Verse. 8 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

الۗمّۗ۝۱ۚ
Aliflammeem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الم» الله أعلم بمراده بذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : تفسير آلم حروف الهجاء: {الم } فيه مسألتان: المسألة الأولى: ـ اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، لأن الضاد مثلاً لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، وذلك المعنى هو الحرف الأول من «ضرب» فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة، فكانت لا محالة أسماء. فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»تفسير : الحديث، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا: سماه حرفاً مجازاً لكونه اسماً للحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور. معاني تسمية حروفها: فروع: الأول: أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظاً كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكناً. حكمها ما لم تلها العوامل: الثاني: حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفاً ونظرت إلى ألف، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات. كونها معربة: الثالث: هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين. معاني آلم: المسألة الثانية: للناس في قوله تعالى: {الم } وما يجري مجراه من الفواتح قولان: أحدهما: أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وقال علي رضي الله عنه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وقال بعض العارفين: العلم بمنزلة البحر فأجرى منه وادٍ ثم أجرى من الوادي نهر. ثم أجرى من النهر جدول، ثم أجرى من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } تفسير : [الرعد: 17] فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطي الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم. وعلى هذا ما روي في الخبر «للعلماء سر، وللخلفاء سر. وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سرالملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين، وبادوا بائرين». والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر. وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل: هو من المتشابه. واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول. حجج المتكلمين بالآيات: أما الآيات فأربعة عشر. أحدها: قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } تفسير : [محمد: 24] أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها: قوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱلَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82] فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق؟ وثالثها: قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } تفسير : [الشعراء: 192 ـ 195] فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذراً به، وأيضاً قوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً. ورابعها: قوله: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } تفسير : [النساء: 83] والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها: قوله: {أية : تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } تفسير : [النحل: 89] وقوله: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } تفسير : [الأنعام: 38] وسادسها: قوله: {أية : هُدًى لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 185]، {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها: قوله: {أية : حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } تفسير : [القمر: 5] وقوله: {أية : وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [يونس: 57] وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها: قوله: {أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } تفسير : [المائدة: 15] وتاسعها: قوله: {أية : أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [العنكبوت: 51] وكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم؟ وعاشرها: قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } فكيف يكون بلاغاً، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم؟ وقال في آخر الآية {أية : وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [إبراهيم: 52] وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً الحادي عشر: قوله: {أية : قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 174] فكيف يكون برهان ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم؟ الثاني عشر: قوله: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } تفسير : [طه: 123، 124] فكيف يمكن اتباعه والأعراض عنه غير معلوم؟ الثالث عشر: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9] فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم؟ الرابع عشر: قوله تعالى: {أية : آمن ٱلرَّسُولُ} تفسير : [البقرة: 285] إلى قوله {أية : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } تفسير : [البقرة: 285] والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً. الاحتجاج بالأخبار: وأما الأخبار: فقوله عليه السلام: «حديث : إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنّتي»تفسير : فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال: حديث : عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، هو الذي لاتزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيمتفسير : . الاحتجاج بالمعقول: أما المعقول فمن وجوه: أحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول. احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات: أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم، لقوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } والوقف ههنا واجب لوجوه. أحدها: أن قوله تعالى: {أية : وَٱلرٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ } تفسير : [آل عمران: 7] لو كان معطوفاً على قوله: {إِلاَّ ٱللَّهُ } لبقي {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } منقطعاً عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، لأنا نقول حينئذٍ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلاً { كل من عند ربنا} وهذا كفر. وثانيها: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح وثالثها: أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذماً، لكن قد جعله الله تعالى ذماً حيث قال: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } تفسير : [آل عمران: 7]. احتجاجهم بالخبر: وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبراً يدل على قولنا، وروي أنه عليه السلام قال: «حديث : إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله»تفسير : ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقاً، لقوله عليه السلام «حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»تفسير : . احتجاجهم بالمعقول: وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان. منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضاً أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتاً إليه أبداً، ومتفكراً فيه أبداً، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب. هل المراد من الفواتح معلوم: القول الثاني: قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوهاً. الأول: أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال: وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً، الثاني: أنها أسماء لله تعالى، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: «يا كهۤيعص، يا حۤم عۤسق» الثالث: أنها أبعاض أسماء الله تعالى، قال سعيد بن جبير: قوله (آلر، حۤم، نۤ) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي، الرابع: أنها أسماء القرآن، وهو قول الكلبي والسدي وقتادة الخامس: أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، قال ابن عباس رضي الله عنهما في (آلم): الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد، أول، آخر، أزلي، أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان، وقال في: {كهيعص } إنه ثناء من الله تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً، والهاء يدل على كونه هادياً، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنه يجير، والعين على العزيز والعدل. والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين، وفي الثاني ليس كذلك، السادس: بعضها يدل على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات. قال ابن عباس في {ألم } أنا الله أعلم، وفي {المص } أنا الله أفصل، وفي {الر } أنا الله أرى، وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه. السابع: كل واحد منها يدل على صفات الأفعال، فالألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده. قاله محمد بن كعب القرظي. وقال الربيع بن أنس: ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه. الثامن: بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله، فقال الضحاك: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، التاسع: كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال، فالألف معناه ألف الله محمداً فبعثه نبياً، واللام أي لامه الجاحدون، والميم أي ميم الكافرون غيظوا وكبتوا بظهور الحق. وقال بعض الصوفية: الألف معناه أنا، واللام معناه لي، والميم معناه مني، العاشر: ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين ـ إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجاً على الكفار، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر، الحادي عشر: قال عبد العزيز بن يحيـى: إن الله تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال: اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولاً مفردة ثم يتعلمون المركبات، الثاني عشر: قول ابن روق وقطرب: إن الكفار لما قالوا: {أية : لا تسمعوا لهذاالقرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} تفسير : [فصلت: 26] وتواصلوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبباً لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن؛ فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم، الثالث عشر: قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام، وآجال آخرين، قال ابن عباس رضي الله عنه: مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو سورة البقرة {أية : ألم ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 1، 2] ثم أتى أخوه حيـي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن ألم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم كذلك نزلت»تفسير : ، فقال حيـى إن كنت صادقاً إني لأَعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال حيـى فهل غير هذا؟ فقال: نعم {المص }، فقال حيـي: هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة، فهل غير هذا، قال: نعم {الر }، فقال حيـى هذا أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ فقال: نعم {المر }، قال حيـي: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟ فذلك قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ}.تفسير : [آل عمران: 7] الرابع عشر: هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، قال أحمد بن يحيـى بن ثعلب: إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد. الخامس عشر: روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به على نفسه، السادس عشر: قال الأخفش: إن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد، هو الكل، كما تقول قرأت الحمد، وتريد السورة بالكلية، فكأنه تعالى قال: أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ، السابع عشر: أن التكلم بهذه الحروف، وإن كان معتاداً لكل أحد، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخباراً عن الغيب؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكرها ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه. الثامن عشر: قال أبو بكر التبريزي: إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيهاً على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف، فيجب أن لا يكون قديماً. التاسع عشر: قال القاضي الماوردي: المراد من «ألم» أنه ألم بكم ذلك الكتاب. أي نزل عليكم، والإلمام الزيارة، وإنما قال تعالى ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر العشرون: الألف إشارة إلى ما لا بدّ منه من الاستقامة في أول الأمر، وهو رعاية الشريعة، قال تعالى: {أية : إِن ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30] واللام إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات، وهو رعاية الطريقة، قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت: 69] والميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وبدايتها عين نهايتها، وذلك إنما يكون بالفناء في الله تعالى بالكلية، وهو مقام الحقيقة، قال تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } تفسير : [الأنعام: 91] الحادي والعشرون: الألف من أقصى الحلق، وهو أول مخارج الحروف، واللام من طرف اللسان، وهو وسط المخارج، والميم من الشفة، وهو آخر المخارج، فهذه إشارة إلى أنه لا بدّ وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه وآخره ليس إلا الله تعالى، على ما قال: {أية : فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الذاريات: 50]. كون فواتح السور أسماءها: والمختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور، والدليل عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة، أو تكون مفهومة، والأول باطل، أما أولاً فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج، وأما ثانياً فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدى وذلك ينافي كونه غير معلوم. وأما القسم الثاني فنقول: إما أن يكون مراد الله تعالى منها جعلها أسماء الألقاب، أو أسماء المعاني، والثاني باطل؛ لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون، فيمتنع حملها عليها؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلاً في لغة العرب؛ ولأن المفسرين ذكروا وجوهاً مختلفة، وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فأما أن يعمل على الكل، وهو معتذر بالإجماع؛ لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من هذه المعاني المذكورة، وليس فيهم من حملها على الكل، أو لا يحمل على شيء منها، وهو الباقي، ولما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب. جعلها أسماء ألقاب أو معاني: فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ غير معلومة، قوله: «لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج» قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟ وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة، والسجيل والاستبرق فارسيان، قوله: «وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان» قلنا: لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى وبياناً فكذا ههنا، سلمنا أنها مفهومة، لكن قولك: «إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني» إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما وذلك ممنوع، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا، فحينئذٍ يهجم القرآن على أسماعهم، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما، فلم لا يجوز أن يقال: إنها من أسماء المعاني؟ قوله: «إنها في اللغة غير موضوعه لشيء البتة» قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء، ولكن لم لا يجوز أن يقال: إنها مع القرينة المخصوصة تفيد معنى معيناً؟ وبيانه من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم: إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله، وثانيها: أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس، وثالثها: أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة، فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء، ورابعها: أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب، فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيهاً على أسمائه تعالى. سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه: أحدها: أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في {الم } و {حـم } فالاشتباه حاصل فيها، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه. فإن قيل: يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد؛ فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية. قلنا: قولنا {ألم } لا يفيد معنى ألبتة، فلو جعلناه علماً لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علماً، بخلاف التسمية بمحمد، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين، وهو التبرك به لكونه إسماً للرسول، ولكونه دالاً على صفة من صفات الشرف، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين، بخلاف قولنا: {ألم } فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثاً محضاً. وثانيها: لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر؛ لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر وارتفع الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور، وثالثها: أن القرآن نزل بلسان العرب، وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب، وأنه غير جائز، ورابعها: أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران، وخامسها: هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة، فلو جعلناها اسماً للسورة لزم التقدم والتأخر معاً، وهو محال، فإن قيل: مجموع قولنا: «صاد» اسم للحرف الأول منه، فإذا جاز أن يكون المركب اسماً لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسماً لذلك المركب؟ قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن المركب يتأخر عن المفرد، والاسم يتأخر عن المسمى، فلو جعلنا المركب اسماً للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين، وذلك غير مستحيل، أما لو جعلنا المفرد اسماً للمركب لزم من حيث أنه مفرد كونه متقدماً ومن حيث أنه اسم كونه متأخراً، وذلك محال، وسادسها: لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه، ومعلوم أنه غير حاصل. الجواب: «قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب» قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن كل ذلك عربي، لكنه موافق لسائر اللغات، وقد يتفق مثل ذلك في اللغتين: الثاني: أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولاً في بلاد العرب، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها، فتكلموا بتلك الأسماء، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضاً. قوله: «وجد أن المجمل في كتاب الله لا يقدح في كونه بياناً» قلنا: كل مجمل وجد في كتاب الله تعالى قد وجد في العقل، أو في الكتاب، أو في السنة بيانه، وحينئذٍ يخرج عن كونه غير مفيد، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد الله منه. وقوله: «لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب؟» قلنا: لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذاالغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض، وهو بالإجماع باطل. وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا: «ألم» غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني، فلا يجوز استعمالها فيه، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب، ولأنها متعارضة، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى من البعض؛ ولأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية وسائر الهذيانات، وذلك مما لا سبيل إليه. أما الجواب عن المعارضة الأولى: فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم واحد ـ ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى ـ حكمة خفية. وعن الثاني: أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام، فجاز أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر. وعن الثالث: أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت اسماً واحداً على طريقة «حضرموت» فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك جائز؛ فإن سيبويه نص على جواز التسمية بالجملة، والبيت من الشعر، والتسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم. وعن الرابع: أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا ههنا. وعن الخامس: أن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على زمانه المعين، ولفظ الاسم كذلك، فيكون الاسم اسماً لنفسه، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء اسماً له. وعن السادس: أن وضع الاسم إنما يكون بحسب الحكمة، ولا يبعد أن تقتضي الحكمة وضع الاسم لبعض السور دون البعض. على أن القول الحق: أنه تعالى يفعل ما يشاء، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة. واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب: من أن المشركين قال بعضهم لبعض: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}تفسير : [فصلت: 26] فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً، والإنسان حريص على ما منع، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه؛ رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم، ويوضح ذلك المشكل. فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه. والذي يؤكد هذا المذهب أمران: أحدهما: أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا والثاني: إن العلماء قالوا: أن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئاً يقوي قوله وينصر مذهبه، فيصير ذلك سبباً لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئاً من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى. أقصى ما في الباب أن يقال: لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي. وأن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض، وأيضاً فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبياناً، لكنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي ـ وكان ذلك متضمناً لمثل هذه المصلحة ـ فإن ذلك يكون جائزاً؟ وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة، وقد يكون غيرها، قوله: «أنه يكون هذياناً» قلنا: إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت إن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا الوجه؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبياناً فذلك لا ينافي ما قلناه؛ لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم. القول بأنها أسماء السور: فروع على القول بأنها أسماء السور: الأول: هذه الأسماء على ضربين: أحدهما: يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسماً مفرداً «كصاد، وقاف، ونون» أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم، وطس ويس؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وأما طسم فهو وإن كان مركباً من ثلاثة أسماء فهو( كدر ابجرد)، وهو من باب ما لا ينصرف، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث. والثاني: ما لا يتأتى فيه الإعراب، نحو كهۤيعص، والۤمر، إذا عرفت هذا فنقول: أما المفردة ففيها قراءتان: إحداهما: قراءة من قرأ صاد وقاف ونون بالفتح، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو: اذكر، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز سيبويه مثله في حمۤ وطۤس ويۤس لو قرىء به، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ «يۤس» بفتح النون؛ وأن يكون الفتح جراً، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية، فقد جاء عنهم: «الله لأفعلن» غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم «أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف»، وثانيتهما: قراءة بعضهم صاد بالكسر. وسببه التحريك لالتقاء الساكنين. أما القسم الثاني ـ وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه ـ فهو يجب أن يكون محكياً، ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: «دعني من تمرتان». الثاني: أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم: أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة. الثالث: هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد، فوردت «ص ق ن» على حرف، و «طٰه وطۤس ويۤس وحۤم» على حرفين، و «ألم والۤر وطۤسم» على ثلاثة أحرف، والمۤص والۤمر على أربعة أحرف، و «كهۤعيص وحمۤ عۤسق» على خمسة أحرف، والسبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا ههنا. الرابع: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا؟ فنقول: إن جعلناها أسماء للسور فنعم، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة، أما الرفع فعلى الابتداء، وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدودة. الإشارة في «ذلك الكتاب»:

القرطبي

تفسير : ٱختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور؛ فقال عامر الشَّعْبيّ وسفيان الثَّوْرِيّ وجماعةٌ من المحدّثين: هي سِرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب مِن كُتُبه سِرٌّ. فهي من المتشابه الذي ٱنفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب أن يُتكلّم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما. وذكر أبو اللّيث السَّمَرْقَنْدِيّ عن عمر وعثمان وٱبن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطّعة من المكتوم الذي لا يُفَسَّر. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطّعة في القرآن إلا في أوائل السُّوَر، ولا ندري ما أراد الله جلّ وعزّ بها. قلت: ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري: حدّثنا الحسن بن الحُبَاب حدّثنا أبو بكر بن أبي طالب حدّثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مِغْوَل عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خُثيم قال: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فٱستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما ٱستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون. قال أبو بكر: فهذا يوضّح أن حروفاً من القرآن سُترت معانيها عن جميع العالَم، ٱختباراً من الله عزّ وجلّ وٱمتحاناً؛ فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشكّ أثِم وبَعُد. حدّثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدّثنا محمد بن أبي بكر حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حُرَيث بن ظُهَير عن عبد اللَّه قال: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب؛ ثم قرأ: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3]. قلت: هذا القول في المتشابه وحكمه، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في "آل عمران" إن شاء الله تعالى. وقال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرّج عليها؛ وٱختلفوا في ذلك على أقوال عديدة؛ فروي عن ٱبن عباس وعلي أيضاً: أن الحروف المقطعة في القرآن ٱسم الله الأعظم، إلا أنَّا لا نعرف تأليفه منها. وقال قُطْرُب والفرّاء وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحدّاهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم؛ ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قُطْرُب: كانوا ينفرون عند ٱستماع القرآن، فلما سمعوا: {الۤمۤ} و {الۤمۤص} ٱستنكروا هذا اللفظ، فلما أَنْصَتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [ فصلت: 26] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيّتها؛ كقول ٱبن عباس وغيره: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الألف مفتاح ٱسمه الله، واللام مفتاح ٱسمه لطيف، والميم مفتاح ٱسمه مجيد. وروى أبو الضُّحَى عن ٱبن عباس في قوله. {الۤمۤ} قال: أنا الله أعلم، {الۤرۤ} أنا الله أرى، {الۤمۤص} أنا الله أَفْصل. فالألف تؤدّي عن معنى أنا، واللام تؤدّي عن ٱسم الله، والميم تؤدّي عن معنى أعلم. وٱختار هذا القول الزجاج وقال: أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدّي عن معنًى؛ وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقوله:شعر : فقلت لها قِفِي فقالت قاف تفسير : أراد: قالت وقفت. وقال زهير:شعر : بالخير خيراتٍ وإن شراً فا ولا أريد الشر إلا أنْ تَا تفسير : أراد: وإن شرًّا فشرٌّ. وأراد: إلا أن تشاء. وقال آخر:شعر : نادوهم أَلاَ ٱلجِمُو أَلاَتَا قالوا جميعاً كلهم أَلاَفَا تفسير : أراد: ألا تركبون، قالوا: ألا فاركبوا. وفي الحديث: «حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة»تفسير : قال شقيق: هو أن يقول في ٱقتل: أقْ؛ كما قال عليه السلام: «حديث : كفى بالسيف شا»تفسير : معناه: شافياً. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسُّوَر. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها، وهي من أسمائه؛ عن ٱبن عباس أيضاً. وردّ بعض العلماء هذا القول فقال: لا يصح أن يكون قَسَماً لأن القسم معقود على حروف مثل: إنّ وقد ولقد وما؛ ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يميناً. والجواب أن يقال: موضع القَسَم قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} فلو أن إنساناً حلف فقال: والله هذا الكتاب لاَ رَيْبَ فيه؛ لكان الكلام سديداً، وتكون {لا} جواب القَسَم. فثبت أن قول الكلبي وما رُوي عن ٱبن عباس سديد صحيح. فإن قيل: ما الحكمة في القَسَم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين: مصدّق، ومكذّب؛ فالمصدق يصدق بغير قَسَم، والمكذب لا يصدق مع القَسَم؟. قيل له: القرآن نزل بلغة العرب؛ والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه؛ والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده. وقال بعضهم: {الۤمۤ} أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ. وقال قتادة في قوله: {الۤمۤ} قال ٱسم من أسماء القرآن. وروي عن محمد بن عليّ الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أوْدع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أوّل السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبيّ أو وَلِيّ، ثم بيّن ذلك في جميع السورة ليفقّه الناس. وقيل غير هذا من الأقوال؛ فالله أعلم. والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها. وٱختلف: هل لها محل من الإعراب؟ فقيل: لا؛ لأنها ليست أسماء متمكنة، ولا أفعالا مضارعة؛ وإنما هي بمنزلة حروف التهجّي فهي مَحْكيّة. هذا مذهب الخليل وسيبويه. ومن قال: إنها أسماء السُّوَر فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ٱبتداء مضمر؛ أي هذه {الۤمۤ}؛ كما تقول: هذه سورة البقرة. أو تكون رفعاً على الابتداء والخبر ذلك؛ كما تقول: زيد ذلك الرجل. وقال ٱبن كَيْسان النحوي: {الۤمۤ} في موضع نصب؛ كما تقول: ٱقرأ {الۤمۤ} أو عليك {الۤمۤ}. وقيل: في موضع خفض بالقسم؛ لقول ٱبن عباس: إنها أقسام أقسم الله بها. قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} قيل: المعنى هذا الكتاب. و {ذلك} قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعاً للإشارة إلى غائب؛ كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جلّ وعزّ: {أية : ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [السجدة: 6]؛ ومنه قول خُفَاف بن نُدْبة: شعر : أقول له والرّمحُ يأطِرُ مَتْنَه تأمّل خُفافا إنني أنا ذلكا تفسير : أي أنا هذا. فـ {ـذلك} إشارة إلى القرآن، موضوع موضع هذا، تلخيصه: الۤمۤ هذا الكتاب لا ريب فيه. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنعام: 83] {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [البقرة: 252] أي هذه؛ لكنها لما ٱنقضت صارت كأنها بَعُدَت فقيل تلك. وفي البخاريّ «وقال معمر ذلك الكتاب: هذا القرآن». {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} بيان ودلالة؛ كقوله: {أية : ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 10] هذا حكم الله. قلت: وقد جاء «هذا» بمعنى «ذلك»؛ ومنه قوله عليه السلام في حديث أُمِّ حَرَام: «حديث : يركبون ثَبَج هذا البحر»تفسير : أي ذلك البحر؛ والله أعلم. وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب. وٱختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة؛ فقيل: {ذلك الكتاب} أي الكتاب الذي كتبتُ على الخلائق بالسعادة وٱلشقاوة والأجل والرزق لا رَيْب فيه؛ أي لا مبدِّل له. وقال: ذلك الكتاب؛ أي الذي كتبتُ على نفسي في الأزل: «حديث : أن رحمتي سبقت غضبي»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أنّ رحمتي تغلب غضبي»تفسير : في رواية: «حديث : سبقت»تفسير : . وقيل: إن الله تعالى قد كان وعد نبيّه عليه السلام أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء؛ فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حِمَار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب: وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظانَ»تفسير : الحديث. وقيل: الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة. وقيل: إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيّه صلى الله عليه وسلم بمكة: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} تفسير : [المزمل: 5] لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفاً لإنجاز هذا الوعد من ربّه عزّ وجلّ؛ فلما أنزل عليه بالمدينة: {الۤمۤ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة. وقيل: إن {ذلك} إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل. و {الۤمۤ} ٱسم للقرآن؛ والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل؛ يعني أن التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما. وقيل: إن {ذلك الكتاب} إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما؛ والمعنى: الۤمۤ ذانك الكتابان أو مثل ذَيْنِك الكتابين؛ أي هذا القرآن جامع لما في ذَيْنِك الكتابين؛ فعبّر بـ {ـذلك} عن الاثنين بشاهد من القرآن؛ قال الله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68] أي عَوان بين تَيْنك. الفارض والبكر؛ وسيأتي. وقيل: إن {ذلك} إشارة إلى اللَّوْح المحفوظ. وقال الكسائي: {ذلك} إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعدُ. وقيل: إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً؛ فالإشارة إلى ذلك الوعد. قال المبّرد: المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا. وقيل: إلى حروف المعجم في قول من قال: «الم» الحروف التي تحدّيْتُكم بالنظم منها. والكتاب مصدر مِن كَتَب يَكْتُب إذا جمع؛ ومنه قيل: كَتِيبة؛ لاجتماعها. وتكتَّبت الخيل صارت كتائب. وكتبْتُ البغلةَ: إذا جمعتَ بين شُفْرَيْ رَحِمِها بحلْقة أو سَيْر؛ قال:شعر : لا تأمَننَّ فَزارِيًّا حَلْلتَ به على قَلُوصك وٱكتُبْها بأسيار تفسير : والكُتْبة (بضم الكاف): الخُرْزَةُ، والجمع كُتَبٌ. والكَتْبُ: الخَرْز. قال ذو الرُّمة:شعر : وَفْرَاءَ غَرْفِيّةٍ أَثْأَى خَوارِزُها مُشَلْشِلٌ ضيّعتْه بينها الكُتَبُ تفسير : والكتاب: هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة؛ وسُمّي كتاباً وإن كان مكتوباً؛ كما قال الشاعر:شعر : تُؤمِّلُ رجْعةً منِّي وفيها كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِرَاء تفسير : والكتاب: الفَرْض والحُكم والقَدَر؛ قال الجَعْدِيّ:شعر : يٱبنَة عمِّي كتاب الله أخرجني عنكم وهل أمنعنّ الله ما فعلا تفسير : قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ} نفي عام، ولذلك نُصب الريب به. وفي الرّيْب ثلاثة معان: أحدها: الشك؛ قال عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَى:شعر : ليس في الحق يا أُمَيْمَةُ ريْبٌ إنما الرَّيبُ ما يقول الجهول تفسير : وثانيها: التُّهَمَة؛ قال جَمِيل:شعر : بُثَينةُ قالت يا جَميلُ أَرَبْتَنِي فقلت كلاَنا يابثين مُريب تفسير : وثالثها: الحاجة؛ قال:شعر : قضينا من تِهَامةَ كلَّ ريْب وخَيْبَرَ ثم أَجْمَعْنَا السيوفا تفسير : فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ٱرتياب؛ والمعنى: أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله، وصفة من صفاته، غير مخلوق ولا مُحْدَث، وإن وقع ريب للكفار. وقيل: هو خبر ومعناه النهي؛ أي لا ترتابوا، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقاً. وتقول: رابني هذا الأمرُ إذا أدخل عليك شكاً وخوفًا. وأراب: صار ذا رِيبة؛ فهو مُرِيب. ورابني أمره. ورِيَبُ الدهر: صروفه. قوله تعالى: {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فِيهِ} الهاء في {فيه} في موضع خفض بفي، وفيه خمسة أوجه؛ أجودها: فيهِ هُدى. ويليه فيهُ هُدى (بضم الهاء بغير واو) وهي قراءة الزُّهْرِي وسلاَّم أبي المنذر. ويليه فِيهِي هُدى (بإثبات الياء) وهي قراءة ٱبن كثير. ويجوز فيهُو هُدى (بالواو). ويجوز فيه هدى (مدغماً) وٱرتفع {هدى} على الابتداء والخبر {فيه}. والهُدَى في كلام العرب معناه الرشد والبيان؛ أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشدٌ وزيادةُ بيان وهُدًى. الثانية: الهُدَى هُديان: هُدَى دلالة، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم؛ قال الله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}تفسير : [الرعد:7]. وقال: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه؛ وتفرّد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص:56] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 5] وقوله: {وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ}. والْهُدَى: الاهتداء، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت. قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها؛ من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: {أية : فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ}تفسير : [محمد: 4-5] ومنه قوله تعالى: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 23] معناه فٱسلكوهم إليها. الثالثة: الهدى لفظ مؤنّث. قال الفرّاء: بعض بني أسد تؤنّث الهدى فتقول: هذه هُدَى حسنة. وقال اللّحياني: هو مذكّر؛ ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرّك، ويتعدّى بحرف وبغير حرف وقد مضى في «الفاتحة»، تقول: هدَيْتُه الطريق وإلى الطريق، والدارَ وإلى الدار؛ أي عرّفته. الأولى: لغة أهل الحجاز، والثانية: حكاها الأخفش. وفي التنزيل: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} و {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا}تفسير : [الأعراف: 43]. وقيل: إن الهُدَى ٱسم من أسماء النهار؛ لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآربهم؛ ومنه قول ٱبن مُقْبِل:شعر : حتى ٱستبَنْتُ الهُدَى والبِيدُ هاجمةٌ يَخشعْنَ في الآل غُلْفاً أو يُصلِّينا تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {لِّلْمُتَّقِينَ} خصّ الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفاً لهم؛ لأنهم آمنوا وصدّقوا بما فيه. وروي عن أبي رَوْقٍ أنه قال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} أي كرامة لهم؛ يعني إنما أضاف إليهم إجلالاً لهم وكرامةً لهم وبياناً لفضلهم. وأصل {للمتقين}: للموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في ٱجتماع الواو والتاء وادغمت التاء في التاء فصار للمتقين. الخامسة: التقوى يقال: أصلها في اللغة قلّة الكلام؛ حكاه ٱبن فارس. قلت: ومنه الحديث: "حديث : التَّقِيُّ مُلْجَم والمتَّقِي فوق المؤمن والطائع"تفسير : وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من ٱتقاء المكروه بما تجعله حاجزاً بينك وبينه؛ كما قال النابغة:شعر : سقط النَّصِيفُ ولم ترد إسقاطه فتناولته وٱتقّتنا باليد تفسير : وقال آخر:شعر : فألقت قناعاً دونه الشمس وٱتّقت بأحسن موصولين كَفٍّ ومِعصمِ تفسير : وخرّج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زَرْبِي أبي عبيدة عن عاصم بن بَهْدَلَة عن زِرِّ بن حُبيش عن ٱبن مسعود قال: قال يوماً لابن أخيه: يٱبن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم؛ قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقي. ثم قال: يٱبن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قلت: بلى؛ قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم. وقال أبو يزيد البِسْطامي: المتّقي من إذا قال: قال الله، ومن إذا عمل عمل الله. وقال أبو سليمان الدّاراني: المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حبّ الشهوات. وقيل: المتقي الذي ٱتقى الشرك وبرىء من النفاق. قال ٱبن عطية: وهذا فاسد؛ لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبَيّاً عن التقوى؛ فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمَّرت وحذرت؛ قال: فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ٱبن المُعْتَزّ فنَظمه:شعر : خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التّقى وٱصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرنّ صغيرة إن الجبال من الحصى تفسير : السادسة: التقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأوّلين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان؛ كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشِّعر وأنت ما حُفظ عنك شيء؛ فقال:شعر : يريد المرء أن يُؤْتَى مُنَاه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما ٱستفادا تفسير : وروى ٱبن ماجه في سننه عن أبي أُمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «حديث : ما ٱستفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سَرّته، وإن أقسم عليها أبَرَّ ته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله»تفسير : والأصل في التقوى: وَقْوَى على وزن فَعْلى فقلبت الواو تاء من وَقَيْته أقيه أي منعته؛ ورجلٌ تقيّ أي خائف، أصله وقى؛ وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة؛ كما قالوا: تُجاه وتُراث، والأصل وُجاه ووُراث.

البيضاوي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الم} وسائر الألفاظ التي يتهجى بها، أسماء مسمياتها الحروف التي ركبت منها الكلم لدخولها في حد الاسم، واعتوار ما يخص به من التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك عليها، وبه صرح الخليل وأبو علي. وما روي ابن مسعود رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف» تفسير : فالمراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه، فإن تخصيصه به عرف مجدَّد بل المعنى اللغوي، ولعله سماه باسم مدلوله. ولما كانت مسمياتها حروفاً وحداناً وهي مركبة، صدرت بها لتكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع، واستعيرت الهمزة مكان الألف لتعذر الابتداء بها وهي ما لم تلها العوامل موقوفة خالية عن الإعراب لفقد موجبه ومقتضيه، لكنها قابلة إياه ومعرضة له إذا لم تناسب مبنى الأصل ولذلك قيل: {ص} و {ق} مجموعاً فيهما بين الساكنين ولم تعامل معاملة أين وهؤلاء. ثم إن مسمياتها لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها. افتتحت السورة بطائفة منها إيقاظاً لمن تحدى بالقرآن وتنبيهاً على أن أصل المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم، فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه، وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بنوع من الإعجاز، فإن النطق بأسماء الحروف مختص بمن خط ودرس، فأما من الأمي الذي لم يخالط الكتاب فمستبعد مستغرب خارق للعادة كالكتابة والتلاوة سيما وقد راعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق في فنه، وهو أنه أورد في هذه الفواتح أربعة عشر اسماً هي نصف أسامي حروف المعجم، إن لم يعد فيها الألف حرفاً برأسها في تسع وعشرين سورة بعددها إذا عد فيها الألف الأصلية مشتملة على أنصاف أنواعها، فذكر من المهموسة وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه ويجمعها (ستشحثك خصفه) نصفها الحاء والكاف والهاء والصاد والسين والكاف، ومن البواقي المجهورة نصفها يجمعه «لن يقطع أمر». ومن الشديدة الثمانية المجموعة في (أجدت طبقك) أربعة يجمعها (أقطك). ومن البواقي الرخوة عشرة يجمعها «خمس» على نصره، ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها، ومن البواقي المنفتحة نصفها، ومن القلقلة وهي: حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها (قد طبج) نصفها الأقل لقلتها، ومن اللينتين الياء لأنها أقل ثقلاً، ومن المستعلية وهي: التي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى، وهي سبعة القاف والصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الأقل، ومن البواقي المنخفضة نصفها، ومن حروف البدل وهي أحد عشر على ما ذكره سيبويه، واختاره ابن جني ويجمعها (أحد طويت) منها الستة الشائعة المشهورة التي يجمعها «أهطمين» وقد زاد بعضهم سبعة أخرى وهي اللام في (أصيلال) والصاد والزاي في (صراط وزراط) والفاء في (أجداف) والعين في (أعن) والثاء في (ثروغ الدلو) والباء في «باسمك» حتى صارت ثمانية عشر وقد ذكر منها تسعة الستة المذكورة واللام والصاد والعين. ومما يدغم في مثله ولا يدغم في المقارب وهي خمسة عشر: الهمزة والهاء والعين والصاد والطاء والميم والياء والخاء والغين والضاد والفاء والظاء والشين والزاي والواو نصفها الأقل. ومما يدغم فيهما وهي الثلاثة عشر الباقية نصفها الأكثر: الحاء والقاف والراء والسين واللام والنون لما في الإدغام من الخفة والفصاحة، ومن الأربعة التي لا تدغم فيما يقاربها ويدغم فيها مقاربها وهي: الميم والزاي والسين والفاء نصفها. ولما كانت الحروف الذلقية التي يعتمد عليها بذلق اللسان وهي ستة يجمعها (رب منفل) والحلقية التي هي الحاء والخاء والعين والغين والهاء والهمزة، كثيرة الوقوع في الكلام ذكر ثلثيهما. ولما كانت أبنية المزيد لا تتجاوز عن السباعية ذكر من الزوائد العشرة التي يجمعها (اليوم تنساه) سبعة أحرف منها تنبيهاً على ذلك، ولو استقريت الكلم وتراكيبها وجدت الحروف المتروكة من كل جنس مكثورة بالمذكورة ثم إنه ذكرها مفردة وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، إيذاناً بأن المتحدى به مركب من كلماتهم التي أصولها كلمات مفردة، ومركبة من حرفين فصاعداً إلى الخمسة، وذكر ثلاث مفردات في ثلاث سور لأنها توجد في الأقسام الثلاثة: الاسم والفعل والحرف وأربع ثنائيات لأنها تكون في الحرف بلا حذف (كبل)، وفي الفعل بحذف ثقل كقل. وفي الاسم بغير حذف كمن، وبه كدم في تسع سور لوقوعها في كل واحد من الأقسام الثلاثة على ثلاثة أوجه: ففي الأسماء من وإذ وذو. وفي الأفعال قل وبع وخف. وفي الحروف من وإن ومذ على لغة من جربها. وثلاث ثلاثيات لمجيئها في الأقسام الثلاثة في ثلاث عشرة سورة تنبيهاً على أن أصول الأبنية المستعملة ثلاثة عشر، عشرة منها للأسماء، وثلاثة للأفعال، ورباعيتين وخماسيتين تنبيهاً على أن لكل منهما أصلاً: كجعفر وسفرجل، وملحقاً: كقردد وجحنفل، ولعلها فرقت على السور ولم تعد بأجمعها في أول القرآن لهذه الفائدة مع ما فيه من إعادة التحدي وتكرير التنبيه والمبالغة فيه. والمعنى أن هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف. أو المؤلف منها، كذا وقيل: هي أسماء للسور، وعليه إطباق الأكثر. سميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربي، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدى. ولما أمكن التحدي به وإن كانت مفهمة، فإما أن يراد بها السور التي هي مستهلها على أنها ألقابها، أو غير ذلك. والثاني باطل لأنه؛ إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب فظاهر أنه ليس كذلك، أو غيره وهو باطل لأن القرآن نزل على لغتهم لقوله تعالى: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ }تفسير : [الشعراء: 195] فلا يحمل على ما ليس في لغتهم. لا يقال: لم لا يجوز أن تكون مزيدة للتنبيه؟ والدلالة على انقطاع كلام واستئناف آخر؟ كما قاله قطرب، أو إشارة إلى كلمات هي منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله:شعر : قلتُ لها قفي فقالتْ قَافْ تفسير : كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الألف آلاء الله، واللام لفظه، والميم ملكه. وعنه أن الر و حم و ن مجموعها الرحمن. وعنه أن الم معناه: أنا الله أعلم ونحو ذلك في سائر الفواتح. وعنه أن الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد أي: القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام، أو إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل كما قال أبو العالية متمسكاً بما روي: « حديث : أنه عليه الصلاة والسلام لما أتاه اليهود تلا عليهم الم البقرة. فحسبوه وقالوا: كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فهل غيره، فقال: المص والر والمر، فقالوا: خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ ». تفسير : فإن تلاوته إياها بهذا الترتيب عليهم وتقريرهم على استنباطهم دليل على ذلك، وهذه الدلالة وإن لم تكن عربية لكنها لاشتهارها فيما بين الناس حتى العرب تلحقها بالمعربات كالمشكاة والسجيل والقسطاس، أو دلالة على الحروف المبسوطة مقسماً بها لشرفها من حيث إنها بسائط أسماء الله تعالى ومادة خطابه. هذا وإن القول بأنها أسماء السور يخرجها ما ليس في لغة العرب، لأن التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستكره عندهم ويؤدي إلى اتحاد الاسم والمسمى، ويستدعي تأخر الجزء عن الكل من حيث إن الاسم متأخر عن المسمى بالرتبة، لأنا نقول: إن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه والدلالة على الانقطاع والاستئناف يلزمها وغيرها من حيث إنها فواتح السور، ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لها معنى في حيزها ولم تستعمل للاختصار من كلمات معينة في لغتهم، أما الشعر فشاذ، وأما قول ابن عباس، فتنبيه على أن هذه الحروف منبع الأسماء ومبادىء الخطاب وتمثيل بأمثلة حسنة، ألا ترى أنه عد كل حرف من كلمات متباينة لا تفسير، وتخصيص بهذه المعاني دون غيرها إذ لا مخصص لفظاً ومعنى ولا بحساب الجمل فتلحق بالمعربات، والحديث لا دليل فيه، لجواز أنه عليه الصلاة والسلام تبسم تعجباً من جهلهم، وجعلها مقسماً بها وإن كان غير ممتنع لكنه يحوج إلى إضمار أشياء لا دليل عليها، والتسمية بثلاثة أسماء إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسماً واحداً على طريقة بعلبك، فأما إذا نثرت نثر أسماء العدد فلا، وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم، والمسمى هو مجموع السورة والاسم جزؤها فلا اتحاد، وهو مقدم من حيث ذاته مؤخر باعتبار كونه اسماً، فلا دور لاختلاف الجهتين. والوجه الأول أقرب إلى التحقيق وأوفق للطائف التنزيل وأسلم من لزوم النقل ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصود بالعلمية، وقيل: إنها أسماء القرآن ولذلك أخبر عنها بالكتاب والقرآن. وقيل: إنها أسماء لله تعالى ويدل عليه أن علياً كرم الله وجهه كان يقول: يا كهيعص، ويا حمعسق، ولعله أراد يا منزلهما. وقيل الألف: من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج، واللام: من طرف اللسان وهو أوسطها، والميم: من الشفة وهو آخرها جمع بينها إيماء إلى أن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى. وقيل: إنه سر استأثره الله بعلمه وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله تعالى ورسوله ورموز لم يقصد بها إفهام غيره إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد. فإن جعلتها أسماء الله تعالى، أو القرآن، أو السور كان لها حظ من الإعراب إما الرفع على الابتداء، أو الخبر، أو النصب بتقدير فعل القسم على طريقة الله لأفعلن بالنصب أو غيره كما ذكر، أو الجر على إضمار حرف القسَم، ويتأتى الإعراب لفظاً والحكاية فيما كانت مفردة أو موازنة لمفرد كحم فإنها كهابيل، والحكاية ليست إلا فيما عدا ذلك، وسيعود إليك ذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى، وإن أبقيتها على معانيها فإن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كان في حيز الرفع بالابتداء أو الخبر على ما مر، وإن جعلتها مقسماً بها يكون كل كلمة منها منصوباً أو مجروراً على اللغتين في الله لأفعلن، وتكون جملة قسمية بالفعل المقدر له، وإن جعلتها أبعاض كلمات أو أصواتاً منزلة منزلة حروف التنبيه لم يكن لها محل من الإعراب كالجمل المبتدأة والمفردات المعدودة ويوقف عليها وقف التمام إذا قدرت بحيث لا تحتاج إلى ما بعدها، وليس شيء منها آية عند غير الكوفيين. وأما عندهم فـ {الم} في مواضعها، و {أية : الۤمۤصۤ}تفسير : [الأعراف: 1] و {أية : كۤهيعۤصۤ }تفسير : [مريم: 1] و {أية : طه }تفسير : [طه: 1] و {أية : طسۤمۤ}تفسير : [الشعراء، القصص: 1] و {أية : طسۤ }تفسير : [النمل: 1] و {أية : يسۤ } تفسير : [يس: 1] و {أية : حـمۤ }تفسير : [الشورى: 1] آية، و{أية : حـمۤ} تفسير : [الشورى: 1] {أية : عۤسۤقۤ }تفسير : [الشورى: 2] آيتان، والبواقي ليست بآيات وهذا توقيف لا مجال للقياس فيه.

ابن كثير

تفسير : قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه فردّوا علمها إلى الله، ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقله عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة آلم السجدة وهل أتى على الإنسان وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم، وحم، والمص، وص. فواتح افتتح الله بها القرآن، وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال: الم اسم من أسماء القرآن وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون { الۤمۤصۤ} اسماً للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن، والله أعلم. وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى. فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى. وكذلك قال سالم ابن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير. وقال شعبة عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: {الۤمۤ} اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة. ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال: سألت السدي عن {حـمۤ} و{الۤمۤ} فقال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن جرير: وحدثنا محمد بن المثنى حدّثنا أبو النعمان حدّثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله، فذكر نحوه. وحكى مثله عن علي وابن عباس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال: { الۤمۤ} قسم. ورويا أيضاً من حديث شريك بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس، الم قال أنا الله أعلم، وكذا قال سعيد بن جبير. وقال السدي عن أبي مالك. وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {الۤمۤ} قال: أما {الۤمۤ} فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: { الۤمۤ} قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة، والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه، وبلألائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى بن مريم عليه السلام وعجب، فقال: أعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؟ فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة. هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال، ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور، ومن أسماء الله تعالى؛ يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته؛ كما افتتح سوراً كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه، قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة، وغير ذلك؛ كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة؛ فإنها تطلق ويراد بها الدين؛ كقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 23] وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [النحل: 120] وتطلق ويراد بها الجماعة؛ كقوله تعالى: {أية : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} تفسير : [القصص: 23] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً}تفسير : [النحل: 36] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف: 45] أي: بعد حين، على أصح القولين، قال: فكذلك هذا. هذا حاصل كلامه موجهاً، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية؛ فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا معاً، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن، فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم. ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف، والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به، وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا؛ كما قال الشاعر:شعر : قُلْنا قِفِي لنا فقالَتْ قافْ لا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِيْنا الإيجافْ تفسير : تعني: وقفت. وقال الآخر:شعر : ما للظليمِ عال كيفَ لا يا يَنْقَدُّ عنهُ جِلْدُهُ إذا يا تفسير : فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل. وقال الآخر:شعر : بالخَيْر خيراتٍ وإن شَرّاً فا ولا أريدُ الشَّرَّ إلا أَنْ تا تفسير : يقول: وإن شراً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام، والله أعلم. قال القرطبي: وفي الحديث «حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة» تفسير : الحديث. قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: «اق». وقال خصيف عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها (ق وص وحم وطسم والر) وغير ذلك هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفاً كما يقول القائل: ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها، حكاه ابن جرير. قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفاً، وهي - ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن - يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر. وهي نصف الحروف عدداً، والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف. قال الزمخشري: وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف، يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة، ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله، ومن ههنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلاماً فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثاً ولا سدى، ومن قال من الجهلة: إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية، فقد أخطأ خطأً كبيراً، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا، وقلنا: {أية : ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}تفسير : [آل عمران: 7] ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام. المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها، فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير، وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة. وقال آخرون: بل ابتدىء بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين؛ إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له، تلا عليهم المؤلف منه. حكاه ابن جرير أيضاً، وهو ضعيف؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور، لا يكون في بعضها، بل غالبها، وليس كذلك، ولو كان كذلك أيضاً لانبغىٰ الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة، أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها، أعني: البقرة وآل عمران، مدنيتان، ليستا خطاباً للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه. وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في كشافه، ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت؛ كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن. قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق - وحرفين مثل {حم} وثلاثة مثل{الۤمۤ} وأربعة مثل {الۤمۤر} و {الۤمۤصۤ} وخمسة مثل {كۤهيعۤصۤ} و{حـمۤ عۤسۤقۤ} لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك (قلت) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: {الۤمۤ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} {أية : الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْه}تفسير : [آل عمران: 1 - 3] {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}تفسير : [الأعراف: 1 ـ 2] {أية : الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}تفسير : [إبراهيم:1] {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [السجدة: 1 - 2] {أية : حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [فصلت: 1 - 2] {أية : حـمۤ عۤسۤقۤ كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الشورى: 1 - 3] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم. وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له؛ وطار في غير مطاره؛ وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} فأتى أخاه حيــــي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بلى» تفسير : فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: «حديث : نعم» تفسير : قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بيّن لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ فقال: «حديث : نعم»تفسير : ، قال: ما ذاك؟ قال: «حديث : المص» تفسير : قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ، قال: ما ذاك؟ قال: «حديث : الــر»تفسير : . قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: ماذا؟ قال: «حديث : المر» تفسير : قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً؟ ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيــــي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: {أية : هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ}تفسير : [آل عمران: 7] فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحاً أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {الم } الله أعلم بمراده بذلك.

الشوكاني

تفسير : {الم} قال القرطبي في تفسيره: اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال الشعبي، وسفيان الثوري، وجماعة من المحدثين: هي: سرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سرّ، فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا نحبّ أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعليّ ابن أبي طالب، قال: وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لايفسر، وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عزّ وجل. وقال: جمع من العلماء كثير: بل نحبّ أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها. واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس، وعليّ أيضاً أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقال قُطْرُب، والفراء، وغيرهما: هي: إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحدّاهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي: التي بناء كلامهم عليها؛ ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب: كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما نزل {المۤ،} و {أية : المصۤ}تفسير : [الأعراف: 1] استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف؛ ليثبته في أسماعهم، وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن القرآن بمكة قالوا {أية : وَقَالُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ }تفسير : [فصلت: 26] ــ فأنزلها استغربوها، فيفتحون أسماعهم، فيسمعون القرآن بعدها، فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها، وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس، وغيره الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد. وذهب إلى هذا الزجاج، فقال: وذهبوا إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معناه!. وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة كقوله: فقلت لها قفى، فقالت قاف: أي وقفت. وفي الحديث: «حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة»تفسير : قال شقيق: هو أن يقول فقرة في اقتل: اق، كما قال صلى الله عليه وسلم «حديث : كفى بالسيف شا»تفسير : أي شافياً، وفي نسخة شاهداً. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه. ومن أدقّ ما أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في الكشاف، فإنه قال: وأعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء: وهي الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر، وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون، ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون، ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء،ومن المنفتحة نصفها: الألف، والام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون، ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء، ومن المنخفضة نصفها: الألف واللام والميم، والراء، والكاف، والهاء، والتاء، والعين، والسين، والحاء، والنون، ومن حروف القلقة نصفها: القاف، والطاء، ثم إذا استقريت الكلم، وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكنوزة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجُلَّه ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل، واختصاراته، فكأن الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحجة إياهم، وما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها، وقوعاً في تراكيب الكلم، ان الألف، واللام لما تكاثر، وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت، ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر. انتهى. وأقول: هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتدّ بها، وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة، والتبكيت كما قال، فهذا متيسر بأن يقال لهم: هذا القرآن هو من الحروف التي تتكلمون بها ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتاً، وإلزاماً يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز، وتعمية، وتفريق لهذه الحروف، في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضاً مما لا يفهمه أحد من السامعين، ولا يتعقل شيئاً منه فضلاً عن أن يكون تبكيتاً له وإلزاماً للحجة أياً كان، فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه، ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن، أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلاً عن كله. ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي، ولا إسلامي، ولا مقرّ، ولا منكر، ولا مسلم، ولا معارض، ولا يصح أن يكون مقصداً من مقاصد الرّب سبحانه، الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه، والهداية به. وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة، ولا بلاغة حتى يكون مفيداً أنه كلام بليغ، أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل لذلك فيما ذكر. وأيضاً لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها، أو بعدها لم يصح وصفها بذلك، لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز، والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة، والبلاغة في ورد، ولا صدر بل من عكسهما، وضد رسمهما، وإذا عرفت هذا، فاعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده الله عزّ وجل، فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعاً إلى لغة العرب، وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدوداً عنده من الرَّطَانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على أحرف، أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه، ويفيد معناه، بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره. ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتح الواقعة في أوائل السور من هذا؟ وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادّعوه من لغة العرب، وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين: الأوّل التفسير بمحض الرأي الذي ورد النهي عنه، والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه، والصدّ عنه، والتنكُّب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبةً لهم يتلاعبون به، ويضعون حماقات أنظارهم، وخُزَعْبَلات أفكارهم عليه. الثاني التفسير بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح، والسبيل القويم، بل الجادة التي ما سواها مردوم، والطريقة العامرة التي ما عداها معدوم، فمن وجد شيئاً من هذا، فغير ملوم أن يقول بملء فيه، ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل لا أدري، أو الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه، ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظاً عربية، وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده؟ فإنه ينبغي أن يقال فيه إنه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلاً، ولكلام العرب فيه مدخلاً، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير. وانظر كيف فهم اليهود عند سماع {ألم} فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها، كما أخرج ابن إسحاق، والبخاري في تاريخه، وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: «مرّ أبو ياسر بن أخْطَبَ في رجالٍ من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة{الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ } فأتى أخاه حُيَـيَّ بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون، والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {آلم. ذلك الكتاب}، فقال: أنت سمعته؟ فقال نعم، فمشى حُيَـيَّ في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو، فيما أنزل عليك{الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } قال "حديث : بلى"تفسير : ، قالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال "حديث : نعم"تفسير : . قالوا: لقد بعث الله قبلك الأنبياء ما نعلمه بيَّن لنبي منهم ما مدّة ملكه، وما أجَلُ أمته غيرك، فقال حُيَيُّ بن أخطب: وأقبل على من كان معه الألف، واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى، وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبيّ إنما مدّة ملكه، وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال "حديث : نعم"تفسير : ، قال: وما ذاك؟ قال "حديث : {المصۤ}"تفسير : ، قال: هذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال "حديث : نعم"تفسير : ، قال: وما ذاك؟ قال "حديث : {الر }" تفسير : قال: هذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون سنة ومائتان، فهل مع هذا غيره؟ قال: "حديث : نعم: {المر }"تفسير : قال: فهذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا مُحمدُ حتى ما ندري قليلاً أعطيت أم كثيراً، ثم قاموا، فقال أبو ياسر لأخيه حُيـيّ، ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتُ}تفسير : [آل عمران: 7] فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف، مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أيّ موضع أحق بالبيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع {الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } من ذلك العدد موجباً للتثبيط عن الإجابة له، والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل، ومدلولٌ يفهم، لدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظنوه بادىء بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاءوا به من التشكيك على من معهم. فإن قلت: هل ثبت عن رسول الله في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به؟ قلت: لا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في شيء من معانيها، بل غاية ما ثبت عنه هو مجرد عدد حروفها، فأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي وصححه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»تفسير : وله طرق عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة، والبزار بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه مرفوعاً. فإن قلت: هل روي عن الصحابة شيء من ذلك بإسناد متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن عباس وعليّ؟ قلت: قد روى ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن مسعود أنه قال: {آلم} أحرف اشتقت من حروف اسم الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {آلم}، و{حمۤ}، و{نۤ} قال: اسم مقطع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الأسماء عن ابن عباس أيضاً في قوله: {الم }، {والمصۤ}، {وآلر}،، و{المر} و{كهعيصۤ}، و{وطه}، و{طسمۤ}، و{وطس} و{ويسۤ}، و{وصۤ}، و{وحمۤ}، و {تَعْمَلُونَ ق }، و {ن }، قال: هو قسم أقسمه الله، وهو: من أسماء الله. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {آلم} قال: هي: اسم الله الأعظم. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله {آلم} قال: ألف مفتاح اسمه الله، ولام مفتاح اسمه لطيف وميم مفتاح اسمه مجيد. وقد روي نحو هذه التفاسير عن جماعة من التابعين فيهم عكرمة والشعبي والسُّدِّي وقتادة ومجاهد والحسن. فإن قلت: هل يجوز الاقتداء بأحد من الصحابة؟ قال في تفسير شيء من هذه الفواتح قولاً صح إسناده إليه. قلت: لا لما قدمنا، إلا أن يعلم أنه قال ذلك عن علم أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا مدخل للغة العرب، فلم لا يكون له حكم الرفع؟ قلت: تنزيل هذا منزلة المرفوع، وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم، فليس مما ينشرح له صدور المنصفين، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام، وهو: التفسير لكلام الله سبحانه، فإنه دخول في أعظم الخطر بما لا برهان عليه صحيح إلا مجرد قولهم إنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال فيه للاجتهاد، وليس مجرد هذا الاستبعاد مسوّغاً للوقوع في خطر الوعيد الشديد. على أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه، كما نجده كثيراً في تفاسيرهم المنقولة عنهم ويجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه، ثم ها هنا مانع آخر، وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر كان تحكماً لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملاً بما هو مختلف متناقض، ولا يجوز. ثم ها هنا مانع غير هذا المانع، وهو أنه لو كان شيء مما قالوه مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لاتفقوا عليه ولم يختلفوا كسائر ما هو مأخوذعنه، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو كان عندهم شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه، لا سيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها. والذي أراه لنفسي ولكل من أحبّ السلامة واقتدى بسلف الأمة ألا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله عزّ وجل لا تبلغها عقولنا ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه، وسيأتي لنا عند تفسير قوله تعالى: ــ {أية : مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ }تفسير : [آل عمران: 7] كلام طويل الذيول، وتحقيق تقبله صحيحات الأفهام وسليمات العقول.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {الم} اختلف فيه المفسرون على ثمانية أقاويل: أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن كالفرقان والذكر، وهو قوله قتادة وابن جريج. والثاني: أنه من أسماء السور، وهو قول زيد ابن أسلم. والثالث: أنه اسم الله الأعظم، وهو قول السدي والشعبي. والرابع: أنه قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه، وبه قال ابن عباس وعكرمة. والخامس: أنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال، فالألف من أنا واللام من الله، والميم من أعلم، فكان معنى ذلك: أنا الله أعلم، وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن جبير، ونحوه عن ابن عباس أيضاً. والسادس: أنها حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ مختلفة، فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، والألف آلاء الله، والميم مجدُه، والألِفُ سَنَةٌ، واللامُ ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة، آجال قد ذكرها الله. والسابع: أنها حروف من حساب الجمل، لما جاء في الخبر عن عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة: {الم. ذلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} فأتى أخاه حُيَيَّ بْنَ أَخْطبَ في رجال من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل اللهُ عليك: {الم. ذلك الكِتَابُ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى"، فقالوا: "أجاءك بها جبريل من عند الله". قال: "نعم"، قالوا: "لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلم أنه بُيِّنَ لنبي منهم مدة ملكه وما أُكل أمته غيرك"، فقال حُيَيُّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم: "الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة"، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "يا محمد هل كان مع هذا غيره"؟، قال: "نعم"، قال: "ماذا"؟ قال: "المص"، قال هذه أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، فهل مع هذا يا محمد غيره"، قال: "نعم"، قال: "ماذا" قال: "الر" قال: "هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنةٍ، فهل مع هذا يا محمد غيره"، قال: "نعم" قال: "ماذا"؟، قال: "المر"، قال هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة..، ثم قال: "لقد التبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً"، ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حُيَيَّ بن أخطبَ ولمن معه من الأحبار: "ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة"، قالوا: "لقد تشابه علينا أمره". فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: {هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}. والثامن: أنه حروف هجاء أَعلم الله تعالى بها العَرَب حين تحداهم بالقرآن، أنه مُؤلَف من حروف كلام، هي هذه التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم، إذ لم يخرج عن كلامهم. فأما حروف أبجدَ فليس بناء كلامهم عليها، ولا هي أصل، وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأيام الستة، التي خلق الله تعالى فيها الدنيا، وهذا قول الضحاك بن مزاحم. والثاني: أنها أسماء ملوك مَدْيَن، وهذا قول الشعبي وفي قول بعض شعراء مَدْيَن دليل على ذلك قال شاعرهم: شعر : أَلاَ يَا شُعَيْبٌ قَدْ نَطَقْتَ مَقَالةً سَبَبْتَ بِهَا عَمْراً وَحَيَّ بني عَمْرو مُلُوكُ بني حطّى وَهَوَّزُ مِنْهُمُ وَسَعْفَصُ أَصْلٌ لِلْمَكَارِمِ وَالْفَخْرِ هُمُ صَبَّحُوا أَهْلَ الحِجَازِ بغارَةٍ كَمِثْل شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ مَطْلَعِ الْفَجْرِ تفسير : والثالث: ما روى ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن لأبي جاد حديثاً عجباً: (أبى) آدمُ الطاعة، و (جد) في أكل الشجرة، وأما (هوّز)، فنزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض، وأما (حطي) فحطت خطيئته، وأما (كلمن) فأكل من الشجرة، ومَنَّ عليه بالتوبة، وأما (سعفص) فعصى آدم، فأُخرج من النعيم إلى النكد، وأما قرشت فأقرّ بالذنب، وسَلِمَ من العقوبة. والرابع: أنها حروف من أسماء الله تعالى، روى ذلك معاوية بن قرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عطية

تفسير : اختلف في الحروف التي في أوائل السورة على قولين: قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: "هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتُمَرُّ كما جاءت". وقال الجمهور من العلماء: "بل يجب أن يُتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها" واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولاً: فقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: "الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها". وقال ابن عباس أيضاً: "هي أسماء الله أقسم بها". وقال زيد بن أسلم: "هي أسماء للسور". وقال قتادة: "هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر". وقال مجاهد: "هي فواتح للسور". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد: "بل" و "لا بل". نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش. وقال قوم: "هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حيي بن أخطب" وهو قول أبي العالية رفيع وغيره. وقال قطرب وغيره: "هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله {الم} بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفاً". وقال قوم: "هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة". وقال ابن عباس: "هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله أفصّل". وقال ابن جبير عن ابن عباس: "هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكة، أو نبي من أنبيائه". وقال قوم: "هي تنبيه كـ "يا" في النداء". وقال قوم: "روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة". قال القاضي أبو محمد: والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل: لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر: [الوليد بن المغيرة] [الرجز]. شعر : قلنا لها قفي فقالت قاف تفسير : أراد قالت: وقفت. وكقول القائل: [زهير بن أبي سلمى] [الرجز]. شعر : بالخير خيرات وإن شرّاً فا ولا أريد الشر إلا أن تا تفسير : أراد: وإن شرّاً فشر، وأراد: إلا أن تشاء. والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرْتَ عنها أو عطفْتَها فإنك تُعربها. وموضع {الم} من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو على أنه ابتداء، أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، وهذا الإعراب يتجه الرفع منه في بعض الأقوال المتقدمة في الحروف، والنصب في بعض، والخفض في قول ابن عباس رضي الله عنه أنها أسماء لله أقسم بها.

ابن عبد السلام

تفسير : {الۤمۤ} اسم من أسماء القرآن، كالذكر، والفرقان، أو اسم للسورة أو اسم الله الأعظم، أو اسم من أسماء الله أقسم به، وجوابه ذلك الكتاب، أو افتتاح للسورة يفصل به ما قبلها، لأنه يتقدمها ولا يدخل في أثنائها، أو هي حروف قطعت من أسماء، أفعال، الألف من أنا، اللام من الله، الميم، من أعلم، معناه "أنا الله أعلم"، أو هي حروف لكل واحد منها معاني مختلفة، الألف مفتاح الله، أو آلاؤه، واللام مفتاح لطيف، والميم مجيد أو مجده، والألف سنة، واللام ثلاثون، والميم أربعون سنة، آجالا ذكرها، أو هي حروف من حساب الجُمَّل، لما روى جابر قال: "حديث : مر أبو ياسر بن أخطب بالنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {الۤمۤ}، فأتى أخاه حُيي بن أخطب في نفر من اليهود، فقال: سمعت محمداً صلى الله عليه وسلم يتلو فيما أُنزل عليه {الۤمۤ}، قالوا: أنت سمعته قال: نعم، فمشى حُيي في أولئك النفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أُنزل عليك {الۤمۤ}، قال: "بلى" فقال: أجاءك بها جبريل ـ عليه السلام ـ من عند الله ـ تعالى ـ قال: "نعم"، قالوا: لقد بعث قبلك أنبياء، ما نعلمه بُين لنبي منهم مدة ملكه، وأجل أمته غيرك. فقال حُيي لمن كان معه: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، ثم قال: يا محمد هل كان مع هذا غيره قال: "نعم"، قال: ماذا، قال: {الۤمۤصۤ} قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، وهل مع هذا غيره قال: "نعم" فذكر {الۤمۤر} فقال: هذه أثقل، وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة، ثم قال: لقد التبس علينا أمرك، ما ندري أقليلاً أُعطيت أم كثيراً: ثم قاموا عنه. فقال لهم أبو ياسر؟ ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، قالوا: قد التبس علينا أمره. فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم{أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ }تفسير : [آل عمران: 7] أو أعلم الله تعالى العرب لما تحدوا بالقرآن أنه مؤتلف من حروف كلامهم، ليكون عجزهم عن الإتيان بمثله أبلغ في الحجة عليهم، أو الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد صلى الله عليه وسلم، أو افتتح به الكلام كما يفتتح بألا........ أبجد: كلمات أبجد حروف أسماء من أسماء الله ـ تعالى ـ مأثور أو هي أسماء الأيام الستة التي خلق الله [تعالى] فيها الدنيا أو هي أسماء ملوك مدين قال: شعر : ألا يا شعيب قد نطقت مقالة سَببْت بها عمرا وحي بني عمرو ملوك بني حطي وهواز منهم وسعفص أصل في المكارم والفخر هم صبحوا أهل الحجاز بغارة كمثل شعاع الشمس أو مطلع الفجر تفسير : أو أول من وضع الكتاب العربي ستة أنفس "أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت"، فوضعوا الكتاب على أسمائهم، وبقي ستة أحرف لم تدخل في أسمائهم، وهي الضاء، والذال، والشين، والغين، والثاء، والخاء، وهي الروادف التي تحسب بعد حساب الجُمَّل، قاله عروة بن الزبير، ابن عباس"أبجد" أبى آدم الطاعة، وجد في أكل الشجرة، "هوز" فزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض، "حطي"، فحطت عنه خطيئته، "كلمن" فأكل من الشجرة، ومَنَّ عليه بالتوبة "سعفص" فعصى آدم فأُخرج من النعيم إلى النكد "قرشت" فأقر بالذنب، وسلم من العقوبة.

