Verse. 7 (AR)

١ - ٱلْفَاتِحَة

1 - Al-Fatiha (AR)

صِرَاطَ الَّذِيْنَ اَنْعَمْتَ عَلَيْہِمْ ۥۙ غَيْرِ الْمَغْضُوْبِ عَلَيْہِمْ وَلَاالضَّاۗلِّيْنَ۝۷ۧ
Sirata allatheena anAAamta AAalayhim ghayri almaghdoobi AAalayhim wala alddalleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«صراط الَّذين أنعمت عليهم» بالهداية ويبدل من الذين بصلته «غير المغضوب عليهم» وهم اليهود «ولا» وغير «الضالِّين» وهم النصارى ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اَله وصحبه وسلم تسليما كثيراً دائما أبداً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

7

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ } بدل من {ٱلَّذِينَ } على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال. أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال وذلك إنما يصح بأحد تأويلين، إجراء الموصول مجرى النكرة إذا لم يقصد به معهود كالمحلى في قوله: شعر : ولَقَد أَمرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني تفسير : وقولهم: إني لأمر على الرجل مثلك فيكرمني. أو جعل غير معرفة بالإضافة لأنه أضيف إلى ماله ضد واحد وهو المنعم عليهم، فيتعين تعين الحركة من غير السكون. وعن ابن كثير نصبه على الحال من الضمير المجرور والعامل أنعمت. أو بإضمار أعني. أو بالاستثناء إن فسر النعم بما يعم القبيلين، والغضب: ثوران النفس إرادة الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية على ما مر، وعليهم في محل الرفع لأنه نائب مناب الفاعل بخلاف الأول، ولا مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي، فكأنه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، ولذلك جاز أنا زيداً غير ضارب، كما جاز أنا زيداً لا ضارب، وإن امتنع أنا زيداً مثل ضارب، وقرىء {وَغَيْرُ ٱلضَّالّينَ } والضلال: العدول عن الطريق السوي عمداً أو خطأ، وله عرض عريض والتفاوت ما بين أدناه وأقصاه كثير. قيل: {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } اليهود لقوله تعالى فيهم: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ }تفسير : [المائدة: 60] و{ٱلضَّالّينَ } النصارى لقوله تعالى: {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً }تفسير : [المائدة: 77] وقد روي مرفوعاً، ويتجه أن يقال: المغضوب عليهم العصاة والضالين الجاهلون بالله، لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، وكان المقابل له من اختل إحدى قوتيه العاقلة والعاملة. والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمداً {أية : وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ }تفسير : [النساء: 93] والمخل بالعقل جاهل ضال لقوله: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ }. وقرىء: ولا «الضألين» بالهمزة على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين. ـ آمين ـ اسم الفعل الذي هو استجب. وعن ابن عباس قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معناه فقال: «حديث : افعل بني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين»، تفسير : وجاء مد ألفه وقصرها قال:شعر : ويرحَمُ الله عبداً قالَ آمِينا تفسير : وقال:شعر : أمينَ فزادَ الله ما بيننا بُعدا تفسير : وليس من القرآن وفاقا، لكن يسن ختم السورة به لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : علمني جبريل آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة وقال إنه كالختم على الكتاب». تفسير : وفي معناه قول علي رضي الله عنه: آمين خاتم رب العالمين، ختم به دعاء عبده. يقوله الإمام ويجهر به في الجهرية لما روي عن وائل بن حجر «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته». تفسير : وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا يقوله، والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عبد الله بن مغفل وأنس، والمأموم يؤمن معه لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا قال الإمام {وَلاَ ٱلضَّالّينَ } فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ « حديث : ألا أخبرك بسورة لم يُنَزَّل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها».تفسير : قال: قلت بلى يا رسول الله. قال: «حديث : فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ أتاه ملك فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أعطيته».تفسير : وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة».

ابن كثير

تفسير : وقد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد: {1649أية : ;هْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة:6] إلى آخرها أن الله يقول: «حديث : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»تفسير : وقوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مفسر للصراط المستقيم، وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم. والذين أنعم الله عليهم المذكورون في سورة النساء، حيث قال تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً } تفسير : [النساء: 69 - 70] وقال الضحاك عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}تفسير : [النساء: 69] الآية. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} قال: هم النبيّون. وقال ابن جريج عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال مجاهد. وقال وكيع: هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. والتفسير المتقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما أعم وأشمل، والله أعلم. وقوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قرأ الجمهور (غير) بالجر على النعت، قال الزمخشري: وقرىء بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال الضمير في عليهم. والعامل أنعمت. والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بلا؛ ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى، وقد زعم بعض النحاة أن غير ههنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعاً؛ لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر:شعر : كَأَنَّكَ مِنْ جِمال بَني أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَن تفسير : أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة. وهكذا غير المغضوب عليهم، أي: غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ثم قال تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ومنهم من زعم أن (لا) في قوله تعالى: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} زائدة، وأن تقدير الكلام عنده: غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج:شعر : في بئرٍ لا حَوَر سعى وما شَعَر تفسير : أي: في بئرحور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقرأ غير المغضوب عليهم، وغير الضالين، وهذا الإسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء لتأكيد النفي؛ لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم، وللفرق بين الطريقتين؛ ليجتنب كل واحد منهما؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب، خلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئاً، لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب؛ كما قال تعالى عنهم: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 60] وأخص أوصاف النصارى الضلال؛ كما قال تعالى عنهم: {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [المائدة: 77] وبهذا جاءت الأحاديث والآثار، وذلك واضح بين فيما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت سماك بن حرب يقول: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم، قال: حديث : جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا عمتي وناساً، فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوا له، فقالت يا رسول الله: نأى الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمنّ علي منّ الله عليك، قال: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الذي فر من الله ورسوله؟ قالت: فمنّ علي، فلما رجع، ورجل إلى جنبه ترى أنه علي، قال: سليه حملاناً فسألته، فأمر لها، قال: فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها؛ فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته، فإذا عنده امرأة وصبيان، وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: يا عدي ما أفرك؟ أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرك؟ أن يقال: الله أكبر، فهل شيء أكبر من الله عز وجل؟ قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى تفسير : ، وذكر الحديث. ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه (قلت): وقد رواه حماد بن سلمة عن مُرَي بن قَطَريّ عن عدي بن حاتم قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} قال: هم اليهود {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال: النصارى هم الضالون»تفسير : وهكذا رواه سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم به، وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن بديل العقيلي أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرسه، وسأله رجل من بني القين، فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: «حديث : المغضوب عليهم - وأشار إلى اليهود - والضالون هم النصارى»تفسير : وقد رواه الجريري وعروة وخالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه، ولم يذكروا من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمرو. فا لله أعلم، وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال: «حديث : اليهود» تفسير : قلت: الضالين قال: «حديث : النصارى»تفسير : ، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير المغضوب عليهم هم اليهود، ولا الضالين هم النصارى، وقال الضحاك وابن جريج عن ابن عباس: غير المغضوب عليهم هم اليهود، ولا الضالين النصارى، وكذلك قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافاً. وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [البقرة: 90] وقال في المائدة: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [المائدة: 60] وقال تعالى: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [المائدة: 78 - 79] وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله، فقال: لا أستطيعه، فاستمر على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى، وأما أصحابه فتنصروا، ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه، لما بعثه آمن بما وجد من الوحي، رضي الله عنه. [مسألة] والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء؛ لقرب مخرجيهما، وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلاً من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، والله أعلم. وأما حديث: أنا أفصح من نطق بالضاد، فلا أصل له، والله أعلم. [فصل] اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله، وتمجيده، والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم إلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه، حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}تفسير : [المجادلة: 14] الآية. وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدره؛ كما قال تعالى: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا}تفسير : [الكهف: 17] وقال: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأعراف: 186] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلون، ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحاً في الرد عليهم، وهذا حال أهل الضلال والغي، وقد ورد في الحديث الصحيح: «حديث : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم»تفسير : يعني في قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ}تفسير : [آل عمران: 7] فليس، بحمد الله، لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقاً بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله تنزيل من حكيم حميد. [فصل] يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين، مثل: يس، ويقال: أمين بالقصر أيضاً، ومعناه: اللهم استجب. والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل ابن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} فقال: «حديث : آمين» تفسير : مد بها صوته، ولأبي داود: رفع بها صوته، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال: «حديث : آمين» تفسير : حتى يسمع من يليه من الصف الأول، رواه أبو داود وابن ماجه، وزاد فيه: فيرتج بها المسجد. والدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن. وعن بلال أنه قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين، رواه أبو داود، ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق أنهما شددا الميم من آمين مثل {ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفرداً أو إماماً أو مأموماً، وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : قيل: بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في صفة الإخلاص. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعاً: «حديث : إذا قال - يعني الإمام -: ولا الضالين، فقولوا: آمين، يجبكم الله»تفسير : وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله ما معنى آمين؟ قال: «حديث : رب افعل»تفسير : وقال الجوهري: معنى آمين: كذلك فليكن. وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون: معناه اللهم استجب لنا. وحكى القرطبي عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى. وروي عن ابن عباس مرفوعاً، ولا يصح، قاله أبو بكر بن العربي المالكي. وقال أصحاب مالك: لا يؤمن الإمام، ويؤمن المأموم؛ لما رواه مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : وإذا قال - يعني الإمام - ولا الضالين، فقولوا: آمين»تفسير : الحديث. واستأنسوا أيضاً بحديث أبي موسى عند مسلم "حديث : وإذا قرأ: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} فقالوا آمين"تفسير : وقد قدمنا في المتفق عليه: «حديث : إذا أمن الإمام فأمنوا»تفسير : وأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤمن إذا قرأ: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية. وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين، جهر المأموم به، قولاً واحداً، وإن أمن الإمام جهراً، فالجديد أن لا يجهر المأموم، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك؛ لأنه ذكر من الأذكار، فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر به، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك؛ لما تقدم: «حتى يرتج المسجد» ولنا قول آخر ثالث: أنه إن كان المسجد صغيراً، لم يجهر المأموم؛ لأنهم يسمعون قراءة الإمام، وإن كان كبيراً، جهر؛ ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عنده اليهود، فقال: «حديث : إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين»تفسير : ورواه ابن ماجه، ولفظه: «حديث : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين»تفسير : وله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول: آمين، فأكثروا من قول: آمين»تفسير : وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف، وروى ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين»تفسير : وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : أعطيت آمين في الصلاة، وعند الدعاء، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى، كان موسى يدعو، وهارون يؤمن، فاختموا الدعاء بآمين، فإن الله يستجيبه لكم»تفسير : (قلت) ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاَْلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [يونس: 88 - 89] فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمّن، فنزل منزلة من دعا؛ لقوله تعالى:{أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} تفسير : [يونس: 89] فدل ذلك على أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله، فلهذا قال من قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة»تفسير : رواه أحمد في مسنده. وكان بلال يقول: لا تسبقني بآمين يا رسول الله. فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية والله أعلم. ولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن ليث بن أبي سليم عن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، فوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السماء، غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه، ومثل من لا يقول آمين كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا، فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال: لمَ لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل آمين».

المحلي و السيوطي

تفسير : {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بالهداية ويبدل من الذين بصلته {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } وهم اليهود {وَلاَ } وغير {ٱلضَّالّينَ } وهم النصارى ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: اليهود، والضالون، النصارى. اتفاقاً خُصت اليهود بالغضب لشدة عداوتها، والغضب هو المعروف من العباد، أو إرادة الانتقام، أو ذمه لهم، أو نوع من العقاب سماه غضباً كما سمى نعمته رحمة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...}. دليل على أن الهداية إلى الطّاعة محض نعمة وتفضل من الله تعالى (لا باستحقاقه) بوجه، والمراد بالهداية خلق القدرة على الطاعة وعند المعتزلة (تيسير) أسباب الفعل والتمكن منه (ومنح الألطاف) لأنهم يقولون: إن العبد يستقل بأفعاله ويخلقها. قال الزمخشري: فإن قلت ما أفاد الوصف بغير المغضوب مع أنه معلوم من الأول؟ فأجاب: بأن الإنعام يشمل الكافر والمسلم فبين أن المراد به المسلم. وردّه ابن عرفة بما تقدم لنا من أن المراد الإنعام الأخص. قال: وإنّما الجواب أنه وصف به تنبيها وتحريضا للإنسان على استحضار مقام الخوف والرّجاء خشية أن يستغرق في استحضار مقام الإنعام فيذهل عن المقام الآخر وأشار إليه ابن الخطيب هنا. قال ابن عرفة: وغضب الله تعالى إما راجع لإرادته من العبد المعصية والكفر أو راجع لخلقه الكفر والمعصية في قلبه، هَذَا عِنْدنَا. وعند المعتزلة راجع لإرادته الانتقام منه لأنهم يقولون أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده ووافقونا في (الدّاعى) أنه مخلوق لله تعالى. فإن قلت لم قال: {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بلفظ الفعل، و {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} بلفظ الاسم وهلاّ قال صِرَاطَ المنعم عليهم كَما قال {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ}؟ قلت: (فالجواب أنه) قصد التنبيه على التأدب مع الله تعالى بنسبة الإنعام إليه وعدم (نسبة) الشر إليه بل أتى به بلفظ المفعول الذي لم يتم فاعله فلم ينسب الغضب إليه على معنى الفاعلية وإن كان هو الفاعل المختار لكل شيء لكن جرت العادة في مقام التأدب أن ينسب للفاعل الخير دون الشر. وأجاب القاضي العماد بوجوه: -الأول: من (ألطاف) الله (أنه) إذا ذكر نعمة أسندها (إليه) فقال: {أية : وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}... تفسير : ولذلك قال إبراهيم عليه السلام:{أية : وإذا مرضت فهو يشفين}. تفسير : - الثاني: إنما قال: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (ليدخل غضبه) وغضب الملائكة والأنبياء والمؤمنين فهو أعمّ/ فائدة. - الثالث: إنما لم يقل صراط المنعم عليهم لأن إبراز (ضمير) فاعل النعمة ذِكْر وشكر له باللّسان وبالقلب، فيكون (دعاء) مقرونا بالشكر والذكر. -الرابع: فيه فائدة بيانية، وهو أنه من (التفنن) في الكلام لأنه (لو أجري) على أسلوب واحد لم يكن فيه تلك (اللّذاذة) وإذا اختلف أسلوبه ألقى السامع إليه سمعه (وهو تنبيه) وطلب إحضار ذهنه من قريب ومن بعيد. (قلت): وإشارة إلى قوله تعالى: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} تفسير : فالنعمة تفضل ورحمة، والانتقام عدل وقصاص. قلت: ونقل بعضهم أن القاضي (محمد) بن عبد السلام الهواري سئل ما السر في أن قيل: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ} بنُون العظمة والداعي واحد وهو محل تضرع وخضوع، وهلا قال: اهدِنِي؟ فأجاب بأنّ المصلّي إن كان واحدا فهو طالب لنفسه ولجميع المسلمين. قال: أو تقول إنّ المصلي لما حصّل (مناجاة) الله وهي من أعظم الأشياء عظم لذلك وهو الجواب في "نَعْبُدُ - ونَسْتَعِينُ" والله أعلم بالصواب.

