا بموارد قضائى، والكتاب هو العهد إلى الحبيب وموضع السر، والنبى صلى الله عليه وسلم مشرف على أسرار ما خوطب به، والأولياء والصديقون بعده على حب معرفتهم وحب الكشف لهم عن لطائفه. وقيل: ذلك الكتاب الذى كتبت على نفسى فى الأزل " حديث : إن رحمتى سبقت غضبى " تفسير : وقيل لا ريب فيه: لا شك فيه لمن فتحت سره وزينت قلبه بالفهم عنى، وقيل لا ريب فيه: لمن طهرت سره بنور الاطلاع على لطائف معانيه. قوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. حقاً لأهل المعرفة وزيادة بيان وهدى. وقال سهل: بيان لمن تكبر أمر حوله وقوته. وقال الجنيد رحمه الله: هدىً للمتقين، وصلة للمنقطعين عن الأعيان. وقال أبو يزيد رحمه الله: المتقى من إذا قال: قال لله وإذا عمل عمل لله. وقال الدارانى: المتقون الذين نزع من قلوبهم حب الشهوات.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}. قيل ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وقيل إشارة إلى ما تقدم إنزاله من الخطاب، وقيل ذلك الكتاب الذي وعدْتُك إنزاله عليك يوم الميثاق. لا ريب فيه، فهذا وقت إنزاله. وقيل ذلك الكتاب الذي كتبتُ فيه الرحمةَ على نفسي لأمتك - لا شك فيه، فتحقق بقولي. وقيل الكتاب الذي هو سابق حكمي، وقديم قضائي لمن حكمت له بالسعادة، أو ختمت عليه بالشقاوة لا شك فيه. وقيل (حكمي الذي أخبرت أن رحمتي سبقت على غضبي لا شك فيه). وقيل إشارة إلى ما كتب في قلوب أوليائه من الإيمان والعرفان، والمحبة والإحسان، وإن كتاب الأحباب عزيز على الأحباب، لا سيما عند فقد اللقاء، وبكتاب الأحباب سلوتهم وأنسهم، وفيه شفاؤهم ورَوْحهم، وفي معناه أنشدوا: شعر : وكتْبُكَ حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم تفسير : وأنشدوا: شعر : ورد الكتاب بما أقَرَّ عيوننا وشفى القلوب فَنِلْن غايات المنى وتقاسم الناسُ المسرةَ بينهم قِسَماً وكان أجلهم حَظّاً أنا تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. أي بياناً وحجة، وضياء ومحجة، لمن وقاه الحق سبحانه وتعالى من ظلمات الجهل، وبصَّره بأنوار العقل، واستخلصه بحقائق الوصل. وهذا الكتاب للأولياء شفاء، وعلى الأعداء عمًى وبلاء. المُتَّقي من اتقى رؤية تقاه، ولم يستند إلى تقواه، ولم يَرَ نجاته إلا بفضل مولاه.
البقلي
تفسير : {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} اي ذلك سرّ الذي كُتِمَتُ في الحروف المفُردة للرّبانين والروحانين لا شك فيهوايضاً ذلك الكتابُ الذي كَتَبْتُ في صحائف القدس من رموز لها مّى حتى تقرأ منها ارواح الصديقين في حقائق القرآن لا ريب فيه اى لا معارضة فيما نفهم اسرار العارفين من نفائس الغيب وايضاً ذلك الكتاب اي الذي عَلمتُ ما كان ومايكو ما يفعلُ الخلقُ بعد كونهم لا شك فيه وقيل ذلك الكتاب الذي جرى في سايق علمى ان انزل اليك وقال ابو عثمن ذلك الكتابُ الذي خاطبتُ به خواص اوليائى واحابئ امرتُهُم فيه ونهيتُهُمْ فيه فمنهم من تقرب الى بقراءته ومنهم من تقرب الىّ بفهمه ومنهم من تقرب الىّ بالاوامر فيه فلكل احد من عبادى فيه حَظُّ عام وخاصُ وقيل ذلك الكتاب الذي جرى في اسبق علمى كتبتُ في قولب وليائى من محبّتي ومعرفتي ورضائي وقيل ذلك الكتاب الذي كتبُ على نفسى في الازل ان رحمت سَبَقت غضبى والكتاب اسرار الحبيب الى المحبيب فكل واحد مشرّف على ما خوطب بقدر معرفته وحسب كشف لطائف الخطاب له وقيل ذلك الكتاب اشارةٌ الى ما تقَدَم من الكتاب وقيل خطاب الاحباب عزيزٌ على الاحباب لاسيّما عندَ فقُدِ اللقاء وبكتبا الاحباب سلوتهم وانسُتُهم وفيه شفاؤهم ورَوُحهم وان الله تعالى انزل كتابه على خواصّ الانبياء ليستقيموا في طلب الرّغائب ويصبروا في نزول النّوائب ويتطابو بخطابه تسليّاً من فقدان لقائه {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اي لاتُهْمَةَ فيما كشفت لاسرار الابنياء والاولياء من لطائق خطابى وغرائب اسرارى وايضا لا معارضة للنفس فيما عاينْتُ الرَّوحَ من سرّ الملكوت وقيل اي لا شكّ في لمن فتحتُ سرّه وزيّنت قلَبهُ بالهم عنّى وقيل لا ريب فيه من طَهّرت سره بنور الاطلاع على الطائف معانيه {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} اي هادياً للعَارفينَ الى نفسى وايضاً اي بياناً عما يبنى وبين عبادى من اسرار الربوبيّة والعبوديَة وايضاً كاشفا عما للاتقياء بياناً عما يبنى وبين عبادى من اسرار الروبيةَ والعبوديَة وايضاً اي كاشفا عما وعَدْ للاتقياء والاصفياء والاولياء وايضاً اي مرشداً للمريدين الى حسن الاداب وهاديَا للمحبين اللا حسن الثواب ومفسر العارفين حقائق الخطاب وقيل كشفا لاهل المعرفة زيادة هدى وبيانٍ قال ابن عطا طريقه لمن اراد قربى وقال سهل بيانا لمن تبرَّا من حوله وقوته والمتقى الذي وصفه الله تعالى الذي عَزَل عن الالوان والحَدَثان تورّعا عن اغواء الشيطان وتخلقاً بخلق الرحمن وقال ابو يزيد المتقى من اذا قال الله واذا عَمِلَ عَمِلَ الله وقال الداراني الذي نزع من قوبهم حب الشهوات وقيل المتقى من اتقى روية تقواهُ ولم يستد الى تقواه ولم يَرَنجانه الا بفضل مولاهُ وقال سهلُ اذا كان هو الهادى فمن يضل في ذلك الطريق الا من سَلكه على التجارُب لا على العارق فَيْصده عن مقصده بشوم تدبيره ويَهلِكه واوفى في أخر القدم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك الكتاب} الم مبتدأ على انه اسم القرآن على احد الوجوه وذلك خبره اشارة الى الكتاب فيكون الكتاب صفة والمراد به الكتاب الكامل الموعود انزاله فى الكتب المتقدمة وانما اشار بذلك الى ما ليس ببعيد لان الكتاب من حيث كونه موعودا فى حكم البعيد قالوا لما انزل الله تعالى على موسى التوراة وهى الف سورة كل سورة الف آية قال موسى عليه السلام يا رب ومن يطيق قراءة هذا الكتاب وحفظه فقال تعالى اني أنزل كتاباً أعظم من هذا قال على من يا رب قال على خاتم النبيين قال وكيف تقرؤه امته ولهم اعمار قصيرة قال انى ايسره عليهم حتى يقرؤه صبيانهم قال يا رب وكيف تفعل قال إني انزلت من السماء الى الارض مائة وثلاثة كتب خمسين على شيت وثلاثين على ادريس قال وعشرين على ابراهيم والتوراة عليك والزبور على داود والانجيل على عيسى وذكرت الكائنات فى هذه الكتب فأذكر جميع معانى هذه الكتب فى كتاب محمد واجمع ذلك كله فى مائة واربع عشرة سورة واجعل هذه السور فى ثلاثين جزأ والأجزاء فى سبعة اسباع ومعنى هذه الاسباع فى سبع آيات الفاتحة ثم معانها فى سبعة احرف وهى بسم الله ثم ذلك كله فى الألف من الم ثم افتتح سورة البقرة فاقول الم ولما وعد الله ذلك فى التوراة وانزله على محمد عليه السلام جحدت اليهود لعنهم الله ان يكون هذا ذلك فقال تعالى ذلك الكتاب كما فى تفسير التيسير ولهذه الآية وجوه اخر من الاعراب ذكرت فى التفاسير فلتطلب ثمة {لا ريب} كائن{فيه} فقوله ريب اسم لا وفيه خبرها وهو فى الاصل من رابنى الشئ اذا حصل فيك الريبة وهى قلق النفس واضطرابها سمى به الشك لانه يقلق النفس ويزيل الطمأنينية وفى الحديث "حديث : دع ما يريبك الى ما لا يريبك ". تفسير : فان الشك ريبة والصدق طمأنينة ومنه ريب الزمان لنوائبه * وفى التفسير المسمى بالتيسير الريب شك فيه خوف وهو اخص من الشك فكل ريب شك وليس كل شك ريبا والشك هو التردد بين النقيضين لا ترجيح لاحدهما على الآخر عند الشاك ولم يقدم الظرف على الريب لئلا يذهب الفهم الى ان كتابا آخر فيه الريب لا فيه. فان قلت الكفار شكوا فيه فلم يقروا بكتاب الله تعالى والمبتدعون من اهل القبلة شكوا فى معانى متشابهه فاجروها على ظاهرها وضلوا بها والعلماء شكوا فى وجوهه فلم يقطعوا القول على وجه منها والعوام شكوا فيه فلم يفهموا معانيه فما معنى نفى الريب عنه. فالجواب ان هذا نفى الريب عن الكتاب لاعن الناس والكتاب موصوف بانه لا يتمكن فيه ريب فهو حق صدق معلوم ومفهوم شك فيه الناس او لم يكشو كالصدق صدق فى نفسه وان وصفه الناس بالكذب والكذب كذب وان وصفه الناس بالصدق فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب او يتمكن فيه عيب ويجوز ان يكون خبرا فى معنى الامر ومعناه لا ترتابوا كقوله تعالى {أية : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج}تفسير : [البقرة: 197] المعنى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا كما فى الوسيط والعيون{هدى} اى هو رشد وبيان {للمتقين} اى للضالين المشارفين التقوى الصائرين اليها ومثله حديث "حديث : من قتل قتيلا فله سلبه ". تفسير : وفى تفسير الارشاداى المتصفين بالتقوى حالا او مآلا وتخصيص الهدى بهم لما انهم المقتبسون من انواره المنتفعون بآثاره وان كان ذلك شاملا لكل ناظر من مؤمن وكافر وبذلك الاعتبار قال تعالى {هدى للناس} اى كلهم بيانا وهدى للمتقين على الخصوص ارشادا * قال فى التيسير وكذلك يقال فى كل من انتفع بشئ دون غيره انه لك على الخصوص اى انت المنتفع به وحدك وليس فى كون بعض الناس لم يهتدوا ما يخرجه من ان يكون هدى فالشمس شمس وان لم يرها الضرير والعسل عسل وان لم يجد طعمه المرور والمسك مسك وان لم يدرك طيبه المأنوف فالخيبة كل الخيبة لمن عطش والبحر زاخر وبقى فى الظلمة والبدر زاهر وخبث والطيب حاضر وذوى والروض ناظر والحسرة كل الحسرة لمن عصى وفسق والقرآن ناه آمر وفارق الرغبة والرهبة والوعد متواتر والوعيد متظاهر ولذلك قال تعالى {أية : وإِنه لحسرة على الكافرين}. تفسير : والمتقى اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية وهى فرط الصيانة قال البغوى هو مأخوذ من الاتقاء واضله الحاجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه اى جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده وفى الحديث كنا اذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم اى اذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو فكان المتقى يجعل امتثال امر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. والتقوى فى عرف الشرع عبارة عن كمال التوقى عما يضره فى الآخرة وله ثلاث مراتب الاولى التوقى عن العذاب المخلد بالتبرى من الكفر وعليه قوله تعالى {أية : وألزمهم كلمة التقوى}تفسير : [الفتح :26]. والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل او ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى فى الشرع وهو المعنى بقوله تعالى {أية : ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا}تفسير : [الأعراف:96]. والثالثة ان يتنزه عما يشغل سره عن الحق عز وجل ويتبتل اليه بكليته وهو التقوى الحقيقة المأمور بها فى قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران:102]. اقصى مراتب هذا النوع من التقوى ما انتهى اليه همم الانبياء عليهم السلام حيث جمعوا رياستى النبوة والولاية وما عاقهم التعلق بعالم الاشباح عن العروج الى عالم الارواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق فى شؤن الحق لكمال استعداد نفسوهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية. وهداية الكتاب المبين شاملة لا رباب هذه المراتب اجمعين فهداية العام بالاسلام وهداية الخاص بالايقان والاحسان وهداية الاخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان. وفى التأويلات النجمية المتقون هم الذين اوفوا بعهد الله من بعد ميثاقه ووصلوا به ما امر الله ان يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرا وباطنا يدل على هذا قوله تعالى {أية : وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم}تفسير : [البقرة: 40] الى قوله {أية : وإياى فاتقون}تفسير : [ البقرة:42]. اى اذا انتم اقررتم بربوبيتى بقولكم بلى يوم الميثاق اوفوا بعهدى الذى عاهدتمونى عليه وهو العبودية الخالصَة لي أوف بعهدكم الذي عاهدتكم عليه وهو الهداية الى. وفى الرسالة القشيرية والمتقى مثل ابن سيرين كان له اربعون حباً سمناً فاخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أى حب اخرجتها فقال لا ادرى فصبها كلها. ومثل ابى يزيد البسطامى اشترى بهمذان جانبا من حب القرطم فلما رجع الى بسطام رأى فيه نملتين فرجع الى همذان ووضع النملتين – وحكى – ان ابا حنيفة رحمه الله كان لا يجلس فى ظل شجرة غريمه ويقول فى الخبر "كل قرض جر نفعها فهو ربا" وقيل ان ابا يزيد غسل ثوبه فى الصحراء مع صاحب له فقال له نعلق الثوب فى جدار الكروم فقال لا نضرب الوتد فى جدار الناس فقال نعلقه فى الشجر فقال انه يكسر الاغصان فقال نبسطه على الارض فقال انه علف الدواب لا نستره عنها فولى ظهره حتى جف جانب ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.
ابن عجيبة
تفسير : {ذّلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ... } قلت: الريب: تحرُّك القلب واضطرابه بالشكوك والأوهام، وتقابله الطمأنينة بالسكون إلى الحق على الدوام. يقول الحقّ جلَ جلاله: يا أيها الرسول المصطفى والنبيّ المجتبى {ذَلِكَ الْكِتَابُ} الذي أنزلناه عليه من جبروت قدسنا وملكوت عزِّنا {لا رَيْبَ فِيهِ} أنه من عندنا. فمن ارتاب فيه، أو نسبه إلى غيرنا، فقد استحق البعد من ساحة رحمتنا، وحلّت عليه شدائد نقمتنا، ومن تحقق به أنه من لدنا، وآمن بمن جاء به من عندنا، فقد استحق دخول حضرة قدسنا حتى يسمع منا ويتكلم بنا، فإذا أحببته كنت له، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يتكلم... الحديث. فيكون من الصديقين المقربين مع النبيين والمرسلين، وكان في ذروة درجات المتقين، الذين يهتدون بهدي القرآن المبين، كما أشار إلى ذلك بقوله: {... هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ} قلت: {هدى} خبر عن مبتدأ مضمر، أو مبتدأ بتقديم الخبر. أي: هو هاد للمتقين، أو فيه الهدى لهم. والهدى: هو الإرشاد والبيان، ومعناه: الدلالة الموصلة إلى الحق. والمتقي: من جعل بينه وبين مقت الله وقاية، وله ثلاث درجات: * حفظ الجوارح من المخالفات، * وحفظ القلوب من المساوئ والهفوات، * وحفظ السرائر من الوقوف مع المحسوسات، فالأولى لمقام الإسلام، وإليه توجه الخطاب بقوله: {أية : فَاتَقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التّغَابُن: 16]، والثانية لمقام الإيمان، وإليه توجه الخطاب بقوله: {أية : فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِي الأَلْبَابِ}تفسير : [المَائدة: 100]، والثالثة لمقام الإحسان، وإليه توجه الخطاب بقوله: {أية : اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عِمرَان: 102]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذَلِكَ الكِتَابُ} الذي لا يقرب ساحتَه شكٍّ ولا ارتياب، هو عين الهداية لأهل التقى من ذوي الألباب، فلا يزالون يَتَرَقَّوْنَ به في المقامات والأحوال حتى يسمعوه من الكبير المتعال، بلا واسطة تبليغ ولا إرسال، قد انمحت في حقهم الرسوم والأشكال، وهذه غاية الهداية، وتحقيق سابق العناية. قال جعفر الصادق: (والله لقد تجلّى الله تعالى لخلقه في كلامه ولكن لا يشعرون). وقال أيضاً - وقد سألوه عن حالة لحقَته في الصلاة حتى خرّ مغشيّاً عليه، فلما سُرِّيَ عنه، قيل له في ذلك فقال: (ما زلت أرددت الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته). فدرجات القراءة ثلاث: أدناها: أن يقرأ العبد كانه يقرأ على الله تعالى واقفاً بين يديه، وهو ناظر له ومستمع منه، فيكون حاله السؤال والتملق والتضرّع والابتهال. والثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله تعالى يخاطبه بألفاظه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم، والإصغاء والفهم. والثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، بل يكون فانيّا عن نفسه، غائباً في شهود ربه، لم يبق له عن نفسه إخبار ولا مع غير الله قرار. فالأولى لأهل الفناء في الأفعال، والثانية لأهل الفناء في الصفات، والثالثة لأهل الفناء في شهود الذات، رضي الله عنهم، وحشرنا على منهاجهم... آمين.