النسفي

تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ الم } ونظائرها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فالقاف تدل على أول حروف قال، والألف تدل على أوسط حروف قال، واللام تدل على الحرف الأخير منه وكذلك ما أشبهها. والدليل على أنها أسماء أن كلاً منها يدل على معنى في نفسه ويتصرف فيها بالإمالة والتفخيم وبالتعريف والتنكير و الجمع والتصغير وهي معربة، وإنما سكنت سكون زيد وغيره من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه. وقيل: إنها مبنية كالأصوات نحو «غاق» في حكاية صوت الغراب، ثم الجمهور على أنها أسماء السورة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أقسم الله بهذه الحروف. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنها اسم الله الأعظم. وقيل: إنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. وما سميت معجمة إلا لإعجامها وإبهامها. وقيل: ورود هذه الأسماء على نمط التعديد كالإيقاظ لمن تحدى بالقران. وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا إن لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة وهم أمراء الكلام إلا لأنه ليس من كلام البشر وأنه كلام خالق القوى والقدر، وهذا القول من الخلافة بالقبول بمنزل. وقيل: إنما وردت السور مصدرة بذلك ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بوجه من الإغراب وتقدمة من دلائل الإعجاز، وذلك أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام الأميّون منهم وأهل الكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستبعداً من الأمي التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، فكان حكم النطق بذلك من اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئاً من أهله حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن التي لم تكن قريش ومن يضاهيهم في شيء من الإحاطة بها في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي وشاهد لصحة نبوته. واعلم أن المذكور في الفواتح نصف أسامي حروف المعجم وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم. وهي مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، فمن المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف، ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء، ومن المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء، ومن المنخفضة نصفها واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء وغير المذكورة من هذه الأجناس مكثورة بالمذكورة منها. وقد علمت أن معظم الشيء ينزل منزلة كله، فكأن الله تعالى عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما مر من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم. وإنما جاءت مفرقة على السور لأن إعادة التنبيه على المتحدى به مؤلفاً منها لا غير أوصل إلى الغرض، وكذا كل تكرير ورد في القرآن فالمطلوب منه تمكين المكرر في النفوس وتقريره. ولم تجىء على وتيرة واحدة بل اختلفت أعداد حروفها مثل: ص و ق و ن وطه وطس ويس وحم والم والر وطسم والمص والمر وكهيعص وحم عسق. فوردت على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة كعادة افتنانهم في الكلام. وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فسلك في الفواتح هذا المسلك. «والم» آية حيث وقعت، وكذا {المص } آية و {المر } لم تعد آية وكذا {الر } لم تعد آية في سورها الخمس و {طسم } آية في سورتيها و {طه } و {يس } آيتان و {وطس} ليست بآية و {حـم } آية في سورها كلها و {حـم عسق } آيتان و {كهيعص } آية و {ص } و {ن } و {ق } ثلاثتها لم تعد آية وهذا عند الكوفيين ومن عداهم لم يعد شيئاً منها آية، وهذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور. ويوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات، أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله {أية : الم ٱللَّهِ }تفسير : [آل عمران: 1] أي هذه الم ثم ابتدأ فقال: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ }تفسير : [آل عمران: 1] ولهذه الفواتح محل من الإعراب فيمن جـعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام وهو الرفع على الابتداء، أو النصب أو الجر لصحة القسم بها وكونها بمنزلة الله والله على اللغتين، ومن لم يجـعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل في مذهبه كما لا محل للجملة المبتدأة وللمفردات المعدودة. {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } أي ذلك الكتاب الذي وعد به على لسان موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، أو «ذلك» إشارة إلى «الم»، وإنما ذكّر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة، لأن الكتاب إن كان خبره كان ذلك في معناه ومسماه مسماه فجاز إجراء حكمه عليه بالتذكير والتأنيث، وإن كان صفته فالإشارة به إلى الكتاب صريحاً لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له، تقول: هند ذلك الإنسان أو ذلك الشخص فعل كذا، ووجه تأليف ذلك الكتاب مع «الم» إن جعلت «الم» إسماً للسورة أن يكون «الم» مبتدأ و«ذلك» مبتدأ ثانياً و«الكتاب» خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول، ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال، وأن يكون «الم» خبر مبتدأ محذوف أي هذه «الم» جملة «وذلك الكتاب» جملة أخرى، وإن جعلت «الم» بمنزلة الصوت كان «ذلك» مبتدأ خبره «الكتاب» أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل. {لاَ رَيْبَ } لا شك وهو مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة. وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها ومنه قوله عليه السلام: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة»تفسير : أي فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له وتسكن، ومنه ريب الزمان وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه. وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق وقد ارتاب فيه كثير لأن المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه لا أن أحداً لا يرتاب، وإنما لم يقل «لا فيه ريب» كما قال {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ}تفسير : [الصافات:47] لأن والمراد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه وإثبات أنه حق لا باطل كما يزعم الكفار، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتاباً آخر فيه ريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ }تفسير : [الصافات: 47]، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي. والوقف على «فيه» هو المشهور. وعن نافع وعاصم أنهما وقفاً على «ريب». ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً والتقدير: لا ريب فيه. {فِيهِ هُدًى } فيه بإشباع كل هاء مكي ووافقه حفص في {أية : فيه مهاناً}تفسير : [الفرقان:69] وهو الأصل كقولك مررت به ومن عنده وفي داره. وكما لا يقال في داره ومن عنده وجب أن لا يقال فيه. وقال سيبويه ما قاله مؤد إلى الجمع بين ثلاثة أحرف سواكن: الياء قبل الهاء، والهاء إذاً الهاء المتحركة في كلامهم بمنزلة الساكنة لأنها الهاء خفية والخفي قريب من الساكن، والياء بعدها. والهدى مصدر على فعل كالبكي وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلالة في مقابلته في قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] وإنما قيل هدى {لّلْمُتَّقِينَ } والمتقون مهتدون لأنه كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة على ما هو ثابت فيه واستدامته كقوله: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }، أو لأنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقوله عليه السلام «حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه»تفسير : وقول ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض، فسمى المشارف للقتل والمرض قتيلاً ومريضاً. ولم يقل: هدى للضالين. لأنهم فريقان فريق علم بقاءهم على الضلالة، وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى وهو هدى لهؤلاء فحسب، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا فقيل «هدى للمتقين» مع أن فيه تصديراً للسورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن بذكر أولياء الله. والمتقى في اللغة اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى، ففاؤها واو ولامها ياء، وإذا بنيت من ذلك افتعل قلبت الواو تاء وأدغمتها في التاء الأخرى فقلت اتقى. والوقاية فرط الصيانة، وفي الشريعة من يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. ومحل «هدى» الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع «لا ريب فيه» لذلك، أو النصب على الحال من الهاء في «فيه» والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يقال: إن قوله «الم» جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، «وذلك الكتاب» جملة ثانية، «ولا ريب فيه» ثالثة، و«هدى للمتقين» رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف عطف وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة، بيان ذلك أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجـهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلاً بكماله لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: في حجة تتبختر اتضاحاً وفي شبهة تتضاءل افتضاهاً. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت هذا النظم الرشيق من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إن المطلوب بألطف وجه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف، ووضع المصدر الذي هو «هدى» موضع الوصف الذي هو «هاد» كأن نفسه هداية وإيراده منكراً ففيه إشعار بأنه هدى لا يكتنه كنهه. والإيجاز في ذكر المتقين كما مر. {ٱلَّذِينَ } في موضع رفع أو نصب على المدح أي هم الذين يؤمنون أو أعني الذين يؤمنون، أو هو مبتدأ وخبره «أولئك على هدى»، أو جر على أنه صفة للمتقين، وهي صفة واردة بياناً وكشفاً للمتقين كقولك «زيد الفقيه» المحقق لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من الإيمان الذي هو أساس الحسنات، والصلاة والصدقة فهما العبادات البدنية والمالية وهما العيار على غيرهما، ألا ترى أن النبي عليه السلام سمى الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة، وسمى الزكاة قنطرة الإسلام فكان من شأنهما استتباع سائر العبادات، ولذلك اختصر الكلام بأن استغنى عن عد الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين، أو صفة مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها كقولك: زيد الفقيه المتكلم الطبيب، ويكون المراد بالمتقين الذين يجتنبون السيئات {يُؤْمِنُونَ } يصدقون وهو إفعال من الأمن وقولهم: آمنه أي صدقه وحقيقته أمنه التكذيب والمخالفة، وتعديته بالباء لتضمنه معنى أقر واعترف. {بِٱلْغَيْبِ } بما غاب عنهم مما أنبأهم به النبي عليه السلام من أمر البعث والنشور والحساب وغير ذلك، فهو بمعنى الغائب تسمية بالمصدر من قولك «غاب الشيء غيباً». هذا إن جعلته صلة للإيمان، وإن جعلته حالاً كان بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيبة، والإيمان الصحيح أن يقر باللسان ويصدق بالجنان والعمل ليس بداخل في الإيمان. {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } أي يؤدونها فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت وهو القيام وبالركوع والسجود والتسبيح لوجودها فيها، أو أريد بإقامة الصلاة تعديل أركانها من أقام العود إذا قومه، أو الدوام عليها والمحافظة من قامت السوق إذا نفقت لأنه إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإذا أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه، والصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى، وكتابتها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى حرك الصلوين أي الأليتين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده. وقيل للداعي مصل تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد {وَمِمَّا َرَزَقْنَاهُمْ } أعطيناهم. و «ما» بمعنى «الذي» {يُنفِقُونَ } يتصدقون. أدخل «من» التبعيضية صيانة لهم عن التبذير المنهي عنه وقدم المفعول دلالة على كونه أهم والمراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها أو هي غيرها من النفقات في سبل الخير لمجيئه مطلقاً، وأنفق الشيء وأنفده أخوان كنفق الشيء ونفد، وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء فدال على معنى الخروج والذهاب. ودلت الآية على أن الأعمال ليست من الإيمان حيث عطف الصلاة والزكاة على الإيمان والعطف يتقضي المغايرة. {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا بكل وحي أنزل من عند الله وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، ثم إن عطفتهم على الذين يؤمنون بالغيب دخلوا في جملة المتقين، وإن عطفتهم على المتقين لم يدخلوا فكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك، أو المراد به وصف الأولين ووسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك: هو الشجاع والجواد، وقوله: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : والمعنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه {بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ } يعني القرآن المراد جميع القرآن لا القدر الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم، لأنه الإيمان بالجميع واجب. وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقباً تغليباً للموجود على ما لم يوجد، ولأنه إذا كان بعضه نازلاً وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل. {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني سائرالكتب المنزلة على النبيين عليهم الصلاة والسلام {وَبِٱلآخِرَةِ } وهي تأنيث الآخر الذي هو ضد الأول وهي صفة والموصوف محذوف وهو الدار بدليل قوله: {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ }تفسير : [القصص: 83] وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام. {هُمْ يُوقِنُونَ } الإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى } الجملة في موضع الرفع إن كان «الذين يؤمنون بالغيب» مبتدأ وإلا فلا محمل لها، ويجوز أن يجري الموصول الأول على «المتقين» وأن يرتفع الثاني على الإبتداء و«أولئك» خبره، ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله. ومعنى الاستعلاء في «على هدى» مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونحوه «هو على الحق وعلى الباطل» وقد صرحوا بذلك في قولهم: جـعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى. ومعنى هدى {مّن رَّبّهِمُ } أي أوتوه من عنده. ونكر «هدى» ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه كأنه قيل على أي هدى ونحوه «لقد وقعت على لحم» أي على لحم عظيم. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي الظافرون بما طلبوا الناجون عما هربوا؛ فالفلاح درك البغية والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته في الفاء والعين نحو «فلق وفلز وفلى»، وجاء العطف هنا بخلاف قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 179] لاختلاف الخبرين المقتضيين للعطف هنا واتحاد الغفلة والتشبيه بالبهائم ثمّ، فكانت الثانية مقررة للأولى فهي من العطف بمعزل، وهم فصل. وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة والتوكيد وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره، أو هو مبتدأ و«المفلحون» خبره، والجملة خبر «أولئك» فانظر كيف قرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره، ففيه تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح. وتعريف المفلحون ففيه دلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل: زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته. وتوسيط الفصل بينه وبين «أولئك» ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا. اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة [الآيتان: 6، 7]. لما قدم ذكر أوليائه بصفاتهم المقربة إليه، وبيَّن أن الكتاب هدى لهم قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى بقوله:

الخازن

تفسير : قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة قيل سوى آية وهي قوله تعالى: {أية : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله}تفسير : [البقرة: 281] فإنها نزلت يوم النحر بمكة في حجة الوداع وهي مائتان وست وقيل سبع وثمانون آية وستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة وخمسة وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف. فصل: في فضلها: (م) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" تفسير : قال معاوية بن سلام بلغني أن البطلة السحرة (قوله اقرؤوا الزهراوين) سميتا بذلك لنورهما يقال لكل مستنير زاهر. قوله: كأنهما غمامتان أو غيايتان: قال أهل اللغة الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغيرها والمعنى أن ثوابهما يأتي كغمامتين (قوله: فرقان من طير صواف) الفرقان الجماعة من الطير والصواف جمع صافة وهي التي تصف أجنحتها عند الطيران يحاجان. المحاجة المجادلة والمخاصمة وإظهار الحجة والبطلة السحرة كما جاء في الحديث مبيناً يقال أبطل إذا جاء بالباطل. وفي الحديث دليل على جواز قول سورة البقرة وسورة آل عمران وكذا باقي السور، وأنه لا كراهة في ذلك وكرهه بعض المتقدمين. وقال: إنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة وكذا باقي السور والصواب هو الأول وبه قال الجمهور لورود النص به (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" تفسير : وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (بسم الله الله الرحيم) قوله عز وجل: {الم} قيل إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهي سر الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وأورد على هذا القول بأنه لا يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا يعلمون، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكلف الله عباده بما لا يعقل معناه كرمي الجمار فإنه مما لا يعقل معناه؛ والحكمة فيه هو كمال الانقياد الطاعة فكذلك هذه الحروف يجب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها. وقال آخرون من أهل العلم: هي معروفة المعاني. ثم اختلفوا فيها فقيل كل حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى فالألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد وقيل الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه، ويؤيده هذا أن العرب تذكر حرفاً من كلمة تريد كلها قال الراجز: شعر : قلت لها قفي فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تفسير : قولها: قاف أي وقفت فاكتفت بحزء الكلمة عن كلها، والإيجاف الإسراع في السير قال ابن عباس: الم أنا الله أعلم. وقيل: هي أسماء الله مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم ألا ترى أنك تقول الر وحم ون فيكون مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعاً وقيل أسماء السور وبه قال جماعة من المحققين وقال ابن عباس: هي أقسام فقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وإنما اقتصر على بعضها وإن كان المراد كلها فهو كما تقول قرأت الحمد لله، وتريد أنك قرأت السورة بكمالها فكأنه تعالى أقسم بهذه الحروف أو هذا الكتاب هو الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ وقيل إن الله تعالى لما تحداهم بقوله: {أية : فائتوا بسورة من مثله} تفسير : [يونس: 38] وفي آية {أية : بعشر سور مثله} تفسير : [هود: 13] فعجزوا عنه أنزل هذه الأحرف ومعناه أن القرآن ليس هو إلاّ من هذه الأحرف وأنتم قادرون عليها فكان يجب أن تأتوا بمثله فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من عند البشر. وقيل: إنهم لما أعرضوا عن سماع القرآن وأراد الله صلاح بعضهم أنزل هذه الأحرف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين اسمعوا إلى ما يجيء به محمد فإذا أصغوا إليه وسمعوه رسخ في قلوبهم، فكان ذلك سبباً لإيمانهم، وقيل: إن الله تعالى غير عقول الخلق في ابتداء خطابه ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة خطابه إلاّ باعترافهم بالعجز عن معرفة كنه حقيقة خطابه. واعلم أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفاً في تسع وعشرين سورة وهي الألف واللام الميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون وهي نصف حروف المعجم، وسيأتي الكلام على باقيها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {ذلك الكتاب} أي هذا الكتاب هو القرآن وقيل فيه إضمار، والمعنى هذا الكتاب الذي وعدتك به وكان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء ولا يخلق على كثرة الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك به وقيل إن الله وعد بني إسرائيل أن ينزل كتاباً ويرسل رسولاً من ولد إسماعيل. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبها من اليهود خلق كثيراً أنزل الله تعالى هذه الآية {الم ذلك الكتاب} أي هذا الكتاب الذي وعدت به على لسان موسى أن أنزله على النبي الذي هو من ولد إسماعيل والكتاب مصدر بمعنى المكتوب وأصله الضم والجمع ومنه يقال للجند كتبية لاجتماعها فسمي الكتاب كتاباً لأنه يجمع الحروف بعضها إلى بعض والكتاب اسم من أسماء القرآن {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق والصدق، وقيل: هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه. فإن قلت قد ارتاب به قوم فما معنى لا ريب فيه. قلت معناه أنه في نفسه حق وصدق فمن حقق النظر عرف حقيقة ذلك {هدى للمتقين} الهدى عبارة عن الدلالة بلطف وقيل الهداية الإرشاد والمعنى هو هدى للمتقين وقيل هو هاد لا ريب في هدايته والمتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف وقيل التقوى في عرف الشرع حفظ النفس مما يؤثم وذلك بترك المحظور وبعض المباحات قال ابن عباس: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش، وهو مأخوذ من الاتقاء وأصله الحجز بين الشيئين، يقال: اتقى بترسه إذا جعله حاجزاً بينه وبين ما يقصده وفي الحديث "كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم" معناه أنا كنا إذا اشتد الحرب جعلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجزاً بيننا وبين العدو فكأن المتقي يجعل امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه حاجزاً بينه وبين النار وقيل المتقي هو من لا يرى نفسه خيراً من أحد. وقيل: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض. وقيل التقوى ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة. وقيل: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك وقيل: التقوى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفي الحديث "حديث : جماع التقوى في قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية" تفسير : وقيل المتقي هو الذي يترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وخص المتقين بالذكر تشريفاً لهم، لأن مقام التقوى مقام شريف عزيز، لأنهم هم المنتفعون بالهداية، ولو لم يكن للمتقين فضل إلاّ قوله تعالى هدى للمتقين لكناهم. فإن قلت كيف قال هدى للمتقين والمتقون هم المهتدون. قلت هو كقولك للعزيز الكريم أعزك الله وأكرمك تريد طلب الزيادة له إلى ما هو ثابت فيه كقوله تعالى: {أية : اهدنا الصراط المستقيم} تفسير : [الفاتحة: 7] {الذين يؤمنون بالغيب} أي يصدقون بالغيب، وأصل الإيمان في اللغة التصديق قال الله تعالى: {أية : وما أنت بمؤمن لنا} تفسير : [يوسف: 17] أي بمصدق فإذا فسر الإيمان بهذا فإنه لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق لا يتجزأ حتى يتصور كما له مرة ونقصانه أخرى. والإيمان في لسان الشرع عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا فإنه يزيد وينقص وهو مذهب أهل السنة من أهل الحديث وغيرهم، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة وهي أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك من أركان الدين هل يسمى مؤمناً أم لا؟ فيه خلاف، والمختار عند أهل السنة أنه لا يسمى مؤمناً لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" تفسير : فنفى عنه اسم الإيمان أو كمال الإيمان وأنكر أكثر المتكلمين زيادة الإيمان ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقصان كان ذلك شكاً وكفراً. وقال المحققون من متكلمي أهل السنة: إن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصانها وبهذا أمكن الجمع بين ظواهر نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بزيادة الإيمان ونقصانه وبين أصله من اللغة. وقال بعض المحققين: إن نفس التصديق قد يزيد وينقص بكثرة النظر في الأدلة والبراهين وقلة إمعان النظر في ذلك ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى وأثبت من إيمان غيرهم لأنهم لا تعتريهم شبهة في إيمانهم ولا تزلزل، وما غيرهم من آحاد الناس فليس كذلك، إذ لا يشك عاقل أن نفس تصديق أبو بكر رضي الله عنه لا يساويه تصديق غيره من آحاد الأمة وقيل إنما سمي الإقرار والعمل إيماناً لوجه المناسبة لأنه من شرائعه، والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. البضع بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة من الشيء وإماطة الأذى عن الطريق وهو عزل الحجر والشوك ونحو ذلك عنه. والحياء بالمد وهو انقباض النفس عن فعل القبيح وإنما جعل من الإيمان وهو اكتساب لأن المستحيي ينزجر باستحيائه عن المعاصي فصار من الإيمان، وقيل الإيمان مأخوذ من الأمن فسمي المؤمن مؤمناً لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله. والإسلام هو الانقياد والخضوع فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيماناً إن لم يكن معه تصديق وذلك أن الرجل قد يكون مسلماً في الظاهر غير مصدق في الباطن (ق) عن أبي هريرة قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإيمان "قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر" قال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال "أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، وخمس لا يعلمهن إلاّ الله" ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} إلى قوله: {عليم خبير} قال ثم أدبر الرجل فقال رسوله صلى الله عليه وسلم: "ردوا عليَّ هذا الرجل" فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم" تفسير : وفي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو هذا الحديث وبمعناه، وقد تقدم الكلام على معنى الإيمان والإسلام. وبقي أشياء تتعلق بمعنى الحديث، فقوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً أي ظاهراً، وقوله: أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر هو بكسر بالخاء. وقيل في الجامع بين قوله وتؤمن بلقاء الله وبالبعث فإن اللقاء يحصل بمجرد الانتقال إلى الدار الآخره وهو الموت والبعث هو بعده عند قيام الساعة وفي تقييده بالآخر وجه آخر وهو أن خروجه إلى الدنيا بعث من الأرحام وخروجه من القبر إلى الآخرة بعث آخر. قوله ما الإحسان هو هنا الإخلاص في العمل وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام لأن من أتى بلفظ الشهادة وأتى بالعمل من غير إخلاص لم يكن محسناً، وقيل أراد بالإحسان المراقبة وحسن الطاعة، فإن من راقب الله حسن عمله، وهو المراد بقوله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأشراط الساعة علاماتها التي تظهر قبلها. قوله: إذا ولدت الأمة ربها يعني سيدها والمعنى أن الرجل تكون له الأمة فتلد له ولداً فيكون ذلك الولد ابنها وسيدها، ورعاء البهم بكسر الراء وفتح الباء وإسكان الهاء من البهم وهي الصغار من أولاد الضأن، والمعنى أنه يبسط المال على أهل البادية وأشباههم حتى يتباهون في البناء ويسودون الناس فذلك من أشراط الساعة والله أعلم. قوله تعالى {بالغيب}، والغيب هنا مصدر وضع موضع الاسم، فقيل: الغائب غيب وهو ما كان مغيباً عن العيون قال ابن عباس: الغيب هنا كل ما أمرت بالإيمان به مما غاب عن بصرك من الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل: الغيب هنا هو الله تعالى وقيل القرآن وقيل بالآخرة وقيل بالوحي وقيل بالقدر وقال عبد الرحمن بن يزيد كنا عند عبدالله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به فقال عبدالله بن مسعود إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيناً لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} إلى قوله {وأولئك هم المفلحون} {ويقيمون الصلاة} أي يداومون عليها في مواقيتها بحدودها وإتمام أركانها وحفظها من أن يقع فيها خلل في فرائضها وسننها وآدابها، يقال: قام بالأمر وأقام الأمر إذا أتى به معطى حقوقه، والمراد به الصلوات الخمس. والصلاة في اللغة الدعاء والرحمة ومنه وصل عليهم أي ادع لهم وأصله من صليت العود إذا لينته فكأن المصلي يلين ويخشع. وفي الشرع اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء مع النية {ومما رزقناهم} أي أعطيناهم من الرزق وهو اسم لما ينتفع به من مال وولد وأصله الحظ والنصيب {ينفقون} أي يخرجون ويتصدقون في طاعة الله تعالى وسبيله، ويدخل فيه إنفاق الواجب كالزكاة والنذر والإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته عليه والإنفاق في الجهاد إذا وجب عليه والإنفاق في المندوب، وهو صدقة التطوع ومواساة الإخوان، وهذه كلها مما يمدح بها وأدخل من التي هي للتبعيض صيانة لهم وكفاً عن السرف والتبذير المنهي عنهما في الإنفاق.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {الۤمۤ} قال ابن عطية: اختلف في الحروف التي في أوائل السور فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة: إنّها من المتشابه الذى انفرد الله بعلمه. قال ابن عرفة: قال الفخر في المحصول: اختلفوا هل يرد في القرآن ما لا يفهم أو لا على قولين؟ قال (السراج): في اختصاره إنما ذلك في الألفاظ الحادثة (وأما) الكلام القديم الأزلي فمجمع عليه. قال ابن عرفة: وهذا لا يحتاج إليه إلاّ لو قال: اختلفوا هل يصح أن يرد في القرآن اللفظ المهمل الذي لا معنى له؟ وقوله: ما لا يفهم دليل على أنه عنده معنى ودلالة لم تفهم. قال ابن عطية: (والجمهور) على أن لها معاني اختلفوا فيها على اثني عشر قولا. قال ابن عرفة: اعلم أن قول الصحابي إذا كان مخالفا للقياس هو عندهم من قبيل المسند لأن التجاسر (على) التفسير بمثل هذا لا يكون إلا عن توقيف من نصّ أو إجماع. وقال قوم: هو بحساب (أبجد) (دليل) على مدة النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر السهيلي في الروض الأنف حديثا استخرج منه المدة ومن أوائل السور وأسقط المتكرر من الحروف. وقال قوم هي أمارة على أن الله تعالى وعد أهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتابا في أول كل سورة منه حروف مقطعة. قال ابن عرفة: يقال له: ما معنى تلك الحروف؟ (فلم يزل) الإشكال فيها، (وهذه الم مبنية على الوقف). فإن قلت: إنما تكون موقوفة قبل الترتيب مثل: واحد - اثنان - ثلاثة - إذا أردت مجرد العَدَدِ (وهذه) جزء كلام (وقع) الإسناد (فيزول) الوقف (ويعرف). قال: (في) الجواب (إنها) محكية مثل سائر الأسماء المحكية.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: "لا ريب" بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى {لا خير} و {لا جرم} وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس "فيهى" ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن. "هدى للمتقين" مدغماً من غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن كثير. وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت. أبو عمرو بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة. ولا خلاف بين القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم "يؤمنون" غير مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها. الباقون: بالهمز. (باب في المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مدّ الكلمة والكلمتين. وكذلك روى ورش عن نافع. والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين الكلمتين. فأطول الناس مداً ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ومدهم بمنزلة أربع ألفات. وأوسطهم مداً علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مداً ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام. وأصل المد ألف ساكنة على قدر فتحة فيك فتحاً تاماً، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة مهموزة بغير همزة (باب السكتة) روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك. والسبب فيه التمكين والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها. والاختيار في الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازاً عن قطع الكلمة. الوقوف: "ألّم" (ج) للاختلاف "لا ريب" ج على حذف خبر "لا تقديره لا ريب فيه، ثم يستأنف "فيه هدى" ومن وصل جعل فيه خبر "لا" أو وصف ريب وحذف خبر "لا" تقديره "لا ريب فيه عند المؤمنين". والوقف على التقديرين على "فيه" و "هدى" خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل "هدى" حالاً للكتاب بإعمال معنى الإشارة في "ذلك على تقدير: أشير إلى الكتاب هادياً لم يقف قبل "هدى للمتقين" (لا) لأن الذين صفتهم "ينفقون" لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب في ثناء الهدى ووعد الفلاح. ولو ابتدأ "والذين" كان "أولئك على هدى" خبرهم مختصاً بهم. واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب. "من قبلك" ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول. "يوقنون" (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون. التفسير وفيه أبحاث: البحث الأول في "ألم" اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، لأن الضاد مثلاً لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلاً، فيكون لفظ الضاد اسماً، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو (با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه والإضافة. وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا): فإنهم إنما قالوا كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي رواه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" تفسير : وأيضاً ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على الكلمة تسمية للجنس باسم النوع. ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟ فقالوا: نقول باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرف. وقال: أقول: ب، ك. ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكناً. ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها. وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفاً عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو. واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية. فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف. والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذر "كيف" و "أين" و "هؤلاء" ولم يقل صاد، قاف، نون. مجموعاً فيها بين الساكنين. وللناس في "الم" وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: شعر : بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم للخلق يحكيه تفسير : عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور. وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية. فالوادي لا يحتمل البحر، والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: {أية : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} تفسير : [الرعد: 17] فبحور العلم عند الله تعالى فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر "حديث : للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من بعد ذلك كله سر. فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين" تفسير : والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش. وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه. وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها. وقيل: هو من المتشابه. وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى {أية : أفلا يتدبرون القرآن} تفسير : [النساء: 82] {أية : تبياناً لكل شيء} تفسير : [النحل: 89] {هدى للمتقين} [البقرة: 2] وإنما يمكن التدبر ويكون تبياناً وهدى إذا كان مفهوماً، وبقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" تفسير : فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ وأيضاً لا يخاطب المكلف بما لا يفهم كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوماً، وعورض بقوله تعالى {أية : وما يعلم تأويله إلا الله} تفسير : [آل عمران: 7] والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله {أية : كل من عند ربنا} تفسير : [آل عمران: 7] فائدة على ما لا يخفى، وبقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم" تفسير : وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا. وأيضاً الأفعال التي كلفنا بها منها ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعاً للمعبود والصوم ففيه كسر الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير من أفعال الحج، ويحسن من الله تعالى الأمر بالنوعين لظهور الامتثال بهما، بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض. فلم لا يجوز أن يكون في الأقوال أيضاً مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر بذكر الله والتفكير في كلامه؟ القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول. الثاني: أنها أسماء الله تعالى. روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: يا كَهيعَصَ، يا حمَ عَسَقَ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله تعالى، فإن "الر، حم، ن" مجموعها اسم "الرحمن" لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع. الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة. الرابع: كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي "كَهيعَصَ" الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق. أو الكاف محمول على الكبير والكريم. والياء على أنه مجير، والعين على العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس. وعنه أيضاً في "ألم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أعلم وأفصل، وفي "المر" أنا الله أرى. الخامس: أنها صفات الأفعال. الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب القرظي. السادس: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم. أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم. السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية. الثامن: أن ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير. والتاسع: كأنه تعالى يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن يحيى. العاشر: إن الكفار لما قالوا {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} تفسير : [فصلت: 26] أنزل الله تعالى هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب. الحادي عشر: قول أبي العالية إنه حساب على ما روى ابن عباس أنه "حديث : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو سورة البقرة "الم ذلك الكتاب" ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى وسبعون سنة؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال حيي: فهل غير ذلك؟ فقال: نعم {المص} فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟ فقال: نعم {الر} قال حيي: نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير هذا؟ قال: نعم {المر} قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ! فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً فيما يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فأنزل الله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} "تفسير : [آل عمران: 7]. الثاني عشر: تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر. الثالث عشر: قول الأخفش إن الله تعالى أقسم بهذه الجروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في اللوح المحفوظ. الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بها من غير تعلم خط وقراءة كان ذلك دليلاً على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي. الخامس عشر: قال القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل فاتحة. السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في أول الأمر {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} تفسير : [فصلت: 30] واللام إشارة إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة {أية : والذين جاهدوا فينا} تفسير : [العنكبوت: 69] والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة {أية : قل الله ثم ذرهم} تفسير : [الأنعام: 91]. السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله. الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته. واعلم أن الباقي من الفواتح بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر. وقد أورد الله الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على أصناف أجناس الحروف. من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها ا ك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن المستعلية نصفها ق ص ط. ومن المنخفضة نصفها الم ر ك هـ ي ع س ح ن، ومن حروف القلقة نصفها ق ط. وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن الله تعالى عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم. التاسع عشر: قيل: معناه ألست بربكم. الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم الميثاق. والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه عورض بوجوه: الأول: أنا نجد سوراً كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم رفع الاشتباه. الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت. الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم. الرابع: لو كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل عمران. الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال. وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور. وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن تجعل مشتركاً حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية. و عن الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها. وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسماً واحداً فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم. وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير اللقب أشهر من الاسم. وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود. فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله {هدى للمتقين} وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب. ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو {كَهيعَصَ} {المر} وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحمَ وطسَ ويسَ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد. فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: شعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟ تفسير : والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك "بدأت بالحمد لله" قال ذو الرمة: شعر : سمعت الناس ينتجعون غيثاً فقلت لصيدح انتجعي بلالاً تفسير : وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو "اذكر" أو حركت لالتقاء الساكنين. واستكره جعلها مقسماً بها على طريق قولهم "نعم الله لأفعلن" على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف بهما. واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: الواو الثانية في قوله عز من قائل {أية : والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى} تفسير : [الليل: 1 - 2] واو العطف لا القسم نحو "وحياتي ثم حياتك لأفعلن" ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر نحو "بالله لأفعلن تالله لأخرجن" ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل "الواو" للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم "الله لأفعلن" مجروراً غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين. وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب "صاد" مثلاً فإنه يكتب مسماها ص. وأيضاً اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، وأيضاً خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ. ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها الله حسبي. البحث الثاني في قوله. "ذلك الكتاب" وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى "الم" بعد ما سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضراً نظراً إلى ألفاظه لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة. وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} تفسير : [المزمل: 5] أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله {أية : وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} تفسير : [الزخرف: 4]. الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظراً إلى صفته وهو الكتاب كقولك "هند ذلك الإنسان" قال الذبياني: شعر : نبئت نعمي على الهجران عاتبة سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري تفسير : وإن جعلت الكتاب خبراً فنظراً إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: "من كان أمك". الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب - وقد تقدم- ومنها الفرقان {أية : تبارك الذي نزل الفرقان} تفسير : [الفرقان: 1] لأنه نزل متفرقاً في نيف وعشرين سنة، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل. ومنها التذكرة والذكرى والذكر {أية : وإنه لتذكرة للمتقين} تفسير : [الحاقة: 48] {أية : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} تفسير : [الذاريات: 55] {أية : وإنه لذكر لك ولقومك} تفسير : [الزخرف: 44] أي ذكر من الله تعالى به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر. ومنها التنزيل {أية : وإنه لتنزيل رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 192] ومنها الحديث {أية : الله نزل أحسن الحديث} تفسير : [الزمر: 23] شبهه بما يتحدث به فإن الله تعالى خاطب به المكلفين. ومنها الموعظة {أية : قد جاءتكم موعظة من ربكم} تفسير : [يونس: 57] ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم {أية : وكذلك أنزلناه حكماً عربياً} تفسير : [الرعد: 37] {أية : حكمة بالغة} تفسير : [القمر: 5] {أية : يسَ والقرآن الحكيم} تفسير : [يس: 1، 2] {أية : كتاب أحكمت أياته} تفسير : [فصلت: 2] ومنها الشفاء والرحمة {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} تفسير : [الإسراء: 82] ومنها الهدى والهادي {أية : هدى للمتقين} تفسير : [البقرة: 2] {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} تفسير : [الإسراء: 9] ومنها الصراط المستقيم {أية : وأن هذا صراطي مستقيماً} تفسير : [الأنعام: 153] ومنها حبل الله {أية : واعتصموا بحبل الله جميعاً} تفسير : [آل عمران: 103] ومنها الروح {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] لأنه سبب لحياة الأرواح. ومنها القصص {أية : إن هذا لهو القصص الحق} تفسير : [آل عمران: 62] ومنها البيان والتبيان والمبين {أية : هذا بيان للناس} تفسير : [آل عمران: 138] {أية : تبياناً لكل شيء} تفسير : [النحل: 89] {أية : تلك آيات الكتاب المبين} تفسير : [يوسف: 1] ومنها البصائر {أية : هذا بصائر من ربكم} تفسير : [الأعراف: 203] ومنها الفصل {أية : إنه لقول فصل} تفسير : [الطارق: 13] ومنها النجوم {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم} تفسير : [الواقعة: 75] لأنه نزل نجماً نجماً. ومنها المثاني {أية : مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} تفسير : [الزمر: 23] لأنه يثنى فيه القصص والأخبار. ومنها النعمة {أية : وأما بنعمة ربك فحدث} تفسير : [الضحى: 11] قال ابن عباس: أي القرآن. ومنها البرهان {أية : قد جاءكم برهان من ربكم} تفسير : [النساء: 174] ومنها البشير والنذير {أية : قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً} تفسير : [فصلت: 3 - 4] ومنها القيم {أية : قيماً لينذر بأساً شديداً} تفسير : [الكهف: 2] ومنها المهيمن {أية : مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} تفسير : [المائدة: 48] ومنها النور {أية : واتبعوا النور الذي أنزل معه} تفسير : [الأعراف: 157] ومنها الحق {أية : وإنه لحق اليقين} تفسير : [الحاقة: 51] ومنها العزيز {أية : وإنه لكتاب عزيز} تفسير : [فصلت: 41] ومنها الكريم {أية : إنه لقرآن كريم} تفسير : [الواقعة: 77] ومنها العظيم {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} تفسير : [الحجر: 87] ومنها المبارك {أية : كتاب أنزلناه إليك مبارك} تفسير : [ص: 29] فهذه جملة الأسماء وسيجيء تفاسيرها في مواضعها. الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع "الم" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون "الم" مبتدأ أو "ذلك" مبتدأ ثانياً "والكتاب" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل القوم يا أم خالد. وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون "الم" خبر مبتدأ محذوف أي هذه "الم"، ويكون "ذلك" خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه "الم" جملة، "ذلك الكتاب" جملة أخرى، وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى. وإن جعلت "الم" بمنزلة الصوت كان "ذلك" مبتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف "ذلك الكتاب". وفي قراءة عبد الله بن مسعود "الم تنزيل الكتاب". البحث الثالث في قوله "لا ريب فيه" الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس. روى الحسن بن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" تفسير : فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له. ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه. والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟ قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله {أية : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} تفسير : [البقرة: 23] لم يقل "وإذا كنتم" مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها. فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله تعالى {أية : لا فيها غَوْل} تفسير : [الصافات: 47] قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً في غيره من الكتب كما أن في قوله: {أية : لا فيها غول} تفسير : [الصافات: 47] تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول. وقرأ أبو الشعثاء "لا ريب" فيه بالرفع. قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه. ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله "لا ريب" جواب قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد. البحث الرابع في قوله "هدى للمتقين" وفيه مسائل: الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة. وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} تفسير : [البقرة: 16] ولأنه يقال مهدي في معرض المدح. فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحاً، ولأن مطاوعه "اهتدى" فيلزمه. وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى. وبأن قولنا "مهدي" إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوماً كلياً إذ يصح في العرف أن يقال: هديته فلم يهتد، قال عز من قائل: {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : [فصلت: 17] وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقاً فخطأ لوقوع صفة للقرآن، وإن زعم حيناً فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة. الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى. والوقاية فرط الصيانة، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء. وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات. واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟ روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس" تفسير : فحقيقة التقوى الخشية {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم} تفسير : [لقمان: 33] وقد يراد بها الإيمان {أية : وألزمهم كلمة التقوى} تفسير : [الفتح: 26] أي التوحيد. وقد يراد التوبة {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا} تفسير : [الأعراف: 96] أي تابوا. وقد يراد الطاعة {أية : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} تفسير : [النحل: 2] وقد يراد ترك المعصية {أية : وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله} تفسير : [البقرة: 189] وقد يراد الإخلاص {أية : فإنها من تقوى القلوب} تفسير : [الحج: 32] أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف {أية : إن الله مع الذين اتقوا} تفسير : [النحل: 128] {أية : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} تفسير : [البقرة: 197] {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم} تفسير : [الحجرات: 13] وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" تفسير : وقال علي عليه السلام: التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة. وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيباً، ولا ملك العرش في سرك عيباً. الواقدي: أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق. ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك. ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها. وكبيرها فهو التقي. شعر : كن مثل ماش في طريــــ ـــق الشوق يحذر ما يرى لا تحقــرن صغيـــــــــرة إن الجبال من الحصــــــى تفسير : وفي قوله "هدى للمتقين" ثم في موضع آخر {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس} تفسير : [البقرة: 185] دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون {أية : كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الأعراف: 179]. الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضاً المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانياً؟ والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحاً لهم كقوله تعالى {أية : إنما أنت منذر من يخشاها} تفسير : [النازعات: 45] {أية : إنما تنذر من اتبع الذكر} تفسير : [يس: 11] مع أنه صلى الله عليه وسلم منذر كل الناس. وأيضاً قوله "هدى للمتقين" كقولك للعزيز المكرم "أعزك الله وأكرمك" تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه. وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو "حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه" تفسير : فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطناباً في غير موضعه، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام فإجرائه على الطريقة التي ذكرنا. فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن؟ ومما يؤكد ما قلنا، ما نقل عن علي عليه السلام أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين. ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلاً كان أو سمعاً صار كله هدى. فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله تعالى وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟ قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضاً فيعم. الرابعة: محل "هدى للمتقين" الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع "لا ريب فيه" لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أنه يقال: "الم" جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و "ذلك الكتاب" جملة ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، و "هدى للمتقين" رابعة. وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلاً بكماله، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين. البحث الخامس في قوله تعالى {الذين يؤمنون بالغيب}. الآية وفيه مسائل: الأولى: "الذين يؤمنون" إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه "بأولئك على هدى". الثانية: "الذين يؤمنون" على تقدير كونه صفة يكون إما وارداً بياناً وكشفاً وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة عمادة الدين" "حديث : وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" تفسير : والزكاة أفضل العبادات المالية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الزكاة قنطرة الإسلام" تفسير : فاختصر الكلام اختصاراً بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عز من قائل {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط. ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولاً، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عداً على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوماً بهذه السمات، مشهوراً بهذه الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه تعالى تمجيداً وتعظيماً. الثالثة: الأيمان إفعال من الأمن. يقال: أمنته وآمنته غيري. ثم يقال: أمنه إذا صدقه. وحقيقته أمنه التكذيب. والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر واعتبر ووثق به. قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه اسم لأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة وأما إذا ذكر مطلقاً فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله. فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق. ثم اختلفوا فبعضهم - كواصل بن عطاء والقاضي عبد الجبار - قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات. وبعضهم - كأبي علي وأبي هاشم - إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وبعضهم - كالنظام - إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد. ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد. والخوارج قالوا: الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً. فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة. وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار. الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض. ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. (القول الثاني): قول من قال الإيمان بالقلب واللسان معاً. ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟ قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو بذاته أو مرئياً وغير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان. والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس. المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب. (القول الثالث): قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من قال: الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان. وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب. (القول الرابع). قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب. ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا الشرط أيضاً بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه الله تعالى: عندي أن الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك. وأيضاً الإيمان المعدّى بالباء على أصله اتفاقاً، فغير المعدى أيضاً يكون كذلك كلما ذكر الله تعالى الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب {أية : وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106] {أية : كتب في قلوبهم الإيمان} تفسير : [المجادلة: 22] {أية : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} تفسير : [الحجرات: 14] وأيضاً قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان لزم التكرار. وأيضاً قرن الإيمان بالمعاصي {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} تفسير : [الأنعام: 83] {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} تفسير : [الحجرات: 9] {أية : والذين آمنوا ولم يهاجروا} تفسير : [الأنفال: 72] ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة. قال ابن عباس في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} تفسير : [البقرة: 178] إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في الخطاب. ثم قال: {أية : فمن عفى له من أخيه شيء} تفسير : [البقرة: 178] وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : [الحجرات: 10] ثم قال: {أية : ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} تفسير : [البقرة: 178] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن. القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله تعالى {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} تفسير : [البقرة: 8]. القيد الثالث: ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً. القيد الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اعتقها فإنها مؤمنة" تفسير : بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟ قالت: في السماء. ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمناً، وكان الامتناع عن النطق جارياً مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم الغزالي رضي الله عنه قلت: - وبالله التوفيق -: التحقيق في المقام أن للإيمان وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة. ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع. فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [البقرة: 257] وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار {أية : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} تفسير : [الأنفال: 2] كلما ارتفع حجاب ازداد نوراً فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً أو تفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة {أية : نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} تفسير : [التحريم: 8] {أية : نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} تفسير : [النور: 35] وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلاً عليهما، وتفويض أمر الباطن إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". تفسير : الرابعة: يجوز أن يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله تعالى: {أية : عالم الغيب والشهادة} تفسير : [الرعد: 9]، [المؤمنون: 92]، [التغابن: 18] والعرب تسمي المطئمن من الأرض غيباً، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك. ويجوز أن يكون بالغيب حالاً، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو {أية : الذين يخشون ربهم بالغيب} تفسير : [الأنبياء: 49] {أية : ليعلم أني لم أخنه بالغيب} تفسير : [يوسف: 52] وفيه تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم {أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} تفسير : [البقرة: 14] وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله في القرآن. وورد في الخبر {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض} تفسير : [النور: 55] "حديث : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" تفسير : الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ثلاثة اشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة {أية : والذين هم على صلاتهم دائمون } تفسير : [المعارج: 23] {أية : والذين هم على صلاتهم يحافظون} تفسير : [المعارج: 24] من قامت السوق إذا نفقت وأقامها. قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب. لأهل العراقين حولاً قميطاً. غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة تامة. والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطاً أي كاملاً لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم: قام في الأمر خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام - وبالركوع والسجود والتسبيح {أية : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي} تفسير : [آل عمران: 43] {أية : فلولا أنه كان من المسبحين} تفسير : [الصافات: 143] ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء. السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي مفتتحها التحريم ومختتمها التسليم فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أنه يحتمل أن يقال المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي "أفلح والله إن صدق" بعد قول الأعرابي "والله لا أزيد على هذه ولا أنقص" أي على الصلوات المفروضة. واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى الدعاء قال الأعشى: شعر : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم تفسير : أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم "صليت العصا بالنار" إذا لينتها وقومتها قال: شعر : فلا تعجل بأمرك واستدمه فما صلي عصاك كمستديم تفسير : والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار. وإما من قولهم "صلى الفرس" إذا جاء مصلياً أي ملازماً للسابق، لأن رأسه عند صلاة، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه إلى أوان فراغه. والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال تصلية. قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى. وكتبها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف. السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري مجراهم زادوا قيداً آخر وهو أن لا يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، وعلى هذا لا يكون الحرام عندهم رزقاً. قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله تعالى ويسمى رزقاً منه. وأدخل "من" التبعيضية صيانة لهم وكفاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله تعالى على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه. الثامنة: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في الجهاد. ويمكن أن يتناول كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال تعالى {أية : وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} تفسير : [المنافقون: 10] والمراد به الصدقة لقوله {أية : فأصدّق وأكن من الصالحين} تفسير : [المنافقون: 10]. البحث السادس: في قوله تعالى و "الذين يؤمنون" الآية. وفيه مسائل: الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب سبيله سبيل السالف لكونه معقوداً بعضه ببعض ومربوطاً آتيه بماضيه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة لا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك. فيكون المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ابتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام أو لم يكن. ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم وترغيباً لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم يا لهف زيابة للحارث الــــ ـــصابح فالغانم فالآئـــب تفسير : الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في السماء كلاماً لله تعالى فنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر. والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو فينزل فيؤدي في سفل. وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه. قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟ قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم. ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام. وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة. الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن الفلاح منوط بذلك. فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً، لكنه فرض كفاية لقوله تعالى {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} تفسير : [التوبة: 122] الآية. وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل. الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالاً بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود. وفي تقديم الآخرة وبناء "يوقنون" على "هم" تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة ". تفسير : البحث السابع: في قوله تعالى {أولئك على هدى من ربهم} الآية وفيه مسائل: الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء "بالذين يؤمنون بالغيب" على سبيل الاستئناف و "أولئك على هدى" الجملة خبره، كأنه لما قيل "هدى للمتقين" فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح. وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك. فيكون الاستئناف بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك. فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه. وثانيها: أن يجعل "الذين" و "الذين" تابعاً للمتقين، ويقع الاستئناف على "أولئك" كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً. وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، و "أولئك" خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في أنهم سيفلحون عند الله تعالى والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد علمت. وأيضاً إنه يجعل الموصولين تابعاً والوجه الأول يجعل الموصول الأول ركناً من الكلام. الثانية: الاستعلاء في قوله "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم "هو على الحق وفلان على الباطل" وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركباً، وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى. ومعنى "هدى من ربهم أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما اعتقدوه والدوام على ما عملوه. ونكر "هدى" ليفيد ضرباً من المبالغة أي هدى لا يبلغ كنهه. قال الهذلي: شعر : فلا وأبي الطير المربة بالضحى على خالد لقد وقعت على لحم تفسير : أي لحم وأي لحم. وأربّ بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ الكنى إنما تكون للأشراف كما أن الإقسام بالطير أيضاً لاستعظامهن لوقوعهن على لحم عظيم، وعن بعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء؟ الثالثة: في تكرير "أولئك" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين. ووسط العاطف بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} تفسير : [الأعراف: 179] فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدّهم من جملة الأنعام شيء واحد. الرابعة: "هم" فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. ويحتمل أن يكون "هم" مبتدأ و "المفلحون" خبره، والجملة خبر "أولئك". الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر. وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح نحو: فلق، وفلذ، ومنه سمي الزارع فلاحاً. ومعنى التعريف في "المفلحون" إما العهد أي المتقون هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيداً هو هو. فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره أيذاناً بأن ما يرد عقيبه. فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم أولى الزهراوين. قد ورد في الخبر "حديث : يحشر الناس يوم القيامة" ثم يقول الله عز وجل لهم: "طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسباً وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون" تفسير : فليأخذ العاقل بحكمة الله تعالى وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردّة طاعة بعض المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق لها إن شاء الله.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {الۤمۤ}: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولَيْنِ؛ فقال الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً. فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَا اللَّهُ أَرَىٰ، وقال قومٌ:........ هي حسابُ أَبِي جَاد؛ لتدلَّ على مدَّة ملَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ كما ورد في حديث حُيَـــيِّ بن أَخْطب، وهو قول أبي العالية وغيره. * ت *: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ في «الرَّوْضِ الأُنُفِ»، فٱنظره. قوله تعالىٰ: {ذَٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}: الاسمُ من «ذَلِكَ»: الذال، والألف، واللام؛ لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب. واختلف في «ذَلِكَ» هنا؛ فقيل: هو بمعنى «هَذَا»، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب. واختلفوا في ذلك الغائب؛ فقيل: ما قد كان نزل في القرآن، وقيل غير ذلك؛ انظره. و {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: معناه: لا شَكَّ فيه، و {هُدًى}: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله: {لِّلْمُتَّقِينَ}: اللفظ مأخوذ من «وَقَىٰ»، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالَىٰ بٱمتثالِ أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه. قوله تعالَىٰ: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}. {يُؤْمِنُونَ}: معناه يُصَدِّقون، وقوله: {بِٱلْغَيْبِ} قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه: يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: {يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ} معناه: يظهرونها ويثبتونها؛ كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ. * ت *: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في ٱختصارِهِ لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها. انتهى. قال: * ص *: يقيمون الصلاةَ من التقويمِ؛ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ؛ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ؛ ومنه: قام بالأمر. انتهى. وقوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}: الرزْقُ عند أهل السنة ما صَحَّ الانتفاع به، حلالاً كان أو حرامًا، و {يُنفِقُونَ}: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.

ابن عادل

تفسير : إن قيل: إن الحروف المقطّعة في أوائل السور أسماء حروف التهجِّي، بمعنى أن الميم اسم لـ "مَهْ" والعين لـ "عَهْ"، وإن فائدتها إعلامهم بأن هذا القرآن منتظمٌ من جنس ما تنتظمون من كلامكم، ولكن عجزتم عنه، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدة، فألقيت كأسماء الأعداد ونحو: "واحد اثنان"، وهذا أصح الأقوال الثلاثة، أعني أن في الأسماء التي لم يقصد الإخبار عنها ولا بها ثلاثة أقوال: أحدها: ما تقدم. والثاني: أنها معربة، بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرطه وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري رحمه الله. والثالث: أنها موقوفة أي لا معربة ولا مبنيةٌ. أو إن قيل: إنها أسماء السور المفتتحة بها، أو إنها بعض أسماء الله - تعالى - حذف بعضها، وبقي منها هذه الحروف دالّة عليها وهو رأي ابن عَبّاس - رضي الله تعالى عنهما - كقوله: الميم من "عليهم"، والصاد من "صادق"، فلها حينئذ محلّ من الإعراب ويحتمل الرفع والنصب والجر: فالرفع على أحد وجهين: إما بكونها مبتدأ، وإما بكونها خبراً كما سيأتي بيانه مفصلاً إن شاء الله تعالى. والنصب على أحد وجهين أيضاً: إما بإضمار فعلٍ لائقٍ، تقديره: اقرءوا: "الم"، وإما بإسقاط حرف القسم؛ كقول الشاعر: [الوافر] شعر : 97- إِذا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذَاكَ أَمَانَةَ اللهِ الثَّرِيدُ تفسير : يريد: وأَمَانَةِ اللهِ. وكذلك هذه الحروف أقسم الله بها. وقد رد الزَّمَخْشَرِيّ هذا الوجه بما معناه: أنّ القرآن في: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ } تفسير : [ص: 1] والقلم في {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} تفسير : [القلم: 1] محلوف بهما لظهور الجرّ فيهما، وحينئذ لا يخلو أن تُجْعَل الواو الداخلة عليها للقسم، أو للعطف، والأول يلزم منه محذور، وهو الجمع بين قسمين على مقسم قال: [وهم يستكرهون] ذلك. والثاني ممنوع، لظهور الجَرّ فيما بعدها، والفرض أنك قدرت المعطوف عليه من مَحَلّ نصب، وهو رَدّ واضح، إلا أن يقال: في محلّ نصب إلا فيما ظهر فيه الجر [فيما بعده] كالموضعين المتقدمين؛ {أية : حـمۤ وَٱلْكِتَابِ} تفسير : [الزخرف: 1-2]، و {أية : قۤ وَٱلْقُرْءَانِ} تفسير : [ق: 1] ولكن القائل بذلك لم يفرق بين موضع وموضع، فالرد لازم كله. والجَرّ من وجهٍ واحدٍ، وهو أنها مقسم بها، حذف حرف القسم، وبقي عمله كقولهم: "اللهِ لأفعلنَّ" أجاز ذلك الزمخشري، وأبو البقاء رحمهما الله، وهذا ضعيف؛ لأن ذلك من خصائص الجَلاَلَة المعظمة لا يشاركها فيه غيرها. فتخلص مما تقدم أن في "الم" ونحوها ستة أوجه وهي: أنها لا محل لها من الإعراب، أَوْ لَهَا محل، وهو الرفع بالابتداء، أو الخبر. والنَّصْب بإضمار فعل، أو حذف حرف القسم. والجَرّ بإضمار حرف القسم. فصل في الحروف المقطعة سئل الشعبي - رحمه الله تعالى - عن هذه الحروف فقال: سرّ الله، فلا تطلبوه. وروى أبو ظِبْيَانَ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: عجزت العلماء عن إدْرَاكِهَا، وقال الشعبي وجماعة رحمهم الله سائر حروف التهجّي في أوائل السور من المتشابهة الذي استأثر الله بعلمه، وهي سرّ القرآن؛ فنحن نؤمن بظاهرها، ونَكِلُ العلمَ فيها إلى الله تعالى. قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: "في كل كتاب سِرّ، وسرُّ الله - تعالى - في القرآن أوائل السور". ونقل ابنُ الخَطِيْبِ رحمه الله أن المتكلمين أنكروا هذا القول، وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لاَ يَكُونُ مفهوماً للخلق، واحتجوا عليه بآيات منها: قوله تبارك وتعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24] بالتدُّبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم، فكيف يأمر بالتدبّر فيه. وكذا قوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] فكيف يأمر بالتدبُّر لمعرفة نفي التَّنَاقض والاختلاف، وهو غير مفهوم للخلق؟ ومنها قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 193- 195]، فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول - عليه السلام - منذراً به، وأيضاً قوله: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء:195] يدلّ على أنه نازلٌ بلغة العَرَبِ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوماً. ومنها قوله تعالى: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 83]، والاستنباط منه لا يمكن إلاّ مع الإحاطة بمعناه. ومنها قوله تعالى: {أية : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 89]. وقوله تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38]. وقوله تعالى: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 185]، {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وغير المعلوم لا يكون هُدًى. وقوله تعالى: {أية : وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 57] وكل هذه الصفات لا تحصر في غير المعلوم. وقوله تبارك وتعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15]. وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 51] فكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكره مع أنه غير مفهوم؟ وقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} تفسير : [إبراهيم: 52]، فيكف يكون بلاغاً؟ وكيف يقع به الإنذار، مع أنه غير معلوم؟ وقال في آخر الآية: {أية : وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [إبراهيم:52]، وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم، ومن الأخبار قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : إنِّي تَركْتُ فيكم ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ به لن تَضِلُّوا بَعْدِي أبداً كتابَ الله وسُنَّتي" تفسير : فكيف يمكن التمسُّك به وهو غير معلوم؟ وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه - أنه - عليه الصلاة والسّلام - قال: "حديث : عليكم بكتاب الله - فيه نَبَأُ ما قبلكم، وخبر مَنْ بَعْدَكم، وحُكْم ما بينكم هو الفَصْلُ ليس بالهَزْلِ، من تركه من جَبَّار قَصَمَهُ الله تعالى. ومن اتَّبَعَ الهدى في غيره أضَلّه الله - تعالى - هو حَبْلُ الله المتين، والذكر الحكيم، والصِّراط المستقيمُ، وهو الذي لا تزيغُ به الأهواء، ولا تشبع به العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرَّد ولا تنقضي عَجَائبه، مَنْ قَالَ به صَدَقَ، ومن حكم به عَدَل، ومن خاصم به فَلَج، ومن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صِرَاط مستقيم ". تفسير : ومن المعقول أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العِلْم إلاّ به لكانت المُخَاطبة به نحو مُخَاطبة العرب باللّغة الزنجية، ولما لم يَجُزْ ذلك فكذا هذا. وأيضاً المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المُخَاطبة عبثاً وسفهاً، وهو لا يليق بالحكيم. وأيضاً أنَّ التَّحدِّي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التَّحدِّي به. واحتجّ مخالفوهم بالآية، والخَبَرِ، والمعقول. أما الآية فهو أن المُتشَابه من القرآن، وأنه غير معلوم؛ لقوله تَعَالَى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 7] والوقف هاهنا، لوجوه: أحدها: أن قوله تَعَالَى: "والراسخون في العلم" لو كان معطوفاً على قوله تعالى "إِلاَّ الله" لبقي قوله: "يقولون آمنا به" منقطعاً عنه، وإنه غير جائزٍ؛ لأنه لا يقال: إنّه حال، لأنا نقول: فحينئذ يرجع إلى كُلّ ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلاً: {أية : يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} تفسير : [آل عمران:7] وهذا كفر. وثانيها: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنّهم لما عرفوه بالدّلالة لم يكن الإيمان به إلاّ كالإيمان بالمُحْكَم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مَدْحٍ. وثالثها: أن تأويلها كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذمًّا، لكن قد جعله ذمًّا حيث قال: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} تفسير : [آل عمران: 7] وأما الخبر فروي أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال: "حديث : إنَّ من العلم كهيئة المَكْنُون لا يعلمه إلاّ العُلَماء بالله تعالى فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرّة بالله ". تفسير : ولأن القول بأن هذه الفَوَاتح غير معلومة مروي عن أكابر الصَّحابة رضي الله عنهم فوجب أن يكون حقًّا، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَصْحَابي كالنُّجُوم بأيّهم اقْتَدَيْتُمُ اهتديتم ". تفسير : وأما المعقول فهو أنَّ الأفعال التي كلّفنا الله تعالى بها قسمان: منها ما يعرف وَجْه الحكمة فيه على الجُمْلة بعقولنا كالصَّلاة والزكاة والصَّوم، فإنَّ الصَّلاة تضرُّع محضٌ، وتواضعُ للخالق، والزكاة سَعْي في دَفْعِ حاجة الفقير، والصّوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا يعرف وَجْهُ الحكمة فيها على الجملة بعقولنا كأفعال الحَجّ في رَمْيِ الجَمَرَات، والسَّعي بين الصفا والمروة، والرَّمل، والاضْطِبَاع. ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله - تعالى - أن يأمر عباده بالنوع الأول، فكذا يحسن الأمر بالنوع الثاني؛ لأنّ الطَّاعة في النوع الأول، تدلُّ على كمال الانقياد والتسليم، لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وَجْهِ المصلحة فيه. أما الطاعة في النوع الثاني، فإِنها تدلّ على كمال الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون [الأمر] كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمر الله - تعالى - تارةً أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارةً بما لا نقف على معناه، ويكون المَقْصُود من ذلك ظهور الانقياد والتَّسليم. القول الثَّاني: قول من زعم أنَّ هذه الفَوَاتح معلومةٌ، واختلفوا فيه، وذكروا وجوهاً: الأوّل: أنها أسماء السّور، وهو قول أكثر المتكلّمين، واختيار الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى. قال القَفّال - رحمه الله تعالى - وقد سّمت العرب هذه الحروف أشياء فسموا بـ "لام": والد حارثة بن لام الطَّائي، وكقولهم للنَّخاس: "صاد"، وللنقد: "عين"، وللسحاب: "غين". وقالوا: جبل "قاف"، وسموا الحوت: "نوناً". الثاني: أنها أسماء الله تَعَالى، روي عن علي - رضي الله تَعَالى عنه - أنه كان يقول: يا حم عسق. الثالث: أنها أبعاض أسماء الله تَعَالى. قال سعيد بن جبير رحمه الله: قوله: "الر، حم، ونون" مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البَوَاقي. الرابع: أنها أسماء القرآن، وهو قول الكَلْبِيّ - رحمه الله تعالى - والسّدي وقتادة رضي الله تعالى عنهم. الخامس: أن كلّ واحد منها دالّ على اسم من أسماء الله - تعالى - وصفة من صفاته. قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في "الم": "الألف إشارة إلى أنه [أحد، أول، آخر، أزلي، "واللام" إشارة إلى أنه لطيف، "والميم" إشارة إلى أنه] مَلِك مَجِيد مَنَّان". وقال في "كهيعص": إنه ثناء من الله - تعالى - على نفسه، "والكاف" يدل على كونه كافياً، "والهاء" على كونه هادياً، "والعين" على العالم، "والصاد" على الصادق. وذكر ابن ابن جريرٍ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه حمل "الكاف" على الكبير والكريم، "والياء" على أن الله يجير، "والعين" على أن الله العزيز والعدل. والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصّص كل واحد من هذه الحروف باسم معين، وفي الثاني ليس كذلك. السادس: بعضها يدلّ على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصّفات. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في "الم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أفصل، وفي "الر" أنا الله أرى، وهذه رواية أبي صالح، وسعيد بن جبير عنه. قال الزَّجَّاج: وهذا أحسن، فإن العرب تذكر حرفاً من كلمة تريدها كقولهم: [مشطور السريع] شعر : 98- قُلْنَا لَهَا: قِفِي لَنَا قََالَتْ: قَافْ ……………….. تفسير : وأنشد سيبويه لغيلان: [الرجز] شعر : 99- نَادَوْهُمْ أَنَ الْجِمُوا، أَلاَ تَا قَالُوا جَمِيعاً كُلُّهُمْ أَلاَ فَا تفسير : أي: لا تَرْكَبُوا، قالوا: بَلَى فَارْكَبُوا. وأنشد قُطْرب: [الرجز] شعر : 100- جَارِيَةٌ قَدْ وَعَدَتْنِي أَنْ تَا تَدْهُنَ رَأْسي وَتُفَلِّيني وَتَا تفسير : السّابع: كلّ واحد منها يدلّ على صفات الأفعال، فـ "الألف" آلاَؤه، و "اللاّم" لُطْفه، و "الميم" مَجْدُه، قاله محمد بن كَعْبٍ القُرَظي. الثَّامن: بعضها يدلّ على أسماء الله - تعالى - وبعضها يدلّ على أسماء غير الله تعالى. قال الضَّحاك: "الألف" من الله، و "اللام" من جبريل، و "الميم" من محمد عليه الصَّلاة والسلام [أَي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام]. التاسع: ما قاله المبرّد: واختاره جمعٌ عظيم من المحقّقين - أنّ الله - تعالى - إنَّمَا ذكرها احتجاجاً على الكُفّار، وذلك أن الرَّسول - عليه الصَّلاة والسّلام - لما تحدّاهم أن يأتوا بِمِثْلِ القرآن، أو بِعَشْرِ سُوَرٍ، أو بسورة، فعجزوا عنه أنزلت هذه الأحرف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلاّ من هذه الأحرف، وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفَصَاحة، فكان يجب أن تأتوا بِمِثْلِ هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دلّ ذلك على أنه من عِنْدِ الله لا من البَشَرِ. العاشر: قول أبي روق وقُطْرب: إن الكُفَّار لما قالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله - تعالى - لما أحب صلاحهم ونفعهم أن يُورِدَ عليهم ما لا يعرفونه، ليكون ذلك سبباً لإسْكَاتهم، واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن، فأنزل الله - تعالى - عليهم هذه الأحرف، فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القُرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم، وطريقاً إلى انتفاعهم، فكان كالتنبيه لما يأتي بعده من الكلام كقوله الأول. الحادي عشر: قول أبي العَالِيَةِ "إنّ كل حرف منها في مُدّة أعوام وآجال آخرين". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سُرّ أبو ياسِر بن أَخْطَب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يَتْلُو سورة البقرة {الم ذَلِكَ الكِتَابُ}، ثم أتى أخوه حُيَيُّ بن أَخْطَب، وكَعْب بن الأَشْرَف، وسألوه عن "الم" وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحقّ أنها أَتَتْكَ من السماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم كذلك نزلت"، فقال حُيَيّ: إن كنت صادقاً إني لأعلم أَجَلَ هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلّت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أَجَل مُدّته إحدى وسبعون سنةً، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال حُيَيّ: فهل غير هذا؟ قال: "نعم المص" فقال حُيَيّ: هذا أكثر من الأولى هذه مائة وإحدى وثلاثون سنة، فهل غير هذا؟ قال: "نعم الر" قال حُيَيّ: هذه أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنةً، فهل غير هذا؟ قال: "نعم" قال: "المر" قال: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن مُلْكِ هذه الأمّة، ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول، إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك، فلا ندري أَبِالْقَلِيْلِ نأخذ أم بالكثير؟ فذلك قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [آل عمران: 7] الآية الكريمة. ورُوي عن ابن عَبّاس - رضي الله تعالى عنهما - أنها أقسام. وقال الأخفش: أقسم الله - تعالى - لشرفها وفضلها؛ لأنها مبادىء كتبه المنزلة، ومباني أسمائه الحسنى. وقيل فيها غير ذلك. واعلم أن الله - تعالى - أورد في هذه الفَوَاتح نصف عدد أَسامي حروف المُعْجَم، وهي أربعة عشر: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والباء، والنون في تسع وعشرين سورة. وجاءت أيضاً مختلفة الأعداد، فوردت "ص ق ن" على حرف. و "طه وطس ويس وحم" على حرفين. و "الم والر وطسم" على ثلاثة أحرف. و "المص والمر" على أربعة أحرف. و "كهيعص وحم عسق" على خمسة أحرف، والسبب فيه أن أبنية كلامهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف، فكذا هاهنا. قوله: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} يجوز في "ذلك" أن تكون مبتدأ ثانياً، و "الكتاب" خبره، والجملة خبر "الم"، وأغنى الربط باسم الإشَارة، ويجوز أن يكون "الم" مبتدأ. و "ذلك" خبره، و "الكتاب" صفة لـ "ذلك"، أو بدل منه، أو عطف بيان، وأن يكون "الم" نبتدأ، و "ذلك" مبتدأ ثانٍ، و "الكتاب": إما صفة له، أو بدل منه، أو عطف بيان له. و "لا ريب فيه" [خبر] عن المبتدأ الثاني، وهو خبره خبر عن الأول. ويجوز أن يكون "الم" خبر مبتدأه مضمر، تقديره: "هذا الم"، فتكون جملة مستقلة بنفسها، ويكون "ذلك" مبتدأ ثانياً، و "الكتاب" خبره. ويجوز أن يكون صفة له، أو بدلاً، أو بياناً، و "لا ريب فيه" هو الخبر عن "ذلك" أو يكون "الكتاب" خبراً لـ "ذلك"، و "لا ريب فيه" خبر ثان، وفيه نظر من حيث إنه تعدّد الخبر، وأحدهما جملة، لكن الظاهر جوازه؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 20]، إذا قيل بأن "تسعى" خبر. وأما إن جُعِلَ صفة فلا. و "ذلك" اسم إشارة: الاسم منه "ذا"، و "اللاَّم" للبعد، و "الكاف" للخطاب، ولها ثلاث رُتَب: دُنْيَا: ولها المُجَرّد من اللام والكاف نحو: "ذا وذي" و "هذا وهذي". وَوُسْطَى: ولها المتّصل بحرف الخطاب، نحو "ذاك وذيك وتيك". وقُصْوَى: ولها المتّصل بـ "اللام" و "الكاف" نحو: "ذلك وتلك". ولا يجوز أن تأتي بـ "اللام" إلاّ مع "الكاف"، ويجوز دخول حرف التَّنبيه على سائر أسماء الإشارة إلاّ مع "اللاَّم"، فيمتنع للطول. وبعض النحويين لم يذكر إلاّ رتبتين: دُنْيَا وغيرها. واختلف النحويون في "ذا" هل هو ثلاثي الوضع أم أصله حرف واحد؟ الأول قول البصريين، ثم اختلفوا على عينه ولامه ياء، فيكون من باب "حيي"، أو غينه واو ولامه ياء فيكون من باب "غويت" ثم حذفت لامه تخفيفاً، وقلبت العين ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وهذا كله على سبيل التّمرين. وأيَّا فهذا مبني، والمبني لا يدخله تصريف، وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيماً للمُشَار إليه ومنه: [الطويل] شعر : 101- أَقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنَّنِي أنا ذَلِكَا تفسير : أو لأنه لما نزل من السَّماء إلى الأرض أشير بإشارة البعيد. أو لأنه كان موجوداً به بنبيّه عليه الصلاة والسلام. أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدّره في اللَّوح المحفوظ. وفي عبارة المفسرين أشير بذلك إلى الغائب يعنون البعيد، وإلا فالمشار إليه لا يكون إلا حاضراً ذِهْناً أو حِسّاً، فعبروا عن الحاضر ذِهْناً بالغائب أي حسّا وتحريراً لقول ما ذكرته لك. وقال الأصَمّ وابن كيْسَان: إن الله - تعالى - أنزل قبل سورة "البقرة" سوراً كذب بها المشركون، ثم أنزل سورة "البقرة" فقال: "ذلك الكتاب" يعني ما تقدّم "البقرة" من السّور لا شك فيه. قال ابن الخَطِيب رحمه الله تعالى: سلّمنا أن المُشَار إليه حاضر، لكن لا نسلّم أن لفظة "ذلك" لا يشار بها إلا إلى البعيد. بيانه: أن "ذلك" و "هذا" حرف إشارة، وأصلهما "ذا" لأنه حرف الإشارة، قال تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي} تفسير : [البقرة: 245]. ومعنى "ها" تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا، أي: تَنَبَّهْ أيّها المُخَاطب لما أشرت إليه، فإنه حاضر معك بحيث تَرَاه، وقد تدخل "الكاف" على "ذَا" للمخاطبة، و "اللام" لتأكيد معنى الإشارة، فقيل: "ذلك"، فكأن المتكلّم بالغ في التنبيه لتأخّر المُشَار إليه عنه، فهذا يدلّ على أن لفظة "ذلك" لا تفيد البُعْد في أصل الوَضْع، بل اختص في العُرْف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدبّ على الأرض. وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله ها هنا على مقتضى الوضع اللّغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البُعْد، ولأجل هذه المُقَارنة قام كلّ واحد من اللَّفْظَين مقام الآخر. قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَٰقَ} تفسير : [ص: 45]، إلى قوله: {أية : وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} تفسير : [ص: 48] ثم قال: {أية : هَـٰذَا ذِكْرٌ} تفسير : [ص: 49] وقال: {أية : وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} تفسير : [ص: 52- 53]. وقال: {أية : وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} تفسير : [ق: 19]. وقال تعالى: {أية : فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات: 24-25]. وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ} تفسير : [الأنبياء: 105] وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً} تفسير : [الأنبياء: 106]. وقال: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة: 73] [أي هكذا يحيي الموتى]. وقال:{أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 18] أي ما هذه التي بيمينك. و "الكتاب" في الأصل مصدر؛ قال تعالى: {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وقد يراد به المكتوب، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 102- بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رأَيْتُ صَحِيفَةً أَتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا تفسير : ومثله [الوافر] شعر : 103- تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي وفِيهاَ كِتَابٌ مِثْلُ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ تفسير : وأصل هذه المادة الدّلالة على الجَمْعِ، ومنه كتيبة الجَيْش، وكَتَبْتُ القربة، وكَتَبْتُ القربة: خَرَزْتُها، وَالكُتَبة -بضم "الكاف" الخرزة، والجمع كَتَب، قال: [البسيط] شعر : 104- وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الْكُتَبُ تفسير : وكَتَبْتُ الدَّابة [إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَي رَحِمِها بِحَلْقَةٍ أَو سَيْرٍ] قال الشاعر: [البسيط] شعر : 105- لاَ تَأْمَنَنَّ فَزَارِيَّا حَلَلْتَ بِهِ عَلَى قَلُوصِكَ واكتُبْهَا بِإِسْيَارِ تفسير : والكتابة عرفاً ضمّ بعض حروف الهجاء إلى بعض. قال ابن الخطيب: واتفقوا على أنَّ المراد من الكتاب القرآن، قال تبارك وتعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} تفسير : [ص: 29]. والكتاب جاء في القرآن جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الفرض {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} تفسير : [البقرة: 178] {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} تفسير : [البقرة: 183]، {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103]. ثانيها: الحُجَّة والبُرْهان: {أية : فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الصافات: 157] أي: بِبُرْهانكم وحجّتكم. ثالثها: الأَجَل: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4] أي: أَجَل. رابعها: بمعي مُكَاتبة السيد عبده: {أية : وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النور: 33] وهذا المصدر "فِعَال" بمعنى "المُفَاعلة" كالجِدَال والخَصَام والقِتَال بمعنى: المُجَادلة والمُخَاصمة والمُقَاتلة. والكتاب - هنا - المُرَاد به القرآن، وله أسماء: أحدها: الكِتَاب كما تقدم. وثانيها: القُرْآن: {أية : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً} تفسير : [الزخرف: 3]، {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185]. وثالثها: الفُرْقَان: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الفرقان: 1]. ورابعها: الذِّكْر، والتَّذْكِرَة، والذِّكْرَى: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء: 50]، {أية : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الحاقة: 48] وقوله تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 55]. وخامسها: التَّنْزِيل: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 192]. وسادسها: الحديث: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23]. وسابعها: المَوْعِظَة: {أية : قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [يونس: 57]. وثامنها: الحُكْم، والحِكْمَة، والحَكِيم، والمُحْكَم: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} تفسير : [الرعد: 37]، {أية : حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} تفسير : [القمر: 5]، {أية : يسۤ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس: 1-2]، {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1]. وتاسعها: الشِّفَاء: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ} تفسير : [الإسراء: 82]. وعاشرها: الهُدَى، والهَادِي {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]، {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9]، {أية : قُرْءَاناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} تفسير : [الجن: 1-2]. وذكروا له أسماء أُخَر منها: "الصِّرَاط المستقيم، والعِصْمَة، والرَّحْمَة، والرُّوح، والقَصَص، والبَيَان، والتِّبْيَان، والمُبِين، والبَصَائر، والفَصْلُ، والنُّجُوم، والمَثَاني، والنّعْمَة، والبُرْهَان، والبَشِير، والنَّذِير، والقَيِّم، والمُهَيْمِن، والنور، والحق، والعزيز، والكريم، والعظيم، والمبارك". قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ}. يجوز أن يكون خبراً كما تقدّم بيانه. قال بعضهم: هو خبر بمعنى النّهي، أي: لا ترتابوا فيه كقوله تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} تفسير : [البقرة: 197] أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا. قرأ ابن كثير: "فِيهِ" بالإشباع في الوَصْلِ، وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلاً ما لم يَلِهَا ساكن، ثم إن كان السَّاكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسر ياء، وإنْ كان غيرها يشبعها بالضم واواً، ووافقه حفص في قوله: {أية : فِيهِ مُهَاناً} تفسير : [الفرقان: 69] فأشبعه. ويجوز أن تكون هذه الجملة في محلّ نصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، و "لا" نافية للجنس محمولة في العمل على نقيضها. "إِنَّ"، واسمها معرب ومبني: فيبنى إذا كان مفرداً نكرة على ما كان ينصب به، وسبب بنائه تضمنّه معنى الحرف، وهو "من" الاسْتِغْرَاقِيَّة يدلّ عليه ظهورها في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 106- فَقَامَ يَذُودُ النَّاس عَنْهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَ أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى هِنْدِ تفسير : وقيل: بني لتركُّبه معها تركيب خمسةَ عَشَرَ، وهو فاسد وبيانه في غير هذا الكتاب. وزعم الزَّجَّاج أن حركة "لاَ رَجُلَ" ونَحْوِه حركة إعراب، وإنما حذف التنوين تخفيفاً، ويدل على ذلك الرجوع إلى هذا الأصل في الضرورة كقوله: [الوافر] شعر : 107- أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللهُ خَيْراً يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ تفسير : ولا دليل له لأن التقدير: أَلاَ تَرَوْنَنِي رَجُلاً؟ فإن لم يكن مفرداً - وأعني به المضاف والشبيه به - أُعْرِبَ نَصْباً نحو: "لا خيراً من زيد"، ولا عمل لها في المعرفة ألبتة، وأما نحو قوله: [الطويل] شعر : 108- تُبَكِّي عَلَى زيْدٍ وَلاَ زَيْدَ مِثْلُهُ بَرِيءٌ مِنَ الْحُمَّى سَلِيمُ الجَوَانِحِ تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 109- أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ نَكِدْنَ وَلاَ أُمَيَّةَ فِي الْبِلاَدِ تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 110- لاَ هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ تفسير : وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "لا قُرَيْشَ بعد اليَوْمِ، إذا هلك كِسْرَى، فلا كسرى بَعْدَه" فمؤوَّل. و "رَيْبَ" اسمها، وخبرها يجوز أن يكون الجار والمجرور وهو "فيه"، إلاَّ أن بني "تميم" لا تكاد تذكر خبرها، فالأولى أن يكون محذوفاً تقديره: لا ريب كائن، ويكون الوَقْفُ على "ريب" حينئذ تامًّا، وقد يحذف اسمها ويبقى خبرها، قالوا: "لا عليك" أي: لا بأس عليك. ومذهب سيبويه رحمه الله: أنها واسمها في مَحَلّ رفع بالابتداء، ولا عمل لها في الخبر. ومذهب الأخفش: أن اسمها في مَحَلّ رفع، وهي عاملة في الخبر. ولها أحكامٌ كثيرة، وتقسيمات منتشرة مذكورة في كتب النحو. واعلم أن "لا" لفظ مُشْتَرَك بين النَّفي، وهي فيه على قسمين: قسم تنفي فيه الجنس فتعمل عمل إنَّ كما تقدم، وقسم تنفي فيه الوحدة، وتعمل حينئذ عمل "ليس"، ولها قسم آخر، وهو النهي والدُّعاء فتجزم فعلاً واحداً، وقد تجيء زيادة كما تقدم في قوله: {أية : وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 7]. و "الرَّيْب": الشّك مع تهمة؛ قال في ذلك: [الخفيف] شعر : 111- لَيْسَ فِي الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الكَذُوبُ تفسير : وحقيقته على ما قال الزَّمخشري: "قلق النفس واضطرابها". ومنه الحديث: "حديث : دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبك ". تفسير : ومنه أنه مَرّ بظبي خائفٍ فقال: "لاَ يُرِبهُ أَحَدٌ بشيءٍ". فليس قول من قال: "الرَّيب الشك مطلقاً" بجيّد، بل هو أخصّ من الشَّك كما تقدم. وقال بعضهم: في "الرّيب" ثلاثة معانٍ: أحدها: الشّك؛ قال ابن الزِّبَعْرَى: [الخفيف] شعر : 112- لَيْسَ فِي الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ ........................ تفسير : وثانيها: التُّهمةُ؛ قال جميل بُثَيْنَةَ: [الطويل] شعر : 113- بُثَيْنَةُ قَالَتْ يَا جَمِيلُ أَرَيْتَنِي فَقُلْتُ: كِلاَنا يَا بُثَيْنُ مُرِيبُ تفسير : وثالثها: الحاجات؛ قال: [الوافر] شعر : 114- قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَعْنَا السُّيُوفَا تفسير : قال ابن الخطيب: الريب قريب من الشك، وفيه زيادة، كأنه ظن سوء، كأنه ظن سوء، تقول: رَابَني أمر فلان إذا ظننت به سوءاً. فإن قيل: قد يستعمل الريب في قولهم: "ريب الدهر" و "ريب الزمان" أي: حوادثه، قال تعالى: {أية : نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} تفسير : [الطور: 30] ويستعمل أيضاً فيما يختلج في القلب من أسباب الغيظ، كقول الشاعر: [الوافر] شعر : 115- قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ .................. تفسير : قلنا: هذان يرجعان إلى معنى الشك، لأن من يخاف من ريب المنون محتمل، فهو كالمشكوك فيه، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن، فقوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} المراد منه: نفي كونه مَظَنّةً للريب بوجه من الوجوه، والمقصود أنه لا شُبْهَة في صحته، ولا في كونه من عند الله تعالى ولا في كونه معجزاً. ولو قلت: المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} تفسير : [البقرة: 23]. فإن قيل: لم تأت، قال ها هنا: "لاَ رَيْبَ فِيهِ" وفي موضع آخر: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات: 47] قلنا: لأنهم يقدمون الأهمّ، وهاهنا الأهم نفي الريب بالكليّة عن الكتاب. ولو قلت: "لا فيه ريب " لأَوْهَمَ أن هناك كتاباً آخر حصل فيه الريب لا هاهنا، كما قصد في قوله تعالى {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات:47] تفضيل خمر الجنّة على خمر الدنيا، بأنها لا تَغْتَال العقول كما تغتالها خمر الدنيا. فإن قيل: من أين يدلّ قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ}على نفي الريب بالكلية؟ قلنا القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية، والدّليل عليه أن قوله: "لا ريب" نفي لماهيّة الريب؛ ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية؛ لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهيّة لثبتت الماهية، وذلك مُنَاقض نفي الماهية، ولهذا السّر كان قولنا: "لا إله إلا الله" نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى. وقرأ أبو الشعثاء: "لاَ رَيْبُ فِيهِ" بالرفع، وهو نقيض لقولنا: "ريب فيه"، وهذا يفيد ثبوت فرد واحدٍ، وذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد، فيتحقق التناقض. والوقف على "فيه" هو المشهور. وعن نافع وعاصم أنهما وَقَفَا على "ريب"، ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً، ونظيره قوله: {أية : لاَ ضَيْرَ} تفسير : [الشعراء: 50] وقول العرب: "لا بأس". واعلم أن الملحدة طعنوا فيه وقالوا: إن عني أنه لا شَكّ فيه عندنا، فنحن قد نشك فيه، وإن عني أنه لا شكّ فيه عنده فلا فائدة فيه. الجواب: [المراد] أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه، والأمر كذلك؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفَصَاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أَقْصَرِ سورة من القرآن، وذلك يشهد بأنه لقيت هذه الحُجَّة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه. وقيل: في الجواب وجوه أخر: أحدها: أن النفي كونه متعلقاً للريب، المعنى: أنه منعه من الدلالة، ما إن تأمله المُنْصِف المحق لم يرتب فيه، ولا اعتبار بمن وجد فيه الريب؛ لأنه لم ينظر فيه حَقّ النظر، فريبه غير معتدٍّ به. والثاني: أنه مخصوص، والمعنى: لا ريب فيه عند المؤمنين. والثالث: أنه خبر معناه النهي. والأول أحسن. قوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. يجوز فيه عدة أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ، وخبره فيه متقدماً عليه إذا قلنا: إن خبر "لا" محذوف. وإن قلنا: "فيه" خبرها، كان خبره محذوفاً مدلولاً عليه بخبر "لا"، تقديره: لا ريب فيه، فيه هدى، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره: هو هدى، وأن يكون خبراً ثانياً لـ "ذلك"، على أن يكون "الكتاب" صفةً أو بدلاً، أو بياناً، و "لا ريب" خبر أول، وأن يكون خبراً ثالثاً لـ "ذلك"، على أن يكون "الكتاب" خبراً أول، و "لا ريب"، خبراً ثانياً، وأن يكون منصوباً على الحال من "ذلك"، أو من "الكتاب"، والعامل فيه على كلا التقديرين اسم الإشارة، وأن يكون حالاً من الضَّمير في "فيه"، والعامل ما في الجَارِّ والمجرور من معنى الفعْلِ، وجعله حالاً مما تقدم: إما على المُبَالغة، كأنه نفس الهُدَى، أو على حذف مضاف، أي: ذا هُدَى، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل، وهكذا كلُّ مصدر وقع خبراً، أو صفة، أو حالاً فيه الأقوال الثلاثة، أرجحها الأول. وأجازوا أن يكون "فيه" صفةً لـ "ريب"، فيتعلّق بمحذوف، وأن يكون متعلقاً بـ "ريب"، وفيه إشكال؛ لأنه يصير مطولاً، واسم "لا" إذا كان مطولاً أعرب إلاّ أن يكون مُرَادهم أنّه معمول لِمَا دَلّ عليه "ريب" لا لنفس "ريب". وقد تقدّم معنى "الهدى" عند قوله تبارك وتعالى: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6]. و "هُدًى" مصدر على وزن "فُعَل" قالوا: ولم يجىء من هذا الوزن في المَصَادر إلا "سُرًى" و "بُكًى" و "هُدًى"، وقد جاء غيرها، وهو "لَقِيتُهُ لُقًى"؛ قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 116- وَقَدْ زَعَمُوا حُلْماً لُقَاكِ وَلَمْ أَزِدْ بحَمْدِ الَّذِي أَعْطَاكِ حِلْماً وَلاَ عَقْلا تفسير : و "الهدى" فيه لغتان: التذكير، ولم يذكر اللّحْياني غيره. وقال الفراء: بعض بني أسد يؤنثه، فيقولون: هذه هدى. و "في" معناها الظرفية حقيقةً أو مجازاً، نحو: "زيد في الدار"، {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} تفسير : [البقرة: 179] ولها معان آخر: المصاحبة: نحو: {أية : ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ} تفسير : [الأعراف: 38]. والتعليل: "إن امرأة دَخَلتِ النَّارَ في هِرَّةٍ" وموافقة "على": {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] [أي: على جذوع]، والباء: {أية : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 11] أي بسببه. والمقايسة نحو قوله تعالى: {أية : فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38]. و "الهاء" في "فيه" أصلها الضم كما تقدم من أن "هاء" الكناية أصلها الضم، فإن تقدمها ياء ساكنة، أو كسرة كسرها غير الحجازيين، وقد قرأ حمزة: "لأَهْلِهُ امْكُثُوا" وحفص في: {أية : عَاهَدَ عَلَيْهُ الله} تفسير : [الفتح: 10]، {أية : وَمَآ أَنسَانِيهُ إِلاَّ} تفسير : [الكهف: 63] بلغة أهل الحِجَاز، والمشهور فيها - إذا لم يلها ساكن وسكن ما قبلها نحو: "فيه" و "منه" - الاختلاس، ويجوز الإشْبَاع، وبه قرأ ابن كثير، فإن تحرّك ما قبلها أُشْبِعَتْ، وقد تختلس وتسكن، وقرىء ببعض ذلك كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى. و "للمتقين" جارّ ومجرور متعلّق بـ "هدى". وقيل: صفة لـ "هدى"، فيتعلّق بمحذوف، ومحله حينئذ: إما الرفع أو النصب بحسب ما تقدم في موصوفه، أي هدى كائن أو كائناً للمتقين. والأحسن من هذه الوجوه المتقدمة كلها أن تكون كل جملة مستقلّة بنفسها، فـ "الم" جملة إن قيل: إنها خبر مبتدأ مضمر، و "ذلك الكتاب" جملة، و "لا ريب" جملة، و "فيه هدى" جملة، وإنما ترك العاطف لشدّة الوصل؛ لأن كلّ جملة متعلّقة بما قبلها آخذة بعنقها تعلقاً لا يجوز معه الفصل بالعطف. قال الزمخشري: وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها مُتَنَاسقة هكذا من غير حرف نسق. [وذلك لمجيئها مُتَتَابعة بعضها بعنق] بعض، والثانية متحدة بالأولى، وهلم جَرّاً إلى الثالثة والرابعة. بيانه: أنه نبّه أولاً على أنه الكلام المتحدي به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المَنْعُوت بنهاية الكَمَال، فكان تقريراً لجهة التحدي. ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله. ثم أخبر عنه بأنه "هدى للمتقين"، فقرر بذلك كونه يقيناً، لا يحوم الشّك حوله، ثم لم تَخْلُ كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذه الترتيب الأنيق [من] نُكْتَةٍ ذات جَزَالة: ففي الأولى الحذف، والرمز إلى الغرض بألطف وجه. وفي الثانية ما في التعريف من الفَخَامة. وفي الثانية ما في تقديم الريب على الظَّرف. وفي الثالثة ما في تقديم "الريب" على الظرف. وفي الرابعة الحذف، ووضع المصدر الذي هو "هدى" موضع الوصف الذي هو "هاد" وإيراده منكراً. "المتقين" جمع "مُتَّقٍ"، وأصله: مُتَّقْيِينَ بياءينِ، الأولى: لام الكلمة، والثانية علامة الجمع، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة، وهي الياء الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان، فَحذف إحداهما وهي الأولى. و "متقٍ" من اتقى يتّقي وهو مُفْتَعِل من الوِقَايَةِ، إلا أنه يطرد في الواو والياء إذا كانتا فاءين، ووقعت بعدهما "تاء" الافتعال أن يبدلا "تاء" نحو: "اتَّعَدَ" من الوَعْدِ، و "اتَّسَرَ" من اليُسْرِ. وَفِعْلُ ذلك بالهمزة شاذ، قالوا: "اتَّزَرَ" و "اتَّكَلَ" من الإِزَارِ، والأَكْلِ. و لـ "افتعل" اثنا عشر معنى: الاتِّخَاذ نحو: "اتقى". والتسبب نحو: "اعمل". وفعل الفاعل بنفسه نحو: "اضطرب". والتخير نحو: "انتخب". والخطف نحو: "استلب". ومطاوعة "أَفْعَل" نحو: "انتصف". ومطاوعة "فَعَّل" نحو: عمّمته فاعتمّ. وموافقة "تَفَاعَلَ" و "تَفَعَّل" و "اسْتَفْعَل" نحو: احتور واقتسم واعتصم، بمعنى تحاور وتقَسَّم واستعصم. وموافقة المجرد، نحو "اقتدر" بمعنى: قَدَرَ. والإغناء عنه نحو: "اسْتَلَم الحجر"، لم يُلْفَظْ له بمجرد. و "الوقاية": فرط الصيانة، وشدة الاحتراس من المكروه، ومنه "فرس وَاقٍ": إذا كان يقي حافِرُه أدنى شيء يصيبه. وقيل: هي في أصل اللَّغة قلّة الكلام. وفي الحديث: "التَّقِيُّ مُلْجَمٌ". ومن الصيانة قوله: [الكامل] شعر : 117- سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِاليَدِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 118- فَأَلْقَتْ قِنَاعاً دُونَهُ الشَّمْسُ واتَّقَتْ بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ وَمِعْصَمِ تفسير : قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ "الهدى" في القرآن بإزاء ثلاثة عشر معنى: الأول: بمعنى "البَيَان" قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 5] أي: على بيان، ومثله، {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] أي: لتبين، وقوله تبارك وتعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} تفسير : [فصلت: 17] أي: بَيّنّا لهم. الثاني: الهُدَى: دين الإسلام، قال تَعَالَى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 73] أي: دين الحق هو دين الله. وقوله: {أية : إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى} تفسير : [الحج: 67] أي: دين الحق. الثالث: بمعنى "المَعْرِفَة" قال تعالى: {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16] أي: يعرفون، وقوله تعالى: {أية : نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النمل: 41] أي: أتعرف. الرابع: بمعنى "الرسول" قال تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} تفسير : [البقرة: 38] أي: رسول. الخامس: بمعنى "الرشاد" قال تعالى: {أية : وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ } تفسير : [ص: 22] أي أرشدنا. وقوله: {أية : عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [القصص: 22]. وقوله تعالى: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ} تفسير : [الفاتحة: 6]. السادس: بمعنى: "القرآن" قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [النجم: 23] أي: القرآن. السابع: بمعنى: بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ} تفسير : [الشورى: 52]. الثامن: بمعنى "شرح الصدور" قال تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام: 125]. التاسع: التوراة، قال تبارك وتعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [غافر: 53] يعني: التوراة. العاشر: "الجنة" قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم} تفسير : [يونس: 9] أي: يدخلهم الجنة. الحادي عشر: "حج البيت" قال تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96] أي الحج. الثاني عشر: "الصلاح" قال تَعَالى: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ} تفسير : [يوسف: 52] أي: لا يصلح. الثالث عشر: "التوبة" قال تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] أي: تُبْنَا ورجعنا. فصل في المقصود بالهدى قال ابن الخطيب "رضي الله تعالى عنه": الهُدَى عبارة عن الدلالة. وقال صاحب "الكشاف": الهدى هو الدلالة الموصّلة للبغية. وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم والدليل على صحة الأول أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبراً في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء مُحَال، وقد ثبت الهدى على عدم حال الاهتداء قال الله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء. واحتج صاحب "الكشَّاف" بأمور ثلاثة: [أوّلها]: وقوع الضلالة في مُقَابلة الهدى، قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 16]، وقال تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. وثانيها: يقال: مهديّ في موضع المدح كالمهتدي، فلو لم يكن من شرط الهدى كَوْن الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً؛ لاحتمال أنه هدي، فلم يَهْتَدِ. وثالثها: أن "اهتدى" مطاوع "هَدَى" يقال: هَدَيْتُه فَاهْتَدَى، كما يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع، فكما أن الانكسار والانقطاع لاَزِمَانِ للكسر والقطع، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم "الهدى". والجواب عن الأوَّلِ: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل "الهدى" هو "الإضلال" ومقابل "الاهتداء" هو "الضلال" فجعل "الهدى" في مقابلة "الضلال" ممتنع. وعن الثاني: المنتفع بالهدى سمي مهدياً؛ لأن الوسيلة إذا لم تُفْضِ إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم. وعن الثالث: أن الائتمار مُطَاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول الائتمار، وكذا لا يلزم من كونه هذه أن يكون مفضياً إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد. ومما يدل على فساد قول من قال: الهدى هو العلم خاصة أن الله - تعالى - وصف القرآن بأنه هدى، ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدلّ على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم. فصل في اشتقاق المتقي والمتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتَّقَى، والوقاية: فرط الصيانة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: التقيّ: من يتقي الشّرْك والكبائر والفواحش، وهو مأخوذ من الاتقاء، وأصله: الحجز بين شيئين. وفي الحديث: "حديث : كان إذا احْمَرّ البأسُ اتَّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : أي: إذا اشتد الحَرْبُ جعلنا بيننا وبين العدو، فكأن المتقي جعل الامتثال لأمر الله، والاجتناب عما نَهَاه حاجزاً بينه وبين العذاب، وقال عمر بن الخَطّاب لكعب الأحبار: "حدثني عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقاً ذا شَوْكٍ؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: حذرت وشَمّرت، قال كعب: ذلك التَّقوى". وقال عمر بن عبد العزيز: التقوى تَرْكُ ما حَرَّمَ الله، وأداء ما افترض الله، فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير. وقال ابن عمر: التَّقْوَى ألا ترى نفسك خيراً من أحد. إذا عرفت هذا فنقول: إن الله - تعالى - ذكرَ المتقي هاهنا في معرض المدح، [ولن يكون ذلك] بأن يكون متقياً في أمور الدنيا بل بأن يكون متقياً فيما يتصل بالدّين، وذلك بأن يكون آتياً بالعبادات، محترزاً عن المحظورات. واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصَّغائر في التقوى؟ فقال بعضهم: يدخل كما تدخل الصّغائر في الوعيد. وقال آخرون: لا يدخل، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكُلّ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوقّ الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟ فروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: "حديث : لا يَبْلُغُ العَبْدُ درجة المتّقين حتى يَدَعَ ما لا بَأْسَ به حَذَراً مما به بَأْسُ"تفسير : . وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنهم الذين يَحْذَرُون من الله العُقُوبَة في تَرْكِ ما يميل الهَوَى إليه، ويرجون رحمته بالتَّصديق بما جاء منه. واعلم أن حقيقة التقوى، وإن كانت هي التي ذكرناها إلاَّ أنها قد جاءت في القرآن، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الفتح: 26] أي: التوحيد {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الحجرات: 3]، {أية : قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الشعراء: 11] أي: لا يؤمنون. وتارة التوبة كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} تفسير : [الأعراف: 96]، {أية : وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [المؤمنون: 52]. وتارة ترك المعصية كقوله تعالى: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة: 189] أي: فلا تعصوه. وتارة الإخلاص كقوله: {أية : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 32] أي: من إخلاص القلوب. وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كون الشَّيء هدى ودليلاً لا يختلف بحسب شخص دون شخص فلماذا جعل القرآن هدى للمتّقين فقط؟ وأيضاً فالمتقي مهتدي؟ والمهتدي لا يهتدي ثانياً، والقرآن لا يكون هدى للمتقين؟ والجواب: أن القرآن كما أنه هدى للمتقين، ودلالة لهم على وجود الصانع، وعلى صدق رسوله، فهو أيضاً دلالة للكافرين؛ إلا أن الله تبارك وتعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا، وانتفعوا به كما قال: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا} تفسير : [النازعات: 45] وقال: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} تفسير : [يس: 11]. وقد كان عليه الصلاة والسلام منذراً لكلّ الناس، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هُمُ الذين انتفعوا بإنذاره. وأما من فسر الهُدَى بالدلالة الموصلة إلى المقصود، فهذا السؤال زائل عنه؛ لأن كون القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلاَّ في حق المتقين. السّؤال الثاني: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى، وفيه مجمل ومتشابه كثير، ولولا دلالة العقل لما تميز المُحْكم عن المُتَشَابه، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن؟ ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس حيث بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تَحْتَجَّ عليهم بالقرآن، فإنه خَصْمٌ ذو وجهين، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك فيه، ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به، ونرى القرآن مملوءاً من آيات بعضها صريح في الجبر، وبعضها صريح في القدر؛ فلا يمكن التوفيق بينهما إلاّ بالتعسُّف الشديد، فكيف يكون هدى؟ الجواب: أن ذلك المُتَشَابه والمُجْمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين - وهو إما دلالة العقل، أو دلالة السمع - صار كله هُدًى. السؤال الثالث: كل ما يتوقّف كون القرآن حُجّة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه، فإذا استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله - تعالى - وصفاته، وفي معرفة النبوة، فلا شَكَّ أن هذه المَطَالب أشرفُ المطالب، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها، فكيف جعله الله هدى على الإطلاق؟ الجواب: ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشَّرَائع، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول، وهذه الآية من أَقْوَى الدلائل على أن المُطْلق لا يقتضي العموم، فإن الله - تعالى - وصفة بكونه هُدًى من غير تقييد في اللّفظ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصَّانع، وصفاته، وإثبات النبوة، فثبت أنّ المطلق لا يفيد العموم. السّؤال الرابع: الهُدَى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره، والقرآن ليس كذلك، فإن المفسّرين ما ذكروا آية إلاّ وذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة، ويؤيد هذا قوله: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44]. وما يكون كذلك لا يكون مبيناً في نفسه، فضلاً عن أن يكون مبيناً لغيره، فكيف يكون هدى؟ قلنا: من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المُتَعَارضة، ولا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه عليه السؤال، وأما من رجح واحداً على البواقي فلا يتوجّه عليه السؤال.