ابن عادل

تفسير : قولُه تَعَالَى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. "صِرَاطَ الذِيْنَ" بدل منه، بدل كُلِّ مِنْ كُلّ، وهو بَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِنْ مَعْرِفَةٍ. والبدلُ سبعةُ أَقْسَامٍ على خلاف في بعضها: بدلُ كُلّ من كُلّ، وبدل بَعْضٍ من كُلّ، وبدلُ اشْتِمَالٍ، وبدلُ غَلَطٍ، وبدل نِسْيَان، وبدل بَدَاء، وبدل كُلّ من بعض. أما الأقسامُ الثلاثَةُ الأُوَلُ، فلا خلافَ فِيها. وأما بدلُ البدَاء، فأثبته بعضُهم؛ مستدلاًّ بقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : وإنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصلاَة، وما كتب له نِصْفُهَا ثُلُثُهَا رُبعُهَا إلى العُشُرِ" تفسير : ولا يَرِدُ هذا في القرآن الكريمِ. وأما الغَلَطُ والنسْيَانُ، فأثبتهما بعضُهم؛ مُسْتَدِلاًّ بقول ذي الرُّمَّةِ: [البسيط] شعر : 75- لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ وَفِي اللِّثَاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ تفسير : قال: لأنَّ "الحُوّة" السّوادُ الخالِصُ، و "اللَّعَسُ" سواد يشوبه حُمْرَة، ولا يرِدُ هذان البدلان في كَلاَمٍ فصيحٍ. وأما بدل الكُلّ من البعض، فأثبته بعضهُم، مُسْتَدِلاًّ بظاهِر قوله: [الخفيف] شعر : 76- نَضَرَ اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوهَا بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ تفسير : في رواية مَنْ نَصَبَ "طَلْحَةَ"، قال: لأنَّ "الأَعْظُمَ" بعضُ "طَلْحَةَ"، و "طَلْحَةَ" كُلّ وقد أُبْدِلَ منها؛ واستدلّ - أيضاً - بقول امرىء القيس [الطويل] شعر : 77- كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ تفسير : فـ "غَدَاةَ" بعضُ "اليوم"، وقد أُبْدِلَ "اليوم" منها. ولا حُجَّةَ في البيتيْنِ، أما الأولُ: فإنَّ الأَصْلَ "أعظماً دفنوها أَعْظُمَ طلحة" ثم حُذِفَ المضافُ، وأقيم المُضَافُ إليهِ مُقَامه؛ ويدلُّ على ذلك الروايةُ المشهورةُ وهي جَرُّ "طَلْحَةَ" على أنَّ الأصل: "أعظم طلحة" ولم يُقَم المضاف إليه مقامَ المضاف. وأما الثاني: فإنَّ "اليَوْمَ" يُطلقُ على القطعةِ من الزمان، كما تقدّم، وليس هذا موضعَ البَحْثِ عَن دَلائِلِ المذهبيْن. وقيل: "الصراط" الثاني غير الأول، والمرادُ به: العلمُ بالله تعالى. قاله جَعْفَرُ بنُ محمد رحمه الله تعالى: وعلى هذا فتخريجته أن يكونَ مَعْطُوفاً حُذِفَ منه حَرْفُ العَطْفِ، وبالجملة فهو مُشْكلٌ. والبدلُ ينقسمُ أيضاً إلى: بدل مَعرفةٍ، ونكرةٍ منْ نكرةٍ، ومعرفةٍ منْ نكرةٍ، ونكرةٍ مِنْ معرفةٍ. ويَنْقَسمُ أيضاً إلى: بدل ظاهِر من ظاهرٍ: ومُضْمَرٍ مِنْ مُضْمَرٍ، وظاهرٍ مِنْ مضمر، ومضمرٍ من ظاهر. وفائدةُ البَدلِ: الإيضاحُ بعد الإبْهَامِ؛ لأنهُ يُفِيدُ تأكيداً من حَيْثُ المعنى، إذ هو على نيّةِ تَكْرَار العامل. و "الذين" في مَحَلِّ جرٍّ بالإضافة، وهو اسمُ موصولٍ، لافتقاره إلى صِلَةٍ وعائدٍ، وهو جمع "الذي" في المعنى، والمشهور فيه أن يكونَ بالياءِ، رفعاً، ونصباً، وجرًّا؛ وبعضُهم يرفعُه بالواوِ؛ جَرْياً له مَجْرَى جَمْعِ المذكَّر السَّالم؛ ومنه: [الرجز] شعر : 78- نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا يَوْمَ الفَسَادِ غَارَةً مِلْحَاحَا تفسير : وقد تُحْذَفُ نُونُه اسْتِطَالةً بصلته؛ كقوله: [الطويل] شعر : 79- وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دمَاؤُهُمْ هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ تفسير : ولا يقع إلاَّ على أُولي العلمِ، [ولا يقع مجرى جمع المذكر السَّالم، بخلاف مجرده فإنه يقع على أولي العلم] وغيرهم. و "أَنْعَمْتَ": فِعْلٌ، وفاعلٌ، صِلَة المَوْصُولِ. والتاء في "أنعمتَ" ضميرُ مرفوعٍ مُتَّصل. و"عليهم" جار ومجرور متعلّق بـ "أنعمتَ"، والضميرُ هو العائدُ، وهو ضمير جمع المذكرين العقلاء، ويستوي فيه لفظ مُتَّصِلِه ومُنْفَصِلِهِ. والهمزةُ في "أنعمتَ"؛ لجَعْلِ الشيءِ صَاحِبَ ما صِيَغَ منه، فحقُّه أن يَتَعَدَّى بِنَفْسِه، ولكن ضُمِّنَ معنى "تَفَضَّلَ" فَتَعَدَّى تَعْدِيَتَهُ. وقرأ عمر بنُ الخَطّابِ، وابنُ الزُّبَيْرِ رضي الله - تعالى - "صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ". ولـ "أَفْعَلَ" أربعةٌ وعشرُونَ مَعْنى، تقدّمَ وَاحِدٌ. والتعدِيَةُ؛ نحو: "أَخْرَجتُه". والكثرةُ؛ نحو: "أَظْبَى المَكَانُ" أَيْ: "كَثُرَ ظِبَاؤُه". والصَّيرورةُ؛ نحو: "أَغَدَّ البَعِيرُ" صار ذا غُدّة. والإعانة؛ نحو: "أَحْلَبْتُ فُلاَناً" أي: أعنتُه على الحَلْبِ. والتَّشْكِيَةُ؛ نحو: "أَشكيتُه" أي: أزلتُ شِكَايَتَهُ. والتَّعرِيضُ؛ نحو: "أبعتُ المبتاعَ"، أي: عرضتُه للبيع. وإصابةُ الشيءِ بمعنى ما صيغ منه؛ نحو: "أحمدتُه" أي: وجدتُه محموداً. وبلوغُ عَدَدٍ؛ نحو: "أعْشَرتِ الدَّرَاهِمُ"، أي: بلغتِ العَشَرَة. أو بلوغُ زَمانٍ؛ نحو "أصبح"، أو مَكَانٍ؛ نحو "أَشْأَمَ". وموافقَةُ الثّلاثي؛ نحو: "أحزتُ المكانَ" بمعنى: حُزْتُهُ. أَوْ أَغْنَى عن الثلاثي؛ نحو: "أَرْقَلَ البعيرُ". ومطاوعةُ "فَعَلَ"؛ نحو قَشَع الريح، فَأَقْشَع السّحابُ. ومطاوعَةُ "فَعَّلَ"؛ نحو: "فَطَّرْتُه، فَأَفْطَرَ". ونَفْيُ الغريزَةِ؛ نحو: "أسرع". والتَّسميةُ؛ نحو: "أخطأتهُ"، أَيْ: سَمَّيْتُه مخْطِئاً. والدعاءُ؛ نحو: "أسقيتُه"، أَي: قلتُ له: سَقَاكَ الله تعالى. والاستحقاقُ؛ نحو "أَحْصَدَ الزرعُ"، أَيْ: استحقَّ الحصادَ. والوصولُ؛ نحوه: "أَعْقَلْتُهُ"، أَيْ: وَصَّلْتُ عقلي إليه. والاستقبالُ نحو: "أَفَفْتُه"، أَي: استقبلتُه بقول: أُفٍّ. والمجيءُ بالشيء؛ نحو: "أكثرتُ" أَيْ: جئتُ بالكثير. والفرقُ بين أَفْعَلَ وفَعَل، نحو: أَشْرَقَتِ الشَّمسُ: أضاءتْ، وشَرَقَتْ: طَلَعَتْ. والهجومُ؛ نحو: أَطْلَعْتُ على القوم، أيْ: اطَّلعْتُ عَلَيْهِمْ. و "على" حرف استعلاء حقيقةً أو مجازاً؛ نحو: عليه دَيْنٌ: ولها معانٍ أُخَرُ، منها: المُجَاوزة؛ كقوله: [الوافر] شعر : 80- إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا تفسير : أيْ: عَنِّي. وبمعنى "الباءِ" {أية : حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ} تفسير : [الأعراف: 105]، أي: بأَنْ، وبمعنى "فِي"؛ {أية : ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ} تفسير : [البقرة: 102] أيْ: فِي [مُلْكِ]، {أية : ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [البقرة: 177]. والتعليلُ: {أية : وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 185]؛ أي لأجلِ هِدَايَتِه إياكم. وبمعنى "مِن": {أية : حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} تفسير : [المؤمنون: 5، 6]، أيْ: إلاّ مِنْ أَزواجهم. والزيادة كقوله: [الطويل] شعر : 81- أبَى اللهُ إلاَّ أَنَّ سَرْحَةَ مَالِكٍ عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ تفسير : لأنَّ "تُروقُ" يتعدى بنفسِه، ولكل موضع من هذه المواضعِ مَجَالٌ للنظر. وهي مترددةٌ بين الحَرْفِيَّةِ، والاسْمِيَّةِ؛ فتكون اسماً في موضعين: أحدهُما: أن يدخلَ عليها حَرْفُ الجَرّ؛ كقول الشاعر: [الطويل] شعر : 82- غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُهَا تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِزَيزَاءَ مَجْهَلِ تفسير : ومعناها "فَوْق"، أيْ: من فوقه. والثاني: أنْ يؤدي جعلُه حرفاً، إلى تعدِّي فعل المضمر المنفصل إلى ضمير المُتّصل في غيرِ المَوَاضِع الجَائِز فيها؛ ومن ذلك قوله: [المتقارب] شعر : 83- هَوِّنْ عَلَيْكَ فإنَّ الأُمُورَ بِكَفِّ الإِلهِ مَقَادِيرُهَا تفسير : ومثلُها في هذيْن الحُكْمَيْن "عَنْ"، وستأتي إنْ شاء الله تعالى. وزعم بعضُهم أنَّ "على" مترددةٌ بين الاسم، والفِعْلِ، والحرفِ. أما الاسمُ والحرفُ، فقد تقدما. وأما الفعلُ: قال: فإنك تقولُ: "عَلاَ زيدٌ" أي: ارتفع. وفي هذا نَظَرٌ؛ لأن "عَلاَ" إذا كان فِعْلاً، مُشْتَقٌّ من العُلُوِّ، وإذا كان اسماً أو حرفاً، فلا اشتقاقَ له، فليس هو ذَاكَ، إلاَّ أنَّ هذا القَائِلَ يَرُدُّ هذا النظرَ، [بقولهم: إنَّ "خَلاَ"، "وَعَدا" مترددانِ بين الفعليَّةِ والحرفيَّةِ، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر]. والأصلُ في هاء الكِناية الضَّمُّ، فإنْ تقدمها ياءٌ ساكنة، أو كسرةٌ، كَسَرَها غيرُ الحِجازَيين؛ نحو: عَلَيْهِم وفِيهِمْ وَبِهِمْ. والمشهورُ في مِيمِهَا السكونُ قبل متحرك، والكسرُ قبلَ ساكن، هذا إذا كَسَرْتَ الهاء، أما إذا ضممتَ، فالكَسْرُ ممتنع إلاّ في ضَرُورة؛ كقوله: "وفِيهُمِ الحكام" بِكَسْرِ المِيمِ. وفي "عَلَيْهِمْ" عشرُ لُغاتٍ: قُرِىءَ بِبَعْضِها: "عَلَيْهُِمْ" بكسر الهاء وضمها، مع سُكُون الميم. "عَلَيْهِمِي"، بكسر الهاء، وزيادة الياء، وبكسر الميم فقط. "عليهُمُو" بضم الميم، وزيادة واو، أو الضم فقط. "عليهِمُو" بِكَسْرِ الهاءِ، وضم الميمِ، بزيادة الواو. "عليهُمِي" بِضَمِّ الهاء، وزيادة ياء بعد الميم. أو الكسر فقط "عليهِمُ" بكسر الهاء، وضم الميم، حكى ذلك ابنُ الأَنْبَارِي. والتفسيرُ، قال البَغَويُّ - رحمه الله تعالى -: صراط الذين أنعمت عليهم أي: مَنَنْتَ عليهم بِالهِدَايَةِ والتوفيق، وقال عِكْرَمة - رضي الله تعالى عنه -: مَنَنْتَ عليهم بالثَّبات على الإيمان والاسْتِقَامَة وعلى الأنبياء عليهم السلام. وقِيل: على كُلِّ مَنْ ثَبَتَهُ الله - تعالى - من النَّبِيِّين والمُؤْمنين الذي ذكرهم الله - تَعَالَى - في قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ} تفسير : [النساء: 69] وقال ابنُ عباس - رضي الله تعالى عنهما - هُمْ قومُ مُوسَى، وعِيسَى - عليهما الصلاة والسلام، قبل أن غيروا دينهم. وقال أَبُو العَالِيَةَ: هم آلُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما. وقال شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ - رضي الله عنه -: هم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل بَيْتِهِ. وقرأ حَمْزَةُ "عَلَيْهُمْ"، و "إلَيْهُمْ"، و "لَدَيْهُمْ" بضم الهاء. ويضم يَعْقُوب كُلَّ هاءٍ قبلها ياءٌ ساكنة تثنيةً وجمعاً، إلاّ قولَه تعالى: {أية : بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} تفسير : [الممتحنة: 12]. والآخرُونَ: بكسرها. فَمَنْ ضَمَّها ردّها إلى الأصل؛ لأنها مضمومة عند الانفراد. ومَنْ كسرها، فالأصل الياءُ السَّاكنة، والياءُ أختُ الكسرة. وضم ابنُ كَثِير، وأَبُو جَعْفَر كُلَّ ميم جمع مُشْبِعاً في الوَصْلِ، إذا لم يلقها ساكن، فإنْ لقيها ساكِنٌ فلا يُشْبِع. ونَافِعٌ يُخَيِّرُ، ويضمُّ وَرْش عند ألِفِ القطع. وإذا تلقته ألفُ الوصلِ، وقبل الهاء كسرٌ، أو ياءٌ ساكنةٌ، ضمّ الهاءَ والمِيمَ حَمْزَةُ والكسائي - رحمهما الله - وكسرَهُما أَبُو عَمْرو، وكذلك يَعْقُوبُ إذَا انْكَسر ما قبله. والآخرون: بضمّ الميم، وكسرِ الهاء؛ لأجل الياء أو لكسر ما قبلها، وضمّ الميم على الأصل، وقرأ عمرُ بن الخَطَّاب - رضي الله تعالى عنه -: "صرَاطَ مَنْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". قال ابنُ الخَطِيب - رحمه الله تعالى -: اخْتُلِفَ في حَدّ النّعْمَةِ: فقال بعضُهم: إنَّها عِبَارَةٌ عن المَنْفَعةِ المفعولة على جِهَةِ الإحسان إلَى الغيرِ. [ومنهم مَنْ يقولُ: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحْسَان إلى الغير]. قالوا: وإنما زدْنا على هذا القَيْدِ، لأن النعمةَ يستحقّ لها الشكر والإحسان [والحقّ أن هذا القيد غير معتبر؛ لأنه لا يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان]، وإنْ كان فعله محظوراً؛ لأن جهةَ استحقاقِ الشكر غير جهةِ استحقاق الذَّنْب والعِقاب، فأيُّ امتناعٍ في اجتماعهما؟ أَلاَ ترى أن الفاسِقَ يستحقُّ بإنعامه الشُّكْرَ، والذَّمَّ بمعصيةِ الله تعالى، فلا يجوزُ أنْ يَكُونَ الأمرُ ها هنا كذلك. ولنرجع إلى تفسير الحَدّ: فنقول: أما قَولُنا: "المنفعة"؛ فلأن المَضَرّةَ المحضةَ لا تكون نِعْمَةً. وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان؛ لأنه لو كان نفعاً حقًّا وقَصَدَ الفاعلُ به نفعَ نفسه، نَفْعَ المفعولِ به، فلا يكون نِعْمَةً، كَمَنْ أحسن إلى جَاِريَتِهِ، ليربَحَ عليها. وها هنا فوائدُ: الفائِدَةُ الأُوْلَى: أَنَّ كلّ ما يصل إلى الخلق من النفع، ودفع الضَّرر، فهو من الله تعالى على ما قال تبارك وتعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 53]، ثمَّ إنَّ النعمةَ على ثلاثةِ أَقْسَامٍ: أحدُها: نِعمةٌ تَفَرَّدَ الله - تعالى - بإيجَادِهَا، نحو: أنْ خَلَق ورَزَقَ. وثانيها: نعمةٌ وصلت إلينا من جهةِ غير الله - تعالى - في ظاهرِ الأَمْرِ، وفي الحقيقة فهي - أيضاً - إنّما وصلتْ من الله تبارك وتعالى؛ وذلك لأنه - تعالى - هو الخالقُ لتلك النعمةِ، والخالقُ لذلك المنعِِمِ، وخالقٌ لداعيةِ الإنْعَام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم، إلاّ أنه تبارك وتعالى لَمّا أَجْرَى تلك النعمة على يَدِ ذلك العَبْدِ، كان ذلك العبدُ مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله - تعالى - ولهذا قال تعالى: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [لقمان: 14] فبدأ بنفسِه، تنبيهاً على أن إنعامَ الخلقِ لا يتمّ إلاّ بإنعام الله تعالى. وثالثها: نِعمٌ وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا، وهي أيضاً من الله تعالى؛ لأنه لولا أنَّ الله - سبحانه وتعالى - وَفّقنا للطاعات، وأعاننا عليها، وهدانا إليها، وأَزَاحَ الأعذار عَنا، وإِلاَّ لَمَا وَصَلْنَا إلى شَيْءٍ منها، فظهر بها التقرير أنَّ جَمِيعَ النعم في الحقيقة من الله تَعَالى. الفائدةُ الثَّانيةُ: اختلفوا [في أنه] هل لله - تعالى - نعمةً على الكافرِ أَم لاَ؟ فقال بعضُ أصحابنا: ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة. وقالت المعتزلةُ: لله - تعالى - على الكافر نعمة دينية، ونعمة دنيوية. واحتجَّ الأصحابُ على صحّةِ قولهم، بالقرآن [الكريم]، والمعقول. أما القرآنُ؛ فقوله تبارك وتعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}؛ وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمةٌ، لكانوا داخِلِينَ تحت قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فيكون طلباً لصراطِ الكُفّارِ، وذلك بَاطِلٌ، فثبت بهذه الآيةِ أنه ليس لله - تعالى - على الكافر نعمةٌ. فإن قَالُوا: إنَّ قَوْله: {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} يدفعُ ذَلكَ. قلنا: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدل مِنْ قَوْلِه: {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}؛ فكان التَّقْدِير: "اهْدِنا صراطَ الذين أنعمت عليهم"، وحينئذٍ يَعُودُ المحذوفُ المذكورُ. وقوله تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْماً} تفسير : [آل عمران: 178]. وأما المَعْقُولُ: فهو أَنَّ نِعَمَ الدنيا الفانيةَ في مُقَابلةِ عَذَابِ الآخرة على الدوام، كالقَطْرة في البحر، ومثل هذا لا يكون نِعْمَةً، بدليل أنَّ مَنْ جعل السُّمَّ في الحَلْوَى لم يَعُدِ النفعُ الحاصلُ منه نعمةً؛ لأجل أن ذلك النفع حقيرٌ في مُقابلةِ ذلك الضَّرر الكبير، فكذا ههُنا. وأما الَّذِين قالوا: إن لله على الكافر نعمةً، فقد احتجُّوا بقوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً} تفسير : [البقرة: 21، 22]، على أنه يَجبُ على الكُلِّ طاعةُ الله - تعالى - لأجلِ هذه النعم، وإلاّ لما كانت هذه النعمُ العظيمةُ معتبرةً؛ وقولِه تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 28]، ذكر ذلك في معرض الامْتِنَانِ، وشرحِ النعم. وقولِه تعالى: {أية : يَٰبَنِي إِسْرَٰءِِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 40]. وقولِه تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]. وقول إبليس: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 17]. ولو لم تحصل النعمة، لم يلزمْ من عَدَمِ إقدامِهم على الشكر محذورٌ؛ لأنّ الشكر لا يمكن إلاَّ عند حصول النعمة. الفائدة الثالثةُ: قال ابنُ الخَطِيب - رحمه الله -: قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يدل على إمامةِ أبي بكر - رضي الله عنه؛ لأنا ذكرنا أن تقديرَ الآية: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم" والله - تعالى - قد بيّن في آية أُخْرَى أَنَّ {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} من هم؛ بقوله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ} تفسير : [النساء: 69] ورئيسهم أبو بكر الصّديق - رضي الله تعالى عنه - فكان معنى الآية أن الله - تعالى - أمرنا أن نطلب الهداية [التي كان عليها أبو بكر الصديق، وسائر الصّديقين، ولو كان أبو بَكْرٍ - رضي الله تعالى عنه - غيرَ إمامٍ، لما جَازَ الاقتداء به]، فثبت [بما ذكرناه دلالة هذه الآية على] إمامة أبي بكر رضي الله عنه. الفائدة الرابعة: قوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يتناول كُلّ من كان لله - تعالى - عليه نعمة، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا، أو نعمة الدين، والأول باطل فثبت أن المراد منه نعمة الدين. فنقول: كل نعمة ديِنِيّة سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان، وأمّا نعمة الإيمان فيمكن حصولها خالياً عن سائر النعم الدينية، وهذا يدلّ على أن المراد من قوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هو نعمة الإيْمَان، فرجع حاصل القول في قوله تعالى: {1649;هْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أنه طلب لنعمة الإيمان، وإذا ثبت هذا الأصل، فيتفرع عليه أحكام: الأول: أنه لما ثبت أن المُرادَ من هذه النعمة نِعْمَةُ الإيمان، إذ لفظ الآية الكريمة صريح في أن الله - تعالى - هو المنعم بالنعمة، ثبت أنّ الخالق للإيمان، والمعطي للإيمان هو الله تعالى، وذلك يدلّ على فساد قول المعتزلة، وكان الإيمان أعظم النعم، فلو كان الفاعل للإيمان هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله تعالى، ولو كان كذلك لما حسن من الله - تعالى - أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم. الحكم الثاني: يجب ألاَّ يبقى المؤمن مخلداً في النار؛ لأن قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مذكور في معرض التَّعْظيم بهذا الإنعام، ولو لم يكن له أثر في دفع العَذَاب المؤبّد لكان قليل الفائدة، فما كان يحسن من الله - تعالى - ذكره في معرض التَّعْظيم. الحكم الثالث: دلّت الآية الكريمة على أنه لا يجب على الله - تعالى - رعاية [الصلاح والأصلح] في الدين؛ لأنه لو كان الإرْشاد على الله - تعالى - واجباً لم يكن ذلك إنعاماً، وحيث سماه الله - تعالى - إنعاماً علمنا أنه غير واجب. الحكم الرابع: لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام الإقدار على الإيمان؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قدر المكلف عليه، وأرشده إليه، وأزاح أعْذَارَهُ وعِلَلَهُ عَنْهُ، لأن كل ذلك حاصل في حَقّ الكفار، فلما خص - تعالى - بعض المكلفين بهذا الإنعام، مع أن الإقدار، وإزاجة العلل حاصل في حَقّ الكل، علمنا أن المراد ليس هو الإقدار، وإزاحة الموانع. قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} "غير" بدل من "الذين" بدل نكرة من معرفة. وقيل: نعت لـ "الذين"، وهو مشكل؛ لأن "غير" نكرة و "الذين" معرفة، وأجابوا عنه بجوابين: أحدهما: أن "غير" إنما يكون نكرة إذا لم يقع بين ضدّين، فأما إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغيرية، فيتعرف "غير" حينئذ بالإضافة، تقول: "مررت بالحركة غير السكون" والآية من هذا القبيل، وهذا إنما يتمشّى على مذهب ابن السّراج، وهو مرجوح. والثاني: أن الموصول أَشْبَهَ النكرات في الإبْهَام الذي فيه، فعومل معاملة النكرات. وقيل: إن "غير" بدل من المضمر المجرور في "عليهم"، وهذا يشكل على قول من يرى أن البدل يحل محلّ المبدل منه، وينوي بالأول الطّرح؛ إذ يلزم منه خلو الصّلة من العائد، ألا ترى أن التقدير يصير: "صراط الذين أنعمت على غير المغضوب عليهم". و "المغضوب" خفض بالإضافة، وهو اسم مفعول، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور، فـ "عليهم" الأولى منصوبة المَحَلّ، والثانية مرفوعته، و "أل" فيه موصولة، والتقدير: "غير الذين غُضِب عليهم". والصحيح في "أل" الموصولة أنها اسم لا حَرْفٌ. واعلم أن لفظ "غير" مفرد مذكر أبداً، إلا أنه إن أريد به مؤنث جاز تأنيث فعله المسند إليه، نقول: "قامت غيرك"، وأنت تعني امرأة، وهي في الأصل صفة بمعنى اسم الفاعل، وهو مغاير، ولذلك لا تتعرف بالإضافة، وكذلك أخواتها، أعني نحو: "مِثْل وشِبْه وشَبِيه وخِدْن وتِرْب". وقد يستثنى بها حملاً على "إلاّ" كما يوصف بـ "إلاّ" حملاً عليها، وقد يراد بها النفي كـ "لا"، فيجوز تقديم معمول معمولها عليها، كما يجوز في "لا" تقول: "أنا زيداً غَيْرُ ضارب" أي: غير ضارب زيداً؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : 84- إِنَّ امْرَءًا خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتْهُ عَلَى التَّنَائِي لَعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ تفسير : تقديره: غير مكفور عندي، ولا يجوز ذلك فيها إذا كانت لغير النَّفي. لو قلت: "جاء القوم زيداً غير ضارب"، تزيد: غير ضارب زيداً لم يجز؛ لأنها ليست بمعنى "لا" التي يجوز فيها ذلك على الصَّحيح من الأقوال في "لا". وفيها قول ثانٍ يمنع ذلك مطلقاً. وقول ثالث: يفصل بين أن تكون جَوَاب قَسَمٍ، فيمتنع فيها ذلك، وبين ألاّ يكون فيجوز. وهي من الألفاظ اللاَّزمة للإضافة لفظاً وتقديراً، فإدْخَال الألف واللام عليها خَطَأ. واختلفوا هل يجوز دخول "أل" على "غير وبعض وكل" والصحيح جوازه. قال البغوي - رحمه الله تعالى -: "غير" ها هنا بمعنى "لا" و "لا" بمعنى "غير"، ولذلك جاز العَطْفُ عليها، كما يقال: "فلان غير مُحْسن ولا مجمل"، فإذا كان "غير" بمعنى "لا"، فلا يجوز العَطْفُ عليها بـ "لا"؛ لا يجوز في الكلام: "عندي سوى عبد الله ولا زيد". وقرىء: "غَيْرَ" نصباً، فقيل: حال من "الَّذِين" وهو ضعيف؛ لمجيئه من المُضَاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذَلِكَ، كما ستعرفه إن شَاءَ اللهُ تعالى: وقيل: من الضمير في "عليهم". وقيل على الاستثناء المنقطع، ومنعه الفَرَّاء؛ قال: لأن "لا" لا تُزَادُ إلاَّ إذا تقدمها نفي، كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 85- مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَا وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ تفسير : وأجابوا بأن "لا" صلة زائدة مثلها في قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12]؛ وقول الشَّاعر: [الرجز] شعر : 86- فَمَا أَلُومُ البِيضَ ألاّ تَسْخَرَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 87- وَيَلْحَيْنَني في اللَّهْوِ أَلاَّ أُحِبَّهُ ولِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 88- أَبَى جُودُهُ لاَ البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ نَائِلُهْ تفسير : فـ "لا" في هذه المواضع كلها صلةٌ. وفي هذا الجواب نظر؛ لن الفَرَّاء لم يقل: إنها غير زائدة، وقولهم: إن "لا" زائدة في الآية، وتنظيرهم بالمَوَاضِعِ المتقدّمة لا تفيد، وإنّما تحرير الجواب أن يقولوا: وجدت "لا" زائدةً من غير تقدّم نفي، كهذه المواضع المتقدمة. ويحتمل أن تكون "لا" في قوله: "لا البُخْلَ" مفعولاً به لـ "أَبَى"، ويكون نصب "البُخْلَ" على أنه بدل من "لا" أي: أبى جُودُهُ قَوْلَ لا، وقول: لا هو البخل، ويؤيد هذا قوله: "واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ" فجعل "نَعَمْ" فاعل "اسْتَعْجَلَتْ"، فهو من الإِسْنَادِ اللَّفْظي، أي: إلى جود هذا اللَّفظ، واستعجل به هذا اللفظ. وقيل: إن نصب "غير" بإضمار أعني. ويحكى عن الخليل، وقدّر بعضهم بعد "غير" محذوفاً قال: التقدير: "غير صِرَاط المَغْضُوب"، وأطلق هذا التَّقدير، فلم يقيده بِجَرّ "غير"، ولا نصبه ولا يتأتى ذلك إلاَّ مع نصبها، وتكون صفةً لقوله تعالى: {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} وهذا ضعيف؛ لأنه متى اجتمع البدل والوصف قدم الوصف، فالأولى أن تكون صفةً لـ "صراط الذين"، ويجوز أن تكون بدلاً من "الصراط المستقيم"، أو من "صراط الذين" إلا أنه يلزم منه تكرار البدل، وفي جوازه نَظَر، وليس في المَسْألة نقل، إلاّ أنهم قد ذكروا ذلك في بَدَلِ البَدَاء خَاصّة، أو حالاً من "الصراط" الأول أو الثاني. واعلم أنّه حيث جعلنا "غير" صفةً فلا بد من القول بتعريف"غير"، أو إبهام الموصوف، وجريانه مجرى النكرة، كما تقدم تقريره ذلك في القراءة بجرّ "غير". و "لا" في قوله تعالى: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} زائدة لتأكيد معنى النَّفي المفهوم من "غير" لئلا يتوهّم عطف "الضَّالين" على "الذين أنعمت". وقال الكوفيون: هي بمعنى "غير" وهذا قريبٌ من كونها زائدةً، فإنه لو صرح بـ "غير" كانت للتأكيد أيضاً، وقد قرأ بذلك عمر بن الخَطَّاب وأبيٌّ رضي الله عنهما. و "الضَّالين" مجرور عطفاً على "المغضوب"، وقرىء شاذاً "الضَّأَلِّينَ"، بهمز الألف؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 89- وَلِلأَرْضِ أَمَّا سُودُهَا فَتَجَلَّلََتْ بَيَاضاً، وأَمَّا بِيضُهَا فَادْهَأَمَّتِ تفسير : قال الزَّمَخْشَرِي: "وفعلوا ذلك، لِلْجِدِّ في الهَرَبِ من التقاء السَّاكنين". وقد فعلوا ذلك حتى لا سَاكِنَانِ؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 90- وَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا العَأْلَمِ تفسير : بهمز "العألم". وقال آخر: [البسيط] شعر : 91- وَلَّى نَعَامُ بَنِي صَفْوَانَ زَوْزَأَةً .................. تفسير : بهمز ألف "زَوْرَأَة"، والظَّاهر أنها لغةٌ مطَّردةٌ؛ فإنهم قالوا في قراءة ابن ذَكْوَان: "مِنْسَأَتَهُ" بهمز ساكنة: إنّ أصلها ألف، فقلبت همزة ساكنة. فإن قيل: لم أتى بصلة "الذين" فعلاً ماضياً؟ قيل: ليدلّ ذلك على ثبوت إنعام الله - تبارك وتعالى - عليهم وتحقيقه لهم، وأتى بصلة "أل" اسماً ليشمل سائر الأزمان، وجاء مبنيًّا للمفعول؛ تحسيناً للفظ؛ لأنّ من طلبت منه الهداية، ونسب الإنعام إليه لا يناسبه نسبة الغضب إليه، لأنه مقام تلطُّف، وترفّق لطلب الإحسان، فلا يحسن مواجهته بصفة الانتقام. والإنعام: إيصال الإحسان إلَى الغير، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه الإحْسَان من العُقَلاَء، فلا يقال: أنعم فلان على فَرَسِهِ، ولا حماره. والغضب: ثَورَان دم القلب إرادة الانتقام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : اتَّقُوا الغَضَبَ فإنه جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، ألم تَرَ إلى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ وحُمْرَةِ عينيه ". تفسير : وإذا وصف به الباري - تبارك وتعالى - فالمراد به الانتقام لا غيره. قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: هنا قاعدة كليةٌ، وهي أن جميع الأعراض النَّفْسَانية - أعني الرحمة، والفرح، والسُّرور، والغضب، والحَيَاء، والعُتُوّ، والتكبر، والاستهزاء -لها أوائل ولها غايات. ومثاله: الغضب: فإنّ أول غليان دم القلب، وغايته: إرادة إيصال الضَّرَرِ إلى [المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب، بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار، وأيضاً الحَيَاءُ] له أول وهو انكسار النفس، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب. ويقال: فُلاَن غُضبَّة: إذا كان سريع الغَضَبِ. ويقال: غضبت لفلان إذا كان حيًّا وغضبت به إذا كان ميتاً. وقيل: الغضب تغيُّر القلب لمكروه. وقيل: إن أريد بالغضب العُقُوبة كان صفة فعل، وإن أريد به إرادة العقوبة كان صفة ذاتٍ. والضلال: الخَفَاء والغيبوبة. وقيل: الهلاك، فمن الأول قولهم: ضَلَّ الماءُ في اللبن. [وقال القائل]: [الوافر] شعر : 92- أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرَكَ الدِّيَارُ عَن الحَيِّ المُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا؟ تفسير : "والضَّلضلَة": حجر أملس يَرُده السَّيْل في الوادي. ومن الثاني: {أية : أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10]، وقيل: الضّلال: العُدُول عن الطريق المستقيم، وقد يُعَبَّرُ به عن النِّسْيان كقوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} تفسير : [البقرة: 282] بدليل قوله: {أية : فَتُذَكِّرَ} تفسير : [البقرة: 282]. التفسير: قيل: "المغضوب عليهم" هم اليهود. وقيل: "الضالون" هم النصارى؛ لأن الله - تعالى - حكم على اليهود بالغَضَبِ فقال تعالى: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 60]، وحكم على النصارى بالضَّلال فقال تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} تفسير : [المائدة: 77]. وقيل: هذا ضعيف؛ لأن منكري الصَّانع والمشركين أَخْبَثُ ديناً من اليهود والنصارى، فكان الاحتراز من دينهم أولى. وقيل: "المغضوب عليهم": هم: الكُفّار، و "الضّالون": هم المنافقون. وقال سهل بن عبد الله رضي الله عنهما: "غير المغضوب عليهم" بالبِدْعَةِ، "والضّالين" عن السُّنَّة. والأَوْلَى أن يحمل "المغضوب عليهم" على كل من أَخْطَأَ في الاعتقاد؛ لأن اللفظ عام، والتقييد خلاف الأصل. فَصْلٌ في عصمة الأنبياء والملائكة قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: "غير المغضوب عليهم" يدلُّ على أن أحداً من الملائكة، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ما أَقْدَمَ على عملٍ مخالف قول الدين، ولا على اعتقاد مخالف اعتقاد دين الله؛ لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضَلّ عن الحق، لقوله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس: 32]، ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم، ولا بطريقهم، ولكانوا خارجين عن قوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ولما كان ذلك باطلاً علمنا بهذه الآية عِصْمةَ الملائكة، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فَصْلٌ في إضافة الغضب لله قالت المعتزلة: غَضَبُ الله - تعالى - عليهم يدلُّ على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم، وإلاَّ لكان الغضب عليهم ظلماً من الله - تعالى - عليهم. وقال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: لما ذكر غضب الله عليهم، وأتبعه بذكر كونهم ضالين دلّ ذلك على أن غضب الله - تعالى - عليهم علّة لكونهم ضالين، وحينئذ تكون صفة الله - تعالى - مؤثرةً في صفة العبد. أما لو قلنا: إن كونهم ضالين يوجب غضب الله - تعالى - عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى، وذلك مُحَال. فَصْلٌ قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: دلّت هذه الآية على أن المكلّفين ثلاث فرق: أهل الطاعة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. وأهل البغي والعدوان، وهم المراد بقوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}. وأهل الجهل في دين الله، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. فإن قيل: لم قدم ذكر العُصَاة على ذكر الكَفَرَةِ؟ قلنا: لأن كل أحد يحترز عن الكفر، أما قد لا يحترز عن الفِسْق، فكان أهم فقدم لهذا السّبب ذلك. قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: ها هنا سؤال، وهو أن غضب الله إنما تولَّد عن علمه بصدور القبيح والجناية عنه، فهذا العلم إما أن يقال: إنه قديم، أو محدث، فإن كان قديماً فلم خلقه، ولم أخرجه من العَدَمِ إلى الوجود، مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العَذَاب الدَّائم، ولأنه من كان غضبان على الشَّيء كيف [يعقل] إقدامه على إيجَادِهِ وتكوينه؟ فإن كان ذلك العلم حادثاً لكان الباري - تعالى - محلاًّ للحوادث، إلاَّ أنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سَبْقِ علمٍ آخر، وتسلسل، وهو مُحَال. والجواب: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. سؤال آخر وهو أن من أنعم الله - تعالى - عليه امتنع أن يكون مغضوباً عليه، وأن يكون من الضَّالين، فلما ذكر قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، فما الفائدة في أن ذكر عقيبه: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}؟ والجواب: الإيمان إنما يكمل بالرَّجَاء والخوف، كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِن وَرَجَاؤُهُ لاعتْدَلا"تفسير : ، فقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يوجب الرَّجَاء الكامل، وقوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} يوجب الخوف الكامل، وحينئذٍ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه، وينتهي إلى حَدِّ الكمال. سؤال آخر ما الحكمة في أنه - تَعَالَى - جعل المقبولين طائفةً واحدةً، وهم الذين أنعم الله عليهم، والمردودين فريقين: المغضوب عليهم، والضَّالين؟ فالجواب: أنّ الذين كملت نعم الله - تَعَالَى - عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحَقّ لذاته، والخير لأجل العمل به، فهؤلاء هم المُرَادون بقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، فإن اختلّ قيد العمل فهم الفَسَقَةُ، وهم المغضوب عليهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} تفسير : [النساء: 93]. وإن اختلّ قيد العلم فهم الضَّالون لقوله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس: 32]. فصل في حروف لم ترد في هذه السورة قالوا: إنّ هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف، وهو الثاء، والجيم، والخاء، والزاي، والشين، والظاء، والفاء، والسبب فيه أن هذه الحروف مُشْعرة بالعذاب، فالثناء أوّل حروف الثبور. والجيم أوّل حروف جهنم. والخاء: أول حروف الخِزْي. والزاي والشين أول حروف الزفير والشّهيق، والزّقوم والشّقاوة. والظَّاء أول حرف ظلّ ذي ثلاث شعب، ويدل أيضاً على لَظَى الظاء. والفاء أول حروف الفراق قال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم: 14]. قلنا: فائدته أنه - تعالى - وصف جَهَنّم بأن {أية : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} تفسير : [الحجر: 44] فلما أسقط هذه الحروف السّبعة الدّالة على العَذَاب من هذه السورة نبّه بذلك على أن من قرأ هذه السورة، وآمن بها، وعرف حقائقها أمن من دَرَكَاتِ جهنم السّبعة. القول في "آمين": ليست من القرآن إجماعاً، ومعناها: اللَّهم اسمع واستجب. وقال ابن عباس وقتادة - رضي الله تعالى عنهما -: معناه كذلك يكون، فهي اسم فعل مَبْنِيّ على الفَتْحِ. وقيل: ليس باسم فعل، بل هو من أسماء البَارِي تعالى، والتقدير: يا آمين، وضعف أبو البقاء هذا بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لَكَانَ ينبغي أن يبني على الضَّمِّ، لأنه منادى مفرد معرفة. والثاني: أن أسماء الله - تعالى - توقيفيةٌ. ووجه الفارسي قول من جعله اسماً لله - تعالى - على معنى: أن فيه ضميراً يعود على الله تعالى؛ لأنه اسم فعل، وهو توجيه حسن نقله صاحب "المُغْرِب". وفي "آمين" لغتان: المَدّ، والقَصْر، فمن الأول قول القائل: [البسيط] شعر : 93- آمِينَ آمِينَ لاَ أَرْضَى بِوَاحِدةٍ حَتَّى أُبَلِّغَهَا أَلْفَيْنِ آمِينَا تفسير : وقال الآخر: [البسيط] شعر : 94- يَا رَبِّ لاَ تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَداً وَيَرْحَمُ اللهُ عَبْداً قَالَ: آمِينَا تفسير : ومن الثاني قوله: [الطويل] شعر : 95- تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ رَأَيْتُهُ أَمِينَ فَزَادَ اللهُ ما بَيْنَنَا بُعْدَا تفسير : وقيل: الممدود: اسم أَعْجَمِيّ، لأنه بِزِنَةِ قَابِيل وهَابِيل. وهل يجوز تشديد الميم؟ المشهور أنه خطأ، نقله الجَوْهَرِيّ - رحمه الله تعالى -، ولكنه قد رُوي عن الحسن وجعفر الصّادق - رضي الله تعالى عنهما - التشديد، وهو قول الحسين بن الفَضْلِ، من أمَّ: إذا قصد، أي: نحن قاصدون نحوك. ومنه: {أية : وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} تفسير : [المائدة: 2]. وقيل: معناه: هو طابع الدعاء. وقيل: هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفسادِ، وظهور ما فيه. وقال النَّووي - رحمه الله تعالى - في "التهذيب": وقال عطية العوفي: ["آمين"] كلمة عبرانية، أو سُرْيانية، وليست عربية. وقال عَبْدُ الرَّحمن بن زيد: "آمِينَ" كَنْزٌ من كنوز العَرْشِ لا يعلم أحد تأويله إلاّ الله تعالى. وروي فيها الإِمَالَة مع المَدّ عن حَمْزَةَ والكِسَائي، والنون فيها مفتوحة أبداً مثل: أَيْنَ وَكَيْفَ. وقيل: آمين درجة في الجَنَّة تجب لقائلها. وقيل: معناه: اللَّهم آمنا بخير. وقال بعضهم: بنيت لأنها ليست عربية، وأنها سم فعل [كـ "صَهٍ" "ومَهٍ" أَلاَ ترى أن معناها: "اللهم استجب، وأعطنا ما سألناك". وقالوا: إن مجيء "آمِين" دليلٌ على أنها ليست عربيةً]؛ إذ ليس في كلام العرب "فَاعِيل". فأما "آري" فليس بـ "فَاعِيل"، بل هو عند جماعة "فَاعُول". وعند بعضهم "فَاعِلي". وعند بعضهم ["فَاعِي"] بالنقصان. وقال بعضهم: إن "أمين" المقصورة لم يجىء عن العرب، والبيت الذي ينشد مقصوراً لا يصح على هذا الوجه إنما هو: [الطويل] شعر : 96-.......................... فآمِينَ زَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا تفسير : روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِذَا قَالَ الإمَامُ: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}، فقولوا: آمِين، فإنّ المَلائِكَةَ تقول: آمين، فمن وافق تَأْمِينُهُ تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذَنْبِهِ ". تفسير : فصل في وجوب القراءة في الصلاة قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبةٌ في الصلاة. وعن الأَصَمّ والحسن بن صالح - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا: لا تجب لنا [أن كلّ دليل نذكره في بيان أن] قراءة الفاتحة واجبة، فهو يدلّ على أن أصل القراءة واجب، ونزيد - ها هنا - وجوهاً: الأول: فهو قوله تبارك وتعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ} تفسير : [الإسراء: 78]. والمراد بالقرآن القراءة، والتقدير: أقم قراءة الفجر، وظاهر الأمر الوجوب. الثاني: عن أبي الدَّرْدَاء - رضي الله تعالى عنه - حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفي الصَّلاَةِ قِراءةٌ فقال: "نَعَمْ" فقال السَّائل: وجبت، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل على قوله: "وَجَبَتْ" . تفسير : الثالث: عن ابن مَسْعُودٍ - رضي الله تعالى عنه - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أيقرأ في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "أتَكُونُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ"تفسير : ، هذان الخبران نقلهما من تعليق الشيخ أبي أحمد الإسفرايني. وحجّة الأصم - رحمه الله تعالى - قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلّي" تفسير : جعل الصلاة من الأشياء المرئية، والقراءة ليست مرئية، فوجب كونها خارجةً عن الصلاة، والجواب: أنّ الرؤية إذا كانت متعديةً إلى مفعولين كانت بمعنى العلم. فصْلٌ قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: قراءة الفاتحة واجبةٌ في الصلاة، فإن ترك منها حرفاً واحداً وهو يحسنها لم تصحّ صلاته، وبه قال الأكثرون. وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: لا تجب قراءة الفَاتِحَةِ. لنا وجوه: الأول: أنه - عليه الصّلاة والسلام - وَاظَبَ طول عمره على قراءة الفاتحة في الصَّلاة، فوجب علينا ذلك، لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأعراف: 158]، ولقوله: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النور: 63]، ولقوله تعالى: {أية : فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 31]. ويا للعجب من أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه تمسّك في وجوب مسح النّاصية بخبر واحدٍ، في أنه - عليه الصلاة والسلام - مسح على النّاصية، فجعل ذلك القَدْرَ من المسح شرطاً لصحة الصلاة، وها هنا نقل أهل العلم نقلاً متواتراً أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب على قراءة الفاتحة، ثم قال: إن صحّة الصَّلاة غير موقوفةٍ عليها، وهذا من العَجَائب. الثاني: قوله تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} تفسير : [البقرة: 43]، والصلاة لفظ مُحَلّى بالألف واللام، فيكون المراد منها المعهود السَّابق، وليس عند المسلمين معهودٌ سابق من لفظ الصَّلاة إلى الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها. وإذا كان كذلك كان قوله تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} تفسير : [البقرة:43] جارياً مجرى أمره بقراءة الفاتحة، وظاهر الأمر [الوجوب]، ثم إنّ هذه اللَّفظة تكررت في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة، فكان ذلك دليلاً قاطعاً على وجوب قراءة الفَاتحَةِ في الصَّلاةِ. الثالث: أنّ الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - واظبوا على قراءتها طول عمرهم، ويدلُّ عليه ما روي في "الصّحيحين" حديث : أن النَّبي - عليه الصلاة والسلام - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - كانوا يستفتحون القراءة بـ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وإذا ثبت هذا وجَبَ علينا ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ من بَعْدِي" . تفسير : ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : اقْتَدُوا باللَّذينِ مِنْ بَعْدِي: أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ" تفسير : رضي الله عنهما. والعجب من أبي حنيفة - رحمه الله - أنه تمسَّك بطلاق الفَارّ بأثر عثمان - رضي الله عنه - مع أن عبد الرحمن، وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - كانا يخالفانه - ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرْث، فلم يتمسّك بعمل [كل] الصحابة - رضي الله عنهم - على سبيل الإطباق، والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة، مع أن هذا القول على وَفْقِ القرآن، والإخبار، والمعقول! الرابع: أن الأمّة [وإن] اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا؟ لكنهم اتفقوا عليه في العَمَلِ فإنك لا ترى أحداً من المسلمين في العرف إلا ويقرأ الفاتحة في الصَّلاة، وإذا ثَبَتَ هذا فنقول: إنَّ من صَلَّى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركاً سبيل المؤمنين، فيدخل تحت قوله تعالى: {أية : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النساء: 115] فإن قالوا: إنَّ الذين اعتقدوا أنَّهُ لا يَجِب قراءتها قَرَءُوهَا لا عن اعتقاد الوجوب، بل على اعتقاد النّدبية، فلم يحصل الإجماع على وجوب قرَاءتها. فنقول: أعمال الجوارح غير أعمال القلوب، ونحن قد بَيَّنَّا إطباق الكُلّ على الإتيان بالقراءة، فمن لم يَأْتِ بالقراءة كان تاركاً طريقة المؤمنين في هذا العَمَلِ فدخل تَحْتَ الوَعِيدِ، وهذا القدر يكفينا في الدَّلِيلِ، ولا حاجة في تقرير هذا الدَّليل إلى ادِّعَاء الإجماع في اعتقاد الوجوب. الخامس: قوله عَزَّ وجَلَّ: "حديث : قسمتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن، فإذا قَالَ العَبْدُ: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} يقول الله تَعَالى: حَمِدَنِي عَبْدِي..."تفسير : ، إلى آخر الحديث. وجه الاستدلال: أنه - تَعَالَى - حكم على كلّ صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين، ثم بين أنّ هذا التصنيف لم يحصل إلاّ بسبب هذه السورة، ولازم اللازم لازم، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة، وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا: قراءة الفاتحة شرط في صِحّة الصلاة. السَّادس: قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا صَلاَةَ إلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ". تفسير : قالوا: حرف النفي دخل على الصَّلاة، ودخل على غير مُمْكِنٍ، فلا بُدّ من صرفه إلى حكم من أحكام الصَّلاة، وليس صرفه إلى الصِّحة أولى من صرفه إلى الكمال. والجواب من وجوه: الأول: أنه جاء في بعض الرِّوَايات: "حديث : لا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"تفسير : ، وعلى هذه الرواية فالنَّفي ما دخل على الصَّلاة، وإنما دخل على حصولها للرَّجل، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها، وخروجه عن عُهْدَةِ التَّكْليف بسببها، وعلى هذا التَّقدير فإنه يمكن إجراء حرف النَّفي على ظاهره. الثاني: من اعتقدوا أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة، فعند عدم القراءة لا توجد ماهية الصلاة؛ لأنّ الماهية تمنع حصولها حال عدم بعض أجزائها، وإذا ثبت هذا فقولهم: إنه لا يمكن إدخال حرف النَّفي على مُسَمَّى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفَاتحَةَ ليست جزءاً من الصّلاة، وهذا [هو] أول المسألة، فثبت أن قولنا: يمكن إجراء هذه اللفظة على أنه متى تعذّر العمل بالحقيقة، وحصل للحقيقة مجازان أحدهما: أقرب إلى الحقيقة، والثاني: أبعد؛ فإنه يجب حمل اللَّفظ على المَجَاز الأقرب. إذا ثبت هذا فنقول: المُشَابهة بين المعدوم، وبين الموجود الذي يكون صحيحاً [أتم من المُشابَهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون صحيحاً]، لكنه لا يكون كاملاً، فكان حمل هذا اللَّفظ على نفي الصِّحة أولى. الحُجَّة السَّابعة: عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كُلّ صَلاَةٍ لم يقرأ فيها بِأُمِّ القُرْآنِ فهي خِدَاج، فهي خداج" تفسير : أي غير تمام، قالوا: الخِدَاجُ هو النقصان، وذلك لا يدل على عدم الجواز. قلنا: بل هذا يدلّ على عدم الجواز؛ لأن التكليف بالصَّلاة دائم، والأصل في الثابت، البقاء، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصَّلاة على صفة الكَمَالِ، فعند الإتيان بها على سبيل النُّقصان يوجب ألاّ يخرج عن العُهْدَةِ، والذي يقوي هذا أنَّ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه قال: لو صام يوم العِيدِ قضاء عن رَمَضَان لم يصح؛ لأن الواجب عليه هو الصَّوم الكامل، والصوم في هذا اليوم ناقص، فوجب ألا يفيد هذا القضاء الخروج عن العُهْدَةِ. وإذا ثبت هذا فنقول: فلم لم يقل بمثل هذا الكلام ها هنا؟ الحُجّة الثامنة: نقل الشيخ أبو حامد في "تعليقه" عن ابن المُنْذِرِ أنه روى بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تُجْزِىء صَلاَةٌ لا يُقْرأ فيها بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ". تفسير : الحُجّة التاسعة: روى رفاعة بن مالك - رضي الله عنه - أن رَجُلاً دخل المَسْجِد فصلّى، فلما فرغ من صلاته، ذكر في الخبر أن الرجل قال: علّمني الصَّلاة يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا تَوَجَّهْتُم إلى القِبْلَةِ فَكَبِّرُوا، واقْرَءُوا بفاتحة الكِتَابِ"تفسير : ، وهذا أمر، والأمر للوجوب. الحُجّة العاشرة: حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بِسُورَةٍ ليس في التَّوْرَاة ولا في الإِنْجِيل ولا في الزَّبُور مثلها"، قالوا: نعم، قال: "فما تقرءونه في صَلاَتكم"؟ فقالوا: الحمد لله ربّ العالمين، قال: "هِيَ هِيَ" . تفسير : وجه الدليل: حديث : أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال: "ما تَقْرَءُونَهُ في صلاتكم"؟ قالوا: الحمد لله رب العالمينتفسير : ، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عند الصحابة - رضي الله عنهم - أنه لا يصلي أحد إلاّ بهذه السورة، فكان هذا إجماعاً معلوماً عندهم. الحُجّة الحادية عشرة: التمسُّك بقوله تعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] فهذا أمر، والأمر للوجوب، فهذا يقتضي أن قراءة ما تَيَسَّرَ من القرآن واجبةٌ. فنقول: المراد بما تيسّر من القرآن، إما أن يكون هو الفاتحة بعينها واجبة، وهو المطلوب وإمّا يقتضي أن قراءة غير الفاتحة واجبة، وذلك باطل بالإجماع، أو يقتضي التخيير بين قراءة الفاتحة، وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع، لأن الأمّة مجمعةٌ على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها. وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خِدَاجٌ ناقصة، والتخيير بين النقائص والكامل لا يجوز. واعلم أنه إنما سمى قراءة الفاتحة لما تيسّر من القرآن؛ لأن هذه السّورة محفوظة لجميع المكلّفين من المسلمين، فهي متيسّرة للكل، أما سائر السُّور فقد تكون محفوظة، وقد لا تكون، وحينئذٍ لا تكون متيسّرة للكلّ. الحُجّة الثَّانية عشرة: الأصل بقاءُ التكليف، فالقولُ بأنَّ الصَّلاةَ بدون قراءة الفاتحة يقتضي الخروج عن العهدة، إما أنْ يعرف بالنَّص أو بالقياس. أما الأول فباطل. [لأن النص الذي تمسكوا به قوله تعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [المزمل:20] وقد بينا أنه دليلنا. وأما القياس] فباطل؛ لأن التعبدّات غالبة على الصَّلاة، وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس. الحُجّة الثالثة عشرة: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وَاظَبَ على الصَّلاة بها طول عمره، فيكون قراءة غير الفاتحة ابتداعاً وتركاً للاتباع، وذلك حرام لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا"تفسير : ، و "حديث : أَحْسَن الهَدْي هَدْيُ مُحَمّدٍ، وَشَرّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ". تفسير : واحتج أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بالقرآن والخبر. أما القرآن الكريم فقوله تبارك وتعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل:20]. وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - قال "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي: لا صَلاَةَ إلا بِقَرَاءَةٍ، ولو بفاتحة الكِتَاب". والجواب عن الأول: أنا بَيّنا أنّ هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا. وعن الثاني: أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة، وأيضاً لا يجوز أن يقال: المراد من قوله: "حديث : لا صَلاَةَ إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب" تفسير : وهو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى. فصل في بيان هل التسمية آية من الفاتحة أم لا؟ قال الشافعي - رضي الله عنه -: التّسمية آية من الفاتحة، ويجب قراءتها مع الفاتحة، وقال مالك والأوزاعي، - رضي الله تعالى عنهما -: إنها ليست من القرآن إلاّ في سورة النَّمل، ولا يجب قراءتها سرّا ولا جهراً، إلاّ في قيام شهر رمضان، فإنه يقرؤها. وأما أبو حنيفة - رحمه الله - فلم ينص عليها، وإنما قال: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ويُسِرّ بها، ولم يقل: إنها آية من أول السورة أم لا. قال: سُئل محمد بن الحسن - رحمه الله - عن "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال: ما بين الدّفَّتَيْنِ كلام الله - عز وجل - القرآن. قلت: فَلِمَ يُسَرّ بها؟ فلم يجبني. وقال الكَرْخي - رحمه الله تعالى -: لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدّمي أصحابنا، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة. وقال بعض الحنفية - رحمهم الله -: تورّع أبو حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - عن الوقوع في هذه المسألة؛ لأن الخوض في أن التسمية من القرآن، أو ليست من القرآن أمر عظيم، فالأولى السّكوت عنه. حُجّة من قال: إن التسمية من الفاتحة: روى الشافعي عن مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي مُلَيْكة عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: "حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، فعد بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم آية منها والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ آية، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ آية، إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ آية، اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ آية، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ آية"تفسير : ، وهذا نَصّ صريح. وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخْبِرُكَ بآية لم تنزل على أَحَدٍ بعد سُلَيْمَانَ بن داود - عليهما السلام - غيري"؟ فقلت: بلى قال: "بأي شيء يُفْتَتَحُ القرآن إذا افتتحت الصَّلاَة؟" قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم قال: "هِيَ هِي"تفسير : . وهذا يدل على أنَّ التسمية من القرآن. وروى الثَّعْلبي بإسناده عن جعفر بن مُحَمَّدٍ عن أبيه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - حديث : أنّ النبي - عليه الصّلاة والسلام - قال له: "كيف تَقُول إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة"؟ قال: أقول: الحمد لله رب العالمين، قال: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم" . تفسير : وروى أيضاً بإسناده عن سعيد بن جُبَيْرٍ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تبارك وتعالى: {أية : آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تفسير : [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب، فقيل للنابغة، أين السَّابعة؟ فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم}. وبإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، والنبي يحدث أصحابه، إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصَّلاة وتعوّذ، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رجل، قَطَعْتَ عَلى نَفْسِكَ الصَّلاة، أما علمت أن بسم الله الرَّحمن الرحيم من الحَمْد؟ من تركها فقد تركها فقد تَرَكَ آيةً منها، ومن ترك أيةً منها فقد قطع عليه صلاته، فإنه لا صَلاَةَ إلا بِهَا . تفسير : وروى بإسنادة عن طَلْحَةَ بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : مَنْ تَرَكَ بسم الله الرَّحْمَن الرَّحيم، فقد تَرَكَ آية من كِتاب الله تَعَالَى ". تفسير : وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ بن كَعب - رضي الله عنهما -:حديث : "مَا أعظم آيَةٍ في كِتَابِ الله تَعَالى"؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فصدقة النبي صلى الله عليه وسلم . تفسير : ومعلوم أنها ليست آيةً تامّة في النمل، فتعيّن أن تكون آية تامةً في أوّل الفاتحة. وروي أن معاوية - رضي الله عنه - لما قدم "المدينة" فصلّى بالناس صَلاَةً يجهر فيها، فقرأ أمّ القرآن، ولم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، فلما قضى صلاته نَادَاهُ المُهَاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم حين اسْتَفْتَحْتَ القرآن؟ فأعاد معاوية الصَّلاة؟ وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا يدلّ على إجماع الصَّحَابة على أنها من القُرْآن ومن الفاتحة، وعلى أن الأولى الجَهْرُ بقراءتها. فصل في بيان عدد آيات الفاتحة حكي عن الزَّمخشري: الاتفاق على كَوْن الفاتحة سَبْعَ آيات. وحكى ابن عطية قولين آخرين: أحدهما: هي ستّ آيات، فأسقط البَسْمَلَة، وأسقط "أنعمت عليهم". والثاني: أنها ثماني آيات فأثبتهما. قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: رأيت في بعض الروايات الشَّاذة أن الحسن البَصْري - رضي الله تعالى عنه - كان يقول: إنّ هذه السورة ثماني آيات، فأما الرواية المشهورة التي عليها الأكثرون أنها سبع آيات، وبه فسّروا قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} تفسير : [الحجر: 87]. إذا ثبت هذا، فنقول: إنَّ الذين قالوا: إن البَسْمَلَة آية من الفاتحة قالوا: قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] إلى آخرها آية تامة منها. وأما أبو حنيفة - رضي الله عنه - فإنه لما أسقط البَسْمَلَة قال: قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية، وقوله: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} آية أخرى. ودليل الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - أن مقطع قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لا يشابه مقطع الآيات المتقدمّة، ورعاية التَّشابه في المَقَاطع لازم، لأنَّا وجدنا مقاطع القرآن على ضربين: مُتَقَاربة، ومُتَشَاكلة. فالمتقاربة كَسُورَةِ "ق". والمُتشَاكلَة في سورة "القمر"، وقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ليس من القسمين، فامتنع جعله من المَقَاطع. وأيضاً إذا جعلنا قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ابتداء آية، فقد جعلنا أول الآية لفظ "غير"، وهذا اللفظ إمّا أن يكون صفةً لما قبله، أو استثناء مما قبله، والصّفة مع الموصوف كالشَّيءِ الواحد، وكذلك المستثنى مع المستثنى منه كالشيء الواحد، وإيقاع الفَصْل [بينهما] على خلاف الدليل، أما إذا جعلنا قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إلى آخر السورة آية واحدة [كُنّا قَدْ جعلنا الموصوف مع الصّفة، وكذلك المستثنى مع المستثنى منه كلاماً واحداً، وآية واحدة]، وذلك أقرب إلى الدّليل. فَصْلٌ هل البَسْمَلَةُ آية من أوائل السور أم لا؟ وللشافعي قولان: قال ابن الخطيب: "والمُحَقّقون من أصحابنا اتفقوا على أن بسم الله قرآن من سائر السّور، وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من كل سورة، أو هي مع ما بعدها آية". وقال بعض الحنفية: إنّ الشّافعي خالف الإجماع في هذه المسألة؛ لأن أحداً ممن قبله لم يقل: إن بسم الله آية من أوائل سائر السُّور. ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل السور بخطّ القرآن، فوجب كونه قرآناً، واحتج المخالف بما روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في سورة "الملك" إنها ثلاثون آية، وفي سورة "الكوثر" إنها ثلاث آيات، ثم أجمعوا على أنَّ هذا العدد حاصل بدون التسمية، فوجب ألاّ تكون التسمية آية من هذه السّور. والجَوَاب أنا إذا قلنا: بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعدها آية واحدة، فالإشْكَال زائل. فإن قالوا: لما اعترفتم بأنها آية تامةٌ من أول الفاتحة، فكيف يمكنكم أن تقولوا: إنها بعض آية من سائر السور؟ قلنا: هذا غير بعيدٍ، ألا ترى أن قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} آية تامة؟ ثم صار مجموع قوله تعالى: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10] آية واحدة، فكذا ها هنا. وأيضاً فقوله: سورة "الكوثر" ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ثلاث آيات، وأما التسمية فهي كالشّيء المشترك فيه بين جميع السُّور، فسقط هذا السُّؤال، والله أعلم. فصل في الجهر بالتسمية والإسرار بها يروى عن أحمد بن حَنْبَل - رضي الله عنه - أن التسمية آية من الفاتحة إلاّ أنه يُسرّ بها في كل ركعة. وأما الشافعي - رضي الله تعالى عنه - فإنه قال: ليست آية من الفاتحة ويجهر بها. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: ليست آية من الفاتحة، ولا يجهر بها. والاستقراء دلّ على أن السورة الواحدة، إما أن تكون بتمامها سريةً أو جهريةً، وإما أن يكون بعضها سرياً، وبعضها جهرياً، فهذا مفقودٌ في جميع السور، وإذا ثبت هذا كان الجَهْرُ بالتسمية شروعاً في القراءة الجهرية. وقالت الشِّيعة: السُّنة هي الجَهْر بالتسمية، سواء كانت الصلاة [جهرية أو سرية]. والذين قالوا: إن التسمية ليست من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها في المُصْحَف في أول كل سورة، وفيه قولان: الأول: أن التسمية ليست من القرآن، وهؤلاء فريقان: منهم من قال: كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بين السُّور، وهذا الفصل قد صار الآن معلوماً، فلا حاجة إلى إثبات التسمية، فعلى هذا لو لم تكتب لَجَازَ. ومنهم من قال: إنه يجب إثباتها في المُصْحف، ولا يجوز تركها أبداً. والقول الثاني: أنها من لقرآن، وقد أنزلها الله تعالى، ولكنها آية مستقلة بنفسها، وليست بآية من السورة، وهؤلاء أيضاً فريقان: منهم من قال: إن الله - تعالى - كان ينزلها في أول كل سورة على حِدَةٍ. ومنهم من قال: لا، أنزلها مرة واحدة، وأمَرَ بإثباتها في [أول] كل سورة. والذي يدلّ على أن الله - تعالى - أنزلها، وعلى أنها من القرآن ما روي عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد "بسم الله الرحمن الرحيم" آية فاصلةً. وعن إبراهيم بن يزيد قال: قلت لعمرو بن دينار: إنّ الفضل الرقاشي يزعم أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست من القرآن، فقال: سبحان الله ما أَجْرَأَ هذا الرجل! سمعت سعيد بن جُبَيْرٍ يقول: سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: كان النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا أنزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم" على أن تلك السُّورة ختِمَتْ وفُتِحَ غيرها. وعن عبد الله بن المُبارك أنه قال: من ترك "بسم الله الرحمن الرحيم" فقد ترك مائةً وثلاث عشرة آيةً. فَصْلٌ قال ابن الخطيب - رحمه الله -: نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان ينكر كَوْنَ سورة الفاتحة من القرآن الكريم، وكان ينكر كون المُعَوّذتين من القرآن. واعلم أن هذا في غاية الصعوبة؛ لأنا إن قلنا: إن النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة بِكَوْنِ سورة الفاتحة من القرآن، فحينئذٍ كان ابن مسعود - رضي الله عنه - عالماً بذلك فإنكاره يوجب الكُفْر أو نقصان العقل. وإن قلنا: النقل المتواتر ما كان حاصلاً في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال: إن نقل القرآن ليس بمتواترٍ في الأصل، وذلك يخرج القرآن عن كونه حُجَّةً يقينية. والأغلب على الظن أن يقال: هذا المذهب عن ابن مسعود نَقْلٌ كاذِبٌ باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العُقْدَةِ، والله الهادي إلى الصواب، إليه يرجع الأمر كله في الأول والمآب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. صراط الذين أنعمت عليهم أى: مقام الدين. أنعمت عليهم بالمعرفة وهم العارفون، وأنعم على الأولياء بالصدق والرضا واليقين، وأنعم على الأبرار بالحلم والرأفة وأنعم على المريدين بحلاوة الطاعة، وأنعم على المؤمنين بالاستقامة، هذا قول ابن عطاء. وحُكى عن أبى عثمان أنه قال: صراط الذين أنعمت عليهم بأن عَرَّفتهم مهالك الصراط ومكايد الشيطان وخيانة النفس. وحُكى عن محمد بن الفضل أنه قال: صراط الذين أنعمت عليهم لقبول ما افترضت عليهم. وقال أبو الحسن الوراق: صراط الذين أنعمت عليهم بالعناية على الاستقامة فى طريق مناجاتك. وقال بعضهم صراط الذين أنعمت عليهم فى سابق الأزل بالسعادة. وحُكى عن بعض البغداديين أنه قال: مَن أفنيته عن النظر إلى النعمة بدوام التنعم بقربك ومؤانستك. وقال بعضهم: صراط الذين أنعمت عليهم بالنظر إلى جريان ما جرى عليهم فى الأزل فلم يشغلهم كشف ذلك لهم عن الشغل بك. وحُكى عن مالك بن أنس أنه سئل عن قوله {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فقال: متابعة النبى صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: صراط الذين أنعمت عليهم بالإيمان والهداية والتوفيق والرعاية والمراقبة والكلاءة. وقال جعفر بن محمد: صراط الذين أنعمت عليهم بالعلم بك والفهم عنك. وقال بعض البغداديين: صراط الذين أنعمت عليهم بفناء حظوظهم وقيامهم معك حسن الأدب. وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم بمشاهدة المنعم بغير النعمة. وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم بالإسلام ظاهرًا والإيمان باطنًا. قال الله تعالى { أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } تفسير : [لقمان: 20] وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم بإزالة ظلمات الأكوان عن سرائرهم وطهرت أرواحهم بنور قدسك فشاهدوك بهممهم، ولم يشاهدوا معك سواك. وقال محمد بن على: صراط الذين أنعمت عليهم قال الذين زممت جوارحهم بالهيبة عند خدمتك. وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم من غيبك المستتر بأنوار هدايتك. وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم بعبادتك على المشاهدة. كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : أن تعبد الله كأنك تراه ". تفسير : وسُئل سهل بن عبد الله عن قوله صراط الذين أنعمت عليهم قال: متابعة السُّنة. وقيل أيضاً: صراط الذين أنعمت عليهم بأن أذنت لهم فى مناجاتك وسؤالك. أخبرنا نصر بن محمد الأندلسى قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن هلال بن نزار العطار قال: حدثنا الحسن بن محمد بن حيان الفريانى قال: حدثنا أحمد بن عبد الواحد قال: حدثنا محمد بن ميمون قال حدثنا معاذ بن هلال قال: حدثنا إسماعيل بن حسام عن الحسن فى قوله صراط الذين أنعمت عليهم قال: أبو بكر وعمر رضى الله عنهم. قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. قال ابن عطاء: غير المخذولين ولا المطرودين ولا المهانين ولا الضالين الذين ضلوا عن طريق هدايتك ومعرفتك وسبيل ولايتك. وقيل: غير المغضوب عليهم فى طريق الهلكى، ولا الضالين عن طريق الهدى باتباع الهوى. وقيل: غير المغضوب عليهم المستهلكين فى مفاوز الشيطان، ولا الضالين المطرودين عن طاعة الرحمن. وقيل: غير المغضوب عليهم برؤية الأفعال ولا الضالين عن رؤية المنن، وقيل غير المغضوب عليهم بطلب الأعواض على أعمالهم ولا الضالين عن طريق الشكر بتيسير الخدمة عليهم. وقيل: غير المغضوب عليهم بترك حسن الأدب فى أوقات القيام بخدمتك، ولا الضالين عن... فيستغفر وينيب. وقيل: غير المغضوب عليهم بالرياء ولا الضالين بترك السنن فى أركان العبادات. وقال أبو عثمان: غير المغضوب عليهم بترك قراءة هذه السورة فى صلواتهم، ولا الضالين عن ترك قراءتها. وقيل: غير المغضوب عليهم بأن وكلتهم إلى أنفسهم ولا الضالين بقطعك الاعتصام عنهم. وقيل: غير المغضوب عليهم باتباع البدع ولا الضالين عن سنن الهدى والسنة فى قول القائل آمين بعد قراءة هذه السورة فى صلاته والجهر به. وقال ابن عطاء: أى كذلك فافعل ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين. وقال جعفر: آمين أى: قاصدين نحوك وأنت أكرم من أن تجيب قاصدك. وقال الجنيد رحمه الله: معنى آمين أى: عاجزين عن بلوغ الثناء عليك بصفاتنا إلا باتباع محمد الأمين فيه. وقال بعض العراقيين: آمين أى: راجين لإجابة هذه الدعوات التى دعوتك بها. وقال بعضهم مستقيلين من جميع اسؤلَتِنا؛ لأن حسن اختيارك لنا خير من اختيارنا. وقيل: آمين أى: راضين بما قضيت علينا ولنا.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. يعني طريق من أنعمتَ عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهم الأولياء والأصفياء. ويقال طريق من (أفنيتهم) عنهم، وأقمتهم بك لك، حتى لم يقفوا في الطريق، ولم تصدهم عنك خفايا المكر. ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم. ويقال صراط من (طهرتهم) عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك. ويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان، ومغاليط النفوس ومخاييل الظنون، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر (ية). ويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك، والتبري من الحول والقوة، وشهود ما سبق لهم من السعادة في سابق الاختيار، والعلم بتوحيدك فيما تُمضيه من المَسَار والمضار. ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب في أوقات الخدمة، واستشعار نعت الهيبة. ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها عند غلبات (بواده) الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم، ولم يُخِلُّوا بشيء من أحكام الشريعة. ويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم تطفئ شموسُ معارفهم أنوارَ ورعهم ولم يُضيِّعُوا شيئاً من أحكام الشرع. ويقال صراط الذين أنعمتَ عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة. قوله جل ذكره: {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}. المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان، وأدركتهم مصائب الحرمان، وركبتهم سطوة الرد، وغلبتهم بَوَاده الصد والطرد. ويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان، وأصابهم سوء الخسران، فشغلوا في الحال باجتلاب الحظوظ - وهو في التحقيق (شقاء)؛ إذ يحسبون أنهم على شيء، وللحق في شقائهم سر. ويقال هم الذين أنِسُوا بنفحات التقريب زماناً ثم أظهر الحق سبحانه في بابهم شانا؛ بُدِّلوا بالوصول بعاداً، وطمعوا في القرب فلم يجدوا مراداً، أولئك الذين ضلّ سعيُهم، وخاب ظنهم. ويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق، والتعامي عن رؤية التأييد. ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار، وجريان التصاريف والأقدار. ويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة، وتقصيرهم في أداء شروط الطاعة. ويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا في مفاوز الغيبة، وتفرّقت بهم الهموم في أودية وجوه الحسبان. فصل: ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين، والتأمين سُنَّة، ومعناه يا رب افعل واستجب، وكأنه يستدعي بهذه القالة التوفيق للأعمال، والتحقيق للآمال، وتحط رِجْلُه بساحات الافتقار، ويناجي حضرة الكرم بلسان الابتهال، ويتوسل (بتبريه) عن الحول والطاقة والمُنَّة والاستطاعة إلى حضرة الجود. وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} اي منازل الدينَ انُعَمْتَ عليهم بالمعرفة وحسن الادَبَ في الخدمة وايضاً انعت عليهم ابليقين التّام والصّق على الدَّوام واطلاعهم على مكائد النفس والشيطان وكشف غرايب الصّلإات وعجائب انوار الذاتِ والاستقامة في جميع الاحوال وبسعادة الهداية الى القرية بعناية الازلية وهم الانبياء والاولياء والصديقون والمقربون والعارفون والامناءُ والنخباء قال ابو عثمان انعمت عليهم بان عَرّفتَهم مهالك الصّراط ومكائد الشيطانِ وجناية النفسُ قال بعضهم انعم عليهم في سابق الازل بالسعادة وقال جعفر بن محمد انعمت عليهم بالعمل بك والفهم منك وقيل انعمت عليهم بشاهدة المنعم دون والنعمة وقال بعضهم انعمتَ عليهم بالرّضا بقضائك وقَدُرك وقيل انعمت عليهم بمخالفة النفسُ الهوى والاقبال عليك بدوم الوفاء وقال حميد فيما قضيتَه من المضارّ والمسراَ وقال بعضهم بانعمت عليهم بالاقبال عليك والفهم عنك ويقال طريق من اَفُنَيُتهم عنهم طاقتهم بك حتى لم يقفوا في الطريق ولم يسدَّهم عنك خفايا المكر وقيل صراط من انعمت عليهم حتى يُحرسوا من كائد الشيطان ومغاليط النفوس ومخايل الظنون ويقالُ من طهرتَهم من اثارهم حتى وصلوا اليك بك ويقال صارط من انعمت عليهم بالنظر اليك والاستعانة بك والتبرى من الحول والقوّة وشهود ما سبق لَهُم من السعادة في سابق الاختيار والعلم بتَوَحدك فيما قَضَيْنه من المسارّ ولامضار ويقال انعمت عليهم بحفظ -------في اوقات حتى لم يخرجوا عن حد العمل فلم يخلو بشئ من اعد الهيبة ولو يصنعوا من احكام العبودية عند ظهور سلطان الحقيقة وقيل سراط مَن انعمتَ عليهم بل حفظت عليهم أداب اشلريعة واحكامَها الشرع وقيل صراط من انعمت عليهم حتى لو يطف شموسُ معارفهم انوار ورَعهم ولم يغوا من احكام العبودية عند ظهور وسلطان الحقيقة. قوله تعالى {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} يعني المطرودين عن باب العبودية وقال ابو عثمان الذين غَضَبت عليهم وخذلتهم ولم تحفظ قلوبهم حتى تَهَوّدُ وانتصروا وقال الاستاذ الذين صدمتُهم هوازم الخذلان و اركتهم مصايب الحرمان قال ابو العباس الينَورَى وكلتهم الى حَوْلهم وقوتهم وعرّينهم من حولك وقوّتك وقيل هم الذّين لَحِقَهم ذُلّ الهوان واصابهم سؤ الخسران وشَغَلوا في الحلال باجتلاب الحظوظ وهو في التحقيق مَكُرو يسحبون انهم على شئ وللحق في شقاوَتهم سِرّ ولا الضّالين عن شهود وسابق الاختيار وجَرَيان تصاريف الاقدار {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} يعني المفلسين عن نفائس المعرفة وايضا غير المعضوب عليهم بالمكرو والاستدراج والا الضالّين عن انوار السبلُ والمنهاج وايضاً غير المغضوب عليهم بالحجاب ولا الضَالين عن روية المآبُ ايضاً غير المغضوب علهيم بالانفاصل ولا الضالي عن الوِصَال وقال ابن عطا غير المخذولين والمطرودين والمتهانين الذين ضلوا عن الطريق الحقّ وقيل غير المغضوب عليهم في طريق الهلكى ولا الضالين عن طريق الهدى لاتباع الهوى واما في قوله أمين اي استدعاء العارفين مزيدة القربة مع استقامة المعرفة من رب العالمين والافتقار الى الله بنعت الانظار والاقتباس الانوار وايضا قاصدين الى الله بمراتب النوعية والرّهبة وقال ابن عطا اي كذلك فافعل ولا تكلني الى نفسى طرفة عين وقال جعفر آمين قاصدين نحوك واَنْتَ اَعَزُّ من ان تخيبَ قاصِداً.