الطوسي
تفسير : ذلكَ الكتابُ هذه لفظة يشار بها إلى ما قرب، وذلك إلى ما بعد، وذاك إلى ما بينهما ويحتمل أن يكون معنى ذلك ها هنا هذا؛ على قول عكرمة وجماعة من أهل العربية كالاخفش وأبي عبيدة وغيرهما؛ قال: شعر : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافاً انني أنا ذلكا تفسير : أي انني انا هذا. وقال تعالى ذلك عالم الغيب والشهادة، وهو موجود في الحال وانما جاز أن يستعمل هذا، وهي اشارة إلى حاضر، بمعنى ذلك وهي اشارة إلى غايب لأنه كالحاضر عند الغايب. ألا ترى ان الرجل يحدث حديثاً فيقول السامع هذا كما قلت وربما قال ان ذلك كما قلت وانما جاز ذلك لقرب جوابه من كلام المخبر، وكذلك لما قال تعالى {آلم} وذكرنا معنى ذلك، قال لنبيه: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته، ذلك الكتاب. فلذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا، إلا أنه اشارة إلى ما مضى. وقال قوم: ان معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى كما قال الذين اتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم يعني: هذا ذلك الكتاب. وقال قوم: انما اشار إلى ما كان نزل من القرآن بمكة من السور فقال ذلك، والأول اقوى لأنه اشبه باقوال المفسرين. واما من حمل ذلك على انه اشار به إلى التوراة والانجيل فقد ابطل لأنه وصفه بانه لا ريب فيه وانه هدى للمتقين، ووصف ما في ايديهم بانه مغير محرّف في قوله: {أية : يحرفون الكلم عن مواضعه} تفسير : قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ: القراءة ـ قرأ ابن كثير بوصل الهاء بياء في اللفظ، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فان كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو. ووافقه حفص في قوله: فيه مهانا. ووافقه المنسى في قوله: واشركه في أمري. ووافقه قتيبة في قوله: فملاقيه وسأصليه. فمن كسر الهاء مع ان الأصل الضمة فلأجل الياء والكسرة اللتين قبلها. والهاء تشبه الألف لأنها من حروف الحلق ولما فيها من الخفاء: فكما نحوا بالألف نحو الياء بالامالة لأجل الكسرة والياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء لتتجانس الصورتان، وذلك حسن وتركوا الاشباع كراهية اجتماع المقاربة كما كرهوا اجتماع الامثال، ومن أشبع وأتبعها الياء، فان الهاء وإن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من ان تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها نحو الراء والصاد وان الهاء والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والصاد وان كان في الراء تكرير وفي الصاد استطالة، فاذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها المعنى: ومعنى لا ريب فيه، أي لا شك فيه. والريب الشك، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والسدي وغيرهم. وقيل: هو أشد الشك وهو مصدر رابني الشيء يريبني قال ساعدة بن جويه الهذلي: شعر : وقالوا تركن الحي قد حصروا به فلا ريب ان قد كان ثم لحيم تفسير : أي أطافوا به واللحيم القتيل، يقال لحم اذا قتل والهاء فيه عائدة على الكتاب ويحتمل ان يكون لا ريب فيه خبراً، والمعنى انه حق في نفسه، ولا يكون المراد به انه لا يقع فيه ريب لأن من المعلوم أن الريب واقع فيه من الكفار وفي صحته ويجري ذلك مجرى الخبر اذا كان مخبره على ما هو به في أنه يكون صدقا وان كذبه قوم ولم يصدقوه. ويحتمل أن يكون معناه الأمر أي تيقنوه ولا ترتابوا فيه قوله تعالى: هُدىً لِلمتقِينَ المعنى: معناه نور وضياء ودلالة للمتقين من الضلالة وانما خص المتقين بذلك وان كان هدى لغيرهم من حيث انهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به كما قال: {أية : إنما تنذر من اتبع الذكر }تفسير : وان كان انذر من لم يتبع الذكر ويقول القائل: في هذا الأمر موعظة لي اولك وان كان فيه موعظة لغيرهما. ويقال هديت فلانا الطريق اذا ارشدته ودللته عليه، أهديه هداية الاعراب: ويحتمل ان يكون منصوبا على الحال من الكتاب وتقديره ذلك الكتاب هاديا للمتقين وذلك يكون مرفوعاً بآلم. والكتاب نعت لذلك، ويحتمل ان يكون حالا من الهاء في (فيه)، كأنه قال: لا ريب فيه هاديا ويحتمل ان يكون رفعاً من وجوه: أولها ـ ان يكون خبراً بعد خبر كأنه قال: هذا كتاب هدى أي قد جمع انه الكتاب الذي وعدوا به وانه هدى كما يقولون: هذا حلو حامض يريدون انه قد جمع الطعمين. ويحتمل ان يكون رفعاً بانه خبر ابتداء محذوف وتقديره هو هدى لأن الكلام الأول قد تم ويحتمل ان يكون رفعه على قولك ذلك الكتاب لا ريب كأنك قلت: هذا الكتاب حق لأن لا شك بمعنى حق. ثم قال بعد ذلك فيه هدى للمتقين. وهدى يذكر في جميع اللغات وحكي عن بعض بني اسد هذه هدى حسنة تدغم النون في اللام عند الاكثر (والمتقين) مجرور باللام والمتقي هو الذي يتقي بصالح اعماله عذاب الله مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزاً بينه وبينه كما قال ابو حية النميري: شعر : والقت قناعاً دونه الشمس واتقت باحسن موصولين كف ومعصم تفسير : وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا ما حرم عليهم وفعلوا ما وجب عليهم. وقيل ان المتقين هم الذين يرجون رحمة الله ويحذرون عقابه. وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا الوجه ضعيف لأنه يلزم عليه وصف الفاسق المتهتك بانه متق اذا كان برياً من الشرك والنفاق. وأصل الاتقاء الحجز بين الشيئين ومنه اتقاه بالترس لأنه جعله حاجزاً بينه وبينه واتقاه بحق كذلك ومنه الوقاية لأنها تحجز بين الرأس والاذى. ومن التقية في اظهار خلاف الابطان. والفرق بينه وبين النفاق: ان المنافق يظهر الخير ويبطن الشر، والمتقي يظهر القبيح ويبطن الحسن. ويقال وقاه يقيه وقاية وتوقاه توقياً.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قوله جل اسمه: ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ "ذلك" اسم مبهم يُشار به الى البعيد، فإن كان اشارة الى ما في اللوح المحفوظ أو الى القرآن باعتبار كونه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا}تفسير : [الزخرف:4] سواء كان الۤمۤ اسماً للقرآن أو السورة، أو مقسَما به، كما اخترناه، فيكون إشارة الى البعيد ما هو الرسم. وأما إذا جعل إشارة الى الۤمۤ وأوّل بالمؤلَّف من هذه الحروف، أو فُسِّر بالسورة، أو القرآن الموجود بين أظهرنا، ففي الإشارة الى القريب الحاضر بما يُشار الى البعيد الغائب لا بدّ من وجه. وقد ذكروا فيه وجوها: أحدها: إنّه وقعت الإشارة الى الۤمۤ بعدما سبق التكلّم به وتقضّى والمقتضّي في حكم المتباعد. وثانيها: إنّه لمّا وصَل من المرسِل الى المرسَل إليه وقع في حد البُعد عنه. وثالثها: إنّ القرآن وإن كان حاضراً الى ظاهره وصورته، لكنّه غائب نظراً إلى أسراره ومعانيه، لاشتماله على علومٍ عظيمة وحِكَم كثيرة يتعسّر اطّلاع القوّة البشريّة عليها، يل يتعذّر في هذه النشأة فيجوز أن يشار إليه كما يشار الى البعيد الغائب. ورابعها: إنّ الله تعالى وعَد رسولَه (صلّى الله عليه وآله) عند مبعثه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، وهو (صلّى الله عليه وآله) أخبَر أمّته بذلك، ويؤيّده قوله: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل:5] في سورة المزمّل وهي إنّما نزلَت في ابتداء المبعث. وخامسها: إنّه تعالى خاطَب بني إسرائيل؛ لأن سورة البقرة مدنيّة، وأكثرها احتجاج على اليهود، وقد كانت بنو اسرائيل أخبرهم موسى وعيسى (عليهما السلام) أنّ الله يرسل محمداً (صلّى الله عليه وآله) وينزّل عليه كتاباً، فقال تعالى: {ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ}، أي الذي أخبر به الأنبياء المتقدّمون أنّ الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل. وسادسها: ما قاله الأصمّ: إنّ الله تعالى أنزل الكتاب بعضَه بعد بعض، فنَزل قبل سورة البقرة سوَر كثيرة، وهي كلّ ما نزل بمكّة ممّا فيه الدلالة على التوحيد وعلْم المعاد، وعلم النفس، وإثبات النبوّة، وأحوال الملائكة والجنّ، وعلْم السماء والعالَم وغير ذلك. فقوله "ذَلِكَ" إشارة الى تلك السوَر والآيات التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمّى بعض القرآنِ قرآناً كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} تفسير : [الأعراف:204] وقال تعالى: حاكياً عن الجن: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} تفسير : [الأحقاف: 30] وهم ما سمعوا إلاّ البعض. واعلم أنّ أصل ذلك وهذا "ذا" وهي كلمة إشارة زيدت الكاف عليها للخطاب، واللاّم للتوكيد، والهاء للتنبيه، فأصلهما واحد، فإذا قَرُب الشيء أُشير إليه فقيل: "هذا" اى تنبّهْ أيّها المخاطَب، فيشبه أن يكون دلالة ذلك على البعيد عُرفاً طارياً على أصل الوضع للقرينة التي ذكرناها. و"الكتاب" أصله: الكَتْب. وهو الجمع، ومنه "الكتيبة" للجند لانضمام بعضهم الى بعض، وهو مصدرٌ بمعنى المكتوب، كالحساب، وقيل: سمّي به المفعول مبالغةً ثمّ عبّر عن المنظوم لفظاً قبل أن يكتب، لأنه مما يكتب، كما يقال للمكتوب: كلام، باعتبار انّه ما كان قبل الكتابة. وقد مر في المفاتيح إنّهما واحد بالذات مختلفان بالإضافة وهو اسمٌ للقرآن وله أسماء كثيرة: الكتاب، والقرآن، والفرقان والذكر: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف:44]. والتذكرة: {أية : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الحاقة:48]. والذكرىٰ: {أية : فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات:55]. والتنزيل: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء:192]. والحديث: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر:23]. والموعظة: {أية : قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [يونس:57]. والشفاء: {أية : وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [يونس:57]. والحكم: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} تفسير : [الرعد:37]. والحكمة: {أية : حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} تفسير : [القمر:5]. والحكيم: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس:1 - 2]. والحبل: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [آل عمران: 103]. والروح: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى:52]. والبرهان: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [النساء:174]. والكريم: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} تفسير : [الواقعة:77 - 78] والعظيم: {أية : آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تفسير : [الحجر:87]. والفصل: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} تفسير : [الطارق:13]. والهدى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (2). والمهيمن: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة:48]. وغير ذلك كثيرٌ كما يظهر بالمراجعة إلى القرآن. فصل في اتّصال قوله: {الۤمۤ}، بقوله: {ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ}، قال صاحب الكشّاف: إن جعلت الۤمۤ اسماً للسورة، ففي التأليف وجوهٌ: أن يكون الۤمۤ مبتدءاً وذلك متبدءاً ثانيا؛ والكتاب خبره، والجملة خبر المبتدإ الأول. ومعناه: إنّ ذلك هو الكتابُ الكامل، كأنّ ما عداه من الكُتب في مقابلته ناقص، وانّه الذي يستأهل أن يسمّى كتاباً، كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجوليّة، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيّات الخصال. وأن يكون الكتاب صفة، ومعناه: "هو ذلك الكتاب الموعود"، وأن يكون "الۤمۤ" خبر مبتدإ محذوف، أي: "هذه الۤمۤ}ويكون "ذلك" خبراً ثانياً، أو بدلاً على أن يكون "الكتاب" صفة. وأن يكون "هذه الۤمۤ " جملة، و"ذلك الكتاب" جملة أخرى وإن جعلت الۤمۤ بمنزلة الصوت، كان ذلك بمتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، او "الكتاب" صفته والخبر ما بعده. أو قدر مبتدأ محذوف، أي هو يعني المؤلَّف من هذه الحروف ذلك الكتاب. وقرأ عبد الله الۤمۤ تنزيل الكتاب لا ريب فيه، وتأليف هذا ظاهرٌ، انتهى كلامه. وعلى ما اخترناه من كون "الۤمۤ جملة قَسَمية إما أن يكون "ذلك" مبتدأ و"الكتاب" خبره، أو عطف بيان، أو صفة له، أو بدل منه، و "لا ريب فيه" جملة في مضوع الخبر، والمعنى أُقسِم بالله ذي الخلق والأمر انّ ذلك الكتاب هو الكتاب الذي لا ريب فيه، لأنّ علومه برهانيّات لا يعتريها تبديل وتغيير ولا نسخ وتحريف، ومقدّماتها يقينيّات لا يشوبها شكّ وشبهة ولا يشوّشها وهمٌ ورَيبٌ. وأما جعل "لا ريب" فيه في موضع الحال، وعاملها إسم الإشارة، وجعل "هدىً" خبراً عن ذلك الكتاب، فلا يخلو عن بُعد. فصل الرَّيب: قريب من الشكّ، وفيه زيادةٌ، كأنه ظنّ بشيء، تقول: رابَني أمر فلان، إذا طننتَ به. ومنه قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : دعْ ما يُريبكَ الى ما لا يُريبك . تفسير : وأما قولهم: رَيبُ الأمر، ورَيبُ الزمان لحوادثه، كقوله تعالى: {أية : نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} تفسير : [الطور:30]، وقول الشاعر: شعر : قَضينا من تهامةَ كلَّ ريب وخيبرَ ثمَّ أجمعنا السيُوفا تفسير : في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ وقلَق النفس واضطرابها، فهما يرجعان أيضاً إلى معنى الشكّ، لأن الشكّ ريبة، والعلْم طمأنينة، وما يخاف به من ريب المنون أمرٌ محتمل فهو كالمشكوك فيه. وكذلك ما اختلج فيه القلْب وتعلقت به النفس فهو غير مستيقن. أقول: إعلم أنّ الإمكان والشكّ يجريان مجرى واحداً، كما انّ الوجوب والعَلْم اليقيني يجريان مجرى واحداً، إلاّ أن الأولين حال الوجود العيني، والأخيرين حال الوجود العلمي، وإذا كان الموجود عين المعلوم، فقد كان الوجوب عين العلم، كما في علم الباري بذاته، وبالأمور الصادرة عن ذاته من جهة علمه بذاته. وكذلك قد يكون الإمكان عين الشكّ، كما في إدراكنا الأشياء المحسوسة والمتغيّرة، فقوله لاَ رَيَب فيه، المراد منه نفي كونه مظنّة الريب بوجه من الوجوه - لكونه من العقليّات الدائمة الموجودة في عِلْم الله وفي اللوح المحفوظ - من التغيّر والنسخ، وسائر الكتب ليست كذلك، لأنّها ككتاب المحْوِ والإثبات قابلة للنسخ والتبديل. وإنّما قلنا "لا ريب فيه" يراد منه نفي الريب بالكليّة، لأن "لا" نفي لماهية الريب وجنسها، ونفي الماهية يقتضي نفي كلّ فرد من أفرادها، لأنه لو ثَبت فردٌ من أفرادها، لثبَتت الماهية معه، وذلك يناقض نفيَها بالكليّة. ولهذا السرّ كان قولنا: لا إلٰه إلاّ الله، نفياً لجميع الآلهة سوى الله. وأمّا قراءة "لا ريبٌ فيه" بالرفع، نقيض قولنا: ريبٌ فيه، كما قرأها ابو الشعثاء، فذلك النفي لا يوجب انتفاء جميع الأفراد، لأنّه ليس لنفي الماهية، بل لنفي فرد من الأفراد، وهو لا ينافي ثبوت فرد آخر. واعلم أنّه إذا جعل "ذلك الكتاب" إشارة الى القرآن الحاضر عندنا، فيكون معنى "لا ريب فيه": أنّه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل بعد إمعان النظر الصحيح والفكر السليم في كونه وَحياً من عند الله، بالِغاً حدّ الإعجاز، لا انّ أحداً لا يرتاب فيه، فليس المراد نفي الريب على سبيل الاستغراق فيه، إذ كم من مرتاب فيه. بل المراد نفي كونه مظنّة للريب ومتعلّقاً له. ألا ترى الى قوله: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}تفسير : [البقرة:23] الآية، فإنّه ما أبعدَ وجود الريب عنهم، بل بيّن لهم الطريق الى أزاحة ذلك عن أذهانهم، وهو أن يجتهدُوا ويجرّبوا نفوس أمثالهم في معارضة نجْم من نجومه، وهم أمراء الكلام وزُعماء المحاورة، ويبذلوا غاية جهدهم في مقابلة سورة من سوره، وهم فُرسان اللسان والمُتهالِكون على الافتنان في القصائد والرجَز، حتّى إذا عجَزوا عنها تحقّق لهم أن ليس في كونه بالغاً من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بذّت بلاغة كل ناطق، وشقّت غبار كلّ سابق، محالٌ للشبهة ولا مدخل للريبة. ليعلموا أنّه لم يتجاوز الحدّ الخارج من قول الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح عيون البصراء، إلاّ لأنّه ليس بكلام البشَر، وأنّه كلام خالِق القُوى والقدَر. وقيل: معناه: لا ريب فيه للمتقين، و"هدى" حال من الضمير المجرور، والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي. أقول: وهذا كقولك لمن يباحثك في مقدّمة علميّة: ما قلته لك أمرٌ بديهي عند من يهتدي به من العقول الصحيحة والقلوب السليمة. وأما النكتة في تقدير "الريب" ها هنا على الظرف، وتأخير "الغَول" عنه في قوله: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات:47]، فهي أنّ الأهمّ ها هنا نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب، لأوهم أنّ هناك كتاباً آخر حصل فيه الريب، كما قصد في قوله: لاَ فيهَا غَولٌ، تفضيل خمر الجنّة على خمور الدنيا بأنّها لا تغتال العقول كما يغتال خمر الدنيا. تنبيه الوقف على "فيه" هو المشهور، وعن نافع وعاصم انّهما وقَفا على "ريب" ولا بدّ لهما أن ينويا خبراً، ونظيره قولك: لا ضَيْرَ ولا بأس. فالتقدير: لا ريب فيه؛ فيه هدى. قيل: إنّ القراءة المشهورة أَوْلىٰ، لأنّ كون الكتاب نفسه هدىً أَوْلىٰ من أن يكون فيه هدى، وأوفق لما تكرّر في تسمية القرآن من أنّه نورٌ وهُدى. قوله جل اسمه: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ إعلم أنّه من جملة الأوصاف التي امتاز بها القرآن عن سائر الكتب النازلة على الأنبياء السابقين - صلوات الله على نبيّنا وعليهم اجمعين - أنّ القرآن نفسَه هُدىً ونورٌ، لأنّ المراد منهما، الحاصل بالمصدر، وسائر الكتب فيها هدىً ونور، كما في قوله تعالى: {أية : أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} تفسير : [المائدة:44]. وقال في حقّ القرآن: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ} تفسير : [المائدة:15]. وقال: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ} تفسير : [الشورى:52]. وأمّا قوله: {أية : وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران:3 - 4]. فليس فيه نصوصيّة على كونها هدى، لاحتمال أن يكون "هدىً" حالاً من ضمير "أنزل". وكذا قوله: {أية : قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام:91]. لاحتمال كونه حالاً من فاعل أنزَلَ أو جَاءَ. والفرق الآخر، أنّ القرآن هدىً للمتقين، لم يكاشف بأسراره عند تجلّي أنواره إلاّ الخواصّ والمقرّبون من عباده، وهم المحبوبون وأهل المشيّة الإلٰهيّة كما قال: {أية : نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى:52]. وأمّا سائر الكتب فيشارك في هداها الجمهور من الناس لقوله: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة:185]. والقرآن أيضاً لاشتماله على الكتاب لما قد مرّ أنّه كلام وكتاب جميعاً، يشارك في هداه الناس، وكذا قال تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ} تفسير : [البقرة:185]. وقد مرّ في المفاتيح نظير هذا المرام. والهُدىٰ في الأصل مصدرٌ على وزن فُعّل كالسُرىٰ والبكا، ومعناه الدلالة. وقيل: بل الدلالة الموصِلةِ الى المطلوب. والكلام من الجانبين مذكور والانتقاض بالآيتين مشهور. قال صاحب الكشّاف: هو الدلالة الموصِلة الى البُغية، واستدلّ عليه بوجوه ثلاثة: بوقوع الضلالة في مقابله، قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة:16]. وقال: {أية : لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ:24]. وبأنّه يقال "مهدي" في موضع المدح كمهتدي. ولو لم يكن من شرطه الايصال، لم يكن الوصف بالهُدىٰ مدحاً لأحد، لاحتمال انّه هُديَ فلم يهتد، وبأن "اهتدى" مطاوع "هدىٰ"، ولن يكون المطاوع على خلاف معنى أصله، كما يقال: كَسَرتُه فانكَسَر، وغمَمته فاغتمَّ. والجواب عن الأول: إنّ الفرق بين الهُدىٰ والاهتداء معلومٌ، فمقابل الهُدىٰ الإضلال، لا الضلال. وعن الثاني: المنتفِعُ بالهُدىٰ يسمّىٰ مَهديّاً، لأن الوسيلة إذا لم تُفْضِ إلى المقصود، كانت نازلة منزلة المعدوم. وعن الثالث: بالنقض، فإنّ الإيتمار مطاوع للأمر، يقال: امرتُه فأتَمَر، وليس من شرط الأمر حصول الايتمار. وبالمعارضة بقولك: هَديتُه فلم يهتَدِ. تحقيق فيه اشارة [الهداية وكون القرآن هدى] واعلم أنّ أفاعيل المبادي الذاتيّة والعوالي الفعّالة، وإن كانت من قبلها عامّة تامّة لازمة الآثار والنتائج ليست فيها شائبة قوّة ونقص وفتور، إلا أنّها قد يتخلّف عنها الأثر والنتيجة لا لقصور من جانب الفاعل وعدم تماميّة وكماليّة، بل لضعف القابل، أو لسوء استعداده، أو انحرافه عن جهة القبول. ومنها الهداية، كإنزال القرآن ونحوه من الله والقرآن عين الهُدىٰ، بمعنى الحاصل بالمصدَر كما مرّ، والله هو الهادي للعباد كلّهم دائماً بالذات، لأنّ شأنه الرحمة والجود، ودأبه إفاضة الخير والوجود على الجميع من غير فتور من قِبَله، إلا انّ القوابل متفاوتةٌ، {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة:26]. إذ المراد من الهداية أو الهدى، ليس مجرد المعنى الإضافي العقلي الذي تَحَقُّقُه فرع تحقّق الطرفين، بل المراد ما به يقعُ الاهتداءُ كالقرآن والنبي (صلّى الله عليه وآله)، وكذا الكلام في نظائره كالنور والعلم والقدرة وأشباهها. فالهداية بهذا المعنى ذاتيّةٌ للقرآن، والإضلال عارضٌ، وهذا كالشمس شأنها التنويرُ والإضاءةُ، ومع هذا قد يحصل من إضاءتِها وتنويرِها في بعض الموادّ ضدّ ذلك كالظُّلمة والسواد. فمَن قال: "إنّ الهُدىٰ معناه الدلالة الموصِلة إلى البغية" أراد به فعْل ما يوجِب الوصولَ إلى المطلوب لمن هو أهله ومستحقّه، ومن تعلّقت المشيّةُ الإلٰهية بحصول السعادة الأخرويّة له، فقوله تعالى مخطاباً لبينه (صلّى الله عليه وآله): {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص:56] بمنزلة قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [الروم:52] وبمنزلة قوله: انَّ الشّمسَ لا تنوِّرُ أبصارَ الخفافيش. وكذا قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصّلت:17]. بمنزلة قولك: شوّقناهم فلم يشتاقوا وعلّمناهم فلم يتعلموا، ليس بمناف لكون الهداية بمعنى الدلالة الموصِلة على ما حقّقناه -. فقوله: {هُدىً لِلْمتَّقين}، معناه إنّهم المهتدون بأنوار الكتاب، والمنتَفِعون بآياته دون غيرِهم، وإن كانت دلالته عامّة لكل ناظرٍ من مسلمٍ وكافرٍ، وصالحٍ وفاجرٍ. وبهذا الاعتبار قال: هُدىً لِلنَّاسِ، أو لأنّه لا ينتفع بالتأمّل فيه والتدبّر في آياته إلا من صَفَتْ صفحَةُ باطِنه وتطهَّر وجْهُ سرّه عن كدورات الأوهام الفاسِدة، والآثام المظلِمة، واستعمله في مطالعة الآيات الإلٰهيّة والأنوار الربّانية، والنظر في المعجزات النبويّة، والعلوم الوهبيّة لأنّه كالغذاء الصالح لحفظ الصحّةِ البدنيّة، فاذا تناولَه البدنُ الذي ليس بالنقيِّ، لا يزيده إلا شرّاً ووبالاً وسقَماً ونكالاً كما قاله بعض الأطباء. وإليه أشار بقوله: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} تفسير : [الإسراء:82]. فصل في التقوى أصله وَقْوىٰ قُلبَت الواوُ تاءً كالتراث أصله وراث، فالأصل في المتّقين: الموتقين، مُفْتَعلين من الوقاية. والاتّقاء في أصل اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال اتّقاه بالتّرس، أي جعله حاجزاً بينه وبينه. والوقاية: فرط الصيانة، سواء كان في أمرٍ دنيويٍّ أو أخرويّ، لكن لمّا وقع المتّقي في عرف الشرع في معرض المدح، فلَن يكون متّقياً إلاّ من اتّقى عمّا يضرّه في الآخرة. وله مراتب ثلاث: إحداها: التوقّي عن العذاب المخلَّد، بالتبرّي عن الشرك والجحود للحقّ والدين، والإنكار للعلم والحكْمة واليقين، وعليه يحمل قوله تعالى {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الفتح:26]. والثانية: الاجتناب عن المآثم والمعاصي في فعْل أو ترك، حتّى الصغائر عند القوم، فرُوي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "حديث : لا يبلُغُ العبدُ درجةَ المتَّقين حتّى يدَع ما لا بأس به حذراً ممّا به بأس"تفسير : ، وهو المعنيُّ بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ} تفسير : [الأعراف:96] الآية. والثالثة: أن ينزّه عما يشغل سرّه عن الحقّ، ويجرّد عما سواه ويتبتل اليه بشَراشِره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران:102]. واعلم أنّ التقوى جاءت في القرآن بمعانٍ كثيرة، كلّها ترجع الى هذه المراتب. فمنها: الإيمان، كقوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} تفسير : [الفتح:26]. أي كلمة التوحيد وقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الحجرات:3]. وفي الشعراء: {أية : قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} تفسير : [الشعراء:11]. أي لا يؤمنون. ومنها: الخشية، كقوله في أول النساء: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [النساء:1]. ومثله في أول الحجّ: و[في] الشعراء: {أية : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} تفسير : [الشعراء:124]. أي ألاَ تَخشون، وكذلك قول هودٌ وصالحٌ. ولوطٌ وشعيبٌ لقومهم. وفي العنكبوت: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ} تفسير : [العنكبوت:16]. يعني: اخشوه. ومنها: التوبة كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ} تفسير : [الأعراف:96] أي تابوا. ومنها: الطاعة كقوله تعالى في النحل: {أية : أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [النحل:2]. وفيه أيضاً: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} تفسير : [النحل:52]. وفي المؤمنون: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [المؤمنون:52]. ومنها: ترك المعصية كقوله: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة:189]. أي ولا تعصوه. ومنها: الإخلاص كَقوله في سورة الحج: {أية : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج:32]. أي من إخلاص القلوب. تنبيه [التقوى في الكتاب والسنّة] إعلم أنّ التقوى كنزٌ عزيزٌ، فلئن ظفرتَ به فكم تجد فيه من جوهرٍ شريف، وعلق نفيسٍ، وخيرٍ كثير، ورزقٍ كريم، وفوزٍ كبير، وغُنْم جسيم، ومُلْكٍ عظيم. وكأنّ خيرات الدنيا والآخرة جُمعت فجُعلت تحت هذه الخصلة الواحدة التي هي التقوى، وكم في القرآن من ذكرِها، وكمْ علّق بها من خيرٍ، وكمْ وُعد عليها من أجرٍ وثوابٍ وكمْ أضاف إليها من السعادة، وسنذكر عدّة من جملها. أولها: المِدْحَة والثناء، قوله: {أية : وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [آل عمران:186]. وثانيها: الحفظ والحراسة من الأعداء، قوله: {أية : وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} تفسير : [آل عمران:120]. وثالثها: التأييد والنصرة، قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} تفسير : [النحل:128]. وقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الجاثية:19]. ورابعها: النجاة من الشدائد، والرزق من الحلال، قوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق:2 - 3]. وخامسها: اصلاح العمل، قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} تفسير : [الأحزاب:70 - 71]. وسادسها: غفران الذنوب، قوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} تفسير : [آل عمران:31]. وسابعها: المحبّة، قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [التوبة:7]. وثامنها: القبول، قوله: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة:27]. وتاسعها: الإكرام والإعزاز، قوله: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات:13]. وعاشرها: البشارة عند الموت، قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [يونس:63 - 64]. وحادي عشرها: النجاة من النار، قوله: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} تفسير : [مريم:72] وقوله: {أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} تفسير : [الليل:17]. وثاني عشرها: الخلود في الجنّة، قوله: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران:133]. فهذه كلّ خيرٍ وسعادةٍ يتعلّق بالتقوى، لكونه من شرائف المقامات القلبية. وعن ابن عباس: قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله): حديث : من أحبَّ أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله، ومن أحبّ أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده . تفسير : وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة. وقال الحسن: التقوى أن لا تختار على الله سوى الله، وتعلمَ أنّ الأمورَ كلّها بيد الله. وقال ابراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجدَ الخلقُ في لسانِك عيباً، ولا الملائكةُ في أعمالك عيباً، ولا مَلَكُ العرش في سرّك عيباً. وقال الواقدي: التقوى أن تُزّين سرَّك للحقِّ، كما زيَّنت طاهرَك للخَلْق. ويقال: التقوى أن لا يراكَ مولاكَ حيث نهاكَ. ويقال: المتّقي من سلّك طريقَ المصطفىٰ، ونبذ الدنيا وراءَ القفا، وكلَّف نفسَه الإخلاصَ والوفاء، واجتنبَ الحرامَ والجفاء. نكتة: لو لم يكن للمتّقين فضلٌ إلا ما في قوله تعالى: {هُدىً لِلمُتَّقينَ}، لكفاهم، لأنّه تعالى قد بيّن انّ القرآن هُدىً للناس في قوله: {أية : أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ} تفسير : [البقرة:185]. ثمّ قال ها هنا في القرآن: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، فهذا يدلّ على أنّ المتقين هم كلّ الناس، فمَن لا يكون متقياً كأنّه ليس بإنسان. وها هنا سؤالات: أحدها: إنّ كون الشيء هدىً ودليلاً لا يختلف لشيء دون شيء؛ فلِماذا جُعِل القرآن هدىً للمتقين؟ وقد سبق تحقيق الجواب. وثانيها: إنّ المتّقي مهتدٍ؛ والمهتدي لا يهتدي ثانياً. فالقرآن لا يكون هدىً للمتقين. والجواب: إنّ المتّقي مهتدٍ بنفس ذلك الهدى، لا بهدىً ثانٍ، كما انّ الموجود موجودٌ بنفس الوجود القائم به حين كونه موجوداً، وتحصيل الحاصل بنفس ذلك التحصيل غير مستحيل، إنما المستحيلُ تحصيل الحاصل بتحصيل آخر، وايجاد الموجود بوجود آخر. وثالثها: كيف وصفَ القرآن كلّه بأنه هدىً، وفيه مجملٌ ومتشابهٌ كثير، ولولا دلالة العقل لما تميّز المحكَم من المتشابه، والمبيَّن من المُجمل، فيكون الهدى في الحقيقة هو العقل لا القرآن، وعن هذا نقل عن علي (عليه السلام)، أنّه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتجْ عليهم بالقرآن فإنّه حمّالٌ ذو وجهين، ولو كان هدىً لما قال (عليه السلام) ذلك، ولأنّا نرى جميعَ فِرق الإسلام يحتجّون به، ونرى القرآن مملوّاً، بعض آياته صريحٌ في الجبر، وبعضها صريحٌ في القدَر، ولا يمكن التوفيق بينهما إلاّ بالتعسّف الشديد، فكيف يكون هدىً؟ والجواب: إنّ ذلك المجمل والمتشابه، لمّا لم ينفك عما هو المراد على التعيين، وهو إمّا دلالة العقل المنوّر بنور القرآن، وإمّا دلالة المبيّن والمحكّم من الآيات، صار كلّه هدى. وأما قوله: "لا يمكن التوفيق بين آيات الجبر وآيات القَدَر إلاّ بالتعسّف الشديد"، فليس كذلك عند مَن هو من أهل القرآن، وهم المتّقون الراسخون في العلم والعرفان. واربعها: كلّما يتوقّف صحة كون القرآن حجةً عليه، لم يكن القرآن هدىً فيه، فاستحال كونُ القرآنِ هدىً في معرفة الله وصفاتِه، ومعرفةِ النبوّة والمعاد، ولا شكّ أنّ هذه أصول المطالب، وهي أشرف العلوم، فإذا لم يكن القرآن فيه هدىً، فكيف جعله الله هدىً على الإطلاق؟ والجواب: إنّ كمال المعرفة بالله ورسله وملكوته والنشأة الآخرة، لا يحصُل إلاّ بالقرآن، وكذا العلم بالشرائع الإلٰهية، وسائر الحقائق النبويّة، لا يُستفاد إلاّ به، والمتوقّف عليه صحّة كون القرآن حجةً هو أصل الاعتقاد بالله واليوم الآخر على وجهٍ يشترك فيه أكثر الناس، ويذعن به أوائل العقول، من غير حاجة الى ممارسة القرآن ومطالعة الآيات. والإيمان بالله واليوم الآخر مرتبةٌ عظيمةٌ ومنزلةٌ شريفةٌ، لا يوجد إلاّ في عرف القرآن وعلمَ آياتِه ومعانيه على وجهٍ تتنوّر به قلوبُ أهل الحقّ، وهو غير الاعتقاد الذي قد يحصل بمجرّد التقليد أو الرواية من غير بصيرة واهتداء، ويشترك أوائل الفِطَر ومبادئ العقول، وأمّا الإيمان الحقيقي، فالمؤمن به يحتاج الى فطرة ثانية، ونور يقذفه الله في قلب مَن يشاء مِن عباده. وخامسها: إنّ الهدى، هو الذي بلغ في البيان والوضوح الى حيث بيَّن غيره، والقرآن ليس كذلك، فإنّ المفسّرين لا يذكرون آية إلاّ وذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة. وما يكون كذلك لا يكون مبيَّناً في نفسه، فضلاً عن أن يكونَ مبيِّناً لغيره، فكيف يكون هدى؟ والجواب: من تكلَّم في التفسير، وشأنه نقل الأقاويل المتعارضة من غير بصيرة يقتدرُ بها على ترجيح واحدٍ منها على الباقي، أو الاطلاع على فهم جديد أعطاه الله من لدنه، فهذا السؤال متوجّهٌ عليه، لا على أهل القرآن من أرباب التأويلات والعلوم الربوبيّات والنبوّات. تتمة في الإعراب: حكَم صاحبُ الكشّاف أولاً أنّ محل "هدى للمتقين" الرفعُ، لأنّه خبر مبتدإ محذوف. أو خبرٌ مع "لا ريب فيه" (لذلك). أو مبتدأ إذا جُعل الظرفُ المقدم خبراً عنه، أو أنّه منصوب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، أو الظرف كما مرّ. ثم أضربَ عن هذا المجال صفحاً، وجعل "الۤمۤ" جملةً برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلّة بنفسها، "وذلك الكتاب" جملةً ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، "وهدىً للمتقين" رابعة، قائلاً: إنّه أرسخُ عِرقاً في البلاغة وموجب حسن النظْم حيث جيء بأربع جمل متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، تعزّز اللاحقة منها السابقة. بيانه: أنّه نبّه أولاً على أنّه الكلام المتحدّىٰ [به]، ثمّ اشير اليه بأنّه الكتابُ المنعوت بغاية الكمال، ثمّ نصّ على كماله بنفي الريب عنه، إذ لا كمال أعلى مما للحقّ واليقين، ولا نقصَ أنقص ممّا للباطل والشبهة. ثمّ اكدّ كونه يقيناً لا يحوم الشكّ حوله، وحقّاً لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلْفه، بأنّه هدىً للمتقين، وبعد أن رتّبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظْم السويّ، حيث تستتبع كلّ واحدة منها ما يليها استتباع الدليل للمدلول، لم يخلُ كلّ واحدة من الأربع من نكتة جزيلة: ففي الأولى: الحذف والرمز الى الغرَض بألطفِ وجه. وفي الثانية: ما في التعريف من الفخامة. وفي الثالثة: تقديم الريب على الظرف حذراً عن ايهام خلاف المقصود. وفي الرابعة: الحذفُ والتوصيفُ للبالغة بالمصدر، وايراده منكّراً للتعظيم، وتخصيصه بالمتّقين باعتبار الغاية، وتسمية المُشارف بالتقوى متّقياً ايجازاً.
الهواري
تفسير : قوله: {ذََلِكَ الْكِتَابُ} أي هذا الكتاب {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه. {هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ} يعني بياناً للمتَّقين الذين يتَّقون الشّرك؛ يهتدون به إلى الجنة. وبلغنا عن ابن مسعود أنه كان يقرأها: (لاَ شَكَّ فِيهِ). {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي: الذين يصدِّقون بالبَعثِ وبالحساب وبالجنة وبالنار، وكل هذا غُيِّب عنهم. قوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}. يقول: ويقيمون الصلواتِ الخمسَ المفروضةَ عليهم، يحافظون على وضوئها ومواقيتها، وركوعها وسجودها على ما سنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في كل صلاة منها. قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} يعني الزَّكاة المفروضة على ما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والفضة، والإِبل والبقر والغنم، والبر والشعير، والتمر والزبيب. وفي قول الحسن وغيره من أصحابنا: وما سوى ذلك فليس فيه زكاة حتى يُباع فتكون فيه زكاة الأموال، يُزكِّيه مع ماله إِذا زكَّى إن كان له مال. وبعض أصحابنا يجعل الذُّرة مع البر والشعير. وقد فسَّرنا ذلك في أحاديث الزكاة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : السنة سنتان، وما سوى ذلك فريضة: سنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة .
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}: اسم الإشارة مبتدأ و{الكِتَابُ} نعته أو بدله أو عطف بيان له، وجملة {لاَ رَيْبَ فِيهِ} من لا واسمها وخبرها خبر المبتدأ، او اسم الإشارة مبتدأ خبره {الكتاب} وجملة {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبر ثان أو حال من الكتاب أو مستأنفة، أو اسم الإشارة مبتدأ خبره {هُدىً} و{الكِتَابُ} (نعت أو بيان أو بدل، وجملة {لاَ رَيْبَ فِيهِ} معترضة أو {الكِتابِ} خبر و{هُدىً} خبر ثان والجملة بينهما معترضة أو الكتاب خبر والجملة خبر ثان وهدى خبر ثالث، أو هدى حال من الهاء أو من الكتاب إذا جعلنا الكتاب خبراً وهدى خبر لمحذوف، أى هو هدى، أو هدى خبر لمحذوف {لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلمُتَقِينَ} فحذف فيه الثانى لدلالة الأول أو فيه خبر لهدى، وحذف خبر لا أى لا ريب فيه، فحذف فيه الأول لدلالة فيه الثانى كما قال بعد أوقف على لا ريب فيه، قال ابن هشام: يدل على خلاف ذلك قوله تعالى فى سورة السجدة: {أية : الم تَنزِيلُ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِ العَالَمِينَ} تفسير : والجملة بعد {الم} جواب {الم} إن جعل قسما، وإن جعل اسماً للقرآن أو السورة فمبتدأ خبره ذلك، أو خبر لمحذوف، وذلك خبر ثان أو بدل، وكذا الأعاريب بأوجهه إذا جعلنا {الم} بمعنى المؤلف من الحروف، وإنما صح الإخبار عنه على هذا مع أنه أعم بذلك الكتاب، مع أنه أخص، لأن المراد الكامل فى تأليفه البالغ غاية الفصاحة والبلاغة هو ذلك الكتاب، وإنما صح الإخبار بهدى عن القرآن وإتيانه حالا مع أنه مصدر لتأويله بالوصف، أى هاد أو تقدير مضاف، أى ذو هدى أو ذا هدى، أو للمبالغة، وإذا جعلنا خبر لا محذوفاً وفيه نعت اسمها، فالوقف على فيه كما إذا جعل خبراً للا، وإذا جعلنا خبر لا محذوفاً، وفيه خبر لهدى، والوقف على لا ريب، والإشارة عائدة إلى الم أن أول بالمؤلف من هذه الحروف الألف واللام والميم، وليس المراد خصوص الأحرف الثلاثة، بل هن وسائر حروف أب ت ث، وذلك كما تقول علمته أ ب ت ث، وتريد الحروف كلها، أى ذلك الكلام المؤلف من حروف التهجى، وهو القرآن كله، أو الإشارة عائدة إلى الم مفسراً بالقرآن أو مفسراً بالسورة سورة البقرة، وإنما صح على هذا الوجه كون السورة كتاباً لأنها جزء الكتاب الذى هو القرآن، فعبر باسم الكل واسمه هو لفظ الكتاب عن البعض، وهو هذه السورة لمزيد اختصاص، وهو طولها وكثرة الأحكام فيها، أو صح كونها كتاباً تأكيداً وتعظيماً كأنها القرآن كله أو صح باعتبار المعنى اللغوى وهو المجموع والسورة مركبة من حروف وكلمات، وجمل وآيات، وأحكام وقصص، ووعد ووعيد، وأمر ونهى، وإنما أشار إلى السورة والقرآن أو المؤلف من الحروف وهو القرآن أيضاً بإشارة البعيد، مع أن كل واحد من الثلاثة حاضر لعلو شأن كل من الثلاثة، حتى كأنه مرتفع فى الجو ارتفاعاً حسيا. قال السكاكى والخطيب القزوينى يعرف المسند إليه بالإشارة لتعظيمه بالبعد، نحو: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} قال السعد: تنزيلا لبعد درجته ورفعة محله منزلة بعد المسافة ولفظ ذلك صالح للإشارة إلى كل غائب عيناً كان أو معنى، بأن يحكى أولا، ثم يشار إليه نحو، جاءنى رجل فقال ذلك الرجل: وضربنى زيد فهالنى ذلك الضرب، لأن المحكى عنه غائب، ويجوز على قلة لفظ الحاضر نحو: فقال هذا الرجل وهالنى هذا الضرب، أى هذا المذكور عن قريب، فهو وإن كان غائباً لكن جرى ذكره عن قريب، فكأنه حاضر، وقد يذكر المعنى الحاضر المتقدم بلفظ البعيد نحو بالله، وذلك قسم عظيم لأفعلن، لأن المعنى غير مدرك حساً فكأنه بعيد، وكل ما فرغ المتكلم من التكلم به صح الحكم عليه بحكم الغائب البعيد، لأنه قد انقطع من اللسان، فلم يكن بعد انقطاعه مسموعاً فى الحضرة، وجاء القرآن الكريم على ما تعرفه العرب، والله سبحانه وتعالى منزه عن اللسان والجوارح عن كل نقص ومثال. قال القاضى: أو لما وصل من المرسل بكسر السين وهو الله سبحانه وتعالى، إلى المرسل إليه صلى الله عليه وسلم، صار متباعداً فأشير إليه بما يشار إلى البعيد، وإنما يعنى بوصوله من المرسل سبحانه وتعالى، وصوله من اللوح المحفوظ، أو من أيدى الملائكة الناقلين، أو من السماء الدنيا، وإنما صحت الإشارة بذا مع أنه للمذكر، وإلى آلم إذا فسر بالسورة، لأنه قد أخبر عنه بمذكر وهو الكتاب، أو هدى أو كلاهما أو لأنه قد نعت بمذكر وهو الكتاب، أو عطف به عليه عطف بيان، أو بدل منه وأل فى الكتاب للكمال، والحقيقة ففيه فصاحة التعريف كأنه قبل الكتاب المنعوت بغاية الكمال المتساهل أن يسمى كتاباً، وهذا مما ينتجه قوله آلم أى المؤلف من حروف الهجاء، فاذا وقع التحدى بما ألف منها وكان من جنس كلامهم وعجزوا عنه، فلا بد أنه بالغ حد الكمال، ولا بد أن يتعلق به ريب، كما قال: لا ريب فيه، لأنه لا نقص مما تعلق به ريب، وما كان كذلك لا بد أن يكون هدى للمتعقين، كما قال هدى للمتقين، فكل جملة مستتبعة لما بعدها استتباع الدليل للمدلول، وكل جملة مقررة لما قبلها، ويصح أن تكون الإشارة إليه، أعنى إلى الكتاب على أنه نعتها أو بيانها أو بدلها، أى ذلك الكتاب الكامل، أو خبرها، أى ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، ويجوز أن تكون أل فيه للعهد الذكرى، وإنما ذكر فيما نزل هذه الآية من القرآن، مثل قوله عز وجل:{أية : إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا}تفسير : أو ذكر بلفظ {الم} على أنه قسم مراد به السورة أو القرآن أو للعهد الذهنى، فأن القرآن الكريم فى ذهن النبى صلى الله عليه وسلم، لا يخلو منه بتفكر فيما نزل منه وينتظر نزول الباقى، ولأنه معهود فى الكتب المتقدمة، راسخ ذكره فى أذهان من يقرؤها قد وصل ذهنه صلى الله عليه وسلم، أو للعهد الحضورى لحضور بعضه وهو ما نزل، فإن الشىء المتصل إذا حضر عندك بعضه وغاب عنك باقيه مثل حبل قربت لبعضه وتراه، وغاب عنك باقيه يصدق عليه أنه حاضر، قال ابن عصفور: كل لام واقعة بعد الإشارة أو أى فى النداء إذا كان مدخولها تابعاً لما قبله، أو واقعة بعد إذا الفجائية، فهى للعهد الحضورى، وقد قيل المراد بقوله ذلك الكتاب ما قد كان نزل من القرآن المشار إليه بإشارة الغائب تعظيما لعلو شأنه، وهو فى الحقيقة حاضر إذا اعتبر نزوله حضوراً، ويناسب العهد الذهنى ما قيل إن الله تبارك وتعالى وعد نبيه صلى الله عليه وسلم: فى منام أو إلهام أو بوحى فى أوائل البعثة قبل أن ينزل عليه شىء من القرآن أن ينزل عليه كتاب لا يمحوه الماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، أى لا يبلى ولا يتغير ولا يندرس بكثرة التردد فيه، أى بكثرة تردده المؤدى إلى أن يمحى، فيترك فيندرس وانتفى بسبب كثرة التردد فيه بتكرار قراءته أن يكون بالياً مندرساً، وانتفى أن يكون بالياً متغيراً مع كثرة قراءته، صانه الله عن أن يغير مع كثرة من يتلوه، والحمد لله. ولما نزل بعضه قال الله تبارك وتعالى: هذا هو ذلك الكتاب الذى وعدتك به أو وعده ذلك ببعض القرآن مثل:{أية : سنلقى عليك قولا ثقيلا}تفسير : كأنه قيل هذا الموعود إنزاله بعد ما نزل بعضه، ويناسب العهد الذهنى أيضاً ما قيل: إن الله وعد بنى إسرائيل أن ينزل لهم كتاباً على رسول إلى الناس كافة من ولد إسماعيل، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - صانها الله بفضله - وبها خلق كثير من اليهود نزلت الآية، أى هذا الكتاب الذى وعدت به على لسان موسى وعيسى، أن أنزله عليه فكفروا به وبما أنزل إليه: شعر : لا تكذب إن اليهود وقد زا غوا عن الحق معشر خبثاء