البقاعي

تفسير : ولما كان معنى {الم} هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد فقتم في التكلم بها سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله أنتج ذلك كماله، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال في قوله {ذلك الكتاب } لعلو مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين. ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال {لا ريب فيه } أي في شيء من معناه ولا نظمه في نفس الأمر عند من تحقق بالنظر فالمنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له، ولم يقدم الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتب محل الريب. قال الحرالي: "ذا" اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها بُعدمّا {الكتاب} من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز في الجلد بقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله الأول، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام {لا} لنفي ما هو ممتنع مطلقاً أو في وقت "الريب " التردد بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منها. انتهى. وأصله قلق النفس واضطرابه، ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال: {هدى} وخص المنتفعين لأن الألد لا دواء له والمتعنت لا يرده شيء فقال: {للمتقين} أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب وإن كان ليس موضعاً للريب أصلاً. قال الحرالي: جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك، والتقوى أصل يتقدم الهدى وكل عبادة، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي وصية الله لأهل الكتاب. انتهى. ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفاً لهم فقال: {الذين يؤمنون بالغيب} أي الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره، وعبر بالمصدر للمبالغة. {ويقيمون الصلاة} أي التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها. ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها فقال مقدماً للجار ناهياً عن الإسراف ومنبهاً بالتبعيض على طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وآمراً بالورع وزاجراً عما فيه شبهة [لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه] {ومما رزقناهم} أي مكناهم من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم {ينفقون} أي في مرضاتنا مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها، والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام. قال أبو حيان وغيره في قوله تعالى في سورة الحج { أية : إن الذين كفروا ويصدون } تفسير : [الحج: 25] المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار. انتهى. وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشملْ هذا في هذه السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى { أية : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } تفسير : [البقرة:91] قاطع في ذلك. وقال الحرالي: {يؤمنون}، من الإيمان وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا آمن من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه، و"الغيب" ما غاب عن الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم؛ وصيغة {يؤمنون } و {يقيمون} تقتضي الدوام على الختم، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة وأنه ليس عن تعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون علما على الجزاء؛ و {الصلاة} الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى عطفاً شاملاً، ومن الأدنى وفاء بأنحاء التذلل والإقبال بالكلية على التلقي، وإيمانهم بالغيب قبولهم من النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو الآخرة وما فيها وأمر غائب الملكوت وما فيه إلى غيب الجبروت وما به بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم وسائر حواسهم وداموا على عملهم ذلك حكم إيمانهم إلى الخاتمة. ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنياً على تقدم الشهادة متممة بجماع الذكر وأنواع التحيات لله من القيام له تعالى والركوع له والسجود الذي هو أعلاها والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات كانت لذلك تعهداً للإيمان وتكراراً، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفر فلا إيمان لمن لا صلاة له، والتقوى وحده أصل والإيمان فالصلاة ثمرته، والإنفاق خلافة ولذلك البخل عزل عن خلافة الله { أية : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } تفسير : [الحديد:7] وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالتقوى قلب باطن، والإنفاق وجه ظاهر، والإيمان فالصلاة وصلة بينهما. ووجه ترتب الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفاً غير متمسك بأمر كان إذا أرشد إلى غيب لا يعلمه لم يدفعه بمقتضى ما تقدم علمه؛ ووجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كان لا يطلع على جميع رزقه كان رزقه غيباً، فاذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد بالأرزاق تمت خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول. فاذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضاً انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى وذلك هو الكمال المحمدي، وإن بخل فلم ينفق واستغنى بما عنده فلم يتق فكذب تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من الأعلى؛ فبِحَقٍّ سمي الإنفاق زكاة؛ وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن علي رضي الله عنه نفيس. انتهى. ولما وصفهم بالإيمان جملة أشار إلى تفصيله على وجه يدخل فيه أهل الكتاب دخولاً أولياً فقال {والذين يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف بعد سماعهم للدعوة إيجاداً مستمراً {بما أنزل اليك} أي القرآن والسنة سواء كان قد وجد أو سيوجد؛ {وما أنزل من قبلك} أي على الأنبياء الماضين، ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم جداً بينه بالتقديم إظهاراً لمزيد الاهتمام فقال: {وبالآخرة} أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ونتيجة الأمر. قال الحرالي: الآخرة معاد تمامه على أوليته. انتهى. ولما تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال: {هم يوقنون} لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير، والإيقان كما قال الحرالي صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد. انتهى. فهو يكون بعد شك ولذا لا يوصف به الله. والوصف بهده الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات الأعمال البدنية والماليه من الأفعال والتروك، فالإيمان أساس الأمر والصلاة مشار بها إلى التحلي بكل خير والتخلي عن كل شر { أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تفسير : [العنكبوت: 45] وكلاهما من أعمال البدن، والنفقه عمل مالي، فحصل بذلك حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، وصرح بالفعل وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه إلا البصراء تسهيلاً على السالكين، لأن الفعل من حيث هو ولو كان صعباً أيسر على النفس من الكف عما تشتهي. وفي وصفهم أيضاً بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت لمن سواهم ما ستراه في الآيات الآتيه. ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال: {أولئك} أي الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان من أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال: {على هدى } أي عظيم، وزاد في تعظيمه بقوله: {من ربهم} أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيراً بالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين {وأولئك } أي العالو الرتبه {هم } أي خاصة {المفلحون } أي الكاملون في هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى. قال الحرالي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير. ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقون قسمين جهالاً من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل البداءة أولاً بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين، لأن أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على وجه يعم جميع الأقسام فقال مخاطباً لأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية والإعجاز في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال: هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين؟ {إن الذين كفروا} أي حكم، بكفرهم دائماً حكماً نفذ ومضى فستروا ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما دل عليه السباق بالتعبير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على الدوام واللحاق بالختم والعذاب، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيراً من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم. ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان المعنى {سواء عليهم أأنذرتهم } أي إنذارك في هذا الوقت بهذا الكتاب {أم لم تنذرهم } أي وعدم إنذارك فيه وبعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام، قال سيبوية: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. انتهى. ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاماً لأنهم توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ما آمن. ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم قبل في أنهم {لا يؤمنون} وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران، فصار ممتنعاً لإرادته عدم وقوعه، والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه، فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة؛ ويأتي في الصّافّات عند { أية : افعل ما تؤمر } تفسير : [الصافات: 102] تتمة لهذا. قال الحرالي: فحصل بمجموع قوله: {سواء عليهم} إلى آخره وبقوله: {لا يؤمنون} خبر تام عن سابقة أمرهم ولاحقة كونهم، فتم بالكلامين الخبر عنهم خبراً واحداً ملتئماً كتباً سابقاً وكوناً لاحقاً. انتهى. وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عناداً وإما بإهمال النظر السديد والركون ألى نوع تقليد. ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك بقوله: {ختم الله } أي بجلاله {على قلوبهم} أي ختماً مستعلياً عليها فهي لا تعي حق الوعي، لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه والخروج منه، وأكد المعنى بإعادة الجار فقال: {وعلى سمعهم } فهم لا يسمعون حق السمع، وأفرده لأن التفاوت فيه نادر، قال الحرالي: وشرّكه في الختم مع القلب لأن أحداً لا يسمع إلا ما عقل.انتهى. {وعلى أبصارهم غشاوة} فهم لا ينظرون بالتأمل. ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلاً لهم عن حال البهائم، بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه، ولما كان الأصم، إذا كان ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب. ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال: {ولهم عذاب عظيم } قال الحرالي: وفي قوله: {ولهم} إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به - أي العذاب - وبهم أنه لهم وكان عذابهم عظيماً آخذاً في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئاً من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني الأمم حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى. وسيأتى عند قوله تعالى: { أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً } تفسير : [البقرة: 165] ما يلتفت إلى هنا. قال الحرالي: "الكفر" تغطية ما حقه الإظهار، و"الإنذار" الإعلام بما يحذر، و"الختم " إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به و"القلب " مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في الانتهاء ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء، والقلب من الإنسان بمنزلة السكان من السفينة بحسب تقلبه يتصرف سائره، وبوضعه للتقلب والتقليب سمي قلباً، وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه صلى الله عليه وسلم بمقلب القلوب، "والغشاوة" غطاء مجلل لا يبدو معه من المغطى شيء و"العذاب " إيلام لا إجهاز فيه، و"العظيم " الآخذ في الجهات كلها. انتهى. وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر المختوم على مداركهم المختوم بمهالكهم تعظيم للنعمة على من استجاب له. إذ قال "اهدنا" فهداه، وإعلام بأن الهدى ليس إلا بيده ليلحّلوا في الطلب ويبرؤوا من ادعاء حول أو قوة. ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في الإيمان وثنى بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم في الكفران اتبعه ذكر المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم في الإذعان وهم المنافقون، وأمرهم أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم، فأضر الأعداء من يريك الصداقة فيأخذك من المأمن؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام أبي سليمان الخطابي في المعنى: شعر : تحرّز من الجهال جهدك أنهم وإن أظهروا فيك المودة أعداء وإن كان فيهم من يسرك فعله فكل لذيذ الطعم أوجله داء تفسير : لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم، فقبح أمورهم ووهّى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط في المقال فقال تعالى: {ومن الناس من يقول } أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس قسمين: مؤمن وكافر، وانقسم الكافر قسمين: فمنهم من جاهر وقال: لا نؤمن أبداً، ومنهم من يقول، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام، أو لأنه سبحانه لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال مضطرباً بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحده. قال الحرالي، وعرف للجنس أو للعهد في الذين كفروا لأنهم نوع منهم، وسر الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم، {آمنا بالله} أي وحده بما له من الجلال والجمال مستحضرين لذلك، ولما كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار فقالوا: {وباليوم الآخر} الذي جحده المجاهرون، {وما هم بمؤمنين} أي بعريقين في الإيمان كما ادعوه بذكر الاسم الأعظم وإعادة الجار، ولعله نفى العراقة فقط لأن منهم من كان مُزَلزلاً حين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك، وحذف متعلق الإيمان تعميماً في السلب عنهم لما ذكروا وغيره، وجمع هنا وأفرد في [يقول] تنبيهاً على عموم الكفر لهم كالأولين وقلة من يسمح منهم بهذا القول إشارة إلى غلظتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم. وفي ذكر قصتهم وتقبيح أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد في الطهارة من الأدناس في سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم. وتصنيف الناس آخر الفاتحة ثلاثة أصناف: مهتدين ومعاندين وضالين، مثل تصنيفهم أول البقرة ثلاثة: متقين وكافرين مصارحين وهم المعاندون وضالين وهم المنافقون، وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم هنا من بديع الأساليب وهو دأب القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل. وقد سمى ابن إسحاق كثيراً من المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل أخبار ما بعد الهجرة، قال ابن هشام في تلخيص ذلك: وكان ممن انضاف إلى يهود ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج، من الأوس زوي بن الحارث وبجاد بن عثمان ابن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. "من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل! وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن " وعباد بن حنيف أخو سهل وعمرو بن خذام وعبد الله بن نبتل وبَحْزَج وهو ممن كان بنى مسجد الضرار وكذا جارية بن عامر ابن العطاف وابنه زيد وخذام بن خالد وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره ومِرْبع بن قيظي وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد إن كنت نبياً أن تمر في حائطي! فابتدره المسلمون ليقتلوه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال " حديث : هذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر " تفسير : ، وأخوه أوس بن قيظي وهو الذي قال يوم الخندق "إن بيوتنا عورة " وحاطب بن أمية بن رافع وكان شيخاً جسيماً قد عسى في الجاهلية وكان ابنه يزيد من خيار المسلمين، قتل رضي الله عنه يوم أحد فقال أبوه لمن بشره بالجنة: غررتم والله هذا المسكين من نفسه! وبشير بن أبيرق أبو طعيمة. وفي نسخة: طعمة، وهو سارق الدرعين الذي أنزل الله فيه { أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } تفسير : [النساء:107] وقزمان حليف لهم أجاد يوم أحد القتال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : إنه من أهل النار، فجرح فبشر بالجنة فقال: والله ما قاتلت إلا حمية لقومي! فلما اشتدت به الجراحة قطع رواهش يده فمات ". تفسير : ومن الخزرج رافع بن وديعه وزيد بن عمرو وعمرو بن قيس وقيس بن عمرو بن سهل والجد بن قيس وهو الذي قال: "ائذن لي ولا تفتني" وعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين وإليه كانوا يجتمعون وهو القائل { أية : ليخرجن الأعز منها الأذل } تفسير : [المنافقون: 8] وفيه وفي وديعة العوفي ومالك بن أبي فوقل وسويد وداعس وهم من رهطه نزل { أية : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } تفسير : [الحشر: 11] الآية حكاية لما كانوا يدسونه إلى بني النضير إذ حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدق الله وكذبوا. وكان ممن تعوذ بالإسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود من بني قينقاع سعد ابن حنيف وزيد بن اللُّصيت وهو الذي قال في عزوة تبوك: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فأعلمه الله بقوله وبمكان الناقة، ونعيمان بن أوفى بن عمرو وعثمان بن أوفى ورافع بن حريملة وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات: "حديث : قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين " تفسير : ، ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هبت تلك الريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق: "لا تخافوا، إنما هبت لموت عظيم من عظماء المنافقين"، وسلسلة بن برهام وكنانه بن صوريا. فكان هؤلاء من المنافقين ومن نحا نحوهم يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم. انتهى. وفيه اختصار فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات. وابتدئت قصتهم بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم أنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع وأن الذي حملهم على ذلك أنهم ليس لهم نوع شعور ولا شيء من إدراك بقوله تعالى - جواباً لسؤال من كأنه قال: فما قصدهم بإظهار الإيمان والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع معرفتهم بقبح الكذب وشناعته وفظاعته وبشاعته؟ {يُخادعون الله} أي يبالغون في معاملته هذه المعاملة بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من الإحاطة بكل شيء، والخداع أصله الإخفاء والمفاعلة في أصلها للمبالغة لأن الفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده {والذين آمنوا} أي يعاملونهم تلك المعاملة، وأمره تعالى بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا صورته صورة الخدع وكذا امتثال المؤمنين أمره تعالى فيهم. قال الحرالي: وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم ولم يقرأ غيره ولا ينبغي، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر. انتهى. {وما يخدعون} أي بما يغرون به المؤمنين {إلا أنفسهم} يعني أن عقولهم لخباثتها إنما تسمى نفوساً، والنفس قال الحرالي ما به ينفس المرء على غيره استبداداً منه واكتفاء بموجود نفاسته على من سواه. انتهى. وقراءة الحذف هذه لا تنافي قراءة يخادعون لأن المطلق لا يخالف المقيد بالمبالغة، وعبر هنا بصيغة المفاعلة لشعورهم كما قال الحرالي بفساد أحوالهم في بعض الأوقات ومن بعض الأشخاص وبصيغة المجرد لعمههم عن فساد أحوالهم في أكثر أوقاتهم وعمه عامتهم ولا يكون من الله سبحانه إلا بلفظ الخدع لأنهم لا يعلمون ما يخفى عنهم من أمره ولذلك جاء في آية النساء {أية : يخادعون الله وهو خادعهم}تفسير : [النساء: 142]. انتهى. {وما يشعرون} أي نوع شعور لإفراط جهلهم بأنهم لا يضرون غير أنفسهم لأن الله يعلم سرهم كما يعلم جهرهم. وحذف متعلق بالشعور للتعميم والشعور كما قال الحرالي أول الإحساس بالعلم كأنه مبدأ إنباته قبل أن تكمل صورته تتميز. وانتهى. ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة، شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لا تجنح إلا إلى ما يؤذيها، كالمريض لا تميل نفسه إلى غير مضارها فقال جواباً لمن كأنه قال: ما سبب فعلهم هذا من الخداع وعدم الشعور؟ {في قلوبهم مرض} أي من أصل الخلقة يوهن قوى الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها، لأن المرض كما قال الحرالي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال {فزادهم الله} أي بما له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم بما يرون من عدم تأثيرها {مرضاً} أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألماً في قلوبهم بما يرون من خيبة مطلوبهم، فانسد عليهم باب الفهم والسداد جملة، والزيادة قال الحرالي: استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء. انتهى. {ولهم} أي مع ضرر الغباوة في الدنيا الملحقة بالبهائم {عذاب أليم} في الآخرة أي شديد الألم وهو الوجع اللازم. قاله الحرالي {وبما كانوا } قال الحرالي: من كان الشيء وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. انتهى. {يكذبون} أي يوقعون الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم بالإيمان مع تلبّسهم بالكفران، والمعنى على قراءة التشديد يبالغون في الكذب، أو ينسبون الصادق إلى الكذب، وذلك أشنع الكذب. ولما أخبر تعالى عن بواطنهم أتبعه من الظاهر ما يدل عليه فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادّعوا الصلاح العام بقوله: {وإذا قيل لهم } وبناؤه للمجهول إشارة إلى عصيانهم لكل قائل كائناً من كان {لا تفسدوا في الأرض } أي بما نرى لكم من الأعمال الخبيثة، والفساد انتقاض صورة الشيء. قاله الحرالي، {قالوا} قاصرين فعلهم على الصلاح نافين عنه كل فساد مباهتين غير مكترثين {إنما نحن مصلحون } والإصلاح تلافي خلل الشيء. قاله الحرالي. ولما كان حالهم مبيناً على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون إفسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحاً فكانوا يناظرون عليه بأنواع الشبه كان قولهم ربما غرّ من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غرّ كريم والكافر خِبّ لئيم فقال تعالى محذراً من حالهم مثبتاً لهم ما نفوه عن أنفسهم من الفساد وقاصراً له عليهم {ألا إنهم هم } أي خاصة {المفسدون} أي الكاملو الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفسادهم عدماً لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن من المأمن. وقال الحرالي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحاً وجب أن يكون اضطرابهم فيه إفساداً لا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء وهؤلاء فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر، ولذلك قيل: ما يصلح المنافق، لأنه لا حبيب مصاف ولا عدو مبائن، فلا يعتقد منه على شيء - انتهى. ولما كان هذا الوصف موجباً لعظيم الرهبة اتبعه ما يخففه بقوله: {ولكن لا يشعرون} أي هم في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم يحسنون به التصرف فيما يحاولونه من الفساد الآن بما دلت عليه ما في الآية السابقة الدالة على أن المضارع للحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن لا لا تقارنه إلا وهو بمعنى الاستقبال، فلأجل ذلك لا يؤثر إفسادهم إلا في أذى أنفسهم، فلا تخافوهم فإني كافيكموهم. ولما بين حالهم إذا أمروا بالصلاح العام بين أنهم إذا دعوا إلى الصلاح الخاص الذي هو أس كل صلاح سموه سفهاً فقال: {وإذا قيل } أي من أي قائل كان {لهم آمنوا } أي ظاهراً وباطناً {كما آمن الناس } أي الذين هم الناس ليظهر عليكم ثمرة ذلك من لزوم الصلاح واجتناب الفساد والإيمان المضاف إلى الناس أدنى مراتب الإيمان قاله الحرالي، وهو مفهم لما صرح به قوله: وما هم بمؤمنين {قالوا أنؤمن} أي ذلك الإيمان {كما آمن السفهاء} أي الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه بعد ترك ما كان عليه آباؤهم خفة نشأت عن ضعف العقل، ثم رد سبحانه قولهم بحصر السفه فيهم فقال: {ألا إنهم هم السفهاء} لا غيرهم لجمودهم على رأيهم مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس {ولكن لا يعلمون} أي ليس لهم علم أصلاً لا بذلك ولا بغيره، ولا يتصور لهم علم لأن جهلهم مركب وهو أسوأ الجهل والعلم، قال الحرالي: ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه - انتهى. ولما كان الفساد يكفي في معرفته والسد عنه أدنى تأمل والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا رزانة العلم ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم ولما كان العام جزء الخاص قدم عليه. ولما بيّن نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلى الحق بهذة الآيات بين سيرتهم في أقوالهم في خداعهم دليلاً على إفسادهم بقوله: {وإذا لقوا } واللقاء اجتماع بإقبال {الذين آمنوا} أي حقاً ظاهراً وباطناً، ولكن إيمانهم كما قال الحرالي فعل من أفعالهم لم ينته إلى أن يصير صفة لهم، وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه، لأنهم لا يجدون معهم مدخلاً في قول ولا مؤانسة، لأن اللقاء لا بد فيه من إقبال ما من الملتقيين. انتهى {قالوا} خداعاً {آمنا} معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي في إفادتها لما سقيت له أدنى الحدوث. {وإذا خلوا} منتهين {إلى شياطينهم } أي الذين هم رؤوسهم من غير أن يكون معهم مؤمن، والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير - قاله الحرالي، {قالوا إنا معكم } معبرين بالأسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها دلالة على نشاطهم لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعاً لما قد يتوهم من تبدلهم من رأى نفاقهم للمؤمنينَ ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال: ما بالكم تلينون للمؤمنين قولهم؟ {إنما نحن مستهزئون} أي طالبون للهُزء ثابتون عليه فيما نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه ـ قاله الحرالي. فأجيب من كأنه قال: بماذا جوزوا؟ بقوله: {اللهُ يستهزىء بهم} أي يجازيهم على فعلهم بالاستدراج بأن يظهر لهم من أمره المرذي لهم ما لا يدركون وجهه فهو يجري عليهم في الدنيا أحكام أهل الإيمان ويذيقهم في الدارين أعلى هوان مجدداً لهم ذلك بحسب استهزائهم، وذلك أنكأ من شيء دائم توطّن النفس عليه، فلذلك عبر بالفعليه دون الاسمية. مع أنها تفيد صحة التوبة لمن تاب دون الاسمية. {ويمدهم } من المد بما يلبس عليهم. وقال الحرالي: من المدد وهو مزيد متصل في الشيء من جنسه، {في طغيانهم} أي تجاوزهم الحد في الفساد. وقال الحرالي: إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها ـ انتهى. وهذا المد بالإملاء لهم حال كونهم {يعمهون} أي يخبطون خبط الذي لا بصيرة له أصلاً. قال الحرالي: من العمه وهو انبهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدون حداً إلا عمهوا فلم يرجعوا عنه فهم أبداً متزايدو الطغيان - انتهى. فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف {أولئك } أي الشديدو البعد من الصواب {الذين اشتروا} أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها الله عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا {الضلالة } أي التي هي أقبح الأشياء {بالهدى} الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه، فكأنه لوضوح ما قام عليه من الأدلة مع ما ركز منه في الفطر كان في أيديهم فباعوه بها، وسيأتي في سورة يوسف عليه السلام بيان أن مادة شرى بتراكيبها الاثني عشر تدور على اللجاجة {فما} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما {ربحت تجارتهم} مع ادعائهم أنهم أبصر الناس بها {وما كانوا } في نفس جبلاتهم {مهتدين} لأنهم مع أنهم لم يربحوا أضاعوا رأس المال، لأنه لم يبق في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه لا مثل لهم في الهداية.

السيوطي

تفسير : أخرج وكيع وعبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يعد {الۤمۤ} آية و {حمۤ} آية. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وصححه وابن الضريس ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا تقول {الۤمۤ} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدارمي وابن الضريس والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود موقوفاً. مثله. وأخرج محمد بن نصر وأبو جعفر النحاس في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اقرأوا القرآن، فإنكم تؤجرون عليه. أما إني لا أقول {الۤمۤ} حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار والمرهبي في فضل العلم وأبو ذر الهروي وأبو نصر السجزي بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ القرآن كتب الله له بكل حرف حسنة. لا أقول {الۤمۤ، ذلك الكتاب} حرف، ولكن الألف، والذال، والألف، والكاف ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر والبيهقي في شعب الإيمان والسجزي عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة. لا أقول {بسم الله} ولكن باء، وسين، وميم، ولا أقول {الۤمۤ} ولكن الألف ، واللام، والميم ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر السلفي في كتاب الوجيز في ذكر المجاز والمجيز عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات: بالباء، والتاء، والثاء ". تفسير : وأخرج ابن أبي داود في المصاحف وأبو نصر السجزي عن ابن عمر قال: إذا فرغ الرجل من حاجته، ثم رجع على أهله ليأت المصحف، فليفتحه فليقرا فيه، فإن الله سيكتب له بكل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول {الۤمۤ} ولكن الألف عشر، واللام عشر، والميم عشر. وأخرج أبو جعفر النحاس في الوقف والابتداء وأبو نصر السجري عن قيس بن سكن قال: قال ابن مسعود: تعلموا القرآن فإنه يكتب بكل حرف منه عشر حسنات، ويكفر به عشر سيئات. أما إني لا أقول {الۤمۤ} حرف، ولكن أقول ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طرق عن ابن عباس في قوله {الۤمۤ} قال: أنا الله أعلم. وأخرج ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال {الۤمۤ} حروف اشتقت من حروف هجاء أسماء الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {الۤمۤ} و {حمۤ} و {نۤ} قال: اسم مقطع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {الۤمۤ} و {الۤمۤصۤ} و {الۤر} و{الۤمۤر} و {كۤهيعۤصۤ} و {طهۤ} و {طسۤ} و {يسۤ} و {صۤ} و {حمۤ} و {قۤ} و {نۤ} قال:هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال {الۤمۤ} قسم. وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود في قوله {الۤمۤ} قال: هو اسم الله الأعظم. وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {الۤمۤ} و {حمۤ} و {طسۤ} قال: هي اسم الله الأعظم. وأخرج ابن أبي شيبة في تفسيره وعبد بن حميد وابن المنذر عن عامر. أنه سئل عن فواتح السور نحو {الۤمۤ} و {الۤر} قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة الهجاء، فإذا وصلتها كانت أسماءً من أسماء الله. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله {الۤمۤ} قال: ألف مفتاح اسمه الله، ولام مفتاح اسمه لطيف، وميم مفتاح اسمه مجيد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: فواتح السور أسماء من أسماء الله. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن السدي قال: فواتح السور كلها من أسماء الله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {الۤمۤ} قال: اسم من أسماء القرآن. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {الۤمۤ} قال: اسم من أسماء القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ بن حبان عن مجاهد قال {الۤمۤ} و {حمۤ} و {الۤمۤصۤ} و {صۤ} فواتح افتتح الله بها القرآن. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال {الۤمۤ} و {طسۤمۤ} فواتح يفتتح الله بها السور. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: فواتح السور كلها {الۤمۤ} و {الۤمۤر} و {حمۤ} و {قۤ} وغير ذلك هجاء موضوع. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال {الۤمۤ} ونحوها أسماء السور. وأخرج ابن اسحق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال "حديث : مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة {الۤمۤ ذلك الكتاب} فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون ـ والله ـ لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {الۤمۤ ذلك الكتاب} فقالوا أنت سمعته؟ قال: نعم. فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك {الۤمۤ ذلك الكتاب} ؟ قال: بلى. قالوا: قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبي لهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك فقال حيي بن أخطب: وأقبل على من كان معه الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه احدى وسبعون سنة. أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة! ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ما ذاك؟ قال {الۤمۤصۤ} قال: هذه أثقل وأطول. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة واحدى وستون سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال {الۤر} قال: هذه أثقل وأطول. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم. {الۤمۤر} قال فهذه أثقل وأطول. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعطيت، أم كثيراً! ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله. إحدى وسبعون، وإحدى وستون، ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره".تفسير : فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم {أية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}تفسير : [آل عمران: 7]. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: إن اليهود كانوا يجدون محمداً وأمته، إن محمداً مبعوث ولا يدرون ما مدة أمة محمد. فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل {الۤمۤ} قالوا: قد كنا نعلم أن هذه الأمة مبعوثة، وكنا لا ندري كم مدتها، فإن كان محمد صادقاً فهو نبي هذه الأمة قد بين لنا كم مدة محمد، لأن {الۤمۤ} في حساب جملنا إحدى وسبعون سنة، فما نصنع بدين إنما هو واحد وسبعون سنة؟ فلما نزلت {الۤر} وكانت في حساب جملهم مائتي سنة وواحداً وثلاثين سنة قالوا: هذا الآن مائتان وواحد وثلاثون سنة وواحدة وسبعون. قيل ثم أنزل {الۤمۤر} فكان في حساب جملهم مائتي سنة وواحدة وسبعين سنة في نحو هذا من صدور السور فقالوا: قد التبس علينا أمره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً، دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آية وثلاثة، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم. فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد. فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله. فالألف سنة، واللام ثلاثون، والميم أربعون. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن داود بن أبي هند قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور قال: يا داود إن لكل كتاب سراً، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها وسَل عما بدا لك. وأخرج أبو نصر السجزي في الإِبانة عن ابن عباس قال: آخر حرف عارض به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم {الۤمۤ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} .

ابو السعود

تفسير : سورة البقرة مدنية وهي مائتان وست وثمانون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {الم} الألفاظُ التي يعبّر بها عن حروف المعجمِ التي من جملتها المُقطّعاتُ المرقومةُ في فواتح السورِ الكريمة أسماءٌ لها، لاندراجها تحت حدِّ الاسم، ويشهدُ به ما يعتريها من التعريف والتنكيرِ والجمعِ والتصغيرِ وغير ذلك من خصائص الاسم، وقد نص على ذلك أساطينُ أئمة العربـية، وما وقع في عبارات المتقدمين من التصريح بحَرْفيتها محمولٌ على المسامحة، وأما ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنه عليه السلام قال: «حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنةٌ والحسنةُ بعشر أمثالها، لا أقول ألمْ حرفٌ بل ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرف» تفسير : وفي رواية الترمذي والدارمي: «حديث : لا أقول ألم حرفٌ وذلك الكتابُ حرف ولكنِ الألفُ حرفٌ واللامُ حرفٌ والميمُ حرفٌ والذالُ حرفٌ والكافُ حرفٌ» تفسير : فلا تعلّقَ له بما نحن فيه قطعاً، فإن إطلاقَ الحرف على ما يقابل الاسمَ والفعلَ عرفٌ جديدٌ اخترعه أئمةُ الصناعة. وإنما الحرفُ عند الأوائل ما يتركب منه الكلمُ من الحروف المبسوطة، وربما يطلق على الكلمة أيضاً تجوزاً، وأريد به في الحديث الشريف دفعُ توهمِ التجوُّز، وزيادةُ تعيـينِ إرادةِ المعنى الحقيقي ليتبـين بذلك أن الحسنةَ الموعودةَ ليست بعدد الكلماتِ القرآنية، بل بعدد حروفها المكتوبةِ في المصاحف، كما يلوِّح به ذكرُ كتابِ الله دون كلامِ الله أو القرآن، وليس هذا من تسمية الشيء باسم مدلولهِ في شيء كما قيل، كيف لا والمحكومُ عليه بالحرفية واستتباعِ الحسنةِ إنما هي المسمّياتُ البسيطةُ الواقعةُ في كتاب الله عز وعلا، سواءٌ عُبّر عنها بأسمائها أو بأنفسها كما في قولك السينُ مهملة والشينُ مثلثة وغير ذلك مما لا يصدُق المحمولُ إلا على ذات الموضوع لا أسماؤها المؤلفة كما إذا قلنا الألف مؤلف من ثلاثة أحرف، فكما أن الحسنات في قراءة قوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ} بمقابلة حروفهِ البسيطة، وموافقةٌ لعددها كذلك في قراءة قوله تعالى: {الم} بمقابلة حروفهِ الثلاثة المكتوبة وموافقةٌ لعددها، لا بمقابلة أسمائِها الملفوظة والألفاتِ الموافقةِ في العدد، إذِ الحكمُ بأن كلاً منها حرفٌ واحد مستلزمٌ للحكم بأنه مستتبعٌ لحسنةٍ واحدة، فالعبرةُ في ذلك بالمعبَّر عنه دون المعبَّر به، ولعل السرَّ فيه أن استتباعَ الحسنةِ منوطٌ بإفادة المعنىٰ المرادِ بالكلمات القرآنية. فكما أن سائرَ الكلماتِ الشريفة لا تفيد معانيَها إلا بتلفظ حروفِها بأنفسها، كذلك الفواتحُ المكتوبةُ لا تفيد المعانيَ المقصودةَ بها إلا بالتعبـير عنها بأسمائها، فجُعل ذلك تلفظاً بالمسمَّيات كالقسمِ الأول من غير فرقٍ بـينهما. ألا ترى إلى ما في الروايةِ الأخيرةِ من قوله عليه السلام: «حديث : والذالُ حرفٌ والكاف حرف» تفسير : كيف عبّر عن طَرَفي «ذلك» باسميهما، مع كونهما ملفوظين بأنفسهما، ولقد روعيَتْ في هذه التسميةِ نُكتةٌ رائعة حيث جُعِلَ كلُ مسمىً - لكونه من قبـيل الألفاظ - صَدْراً لاسمه، ليكون هو المفهومَ منه إثرَ ذي أثير، خلا أن الألفَ حيث تعذّر الابتداءُ بها استُعيرت مكانها الهمزة، وهي مُعرَبة إذ لا مناسبةَ بـينها وبـين مبنيِّ الأصل، لكنها ما لم تلِها العواملُ ساكنةُ الأعجاز على الوقف كأسماء الأعدادِ وغيرِها، حين خلت عن العوامل، ولذلك قيل: صادْ، وقافْ، مجموعاً فيهما بـين الساكنين، ولم تعامَلْ معاملةَ أين وكيف وهؤلاءِ، وإن وَلِيَها عاملٌ مسها الإعرابُ، وقصرُ ما آخِرُه ألفٌ عند التهجي لابتغاء الخِفّةِ لا لأن وِزانَه وزانُ (لا) تقصَرُ تارةً فتكونُ حرفاً وتمُدّ أخرى فتكون اسماً لها كما في قولِ حسانَ رضي الله عنه: [البسيط] شعر : ما قال (لا) قطُّ إلا في تشهُّده لولا التشهُّدُ لم تُسْمَعْ له لاءُ تفسير : هذا وقد تكلموا في شأن هذه الفواتح الكريمةِ وما أريد بها فقيل: إنها من العلوم المستورةِ، والأسرارِ المحجوبة، رُوي عن الصّدّيق أنه قال: «في كل كتاب سرٌّ، وسرُّ القرآن أوائلُ السور»، وعن عليّ رضي الله عنه: «إن لكل كتابٍ صفوةً وصفوةُ هذا الكتابِ حروفُ التهجّي» وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «عجِزتِ العلماءُ عن إدراكها» وسُئل الشعبـي عنها فقال: «سرُّ الله عز وجل فلا تطلُبوه» وقيل: إنها من أسماء الله تعالى، وقيل: كلُّ حرفٍ منها إشارة إلى اسمٍ من أسماء الله تعالى، أو صفةٍ من صفاته تعالى. وقيل: إنها صفاتُ الأفعال، الألفُ آلاؤُه، واللام لُطفه، والميمُ مجدُه ومُلكُه، قاله محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظي. وقيل: إنها من قبـيل الحساب، وقيل: الألفُ من الله، واللامُ من جبريلَ، والميمُ من محمد، أي الله أنزل الكتابَ بواسطة جبريلَ على محمدٍ عليهما الصلاة والسلام. وقيل: هي أقسام من الله تعالى بهذه الحروف المعجمة، لشرفها من حيث إنها أصولُ اللغاتِ ومبادىءُ كتبِه المنزلة، ومباني أسمائِه الكريمة، وقيل: إشارةٌ إلى انتهاء كلامٍ وابتداءِ كلامٍ آخرَ، وقيل، وقيل. ولكن الذي عليه التعويلُ: إما كونُها أسماءً للسور المصدرة بها، وعليه إجماعُ الأكثر، وإليه ذهب الخليلُ وسيبويه، قالوا سمِّيت بها إيذاناً بأنها كلماتٌ عربـيةٌ معروفةُ التركيب من مسميات هذه الألفاظ، فيكون فيه إيماءٌ إلى الإعجاز والتحدّي على سبـيل الإيقاظِ، فلولا أنه وحيٌ من الله عز وجل لما عجِزوا عن معارضته، ويقرُب منه ما قاله الكلبـيُّ والسّدي وقَتادة من أنها أسماءٌ للقرآن، والتسمية بثلاثة أسماءٍ فصاعداً إنما تُستنكر في لغة العرب إذا رُكِّبَتْ وجُعلت إسماً واحداً، كما في حَضْرَموت، فأما إذا كانت منثورة فلا استنكار فيها، والمسمى هو المجموعةُ لا الفاتحة فقط، حتى يلزمَ اتحادُ الاسمِ والمسمى، غايةُ الأمر دخولُ الاسم في المسمى، ولا محذورَ فيه، كما لا محذورَ في عكسه حسبما تحققْتَه آنفاً، وإنما كُتبت في المصاحف صورُ المسميات دون صور الأسماءِ لأنه أدلَّ على كيفية التلفّظ بها، وهي [إمَّا] أن يكون على نهْج التهجّي دون التركيب ولأن فيه سلامةً من التطويل لا سيما في الفواتحِ الخُماسية، على أن خطَّ المُصحف مما لا يناقَشُ فيه بمخالفة القياسِ، وإما كونها مسرودةً على نمط التعديد، وإليه جنَح أهلُ التحقيق. قالوا إنما وردت هكذا ليكون إيقاظاً لمن تُحِدِّيَ بالقرآن، وتنبـيهاً لهم على أنه منتظمٌ من عين ما ينظِمون منه كلامَهم، فلولا أنه خارجٌ عن طوْق البشر، نازلٌ من عند خلاّق القُوى والقَدَر، لما تضاءلت قوتُهم، ولا تساقطت قدرتُهم، وهم فرسانُ حَلْبةِ الحِوار، وأُمراءُ الكلام في نادي الفخار، دون الإتيانِ بما يُدانيه، فضلاً عن المعارَضة بما يُساويه، مع تظاهرهم في المضادّة والمضارّة، وتهالُكِهم على المعَازة والمعارّة. أو ليكونَ مطلَعُ ما يُتلى عليهم مستقلاً بضربٍ من الغرابة، أُنموذجاً لما في الباقي من فنون الإعجاز، فإن النطقَ بأنفُس الحروفِ في تضاعيف الكلام، وإن كان على طرَف التمام، يتناولُه الخواصُّ والعوامُّ، من الأعراب والأعجام، لكن التلفظَ بأسمائها إنما يتأتَّى ممن درَس وخطَّ، وأما ممن لم يحُمْ حولَ ذلك قطّ، فأعزُّ من بَـيْض الأَنُوق، وأبعدُ من مَناط العَيُّوق، لا سيما إذا كان على نمط عجيب، وأسلوبٍ غريب، مُنْبىءٍ عن سرَ سِرِّيَ، مبنيٍّ على نهجٍ عبقري، بحيث يَحارُ في فهمه أربابُ العقول، ويعجِزُ عن إدراكه ألبابُ الفحول. كيف لا وقد وردت تلك الفواتحُ في تسعٍ وعشرين سورةً على عدد حروف المُعجم، مشتملةً على نصفها تقريباً، بحيث ينطوي على أنصاف أصنافِها تحقيقاً أو تقريباً، كما يتّضحُ عند الفحص والتنقير، حسبما فصّله بعضُ أفاضِلِ أئمةِ التفسير. فسبحان من دقّتْ حكمتُه من أن تطالعَها الأنظارُ، وجلّت قُدرتُه عن أن تنالَها أيدي الأفكار، وإيرادُ بعضِها فرادىٰ وبعضِها ثنائيةً إلى الخماسية جرَى على عادة الافتنان، مع مراعاة أبنيةِ الكَلِم وتفريقِها على السور، دون إيرادِ كلِّها مرةً لذلك ولِما في التكرير والإعادة من زيادة إفادةٍ، وتخصيصُ كلَ منها بسُورتها مما لا سبـيلَ إلى المطالبة بوجهه، وعدُّ بعضِها آيةً دون بعضٍ مبنيٌّ على التوقيف البحت. أما {الم} فآيةٌ حيثما وقعت، وقيل في آل عمرانَ ليست بآية، و(المص) آية، و(المر) لم تُعدَّ آية، و(الر) ليست بآية في شيءٍ من سورها الخمس، و(طـسم) آية في سورتيها، و(طٰه) و(يٰس) آيتان، و(طس) ليست بآية، و(حم) آيةٌ في سُوَرِها كلِّها، و(كهيعص) آية، و(حم عسق) آيتان، و(ص) و(ق) و(ن) لم تُعَدَّ واحدةٌ منها آية. هذا على رأي الكوفيـين. وقد قيل: إن جميعَ الفواتحِ آياتٌ عندهم في السور كلِّها بلا فرقٍ بـينها، وأما مَنْ عداهم فلم يعُدّوا شيئاً منها آية، ثم إنها على تقدير كونها مسرودةً على نَمطِ التعديدِ لا تُشَمُّ رائحةَ الإعراب، ويوقفُ عليها وقفَ التمام، وعلى تقدير كونِها أسماءً للسور أو للقرآنِ كان لها حظٌّ منه، إما الرفعُ على الابتداء أو على الخبرية، وإما النصبُ بفعل مُضمَرٍ، كاذكُرْ، أو بتقدير فعلِ القَسَم على طريقة: الله لأفعلن، وإما الجرُ بتقدير حرفِه حسبما يقتضيه المقام، ويستدعيه النظام، ولا وقف فيما عدا الرفعَ على الخبرية، والتلفظُ بالكل على وجه الحكاية ساكنةَ الأعجاز، إلا أن ما كانت منها مفردةً مثل: (ص) و(ق) و(ن) يتأتى فيها الإعرابُ اللفظيُ أيضاً، وقد قُرئت بالنصب على إضمار فعلِ، أي اذكُرْ أو اقرأْ صادَ وقافَ ونونَ، وإنما لم تنوَّنْ لامتناع الصرف، وكذا ما كانت منها موازنةً لمفردٍ نحوِ (حم) و(يٰس) و(طس) الموازنةَ لقابـيلَ وهابـيلَ، حيث أجاز سيبويهِ فيها مثلَ ذلك قال في باب أسماء السور من كتابه: وقد قرأ بعضُهم ياسينَ والقرآنِ، وقافَ والقرآنِ، فكأنه جعله اسماً أعجمياً، ثم قال اذكُرْ ياسينَ، انتهى. وحكى السيرافيُّ أيضاً عن بعضهم قراءةَ (ياسينَ) ويجوز أن يكون ذلك في الكل تحريكاً لالتقاء الساكنين، ولا مَساغَ للنصب بإضمار فعلِ القسم لأن ما بعدها من القرآن والقلمِ محلوفٌ بهما، وقد استكرهوا الجمعَ بـين قَسَمين على مُقسَمٍ عليه واحدٍ قبل انقضاءِ الأول، وهو السرُّ في جعل ما عدا الواوِ الأولى في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ } تفسير : [الليل، الآيات: 1-3] عاطفةً، ولا مجال للعطف هٰهنا للمخالفة بـين الأولِ والثاني في الإعراب، نعم يجوز ذلك بجعل الأولِ مجروراً بإضمارِ الباءِ القسَمية، مفتوحاً لكونه غيرَ منصرِف، وقرىء (ص) و(ق) بالكسر على التحريك لالتقاءِ الساكنين، ويجوز في (طاسين ميم) أن تفتح نونُها، وتُجعلَ من قبـيل (داراً بجَرَد) ذكره سيبويه في كتابه. وأما ما عدا ذلك من الفواتح فليس فيها إلا الحكايةُ. وسيجيء تفاصيلُ سائر أحكامِ كلَ منها مشروحةً في مواقعها بإذن الله عزَّ سلطانُه. أما هذه الفاتحةُ الشريفةُ فإن جُعلت اسماً للسورة أو للقرآنِ فمحلُها الرفع، إما على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ هذا (الم) أي مسمًّى به، وإنما صحت الإشارةُ إلى القرآن بعضاً أو كلاً مع عدم سبْق ذكرِه لأنه باعتبار كونِه بصدد الذكرِ صار في حكم الحاضِرِ المشاهَد، كما يقال هذا ما اشترى فلان. وإما على أنه مبتدأ، أي المسمَّى به والأولُ هو الأظهر، لأن ما يُجعلُ عنوانَ الموضوع حقُه أن يكون قبل ذلك معلومَ الانتساب إليه عند المخاطَب، وإذ لا عِلْمَ بالتسمية قبلُ فحقُها الإخبارُ بها، وادعاءُ شهرتها يأباه الترددُ في أن المسمَّى هي السورةُ أو كلُّ القرآن

التستري

تفسير : قال سهل: {الۤمۤ} [1] اسم الله عزَّ وجلَّ فيه معان وصفات يعرفها أهل الفهم به، غير أن لأهل الظاهر فيه معاني كثيرة، فأما هذه الحروف إذا انفردت، فالألف تأليف الله عزَّ وجلَّ ألف الأشياء كما شاء، واللام لطفه القديم، والميم مجده العظيم. قال سهل: لكل كتاب أنزله الله تعالى سر، وسر القرآن فواتح السور، لأنها أسماء وصفات، مثل قوله: "المص، الر، المر، كهيعص، طسم، حم، عسق" فإذا جمعت هذه الحروف بعضها إلى بعض كانت اسم الله الأعظم، أي إذا أخذ من كل سورة حرف على الولاء، أي على ما أنزلت السورة وما بعدها على النسق: "الر" و"حم" و "نون" معناه الرحمن. وقال ابن عباس والضحاك: "الم" معناه: أنا الله أعلم. وقال علي رضي الله عنه: هذه أسماء مقطعة، إذا أخذ من كل حرف حرف لا يشبه صاحبه فجمعن كان اسماً من أسماء الرحمن إذا عرفوه ودعوا به كان الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب. وقال سهل: {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}[1-2] الألف الله، واللام العبد، والميم محمد صلى الله عليه وسلم كي يتصل العبد بمولاه من مكان توحيده واقتدائه بنبيه. وقال سهل: بلغني عن ابن عباس أنه قال: أقسم الله تعالى أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الكتاب الذي هو من عند الله تعالى فقال: {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} الألف الله، واللام جبريل عليه السلام، والميم محمد صلى الله عليه وسلم، فأقسم الله تعالى بنفسه وجبريل ومحمد عليهما السلام. وقال: إن الله تعالى اشتق من اسمه الأعظم الألف واللام والهاء، فقال: {أية : إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [القصص:30] واشتق لهم اسماً من أسمائه فجعله اسم نبيه صلى الله عليه وسلم، وآخر من اسم نبيه آدم عليه السلام فقال: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ}تفسير : [محمد:11] إلاَّ الطاغوت أي الشيطان. ومعنى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [2] أي لا شك فيه. {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}[2] أي بياناً للمتقين، والمتقون هم الذين تبرؤوا من دعوى الحول والقوة دون الله تعالى، رجعوا إلى اللجا والافتقار إلى حول الله وقوته في جميع أحوالهم، فأعانهم الله ورزقهم من حيث لا يحتسبون، وجعل لهم فرجاً ومخرجاً مما ابتلاهم الله به. قال سهل: حول الله وقوته فعله، وفعله بعلمه، وعلمه من صفات ذاته. وحول العبد وقوته دعواه الساعة وإلى الساعة، والساعة لا يملكها إلاَّ الله تعالى، فالمتقون الذين يؤمنون بالغيب فالله هو الغيب ودينه الغيب، فأمرهم الله عزَّ وجلَّ أن يؤمنوا بالغيب وأن يتبرؤوا عن الحول والقوة فيما أمروا به ونهوا عنه اعتقاداً وقولاً وفعلاً ويقولوا لا حول لنا عن معصيتك إلا بعصمتك، ولا قوة لنا على طاعتك إلاَّ بمعونتك، إشفاقاً منه عليهم، ونظراً لهم من أن يدعوا الحول والقوة والاستطاعة كما ادعاها من سبقت له الشقاوة، فلما عاينوا العذاب تبرؤوا من ذلك، فلم ينفعهم تبرؤهم حين عاينوا العذاب، وقد أخبر الله عمن هذا وصفهم في قوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ}تفسير : [غافر:85] أي دعواهم، {أية : لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر:85] {أية : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}تفسير : [الأعراف:5] وكما ادعى الحول والقوة والاستطاعة فرعون وقال: متى شئت إني أؤمن، فلما آمن لم يقبل منه، قال الله تعالى: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ}تفسير : [يونس:91].

السلمي

تفسير : قيل: إن الألف ألف الوحدانية واللام لام اللطف والميم ميم الملك. معناه: من وجدنى على الحقيقة بإسقاط العلائق والأغراض فلطفت له فى معناه فأخرجته من رق العبودية إلى الملك الأعلى، وهو الاتصال بمالك الملك بعد الاشتغال بشئ من الملك. وقيل {الۤمۤ}: سر الحق إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم ولا يعلم سر الحبيب، ألا تراه يقول: " حديث : لو تعلمون ما أعلم " تفسير : أى من حقائق سر الحق وهو الحروف المفردة فى الكتاب. وقيل {الۤمۤ}: معناه أنا الله أعلم. وقيل {الۤمۤ}: معنى الألف أى أفرد سرك لى واللام لين جوارحك لعبادتى والميم أتم معى بحور شوقك وصفاتك أذبتك بصفات الأنس بى ولمشاهدة آياتى، والقرب منى. وقال سهل بن عبد الله: الألف هو الله واللام جبريل والميم محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العراقيين: حَيَّر عقول الخلق فى ابتداء خطابه وهو محل الفهم ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة حقائق خطابه إلا بعلمهم بالعجز عن معرفة خطابه. وقال بعضهم: {الۤمۤ} أى: أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ. وقال بعضهم: لكل كتاب أنزله الله على النبيين منسىٌّ، وسره فى القرآن هذه الحروف فى أوائل السور. وقيل الألف: ألف الوحدانية واللام لام الإلهية والميم ميم المهيمنية.

القشيري

تفسير : هذه الحروف المقطعة في أوائل السورة من المتشابِه الذي لا يعلم تأويله إلا الله - عند قوم، ويقولون لكل كتاب سر، وسر الله في القرآن هذه الحروف المقطعة. وعند قوم إنها مفاتح أسمائه، فالألف من اسم (الله)، واللام يدل على اسمه "اللطيف"، والميم يدل على اسمه "المجيد" و "الملك". وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه. وقيل إنها أسماء السور. وقيل الألف تدل على اسم "الله" واللام تدل على اسم "جبريل" والميم تدل على اسم "محمد" صلى الله عليه وسلم، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم. والألِف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه، واستغنائه عن الجميع. ويقال يتذكر العبد المخلص مِنْ حالة الألف تَقَدُّسَ الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان؛ فإن سائر الحروف لها محل من الحَلقْ أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير الألف فإنها هويته، لا تضاف إلى محل. ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى فيكون كالألف لا يتصل بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه. ويقال يطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في (مَراعاة) حقه، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه. ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة، والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف، فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرَّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حَظِي بالرتبة العليا، وفاز بالدرجة القصوى، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة، على سنة الأحباب في ستر الحال، وإخفاء الأمر على الأجنبي من القصة - قال شاعرهم: شعر : قلت لها قفي قالت قاف لا تحسبي أَنَّا نسبنا لا يخاف تفسير : ولم يقل وقفت ستراً على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل: "قالت قاف". ويقال تكثر العبارات للعموم والرموز والإشارات للخصوص، أَسْمَعَ موسى كلامَه في ألف موطن، وقال لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم: أَلِفْ... وقال عليه السلام: "حديث : أوتيتُ جوامْع الكلِم فاختُصِرَ لي الكلامُ اختصاراً" تفسير : وقال بعضهم: قال لي مولاي: ما هذا الدنَف؟ قلت: تهواني؟ قال: لام ألف.

البقلي

تفسير : {الۤمۤ} معناه ان الالف اشارة الى وحدانيّة الذات واللام غشارة الى أزليّة الصفات والميم اشارة الى ملكه في اظهار الايات بالالف اخبر عن فردانية الذات وباللام اخبر عن سرمديّة الصفات وبالميم اخبر عن سلطانيته في اظهار الايات والالف سرّ الذات واللام سرَ الصفات والميم سرَ القدم في ظهور الايات اما سرّ الذات فلا ينكشف الا بوحدانيّ الذات وسرّ الصفات ولا نيكشف الاّ لِمنَ اتخذ صفاته بالصفات وسر القدم لا ينكشف الا لمن خرج من الايات تلجى بالاف لارواح الانبياء سرَ ذاته فافتاجا عن البشريات وكَسَاها من النوار الذات فخصائهم في ذلك اظهار المعجزات وتجلى باللام لقولب العارفين عن سرّ صافته فافتاها عن الكدورنات والَبَسها من سَنَا الصفات كرامتم في ذلك اظهار الشطيحات وتجلى الميم لقعول الاولياء من سرّ قدمه فاناؤها عن الشهوات وانوارَها صفاء القدرة وسائط الايات فشرفهم في ذلك اظهار الكرمات وقال جعفر الضاد آلم رمزو اشارة بينا وبين حبيبه عليه السلام ارد ان لا يطلع عليه احد سواهما اخرجه بحروف بعيدة عن درك الاغبار وفهم اسرّ بينهما الا غير وقال بعضهم من الله خص حبيبه صلى الله عليه وسلم بهذه الحروف التي في اواليل السُور وخاطبه بمها مخاطبة الحبيب الى باسرار تنصرٍ الا فهامُ والاوهام غيره من اطلاغ العير عليها او كان ابن مسعود عرضت الاحرفُ المعُجم على الرحمن عزّ وجله هي تسعة وعشرون حفاً نتواضع الالف من بين الحرف له تواضعه فجعله قائماً وجعله مفتاح كل اسم من اسمائه وقيل انّ الفُ الوحدانيةُ واللام لام اللطف والميم ميم الملك عناه من ودني على الحقية باسقاط العلايق والاعراض تَلَطفت له في معناه واخرجته من المعبودية الى مُلكِ الاعلى و الانفصال بمالك الملك دون الاشتغال بشئ من الملك وقيل آلم سرّ الحق الى حبيبه صلوات الله و سلامه عليه ولا يعلم سرّ الحبيب غيره الا تراه بقوله لو تعلمون ما اعلم اي من حقائق سرّ الحق وهو الحروف المفردة في الكتاب وقال بعض العراقين فحيَّر عقول الخلق في ابتداء خطابه وهو مَحلّ القهم ليعلموا ان لا سبيل الى معرفة حقائق خطابه لا بعلهم عن معرفة خطابه.

اسماعيل حقي

تفسير : {آلم} ان قلت ما الحكمة فى ابتداء البقرة بالم والفاتحة بالحرف الظاهر المحكم الجواب قال السيوطى رحمه الله فى الاتقان اقول فى مناسبة ابتداء البقرة بالم انه لما ابتدئت الفاتحة بالحرف المحكم الظاهر لكل احد بحيث لا يعذر فى فهمه ابتدئت البقرة بمقابلة وهو الحرف المتشابه البعيد التأويل ليعلم مراتبه للعقلاء والحكماء ليعجزهم بذلك ليعتبروا ويدبروا آياته كذا فى خواتم الحكم وحل الرموز وكشف الكنوز للعارف بالله الشيخ المعروف بعلى دده. واعلم انهم تكلموا فى شأن هذه الفواتح الكريمة وما اريد بها فقيل انها من العلوم المستورة والاسرار المجحوبة اى من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه وهى سر القرآن فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها الى الله تعالى وفائدة ذكرها طلب الايمان بها والالف الله واللام لطيف والميم مجيد اى انا الله اللطيف المجيد كما ان قوله تعالى {أية : الر}تفسير : [يوسف: 1]. انا الله ارى و{أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1] انا الله الكريم الهادى الحكيم العليم الصادق وكذا قوله تعالى {أية : ق}تفسير : [ق: 1]. اشارة الى انه القادر القاهر و{أية : ن}تفسير : اشارة الى انه النور الناصر فهى حروف مقطعة كل منها مأخوذ من اسم من اسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود فى العربية كما قال الشاعر شعر : قلت لها قفى فقالت ق تفسير : اي وقفت وقيل ان هذه الحروف ذكرت فى اوائل بعض السور لتدل على ان القرآن مؤلف من الحروف التى هى "ا ب ت ث" فجاء بعضها مقطعا وبعضها مؤلفا ليكون ايقاظا لما تحدى بالقرآن وتنبيها لهم على انهم منتظم من عين ما ينظمون منه كلامهم فلولا انه خارج عن طوق البشر نازل من عند خلاق القوى والقدر لأتوا بمثله هذا ما جنح اليه اهل التحقيق ولكن فيه نظر لانه يفهم من هذا القول ان لا يكون لتلك الحروف معان واسرار والنبى عليه السلام اوتى علم الاولين والآخرين فيحتمل ان يكون الم وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهما وقد واضعها الله تعالى مع نبيه عليه السلام فى وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام باسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل ولا غيره يدل على هذا ما روى فى الاخبار ان جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى {أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1] فلما قال "كاف" قال النبى عليه السلام "علمت" فقال "ها" فقال "علمت" فقال "ياء" فقال "علمت" فقال "عين" فقال "علمت" فقال "صاد" فقال "علمت} فقال جبريل عليه السلام كيف علمت ما لم اعلم. وقال الشيخ الاكبر قدس سره فى اول تفسيره {الم ذلك الكتاب} [البقرة:1]. واما الحروف المجهولة التى انزلها الله تعالى فى اوائل السور فسبب ذلك من أجلها لغو العرب عند نزول القرآن فانزلها سبحانه حكمة منه حتى تتوفر دواعيهم لما انزل الله اذا سمعوا مثل هذا الذى ما عهدوه والنفوس من طبعها ان تميل الى كل امر غريب غير معتاد فينصتون عن اللغو ويقبلون عليها ويصغون اليها فيحصل المقصود فيما يسمعونه مما يأتى بعد هذه الحروف النازلة من عند الله تعالى وتتوفر دواعيهم للنظر فى الامر المناسب بين حروف الهجاء التى جاء بها مقطعة وبين ما يجاورها من الكلم وابهم الامر عليهم من عدم اطلاعهم عليها فرد الله بذلك شرا كبيرا من عنادهم وعتوهم ولغوهم كان يظهر منهم فذاك رحمة للؤمنين وحكمة منه سبحانه انتهى كلامه. قال بعض العارفين كل ما قيل فى شرحها بطريقة النظر والاعتبار فتخمين النظر من قائله لا حقيقة الا لمن كشف الله له عن قصده تعالى بها. يقول الفقير جامع هذه المعارف واللطائف شكر الله مساعيه وبسط اليه من عنده اياديه قال شيخى الاكمل فى هامش كتاب اللائحات البرقيات له بعد ما ذكر بعض خواص الم على طريق الحقيقة زلق فى امثال هذا المتشابه اقدام الزائغين عن العلم وتحير عقول الراسخين فى العلم وبعضهم توقف تأدبا مع الله تعالى ولم يتعرض بل قالوا آمنا به كل من عند ربنا وبعضهم تأولوا لكن بوجوه بعيدة عن المرام والمقام بعدا بعيدا الا انها مستحسنة شرعا مقبولة دينا وعقلا وما يذكر اى بالمقصود والمرام على ما هو عليه فى نفسه فى الواقع الا اولوا الباب لكن بتذكير الله تعالى والهامه واطلاعه تخصيصا لهم وتمييزا لهم عما عداهم اختصاصا اليها ازليا لهم من عند الله لا بتفكر انفسهم ونظر عقولهم بل بمحض فيض الله والهامه انتهى كلامه الشريف قدس سره اللطيف. وقال عبد الرحمن البسطامى قدس سره مؤلف الفوائح المسكية فى بحر الوقوف ثم ان بعض الانبياء علموا اسرار الحروف بالوحى الربانى والالقاء الصمدانى وبعض الاولياء بالكشف الجلى النورانى والفيض العلى الروحانى وبعض العلماء بالنقل الصحيح والعقل الرجيح وكل منهم قد اخبر اصحابه ببعض اسرارها إما بطريق الكشف والشهود او بطريق الرسم والحدود والصحيح ان الله تعالى طوى علم اسرار الحروف عن اكثر هذه الامة لما فيها من الحكم الالهية والمصالح الربانية ولم يأذن للاكابر ان يعرفوا منه الا بعض اسراره التى يشتمل عليها تركيبها الخاص المنتج انواع التسخيرات والتأثيرات فى العوالم العلويات والسفليات الى غير ذلك انتهى كلام بحجر الوقوف. وفى التأويلات النجمية هيئة الصلاة التى ذكرت فى القرآن ثلاثة القيام لقوله تعالى {أية : وقوموا لله قانتين}تفسير : [البقرة: 238]والركوع لقوله تعالى {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43] والسجود لقوله تعالى {أية : واسجد واقترب}تفسير : [العلق: 19] فالألف في المن إشارة الى القيام واللام اشارة الى الركوع والميم اشارة الى السجود يعنى من قرأ سورة الفاتحة التى هى مناجاة العبد مع الله فى الصلاة التى هى معراج المؤمنين يجيبه الله تعالى بالهداية التى طلبها منه بقوله اهدنا. ثم اعلم ان المتشابه كالمحكم من جهة اجر التلاوة لما ورد عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر امثالها لا اقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف"تفسير : ففى الم تسع حسنات.