اسماعيل حقي

تفسير : {صراط الذين انعمت عليهم} بدل من الاول بدل الكل والانعام ايصال النعمة وهى فى الاصل الحالة التى يستلذها الانسان فاطلقت على ما يستلذه من نعمة الدين الحق. قال ابو العباس ابن عطاء هؤلاء المنعم عليهم هم طبقات فالعارفون انعم الله عليهم بالمعرفة والاولياء انعم الله عليهم بالصدق والرضى واليقين والصفوة والابرار انعم الله عليهم بالحلم والرأفة والمريدون انعم الله عليهم بحلاوة الطاعة والمؤمنون انعم الله عليهم بالاستقامة. وقيل هم الانبياء والصديقون والشهداء والصالحون كما قال تعالى {أية : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}تفسير : [النساء: 69] واضيف الصراط هنا الى العباد وفى قوله {أية : وأن هذا صراطي مستقيما}تفسير : [الأَنعام: 153] الى ذاته تعالى كما اضيف الدين والهدى تارة الى الله تعالى نحو {أية : أفغير دين الله} تفسير : [آل عمران: 83] {أية : قل إن الهدى هدى الله}تفسير : [آل عمران: 73] وتارة الى العباد نحو {أية : اليوم أكملت لكم دينكم} تفسير : [المائدة: 3] {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : [الأَنعام: 90] وسره من وجوه. الاول بيان ان ذلك كله له شرعا ولنا نفعا كما قال تعالى {أية : شرع لكم من الدين}تفسير : [الشورى: 13]. والثانى انه له ارتضاء واختيارا ولنا سلوكا وائتمارا. والثالث انه اضافه الى نفسه قطعا لعجب العبد والى العبد تسلية لقلبه. والرابع انه اضافه الى العبد تشريفا له وتقريبا والى نفسه قطعا لطمع ابليس عنه كما قيل لما نزل قوله تعالى {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}تفسير : [المنافقون: 8] قال الشيطان ان لم اقدر على سلب عزة الله ورسوله اسلب عزة المؤمنين فقال الله تعالى {أية : فلله العزة جميعا} تفسير : [فاطر: 10] فقطع طمعه كذا فى التيسير. وتكرار الصراط اشارة الى ان الصراط الحقيقى صراطان من العبد الى الرب ومن الرب الى العبد فالذى من العبد الى الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطع به الرواحل ونادى منادى العزة لاهل العزة الطلب رد والسبيل سد وقاطع الطريق يقطع على هذا الفريق {أية : لأَقعدن لهم صراطك المستقيم} تفسير : [الأعراف: 16] الآية والذى من الرب الى العبد طريق آمن وبالامان كائن قد سلم فيه القوافل وبالنعم محفوف المنازل يسير فيه سيارته ويقاد بالدلائل قادته {أية : مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين}تفسير : [النساء: 69] الآية اى انعم الله على اسرارهم بانوار العناية وعلى ارواحهم باسرار الهداية وعلى قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم فى قمع الهوى وقهر الطبع وحفظ الشرع بالتوفيق والرعاية وفى مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاية. والنعم اما ظاهرة كارسال الرسل وانزال الكتب وتوفيق قبول دعوة الرسل واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس للاوامر والنواهي والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية. واما باطنة وهى ما انعم على ارواحهم فى بداية الفطرة باصابة رشاش نوره كما قال عليه السلام "حديث : ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل"تفسير : فكان فتح باب صراط الله الى العبد من رشاش ذلك النور واول الغيث رش ثم ينسكب فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش الى مشاهدة المغيث وينتظرون الغيث ويستعينون {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم} بجذبات الطافك وفتحت عليهم ابواب فضلك ليهتدوا بك اليك فأصابوا بما اصابهم بك منك كذا فى التأويلات النجمية. قال الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى الفكوك فى تأويل الحديث المذكور لا شك ان الوجود المحض يتعقل فى مقابلته العدم المضاد له فان للعدم تعينا فى التعقل لا محالة وله الظلمة كما ان الوجود له النورانية ولهذا يوصف الممكن بالظلمة فانه يتنور بالوجود فيظهر فظلمته من احد وجهيه الذى يلى العدم وكل نقص يلحق الممكن ويوصف به انما ذلك من احكام النسبة العدمية واليه الاشارة بقوله النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليه من نوره فظهر"تفسير : وخلق ههنا بمعنى التقدير فان التقدير سابق على الايجاد ورش النور كناية عن افاضة الوجود على الممكنات فاعلم ذلك انتهى كلام الشيخ. {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} بدل من الذين على معنى ان المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال. وكلمة غير على ثلاثة اوجه الاول بمعنى المغايرة وفارسيته "جز" قال الله تعالى {أية : لتفترى علينا غيره}تفسير : [الإسراء: 73]. والثانى بمعنى لا وفارسيته "نا" قال تعالى {أية : فمن اضطر غير باغ ولا عاد}تفسير : [البقرة: 173]. والثالث بمعنى الا وفارسيته "مكر" قال تعالى {أية : فما وجدنا فيها غير بيت من المسليمن}تفسير : [الذاريات: 36]. وصرفها ههنا على هذه الوجوه محتمل غير ان معنى الاستثناء مخصوص بقراءة النصب. والغضب ثوران النفس عند ارادة الانتقام يعنى انه حالة نفسانية تحصل عند غليان النفس ودم القلب لشهوة الانتقام وهنا نقيض الرضى او ارادة الانتقام او تحقيق الوعيد او الاخذ الاليم او الطبش الشديد او هتك الاستار والتعذيب بالنار لان القاعدة التفسيرية ان الافعال التى لها اوائل بدايات واواخر غايات اذا لم يمكن اسنادها الى الله باعتبار البدايات يراد بها حين الاسناد غاياتها كالغضب والحياء والتكبر والاستهزاء والغم والفرح والضحك والبشاشة وغيرها والضلال والعدول عن الطريق السوى عمدا او خطأ. والمراد بالمغضوب عليهم العصاة وبالضالين الجاهلون بالله لان المنعم عليهم هم الجامعون بين العلم والعمل فكان المقابل لهم من اختل احدى قوتيه العاقلة والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى فى القاتل عمدا {أية : وغضب الله عليه ولعنه}تفسير : [النساء: 93] والمخل بالعلم جاهل ضال كقوله تعالى {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}تفسير : [يونس: 32] والمغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى فى حقهم {أية : من لعنه الله وغضب عليه}تفسير : [المائدة: 60] والضالون النصارى لقوله تعالى فى حقهم {أية : قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا}تفسير : [المائدة: 77] وليس المراد تخصيص نسبة الغضب باليهود ونسبة الضلال بالنصارى لان الغضب قد نسب ايضا الى النصارى وكذا الضلال قد نسب الى اليهود فى القرآن بل المراد انهما اذا تقابلا فالتعبير بالغضب الذى هو ارادة الانتقام لا محالة باليهود فى القرآن بل المراد انهما اذا تقابلا فالتعبير الذي هو ارادة الانتقام لا محالة باليهود أليق لغاية تمردهم فى كفرهم من اعتدائهم وقتلهم الانبياء وقولهم {أية : قالوا إن الله فقير ونحن أغيناء}تفسير : [آل عمران: 181] وغير ذلك. فان قلت من المعلوم ان المنعم عليهم غير الفريقين فما الفائدة فى ذكرهما بعدهم. قلت فائدته وصف ايمانهم بكمال الخوف من حال الطائفتين بعد وصفه بكمال الرجاء في قوله {الذين انعمت عليهم} قال عليه السلام "حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ". تفسير : واعلم ان حكم الغضب الالهى تكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه المقدستين يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى فالارض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه فلليد الواحدة المضاف اليها عموم السعداء الرحمة والحنان وللاخرى القهر والغضب ولوازمهما فسر حكم الغضب هو التكميل المشار اليه فى الجمع بين حكم اليدين والوقاية ولصاحب الاكلة اذا ظهرت فى عضو واحد وقدر أن يكون الطبيب والده او صديقه او شقيقه فانه مع فرط محبته يبادر لقطع العضو المعتل لما لم يكن فيه قابلية الصلاح والسر الثالث التطهير كالذهب الممزوج بالرصاص والنحاس اذا قصد تمييزه لا بد وان يجعل فى النار الشديدة والضلال هو الحيرة فمنها ما هى مذمومة ومناه ما هى محمودة ولها ثلاث مراتب حيرة اهل البدايات وحيرة المتوسطين من اهل الكشف والحجاب وحيرة اكابر المحققين واول مزيل للحيرة الاولى تعين المطلب المرجح كرضى الله والتقرب اليه والشهود الذاتي ثم معرفة الطريق الموصل كملازمة شريعة الكمل ثم السبب المحصل كالمرشد ثم ما يمكن الاستعانة به فى تحصيل الغرض من الذكر والفكر وغيرهما ثم معرفة العوائق وكيفية ازالتها كالنفس والشيطان فاذا تعينت هذه الامور الخمسة حينئذ تزول هذه الحيرة وحيرة الاكابر محمودة لا تظنن ان هذه الحيرة سببها قصور فى الادراك ونقص مانع من كمال الجلاء هنا والاستجلاء لما هناك بل هذه حيرة يظهر حكمها بعد كمال التحقق بالمعرفة والشهود ومعاينة سر كل وجود والاطلاع التام على احدية الوجود. وفى تفسير النجم {أية : غير المغضوب عليهم ولا الضالين} تفسير : [الفاتحة: 7] هم الذين اخطأهم ذلك النور فضلوا فى تيه هوى النفس وتاهوا فى ظلمات الطبع والتقليد فغضب الله عليهم مثل اليهود ولعنهم بالطرد والتبعيد حتى لم يهتدوا الى الشرع القويم ووقعوا عن الصراط المستقيم اى عن المرتبة الانسانية التى خلق فيها الانسان فى احسن تقويم ومسخوا قردة وخنازير صورة أو معنى او لما وقعوا عن الصراط المستقيم فى سد البشرية نسوا ألطاف الربوبية وضلوا عن صراط التوحيد فاخذهم الشيطان بشرك الشرك كالنصارى فاتخذوا الهوى الها والدنيا الها وقالوا {أية : ثالث ثلاثة} تفسير : [المائدة: 73] {أية : نسوا الله فنسيهم}تفسير : [التوبة: 67] هذا بحسب اول الحال وفيه وجه آخر معتبر فيه عارض المآل وهوان يراد غير المغضوب عليهم بالغيبة بعد الحضور والمحنة بعد السرور والظلمة غب النور نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى من الرجوع الى النقصان بعد الزيادة ولا الضالين بغلبة الفسق والفجور وانقلاب السرورة بالشرور ووجه ثالث يعبر فى السلوك الى ملك الملوك وهو غير المغضوب عليهم بالاحتباس فى المنازل والانقطاع عن القوافل ولا الضالين بالصدود عن المقصود {أية : آمّين}تفسير : [المائدة: 2] اسم فعل بمعنى استجب معناه يا الله استجب دعاءنا او افعل يا رب بنى على الفتح كأين وكيف لالتقاء الساكنين وليست من القرآن اتفاقا لانها لم تكتب فى الامام ولم ينقل احد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضى الله تعالى عنهم أنها قرآن لكن يسن ان يقول القارئ بعد الفاتحة آمين مفصولة عنها لقوله عليه السلام "حديث : علمنى جبريل آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة وقال انه كالختم على الكتاب"تفسير : وزاده على رضى الله عنه توضيحا فقال [آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عبده] فسره ان الخاتم كما يمنع عن المختوم الاطلاع عليه والتصرف فيه يمنع آمين عن دعاء العبد الخيبة. وقال وهب يخلق بكل حرف منه ملك يقول اللهم اغفر لمن قال آمين وفى الحديث "حديث : الداعى والمؤمن شريكان"تفسير : يعنى به قوله تعالى {أية : قد أجيبت دعوتكما}تفسير : [يونس: 89] قال عليه السلام "حديث : اذا قال الامام ولا الضالين فقولوا آمين فان الملائكة تقولها فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه "تفسير : وسره ما مر فى كلام وهب اما الموافقة فقيل فى الزمان وقيل فى الاخلاص والتوجه الاحدى. واختلف فى هؤلاء الملائكة قيل هم الحفظة وقيل غيرهم ويعضده ما روى انه عليه السلام قال "حديث : فان من وافق قوله قول اهل السماء"تفسير : ويمكن ان يجمع بين القولين بان يقولها الحفظة واهل السماء ايضا. قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة ان الفاتحة نسخة الكمال لمن اخرج للاستكمال من ظلمة العدم والاستهلاك فى نور القدم الى انوار الروحانية ثم بواسطة النفخ الى عالم الجسمانية ليكمل مرتبة الانسانية التى لجمعيتها مظنة الانانية فاحتاج الى طلب الهداية الى منهاج العناية التى منها جاء ليرجع من الوجود الى العدم بل من الحدوث الى القدم فيفقد الموجود فقدانا لا يجده ليجد المفقود وجدانا لا يفقده ولما حصل لهم رتبة الكمال بقبول هذا السؤال كما قال ولعبدى ما سأل فاضافه الى نفسه بلام التمليك ثم ختم اكرم الا كرمين نسخة حالهم بخاتم آمين اشارة الى ان عباده المخلصين ليس لاحد من العالمين ان يتصرف فيهم بان يفك خاتم رب العالمين ولهذا ايس ابليس فقال {أية : إلا عبادك منهم المخلصين}تفسير : [الحجر: 40] وعدد آيات سورة الفاتحة سبع فى قول الجمهور على ان احداها ما آخرها انعمت عليهم لا التسمية او بالعكس وعدد كلماتها، ففى التيسير انها خمس وعشرون وحروفها مائة وثلاثة وعشرون. وفى عين المعانى كلماتها سبع وعشرون وحروفها مائة واثنان واربعون وسبب الاختلاف بعد عدم إعتبار البسملة اعتبار الكلمات المنفصلة كتابة او المستقلة تلفظا واعتبار الحروف الملفوظة او المكتوبة او غيرهما. وسئل عطاء أى وقت انزلت فاتحة الكتاب قال انزلت بمكة يوم الجمعة كرامة اكرم الله بها محمد عليه السلام وكان معها سبعة آلاف ملك حين نزل بها جبريل على محمد عليهما السلام. روى ان عيرا قدمت من الشام لابى جهل بمال عظيم وهى