تفسير : والكتاب لغة الضم والجمع، ومن ذلك يقال للجند كتيبة لاجتماعه، وكتبت المال جمعته، وهو مصدر سمى به المفعول مبالغة، وهو القرآن، لكثرة المعانى والألفاظ والحروف فيه، واجتماعها وانضمامها فى الألسنة والصحف واللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون اسماً موضوعا لذلك غير مصدر، بل اسم كرجل ولباس، فكما أنه سمى اللباس لملابسته ومخالطته لمن لبسه، كذلك سمى القرآن، لأنه مما يجمع ويضم كما ذكر، ولسنا نحتاج أن نقول إن تسميته كتابا من مجاز الأول بمعنى أنه سيكتبه الناس أو أن نقول إنها باعتبار الإمكان والقوة بأنه قد جمع تحقيقاً وبالفعل فى اللوح المحفوظ، نعم قد يقال سمى بذلك قبل أن يكتب فيه، لأن هذا الاسم من جملة القرآن مكتوب فى اللوح المحفوظ، فيحتاج أن نقول هى باعتبار الإمكان والقوة، ومن مجاز الأول أى يؤل إلى الكتابة، وقابل لأن يكتب فى اللوح المحفوظ وما بعده من أوراق وغيرها، أى يضم ويجمع فيها قيل إنه حقيقة فى ضم الحروف بعضها إلى بعض فى الخط، وقيل إنه حقيقة عرفته فى ضم بعضها إلى بعض فى التكلم بها وقرأ ابو عمرو بإدغام هاء فيه فى هاء هدى، وهكذا كل مثلين من كلمتين، ولو تحرك أولهما أو كان قبله ساكن إلا {أية : فلا يحزنك كفره}تفسير : وما كان تاء الخطاب أو التكلم أو منوناً أو مشدداً، ومعنى لا ريب فيه، أنه حق ليس أهلا للريب أى الشك، وليس فيه ما يوجب الشك فى لفظه ولا فى معناه لوضوح بيانه، وظهور برهانه كظهور الشمس، وكونه بالغاً غاية الإعجاز عند من نظر فيه بعقله نظراً صحيحاً، وليس المراد أنه لم يشك فيه أحد، فإنهم قد شكوا فيه، كما قال الله عز وجل:{أية : وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}تفسير : لكن أبطل ريبتهم لعجزهم عن أن يأتوا بمثله، أو بسورة مثل سورة منه، أو بعشر سور أو بآية، ولو اجتمعوا مع جميع بنى آدم الأموات، ومن سيوجد مما وجد، ومع الجن كذلك، وقيل المعنى أنه لا يشك فيه أحد من المتقين، بناء على أن للمتقين هو خبر لأمر قوله عز وجل: {هَدىً لِّلْمُتَّقِينَ}: أى لا ريب للمتقين فيه فيدخل قوله للمتقين فى أعاريب {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} المتقدمة فيكون فيه نعتاً لريب، ويكون هدى حالا من الهاء أو خبرها محذوف، أى لا ريب فيه للمتقين هدى للمتقين، فحذف لدلالة قوله للمتقين عليه، والأولى ما تقدم فى قوله جل وعلا: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} والريب الشك، وكان ابن مسعود يقرؤه لا شك فيه، فيحتمل قراءة التلاوة، ويحتمل قراءة التفسير وهو فى الأصل مصدر، من رابك إذا حصل فيك الريبة، وهى قلق النفس واضطرابها، سمى به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة، ومنه ريب الزمان لنوائبه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"تفسير : لأن الشك ريبة الصدق طمأنينة، ورواه الترمذى وصححه، وقدم الصدق طمأنينة على الشك ريبة، وذلك أن نوائب الزمان وهى حوادثه تقلق النفس وتزعجها، وكذا ما يشك فيه، لأن الشك تساوى الطرفين وتردد النفس بلا ترجيح، فيحصل لها قلق بذلك، والريب أخص من الشك، لأنه شك مع تهمة، والمراد هنا نفى كل من الريب والشك، وخص ذكر الريب نظراً لما عند المرتابين، ومعنى الحديث أترك ما فيه شك منتقلا إلى ما لا شك فيه، فإذا ارتابت نفسك فى شىء فاتركه، وإذا اطمأنت فى شىء فافعله، فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب، وهذا مخصوص بذوى النفوس الشريفة القدسية الطاهرة، وقال الترمذى فى ذلك الحديث: إنه حسن صحيح، ولكن فى سنده أبو الجوز وهو رواية عن الحسن، وتوقف فيه أحمد، وقال بعضهم إنه مجهول لا يعرف، وروى الحديث أيضاً النسائى وابن حبان وقالا: إن أبا الجوز ثقة، ولفظ ابن حبان فإن الخير طمأنينة والشر ريبة، ورواه الحاكم أيضاً، والذى أراه للترمذى، وأن الكذب ريبة، وراوى الحديث هو الحسن بن على ابن أبى طالب، ورواه أحمد أيضاً عن أنس، وروى الطبرانى مرفوعاً عن ابن عمر، وليس كما قال الدارقطنى أن هذا من كلام ابن عمر، وأنه يروى أيضاً من كلام مالك، وروى الدارقطنى بإسناد ضعيف عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لرجل:"حديث : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" قال: وكيف لى العلم بذلك؟، قال: "إذا أردت أمراً فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال، وأن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة""تفسير : زاد الطبرانى قيل له فمن الورع؟ قال الذى يقف عن الشبهة. والهدى الإرشاد والبيان، والدلالة، وخص المتقين به لأنهم المرتشدون بارشاده والمبينون ببيانه، بخلاف غيرهم، فإنه إرشاد وبيان ودلالة لهم أيضاً، لكن لا يقتدون بإرشاده وبيانه ودلالته، ويجوز أن يكون المراد بالهدى الإيصال إلى المقصود والتوفيق إليه. لا مطلق الإرشاد والبيان والدلالة إليه، فإنه يرد فى كلام العرب على وجهين، ومن الثانى قوله عز وجل:{أية : إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء}تفسير : وقوله عز وجل:{أية : لعلى هدى أو فى ضلال مبين}،تفسير : بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - يبين الحق لكل أحد، إنما نفى عنه أن يكون الإيصال إلى المقصود والتوفيق إليه لمن أحب بيده، وبدليل مقابلة الهدى بالضلال، ومن الأول:{أية : فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}تفسير : أى بينا لهم الحق وتركوه، ولم يرد التوفيق، لأن الموفق لا يمكن أن يترك الحق إلى العمى، وقوله: {هدى للناس} أى إرشاد تجميعهم لكن من تدبره بعقله، ونظر فى المعجزات والآيات نفعه واشتفى به، ومن أعرض ازداد خساراً كما قال الله عز وجل:{أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}تفسير : كالطعام والشراب الكريمين، فإنهما ينفعان الجسم الصحيح ويتضرر بهما المريض، لعلة فيه لا فيهما، وتخصيص بعضهم الهدى بالوجه الأول وبعضهم بالثانى مردود بورودهما جميعاً، ولا نسلم أنه لا يقال مهدى إلا لمن اهتدى، بل يقال أيضاً لمن هدى فلم يهتد، ولئن سلمناه لنقولن إنما قيل مهدى للمنفع بالهدى لانتفاعه دون غيره، ولا مدخل لذلك فى أن الهدى للدلالة، أو للدلالة الموصلة إلى البغية بتثليث الموحدة، أعنى إلى المطلوب. وإن قلت كيف يكون هدى وفيه المجمل والمتشابه؟ قلت: لزوال الإجمال بتبيينه صلى الله عليه وسلم، والمتشابه لا يضر بهم جهله، ويكفى الإيمان به، وأيضاً قد يبينه راسخ فى العلم، والمتقى من يبالغ فى الحذر من شىء يعالج الحذر منه وينفر من أن يقع فى أقل قليل منه كمحاذرة السم، فقد يحذر ما لا يكون فيه ذلك المحذور بحسب ما ظهر مخافة أن يكون فيه وهو لا يعلم به، أو أن يؤدى إلى ما هو فيه، ويختص ذلك فى الشرع بشدة محاذرة المعصية والشبهة، وما يخاف أن تكون فيه إحداهما أو يؤدى إلى إحداهما فهو يترك كثيراً من الحلال لئلا يقع فى ذلك، وفى عرف الخواص من أهل الشرع أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق سبحانه وتعالى، وينقطع إليه بجملته ظاهره وباطنه، ويجوز تفسير التقوى به فى قوله تعالى:{أية : اتقوا الله حق تقاته}تفسير : وهو التقوى الحقيقى المطلوب، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: المتقى من يترك الفواحش والكبائر والشرك، وفي معناه التارك ما حرم الله المؤدى ما افترض، فإن ترك أداء الفرض فاحشة أو كبيرة أو بشرك، وفى معناه أيضاً من لا يراه الله حيث نهاه، وفى معناه المقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفى معناه تارك الاغترار بالطاعة والإصرار على المعصية، هذه العبارات كلها فى معنى عبارة ابن عباس، ويتولد من ذلك ألا يرى نفسه خيراً من أحد، وكل ذلك من الوقاية وهى الحجز بين الشيئين، فإن المتقى يحتجز من غضب الله عز وجل وعذابه، والتاء الأولى من المتبقى بدل من الواو، والثانية تاء المفتعل، وإن قلت كيف يكون القرآن أو بعضه هدى للمتقى؟.. بل هدى للضال وإلا لزم تحصيل الحاصل؟ قلت: المعنى أنه يزيدهم الهدى أو أن الاتقاء الحاصل معهم، إنما حصل لهم بهدى القرآن، أو معنى المتقين المشارفون للاتقاء على الإيجاز والتشريف والتفخيم لهم، أو أريد بالهدى غايته، لأن غير المتقين يحصل لهم مبدأة، وقرأ أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله أو سليم بن أسود: لا ريب بالرفع والتنوين على إعمال لا عمل ليس، أو على إهمالها، فعلى إعمالها عمل ليس الأحسن كون خبرها محذوفاً، وفيه نعت اسمها، أو فيه خبر لهدى، وهدى مبتدأ، أى لا ريب فيه، فيه هدى للمتقين، وعلى كل قراءة وكل وجه نكر هذا التعظيم، وإنما لم يقدم لفظ فيه على لا ريب كما قدم فيها على قول، لأنه لم يقصد نفى الريب عن القرآن خاصة وإثباته لسائر الكتب المنزلة كما قصد إثبات القول لسائر الخمور، ونفيه عن خمر الجنة فقط، فلو قيل لا فيه ريب لأوهم الكلام أن فى سائر الكتب ريباً.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ الْكِتَٰبُ} القرآن، الشبيه في علو شأنه بالعالى حسا كالعرش، وأصل الإشارة أن تكون إلى محسوس، فإذا أشير إلى غير محسوس لاستحملة إحساسه، مثل، {ذلكم الله ربكم}، أو لعدم حضوره نحو، {تلك الجنة}، فلتحققه كالمشاهد، وعبارة البد للتعظيم، ولأن كل ما انقضى، أو ليس في يدى فهو بعيد {لاَ رَيْبَ فِيهِ} ليس أهلا لأن يشك فيه عاقل، لظهور براهينه. ومن شك فيه، أو من الله، فلقصور نظره، أو عدم استعمال عقله. قيل ولا ريب فيه عند الله والمؤمنين والنبى، ويضعف أن يكون المعنى، لا تشكوا فيه، لما علمت من ضعف مجىء الجملة الاسمية للإنشاء، {هُدًى} من الشرك والمعاصى {لِلْمُتَّقِينَ} الذين قضى الله أن يرجعوا إلى التوحيد والعبادة، وترك المعاصى، والحذر منها، ومن العقاب عليها، أو ذلك ثابت لهم أو زيادة، أو أراد للمتقين وغيرهم، فحذف، وهذا ضعيف، أو خصهم، لأنهم الفائزون، كقوله تعالى: "أية : إِنما أنت مُنذر مَن يَخْشَٰهَا" تفسير : [النازعات: 45] وهذا على الحذف، والتقوى تقوى الشرك، وهى تقوى العوام، ولا تنفع فى الآخرة بلا أداء فرض، واجتناب فسق. وتقوى الخواص، وهى تقوى الشرك والمعاصى مع أداء الوجب والسنن المؤكدة. وتقوى خواص الخواص، وهى تقوى ما يشغل عن الله، عز وجل، ويسميه بعض العلماء ورع الصديقين، وهدى خبر ثان لذلك، أو لا ريب محذوف الخبر، وفيه خبر لهدى.
الخليلي
تفسير : {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} ذا من أسماء الإِشارة، يشار بها إلى القريب والبعيد، فإن كان المشار إليه قريبا جردت أو اقترنت بها المفيدة للتنبيه، وإن كان بعيدا اقترنت بالكاف الدالة على الخطاب، وتأتي تارة مع اللام في قولك (ذلك)، وأخرى بدونها في قولك (ذاك). عِظَم قدر القرآن ودلالاته: والمشار إليه هنا الكتاب المرموز إليه بـ {ألم} لأن هذه الكلمات - كما تقدم - تدل على بعض الحروف التي تركب منها، ومجيء الإِشارة بالصيغة الدالة على البعد مع قرب المشار إليه محمولة على التنويه به، وبعظم قدره وعلو شأنه، كما قال تعالى عن نفسه: {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}، ومثله وارد في فصيح الكلام العربي كقول خفاف بن ندبة السلمي: شعر : فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عين تيممت مالكا أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا تفسير : فإنه عدل عن قوله أنا هذا لما ذكرناه من النكتة وهي بيان رفعة شأنه وعلو قدره، ومن هنا قال ابن عباس وابن جريج ومجاهد وعكرمة والسدي - فيما رواه عنهم ابن جرير -: المراد بذلك الكتاب؛ هذا الكتاب. وروي مثله عن أبي عبيدة، وقال جماعة: لا داعي إلى هذا التأويل الذي يخرج بكلمة ذلك عن أصل مدلولها. واختلف هؤلاء في المشار إليه على أقوال: أولها: أنه الكتاب الذي كتبه الله على خلقه، فيه ذكر سعادتهم وشقاوتهم وآجالهم وأرزاقهم، والمراد بكونه لا ريب فيه، لا مبدل له. ثانيها: أنه الكتاب الذي كتبه الله على نفسه في الأزل، أن رحمته سبقت غضبه، كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم، وهذان القولان من الضعف بمكان، وإخباره تعالى عن الكتاب بأنه هدى للمتقين كاف في إبطالهما. ثالثها: أنه الكتاب الذي وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو المعني في حديث عياض بن حمار المجاشعي عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان . . إلى آخره ". تفسير : رابعها: أن المشار إليه ما نزل من القرآن بمكة؛ لأن البقرة أول القرآن نزولا بعد الهجرة. خامسها: أنه القول الموعود به في قوله عز وجل: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} تفسير : [المزمل: 5] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يستشرف لانزال هذا الوعد من ربه، فلما نزلت فاتحة البقرة بالمدينة كان المراد بذلك الكتاب ما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة أن يوحيه إليه، وهذا القول والقول الثالث ينبعان من نبع واحد. سادسها: أن الاشارة إلى ما في التوراة والانجيل و{ألم} اسم للقرآن، والمراد أن هذا القرآن هو ذلك الكتاب الذي دلت عليه التوراة والانجيل، فهما يشهدان بصحته وهو يستغرق ما فيهما ويزيد عليهما. سابعها: أن الاشارة إلى نفس التوراة والانجيل، والمراد ما ذكر من قبل أن القرآن مستوعب لما فيهما، فكأنه هو عينهما، وهو مروي عن عكرمة ورده الألوسي وما أحراه بالرد. ثامنها: أن المشار إليه ما بقي في اللوح المحفوظ من القرآن غير نازل عند نزول الآية. تاسعها: أنه الكتاب الذي وعد الله به أهل الكتاب أن ينزله على خاتم النبيين. عاشرها: أنه الكتاب الذي كانوا يستفتحون به على الذين كفروا. وذكر أبو حيان عن شيخه أبي جعفر بن إبراهيم بن الزبير أنه كان يقول: ذلك إشارة إلى الصراط في قوله: {اهدنا الصراط} كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب، ثم قال أبو حيان إثر ذلك وبهذا الذي ذكره الأستاذ تبين وجه ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد. وهذا القول أولى لأنه إشارة إلى شيء سبق ذكره لا إلى شيء لم يجر له ذكر. اهـ. وما أبعد هذا القول عن التحقيق، وأدناه إلى الهذيان، وإذا تأملت هذه الأقوال الاحدى عشر المبنية على أن المشار إليه بذلك بعيد، وجدتها جميعا ملتبسة بأنواع التكلفات التي يجدر بالمفسر أن لا يحمل عليها أفصح الكلام وأبلغه، وإن تعجب فعجب أن يأبى هؤلاء إخراج {ذلك} عن الاشارة بها إلى البعيد واللجوء إلى مثل هذه التأويلات التي لا تستند إلى حجة، على أن تعاقب أداتي الاشارة إلى القريب وإلى البعيد لا يخفى على من تأمل آيات الكتاب وتتبع الفصيح من كلام العرب، وثم وجه آخر وهو أن الكلام الذي تقضى له حكم البعيد وإن قرب عهده، كما حرره صاحب الكشاف، وبما أن فاتحة السورة وصلت من المرسل إلى المرسل إليه، كان لها حكم البعد، فصح أن تقع إشارته عليها، ونحوه قوله عز وجل: {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68] فالاشارة إلى فارض وبكر، وإنما أُشير إليهما بصيغة البعد لتقضي ذكرهما، ومثله {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف: 37]. وذُكِّر اسم الاشارة مراعاة لتذكير الكتاب سواء كان الكتاب خبرا أم بدلا، فإن اعتبر خبرا فهذه المراعاة واضحة لشيوع اعتبار أحوال الأخبار في التذكير والتأنيث والافراد والجمع، كقول امرىء القيس: شعر : وبدلت قرحا داميا بعد صحة فيالك من نعمى تحولن أبؤسا تفسير : فالضمير في تحولن عائد إلى نعمى، وإنما جمع مراعاة للخبر وهو أبؤس، وإن عد بدلا فالتذكير أوضح لأن الاشارة واقعة على الكتاب. وعلى الأول فالتعريف للجنس، ويستفاد من التركيب قصر حقيقة الكتاب على القرآن لما فيه من تعريف المسند والمسند إليه، وهو داخل فيما يسمى بالقصر الإِدعائي، ويراد أنه الكتاب الجامع للصفات الكمالية في جنس الكتب، حتى صار ما عداه بجانبه في حكم العدم، ومثله شائع في الكلام العربي كقولهم: محمد هو الرجل. ويراد به أنه اجتمعت فيه صفات الرجولة حتى كأن من عداه لم يَعُد لهم شيء منها، ومن هذا الباب قول الشاعر: شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وما أجدر هذا الكتاب - الذي جمع ما تفرق من الهدايات، وتجددت في كل عصر آياته، وتجلت في كل طور مزاياه، وبقي دون غيره محفوظا من أيدي العابثين، وكيد المغرضين - أن يُعَد وحده الحقيق باسم الكتاب، لا سيما وأن الرجوع إلى غيره من الكتب لا يصح بعد إنزاله، فقد اختفت مشاعلها جميعا ببزوغ شمسه، وانطوت آياتها بانتشار آيته، مع ما أصيبت به من تحريف الأيدي العابثة، وإدخال أصحاب الأهواء والأغراض ما أرادوا فيها. وعلى الثاني؛ فالتعريف للعهد ويراد به الكتاب المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، المرموز إليه بفاتحة هذه السورة، ولا يضير كونه لم يكتمل إنزاله عند ما نزلت الآية لأن للبعض حكم الكل، وما نزل قبلها جانب عظيم منه، فإن أغلبه كان نزوله بمكة، ومع ذلك يمكن أن تكون في هذا التعبير إشارة لطيفة إلى أن الله تعالى سينجز وعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإنزال جميع الكتاب عليه. والكتاب بمعنى المكتوب، وهذا الوزن شائع فيما هو بمعنى المفعول، كلباس بمعنى الملبوس، وإله بمعنى المألوه، وعماد بمعنى المعمود به، وحروفه دالة على الجمع والضم، ومنه الكتيبة فإنها تجمع شتات المقاتلين، والكتاب يجمع حروفا وكلمات، والقرآن الكريم جامع لسور، وسوره جامعة لآيات وجمل ومفردات وحروف، فمن ثم صدق عليه معنى الكتاب، وفي هذه التسمية إيماء إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته، وهو موحٍ بوجوب تدوينه لحفظه من الذهاب، وصونه عن النسيان، ولأجل هذا قال العلماء: إن كتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين. و(الريب): الشك. روي ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه عنه ابن جرير والحاكم وصححه، وأخرج مثله ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وروى أحمد في الزهد وابن أبي حاتم نحوه عن أبي الدرداء، ومثله عن قتادة عند عبد بن حميد وعن مجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس عند ابن جرير، ويعضده إطلاق العرب الريب على الشك كقول عبدالله بن الزَّبَعْرَى: شعر : ليس في الحق يا أميمة ريب إنما الريب ما يقول الجهول تفسير : ويطلقونه على التهمة كقول جميل: شعر : بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب تفسير : وأصله القلق واضطراب النفس، فإن الشك من لازمة الاضطراب وعدم الارتياح، ومنه حديث "حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"تفسير : ، وقيل إن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة، فإن الأمر متى كان مشكوكا فيه كان مصدرا للقلق وعدم الاستقرار، ومتى كان صدقا ظاهرا اطمأنت إليه النفس وسكنت، ولأجل ذلك قيل: ريب الزمان في نوائبه، لأنها مزعجة للنفس مقلقة للقلب. ومن العلماء من يفرق بين الريب والشك، فبعضهم يقول: الريب هو الشك مع التهمة، وهو يعني أن الريب أعمق من الشك. وقال الراغب: إن الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر، والريب التوهم في الشيء، ثم انكشافه عما توهم فيه، وأضاف إلى ذلك التفرقة بينهما وبين المرية، فقال عن المرية: هي التردد في المتقابلين. وطلب الامارة مأخوذة من مرى الضرع إذا مسحه للدر. وقال الجولي: الشك ما استوى فيه الاعتقادان أو لم يستويا، ولكن لم ينته أحدهما لدرجة الظهور الذي تنبني عليه الأمور، والريب ما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور. مقاصد القرآن الكريم: والكتاب العزيز ليس موضعا لريب، فإن مقاصده ظاهرة، ومعانيه ناصعة، وآياته ساطعة، فلا يخامر العقل السليم شك في أنه من عند الله، وأنه مصدر هداية الناس، ومنبع سعادتهم، وبهذا يندفع ما عسى أن يقال إن كثيرا من الناس مرتابون فيه غير مطمئنين إلى صدقه، فكيف ينفى الريب عنه لا سيما وأن المكذبين به والمعرضين عنه أكثر من الذين صدقوا به واتبعوه؟ ويؤكد ما ذكرناه في المراد بنفي الريب أن الله عز وجل وجه الخطاب إلى المرتابين فيه بقوله: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} تفسير : [البقرة: 23]، حيث أتى بإن الشرطية المستعملة في الشك دون إذا المستعملة في اليقين، وذلك أن الكتاب ليس مظنة للريب، فلو خامرهم منه شيء لضعف عقولهم وغلبة الهوى عليها فعليهم أن يستعرضوا ملكاتهم البيانية ويختبروا طاقاتهم، هل بإمكانهم أن يأتوا بسورة من مثله؟ ولو استنفدوا قواهم واستظهروا بنصرائهم، مع كونهم فرسان البيان الذين لا يركب في أثرهم، وقد أنزل القرآن على أمي نشأ بين ظهرانيهم، وقد اكتشفوا عاداته، ودرسوا سيرته، واكتشفوا سريرته، ولم يعرفوا منه في عنفوان شبابه طموحا إلى الظهور وتطلعا إلى مباراتهم في مضمار البيان. وهذا التركيب يفيد نفي الريب عن القرآن من غير تعرض لإِثباته أو نفيه عن غيره، فلذلك لم يقل: لا فيه ريب كما قال في خمر الجنة: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات: 47] تعريضا بخمور الدنيا التي تغتال العقول، أفاد ذلك الزمخشري وهو واضح لمن درس قواعد البلاغة وفهم مقاصد البلغاء وإن أنكره أبو حيان. والجمهور قرأوا بنصب ريب بلا النافية للجنس، وهي قراءة تنص على نفي كل فرد من أفراد الريب، ولذلك قالوا إنها توجب الاستغراق، وذكر عن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي أنه قرأ بالرفع، وهي محتملة لنفي الجنس، أو نفي فرد من أفراده، فلذلك قالوا إنها تجوِّز الاستغراق، وقراءة الجمهور أبلغ، وعليها الاعتماد في الصلاة وغيرها بخلاف الأخرى لشذوذها. والوقف على {فيه} لا على {ريب} عند الأكثر، لارتباط فيه بالجملة، وروي عن نافع وعاصم أنهما وقفا على {لا ريب} وربطا {فيه} بالجملة الثانية، وقراءتهما تقتضي تقدير خبر لِلاَ كما في قوله تعالى: {أية : قَالُواْ لاَ ضَيْرَ} تفسير : [الشعراء: 50]، وقول العرب لا بأس، وتقديره فيه. {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، واعتمد ذلك القرطبي حيث فصل {فيه} عن جملة لا ريب وربطها بقوله {هدى للمتقين} وأبى ذلك أكثر المفسرين، لأن اعتبار الكتاب بأن نفسه هدى أبلغ من اعتباره منطويا على الهدى، كما أن ما في سورة السجدة وهو قوله تعالى: {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [السجدة: 6] يتفق مع قراءة الجمهور وتفسيرهم. {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} القرآن هداية للمتقين: بدأ سبحانه بنفي الريب عن كتابه ليكون ذلك كالتقعيد لإِثبات هدايته، لأن ما حام حوله الريب لا يصلح لأن يكون هاديا، وثنى على ذلك بإثبات أنه هدى للمتقين، وهو من باب قولهم التخلية قبل التحلية، وما جانبه الريب جدير أن يكون هدى، إذ الهدى لظهوره ونصوع دلالته لا يبقى معه شيء من الريب، وهو مصدر هَدَى، كالسرى والتقى والبكى بالقصر في لغة، وقد سبق في تفسير الفاتحة تفصيل معناه وشرح أقسامه، وبقي أن أضيف إلى ما تقدم أنه لا خلاف في كون هذه الكلمة تفيد الدلالة، وإنما الخلاف في كون هذه الدلالة موصِّلة إلى البغية أولا، فالزمخشري يرى أنها موصِّلة ويستدل لذلك بثلاثة أوجه: أولها: وقوع الضلال مقابلا للهدى في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 16]، وقوله: {أية : لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]، والضلالة هي الخيبة وعدم الوصول إلى المطلوب، فلو لم يعتبر الوصول في الهدى لم يجز التقابل بينهما لإِمكان اجتماعهما. ثانيها: أن كلمة مهدي تفيد المدح كالمهتدي، ولا يوصف بالاهتداء إلا الواصل إلى البغية المطلوبة بالهداية. ثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى ولا يختلف مفهوم المطاوع عن مفهوم أصله؛ ككسرته فانكسر وجبرته فانجبر. ووافق الزمخشري على رأيه هذا البيضاوي والجرجاني، وقد أخذ الجرجاني - في حاشية الكشاف - يدفع عن كلام الزمخشري كل ما أورد عليه، وخالفه قطب الأئمة في هميانه، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وأبو السعود والألوسي في تفسيريهما، وأطال أبو السعود في نقض كل ما تعلق به الزمخشري، وأخذ يحلل مفهوم الهداية المتعدية واللازمة تحليلا فلسفيا، وانتهى - بعد تطوافه الطويل بين المعالم اللغوية والفلسفية - إلى أن اللازمة لا تكون لازمة للمتعدية وإن كانت أثرا من آثارها. أنواع الهداية: وإذا رجعت إلى ما تقدم تحريره في الفاتحة الشريفة، أدركت أن الهداية تختلف باختلاف نوعها، فإن كانت هداية توفيق - وهي لا تكون إلا من الله - فهي موصِّلة إلى البغية قطعا، وإن كانت هداية بيان فهي توصل إليها إن اقترنت بتوفيق الله للمهدي، أما إذا لم تقترن به فلا تؤدي إليها، بدليل قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17] وهذه الهداية تسند إلى الله كما في هذه الآية، وإلى غيره كما في قوله: {أية : يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} تفسير : [السجدة: 24]، ومقابلة الهدى بالضلال في قوله: {لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} لا يستدل بها على الإِيصال، لأن الهدى فيه بمعنى الاهتداء، وهو لازم، والاختلاف إنما هو في المتعدي ويقابله الاضلال لا الضلال، كما لا يدل مجيء اهتدى مطاوعا لهدى أن فعل الهداية موصل إلى البغية، لأن الفعل المتعدي لا يستلزم وقوع المطاوعة في مقابله، ولذلك جاز نفي المطاوعة، في نحو أمرته فلم يأتمر، ونهيته فلم ينته، وعلمته فلم يتعلم، وهذبته فلم يتهذب، وبهذا تعلم عدم امتناع قول القائل: هديته فلم يهتد، وإطلاق المهدي في موضع المدح لأن الهداية سبب للاهتداء، مع حصول التوفيق، ويمكن أن يكون الخلاف اعتباريا، فمن نظر إلى اقتران الهداية بالتوفيق اعتبرها موصِّلة، ومن قطع النظر عن ذلك جوَّز أن تكون موصلة وغير موصلة، وقد مر بكم في تفسير الفاتحة أن الهداية تكون تكوينية، وهي هداية الفطرة والحواس والعقل، ولا غموض في أن الهداية الفطرية والهداية الحسية موصلتان إلى البغية، وكذلك هداية العقل لمن وُفق لاستخدامه، وإذا ما رجعتم إلى ما ذكرته هناك كملت لكم الفائدة وانجلى عنكم اللبس. وبهذا التحرير يمكنكم فهم وجه تخصيص هدى الكتاب بالمتقين هنا وبالمؤمنين في قوله تعالى: {أية : هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النمل: 2]، وقوله: {أية : هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [لقمان: 3]، مع قوله في آيات الصوم من هذه السورة {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 185]، وقوله: {أية : وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [القلم: 52]، ذلك لأن المؤمنين - وهم المتقون والمحسنون - هم المنتفعون بهداية القرآن، إذ لم يلبثوا عندما أشرق لهم نوره فأبصروا الحق أن اتبعوه، أما غيرهم فقد أخلدوا إلى الباطل وتصامموا عن حجج القرآن وتعاموا عن حقائقه، ذلك لأنهم استحكم في نفوسهم التقليد الأعمى، فكان حاجزا حديديا بينهم وبين الانتفاع بهداه، وإن كان منشورا لجميع الناس ليس بينه وبينهم حائل إلا هذا العتو والاستكبار، وذلك معنى قول الحق تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} تفسير : [الاسراء: 82]، فهو شفاء لنفوس أهل الإِيمان من أمراض الجهل والمعصية ورحمة لهم، لأنهم اتبعوه في الدنيا فاقتادهم إلى مواطن السلامة وبحبوحة السعادة، أما غيرهم من الذين أصروا واستكبروا استكبارا، فإنهم لم يزدادوا به إلا خسارا، لأنهم بتكذيبهم إياه، وإعراضهم عنه - بعد انبلاج حجته - ازدادوا كفرا إلى كفرهم، وضلالا مع ضلالهم، وذلك المراد من قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44]. فالهدى هنا هو هدى التوفيق، بخلافه في نحو قوله تعالى: {هدى للناس} فهو محمول على هدى البيان. معنى التقوى ومجالاتها: و{المتقون} جمع متق، وهو دال على الاجتناب، لأنه مأخوذ من وقاه يقيه فاتقاه؛ بمعنى: جنَّبه يجنِّبه فاجتنبه واستخدم مجازا في اجتناب ما يسخط الله، وقد تكرر كثيرا في القرآن نحو: {وإياي فاتقون}، {واتقوا الله}، {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. فإنه ليس من المعقول أن يراد باتقاء الله اجتناب ذاته تعالى لاستحالة ذلك، وإنما يراد به اتقاء عذابه الذي يوجبه التهاون بأوامره وارتكاب نواهيه. وإنما أضيفت التقوى إلى الله لتعظيم شأن مخالفته، وتهويل ما يترتب عليها من عقاب. وذكر اللغويون أن الوقاية فرط الصيانة، ومن هذا المعنى أخذ علماء الشريعة تعريف التقوى فقالوا: إنها صيانة الإِنسان نفسه مما يوجب العقوبة من فعل أو ترك، وقسموها إلى مراتب: أولها: توقي الشرك. ثانيها: توقي الكبائر، ومنها الإِصرار على الصغائر. ثالثها: ما أشار إليها حديث عطية السعدي عند أحمد وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، والترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس ". تفسير : وذكر بعض العلماء أن الرتبة الأولى هي تقوى العوام، والثانية هي تقوى الخواص، والثالثة هي تقوى خواص الخواص. وبما أن أصدق ما يفسر به القرآن القرآن نفسه، فإن علينا - ونحن بصدد بيان ما يراد بالمتقين - أن نستلهم حقيقة التقوى مما وصف الله به المتقين في كتابه، كقوله هنا في وصفهم: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3]. وقوله بعد بيان أركان البر الاعتقادية والعملية والخلقية في هذه السورة: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 177] وقوله في سورة آل عمران: {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} تفسير : [آل عمران: 15 - 17]. وقوله فيها: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 133 - 135]. وما روي من أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين في التقوى والمتقين، فهو مقتبس من هذه الآيات ونظائرها، وهو متحد في معناه وإن اختلفت عباراتهم عنه، من ذلك ما أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في قوله {هدى للمتقين}: أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ - رضي الله عنه - أنه قيل له: من المتقون؟ فقال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة. وأخرج أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيَ من مثقال ذرة حين يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام. وروي مثله عن جماعة من التابعين، وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة أن رجلا قال له: ما التقوى؟ قال: هل وجدت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنده أو جاوزته أو قصرت عنه. قال: ذاك التقوى. وذكر القرطبي أن عمر سأل أُبَيًّا - رضي الله عنهما - عن التقوى فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فما صنعت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت. قال: فذاك التقوى. ونظم معنى هذه الإِجابة ابن المعتز في قوله: شعر : خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى تفسير : وذكر أبو السعود عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما فرض. وعن شهر ابن حوشب: المتقي من يترك ما لا بأس به حذرا من الوقوع فيما فيه بأس. وعن أبي يزيد أن التقوى هو التورع عن كل ما فيه شبهة. وعن محمد بن حنيف: أنه مجانبة كل ما يبعدك عن الله تعالى. وعن سهل: المتقي من تبرأ من حوله وقدرته. وقال بعضهم: التقوى ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. وقال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح، والسلطان الجائر. وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا أن يكون لو جُعل ما في قلبه في طبق فطيف به في السوق لم يستحي ممن ينظر إليه. وقيل: التقوى أن تزين سرك للحق كما تزين علانيتك للخلق. وهذه الأقوال كلها صادرة من أصل واحد، فهي متحدة المضمون وإن اختلفت بحسب اختلاف نظر أصحابها إلى مراتب التقوى ومقامات المتقين، فمنهم من نظر إلى أصل التقوى أو إلى زاوية من زواياه، ومنهم من نظر إلى ذروته وسنامه أو إلى قاعدته الكلية المستجمعة لجميع جزئياته. ومما ذكرناه من المعنى اللغوي للتقوى يستفاد أن أصله دال على السلب، لأنه بمعنى التجنب والترك، ولكن بالرجوع إلى الآيات التي أسلفنا ذكرها وأمثالها، وإلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح، يتضح أن للتقوى في الشرع شقين؛ شقا سلبيا وهو ترك ما نهى الله عنه، وآخر إيجابيا وهو فعل ما أمر به، ولا بد من الجمع بينهما للاتصاف بحقيقة التقوى الشرعية، وقد جمعت كلمة التقوى في الشرع بين السلب والإِيجاب - مع أن حقيقتها الوضعية للسلب - لأجل ما في فعل الطاعات واجتناب المعاصي من توقي سخط الله المؤدي إلى عقابه. هذا ويرى العلامة السيد رشيد رضا أن العقاب الإِلهي الذي يجب على الناس اتقاؤه قسمان؛ دنيوي وأخروي، وكل منهما يتقى باتقاء أسبابه، وهي نوعان؛ مخالفة دين الله وشرعه، ومخالفة سننه في نظام خلقه، فأما عقاب الآخرة فيتقى بالإِيمان الصحيح، والتوحيد الخالص، والعمل الصالح، واجتناب ما ينافي ذلك من الشرك والكفر والمعاصي والرذائل، وذلك مبين في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأفضل ما يستعان به على فهمهما واتباعهما سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأولين من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمصار، وأما عقاب الدنيا فيجب أن يستعان على اتقائه بالعلم بسنن الله تعالى في هذا العالم ولا سيما سنن اعتدال المزاج، وصحة الأبدان وأمثلتها ظاهرة، وسنن الاجتماع البشري، فاتقاء الفشل والخذلان في القتال يتوقف على معرفة نظام الحرب وفنونها، وإتقان آلاتها وأسلحتها التي ارتقت في هذا العصر ارتقاء عجيبا وهو المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ..} تفسير : [الأنفال: 60]. كما يتوقف على أسباب القوة المعنوية من اجتماع الكلمة واتحاد الأمة والصبر والثبات والتوكل على الله، واحتساب الأجر عنده، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 45 - 46]. وما ذكره يؤكد شمول مفهوم التقوى لجميع أعمال الخير سواء كانت فائدتها عاجلة أم آجلة. والانسان مطالب باستصحاب التقوى من بداية طريق حياته إلى نهايتها، لأنها محفوفة بالمخاطر، مفروشة بالأشواك، فإن كل خطوة يخطوها الإِنسان مهددة بكمين، إما من غرائزه وشهواته، وإما من عواطفه ونزعاته، وإما من مطامعه ومطامحه، وإما من خوفه ورجائه، وهي طبائع موجودة في كل أحد وكل منها صالح لاستخدامه في الخير والشر، فلذا كان كل واحد منها سلاحا ذا حدين، وكان الإِنسان على أي حال مطالبا بضبطها وتوجيهها إلى الخير والصلاح والبناء، والتقوى هي العامل الوحيد لضبطها وعدم إرسال العنان لها، والباعث على استخدامها فيما يعود بالمصلحة على صاحبها وعلى مجتمعه وأمته، وناهيك أن التقوى تستلزم تجريد النفس من كل خوف ورجاء إلا خوف خالقها ورجاءه، وبهذا يتضح لك أن الحركات النفسية داخلة في مدلول التقوى، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {أية : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 32]، وقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الحجرات: 3]. وقد صرح بذلك صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : التقوى ها هنا" تفسير : وأشار إلى قلبه. وتدخل في ضمن التقوى أقوال الخير كما تدخل أعماله، بدليل قوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} تفسير : [الفتح: 26]. وليس قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التقوى ها هنا" تفسير : بمقتض حصر التقوى في صفات القلب، وإنما يشير إلى أن صلاح القلب هو أساس لصلاح الأعمال، لأنه سلطان الجوارح الذي يوجهها، إما إلى الخير وإما إلى الشر، كما جاء في حديث النعمان بن بشير عند الشيخين: "حديث : .. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". تفسير : ولأهمية التقوى وكونها مصدر كل صلاح ومنبع كل فضيلة وأساس كل خير، تكرر الأمر بها في الكتاب العزيز، وتكرر الثناء على المتقين، ولا تكاد تجد أمرا مكررا في القرآن كالأمر بالتقوى سواء كان صريحا أو في معرض الثناء على المتقين، وتجد ذلك مقرونا بالأوامر والنواهي، والتبشير والانذار، والقصص والأمثال، والامتنان والاخبار، فاقرأ مثلا قول الله عز وجل: {أية : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة: 223] تجد الأمر بالتقوى يتوسط التشريع والانذار والتبشير، وتأمل قوله عز وجل في تقرير تمتيع المطلقات {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 241]. وقوله تعالى بعد ذكر طائفة من أحكام الدَّيْن في آيته الأولى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 282]، وبعد ذكر جانب من أحكامه والأمر بأداء الأمانة في آيته الثانية: {أية : وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ} تفسير : [البقرة: 283]، وقوله في سورة الطلاق في معرض تبيان أحكامه: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ..} تفسير : [الطلاق: 1]، تدرك أن تقوى الله سبحانه هو الفلك الذي يدور فيه تشريعه الحكيم. واقرأ في باب الامتنان قول الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1]، وقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} تفسير : [الشعراء: 132 - 134]. واقرأ في باب التبشير والانذار قوله تعالى: {أية : وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ} تفسير : [النحل: 30 - 31]، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} تفسير : [الحج: 1 - 2]، وقوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الحشر: 18]، وغيرها من آيات الوعد والوعيد، تدرك قيمة التقوى عند الله وأهميتها في الحياة. التقوى جماع الخير في الدنيا والآخرة: ولما للتقوى من قيمة كانت ميزان التفاضل عند الله، كما قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13]، وجعلت هي الغاية من العبادة، كما في قوله عز وجل: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 21]، وكما جاء ذكرها مقرونا بمطلق العبادة، جاء في معرض العبادات المفصلة، ومنه قوله تعالى في الصوم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 183]، وقوله في الحج: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة: 197]، وقوله: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تفسير : [البقرة: 203]، وقوله: {أية : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 32]. وفي معنى ذلك قوله تعالى في الصلاة: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45]، وتلك هي حقيقة التقوى، وفي معناه أيضا قوله في الزكاة: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103]. وقد وعد الله بمعيته المتقين من عباده في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} تفسير : [النحل: 128]. وجعل ولايته لمن جمع بين الايمان والتقوى، ووعد هؤلاء بالبشارة في الحياة الدنيا والآخرة، وعدم خوفهم وحزنهم يوم الفزع الأكبر وذلك في قوله: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ..} تفسير : [يونس: 62 - 64]، كما وعد سبحانه المتقين بحسن العاقبة في الدارين، أما في الدنيا فالبعز والنصر، وأما في الآخرة فبالسعادة والفلاح، وذلك في قوله: {أية : ..وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 132]، وقوله: {أية : ..وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128]. ويكفي ما ذكرته من الآيات شاهدا ودليلا على أن التقوى هي منبع السعادة والفوز في الآخرة، ومنشأ العز والكرامة في الدنيا، وهي مع ذلك سبيل النجاة من الشدائد، ومفتاح لباب الرزق والخير، كما يدل عى ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96]. وقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2 - 3]. جعلنا الله من عباده المتقين وحزبه المفلحين. ولربما تساءل بعض الناس: هل المتقون بحاجة إلى الهداية مع تسنمهم ذروة التقوى وبلوغهم منتهى الصلاح؟ والجواب: أن العبد مهما بلغ من مراتب التقوى وقطع من مراحل الاهتداء لا يزال بحاجة إلى مزيد عناية من الله تنفحه بروح الهداية، ولطف المواهب، ومن هذا الباب قوله عز وجل في سورة الفاتحة تعليما لعباده المتقين: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، وقد سبق الكلام على ذلك، وليس ببعيد أن يكون المراد هدى للذين علم الله صيرورتهم إلى التقوى، لجواز أن يطلق على الشيء اسم ما يصير إليه، ومن هذا الباب قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل قتيلا فله سلبه" تفسير : فإنه عندما وقع عليه القتل لم يكن قتيلا. وروي من طريق ابن عباس - رضي الله عنهما -: "حديث : إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة"تفسير : . وقد حكى الله عن نوح - عليه السلام - أنه قال في دعائه على قومه: {أية : وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 27] يعني صائرا إلى الفجور والكفر، ولو روعي ما كانوا عليه من الضلال عند بداية نزول القرآن فقيل: "هدى للضالين" لم يستقم المعنى، لأن من الضالين من ختم الله على قلوبهم وسمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فلا يهتدون بأسباب الهداية، ولذا قال تعالى عنهم في هذه السورة: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 6]، وقال عنهم: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ..} تفسير : [يس: 7 - 10]، فلا يصح اعتبار القرآن هدى لهم لأنهم لا ينتفعون بهدايته، وإنما المنتفع فريق كان على الضلال فلما تجلت له حقائق التنزيل ونارت لعقله دلائله، بارح الضلالة إلى الهدى، وفارق الجاهلية إلى الإِسلام، ولو أريدت الترجمة الدقيقة المعبرة عن جميع هذه الأحوال، لقيل هدى للذين تحولوا عن الفجور إلى التقوى، وخرجوا من الكفر إلى الإِيمان، ولكن بجانب ما في هذه العبارة من الطول فإن عبارة القرآن سادّة مسدَّها ومغنية عنها مع تميزها برقة الأسلوب. والمراد بالمتقين الذين نعتوا من بعد بما في الآيات اللاحقة، وهم الذين وفقوا للتخلص من علائق الكفر، والتطهر من أدران الجاهلية، سواء كانوا من قبل من الوثنيين أو من أهل الكتاب، وهو الذي يستفاد من كلام جمهور المفسرين، وللأستاذ الامام الشيخ محمد عبده رأي آخر فيهم لَخَّصه السيد رشيد رضا فيما يلي: كان من الجاهليين من مقت عبادة الأصنام وأدرك أن فاطر السماوات والأرض لا يرضيه الخضوع لها، وأن الإِله الحق يحب الخير ويبغض الشر، فكان منهم من اعتزل الناس لذلك، وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال وتعظيم جانب الربوبية - وذلك ما كان يسمى صلاة في لسانهم - وبعض الخيرات التي يهتدي إليها العقل في معاملة الخلق، وكان من أهل الكتاب من وصفهم الله تعالى بمثل قوله: {أية : ..مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [آل عمران: 113 - 114]، وبقوله: {أية : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [المائدة: 82 - 83] فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بالمتقين، ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإِسلام، أو بالمسلمين، بل أولئك هم الذين كان في قلوبهم اشمئزاز مما عليه أقوامهم، وفي نفوسهم شيء من التشوق إلى هداية يهتدون بها، ويشعرون باستعداد لها، إذا جاءهم شيء من عند الله تعالى، فالمتقون في هذه الآية إذاً هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربا من الرشاد، ووجد في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقي نور الحق يحملهم على توقي سخط الله تعالى والسعي في مرضاته بحسب ما وصل إليه علمهم، وأداهم إليه نظرهم واجتهادهم. وبنى الأستاذ على رأيه هذا تفسيره ما يأتي من نعوت المتقين، وكلامه ككلام غيره قابل للنقاش، وسوف تأتي إن شاء الله مناقشته في المكان المناسب من الآيات الناعتة للمتقين.