ابن عجيبة

تفسير : {الم} وقد حارت العقول في رموز الحكماء، فكيف بالأنبياء؟ فكيف بالمرسلين؟ فكيف بسيد المرسلين؟، فكيف يطمع أحد في إدراك حقائق رموز رب العالمين؟! قال الصديق رضي الله عنه: (في كل كتاب سر، وسر القرآن فواتح السور). هـ. فمعرفة أسرار هذه الحروف لا يقف عليها إلا الصفوة من أكابر الأولياء. وكل واحد يلمع له على قدر صفاء شربه. وأقرب ما فيها أنها أشياء أقسم الله بها لشرفها. فقيل: إنها مختصرة من أسمائه تعالى، فالألف من الله، واللام من اللطيف، والميم من مهيمن أو مجيد. وقيل: من أسماء نبيه صلى الله عليه وسلم فالميم مختصرة إما من المصطفى، ويدل عليه زيادة الصاد في {أية : المص }تفسير : [الأعرَاف: 1]، أو من المرسل، ويدل عليه زيادة في الراء {أية : المر}تفسير : [الرعّد: 1]. و {أية : الر}تفسير : [الحِجر: 1] مختصرة من الرسول. فكأن الحق تعالى يقول: يا أيها المصطفى أو يا أيها الرسول {أية : ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البَقَرَة: 2] أو هذا {أية : كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 2] أو غير ذلك، ويدل على هذا توجيه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الرموز. و {أية : كهيعص }تفسير : [مريَم: 1] مختصرة من الكافي والهادي والولي والعالم والصادق، و {أية : طه }تفسير : [طه: 1] من طاهر، و {أية : طس}تفسير : [النَّمل: 1] من يا طاهر يا سيد، ويا محمد في {أية : طسم }تفسير : [الشُّعَرَاء: 1]، إلى غير ذلك. وعند أهل الإشارة يقول الحق جلّ جلاله: ألف: أفْرِدْ سِرَّك إِلّيَّ، انفراد الألف عن سائر الحروف، واللام: لَيِّنْ جوارحك لعبادتي، والميم: أقم معي بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفاء الأنس والقرب مني. قاله الثعلبي. قلت: والأظهر أنها حروف تشير للعوالم الثلاثة، فالألف لوحدة الذات في عالم الجبروت، واللام لظهور أسرارها في عالم الملكوت، والميم لسريان أمدادها في عالم الرحموت، والصاد لظهور تصرفها في عالم الملك. وكل حرف من هذه الرموز يدل على ظهور أثر الذات في عالم الشهادة، فالألف يشير إلى سريان الوحدة في مظاهر الأكوان، واللام: يشير إلى فيضان أنوار الملكوت من بحر الجبروت، والميم يشير إلى تصرف الملك في عالم الملك، وكأن الحق تعالى يقول: هذا الكتاب الذي تتلو يا محمد - هو فائض من بحر الجبروت إلى عالم الملكوت، ومن عالم الملكوت إلى الرحموت، ثم نزل به الروح الأمين إلى عالم الملك والشهادة، فلا ينبغي أن يرتاب فيه.

الطوسي

تفسير : آلم آية عند الكوفيين المعنى: ـ واختلف العلماء في معنى أوائل هذه السور مثل {آلم} و {آلمص} و {كهيعص} و {طه} و {صاد} و {قاف} و {حم} وغير ذلك على وجوه فقال بعضهم انها إسم من أسماء القرآن ذهب اليه قتادة ومجاهد وابن جريح وقال بعضهم هي فواتح يفتح بها القرآن، روي ذلك عن مجاهد أيضاً واختاره البلخي وفائدتها أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها وذلك معروف في كلام العرب وأنشد بعضهم شعر : بل وبلدة ما الأنس من أهلها تفسير : ويقول آخرشعر : بل ما هيج أحزانا وشجواً قد شجا تفسير : وقوله (بل) ليس من الشعر وانما أراد أن يعلم أنه قطع كلامه وأخذ في غيره وأنه مبتدأ الذي أخذ فيه غير ناسق له على قبله وقال بعضهم هي اسم للسورة روي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن وقال بعضهم هي اسم الله الأعظم وروي ذلك عن السدي اسماعيل وعن الشعبي وقال بعضهم هي قسم اقسم الله به وهي من اسمائه وروي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وقال قوم هي حروف مقطعة من اسماء واقعاً كل حرف من ذلك بمعنى غير معنى الحرف الآخر يعرفه النبي صلى الله عليه وآله نحو قال الشاعر شعر : نادوهم أن ألجموا ألاتا قالوا جميعاً كلهم ألافا تفسير : يريد ألا تركبون قالوا ألا فاركبوا وقال آخر: شعر : قلنا لها قفي فقالت قاف تفسير : بمعنى قالت انا واقفه. روى ذلك أبو الضحى عن ابن عباس وعن ابن مسعود وجماعة من الصحابة وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوعة. روي ذلك عن مجاهد وقال بعضهم هي حروف هجاء يشتمل كل حرف على معان مختلفة. روي ذلك عن أنس واختاره الطبري وقال بعضهم هي حروف من حساب الجمل وقال بعضهم لكل كتاب سر وسر القرآن في فواتحه. هذه أقوال المفسرين فاما أهل اللغة فانهم اختلفوا فقال بعضهم هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفا كما يستغنى بذكر أ ب ت ث عن ذكر الباقي وبذكر قفا نبك عن ذكر باقي القصيدة قالوا ولذلك رفع ذلك الكتاب لأن معناه عن الألف واللام والميم من الحروف المقطعة وقوله ذلك الكتاب الذي أنزلته اليك مجموعاً لا ريب فيه كما قالوا في أبي جاد أ ب ت ث ولم يذكروا باقي الحروف وقال راجز بني أسد: شعر : لما رأيت أمرها في حطي أخذت منها بقرون شمط تفسير : فاراد الخبر عن المرأة بانها من أبي جاد فاقام قوله في حطي مقامه لدلالة الكلام عليه وقال آخرون بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين اذ تواصوا بالاعراض عن القرآن حتى اذا استمعوا له، تلا عليهم آلم. وقال بعضهم الحروف التي هي اوائل السور حروف يفتتح الله بها كلامه وقال ابو مسلم: المراد بذلك، ان هذا القرآن الذى عجزتم عن معارضته، ولم تقدروا على الاتيان بمثله هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم، فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا انه من فعل الله، وانما كررت في مواضع استظهاراً في الحجة وحكي ذلك عن قطرب. وروي في اخبارنا ان ذلك من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، واختاره الحسين بن علي المغربي واحسن الوجوه التي قبلت قول من قال: انها اسماء للسور خص الله تعالى بها بعض السور بتلك كما قيل للمعوذتين: المقشقشتان؛ أي تبرءان من النفاق، وكما سميت الحمد أم القرآن وفاتحة الكتاب. ولا يلزم أن لا تشترك سورتان أو ثلاث في إسم واحد، وذلك أنه كما يشترك جماعة من الناس في إسم واحد، فاذا اريد التمييز زيد في صفته، وكذلك اذا أرادوا تمييز السورة قالوا: الم ذلك، الم الله، الم، وغير ذلك. وليس لأحد أن يقول: كيف تكون أسماء للسور، والاسم غير المسمى، فكان يجب ألا تكون هذه الحروف من السورة، وذلك خلاف الاجماع. قيل: لا يمتنع أن يسمى الشيء ببعض ما فيه، ألا ترى انهم قالوا: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، ولا خلاف انها اسماء للسور وان كانت بعضاً للسور، ومن فرق بين الأشخاص وغيرها في هذا المعنى: فاوجب في الأشخاص أن يكون الاسم غير المسمى ولم يوجب في غيرها، فقد أبعد، لأنه لا فرق بين الموضعين على ما مضى القول فيه، ولا يلزم أن تسمى كل سورة بمثل ذلك، لأن المصلحة في ذلك معتبرة، وقد سمى الله كل سورة بتسمية تخصها وإن لم تكن من هذا الجنس، كما انه لما سمى الحمد باسمائها لم يلزم ذلك في كل سورة. وقيل انها أوائل أسماء يعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) تمامها، والغرض بها، نحو ما رويناه عن ابن عباس، كما قال الشاعر: شعر : سألتها الوصل فقالت: قاف تفسير : يعني: وقفت. وقال آخر: شعر : بالخير خيرات وإن شراً فا تفسير : يريد: فشراً، وقال آخر: شعر : ولا أريد الشر إلا أن تا تفسير : يعني: إلا أن تشاء. وقال آخر: شعر : ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده اذا يا تفسير : أي: اذا يفزع. فعلى هذا يحتمل ان يكون الالف: انا، واللام: الله، والميم: اعلم، وكذلك القول في لحروف، وعلى هذا لا موضع (لالف لام ميم) من الاعراب، وعلى قول من قال انها اسماء السور موضعها الرفع، كأنه قال هذه الم، او يكون ابتداءه ويكون خبره ذلك الكتاب، واجمع النحويون على ان هذه الحروف وجميع حروف الهجاء مبنية على الوقف لا تعرب، كما بني العدد على الوقف، ولأجل ذلك جاز ان يجمع بين ساكنين كما جاز ذلك في العدد، تقول واحد، اثنان، ثلاثة، اربعة، فتقطع الف اثنين وهي الف وصل، وتذكر الهاء في ثلاثة واربعة، فلو لم تنو الوقف لقلت ثلاث بالثاء. وحكي عن عاصم في الشواذ وغيره آلم الله بقطع الهمزة، الباقون بفتح الميم، وقالوا فتح الميم لالتقاء الساكنين وقال قوم: لأنه نقل حركة الهمزة اليه، واختار ابو علي الاول، لأن همزة الوصل تسقط في الوصل، فلا يبقى هناك حركة تنقل، وانشد في نقل حركة همزة الوصل قول الشاعر شعر : اقبلت من عند زياد كالخرف تخط رجلاي بخط مختلف فيكتبان في الطريق لام الف تفسير : ومتى أجريتها مجرى الأسماء لا الحكاية واخبرت عنها، قلت: هذه كاف حسنة، وهذا كاف حسن، وكذلك باقي الحروف فتذكر وتؤنث، فمن أنث قصد الكلمة، ومن ذكر قصد الحرف، فأما إعراب: ابي جاد، هواز، وحطي وكلمن، فزعم سيبويه انها مصروفات، تقول: علمت ابا جاد، ونفعني ابو جاد، وانتفعت بأبي جاد. وكذلك: هوازٌ، وهوازٍ، وهوازاً. وحطياً، وحطيُّ، وحطيٍ، وأما كلمن وسعفص وقرشيات فأعجميات، تقول: هذه كلمن، وتعلمت كلمن، وانتفعت بكلمن، وكذلك سعفص وقرشيات اسم للجمع مصروفة لأجل الألف والتاء. وأما معنى ابي جاد، فقال الضحاك: انها اسماء الايام الستة التي خلق الله تعالى فيها الدنيا وقال الشعبي: انها أسماء ملوك مدين، وانشد: شعر : ألا يا شعيب قد نطقت مقالة سببت بها عمرواً وأوحى بني عمرو ملوك بي حطي وهواز منهم وسعفص أهل للمكارم والفخر هم صبحوا أهل الحجاز بغارة لميل شعاع الشمس أو مطلع الفجر تفسير : وروي عن ابن عباس ان لأبي جاد حديثاً عجيباً، ابي: آدم جد في اكل الشجرة، وهواز: فزل آدم فهوى من السماء إلى الارض. واما حطي فحطت عنه خطيئته واما كلمن فأكل من الشجرة ومنَّ عليه بالتوبة. وسعفص: عصى آدم فاخرج من النعيم إلى الكبد. وقرشيات: اقر بالذنب فسلم من العقوبة وهذا خبر ضعيف يتضمن وصف آدم، وهو نبي بما لا يليق به. وقال قوم: انها حروف من أسماء الله، وروي ذلك عن معاوية بن قرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم).

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : فصل في نبذ من أسرار الحروف لمّا ذكر الله عن نفسه أنّه الظاهر وأنّه الباطن وأنّه المتكلم، وأنّ له كلاماً وكلماتٍ وكتباً، وذكر نبيُّه (صلّى الله عليه وآله): حديث : أنّ له نفَساً من الإسم الرحمن، الذي به استوى على العرش، وهو بمنزلة قلب الإنسان كما قال: قلبُ المؤمنِ عرشُ اللهتفسير : . صحّ لنا الإيمان بهذه الأمور. فلمّا علمنا أنّ له نفساً لا كأنفاسنا، بل على وجه يليق بذاته وصفاته أنّه الباطن والظاهر كبطوننا وظهورنا، وأنّ له كلاماً على وجه يناسب عظمته وجلاله، علِمنا أنّ كلماته هي الموجودات الصادرة عنه، الناشية عن ذاته بذاته، من غير توسّط مادة أو محل أو استعداد على مثال الحروف والكلمات الناشية من الإنسان التي يتشكّل بها الهواءُ الخارج من باطنه؛ ولا كمثل أفعال الإنسان التي تتوسّط فيها الآلات الجسمانيّة الخارجة عنه. ولما علمت أنّ قلب الإنسان - لمكان الروح الحيواني الذي هو سبب حياة البدن، - بمنزلة عرش الرحمن ومحل الرحمة، وان صدره الواسع - لمكان الروح الطبيعي الساري في جميع البدن أعلاه وأسفله - بمنزلة كرسيّه الذي وسع السموات والأرض؛ فاعلم أنّ الله جعل للهواء الخارج من الصدر بعد نزوله إليه من القلب ثمانية وعشرين مَقطعاً للنفَس، يظهر في كل مقطَع حرفاً معيّناً ما هو عين الآخر، ميّزه القطع مع كونه ليس غير النفَس. فالعين واحدة من حيث إنّها نَفسٌ، وكثيرة من حيث المقاطِع، وهي أمورٌ عدميّة كما انّ امتياز الوجودات الخاصّة ليست بأمر زائد على حقيقة الوجود الانبساطي الفائض من الحق تعالى. بل امتيازها عنها، وامتياز بعضها عن بعض، ليس إلا من جهة مراتب النقصانات والتنزّلات اللازمة للمعلوليّة، فليس التفاوت بينها إلاّ من جهة الكمال والنقص، والتقدّم والتأخّر، والقرب والبعد من العلّة الأولى. فكذلك حال الحروف الصوتيّة الإنسانيّة، المنقسمة إلى ثمانية وعشرين حرفاً. لأن الكرسيّ، وهو فلَك المنازل - ومِثاله الصدْرُ فينا - منقسمٌ باعتبار المنازل والأمكنة للسيّارات الفلكيّة - من الكواكب وأرواحها ونفوسها المتحرّكة بأمر الله، المتردّدة على حسب ما حملها الله من أحكام الوحي والرسالة الى خلْقه - الى ثمانية وعشرين منزلاً. ولك أن تستشكل هذا بما قد ورَد في الخبر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّ المُنزَل عليه تسعة وعشرون حرفاً، وما أنزل الله على آدم إلاّ تسعة وعشرين حرفاً، وإنّ "لام ألف" حرفٌ واحدٌ قد أنزله الله عزّ وجل على آدم في صحيفة واحدة، ومعه ألْف مَلَك، ومن كذب ولم يؤمن به فقد كفَر بما أنزل الله على محمد (صلّى الله عليه وآله)، ومن لم يؤمن بالحروف - وهي تسعة وعشرون فلا يخرج من النار أبداً. فاعلم أنّ هذا غير مناقضٍ لما ذكَرنا، من كون الحروف ثمانية وعشرين، فإنّ الألف اللينة ليست كسائر الحروف متعيّنة بتعيّن خاصّ وحيّزٍ مخصوص ومخرَجٍ مشخَص، بل هي بحقيقتها الهوائيّة ساريةٌ في جميع التعيّنات الحرفيّة، فكأنَها ظلٌّ للوحدة الإلٰهيّة السارية في وحدات الأكوان الوجودّية. وقد مرّت الإشارةُ إلى أنّها عين النفس الإنساني، كالعقل الأول الذي مرتبته عين مرتبة الوجود الانبساطي المنبسط على هياكل الماهيات المتعيّنة، وهو الحقّ المخلوق به. فللألِف اعتباران: اعتبار اللاّتعيّن، لكونها عين النَّفَس الهوائي، واعتبار التعيّن الذي هو أول التعيّنات كالهمزة، فإنّها من أقصى الحلْق، إلاّ انّ مخرَجَ الهمزة كالهاء أول المخارج، ومخرَج الألِف الساكنة من الجوف وهو الفضاء الواقع في جهة العلو، وتغاير الحروفِ بتغايُرِ المَخارج. ومن هذا الاعتبار يجبُ عدّ الألِف المتحرّكة والساكنة حرفين، ولمّا كانت أسماءُ الحروفِ مصدَّرة بمسمّياتها التي هي الزُّبُر، وهذه القاعدة غير مطرّدة بالقياس إلى الألف لِما فيه من سرّ الوحدة الإلٰهيّة التي لا اسم لها بخصوصيّة ذاتها، لاستحالة الابتداء بالساكن الحقيقي، فلم يكن بدٌّ من ارتدافِها بحرفٍ ينوبُ عن ذاتها سادّاً مسدّ التصدير بها. وكانت "اللامُ" بحسب عددها - الذي هو بمنزلة روح الحرف - يساوي عدَد الحروف كلّها مع واحدٍ، وكان فيها سرّ الجمعيّة الألِفيّة، وأيضاً كان عددُ الحروفِ أعني التسعة والعشرين مقوّم عدد لام، والألف الساكنة أيضاً هي التاسعة والعشرون، كان ضمّ الألِف إلى اللاّم هو الأحق بالاعتبار، فاعتبر "لا" في منزلة الألف اللّينة، فجعل لام ألِف اسماً لها، والألف إسماً للهمزة، فلا محالة صارت الحروف تسعة وعشرين. ومن اعتبر الحروفَ ثمانية وعشرين - وهي عدد منازل القمر -، كان نظرُه إلى الحروفِ الصِّرْفة المتعيّنة بالمخارج المتحيّزة بالأمكنة من جهة قبولِها للحركة والسكون، وهما من صفات الحدثان وسِمات النقصان، والألف لسيت متحرّكة ولا ساكنة إلاّ بالمعنى السلبي التحصيلي، تقابِل الحرَكة تقابُل السلب والايجاب، لا تقابُل العدَم والملكة، فلا جَرَمَ جعل أمراً خارجاً عن سلسلة الأكوان الحرفيّة، لأنها في الحقيقة فاعلها وراسمها ومقومها. وفيها سرّ الإلٰهيّة وظلّ الربوبيّة، ونسبتها الى سائِر الحروف، نسبة الحقّ المخلوق به إلى صوَر الموجودات العالَميّة. ومما يؤيِّد هذا ما رواه [أبو] إسحـٰق الثعلبي في تفسيره مسنِداً إلى عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال: سُئل جعفر الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: آلم، فقال: في الألِف ستّ صفاتٍ من صفات الله عز وجل: "الابتداء"، فإن الله تعالى ابتدأ جميع الخلْق، والألف ابتداء الحروف. "والاستواء"، فهو عادلٌ غير جائر، والألِف مستوٍ في ذاته. "والانفراد"، فالله فردٌ والألِف فردٌ و"اتّصال الخلْق بالله والله لا يتّصل بالخلق، وكلّهم يحتاجون إليه والله غنيّ عنهم". فكذلك الألِف لا يتّصل بالحروف والحروف متّصلة به وهو منقطعٌ من غيره، والله عز وجل بائِنٌ بجميع صفاته من خلقه، ومعناه من الألْفة، وكما أن الله عز وجل سبب ألفَةِ الخلْق، فكذلك الألِف، علّة تألّف الحروف وهو سبب ألفَتِها. بحث وتنبيه [الالف وأسرارها] إنّ ما ورَد في الكشّاف وغيره من التفاسير سيّما الكبير من "أن هذه الألفاظ لمّا كانت أسماء لمسمّياتها التي هي حروفٌ يتركب منها الكِلم، وكانت هذه الأسماء مؤلَّفاتٍ، ومسمّياتها حروفاً وحدانا، صدرت بتلك الحروف لتكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمْع، واستعيرت الهمزة مكان الألفِ لتعذّر الابتداء بها" ففيه نظَرٌ. لأنّ المراد من الألِف المذكورة ها هنا، إن كان هي الهمزة، فقد وقَع التصدير بالمسمّى في اسمها، فإن أول حروف لفظ "الألف" هي الهمزة المفتوحة. وإن كان المراد منه الألف اللينة التي هي من حروف العلّة، ففيه حزازتان: تصديرُ الهمزة بغير مسمّاها وهو خرْقُ القاعدة المذكورة، والترجيح من غير مرجّح، فإنّ الهمزة أولى من الألِف بأن يصدّر اسمها بمسمّى الهمزة. بل الأولىٰ أن يجعلَ القاعدةُ مطّردة في الحروف الصحيحة الثمانية عشر كلّها، ويجعل لفظ "الألِف" اسماً لما هو من جنس الحروف الصحيحة، أعني الهمزة على الحقيقة، كما هو الرسم في سائر الحروف، ويجعل "اللام ألِف" اسماً للألِف اللينة بناء على ما ذكرنا سابقاً. ومن تأمّل في أحوال الألف وأسرارها حقّ التأمّل، انكشفت عليه أسرارٌ شريفة من أحوال المبدإ وخصائصه الإلٰهيّة. منها: إنه لا اسم لها من جهة ذاتها الأحديّة ولا رسم. ومنها: إنّها الأول في تعداد الحروف من حيث تعيّنها بالهمزة. ومنها: إنّها بإزاء الواحد في الأرقام الحسابيّة. ومنها: إنّها ليست في ذاتها متحرّكة ولا ساكنة كما مرّ، بل سكونها على وجه آخر أعلى من سكون الهمزة وسائر الحروف. ومنها: إنّها لا مخرَج لها على التعيين من جملة المخارج؛ كما لا حيّز للبارى جلّ اسمه. ومنها: إنّها تقع أول الكلمات باعتبار تعيّنها الهمزي، وتقع غاية الكلمات لا آخر بعدها، كما انّ البارى أول الأشياء لا أول له وغاية الأشياء لا غاية له. ومنها: إنها أبسط من كل حرف في الوجود الهوائي السمعي، وشكلها أبسط أشكال الحروف في الوجود الكَتْبي البصري. ومنها: ما مر ذكره في الوجود الستّة من الصفات المذكورة في الحديث المرويّ عن جعفر الصادق (عليه السلام) وعلى آبائه التحيّة والإكرام. كشف غطاء [الروح البخاري مثال العَماء] ثم اعلم هداك الله طريق المعرفة والشهود، أنّ النفْس الناطقة هي المدبّرة باذن الله تدبيراً طبيعيّاً أو نفسانيّاً لهذا البدن الجسماني، الذي هو بجميع ما فيه من القُوى والحواسّ والأعضاء والآلات، عالَم صغيرٌ بمنزلة العالَم الكبير بما فيه من الأفلاك والعناصر والبسائط والمركبات، الذي دبّره الله تدبيراً إلٰهيّاً وتصرّف فيه برحمته وعنايته. ثم إنّ النفْس لم تدبّر لهذا البدن، ولم تتصرّف في قواه وأعضائه، إلاّ بعد أن نزلت من علوّ تجرّدها وسماء تقدُّسها، وبرزت من مكمن ذاتها الروحانيّة، وباطن كينونتها العقلانيّة إلى عالَم الحسِّ والتجسُّم. فتوسَّطت بين غيب هويّتها ومظهر شهادتها، في ألطف ما يوجَد من حدود عالَم البدن من البخار اللطيف النفساني المتعلّق بالقلْب الصنوبري الشكل، المستدير الهيكل، المحدّد لجهات البدن من أعلاه وأسفله. فالنفْس قبل تعلّقها بالبدن وتصرّفها فيه، وتدبيرها لقواه وحواسّه التي هي كالسمـٰوات، وأعضائه التي هي كالأرضيّات، نزلت وتجسّمت بخاراً لطيفا يتكوّن منه جميع لطائف البدن، وبسببه تقع الأفاعيل الإنسانيّة سيما المتكلّم بالحروف والكلمات، التي هي أخص أفاعيل النفس الناطقة في هذا العالَم. وهذه اللطيفة البخاريّة، التي تنزل فيها النفْس قبل تصرّفها وفعلها في عالَم البدن، مثال للعَماء الذي جاء في الخبر وصْفُه بقوله: إنّه كان ربُّنا قبل أن يخلق الخلق في عماء ما فوقه هواه وما تحته هواء. فذكر انّ له الفوق، وهو كون الحقّ فيه، والتحت، وهو كون العالَم فيه. والعماء يحدث عن بخار رطوبات الأركان الأربعة، والفلك أيضاً دخانٌ لطيفٌ الطف من هذه الأبخرة الحاصلة من لطائف هذه العناصر، بل عناصره كائنة على وجهٍ يناسب عالَم السماء، وهي التي ينقسم بها الفلك أرباعاً، ممّا يطول شرحُه. فالحاصل، إنّ العماء الذي ورد في الحديث، إنّ الله قبل أن يخلُق، كان فيه مثالُه اللطيفة الجسمانيّة الموجودة في خِلقة الإنسان التي تعلّقت بها اللطيفة القدسيّة النازلة فيها من نفخ الحق من روحه، وهي كلمة من كلمات الله، وينبعث منها النَّفَس الهوائي المتصوَر بصور الحروف والكلمات الإنسانيّة المطابقة للحروف والكلمات الكائنة في النَّفَس الرحماني والوجود الانبساطي، ليتحقّق ويتنوّر على البصير المحدِق بنور هذه المكاشفة البرهانيّة أن من عرف نفسَه فقد عرف ربَّه. فصل في الإشارة الى سر هذه الصفوة من المفاتيح الحرفية الواقعة في فواتيح السور روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ لكلّ كتاب صفوة، وصفوة هذه الكتاب حروف التهجّي. وعن الشَّعبي قال: لله تعالى في كلّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّه في القرآن سائر حروف الهجاء المذكورة في أوائل السوَر. إعلم أنّ الذين اقتصرت علومُهم على ما يتعلّق بعالَم الشهادة، وانحصرت عندهم معاني الموضوعات اللفظية فيما يوجَد في عالَم المحسوسات، قالوا: إنّ الألفاظ التي تتهجّى بها أسماء مسمّياتها الحروف المبسوطة، فإنّ الضاد مثلاً لفظةٌ مفردة دالّة بالتواطؤ على معنى مستقلٍّ بنفسه، من غير دلالة على الزمان المعيّن، وذلك المعنى هو الحرف الأول من "ضرب" فثبت أنّها أسماءٌ، لأنها ممّا يصدق عليها حدّ الاسميّة، ولأنها أيضاً يوجد فيها خواصّ الاسم - من كونها متصرّفاً فيها بالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والإسناد والإضافة - فكانت لا محالة أسماء، وبه صرّح الخليل وأبو علي. وأما ما رواه أبو عيسى الترمذي عن ابن مسعود أنّه قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسَنة، والحسَنة بعشر أمثالها. لا أقول الۤمۤ حرف، بل الألف حرفٌ واللام حرفٌ، والميم حرفٌ تفسير : - الحديث، فقيل: إنّ المراد به غير المعنى الذي اصطُلح عليه، فإنّ تخصيصه به عُرفٌ جديد. بل المعنى اللغوي، ولعله سمّاه باسم مدلوله. وأقول: يمكن أن يراد بهذه الأسماء الثلاثة المذكورة في الحديث مسمّياتها من الحروف الوحدان. قالوا: إنّ حكم هذه الألفاظ مع كونها معربة أن تكون ساكنة الأعجاز ما لم تِلها العواملُ كأسماء الأعداد، فيقال: ألِفْ لامْ ميمْ، كما نقول: واحد إثنان ثلاثة، فهي معربة، وإنّما سكنت سكون الوقفِ لا سكون البِناء إذ لم تناسب مبنيَّ الأصل. ولذلك لم تُحدّ بحدٍ ككيفَ وأينَ وهؤلاءِ ومُنذ، بل جمع فيها بين ساكنين فقيل: صْ قْ. فسكونُها سكون المعربات حيث لا يمسّها إعرابٌ لفقْد موجبه وعامله، مع كونها قابلة للعمل، معرّضة للإعراب. ثمّ قالوا: إنّ مسمّياتها لمّا كانت عنصر الكلام وبسائطه التي منها تركّبت، افتتح الكلام في السور بطائفة منها ايقاظاً لمن تحدّىٰ بالقرآن، وتنبيهاً على أنّ المتلوَّ عليهم كلامٌ منظومٌ مما ينظمون منه كلامَهم، فلو كان من عند غير الله لما عجَزوا عن آخرِهم مع تظاهرهم وقوّة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه. وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقّلاً بنوع من الإعجاز، فإنّ النطق بأسماء الحروف مختصٌّ بمن خطَّ ودرَسَ. فأمّا من الأمّي الذي لم يخالط الكتاب، فمستبعَدٌ مستغربٌ خارقٌ للعادة كالكتابة والتلاوة، سيّما وقد راعىٰ في ذلك ما يعجز عنه الأديبُ الأريبُ الفائقُ في فنّه. وهو أنّه أورد في هذه الفواتح أربعةَ عشر اسماً في نصف أسامي حروف المُعجم - ان لم يعدّ الألف فيها حرفاً برأسه - في تسع وعشرين سورة بعددها، إذا عدّ فيها الألف مشتملة على أنصاف أنواعها. فذكَر من المهموسة هي ما يضعف الاعتماد على مخرَجه، ويجمعها: "فحثه شخص سكت" نصفها: الحاء والهاء والصاد والسين والكاف. ومن البواقي المجهورة نصفها: "لن يقطع امر". ومن الشديدة، الثمانية المجموعة يجمعها: "اجد قط بكت"، أربعة يجمعها "اقطك". والبواقي الرخوة عشرة، يجمعها: "حمس على نصره". ومن المطبقة، التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها، ومن البواقي المنفتحة نصفها. ومن القلقة: وهي حروف تضطرب عند خروجها، ويجمعها: "قطب جد" نصفها الأقل لقلتها. ومن اللينتين الياء، لأنّها أقلّ ثقلاً، ومن المستعلية - وهي التي يتصعّد الصوت بها في الحنَك الأعلى - وهي سبعة، يجمعها: "خص ضغط قض" - نصفها الأقلّ. ومن البواقي المنخفضة نصفها. ومن حروف البدل؛ وهي أحد عشر - على ما ذكره سيبويه واختاره ابن جني - ويجمعها: "اجد طويت" منها الستّة الشائعة المشهورة التي يجمعها: "اهطمين"، وممّا يدغم في مثله ولا يدغم في المقارب، وهي خمسة عشرة: الهمزة والهاء والعين والصاد والطاء والميم والياء والخاء والغين والضاد والفاء والظاء والشين والزاي والواو، نصفها الأقل. ومما يدغم فيهما وهي الثلاثة عشر الباقية، نصفها الأكثر؛ الحاء والقاف والكاف والراء والسين واللام والنون، لما في الإدغام من الخفّة والفصاحة، ومن الأربعة التي لا تدغم فيما يقاربها وتدغم فيما يتقاربها وهي: الميم والزاي والسين والفاء نصفها. ولمّا كانت الحروف الذلقية التي يعتمد عليها بذلق اللسان، وهي ستّة يجمعها: "رب منفل". والحلقيّة التي هي: الحاء والخاء والعين والغين والهاء والهمزة، كثيرة الوقوع في الكلام، ذكر ثلثيهما. ولما كانت أبنية المزيد لا تتجاوز عن السباعية، ذكر من الزوائد العشرة التي يجمعها: "اليوم تنساه" سبعة أحرف منها تنبيهاً على ذلك. ولو استقريت الكلم وتراكيبها، وجدت الحروف المتروكة من كلّ جنس مكثورة بالمذكورة. ثم إنّه ذكرها مفردة وثنائيّة وثلاثية ورباعية وخماسيّة، ايذاناً بأن المتحدى به مركب من كلماتهم التي أصولها كلمات مفردة ومركّبة من حرفين فصاعداً الى الخمسة. وذكر ثلاث مفردات في ثلاث سور: "صۤ نۤ قۤ "، لأنّها توجَد في الأقسام الثلاثة: الاسم والفعل والحرف. وأربع ثنائيات: "حـمۤ يسۤ طسۤ طٰه"، لأنّها تكون في الحرف بلا حذفٍ؛ كبَلْ وفي الفعل بحذف: كقُلْ. وفي الاسم بغير حذف: كمَنْ، وبه: كدَمْ، في تسع صور لوقوعه في كلّ واحدٍ من الأقسام الثلاثة على ثلاثة أوجه. ففي الأسماء: "مَن" و "إذ" و "ذو". وفي الأفعال: قُلْ وبِغْ بِعْ وخفْ، وفي الحروف: إنْ ومِنْ ومُذْ، على لغة من جرّبها. وثلاث ثلاثيات لمجِيئها في الأقسام الثلاثة في ثلاث عشرة سورة، تنبيهاً على أنّ أصول الأبنية المستعملة ثلاثة عشر، عشرة منها للأسماء، وثلاثة للأفعال. ورباعيتين وخماسيتين، تنبيهاً على أن لكلّ منهما أصلاً، كجعفَر وسفرجَل، وملحقاً كقردد وجحنفل. ولعلّها فرّقت على السوَر ولم تعدّ بأجمعها في أول القرآن لهذه الفائدة، مع ما فيه من إعادة التحدّي وتكرير التنيبه والمبالغة فيه. والمعنى: هذا المتحدىٰ به مؤلَّفٌ من جنس هذه الحروف، والمؤلَّف منها كذي. هذا ما ذكره علماء اللسان في هذا الباب، وأما الذين ارتفعت درجتُهم عن هؤلاء، فاختلفوا في معاني هذه الأسماء على قولين: القول الأول: إنّ هذا عِلْم مستورٌ وسرٌّ محجوبٌ وغيب مبطونٌ ودرٌّ مكنون استأثر الله بعلمِه، وعليه يُحمل الخبَرانِ المذكوران سابقاً. وقال بعض العارفين: العلم بمنزلة البحْر، فأجري منه وادٍ ثمّ أجري من الوادي نهرٌ، ثمّ اجري من النهر جدولٌ، ثمّ اجري من الجدول ساقيةٌ، فلو اجري إلى الجدول ذلك الوادي لغرّقه وافسده ولو سالَ البحرُ الى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد:17]. فبحور العلم عند الله، وأعطى الرسل منها أودية، ثمّ أجرى الرسل من أوديتهم أنهاراً [إلى العلماء]، ثمّ أَعطت العلماءَ للعامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامّة سواقي إلى أهليهم بقدر طاقتهم. ومن هذا روي في الخبر: للعلماء سرٌّ، وللخلفاء سرٌّ، وللأنبياء سرٌّ، وللملائكة سرٌّ، ولله تعالى بعد ذلك كلّه سرٌّ، ولو اطّلع الجهّال على سرّ العلماء لأبادوهم، ولو اطّلع العلماء على سرّ الخلفاء لنابذوهم، ولو اطّلع الخلفاءُ على سرّ الأنبياء لخالفوهم، ولو اطّلع الأنبياء على سرِّ الملائكة لاتّهموهم، ولو اطّلع الملائكة على سرِّ الله، لطاحوا حائرين وبادوا بائرين. والسبب في ذلك: أنّ العقولَ الضعيفة لا تحتمل الأسرارَ القويّة، كما لا يتحتمل نورَ الشمس أبصارُ الخفافيش، ولما زيد الأنبياء في عقولهم قدَروا على احتمال أسرار النبوّة، ولما زيد العلماء في عقولهم قدَروا على احتمال ما عجزَت عنه العامّة. وكذلك علماءُ الباطن - وهم الحكماء - زيد في عقولهم فقدَروا على احتمال ما عجز عنه علماء الظاهر. وسُئل الشعبيُّ عن الحروف، فقال: سرُّ الله لا تطلبوه. وروى أبو ظبيان عن ابن عباس، قال: عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل: هو من المتشابهات. تنبيه [ردٌّ على القائلين بعدم امكان فهم تفسير الحروف المقطعة] واعلم أنّ هذا القول ليس بسديد، لأنّه لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يكون مفهوماً للخلق، إذ هو مما أنزله لهداية الخلق وإرشادهم وتكميلهم وإخراج عقولهم عن القوّة إلى الفعل، وسياقة نفوسهم عن ظلمات الحِيرة والجهْل والعمى إلى نور المعرفة والعلم والبصيرة، لتتنوّر ذواتهم بأنوار معارف القرآن، ويستعدّوا للقاء الله في دار المثوبة والرضوان، ويتخلّصوا عن آفات الجهالة الموجبة لكثير من الأمراض القلبيّة والآلام النفسانيّة المؤدِّية الى الهلاك، المستلزمة لعذاب البُعد والاحتجاب، كما للمطرودين عن باب الرحمة الإلٰهيّة، المحترقين بنيران الجهالات المتراكمة، المتألّمين بآلام الاعتقادات الرديّة الفاسدة، فلا بدّ أن يوجد في عباد الله مَن كان عنده علم الكتاب، وإلاّ لكان إنزاله عبثاً. نعم، درجات الناس بحسب العقول متفاوتةٌ كما مرّ فيما ذكر من الخبَر. فلا جَرَم حظوظهم من آيات كتاب الله مختلفةٌ، كتفاوت أغذية الناس والأنعام ممّا ينبت في الأرض من سائر الطعام. فلطائفةٍ منها القشور، كالتبن والنخالة، ولطائفه اللبوب والأدهان كالحَبِّ من الحنطة والدُّهن من الزيتون: {أية : مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات:33]. والحجّة لنا في هذا المقصد من الآيات والأخبار كثيرة: أما الآيات: فمنها قوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ}تفسير : [محمد:24]. أمرهم بالتدبّر في معاني القرآن، ولو كانت غير مفهومة لَما أمرهم بالتدبّر فيها. ومنها قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء:192-195]. فلو لم يكن مفهوماً بطل كونه (صلَّى الله عليه وآله) منذِراً به. وأيضاً فقوله {بِلِسَانٍ عَربِيٍّ مُبينٍ}. يدلّ على أنه نازلٌ بلغة العرب، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوماً. ومنها قوله: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء:83]. والاستنباط منه لا يمكن إلاّ مع الإحاطة بمعناه. ومنها قوله: {أية : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل:89]. وقوله: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ} تفسير : [الأنعام:38]. وقوله: {أية : هُدىً لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:185] {أية : هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة:2]. وغير المعلوم لا يكون هدىٰ. ومنها قوله تعالى: {أية : حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} تفسير : [القمر:5]. وقوله: {أية : وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 57]. وكلّ هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم. ومنها قوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة:15]. وقوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء:174]. فكيف يكون برهاناً وكتاباً مبيناً ونوراً مبيناً مع انّه غير مفهوم. ومنها قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء:9]. فكيف يكون هادياً مع انّه غير معلوم؟! إلى غير ذلك من الآيات المشيرة الى كون الغرض من إنزال القرآن تعليم العباد. وأما الأخبار، فمنها قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : إنّي تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبداً كتابُ الله وعترتي . تفسير : وروى العامّة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: "حديث : عليكم بكتاب الله، فيه نبأُ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكْم ما بينكم، هو الفَصْل ليس بالهزِل من تَركه من جّبار قصَمه الله، ومن اتّبع الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، والذكْر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخْلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدَق ومن حكَم به عدَل، ومن خاصَم به فلَج، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ". تفسير : وأما ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ لكل كتاب صفوة وانّ صفوة هذا الكتاب حروف التهجّي، فليس فيه ما يدلّ على أنّ معاني هذه الحروف غير مفهومة، وكذا ما روي عن الشعبي لا تزيد دلالته على أن هذه الحروف من أسرار الله الخفيّة التي لا يعلمها كلّ أحد، ولا يدلّ على أن الراسخين في العلم لا سبيل إلى إدراكها. وكذا ما ذكره بعض العارفين، ليس فيه دلالة على عدم اطّلاع الناس على سرّ هذه الحروف، بل فيه ما يدل على ضد ذلك كما لا يخفى. واحتجّ المخالفون بوجوه من العقل والنقل كلّها ضعيفة مدخولة: منها: انّه من المتشابه من القرآن وانّه غير معلوم لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:7]، والوقف ها هنا لازمٌ، إذ لو عطف عليه قولُه: {أية : وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران:7]، لبقي قوله: {أية : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} تفسير : [آل عمران:7] منقطعاً عنه، وهو غير جائز. وهو مجابٌ - لا بأنّ "يَقولُونَ" حالٌ. وإلاّ لكان حالاً للمعطوف عليه كما للمعطوف، فيلزم أن يكون الله قائلاً: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} وهو كفرٌ - بل بأنّه خبر مبتدأ محذوف بقرينة سابقة. ومنها: أنه روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انّه قال: حديث : إنّ من العلْم كهيئة المكنون لا يعلَمه إلاّ العلماء بالله فإذا نطَقوا به أنكره أهل الْعِزّة باللهتفسير : . ودلالة هذا الخبر على ثبوت هذا الجانب، أكثر من دلالته على ثبوت طرف المخالف. ومنها: أنّ القول بان هذه الفواتح غير معلومة، مرويٌّ عن أكابر الصحابة، فوجَب أن يكون حقاً. والجواب - بعد التسليم - أنّ دلالة ما روي عنهم على كونها غير معلومة لأحد من الناس مطلقاً وإن كان من الراسخين، غير مسلّم. وعلى كونها غير معلومة لجمهور الناس، لا تضرّنا ونحن نقول به. ومنها: أن الأفعال التي كُلفنا بها قسمان، منها ما يُعرف وجهُ الحكمة فيها كالصلاة والصيام والزكاة. ومنها ما لا يُعرف وجهُ الحكمة فيها كأفعال الحجّ، فكما يحسن من الله الأمرُ بالنوع الأول، فكذا يحسن منه الأمُر بالنوع الثاني، لأن الطاعة فيه تدلّ على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لمّا لم يعرف فيه وجه مصلحة، لم يكن إتيانه إلاّ لمحض الانقياد والتسليم، وإذا كان الأمرُ كذلك في الأفعال، فلِمَ لا يجوز أيضاً أن يكون الأمر كذلك في الأقوال، وهو أنّ الله يأمرنا تارةً بأن نتكلّم بما نقفُ على معناه، وتارةً بما لا نقفُ على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر. أقول: وهذا أيضاً ساقط، لأنّ كون الغاية في التكليف بالأعمال، التسليم والانقياد، وإن كان مسلَّماً، لكن كون الغاية في العلوم كذلك، غير مسلّم كما حقِّق في مقامه. وبالجملة، المقصود من العلوم والمعارف، تنويرُ القلب بأنوار الحقائق الإلٰهيّة، ومن الأعمال والأفعال، تطويعُ النفسِ الأمّارة للنفسِ المطمئنّة لئلا تزاحمها القُوى الشهويّة والغضبيّة وغيرها في السلوك إلى الله. وأعجبُ من ذلك قولهم: بل فيه فائدةٌ أخرى، وهو أنّ الإنسان إذا وقع على المعنى وأحاط به، سقط وقعه عن القلْب، وإذا لم يقف على المقصود مع القطع بأنّ المتكلم بذلك أحكم الحاكمين، فإنّه يبقى ملتفتاً إليه أبداً ومتفكّراً فيه دائماً، ولُباب التكليف اشتغال السرّ بذكر الله والتفكّر في كلامه. أقول: ما أشبه هذا بكلام العوامّ والجهّال، فإنّ التفكّر ليس من الغايات المتأصّلة، ليكون بقاءُ الإنسان في التردّد الفكريّ أبداً سرمداً سعادةً، على أن فيه تعباً ومشقّة في الحال، وإنّما الفائدة فيه انتقال الذهن الى ما هو المطلوب الأصلي، وهو الابتهاج بإدارك الحضرة الإلٰهية، والاستسعاد بالأنوار الملكوتية. القول الثاني: قول من زعَم أنّ المراد من هذه الفواتح معلومٌ، وهم اختلفوا وفسَّروها على وجوه متخالفة. أحدها: إنّها أسماء السوَر عن الحسَن وزيد بن أسلم، وهو قول أكثر المتكلّمين. الثاني: إنّها أسماء الله، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يقول يا كهيعص يا حمعسق. الثالث: إنّها أسماء القرآن. الرابع: إنّها أبعاض أسماء الله. قال سعيد بن جبير قوله: "الۤر، حـمۤ، نۤ" مجموعها هو اسم الرحمن. ولكنّنا لا نقدرُ على كيفية التركيب في البواقي. الخامس: أن تكون إشارة الى التي كانت هي منها، اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله: قلتُ لها: قِفي. فقالتْ: قاف. فيكون فيها دلالة على أسماء الله وأسماءِ صفاته، كما قال ابن عباس في الۤمۤ: "أنا الله أعلم"، وفي الۤمۤر: "أنا الله أعلم وأرى"، والۤمۤصۤ معناه: "أنا الله أعلم وأفصل". وكما قال: "ألف": آلاء الله. و"اللام": لطفه. و"الميم": ملكه. وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه. السادس: إنّ بعضها يدلّ على أسماء الله، وبعضها يدلّ على أسماء غيره، فقال الضحّاك: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد، أي انزل الله الكتاب على لسان جبرائيل (عليه السلام) إلى محمّد صلوات الله عليه وآله. وهو المروي عن ابن عباس. السابع: قول أبي زيد وقُطرب: إنّ الكفار لمّا قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه، وتواصوا بالإعراض عنه، فأنزل الله تعالى عليهم هذه الأحرف. فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: استمعوا الى ما يجيء به محمّدٌ، فإذا أصغَوا هجَم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً الى انتفاعهم. والثامن: قول أبي العالية: إنّ كلّ حرف منها مدّة أقوام وآجال آخرين بحساب الجمل، متمسّكا بما حديث : روي انَه (صلّى الله عليه وآله) أتاه أبو ياسر بن أخطب وهو يتلو سورةَ البقرة، ثمّ جاء أخوه حيي وكعب بن الأشرف فسألوه عن الۤمۤ، وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلاّ هو، أحقٌّ أنّها أتتكَ من السماء؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): نعم، كذلك نزل، فقال حيي: إن كنت صادقاً، إني لأعلم أَجَلَ هذه الأمة من السِّنين. ثمّ قال: كيف ندخل في دينِ رجُلٍ دلّت هذه الحروفُ بحساب الجمل أن تنتهي مدّتُه إحدى وسبعون سَنة؟ فضحك رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله). فقال حيي: هل غير ذلك؟ فقال: نعم "الۤمۤصۤ" فقال: هذا أكثر من الأول، فهل غير هذا؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): نعم. الۤر. فقال حيي: هذا أكثر من الأول والثاني. فنحن نشهد إن كنتَ صادقاً ما ملكت أمّتك إلاّ مأتين وإحدىٰ وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ فقال: نعم "الۤمۤر" قال نحن نشهد انّا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي أقوالك نأخذ . تفسير : التاسع: ما قاله الأخفش: إنّ الله أقسَم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسِنة المختلفة، ومباني أسمائه الحسُنىٰ، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحّدونه. واقتصر على هذا البعض كما تقول: قرأت الحمدَ. وتريد السورةَ كلّها، فكأنّه تعالى أقسم بهذه الحروف انّ هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبَت في اللوح المحفوظ. العاشر: قال أبو بكر الزهري: إنّ الله تعالى علم أنّ طائفة من هذه الأمة تقول بقِدمَ القرآن، فذكر هذه الحروف تنبيهاً على أنّ كلامَه مؤلَّف من هذه الحروف؛ فيجب أن لا يكون قديماً. فهذه عشرة من الأقوال المذكورة في معنى هذه الفواتح وهي كثيرة اكتفينا بذكر هذه من غيرها، لأنّها الأقرب إلى التصديق به، ومختار الأكثر هو كونها أسماء السور وعليه إطباقُ كثير من المفسّرين منهم الإمام الرازي، واستدلّ عليه بأنّها إن لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمَل والتكلّم بالزنجي مع العربي، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدىً، ولما أمكن التحدّي به. وإن كانت مفهمة، فإمّا أن يراد بها الأعلام أو المعاني. والثاني باطلٌ، لأنّه إمّا أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب، وظاهرٌ أنّه ليس كذلك. أو غيره، وهو باطلٌ، لأنّ القرآن نزَل على لغتهم لقوله تعالى: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء:95]، فلا يحمل على ما ليس في لغتهم. فثبت الأول، وهو كونها أَعْلاما للسور التي هي مستهلّتها، سمّيت بها إشعاراً بأنّها كلمات معروفة التركيب، فلو لم يكن وحياً من الله، لم تتساقط معذرتهم دون معارضتها. والاعتراض عليه من وجوه: أحدها: لِمَ لا يجوز أن تكون مزيدة للتنبيه والدلالة على انقطاع كلام واستيناف آخر كما قاله قُطرب؟ أو يكون اختصار الكلام كما في القول الرابع والخامس؟ أو يكون إشارة الى عدد آجال كما قاله ابو العالية؟ وهذه الدلالة وإن لم تكن عربيّة، لكن لاشتهارها فيما بين الناس حتّى العرب، كانت كالمعرّبات كالمِشْكـٰوة والسجّيل والقِسطَاس والإستَبْرَق. أو تكون قسَماً كما قاله الأخفش. أو تكون غير ذلك من الأقوال المذكورة؟ وثانيها: إنّ القول بأنها أسماء السور يُخرجها الى ما ليس في لغة العرب. لأنّ التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستنكرةٌ عندهم. وثالثها: إنّها داخلةٌ في السور وجزءٌ منها، وجزءُ الشيء مقدّمٌ على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخِّر عنه كذلك، فيلزم من تسمية الشيء بجزئه تقدّم الشيء على نفسه، والمعارضة بتسمية الحروف بأساميها - كتسمية الجزء الأول من الجيم بالجيم - ساقطةٌ، لأن المركّب متأخِّرٌ عن جزئه، والاسم متأخِّر أيضاً عن مسمّاه، فلا يلزم إلا تأخّر المركب عن جزئه بوجهين، ولا فساد فيه. ورابعها: إنّها لو كانت أعلاماً للسوَر، لوجَب أن يُعلم ذلك بالتواتر، لأنّ التسمية على هذا النحو ليس من دأب العرب، فتتوفّر الدواعي على نقلها فوجَب اشتهارها بها لا بسائر الأسماء، والواقع خلاف ذلك. وخامسها: إنّ السوَر الكثيرة اتّفقت في الۤمۤ، حـمۤ، فالاشتباه حاصلٌ، والمقصود من العلَم إزالة الاشتباه، والمعارضة بتسمية كثيرين باسم محمّد، مدفوعةٌ بالفرق بين القبيلين، فإنّ (الۤمۤ) لا يفيد معنى آخر على ما فرضتُم، فلو جُعل علَماً لم يكن فيه فائدة، بخلاف الأعلام المشتركة، فإنّ التسميةَ بها قد تتضمّن فوائدَ اخرىٰ غير الامتياز، كالتبرّك ونحوه. وسادسها: إنّه لو كان كذلك، لوجَب أن لا تخلو سورة من القرآن من اسم على هذا الوجه، وليس كذلك. وقد يقال في الجواب: أما عن الأول: فبأنّ هذه الألفاظ لم تُعهد مزيدة للتنبيه، والدلالة على انقطاع كلام واستيناف آخر أمر لازم لها ولغيرها، من حيث إنّها فواتح السوَر، ولا يقتضي ذلك أن "يكون لها معنى في حيِّزها ولم يستعمل للاختصار من كلمات معيّنة. أما الشعر فشاذّ. وأما قول ابن عباس فتنبيهٌ على أنّ الحروف منبع الأسماء ومبادئ الخطاب وتمثيل بأمثلة حسَنة، ألا ترى أنّه عدَّ كلَّ حرف من كلمات متباينة لا تفسير ولا تخصيص بهذه المعاني دون غيرها، إذ لا مخصّص لفظاً ومعنى، ولا بحساب الجُمل فيلحق بالمعرّبات. والحديث الذي نقله أبو العالية لا دلالة فيه. لجواز أنّ تبسّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعجّباً من جهلهم. وجعلها مُقْسَماً به، وإن كان غير ممتنع، لكنّه يُحوج الى إضمار أشياء لا دليل عليها. وأمّا الحمل على شيء مما ذكره المفسّرون، فغير لازمٍ، لأنّهم ذكروا وجوهاً مختلفة وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على غيره، فإمّا أن يحمل على الكلّ وهو متعذّر للاجماع المركب، أو لا يحمل على شيء منها وهو الباقي. وأمّا عن الثاني: فبأنّ التسميةَ بثلاثة أسماء إنّما يمتنع إذا ركّبت وجُعلت إسماً واحداً على طريق "بعلبك"، فأما إذا نثرت نَثْر أسماء العدد، فذلك جايزٌ، فإنّ سيبويه قد نصَّ على جواز التسمية بالجملة، والبيتِ من الشعر، وطائفةٍ من أسماء حروف المعجم. وأمّا عن الثالث: فبأنّ الاسم لفظٌّ دالٌّ على أمرٍ مستقلّ بنفسه، غير مقترن الدلالة بهيئته على زمان، ولفظ الإسم - كلفظ زيد مثلاً - كذلك، فيكون الاسم إسماً لنفسه، وإذا جاز ذلك فلِم لا يجوز أن يكون جزء الشيء إسماً له. أقول: وهذا الجواب مما ذكره صاحب التفسير الكبير وهو كما ترى، فإنّ الكلام في الاسم الدالّ على معنى بالوضع، ودلالة الإسم على نفسه ليس بالوضع، وإن كان هو في نفسه موضوعاً. وقد يُجاب - كما ذكر البيضاوي - بأنّ الجزءَ مقدمٌ من حيث ذاته، ومؤخَّرٌ باعتبار كونه إسماً فلا دَوْرَ. أقول: هذا أيضاً فاسدٌ، فإنّ الكلام في أنّ هذه الألفاظ التي هي أجزاء السوَر، وهي من الموضوعات اللغوية، لا معنى لها إلاّ كونها أسماء للسوَر، فإذا كان تقدّمها على السوَر من حيث ذاتها لا من حيث كونها أسماء، لكانت قبل تمام السورة غير موضوعة لمعنى أصلاً فتكون مهملة، سيّما وهذا التقدّم زمانيٌّ، لأنّ السوَر والآيات وسائر أقسام الكلام إنّما هي تدريجيّة الوجود زمانيّة الحدوث. وأمّا عن الرابع: بأنّه لا بُعد في أن يصير القلب أكثر شهرةً من أصل الاسم فكذا ها هنا. وأمّا عن الخامس: فبأنّه لا يبعد أن يكون في تسمية السوَر الكثيرة باسم واحد، ثمّ تمييز كل واحد منها بعلامة اخرى، حكمةً خفيّةً. وأمّا عن السادس: فبأنّ وضع الإسم إنّما بحسب الحكمة، ولا يبعد أن تقتضي الحكمة وضعَ الإسم لبعضِ السوَر دون بعض. أقول: إذا كان الغرض من هذه الألفاظ مجرد التسمية للتمييز والتعيين، ولم يكن لها معنى آخر، يلزم الترجيح من غير مرجّح في تسمية بعض السوَر ببعض هذه الحروف دون بعض. ثمّ أقول: ويرد على أصل الدليل بحثٌ آخر لم يكن مذكوراً في التفاسير، وهو: إنّ قول المستدل: لو لم تكن هذه الألفاظ أعلاماً، لكانت موضوعة للمعاني، وظاهر أنّها ليست كذلك، ممنوعٌ، والسند ما سنذكره عن قريب إنشاء الله. حكمة قرآنية [تفسير الحروف المقطّعة حسبما قاله ابن سينا] اعلم - هداك الله تعالى إلى فهْم آياته - أنّ شيخ فلاسفة الإسلام ذهب في رسالة سمّاها بالنيروزية، إلى أن هذه الحروف أسماءٌ للحقائق الذاتية، بعضها لذات الله تعالى مطلقاً، وبعضها لذاته مضافةً الى ما أبدعه، وبعضها لمبدعاته مطلقة، وبعضها لها مضافة على الوجه الذي سنذكره، وأَقْسَم الله بهذه الأشياء العظيمة تكريماً وتعظيماً، ونحن اخترنا مذهبَه وتتبَّعنا أثر كلامه في هذا المرام. فنقول: لا شبهة أنّ الله قد أوجد الموجودات المتأصّلة على ترتيب ونظام، الأول والثاني والثالث على ترتيب مراتب العدَد. لأنّه ليس في قوة الكثرة أن تظهرَ عنه تعالى أولاً، كما ليس في قوة الزمان أن يوجد عنه في آنٍ دفعةً، ولا في استطاعة الجسم أن يتكوّن عنه مبدَعاً، فالترتيبُ يرتقي بالكثير إلى الواحد الحقيقي بحيث لا تنثلم به وحدتُه. وكما انّ الواحد مبدأ الأعداد والكثَرات كلها على الترتيب الأبسط فالأبسط، فكذلك البار جلّ كبرياؤه، مُبدِع الأشياء كلها على ترتيب الأبسط فالأبسط، وهو فاعل الإنيّات المتأصّلة والأنواع الكاملة قبل شخصيّاتها الزمانيّة على الترتيب الإلـٰهي الإبداعي، والنظم الربّاني الأحدي أولاً وثانياً وثالثاً. وكلّما كان الوجود فيه أشرف، كانت الوحدة فيه أتمّ، وكان في درجة الاستفادة للوجود أقدم، وهكذا إلى أن ينتهي الترتيب النزولي إلى الموجودات الزمانيّة والمكانيّة من الجزئيّات المتكثرة في التشخّص، المتّحدة في المعنى والحقيقة، وهي بمنزلة ظِلال وأشباح لما في العالَم الأعلى الإلـٰهي من الحقائق المتأصّلة التامّة، التي لا ينفك تمامها عن بدوها. وإذا سألت عن شيء منها بما هو ولِمَ هو، كان الجواب عنهما واحداً، لأنّه تامّ الوجود لا يعوزه شيء من وجوده، ومن كمال وجوده عنه. فلكلّ منها مرتبةٌ خاصّة من الوجود لا يمكن أن يتعدّاه سابقاً أو لاحقاً، إذ كون كلّ منهما في مرتبته كالمقوّم لذاته، وكما أنّ الأوليّة عين ذات المبدإ تعالى، فكذا الثانويّة للموجود الذي بعده بعديّة ذاتيّة والثالثيّة للموجود الذي بعده بوسطٍ واحد، بعديّة بالذات، وهكذا الرابع والخامس الى أقصى الوجود. ثمّ إنّ أشرف الموجودات الواقعة بعد مرتبة الواحد الحقّ الأول، هو عالَم العقل والملائكة المقرّبين. وهذا العالَم جملة مشتملة على موجودات قائمةٍ بلا موادٍ خاليةٍ عن القوّة والاستعداد، عقولٍ قادسيةٍ طاهرةٍ، وصورٍ مجردةٍ باهرةٍ، ليس في طباعها أن تتغيّر أو تتكثّر أو تتحيّز، كلّها كشخص واحدٍ متّصلة اتّصالا روحانيّاً. وكلّها عشّاق إلـٰهيّون، مشتاقون الى الأول والاقتداء به، والإظهار لأمره، والابتهاج به، والقُرب العقلي منه. وهم مبتهجون بذات الأول لا بذواتهم، شاعرون به ذاهلون عن ذواتهم، لاضمحلال ظلالِ إمكاناتهم تحت سطوح النور الأحدي وكبرياء جلاله. ثمّ الواقعُ في ثالثِ المراتب العدديّة الذاتيّة، وجودُ العالَم النفسي من لدن نفْس الفلَك الأعظم الى النفوس المتعلقة بالأبدان البشريّة، والقوالب الإنسيّة. فعالَمها مشتملٌ على جملة كثيرة من ذوات معقولة، ليست مفارقة للموادّ كلّ المفارقة، ولا مواصلة لها كلّ المواصلة، بل هي ملابستها ضرباً من الملابسة، وموادّ الصنف المتعلّق منها بالسماوّيات، موادٌ دائمة الحرمة الدوريّة بإذن الله، وتسخيره للملائكة المدبّرة إيّاها، الحافظة لصوَرها المحرّكة لها تشوّقاً الى الله، وتقرّباً منه وطاعة إيّاه. ولها في طباعها نوعٌ من التغيّر، ونوع من التكثّر، لا مطلقاً كالأجرام الاسطقسيّة. ثمّ الواقع في رابع المراتب عالَم الطبيعة، ويشتمل على قُوىٰ ساريةٍ في الأجرام ملابسة للمادّة على التمام، وهي دائمةَ التجدّد والزوال، سيّالة الذوات متجددة الهويّات، تفعل الحركات الذاتيّة والسكنات في إحدىٰ المقولات من الأين والوضع والكمّ والكيف. أما الحركة، فإذا لحقها ضَرْبٌ من التغيّر من جهة عارض غريب، وأما السكون، فعندما لم يلحقها عارضٌ غريبٌ. وبعد مرتبتها وجودُ العالَم الجسماني المنقسم إلى أثيري وعنصري، وخاصيّةُ الأثيري؛ استدارة الشكل والحركة، واستغراق الصوَر للموادّ، وخلوّ الجوهر عن التضاد. وخاصيّة العنصري؛ التهيّؤ للأشكال المختلفة والأحوال المتغايرة، وانقسام بين صورتين متضادّتين، أيّهما كانت بالفعل كانت الأخرى بالقوّة. وليس وجود احداهما لها دائماً، بل وجوداً زمانيّاً ومباديه الفعّالة فيه من القوى المساويّة بتوسّط الحركات، وبسبق كماله الأخير أبداً بالقوّة. ويكون ما هو أولُ فيه بالطبع، آخراً في الشرف والفضْل، ولكل واحدة من القوى المذكورة اعتبارٌ بذاته واعتبارٌ بالإضافة الى تاليه الكائن عنه، ونسبة الثواني كلّها إلى الأول بحسب الشركة نسبة الإبداع. وأمّا على التفصيل، فيخصّ العقل نسبة الإبداع، ثمّ إذا قام متوسّطاً بينه وبين الثوالث صار له نسبة الأمر، واندرج فيه معه النفْس، ثمّ كان بعده نسبةَ الخلْق. وللأمور العنصريّة بما هي كائنةٌ فاسدةٌ نسبة التكوين والابداع، يختصّ بالعقل، والأمر يفيض منه الى النفْس، والخلْق يختص بالموجودات الطبيعيّة، ويعمّ جميعها، والتكوين يختصّ بالكائنة الفاسدة منها. وإذا كانت الموجودات بالقسمة الكليّة إمّا روحانيّة وإمّا جمسانيّة، فالنسبة الكليّة للمبدإ الحقّ إليها، أنّه الذي له الخَلْق والأمر، فالأمر متعلّق بكل ذي إدراك، والخلْق بكلّ ذي تسخير، وهذا هو الغرض في هذا الفصل. فصل آخر في الدلالة على كيفية دلالة الحروف على هذه المراتب الوجودية إنّ من الضرورة أنّه إذا أريدَ الدلالةُ على هذه المراتب بالحروف، أن يكون الأول منها في الترتيب القديم - وهو ترتيب "أبجَد هّوز" إلى آخره - دالاً على الأوّل وما يتلوه، وأن يكون الدالُّ على ذوات هذه المعاني من الحروف متقدّماً على الدالّ عليها من جهة ما هي مضافة، وأن يكون المعنى المرتسم من إضافةٍ بين اثنين منها مدلولاً عليه بالحرف الذي يرتسم من ضرب الحرفين الأولين أحدهما في الآخر، اعني ما يكون من ضرب عددي الحرفين أحدهما في الآخر، وأن يكون ما يحصل من العدد الضربيّ مدلولاً عليه بحرفٍ واحد مستعملاً في هذه الدلالة مثل (ك) الذي هو من ضرب (ي) في (ب). وما يصير مدلولاً بحرفين - مثل (يه) من ضرب (ج) في (ه) ومثل (كه) الذي هو من ضرب (ه) في (ه) - مطرَحاً لأنه مشكّك توهم دلالة كلّ واحد من (ي) و (ه)، ويقع هذا الاشتباه في كلّ حرفين مجتمعين لكل واحد منهما خاصّ دلالته في حد نفسه، وان يكون الحرفُ الدالّ على مرتبةٍ من جهة أنّها بواسطة مرتبة قبلها من جميع حروف المرتبتين. فإذا تقرّر هذا، فإنّه ينبغي ضرورةً أن يُدلّ بالألف على الباري، وبالباء على العقل، وبالجيم على النفس، وبالدال على الطبيعة؛ هذا إذا أُخذت بما هي ذوات، وبالهاء على الباري، وبالواو على العقل، وبالزاي على النفس، وبالحاء على الطبيعة، هذا إذا اخذت بما هي مضافة الى ما دونها. وبقي الطاءُ لهيولى وعالَمه، وليس له وجودٌ بالإضافة الى شيء تحته، وينفد رتبة الآحاد ويكون الابداع، وهو من إضافة الأول الى العقل ذات لا مضاف الى ما بعده مدلولاً عليه بالياء، لأنه من ضرب (ه) في (ب)، ولا يحصل من إضافة الباري أو العقل الى النفْس عددٌ يدلّ عليه بحرف واحد، لأنه (ه) في (ج) يه، و (و) في (ج) يح، ويكون الأمر وهو من إضافة الأول الى العقل، مضافاً مدلولاً عليه باللام، وهو من ضرب (ه) في (و). ويكون الخلْق، وهو من إضافة الأول الى الطبيعة بما هي مضافة، مدلولاً عليه بالميم، وهو من ضرب (ه) في (ح)، لأنّ الحاء دلالة الطبيعة مضافة. ويكون التكوين، وهو من إضافة الباري إلى الطبيعة وهو ذات، مدلولاً عليه بالكاف، ويكون جميع نسبتي الأمر والخلْق - أعني ترتيب الخلْق بواسطة الأمر، أعني اللام والميم - مدلولاً عليه بحرف (ع)، وجميع نسبتي الخلق والتكوين كذلك - أعني الميم والكاف - مدلولاً عليه بالسين، ويكون مجموع نسبتي طرفي الوجود - أعني اللام والكاف - مدلولاً عليه بالنون، ويكون جميع نسبته الأمر والخلْق والتكوين - أعني كاف ولام وميم - مدلولاً عليه بصاد. ويكون اشتمال الجملة في الابداع - أعني (ي) في نفسه (ق) - وهو أيضاً من جمع (صاد) و (ي). ويكون ردّها إلى الأول، الذي هو مبدأ الكل ومنتهاه، على أنه أول وآخر - أعني فاعلاً وغاية كما بيّن في الإلٰهيات - مدلولاً عليه بالراء ضِعْف (ق)، وذلك هو الغرض في هذا الفصل. فصل آخر في الغرض فإذا تقرّر ذلك فنقول: إنّ المدلول عليه (بالۤمۤ) هو القسَم بالأول ذي الأمر والخلْق. و (بالۤمۤرۤ) القسَم بالأول ذي الأمر والخلْق، وهو الأول والآخر والأمر والخلْق والمبدأ الفاعلي والمبدأ الغائي جميعاً، و (بالۤمۤصۤ) القسَم بالأول ذي الأمر والخَلق والمنشىء للكلّ. و (بص) القسَم بالعناية الكلية. و (بق) القسَم بالابداع المشتمل على الكلّ بواسطة الابداع المساوي للعقل. و(بكۤهيعۤصۤ) القسَم بالنسبة التي للكاف - أعني عالَم التكوين - إلى المبدء الأول، وبنسبة الإبداع الذي هو (ي)، ثم الخَلْق بواسطة الأمر وهو (ع)، ثمّ التكوين بواسطة الخلْق والأمر وهو (ص)، فبين (ك) و (ه) ضرورة نسبة الإبداع، ثمّ نسبة الخلْق والأمر، ثمّ نسبة التكوين والخلْق والأمر. و (يسۤ) قسَم بأول الفيض والابداع وآخره، وهو الخلْق والتكوين. و (حـمۤ)، قسَم بالعالَم الطبيعي الواقع في الخَلْق. و (حـمۤ عۤسۤقۤ) قسَم بمدلول وساطة الخَلْق في وجود العالَم الطبيعي، وما يخلق بينه وبين الأمر بنسبة الخلْق إلى الأمر، ونسبة الخَلْق الى التكوين، وبأن يأخذ من هذا ويردّه الى ذلك، فيتمّ به الإبداع الكلي المشتمل على العوالِم كلّها، فإنها إذا اخذت على الإجمال، لم يكن لها نسبةٌ إلى الأول غير الابداع الكلي الذي يدل عليه (بق). و (طسۤ) يمين بعالَم الهيولى الواقع في الخلْق والتكوين. و (نۤ) قسَم بعالَم وعالَم الأمر، أعني لمجموع الكل. ولا يمكن أن يكون للحروف دلالة غير هذا ألبتة، ثمّ بعد هذا أسرار تحتاج الى المشافهة. فهذا غاية الكلام الواقع في هذا المرام والله أعلم بأسرار كتابه وهو علاّم الغيوب. فصل في أحوال أواخرها من حيث الإِعراب قد مرّ ان أسماء الحروف - ما لم تلها العوامل - موقوفةٌ خاليةٌ عن الإعراب، لفقْد موجبه، لا لأنها ليست قابلة له، بل هي معرَبة معرضة للإعراب غير مبنيّة. وأما هل لهذه الفواتح محلٌ للإعراب أم لا فنقول: إن جعلت أسماء لذات الله وآياته - كما اخترناه - أو للسوَر، كان لها حظٌّ من الإعراب المحلّي، ويجري فيه الوجوه الثلاثة: أما الرفع فعلى الإبتداء والخبَر، وأما النصب فبتقدير فعل القسَم على طريقة: "الله لأفعلنّ كذا" بالنصب، أو بتقدير فعل آخر: كاذكر ونحوه. وأما الجرّ، فعلى إضمار حرف القسَم، وهي في ذلك على ضربين: أحدهما: ما يتأتّى فيه الإعراب لفظاً، وهو إما أن يكون إسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو موازناً لمفرد وإن كان أسماء متعدّدة كحاميم وطاسين وياسين، فانها على زنة قابيل، وكذلك طسم تتأتّى فيها أن يفتح نونها ويصير ميم مضمومة إلى طاسين، فيجعلا إسماً واحداً كدار أجرد والثاني ما لا يتأتّى فيه الإعراب نحو: (كۤهيعۤصۤ) و (الۤمۤر). أما النوع الأول فيسوغ فيه الأمران: الإعراب والحكاية، قال الشاعر: شعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلاّ تلا حاميم قبل التقدّم تفسير : فاعرب حاميم، ومنعَها من الصرف لاجتماع السببين فيها: العلَميةُ والتأنيثُ، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها. وأما النوع الثاني، فهو محكيٌّ لا غير، وإن أبقيتها على معانيها الحرفيّة، فإن قدرت بالمؤلَّف من هذه الحروف كان في حيّز الرفع بالابتداء والخبر. وإن جعلتها مقسَما بها، تكون كلّ كلمة منها منصوبة أو مجرورة على اللغتين المذكورتين في (الله أفعلنّ كذا)، ويكون جملة قَسَميّة بالفعل المقدّر له. وإن جعلتها أبعاض كلمات، أو أصواتاً نازلة منزلة حروف التنبيه، لم يكن لها محلٌّ من الإعراب، كالجمل المبتدأة، والمفردات المعدودة، ويوقَف عليها وقف التمام إذا قدّرت بحيث لا يحتاج الى ما بعدها. ولقائل أن يقول: فما وجه قراءة من قرأ: صاد وقاف ونون، مفتوحات. قلنا: الأوْلىٰ كون ذلك نصباً لا فتحاً، وإنما لم يصحبها التنوين لامتناعها من الصرف على ما مرّ، وانتصابها بتقدير فِعْل القسَم، كما هو المختار، أو بنحو: اذكر. وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في حـمۤ وطسۤ ويسۤلو قرأ به. وحكى السيرافي إنّ بعضهم قرأ ياسينَ (بالفتح) ويجوز أن يقال: حُرّكت لالتقاء الساكنين كما قرىء: ولا الضالين. تنبيهات: الأول: ما وجه انّ هذه الأسامي مكتوبةٌ في المصاحف على صوَر الحروف المسمّيات، مع انّ الملفوظ والمكتوب من حقائق الأشياء، أسماؤها لا مسمّياتها. قلنا: لأنّ العادة جاريةٌ في أنها متى تهجّيت أن تُلفظ بالأسماء، ومتى كُتبت أن تُكتب بالحروف أنفسها، وقد اتّقفت في خطّ المصحَف أشياء خارجة عن مقائيس علم الخطّ والهجاء، ولا ضير في ذلك ولا نقص، لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ. وكان اتّباع خطّ المصحَف سنّة معمولاً بها، على أن شهرة أمرها، وإقامة الألسُن لها، وأن التلفّظ بها لا على نهج التهجّي، غير مفيد لمعنى، وانّ بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عيله من مورده، أمنت وقوع اللبس فيها. الثاني: ليس شيء من هذه الفواتح آية عند من عدا الكوفيين، وأما عندهم فبعضها آية واحدة كالۤمۤ في مواقعها وهي ستّة، والۤمۤصۤ، وكۤهيعۤصۤ، وطه، وطسۤمۤ، وحـمۤ، ويسۤ. وبعضها وهو حمۤ عۤسۤقۤ آيتان. والبواقي ليست بآيات، وهذا علْم توقيفي لا مجال للقياس فيه. الثالث: هل يجوز إرادة القسَم في المحكيّة كما جاز في المعربة؟ نعم، ولك أن تقدّر حرف القسَم مضمَراً في نحو قوله تعالى: {أية : حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [الدخان:1-2]. كأنه قيل: أُقسِمُ بهذه السورة وبالكتاب المبين، {إنَّا جَعَلْنَاهُ...} وأما قوله (صلّى الله عليه وآله): حـمۤ لا ينصرون فيصلح أن يكون منصوباً ومجروراً، جميعها على حذف الجار وإضماره.