سبع فرق ورسول الله واصحابه ينظرون اليها واكثر الصحابة بهم جوع وعرى فخطر ببال النبى صلى الله عليه وسلم شئ لحاجة اصحابه فنزل قوله تعالى {أية : ولقد ءاتيناك سبعا من المثانى}تفسير : [الحجر: 87] اى مكان سبع قوافل لابى جهل لا ينظر الى ما اعطيناك مع جلالة هذه العطية فلم تنظر الى ما اعطيته من متاع الدنيا الدنية ولما علم الله ان تمنيه لم يكن لنفسه بل لاصحابه قال {أية : ولا تحزن عليهم}تفسير : [النحل: 127] وامره بما يزيد نفعه على نفع المال فقال {أية : واخفض جناحك للمؤمنين}تفسير : [الحجر: 88] فان تواضعك اطيب لقلوبهم من ظفرهم بمحبوبهم ومن فضائلها ايضا قوله عليه السلام "حديث : لو كانت فى التوراة لما تهود قوم موسى ولو كانت فى الانجيل لما تنصر قوم عيسى ولو كانت فى الزبور لما مسخ قوم داود عليهم السلام وأيما مسلم قرأها اعطاه الله من الاجر كانما قرأ القرآن كله وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة"تفسير : ومن فضائلها ايضا ان الحروف المعجمة فيها اثنان وعشرون واعوان النبى صلى الله عليه وسلم بعد الوحى اثنان وعشرون وان ليست فيها سبعة احرف ثاء الثبور وجيم الجحيم وخاء الخوف وزاى الزقوم وشين الشقاوة وظاء الظلمة وفاء الفراق فمعتقد هذه السورة وقارئها على التعظيم والحرمة آمن من هذه الاشياء السبعة. وعن حذيفة رضى الله عنه انه عليه السلام قال "حديث : ان القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبى من صبيانهم فى المكتب الحمد لله رب العالمين فيسمعه ويرفع عنهم بسببه العذاب اربعين سنة"تفسير : وقد مر ما روى من ايداع علوم جميع الكتب فى القرآن ثم فى الفاتحة فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكل ومن قرأها فكأنما قرأ الكل. قال تفسير الكبير والسبب ان المقصود من جميع الكتب علم الاصول والفروع والمكاشفات وقد علم اشتمالها عليها. قال الفنارى وذلك لما علم ان اولها الى قوله تعالى {أية : مالك يوم الدين}تفسير : [الفاتحة: 4]. اشارة الى العقائد المبدئية المتعلقة بالإلهيات ذاتا وصفة وفعلا لان حصر الحمد يقتضى حصر الكمالات الذاتية والوصفية والفعلية ثم بالنبوات والولايات لانهما اجلاء النعم او اخصاؤها ثم الى العقائد المعادية لكونه مالكا للامر كله يوم المعاد واوسطها من قوله {اياك نعبد واياك نستعين} الى اقسام الاحكام الرابطة بين الحق والعبد من العبادات وذلك ظاهر من المعاملات والمزاجر لان الاستعانة الشرعية اما لجلب المنافع او لدفع المضار وآخرها الى طلب المؤمن وجوه الهداية المرتبة على الايمان المشار اليه فى القسم الاول والاسلام المشار اليه فى القسم الثانى وهى وجوه الاحسان اعنى المراتب الثلاث من الالخلاق الروحانية المحمودة ثم المراقبات المعهودة فى قوله عليه السلام "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه "تفسير : ثم الكمالات المشهودة عند الاستغراق فى مطالع الجلال الرافع لكاف التشبيه الذى فى ذلك الخبر والدافع لغضب تنزيه الجبر وضلال نسبة القدر وهذه هى المسماة بعلوم المكاشفات والله اعلم باسرار كلية المبطنات.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {صراط} بدل من الأول - بدل الكل من الكل - وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته: التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة، على آكد وجه وأبلغه؛ لأنه جعله كالتفسير والبيان له، فكأنه من البيِّن الذي لا خفاء فيه، وأن الصراط المستقيم ما يكون طريق المؤمنين، و {غير المغضوب عليهم} بدل من {الذين} على معنى أن المُنْعَمَ عليهم هم الذي سَلِمُوا من الغضب والضلال. أو صفة له مُبيَّنة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وذلك إنما يصح بأحد تأويلين: إجراء الموصول مجرى النكرة، إذ لم يُقصد به معهود كالمعرَّف في قوله: شعر : ولَقَد أَمُرُ علُى اللئيم يَسُبنّي تفسير : أو يُجعل {غير} مَعْرِفةً؛ لأنه أُضيف إلى مآلَهُ ضدٍّ واحد، وهو المنعمُ عليه، فيتعينُ تَعيُّن الحركة غير السكون، وإلا لزِم عليه نعت المعرفة بالنكرة. فتأملْهُ. والغضبُ: ثَوَرانُ النفس إرادةَ الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد غايته وهو العقوبة، و {عليهم} نائب فاعل: و {لا} مَزيدة لتأكيد ما في {غير} من معنى النفي، فكأنه قال: ولا المغضوب عليهم ولا الضالين، وقرأ عمرُ رضي الله عنه: {وغير الضالين}، والضلال: والعدول عن الطريق السوي عمداً أو خطأً، وله عرض عَريضٌ والتفاوت بين أدناه وأقصاه كبير. قاله البيضاوي. وإنما أَسند النعمة إلى الله والغضبَ إلى المجهول تعليماً للأدب،{أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ...}تفسير : [النِّساء: 79] الآية. يقول الحقّ جلّ جلاله في تفسير الطريق المستقيم: هو طريق الذين أنعمتُ عليهم بالهداية والاستقامة، والمعرفة العامة والخاصة، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والمُنعَم عليهم في الآية مطلق، يصدق كل منعَم عليه بالمعرفة والاستقامة في دينه، كالصحابة وأضرابِهِمْ، وقيل: المراد بهم أصحاب سيّيدنا موسى عليه السلام قبل التحريف. وقيل: أصحاب سيدنا عيسى قبل التغيير. والتحقيق أنه عام. قال البيضاوي: ونِعَمُ الله وإن كانت لا تُحصى كما قال الله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}تفسير : [إبراهيم: 34] تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي. فالأول: وهو الدنيوي - قسمان: موهبي وكَسْبِي، والموهبي قسمان: رُوحاني، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي، كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء. والكسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحُلي المستحسنة، وحصول الجاه والمال. والثاني: وهو الأُخروي: أن يغفر له ما فَرَطَ منه ويرضى عنه ويُبوأهُ في أعلى علِّيين، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، والمراد القسمُ الأخير، وما يكون وُصْلة إلى نيله من القسم الأول، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن والكافر. هـ. قال ابن جُزَيّ: النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام، دنيوية: كالصحة والعافية والمال الحلال. ودينية: كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخرويةٌ: كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل: وقال أيضاً: والناس في الشكر على مقامين: منهم مَن يشكر على النعم الواصلة إليه، الخاصة به، ومنهم مَن يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم. والشكر على ثلاث درجات: فدرجة العوام، الشكر على النعم، ودرجة الخواص: الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المُنعم. قال رجل لإبراهيم بن أدهَمَ رضي الله عنه: الفقراء إذا أُعْطُوا شَكَرُوا وإذا مُنعوا صَبَبروا، فقال إبراهيم: هذه أخلاقُ الكلاب، ولكن القومَ إذا مُنِعوا شكروا وإذا أُعْطُوا آثروا. هـ. ثم احترس من الطريق غير المستقيمة، فقال: {غير المغضوب عليهم} أي: غير طريق الذين غضبت عليهم، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها، بل سلَّمنَا من مواردها. والمراد بهم: اليهود، كذا فسرها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويَصْدُقُ بحسب العموم على كل من غضب الله عليهم، {ولا الضالين} أي: ولا طريق الضالين، أي: التالفين عن الحق، وهم النصارى كما قال صلى الله عليه وسلم. والتفسيران مأخوذان من كتاب الله تعالى. قال تعالى في شأن اليهود: {أية : فَبَآءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}تفسير : [البَقَرَة: 90]، وقال في حق النصارى: {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ}تفسير : [المَائدة: 77}. واعلم أن الحق - سبحانه - قسم خلقه على ثلاثة أقسام: قسم أعدَّهم للكرم والإحسان، ليُظْهِرَ فيهم اسم الكريم أو الرحيم، وهو المنعم عليه بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدَّهم للانتقام والغضب، ليُظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار، وهم المغضوب وعليهم والضالون عن طريق الحق عقلاً أو عملاً، وهم الكفار، وقسم أعدَّهم الله للحِلْم والعفو، ليُظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو، وهم أهل العصيان من المؤمنين. فمن رَامَ أن يكونَ الوجودُ خالياً من هذه الأقسام الثلاثة، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها، فهو جاهل بالله وبأسمائه؛ إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي، من كرم وقهرية وحِلْم وغير ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: الطريق المستقيم التي أمرنا الحق بطلبها هي: طريق الوصول إلى الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص، الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد، وليس فوقه إلا مقامُ توحيد الأنبياء والرسل، ولا بد فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير، قد سلك المقامات ذوقاً وكشفاً، وحاز مقام الفناء والبقاء، وجمع بين الجذب والسلوك؛ لأن الطريق عويص، قليلٌ خُطَّارُهُ، كثيرٌ قُطَّاعُه، وشيطانُ هذا الطريق فَقِيهٌ بمقاماته ونوازِله، فلا بد فيه من دليل، وإلا ضلّ سالكها عن سواء السبيل، وإلا هذا المعنى أشار ابن البنا، حيث قال: شعر : وَإِنَّمَا القَوْمُ مُسَافِرُونَ لِحَضْرَةِ الْحَقِّ وَظَاعِنُونَ فَافْتَقَرُوا فِيهِ إلَى دَلِيل ذِي بَصَرٍ بالسَّيْرِ وَالْمَقِيلِ قَدْ سَلَكَ الطَّرِيقَ ثُمَّ عَادَ لِيُخْبِرَ الْقَوْمَ بِمَا اسْتَفَادَ تفسير : وقال في لطائف المنن: (من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الأتباع، ويكشف له عن قلبه القناع، فهو في هذا الشأن لَقيطٌ لا أب له، دَعِيٍّ لا نَسَبَ له، فإن يكن له نور فالغالب غلبة الحال عليه، والغالب عليه وقوفه مع ما يرد من الله إليه، لم تَرْضْهُ سياسةُ التأديب والتهذيب، ولم يَقُدْهُ زمَانمُ التربية والتدريب)، فهذا الطريق الذي ذكرنا هو الذي يستشعره القارئ للفاتحة عند قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} مع الترقي الذي ذكره الشيخ أو العباس المرسي رضي الله عنه المتقدم، وإذا قرأ {صراط الذين أنعمت عليهم} استشعر، أَيْ: أنعمتَ عليهم بالوصول والتمكين في معرفتك. وقال الورتجبي: اهدنا مُرَادَك مِنَّا؛ لأن الصراط المستقيم ما أراد الحق من الخلق، من الصدق والإخلاص في عبوديته وخدمته. ثم قال: وقيل: اهدنا هُدَى العِيَانِ بعد البيان، لتستقيم لك حسب إرادتِك. وقيل: اهدنا هُدَى مَنْ يكون منك مبدؤه ليكون إليك منتهاه. ثم قال: وقال بعضهم: اهدنا، أي: ثبِّتْنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه، منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال: وقال بعضهم: اهدنا، أي: ثبِّتْنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، وهو الطريق المستقيم والمنهاج القويم {صراط الذين أنعمت عليهم} أي: منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال: {غير المغضوب عليهم} يعني: المطرودين عن باب العبودية، {ولا الضالين} يعني المُفْلِسين عن نفائس المعرفة. هـ. قلت: والأحسن أن يقال: {غير المغضوب عليهم} هم الذين أَوْقَفَهُمْ عن السير اتباعُ الحظوظ والشهوات، فأوقعهم في مَهَاوِي العصيان والمخالفات، {ولا الضالين} هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفُذْ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد والبرهان، وهو ضلال عند أهل الشهود والعِيان، ولو بلغ في الصلاح غايةَ الإمكان. وقال في الإحياء: إذا قلت: {بسم الله الرحمن الرحيم} فافْهَمْ أن الأمور كلها بالله، وأن المراد ها هنا المُسمَّى، وإذا كانت الأمورُ كلها بالله فلا جرَم أنَّ الحمد كله لله، ثم قال: وإذا قلت: {الرحمن الرحيم} فأحضرْ في قلبك أنواعَ لطفه لتتفتحَ لك رحمتُه فينبعث به رجاؤُك، ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف من قولك: {يوم الدين}. ثم قال: ثم جَدَّد الإخلاص بقولك: {إياك نعبد}. وجدَّد العجز والاحتياج والتبرِّيَ من الحوْل والقوة بقولك: {وإياك نستعين}، ثم اطلب اسم حاجتك، وقل: {اهدنا الصراط المستقيم} الذي يسوقنا إلى جوارك ويُفضي بنا إلى مرضاتك، وزِدْهُ شرحاً وتفصيلاً وتأكيداً، واستشهد بالذين أفاض عليهم نعم الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين واليهود والنصارى والصابئين. هـ. ملخصاً. وقال القشيري: قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} الأمر في هذه الآية مضمر، أي: قولوا: اهدنا. والصراط المستقيم: طريق الحق، وهو ما عليه أهل التوحيد، أي: أرشدْنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، فيقعَ على وجه التوحيد غُبَارُ الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك، ثم قال: {صراط الذين أنعمت عليهم} أي: الواصلين بك إليك، ثم قال: {غير المغضوب عليهم} بنسيان التوفيق والتَّعامِي عن رؤية التأييد، {ولا الضالين} عن شهودِ سابقِ الاختيار، وجريان تصاريف الأقدار. هـ.