الالوسي
تفسير : جملة مستأنفة وابتداء كلام أو متعلقة بما قبلها وفيه احتمالات أطالوا فيها وكتاب الله تعالى يحمل على أحسن المحامل وأبعدها من التكلف وأسوغها في لسان العرب وذلك إشارة إلى الكتاب الموعود به صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً }تفسير : [المزمل: 5] كما قال الواحدي أو على لسان موسى وعيسى عليهما السلام لقوله تعالى: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [البقرة: 89] الآية ويؤيده ما روى عن كعب «عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب بالله عهداً»، وقال في التوراة «يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة تفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً» كما قاله غير واحد أو إلى ما بين أيدينا والإشارة بذلك للتعظيم وتنزيل البعد الرتبـي منزلة البعد الحقيقي كما في قوله تعالى: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } تفسير : [يوسف: 32] كما اختاره في «المفتاح» أو لأنه لما نزل عن حضرة الربوبية وصار بحضرتنا بعد ومن أعطى غيره شيئاً أو أوصله إليه أو لاحظ وصوله عبر عنه بذلك لأنه بانفصاله عنه بعيد أو في حكمه، وقد قيل: كل ما ليس في يديك بعيد. ولما لم يتأت هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ}تفسير : [الأنعام: 92] لأنه إشارة إلى ما عنده سبحانه لم يأتِ بذلك مع بعد الدرجة وهذا الذكر حروف التهجي في الأول وهي تقطع بها الحروف وهو لا يكون إلا في حقنا وعدم ذكرها في الثاني فلذا اختلف المقامان وافترقت الإشارتان كما قاله السهيلي، وهو عند قوم تحقيق ويرشدك إلى ما فيه عندي نظر دقيق وأبعد بعضهم فوجه البعد بأن القرآن لفظ وهو من قبيل الأعراض السيالة الغير القارة فكل ما وجد منه اضمحل وتلاشى وصار منقضياً غائباً عن الحس وما هو كذلك في حكم البعيد، وقيل لأن صيغة البعيد والقريب قد يتعاقبان كقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام: {أية : ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ }تفسير : [آل عمران: 58] ثم قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ }تفسير : [آل عمران: 62] وله نظائر في الكتاب الكريم ونقله الجرجاني عن طائفة وأنشدوا:شعر : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافاً إنني أنا ذلكا تفسير : وليس بنص لاحتمال أن يكون المراد إنني أنا ذلك الذي كنت تحدث عنه وتسمع به، وقول الإمام الرازي: إن ذلك للبعيد عرفاً لا وضعاً فحمله هنا على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي مخالف لما نفهمه من كتب أرباب العربية وفوق كل ذي علم عليم والقول بأن الإشارة إلى التوراة والإنجيل ـ كما نقل عن عكرمة ـ إن كان قد ورد فيه حديث صحيح قبلناه وتكلفنا له وإلا ضربنا به الحائط وما كل احتمال يليق، وأغرب ما رأيناه في توجيه الإشارة أنها إلى الصراط/ المستقيم في الفاتحة كأنهم لما سألوا الهداية لذلك قيل لهم ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب وهذا إن قبلته يتبين به وجه ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد على أتم وجه وتكون الإشارة إلى ما سبق ذكره والذي تنفتح له الآذان أنه إشارة إلى القرآن ووجه البعد ما ذكره صاحب «المفتاح» ونور القريب يلوح عليه، والمعتبر في أسماء الإشارة هو الإشارة الحسية التي لا يتصور تعلقها إلا بمحسوس مشاهد فإن أشير بها إلى ما يستحيل إحساسه نحو {أية : ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ } تفسير : [غافر: 62] أو إلى محسوس غير مشاهد نحو {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ } تفسير : [مريم: 63] فلتصييره كالمشاهد وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية كما في الرضى فالإشارة هنا لا تخلو عن لطف، وقول بعضهم إن اسم الإشارة إذا كان معه صفة له لم يلزم أن يكون محسوساً ـ وهم محسوس ـ. والكتاب كالكتب مصدر كتب ويطلق على المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس والكتب ـ كما قال الراغب ـ ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي المتعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض والأصل في الكتابة النظم بالخط وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ ولذا يستعار كل واحد للآخر ولذا سمي كتاب الله وإن لم يكن كتاباً والكتاب هنا إما باق على المصدرية وسمي به المفعول للمبالغة أو هو بمعنى المفعول وأطلق على المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط تسمية بما يؤل إليه مع المناسبة وقول الإمام ـ إن اشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته وسميت الكتيبة لاجتماعها فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق ـ كلام ملفق لا يخفى ما فيه، ويطلق الكتاب كالقرآن على المجموع المنزل على النبـي المرسل صلى الله عليه وسلم وعلى القدر الشائع بين الكل والجزء ولا يحتاج هنا إلى ما قيل في دفع المغالطة المعروفة بالجذر الأصم ولا أرى فيه بأساً إن احتجته واللام في الكتاب للحقيقة مثلها في أنت الرجل والمعنى ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب لغاية تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس حتى كأن ما عداه من الكتب السماوية خارج منه بالنسبة إليه، وقال ابن عصفور: كل لام وقعت بعد اسم الإشارة وأي في النداء وإذا الفجائية فهي للعهد الحضوري وقرىء (تنزيل الكتاب). والريب الشك وأصله مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس ومنه ريب الزمان لنوائبه فهو مما نقل من القلق إلى ما هو شبيه به ويستعمل أيضاً لما يختلج في القلب من أسباب الغيظ، وقول الإمام الرازي: إن هٰذين قد يرجعان إلى معنى الشك لأن ما يخاف من الحوادث محتمل فهو كالمشكوك وكذلك ما اختلج في القلب فإنه غير مستيقن مستيقن رده، فالمنون من الريب أو يشك فيه ويختلج في القلب من أسباب الغيظ على الكفار مثلاً مما {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أو فيه ريب وفرق أبو زيد بين رابني وأرابني فيقال رابني من فلان أمر إذا كنت مستيقنا منه بالريب وإذا أسأت به الظن ولم تستيقن منه قلت أرابني وعليه قول بشار:شعر : أخوك الذي إن ربته قال إنما أراب وإن عاتبته لان جانبه تفسير : وبعض فرق بين الريب والشك بأن الريب شك مع تهمة، وقال الراغب: الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية التردد في المتقابلين وطلب الأمارة من مرى الضرع أي مسحه للدر، والريب أن يتوهم في الشيء ثم ينكشف عما توهم فيه، وقال الجولي: يقال الشك لما استوى فيه الاعتقادان أو لم يستويا ولكن لم ينته أحدهما لدرجة الظهور الذي تنبني عليه الأمور والريب لما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور ولذا حسن هنا {لاَ رَيْبَ فِيهِ} للإشارة إلى أنه لا يحصل فيه ريب فضلاً عن شك ونفى سبحانه الريب فيه مع كثرة المرتابين ـ لا كثَّرهم الله تعالى ـ على معنى أنه في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر/ في كونه وحياً من الله تعالى لا أن لا يرتاب فيه حتى لا يصح ويحتاج إلى تنزيل وجود الريب عن البعض منزلة العدم لوجود ما يزيله، وقيل إنه على الحذف كأنه قال لا سبب ريب فيه لأن الأسباب التي توجبه في الكلام التلبيس والتعقيد والتناقض والدعاوى العارية عن البرهان وكل ذلك منتف عن كتاب الله تعالى، وقيل معناه النهي وإن كان لفظه خبراً أي لا ترتابوا فيه على حد {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ }تفسير : [البقرة: 197] وقيل معناه لا ريب فيه للمتقين فالظرف صفة و {لّلْمُتَّقِينَ} خبر و {هُدًى} حال من الضمير المجرور أي لا ريب كائناً فيه للمتقين حال كونه هادياً وهي حال لازمة فيفيد انتفاء الريب في جميع الأزمنة والأحوال ويكون التقييد كالدليل على انتفاء الريب و {لا} لنفي اتصاف الاسم بالخبر لا لنفي قيد الاسم فلا تتوجه إليه ليختل المعنى نعم هو قول قليل الجدوى مع أن الغالب في الظرف الذي بعد لا هذه كونه خبراً وإنما لم يقل سبحانه لا فيه ريب على حد {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ }تفسير : [الصافات: 47] لأن التقديم يشعر بما يبعد عن المراد وهو أن كتاباً غيره فيه الريب كما قصد فيه الآية تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها فليس فيها ما في غيرها من العيب قاله الزمخشري، وبعضهم لم يفرق بين ليس في الدار رجل وليس رجل في الدار حتى أنكر أبو حيان إفادة تقديم الخبر هنا الحصر وهو مما لا يلتفت إليه. وقرأ سليم أبو الشعثاء (لا ريب فيه) بالرفع وهو لكونه نقيضاً لريب فيه وهو محتمل لأن يكون إثباتاً لفرد ونفيه يفيد انتفاءه فلا يوجب الاستغراق كما في القراءة المشهورة ولهذا جاز لا رجل في الدار بل رجلان دون لا رجل فيها بل رجلان فلا لعموم النفي لا لنفي العموم والوقف على {فِيهِ} هو المشهور وعليه يكون الكتاب نفسه هدى وقد تكرر ذلك في التنزيل وعن نافع وعاصم الوقف على {لاَ رَيْبَ} ولا ريب في حذف الخبر، وذهب الزجاج إلى جعل {لاَ رَيْبَ} بمعنى حقاً فالوقف عليه تام إلا أنه أيضاً دون الأول، وقرأ ابن كثير (فيهي) بوصل الهاء ياء في اللفظ وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فإن كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو ووافقه حفص في {أية : فِيهِ مُهَاناً } تفسير : [الفرقان: 69] و {أية : مُلاَقِيهِ} تفسير : {الإنشقاق: 6} و {أية : سأصليه}تفسير : [المدثر: 26]، والباقون لا يشبعون وإذا تحرك ما قبل الهاء أشبعوه، وقرأ الزهري وابن جندب بضم الهاء من الكنايات في جميع القرآن على الأصل. والهدى في الأصل مصدر هدى أو عوض عن المصدر وكل في كلام سيبويه ولم يجىء من المصادر بهذه الزنة إلا قليل كالتقى، والسرى، والبكى بالقصر في لغة ولقى كما قال الشاطبـي وأنشد:شعر : وقد زعموا حلماً لقاك فلم أزد بحمد الذي أعطاك حلماً ولا عقلاً تفسير : والمراد منه هنا اسم الفاعل بأحد الوجوه المعروفة في أمثاله وهو لفظ مؤنث عند ابن عطية ومذكر عند اللحياني وبنو أسد يؤنثون كما قال الفراء فهو كالهداية وقد تقدم معناها وفي «الكشاف» هي الدلالة الموصلة إلى البغية واستدل عليه بثلاثة وجوه، الأول: وقوع الضلال في مقابله كما في قوله تعالى: {أية : لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ } تفسير : [سبأ: 24] والضلال عبارة عن الخيبة وعدم الوصول إلى البغية فلو لم يعتبر الوصول في مفهوم الهدى لم يتقابلا لجواز الاجتماع بينهما، والثاني: أنه يقال مهدي في موضع المدح كمهتد ومن حصل له الدلالة من غير الاهتداء لا يقال له ذلك فعلم أن الايصال معتبر في مفهومه، والثالث: أن اهتدى مطاوع هدى ولن يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو كسره فانكسر وفيه بحث أما أولاً: فلأن المذكور في مقابلة الضلالة هو الهدى اللازم بمعنى الاهتداء مجازاً أو اشتراكاً وكلامنا في المتعدي ومقابلة الاضلال ولا استدلال به إذ ربما يفسر بالدلالة على ما لا يوصل ولا يجعله ضالاً على أنه لو فسرت الهداية بمطلق الدلالة على ما من شأنه الإيصال أوصل أم لا، وفسر الضلال المقابل لها ـ وتقابل الإيجاب والسلب ـ بعدم تلك الدلالة المطلقة لزم منه عدم الوصول لأن سلب الدلالة المطلقة سلب للمقيدة إذ سلب الأعم يستلزم سلب الأخص فليس في هذا التقابل ما يرجح المدعي، وأما ثانياً: فلأنا لا نسلم أن الضلالة عبارة عن الخيبة/ الخ بل هو العدول عن الطريق الموصل إلى البغية فيكون الهدى عبارة عن الدلالة على الطريق الموصل، نعم إن عدم الوصول إلى البغية لازم للضلالة ويجوز أن يكون اللازم أعم، وأما ثالثاً: فلأنه لا يلزم من عدم إطلاق المهدي إلا على المهتدي أن يكون الوصول معتبراً في مفهوم الهدى لجواز غلبة المشتق في فرد من مفهوم المشتق منه، وأما رابعاً: فلأنا لا نسلم أن اهتدى مطاوع هدى بل هو من قبيل أمره فأتمر من ترتب فعل يغاير الأول فإن معنى هداه فاهتدى دله على الطريق الموصل فسلكه بدليل أنه يقال هداه فلم يهتد على أن جمعا يعتد بهم قالوا: لا يلزم من وجود الفعل وجود مطاوعه مطلقاً ففي المختار لا يجب أن يوافق المطاوع أصله ويجب في غيره ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا } تفسير : [الإسراء: 59] مع قوله سبحانه: {أية : وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا }تفسير : [الإسراء: 60] فقد وجد التخويف بدون الخوف ولا يقال كسرته فما انكسر والفرق بينهما مفصل في «عروس الأفراح»، وأما خامساً: فلأن ما ذكره معارض بما فيه الهداية وليس فيه وصول إلى البغية وقد مر بعضه ولهذا اختلفوا هل هي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في غيرها أو بالعكس أو هي مشتركة بينهما أو موضوعة لقدر مشترك؟ وإلى كل ذهب طائفة، وقيل والمذكور في كلام الأشاعرة أن المختار عندهم ما ذكر في «الكشاف» وعند المعتزلة ما ذكرناه والمشهور هو العكس ـ والتوفيق بأن كلام الأشاعرة في المعنى الشرعي والمشهور مبني على المعنى اللغوي أو العرفي ـ يخدشه اختيار صاحب «الكشاف» مع تصلبه في الاعتزال ما اختاره مع أن الظاهر في القرآن المعنى الشرعي فالأظهر للموفق عكس هذا التوفيق، والحق عند أهل الحق أن الهداية مشتركة بين المعنيين المذكورين وعدم الإهلاك وبه يندفع كثير من القال والقيل. و{ٱلْمُتَّقِينَ} جمع متق اسم فاعل من وقاه فاتقى ففاؤه واو لا تاء، والوقاية لغة الصيانة مطلقاً وشرعاً صيانة المرء نفسه عما يضر في الآخرة والمراتب متعددة لتعدد مراتب الضرر فأولاها: التوقي عن الشرك؛ والثانية: التجنب عن الكبائر ـ ومنها الإصرار على الصغائر ـ والثالثة: ما أشير إليه بما رواه الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس»تفسير : وفي هذه المرتبة يعتبر ترك الصغائر ولذا قيل:شعر : خل الذنوب كبيرها وصغيرها فهو التقى واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى تفسير : وفي هذه المرتبة اختلفت عبارات الأكابر، فقيل: التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، وقيل: التبري عن الحول والقوة، وقيل: التنزه عن كل ما يشغل السر عن الحق، وفي هذا الميدان تراكضت أرواح العاشقين وتفانت أشباح السالكين حتى قال قائلهم:شعر : ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي تفسير : وهداية الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين فإن أريد بكونه هدى للمتقين إرشاده إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى: فالمراد بهم المشارفون مجازاً لاستحالة تحصيل الحاصل وإيثاره على العبارة المعربة عن ذلك للإيجاز، وتصدير السورة الكريمة بذكر أوليائه تعالى وتفخيم شأنهم واعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة الهدى فلا ينافي حسن التعقيب بـ {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [البقرة: 3] لأن ذلك كما قيل بالنظر إلى زمان إثبات تلك النسبة كما يقال قتل قتيلاً دفن في موضع كذا وربما جعل التقدير هم الذين في جواب من المتقون؟ وحمل الكل/ على المشارفة يأباه السوق وقد يقال المتقين مجاز بالمشارفة والصفة ترشيح بلا مشارفة ولا تجوز كما هو المعهود في أمثاله أو نقول هو على حد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الشفيع يوم المحشر فلا إشكال وإن أريد به إرشاده إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين فإن عنى بالمتقين أصحاب المرتبة الأولى تعينت الحقيقة وإن عنى بهم أصحاب الطبقتين الأخيرتين تعين المجاز لأن الوصول إليهما إنما يتحقق بهدايته المرقية، وكذا الحال فيما بين المرتبة الثانية والثالثة فإن أريد بالهدى الإرشاد إلى تحصيل المرتبة الثالثة فإن عنى بالمتقين أصحاب المرتبة الثانية تعينت الحقيقة وإن عنى بهم أصحاب المرتبة الثالثة تعين المجاز، ولفظ الهداية حقيقة في جميع الصور وأما إن أريد بكونه هدى لهم تثبيتهم على ما هم عليه وإرشادهم إلى الزيادة فيه على أن يكون مفهومها داخلاً في المعنى المستعمل فيه فهو مجاز محالة ولفظ (المتقين) حقيقة على كل حالة كذا حققه مولانا مفتى الديار الرومية ومنه يعلم اندفاع ما قيل أن الهداية إن فسرت بالدلالة الموصلة يقتضي أن يكون {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} دالاً على تحصيل الحاصل كأنه قيل دلالة موصلة إلى المطلوب للواصلين إليه وإن فسرت بالدلالة على ما يوصل كان هناك محذوراً آخر فإن المهتدي إلى مقصوده يكون دلالته على ما يوصله إليه لغواً، ووجه الاندفاع ظاهر لكن حقق بعض المحققين أن الأظهر أنه لا حاجة إلى التجوز هنا لأنه إذا قيل السلاح عصمة للمعتصم والمال غنى للغني على معنى سبب غناه وعصمته لم يلزم أن يكون السلاح والمال سبي عصمة وغنى حادثين غير ما هما فيه، فما نحن فيه غير محتاج للتأويل وليس من المجاز في شيء إذ المتقي مهتدٍ بهذا الهدى حقيقة. وقد اختلف أهل العربية والأصول في الوصف المشتق هل هو حقيقة في الحال أو الاستقبال وهل المراد زمان النسبة أو التكلم من غير واسطة بينهما؟ والذي عليه المحققون أنه زمن النسبة، وقد ذهب السبكي والكرماني إلى أن "من قتل قتيلاً فله سلبه" حقيقة وخطآ من قال أنه مجاز ولا يقال إنه لا مفاد لإثبات القتل لمقتول به لأن قصد البليغ بمعونة القرينة العقلية أن القتل المتصف به صادر عن هذا القاتل دون غيره فكأنه قيل لم يشاركه فيه غيره فسلبه له دون غيره، ومن هنا جعل المعنى فيما نحن فيه لا هدى للمتقين إلا بكتاب الله تعالى المتلألىء نور هدايته الساطع برهان دلالته وإذا علق حكم على اسم الإشارة الموصوف نحو عصرت هذا الخل مثلاً فهناك تعليقان في الحقيقة تعليق الحكم السابق بذات المشار إليه وتعليق الإشارة والمعتبر زمان الإشارة لا زمان الحكم السابق فإذا صحّ إطلاق الخل على المشار إليه واتصافه بالخلية مثلاً في زمان الإشارة ـ مع قطع النظر ـ عن الحكم السابق كان حقيقة وإلا فمجاز فافهم وتدبر. ثم لا يقدح في كونه هدى ما فيه من المجمل والمتشابه لأنه لا يستلزم كونه هدى هدايته باعتبار كل جزء منه فيجوز أن يذكر فيه ما فيه ابتلاء لذوي الألباب من الفحول بما لا تصل إليه الأفهام والعقول أو لأن ذلك لا ينفك عن بيان المراد منه كما ذهب إليه الشافعية فهو بعد التبيين هدى وتوقف هدايته على شيء لا يضر فيها كما أنه على رأي متوقف على تقدّم الإيمان بالله تعالى ورسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فقد نص الإمام على أنه كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لا يكون القرآن هدي فيه كمعرفة ذات الله وصفاته ومعرفة النبوات لئلا يلزم الدور إلا أن يكون هدى في تأكيد ما في العقول والاعتداد به، وبعض صحح أن القرآن في نفسه مدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 185] ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية/ مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] مع عموم إنذاره صلى الله عليه وسلم وأما غيرهم فلا {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا }تفسير : [الإسراء: 45] و {أية : لا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا }تفسير : [الإسراء: 82] وأما القول بأن التقدير ـ هدى للمتقين والكافرين ـ فحذف لدلالة المتقين على حد {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }تفسير : [النحل: 81] فمما لا يلتفت إليه. هذا ولا يخفى ما في هذه الجمل والآيات من التناسق فـ {أية : الۤمۤ} تفسير : [البقرة: 1] أشارت إلى ما أشارت و {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ} قررت بعض إشارتها بأنه الكتاب الكامل الذي لا يحق غيره أن يسمى كتاباً في جنسه أي باب التحدي والهداية و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} كالتأكيد لأحد الركنين و {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} كالتأكيد للركن الآخر. وخلاصته هو الحقيق بأن يتحدى به لكمال نظمه في باب البلاغة وكماله في نفسه وفيما هو المقصود منه، وقيل: بالحمل على الاستئناف كأنه سئل ما باله صار معجزاً؟ فأجيب بأنه كامل بلغ أقصى الكمال لفظاً ومعنى وهو معنى {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} ثم سئل عن مقتضى الاختصاص بكونه هو الكتاب الكامل فأجيب بأنه لا يحوم حوله ريب ثم لما طولب بالدليل على ذلك استدل بكونه {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} لظهور اشتماله على المنافع الدينية والدنيوية والمصالح المعاشية والمعادية بحيث لا ينكره إلا من كابر نفسه وعاند عقله وحسه، وقد يقال الإعجاز مستلزم غاية الكمال وغاية كمال الكلام البليغ ببعده من الريب والشبه لظهور حقيته وذلك مقتض لهدايته وإرشاده فإن نظر إلى اتحاد المعاني بحسب المآل كان الثاني مقرراً للأول فلذا ترك العطف وإن نظر إلى أن الأول مقتض لما بعده للزومه بعد التأمل الصادق فالأول لاستلزامه ما يليه وكونه في قوته يجعله منزلا منه منزلة بدل الاشتمال لما بينهما من المناسبة والملازمة فوزانه وزان حسنها في أعجبتني الجارية حسنها وترك العطف حينئذ لشدة الاتصال بين هذه الجمل. وفيها أيضاً من النكت الرائقة والمزايا الفائقة ما لا يخفى جلالة قدره ـ على من مرّ ما ذكرناه ـ على فكره.