الجنابذي

تفسير : تحقيق مراتب الوجود وانّه حقيقة واحدة مشكّكة {الۤمۤ}، اعلم انّ الوجود حقيقة واحدة متأصّلة فى التحقّق ظاهرة فى مراتب كثيرة متفاوتة بالشدّة والضّعف والتقدّم والتأخّر متكثّرة بحسب تكثّر التّعيّنات الّتى نشأت من تنزّلاتها والتعيّنات تابعة لها فى التحقّق مجعولة بمجعوليّتها معلولة بمعلوليّتها لا حكم لها فى انفسها لانّها من حيث هى ليست الاّ هى لا معدومة ولا موجودة ولا موصوفة بشيء من توابعهما، والمدارك الحيوانيّة لتقيّدها بالتعيّنات الكثيرة لا تدرك الاّ الموجودات المقيّدة بالتعيّنات من حيث هى مقيّدة ولذا تتوهّم انّ الاصل فى التحقّق والمجعول بالذّات والمحكوم عليه هى التعيّنات وانّ الوجودات امور اعتباريةً لا حقيقة لها ولا عليّة ولا معلوليّة فيها. واعلم ايضاً انّ مرتبة من تلك الحقيقة غيب مطلق لا خبر عنها ولا اسم لها ولا رسم والاخبار عنها بأن لا خبر عنها من قبيل الأخبار عن المعدوم المطلق بأنه لا خبر عنه والاسم الّذى استأثره الله تعالى لنفسه ولم يظهره لغيره هو فى تلك المرتبة، ومرتبة منها ظهور المرتبة الاولى وتجلّيه تعالى بأسمائه وصفاته وذلك الظّهور يسمّى باعتبارٍ بالواحديّة وباعتبارٍ بالمشيئة كما يسمّى باعتبارٍ بالعرش وباعتبارٍ بالكرّسى وباعتبارٍ بالله وباعتبارٍ بالعلىّ وهى كلمة الله وفعل الله واضافته الاشراقيّة ونور الله فى السّماوات والارض وتسمّى بنفس الرّحمن للتّشبيه بنفس الانسان وهى البرزخ بين الوجوب والامكان والجامع بين الاضداد كلّها وفى تلك المرتبة يجئ الكثرة كما شئت بحسب كثرة الاسماء والصّفات وبحسب كثرة التعيّنات: تحقيق معنى بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وما قيل انّ بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس بشئ منها، اشارة الى تلك المرتبة؛ والاّ فمرتبة الوجوب الذّاتىّ لا خبر عنه كما مرّ ووجه كونها كلّ الاشياء انّها ماخوذة لا بشرط والمأخوذ لا بشرطٍ لا ينافى المأخوذ بشرطٍ بل هو مقطوع النّظر عن الشّرط وما ورد فى الايات والاخبار فى بيان هذا الاتّحاد مشيراً الى بقاء المغايرة بين هذه المرتبة وبين الاشياء مثل قوله تعالى {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ} تفسير : [الحديد: 4] وقوله تعالى {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115] وقوله {أية : أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ } تفسير : [فصلت: 54] وقوله {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35] وقول المعصوم (ع) داخل فى الاشياء لا بالممازجة وقوله (ع) ما رأيت شيئاً الاّ ورأيت الله فيه وغير ذلك ممّا يدلّ على الاتّحاد والمغايرة اجود من قولهم بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس بشيئ من الاشياء، حيث يحتاج الى هذا القيد ويوهم اتّحاده مع الاشياء ومن حيث انّها مقيّدة بقيودها ومراتب منها ظهورات تلك المرتبة بحسب تنزّلاتها وترقيّاتها وتكثّراتها بحسب التعيّنات وتلك المراتب هى الّتى تسمّى باعتبار بالملائكة الّذين هم قيام لا ينظرون والصّافات صفّاً والمدبّرات امراً والرّكّع والسجّد وعالم الكون المنقسم الى السّماويّات والارضيّات، وباعتبارٍ بالاقلام العالية واللّوح المحفوظ ولوح المحو والاثبات وعالم العين المنقسم الى الاباء العلويّة والامّهات السّفليّة ودار الجنّة وكلّ تلك المراتب نازلها مثال وظهور لعاليها وعاليها حقيقة لنازلها والانسان الّذى هو خلاصة جملة الموجودات ايضاً له مراتب كمراتب العالم وكلّ مرتبة منه حقيقة او رقيقة لما سواه فكلّما يجرى على لسان بشريّته رقيقة وتنزّل وظهور لما يجرى على لسان مرتبة مثاله، وما يجرى على لسان مثاله رقيقة لما يجرى على لسان قلبه، وهكذا وكلّ تلك رقائق لما ثبت فى المشيّة وفضل الانسان بقدر الاستشعار بتلك المراتب والاتّصال بها، ومن لا يدرك من الانسان سوى البشريّة فقدره قدر البهيمة واكثر النّاس غافلون عن تلك المراتب لا يدركون من الانسان سوى ما فى ظاهره والمستشعر بتلك المراتب والمتحقّق بها اذا تكلّم هو او غيره بكلمة يستشعر بحقائق تلك الكلمة وصور حروفها فى المراتب العالية او يتحقّق بها. تحقيق جريان الحروف المقطّعة على لسان المنسلخ عن هذا البنيان وما قيل: انّ كلّ حرف من القرآن فى الالواح العالية اعظم من جبل احد؛ صحيح عند هذا الاستشعار او التحقّق، وقد يتحقّق الانسان بالمراتب العالية او يستشعر بها اوّلاً ثمّ ينزّل من تلك المراتب على بشريّته الكلمات الّتى هى رقائق ما يظهر عليه من الحقائق فى تلك المراتب، وقد نقل عن بعض انّه كان اذا سمع كلمة دالّة على المعانى العالية او ذكر كلمة كذلك يأخذه الغشى وينسلخ من بشريّته وربّما كان يتكلّم حين الغشى بالحقائق الالٰهيّة وقد كان رسول الله (ص) يأخذه حالة شبيهة بالغشى حين نزول الوحى وكان (ص) قد يظهر عليه الحقائق حينئذٍ فى تلك المراتب بنحو التّفصيل وتنزّل على بشريّته ايضاً بنحو التَّفصيل وتسمّى النّازلة بكلام الله وبالحديث القدسى، وقد يظهر الحقائق بنحو الاجمال والبساطة وتنزّل على بشريّته كذلك فيعبّر عنها بطريق الاجمال وبالحروف المقطّعة مثل فواتح السّور. معنى تأويل القرآن وبطونه وتأويل القرآن عبارة عن ارجاع الفاظه الى حقائقها الثابتة فى تلك المراتب، وبطون القرآن عبارة عن الحقائق الثابتة فى تلك المراتب ولكن المراتب باعتبار كليّاتها سبعاً وباعتبار جزئيّاتها ترتقى الى سبعمائة الف اختلف الاخبار فى تحديد البطون ولعدم امكان التّعبير عن تلك الحقايق للرّاقدين فى مراقد الطّبع الاّ بالامثال كما يظهر الحقائق العينيّة للنّائمين عن هذا العالم بالامثال اختلف الاخبار فى تفسر فواتح السّور وما ورد فى تفسيرها صريحاً او تلويحاً تبلغ اثنى عشر وجهاً فنقول: {الۤمۤ}، امّا بعض حروف الاسم الاعظم القى اليه (ص) تنبيهاً له (ص) حتّى يؤلّفه ويدعو به او هو من الأسرار الّتى لا يطلع عليها احداً او هو مأخوذ من حروف الكلمات الّتى هي اشارة اليها مثل انا الله المجيد او هو مأخوذ من حروف الاسماء الّتى هي اشارة اليها مثل الله، جبرئيل (ع) محمّد (ص) او هو اسم للسّورة او للقرآن كما قيل او هو اسم لله أو لمحمّد (ص) او هى اسماء للحروف البسيطة المركّب منها الكلمات، والمقصود انّ المؤلّف، من مسمّياتها هذا القرآن او السّورة وهى لغتكم وانتم عاجزون عن مثله او هو اشارة الى مراتب وجود العالم او مراتب وجوده (ص) او هو اشارة الى بد وظهور اقوام وآجالهم. فى الوجوه المحتملة فى اعراب فواتح السور وعدم اعرابها وقد ذكر اكثر هذه الوجوه فى الاخبار صريحاً وما لم يذكر صريحاً يستفاد منها تلويحاً وسائر ما قيل فيها ضعيف جدّاً وما يترتّب عليها من جهة خواصّها ومزاجها واعدادها فخارج عن اسلوب العربيّة، فإن كان حروف الاسم الاعظم فامّا ان يكون له محلّ من الاعراب اولا، فان كان ذا محلّ من الاعراب فامّا ان يكون مبتدء محذوف الخبر او خبراً محذوف المبتدأ او مفعولاً لمحذوف مثل اذكر او ادع او الّف ممّا يناسب المقام او هو مقسم به منصوبَ بفعل القسم او مبتدأ لما بعده او خبر لما بعده او منادى بتقدير حرف النّداء فهذه ثمانية اوجهٍ تجرى بأعيانها او بامثالها فى جميع الوجوه المحتملة فى {الۤمۤ} الّتى هى اثنا عشر ويحصل من ضرب الثمانيّة فى الاثنى عشر ستّة وتسعون وجهاً ويجرى فى كلّ وجوه عديدة من الاعراب بحسب تركيبه مع ما بعده ونذكر وجوه الاعراب فى واحد من الستّة والتّسعين لتكون ميزاناً للباقى فنقول اذا كان {الۤمۤ} مأخوذا من حروف الاسم الاعظم وكان مبتدء محذوف الخبر تقديره {الۤمۤ} حروف الاسم الاعظم مثلاً فذلك بدل منه او عطف بيان والكتاب صفة لذلك او بدل منه ولا ريب على قراءة الفتح والرّفع "لا" فيه لنفى الجنس او عاملة عمل ليس او ملغاة عن العمل فتلك اثنى عشر والجملة حال او مستأنفة فتلك اربعة وعشرون وخبر "لا" محذوف لشيوع حذف خبر لا حتّى قيل انّه لا خبر لها وفيه صفة لريب او حال عنه لوقوعه فى سياق النفى او حال عن {الۤمۤ} فتلك اثنان وسبعون وهدى حال من الرّيب او من {الۤمۤ} او صفة لريب او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف بالوجوه الثّلثة فى حمل المصدر على الذّات او تمييز فتلك ستّة عشر وجهاً مضروبة فى الاثنين والسّبعين فيحصل الف ومئة واثنان وخمسون 1152 و {للمتّقين} صفة لهدى او لريب او حال عن الم او عن ريب او خبر مبتدء محذوف او ظرف لغو متعلّق بهدى او بفيه فتلك سبعة مضروبة فى سابقتها تحصل ثمانية آلاف واربعة وستّون 8064، او على الوجوه الاربعة والعشرين الحاصلة عند تركيب لا ريب، لفظ فيه خبر مقدّم {وهدى} مبتدء مؤخّر والجملة صفة لريب او حال منه او حال من الم او مستأنفة فتلك ستّة وتسعون و {للمتّقين} على الوجوه الثمانية باضافة وجه كونه خبراً بعد خبر الى الوجوه السبعة السّابقة فتلك بعد الضّرب سبعمائة وثمانية وستّون تجمع مع الوجوه السّابقة تحصل ثمانية آلاف وثمانمائة واثنان وثلثون 8832، او على الوجوه الاربعة والعشرين {هدى} مبتدء وللمتّقين خبره والمسوّغ تقديم فيه وفيه حال عن هدى او ظرف لغو متعلّق بالخبر او متعلّق بهدى على ضعف والجملة على الوجوه الاربعة فتلك اثنا عشر تضرّب فى الاربعة والعشرين وتحصل مئتان وثمانية وثمانون وتجمع مع السّابقة حتّى تحصل تسعة آلاف ومائة وعشرون 9120، أو نقول على الوجوه الاربعة والعشرين "فيه" خبر لا وهدى صفة للرّيب او حال عنه او عن الم او خبر بعد خبر او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف بالاوجه الثّلاثة فى حمل المصدر او هدى تميز وللمتّقين صفة بالوجهين او حال بالوجهين او خبر مبتدء محذوف او خبر بعد خبر او لغو بالوجهين فهذه ثلاثة آلاف وستّمائةٍ وثمانية واربعون 3648 أو نقول على الوجوه الاربعة والعشرين فيه صفة لريب او حال عنه او عن "الۤمۤ" وهدى على الوجوه الثّلاثة فى حمل المصدر خبر لا وللمتّقين على الوجوه الثّمانية وبعد الضّرب تحصل الف وسبعمائةٍ وثمانية وعشرون 1728، أو نقول على الاربعة والعشرين فيه على الوجوه الثّلاثة وهدى على التّسعة عشر وللمتّقين خبر لا تحصل بعد الضّرب الف وثلاث مئة وتسعة وستون 1369، أو نقول على الوجوه الاربعة والعشرين فيه هدى جملة معترضة او صفة او حال بالوجهين وللمتّقين خبر لا فهذه بعد الضّرب ستّة وتسعون 96، أو نقول على الاربعة والعشرين فيه هدى خبر لا وللمتّقين على الوجوه التّسعة باضافة كونه خبراً بعد خبر لهدى الى الثّمانية السّابقة فهذه مأتان وستّة عشر 216، أو نقول على الاربعة والعشرين فيه هدى للمتّقين جملة واحدة خبر لا وفيه لغو متعلّق بقوله للمتّقين او بهدى او حال عن هدى فهذه اثنان وسبعون 72 تجمع وتضاف الى مجموع الحاصل السّابق تحصل ستّة عشر الفاً ومائان وتسعة واربعون 16249 او نقول ذلك بدل او عطف بيان على تقدير كون "الۤمۤ" مبتدء محذوف الخبر والكتاب مبتدء وما بعده خبره والجملة حال او مستأنفة والخبر لا ريب محذوف الخبر على الثّلاثة في لفظ لا وفيه صفة الرّيب او حال منه وامّا كونه خبراً بعد خبر او حالاً عن "الۤمۤ" او عن الكتاب فضعيف جدّاً لاحتياج لا ريب حينئذٍ الى تقدير عائد للمبتدء وهدى صفة للرّيب او حال عنه او عن "الۤمۤ" او عن الكتاب او خبر بعد خبر للكتاب او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف بالاوجه الثّلاثة فى حمل المصدر او هدى تميز وللمتّقين صفة لهدى او لريب او حال عن "الۤمۤ" او عن الكتاب او عن الرّيب او خبر بعد خبر او خبر مبتدء محذوف او ظرف لغو متعلّق بهدى او بفيه فهذه بعد الضّرب اربعة آلاف وسبعمائة واثنان وخمسون 4752، او نقول على الوجوه الاثنى عشر حين كون لا ريب محذوف الخبر خبراً للكتاب فيه هدى صفة لريب او حال منه او من الكتاب او من "الۤمۤ" او خبر بعد خبر او جملة مستأنفة وللمتّقين على العشرة باضافة كونه خبرا بعد خبر لهدى الى التّسعة السّابقة تحصل بعد الضّرب سبعمائة وعشرون 720 او نقول على الاثنى عشر هدى للمتّقين جملة على السّتة وفيه حال من هدى او لغو متعلّق بقوله للمتّقين او بهدى فهذه مأتان وستّة عشر 216، او نقول على الاثنى عشر خبر لا ريب لفظة فيه وهدى صفة للرّيب او حال منه او من "الۤمۤ" او من الكتاب او خبر بعد خبر للكتاب او خبر بعد خبر للا ريب او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف بثلاثة اوجه فى حمل المصدر او تميز وللمتّقين صفة هدى او صفة ريب او حال عن الرّيب او عن "الۤمۤ" او عن الكتاب او خبر بعد خبر للكتاب او للا ريب او خبر مبتدء محذوف او لغو متعلّق بهدى او بفيه فهذه ثلثة آلاف 3000، او نقول على الوجوه الاثنى عشر فيه صفة لريب او حال عنه او عن الكتاب وهدى خبر لا ريب على الوجوه الثلاثة فى المصدر وللمتّقين على العشرة فهذه الف وثمانون 1080، او نقول على الاثنى عشر فيه على الثّلاثة وهدى على الاثنين والعشرين وللمتّقين خبر لا او على الاثنى عشر فيه هدى صفة او حال عن الرّيب او عن الكتاب او خبر بعد خبر وللمتّقين خبر لا او على الاثنى عشر فيه هدى خبر لا وللمتّقين على العشرة او فيه هدى للمتّقين خبر لا فهذه تسعمائةٍ واثنان وسبعون يجمع مع سابقتها فتصير عشرة آلاف وسبعمائة وستّين 10760 تضاف عليها المجموع السّابق فتصير سبعة وعشرين الفاً وتسعة 27009، او نقول ذلك بدل او عطف بيان والكتاب مبتدء والجملة حال او مستأنفة ولا ريب محذوف الخبر على الثّلاثة حال او معترضة وفيه خبر الكتاب وهدى على الاثنين والعشرين وللمتّقين على التّسعة فهذه بعد الضّرب تصير اربعة آلاف وسبعمائة واثنين وخمسين 4752، او نقول ذلك بدل او عطف بيان والكتاب معطوف مبتدء والجملة على الوجهين ولا ريب محذوف الخبر على السّتّة وفيه صفة لريب او حال عنه او عن الكتاب وهدى على الثّلاثة خبر الكتاب وللمتّقين على التّسعة فهذه الف وتسعمائة واربعة واربعون 1944، او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب لفظ فيه خبر لا وهدى على الثّلاثة خبر الكتاب وللمتّقين على التّسعة فهذه ستّمائة وثمانية واربعون 648، او نقول ذلك بدل او عطف بيان والكتاب مبتدء والجملة على الوجهين والخبر للمتّقين ولا ريب محذوف الخبر على السّتة وفيه على الثّلاثة وهدى صفة لريب او حال منه او من الكتاب او خبر مبتدء محذوف بالاوجه الثّلاثة فى المصدر او تميز فهذه الف ومائة واثنان وخمسون 1152، او نقول على الاربعة والعشرين عند تركيب لا ريب حين كون للمتّقين خبر الكتاب فيه خبر لا وهدى خبر بعد خبر او صفة للريب او حال عنه او عن الكتاب او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف على الثّلاثة فى حمل المصدر او تميز فهذه اربعمائة وستّة وخمسون 456، او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب حين كون خبر الكتاب للمتّقين فيه على الثّلاثة وهدى خبر لا على الثلاثة او على الاربعة والعشرين فيه هدى خبر لا فهذه مئتان واربعون 240، او نقول ذلك بدل او عطف بيان والكتاب مبتدء والجملة على الوجهين ولا ريب محذوف الخبر على السّتة وخبر الكتاب فيه هدى وللمتّقين على التّسعة او على الاربعة والعشرين فيه هدى للمتّقين خبر الكتاب فهذه مئتان واربعون تجمع مع سابقتها وتضاف الى المجموع فتصير ستّة وثلثين الفاً واربعمائة وواحداً واربعين 36441، او نقول "الۤمۤ" محذوف الخبر وذلك مبتدء والكتاب خبره والجملة حال او مستأنفة ولا ريب محذوف الخبر على الثّلاثة فى لفظ لا خبر بعد خبر او حال عن "الۤمۤ" او عن ذلك او مستأنفة وفيه خبر بعد خبر او صفة للريب او حال عنه او عن ذلك او عن "الۤمۤ" وهدى صفة للريب او حال عنه او عن ذلك او عن "الۤمۤ" او خبر بعد خبر او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف بالاوجه الثّلاثة فى حمل المصدر او تميز وللمتّقين صفة هدى او صفة ريب او حال عن الريب او عن ذلك او عن "الۤمۤ" او خبر بعد خبر او خبر مبتدء محذوف او ظرف لغو بالوجهين فهذه ثلاثة وعشرون الفاً وسبعمائةٍ وستّون 23760، او نقول ذلك مبتدء والكتاب خبره والجملة على الوجهين ولا ريب على الاثنى عشر وجملة فيه هدى على الخمسة وللمتّقين على التّسعة او على الاربعة والعشرين الحاصلة عند تركيب لا ريب جملة فيه هدى للمتّقين على الخمسة وفيه على الاربعة بجعله حالاً عن هدى او ظرفاً للخبر او لهدى او خبراً مقدّماً فهذه الف وخمسمائةٍ وستّون 1560، او نقول جملة ذلك الكتاب على الوجهين ولا ريب على الاثنى عشر وفيه خبر لا وهدى خبر بعد خبر للا ريب او لذلك او خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف او صفة ريب او حال عنه او عن ذلك او عن "الۤمۤ" بثلاثة اوجه فى المصدر او تميز وللمتّقين خبر بعد خبر بالوجهين او خبر مبتدء محذوف او صفة هدى او صفة ريب او حال عن الرّيب او عن ذلك او عن "الۤمۤ" او ظرف لغو متعلّق بهدى او بفيه فهذه ستّة آلاف 6000، او نقول جملة ذلك الكتاب على الوجهين ولا ريب على الاثنى عشر وفيه صفة ريب او حال عنه او عن "الۤمۤ" او عن ذلك وهدى على الثّلاثة خبر لا وللمتّقين على العشرة فهذه الفان وثمان مئة وثمانون 2880، او نقول على الاربعة والعشرين عند تركيب لا ريب فيه على الاربعة وهدى على التّسعة عشر وللمتّقين خبر لا فهذه الف وثمانمائة واربعة وعشرون 1824 او نقول على الاربعة والعشرين فيه هدى خبر لا وللمتّقين على العشرة او فيه هدى للمتّقين بالوجوه الاربعة فى لفظ فيه خبر لا فهذه ثلاثمائةٍ وستّة وثلاثون 336، تجمع مع سابقتها وتضاف الى المجموع الحاصل السّابق فتصير اثنين وسبعين الفاً وثمانمائةٍ وواحداً 72801، او نقول ذلك مبتدء والجملة على الوجهين والكتاب بدل او عطف بيان ولا ريب محذوف الخبر على الثّلاثة خبر ذلك وفيه على الخمسة وهدىً على الاثنين والعشرين وللمتّقين على التّسعة فهذه احد عشر الفاً وثمانمائةٍ وثمانون 11880، او نقول على الاثنى عشر عند تركيب لا ريب لفظ فيه خبر لا وهدىً على الخمسة والعشرين وللمتّقين على العشرة فهذه ثلاثة آلاف 3000، او نقول على الوجوه الاثنى عشر عند لا ريب جملة فيه خبر لا وللمتّقين على العشرة او جملة فيه هدى للمتّقين بالوجوه الاربعة فى لفظ فيه خبر لا فهذه مائة وثمانية وستّون 168، او نقول على الوجوه الاثنى عشر عند لا ريب لفظ فيه على الاربعة وهدىً خبر لا بالثّلاثة وللمتّقين على العشرة فهذه الف واربعمائة واربعون 1440، او نقول على الاثنى عشر عند لا ريب لفظ فيه على الاربعة وهدىً على التّسعة عشر وللمتّقين خبر لا فهذه تسعمائة واثنا عشر 912، او نقول على الاثنى عشر عند لا ريب للمتّقين خبر لا وفيه هدىً على الخمسة باضافة كونها جملة معترضة فهذه ستّون 60 تجمع مع سابقتها وتضاف الى مجموع الحاصل السّابق فتصير تسعين الفاً وتسعمائة وثلاثة وخمسين 90953، او نقول ذلك مبتدء والجملة على الوجهين والكتاب بدل او عطف بيان ولا ريب محذوف الخبر على السّتة وفيه خبر ذلك وهدىً على الاثنين والعشرين وللمتّقين على التّسعة فهذه اربعة آلاف وسبعمائة واثنان وخمسون 4752، او نقول على الاربعة والعشرين عند تركيب لا ريب محذوف الخبر لفظ فيه على الاربعة وهدىً على الثّلاثة خبر ذلك وللمتّقين على التّسعة او على الاربعة والعشرين فيه خبر لا وهدىً على الثلاثة خبر ذلك وللمتّقين على العشرة او فيه على الاربعة وهدىً على الثّلاثة خبر ذلك وللمتّقين خبر لا على ضعف فهذه ثلاثة آلاف وستّمائة 3600 او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب محذوف الخبر لفظ فيه على الاربعة وهدىً على التّسعة عشر وللمتّقين خبر ذلك او فيه هدىً على الاربعة او على الاربعة والعشرين للمتّقين خبر ذلك وفيه خبر لا وهدىً على الاثنين والعشرين او على الاربعة والعشرين للمتّقين خبر ذلك وفيه على الاربعة وهدىً خبر لا بالثلاثة او على الاربعة والعشرين للمتّقين خبر ذلك وفيه هدىً خبر لا فهذه الفان وسبعمائة وستّون 2760، او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب محذوف الخبر فيه هدىً خبر ذلك وللمتّقين على التّسعة او للمتّقين خبر لا او فيه هدىً للمتّقين بالوجوه الاربعة فى لفظ فيه خبر ذلك فهذه ثلاثمائةٍ وستّة وثلاثون 336 تجمع مع سابقتها وتضاف الى مجموع الحاصل السّابق فتصير مائة الف والفين واربعمائة وواحداً 102401، او نقول على تقدير كون "الۤمۤ" محذوف الخبر ذلك مبتدء والكتاب مبتدئان والجملة على الوجهين ولا ريب محذوف الخبر بالثّلاثة خبر المبتدء الثّانى وفيه صفة للريب او حال منه او من الكتاب او من ذلك او "الۤمۤ" او خبر بعد خبر لذلك او للكتاب وهدىً خبر بعد خبر بالوجهين او صفة الرّيب او حال منه او من الكتاب او من ذلك او من "الۤمۤ" او خبر مبتدأ محذوف او مفعول فعل محذوف بالثلاثة فى حمل المصدر او تميز وللمتّقين صفة لهدىً او لريب او حال بالوجوه الاربعة او خبر بعد خبر بالوجهين او خبر مبتدء محذوف او ظرف لغو بالوجهين فهذه اثنا عشر الفاً وتسعمائة وستّة وثلاثون 12936، او نقول على السّتة عند لا ريب لفظ فيه خبر لا وهدىً خبر بعد خبر للا ريب او للكتاب او لذلك او صفة لريب او حال بالوجوه الاربعة او خبر مبتدأ محذوف او مفعول فعل محذوف بالوجوه الثّلاثة فى المصدر او تميز وللمتّقين صفة لهدىً او لريب او حال بالاربعة او خبر بعد خبر بالثلاثة او خبر مبتدأ محذوف او ظرف لغو بالوجهين فهذه الفان ومائتان واثنان وثلاثون 2232، او نقول على السّتة عند لا ريب لفظ فيه على السّبعة وهدىً على الثلاثة خبر لا وللمتّقين على الاثنى عشر فهذه الف وخمسمائة واثنا عشر 1512، او نقول على السّتّة عند لا ريب لفظ فيه على السّبعة وهدىً على الاحد والثّلاثين وللمتّقين خبر لا او على السّتّة عند لا ريب فيه هدىً على السّبعة وللمتّقين خبر لا او فيه هدىً للمتّقين بالاربعة فى لفظ فيه خبر لا او فيه هدىً خبر لا وللمتّقين على الاثنى عشر فهذه الف واربعمائة واربعون 1440، او نقول ذلك مبتدء والكتاب مبتدئان والجملة على الوجهين ولا ريب محذوف الخبر بالثّلاثة فى لفظ لا معترضة او حال عن الكتاب او عن ذلك او عن "الۤمۤ" وفيه خبر الكتاب وهدىً صفة ريب او خبر بعد خبر بالوجهين او حال بالوجوه الاربعة او خبر مبتدأ محذوف او مفعول فعل محذوف بالثّلاثة فى لفظ المصدر او تميز وللمتّقين صفة بالوجهين او حال بالاربعة او خبر بعد خبر بالوجهين او خبر مبتدأ محذوف او ظرف لغو بالوجهين فهذه سبعة آلاف وثلاثمائة واثنان وتسعون 7392، او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب لفظ فيه صفة او حال بالاربعة وهدىً بالثلاثة خبر الكتاب وللمتّقين بالاحد عشر فهذه ثلاثة آلاف وتسعمائةٍ وستّون 3960، او نقول على الاربعة والعشرين فيه خبر لا وهدىً بالثّلاثة خبر الكتاب وللمتّقين على الاحد عشر فهذه سبعمائة واثنان وتسعون 792، او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب لفظ فيه على الخمسة وهدىً صفة او حال بالاربعة او خبر مبتدأ محذوف او مفعول فعل محذوف بالثّلاثة فى لفظ المصدر او تميز وللمتّقين خبر الكتاب او على الاربعة والعشرين فيه خبر لا وهدىً على الخمسة والعشرين بزيادة كونه خبراً بعد خبر للا ريب على الوجوه السّابقة وللمتّقين خبر الكتاب او على الاربعة والعشرين فيه هدىً خبر لا وللمتّقين خبر الكتاب او فيه على الخمسة وهدىً خبر لا بالثّلاثة او على الاربعة والعشرين عند لا ريب محذوف الخبر فيه هدىً على الخمسة وللمتّقين خبر الكتاب فهذه ثلاثة آلاف وسبعمائة واربعة واربعون 3744، او نقول على الاربعة والعشرين عند لا ريب محذوف الخبر فيه هدىً خبر الكتاب وللمتّقين على الاحد عشر او فيه هدىً للمتّقين بالاربعة فى لفظ فيه خبر الكتاب فهذه مئتان واربعة وستّون 264 تجمع مع سابقتها وتضاف الى مجموع الحاصل السّابق فتصير مائة وستّة وثلاثين الفاً وستّمائة وثلاثة وسبعين 136673. وهذه وجوه الوجه الواحد من الوجوه السّتة والتّسعين واذا ضرب هذه فى السّتة والتّسعين تحصل ثلاثة عشر الف الف ومائة وعشرون الفاً وستّمائة وثمانية 13120608، وعلى الوجوه المندرجة السّابقة.

الأعقم

تفسير : الكلام: في أوائل السور مثل {الم} و{الر} و{حم} و{طس} و{طسم} و{المص} و{كهيعص} قيل: هي أسماء للسور، وقيل: أسماء لله تعالى، روي: ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان يقول في دعائه: "يا حم يا طس يا كفها"، وقيل: مأخوذة من اسماء الله تعالى، وقيل: أسماء كانت العرب تكاتب بها فنزل القرآن عليها فلم يأتوا بمثله فدلَّ على انه معجزٌ. {ذلك الكتاب} اشارة الى ما تقدم إنزاله، وقيل: ذلك بمعنى هذا. {لا ريب فيه} اي لا شك فيه، قال الشاعر: شعر : ليس في الحق يا أميمة ريبٌ انما الريبُ ما يقول الكذوبُ تفسير : {هدىً للمتقين} قيل: جمع التقوى في قوله تعالى: {أية : إِن الله يأمر بالعدل والإِحسان} تفسير : [النحل: 90] الآية. وعن ابن عباس: المتقي الذي يتقي الشر والكبائر والفواحش، قال في الثعلبي عن ابن عمر: المتقي ان لا ترى نفسك خيراً من أحد، وقال أيضاً: المتقي الذي يقول لكل من رآه من المسلمين هوَ خير مني، وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى الا اذا كان يحب لو جُعِل ما في قلبه على طبق فيطاف به في السوق لم يستح من شيء عليه، روي ذلك في الثعلبي ايضاً وخصَّ المتقون بالذكر لانتفاعهم، وقيل: المتقي الذي يحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشريك لشريكه قال الشاعر: شعر : حل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى كن شبه ماشٍ فوق ارض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إنّ الجبال من الحصى تفسير : {بالغيب} قيل: هو اللوح، وقيل: هو القرآن وسائر ما اخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من البعث وغيره، وقيل: قول لا اله الا الله، وقيل: الآخرة وما فيها، وقيل: خوف الله بالسر والعلانية. {ويقيمون الصلاة} اقامتها تعديل أركانها وحفظها من ان يقع الزيغ في فرائضها وسننها، وقيل: انه ادامتُها. {ومما رزقناهم ينفقون} من الزكاة، وقيل: على سبيل البر.

الهواري

تفسير : تفسير سورة (البقرة). وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {الۤمۤ}. كان الحسن يقول: ما أدري ما تفسير {الۤمۤ وَ الۤر وَالۤمۤصۤ} وأشباه ذلك [من حروف المعجم]. غير أن قوماً من المسلمين كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتحها. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: {الۤر، حـمۤ، نۤ} هو الرَّحْمَنُ. يقول: إنه يجعلها اسماً من أسماء الله حروفاً مقطعة في سور شتى، فإذا جمعها صار اسماً من أسماء الله، وهو مبتدأ الاسم. وكان الكلبي يقول: هي الأُخَر المتشابهات. قال: "حديث : بلغنا أن رهطاً من اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن {الۤمۤ ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:1-2] فقال حيي: إنه بلغني أنك قرأت {الۤمۤ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ}. أناشدك الله، إنها أتتك من السماء؟ فقال رسول الله: نعم، والله لكذلك نزلت. قال حيي: إن كنت صادقا أنها أتتك من السماء إني لأعلم أُكُل هذه الأمة. ثم نظر حيي إلى أصحابه فقال: كيف ندخل في دين رجل إنما ينتهي أُكُل أمته إلى إحدى وسبعين سنة. فقال له عمر: وما يدريك أنها إحدى وسبعون سنة؟ فقال لهم حيي: أما الألف فهي في الحساب واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له حيي: هل غير هذا؟ فقال: نعم. قال: ما هو؟ قال: {الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 1-2]. فقال: هذا أكثر من الأول: هذا إحدى وثلاثون ومائة سنة؛ نأخذه من حساب الجُمَّل. قال: هل غير هذا؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} [هود:1]. قال حيي: هذه أكثر من الأولى والثانية. فنحن نشهد لئن كنتَ صادقاً ما ملك أُمتِك إلا إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فاتَّق الله ولا تقل إلا حقاً. فهل غير هذا؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الرعد:1]. قال حيي: فأنا أشهد أنا من الذين لا يؤمنون بهذا القول، لأن هذه الآية أكثر؛ هذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. فلا أدري بأيِّ قولك نأخذ، وبأي ما أنزل عليك نتِّبع. قال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن ما أنزل الله على أنبيائنا أنه الحق، وأنهم قد بَيَّنوا على ملك هذه الأمة ولم يوقِّتوا كم يكون أُكلهم حتى كان محمد، فإن كان محمد صادقاً كما يقول، إني لأراه سيجمع لأمته هذا كله: إحدى وسبعين، وإحدى وثلاثين ومائة، وإحدى وثلاثين ومائتين، وإحدى وسبعين ومائتين [فهذه] سبعمائة وأربع سنين. فقال القوم كلهم: قد اشتبه علينا أمرك، فلا ندري بالقليل نأخذ أم بالكثير "تفسير : . فذلك قوله: {أية : هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}تفسير : [سورة آل عمران: 7] هن ثلاث آيات من آخر سورة الأنعام؛ أولاهن: (أية : قُلْ تَعَالُوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) تفسير : [الأنعام:151-153]. هذا في تفسير الكلبي. وفي تفسير غيره من السلف، فإنه يجعل الأَنعام مكيةً كلَّها. وكان هذا الأمرُ بالمدينة. قال الكلبي: وأمَّا المتشابه [فـ] {الۤمۤ} وَ {الۤمۤصۤ} وَ {الۤر}. قال الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} لهؤلاء النفر من اليهود، مما كانوا يحسبون من ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كم يكون أُكل هذه الأمة؛ ولا يعلم ما كتب الله لهذه الأمة من الأُكل، أي: المدة، إلا الله. وغير الكلبي يفسِّر المتشابهات على وجه آخر. وسنفسِّر ذلك في سورة آلِ عِمْرَانَ إن شاء الله.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الم}: كان الحسن يقول ما أدرى ما تفسير (الم والر والمص) وما أشبه ذلك، غير أن قوماً من المسلمين يقولون أسماء السورة ومفاتحها، ونقله الماوردى وغيره عن زيد بن أسلم، ونسبه فى الكشاف إلى الأكثر، سميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب، فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لن تتساقط مقدرتهم عن معارضتها، واختاره الخليل وسيبويه، ونسبه بعض إلى أكثر المتكلمين، ورده الفخر بأنها لو كانت أسماء السور لوجب اشتهارها بها، وقد اشتهرت بغيرها، كسورة البقرة وآل عمران، وعن على: الر وحم ونون: اسم الله الرحمن قيل ذلك ونحوه أسماء الله مقطعة، لو علم الناس تأليفها كلها لعلموا اسم الله الأعظم، وكذا نقله ابن عطية وهو مروى عن على وابن عباس، فإنهم ولو علموا جمع الرحمن لكنهم لا يعلمون سائر الأسماء، وقيل كل حرف مقطوع من أول اسم من أسماء الله، فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسم لطيف، والميم مفتاح اسم مجيد، واختاره الزجاج، وقيل الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه أو مجده، والعرب تشير إلى الكلمة أو الكلام، أى الحروف بذكر بعض، كما يقال: تعلمت ا ب ت ث، وتريد حروف التهجى كلها، وكما قال الراجز: شعر : قلت لها قفى فقالت لى قاف لا تسحبى إنا نسينا الإيجاف تفسير : أى الإسراع، والأصل: فقالت لى وقفت فاقتصر على ذكر القاف ولك كتبه هكذا، فقالـ لى ق ويقرأ قاف، كما نكتب {ق والقرآن} ونقرؤه قاف والقرآن، وكقوله: شعر : بالخير خيرات وإن شرافا ولا ما أريد الشر إلا أن تا تفسير : أراد وإن شرا فشر وإلا أن تشا، فاقتصر على التاء والفاء وأشبعهما، وكقوله: شعر : ناداهم ألا الجموا إلاتا قالوا جميعاً كلهم ألافا تفسير : أراد ألا فاركبوا، كذلك وعن ابن عباس: الم أنا الله أعلم، وقيل أسماء السور، وبه قال جماعة من المحققين، وعن ابن عباس: أقسام أقسم الله بها، وخص تلك الحروف لشرفها وفضلها، لأنها مبانى كتبه المنزلة، وأسماؤه الحسنى، والمراد كل الحروف وإن اقتصر على بعضها، وجواب القسم ما بعدهن، قلت: يعترض ذلك بأن منها ما لا يصلح ما بعده جواباً لقسم فلا يكون قسما، كقوله تعالى:{أية : الم أحسب الناس}تفسير : كما قال الكرمانى فى غرائبه: الاستفهام هنا يدل على انقطاع الحروف عما بعدها فى هذه السورة وغيرها، إلا أن يقال إنه يقدر الجواب حيث لا يصلح أن يكون ما بعدهن جواباً، ويرد قول القسم أن القسم فى لغة العرب إنما هو بحرف من حروف القسم، أو بنحو: حلفت أو لعمرك أو نحو ذلك، وإن قدر حرف القسم هكذا أو الألف كان فيه إضمار حرف القسم، وهو لا يجوز إلا مع لفظ الجلالة، ولو ادعى بعضهم جوازه هنا وجعل المقسم به منصوباً على نزع حرف القسم، أو مجروراً كما جاز فى لفظ الجلالة مع احتياج تقدير العاطف فى قوله (لام) وقوله (راء) وتقدير الجواب فى بعضها، وأخرج ابن جرير الطبرى عن ابن مسعود أن ذلك اسم الله الأعظم، وأخرج بن أبى حاتم من طريق السدى أنه بلغه عن ابن عباس أنه قال: الم الاسم الأعظم من أسماء الله، وهكذا أمثاله، وأخرج ابن جرير وغيره من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس: الم وطسم وص وأشباهها قسم، أقسم الله به، وهو من أسماء الله، وأخرج ابن ماجه فى تفسيره من طريق نافع بن أبى نعيم القارئ، عن فاطمة بنت على بن أبى طالب، أنها سمعت من على يقول يا كهيعص اغفر لى، ويقول يا حم عسق، ويبحث بأن المراد يا منزل كهيعص يا منزل حم عسق، وأخرج ابن أبى حاتم عن الربيع بن أنس فى قوله كهيعص يا من يجير ولا يجار عليه. وأخرج عن أشهب سألت ابن مالك بن أنس: أينبغى لأحد أن يتشكى بيس؟ قال: ما أراه ينبغى لقول الله:{أية : يس والقرآن الحكيم}تفسير : يقول هذا اسمى تسميت به، وقيل أهى أسماء للقرآن كالفرقان والذكر، أخرجه عبد الرزاق عن قتادة، وأخرجه ابن أبى حاتم بلفظ كل هجاء فى القرآن فهو اسم من أسماء القرآن، وإن قلت كيف تجعل أسماء من أسماء السور أو من أسماء القرآن، والاسم لا يتركب من ثلاثة أشياء؟ قلت: إنما يمتنع إذا ركبت أما إذا أسردت كأسماء العدد فلا امتناع، والمسمى هو مجموع السورة أو القرآن، والاسم جزء ذلك فلا اتحاد، والاسم مقدم من حيث ذاته، ومؤخر باعتبار كونه اسماً فلا دور، وإنما قلت لا اتحاد، لأن الجزء ليس عين الكل ولا جزءه. وأخرج ابن جرير من طريق الثورى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد: الم وحم والمص وص ونحوها، فواتح افتتح الله تبارك وتعالى بها القرآن. وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج عن مجاهد: الم الر المر فواتح يفتتح الله بها القرآن، قلت ألم يكن يقول هى أسماء؟ قال لا. وأخرج ابن أبى حاتم وغيره من طريق أبى الضحاك عن ابن عباس فى قوله تعالى: {الم} قال أنا الله أعلم، وفى قوله: {المص} أنا الله أفصل، وفى قوله تعالى: {الر} أنا الله أرى، وقيل المص معانه المصور، وقيل المر معناه الله أعلم وأرى، حكاهما الكرمانى فى غرائبه. وأخرج ابن أبى حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله: الم وحم ون اسم مقطع، وأخرج من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الر وحم ون حروف الرحمن معرفة. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظى: الر من الرحمن، وأخرج عنه أيضاً المص الألف من الله، والميم من الرحمن، والصاد من الصمد، وأخرج أيضاً عن الضحاك فى قوله عز وعلا فى: {المص} أنا الله الصادق، وأخرج الحاكم وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فى {كهيعص} قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق. وأخرج الحاكم أيضاً من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله جل وعلا: {كهيعص} قال كاف هاد أمين عزيز صادق، وأخرج عن ابن أبى حاتم من طريق السدى عن أبى مالك، وعن أبى صالح عن ابن عباس، وعن عروة عن ابن مسعود وناس من الصحابة فى: {كهيعص} قاله مجاهد مقطع: الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصور، وأخرج عن محمد بن كعب مثله إلا أنه قال والصاد من الصمد. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه وجهاً آخر عن سعيد عن ابن عباس فى قوله: {كهيعص} قال: كبير هاد أمين عزيز صادق، وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: الكاف الكافى، والهاء الهادى، والعين العالم، والصاد الصادق. وأخرج من طريق يوسف قال: سئل الكلبى عن {كهيعص} فحدث عن أبى صالح عن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : كاف هاد أمين عليم صادق"تفسير : وأخرج ابن أبى حاتم عن عكرمة فى قوله: {كهيعص} قال يقول: أنا الكبير أنا الهادى العلى الأمين الصادق، وأخرج محمد بن كعب فى قوله: {طه} الطاء من ذى الطول. وأخرج عنه أيضاً فى قوله: {طسم} الطاء من ذى الطول، والسين من قدوس، والميم من الرحمن، وأخرج عن سعيد بن جبير فى قوله: {حم} قال الحاء اشتقت من الرحمن وميم اشتقت من الرحيم، وأخرج عن محمد بن كعب فى قوله: {حم عسق} قال الحاء والميم من الرحمن، والعين من عليم، والسين من القدوس، والقاف من القاهر، وأخرج عن مجاهد قال: فواتح السور كلها هجاء مقطوع، وأخرج عن سالم بن عبد الله قال: الم وحم ون اسم الله مقطعة، وأخرج عن السدى قال: فواتح السور أسماء من أسماء الرب، فرقت فى القرآن وحكى الكرمانى فى قوله (قاف) إنه حرف من اسمه قادر وقاهر، وحكى غيره فى قوله {ن} مفاتح اسمه تعالى نور وناصر. وهذه الأقوال راجعة إلى قول واحد هو أنها حروف مأخوذة من أسمائه تعالى، وقيل فى طه ويس: يا رجل أو يا محمد أو يا إنسان، وقيل هما اسمان من أسماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله الكرمانى فى غرائبه ويقويه فى يس قراءة يس بفتح النون، وقوله آل يس، وقيل طه طا الأرض أو اطمئن، فيكون فعل أمر، وها مفعول أو للسكت أو بدل من الهمزة. وأخرج ابن أبى حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله: {طه} قال هو قولك افعل، وقيل: {طه} يا بدر، لأن الطاء بتسعة، والهاء بخمسة، فذلك أربعة عشر، أشار إلى البدر لأنه يتم فيها، ذكره الكرمانى فى غرائبه، وقال فى قوله: {يس} يا سيد المرسلين، وفى قوله: {ص} معناه صدق الله، وقيل أقسم بالصمد الصانع الصادق، وقيل معناه صاد يا محمد علمك بالقرآن، أى عارضه به فهو أمر من المصادات، أخرج ابن أبى حاتم فى قوله: {ص} قال صاد القرآن بعملك واتبعه علمك، وأخرج عن الحسن {ص} حادث فى القرآن يعنى انظر فيه، يقال صاداه يصاديه، أى حادثه يحادثه، وكان يقرؤها {صاد والقرآن} أى عارض القرآن {أية : والقرآن ذى الذكر}تفسير : . وقيل: صاد اسم بحر عليه عرش الرحمن، وقيل اسم بحر تحيى به الموتى، وهو الماء الذى يمطر على الموتى كالمنى فيحيون ويبعثون، وقيل معناه: صاد محمد قلوب العباد، حكاها الكرمانى فى قوله {المص}، وقال معناه: ألم نشرح لك صدرك، وفى {حم} أنه محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه أنه {حم} ما هو كائن، وقيل {ق} جبل محيط بالأرض، أخرجه عبد الرزاق عن مجاهد، وقيل أقسم بقوة قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل القاف من قوله: {قضى الأمر} دلت عليه بقية الكلمة، وقيل قف يا محمد على أداء الرسالة والعمل بما أمرت به، حكاهما الكرمانى، وقيل نون هو الحوت، أخرج الطبرانى عن ابن عباس مرفوعاً: أول ما خلق الله القلم والحوت، قال اكتب، قال ما أكتب؟ قال كل شىء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ {ن والقلم} فالنون الحوت، والقلم القلم، وقيل اللوح المحفوظ، أخرجه ابن أبى جرير عن ابن برقرة مرفوعاً. وقيل القلم حكاه الكرمانى عن الجاحظ، وقيل اسم من أسماء النبى صلى الله عليه وسلم، حكاه ابن عساكر فى مبهماته، وفى المحتسب لابن جنى، فى هذه القراءة دليل على أن الفواتح فواصل بين السور، ولو كانت أسماء الله لم يجز تحريف شىء منها، لأنها تكون حينئذ أعلاماً، والأعلام تؤدى بأعيانها، ولا يحرف شىء منها، وعن ابن عباس: الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد، أى القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام، واستدل بعض للقول بأنها أسماء للسور، بأنها لو لم تكن مفهومة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل، والتكلم بالزنجى مع العربى، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدى، ولم يكن التحدى به ممكناً لخروج بعضه حينئذ من مقام التحدى، حاشاه، وإن كانت مفهمة فإما أن يراد بها السور التى هى أولها على أنها أسماؤها أو غير ذلك، وكون المراد بها غير ذلك باطل، لأنه إما أن يكون المراد ما وضعت له فى لغة العرب أو غيره، ولا يخفى أن ليس المراد ما وضعت له فى لغة العرب، ولا يخفى أيضا أنه ليس المراد بها غير ما وضعت له فى لغة العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، فلا يحمل على ما ليس فيها، فتعين أنها أسماء للسور، وذلك الاستدلال يجرى أيضاً فى الرد على القائل إنها مبهمة، قال أبو بكر بن العربى فى فوائد رحلته، الذى أقوله لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا متداولا عندهم لكانوا أول من أنكرها على النبى - صلى الله عليه وسلم - بلا تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما، فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له فى البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى غيره وحرصهم على زلة، فدل على أنه كان أمرا معروفاً بينهم لا إنكار فيه. انتهى. والمختار عندهم أنها من الأسرار التى لا يعلمها إلا الله جل وعلا، أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر القرآن فواتح السور، ومثله عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعثمان بن عفان وعلى، قلت ويحتمل أن يريدوا بالسور الأمر الكريم العزيز، فإنه يسمى سرا تشبيهاً له بالكنز العظيم المصون المسرور به ونحوه، وإنها سر بين الله ورسوله، ورموز إذا لم يقصد بها إفهام غيره، وذكر بعض إنها من المتشابه فيكون فيها الخلاف، هل يعرفها الراسخون فى العلم أم لا يعرفها أحد على اختلافهم فى المتشابه، فتراهم خاضوا فيها بأقوال وأخبار. وإن قلت إذا كانت سرا لا يعلمه غير الله عز وعلا فما فائدة ذكرها؟ قلت: فائدة ذكرها الإيمان بها، وقال قطرب تلميذ سيبويه: هى حروف مزيدة للتنبيه والدلالة على انقطاع كلام واستئناف آخر، واعترض القاضى، بأن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه والدلالة على الانقطاع، ولا يخفى ان الاستئناف يلزمها وغيرها من حيث إنها فواتح السور، ولا يقتضى ذلك ألا يكون لها معنى فى حيزها، وعندى أن قول قطرب حسن، وكنت أشبه المقام بمقام من أراد أن يتكلم لمن استغرق قله فى شىء، فيقدم إليه ما يصغى به إلى الكلام كأن يجيده أو يغمز بدنه أو يقرعه بالحصى، ومن ذلك الوادى أن تشير إلى من كان فى كلام دنيوى بالبسملة تنبيهاً على أن يقر، ثم رأيت عن الجوينى ما يناسبه إذ قال: القول بأنها تنبيه جيد، لأن القرآن كلام عزيز، وفوائدة عزيزة، فينبغى أن يرد على سمع متنبه، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم فى بعض الأوقات كون النبى صلى الله عليه وسلم فى عالم البشر مشغولا فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله آلم آلم حم، ليسمع النبى صلى الله عليه وسلم صوت جبريل فيقبل عليه ويصغى إليه، وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة فى التنبيه كألا وأما، لأنها من الألفاظ التى تعارفها الناس فى كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد لتكون أبلغ فى قرع سمعه. انتهى. وقيل إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن ألغوا فيه، فأنزل تبارك وتعالى هذا النظم البديع ليعجبوا منه، ويكون تعجبهم سبباً لاستماعهم، واستماعهم له سبب لاستماع ما بعده، فترق القلوب، وتلين الأفئدة، عد هذا جماعة قولا مسقلا، والظاهر خلافه، وإنما يصلح هذا مناسبة لبعض الأقوال لا قولا فى معناها، إذ ليس فيه بيان معنى، واعترض القاضى قول بعضهم إنها حروف متقطعة من كلمات، بأنها لم تستعمل للاختصاص، ومن كلمات معينة فى كلامهم، وأما الأشعار الوارد فيها الاقتطاع فشاذة، لا يخرج القرآن عليها، وإن قلت قد ثبت هذا عن ابن عباس ونحوه، فلم يبق بحث، قلت إنما لا يبقى بحث لو كان حديثا صحيحا عنه - صلى الله عليه وسلم -، وأما إذا كان من كلام ابن عباس فيقبل البحث، مع أن تفسيره بذلك محتمل لأن يكون تمثيلا بأمثلة حسنه، وتنبيهاً على أن الحروف منبع الأسماء ومبادئ الخطاب، ألا ترى أنه عد كل حرف من كلمات متباينات، فلم يرد تفسيراً حتماً معيناً مخصوصا بهذه المعانى الذى ذكرها دون غيرها، إذ لا مخصص لفظاً ومعنى، وقيل إن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التى هى أ ب ت ث، فجاء بعضها مقطعاً، وجاء تماماً مؤلفاً ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم التى يعرفونها ويبنون كلامهم منها، وقيل فرقت تلك الحروف على السور ولم تعد بأجمعها فى أول القرآن، لإعادة التحدى وتكرير التنبيه والمبالغة فيه، والمعنى هذا التحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف، والمؤلف منها وللإيقاظ لمن تحدى بالقرآن، وللتنبيه على أن المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون إليه كلامهم، فلو كان من عند غير الله لما جرءوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه، وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز، فان النطق بأسماء الحروف مختص بمن خط ودرس، فأما من الأمى الذى لم يخالط الكتاب، فمستبعد مستغرب، خارق للعادة كالكتابة والتلاوة، ولا سيما وقد راعى فى ذلك ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق فى فنه، وهو أنه أورد فى هذه الفواتح أربعة عشر اسماً هى نصف أسامى حروف المعجم، إن لم يعد فيها الألف حرفاً برأسه فى تسع وعشرين سورة بعددها، إذا عد فيها الألف مشتملة على أنصاف أنواعها، قال القاضى هذا القول أقرب إلى التحقيق وأوفق للطائف التنزيل، وأسلم من لزوم النقل إلى العلمية ووقوع الاشتراك فى الأعلام من واضع واحد من حيث إن {الم} علم لسور و {الر} علم لسور و {طسم} علم لسورتين و {حم} لسور، فإن الاشتراك يعود بالنقض على ما هو مقصود العلمية من تعيين المسمى بلا قيد، ووجه كونه أقرب إلى التحقيق أن فيه بقاء للألفاظ على أصل وضعها، فإن الحروف المكتوبة مثلا هكذى {آلم} تقرأ هكذا: ألف لام ميم وقولك اسم للحرف المكتوب، هكذى، أو قولك لام اسم للحرف المكتوب هكذى، وقولك ميم اسم للحرف المكتوب هكذى (م) كما صرح به الخليل وأبو على لاعتوار خواص الاسم كالإضافة والجر والتنوين وأل والجمع، تقول الألف ورأت، وعن ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال:"حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف، بل الألف حرف ولام حرف وميم حرف"تفسير : وأراد بقوله ألف حرف.. إلخ غير المعنى المصطلح عليه، فإن تخصيص الحرف بالمعنى المصطلح عليه عرف متجدد، بل المراد المعنى اللغوى، ولعله سماه باسم مدلوله كما قال الفخر سماه حرفاً مجازاً تسمية للاسم باسم المسمى لتلازمهما، ووجه كون ذلك القول أوفق للطائف التنزيل، أن الحمل على التحدى معنى لطيف دون التسمية فإنها أمر واضح ظاهر، وقيل حكمة الجمع بين الألف واللام والميم على كل الأقوال أن الألف أعنى الهمزة من أقصى الحلق، وهو مبدأ المخارج، واللام من طرف اللسان وهو وسطها، والميم من الشفه وهو آخرها، فجمع بينهن إيماء إلى أنه ينبغى أن يكون أول كلام العبد وأوسطه وآخره، ذكر الله تعالى، قويل هى حساب أبى جاد لتدل على مدة هذه الأمة، أخرجه ابن إسحاق عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد بن زيات. حديث : مر أبو ياسر بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} فأتى أخاه حيى بن أخطب فى رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فى ما أنزل عليه: {الم ذلك الكتاب} فقال: أنت سمعت؟ قال نعم، فمشى حيى فى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك {الم ذلك الكتاب}، فقال بلى، فقالوا: لقد بعث الله أنبياء ما نعلم لنبى منهم مدة ملكه ولا أجل أمته، غير أن الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، ثم قال: يا محمد وهل مع هذا غيره؟.. قال: نعم {المص} قال: هذه أطول وأثقل، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون، هل مع هذا غيره؟. قال: نعم {الر} قال: الألف واحدة واللام ثلاثون، والراء مائتان، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم {الم} قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان لقد لبس علينا أمرك حتى لا ندرى أقليلا أعطيت أم كثيراً؟ ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: ما يدريك لعله قد جمع هذا كله لمحمد؟ فقالوا لقد تشابه علينا أمرهتفسير : ، وفى رواية حساب الصاد بتسعين، وفى رواية الشيخ هود قال الكلبى: حديث : بلغنا أن رهطاً من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب وأبو ياسر دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عن: {الم ذلك الكتاب} قال حيى: بلغنى أنك قرأت: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} نناشدك الله إنها أتتك من السماء؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم والله لكذلك نزلت" وقال حيى: إن كنت صادقاً فإنى أعلم مدة هذه الأمة، ثم نظر إلى أصحابه فقال: كيف ندخل فى دين رجل إنما ينتهى ملك أمته إلى إحدى وسبعين سنة، فقال له عمر: وما يدريك إنها إحدى وسبعون؟ فقال: هى فى الحساب الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حيى: هل غير هذا؟ فقال: نعم.. قال: ما هو؟ قال: {المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين}. فقال هذا أكثر من الأول، هذه واحد وثلاثون ومائة سنة نأخذه من حساب الجمل، قال: هل غيره؟ قال: نعم قال: ما هو؟ قال: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} قال حيى: هذه أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد لأن كنت صادقاً ما ملك أمتك إلا واحدة وثلاثون ومائتا سنة، فاتق الله ولا تقل إلا حقا فهل غير هذا؟ قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الر. تلك آيات الكتاب والذى أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}، قال حى: فأنا أشهد أنى من الذين لا يؤمنون بهذا القول، لأن هذه الآية أكثر، هذه واحد وسبعون ومائتا سنة، فلا أدرى بأى قولك نأخذ وأى ما أنزل الله عليك نتبع؟ قال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أنه ما أنزل الله على أنبيائه إلا الحق، وأنهم قد بينوا على ملك هذه الأمة ولم يوقنوا كم يكون ملكهم، فإن كان محمد صادقاً فأراه سيجمع لأمته واحد وسبعون، وواحد وثلاثون ومائة، وواحد وثلاثون ومائتان، وواحد وسبعون ومائتان، وذلك سبعمائة وأربع سنين، فقالوا كلهم: قد اشتبه علينا أمرك، فلا ندرى أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟ فذلك قوله تعالى: {هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}تفسير : ، قال الكلبى: فواتح السر من المتشابه، وإن قلت كيف يعتبر كلام اليهود، ويجعل تفسيراً للقرآن الكريم؟ قلت: زعم بعضهم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - تبسم، وفى رواية ضحك حين حسبوا {الم} بحساب الجمل، وأقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم، وتلى عليهم الفواتح على ذلك الترتيب جواباً لغيرهم، هل غير ذلك، فدل ذلك منه على صحة حسابهم، ويبحث بجواز كون تبسمه وضحكه تعجباً من جهلهم وعدموا إنكاره عليهم لظهور بطلان ما قالوا، ولا سيما قد خلطوه بالكفر، مثل قولهم كيف ندخل فى دين من مدته كذا؟ وقولهم لا نؤمن به، وقولهم هذا تخبط، وقولهم لا ندرى بأى أمرك نأخذ. وأما زيادته التلاوة حين استزاده فطمع فى إيمانهم، لعلهم إن لم يهتدوا بهذه اهتدوا بأختها. قال الجوينى: وقد استخرج بعض الأئمة من قوله تعالى:{أية : الم غلبت الروم}تفسير : أن البيت المقدس يفتحه المسلمون سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، ووقع كما قال، وقال السهولى: لعل عدد الحروف التى فى أوائل السور مع حذف المكرر للإشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة. قال ابن حجر وهذا باطل لا يعتمد عليه، فقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن أبى جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له فى الشريعة. انتهى. وقي فواتح السورة أمارة جعلها الله عز وجل لأهل الكتاب، بأنه سينزل على محمد كتاباً فى أول سورة منه حروف مقطعة، وقد مر أن فواتح السور اشتملت على أربعة عشر حرفاً نصف حروف المعجم، أعنى حروف التهجى، والتقدير حروف الخط المعجم، أو المعجم مصدر ميمى، أى حروف الإعجام، والفعل على الوجهين أعجم كأكرم وهمزته للسلب، أى لإزالة أعجميته أى إبهامه بالنقط، فإنك إذا نقطت حرفاً تبين بالنقط وتبين ما يشابهه ويلتبس به بعدم النقط كالطاء والظاء والصاد والضاد، وإذا نقطت المتشابهين جميعاً تبين كل بتخالف النقط كالتاء والثاء، والقاف والفاء، وإنما سميت حروف التهجى لأنها تهجى، أى تعد شيئاً فشيئا، ومنه هجاه يهجوه إذا عد ما فيه من المعايب، وتلك الأربعة عشر منها خمسة من حروف الهمس: الحاء المهملة، والهاء والصاد المهملة، والسين والكاف، وهن نصف حروف الهمس، ويجمع حروف الهمس: حث شخصه فسكت، والحرف المهموس ما يضعف الاعتماد على مخرجه، وباقى الأربعة عشر حروف جهر، ويقال لحروف الجهر المجهورة، وهى ما عدا المهموسة من حروف التهجى، وهى ضد المهموسة، والذى شمل فواتح السور من المجهورة نصف المجهورة، ويجمع هذا النصف قولك لن يقطع امرء ويجمع المجهورة كلها، قولك ظل قوريض إذ عزى حند مطيع، وهى ما ينحصر جرى النفس مع تحريكه، ومن تلك الأربعة عشر أربعة من الحروف الشديدة يجمعها قولك: اقطك، ويجمع كل الحروف الشديدة قولك: أجدت قطبك، وإن شئت فقل أجدت طبقك، والأقط ما يعمل من لبن الغنم، وإن شئت فقل أقطك أى أحسبك، يقال قطك هذا الشىء أى حسبك أى كافيك، والقطب ما يدور عليه الشىء، والطبق معروف وهو ما يصنع من سعف أو غيره واسعاً قصير الأطراف المستديرة، وهى للطعام وغيره، والحرف الشديد ما ينحصر جرى الصوت عند إسكانه فى مخرجه فلا يجرى، ولا مانع من وصف الحرف بصفتين وأكثر إذا لم يتنافيا كالحروف المجهورة ككون الحرف همسياً شديداً وجهرياً شديدا، ومن تلك الأربعة عشر: عشرة حروف رخوة يجمعها قولك: حمس على نصره بضم الحاء وإسكان الميم جمع أحمس وهو الشديد الصلب فى دينه وفى القتال، وكذلك باقى الحروف رخوة كذا قيل، والمعروف أن العين والميم والراء والنون واللام بين شدة ورخوة، ويجمعها قولك نل عمر. واختلف فى حروف المد واللين هل هن من الرخوة؟ ومن تلك الأربعة عشر: حرفان من حروف الإطباق: الصاد والطاء، وبقى من حروفه الظاء والضاد، وحرف الإطباق هو ما ينطبق ما يحاذى اللسان من الحنك عليه عند خروجه، ومن تلك الأربعة عشر نصف الحروف المنفتحة الألف واللام والميم والراء، والكاف والهاء، والعين والسين، والحاء والقاف، والباء والنون، وقيل لا تعد الألف من الحروف، ومن تلك الأربعة عشر حرفان من حروف القلقلة القاف والطاء، وحروفها أربعة: القاف والطاء والدال والباء الموحدة والجيم، يجمعهن قد طبج بالكسر أى فرج، وهى حروف تضطرب عند خروجها، لأنها مجهورة شديدة، فالجهر يمنع النفس عن الجريان معها، والشدة يمنع جريان صوتها، فلاجتماع الوصفين فيها اضطربت واحتاجت إلى التكلف فى بيانها، ومن تلك الأربعة عشر: حرفان من حروف اللين الثلاثية الياء والألف، إذا عددنا الألف حرفاً، من لم يذكره هنا فلأنه عنده غير حرف، أو لأنه ولو كان حرفاً لكنه إما عن باء أو عن واو هنا، والثلاثة من حروف اللين الواو، وسمين بذلك لأنهن يخرجن فى لين بلا تكلف على اللسان لاتساع مخرجها الموجب لانتشار الصوت وامتداده، وإنما لم يذكر فى الأربعة عشر إلا الياء والألف، لأن الياء أقل ثقلا من الواو، وأما الألف فخفيفة، ولم يذكر من القلقلة إلا القاف والطاء. لأن القلقلة قليلة بالنسبة إلى ما يتركب منها لقلتها فى نفسها، ومن تلك الأربعة عشر النصف الأقل من حروف الاستعلاء، وذلك النصف: القاف والصاد والطاء ومجموعها سبعة، الثلاثة: الخاء والغين والظاء المعجمات بالنقض، وسمين بذلك، وبالحروف المستعلية لتصعد الصوت بها فى الحنك الأعلى، ومن تلك الأربعة عشر نصف البواقى المنخفضة، وهى التى يتسفل الصوت بها فى الحنك الأسفل، ومجموعها اثنان وعشرون، ومن تلك الأربعة عشر: ستة من حروف الإبدال: الألف والهاء والطاء والميم والياء والنون، يجمعهن اهطعين، وهما جبلان من الهضم وهو الكسر كالهضم، ويجمع حروف الإبدال: اجد طويت، منها وهدات موطيا عند سيبوية، واختاره ابن جنى، وزاد بعضهم حروف الإبدال اللام نحو أصيلال، فلامه الأخيره بدل من نون أصيلان تصغير أصلان جمع أصيل، والصاد والزاى نحو: صراط وزراط، فإنها بدل من السين، والفاء نحو جدف فإنها عن ثاء مثلثه، والجدث التبر ونحو فم أصله ثم، وهى حرف عطف والعين نحو أعجبنى عن نفعل، وأشهد عن محمداً رسول الله، الأصل: أن تفعل وأن محمداً، أبدلت الهمزة عيناً وتسمى عنعنة تميم، والثاء نحو ثروغ الدلو، والأصل فروغ أبدلت الفاء ثاء مثلثه، والفروغ جمع فرغ وهو مخرج الماء من الدلو من بين العراقى، والباء نحو بكة أى مكة، ونحو بااسمك بفتح الباء وضم الميم، الأصل ما اسمك وهى لغة مازن، فيكون حروف الإبدال ثمانية عشر فى الأربعة عشر منها تسعة الستة المجموعة فى اهطمين، وثلاثة أخرى اللام والصاد والعين، ومن تلك الأربعة عشر النصف الأقل مما يدغم فى مثله ولا يدغم فى المقارب، ومجموع ذلك الهاء والهمزة، والعين والصاد، والطاء والميم، والباء والخاء، والعين والضاد، والظاء، والشين، والزاى والواو، والفاء. كذا قال القاضى واعترضه زكرياء بأن فى عده الضاد مما لا يدغم فى مقاربه نظر، أو أن فى القراءات السبع ما يخالفه، وكذا فى الميم والشين والفاء واعترض قوله النصف الأقل بأنه مبنى على: عد الطاء والميم والشين والفاء مما يدغم فى مثله، ولا يدغم فى مقاربه وأن فيه نظراً، ومن تلك الأربعة عشر النصف الأكثر مما يدغم فى مثله ومقاربه ومجموعه الثلاثة عشر الباقية، وذلك الأكثر هو الحاء والقاف، والكاف والراء، والسين واللام، والنون، لما فى الإدغام من الخفة والفصاحة قاله القاصى، واعترض زكرياء قوله الثلاثة عشر الباقية، بأنه مبنى على عد الأربعة السابقة مما يدغم فى مثله ولا يدغم فى المقارب، قال: وهو إن قرأ به فى السبع مخالف لزعمه فى آخر السورة إدغام الراء فى اللام لحن، وعليه فيقال نصفها الأقل ولا تعد الراء مما ذكر ولا يناسبه قوله لما فى الإدغام من الخفة والفصاحة. انتهى. وكتب على قوله والراء أنه الموافق لزعمه قال فى نسخة والزاى قال وهو وهم على قوله، واعترض قوله والفاء والسين بأنهما يدغمان فى مقاربهما كما يدغمان فى مثلهما، ومن تلك الأربعة عشر: حرفان مما يدغم فيه مقاربه ولا يدغم فى مقاربه وهما الميم والراء، ومجموع ذلك أربعة هما والشين والفاء، من تلك الأربعة عشر ثلثا الحروف الحلقية والذلقية بإسكان اللام نسبة إلى ذلق اللسان، وهو طرفه ولم أقل ذلق اللسان والشفة، لأن اللسان هو العمدة فى خروج هذه الأحرف وإلا فالذلقية مخرجها طرف الشفتين، فإن ثلاثة منها شفهيتان الباء والفاء، والميم، والثلاثة الأخرى يقال لها ذلقية لا شفوية، وهى اللام والراء والنون، وذلك ستة يجمعها قولك رب منفل. والحلقية الحاء والخاء والعين والغين والهاء والهمزة، وثلثا الحلقية والذلقية الراء واللام، والميم والنون، والهمزة والعين، والحاء، وإنما كان منها ثلثاهما الكثرة. وحرف الحلق والذلق فى الكلام، ومن الأربعة عشر سبعة حروف من الحروف التى تجوز زيادتها التى يجمعها قولك: سألتمونيها، أو قولك: أمان وتسهيل، أو قولك: اليوم ننساه، والموجود منها فى الأربعة عشر: الهمزة واللام، والميم والهاء، والياء والسين والنون، وفى ذلك تنبيه على أن أبنية الاسم المزيد فيه المركبة فى كلامهم لا تجاوز سبعة، وتلك الأربعة عشر أكثر ذكراً فى القرآن، وأيضاً هى أن أنصاف أجناس الحروف وثلثاها، وباقى الحروف أنصاف وثلث فقط، على ما رأيت، وبعض تلك الأربعة عشر فى الفواتح مفردة وهى: (ص، ق، ن) وبعضها ثنائية وهى: (طه، طس، يس، حم) وبعضها ثلاثية وهى: (الم والر وطسم) ورباعية وهى (المص والمر) وبعضها خماسية وهى: (كهيعص وحمعسق) وفى ذلك تنبيه على أن منتهى الاسم المجرد عن الزوائد فى كلامهم خمسة أحرف، وأقله حرف، وأن المتحدى به مركب من كلماتهم التى أصولها كلمات مفردة ومركبة من حرفين فصاعداً إلى الخمسة، وذكر الثلاثة المفردة فى ثلاث صور، لأنها توجد فى الأقسام الثلاثة: الاسم والفعل والحرف، وذكر أربع ثنائيات فى تسع سور، وذلك لأن الثنائى يكون حرفاً بلا حذف كبل، وفى الفعل بحذف كقل، وفى الاسم بلا حذف كمن بفتح الميم، وبالحذف كأخ، وأول الثنائى مفتوح أو مكسور أو مضموم، وكل منهن فعل أو حرف أو اسم، فذلك تسعة من ضرب ثلاثة فى ثلاثة، فالاسم كمن وإذ وذو، والفعل كخف وبع وقل، والحرف كبل، ومن بكسر الميم، وهذا إذا جرت ما بعدها، وذكر ثلاث ثلاثيات، وهى (الم والر وطسم) لمجيئها فى الأقسام الثلاثة، الاسم والفعل والحرف فى ثلاث عشر سورة {الم} البقرة، و {الم} آل عمران، و {الم} العنكبوت، و {الم} الروم، و {الم} لقمان، و {الم} السجدة، و {الر} يونس، و {الر} هود، و {الر} يوسف، و {الر} إبراهيم، و {الر} الحجر، و {طسم} الشعراء، و {طسم} القصص، وفى ذلك تنبيه على أن أصول الأوزان المستعملة ثلاثة عشر، للأسماء عشرة وللأفعال ثلاثة، وذكر رباعيين وخماسيين تنبيهاً على أن لكل منها أصلا كجعفر وسفرجل، وملحقاً كقردد وهو المكان الغليظ المرتفع، وجحنفل بجيم فحاء مهملة فنون ففاء فلام، وهو الغليظ الشفة، وتقدمت علة تفريقها فى السور وعدم جمعها فى أول القرآن، ويجوز أن تكون قد فرقت للفائدة المذكورة فى كل قسم من المفردة والثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية، ولا يقال ما ذكر من أوصاف الحروف وأقسام الأبنية، والكلمات وأحوالها اصطلاحات مستحدثة، فكيف يقال إنها مقصودة بالقرآن، لأنا نقول الاصطلاحات الأسامى لا المعانى المرادة بها وهى المقصودة، ولأن ما ذكرناه مناسبات يمكن أن تقصد بالقرآن والله أعلم. ثم إن جعلت تلك الفواتح أبعاض كلمات أو أصواتاً منزلة منزلة حرف التنبيه لم يكن لها محل من الإعراب، كالجمل المبدأة، والمفردات المعددة، وكذا قيل لامحل لها إذا قلنا لا يعلم معانيها إلا الله، وهو مشكل، لأنه يحتمل أن يكون معناها بحيث يكون لها محل، ولأنه يحتمل أن يكون المعنى أقل {الم} أو هذه {الم} مع تسليم عدم المعرفة بمعناه، فتكون معرفة، وإن جعلتها أسماء الله تعالى أو القرآن أو السورة فهى خبر أو مبتدأ أو مجرورة بحرف قسم مقدر أو منصوبة على نزعة، وجملة قولك ألف لام المشار إليها هذا المكتوب {الم} اسم واحد، إذا جعلناها اسماً لله تعالى أو القرآن أو السورة. قال القاضى: ويتأتى الإعراب لفظاً والحكاية فيما إذا كانت مفردة أو موازنة لمفرد كحم فإنه يقرأ بوزن هابيل، وتجب الحكاية فيما عدا ذلك، وأن بقيتها مع معانيها، فإن قدرت بالمؤلف من هذه احروف كانت مبتدأ أو خبرا، والمراد بالحكاية الإسكان، لأن السكون هو حال الكلمة قبل إدخال العامل عليها، ولا يعد فى جواز الحكاية والإظهار إذا وردا جميعاً عن السلف فى ذلك، أو لم يتقين الوارد، أو لم يعلم، وإلا فالقرآن لا يغير عن وضعه والوقف على الفواتح وقف تام، إذا قدرت بحيث لا يحتاج إلى ما بعدها وليس شىء منها آية عند غير الكوفيين، وأما الكوفيون فالم عندهم آية وكذا {المص} و {كهيعص} و {طه} و {طسم} و {يس} و {حم} وفى {حمعيسق} آيتان {حم} آية و{عيسق} آية، والبواقى ليست بآيات، وظاهر كلام المرشد وهو اسم كتاب أن الفواتح كلها آيات عندهم، وذلك توقيف لا قياس، فلا يحتاج إلى توجيه أو حجة أخرى غير التوفيق، ومن كتب {الم} إلى{أية : وأولئك هم المفلحون}تفسير : يوم الخميس أول النهار فى إناء جديد بزعفران، ومحاها بماء بير عذب، وشربها وأمسك عن الطعام ذلك اليوم، يفعل ذلك ثلاثة مرات، حمد الله تعالى على عاقبته وزاد حفظه، وثبت العلم فى قلبه وكان له يقين، وكان عوناً. على الطاعة والمعرفة. والله أعلم.

اطفيش

تفسير : سُورة البَقَرَة بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم الله هو العالم بمعناه، وبمعنى، المص، و، المر، الر، و، كهيعص، و، طه، و، طسم، و، طس، و، يس، و، ص، و، حم عسق، و، ق، و، ن، وأذكر ما قيل، الهمزة الله، واللام لطيف، قال الخليل: نحو به، وكه، بالحركة وهاء السكت، مسميات، ونحو الباء والكاف اسم، قلت، فمسمى الهمزة، أه بالحركة بعدها هاء السكت، والاسم ءاء بهمزتين بينهما ألف، ولم ينطق غيرى بهذا.

الخليلي

تفسير : كلمات تسرد سردا غير مركبة تركيب الجمل، افتتحت بها هذه السورة، وشقيقتها ثانية الزهراوين من السور المدنية، كما افتتحت بها وبنظائرها من قبل سبع وعشرون سورة مكية، وهي كلمات ذات غرابة طبعا، إذ لم يكن مألوفا أن تسرد هذا السرد في غير التهجي، ومع ذلك لم تكن العرب على معرفة بالقراءة والكتابة إلا قليلا منهم فلا غرو إذا لم يكن جمهورهم بحاجة إلى معرفة هذه المصطلحات في تسمية الحروف التي تتكون منها كلماتهم، لأن السليقة كانت هي الينبوع لبيانهم. مقاصد هذه الكلمات المقطعة: وبدهي أن تختلف الآراء وتتعدد الأقوال في تحديد مقاصد هذه الكلمات، واستظهار معانيها. ومهما يكن فإن هذه الفواتح وأمثالها هي أسماء ومسمياتها الحروف الهجائية التي تتركب منها المفردات، وهذا واضح لانطباق حد الاسم عليها، ولأنها تعتورها علاماته كالتعريف والاسناد، والجمع والاضافة والجر، ووصفها بالحرفية لا يعدو أن يكون مجازا، لأن مدلولاتها - وهي أحرف الهجاء - حروف. وإيضاح ذلك أن الباء - مثلا - اسم، ومسماه أول حرف من بان وباع، وأوسط حرف من جبن وقبع، وآخر حرف من ضرب وجرّب. فإذا أردت النطق بالمسمى وحده وهو الحرف، قلت (بَه) بإدخال هاء السكت، وقس على ذلك سائرها، ولا يرد على ذلك ما أخرجه البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {ألم} حرف، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف"تفسير : . وفي رواية عند الترمذي والدارمي: "حديث : لا أقول {ألم} حرف وذلك الكتاب حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف، والذال حرف، والكاف حرف"تفسير : . لأن الاصطلاح على تقسيم أنواع الكلام إلى اسم وفعل وحرف إصطلاح طارىء لا يحمل عليه الكلام النبوي الشريف، وقد كانوا قبل حدوث هذا الاصطلاح يطلقون الحرف على الحروف البسيطة، التي يتركب منها الكلام، وهي مسميات هذه الكلمات كما قلنا، وربما أطلقوه تجوزا على نفس الكلمات، والرسول صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: "لا أقول الم حرف .." الخ، دفع ظن التجوز، والظاهر ما حرره بعض المفسرين أن المراد من الحديث بيان أن الحسنات على تلاوة القرآن تكون بحسب حروفه المكتوبة إذ لو كانت بحسب النطق لعدت (ألف) ثلاثة أحرف، ويؤيده ما في رواية الترمذي والدارمي من زيادة: "حديث : والذال حرف والكاف حرف" تفسير : فإن الذال بمدها تتولد من فتحتها ألف، فلو اعتبر التلفظ لكان الجدير باعتبارها مع مَدتها حرفين، ويومئ إلى ذلك التعبير بكتاب الله المفهم للكتابة دون كلام الله أو القرآن. إعراب هذه الكلمات: وإذا عرفت أنها أسماء فاعلم أنها غير مبنية، لأن الاعراب هو الأصل فيها، ولكنها سكنت أعجازها هنا لأجل معاملتها معاملة الاسم الموقوف عليه، لأنها سردت سردا من غير أن تلحقها عوامل تقتضي حالة من حالات الاعراب. معانيها: أما معانيها في طلائع السور فقد اختلف فيها المفسرون سلفا وخلفا، ونستطيع أن نرد آراءهم إلى موقفين؛ موقف الذين تهيبوا من الخوض في معانيها حذرا من الانزلاق، لأنهم عدوه من التقول على الله بغير علم، وليس الموقف بالهيّن، فالكلام كلام الله، ونسبة ما لم يرده تعالى إليه كنسبة ما لم يقله. وموقف الذين تجاسروا على القول فيها بحسب ما توحي به القرائن، وترشد إليه الدلائل، ولم نعثر في هذه الفواتح على شيء يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تفسيرها ولو من وجه ضعيف، ولو حصل وثبت لتبخر النزاع، وزال الشقاق لوجوب التسليم له عليه أفضل الصلاة والسلام، فهو أعلم بالتنزيل ومقاصده، والتأويل وطرائقه، ولكلا الفريقين حجة يستندون إليها. استدلال من لا يرى الخوض في معانيها: أما الأولون فقد احتجوا بالمعقول والمنقول: أما المعقول؛ فهو أن الله سبحانه تعبدنا بأعمال منها ما نعرف حكمته، ومنها ما لا نعرف، فالصلاة والزكاة والصوم كلها عبادات ذات أثر واضح، ومنفعة بينة في حياة العابد الشخصية والاجتماعية، فإن الصلاة بما فيها من تذكير بالله وقدرته وسلطانه ومنته وإحسانه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تسد بها حاجات الفقراء، وتنتزع من قلوبهم كراهة الأغنياء مع أثرها الطيب في نفس المزكي، عندما تطهرها من رجس شهوة المال، فمنفعتها عائدة على الجانبين، والصوم وسيلة للحد من طغيان الشهوة، وكسر شوكتها، ورد جماحها، مع ما فيه من تذكير الأغنياء بآلام البؤساء الجائعين. وبجانب هذه العبادات ذات المنافع المعقولة، والحِكَم الواضحة، ثَمّ عبادات أخرى لا سبيل لنا إلى استظهار حكمتها، كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والرَّمَل والاضطباع، وكما كان لائقا بحكمة الله أن يأمر عباده بالنوع الأول يليق بحكمته كذلك الأمر بالنوع الثاني من غير خلاف، وقد يكون الامتثال في هذا النوع أدل على الاذعان والطاعة، لأن فاعله لا يدرك له حكمة، ولا يلمس منه منفعة عاجلة، بخلاف النوع الأول، إذ ليس من المستحيل أن يكون إتيانه لمعرفته بمنفعته، وإذا جاز ذلك في التعبد العملي، فلم لا يجوز في التعبد القولي؟ وهو أن يأمرنا الله أن نعبده تارة بما نفهم معناه من الكلام، وتارة بما لا نفهم، ليتجلى الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، هذا بجانب كون غموض المعنى من اللفظ داعيا إلى الالتفات إليه، والتعلق به، والتفكر فيه خصوصا عند ما يعلم أنه صادر من أحكم الحاكمين، وهذا التعلق باللفظ هو في حقيقته تعلق بالله عز وجل، الذي أنزله بعلمه، وذلك هو عين الذكر وروح العبادة. وأما المنقول؛ فهو دلالة القرآن نفسه على انقسامه إلى محكم ومتشابه، وجاء فيه عن المتشابه {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 7] والوقف هنا ضروري لأسباب؛ أحدها: أنه لو عطف الراسخون في العلم على اسم الجلالة للزم إما انقطاع {آمنا به} عما قبله، وهو غير جائز لعدم إفادته، وإما رجوعه إلى المعطوف والمعطوف عليه، فيترتب عليه أن يكون الحق تعالى قائلا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} واعتقاد ذلك عين الكفر ورأس الضلال. ثانيها: ان مدح الراسخين في العلم بإيمانهم به دليل على أنه يختلف عن المحكم الذي فهموه، ولو كانا سواء في فهمهم لما كان لهذا التخصيص معنى. ثالثها: نسبة الزيغ إلى الذين يريدون تأويله ولو كان كالمحكم لكان طلب معرفته موجبا للمدح لا للذم. وعزّز هؤلاء رأيهم بأنه مروي عن أجلّة الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس، وهو قول جماعة من أعلام الأمة كالشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، وكثير من المحدثين. حجة الفريق الثاني: وأما الآخرون فاحتجوا أيضا بالمعقول والمنقول، أما المعقول فمن وجوه: أحدها: أنه لو تعذرت معرفة شيء من القرآن على أفهام الأمة ما كانت لإِنزاله فائدة، وكانت مخاطبة الناس به كمخاطبة العربي بالأعجمية، أو الأعجمي بالعربية. ثانيها: أن الخطاب إنما يوجه إلى المخاطبين لأجل الافهام، فإن تعذر فهمه عليهم جميعا فهو عبث وسفه لا يليق بمقام الربوبية. ثالثها: أن القرآن متحدًى به ولا يتحدى إلا بالمعلوم. وأما المنقول فبعضه من القرآن وبعضه من السنّة، فمن القرآن قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24]، فإن التوبيخ على عدم تدبره لا يكون إلا لأن تدبره مطلوب، وهو دليل إمكان فهمه، إذ لو كان متعذر الفهم ما كانت في تدبره فائدة. وفي معنى ذلك قوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]، ومن البدهي أن معرفة سلامته من التناقض تتوقف على فهم جميع معانيه. وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 192 - 195]، فإن الانذار يتوقف على فهم المنذرين بما أنذروا به، وهذه الآيات دالة على أن الانذار بجميع التنزيل، فليس من المعقول أن يكون منه ما لا يفهم معناه، ويزيد ذلك تأكيدا ووضوحا قوله: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 195]. ومن المعلوم أن العرب أول من خوطبوا به، وهو بلسانهم المبين، ولو لم تصل أفهامهم إلى شيء منه لكان في ذلك ما يدعوهم إلى رفضه، والطعن في وصفه بالإِبانة، فإن هذا الوصف يتنافى مع بقاء شيء منه غامض المعنى. وقوله تعالى: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 83]، فإن الاستنباط يتوقف على الإِحاطة بالمعنى. وقوله: {أية : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 89]. وقوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15]. وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 51]. وقوله: {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} تفسير : [ابراهيم: 52]. وقوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] وغير هذه من الآيات الدالة على أن القرآن ميسر فهمه، واضح معناه، مبشر ومنذر، وهاد إلى طريق مستقيم. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا؛ كتاب الله وسنتي ". تفسير : وحديث علي في وصفه: "حديث : فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم" تفسير : الخ. في المسألة مجال للاجتهاد: وأنت تدري أن أمثال هذه الحجج التي استند إليها كلا الفريقين، ليس فيها ما يقطع به صحة أحد الرأيين، فتبقى المسألة مجالا للاجتهاد. ومن تجاسر على الخوض في تفسير هذه الفواتح ليس له أن يقطع بأن ما قاله هو عين المراد بها، فإن غاية ما في أقوال الخائضين في تفسيرها، الاستناد إلى قرائن قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، وإنما يستأنس بجواز فهم معانيها بعدم وجود ما يدل على استنكار العرب الجاهليين لها مع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن عليهم، بل أثر ما يدل على تأثر بعضهم مع سماع سورة مفتتحة بها، وهو عتبة بن ربيعة، الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه عروضا في مقابل تنازله عن دعوته، فأسمعه النبي صلى الله عليه وسلم سورة (فصلت)، فلما وصل إلى قوله عز وجل: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : [فصلت: 13]، وضع يده على في رسول الله صلى الله عليه وسلم إشفاقا من نزول العذاب، وانصرف إلى قومه طالبا منهم أن يكفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أنه استنكر شيئا مما سمعه. وكان سبب إسلام عمر - رضي الله عنه - ما قرأه عند أخته من سورة (طه)، ولو كان شيء مما سمعاه لا تستسيغه فهوم العرب لما كان منهما هذا التأثر، بل لأدى ذلك إلى سخريتهما واستخفافهما به، كما يستأنس للجواز بما روي عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من تفسير هذه الكلمات، فإن معظم من روى عنهم التوقف عن القول فيها، رويت عنهم كذلك أقوال في بيان معانيها. الأقوال الواردة في معانيها: ونسب ابن عطية وأبو حيان والزمخشري جواز تفسيرها إلى الجمهور ونسبه الفخر إلى المتكلمين، وهؤلاء اختلفوا في المراد بها على نحو مائة قول أكثرها ليس له قسط من الدليل، بل مسحة كذب أهل الكتاب ظاهرة على كثير منها، ورد العلامة ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير) هذه الأقوال بعد حذف متداخلها وتوحيد متشاكلها، إلى عشرين قولا، وقد رأيت أن أقتصر عليها مع الافاضة فيها بتفصيل أدلتها وعزوها إلى أصحابها، وتبيان ما قيل فيها قبولا وردا، وإليكموها على الترتيب: أولها: أنها حروف اقتضبت من أسماء وصفات لله عز وجل افتتحت بحروف مماثلة لها، فـ {ألم} مثلا؛ الألف تشير إلى أحد أو أول أو آخر، واللام إلى لطيف، والميم إلى ملك أو مجيد أو نحو ذلك. وهو المفهوم مما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: أما {ألم} فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه. وأخرج ابن جرير أيضا عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {الم} و {حم} و {ن}، قال: اسم مقطع. وروي مثل ذلك عن محمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، واعترض عليه بأن صحة ما قالوه يتوقف على التوقيف وأنى لهم به. ثانيها: أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم والملائكة، فـ {الم} مثلا، الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد. قاله الضحاك، وهو كالذي قبله في توقف صحته على التوقيف. ثالثها: أنها أسماء للملائكة، وأنها إذا تليت كانت للنداء لملائكتها وتصغي الملائكة إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون: صدقت؛ إن كان ما بعدها خبر، ويقولون: هذا مؤمن حقا، نطق حقا، وأخبر بحق، فيستغفرون له، وهو قول محيي الدين بن عربي صاحب الشطحات الصوفية المتطرفة في كتابه (الفتوحات المكية) وما هو إلا خبط بلا هاد ولا نظر، فإنه قول بعيد عن أسلوب القرآن ومقاصده. رابعها: أنها رموز لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه خاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف، كأحمد وأبي القاسم، واللام مكنى به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكنى به عن محمد، وما ماثله كمبشر ومنذر، ونسب ابن عاشور هذا القول إلى الشيخ محمد بن صالح التونسي المعروف بابن ملوكة في رسالة له، ثم قال: وعلق على هذه الرسالة تلميذه شيخ الاسلام محمد معاوية تعليقة أكثر فيها من التعداد وليست مما ينثلج بمباحثه الفؤاد، ويرد هذا القول إلتزام حذف حرف النداء، وما قاله من ظهوره في {يس} مبني على قول من قال إن {يس} بمعنى يا سيِّد، وهو ضعيف لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء، ولأن الشيخ نفسه عدّ {يس} بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولا لنحو الياء من {كهيعص}. خامسها: أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجمل، قاله أبو العالية استنادا إلى ما رواه البخاري في تأريخه وابن اسحاق وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رئاب، قال: "حديث : مر أبو ياسر ابن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}، فأتى أخاه حيي ابن أخطب في رجال من يهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد؛ ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء، ما بيّن لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب - وأقبل على من كان معه -: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، قال: فقال لهم: أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد؛ هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: {المص} قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستون سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: {الر} قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مئتان، فهذه إحدى وثلاثون ومئتا سنة. قال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: نعم؛ {المر} قال: فهذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا، ثم قاموا عنه. فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون مائة، ومئتان وإحدى وثلاثون، ومئتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره"تفسير : . قال ابن جرير: ويزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} تفسير : [آل عمران: 7]. وليس في هذه القصة دليل على صحة هذا القول، ولو قدرنا صحتها - فما بالكم وسندها ضعيف بالاتفاق - فإن القرآن لا يعول في تفسيره على خرافات أهل الكتاب التي لا تستند إلا على الأوهام، وليس في إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقرير لما ذهبوا إليه من أنها ترمز إلى مدة بقاء هذه الأمة، وإنما يحمل ذلك - لو صح وما هو بصحيح - على قصده عليه أفضل الصلاة والسلام إبطال مزاعمهم وتفنيد فهومهم على الطريقة المعروفة عند أهل الجدل بالنقض، ومرجعها إلى المنع، وقد قيل إن المانع لا مذهب له، ولا يستفاد من ضحكه صلى الله عليه وسلم إلا الاستغراب من جهلهم. أفاد ذلك الإِمام ابن عاشور. وإن تعجب فعجب كيف يستند أئمة التفسير في بيان مراد الله من كتابه بدعاوى أهل الكتاب الذين لا يتورعون عن تحريف الكلم عن مواضعه في الكتاب الذي أوتوه، فما بالك بتحريف التأويل فيما هم بصدد اللدد والكيد له، وتكذيب الرسول الذي أنزل عليه ومثل هذه الأقوال جديرة بنفيها عن ساحة التفسير، وعدم شغل دواوينه بذكرها، لولا بغية التحذير منها والتنبيه على زيفها حذر اغترار العامة بها أثناء اطلاعهم عليها في أمهات التفسير القديمة. سادسها: أنها رموز؛ كل حرف منها رمز إلى كلمة، فنحو {الم} أنا الله أعلم، و{المر} أنا الله أرى، و{المص} أنا الله أعلم وأفصل. رواه ابن جرير من طريق أبي الضحى عن ابن عباس، وروى مثله عن سعيد بن جبير، وهو كالقول الثاني مبني على ما عرف عن العرب أنهم يتكلمون بالحروف المقطعة أحيانا بدلا من الكلمات التي تتألف منها، وهو معروف عنهم نظما ونثرا، ومنه قول زهير: شعر : بالخير خيرات وإن شر فا .. ولا أريد الشر إلا أن تا .. تفسير : أراد: وإن شر فشر، وأراد: إلا أن تشا، فاكتفى من كل كلمة بحرف، وقول آخر: شعر : ناداهم أن الجموا الا تا .. قالوا جميعا كلهم ألا فا .. تفسير : أراد بالأول: ألا تركبون، وبالثاني: ألا فاركبوا. وقول الوليد بن المغيرة: شعر : قلت لها قفي لنا قالت: قاف. تفسير : أراد: قد وقفت. وفي الحديث: "حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" تفسير : هو أن يقول كلمة: أقـ .. مكان أقتل. وفي حديث سعد بن عبادة عند ابن ماجة: "حديث : كفى بالسيف شا.." تفسير : أي شاهدا. وقال لبيد: شعر : درس المنا .. فمتالع فابان فتقادمت بالحبس فالسوبان تفسير : أراد المنازل. وقال علقمة الفحل: شعر : كان إبريقهم ظبي على شرف مقدم بسبا .. الكتّان ملثوم تفسير : أراد بسبائب الكتان. وهو - كما قال العلامة ابن عاشور - يوهنه أنه لا ضابط له، لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرف أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة، وما ذكر من الشواهد لا يصح حمل فواتح السور عليه لاختلاف المقام، وانعدام النسبة التي تسوغ تخريج القرآن على مثل ذلك. سابعها: أنها ترمز إلى أحوال نفسية تترتب على تزكية القلب، وتحلية النفس بالحقائق الايمانية، وهو مبني على اعتبار عدد الحروف المفتتح بها بتكرارها فهي ثمانية وسبعون حرفا، ويشار بها إلى شعب الايمان في حديث أبي هريرة: "حديث : الايمان بضع وسبعون شعبة"تفسير : ، فهذه الحروف هي شعب الايمان، ولا تكمل لأحد أسراره حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها، والبضع يصدق على الثمانية فهي المرادة به، وقد أطال صاحب الفتوحات في الانتصار لهذا القول بما أورده من الرموز الصوفية التي لا يكاد يفهم لها معنى، وتابعه الألوسي في "روح المعاني"، وليس ذلك لعمري إلا من شطحات الغلاة التي يجب تنزيه القرآن وتفسيره عنها، وما كان ذكري لهذا القول إلا للتحذير من الاغترار به كما تقدم في نظيره. وهذه الأقوال السبعة تخرج من باب واحد وهو اعتبار الحروف رموزا إما إلى كلمات اقتطعت منها، أو إلى حقائق تشير إليها. ثامنها: أنها أسماء للسور التي افتتحت بها، وهو قول زيد بن أسلم، ونسب إلى الخليل وسيبويه، وقال به جم غفير من السلف والخلف، واختاره الفخر الرازي، وعزاه إلى أكثر المحققين، كما عزاه الزمخشري إلى الأكثر، واقتصر عليه الامام محمد عبده، وأقره تلميذه السيد محمد رشيد رضا في تفسير سورة البقرة من "المنار"، ونظروه بالتسمية لما أشبه أسماء الحروف كـ (لام) اسما لوالد حارثه بن لام الطائي، و(عين) اسما للذهب والشمس ومنبع الماء وحاسة البصر، و(غين) اسما للسحاب، و(نون) اسما للحوت، و(ق) اسما لجبل موهوم، و(حا) اسما لقبيلة من مذحج. وأيدوه بقول شريح بن أوفى: شعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم تفسير : واعترض بأمور: الأول: أن الاشتراك بين مجموعة من السور في فاتحة من هذه الفواتح بعينها كـ {الم} و{حم} يفقد فائدة التسمية لها. الثاني: أن التسمية تقتضي الاشتهار ولم تشتهر هذه السور بها، وإنما اشتهرت بأسماء أخرى، كالبقرة وآل عمران ويونس وهود ويوسف. الثالث: أن العرب لم تتجاوز فيما سمت به مجموع اسمين كمعدي كرب، وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء أو أربعة أو خمسة، فالقول بأنها أسماء لسورها خروج عن لغتهم. الرابع: وجوب التغاير بين الإِسم والمسمى والقول بإسميتها يقتضي اتحادهما. الخامس: أن هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على جميعه رتبة، واسمه متأخر عنه، فيلزم أن يكون متقدما متأخرا معا، وهو محال. وأجيب عن الأول بأن الأعلام كثيرا ما تكون مشتركة بين الناس أو البلدان أو غيرهما، وإنما صح الاشتراك لأن العلم يوضع لكل واحد وضعا مستقلا، وما يتبع هذه التسميات من الإِضافات وغيرها كاف لتعيين المراد بها. وعن الثاني بأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يس قلب القرآن"تفسير : ، و"حديث : من قرأ حم حفظ إلى أن يصبح"تفسير : . وفي السنن وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق، واشتهار أحد العَلَمين لا يضير عَلَمية الآخر، فكثير من الأسماء مجهولة لا يتوصل إلى معرفتها إلا بعد التفتيش لغلبة الكنى أو الألقاب عليها، كأبي هريرة وذي اليدين، وقد يكون عدم الإِشتهار لنفس الاشتراك فيترك لاحتياجه إلى ضميمة، كـ {الم} هنا. وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء فما فوق إنما تمتنع إذا ركبت تركيبا مزجيا، وجعلت إسما واحدا، أما إذا نثرت نثر أسماء الأعداد فلا تمتنع لأنها من باب التسمية بما حقه الحكاية، وقد وردت التسمية بجملة تركبت من أكثر من كلمتين: كشاب قرناها، وسر من رأى، وناهيك أن سيبويه سوى بين التسمية بالجملة، والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم. وعن الرابع بأن التغاير الحاصل بين الكل والجزء كاف لتسويغ تسمية أحدهما بالآخر، ولذلك كان الحرف الهجائي المسمى جزءا من إسمه في الغالب، فلا مانع من العكس، على أن تسميات سور القرآن غالبا تكون كلمة مأخوذة من السورة المسماة. وعن الخامس: بأن التقدم والتأخر إنما هما بحسب الاعتبارات، فالجزء مقدم على الكل من حيث ذاته، ومؤخر عنه من حيث الوصف وهو الإِسمية إن اعتبر اسما له، وقد سبق في الجواب الذي قبله أن غالب التسميات المشهورة لسور القرآن تكون بانتزاع كلمات منها كالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة، والأنعام وهلم جرا. تاسعها: أنها أسماء للقرآن ذكره ابن جرير ونسبه إلى قتادة ومجاهد وابن جريج، ونسبه غيره إلى الكلبي والسدي، ورده ابن عاشور لأنه قد وقع بعد بعضها ما لا يناسبها أن لو كانت أسماء للقرآن، نحو {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} و{الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ..}. عاشرها: أن كل مجموعة مركبة منها هي اسم من أسماء الله، واستؤنس له بما روي عن علي أنه كان يقول: يا كهيعص، يا حم عسق. وعليه فالحروف المفردة يرجع بها إلى ما يناسبها أن تندرج تحته من الأقوال، وأبطله ابن عاشور لعدم الإِرتباط بين بعضها وما بعده بحيث يسوغ أن يكون خبرا أو نحوه عن اسم الله، مثل {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} و{أية : الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ..} تفسير : [إبراهيم: 1 - 2]. الحادي عشر: أنها أفعال، فإن حروف {ألم كتاب} هي نفس الحروف التي في {ألم} بمعنى نزل، فالمراد من {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} نزل عليكم قاله الماوردي، ورد بأنه لا تقرأ بصيغ الأفعال مع عدم إمكان حمل جميعها على هذا التأويل نحو {كهيعص، والر} وهو كما قيل لولا غرابته لكان حريا بالإِعراض عنه. وهذه الأقوال الأربعة ترجع إلى اعتبار أن هذه الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالا. الثاني عشر: أن هذه الحروف أقسام أقسم الله بها كما أقسم بالقلم تنويها بشأنها، لأن أسماء الله تألفت من مسمياتها، وهي كذلك أساس التخاطب، ومصدر العلوم، وهذا القول نسبه ابن جرير إلى ابن عباس وعكرمة، ونسبه غيره إلى الأخفش، وضعف بحذف حرف القسم مع أنه لا يحذف عند البصريين إلا مع اسم الجلالة، وورود أقسام بعدها في بعض المواضع نحو {نۤ وَٱلْقَلَمِ} و {حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} مع استكراههم الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد، وفي كلا الأمرين بحوث متسعة آثرنا ضرب الصفح عن ذكرها رغبة في تجريد هذا التفسير من التعقيدات الناشئة عن البحوث العربية وغيرها. الثالث عشر: أنها سيقت على طريقة التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية، لإِيقاظ شعور السامعين، وإثارة فكرهم، ليدركوا أن هذا الكتاب - الذي تحدوا ببلاغته، وحاروا عندما طولبوا بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله وهم فرسان البلاغة القابضون على نواصيها والرائضون لعاتيها ومستعصيها - إنما هو من جنس كلامهم الذي ألفوه، وحروفه هي نفس الحروف التي يصوغون منها كلامهم، فلو كان صادرا عن ملكات البشر لكان بإمكانهم أن يعارضوه فيقابلوا الكلمة بكلمات، والسورة بسور، ولكن عجزهم دل على أنه فوق مدارك الأفهام، وأسمى من أن تناله ملكات الأنام، فهو من عند الله الذي لا يكتنه عظمه، ولا يقدر قدره. وهذا القول منسوب إلى المبرد وقطرب والفراء، وعليه ابن تيمية والحافظ المزي شيخ ابن كثير المفسر، وانتصر له الزمخشري في كشافه أتم الانتصار واختاره الامام ابن عاشور، وذكر أن المناسبة لوقوعها في فواتح السور ان كل سورة مقصودة بالإِعجاز لقوله تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ..} تفسير : [البقرة: 23]، فناسب افتتاح ما به الإِعجاز بالتمهيد لمحاولته، وأيده بأن التهجي ظاهر في هذا المقصد، فلذلك سكتت عنها العرب لظهور أمره، لأن التهجي معروف عندهم، فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية التي عهدت في التعليم في غير مقامه أدرك السامعون أنهم عوملوا معاملة المتعلم لتشابه الحالين في العجز عن الإِتيان بكلام بليغ، وفي هذا تعريض بهم بمعاملتهم معاملة الصبيان أول تعليمهم القراءة والكتابة، وفي ذلك ما لا يخفى من الإِغراء والإِثارة على التحدي والمعارضة، كما أيده أيضا بأن معظم هذه الحروف نزلت في أوائل السور المكية، وإنما شاركتها من المدنية البقرة وآل عمران، ولعل ذلك لنزولهما بُعَيْدَ الهجرة من مكة، وقصد التحدي في القرآن المكي قصد أولي وعضده أيضا بأن الحروف المختتمة أسماؤها بألف ممدودة كالياء والهاء والراء والطاء والحاء، قرئت في هذه الفواتح مخففة على طريقة تهجي الصبيان. وللسيد محمد رشيد رضا في تفسير فاتحة الأعراف بحث نفيس بيّن فيه تناسب هذه الفواتح مع ما بعدها، ومن الممكن أن يستنتج من هذا البحث تأييد هذا الرأي، وإن كان هو نفسه أميل إلى القول بأنها أسماء للسور في بعض ترجيحاته، وخلاصة بحثه أن الغرض من افتتاح هذه السور بهذه الفواتح تنبيه السامع بهذا الصوت إلى ما سيلقى إليه بعده من الكلام حتى لا يفوته منه شيء، فهي شبيهة بألا الافتتاحية، وها التنبيهية، وإنما خصت بها سور معينة من الطوال والمئين والمثاني والمفصل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلوها على المشركين بمكة لدعوتهم بها إلى الاسلام، وإثبات الوحي والنبوة، وكلها مكية ما عدا الزهراوين، والدعوة فيهما موجهة إلى أهل الكتاب، وفي كلها يلي هذه الفواتح ذكر الكتاب ما عدا مريم والعنكبوت والروم و(ن)، وفي كل منها معنى مما في هذه السور يتعلق بإثبات النبوة والكتاب، فأما سورة مريم فقد ثني فيها بتفصيل قصتها بعد افتتاحها بقصة زكريا ويحيى المشابهة لها، وتليت القصتان بذكر رسالة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس مبدوءا كل منها بقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ ..} تفسير : [مريم: 16، 41، 56،51]. والمراد بالكتاب القرآن، فكأنه قال في كل من قصة زكريا ويحيى وقصة مريم وعيسى واذكر في الكتاب، وذكر هذه القصص في القرآن من دلائل كونه من عند الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ذلك، ولم يكن قومه على علم به كما صرح به في سورة هود بعد تفصيل قصة نوح مع قومه بقوله: {أية : تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [هود: 49]، وكما قال في آخر سورة يوسف بعد سرد قصته مع إخوته: {أية : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} تفسير : [يوسف: 102]. وختمت هذه السورة - أي سورة مريم - بإبطال الشرك وإثبات التوحيد، ونفي اتخاذ الله تعالى للولد، وتقرير عقيدة البعث والجزاء، فهي بمعنى سائر السور التي كانت تتلى للدعوة، ويقصد بها إثبات التوحيد والبعث ورسالة خاتم النبيين، وصدق كتابه الحكيم. وأما سورة العنكبوت وسورة الروم فقد افتتحت كل منهما بعد {الم} بذكر أمر من أهم الأمور المتعلقة بالدعوة، فالأول الفتنة في الدين، وهي إيذاء الأقوياء للضعفاء، واضطهادهم لأجل صرفهم عن دينهم بالقوة القاهرة. كان مشركو قريش يظنون أنهم يطفئون الإِسلام ويبطلون دعوته بفتنتهم للسابقين إليه لا سيما الضعفاء الذين لم يكن لهم ناصر من الأقوياء بحمية نسب ولا رابطة ولاء، وكان المضطهدون من المؤمنين لا يدركون حكمة الله في ظهور أعدائه عليهم، فبين الله في فاتحة هذه السورة أن الفتنة في الدين من سننه تعالى في نظام الاجتماع، يمتاز بها الصادقون من الكاذبين، ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وتكون العاقبة للمتقين الصابرين، فكانت السورة جديرة بأن تفتتح بالحروف المنبهة لما بعدها. والأمر الثاني الذي افتتحت به سورة الروم هو الإِنباء بأمر وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل وصول خبره إلى قومه، والإِنباء بما سيعقبه مما هو في طوايا الغيب، ذلك أن دولة فارس غلبت الروم في القتال الذي كان قد طال أمره بينهما، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبأن الأمر سيدول وتغلب الروم الفرس في مدى بضع سنين، وقد صدق الخبر ونجز الوعد، فكان كل منهما معجزة من أظهر معجزات القرآن، والآيات المثبتة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو فات مَن تلاها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مِن أولها لما فهموا مما بعدها شيئا، فكانت جديرة بأن تبدأ بهذه الحروف المسترعية للأسماع، المنبهة للأذهان، وكان هذا بعد انتشار الاسلام بعض الانتشار وتصدي رؤساء قريش لمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة وتلاوة القرآن على الناس، ولا سيما في موسم الحج، وكان السفهاء يلغطون إذا قرأ ويصخبون، كما أخبر عنهم سبحانه في قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]. وأما سورة (ن) ففاتحتها وخاتمتها في بيان تعظيم شأن الرسول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، ودفع شبهة الجنون عنه، وهي أول ما نزل بعد سورة العلق وكانت شبهة رميه - حماه الله وكرمه - بتهمة الجنون مما يتبادر إلى الأذهان من غير عداوة ولا مكابرة، فإن رجلا أمينا فقيرا وادعا سَلَماً ليس برئيس قوم ولا قائد جند، ولم يكن ذا تأثير في الشعب بخطابة ولا شعر، يدعي أن جميع البشر على ضلال الكفر والفسق، وأنه مرسل من الله لهداية الخلق، وأن دينه سيهدي العرب والعجم، وإصلاح شرعه سيعم جميع الأمم، لا يستغرب من مدارك أولئك المشركين الجاهلين بسنن الله في الأمم، وآياته في تأييد المرسلين، أن يكون أول ما يصفون به صاحب هذه الدعوة قبل ظهور الآيات والعلوم بقولهم: إنه لمجنون، وبعد ظهورها بقولهم: ساحر أو كاهن أو مجنون، وبعد ظهور العلم والعرفان بقولهم: معلم مجنون: {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} تفسير : [الذاريات: 52 - 53]. نعم؛ قد قيل إن (ن) هنا بمعنى الدواة، ولذلك قرن بالقلم لبيان أن هذا الدين يقوم بالعلم والكتابة، كما قال في أول ما نزل عليه قبلها: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} تفسير : [العلق: 3 - 4]. وقيل إنه بمعنى الحوت، لأن في السورة ذكرا لصاحب الحوت - يونس عليه السلام -، ولو صح هذا أو ذاك لما كتبت النون مفردة ونطقت ساكنة، بل كانت تذكر مركبة ومعربة، كقوله: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ..} تفسير : [الأنبياء: 87] وإنما يصح أن يكون فيها إشارة إلى ما ذكر كما يصح في سائر تلك الحروف أن تكون فيها إشارات إلى معاني معينة تظهر لبعض الناس دون بعض، أو غير معينة تذهب فيها الأفهام مذاهب تفيد أصحابها علما أو عبرة، بشرط أن تتفق مع هداية القرآن، وإن لم يصح أن يقال إنها مرادة لله تعالى بحسب دلالة الألفاظ العربية على معانيها. وأتبع ذلك ذكر أمثلة، منها ما أوردناه في القول السادس عن بعض السلف أن هذه الحروف ترمز إلى أسماء وصفات وأفعال لله عز وجل. ثم ذكر عقب هذا أن ما أورده من هذه المناسبات اللطيفة لا يتنافى مع ما اختاره في تفسير سورتي البقرة وآل عمران أن هذه الحروف أسماء للسور المصدرة بها. والخلاصة أنه يستفاد من كلامه أن هذه الفواتح أريد بها التنبيه على ما سيعقبها كسائر أدوات الافتتاح - وهو رأي لعله لم يسبق إليه - غير أن كون القرآن لا يخرج وضعه في حروفه وكلماته عما تعورف عليه بين العرب يمنع ذلك، إذ لم يعهد من العرب التنبيه بمثل هذه الكلمات بل للتنبيه عندهم كلمات معهودة، والأقرب - حسبما أرى - أن تكون هذه المناسبات اللطيفة التي وفق هذا العلامة العَيْلم لاستظهارها مؤيدة لرأي من يرى أن سرد هذه الفواتح لتنبيه الغافلين بأن القرآن لم يأت بجديد من الحروف والكلمات عما هو معهود عند العرب وإنما سرت في حروفه وكلماته نفخة من روح الله عز وجل الذي أنزله بعلمه فتجاوز بلاغات جميع بلغاء الدنيا حتى أن الثقلين لو تظاهروا على الإِتيان بشيء من مثله لارتدوا خاسئين. وما أروع التذييل الذي أتبعه شهيد الإِسلام سيد قطب في ظلاله، هذا الرأي الذي اختاره وعول عليه حيث قال: والشأن في هذا الاعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا، وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس، إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات، فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرَّة أو آنية أو أسطوانة أو هيكل أو جهاز كائن في دقته ما يكون، ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة، حياة نابضة خافقة تنطوي على ذلك السر الالهي المُعْجِز سر الحياة، ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر، ولا يعرف سره بشر، وهكذا القرآن، حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا، ويجعل الله منها قرآنا وفرقانا، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض، هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة. الرابع عشرة: أنها أريد بها تعليم العرب الأميين للحروف المقطعة، كما يعلم الصبيان، فإذا وردت عليهم بعد ذلك مركبة كانت أسهل عليهم، وهو قول عبدالعزيز بن يحيى، وهذا لأن العرب ندر فيهم من قرأ وكتب لأن عنايتهم كانت موجهة إلى فنون الفروسية وطرائق القتال وكان جهلهم أهل بادية لا يدعوهم داع إلى تعلم الكتابة والقراءة، وإذا وجد بينهم من تعلمها فلا يكون إلا في الحواضر كحواضر اليمن والحجاز، ومع ذلك كانوا قلة نادرة مغمورة بالسواد الأعظم من الأميين ومن حيث أن القرآن نزل قاضيا على الأمية كانت مجموعة من سوره مفتتحة بهذه الفواتح المقتضبة للتهجي الذي هو مفتاح القراءة والكتابة. واعترض بأن الحروف المصدرة بها في السور ليست جميع حروف المعجم وإنما هي نصفها كما بينه صاحب الكشاف وسيأتي إن شاء الله. الخامس عشر: أنها حروف أريد بها التنبيه كأدوات النداء، نحو يا فلان التي يراد بها إيقاظ ذهن السامع وهو محكي عن ثعلب والأخفش وأبي عبيدة. قال ابن عطية: كما يقول في إنشاد أشهر القصائد لا وبل: وفي معناه قول الفخر الرازي في تفسير فاتحة العنكبوت: إن الحكيم إذا خاطب من يكون في محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال، يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب لسببه إليه، ويقبل بفكره عليه، ثم يشرع في المقصود، وذلك المقدم قد يكون كلاما ذا معنى مفهوم كقول القائل: اسمع واجعل بالك إلي وكن لي، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيد ويا زيد وألا يا زيد، وقد يكون صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الانسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والمقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر، ولهذا ينادى القريب بالهمزة فيقال: أزيد، والبعيد بيا، فيقال: يا زيد، والعاقل ينبه أولا فيقال: ألا يا زيد. ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان ولكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم في خطابه حروفا هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إن كانت لا يفهم معناها كانت أتم فائدة لأن المقصود بها إقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعدها، فلو كانت كلاما منظوما وقولا مفهوما لربما ظن سامعها أنها غاية المقصود، وليس شيء وراءها فيقطع التفاته عن المتكلم، أما إن كانت صوتا بلا معنى كانت أدعى إلى إقبال السامع واستدامة إصغائه للمتكلم لعلمه أن وراءها غاية لم يصل إليها. وهذا القول يتفق مع ما تقدم نقله عن السيد رشيد رضا مما فصله في تفسير سورة الأعراف من المنار، وقد تقدم ما فيه ثم فلا داعي إلى تكراره، غير أني أضيف إلى ما هناك أن مجيء هذه الفواتح على غير وتيرة واحدة مما يضعف هذا القول، فاختلافها بحيث تأتي تارة على حرف وتارة على حرفين إلى خمسة أحرف، يدل على أن هذا التفاوت لحكمة مقصودة، فلا تحمل على قصد إيقاظ السامع وحده. السادس عشر: أن تصدير بعض السور بهذه الفواتح أريد به شد انتباه السامعين إلى معجزة القرآن المنزل على النبي الأمي، وذلك أن النطق بهذه الحروف مركبة في الكلمات أمر تساوى فيه العرب، فلا فرق بين الأميين وأهل الكتاب منهم بخلاف النطق بأسمائها، فإنه كان نادرا لا يتجاوز القرّاء والكتّاب الذين خالطوا أهل الكتاب فاقتبسوا منهم معرفة الكتابة والقراءة، ويستبعد جدا النطق بها من أمي لم تسبق له قراءة ولا كتابة استبعاد القراءة والكتابة نفسها، كما قال سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48]، فكان نطقه صلى الله عليه وسلم بها مع اشتهار عدم اقتباس شيء منها من الكتّاب والقرّاء معجزا إعجاز ما احتواه القرآن من أخبار لم يكن هو ولا قومه يعلمونها، ففي كلا الأمرين شهادة على عدم تلقيهما إلا من وحي الله، إذ مثلهما كمثل التكلم بلغة أجنبية لمن لم يسمعها من قبل. وتعقبه الامام ابن عاشور بأن الأمي لا تعسر عليه التهجية. السابع عشر: أنها أوردت هكذا ليصغي إليها المشركون لما فيها من الغرابة، فينصب في آذانهم ما يليها من المعاني التي يتدفق بها بيان الفرقان، وذلك أنهم كانوا يتصاممون عنه خشية تأثيره عليهم ببيانه البليغ، ومعناه الساطع، كما حكى الله عنهم قولهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]، فكانت هذه الفواتح وسيلة لإِنصاتهم. قاله قطرب، وهو قريب من بعض ما تقدم. الثامن عشر: أنها علامة لأهل الكتاب وعدوا بها من قبل أنبيائهم في سور الكتاب الذي ينزل على النبي المنتظر عليه أفضل الصلاة والسلام. التاسع عشر: أنها أوردت هكذا تنبيها على تركب كلمات القرآن من الحروف الحادثة التي يتركب منها سائر الكلام، ليكون في ذلك هدم لدعوى من يقول بقِدم القرآن من هذه الأمة، وذلك أن الله سبحانه علم أن قوما سيقولون ذلك، فأنزل هذه الحروف لتكون دليلا على بطلان معتقداتهم. وتعقبه ابن عاشور بأن هذا وهم، لأن تأليف الكلام من أصوات الكلمات أشد دلالة على حدوثه من دلالة الحروف المقطعة لقلة أصواتها. العشرون: أنها ثناء أثنى الله به على نفسه، روي عن ابن عباس وهو يرجع أيضا إلى بعض ما سبق. وأكثر هذه الأقوال ليس بحاجة إلى دليل على ضعفه، ومن ورائها أقوال أكثر منها، فإن ما قيل في هذه الفواتح يناهز مائة قول أو يتجاوزها، فما من اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته فيه حرف من هذه الحروف إلا قيل إنه المراد بذلك الحرف، سواء كان في أوله أو وسطه أو آخره، ومما لا يمارى فيه أن الأقوال - وان جلت منزلة قائلها - إذا لم تعضدها الأدلة لا تعدو أن تكون دعاوى أعوزتها البينات. وإذا كان العلماء المتقدمون تباروا حسب فهومهم في تبيان المراد بهذه الفواتح، فإن المتأخرين من فرسان علم التفسير المعاصرين لم يكونوا أقل منهم عناية بها، وقد مرّ بكم ما استظهره العلاّمة صاحب المنار من نكت لطيفة، وبدائع ظريفة تتعلق بها. وممن جرى في هذا المضمار شيخنا العلاّمة أبو إسحاق إبراهيم اطفيش - رحمه الله تعالى -، فقد سمعت منه في دروسه التفسيرية التي كان يلقيها بجزيرة زنجبار أيام زيارته لها عام 1380 هـ، ما رأيته من بعد منقولا عنه في كتاب (إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق) للدكتور حفني محمد شرف، وإليكم نص ما نقله عنه: إن فواتح السور من كتاب الله العزيز فيها من المعاني ما تحار فيه ألباب أساطين العلماء، فمع جمعها لعلوم شتى، فإن الفواتح المعجمة منها إذا نظرنا إلى كل سورة ابتدئت بحرف أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فإننا نستطيع إدراك معنى تلك الحروف المفردة في أول السورة بالمعاني التي مضت في السورة التي قبلها، وبالتأمل في هذه الحروف نرى أنها أسماء للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا رأي قال به السيوطي، فنجد قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أن معنى الحرف (ن): نور، وأنه نداء مرخم، ونور من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول الله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15] وإن ذهب بعض المفسرين إلى معان أخرى في لفظ النون، ولكن القسم والآية بعده يدلان على أن المخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إذا رجعنا إلى سورة الملك قبلها فإننا نرى في أثناء تلك السورة ما يشعر بتهديد المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له، وفيها من الآيات المقرعة لهم المهددة بالعذاب في الدنيا والآخرة، فما يجتمع من كل هذه المعاني العظيمة يؤكد أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بالنور ليشعره الله بالأنس وارتفاع المكانة، وكذلك فاتحة سورة (ص) ومعناها يا صادق، و{طه} ومعناها يا طاهر، و{الم} ومعناها يا أيها المرسل، و{المر} ومعناها يا أيها الرسول، و{المص} ومعناها يا أيها المرسل الصادق، وأما {حم عسق} فمعناها يتضح بعد قراءة سورة فصلت، وما فيها من تهديدات متعددة لمشركي العرب، ولمشركي قريش، ثم ختم السورة بقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ..} تفسير : [فصلت: 53] الآية، ولو علمنا أن السورة نزلت في مكة وكان بعدها غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما كسر شوكة المشركين، فإننا نجد معنى حروف {حم عسق} يتضح ويدل على المعنى الآتي: يا أحمد - وهو من أسمائه - عذاب الله سيأتيهم قريبا. فتكون الحاء والميم إشارة إلى اسم الرسول، والعين إشارة إلى عذاب الله، والسين إلى إتيان العذاب مستقبلا، والقاف للدلالة على إتيانه قريبا. ومعنى {كهيعص} - بعد ما في سورة الكهف من اشتداد الأمر على رسول الله وكثرة همومه من أمر المشركين - الاشارة إلى كمال هذا الأمر وهو النصر اليقيني فعليك بالصبر. فتكون الكاف إشارة إلى كماله، والهاء إشارة إلى هذا الأمر، والياء إلى يقيني بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجرات: 99] وهو النصر قطعا، والعين إشارة إلى الصبر، والمعنى لزم الصبر، كما لزمه زكريا - عليه السلام - ا هـ. والظاهر أن في هذا النقل سقطا لا تتم الفائدة بدون اعتباره، وتمام العبارة: فالعين إشارة إلى عليك، والصاد إشارة إلى الصبر. وقد لاحظ الناقل الدكتور حفني محمد شرف أن هذا الرأي ليس بجديد، وإنما الجديد فيه ربط السور القرآنية برباط الوحدة الفنية التي توجد في القرآن، كما أن هذا الرأي قائم على أن ترتيب السور القرآنية ترتيب إلهي، بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} تفسير : [القيامة: 17]. كما لاحظ على هذا الرأي الاختلاف في معنى هذه الحروف، فمرة يجعلها الشيخ إشارة إلى أشياء، ومرة يجعل الحرف الواحد إسما للرسول ينادى مرخما أو غير مرخم، كما أنه فسر العين بتفسيرين مختلفين. وأضيف إلى ما قاله الدكتور حفني أن رأي الشيخ في هذه الفواتح لا يختلف عن رأي أغلب الذين حاولوا فك رموزها في عدم استناده إلى دليل، والقرائن التي استأنس بها لا تكفي لأن تكون سندا يُعتمد عليه في بيان ما غمض من معاني القرآن، ومما يوهن رأيه أنه يؤدي إلى الخروج ببعض كلمات القرآن عن مألوف أساليب العرب في الكلام، كقوله إن (ن) ترخيم لنور، فالمعروف في الترخيم أن لا يحذف فيه أكثر من حرف، وحكمته اختصار الكلام، ومن البديهي أن هذه الحكمة تتلاشى عند ما يحذف من نور حرفان، وينطق باسم الحرف الباقي بدلا من المسمى، فإن وزن (ن) هو وزن نور نفسه، فضلا عما في ذلك من مخالفة الأسلوب العربي في الترخيم، على أن استدلاله بقوله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15] لكون النور من أسمائه صلى الله عليه وسلم لا يتم لجواز عطف اسم على اسم، أو صفة على صفة مع اتحاد حقيقة المعطوف والمعطوف عليه لأجل ملاحظة بعض الاعتبارات، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [البقرة: 53] فإن الفرقان هو نفس الكتاب عند كثير من المفسرين، فلا يمنع أن يكون النور هو نفس الكتاب، وقد جاء صريحا تسميته بالنور في قوله عز وجل: {أية : وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174]، وقوله: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى: 52]، وقوله: {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} تفسير : [التغابن: 8] كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نور الله في قوله: "حديث : هو حبل الله المتين ونوره المبين .." تفسير : ويمكن الاستئناس لكون النور هو نفس الكتاب بإفراد الضمير المذكور بعدهما في الآية التالية وهي قوله تعالى: {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} تفسير : [المائدة: 16]. وقد أدلى المستشرقون من جانبهم بدلوهم في تفسير هذه الفواتح، وقد آثرت تنزيه هذا التفسير عن ذكر شيء مما قالوه، فإن آراءهم من السفسطة والسخف بحيث لا ينبغي لعاقل أن يشتغل بها، ولا عجب فإنهم ينطلقون في كل ما يكتبون أو يقولون عن الاسلام من مبدأ كراهيتهم له وحقدهم عليه. هذا وقد أتبع الزمخشري تفسيره لهذه الفواتح بذكر نُكَتٍ لطيفة ينبغي أن لا نغفل إيرادها لما فيها من الفوائد، وإليكم نص كلامه: "واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء، وهي: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون. في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك ان فيها من المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المهجورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء. ثم إذا استقريت الكلمة وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة من المذكورة منها فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وقد علمت أن معظم الشيء وجلّه ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحجة إياهم، ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم، أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة البقرة وآل عمران والروم والعنكبوت ولقمان والسجدة والأعراف والرعد ويونس وإبراهيم وهود ويوسف والحجر. وقد كنت أظن ما يظنه الكثير أن الزمخشري هو رائد المفسرين في التنقيب عن لطائف هذه الأسرار، وممن كان يظن ذلك السيد الجرجاني، فبعد تحليله كلام الزمخشري في حواشيه على الكشاف قال: - مشيرا إلى هذه اللطائف - ربما لم يفطن لها قبل المصنف أحد من حذّاق العلماء المتبحرين. ولكني أثناء مطالعاتي لكتاب إعجاز القرآن للامام الباقلاني رأيت بعض ما أورده الزمخشري وهو دليل على أن الزمخشري مسبوق من قبل غيره من علماء القرآن، فإن الباقلاني سابق عليه زمنا، وذكر الدكتور حفني محمد شرف في كتابه إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق أن الباقلاني هو أيضا مسبوق إلى ذلك، غير أنه لم يذكر هذا السابق وإنما جُل المفسرين الذين عنوا ببحث هذه اللطائف قد اغترفوا من منهل الكشاف ونجد لهم في ذلك موقفين؛ موقف المؤيد وموقف المعارض. أما المؤيدون فهم الغالبية العظمى، ونذكر من بينهم السيد الجرجاني، وأبا السعود، وناصر الدين بن المنير الاسكندري، وابن كثير، والبيضاوي، وقطب الأئمة، والمحقق الخليلي، ومن هؤلاء من أضاف لطائف أخرى إلى ما أورده الزمخشري، من شاء الوقوف عليها فليرجع إليها في مراجعها كتفسير البيضاوي، وهميان الزاد، وجوابات المحقق الخليلي. وأما المعارض فهو الشوكاني حيث قال في تفسيره فتح القدير: هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتد بها وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة والتبكيت كما قال فهذا متيسر بأن يقال لهم هذا القرآن هو من الحروف التي تتكلمون بها، ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتا وإلزاما يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز وتعمية وتفريق لهذه الحروف في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضا مما لا يفهمه أحد من السامعين، ولا يتعقل شيئا منه فضلا عن أن يكون تبكيتا له وإلزاما للحجة أيّا كان، فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه ولم يفهم السامع هذا ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلا عن كله، ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا تتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا مقر ولا منكر، ولا مسلم ولا معارض، ولا يصح أن يكون مقصدا من مقاصد الرب سبحانه الذي أنزل كتابه للإِرشاد إلى شرائعه والهداية به. وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة ولا بلاغة، حتى يكون مفيدا أنه كلام بليغ أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل لذلك فيما ذكر، وأيضا فلو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها أو بعدها لم يصح وصفها بذلك لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا أن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة والبلاغة في ورد ولا صدر، بل من عكسهما وضد رسمهما .. إلى آخر ما قاله. والذي يستخلص من كلامه أن إعجاز القرآن الكريم كان ينبغي أن يكون مفهوما عند العرب الأميين الذين كان يجتاح ضلالاتهم بسبب بيانه، ويبدد شبهاتهم بشمس فرقانه، ولعمري إن القرآن حافل بالآيات البينات التي لم تقف في وجهها ضلالة من ضلالات الجاهلية، غير أن تألق حجته وإشراق معجزته ليسا محصورين إبان نزوله، فهو نداء الحق الذي لا يسكته مرور الزمن وتعاقب الأجيال، فما من زمن إلا وتتجلى فيه منه آيات باهرات تقف بالناس على صدق قوله وعدل حكمه، وأنه يستحيل أن يكون من عند غير الله. وإذا كان أئمة الضلال وقادة الجاهلية كانوا يتصاممون عن قوارع نذره، ويتعامون عن بوارق آياته، ويتواصون بذلك، فإن تلامذتهم في كل عصر لا ينفكون عن هذا المسلك، وكل رجائهم أن يكدروا صفوه ويطمسوا نوره بما يقذفونه في خضمه النوراني من الأكاذيب والشبه، وهو يغرق في أعماقه قذائفهم من غير أن يكون لها أي أثر على صفوه ونوره، وفي العصر الحديث طائفة من الملاحدة الأفاكين الذين منوا أنفسهم بالنجاح في هذه المحاولة، من بينهم من خلع عليه - من قبل أساتذته الذين اختاروه لهذا الغرض - لقب عميد الأدب العربي، فقد بلغ به جهله ووقاحته أن صرح بمحاولته اختصار القرآن لتجريده من الحشو الذي يدعيه فيه، وقد حفظ الله كتابه من كيد المتآمرين، وصانه عن أيدي العابثين، واستأصل بحجته شُبَهَ دعاوى المبطلين. وإذا كان هذا ديدن المتنطعين المحرومين من هدايته، في عصر نزوله، فما المانع أن يكون في طوايا آياته ما لم تنكشف أسراره للجيل الذي نزل فيه؟ وأن يكون مخبأ لمن يأتي من بعدهم ممن يكونون على شاكلتهم في الانطواء على عداوة الحق، ومحاربة الحقيقة، فلعل بعض المتنطعين حال تفتيشه عن الثغرات التي يتخيلها في القرآن يواجه بمثل هذه الآيات الدالة على عجز البشر عن الاتيان بمثله فيكون من نتيجة ذلك إما انصرافه عن الغي إلى الرشد، وإما افتضاحه وتحطم كيده، ومما لا يُشك فيه أن الاتيان بهذه الفواتح على النحو الذي أوضحه الزمخشري وغيره ليس من مقدور البشر ولا يضير هذا الإِعجاز كونه لم يتكشف للعرب الذين نزل بين ظهرانيهم، فإن نداء القرآن ليس قاصرا عليهم، وآياته لا تزال تتجدد بتجدد أطوار الناس، وتتجلى في كل عصر بما يقيم حجته على الخلق أجمعين، {أية : وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [القلم: 52]، {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} تفسير : [ص: 88].

الالوسي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الۤمۤ} هي وسائر الألفاظ التي يتهجى بها كبا تا ثا أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي ركبت منها الكلمة لصدق حد الاسم المتفق عليه واعتوار خواصه المجمع عليها على كل منها، ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه كيف تنطقون في الباء من ضرب والكاف من لك؟ فقالوا: باء كاف، فقال إنما جئتم بالاسم لا الحرف/ وأنا أقول به كه. وما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: {آلۤم} حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» تفسير : فالمراد به غير المصطلح إذ هو عرف جديد بل المعنى اللغوي وهو واحد حروف المباني فمعنى ألف حرف الخ مسمى ألف وهكذا ولعله صلى الله عليه وسلم سمى ذلك حرفاً باسم مدلوله فهو معنى حقيقي له وما قيل إنه سماه حرفاً مجازاً لكونه اسم الحرف وإطلاق أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور ليس بشيء فإن أريد من {الۤمۤ} مفتتح سورة الفيل يكون المراد أيضاً منه مسماه وتكون الحسنات ثلاثين وفائدة النفي دفع توهم أن يكون المراد بالحرف فيمن قرأ حرفا الكلمة وإن أريد نحو ما هنا فالمراد نفسه ويكون عدد الحسنات حينئذٍ تسعين وفائدة الاستئناف دفع أن يراد بالحرف الجملة المستقلة كما في «الإبانة» لأبـي نصر عن ابن عباس قال: آخر حرف عارض به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : الۤمۤ * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }تفسير : [البقرة: 1-2] والمعنى لا أقول إن مجموع الأسماء الثلاثة حرف بل مسمى كل منها حرف وإنما لم يذكر تلك الحروف من حيث إنها أجزاء بأن يقابل ألف حرف ولام حرف تنبيهاً على أن المعتبر في عدد الحسنات الحروف المقروءة التي هي المسميات سواء كانت أجزاء لها أو لكلمات أخر لا من حيث إنها أجزاء لتلك الأسماء فيكون عدد الحسنات في نحو ضرب ثلاثين. والحاصل أن الحروف المذكورة من حيث إنها مسميات تلك الأسماء أجزاء لجميع الكلم مفردة بقراءتها ومن حيث إنها أجزاء تلك الأسماء لا تكون مفردة إلا عند قراءة تلك الأسماء والمعتبر في عدد الحسنات الاعتبار الأول دون الثاني ذكر ذلك بعض المحققين ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة حيث جعلوا المسمى صدر كل اسم له، كما قاله ابن جني وذلك ليكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع ألا ترى أنك إذا قلت جيم فأول حروفه جيم وإذا قلت ألف فأول حروفه ألف التي نطقت بها همزة ولما لم يمكن للواضع أن يبتدىء بالألف التي هي مدة ساكنة دعمها باللام قبلها متحركة ليمكن الابتداء بها فقالوا لا كما ـ لا ـ كما يقوله المعلمون لام ألف فإنه خطأ وخص اللام بالدعامة لأنهم توصلوا إلى اللام بأختها في التعريف فكأنهم قصدوا ضرباً من المعاوضة فالألف هي أول حروف المعجم صورة الهمزة في الحقيقة ويضاهي هذا في إيداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحمدلة والحوقلة وتسمية النحاة نحتاً وحكم أسماء الحروف سكون الإعجاز ما لم تكن معمولة وهل هي معربة أم مبنية أم لا؟ ولا خلاف مبني على الاختلاف في تفسير المعرب والمبني فالخلاف لفظي وللناس فيما يعشقون مذاهب. والبحث مستوفى في «كتبنا النحوية». وقد كثر الكلام في شأن أوائل السور والذي أطبق عليه الأكثر وهو مذهب سيبويه وغيره من المتقدمين أنها أسماء لها وسميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها وذلك كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي وبصاد النحاس وبقاف الجبل، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربـي ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدى ولما أمكن التحدي به، وإن كانت مفهمة فإما أن يراد بها السور التي هي مستهلها على أنها ألقابها بناءً على ذلك الإشعار أو غير ذلك والثاني باطل لأنه إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب وظاهر أنه ليس كذلك أو غيره وهو باطل لأن القرآن نزل بلسان عربـي مبين/ فلا يحمل على ما ليس في لغتهم وعورض بوجوه، الأول أنا نجد سوراً كثيرة افتتحت بالم وحم والمقصود رفع الاشتباه، الثاني لو كانت أسماء لوردت ولاشتهرت بها والشهرة بخلافها كسورة البقرة وآل عمران، الثالث أن العرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين كبعلبك ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم، الرابع أنه يؤدي إلى اتحاد الاسم والمسمى، الخامس أن هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة واسم الشيء متأخر عنه فيلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال. وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، وعن الثاني بأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : يسۤ قلب القرآن ومن قرأ حم حفظ إلى أن يصبح»تفسير : وفي "السنن": «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم سجد في (صۤ)» تفسير : وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق مع أن شهرة أحد العلمين لا يضر علمية الآخر فكم من مسمى لا يعرف اسمه إلا بعد التنقير لاشتهاره بغيره كأبـي هريرة وذي اليدين وعدم اشتهار بعضها لكونه مشتركاً فترك لاحتياجه إلى ضميمة كألم هنا، وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء مثلاً إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسماً واحداً فأما إذا نثرت نثر أسماء الأعداد فلا لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى. وقد وردت التسمية بثلاثة ألفاظ كشاب قرناها، وسر من رأى، ودارابجرد وسوى سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم، وعن الرابع بأن هذه التسمية من تسمية مؤلف بمفرد والمفرد غير المؤلف فلا اتحاد ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفاً منه ومن غيره كصاد فهما متغايران ذاتاً وصفة، وعن الخامس بأن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل والجزء مقدم من حيث ذاته مؤخر من حيث وصفه وهو الاسمية فلا محذور، وقال بعضهم: كونها أسماء الحروف المقطعة أقرب إلى التحقيق لظهوره وعدم التجوز فيه وسلامته مما يرد على غيره ولأنه الأمر المحقق وأوفق للطائف التنزيل لدلالته على الإعجاز قصداً ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصود العلمية وكلام سيبويه وغيره ليس نصاً فيها لاحتمال أنهم أرادوا أنها جارية مجراها، كما يقولون: قرأت بانت سعاد و {قُلْ هُوَ الله أحد} [الإخلاص: 1] أي ما أوله ذلك فلما غلب جريانها على الألسنة صارت بمنزلة الأعلام الغالبة فذكرت في باب العلم وأثبتت لها أحكامه على أن ما ذكر في الاعتراض الثالث مما لا محيص عنه إذ عدم وجود التسمية بثلاثة أسماء وأربعة وخمسة في كلام العرب مما لا شك فيه وما نقل عن سيبويه مجرد قياس محتاج للإثبات كما ذكره السيد السند. هذا ووراء هذين القولين أقوال أخشى من نقلها الملال والذي يغلب على الظن أن تحقيق ذلك علم مستور وسر محجوب عجزت العلماء ـ كما قال ابن عباس ـ عن إدراكه وقصرت خيول الخيال عن لحاقه، ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه: لكل كتاب سر وسر القرآن أوائل السور، وقال الشعبي: سر الله تعالى فلا تطلبوه:شعر : بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم للخلق يحكيه تفسير : فلا يعرفه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الأولياء الورثة فهم يعرفونه من تلك الحضرة وقد تنطق لهم الحروف عما فيها كما كانت تنطق لمن سبح بكفه الحصى وكلمه الضب والظبـي صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك من رواية أجدادنا أهل البيت رضي الله تعالى عنهم بل متى جنى العبد ثمرة شجرة قرب النوافل علمها وغيرها بعلم الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما ذكره المستدل سابقاً من أنه لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل الخ فمهمل من القول وإن جل قائله لأنه إن أراد/ إفهام جميع الناس فلا نسلم أنه موجود في العلمية وإن أراد إفهام/ المخاطب بها وهو هنا الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مما لا يشك فيه مؤمن وإن أراد جملة من الناس فيا حيهلا إذ أرباب الذوق يعرفونها وهم كثيرون في المحمديين والحمد لله.شعر : نجوم سماء كلما انقض كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه تفسير : وجهل أمثالنا بالمراد منها لا يضر فإن من الأفعال التي كلفنا بها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كرمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة والرمل والاضطباع والطاعة في مثله على كمال الانقياد ونهاية التسليم فلم لا يجوز أن يأمرنا من لا يسئل عما يفعل جل شأنه بما لم نقف على معناه من الأقوال ويكون المقصود من ذلك ظهور كمال الانقياد من المأمور للآمر ونهاية التسليم والامتثال للحكيم القادر:شعر : لو قال تيها قف على جمر الغضى لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف تفسير : على أن فيه فائدة أخرى هي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود منه مع القطع بأن المتكلم به حكيم فإنه يبقى قلبه منقلباً إليه أبداً ومتلفتاً نحوه سرمداً ومتفكراً فيه وطائراً إلى وكره بقدامى ذهنه وخوافيه وباب التكليف اشتغال السر بذكر المحبوب والتفكر فيه وفي كلامه فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة ومنة منه عليه جسيمة ربما يرقى بواسطتها إلى حظائر القدس ومعالم الأنس وأول العشق خيال وهذا لا ينافي كون القرآن عربياً مبيناً مثلاً لأنه بالنسبة إلى من علمت. وأما التحدي فليس بجميع أجزائه وكون أول السورة مما ينبغي أن يكون مما يتحدى به غير مسلم. ومن عجائب هذه الفواتح أنها نصف حروف المعجم على قول وهي موجودة في تسع وعشرين سورة عدد الحروف كلها على قول، واشتملت على أنصاف أصنافها من المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة وقد تكلم الشيخ الأكبر قدس سره ((على سر عدد حروفها بالتكرار وعدد حروفها بغير تكرار وعلى جملتها في السور وعلى أن إفرادها في (صۤ) و (قۤ) و (نۤ) وتثنيتها في (طسۤ) و (طه) وأخواتهما وجمعها من ثلاثة فصاعداً ولم بلغت خمس حروف ولم وصل بعضها وقطع بعض؟ فقال قدس سره في «فتوحاته» أعاد الله تعالى علينا من طيب نفحاته ما حاصله: اعلم أن مبادىء السور المجهولة لا يعلم حقيقتها إلا أهل الصور المعقولة فجعلها تبارك وتعالى تسعاً وعشرين سورة وهو كمال الصورة {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } تفسير : [يس: 39] والتاسع والعشرون القطب الذي به قوام الفلك وهو علة وجوده وهو سورة آل عمران [1-2] {أية : الۤمۤ * ٱللَّه }تفسير : ولولا ذلك ما ثبتت الثمانية والعشرون وجملتها على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً فالثمانية حقيقة البضع قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإيمان بضع وسبعون» تفسير : وهذه الحروف ثمانية وسبعون فلا يكمل عبد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها كما أنه إذا علمها من غير تكرار علم تنبيه الله فيها على حقيقة الإيجاد وتفرد القديم سبحانه وتعالى بصفاته الأزلية فأرسلها في قرآنه أربعة عشر حرفاً مفردة مبهمة فجعل الثمانية لمعرفة الذات والسبع الصفات منا وجعل الأربعة للطبائع المؤلفة فجاءت اثنتا عشرة موجودة وهذا هو الإنسان من هذا الفلك ومن فلك آخر متركب من أحد عشر ومن عشرة ومن تسعة ومن ثمانية حتى يصل إلى فلك الاثنين ولا يتحلل إلى الأحدية أبداً فإنها مما انفرد بها الحق سبحانه ثم إنه تعالى جعل أولها الألف في الخط والهمزة في اللفظ وآخرها النون، فالألف لوجود الذات على كمالها لأنها غير مفتقرة إلى حركة، والنون لوجود الشطر من العالم وهو عالم التركيب وذلك نصف الدائرة الظاهرة لنا من الفلك والنصف الآخر النون المعقولة عليها التي لو ظهرت للحس وانتقلت إلى عالم الروح لكانت دائرة محيطة ولكن أخفى هذه النون الروحانية التي بها كمال الوجود وجعلت نقطة النون المحسوسة دالة عليها/ فالألف كاملة من جميع وجوهها والنون ناقصة فالشمس كاملة والقمر ناقص لأنه محو فصفة ضوئه معارة وهي الأمانة التي حملها وعلى قدر محوه وسراره إثباته وظهوره ثلاثة لثلاثة فثلاثة غروب القمر القلبـي الإلهي في الحضرة الأحدية وثلاثة طلوع القمر القلبـي الإلهي في الحضرة الربانية وما بينهما في الخروج والرجوع قدماً بقدم لا يختل أبداً ثم جعل سبحانه وتعالى هذه الحروف على مراتب منها موصول ومنها مقطوع ومنها مفرد ومثنى ومجموع ثم نبه أن في كل وصل قطعاً وليس في كل قطع وصل فكل وصل يدل على فصل وليس كل فصل يدل على وصل والوصل والفصل في الجمع وغير الجمع والفصل وحده في عين الفرق فما أفرده من هذا فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلاً أو ما ثناه فإشارة إلى وجود رسم العبودية حالا وما جمعه فإشارة إلى الأبد بالموارد التي لا تتناهى والإفراد للبحر الأزلي والجمع للبحر الأبدي والمثنى للبرزخ المحمدي الإنساني والألف فيما نحن فيه إشارة إلى التوحيد والميم إشارة إلى الملك الذي لا يبيد واللام بينهما واسطة ليكون بينهما رابطة، فانظر إلى السطر الذي يقع عليه الخط من اللام، فتجد الألف إليه ينتهي أصلها وتجد الميم منه يبتدىء نشؤها ثم تنزل من أحسن تقويم وهو موضع السطر إلى أسفل سافلين منتهى تعريف الميم ونزول الألف إلى السطر مثل قوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" وهو أول عالم التركيب لأنه سماء آدم عليه السلام ويليه فلك النار فلذلك نزل إلى أول السطر فإنه سبحانه وتعالى نزل من مقام الأحدية إلى مقام الخليفة نزول تقدس وتنزيه لا نزول تمثيل وتشبيه وكانت اللام واسطة وهي نائبة مناب المكون والكون فهي القدرة التي عنها وجد العالم فأشبهت الألف في النزول إلى أول السطر؛ ولما كانت ممتزجة من المكون والكون فإنه سبحانه وتعالى لا يتصف بالقدرة على نفسه وإنما هو قادر على خلقه فكان وجه القدرة مصروفاً إلى الخلق فلا بد من تعلقها بهم. ولما كانت حقيقتها لا تتم بالوصول إلى السطر فتكون هي والألف على مرتبة واحدة طلبت بحقيقتها النزول تحت السطر أو عليه كما نزل الميم فنزلت إلى إيجاده ولم تتمكن أن تنزل على صورته فكان لا يوجد عنها إلا الميم فنزلت نصف دائرة حتى بلغت إلى السطر من غير الجهة التي نزلت منها فصارت نصف فلك محسوس تطلب نصف فلك معقول فكان منهما فلك دائر فكان العالم كله في ستة أيام أجناساً من أول يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة وبقي يوم السبت للانتقال من مقام إلى مقام ومن حال إلى حال فصار آلمۤ فلكاً محيطاً من دار به علم الذات والصفات والأفعال والمفعولات فمن قرأها بهذه الحقيقة حضر بالكل للكل مع الكل)) إلى آخر ما قال، وذكر في كتاب «الاسرا إلى المقام الأسرى» ما يشير إلى دقائق أفكار وخفايا أسرار مبنية على أعداد الحروف وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة واثنين وثلاثين وأول التفصيل من نوح إلى إشراق يوح ثم إلى آخر التركيب الذي نزل فيه الكلمة والروح فبعد عدده تضربه وتجمعه وتحط منه طرحاً وتضعه يبدو لك تمام الشريعة حتى إلى انخرام الطبيعة، ومما يستأنس به لذلك ما رواه العز بن عبد السلام أن علياً رضي الله تعالى عنه استخرج وقعة معاوية من {أية : حـمۤ * عۤسۤقۤ}تفسير : [الشورى: 1-2] واستخرج أبو الحكم عبد السلام بن برجان في "تفسيره" فتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من قوله تعالى: {أية : الۤمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } تفسير : [الروم: 1-2] وذكر الشيخ قدس سره كيفية استخراج ذلك بغير الطريق الذي ذكره وهو أن تأخذ عدد {الۤمۤ} بالجزم الصغير فيكون ثمانية وتجمعها إلى ثمانية البضع في الآية فتكون ستة عشر فتزيل الواحد الذي للألف للأس فتبقى خمسة عشر فتمسكها عندك ثم ترجع إلى العمل في ذلك بالجمل الكبير وهو الجزم فتضرب ثمانية البضع في أحد وسبعين واجعل ذلك كله سنين يخرج لك في الضرب خمسمائة وثمانية وستون سنة فتضيف إليها الخمسة عشر التي مسكتها عندك فتصير ثلاثة وثمانين وخمسمائة/ سنة وهو زمان فتح بيت المقدس على قراءة (غلبت) بفتح الغين واللام و (سيغلبون) بضم الياء وفتح اللام انتهى وإذا علمت أن هذه الفواتح السر الأعظم والبحر الخضم والنور الأتم:شعر : صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ونور ولا نار وروح ولا جسم تفسير : فاعلم: أن كل ما ذكر الناس فيها رشفة من بحار معانيها ومن ادعى قصراً فمن قصوره أو زعم أنه أتى بكثير فمن قلة نوره والعارف يقول باندماج جميع ما ذكروه في صدف فرائدها وامتزاج سائر ما سطروه في طمطام فوائدها فإن شئت فقل كما أنها مشتملة على هاتيك الأسرار يشير كل حرف منها إلى اسم من أسمائه تعالى وإن شئت فقل أتى بها هكذا لتكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن وإن شئت فقل جاءت كذلك ليكون مطلع ما يتلى عليهم مستقلاً بضرب من الغرابة أنموذجاً لما في الباقي من فنون الإعجاز فإن النطق بأنفس الحروف في تضاعيف الكلام وإن كان على طرف الثمام يتناوله الخواص والعوام لكن التلفظ بأسمائها إنما يتأتى ممن درس وخط وأما من لم يحم حول ذلك قط فأعز من بيض الأنوق وأبعد من مناط العيوق ولا سيما إذا كان على نمط عجيب وأسلوب غريب منبىء عن سر سري مبني على نهج عبقري بحيث يحار فيه أرباب العقول ويعجز عن إدراكه ألباب الفحول وإن شئت فقل فيها جلب لإصغاء الأذهان وإلجام كل من يلغو من الكفار عند نزول القرآن لأنهم إذا سمعوا ما لم يفهموه من هذا النمط العجيب تركوا اللغط وتوفرت دواعيهم للنظر في الأمر المناسب بين حروف الهجاء التي جاءت مقطعة وبين ما يجاورها من الكلم رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ويوضح ذلك المشكل وفي ذلك ردّ شر كثير من عنادهم وعتوهم ولغوهم الذي كان إذ ذاك يظهر منهم وفي ذلك رحمة منه تعالى للمؤمنين ومنة للمستبصرين وإن شئت فقل إن بعض مركباتها بالمعنى الذي يفهمه أهل الله تعالى منها يصح إطلاقه عليه سبحانه فيجري ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال يا كهيعص ويا حمعسق على ظاهره، وإن أبيت فقل المراد يا منزلهما وإن شئت فقل غير ذلك حدث عن البحر ولا حرج. وعندي فيما نحن فيه لطائف وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه فقد أشار سبحانه بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحاً إلى اسمه الظاهر وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وأشار بتقديم الأول إلى أن الظاهر مقدم وبه عموم البعثة نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر، وأيضاً في الأول إشارة إلى مقام الجمع وفي الثاني رمز إلى الفرق بعد الجمع وأيضاً افتتاح هذه السورة بالمبهم ثم تعقيبه بالواضح فيه أتم مناسبة لقصة البقرة التي سميت السورة بها {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } تفسير : [البقرة: 72] وأيضاً في الحروف رمز إلى ثلاثة أشياء فالألف إلى الشريعة واللام إلى الطريقة والميم إلى الحقيقة فهناك يكون العبد كالدائرة نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله تعالى بالكلية وأيضاً الألف من أقصى الحلق واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج والميم من الشفة وهو آخرها فيشير بها إلى أن أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله عز وجل، وأيضاً في ذلك إشارة إلى سر التثليث فالألف مشير إلى الله تعالى واللام إلى جبريل والميم إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه في الألف ست صفات من صفات الله تعالى الابتداء والله تعالى هو الأول والاستواء والله تعالى هو العدل الذي لا يجور والانفراد والله تعالى هو الفرد وعدم الاتصال بحرف وهو سبحانه بائن عن خلقه وحاجة الحروف إليها مع عدم حاجتها وأنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ومعناها الألفة وبالله تعالى الائتلاف، وبقيت أسرار وأي أسرار يغار عليها العارف الغيور/ من الأغيار. ومن الظرائف أن بعض الشيعة استأنس بهذه الحروف لخلافة الأمير علي كرم الله تعالى وجهه فإنه إذا حذف منها المكرر يبقى ما يمكن أن يخرج منه (صراط علي حق نمسكه) ولك أيها السني أن تستأنس بها لما أنت عليه فإنه بعد الحذف يبقى ما يمكن أن يخرج منه ما يكون خطاباً للشيعي وتذكيراً له بما ورد في حق الأصحاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين وهو (طرق سمعك النصيحة) وهذا مثل ما ذكروه حرفاً بحرف وإن شئت قلت (صح طريقك مع السنة) ولعله أولى وألطف، وبالجملة عجائب هذه الفواتح لا تنفد ولا يحصرها العد:شعر : وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا تفسير : وقد اختلف الناس في إعرابها حسبما اختلفت أقوالهم فيها فإن جعلت أسماء للسور مثلاً كان لها حظ من الإعراب رفعاً ونصباً وجراً فالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والنصب بتقدير فعل القسم أو فعل يناسب المقام وجاز النصب بتقدير فعل القسم فيما وقع بعده مجرور مع الواو نحو {أية : قۤ وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [قۤ: 1] مع أنه يلزم المخالفة بين المتعاطفين في الإعراب إن جعلت الواو للعطف واجتماع قسمين على شيء واحد إن جعلت للقسم وهو مستكره كما قاله الخليل وسيبويه لأن المعطوف عليه في محل يقع فيه المجرور فيكون العطف على المحل ويقدر الجواب من جنس ما بعد إن كانت للقسم أو لا حاجة للتقدير ويكتفي بجواب واحد إذ لا مانع من جعل أحد القسمين مؤكداً للآخر من غير عطف أو يقال هما لما كانا مؤكدين لشيء واحد وهو الجواب جاز ذلك ولا وجه وجيه للاستكراه وإن كان للضلالة أب فالتقليد أبوها والجر على إضمار حرف القسم وقول ابن هشام إنه وهم لأن ذلك مختص عند البصريين باسم الله سبحانه وبأنه لا جواب للقسم في سورة البقرة ونحوها ولا يصح جعل ما بعد جواباً وحذفت اللام كحذفها في قوله:شعر : ورب السماوات العلى وبروجها والأرض وما فيها المقدر كائن تفسير : لأن ذلك على قلته مخصوص باستطالة القسم وهم لا يخفى على الوليد إذ مذهبنا كوفي واتباع البصري ليس بفرض وكثيراً ما يستغنى عن الجواب بما يدل عليه والمقسم عليه مضمون ما بعده وهو قرينة قريبة وبهذا صرح في «التسهيل وشروحه»، وحديث الاستطالة ليس بلازم بل هو الأغلب كما صرح به ابن مالك. ثم ما كان من هذه الفواتح مفرداً كصۤ أو موازناً له كحمۤ بزنة قابيل يتأتى فيه الإعراب لفظاً أو محلاً بأن يسكن حكاية لحاله قبل ويقدر إعرابه وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث وما خالفهما نحو كهيعص يحكى لا غير وجازت الحكاية في هذه الأسماء مع أنها مختصة بالأعلام التي نقلت من الجمل كتأبط شراً لرعاية صورها المنبئة عن نقلها إلى العلمية وفي الألفاظ التي وقعت أعلاماً لأنفسها كضرب فعل ماض لحفظ المجانسة مع المسمى في الأشعار بأنها لم تنقل عن أصلها بالكلية لأنها لكثرة استعمالها معدودة موقوفة صارت هذه الحالة كأنها أصل فلما جعلت أعلاماً جازت حكايتها على تلك الهيئة الراسخة تنبيهاً على أن فيها سمة من ملاحظة الأصل وهو الحروف المبسوطة والمقصود الإيقاظ وقرع العصا فتجويز الحكاية مخصوص بهذه الأسماء أعلاماً للسور وإلا فلم تجز الحكاية كذا في «الحواشي الشريفة الشريفية» وإطباق النحاة على أن المفردات تحكى بعد من وأي الاستفهاميتين وبدونهما كقولهم دعنا من تمرتان مخالف لدعوى الاختصاص التي حكاها كما لا يخفى وإن أبقيت على معانيها مسرودة على نمط التعديد لم تعرب لعدم المقتضي والعامل وكذا إذا جعلت أبعاضاً على الصحيح أو مزيدة/ للفصل مثلاً نعم إن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كانت في حيز الرفع على ما مر وإن جعلت مقسماً بها يكون كل كلمة منها منصوباً أو مجروراً على اللغتين في الله لافعلن وهل ذلك المجموع نحو {الۤـمۤ} و {أية : حـمۤ} تفسير : [غافر: 1] أو للألف والحاء مثلاً على طريق الرمان حلو حامض؟ خلاف والظاهر الأول وجوز بعضهم الرفع بالابتداء والخبر قسمي محذوفاً وتصريح الرضى باختصاص ذلك فيما إذا كان المبتدأ صريحاً في القسمية يجعله غير مرتضى، وجعل بعضهم النصب في البعض مخصوصاً بما إذا لم يمنع مانع كما في {أية : ص وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [ص: 1] فيتعين الجر للزوم المخالفة بين المتعاطفين واجتماع القسمين حينئذ وفيه ما تقدم فلا تغفل، وبقيت أقوال مبنية على أقوال لا أظنها تخفى عليك إن أحطت خبراً بما قدمناه لديك فتدبر، وفي كون هذه الفواتح آية خلاف فقال الكوفيون: {الۤـمۤ} آية أينما وقعت وكذلك (آلمصۤ) و (طۤسمۤ) وأخواتهما و (طه) و (يسۤ) و (حمۤ) وأخواتها و (كۤهيعۤصۤ) آية و (حـمۤ عۤسۤقۤ) آيتان وأما (الۤمۤر) وأخواتها الخمس فليست بآية وكذلك (طسۤ) و (صۤ) و (قۤ) و (نۤ)، وقال البصريون: ليس شيء من ذلك آية وفي «المرشد» أن الفواتح في السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة وليس بشيء كقول بعض إن {الۤـمۤ} في آل عمران [1] ليست بآية.