ابن عاشور
تفسير : {ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ}. مبدأ كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف {أية : الم}تفسير : [البقرة: 1] كما علمتَ مما تقدم على جميع الاحتمالات كما هو الأظهر. وقد جوز صاحب «الكشاف» علَى احتمال أن تكون حروف {ألم} مسوقة مساق التهجي لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن، أَن يكون اسمُ الإشارة مشاراً به إلى {الم} باعتباره حرفاً مقصوداً للتعجيز، أي ذلك المعنى الحاصل من التهجي أي ذلك الحروف باعتبارها من جنس حروفكم هي الكتابُ أي منها تراكيبه فما أَعجزَكم عن معارضته، فيكون {الم} جملة مستقلة مسوقة للتعريض. واسم الإشارة مبتدأ و(الكتابُ) خبراً. وعلى الأظهر تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لَدَيْهم يومئذٍ واسم الإشارة مبتدأ و(الكتاب) بدل وخبرُه ما بعده، فالإشارة إلى (الكتاب) النازِل بالفعل وهي السور المتقدمة على سورة البقرة؛ لأن كل ما نزل من القرآن فهو المعبر عنه بأنه القرآن وينضم إليه ما يلحق به، فيكون (الكتاب) على هذا الوجه أطلق حقيقة على ما كُتب بالفعل، ويكون قوله (الكتاب) على هذا الوجه خبراً عن اسم الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع القرآن ما نزل منه وما سينزل لأن نزوله مترقَّب فهو حاضر في الأذهان فشبه بالحاضر في العيان، فالتعريف فيه للعهد التقديري والإشارة إليه للحضور التقديري فيكون قوله (الكتاب) حينئذٍ بدلاً أو بياناً من {ذلك} والخبر هو {لا ريب فيه}. ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد، قال الرضي «وُضِع اسم الإشارة للحضور والقربِ لأنه للمشار إليه حسًّا ثم يصح أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب، ويقل أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا الرجل، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول: «واللَّهِ وذلك قسم عظيم» لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارةُ بلفظ الحضور فتقول: "وهذا قسم عظيم» ا هـ، أي الأكثر في مثله الإتيان باسم إشارة البعيد ويقل ذكره بلفظ الحاضر، وعكس ذلك في الإشارة للقول. وابن مالك في «التسهيل» سوَّى بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة لكلام متقدم إذ قال: وقد يتعاقبان (أي اسم القريب والبعيد) مشاراً بهما إلى ماوَلياه أي من الكلام، ومثَّله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى: {أية : ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم}تفسير : [آل عمران: 58] ثم قال: {أية : إن هذا لهو القصص الحق}تفسير : [آل عمران: 62] فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب والمشار إليه واحد، وكلام ابن مالك أوفق بالاستعمال إذ لا يكاد يحصر ما ورد من الاستعمالين فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة. وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثلَ الإشارة إلى الكلام في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً، ففي القرآن: {أية : فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه}تفسير : [القصص: 15] فإذا كان الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال، ونحن قد رأيناهم يتخيرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرِّفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى، مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا، وكما قال خُفاف بن نَدْبة:شعر : أقول لَه والرمحُ يأطر مَتْنَه تأمل خُفَافاً إِنني أَنَا ذلك تفسير : وقد يؤتى بالقريب لإظهار قلة الاكتراث كقول قيس بن الخَطِيم في «الحماسة»:شعر : متَى يأتِ هذَا الموتُ لا يلفِ حاجة لنفسيَ إلا قد قضيتُ قضاءها تفسير : فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة. وقد شاع في الكلام البليغ تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزة المنال لأن الشيء النفيس عزيز على أهله فمن العادة أن يجعلوه في المرتفعات صوناً له عن الدروس وتناول كثرة الأيدي والابتذال، فالكتاب هنا لما ذكر في مقام التحدي بمعارضته بما دلت عليه حروف التهجي في {أية : الم}تفسير : [البقرة: 1] كان كالشيء العزيز المنال بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة أو لأنه لصدق معانيه ونفع إرشاده بعيد عمن يتناوله بهُجر القول كقولهم: {أية : افتراه}تفسير : [يونس: 38] وقولهم: {أية : أساطير الأولين}تفسير : [الأنعام: 25]. ولا يرد على هذا قوله: {أية : وهذا كتاب أنزلناه}تفسير : [الأنعام: 92] فذلك للإشارة إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم في العكوف عليه والإتعاظ بأوامره ونواهيه. ولعل صاحب «الكشاف» بنى على مثل ما بنى عليه الرضي فلم يعُدَّ: {ذلك الكتاب} تنبيهاً على التعظيم أو الاعتبار، فللَّه در صاحب «المفتاح» إذ لم يُغفل ذلك فقال في مقتضِيات تعريف المسند إليه بالإشارة: أوْ أنْ يقصد ببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول وكقوله عز وعلا: {الم ذلك الكتاب} ذهاباً إلى بعده درجةً. وقوله: {الكتاب} يجوز أن يكون بدلاً من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته، فالتعريف فيه إذن للعهد، ويكون الخبر هو جملة {لا ريب فيه}، ويجوز أن يكون (الكتاب) خبراً عن اسم الإشارة ويكون التعريف تعريف الجنس فتفيد الجملة قصر حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجُزءين فهو إذن قصر ادِّعائي ومعناه ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب بناء على أن غيره من الكتب إذا نسبت إليه كانت كالمفقود منها وصفُ الكتاب لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب، وهذا التعريف قد يعبر عنه النحاة في تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال فلا يرد أنه كيف يحصر الكتاب في أنه الم أو في السورة أو نحو ذلك إذ ليس المقام مقام الحصر وإنما هو مقام التعريف لا غير، ففائدة التعريف والإشارة ظاهرية وليس شيء من ذلك لغواً بحال وإن سبق لبعض الأوهام على بعض احتمال. و(الكتاب) فِعال بمعنى المكتوب إما مصدر كاتَب المصوغ للمبالغة في الكتابة، فإن المصدر يجىء بمعنى المفعول كالخَلق، وإما فعال بمعنى مَفعول كلِباس بمعنى ملبوس وعِماد بمعنى مَعمود به. واشتقاقه من كَتَب بمعنى جمع وضم لأن الكتاب تجمع أوراقه وحروفه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة كل ما ينزل من الوحي وجعل للوحي كتاباً، وتسمية القرآن كتاباً إشارة إلى وجوب كتابته لحفظه. وكتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين. {لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان على ما مر قريباً. والريب الشك وأصل الريب القلق واضطراب النفس، وريبُ الزمانِ وريبُ المنون نوائِب ذلك، قال الله تعالى: {أية : نتربص به ريب المنون}تفسير : [الطور: 30] ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية يقال رابه الشيء إذا شككه أي بِجَعلِ ما أوجب الشك في حاله فهو متعد، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة فهو مثل لَحِق وأَلْحق، وزَلَقه وأزلقه وقد قيل إن أراب أضعف من راب أراب بمعنى قَرَّبه من أن يشك قاله أبو زيد، وعلى التفرقة بينهما قال بشار:شعر : أخوك الذي إن ربته قال إنما أرَبْتَ وإن عاتبتَه لان جانبه تفسير : وفي الحديث: «حديث : دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك» تفسير : أي دع الفعل الذي يقربك من الشك في التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك في فعله شك في أنه مباح. ولم يختلف متواتر القراء في فتح {لا ريب} نفياً للجنس على سبيل التنصيص وهو أبلغه لأنه لو رفعَ لاحتمل نفي الفرد دون الجنس فإن كانت الإشارة بقوله: {ذلك} إلى الحروف المجتمعة في {الم} على إرادة التعريض بالمتحَدَّيْنَ وكان قوله: {الكتاب} خبراً لاسم الإشارة على ما تقدم كان قوله: {لا ريب} نفياً لريب خاص وهو الريب الذي يعرض في كون هذا الكتاب مؤلفاً من حروف كلامهم فكيف عجزوا عن مثله، وكان نفي الجنس فيه حقيقة وليس بادعاء، فتكون جملة {لا ريبَ} منزَّلة منزِلةَ التأكيد لمفاد الإشارة في قوله: {ذلك الكتاب}وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المجرور وهو قوله: {فيه} متعلقاً بريب على أنه ظرف لغو فيكون الوقف على قوله: {فيه} وهو مختار الجمهور على نحو قوله تعالى: {أية : وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه}تفسير : [الشورى: 7] وقوله: {أية : ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}تفسير : [آل عمران: 9] ويجوز أن يكون قوله: {فيه} ظرفاً مستقراً خبراً لقوله بعده: {هدى للكتقين} ومعنى «في» هو الظرفية المجازية العرفية تشبيهاً لدلالة اللفظ باحتواء الظرف فيكون تخطئة للذين أعرضوا عن استماع القرآن فقالوا: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن}تفسير : [فصلت: 26] استنزالاً لطائر نفورهم كأنه قيل هذا الكتاب مشتمل على شيء من الهدى فاسمعوا إليه ولذلك نكر الهدى أي فيه شيء من هدى على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «حديث : إنك امْرؤ فيك جاهلية»تفسير : ويكون خبر (لا) محذوفاً لظهوره أي لا ريب موجود، وحذف الخبر مستعمل كثيراً في أمثاله نحو: {أية : قالوا لا ضير}تفسير : [الشعراء: 50] وقول العرب لا بأس، وقول سعد بن مالك:شعر : من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا بَرَاحُ تفسير : أي لا بقاء في ذلك، وهو استعمال مجازي فيكون الوقف على قوله: {لا ريب} وفي «الكشاف» أن نافعاً وعاصماً وقفا على قوله: {ريب} وإن كانت الإشارة بقوله: {ذلك} إلى {الكتاب} باعتبار كونه كالحاضر المشاهد وكان قوله {الكتاب} بدلاً من اسم الإشارة لبيانه فالمجرور من قوله: {فيه} ظرف لغو متعلق بريب وخبر لا محذوف على الطريقة الكثيرة في مثله، والوقف على قوله {فيه}، فيه معنى نفي وقوع الريب في الكتاب على هذا الوجه نفي الشك في أنه منزل من الله تعالى لأن المقصود خطاب المرتابين في صدق نسبته إلى الله تعالى وسيجىء خطابهم بقوله: {أية : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23] فارتيابهم واقع مشتهر، ولكن نزل ارتيابهم منزلة العدم لأن في دلائل الأحوال ما لو تأملوه لزال ارتيابهم فنزل ذلك الارتياب مع دلائل بطلانه منزلة العدم. قال صاحب «المفتاح»: «ويقلبون القضية مع المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع فيقولون لمنكر الإسلام: الإسلام حق وقوله عز وجل في حق القرآن: {لا ريب فيه} - وكم من شقي مرتاب فيه - وارد على هذا فيكون المركب الدال على النفي المؤكد للريب مستعملاً في معنى عدم الاعتداد بالريب لمشابهة حال المرتاب في وهن ريبه بحال من ليس بمرتاب أصلاً على طريقة التمثيل. ومن المفسرين من فسر قوله تعالى: {لا ريب فيه} بمعنى أنه ليس فيه ما يوجب ارتياباً في صحته أي ليس فيه اضطراب ولا اختلاف فيكون الريب هنا مجازاً في سببه ويكون المجرور ظرفاً مستقراً خبرَ (لا) فيَنظُر إلى قوله تعالى: {أية : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : [النساء: 82] أي إن القرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند الحق رب العالمين، من كلام يناقض بعضه بعضاً أو كلام يجافي الحقيقة والفضيلة أو يأمر بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إذا تدبَّر فيه المتدبرُ وجده مفيداً اليقين بأنه من عند الله والآية هنا تحتمل المعنيين فلنجعلهما مقصودين منها على الأصل الذي أصلناه في المقدمة التاسعة. وهذا النفي ليس فيه ادعاء ولا تنزيل فهذا الوجه يغني عن تنزيل الموجود منزلة المعدوم فيفيد التعريض بما بين يدي أهل الكتاب يومئذٍ من الكتب فإنها قد اضطربت أقوالها وتخالفت لما اعتراها من التحريف وذلك لأن التصدي للإخبار بنفي الريب عن القرآن مع عدم وجود قائل بالريب فيما تضمنه أي بريب مستند لموجب ارتياب إذ قصارى ما قالوه فيه أقوال مجملة مثل هذا سحر، هَذا أساطير الأولين يدل ذلك التحدي على أن المراد التعريض لا سيما بعد قوله: {ذلك الكتاب} كما تقول لمن تكلم بعد قوم تكلموا في مجلس وأنتَ ساكت: هذا الكلام صوابٌ تعرض بغيره. وبهذا الوجه أيضاً يتسنى اتحاد المعنى عند الوقف لدى من وقف على {فيه} ولَدى من وقف {على ريب}، لأنه إذا اعتبر الظرف غير خبر وكان الخبر محذوفاً أمكن الاستغناء عن هذا الظرف من هاته الجملة، وقد ذكر «الكشاف» أن الظرف وهو قوله: {فيه} لم يقدم على المسند إليه وهو {ريب} (أي على احتمال أن يكون خبراً عن اسم لا) كما قُدم الظرف في قوله: {أية : لا فيها غول}تفسير : [الصافات: 47] لأنه لو قدم الظرف هنا لقصد أن كتاباً آخر فيه الريب ا هـ. يعني لأن التقديم في مثله يفيد الاختصاص فيكون مفيداً أن نفي الريب عنه مقصور عليه وأن غيره من الكتب فيه الريب وهو غير مقصود هنا. وليس الحصر في قوله: {لا ريب فيه} بمقصود لأن السياق خطاب للعرب المتحدَّيْنَ بالقرآن وليسوا من أهل كتاب حتى يُرد عليهم. وإنما أريد أنهم لا عذر لهم في إنكارهم أنه من عند الله إذ هم قد دُعوا إلى معارضته فعَجزوا. نعم يستفاد منه تعريض بأهل الكتاب الذين آزروا المشركين وشجعوهم على التكذيب به بأن القرآنَ لعلو شأنه بين نظرائه من الكُتب ليس فيه ما يدعو إلى الارتياب في كونه منزلاً من الله إثارة للتدبر فيه هل يجدون ما يوجب الارتياب فيه وذلك يستطير جاثم إعجابهم بكتابهم المبدلِ المحرف فإن الشك في الحقائق رائد ظهورها. والفجر بالمستطير بين يدي طلوع الشمس بشير بسفورها. وقد بنَى كلامه على أن الجملة المكيفة بالقصر في حالة الإثبات لو دخل عليها نفي وهي بتلك الكيفية أفاد قصر النفي لا نفىَ القصر، وأمثلة صاحب «المفتاح» في تقديم المسند للاختصاص سوَّى فيها بين ما جاء بالإثبات وما جاء بالنفي. وعندي فيه نظر سأذكره عند قوله تعالى: {أية : ليس عليك هداهم}تفسير : [البقرة: 272]. وحكم حركة هاء الضمير أو سكونها مقررة في علم القراءات في قسم أصولها. وقوله: {هدى للمتقين} الهدى اسم مصدر الهَدْي ليس له نظير في لغة العرب إلا سُرًى وتُقىً وبُكًى ولُغًى مصدر لغي في لغة قليلة. وفعله هدَى هدياً يتعدى إلى المفعول الثاني بإلى وربما تعدى إليه بنفسه على طريقة الحذف المتوسع فيما تقدم في قوله تعالى: {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]. والهدى على التحقيق هو الدلالة التي من شأنها الإيصال إلى البغية وهذا هو الظاهر في معناه لأن الأصل عدم الترادف فلا يكون هُدى مرادفاً لدل ولأن المفهوم من الهُدى الدلالة الكاملة وهذا موافق للمعنى المنقول إليه الهدى في العرف الشرعي. وهو أسعد بقواعد الأشعري لأن التوفيق الذي هو الإيصال عند الأشعري مِنْ خلق الله تعالى في قلب الموفَّق فيناسب تفسير الهداية بما يصلح له ليكون الذي يهدي يوصل الهداية الشرعية. فالقرآن هدى ووصفه بالمصدر للمبالغة أي هو هاد. والهدى الشرعي هو الإرشاد إلى ما فيه صلاح العاجل الذي لا ينقض صلاح الآجل. وأثر هذا الهدى هو الاهتداء فالمتقون يهتدون بهديه والمعاندون لا يهتدون لأنهم لا يتدبرون، وهذا معنى لا يختلف فيه وإنما اختلف المتكلمون في منشأ حصول الاهتداء وهي مسألة لا حاجة إليها في فهم الآية. وتفصيل أنواع الهداية تقدم عند قوله تعالى: {اهدنا الصراط}. ومحل (هدى) إن كان هو صدر جملة أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف هو ضمير (الكتاب) فيكون المعنى الإخبار عن الكتاب بأنه الهدى وفيه من المبالغة في حصول الهداية به ما يقتضيه الإخبار بالمصدر للإشارة إلى بلوغه الغاية في إرشاد الناس حتى كانَ هو عين الهُدى تنبيهاً على رجحان هُداه على هدى ما قبله من الكتب، وإن كان الوقف على قوله {لا ريب} وكان الظرف صدرَ الجملةِ الموالية وكان قوله {هدى} مبتدأ خبره الظرف المتقدم قبله فيكون إخباراً بأن فيه هدى فالظرفية تدل على تمكن الهدى منه فيساوي ذلك في الدلالة على التمكن الوجهَ المتقدم الذي هو الإخبار عنه بأنه عين الهدى. والمتقي من اتصف بالاتقاء وهو طلب الوقاية، والوقاية الصيانة والحفظ من المكروه فالمتقي هو الحذر المتطلب للنجاة من شيء مكروه مضر، والمراد هنا المتقين الله، أي الذين هم خائفون غضبه واستعدوا لطلب مرضاته واستجابة طلبه فإذا قرىء عليهم القرآن استمعوا له وتدبروا ما يدعو إليه فاهتدوا. والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال على الصغائر ظاهراً وباطناً أي اتقاء ما جعل الله الاقتحام فيه موجباً غضبه وعقابه، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعقاب دون اللمم. والمراد من الهُدَى ومن المتقين في الآية معناهما اللغوي فالمراد أن القرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية وأن المستعدين للوصول به إليها هم المتقون أي هم الذين تجردوا عن المكابرة ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد للمضلين وخشوا العاقبة وصانوا أنفسهم من خطر غضب الله هذا هو الظاهر، والمراد بالمتقين المؤمنون الذين آمنوا بالله وبمحمد وتلقوا القرآن بقوة وعزم على العمل به كما ستكشف عنهم الأوصاف الآتية في قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : إلى قوله {أية : من قبلك}تفسير : [البقرة: 3، 4]. وفي بيان كون القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة: الأول: أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق. والمتقون هم المتقون في الحال أيضاً لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال كما قلنا، أي أن جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب، أو يزيده هدى كقوله تعالى: {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}تفسير : [محمد: 17]. الثاني: أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب، فيكون المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا وعليه فيكون مدحاً للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى، وإن كان غير الغالب في الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب. الثالث: أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتُعين عليه هنا قرينة الوصف بالمصدر في {هدى} لأن المصدر لا يدل على زمان معين. حصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل، لو وُصف باسم الفاعل فقيل هادٍ للمتقين، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه، فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم، فمن منتفع بهديه في الدين، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة، ومن منتفع به في الأخلاق والفضائل، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم. وقد جعل أئمة الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16] فإن قَصَّر بأحد سعيُه عن كمال الانتفاع به، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية، ولا يزال أهل العلم والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن. وتلتئم الجمل الأربع كمالَ الالتئمام: فإن جملة {أية : الم}تفسير : [البقرة: 1]تسجيل لإعجاز القرآن وإنحاء على عامة المشركين عجزهم عن معارضته وهو مؤلف من حروف كلامهم وكفى بهذا نداء على تعنتهم. وجملة: {ذلك الكتاب} تنويه بشأنه وأنه بالغ حد الكمال في أحوال الكتب، فذلك موجه إلى الخاصة من العقلاء أن يقول لهم هذا كتاب مؤلف من حروف كلامكم، وهو بالغ حد الكمال من بين الكتب، فكان ذلك مما يوفر دواعيكم على اتباعه والافتخار بأنْ منحتموه فإنكم تعُدون أنفسكم أفضل الأمم، فكيف لا تسرعون إلى متابعة كتاب نزل فيكم هو أفضل الكتب فوزان هذا وزان قوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} إلى قوله: {أية : ورحمة}تفسير : [الأنعام: 156، 157]، وموَجَّه إلى أهل الكتاب بإيقاظهم إلى أنه أفضل مما أوتوه. وجملةُ: {لا ريب} إن كان الوقف على قوله: {لا ريب} تعريضٌ بكل المرتابين فيه من المشركين وأهل الكتاب أي أن الارتياب في هذا الكتاب نشأ عن المكابرة، وأن (لا ريب) فإنه الكتاب الكامل، وإن كان الوقف على قوله: {فيه} كان تعريضاً بأهل الكتاب في تعلقهم بمحرف كتابيهم مع ما فيهما من مثار الريب والشك من الاضطراب الواضح الدال على أنه من صنع الناس، قال تعالى: {أية : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : [النساء: 82]. وقال في «الكشاف»: ثم لم تخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن نظمت هذا التنظيم السري من نكتة ذاتِ جزالة: ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر - وهو الهدى - موضع الوصف وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين ا هـ. فالتقوى إذن بهذا المعنى هي أساس الخير، وهي بالمعنى الشرعي الذي هو غاية المعنى اللغوي جماع الخيرات. قال ابن العربي لم يتكرر لفظ في القرآن مثلما تكرر لفظ التقوى اهتماماً بشأنها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن هدى للمتقين، ويفهم من مفهوم الآية - أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب - أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44] وقوله: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} تفسير : [الإسراء: 82] وقوله: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [التوبة: 124-125] وقوله تعالى: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} تفسير : [المائدة: 64] الآيتين. ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابُ} (2) - لاَ شَكَّ في أَنَّ هَذَا القُرآنَ (الكِتَابُ) مُنْزَلٌ مِنْ عِندِ اللهِ، وَهُوَ هُدًى وَنُورٌ يَهتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ، الذِينَ يَجتَهِدُونَ في العَمَلِ بِطَاعَةِ اللهِ، وَيَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَأَسْبَابَ العِقَابِ. الاتِّقَاءُ - هُوَ الحَجْزُ بَيْنَ شَيئَين وَمِنْهُ اتَّقَى الطَّعنَةَ بِتُرْسِهِ، أَيْ جَعَلَ التُّرْسَ حَاجِزاً بَيْنَ الرُّمْحِ وَبَيْنَهُ. هُدًى - هَادٍ مِنَ الضَّلالَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : في الآية الثانية من سورة البقرة وصف الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم بأنه الكتاب. وكلمة (قرآن) معناها أنه يُقرأ، وكلمة (كتاب) معناها أنه لا يحفظ فقط في الصدور، ولكن يُدوّن في السطور، ويبقى محفوظاً إلى يوم القيامة، والقول بأنه الكتاب، تمييز له عن كل كتب الدنيا، وتمييز له عن كل الكتب السماوية التي نزلت قبل ذلك، فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل أحكام السماء، منذ بداية الرسالات حتى يوم القيامة، وهذا تأكيد لارتفاع شأن القرآن وتفرده وسماويته ودليل على وحدانية الخالق، فمنذ فجر التاريخ، نزلت على الأمم السابقة كتب تحمل منهج السماء، ولكن كل كتاب وكل رسالة نزلت موقوتة، في زمانها ومكانها، تؤدي مهمتها لفترة محددة وتجاه قوم مُحدَّدين. فرسالة نوح عليه السلام كانت لقومه، وكذلك إبراهيم ولوط وشعيب وصالح عليهم السلام .. كل هذه رسالات كان لها وقت محدود، تمارس مهمتها في الحياة، حتى يأتي الكتاب وهو القرآن الكريم الجامع لمنهج الله سبحانه وتعالى. ولذلك بُشر في الكتب السماوية التي نزلت قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام بأن هناك رسولاً سيأتي، وأنه يحمل الرسالة الخاتمة للعالم، وعلى كل الذين يصدقون بمنهج السماء أن يتبعوه .. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ..} تفسير : [الأعراف: 157]. والقرآن هو الكتاب، لأنه لن يصل إليه أي تحريف أو تبديل، فرسالات السماء السابقة ائتمن الله البشر عليها، فنسوا بعضها، وما لم ينسوه حرفوه، وأضافوا إليه من كلام البشر، ما نسبوه إلى الله سبحانه وتعالى ظلماً وبهتاناً، ولكن القرآن الكريم محفوظ من الخالق الأعلى، مصداقاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ومعنى ذلك ألا يرتاب انسان في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة بقدرة الله سبحانه وتعالى: يقول الحق جل جلاله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]. والإِعجاز الموجود في القرآن الكريم هو في الأسلوب وفي حقائق القرآن وفي الآيات وفيما رُوِيَ لنا من قصص الأنبياء السابقين، وفيما صحح من التوراة والإنجيل، وفيما أتى به من علم لم تكن تعلمه البشرية وما زالت حتى الآن لا تعلمه، كل ذلك يجعل القرآن لا ريب فيه، لأنه لو اجتمعت الإنس والجن ما استطاعوا أن يأتوا بآية واحدة من آيات القرآن، ولذلك كلما تأملنا في القرآن وفي أسلوبه، وجدنا أنه بحق لا ريب فيه، لأنه لا أحد يستطيع أن يأتي بآية، فما بالك بالقرآن. فهذا الكتاب ارتفع فوق كل الكتب، وفوق مدارك البشر، يوضح آيات الكون، وآيات المنهج، وله في كل عصر معجزات. إن كلمة الكتاب التي وصف الله سبحانه وتعالى بها القرآن تمييزاً له عن كل الكتب السابقة، تلفتنا إلى معان كثيرة، تحدد لنا بعض أساسيات المنهج التي جاء هذا الكتاب ليبلغنا بها. وأول هذه الأساسيات، أن نزول هذا الكتاب، يستوجب الحمد لله سبحانه وتعالى. واقرأ في سورة الكهف: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} تفسير : [الكهف: 1-2]. ويلفت الله سبحانه وتعالى عباده الى أن إنزاله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم يستوجب الحمد من البشر جميعاً، لأن فيه منهج السماء، وفيه الرحمة من الله لعباده، وفيه البشارة بالجنة والطريق إليها، وفيه التحذير من النار وما يقود إليها، وهذا التحذير أو الإنذار هو رحمة من الله تعالى لخلقه. لأنه لو لم ينذرهم لفعلوا ما يستوجب العذاب، ويجعلهم يخلدون في عذاب أليم. ولكن الكتاب الذي جاء ليلفتهم إلى ما يغضب الله، حتى يتجنبوه، إنما جاء برحمة تستوجب الحمد، لأنها أرتنا جميعاً، الطريق الى النجاة من النار، ولو لم ينزل الله سبحانه وتعالى الكتاب، ما عرف الناس المنهج الذي يقودهم الى الجنة، وما استحق أحد منهم رضا الله ونعيمه في الآخرة. وفي سورة الكهف، نجد تأكيداً آخر .. إن كتاب الله، وهو القرآن الكريم لن يستطيع بشر أن يبدل منه كلمة واحدة، واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} تفسير : [الكهف: 27]. ويبين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب، جاء لنفع الناس، ولنفع العباد، وأن الله ليس محتاجاً لخلقه، فهو قادر على أن يقهر من يشاء على الطاعة، ولا يمكن لخلق من خلق الله أن يخرج من كون الله عن مرادات الله، واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 1-4]. ويأتي الله سبحانه وتعالى بالقسم الذي يلفتنا الى أن كل كلمة من القرآن هي من عند الله، كما أبلغها جبريل عليه السلام لمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الواقعة: 75-80]. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى ذلك الكتاب الذي هو منهج للإنسان على الأرض، فبعد أن بيَّن لنا جل جلاله، بما لا يدع مجالاً للشك أن الكتاب منزل من عنده، وأنه يصحح الكتب السابقة كالتوراة، والإنجيل والتي أئتمن الله عليها البشر، فحرفوها وبدلوها، وهذا التحريف أبطل مهمة المنهج الإلهي بالنسبة لهذه الكتب، فجاء الكتاب الذي لم يصل إليه تحريف ولا تبديل، ليبقى منهجاً لله، إلى أن تقوم الساعة. أول ما جاء به هذا الكتاب هو إيمان القمة، بأنه لا إله إلا الله الواحد الأحد .. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تفسير : [آل عمران: 1-3]. وهكذا نعرف ان الكتاب نزل ليؤكد لنا، ان الله واحد أحد، لا شريك له، وأن القرآن يشتمل على كل ما تضمنته الشرائع السماوية من توراة وإنجيل، وغيرها من الكتب. فالقرآن نزل ليُفَرِّقَ بين الحق الذي جاءت به الكتب السابقة، وبين الباطل الذي أضافه أولئك الذين ائتمنوا عليها. ثم يحدد الحق تبارك وتعالى لنا مهمتنا في أن هذا الكتاب مطلوب أن نبلغه للناس جميعاً، واقرأ قوله سبحانه: {أية : الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 1-2]. فالخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، يتضمن خطاباً لأمته جميعاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم كُلِّف بأن يُبَلِّغَ الكتاب للناس، ونحن مكلفون بأن نتبع المنهج نفسه ونبلغ ما جاء في القرآن للناس حتى يكون الحساب عدلاً، وأنهم قد بلغوا منهج الله، ثم كفروا به أو تركوه، إذن فإبلاغ الكتاب من المهمات الأساسية التي حددها الله سبحانه وتعالى بالنسبة للقرآن. والكتاب فيه رد على حجج الكفار وأباطيلهم. واقرأ قول الله تبارك وتعالى: {أية : الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يونس: 1-2]. وفي هذه الآيات الكريمة: يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى حقيقتين .. الحقيقة الأولى هي إن الكفار يتخذون من بشرية الرسول حُجة بأن هذا الكتاب ليس من عند الله. وكان الرد هو: إن كل الرسل السابقين كانوا بشراً، فما هو العجب في أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بشراً. واللفتة الثانية هي إن هذا القرآن مكتوب بالحروف نفسها التي خلقها الله لنا لنكتب بها، ومع ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدماً لهذه الحروف التي يعرفها الناس جميعاً، معجزاً في ألا يستطيع الإنس والجن، مجتمعين أن يأتوا بسورة واحدة منه. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى لفتة اخرى إلى أن هذا الكتاب محكم الآيات، ثم بَيَّنَهُ الله لعباده، واقرأ قوله جل جلاله في سورة هود: {أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} تفسير : [هود: 1-2]. هذه هي بعض الآيات في القرآن الكريم، التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا فيها إلى معنى الكتاب، فآياته من عند الله الحكيم الخبير، وكل آية فيها إعجاز مُتَحدَّي به الإنس والجن، وهذا الكتاب لابد أن يبلغ للناس جميعاً، فالكتاب ينذرهم ألا يعبدوا إلا الله، ليكون الحساب عدلاً في الآخرة، فمَنْ أنذر وأطاع كان له الجنة، ومَنْ عصى كانت له النار والعياذ بالله. ثم يلفتنا الله إلى أن هذا الكتاب فيه قصص الأنبياء السابقين منذ آدم عليه السلام، يقول جل جلاله: {أية : الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف:1-3]. وهكذا نجد أن القرآن الكريم، قد جاء ليقص علينا أحسن القصص بالنسبة للأنبياء السابقين، والأحداث التي وقعت في الماضي، ولم يأت القرآن بهذه القصص للتسلية أو للترفيه، وإنما جاء بها للموعظة ولتكون عبرة إيمانية، ذلك أن القصص القرآني يتكرر في كل زمان ومكان. ففرعون هو كل حاكم طغى في الأرض، ونصب نفسه إلهاً، وقارون هو كل مَنْ أنعم الله عليه فنسب النعمة إلى نفسه، وتكبر وعصى الله، وقصة يوسف هي قصة كل إخوة حقدوا على أخ لهم، وتآمروا عليه، وأهل الكهف هم كل فتية آمنوا بربهم، فنشر الله لهم من رحمته في الدنيا والآخرة، ما عدا قصة واحدة هي قصة مريم وعيسى عليهما السلام، فهي معجزة لن تتكرر ولذلك عرَّف الله سبحانه وتعالى أبطالها، فقال عيسى بن مريم وقال مريم ابنة عمران. والكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى فيه لفتة الى آيات الله في كونه. واقرأ قوله تعالى: {أية : الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} تفسير : [الرعد: 1-2]. وهكذا بيَّن لنا الله في الكتاب آياته في الكون ولفتنا إليها، فالسماء مرفوعة بغير عمد نراها، والشمس والقمر مسخران لخدمة الإنسان، وهذه كلها آيات لا يستطيع أحد من خلق الله أن يدعيها لنفسه أو لغيره، فلا يوجد حتى يوم القيامة مَنْ يستطيع أن يدَّعي أنه رفع السماء بغير عمد، أو أنه خلق الشمس والقمر وسخرهما لخدمة الإنسان. ولو تدبر الناس في آيات الكون لآمنوا ولكنهم في غفلة عن هذه الآيات. ثم يحدد الحق سبحانه وتعالى مهمة هذا الكتاب وكيف أنه رحمة للناس جميعاً، فيقول جل جلاله: {أية : الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 1-2]. أي أن مهمة هذا الكتاب هي أن يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والشرك إلى نور الإيمان، لأن كل كافر مشرك تحيط به ظلمات، يرى الآيات فلا يبصرها، ويعرف أن هناك حساباً وآخرة ولكنه ينكرهما، ولا يرى إلا الحياة الدنيا القصيرة غير المأمونة في كل شيء، في العمر والرزق والمتعة، ولو تطلع إلى نور الإيمان، لرأى الآخرة وما فيها من نعيم أبدي ولَعَمِلَ من أجلها، ولكن لأنه تحيط به الظلمات لا يرى .. والطريقُ لأن يرى هو هذا الكتاب، القرآن الكريم لأنه يخرج الناس إذا قرأوه من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الحقيقة واليقين. وبيَّن الحق سبحانه وتعالى أن الذين يلتفتون إلى الدنيا وحدها، هم كالأنعام التي تأكل وتشرب، بل إن الأنعام أفضل منهم، لأن الأنعام تقوم بمهمتها في الحياة، بينما هم لا يقومون بمهمة العبادة، فيقول الحق تبارك وتعالى: {أية : الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ * رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الحجر: 1-3]. هكذا يخبرنا الحق أن آيات كتابه الكريم ومنهجه لا تؤخذ بالتمني، ولكن لابد أن يعمل بها، وأن الذين كفروا في تمتعهم بالحياة الدنيا لا يرتفعون فوق مرتبة الأنعام، وأنهم يتعلقون بأمل كاذب في أن النعيم في الدنيا فقط، ولكن الحقيقة غير ذلك وسوف يعلمون. وهكذا بعد أن تعرضنا بإيجاز لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر الكتاب أنه كتاب يبصرنا بقضية القمة في العقيدة وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله. وهو بهذا يخرج الناس من الظلمات الى النور. ويلفتهم إلى آيات الكون .. وليعرفوا أن هناك آخرة ونعيماً أبدياً وشقاء أبدياً، وليقيم الدليل والحجة على الكافرين، وأن قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ..} [البقرة: 2] يحمل معنى التفوق الكامل الشامل على كل ما سبقه من كتب. وأنه سيظل كذلك حتى قيام الساعة ولذلك وصفه الحق تبارك وتعالى بأنه "كتاب" ليكون دليلاً على الكمال. ولابد أن نعرف أن {ذَلِكَ ..} [البقرة: 2] ليست كلمة واحدة .. وإنما هي ثلاث كلمات .. "ذا" إسم إشارة .. "واللام" تدل على الابتعاد ورفعة شأن القرآن الكريم، و"ك" لمخاطبة الناس جميعاً بأن القرآن الكريم له عمومية الرسالة إلى يوم القيامة. ونحن عندما نقرأ سورة البقرة نستطيع أن نقرأ آيتها الثانية بطريقتين .. الطريقة الأولى أن نقول {الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} [البقرة: 1-2] ثم نصمت قليلاً ونضيف: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] والطريقة الثانية أن نقول: {الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ ..} [البقرة: 2] ثم نصمت قليلاً ونضيف: {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] وكلتا الطريقتين توضح لنا معنى "لا ريب" أي: لا شك .. أو نفي للشك وجزم مطلق أنه كتاب حكيم منزل من الخالق الأعلى. وحتى نفهم المنطلق الذي نأخذ منه قضايا الدين، والتي ستكون دستورنا في الحياة، فلابد أن نعرف ما هو الهدى ومَنْ هم المتقون؟ الهدى هو الدلالة على طريق يوصلك إلى ما تطلبه. فالإشارات التي تدل المسافر على الطريق هي هدى له لأنها تبين له الطريق الذي يوصله إلى المكان الذي يقصده .. والهدى يتطلب هادياً ومهدياً وغاية تريد أن تحققها. فإذا لم تكن هناك غاية أو هدف فلا معنى لوجود الهدى لأنك لا تريد أن تصل إلى شيء .. وبالتالي لا تريد مَنْ أحد أن يدلك على طريق. إذن لابد أن نوجد الغاية أولا ثم نبحث عمَّنْ يوصلنا اليها. وهنا نتساءل: مَنْ الذي يحدد الهدف ويحدد لك الطريق للوصول إليه؟ إذا أخذنا بواقع حياة الناس، فإن الذي يحدد لك الهدف لابد أن تكون واثقاً من حكمته .. والذي يحدد لك الطريق لابد أن يكون له من العلم ما يستطيع به أن يدلك على أقصر الطرق لتصل إلى ما تريد. فإذا نظرنا إلى الناس في الدنيا نجد أنهم يحددون مطلوبات حياتهم ويحددون الطريق الذي يحقق هذه المطلوبات .. فالذي يريد أن يبني بيتاً مثلاً يأتي بمهندس يضع له الرسم، ولكن الرسم قد يكون قاصراً على أن يحقق الغاية المطلوبة فيظل يُغَيِّر ويُبدِّل فيه. ثم يأتي مهندس على مستوى أعلى فيضع تصوراً جديداً للمسألة كلها .. وهكذا يكون الهدف متغيراً وليس ثابتاً. وعند التنفيذ قد لا توجد المواد المطلوبة فنغير ونبدل لنأتي بغيرها ثم فوق ذلك كله قد تأتي قوة أعلى فتوقف التنفيذ أو تمنعه. إذن، فأهداف الناس متغيرة تحكمها ظروف حياتهم وقدراتهم: والغايات التي يطلبونها لا تتحقق لقصور علم البشر وإمكاناته. إذن، فكلنا محتاجون إلى كامل العلم والحكمة ليرسم لنا طريق حياتنا .. وأن يكون قادراً على كل شيء، ومالكا لكل شيء، والكون خاضع لإرادته حتى نعرف يقينا أن ما نريده سيتحقق، وأن الطريق الذي سنسلكه سيوصلنا إلى ما نريده. وينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى هذه القضية فيقول: {أية : قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ..}تفسير : [البقرة: 120]. إن الله يريد أن يلفت خلقه ألى أنهم إذا أرادوا أن يصلوا إلى الهدف الثابت الذي لا يتغير فليأخذوه عن الله. وإذا أرادوا أن يتبعوا الطريق الذي لا توجد فيه أي عقبات أو متغيرات .. فليأخذوا طريقهم عن الله تبارك وتعالى .. إنك إذا أردت باقياً .. فخذ من الباقي، وإذا أردت ثابتاً .. فخذ من الثابت. ولذلك كانت قوانين البشر في تحديد أهدافهم في الحياة وطريقة الوصول إليها قاصرة .. علمت أشياء وغابت عنها أشياء .. ومن هنا فهي تتغير وتتبدل كل فترة من الزمان. ذلك أن مَنْ وضع القوانين من البشر له هدف يريد أن يحققه، ولكن الله جل جلاله لا هوى له .. فإذا أردت أن تحقق سعادة في حياتك، وأن تعيش آمنا مطمئناً .. فخذ الهدف عن الله، وخذ الطريق عن الله. فإن ذلك ينجيك من قلق متغيرات الحياة التي تتغير وتتبدل. والله قد حدد لخلقه ولكل ما في كونه أقصر طريق لبلوغ الكون سعادته. والذين لا يأخذون هذا الطريق يتعبون أنفسهم ويتعبون مجتمعهم ولا يحققون شيئاً. إذن، فالهدف يحققه الله لك، والطريق يبينه الله لك .. وما عليك إلا أن تجعل مراداتك في الحياة خاضعة لما يريده الله. ويقول الله سبحانه وتعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] .. ما معنى المتقين؟ متقين جمع مُتَّقٍ. والاتقاء من الوقاية .. والوقاية هي الاحتراس والبعد عن الشر .. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..} تفسير : [التحريم: 6]. أي اعملوا بينكم وبين النار وقاية. احترسوا من أن تقعوا فيها .. ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم - والقرآن كله كلام الله - {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البقرة: 278]. ويقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [البقرة: 24]. كيف نأخذ سلوكاً واحداً تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟! الله تعالى يقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [البقرة: 24]. أي لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تعذبوا في النار .. فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي وفعلت الخير. وقوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البقرة: 278]. كيف نتقيه بينما نحن نطلب من الله كل النعم وكل الخير دائماً. كيف يمكن أن يتم هذا؟ وكيف نتقي مَنْ نحب؟. نقول إن لله سبحانه وتعالى صفات جلال وصفات جمال .. صفات الجلال تجدها في القهار والجبار والمذل، والمنتقم، والضار. كل هذا من متعلقات صفات الجلال .. بل إن النار من متعلقات صفات الجلال. أما صفات الجمال فهي الغفار والرحيم وكل الصفات التي تتنزل بها رحمات الله وعطاءاته على خلقه. فاذا كنت تقي نفسك من النار ـ وهي من متعلقات صفات الجلال ـ لابد أن تقي نفسك من صفات الجلال كلها. لأنه قد يكون من متعلقاتها ما أشد عذاباً وإيلاماً من النار .. فكأن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [البقرة: 24]. و: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البقرة: 278] يعني أن نتقي غضب الله الذي يؤدي بنا إلى أن نتقي كل صفات جلاله .. ونجعل بيننا وبينها وقاية. فمَنْ اتقى صفات جلال الله أخذ صفات جماله .. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة ). تفسير : وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (تجلى الرحمن بالمغفرة) ولكن ما دامت هناك ذنوب، فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم. فكأن صفة الغفار تشفع عند صفة الجبار .. وصفة الجبار مقامها للعاصين، فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها، فيغفر الله للعاصين ذنوبهم، وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي كلمة جبار .. يشعر الإنسان بالفزع والخوف والرعب. لكن عندما تسمع (تجلى الجبار بالمغفرة) فإن السعادة تدخل إلى قلبك. لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك. والنار ليست آمرة ولا فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة. إذن فاستعذ منها بالآمر أو بصفات الجمال في الآمر. يقول الحق سبحانه وتعالى {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ولقد قلنا إن الهدى هدى الله .. لأنه هو الذي حدد الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل إليها. فكون الله هو الذي حدد المطلوب ودلنا على الطريق إليه فهذه قمة النعمة .. لأنه لم يترك لنا أن نحدد غايتنا ولا الطريق إليها. فرحمنا بذلك مما سنتعرض له من شقاء في أن نخطئ ونصيب بسبب علمنا القاصر، فنشقى وندخل في تجارب، ونمشي في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه إلى طريق آخر فيكون أضل وأشقى. وهكذا نتخبط دون أن نصل إلى شيء .. وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله فأنزل القرآن الكريم .. كتاباً فيه هداية للناس وفيه دلالة على أقصر الطرق لكي نتقي عذاب الله وغضبه. والله سبحانه وتعالى قال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] أي أن هذا القرآن هدى للجميع، فالذي يريد أن يتقي عذاب الله وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية .. فالهدى من الحق تبارك وتعالى للناس جميعاً. ثم خَصَّ مَنْ آمن به بهديً آخر، وهو أن يعينه على الطاعة. إذن، فهناك هدى من الله لكل خلقه وهو أن يدلهم سبحانه وتعالى ويبين لهم الطريق المستقيم. هذا هو هدى الدلالة، وهو أن يدل الله خلقه جميعاً على الطريق إلى طاعته وجنته. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]. إذن الحق سبحانه وتعالى دلهم على طريق الهداية .. ولكنهم أحبوا طريق الغواية والمعصية واتبعوه .. هذه هداية الدلالة .. أما هداية المعونة ففي قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. وهذه هي دلالة المعونة .. وهي لا تحق إلا لمَنْ آمن بالله واتبع منهجه وأقبل على هداية الدلالة وعمل بها .. والله سبحانه وتعالى لا يعين مَنْ يرفض هداية الدلالة، بل يتركه يضل ويشقى .. ونحن حين نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله تبارك وتعالى يقول لنبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [القصص: 56]. وهكذا نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون هادياً لمَنْ أحب، ولكن الحق يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52]. فكيف يأتي هذا الاختلاف مع أن القائل هو الله. نقول: عندما تسمع هذه الآيات اعلم أن الجهة منفكة .. يعني ما نفى غير ما أثبت .. ففي غزوة بدر مثلاً أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى قذفها في وجه جيش قريش. يأتي القرآن الكريم إلى هذه الواقعة فيقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ..} تفسير : [الأنفال: 17]. نفي للحدث وإثباته في الآية نفسها .. كيف رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. مع أن الله تبارك وتعالى قال: {أية : وَمَا رَمَيْتَ ..} تفسير : [الأنفال: 17]؟! نقول إنه في هذه الآية الجهة منفكة، الذي رمى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي أوصل الحصى إلى كل جيش قريش لتصيب كل مقاتل فيهم هي قدرة الله سبحانه وتعالى. فما كان لرمية رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى يمكن أن تصل إلى كل جيش الكفار، ولكن قدرة الله هي التي جعلت هذا الحصى يصيب كل جندي في الجيش. أما قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52]، فهي هداية دلالة. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج الله قد دل الناس - كل الناس - على الطريق المستقيم وبينه لهم. وقوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56] .. أي إنك لا توصِّل الهداية إلى القلوب لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي القلوب ويزيدها هدى وإيماناً. ولذلك أطلقها الله تبارك وتعالى قضية إيمانية عامة في قوله: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 73] فالقرآن الكريم يحمل هداية الدلالة للذين يريدون أن يجعلوا بينهم وبين غضب الله وعذابه وقاية.
زيد بن علي
تفسير : وقولُه تعالى: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} معناه هذا الكتابُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} معناه لا شَكَّ فِيهِ. والرَّيبُ أَيضاً: السّوءُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} فالهُدى: البَيانُ. والمتَّقونَ: المُطيعونَ الخَاشِعونَ.
همام الصنعاني
تفسير : 16ـ عبد الرزّاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: [الآية: 2]، يقول: "لا شك فيه".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):