سيد قطب

تفسير : في هذا المقطع، الذي يكوّن افتتاح السورة الكبيرة، نجد الملامح الأساسية للطوائف التي واجهتها الدعوة في المدينة باستثناء طائفة اليهود التي ترد إشارة صغيرة لها، ولكنها كافية، فإن تسميتهم بشياطين المنافقين تشير إلى الكثير من صفاتهم، ومن حقيقة دورهم، حتى يرد التفصيل الكامل بعد قليل. وفي رسم هذه الملامح نجد خصائص التعبير القرآنية، التي تتجلى في قيام الكلمة مقام الخط واللون، إذ سرعان ما ترتسم الصور من خلال الكلمات؛ ثم سرعان ما تنبض هذه الصور وكأنها تموج بالحياة.. وهنا.. في عدد قليل من الكلمات والعبارات في أول السورة ترتسم ثلاث صور لثلاثة أنماط من النفوس. كل نمط منها نموذج حي لمجموعات ضخمة من البشر. نموذج أصيل عميق متكرر في كل زمان ومكان. حتى ما تكاد البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها تخرج عن تلك الأنماط الثلاثة.. وهذا هو الإعجاز.. في تلك الكلمات القلائل والآيات المعدودات ترتسم هذه الصور واضحة كاملة، نابضة بالحياة، دقيقة السمات، مميزة الصفات. حتى ما يبلغ الوصف المطول والإطناب المفصل شيئاً وراء هذه اللمسات السريعة المبينة، الجميلة النسق، الموسيقية الإيقاع. فإذا انتهى السياق من عرض هذه الصور الثلاث دعا الناس.. الناس جميعاً.. إلى الصورة الأولى؛ وناداهم.. ناداهم كافة.. أن يفيئوا إليها. أن يفيئوا إلى عبادة الله الواحد، والخالق الواحد، والرازق الواحد، بلا شركاء ولا أنداد. وتحدى الذين يرتابون في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنزيل الكتاب عليه أن يأتوا بسورة من مثله. وأنذرهم إذا تولوا عذابا مفزعاً مرهوباً؛ وبشر المؤمنين وصور ما ينتظرهم من نعيم مقيم. ثم أخذ يرد على اليهود والمنافقين الذين استنكروا ضرب الله للأمثال في القرآن، واتخذوا منه وسيلة للتشكيك في أنه منزل من عند الله. وحذرهم ما وراء ضرب الأمثال، أن يزيدهم ضلالاً - كما يزيد المؤمنين هدى - ثم استنكر أن يكفروا بالله المحيي المميت الخالق المدبر، العليم بكل شيء في هذا الوجود، وهو الذي أنعم على البشر فخلق لهم ما في الأرض جميعاً واستخلفهم في هذا الملك الطويل العريض. تلك مجمل الخطوط الرئيسية في هذا الدرس الأول من سورة البقرة. فلنحاول أن نتناول هذا الإجمال بشيء من التفصيل. تبدأ السورة بهذه الأحرف الثلاثة المقطعة: "ألف. لام. ميم". يليها الحديث عن كتاب الله: {ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين}.. ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية. وقد وردت في تفسيرها وجوه كثيرة. نختار منها وجها. إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف، وهي في متناول المخاطبين به من العرب. ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله. الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله فلا يملكون لهذا التحدي جواباً! والشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا. وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس.. أن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات. فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة، أو آنية أو أسطوانة، أو هيكل أو جهاز. كائناً في دقته ما يكون.. ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة. حياة نابضة خافقة. تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز.. سر الحياة.. ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر، ولا يعرف سره بشر.. وهكذا القرآن.. حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا، ويجعل منها الله قرآناً وفرقاناً، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض.. هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة! {ذلك الكتاب لا ريب فيه}.. ومن أين يكون ريب أو شك؛ ودلالة الصدق واليقين كامنة في هذا المطلع، ظاهرة في عجزهم عن صياغة مثله، من مثل هذه الأحرف المتداولة بينهم، المعروفة لهم من لغتهم؟ {ذلك الكتاب لا ريب فيه.. هدى للمتقين}.. الهدى حقيقته، والهدى طبيعته، والهدى كيانه، والهدى ماهيته.. ولكن لمن؟ لمن يكون ذلك الكتاب هدى ونوراً ودليلاً ناصحاً مبيناً؟.. للمتقين.. فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب. هي التي تفتح مغاليق القلب له فيدخل ويؤدي دوره هناك. هي التي تهيء لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب. لا بد لمن يريد أن يجد الهدى في القرآن أن يجيء إليه بقلب سليم. بقلب خالص. ثم أن يجيء إليه بقلب يخشى ويتوقى، ويحذر أن يكون على ضلالة، أو أن تستهويه ضلالة.. وعندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره، ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه متقياً، خائفاً، حساساً، مهيأ للتلقي.. ورد أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال بلى! قال:فما عملت؟ قال:شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى.. فذلك التقوى.. حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق.. طريق الحياة.. الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعاً ولا ضراً. وعشرات غيرها من الأشواك! ثم يأخذ السياق في بيان صفة المتقين؛ وهي صفة السابقين من المؤمنين في المدينة كما أنها صفة الخلص من مؤمني هذه الأمة في كل حين: {الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبالآخرة هم يوقنون}.. إن السمة الأولى للمتقين هي الوحدة الشعورية الإيجابية الفعالة. الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة.. هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلامية، وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة، والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعاً، ولتهيمن على البشرية جميعاً، وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة، شاملة للشعور والعمل، والإيمان والنظام. فإذا نحن أخذنا في تفصيل هذه السمة الأولى للمتقين إلى مفرداتها التي تتألف منها، انكشفت لنا هذه المفردات عن قيم أساسية في حياة البشرية جميعا.. {الذين يؤمنون بالغيب}.. فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها، وصدر عنها هذا الوجود؛ ولا تقوم حواجز الحس بين أرواحهم وسائر ما وراء الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات. والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده.. حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول. وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه. إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها، وتتعمقها وتتقصاها، وتعمل وتنتج، وتنمي هذه الحياة وتجملها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود، وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول. فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها، دون سند من الروح الملهم والبصيرة المفتوحة، وترك حصة للغيب لا ترتادها العقول.. فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولا، ومحاولة عابثة أخيرا. فاشلة لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال. وعابثة لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال.. ومتى سلم العقل البشري بالبديهية العقلية الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه - احتراما لمنطقه ذاته - أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل؛ وأن عدم إدراكه للمجهول لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون؛ وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل؛ وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة.. وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين. لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان، كجماعة الماديين في كل زمان، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى.. إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا "تقدمية" وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة، صفة:{الذين يؤمنون بالغيب} والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين! {ويقيمون الصلاة}.. فيتجهون بالعبادة لله وحده، ويرتفعون بهذا عن عبادة العباد، وعبادة الأشياء. يتجهون إلى القوة المطلقة بغير حدود ويحنون جباههم لله لا للعبيد؛ والقلب الذي يسجد لله حقاً، ويتصل به على مدار الليل والنهار، يستشعر أنه موصول السبب بواجب الوجود، ويجد لحياته غاية أعلى من أن تستغرق في الأرض وحاجات الأرض، ويحس أنه أقوى من المخاليق لأنه موصول بخالق المخاليق.. وهذا كله مصدر قوة للضمير، كما أنه مصدر تحرج وتقوى، وعامل هام من عوامل تربية الشخصية، وجعلها ربانية التصور، ربانية الشعور، ربانية السلوك. {ومما رزقناهم ينفقون}.. فهم يعترفون ابتداء بأن المال الذي في أيديهم هو من رزق الله لهم، لا من خلق أنفسهم؛ ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعاف الخلق، والتضامن بين عيال الخالق، والشعور بالآصرة الإنسانية، وبالأخوة البشرية.. وقيمة هذا كله تتجلى في تطهير النفس من الشح، وتزكيتها بالبر. وقيمتها أنها ترد الحياة مجال تعاون لا معترك تطاحن، وأنها تؤمن العاجز والضعيف والقاصر، وتشعرهم أنهم يعيشون بين قلوب ووجوه ونفوس، لا بين أظفار ومخالب ونيوب! والإنفاق يشمل الزكاة والصدقة، وسائر ما ينفق في وجوه البر. وقد شرع الإنفاق قبل أن تشرع الزكاة، لأنه الأصل الشامل الذي تخصصه نصوص الزكاة ولا تستوعبه. وقد ورد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسناده لفاطمة بنت قيس "حديث : إن في المال حقاً سوى الزكاة" تفسير : .. وتقرير المبدأ على شموله هو المقصود في هذا النص السابق على فريضة الزكاة. {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك}.. وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة، وارثة العقائد السماوية، ووارثة النبوات منذ فجر البشرية، والحفيظة على تراث العقيدة وتراث النبوة، وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان. وقيمة هذه الصفة هي الشعور بوحدة البشرية، ووحدة دينها، ووحدة رسلها، ووحدة معبودها.. قيمتها هي تنقية الروح من التعصب الذميم ضد الديانات والمؤمنين بالديانات ما داموا على الطريق الصحيح.. قيمتها هي الاطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على تطاول أجيالها وأحقابها. هذه الرعاية البادية في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدى واحد. قيمتها هي الاعتزاز بالهدى الذي تتقلب الأيام والأزمان، وهو ثابت مطرد، كالنجم الهادي في دياجير الظلام. {وبالآخرة هم يوقنون}.. وهذه خاتمة السمات. الخاتمة التي تربط الدنيا بالآخرة، والمبدأ بالمصير، والعمل بالجزاء؛ والتي تشعر الإنسان أنه ليس لقى مهملاً، وأنه لم يخلق عبثاً، ولن يترك سدى؛ وأن العدالة المطلقة في انتظاره، ليطمئن قلبه، وتستقر بلابله، ويفيء إلى العمل الصالح، وإلى عدل الله ورحمته في نهاية المطاف. واليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة، ومن يعيش في الوجود المديد الرحيب. بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود، ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء، وأن الحياة الحقيقية إنما هي هنالك، وراء هذا الحيز الصغير المحدود. وكل صفة من هذه الصفات - كما رأينا - ذات قيمة في الحياة الإنسانية، ومن ثم كانت هي صفات المتقين. وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعاً، هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة. فالتقوى شعور في الضمير، وحالة في الوجدان، تنبثق منها اتجاهات وأعمال؛ وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة؛ وتصل الإنسان بالله في سره وجهره. وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكليّ الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة، ويلتقي فيه المعلوم والمجهول. ومتى شفت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن، فإن الإيمان بالغيب عندئذ يكون هو الثمرة الطبيعية لإزالة الحجب الساترة، واتصال الروح بالغيب والاطمئنان إليه. ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها، وجعلها صلة بين العبد والرب. ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافاً بجميل العطاء، وشعوراً بالإخاء. ثم سعة الضمير لموكب الإيمان العريق، والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن ولكل نبي ولكل رسالة. ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين.. وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك، مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئاً عظيما. شيئاً عظيماً حقاً بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها. ومن ثم صنع الله بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض، وفي حياة البشر جميعاً.. ومن ثم كان هذا التقرير: {أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون}.. وكذلك اهتدوا وكذلك أفلحوا. والطريق للهدى والفلاح هو هذا الطريق المرسوم. فأما الصورة الثانية فهي صورة الكافرين. وهي تمثل مقومات الكفر في كل أرض وفي كل حين: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، ولهم عذاب عظيم}.. وهنا نجد التقابل تاماً بين صورة المتقين وصورة الكافرين.. فإذا كان الكتاب بذاته هدى للمتقين، فإن الإنذار وعدم الإنذار سواء بالقياس إلى الكافرين. إن النوافذ المفتوحة في أرواح المتقين، والوشائج التي تربطهم بالوجود وبخالق الوجود، وبالظاهر والباطن والغيب والحاضر.. إن هذه النوافذ المفتحة كلها هناك، مغلقة كلها هنا. وإن الوشائج الموصولة كلها هناك، مقطوعة كلها هنا: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} ختم عليها فلا تصل إليها حقيقة من الهدى ولا صدى. {وعلى أبصارهم غشاوة}.. فلا نور يوصوص لها ولا هدى.! وقد طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وغشي على أبصارهم جزاء وفاقاً على استهتارهم بالإنذار، حتى تساوى لديهم الإنذار وعدم الإنذار. إنها صورة صلدة، مظلمة، جامدة، ترتسم من خلال الحركة الثابتة الجازمة. حركة الختم على القلوب والأسماع، والتغشية على العيون والأبصار.. {ولهم عذاب عظيم}.. وهي النهاية الطبيعية للكفر العنيد، الذي لا يستجيب للنذير؛ والذي يستوي عنده الإنذار وعدم الإنذار؛ كما علم الله من طبعهم المطموس العنيد. ثم ننتقل - مع السياق - إلى الصورة الثالثة. أو إلى النموذج الثالث: إنها ليست في شفافية الصورة الأولى وسماحتها. وليست في عتامة الصورة الثانية وصفاقتها. ولكنها تتلوى في الحس. وتروغ من البصر، وتخفى وتبين.. إنها صورة المنافقين: {ومن الناس من يقول: آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. وإذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض، قالوا: إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. وإذا قيل لهم: آمنوا كما آمن الناس، قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا. وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم، ويمدهم في طغيانهم يعمهون. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}.. لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة؛ ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجاً مكروراً في أجيال البشرية جميعاً. نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح، أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح. وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس، وعلى تصورهم للأمور! ومن ثم نميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية، موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل. وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل. إنهم يدّعون الإيمان بالله واليوم الآخر. وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين. إنما هم منافقون لا يجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين. وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء؛ ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم، فهم لا يخادعون المؤمنين، إنما يخادعون الله كذلك أو يحاولون: {يخادعون الله والذين آمنوا}.. وفي هذا النص وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة، وأمام تفضل من الله كريم.. تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائماً ويقررها، وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين. إنه يجعل صفهم صفه، وأمرهم أمره. وشأنهم شأنه. يضمهم سبحانه إليه، ويأخذهم في كنفه، ويجعل عدوهم عدوه، وما يوجه إليهم من مكر موجهاً إليه - سبحانه - وهذا هو التفضل العلوي الكريم.. التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق؛ والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق، والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها، وهو يرى الله - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته، ومعركته هي معركته، وعدوه هو عدوه، ويأخذه في صفه، ويرفعه إلى جواره الكريم.. فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير؟! وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم، وإيصال الأذى إليهم. تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار. وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه، وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة. وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين، ولا خداع الخادعين، ولا أذى الشريرين. ويتدبرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين.. ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر. ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء.. ولكن يا للسخرية! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية: {وما يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون}.. إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم؛ والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها. يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين. وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه، والنفاق الذي يظهرونه. وينتهون بها إلى شر مصير! ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة؟ ولماذا يخادعون هذا الخداع؟ {في قلوبهم مرض}.. في طبيعتهم آفة. في قلوبهم علة. وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم. ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه: {فزادهم الله مرضاً}.. فالمرض ينشىء المرض، والانحراف يبدأ يسيراً، ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد. سنة لا تتخلف. سنة الله في الأشياء والأوضاع، وفي المشاعر والسلوك. فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم. المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}.. وصفة أخرى من صفاتهم - وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام في قومهم ورياسة وسلطان كعبد الله بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبرير ما يأتون من الفساد، والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون: {وإذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض، قالوا:إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون}.. إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع، بل يضيفون اليهما السفه والادعاء: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض}.. لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد، بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير: {قالوا:إنما نحن مصلحون}.. والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنهم مصلحون، كثيرون جدا في كل زمان. يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم. ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم. والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم، لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية.. ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق: {ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون}.. ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس، ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس: {وإذا قيل لهم:آمنوا كما آمن الناس، قالوا:أنؤمن كما آمن السفهاء؟ ألا إنهم هم السفهاء، ولكن لا يعلمون}.. وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء. إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة، وأسلموا وجوههم لله، وفتحوا صدورهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين.. هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم.. وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويرونه خاصاً بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام! ومن ثم قالوا قولتهم هذه: أنؤمن كما آمن السفهاء؟.. ومن ثم جاءهم الرد الحاسم، والتقرير الجازم: {ألا إنهم هم السفهاء، ولكن لا يعلمون}.. ومتى علم السفيه أنه سفيه؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم؟! ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين.. إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع، والسفه والادعاء، إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزؤون}.. وبعض الناس يحسب اللؤم قوة، والمكر السيىء براعة. وهو في حقيقته ضعف وخسة. فالقوي ليس لئيماً ولا خبيثاً، ولا خادعاً ولا متآمراً ولا غمازاً في الخفاء لمازاً. وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة، ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين، ليتقوا الأذى، وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى.. هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم - وهم غالباً - اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته، كما أن هؤلاء كانوا يجدون في اليهود سنداً وملاذاً.. هؤلاء المنافقون كانوا {إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون} - أي بالمؤمنين - بما نظهره من الإيمان والتصديق! وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم، حتى يصب عليهم من التهديد ما يهد الرواسي: {الله يستهزئ بهم، ويمدهم في طغيانهم يعمهون}.. وما أبأس من يستهزئ به جبار السماوات والأرض وما أشقاه!! وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب. وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب. وهو يقرأ: {الله يستهزئ بهم، ويمدهم في طغيانهم يعمهون}.. فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ، غافلة عن المقبض المكين.. وهذا هو الاستهزاء الرعيب، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير. وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة التي أشرنا من قبل إليها. حقيقة تولي الله - سبحانه - للمعركة التي يراد بها المؤمنون. وما وراء هذا التولي من طمأنينة كاملة لأولياء الله، ومصير رعيب بشع لأعداء الله الغافلين، المتروكين في عماهم يخبطون، المخدوعين بمد الله لهم في طغيانهم، وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم، والمصير الرعيب ينتظرهم هنالك، وهم غافلون يعمهون! والكلمة الأخيرة التي تصور حقيقة حالهم، ومدى خسرانهم: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}.. فلقد كانوا يملكون الهدى لو أرادوا. كان الهدى مبذولاً لهم. وكان في أيديهم. ولكنهم {اشتروا الضلالة بالهدى}، كأغفل ما يكون المتجرون: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}.. ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة قد جاء أفسح من الحيز الذي استغرقه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية.. ذلك أن كلاًّ من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء، وفيه بساطة على معنى من المعاني.. الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها، والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها. أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقلة. وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات، ومزيد من الخطوط كيما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة.. على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة، ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه؛ كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم، ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم. وزيادة في الإيضاح، يمضي السياق يضرب الأمثال لهذه الطائفة، ويكشف عن طبيعتها، وتقلباتها وتأرجحها ليزيد هذه الطبيعة جلاء وإيضاحاً: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. صم بكم عمي فهم لا يرجعون}.. إنهم لم يعرضوا عن الهدى ابتداء، ولم يصموا آذانهم عن السماع، وعيونهم عن الرؤية وقلوبهم عن الإدراك، كما صنع الذين كفروا. ولكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه.. لقد استوقدوا النار، فلما أضاء لهم نورها لم ينتفعوا بها وهم طالبوها. عندئذ {ذهب الله بنورهم} الذي طلبوه ثم تركوه: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} جزاء إعراضهم عن النور! وإذا كانت الآذان والألسنة والعيون، لتلقي الأصداء والأضواء، والانتفاع بالهدى والنور، فهم قد عطلوا آذانهم فهم {صم} وعطلوا ألسنتهم فهم {بكم} وعطلوا عيونهم فهم {عمي}.. فلا رجعة لهم إلى الحق، ولا أوبة لهم إلى الهدى. ولا هداية لهم إلى النور! ومثل آخر يصور حالهم ويرسم ما في نفوسهم من اضطراب وحيرة وقلق ومخافة: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت. والله محيط بالكافرين. يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم. إن الله على كل شيء قدير}.. إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب. فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء.. صيب من السماء هاطل غزير {فيه ظلمات ورعد وبرق}.. {كلما أضاء لهم مشوا فيه}.. {وإذا أظلم عليهم قاموا}.. أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون. وهم مفزعون: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت}.. إن الحركة التي تغمر المشهد كله: من الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى الخطوات المروعة الوجلة، التي تقف عندما يخيم الظلام.. إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيحائي - حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون.. بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين. بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة. بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام.. فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية؛ ويجسم صورة شعورية. وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس. وعندما يتم استعراض الصور الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس كافة، وأمرا للبشرية جمعاء، أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة. الصورة النقية الخالصة. الصورة العاملة النافعة. الصورة المهتدية المفلحة.. صورة المتقين: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}.. إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم. ربهم الذي تفرد بالخلق، فوجب أن يتفرد بالعبادة.. وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققوه: {لعلكم تتقون}.. لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية. صورة العابدين لله. المتقين لله. الذين أدوا حق الربوبية الخالقة، فعبدوا الخالق وحده؛ رب الحاضرين والغابرين، وخالق الناس أجمعين، ورازقهم كذلك من الأرض والسماء بلا ند ولا شريك: {الذي جعل لكم الأرض فراشا}.. وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض، وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكناً مريحاً وملجأ واقياً كالفراش.. والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه. ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش، وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع. ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة. ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة. ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة! {والسماء بناء}.. فيها متانة البناء وتنسيق البناء. والسماء ذات علاقة وثيقة بحياة الناس في الأرض، وبسهولة هذه الحياة. وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية أجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها، تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها. فلا عجب أن تذكر في معرض تذكير الناس بقدرة الخالق، وفضل الرازق، واستحقاق المعبود للعبادة من العبيد المخاليق. {وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم}.. وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به، ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله، والتذكير بنعمته كذلك.. والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعاً. فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها {وجعلنا من الماء كل شيء حي}.. سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض، أو كون الأنهار والبحيرات العذبة، أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية، التي تتفجر عيوناً أو تحفر آباراً، أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى. وقصة الماء في الأرض، ودوره في حياة الناس، وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها.. كل هذا أمر لا يقبل المماحكة، فتكفي الإشارة إليه، والتذكير به، في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب. وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي: وحدة الخالق لكل الخلائق: {الذي خلقكم والذين من قبلكم}.. ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان: {الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء. وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم}.. فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان، وسماؤه مبنية بنظام، معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس.. والفضل في هذا كله للخالق الواحد: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}.. تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم. وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء. وأنه لم يكن له شريك يساعد، ولا ند يعارض. فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق! والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة، قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون. فقد تكون الأنداد في صور أخرى خفية. قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة، وفي الخوف من غير الله في أي صورة. وفي الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة.. عن ابن عباس قال: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت! وقول الرجل: لولا الله وفلان.. هذا كله به شرك"... وفي الحديث "حديث : أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله نداً؟! " تفسير : هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله.. فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة، وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة!!! ولقد كان اليهود يشككون في صحة رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان المنافقون يرتابون فيها - كما ارتاب المشركون وشككوا في مكة وغيرها - فهنا يتحدى القرآن الجميع. إذ كان الخطاب إلى "الناس" جميعاً. يتحداهم بتجربة واقعية تفصل في الأمر بلا مماحكة: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}.. ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال.. يصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعبودية لله: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا}.. ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة: فهو أولاً تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى؛ دلالة على أن مقام العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشر ويدعى به كذلك. وهو ثانياً تقرير لمعنى العبودية، في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده، واطراح الأنداد كلها من دونه. فها هو ذا النبي في مقام الوحي - وهو أعلى مقام - يدعى بالعبودية لله، ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام. أما التحدي فمنظور فيه إلى مطلع السورة.. فهذا الكتاب المنزل مصوغ من تلك الحروف التي في أيديهم، فإن كانوا يرتابون في تنزيله، فدونهم فليأتوا بسورة من مثله؛ وليدعوا من يشهد لهم بهذا - من دون الله - فالله قد شهد لعبده بالصدق في دعواه. وهذا التحدي ظل قائما في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعدها، وما يزال قائماً إلى يومنا هذا وهو حجة لا سبيل إلى المماحكة فيها.. وما يزال القرآن يتميز من كل كلام يقوله البشر تميزاً واضحاً قاطعاً. وسيظل كذلك أبداً. سيظل كذلك تصديقا لقول الله تعالى في الآية التالية: {فإن لم تفعلوا - ولن تفعلوا - فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}.. والتحدي هنا عجيب، والجزم بعدم إمكانه أعجب، ولو كان في الطاقة تكذيبه ما توانوا عنه لحظة. وما من شك أن تقرير القرآن الكريم أنهم لن يفعلوا، وتحقق هذا كما قرره هو بذاته معجزة لا سبيل إلى المماراة فيها. ولقد كان المجال أمامهم مفتوحاً، فلو أنهم جاءوا بما ينقض هذا التقرير القاطع لانهارت حجية القرآن ولكن هذا لم يقع ولن يقع كذلك فالخطاب للناس جميعاً، ولو أنه كان في مواجهة جيل من أجيال الناس.. وهذه وحدها كلمة الفصل التاريخية. على أن كل من له دراية بتذوق أساليب الأداء؛ وكل من له خبرة بتصورات البشر للوجود وللأشياء؛ وكل من له خبرة بالنظم والمناهج والنظريات النفسية أو الاجتماعية التي ينشئها البشر.. لا يخالجه شك في أن ما جاء به القرآن في هذه المجالات كلها شيء آخر ليس من مادة ما يصنعه البشر. والمراء في هذا لا ينشأ إلا عن جهالة لا تميز، أو غرض يلبس الحق بالباطل.. ومن ثم كان هذا التهديد المخيف لمن يعجزون عن هذا التحدي ثم لا يؤمنون بالحق الواضح: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}.. ففيم هذا الجمع بين الناس والحجارة، في هذه الصورة المفزعة الرعيبة؟ لقد أعدت هذه النار للكافرين. الكافرين الذين سبق في أول السورة وصفهم بأنهم {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة}.. والذين يتحداهم القرآن هنا فيعجزون، ثم لا يستجيبون.. فهم إذن حجارة من الحجارة! وإن تبدوا في صورة آدمية من الوجهة الشكلية! فهذا الجمع بين الحجارة من الحجر والحجارة من الناس هو الأمر المنتظر! على أن ذكر الحجارة هنا يوحي إلى النفس بسمة أخرى في المشهد المفزع: مشهد النار التي تأكل الأحجار. ومشهد الناس الذين تزحمهم هذه الأحجار.. في النار.. وفي مقابل ذلك المشهد المفزع يعرض المشهد المقابل. مشهد النعيم الذي ينتظر المؤمنين: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، وأتوا به متشابهاً، ولهم فيها أزواج مطهرة، وهم فيها خالدون}.. وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها - إلى جانب الأزواج المطهرة - تلك الثمار المتشابهة، التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل - أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل، وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل - فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة.. وهي ترسم جواً من الدعابة الحلوة، والرضى السابغ، والتفكه الجميل، بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة، وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد! وهذا التشابه في الشكل، والتنوع في المزية، سمة واضحة في صنعة البارئ تعالى، تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره. ولنأخذ الإنسان وحده نموذجا كاشفاً لهذه الحقيقة الكبيرة.. الناس كلهم ناس، من ناحية قاعدة التكوين: رأس وجسم وأطراف. لحم ودم وعظام وأعصاب. عينان وأذنان وفم ولسان. خلايا حية من نوع الخلايا الحية. تركيب متشابه في الشكل والمادة.. ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات؟ ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات؟ إن فارق ما بين إنسان وإنسان - على هذا التشابه - ليبلغ أحياناً أبعد مما بين الأرض والسماء! وهكذا يبدو التنوع في صنعة البارئ هائلا يدير الرؤوس: التنوع في الأنواع والأجناس، والتنوع في الأشكال والسمات، والتنوع في المزايا والصفات.. وكله.. كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب. فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده، وهذه آثار صنعته، وآيات قدرته؟ ومن ذا الذي يجعل لله انداداً، ويد الإعجاز واضحة الآثار، فيما تراه الأبصار، وفيما لا تدركه الأبصار؟ بعد ذلك يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها الله في القرآن: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما، بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الفاسقين. الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض.. أولئك هم الخاسرون}.. وهذه الآيات تشي بأن المنافقين الذين ضرب الله لهم مثل الذي استوقد ناراً ومثل الصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - وربما كان اليهود كذلك والمشركون - قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة، ومن وجود أمثال أخرى في القرآن المكي الذي سبق نزوله وكان يتلى في المدينة، كالذي ضربه الله مثلا للذين كفروا بربهم {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}.. وكالذي ضربه الله مثلا لعجز آلهتهم المدعاة عن خلق الذباب: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب}.. نقول: إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين - وربما كان اليهود والمشركون - قد وجدوا في هذه المناسبة منفذاً للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه!.. وكان هذا طرفاً من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة، كما كان يقوم بها المشركون في مكة. فجاءت هذه الآيات دفعاً لهذا الدس، وبيانا لحكمة الله في ضرب الأمثال، وتحذيراً لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها، وتطميناً للمؤمنين أن ستزيدهم إيماناً. {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما، بعوضة فما فوقها}.. فالله رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل. إنها معجزة الحياة. معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله.. على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير. وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره. والله - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب، وامتحان النفوس: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم}.. ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله؛ وبما يعرفون من حكمته. وقد وهبهم الإيمان نوراً في قلوبهم، وحساسية في أرواحهم، وتفتحاً في مداركهم، واتصالاً بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله. {وأما الذين كفروا فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟}.. وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته، المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره. ثم هو سؤال من لا يرجو لله وقاراً، ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب. يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار، أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن الله! هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير: {يضل به كثيراً، ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الفاسقين}.. والله - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها، ويتلقاها عباده، كل وفق طبيعته واستعداده، وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه. والابتلاء واحد.. ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق.. الشدة تسلط على شتى النفوس، فأما المؤمن الواثق بالله وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى الله وتضرعاً وخشية. وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من الله بعداً، وتخرجه من الصف إخراجاً. والرخاء يسلط على شتى النفوس، فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكراً. وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء.. وهكذا المثل الذي يضربه الله للناس.. {يضل به كثيراً}.. ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من الله، {ويهدي به كثيراً} ممن يدركون حكمة الله. {وما يضل به إلا الفاسقين}.. الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق، فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه! ويفصل السياق صفة الفاسقين هؤلاء، كما فصل في أول السورة صفة المتقين؛ فالمجال ما يزال - في السورة - هو مجال الحديث عن تلك الطوائف، التي تتمثل فيها البشرية في شتى العصور: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض. أولئك هم الخاسرون}.. فأي عهد من عهود الله هو الذي ينقضون؟ وأي أمر مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون؟ لقد جاء السياق هنا بهذا الإجمال لأن المجال مجال تشخيص طبيعة، وتصوير نماذج، لا مجال تسجيل حادثة، أو تفصيل واقعة.. إن الصورة هنا هي المطلوبة في عمومها. فكل عهد بين الله وبين هذا النموذج من الخلق فهو منقوض؛ وكل ما أمر الله به أن يوصل فهو بينهم مقطوع؛ وكل فساد في الأرض فهو منهم مصنوع.. إن صلة هذا النمط من البشر بالله مقطوعة، وإن فطرتهم المنحرفة لا تستقيم على عهد ولا تستمسك بعروة ولا تتورع عن فساد. إنهم كالثمرة الفجة التي انفصلت من شجرة الحياة، فتعفنت وفسدت ونبذتها الحياة.. ومن ثم يكون ضلالهم بالمثل الذي يهدي المؤمنين؛ وتجيء غوايتهم بالسبب الذي يهتدي به المتقون. وننظر في الآثار الهدامة لهذا النمط من البشر الذي كانت الدعوة تواجهه في المدينة في صورة اليهود والمنافقين والمشركين؛ والذي ظلت تواجهه وما تزال تواجهه اليوم في الأرض مع اختلاف سطحي في الأسماء والعنوانات! {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}.. وعهد الله المعقود مع البشر يتمثل في عهود كثيرة: إنه عهد الفطرة المركوز في طبيعة كل حي.. أن يعرف خالقه، وأن يتجه إليه بالعبادة. وما تزال في الفطرة هذه الجوعة للاعتقاد بالله، ولكنها تضل وتنحرف فتتخذ من دون الله أنداداً وشركاء.. وهو عهد الاستخلاف في الأرض الذي أخذه الله على آدم - كما سيجيء -: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. وهو عهوده الكثيرة في الرسالات لكل قوم أن يعبدوا الله وحده، وأن يحكموا في حياتهم منهجه وشريعته.. وهذه العهود كلها هي التي ينقضها الفاسقون. وإذا نقض عهد الله من بعد ميثاقه، فكل عهد دون الله منقوض. فالذي يجرؤ على عهد الله لا يحترم بعده عهداً من العهود. {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل}.. والله أمر بصلات كثيرة.. أمر بصلة الرحم والقربى. وأمر بصلة الإنسانية الكبرى. وأمر قبل هذا كله بصلة العقيدة والأخوة الإيمانية، التي لا تقوم صلة ولا وشيجة إلا معها.. وإذا قطع ما أمر الله به أن يوصل فقد تفككت العرى، وانحلت الروابط، ووقع الفساد في الأرض، وعمت الفوضي. {ويفسدون في الأرض}.. والفساد في الأرض ألوان شتى، تنبع كلها من الفسوق عن كلمة الله، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل. ورأس الفساد في الأرض هو الحيدة عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويصرفها. هذا مفرق الطريق الذي ينتهي إلى الفساد حتماً، فما يمكن أن يصلح أمر هذه الأرض، ومنهج الله بعيد عن تصريفها، وشريعة الله مقصاة عن حياتها. وإذا انقطعت العروة بين الناس وربهم على هذا النحو فهو الفساد الشامل للنفوس والأحوال، وللحياة والمعاش؛ وللأرض كلها وما عليها من ناس وأشياء. إنه الهدم والشر والفساد حصيلة الفسوق عن طريق الله.. ومن ثم يستحق أهله أن يضلهم الله بما يهدي به عباده المؤمنين. وعند هذا البيان الكاشف لآثار الكفر والفسوق في الأرض كلها يتوجه إلى الناس باستنكار كفرهم بالله المحيي المميت الخالق الرازق المدبر العليم: {كيف تكفرون بالله، وكنتم أمواتاً فأحياكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون؟ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً؛ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم}.. والكفر بالله في مواجهة هذه الدلائل والآلاء كفر قبيح بشع، مجرد من كل حجة أو سند.. والقرآن يواجه البشر بما لا بد لهم من مواجهته، والاعتراف به، والتسليم بمقتضياته. يواجههم بموكب حياتهم وأطوار وجودهم. لقد كانوا أمواتاً فأحياهم. كانوا في حالة موت فنقلهم منها إلى حالة حياة ولا مفر من مواجهة هذه الحقيقة التي لا تفسير لها إلا بالقدرة الخالقة. إنهم أحياء، فيهم حياة. فمن الذي أنشأ لهم هذه الحياة؟ من الذي أوجد هذه الظاهرة الجديدة الزائدة على ما في الأرض من جماد ميت؟ إن طبيعة الحياة شيء آخر غير طبيعة الموت المحيط بها في الجمادات. فمن أين جاءت؟ إنه لا جدوى من الهروب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على العقل والنفس؛ ولا سبيل كذلك لتعليل مجيئها بغير قدرة خالقة ذات طبيعة أخرى غير طبيعة المخلوقات. من أين جاءت هذه الحياة التي تسلك في الأرض سلوكا آخر متميزاً عن كل ما عداها من الموات؟.. لقد جاءت من عند الله.. هذا هو أقرب جواب.. وإلا فليقل من لا يريد التسليم: أين هو الجواب! وهذه الحقيقة هي التي يواجه بها السياق الناس في هذا المقام: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم؟}.. كنتم أمواتاًً من هذا الموات الشائع من حولكم في الأرض؛ فأنشأ فيكم الحياة {فأحياكم}.. فكيف يكفر بالله من تلقى منه الحياة؟ {ثم يميتكم}.. ولعل هذه لا تلقى مراء ولا جدلاً، فهي الحقيقة التي تواجه الأحياء في كل لحظة، وتفرض نفسها عليهم فرضاً، ولا تقبل المراء فيها ولا الجدال. {ثم يحييكم}.. وهذه كانوا يمارون فيها ويجادلون؛ كما يماري فيها اليوم ويجادل بعض المطموسين، المنتكسين إلى تلك الجاهلية الأولى قبل قرون كثيرة. وهي حين يتدبرون النشأة الأولى، لا تدعو إلى العجب، ولا تدعو إلى التكذيب. {ثم إليه ترجعون}.. كما بدأكم تعودون، وكما ذرأكم في الأرض تحشرون، وكما انطلقتم بإرادته من عالم الموت إلى عالم الحياة، ترجعون إليه ليمضي فيكم حكمه ويقضي فيكم قضاءه.. وهكذا في آية واحدة قصيرة يُفتح سجل الحياة كلها ويُطوى، وتُعرض في ومضة صورة البشرية في قبضة البارئ: ينشرها من همود الموت أول مرة، ثم يقبضها بيد الموت في الأولى، ثم يحييها كرة أخرى، وإليه مرجعها في الآخرة، كما كانت منه نشأتها في الأولى.. وفي هذا الاستعراض السريع يرتسم ظل القدرة القادرة، ويلقي في الحس إيحاءاته المؤثرة العميقة. ثم يعقب السياق بومضة أخرى مكملة للومضة الأولى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً؛ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات؛ وهو بكل شيء عليم}.. ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء، يتحدثون عن القبلية والبعدية. ويتحدثون عن الاستواء والتسوية.. وينسون أن "قبل وبعد" اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى؛ وينسون أن الاستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود.. ولا يزيدان.. وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية، إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى، عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية، وللعقلية الإسلامية الناصعة.. وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة، فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام!! فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعاً للإنسان، ودلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنساني، وعلى دوره العظيم في الأرض، وعلى قيمته في ميزان الله، وما وراء هذا كله من تقرير قيمة الإنسان في التصور الإسلامي؛ وفي نظام المجتمع الإسلامي.. {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}.. إن كلمة {لكم} هنا ذات مدلول عميق وذات إيحاء كذلك عميق. إنها قاطعة في أن الله خلق هذا الإنسان لأمر عظيم. خلقه ليكون مستخلفاً في الأرض، مالكاً لما فيها، فاعلاً مؤثراً فيها. إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض؛ والسيد الأول في هذا الميراث الواسع. ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول؛ إنه سيد الأرض وسيد الآلة! إنه ليس عبداً للآلة كما هو في العالم المادي اليوم. وليس تابعاً للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون، الذين يحقرون دور الإنسان ووضعه، فيجعلونه تابعاً للآلة الصماء وهو السيد الكريم! وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان، ولا أن تستذله أو تخضعه أو تستعلي عليه؛ وكل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان، مهما يحقق من مزايا مادية، هو هدف مخالف لغاية الوجود الإنساني. فكرامة الإنسان أولاً، واستعلاء الإنسان أولاً، ثم تجيء القيم المادية تابعة مسخرة. والنعمة التي يمتن الله بها على الناس هنا - وهو يستنكر كفرهم به - ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعاً، ولكنها - إلى ذلك - سيادتهم على ما في الأرض جميعاً، ومنحهم قيمة أعلى من قيم الماديات التي تحويها الأرض جميعاً. هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم. {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات}.. ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز السيطرة، والقصد بإرادة الخلق والتكوين. كذلك لا مجال للخوض في معنى السماوات السبع المقصودة هنا وتحديد أشكالها وأبعادها. اكتفاء بالقصد الكلي من هذا النص، وهو التسوية للكون أرضه وسمائه في معرض استنكار كفر الناس بالخالق المهيمن المسيطر على الكون، الذي سخر لهم الأرض بما فيها، ونسق السماوات بما يجعل الحياة على الأرض ممكنة مريحة. {وهو بكل شيء عليم}.. بما أنه الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء. وشمول العلم في هذا المقام كشمول التدبير. حافز من حوافز الإيمان بالخالق الواحد، والتوجه بالعبادة للمدبر الواحد، وإفراد الرازق المنعم بالعبادة اعترافاً بالجميل. وهكذا تنتهي الجولة الأولى في السورة.. وكلها تركيز على الإيمان، والدعوة إلى اختيار موكب المؤمنين المتقين..

ابن عاشور

تفسير : تحير المفسرون في محل هاته الحروف الواقعة في أول هاته السور، وفي فواتح سور أخرى عدة جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها في السور المكية، وكان بعضها في ثاني سورة نزلت وهي {أية : ن والقلم}تفسير : [القلم: 1]، وأَخْلِقْ بها أن تكون مثار حيرة ومصدر، أقوال متعددة وأبحاث كثيرة، ومجموع ما وقع من حروف الهجاء أوائل السور أربعة عشر حرفاً وهي نصف حروف الهجاء وأكثر السور التي وقعت فيها هذه الحروف: السورُ المكية عدا البقرة وآل عمران، والحروف الواقعة في السور هي: أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ، ي، بعضها تكرر في سور وبعضها لم يتكرر وهي من القرآن لا محالة ومن المتشابه في تأويلها. ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارىء أسماء الحروف التهجي التي يُنطق في الكلام بمسمياتها وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل في مخارج الحروف ولذلك إنما يقول القارىء: (أَلِفْ لاَمْ ميمْ) مثلاً ولا يقول (أَلَمَ). وإنما كتبوها في المصاحف بصور الحروف التي يتهجى بها في الكلام التي يَقُوم رسمُ شكلها مقام المنطوق به في الكلام ولم يكتبوها بدَوَالِّ ما يقرأُونَها به في القرآن لأن المقصود التهجي بها وحروف التهجي تكتب بصورها لا بأسمائها. وقيل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال المندرجة تحتها، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة وهي كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها، فإن الأقوال الثاني والسابع والثامن والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبة من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها؛ لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال. وعرفت اسميتها من دليلين: أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل التعريف حين تقول: الألف، والباء، ومثل الجمع حين تقول الجيمات، وحين الوصف حين تقول ألف ممدودة والثاني ما حكاه سيبويه في «كتابه»: قال الخليل يوماً وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التي في لك والباء التي في ضرب فقيل نقول كافْ، باء، فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف وقال أقول كه، وبه (يعني بهاء وقعت في آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق إذْ أبقيت على حرف واحد لا يظهر في النطق به مفرداً). والذي يستخلص من أقوال العلماء بعد حذف متداخِلِه وتوحيد متشاكله يؤول إلى واحد وعشرين قولاً ولشدة خفاء المراد من هذه الحروف لم أر بداً من استقصاء الأقوال على أننا نضبط انتشارها بتنويعها إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كَلم أو جمل، فكانت أسراراً يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع ثمانية أقوال: الأول أنها علم استأثر "الله تعالى" به ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ضعيفة ولعلهم يثبتون إطلاع الله على المقصود منها رسوله صلى الله عليه وسلم وقاله الشعبي وسفيان. والثاني أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى المفتتحة بحروف مماثلة لهذه الحروف المقطعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله محمد بن القرظي أو الربيع بن أنس "فألم" مثلاً الألف إشارة إلى أحد أو أول أو أزلي، واللام إلى لطيف، والميم إلى ملك أو مجيد، ونحو ذلك، وعلى هذا يحتاج في بيانها إلى توقيف وأنى لهم به. الثالث أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم والملائكة "فألم" مثلاً، الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، قاله الضحاك، ولا بد من توقيف في كل فاتحة منها، ولعلنا سننبه على ذلك في مواضعه. الرابع جزم الشيخ محي الدين في الباب الثامن والتسعين والمائة في الفصل 27 منه من كتابه «الفتوحات» أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها فتصغي أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون صدقت إن كان ما بعدها خبر، ويقولون هذا مؤمن حقاً نطق حقاً وأخبر بحق فيستغفرون له، وهذا لم يقله غيره وهو دعوى. الخامس أنها رموز كلها لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه خاصة قاله الشيخ محمد بن صالح المعروف بابن مُلوكة التونسي في «رسالة» له قال إن كل حرف من حروف الهجاء في فواتح السور مكنى به عن طائفة من أسمائة الكريمة وأوصافه الخاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف كأحمد وأبي القاسم، واللام مكنيّ به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكني به عن محمد ونحوه مثل مبشر ومنذر، فكلها منادًى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ذلك الحرف في يس. ولم يَعْزُ هذا القول إلى أحد، وعلق على هذه «الرسالة» تلميذه شيخ الإسلام محمد معاوية «تعليقة» أكثر فيها من التعداد، وليست مما ينثلج لمباحثه الفؤاد (وهي وأصلها موجودة بخزنة جامع الزيتونة بتونس عدد 514) ويرُدُّ هذا القولَ التزام حذف حرف النداء وما قاله من ظهوره في يس مبني على قول من قال: إن يس بمعنى يا سيد وهو ضعيف؛ لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء ولأن الشيخ نفسه عد يس بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولاً لنحو الياء من {أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1]. القول السادس أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل قاله أبو العالية أخذاً بقصة رواها ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله بن وثاب قال: «جاء أبو ياسر بن أخطب وحُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوا رسول الله عن ألم وقالوا هذا أجل هذه الأمة من السنين إحدى وسبعون سنة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم ص والمر فقالوا اشتبه علينا الأمر فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟» ا هـ. وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقريرٌ لاعتبارها رموزاً لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيداً لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل ومرجعُها إلى المَنع والمانع لا مذهب له. وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم فهو تعجب من جهلهم. القول السابع أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو: (ألم) أنا الله أعلم، و(ألمر) أنا الله أرى، و(ألـمص) أنا الله أعلم وأفصل. رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرفِ أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها. ونظروه بأن العرب قد تتكلم بالحروف المقطعة بدلاً من كلمات تتألف من تلك الحروف نظماً ونثراً، من ذلك قول زهير:شعر : بالخير خيرات وإن شرٌّ فَا ولا أُريد الشر إلا أنْ تَا تفسير : أراد وإن شر فشر وأراد إلا أن تَشا، فأتى بحرف من كل جملة. وقال الآخر (قرطبي):شعر : ناداهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعاً كلهم ألا فا تفسير : أراد بالحرف الأول ألا تركبون، وبالثاني ألا فاركبوا. وقال الوليد بن المغيرة عامل عثمان يخاطب عدي بن حاتم:شعر : قلت لها قفي لنا قالتْ قافْ لا تَحْسِبَنِّي قد نسيت الإيجاف تفسير : أراد قالت وقفت. وفي الحديث: «حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة»تفسير : قال شقيق: هو أن يقول أُقْ مكان اقتل. وفي الحديث أيضاً: «كفى بالسيف شَا»، أي شاهداً. وفي «كامل المبرد» من قصيدة لعلي بن عيسى القمي وهو مولد:شعر : ولبس العجاجة والخافقا تِ تريك المَنَا برؤوس الأسل تفسير : أي تريك المنايا. وفي «تلع» من «صحاح الجوهري» قال لبيد:شعر : دَرَسَ المَنَا بمتالعٍ فأبَانِ فتقادمت بالحبس فالسوبان تفسير : أراد درس المنازل. وقال علقمة الفحل («خصائص» ص 82):شعر : كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدم بِسَبَا الكَتان ملثوم تفسير : أراد بسبائب الكتان. وقال الراجز:شعر : حين ألقت بقُباء بَرْكها واستمر القتلُ في عبد الأشَل تفسير : أي عبد الأشهل. وقول أبي دؤاد:شعر : يدرين حَندل حائر لجنوبها فكأنما تُذْكى سنابكها الحُبَا تفسير : أراد الحباحب. وقال الأخطل:شعر : أمست مَنَاهَا بأرض ما يبلغها بصاحب الهم إلا الجَسْرَة الأُجُد تفسير : أراد منازلها. ووقع («طراز المجالس» - المجلس) للمتأخرين من هذا كثير مع التورية كقول ابن مكانس:شعر : لم أنس بدراً زارني ليلة مستوفزاً مطلعاً للخطر فلم يقم إلا بمقدار ما قلت له أهلاً وسهلاً ومَرْ تفسير : أراد بعض كلمة مرحباً وقد أكثرت من شواهده توسعة في مواقع هذا الاستعمال الغريب ولست أريد بذلك تصحيح حمل حروف فواتح السور على ذلك لأنه لا يحسن تخريج القرآن عليه وليس معها ما يشير إليه مع التورية بجعل مَرَّ من المرور. القول الثامن أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب، وجعَلها في «الفتوحات» في الباب الثاني إيماء إلى شعب الإيمان، وحاصله أن جملة الحروف الواقعة في أوائل سور القرآن على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً والثمانية هنا هي حقيقة البضع حصل له ذلك بالكشف فيكون عدد الحروف ثمانية وسبعين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة» تفسير : فهذه الحروف هي شعب الإيمان، ولا يكمل لأحد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها. وكيف يزعم زاعم أنها واردة في معان غير معروفة مع ثبوت تلقي السامعين لها بالتسليم من مؤمن ومعاند، ولولا أنهم فهموا منها معنى معروفاً دلت عليه القرائن لسأل السائلون وتورك المعاندون. قال القاضي أبو بكر بن العربي: "لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بل تلا عليهم (حم فصلت وص) وغيرهما فلم ينكروا ذلك مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة" قلت وقد سألوا عن أوضح من هذا فقالوا {أية : وما الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 60]، وأما ما استشهدوا به من بيت زهير وغيره فهو من نوادر كلام العرب، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد. النوع الثاني يجمع الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالاً وفيه من الأقوال أربعة. التاسع في عداد الأقوال في أولها لجماعة من العلماء والمتكلمين واختاره الفخر أنها أسماء للسور التي وقعت فيها، قاله زيد بن أسلم ونسب لسيبويه في «كتابه» باب أسماء السور من أبواب ما لا ينصرف أو للخليل ونسبه صاحب «الكشاف» للأكثر ويعضده وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب والرزمة ج ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لاَمَ الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عَيْن، والسحاب غَيْن، والحوتَ نونْ، والجبل قاف، وأقول، وحاء قبيلة من مَذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي أو العبسي:شعر : يذكرني حَامِيمَ والرمحُ شاجر فهَلاَّ تلا حاميمَ قبل التقدم تفسير : يريد {أية : حم عسق}تفسير : [الشورى: 1، 2] التي فيها: {أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}تفسير : [الشورى: 23]. ويبعد هذا القول بعداً مَّا إن الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى وقد وجدنا هذه الحروف مقروءة مع السور بإجماع المسلمين، على أنه يرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل آلم وآلر وحم. وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها. القول العاشر وقال جماعة إنها أسماء للقرآن اصطلح عليها قاله الكلبي والسدي وقتادة ويبطله أنه قد وقع بعد بعضها ما لا يناسبها لو كانت أسماء للقرآن، نحو {أية : آلم غلبت الروم}تفسير : [الروم: 1، 2]، و{أية : آلم أحسب الناس}تفسير : [العنكبوت: 1، 2]. القول الحادي عشر أن كل حروفٍ مركبةِ منها هي اسم من أسماء الله رووا عن علي أنه كان يقول يا كهيعص يا حم عـسـق وسكت عن الحروف المفردة فيُرجع بها إلى ما يناسبها أن تندرج تحته من الأقوال ويبطله عدم الارتباط بين بعضها وبين ما بعده لأن يكون خبراً أو نحوه عن اسم الله مثل {أية : الم ذلك الكتاب}تفسير : [البقرة: 1، 2] و{أية : آلمص كتاب أنزل إليك}تفسير : [الأعراف: 1، 2]. الثاني عشر قال الماوردي: هي أفعال فإن حروف المص كتاب فعل ألمّ بمعنى نزل فالمراد {آلم ذلك الكتاب} أي نزل عليكم، ويبطل كلامه أنها لا تُقْرَأ بصيغ الأفعال على أن هذا لا يتأتى في جميعها نحو كهيعـص وأَلمص والر ولولا غرابة هذا القول لكان حرياً بالإعراض عنه. النوع الثالث تندرج فيه الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف حروف هجاء مقصودة بأسمائها لأغراض داعية لذلك وفيه من الأقوال: القول الثالث عشر: أن هاته الحروف أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالقلم تنويهاً بها لأن مسمياتها تألفت منها أسماء الله تعالى وأصول التخاطب والعلوم قاله الأخفش، وقد وهن هذا القول بأنها لو كانت مقسماً بها لذكر حرف القسم إذ لا يحذف إلا مع اسم الجلالة عند البصريين وبأنها قد ورد بعدها في بعض المواضع قسم نحو: {أية : ن والقلم}تفسير : [القلم: 1] و{أية : حم والكتاب المبين}تفسير : [الزخرف: 1]، قال صاحب الكشاف: وقد استكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم واحد حتى قال الخليل في قوله تعالى: {أية : والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى}تفسير : [الليل: 1، 2] أن الواو الثانية هي التي تضم الأسماء للأسماء أي واو العطف، والجواب عن هذا أن اختصاص الحذف باسم الجلالة مختلف فيه وأن كراهية جمع قسمين تندفع بجعل الواو التالية لهاته الفواتح واو العطف على أنهم قد جمعوا بين قسمين، قال النابغة:شعر : واللَّهِ واللَّهِ لَنِعْمَ الفتى الْـ ـحارثُ لا النكسُ ولا الخاملُ تفسير : القول الرابع عشر: أنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية تبكيتاً للمشركين وإيقاظاً لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم وقد تُحدوا بالإتيان بسورة مثله هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم كأنه يغريهم بمحاولة المعارضة ويستأنس لأنفسهم بالشروع في ذلك بتهجي الحروف ومعالجة النطق تعريضاً بهم بمعاملتهم معاملة من لم يعرف تقاطيع اللغة، فيلقنها كتهجي الصبيان في أول تعلمهم بالكتّاب حتى يكون عجزهم عن المعارضة بعد هذه المحاولة عجزاً لا معذرة لهم فيه، وقد ذهب إلى هذا القول المبرد وقطرب والفراء، قال في «الكشاف» وهذا القول من القوة والخلافة بالقبول بمنزلة، وقلت وهو الذي نختاره وتظهر المناسبة لوقوعها في فواتح السور أن كل سورة مقصودة بالإعجاز لأن الله تعالى يقول: {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23] فناسب افتتاح ما به الإعجاز بالتمهيد لمحاولته ويؤيد هذا القول أن التهجي ظاهر في هذا المقصد فلذلك لم يسألوا عنه لظهور أمره وأن التهجي معروف عندهم للتعليم فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية المعهودة في التعليم في مقام غير صالح للتعليم عرف السامعون أنهم عوملوا معاملة المتعلم لأن حالهم كحاله في العجز عن الإتيان بكلام بليغ، ويعضد هذا الوجه تعقيب هاته الحروف في غالب المواقع بذكر القرآن وتنزيله أو كتابيته إلا في {أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1] و{أية : الم أحسِب الناسُ}تفسير : [العنكبوت: 1، 2] و{أية : الم غلبت الروم}تفسير : [الروم: 1، 2] ووجه تخصيص بعض تلك الحروف بالتهجي دون بعض، وتكرير بعضها لأمر لا نعلمه ولعله لمراعاة فصاحة الكلام، ويؤيده أن معظم مواقع هذه الحروف في أوائل السور المكية عدا البقرة على قول من جعلوها كلها مدنية وآل عمران، ولعل ذلك لأنهما نزلتا بقرب عهد الهجرة من مكة وأن قصد التحدي في القرآن النازل بمكة قصد أولي، ويؤيده أيضاً الحروف التي أسماؤها مختومة بألف ممدودة مثل الياء والهاء والراء والطاء والحاء قرئت فواتح السور مقصودة على الطريقة التي يتهجى بها للصبيان في الكتَّاب طلباً للخفة كما سيأتي قريباً في آخر هذا المبحث من تفسير {الم}. القول الخامس عشر: أنها تعليم للحروف المقطعة حتى إذا وردت عليهم بعد ذلك مؤلفة كانوا قد علموها كما يتعلم الصبيان الحروف المقطعة، ثم يتعلمونها مركبة قاله عبد العزيز بن يحيى، يعني إذ لم يكن فيهم من يحسن الكتابة إلا بعض المدن كأهل الحيرة وبعض طيء وبعض قريش وكنانة من أهل مكة، ولقد تقلبت أحوال العرب في القراءة والكتابة تقلبات متنوعة في العصور المختلفة، فكانوا بادىء الأمر أهل كتابة لأنهم نزحوا إلى البلاد العربية من العراق بعد تبلبل الألسن، والعراق مهد القراءة والكتابة وقد أثبت التاريخ أن ضخم بن إرم أول من علم العرب الكتابة ووضع حروف المعجم التسعة والعشرين، ثم إن العرب لما بادوا (أي سكنوا البادية) تناست القبائل البادية بطول الزمان القراءة والكتابة، وشغلهم حالهم عن تلقي مبادىء العلوم، فبقيت الكتابة في الحواضر كحواضر اليمن والحجاز، ثم لما تفرقوا بعد سيل العرم نقلوا الكتابة إلى المواطن التي نزلوها فكانت طيء بنجد يعرفون القراءة والكتابة، وهم الفرقة الوحيدة من القحطانيين ببلاد نجد ولذلك يقول أهل الحجاز ونجد إن الذين وضعوا الكتابة ثلاثة نفر من بني بولان من طيء يريدون من الوضع أنهم علموها للعدنانيين بنجد، وكان أهل الحيرة يعلمون الكتابة فالعرب بالحجاز تزعم أن الخط تعلموه عن أهل الأنبار والحيرة، وقصة المتلمس في كتب الأدب تذكرنا بذلك إذ كان الذي قرأ له الصحيفة غلام من أغيلمة الحيرة. ولقد كان الأوس والخزرج مع أنهم من نازحة القحطانيين، قد تناسوا الكتابة إذ كانوا أهل زرع وفروسية وحروب، فقد ورد في السير أنه لم يكن أحد من الأنصار يحسن الكتابة بالمدينة وكان في أسرى المشركين يوم بدر من يحسن ذلك فكان من لا مال له من الأسرى يفتدي بأن يعلم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة فتعلم زيد بن ثابت في جماعة، وكانت الشفاء بنت عبد الله القرشية تحسن الكتابة وهي علمتها لحفصة أم المؤمنين. ويوجد في أساطير العرب ما يقتضي أن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل مدين في جوارهم فقد ذكروا قصة وهي أن المحض بن جندل من أهل مدين وكان ملكاً كان له ستة أبناء وهم: أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، فجعل أبناءه ملوكاً على بلاد مدين وما حولها فجعل أبجد بمكة وجعل هوزاً وحطياً بالطائف ونجد، وجعل الثلاثة الباقين بمدين، وأن كلمناً كان في زمن شعيب وهو من الذين أخذهم عذاب يوم الظلة قالوا فكانت حروف الهجاء أسماء هؤلاء الملوك ثم ألحقوا بها ثخذ وضغط فهذا يقتضي أن القصة مصنوعة لتلقين الأطفال حروف المعجم بطريقة سهلة تناسب عقولهم وتقتضي أن حروف ثخذ وضغظ لم تكن في معجم أهل مدين فألحقها أهل الحجاز، وحقاً إنها من الحروف غير الكثيرة الاستعمال ولا الموجودة في كل اللغات إلا أن هذا القول يبعده عدم وجود جميع الحروف في فواتح السور بل الموجود نصفها كما سيأتي بيانه من كلام «الكشاف». القول السادس عشر: أنها حروف قصد منها تنبيه السامع مثل النداء المقصود به التنبيه في قولك يَافتى لإيقاظ ذهن السامع قاله ثعلب والأخفش وأبو عبيدة، قال ابن عطية كما يقول في إنشاد أشهر القصائد لاَ وبل لا، قال الفخر في تفسير سورة العنكبوت: إن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو مشغول البال يُقدِّم على الكلام المقصود شيئاً ليلفت المخاطب إليه بسبب ذلك المقدم ثم يشرع في المقصود فقد يكون ذلك المقدم كلاماً مثل النداء وحروفِ الاستفتاح، وقد يكون المقدم صوتاً كمن يصفق ليُقْبِل عليه السامع فاختار الحكيم للتنبيه حروفاً من حروف التهجي لتكون دلالتها على قصد التنبيه متعينة إذ ليس لها مفهوم فتمحضت للتنبيه على غرض مهم. القول السابع عشر: أنها إعجاز بالفعل وهو أن النبي الأمي الذي لم يقرأ قد نطق بأصول القراءة كما ينطق بها مهرة الكتبة فيكون النطق بها معجزة وهذا بيِّن البطلان لأن الأمي لا يعسر عليه النطق بالحروف. القول الثامن عشر: أن الكفار كانوا يُعرضون عن سماع القرآن فقالوا: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه}تفسير : [فصلت: 26] فأوردت لهم هذه الحروف ليقبلوا على طلب فهم المراد منها فيقع إليهم ما يتلوها بلا قَصد، قاله قُطرب وهو قريب من القول السادس عشر. القول التاسع عشر: أنها علامة لأهل الكتاب وُعدوا بها من قِبَل أنبيائهم أن القرآن يفتتح بحروف مقطعة. القول العشرون: قال التبريزي: علم الله أن قوماً سيقولون بقدم القرآن فأراهم أنه مؤلف من حروف كحروف الكلام، وهذا وهم لأن تأليف الكلام من أصوات الكلمات أشد دلالة على حدوثه من دلالة الحروف المقطعة لقلة أصواتها. القول الحادي والعشرون: روي عن ابن عباس أنها ثناء أثنى الله به على نفسه وهو يرجع إلى القول الأول أو الثاني. هذا جماع الأقوال، ولا شك أن قراءة كافة المسلمين إياها بأسماء حروف الهجاء مثل ألف. لاَمْ. ميمْ دون أن يقرأوا ألَمْ وأن رسْمها في الخط بصورة الحروف يزيف جميع أقوال النوع الأول ويعين الاقتصار على النوعين الثاني والثالث في الجملة، على أن ما يندرج تحت ذينك النوعين متفاوت في درجات القبول، فإن الأقوال الثاني، والسابع، والثامن، والثاني عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبَة من أسماء أو كلمات لكان الحق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها. فإذا تعين هذان النوعان وأسقطنا ما كان من الأقوال المندرجة تحتمها واهياً، خلَص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة: وهي كون تلك الحروف لتبكيتِ المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونُها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونُها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة وتنبيهِ العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأُمية وأرجح هذه الأقوال الثلاثةِ هو أولها. قال في «الكشاف»: ما ورد في هذه الفواتح من أسماء الحروف هو نصف أسامي حروف المعجم إذ هي أربعة عشر وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس صفات الحروف ففيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء، ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون، ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المُطْبَقَة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والقاف، والياء، والنون. ومن المستعلية نصفها القاف، والصاد، والطاء. ومن المستَفِلة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. ومن حروف القَلْقلة نصفها: القاف، والطاء. ثم إن الحروف التي ألغى ذكرها مكثورة بالمذكورة، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ا هـ وزاد البيضاوي على ذلك أصنافاً أخرى من صفات الحروف لا نطيل بها فمن شاء فليراجعها. ومحصول كلامهما أنه قد قضى بذكر ما ذُكر من الحروف وإهمال ذكر ما أهمل منها حقُّ التمثيل لأنواع الصفات بذكر النصف، وترك النصف من باب «وليُقس ما لم يقل» لحصول الغرض وهو الإشارة إلى العناية بالكتابة، وحقُّ الإيجاز في الكلام. فيكون ذكر مجموع هذه الفواتح في سور القرآن من المعجزات العلمية وهي المذكورة في الوجه الثالث من وجوه الإعجاز التي تقدمت في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير. وكيفيةُ النطقِ أن يُنطق بها موقوفة دون علاماتِ إعراب على حكم الأسماء المسرودة إذ لم تكن معمولة لعوامل فحَالها كحال الأعداد المسرودة حين تقول ثلاثهْ أربعهْ خمسهْ. وكحال أسماء الأشياء التي تُملى على الجارد لها، إذ تقول مثلاً: ثَوْب، بِساطْ، سَيْف، دون إعراب، ومن أعربها كان مخطئاً. ولذلك نطق القراء بها ساكنة سكون الموقوف عليه فما كان منها صحيح الآخِرِ نُطق به ساكناً نحو أَلِفْ، لاَمْ، مِيمْ. وما كان من أسماء الحروف ممدود الآخر نُطق به في أوائل السور أَلفاً مقصوراً لأنها مسوقة مَساق المتهجَّى بها وهي في حالة التهجي مقصورة طلباً للخفة لأن التهَجِّي إنما يكون غالباً لتعليم المبتدىء، واستعمالها في التهجي أكثر فوقعت في فواتح السور مقصورة لأنها على نمط التعْديد أو مأخوذة منه. ولكن الناس قد يجعلون فاتحة إحدى السور كالاسم لها فيقولون قرأتُ: {كهيعص} كما يجعلون أول كلمة من القصيدة اسماً للقصيدة فيقولون قرأت: «قِفَا نَبْكِ» و«بانت سعاد» فحينئذٍ قد تعامل جملة الحروف الواقعة في تلك الفاتحة معاملة كلمة واحدة فيجري عليها من الإعراب ما هو لنظائر تلك الصيغة من الأسماء فلا يصرف حَامِيم كما قال شُريح بن أَوفى العَنْسي المتقدم آنفاً:شعر : يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ والرُّمْحُ شَاجِر فهلاَّ تَلاَ حَامِيمَ قبلَ التَّقَدُّم تفسير : وكما قال الكميت:شعر : قرأْنا لَكُم في آلِ حَامِيمَ آية تأوَّلها مِنَّا فقيهٌ ومُعْرِب تفسير : ولا يعرب {أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1] إذ لا نظير له في الأسماء إفراداً ولا تركيباً. وأما طسـم فيعرب اعترابَ المركب المزجى نحو حَضْرَمَوْتَ ودَارَاَبجِرْدَ وقال سيبويه: إنك إذا جعلت (هُود) اسم السورة لم تَصرفها فتقول قرأت هُودَ للعَلَمِيَّة والتأنيث قال لأنها تصير بمنزلة امرأة سميتَها بعَمْرو. ولك في الجميع أن تأتي به في الإعراب على حاله من الحكاية وموقع هاته الفواتح مع ما يليها من حيث الإعراب، فإن جعلتها حروفاً للتهجي تعريضاً بالمشركين وتبكيتاً لهم فظاهر أنها حينئذٍ محكية ولا تقبَل إعراباً، لأنها حينئذٍ بمنزلة أسماء الأصوات لا يقصد إلا صُدورها فدلالتها تشبه الدلالة العقلية فهي تدل على أن الناطق بها يهيّىء السامع إلى ما يرد بعدها مثل سرد الأعداد الحِسابية على من يراد منه أن يجمع حاصلها، أو يَطرح، أو يقسم، فلا إعراب لها مع ما يليها، ولا معنى للتقدير بالمؤلف من هذه الحروف إذ ليس ذلك الإعلام بمقصودٍ لظهوره وإنما المقصود ما يحصل عند تعدادها من التعريض لأن الذي يتهجَّى الحروف لمن ينافي حالُه أن يقصد تعليمُه يتعين من المقام أنه يَقصِد التعريض. وإذا قَدَّرتها أسماء للسور أو للقرآن أو لله تعالى مقسَماً بها فقيل إن لها أحكاماً مع ما يليها من الإعراب بعضُها محتاج للتقدير الكثير، فدع عنك الإطالة بها فإن الزمان قصير. وهاته الفواتح قرآن لا محالة ولكن اختلف في أنها آيات مستقلة والأظهر أنها ليست بآيات مستقلة بل هي أجزاء من الآيات الموالية لها على المختار من مذاهب جمهور القراء. وروى عن قراء الكوفة أن بعضها عدُّوه آياتٍ مستقلة وبعضها لم يعدوه وجعلوه جزء آية مع ما يليه، ولم يظهر وجه التفصيل حتى قال صاحب «الكشاف» إن هذا لا دخل للقياس فيه. والصحيح عن الكوفيين أن جميعها آيات وهو اللائق بأصحاب هذا القول إذ التفصيل تحكم؛ لأن الدليل مفقود. والوجه عندي أنها آيات لأن لها دلالة تعريضية كنائية إذ المقصود إظهار عجزهم أو نحو ذلك فهي تطابق مقتضى الحال مع ما يعقُبها من الكلام ولا يشترط في دلالة الكلام على معنى كنائي أن يكون له معنى صريح بل تعتبر دلالةُ المطابقة في هذه الحروف تقديريةً إن قلنا باشتراط ملازمة دلالة المطابقة لدلالة الالتزام. ويدل لإجراء السلف حكم أجزاء الآيات عليها أنهم يقرأونها إذا قرأوا الآية المتصلة بها، ففي «جامع الترمذي» في كتاب التفسير في ذكر سبب نزول سورة الروم فنَزلت: {أية : الم غلبت الروم}تفسير : [الروم: 1، 2]، وفيه أيضاً: «فخرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكةٍ {الم غلبت الروم} وفي سيرة ابن إسحاق من رواية ابن هشام عنه: «فقرأ رسول الله على عُتبة بن ربيعة: {أية : حم تنزيل من الرحمٰن الرحيم}تفسير : حتى بلغ قوله: {أية : فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}تفسير : [فصلت: 1 ـــ 13] الحديث. وعلى هذا الخلاف اختُلف في إجزاء قراءتها في الصلاة عند الذين يكتفون في قراءة السورة مع الفاتحة بآية واحدة مثل أصحاب أبي حنيفة.

الواحدي

تفسير : {الم} أنا الله أعلم. {ذلك الكتاب} أَيْ: هذا الكتاب، يعني: القرآن. {لا ريبَ فيه} أَيْ: لا شكَّ فيه، [أَيْ]: إنَّه صدقٌ وحقٌّ. [وقيل: لفظه لفظ خبرٍ، ويُراد به النهي عن الارتياب. قال: {فلا رفث ولا فسوق} ولا ريب فيه أنَّه] {هدىً} : بيانٌ ودلالةٌ {للمتقين} : للمؤمنين الذين يتَّقون الشِّرْك. [في تخصيصه كتابه بالهدى للمتقين دلالةٌ على أنَّه ليس بهدىً لغيرهم، وقد قال: {أية : والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر....} تفسير : الآية].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- ألف لام ميم: هذه حروف ابتدأ الله سبحانه وتعالى بها ليشير بها إلى إعجاز القرآن الكريم المؤلف من حروف كالحروف التى يؤلِّف منها العرب كلامهم، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن، وهى مع ذلك تنطوى على التنبيه للاستماع لتميز جرسها. 2- هذا هو الكتاب الكامل وهو القرآن الذى ننزله لا يرتاب عاقل منصف فى كونه من عند الله، ولا فى صدق ما اشتمل عليه من حقائق وأحكام، وفيه الهداية الكاملة للذين يستعدون لطلب الحق، ويتوقُّون الضرر وأسباب العقاب. 3- وهؤلاء هم الذين يصدقون - فى حزم وإذعان - بما غاب عنهم، ويعتقدون فيما وراء المحسوس كالملائكة واليوم الآخر، لأن أساس التدين هو الإيمان بالغيب، ويؤدون الصلاة مستقيمة بتوجه إلى الله وخشوع حقيقى له، والذين ينفقون جانبا مما يرزقهم الله به فى وجوه الخير والبر. 4- والذين يصدقون بالقرآن المنزل عليك من الله، وبما فيه من أحكام وأخبار، ويعملون بمقتضاه، ويصدقون بالكتب الإلهية التى نزلت على من سبقك من الأنبياء والرسل كالتوراة والإنجيل وغيرهما، لأن رسالات الله واحدة فى أصولها، ويتميزون بأنهم يعتقدون اعتقاداً جازماً بمجئ يوم القيامة وبما فيه من حساب وثواب وعقاب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : {الۤـمۤ} شرح الكلمة: الۤـمۤ: هذه من الحروف المقطعة تكتب الۤـمۤ وتقرأ هكذا: ألِفْ لام مِّيمْ. والسور المفتتحة بالحروف المقطعة تسع وعشرون سورة أولها البقرة هذه وآخرها القلم "نۤ" ومنها الأحادية مثل صۤ. وقۤ، ونۤ، ومنها الثنائية مثل طه، ويسۤ، وحمۤ، ومنها الثلاثية والرباعية والخماسية ولم يثبت في تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وكونها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه أقرب إلى الصواب ولذا يقال فيها: الۤـمۤ: الله أعلم بمراده بذلك. وقد استخرج منها بعض أهل العلم فائدتين: الأولى أنه لما كان المشركون يمنعون سماع القرآن مخافة أن يؤثر في نفوس السامعين كان النطق بهذه الحروف حمۤ. طسۤ. قۤ. كۤهيعۤصۤ وهو منطق غريب عنهم يستميلهم إلى سماع القرآن فيسمعون فيتأثرون وينجذبون فيؤمنون ويسمعون وكفى بهذه الفائدة من فائدة. والثانية لما انكر المشركون كون القرآن كلام الله أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كانت هذه الحروف بمثابة المتحدِّي لهم كأنها تقول لهم: إن هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف فألفوا أنتم مثله. ويشهد بهذه الفائدة ذكر لفظ القرآن بعدها غالباً نحو {الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}. {أية : الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [يونس: 1، يوسف: 1، الحجر: 1]، {أية : طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [النمل: 1]، كأنها تقول: إنه من مثل هذه الحروف تألف القرآن فألفوا أنتم نظيره فإن عجزتم فسلموا أنه كلام الله ووحيه وآمنوا به تفلحوا. {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} شرح الكلمات: ذلك: هذا، وإنما عُدل عن لفظ هذا إلى ذلك. لما تفيده الإِشارة بلام البعد من علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن. الكتاب: القرآن الكريم الذي يقرأه رسول الله صلى الله علي وسلم على الناس. لا ريب: لا شك في أنه وحي الله وكلامه أوحاه إلى رسوله. فيه هدىً: دلالةٌ على الطريق الموصل إلى السعادة والكمال في الدارين. للمتقين: المتقين أي عذاب الله بطاعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه. معنى الآية: يخبر تعالى أن ما أنزله على عبده ورسوله من قرآن يمثل كتاباً فخماً عظيماً لا يحتمل الشك ولا يتطرق إليه احتمال كونه غير وحي الله وكتابه بحال، وذلك لإعجازه، وما يحمله من هدى ونور لأهل الإيمان والتقوى يهتدون بهما الى سبل السلام والسعادة والكمال. هداية الآية: من هداية الآية: 1- تقوية الإيمان بالله تعالى وكتابه ورسوله، الحث على طلب الهداية من الكتاب الكريم. 2- بيان فضيلة التقوى وأهلها. الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدىً من ربهم، وأولئك هم المفلحون. شرح الجمل: يؤمنون بالغيب: يصدقون تصديقاً جازماً لكل ما هو غيب لا يدرك بالحواس كالربّ تبارك وتعالى ذاتاً وصفاتٍ والملائكة والبعث، والجنة ونعيمها والنار وعذابها. ويقيمون الصلاة: يُديمون أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع مراعاة شرائطها وأركانها وسننها ونوافلها الراتبة وغيرها. ومما رزقناهم ينفقون: من بعض ما آتاهم الله من مال ينفقون وذلك بإخراجهم لزكاة أموالهم وبإنفاقهم على أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ووالديهم وتصدقهم على الفقراء والمساكين. يؤمنون بما أنزل إليك: يصدقون بالوحي الذي أنزل إليك أيها الرسول وهو الكتاب والسنة. وما أنزل من قبلك: ويصدقون بما أنزل الله تعالى من كتب على الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل والزبور. وبالآخرة هم يوقنون: وبالحياة في الدار الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب هم عالمون متيقنون لا يشكون في شيء من ذلك ولا يرتابون لكامل إيمانهم وعظم اتقائهم. أولئك على هدى من ربهم: الإشارة إلى أصحاب الصفات الخمس السابقة والإخبار عنهم بأنهم بما هداهم الله تعالى إليه من الإيمان وصالح الأعمال هم متمكنون من الاستقامة على منهج الله المفضي بهم إلى الفلاح. وأولئك هم المفلحون: الإِشارة الى أصحاب الهداية الكاملة والإخبار عنهم بأنهم هم المفلحون الجديرون بالفوز الذي هو دخول الجنة بعد النجاة من النار. معنى الآيات: ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث صفات المتقين من الإِيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بما أنزل الله من كتب والإيمان بالدار الآخرة وأخبر عنهم بأنهم لذلك هم على أتم هداية من ربهم، وأنهم هم الفائزون في الدنيا بالطهر والطمأنينة وفي الآخرة بدخول الجنة بعد النجاة من النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: دعوة المؤمنين وترغيبهم في الاتصاف بصفات أهل الهداية والفلاح، ليسلكوا سلوكهم فيهتدوا ويفلحوا في دنياهم وأخراهم.

القطان

تفسير : بدئت سورة البقرة بهذه الحروف الثلاثة، وهي تُقرأ حروفاً مفرّقة، لا لفظة واحدة، وفي القرآن عدة سور بدئت بحروف على هذ النحو، منها البقرة آل عمران مدنيّتان والباقي سور مكيّة. وقد جاءت بدايات هذه السوَر على أنواع: منها ما هو حرف واحد مثل "ص. والقرآنِ ذي الذِكر". "ق. والقرآن المجيد" "ن. والقلمِ وما يسطُرون"؛ ومنها ما هو حرفان، مثل "طه ما أنزلنا عليكَ القرآن لتشقى". "يس والقرآنِ الحكيم". "حم تنزيلُ الكتاب من اللهِ العزيزِ الحكيم"؛ ومنها ما هو ثلاثة أحرف أو اكثر مثل "ألم" "المص" "كهيعص" و "حم عسق" الخ. وهذه الحروف أربعة عشر حرفاً، جمعها بعضهم في عبارة "نصٌّ حكيم قاطع له سر". والعلماء في تفسير معنى هذه الحروف فريقان: فريق يرى أنها مما استأثر الله بعلمه. ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان المراد منها، فالله أعلم بمراده. وفريق يقول: لا يجوز ان يرد في كتاب الله ما ليس مفهوماً للخلْق. وهؤلاء اختلفوا في تفسير هذه الحروف اختلافاً كثيرا. فبعضهم يقول إنها أسماء للسور التي بدئت بها؛ وبعضهم يعتبرها رموزاً لبعض أسماء الله تعالى أو صفاته، فالألف مثلاً اشارة الى انه تعالى "أحد، أول، آخر، أبدي، أزلي"، واللام مثلا اشارة الى انه "لطيف"، والميم الى انه "ملك، مجيد، منان" الخ.. اما الرأي الأشهر الذي اختاره المحققون فهو: انها حروف أنزلت للتنبيه على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وفي متناول المخاطَبين به من العرب، فهو يتحداهم ان يصوغوا من تلك الحروف مثله، وهم أمراء الكلام، واللغةُ لغتهم هم. من هذه الحروف يصوغ البشر كلاما وشعرا، ومنها يجعل الله قرآنا معجزاً، فما أعظم الفرق بين صنع البشر وصنع الله! {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. ذلك: اسم اشارة للبعيد كنايةً عن الإجلال والرفعة، ولذا لم يقل سبحانه "هذا هو الكتاب". والمعنى: هذا هو الكتاب الكامل، القرآن، الذي انزلناه على عبدنا، لا يرتاب في ذلك عاقل منصف، ولا في صدق ما اشتمل عليه من حقائق وأحكام. وقد جعلنا فيه الهداية الكاملة للَّذين يخافون الله ويعملون بطاعته، قد سمت نفوسهم فاهتدت الى نور الحق والسعي في مرضاة الله. و"فيه" هنا لا تفيد الحصر، بل الشمول، لكنه ليس كتاب علم، بالمعنى الحديث، وانما هو كتاب كامل في الدين. أما {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} فانها تعني: من شيء متعلق بالدين، لا بالعلوم الطبيعية التي يستجدّ منها كل عصر نصيب. المتقون: جمع متقٍ، وهو المؤمن المطيع لأوامر الله. وأصلُ الاتقاء هو اتخاذ الوقاية التي تحجز عن الشر، فكأن المتقي يجعل امتثال أوامر الله حاجزاً واقيا بينه وبين العقاب الإلَهي، وهؤلاء المتقون هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: الذين يؤمنون بالغيب الآيات 3ـ5.

د. أسعد حومد

تفسير : أَلِفْ. لام. ميم. وَتُقْرأُ مُقَطَّعةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اختَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ تَفسِيرِ مَعْنَى الحُروفِ الوَارِدَةِ فِي مَطَالِعِ السُّورِ، وَأَكثَرُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلى أَنَّها مِمَّا استَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ. وَمنهُمْ مَنْ فَسَّرها، وَلكِنَّهُمُ اختَلَفُوا حَولَ مَقَاصِدِهَا، فَمِنهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّها حُروفُ تَنْبيهٍ، كَمَا يَقُولُ القَائِلُ: أَيا وَهَيَا: والتَّفسِيرُ الذِي اختَارَهُ بَعضُهُمْ وَرأَى أَنَّهُ أَقْربُ إِلى المَنْطِقِ هُوَ: أَنَّ هذا القُرآنَ المُنَزَّلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِأَمْثَالِ هذهِ الحُروفِ، المَعْروفَةِ عِندَ العَرَبِ، هُوَ المُعْجِزَةُ، لأَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، مَعَ أَنَّه مُنَزَّلٌ بِلُغَتِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الفَصَاحَةِ وَالبَيَانِ واللَّسنِ. وَمَا دَامَ المُفَسِّرونَ قَدِ اخْتَلَفُوا حَوْلَ مَعْنَاهَا الصَّحِيحِ فَالأَفْضَلُ أَنْ نَقُولَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : قوله تعالى: {الۤمۤ}: اختلف العلماء في الحروف المعجمة المفتتحة بها السور، فذهب كثير منهم إلى أنّها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله تأويلها. قال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): في كل كتاب سر، وسر القرآن أوائل السور. وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: إنّ لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي. وفسّره الآخرون، فقال سعيد بن جبير: هي أسماء الله مقطّعة، لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنّك تقول: {أية : الۤرَ} تفسير : [الحِجر: 1] وتقول: {أية : حمۤ} تفسير : [الدُخان: 1] وتقول:{أية : نۤ}تفسير : [القلم: 1] فيكون الرحمن، وكذلك سائرها على هذا الوجه، إلاّ أنّا لا نقدر على وصلها والجمع بينها. وقال قتادة: هي أسماء القرآن. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي أسماء للسور المفتتحة بها. وقال ابن عباس: هي أقسام أقسم الله بها، وروي أنّه ثناء أثنى الله به على نفسه. وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلاّ وهو مفتاح لإسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلاّ وهو في الآية وبلائه، وليس منها حرف إلاّ في مدّة قوم وآجال آخرين. وقال عبد العزيز بن يحيى: معنى هذه الحروف أنّ الله ذكرها، فقال: اسمعوها مقطعة، حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وكذلك تعلم الصبيان أولا مقطعة، وكان الله أسمعهم مقطعة مفردة، ليعرفوها إذا وردت عليهم، ثم أسمعهم مؤلّفة. وقال أبو روق: إنّها تكتب للكفار، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في الصلوات كلّها، وكان المشركون يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. فربما صفّقوا وربما صفّروا وربما لفظوا ليغلّطوا النبي صلى الله عليه وسلم فلمّا رأى رسول الله ذلك أسرَّ في الظهر والعصر وجهر في سائرها، وكانوا يضايقونه ويؤذونه، فأنزل الله تعالى هذه الحروف المقطعة، فلمّا سمعوها بقوا متحيرين متفكّرين، فاشتغلوا بذلك عن إيذائه وتغليطه، فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم. وقال الأخفش: إنّما أقسم الله بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنّها مباني كتبه المنزلة بالألسن المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأُمم بما يتعارفون ويذكرون الله ويوحّدونه، وكأنّه أقسم بهذه الحروف إنّ القرآن كتابه وكلامه لا ريب فيه. وقال النقيب: هي النبهة والاستئناف ليعلم أنّ الكلام الأول قد انقطع، كقولك: ولا إنّ زيداً ذهب. وأحسن الأقاويل فيه وأمتنها أنّها إظهار لإعجاز القرآن وصدق محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنّ كل حرف من هذه الحروف الثمانية والعشرين. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه كقوله تعالى: {أية : وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَْ}تفسير : [المرسلات: 48] أي صلّوا لا يصلّون، وقوله: {أية : كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} تفسير : [العلق: 19] فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة إذ كانا من أركانها، وقال: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [آل عمران: 182] أراد جميع أبدانكم. وقال:{أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16] أي الأنف فعبّر باليد عن الجسد، وبالأنف عن الوجه. وقال الشاعر في امرأته: شعر : لما رأيت امرها في خطي وفنكت في كذب ولط أخذت منها بقرون شمط فلم يزل ضربي بها ومعطي تفسير : فعبّر بلفظة "خطي" عن جملة حروف أبجد. ويقول القائل: (أ ب ت ث) وهو لا يريد هذه الأربعة الأحرف دون غيرها، بل يريد جميعها وقرأت الحمد لله، وهو يريد جميع السورة، ونحوها كثير، وكذلك عبّر الله بهذه الحروف عن جملة حروف التهجّي، والإشارة فيه أنّ الله تعالى نبّه العرب وتحدّاهم، فقال: إنّي قد نزّلت هذا الكتاب من جملة الثمانية والعشرين التي هي لغتكم ولسانكم، وعليها مباني كلامكم، فإن كان محمد هو النبي يقوله من تلقاء نفسه، فأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة مثله، فلمّا عجزوا عن ذلك بعد الإجهاد ثبت أنّه معجزة. هذا قول المبرّد وجماعة من أهل المعاني، فإن قيل: فهل يكون حرفاً واحداً عوداً للمعنى؟ وهل تجدون في كلام العرب أنْ يقال: الم زيد قائم؟ وحم عمرو ذاهب؟ قلنا: نعم، هذا عادة العرب يشيرون بلفظ واحد إلى جميع الحروف ويعبّرون به عنه. قال الراجز: شعر : قلت لها قفي فقالت قاف لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف تفسير : أي قف أنت. وأنشد سيبويه لغيلان: شعر : نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعاً كلّهم ألا فا تفسير : أي لا تركبون فقالوا: ألا فاركبوا. وأنشد قطرب في جارية: شعر : قد وعدتني أم عمرو أن تا تدهن رأسي وتفليني تا أراد أن تأتي وتمسح تفسير : وأنشد الزجّاج: شعر : بالخير خيرات وإن شرّاً فا ولا أريد الشرّ إلاّ أن تا تفسير : أراد بقوله (فا): وإن شراً فشر له، وبقوله: تا إلا أن تشاء. قال الأخفش: هذه الحروف ساكنة لأنّ حروف الهجاء لا تعرب، بل توقف على كلّ حرف على نيّة السكت، ولا بدّ أن تفصل بالعدد في قولهم واحد ـ اثنان ـ ثلاثة ـ أربعة. قال أبو النجم: شعر : أقبلت من عند زياد كالخرف تخط رجلاي بخط مختلف تفسير : تكتبان في الطريق لام الألف فإذا أدخلت حرفاً من حروف العطف حركتها. وأنشد أبو عبيدة: شعر : إذا اجتمعوا على ألف وواو وياء هاج بينهم جدال تفسير : وهذه الحروف تُذكّر على اللفظ وتؤنّث على توهم الكلمة. قال كعب الأحبار: خلق الله العلم من نور أخضر، ثم أنطقه ثمانية وعشرين حرفاً من أصل الكلام، وهيّأها بالصوت الذي سمع وينطق به، فنطق بها العلم فكان أوّل ذلك كلّه (.....) فنظرت إلى بعضها فتصاغرت وتواضعت لربّها تعالى، وتمايلت هيبة له، فسجدت فصارت همزة، فلمّا رأى الله تعالى تواضعها مدّها وطوّلها وفضّلها، فصارت ألفاً، فتلفظه بها، ثم جعل القلم ينطق حرفاً حرفاً إلى ثمانية وعشرين حرفاً، فجعلها مدار الكلام والكتب والأصوات واللغات والعبادات كلّها إلى يوم القيامة، وجميعها كلّها في أبجد. وجعل الألف لتواضعها مفتاح أول أسمائه، ومقدّماً على الحروف كلّها، فأمّا قوله عزّ وجلّ: {الۤمۤ} فقد اختلف العلماء في تفسيرها. عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {الۤمۤ} قال: أنا الله أعلم. أبو روق عن الضحاك في قوله {الۤمۤ}: أنا الله أعلم. مجاهد وقتادة: {الۤمۤ} اسم من أسماء القرآن. الربيع بن أنس: (ألف) مفتاح اسم الله، و(لام) مفتاح اسمه لطيف، و(ميم) مفتاح اسمه مجيد. خالد عن عكرمة قال: {الۤمۤ} قسم. محمد بن كعب: (الألف) آلاء الله، و(اللام) لطفه، و(الميم) ملكه. وفي بعض الروايات عن ابن عباس: (الألف) الله، و(اللام) جبرئيل، أقسم الله بهم إنّ هذا الكتاب لا ريب فيه، ويحتمل أن يكون معناه على هذا التأويل: أنزل الله هذا الكتاب على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أهل الإشارة: (ألف): أنا، (لام): لي، (ميم): منّي. وعن علي بن موسى الرضا عن جعفر الصادق، وقد سئل عن قوله: {الۤمۤ} فقال: في الألف ست صفات من صفات الله: الابتداء؛ لأنّ الله تعالى ابتدأ جميع الخلق، و(الألف). إبتداء الحروف، والاستواء: فهو عادل غير جائر، و(الألف) مستو في ذاته، والانفراد: والله فرد والألف فرد، وإتصال الخلق بالله، والله لا يتصل بالخلق، فهم يحتاجون إليه وله غنىً عنهم. وكذلك الألف لا يتصل بحرف، فالحروف متصلة: وهو منقطع عن غيره، والله باينَ بجميع صفاته من خلقه، ومعناه من الإلفة، فكما أنّ الله سبب إلفة الخلق، فكذلك الألف عليه تألفت الحروف وهو سبب إلفتها. وقالت الحكماء: عجز عقول الخلق في ابتداء خطابه، وهو محل الفهم، ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة حقائق خطابه إلاّ بعلمهم، فالعجز عن معرفة الله حقيقة خطابه. وأما محل {الۤمۤ} من الإعراب فرفع بالابتداء وخبره فيما بعده. وقيل: {الۤمۤ} ابتداء، و {ذَلِكَ} ابتداء آخر و {ٱلْكِتَابُ} خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول. {ذَلِكَ}: قرأت العامة {ذلك} بفتح الذال، وكذلك هذه وهاتان، وأجاز أبو عمرو الإمالة في هذه، (ذ) للاسم، واللام عماد، والكاف خطاب، وهو إشارة إلى الغائب. و {ٱلْكِتَابُ}: بمعنى المكتوب كالحساب والعماد. قال الشاعر: شعر : بشرت عيالي إذ رأيت صحيفةً أتتك من الحجج تتلى كتابها تفسير : أو مكتوبها، فوضع المصدر موضع الاسم، كما يقال للمخلوق خلق، وللمصور تصوير، وقال: دراهم من ضرب الأمير، أي هي مضروبة، وأصله من الكتب، وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض، مأخوذ من قولهم: كتب الخرز، إذا خرزته قسمين، ويقال للخرز كتبة وجمعها كتب. قال ذو المرّجة: شعر : وفراء غرفية أثاي خوارزها مشلشل ضيعته فبينها الكتب تفسير : ويقال: كتبت البغل، إذا حرمت من سفرتها الخلقة، ومنه قيل للجند كتيبة، وجمعها كتائب. قال الشاعر: شعر : وكتيبة جاءوا ترفل في الحديد لها ذخرٌ تفسير : واختلفوا في هذا {ٱلْكِتَابُ} قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك ومقاتل: هو القرآن، وعلى هذا القول يكون (ذلك) بمعنى (هذا) كقول الله تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنعام: 83] أي هذه. وقال خفاف بن ندبه السلمي: شعر : إن تك خيلي قد أُصيب صميمها فعمداَ على عين تيممت مالكا أقول له الرمح يأطر متنه تأمل خفافاً إنني أنا ذالكا تفسير : يريد (هذا). وروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: معناه ذلك الكتاب الذي أخبرتك أن أوجّه إليك. وقال عطاء بن السائب: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} الذي وعدتكم يوم الميثاق. وقال يمان بن رئاب: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} الذي ذكرته في التوراة والإنجيل. وقال سعيد بن جبير: هو اللوح المحفوظ. عكرمة: هو التوراة والإنجيل والكتب المتقدمّة. وقال الفراء: إنّ الله تعالى وعد نبيه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء ولا يَخْلَق على كثرة الردّ، فلمّا أنزل القرآن قال: هو الكتاب الذي وعدتك. وقال ابن كيسان: تأويله أنّ الله تعالى أنزل قبل البقرة بضع عشرة سورة كذّب بكلهّا المشركون ثم أنزل سورة البقرة بعدها فقال: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} يعني ما تقدم البقرة من القرآن. وقيل: ذلك الكتاب الذي كذب به مالك بن الصيف اليهودي. {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: لا شكّ فيه، إنّه من عند الله. قال: {هُدَى}: أي هو هدىً، وتم الكلام عند قوله فيه، وقيل: "هو" نصب على الحال، أي هادياً تقديره لا ريب في هدايته للمتقين. قال أهل المعاني: ظاهره نفي وباطنه نهي، أي لا ترتابوا فيه، كقوله تعالى:{أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ}تفسير : [البقرة: 197]: أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الهدى، والبيان وما يهتدي به ويستبين به الإنسان. فصل في التقوى {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}: اعلم أنّ التقوى أصله وقى من وقيت، فجعلت الواو تاء، كالتكلان فأصله وكلان من وكلت، والتخمة أصلها وخمة من وخم معدته إذا لم يستمرئ. واختلف العلماء في معنى التقوى وحقيقة المتقي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جماع التقوى في قول الله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...} الآية"تفسير : [النحل: 90]. قال ابن عباس: المتقي الذي يتقي الشرك والكبائر والفواحش. وقال ابن عمر: التقوى أن لا يرى [نفسه] خيراً من أحد. وقال الحسن: المتقي الذي يقول لكل من رآه هذا خيرٌ مني. وقال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: حدِّثني عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، وقال: فما عملت فيه؟ قال: حذرت وتشمّرت، فقال كعب: ذلك التقوى، ونظمه ابن المعتز فقال: شعر : خلّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واضع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحتقرنّ صغيرة إنّ الجبال من الحصا تفسير : وقال عمر بن عبد العزيز: ليس التقوى قيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى ترك ما حرّم الله وأداء ما افترض الله، فما رزق بعد ذلك فهو خير على خير. وقيل لطلق بن حبيب: أجمل لنا التقوى؟ فقال: التقوى عمل يطلبه الله على نور من الله رجاء ثواب الله، والتقوى ترك معصية الله على نور من الله مخافة عقاب الله. وقال بكر بن عبد الله: لا يكون الرجل تقياً حتى يكون يتقي الطمع، ويتقي الغضب. وقال عمر بن عبد العزيز: المتقي لمحرم لا تحرم، يعني في الحرم. وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك مالا يأتمن به حذراً لما به بأس. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: إنّما سمي المتقون؟ لتركهم ما لا بأس به حذراً للوقوع فيما به بأس. وقال سفيان الثوري والفضيل: هو الذي يحب للناس ما يحب لنفسه. وقال الجنيد بن محمد: ليس المتقي الذي يحب للناس ما يحب لنفسه، إنّما المتقي الذي يحب للناس أكثر مما يحب لنفسه، أتدرون ما وقع لأستاذي سري بن المفلّس؟ سلّم عليه ذات يوم صديق له فردّ عليه، وهو عابس لم يبشَّ له، فقلت له في ذلك فقال: بلغني أنّ المرء المسلم إذا سلّم على أخيه وردّ عليه أخوه قسمت بينهما مائة رحمة، فتسعون لأجلهما، وعشرة للآخر فأحببت أنْ يكون له التسعون. محمد بن علي الترمذي: هو الذي لا خصم له. السري بن المفلّس: هو الذي يبغض نفسه. الشبلي: هو الذي يبغي ما دون الله. قال جعفر الصادق: أصدق كلمة قالت العرب قول لبيد: شعر : ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل تفسير : الثوري: هو الذي اتّقى الدنيا وأقلها. محمد بن يوسف المقري: مجانبة كل ما يبعدك عن الله. القاسم بن القاسم: المحافظة على آداب الشريعة. وقال أبو زيد: هو التورّع عن جميع الشبهات. وقال أيضاً: المتقي من إذا قال قال لله، وإذا سكت سكت لله، وإذا ذكر ذكر لله تعالى. الفضيل: يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوّه كما يأمنه صديقه. وقال سهل: المتقي من تبرّأ من حوله وقوّته. وقال: التقوى أنْ لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. وقيل: هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو أن تتقي بقلبك عن الغفلات، وبنفسك من الشهوات، وبحلقك من اللذات، وبجوارحك من السيئات، فحينئذ يرجى لك الوصول لما ملك الأرض والسماوات. أبو القاسم (حكيم): هو حسن الخلق. وقال بعضهم: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: بحسن التوكّل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما فات. وقيل: المتقي من اتّقى متابعة هواه. وقال مالك: حدثنا وهب بن كيسان أنّ بعض فقهاء أهل المدينة كتب إلى عبد الله بن الزبير أنّ لأهل التقى علامات يعرفون بها: الصبر عند البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر عند النعمة، والتذلل لأحكام القرآن. وقال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقياً حتى يكون أشدّ محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر. وقال أبو تراب: بين يدي التقوى عقبات، من لا يجاوزها لا ينالها، اختيار الشدة على النعمة، واختيار القول على الفضول، واختيار الذلّ على العزّ، واختيار الجهد على الراحة، واختيار الموت على الحياة. وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلاّ إذا كان بحيث لو جعل ما في قلبه على طبق، فيطاف به في السوق لم يستحي من شيء عليها. وقيل: التقوى أن تزيّن سرّك للحقّ، كما تزيّن علانيتك للخلق. وقال أبو الدرداء: شعر : يريد المرء أنْ يعطى مناه ويأبى الله إلاّ ما أرادا يقول المرء فائدتي وذخري وتقوى الله أفضل ما استفادا تفسير : فصل في الإيمان {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} اعلم أنّ حقيقة الإيمان هي التصديق بالقلب، لأن الخطاب الذي توجّه عليها بلفظ آمنوا إنّما هو بلسان العرب، ولم يكن العرب يعرفون الإيمان غير التصديق، والنقل في اللغة لم يثبت فيه، إذ لو صح النقل عن اللغة لروي عن ذلك، كما روي في الصلاة التي أصلها الدعاء. إذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نمتثل الأمر على ما يقتضيه لسانهم، كقوله تعالى في قصة يعقوب عليه السلام وبنيه {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا}تفسير : [يوسف: 17]: أي بمصدق لنا ولو كنّا صادقين، ويدل عليه من هذه الآية أنّه لما ذكر الإيمان علّقه بالغيب، ليعلم أنّه تصديق الخبر فيما أخبر به من الغيب، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات اللازمة للأبدان وفي الأموال فقال: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} والدليل عليه أيضاً أنّ الله تعالى حيث ما ذكر الإيمان [نسبه] إلى القلب فقال: {أية : مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} تفسير : [المائدة: 41]، وقال: {أية : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}تفسير : [النحل: 106]، وقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22]، ونحوها كثير. فأما محل الإسلام من الإيمان فهو كمحل الشمس من الضوء: كل شمس ضوء، وليس كل ضوء شمساً، وكل مسك طيب، وليس كل طيب مسكاً، كذلك كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيماناً، إذا لم يكن تصديقاً؛ لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع، يدل عليه قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14] من خوف السيف، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان سراً" وأشار إلى صدره "والإسلام علانية"تفسير : ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه ". تفسير : وكذلك اختلف جوابه لجبرائيل في الإسلام والإيمان، فأجاب في الإيمان بالتصديق، وفي الإسلام بشرائع الإيمان، وهو ما روى أبو بريده، وهو يحيى بن معمر قال: أول من قال في القدر بالبصرة سعيد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هو: ما في القدر؟ فوافقنا عبد الله ابن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام لي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنّه قد ظهر قبلنا أناس يقرأون القرآن ويفتقرون [إلى] العلم وذكر من لسانهم أنّهم يزعمون أن لا قدر، وأنّ الأمر أنفٌ، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنّهم برءاء مني، والذي يحلف به عبد الله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذَهَباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: أخبرنا أبي عمر بن الخطاب قال: حديث : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بيّاض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبته إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدّقه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، قال: فأخبرني عن إماراتها؟ قال: "أن تلد الأَمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة شاهقون في البنيان"، قال: ثم انطلق، فلبث علينا ثم قال: يا عمر من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنّه جبرائيل عليه السلام أتاكم ليعلمكم دينكم ". تفسير : ثم يسمى اقرار اللسان وأعمال الأبدان إيماناً بوجه من المناسبة وضرب من المقاربة؛ لأنها من شرائعه وتوابعه وعلاماته وإماراته كما نقول: رأيت الفرح في وجه فلان، ورأيت علم زيد في تصنيفه؛ وإنّما الفرح والعلم في القلب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان بضع وسبعون باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة أن لا إله إلاّ الله ". تفسير : وعن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان ". تفسير : الحسن بن علي قال: حدثني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان معرفة بالقلب، وإقرارٌ باللسان،وعمل بالأركان ". تفسير : وعن علي بن الحسين زين العابدين قال: حدثنا أبي سيد شباب أهل الجنة قال: حدثنا أبي سيد الأوصياء قال: حدثنا محمّد سيد الأنبياء قال: "حديث : الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول واتباع الرسول ". تفسير : وامّا الغيب فهو ما كان مغيّباً عن العيون محصّلاً في القلوب وهو مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب، كما قيل للصائم: صوم، وللزائر: زَور، وللعادل: عدل. الربيع بن أبي العالية {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كلّه. عمر بن الأسود عن عطاء بن أبي رباح: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} قال: بالله، من آمن بالله فقد آمن بالغيب. سفيان عن عاصم بن أبي النجود في قوله {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} قال: الغيب: القرآن. وقال الكلبي: بما نزل من القرآن وبما لم يجىء بعد. الضحاك: الغيب لا إله إلاّ الله وما جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم وقال زرّ بن حبيش وابن جريج وابن واقد: يعني بالوحي، نظيره قوله تعالى: {أية : أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} تفسير : [النجم: 35] وقوله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} تفسير : [الجن: 26] وقوله: {أية : وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} تفسير : [التكوير: 24]. الحسن: يعني بالآخرة. عبد الله بن هاني: هو ما غاب عنهم من علوم القرآن. وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) انه قال: حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فقال: "أتدرون أي أهل الأيمان أفضل؟ " قالوا: يا رسول الله الملائكة، قال: "هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم وقد أنزلهم الله تعالى بالمنزلة التي أنزلهم، بل غيرهم". قلنا: يا رسول الله الأنبياء؟ قال: "هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم، بل غيرهم"، قلنا: يا رسول الله فمن هم؟ قال: "أقوام يأتون من بعدي هم في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يرونني، يجدون الورق المعلَّق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً ". تفسير : وروى حسن إن الحرث بن قيس عن عبد الله بن مسعود: عند الله يحتسب ما سبقتمونا إليه يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن مسعود: نحن عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه، ثم قال عبد الله: إنّ أمر محمد كان بيّناً لمن رآه والذي لا اله الاّ هو ما آمن مؤمن أفضل من إيمان الغيب، ثمّ قرأ: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ} أي يديمونها ويأتمونها ويحافظون عليها بمواقيتها وركوعها وسجودها وحقوقها وحدودها، وكل من واظب على شيء وقام به فهو مقيم له يقال أقام فلان الحجّ بالناس، وأقام القوم [سوقهم] ولم يعطلوها قال الشاعر: شعر : فلا تعجل بأمرك واستدمه فما صلّى عصاك [كمستديم] تفسير : أي أراد بالصلاة هاهنا الصلوات الخمس، فذكرها بلفظ الواحد، كقوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} أراد الكتب [البقرة: 213]، وأصل الصلاة في اللغة: الدّعاء، ثمّ ضمّت إليها [عبادة] سُميت مجموعها صلاة لأن الغالب على هذه العبادة الدّعاء. وقال أبو حاتم الخارزمي: اشتقاقها من الصِلا وهو النار، فأصله من الرفق وحُسن المعاناة للشيء؛ وذلك إنّ الخشبة المعْوّجة إذا أرادوا تقويمها [سحنوها بالنار] قوموها [بين خشبتين] فلذلك المصلّي ينبغي أن يتأنى في صلاته ويحفظ حدودها ظاهراً وباطناً ولا يعجّل فيها ولا يخفّ [ولا يعرف] قال الشاعر: شعر : فلا تعجّل بأمرك واستدمه فما صلّى عصاك كمستديم تفسير : أي ما قوّم أمرك كالمباني. {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أعطيناهم، والرزق عند أهل السنّة: ما صحّ الإنتفاع به، فإن كان طعاماً فليتغدّى به، وان كان لباساً فلينقى والتوقي، وإن كان مسكناً فللانتفاع به سكنى، وقد ينتفع المنتفع بما هيّئ الانتفاع به على الوجهين: حلالا وحراماً، فلذلك قُلنا إنّ الله رزق الحلال والحرام، [وأصل الرزق] في اللغة: هو الحظ والبخت. {يُنْفِقُونَ} يتصدقون، وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد أو عن الملك. يُقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه وأسرع خروجه، ونفقت الدآبة إذا خرجت روحها، ونافقاء اليربوع من ذلك لأنه إذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وأنفق إن خرج منه، والنفق: سُرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر يخرج إليه. {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}: أي يصدّقون {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}: يا محمد يعني القرآن {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}: يعني الكتب المتقدمة مثل صحف إبراهيم وموسى والزّبور والأنجيل وغيرها. {وَبِٱلآخِرَةِ} أي بالدار الآخرة، وسميّت آخرة لأنّها تكون بعد الدُّنيا ولأنّها أُخّرت حتى تفنى الدنيا ثم تكون. {هُمْ يُوقِنُونَ} يعلمون ويتيقّنون أنها كائنة، ودخل (هم) تأكيداً، يُسمّيه الكوفيون عماداً والبصريون فصلا. {أُوْلَـٰئِكَ} أهل هذه الصفة، وأولاء: أسم مبني على الكسر، ولا واحد لهُ من لفظه، والكاف خطاب، ومحل أولئك رفع بالابتداء وخبره في قوله: {عَلَىٰ هُدًى} رشد وبيان وصواب. {مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ} ابتدائان و{هُمُ} عماد {ٱلْمُفْلِحُونَ} خبر الابتداء وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار، وقيل: هم الباقون في الثواب والنعيم المقيم. وأصل الفلاح في اللغة: البقاء. قال لبيد: شعر : نحلُّ بلادا كلها حل قبلنا ونرجو فلاحاً بعد عاد وحمير تفسير : وقال آخر: شعر : لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح أبو براء يدرة المسياح تفسير : وقال مجاهد: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدهما نزلت في الكافرين، وثلاث عشرة آيةً بعدها نزلت في المنافقين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: يعني مشركي العرب، وقال الضحّاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته. وقال الكلبي: يعني اليهود، وقيل: المنافقون. والكفر: هو الجحود والإنكار. وأصله من الكفر وهو التغطية والسّتر، ومنه قيل للحراث: كافر؛ لأنّه [يستر البذر]، قال الله تعالى: {أية : أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} تفسير : [الحديد: 20]: يعني الزرّاع، وقيل للبحر: كافر، ولليل: كافر. قال لبيد: شعر : حتى إذا ألقت يداً في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : ومنه: المتكفّر بالسلاح، وهو الشاكي الذي غطّى السلاح جميع بدنه. فيسمى الكافر كافراً لأنه ساترللحق ولتوحيد الله ونعمه ولنبوّة أنبيائه. {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ}: أي واحد عليهم ومتساوي لديهم، وهو اسم مشتق من التساوي. {أَأَنذَرْتَهُمْ}: أخوّفتهم وحذّرتهم. قال أهل المعاني: الإنذار والإعلام مع تحذير، يُقال: أنذرتهم فنذروا، أي أعلمتهم فعلموا، وفي المثل: وقد أُعذر من أنذر، وفي قوله: {أَأَنذَرْتَهُمْ} وأخواتها أربع قراءات: تحقيق الهمزتين وهي لغة تميم وقراءة أهل الكوفة؛ لأنها ألف الإستفهام دخلت على ألف القطع وحذف الهمزة التي وصلت بفاء الفعل وتعويض مده منها كراهة الجمع بين الهمزتين وهي لغة أهل الحجاز، وادخال ألف بين الهمزتين وهي قراءة أهل الشام في رواية هشام وإحدى الروايتين عن أبي عمرو. قال الشاعر: شعر : تطاولت فاستشرقت قرابته فقلن له: أأنت زيد لا بل قمر تفسير : والأخبار اكتفاء بجواب الإستفهام، وهي قراءة الزهري. {أَمْ}: حرف عطف على الإستفهام. {لَمْ}: حرف جزم لا يلي إلاّ الفصل؛ لأنّ الجزم مختص بالأفعال. {تُنْذِرْهُمْ}: تحذرهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، وظاهرها إنشاء ومعناها إخبار، ثمّ ذكر سبب تركهم للإيمان فقال: {خَتَمَ ٱللَّهُ}: أي طبع {عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} والختم والطبع بمعنى واحد وهما التغطية للشيء [والاستيثاق] من أن يدخله شيء آخر. فمعنى الآية: طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبراً ولا تفهمه. يدل عليه قوله: {أية : أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24]. وقال بعضهم: معنى الطبع والختم: حكم الله عليهم بالكفر والشقاوة كما يُقال للرجل: ختمت عليك أن لا تفلح أبداً. {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}: فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وإنما وحّده لأنه مصدر، والمصادر لا تُثنّى ولا تجمع، وقيل: أراد سمع كل واحد منهم كما يُقال: آتني برأس كبشين، أراد برأس كل واحد منهما، قال الشاعر: شعر : كلوا في نصف بطنكم تعيشوا فإن زمانكم زمن خميص تفسير : وقال سيبويه: توحيد السمع يدل على الجمع لأنه لا توحيد جمعين كقوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} [البقرة: 257] يعني الأنوار. قال الراعي: شعر : بها جيف الحسري فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب تفسير : وقرأ ابن عبلة: وعلى أسماعهم، وتم الكلام عند قوله {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}. ثم قال: {وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ}: أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق، ومنه غاشية السرج، وقرأ المفضل بن محمد الضبي: {غِشَاوَةٌ} بالنصب كأنّه أضمر له فعلا أو جملة على الختم: أي وختم على أبصارهم غشاوة. يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} تفسير : [الجاثية: 23]. وقرأ الحسن: {غُشَاوَةٌ} بضم الغين، وقرأ الخدري: {غَشَاوَةٌ} بفتح الغين، وقرأ أصحاب عبد الله: غشوة بفتح الغين من غير ألف. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}: القتل والأسر في الدنيا، والعذاب الأليم في العقبى، والعذاب كلّ ما يعنّي الإنسان ويشقّ عليه، ومنه: عذّبه السواط ما فيها من وجود الألم، وقال الخليل: العذاب ما يمنع الانسان من مراده، ومنه: الماء العذب لأنه يمنع من العطش، ثم نزلت في المنافقين: عبد الله بن أُبي بن سلول الخزرجي، ومعتب بن بشر، وجدّ بن قيس وأصحابهم حين قالوا: تعالوا إلى خلة نسلم بها من محمد وأصحابه ونكون مع ذلك مستمسكين بديننا، فأجمعوا على أن يقرّوا كلمة الإيمان بألسنتهم واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود. فقال الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ...}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بدأت سورة البقرة بقوله تعالى: {الۤمۤ} [البقرة: 1] .. وهذه الحروف حروف مقطعة .. ومعنى مقطعة أن كل حرف ينطق بمفرده. لأن الحروف لها أسماء ولها مسميات .. فالناس حين يتكلمون ينطقون بمسمى الحرف وليس باسمه .. فعندما تقول كتب تنطق بمسميات الحروف. فإذا أردت أن تنطق بأسمائها. تقول كاف وتاء وباء .. ولا يمكن أن ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلم ودرس، أما ذلك الذي لم يتعلم فقد ينطق بمسميات الحروف ولكنه لا ينطق بأسمائها، ولعل هذه أول ما يلفتنا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولذلك لم يكن يعرف شيئا عن أسماء الحروف .. فإذا جاء ونطق بأسماء الحروف يكون هذا إعجازاً من الله سبحانه وتعالى .. بأن هذا القرآن موحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم .. ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم درس وتعلم لكان شيئاً عادياً أن ينطق بأسماء الحروف. ولكن تعالَ إلى أي أمي لم يتعلم .. إنه يستطيع أن ينطق بمسميات الحروف .. يقول الكتاب وكوب وغير ذلك .. فإذا طلبت منه أن ينطق بأسماء الحروف فإنه لا يستطيع أن يقول لك. إن كلمة كتاب مكونة من الكاف والتاء والألف والباء .. وتكون هذه الحروف دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه. وأن هذا القرآن موحى به من الله سبحانه وتعالى. ونجد في فواتح السور التي تبدأ بأسماء الحروف. تنطق الحروف بأسمائها وتجد الكلمة نفسها في آية أخرى تنطق بمسمياتها. فـ "الم" في أول سورة البقرة نطقتها بأسماء الحروف ألف لام ميم. بينما تنطقها بمسميات الحروف في شرح السورة في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1]. وفي سورة الفيل في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ما الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ينطق {الۤمۤ} [البقرة: 1] في سورة البقرة بأسماء الحروف .. وينطقها في سورتي الشرح والفيل بمسميات الحروف. لابد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سمعها من الله كما نقلها جبريل عليه السلام إليه هكذا. إذن، فالقرآن أصله السماع لا يجوز أن تقرأه إلا بعد أن تسمعه. لتعرف أن هذه تُقرأ ألف لام ميم والثانية تقرأ ألم .. مع أن الكتابة واحدة في الاثنين .. ولذلك لابد أن تستمع إلى فقيه يقرأ القرآن قبل أن تتلوه .. والذي يتعب الناس أنهم لم يجلسوا إلى فقيه ولا استمعوا إلى قارئ .. ثم بعد ذلك يريدون أن يقرأوا القرآن كأي كتاب. نقول لا .. القرآن له تميز خاص .. إنه ليس كأي كتاب تقرؤه .. لأنه مرة يأتي باسم الحرف. ومرة يأتي بمسميات الحرف. وأنت لا يمكن أن تعرف هذا إلا إذا استمعت لقارئ يقرأ القرآن. والقرآن مبني على الوصل دائما وليس على الوقف، فإذا قرأت في آخر سورة يونس مثلا: {أية : وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [يونس: 109] لا تجد النون عليها سكون بل تجد عليها فتحة، موصولة بقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم. ولو كانت غير موصولة لوجدت عليها سكونا. إذن فكل آيات القرآن الكريم مبنية على الوصل .. ما عدا فواتح السور المكونة من حروف فهي مبنية على الوقف .. فلا تقرأ في أول سورة البقرة: {الۤمۤ} [البقرة: 1] والميم عليها ضمة. بل تقرأ ألفا عليها سكون ولاما عليها سكون وميما عليها سكون. اذن كل حرف منفرد بوقف. مع أن الوقف لا يوجد في ختام السور ولا في القرآن الكريم كله. وهناك سور في القرآن الكريم بدأت بحرف واحد مثل قوله تعالى: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1]. {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} تفسير : [القلم: 1]. ونلاحظ أن الحرف ليس آية مستقلة. بينما "الم" في سورة البقرة آية مستقلة. و:"حم". و: "عسق" آية مستقلة مع أنها كلها حروف مقطعة. وهناك سور تبدأ بآية من خمسة حروف مثل "كهيعص" في سورة مريم .. وهناك سور تبدأ بأربعة حروف. مثل "المص" في سورة "الأعراف". وهناك سور تبدأ بأربعة حروف وهي ليست آية مستقلة مثل "المر" في سورة "الرعد" متصلة بما بعدها .. بينما تجد سورة تبدأ بحرفين هما آية مستقلة مثل: "يس" في سورة يس. و"حم" في سورة غافر وفصلت .. و: "طس" في سورة النمل. وكلها ليست موصلة بالآية التي بعدها .. وهذا يدلنا على أن الحروف في فواتح السور لا تسير على قاعدة محددة. "الم" مكونة من ثلاثة حروف تجدها في ست سور مستقلة .. فهي آية في البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم والسجدة ولقمان. و"الر" ثلاثة حروف ولكنها ليست آية مستقلة. بل جزء من الآية في أربع سور هي: يونس ويوسف وهود وإبراهيم .. و: "المص" من أربعة حروف وهي آية مستقلة في سورة "الأعراف" و "المر" أربعة حروف، ولكنها ليست آية مستقلة في سورة الرعد إذن فالمسألة ليست قانوناً يعمم، ولكنها خصوصية في كل حرف من الحروف. وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف؟.. نقول إن السؤال في أصله خطأ .. لأن الحرف لا يسأل عن معناه في اللغة إلا إن كان حرف معنى .. والحروف نوعان: حرف مَبْنَى وحرف معنى. حرف المبنى لا معنى له إلا للدلالة على الصوت فقط .. أمَّا حروف المعاني فهي مثل: في ومِنْ .. وعلى .. (في) تدل على الظرفية .. و(مِنْ) تدل على الابتداء و(إلى) تدل على الانتهاء .. و(على) تدل على الاستعلاء .. هذه كلها حروف معنى. وإذا كانت الحروف في أوائل السور في القرآن الكريم قد خرجت عن قاعدة الوصل لأنها مبنية على السكون لابد أن يكون لذلك حكمة .. أولاً لنعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حَسَنَةٌ والحَسَنَةُ بعَشْر أمْثَالها، لا أقولُ الم حرف ولكن ألفٌ حرْفٌ ولاَمٌ حرف ومِيمٌ حرف ". تفسير : ولذلك ذكرت في القرآن كحروف استقلالية لنعرف ونحن نتعبد بتلاوة القرآن الكريم أننا نأخذ حسنة على كل حرف. فإذا قرأنا بسم الله الرحمن الرحيم. يكون لنا بالباء حسنة وبالسين حسنة وبالميم حسنة فيكون لنا ثلاثة حسنات بكلمة واحدة من القرآن الكريم. والحسنة بعشر أمثالها. وحينما نقرأ "الم" ونحن لا نفهم معناها نعرف أن ثواب القرآن على كل حرف نقرؤه سواء فهمناه أم لم نفهمه .. وقد يضع الله سبحانه وتعالى من أسراره في هذه الحروف التي لا نفهمها ثواباً وأجراً لا نعرفه، ويريدنا بقراءتها أن نحصل على هذا الأجر. والقرآن الكريم ليس إعجازاً في البلاغة فقط. ولكنه يحوي إعجازاً في كل ما يمكن للعقل البشري أن يحوم حوله. فكل مفكر متدبر في كلام الله يجد إعجازاً في القرآن الكريم. فالذي درس البلاغة رأى الإعجاز البلاغي، والذي تعلم الطب وجد إعجازاً طبياً في القرآن الكريم. وعالم النباتات رأى إعجازاً في آيات القرآن الكريم، وكذلك عالم الفلك. وإذا أراد إنسان منا أن يعرف معنى هذه الحروف فلا نأخذها على قدر بشريتنا .. ولكن نأخذها على قدر مراد الله فيها .. وقدراتنا تتفاوت وأفهامنا قاصرة. فكل منا يملك مِفْتاحاً من مفاتيح الفهم كل على قدر علمه .. هذا مفتاح بسيط يفتح مرة واحدة وآخر يدور مرتين .. وآخر يدور ثلاث مرات وهكذا .. ولكن مَنْ عنده العلم يملك كل المفاتيح، أو يملك المفتاح الذي يفتح كل الأبواب. ونحن لا يصح أن نجهد أذهاننا لفهم هذه الحروف. فحياة البشر تقتضي منا في بعض الأحيان أن نضع كلمات لا معنى لها بالنسبة لغيرنا .. وإذن كانت تمثل أشياء ضرورية بالنسبة لنا. تماماً ككلمة السر التي تستخدمها الجيوش لا معنى لها إذا سمعتها. ولكن بالنسبة لمَنْ وضعها يكون ثمنها الحياة أو الموت .. فخذ كلمات الله التي تفهمها بمعانيها .. وخذ الحروف التي لا تفهمها بمرادات الله فيها. فالله سبحانه وتعالى شاء أن يبقى معناها في الغيب عنده. والقرآن الكريم لا يؤخذ على نسق واحد حتى نتنبه ونحن نتلوه أو نكتبه. لذلك تجد مثلا بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة بدون ألف بين الباء والسين. ومرة تجدها مكتوبة بالألف في قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1]. وكلمة تبارك مرة تكتب بالألف ومرة بغير الألف .. ولو أن المسألة رتابة في كتابة القرآن لجاءت كلها على نظام واحد. ولكنها جاءت بهذه الطريقة لتكون كتابة القرآن معجزة وألفاظه معجزة. ونحن نقول للذين يتساءلون عن الحكمة في بداية بعض السور بحروف .. نقول إن لذلك حكمة عند الله فهمناها أو لم نفهمها .. والقرآن نزل على أمة عربية فيها المؤمن والكافر .. ومع ذلك لم نسمع أحداً يطعن في الأحرف التي بدأت بها السور. وهذا دليل على أنهم فهموها بملكاتهم العربية .. ولو أنهم لم يفهموها لطعنوا فيها. وأنا أنصح مَنْ يقرأ القرآن الكريم للتعبد .. ألا يشغل نفسه بالتفكير في المعنى. أما الذي يقرأ القرآن ليستنبط منه فليقف عند اللفظ والمعنى .. فإذا قرأت القرآن لتتعبد فاقرأه بسر الله فيه .. ولو جلست تبحث عن المعنى .. تكون قد حددت معنى القرآن الكريم بمعلوماتك أنت. وتكون قد أخذت المعنى ناقصاً نقص فكر البشر .. ولكن اقرأ القرآن بسر الله فيه. إننا لو بحثنا معنى كل لفظ في القرآن الكريم فقد أخرجنا الأمي وكل مَنْ لم يدرس اللغة العربية دراسة متعمقة من قراءة القرآن. ولكنك تجد أمياً لم يقرأ كلمة واحدة ومع ذلك يحفظ القرآن كله. فإذا قلت كيف؟ نقول لك بسر الله فيه. والكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. المتكلم هو الذي بيده البداية، والسامع يفاجأ بالكلام لأنه لا يعلم مقدماً ماذا سيقول المتكلم .. وقد يكون ذهن السامع مشغولا بشيء آخر .. فلا يستوعب أول الكلمات .. ولذلك قد تنبهه بحروف أو بأصوات لا مهمة لها إلا التنبيه للكلام الذي سيأتي بعدها. وإذا كنا لا نفهم هذه الحروف. فوسائل الفهم والإعجاز في القرآن الكريم لا تنتهي، لأن القرآن كلام الله. والكلام صفة من صفات المتكلم .. ولذلك لا يستطيع فهم بشري أن يصل إلى منتهى معاني القرآن الكريم، إنما يتقرب منها. لأن كلام الله صفة من صفاته .. وصفة فيها كمال بلا نهاية. فإذا قلت إنك قد عرفت كل معنى للقرآن الكريم .. فإنك تكون قد حددت معنى كلام الله بعلمك .. ولذلك جاءت هذه الحروف إعجازاً لك. حتى تعرف إنك لا تستطيع أن تحدد معاني القرآن بعلمك. إن عدم فهم الإنسان لأشياء لا يمنع انتفاعه بها .. فالريفي مثلاً ينتفع بالكهرباء والتليفزيون وما يذاع بالقمر الصناعي وهو لا يعرف عن أي منها شيئاً. فلماذا لا يكون الله تبارك وتعالى قد أعطانا هذه الحروف نأخذ فائدتها ونستفيد من أسرارها ويتنزل الله بها علينا بما أودع فيها من فضل سواء أفهم العبد المؤمن معنى هذه الحروف أو لم يفهمها. وعطاء الله سبحانه وتعالى وحكمته فوق قدرة فهم البشر .. ولو أراد الإنسان أن يحوم بفكره وخواطره حول معاني هذه الحروف لوجد فيها كل يوم شيئاً جديداً. لقد خاض العلماء في البحث كثيراً.. وكل عالم أخذ منها على قدر صفائه، ولا يدَّعي أحد العلماء أن ذلك هو الحق المراد من هذه الحروف .. بل كل منهم يقول والله أعلم بمراده. ولذلك نجد عالما يقول (الر) و(حم) و(ن) وهي حروف من فواتح السور تكوِّن اسم الرحمن .. نقول إن هذا لا يمكن ان يمثل فهماً عاماً لحروف بداية بعض سور القرآن .. ولكن ما الذي يتعبكم أو يرهقكم في محاولة إيجاد معان لهذه الحروف؟!. لو أن الله سبحانه وتعالى الذي أنزل القرآن يريد أن يفهمنا معانيها .. لأوردها بمعنى مباشر أو أوضح لنا المعنى. فمثلاً أحد العلماء يقول إن معنى (الم) هو أنا الله اسمع وأرى .. نقول لهذا العالم لو أن الله أراد ذلك فما المانع من أن يورده بشكل مباشر لنفهمه جميعا .. لابد أن يكون هناك سر في هذه الحروف .. وهذا السر هو من أسرار الله التي يريدنا أن ننتفع بقراءتها دون أن نفهمها. ولابد أن نعرف أنه كما أن للبصر حدوداً. وللأذن حدوداً وللمس والشم والتذوق حدوداً، فكذلك عقل الإنسان له حدود يتسع لها في المعرفة .. وحدود فوق قدرات العقل لا يصل إليها. والإنسان حينما يقرأ القرآن والحروف الموجودة في أوائل بعض السور يقول إن هذا أمر خارج عن قدرة عقلي .. وليس ذلك حجراً أو سَدّاً لباب الاجتهاد .. لأننا إن لم ندرك فإن علينا أن نعترف بحدود قدراتنا أمام قدرات خالقنا سبحانه وتعالى التي هي بلا حدود. وفي الإيمان هناك ما يمكن فهمه وما لا يمكن فهمه .. فتحريم أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر لا ننتظر حتى نعرف حكمته لنمتنع عنه. ولكننا نمتنع عنه بإيمان أنه ما دام الله قد حرمه فقد أصبح حراماً. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عرفتم من محكمه فاعملوا به، وما لم تدركوا فآمنوا به ". تفسير : والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [آل عمران: 7]. إذن، فعدم فهمنا للمتشابه لا يمنع أن نستفيد من سر وضعه الله في كتابه .. ونحن نستفيد من أسرار الله في كتابه فهمناها أم لم نفهمها.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، [قال: ثنا] آدم قال: ثنا ورقاء عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: من أَول البقرة أَربع آيات في نعت المؤمنين. وآيتان في نعت الكافرين. وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين. أَنا عبد الرحمن قال: ثنا إِبراهيم، قال [ثنا] آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} [الآية: 14]: أَصحابهم المنافقين والمشركين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاء عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله [عز وجل]:{أية : فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الآية: 15]. يعني: في ضلالتهم، يعني يترددون [يقول] زادهم الله ضلالة إِلى ضلالتهم، وعمى إِلى عماهم.

الصابوني

تفسير : التفسِير: ابتدأت السورة الكريمة بذكر أوصاف المتقين، وابتداء السورة بالحروف المقطعة {الۤمۤ} وتصديرها بهذه الحروف الهجائية يجذب أنظار المعرضين عن هذا القرآن، إِذ يطرق أسماعهم لأول وهلة ألفاظٌ غير مألوفة في تخاطبهم، فينتبهوا إِلى ما يُلقى إِليهم من آياتٍ بينات، وفي هذه الحروف وأمثالها تنبيهٌ على "إِعجاز القرآن" فإِن هذا الكتاب منظومٌ من عين ما ينظمون منه كلامهم، فإِذا عجزوا عن الإِتيان بمثله، فذلك أعظم برهان على إِعجاز القرآن. يقول العلامة ابن كثير رحمه الله: إِنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور بياناً لإِعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وهو قول جمع من المحققين، وقد قرره الزمخشري في تفسيره الكشاف ونصره أتم نصر، وإِليه ذهب الإِمام "ابن تيمية" ثم قال: ولهذا كلُّ سورة افتتحت بالحروف، فلا بدَّ أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيانُ إِعجازه وعظمته مثل {الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} {أية : الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 1-2] {أية : الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [لقمان: 1-2] {أية : حمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} تفسير : [الدخان: 1-3] وغير ذلك من الآيات الدالة على إِعجاز القرآن. ثم قال تعالى {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي هذا القرآن المنزل عليك يا محمد هو الكتابُ الذي لا يدانيه كتاب {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك في أنه من عند الله لمن تفكر وتدبر، أو ألقى السمع وهو شهيد {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} أي هادٍ للمؤمنين المتقين، الذين يتقون سخط الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويدفعون عذابه بطاعته، قال ابن عباس: المتقون هم الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعة الله، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوْا ما افتُرض عليهم.. ثم بيَّن تعالى صفات هؤلاء المتقين فقال {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} أي يصدقون بما غاب عنهم ولم تدركه حواسهم من البعث، والجنة، والنار، والصراط، والحساب، وغير ذلك من كل ما أخبر عنه القرآن أو النبي عليه الصلاة والسلام {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها، وخشوعها وآدابها قال ابن عباس: إِقامتُها: إِتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي ومن الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون في وجوه البر والإِحسان، والآية عامة تشمل الزكاة، والصدقة، وسائر النفقات، وهذا اختيار ابن جرير، وروي عن ابن عباس أن المراد بها زكاة الأموال، قال ابن كثير: كثيراً ما يقرن تعالى بين الصلاة والإِنفاق من الأموال، لأن الصلاة حقُّ الله وهي مشتملة على توحيده وتمجيده والثناء عليه، والإِنْفاقُ هو الإِحسان إِلى المخلوقين وهو حق العبد، فكلٌ من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة داخل في الآية الكريمة {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي يصدقون بكل ما جئت به عن الله تعالى {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي وبما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي ويعتقدون اعتقاداً جازماً لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا، بما فيها من بعثٍ وجزاءٍ، وجنةٍ، ونار، وحساب، وميزان، وإِنما سميت الدار الآخرة لأنها بعد الدنيا {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي أولئك المتصفون بما تقدم من الصفات الجليلة، على نور وبيان وبصيرة من الله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات النعيم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المجاز العقلي {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} أسند الهداية للقرآن وهو من الإِسناد للسبب، والهادي في الحقيقة هو الله ربُّ العالمين ففيه مجاز عقلي. 2 - الإِشارة بالبعيد عن القريب {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} للإِيذان بعلو شأنه، وبعد مرتبته في الكمال، فنُزِّل بُعْد المرتبة منزلة البعد الحسي. 3 - تكرير الإِشارة {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى} {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} للعناية بشأن المتقين، وجيء بالضمير {هُمُ} ليفيد الحصر كأنه قال: هم المفلحون لا غيرهم. 4 - التيئيس من إِيمان الكفار {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فالجملة سيقت للتنبيه على غلوهم في الكفر والطغيان، وعدم استعدادهم للإِيمان، ففيها تيئيس وإِقناط من إِيمانهم. 5 - الاستعارة التصريحية اللطيفة {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} شبَّه قلوبهم لتأبّيها عن الحق، وأسماعهم وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغشَّى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، واستعار لفظ الختم والغشاوة لذلك بطريق الاستعارة التصريحية.

زيد بن علي

تفسير : قولهُ تعالى: {الۤمۤ} معناه أَنَا الله أَعلمُ، ويقال هو اسم من أَسماءِ القُرآنِ.

الأندلسي

تفسير : "الم" حروف التهجي هذه التي في أوائل السور اختلف الناس في المراد بها اختلافاً كثيراً ولم يقم دليل على تعيين شيء مما ذكروه والذي اختاره هو ما ذهب إليه الشعبي والثوري وجماعة من المحدثين قالوا: هي سر الله في القرآن وهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه نؤمن بها ونمرها كما جاءت وإلى هذا ذهب الوزير الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الظاهري رحمه الله تعالى قال: هذه الحروف التي في فواتح السور هو المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وسائر كلامه تعالى محكم "انتهى". وهذه الحروف أوردت مفردة من غير عامل ولا عطف فاقتضت أن تكون مسكنة كأسماء الأعداد إذا أوردت من غير عامل ولا عطف فلا محل لها من الاعراب وقال الكوفيون: ألم ونظائرها آية في خلاف لهم في بعضها. وقال البصريون وغيرهم: ليس شيء من ذلك آية ولم ينضبط لي ما سمى العادون في القرآن آية ولا عرفت مقدار ما لحظوا في ذلك ووقف أبو جعفر على كل حرف من حروف التهجي وقفه وقفة وأظهر النون من طسَم، ويَس، وعَسق ونَ الا من طس تلك فلم يظهر ذلك. "ذلك" اسم إشارة واللام مشعرة ببعد المشار إليه والكاف للخطاب وإذا كان على موضوعه من البعد فأقوال كثيرة مضطربة: الأولى: أن تكون إشارة لما نزل بمكة من القرآن أو البعد بالنسبة إلى الغاية التي هي بين المنزل، والمنزل إليه. وسمعت شيخنا الأستاذ أبا جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي يقول ذلك إشارة إلى الصراط المستقيم كأنهم لما سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب وبهذا الذي ذكره الأستاذ يتبين وجه ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد وهذا القول أولى لأنه إشارة إلى شيء سبق ذكره لا إلى شيء لم يجر له ذكر وقد ركبوا وجوهاً من الإِعراب في قوله. "ذلك الكتاب لا ريب فيه" والذي اختاره أن يكون ذلك الكتاب جملة مستقلة لأنه متى أمكن حمل الكلام على الاستقلال دون إضمار ولا افتقار كان أولى. "ولا ريب" جملة مستأنفة لا موضع لها من الاعراب أو في موضع نصب أي مبرّأ من الريب وقرىء لا ريب بالرفع وسياق الكلام يدل على أن المراد نفي كل ريب في هذه القراءة والفتح نص في العموم والذي نختاره أن الخبر محذوف للعلم به إذ لغة تميم إذا علم لا يلفظ به ولغة الحجاز كثرة حذفه إذ ذاك ولا ريب يدل على نفي الماهية أي ليس مما يحله الريب ولا يدل على نفي الارتياب لأنه قد وقع ارتياب من ناس ضلال، وعلى هذا لا يحتاج إلى حمله على نفي التعليق والمظنة كما حمله الزمخشري ولا يزد علينا وإن كنتم في ريب لاختلاف الحال والمحل فالحال في كنتم المخاطبون والريب هو المحل والحال هنا الريب منفياً والمحل الكتاب فلا تعارض بين كونهم في ريب من القرآن وكون الريب منفياً عن القرآن واختيار الزمخشري أن فيه خبر ولذلك بني عليه سؤالاً وهو ان قال هلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات: 47]، وأجاب بأن التقديم يشعر بما يبعد عن المراد وهو أن كتاباً غيره فيه الريب، كما قصد في قوله: لا فيها غول، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة. وقد انتقل الزمخشري من دعوى الاختصاص بتقديم المفعول إلى دعواه بتقديم الخبر ولا نعلم أحداً يفرق بين ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار. والأولى جعل كل جملة مستقلة من قوله: ذلك الكتاب لا ريب وفيه هدى. ولم يحتج إلى حرف عطف لأن بعضها آخذ بعنق بعض، فالأولى أخبرت أن المشار إليه هذا الكتاب الكامل. كما تقول: زيد الرجل، أي الكامل في الأوصاف. والثانية نفت أن يكون فيه شيء من الريب. والثالثة أخبرت أن فيه الهدى للمتقين. والمجاز في فيه "هدى" أي استمرار هدى لأن المتقين مهتدون، والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه أن يتعاطى ما توعد عليه بعقوبة من فعل أو ترك وعلى ما اخترناه من الاعراب تكون الجملة. الأولى: كاملة الأجزاء حقيقة، والثانية: فيها مجاز الحذف إذا اخترنا أن خبر لا محذوف، والثالثة: فيها تنزيل المعاني منزلة الأجسام إذ جعل الكتاب ظرفاً والهدي مظروفاً وأتى بلفظة في التي للوعاء فهو مشتمل على الهدى كاشتمال البيت على زيد في قولك زيد في البيت. و"الإِيمان" التصديق وأصله من الأمان أو الأمان أو الأمن، ومعناها: الطمأنينة. والهمزة فيه للصيرورة وضمَّن معنى الاعتراف أو الوثوق فعدى بالباء أو باللام. و"الغيب" مصدر غاب يغيب إذا توارى. والأجود أن يكون أطلق على الغائب لا أنه فعيل من غاب فخفف كلين والباء متعلقة بيؤمنون. والصلاة وزنها فعلة، وألفه منقلبة من واو وهي مشتقة من الصلا وهو عرق متصل بالظهر أو من صلى بمعنى دعا. و"الرزق" العطاء. وبفتح الراء المصدر. و"الانفاق" الانفاد وللمتقين في موضع الصفة فلا يتعلق بهدي.

الجيلاني

تفسير : {الۤـمۤ} [البقرة: 1] أيها الإنسان الكامل، اللائق لخلافتنا، الملازم لاستشكاف أسرار ربوبيتنا كيفية بركات هويتنا الذاتية السارية على صفائح المكونات، المنتزعة عنها والمأخوذة منها. {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المتعبد درجة كماله عن إفهام الجامع مراتب الأسماء والصفات في عالم الغيب والشهادة، المنزل على مرتبتك يا أكمل الرسل، الجامعة لجميع مراتب الكائنات من الأزل إلى الأبد بحيث لا يشذ عنها مرتبة أصلاً {لاَ رَيْبَ فِيهِ} بأنه منزل من عندنا لفظاً ومعنى: أمَّا لفظاً: فلعجز جماهير البلغاء ومشاهير الفصحاء عن معارضة أقصر آية منه مع وفور دواعيهم. وأمَّا معنى: فلا شتماله على جميع أحواله الحقائق العينية والأسرار الغيبية مما كان وسيكون في النشأتين، ولا يتيسر الاطلاع عليها والإتيان بها على هذا النمط البديع إلا لمن هو علام الغيوب. وإنما أنزلناه إليك أيها اللائق لأمر الرسالة والنيابة، لتهتدي به أنت إلى بحر الحقيقة، وتهدي به أيضاً من تبعك من التائهين في بيداء الضلالة؛ إذ فيه {هُدًى} عظيم {لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] الذين يحفظون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه نفوسهم عن خبائث المعاصي المانعة من الطهارة الحقيقية والوصول إلى المرتبة الإصلية. و{ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} يوقنون ويذعنون بأسراره ومعارفه {بِٱلْغَيْبِ} أي: غيب الهوية الذي هو ينبوع بحر الحقيقة وإليه منتهى الكلم، وبعد ذلك يتوجهون بمقتضيات أحكامه نحوه، ويهدون إليه بسببه {وَيُقِيمُونَ} يديمون {ٱلصَّلٰوةَ} الميل بجميع الأعضاء والجوارح على وجه الخضوع والتذلل إلى جنابه؛ إذ هو المقصد للكل إجمالاً وتفصيلاً، ولكل عضو وجارحة تذلل خاص وله طريق مخصوص يناسبه، يرشدك إلى تفاصيل الطرق، فعله صلى الله عليه وسلم في صلاته على الوجه الذي وصل إلينا من الرواة المجتهدين - رضوان الله عليهم أجمعين - ولما تنبهوا له به بمتابعته ومالوا نحو جنابه بالميل الحقيقي بالكلية لم يبق لهم ميل إلى ما سواه من المزخرفات الفانية لذلك {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ} سقنا إليهم ليكون بقياً لحياتهم ومقوماً لمزاجهم {يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] في سبيلنا طلباً لمرضاتنا وهرباً عما يشغلهم عنا، فكيف إنفاق الفواضل؟. {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} ينقادون ويمتثلون {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} من الكتاب الجامع أسرار جميع ما أنزل من الكتاب السالفة على الوجه الأحسن الأبلغ، ومن السنن ومن الأخلاق الملهمة إليك {وَ} مع ذلك صريحاً يعتقدون {مَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين مع الإيمان بجميع الكتب المنزلة، وإن كان كل كتاب متضمناً للإيمان بالنشأة الآخرة بل هو المقصود الأصلي من جميعها {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] أفردها بالذكر؛ اهتماماً بشأنها لكثرة المرتابين فيها. {أُوْلَـٰئِكَ} أي: جزاء أولئك المؤمنون المتعقدون بجميع الكتب المنزلة على الرسل، والمؤمنون المذعنون بالنشأة الآخرة بل خاصة أنهم {عَلَىٰ هُدًى} عظيم {مِّن رَّبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم إلى أن يبلغوا إلى هذه المرتبة التي هي الاهتداء إلى جانب قدسه {وَ} مع ذلك الجزاء العظيم والنفع الجسيم {وَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] الفائزون، الناجون عن مضائق الإمكان الواصلون إلى فضاء الوجوب، رزقنا الله الوصول إليه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {الۤـمۤ} [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله: يحمل أن يكون {الۤـمۤ} وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار: "حديث : أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: {كۤهيعۤصۤ}، فلما قال: {كۤ}، قال النبي علمت، فقال: {هـ}، فقال علمت، فقال {ي}، فقال علمت، فقال: {عۤ}، فقال علمت، فقال: {صۤ}، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام كيف علمت ما لم أعلم ". تفسير : وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناهٍ، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولاً الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاماً وسوراً، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعاينه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل {الۤـمۤ} و{الۤر} وغيرها. وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل {صۤ} و{قۤ} و{نۤ} ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضاً إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعاً. والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}تفسير : [الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الشورى: 7]. قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق {الۤـمۤ} أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}تفسير : [الأعراف: 143]. وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة معراج المؤمن"تفسير : فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاة غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال: "حديث : قسم الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل"تفسير : إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ}تفسير : [البقرة: 238]. والركوع لقوله تعالى: {أية : وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ}تفسير : [البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى: {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب}تفسير : [العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: {ٱهْدِنَا} فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: {الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} [البقرة: 2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب {لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى} [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله: {ٱهْدِنَا} لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} [البقرة: 2-3]. وفي: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} أشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينه {الۤـمۤ} الألف والام حرفان مقدمان من قوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: {بِرَبِّكُمْ} معناه في عهد: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، أخذ منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [يس: 60-61]، أي: هادياً إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} [البقرة: 3]، أي يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام على الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [المائدة: 100]. والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطناً وانقطعوا عما نهاهم عنه من منهيات الشرع ظاهراً وباطناً، يدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة: 40]، إلى قوله {أية : وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ}تفسير : [البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم {بَلَىٰ} يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن ينظر بنور الله"تفسير : واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضراً حين كنت فيه بالروح وكذرَّة وجودك في {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 127]. واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فيغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق: 16]. وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان"، تفسير : وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم على بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء، "حديث : والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً، فأنفقه في سبيل الله ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ". تفسير : ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: "يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإِسْلاَمُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ: صَدَقْتَ: قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِيِمَانِ. قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ". قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فأَخْبِرْنِى عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّه يَرَاكَ". قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِى الْبُنْيَانِ". قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ؛ فَلَبِثْتُ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ لِى: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟". قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه"،تفسير : هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي محمد بن علي السجّاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ". تفسير : والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان: فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضوراً وشهوداً لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}تفسير : [التغابن: 11]، أي من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عيناً؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة: 22]، فيتنوَّر ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاف شوق موسى بقوله لأهله: {أية : ٱمْكُثُوۤاْ}تفسير : [طه: 10]، وهو الروح والجسم {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً}تفسير : [طه: 10]، فيترقي عن عالم الأرواح ويقول: {أية : لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ}تفسير : [طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر {أية : أَن يٰمُوسَىٰ}تفسير : [القصص: 30]، وهو المحب المشتاق {أية : إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [القصص: 30] الذي خلقت العالمين وربَّيتُ خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]؛ "أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقاً إلى لقاءهم". فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عياناً والغيب عيناً، نودي من سرادقات العزة، ما هذه العزة؛ ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً، فأنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن من تجلى أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء {أية : وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على ما كان وجودك {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ}تفسير : [الأعراف: 143] للجبل {أية : جَعَلَهُ}تفسير : [الأعراف: 143]، جبل أنانيته {أية : دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ}تفسير : [الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود {أية : صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ}تفسير : [الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله: {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال: {أية : تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى: {أية : عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ}تفسير : [الأنعام: 73]، فالشاهدة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} [البقرة: 3]، أي: يديمونها. قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهراً وباطناً، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها"، تفسير : وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها: الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة. ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}تفسير : [المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر. وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة. ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلباً ومحبة وعظماً وعزة. ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقاروناً بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة. وفي موقع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه. وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصاً عن شرك طلب غير الحق. وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين. والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}تفسير : [الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلقت الخلق ليربحوا عليّ لا لأربح عليهم"تفسير : لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولاً ببلاء الخسران كما قال تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذا أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي. كما قال تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيره أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبه الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب: {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب}تفسير : [العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى اللقاء. وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقاً في بحر الكرامات مقيداً بقيد الجذبات،؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ}تفسير : [المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت: 45]، فهم {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، يؤمنون بما لهم في الغيب معد لقوله تعالى: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت ولا أّذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب طور صلواتهم ناراً؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها وارداً، ومن لم يكن ناراً أتحرق على نار جهنم الصلاة حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا}تفسير : [النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنفق أنفق عليك"تفسير : فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] أي: لما كشف عن المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله ما قاله تعالى في حق قوم: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ}تفسير : [المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، وكان مؤمناً بها من وراء حجاب صار موقناً بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً"؛ لأنه قد كشف عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبداً، وهذا سر عظيم، وما رأيت أحداً فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقناً بها بعد ما كان مؤمناً كما قال تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق: 22]. فأما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان بما شاهدوا بعد، {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}تفسير : [طه: 110] إلى الآباء، {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255]. {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 5]، ذكر هدى بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبداً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَمِينُ الله مَلأَى لاَتَغِيظُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"تفسير : وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5]، يعني الذين يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}تفسير : [العلق: 8].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور، فالأسلم فيها، السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي]، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها. وقوله { ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم، والحق المبين. فـ { لا رَيْبَ فِيهِ } ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة، أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه. فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، وقال { هُدًى } وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم. وقال في موضع آخر: { هُدًى لِلنَّاسِ } فعمم، وفي هذا الموضع وغيره { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر، لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه، بامتثال أوامره، واجتناب النواهي، فاهتدوا به، وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } تفسير : فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الكونية. ولأن الهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها، ليست هداية حقيقية [تامة]. ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة، والأعمال الظاهرة، لتضمن التقوى لذلك فقال: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله. ويدخل في الإيمان بالغيب، [الإيمان بـ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، [وما أخبرت به الرسل من ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها. ثم قال: { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة، إقامتها ظاهرا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها. وإقامتها باطنا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: {أية : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } تفسير : وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان من صلاته، إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها. ثم قال: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقة على الزوجات والأقارب، والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم، لكثرة أسبابه وتنوع أهله، ولأن النفقة من حيث هي، قربة إلى الله، وأتى بـ "من "الدالة على التبعيض، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم. وفي قوله: { رَزَقْنَاهُمْ } إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي خولكم، وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم، وواسوا إخوانكم المعدمين. وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان. ثم قال: { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ } وهو القرآن والسنة، قال تعالى: {أية : وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } تفسير : فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله، على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. وقوله: { وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ } يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه، خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم. ثم قال: { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } و "الآخرة "اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و "اليقين "هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل. { أُولَئِكَ } أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة { عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } أي: على هدى عظيم، لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية [الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو ضلالة. وأتى بـ "على "في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ "في "كما في قوله: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } تفسير : لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر. ثم قال: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك. فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقا، ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 15- عبد الرزّاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {الۤـمۤ} [الآية: 1]، قال: "اسم من أسماء القرآن".