الطوسي

تفسير : الاعراب: أجمع المفسرون والقراء على جر {غير} لأنها نعت للذين، وانما جاز أن تكون نعتاً للذين، والذين معرفة وغير نكرة لأن الذين بصلتها ليست بالمعرفة كالأسماء المعية التي هي أعلام كزيد وعمرو وانما هي كالنكرات اذا عرّفت كالرجل والبعير فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك ايضاً وجاز ان تكون نعتاً للذين، كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل، ولو كانت بمنزلة الأعلام لما جاز، كما لم يجز في قولهم: مررت بزيد غير الظريف، فلا يجرها على انها نعت، وان نصبتها في مثل هذا جاز على الحال. ويحتمل ايضاً ان تكون مجرورة لتكرير العامل الذي خفض الذين فكأنك قلت: صراط الذين انعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم ويتقارب معناهما لأن الذين انعمت عليهم هم الذين لم يغضب عليهم وقرىء في الشواذ غير المغضوب عليهم بالنصب، ووجهها ان تكون صفة للهاء والميم اللتين في عليهم، العائدة على الذين؛ لانها وان خفضت بعلى فهي موضع نصب بوقوع الانعام عليها، ويجوز ان يكون نصباً على الحال وقال الاخفش والزجّاج: انها نصب على وجه الاستثناء من معاني صفة الذين أنعمت عليهم، وتقديره: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في اديانهم فلا تجعلنا منهم، ويكون استثناء من غير جنس كما قال النابغة للذبياني: شعر : وقفت فيها أصيلا لا اسائلها أعيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الاواري لأيا ما ابينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وقال الفرّاء: وتغلب هذا خطأ، لأنه لو كان كذلك لما قال: ولا الضالين لأن لا نفي وجحد. ولا يعطف على جحد إلا بجحد، ولا يعطف بالجحد على الاستثناء وانما يعطف بالاستثناء على استثناء وبالجحد على الجحد. يقولون قام القوم إلا أخاك وإلا أباك ولا قام أخوك ولا أبوك، ولا يقولون ما قام القوم إلا أخاك ولا أباك، فعلى هذا تكون {غير} بمعنى: لا فكأنه قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين. قال الرماني: من نصب على الاستثناء جعل لا صلة، كما انشد ابو عبيدة شعر : في بئر لا حور سرى وما شعر تفسير : أي في بئر هلكة. {والمغضوب عليهم} هم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام، لأنه تعالى قد أخبر انه غضب عليهم وجعل فيهم القردة والخنازير، {ولا الضالين} هم النصارى لأنه قال: {أية : وضلوا عن سواء السبيل} تفسير : وقال {لعن الذين كفروا} يعني النصارى. وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال بعضهم لا: زائدة تقديره: غير المغضوب عليهم والضالين كما قال: {أية : ما منعك أن لا تسجد} تفسير : أي معناه أن تسجد قال ابو النجم: شعر : فما ألوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشِّمط القفندرا تفسير : يعني أن تسخر. وتكون غير بمعنى سوى. وقد بينا ضعف هذا عند الكوفيين لما مضى، ولأنه انما يجوز ذلك اذا تقدمه نفي كقول الشاعر: شعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان ابو بكر ولا عمر تفسير : واما الغضب من الله فهو ارادة العقاب المستحق بهم، ولعنهم وبراءته منهم واصل الغضب الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل المخالفة له ورجل غضوب شديد الغضب والغضوب الحية الخبيثة لشدتها والغضوب الناقة العبوس واصل الضلال الهلاك ومنه قوله {أإذا ضللنا في الأرض} أي هلكنا ومنه قوله تعالى {وأضل أعمالهم} أي أهلكها. والضلال في الدين الذهاب عن الحق والاضلال الدعاء إلى الضلال والحمل عليه ومنه قوله تعالى: {أية : وأضلهم السامري} تفسير : والاضلال الاخذ بالعاصين إلى النار والاضلال الحكم بالضلال والاضلال التحيير بالضلال بالتشكيك لتعدل عنه. واليهود ـ وان كانوا ضلالا ـ والنصارى ـ وان كانوا مغضوباً عليهم - فانما خص الله تعالى كل فريق منهم بسمة يعرف بها ويميز بينه وبين غيره بها وان كانوا مشتركين في صفات كثيرة وقيل انه أراد بـ {المغضوب عليهم ولا الضالين} جميع الكفار وانما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين وروى جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال الله تعالى: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فله ما سأل فاذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي واذا قال الرحمن الرحيم قال أَثنى عليّ عبدي، واذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي ثم قال هذا لي وله ما بقي " تفسير : ولا يجوز عندنا ان يقول القارىء عند خاتمة الحمد: آمين فان قال ذلك في الصلاة متعمداً بطلت صلاته لانه كلام لا يتعلق بالصلاة، ولأنه كلام لا يستقل بنفسه وانما يفيد اذا كان تأميناً على ما تقدم ومتى قصد بما تقدم الدعاء لم يكن تالياً للقرآن، فتبطل صلاته وان قصد التلاوة لا يكون داعياً فلا يصح التأمين وان قصدهما فعند كثير من الاصوليين ان المعنيين المختلفين لا يصح ان يردا بلفظ واحد ومن اجاز ذلك ـ وهو الصحيح ـ منع منه لقيام الدلالة على المنع من ذلك فلأجل ذلك لم يجز.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قوله جل اسمه: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} صفة للأول أو بدلٌ عنه بدل الكلّ والفرق بين الصفة والبدل، أنّ البدل في حكم تكرير العامل من حيث انّه المقصود بالنسبة، كتكرير الجار في قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} تفسير : [الأعراف:75]. بخلاف الصفة، فكأنّه قال: اهدنَا صراطَ الذين أنعمت عليهم. وفائدته التوكيد المنفهم من التثنية، والتنصيص على أنّ طريق المؤمنين هو المشهود عليه بالاستقامة المُفضي لسالكه إلى المطلوب على أبلغ وجه وآكده، فإنّك إذا قلت مثلاً: "هل ادلّك على أعلم الناس وأفضلهم؛ فلان" فكأنّك قد ثنّيت ذكرَه أولاً إجمالاً، وثانياً تفصيلاً، وجعلت اسمه كالتفسير والبيان لنعته المذكور، أولاً إشعاراً بأنّه من البيّن الذي لا خفاء فيه، فجعلته علَماً في العِلم والفضيلة فيكون ذلك أبلغ من قولك: هل أدلّك على فلانٍ الأعلم الأفضل. فها هنا قد وقع الإشعار بأن الطريق المنعوت بالاستقامة هو طريق المؤمنين المنعَم عليهم على أبلغ الوجوه وآكده. و "الذين" موصول و "أنعمت عليهم" صلته. وقد تمّ بها إسماً مفرداً يكون في موضع الجرّ باضافة صراطٍ اليه، ولا يقال في موضع الرفع "اللذون" لأنّه اسم غير متمكّن. وقد حكى ذلك شاذاً، كما حكي "الشياطون" في حال الرفع، وقرأ عمر بن الخطاب وعمرو بن عبد الله الزبيري: صراط من أنعمت عليهم، وهو المروي عن أهل بيت النبيّ عليه وعليهم السلام. وقيل: المراد بالمنعَم عليهم هم الأنبياء. وقيل: النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). وعن ابن عباس: هم أصحاب موسى (عليه السلام). وقيل: أصحاب موسى وعيسى (عليهما السلام) قبل التحريف والنسخ. وقرأ ابن مسعود: صراطَ من أنعمت عليهم. وأصل النَعمة، هي الحالة التي يستلذّها الإنسان، فاطلقت لما يستلذّه من النَعمة وهي اللّين. وفي مجمع البيان: أصلها المبالغة والزيادة يقال دققت الدواء فأنعمت دقّة. وأما ما يراد في العرف من النعمة، ويسمى به، فكلّ خير ولذّة وسعادة، بل كلّ مطلوب ومؤثَر يسمّى نَعمةً عند الناس، وهذه تختلف بالإضافة، فَرُبّ نعيم لأحد يكون أليماً لآخر. وأما النعمة الحقيقية، فهي السعادة الأخرويّة، وأصلها المعرفة بالله وملكوته، ولها صورةٌ وروحٌ وسرٌّ، فصورتها الإسلام والإذعان، وروحها الايمان والإحسان، وسرّها التوحيد والايقان. فحكم الاسلام متعلّقٌ بظاهر الدنيا، والايمان بباطنها وباطن النشأة الظاهرة، والإحسان للحكم البرزخي ونشأته، وإليه الاشارة بقوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنكَ تَراهتفسير : ، هذا هو المشهود في الاستحضار البرزخي، وسرّ التوحيد وعين اليقين مختصّ بالآخرة، فافهم ما أدرجتُ لك من أسرار الشريعة في طيّ هذه الكلمات الوجيزة، تعلم أنّ كلّ شيء فيه كلّ شيء والله المرشد. وقد يكون اسم النعمة لغيرها صدقاً، ولكن من حيث يفضي إلى النعمة الحقيقيّة من الأسباب المعينة واللذّات المسماة نعمة مما نوضحها ونشرحها بهذه التقاسيم. القسمة الأولى: إن الأشياء كلّها بالاضافة إلينا على أربعة اقسام: الضروري النافع، والنافع الغير الضروري، وعكسه، والذي لا ضرورة فيه ولا نفع. أما الأول: فهو إما في الدنيا، وهو كالنَفس، فإنه لو انقطع منك لحظةً واحدة مات القلبُ. وإما في الآخرة، وهو معرفةُ الله فإنها إن زالت عن القلب المعنوي لحظة مات القلبُ واستوجب العذاب الابدي. وأما الثاني: فهو كالمال في الدنيا، وسائر العلوم والمعارف في الآخرة. وأما الثالث: فهو كالمضارُ التي لا بدّ منها، كالموت والهرم والمرض، ولا نظير لهذا القسم في الآخرة، فإن منافع تلك الدار لا يلزمها شيء من المضارّ. وأما الرابع: فهو كالفقر في الدنيا، والجهل والعذاب في الآخرة. إذا عرفت هذا التقسيم فنقول: أعظم نِعَم الله علينا الهداية بالمعرفة، فإنّا قد ذكرنا أنّه كما انّ النَفَس في الدنيا ضروريٌّ نافع، وبانقطاعه يموت القلب، فكذا المعرفة في الآخرة، فلو زالت عن القلب لحظة لهلَك، لكن الموت الأول أسهل من الثاني، لأنّه لا يتألّم فيه إلا ساعة واحدة، وأما الموت الثاني فإنّه يبقى أبد الآباد فأى نعمة أعظم وأشرف من نعمة الايمان. ثمَّ ها هنا دقيقة؛ لا تخفى عليك انّه كما انّ التنفّس له أثران: إدخال النسيم الطيّب على القلب، وإبقاء اعتداله وسلامته، وإخراج الهواء الفاسد الردي الحارّ المحترق عن القلب؛ كذلك الفكر، له أثران: أحدهما: ايصال نسيم الحجّة وروح البرهان وبرْد اليقين الى القلب الحقيقي، وابقاء اعتدال الايمان والمعرفة عليه، والثاني: إخراج الأهوية الفاسدة والإعتقادات المؤلمة المتولَّدة من نيران الشبهات عنه، وما ذلك إلاّ بأن يعرف أنّ هذه المحسوسات الدنيويّة فانية منتهية إلى الفناء بعد وجودها، فمَن وقفَ على هذا علم إنّ أجلّ ما أنعمه الله على عبده، تجريده عن المحسوسات، وتنوير قلبه بالمعارف الإلهيات. الثانية: إنّ الأمور كلّها بالنسبة إلينا تنقسم الى ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعاً كالعلم وحُسْن الخُلْق، وإلى ما هو ضار فيهما كالجهل وسوء الخُلْق، وإلى ما ينفع في الحال ويضرّ في المآل كالتلذّذ باتّباع الشهوات، وإلى ما هو عكس ذلك كقمْع الشهوات ومخالفة النفْس. الثالثة: إعلم أنّ النعم والخيرات باعتبار آخر، تنقسم الى ما هي مؤثَرة لِذَاتها، وإلى ما هي مؤثَرةٌ لغيرها، وإلى ما هي مؤثرة لذاتها ولغيرها. فالأول: كلذّة النظر إلى وجه الله، وسعادة لقائه، وبالجملة سعادة الآخرة التي لا انقضاء لها، فإنّها لا تُطلب ليُتوصّل بها الى غاية اخرى مقصودةٍ وراءَها، بل تطلب لِذَاتِها. والثاني: كالدراهم والدنانير، إذ لا فائدة فيها إلاّ كونها وسيلةً لأمر آخر. الثالث: كالصّحة والسلامة، فإنّها تقصد ليقدر بسببها على التفكّر والتذكّر الموصلَين الى لقاء الله، وليتوصّل بها إلى الذّات الدنيا، وتقصد أيضاً لِذاتِها، فإنّ الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي يراد سلامة الرِجْل لأجله، فيريد أيضاً سلامة الرِجْل من حيث إنّها سلامة، لأنها أمر وجودي بلا ضرر، فيكون مطلوباً، إذ الوجود الذي لا ضرر فيه خيرٌ محض مؤثر لذاته. فاذن المؤثر لِذَاتِهِ فقط هو الخير والنعمة تحقيقاً، وما يؤثَر لذاته ولغيره فهو نعمة أيضاً، ولكن دون الأول، إذ المؤثَر لأجل أمر آخر لا يخلو من نقص، لأن ما لا نقص له أصلاً لو أريد لشيء آخر - ولو بوجه - لكان ذلك الشيء خيراً منه من ذلك الوجه، فلم يكن بريئاً من كل نقص بكلّ وجهٍ، وقد فرضنا كذلك وهذا خُلْفٌ، وأما ما لا يؤثَر إلا لغيره كالنقدين، فلا يوصفان في أنفسهما من حيث إنّهما جوهران بأنّهما نعمة، بل من حيث هما وسيلتان، وربما لا يكونان وسيلة في حق بعض بل بلاء وآفة، فلا يكونان نعمة، وكذلك أمور هذا العالَم. الرابعة: إنّ الخيرات باعتبار آخر، تنقسم إلى نافعٍ وجميلٍ ولذيذٍ، فاللذيذُ هو الذي تُدرك راحته في الحال، والنافع هو الذي يفيد في المآل، والجميل هو الذي يستحسن في سائر الأحوال. والشر أيضاً قد ينقسم إلى ضارّ وقبيح ومؤلم، وكل واحد من القسمين ضربان: مطلقٌ ومقيّد. فالمطلق؛ هو الذي اجتمعت فيه الأوصاف الثلاثة، أما في الخير فكالعلم والحكمة، فإنّها نافعة وجميلة ولذيذة عند أهل العلم والحكمة، وأما في الشرّ فكالجهل المركّب، فإنّه ضارّ وقبيح ومؤلم، وإنّما لا يحس الجاهل بألم جهله، لشواغل الدنيا وغطاء الطبيعة. والمقيّد؛ هو الذي فيه بعض هذه الأوصاف دون بعض. فربّ نافعٍ مؤلمٍ كقطع الإصبع المتآكلة، وربّ نافع قبيح كالحُمق، فإنّه يوجب استراحة الأحمق في الحال إلى أن يجيء وقتُ هلاكه في المآل، ولذلك قيل: استراح من لا عقل له. الخامسة: وهي الحاوية لمجامع النعم. اعلم أنّ النعَم تنقسم إلى ما هي غاية مطلوبة لذاتها، وإلى ما هي مطلوبة لغيرها. أما الغاية فهي السعادة، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور: بقاءٌ لا فناء له، وسرورٌ لا غمّ فيه، وعلمٌ لا جهل معه، وغنىً لا فقر معه؛ وهي النعمة الحقيقية. وغيرها يراد لأجلها ولذلك قال النبي (صلّى الله عليه وآله):حديث : لا عيش إلاّ عيش الآخرة . تفسير : وأما الوسائل؛ فتنقسم الى الأقرب الأخصّ، كفضائل النفس. وإلى ما يليه في القُرب، كفضائل البدن. وإلى ما يليه في القُرب ويجاوز إلى غير البدن كالأسباب المطيفة بالبدن من المال والأهل والعشيرة. والى ما يجمعُ بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس وبين الحاصلة لها، كالتوفيق والهداية. فهي إذن من أربعة أنواع. أما النوع الأول: فيرجع حاصلها - مع انشعاب أطرافها - إلى الايمان والعدالة. أما الايمان فهو العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأما العدالة وهي حسن صورة الباطن، فعبارة عن تهذيب الأخلاق، وتصفية القلب عن الرذائل، وصرْف القُوى الشهويّة والغضبية والوهميّة فيما خلقت لأجله حتى يكون شجاعاً لا متهوّراً، ولا جباناً، ويكون عفيفاً لا فاجراً ولا خاملاً، ويكون حكيماً لا مكّاراً ولا أبله، فالفضائل المختصّة بالنفس المقرّبة الى الله علم مكاشفة وعلمُ معاملةٍ، وحسْن خُلْقٍ وحُسْن سياسةٍ. ولا تتمّ هذه النعمة في غالب الأمر إلاّ بالنوع الثاني وهي الفضائل البدنيّة. وهي أربعة: الصحّة، والقوّة، والجمال، وطول العمْر، ولا تتهيّأ هذه الأمور البدنيّة إلا بالنوع الثالث وهي النعم الخارجة المطيفة بالبدن وهي أربعة: المال والأهل والجاه وكرم العشيرة. ولا يُنتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة البدنيّة إلاّ بالنوع الرابع من النعم، وهي أربعة: هداية الله ورشده وتسديده وتأييده. فمجموع مجامع النعم ستّة عشر، وهذه الجملة يحتاج البعض منها إلى الآخر، إمّا حاجة ضروريّة، أو نافعة. ولو أخذنا في بيان الحاجة لطريق الآخرة إلى كلّ واحد واحد من الأقسام التي ذكرناها من النعم النفسية والبدنيّة والخارجة عنها كالمال والجاه والأهل والنسب، لطال الكلامُ، لكن أخفى النعم البدنية في كونها محتاجاً إليها هو الجمال، وأخفى النعم الخارجة في ذلك هو النسب، فلنبيّن وجهَ الحاجة إليهما. أما الجمال؛ فلا يخفى نفعه في الدنيا، فإنّ الطبائع من القبيح مستنفرة، وحاجات الجميل أقرب الى الإجابة، وجاهه أوسع في الصدور، وكلّ معينٍ في الدنيا معينٌ في الآخرة، ولأن الجمال في الأكثر يدلّ على فضيلة النفس، لأن نور النفس إذا تمّ اشراقُه تأدّى الى البدن، فالمنظَر والمخبَر كثيراً ما يتلازمان، ولذلك عوّل أصحابُ الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن وقالوا: الوجهُ والعين مرآة الباطن، وقيل: الروح إن أشرقَ على الظاهر فصباحةٌ، وإن أشرقَ على الباطن ففصاحةٌ. ولذلك قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : اطلبوا الخيرَ عند حِسان الوجوهتفسير : . وقال الفقهاء: إذا تساوت درجاتُ المُصَلّين، فأحسنهم وجهاً أولاهم بالامامة. وقال سبحانه ممتناً بذلك: {أية : وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة:247]. وليس المعنى ما يحرّك الشهوة، فإنّ ذلك أنوثيّة، بل تناسب الأعضاء واعتدال الخِلقة. وأمّا النَسَب، فكرم العشيرة نعمة جليلة، ولذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) "حديث : الأئمّةُ من قريش"تفسير : ، ولذلك كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أَكْرم ارُومَة في نسب آدم. ولذلك قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : تخيَّروا لنُطفِكمتفسير : ، وقال: حديث : وإيّاكم وخضْراءُ الدمن فقيل: وما خضراءُ الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء . تفسير : فإن قلت: فما معنى النعم التوفيقية الراجعة إلى الهداية والرشد والتأييد والتسديد؟. فنقول: التوفيق، عبارة عن التأليف بين إرادة العبد وبين قضاء الله وقدَره، ويستعمل في الخير والسعادة، ولا خفاء في الحاجة إليه، ولذلك قيل: شعر : إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده تفسير : وأمّا الهداية، فلا سبيل لأحد الى سعادة الآخرة إلاّ بها، لأن داعية الإنسان قد تكون مائلةً إلى ما فيه صلاح آخرته، ولكن إذا كان جاهلاً به فمِن أين ينفعه مجرد الإرادة؟ فلا فائدة في الإرادة والقُدرة وسائر الأسباب إلاّ بعد الهداية، ولذلك قال تعالى: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه:50]. وقال {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور:21]. وللهُدى ثلاث مراتب: الأولى: معرفة طريق الخير والشرّ المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد:10]. وقد أنعم الله به على كافّة الخَلْق، بعضه بالعقل، وبعضه على لسان الكتب والرسل ولذلك قال: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت:17]. فأسباب ٱلهدىٰ هي الكتب والرسل وبصائر العقول، وهي مبذولة للجميع، ولهذا كُلّفوا بتكليف واحدٍ، وتساووا في أسباب سلوك طريق النجاة بهذه الهداية العامّة. المرتبة الثانية: هي التي يمدّ الله بها العبد حالاً بعد حالٍ، وهي ثمرة المجاهدة حيث قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت:69]. وهو المراد بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد:17]. والمرتبة الثالثة: وراء الثانية، وهي النور الذي يشرق في عالَم الولاية بعد كمال المجاهدة، فيهتدي بها الى ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف، وامكان تعلّم العلوم، وهو الهُدى المطلق، وما عداه حجابٌ له، ومقدمات، وهو الذي شرّفه الله تعالى بتخصيص الإضافة إليه، وإن كان الكلّ من جهته فقال: {أية : قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [البقرة:120]. وهو المسمّى حياة في قوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام:122]. وبقوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر:22]. ووجه انحصار مراتب الهدى في الثلاث: انّ كلّ مقامٍ من مقامات الايمان ومنزلٍ من منازل السالكين ينتظم من أمورٍ ثلاثة: أعمال، وأحوال، وأنوار هي معارف. ولا بدّ لكلّ منها من هداية تخصّ به. وأما الرشد، فيعني به العناية الإلهيّة التي تعين الإنسان عند توجّهه إلى مقاصده فيقوّيه على ما فيه صلاحه، ويفترّه عمّا فيه فسادُه، ويكون ذلك من جانب الباطن كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء:51]. فالرشْد عبارة عن هداية باعثة الى جهة السعادة، محرّكة للعبد إيّاها، فهو بهذا الاعتبار أكمل من مجرّد الهداية الى وجوه الأعمال، وكم من مهتدٍ غير رشيدٍ، فهي نعمةٌ عظيمة. وأمّا التسديد؛ فهو توجيه حركاته الى صوب المطلوب، وتيسيرها عليه ليشتدّ في صوب الصواب في أسرع وقت، فكما أنّ أصل الهداية لا يكفي، بل لا بدّ من هدايةٍ محركّةٍ للداعية، وهي الرشد، فكذا الرشْدُ، لا يكفي، بل لا بدّ من تيسير الحركات بمساعدة الآلات حتّى يتّصلَ بما انبعثت الداعية إليه، فالهداية محض التعريف، والرشد هو تنبية الداعية لتستيقظ وتتحرك، والتسديد إعانة ونُصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد. وأمّا التأييد؛ فكأنه جامع للكلّ، وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من داخل، وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من خارج، وهو المعنيّ بقوله تعالى: {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [المائدة:110]. وتقرُبُ منه العصمة، وهي عبارة عن جوهر إلهي يسنح في الباطن، يقوى به الإنسان على تحرّي الخير وتجنّب الشرّ، حتّى يصير كمانع من باطنه غير محسوس، وإيّاه عنى بقوله: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} تفسير : [يوسف:24]. فهذه هي مجامع النعم، ولن تستتبّ إلاّ بما يخوّله الله من الفهم الثاقب، والذهنا الصافي، والسمع الواعي، والقلب البصير، والطبع المتواضع، والمعلّم الناصح، والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلّته، القاصر عمّا يشغل عن الدين بكثرته، والعزّ الذي يصونه عن سفه السفهاء وتسلّط الأعداء، ويستدعي كلّ واحد من هذه النعم الستة عشر أسباباً، وتستدعي تلك الأسباب أسباباً، وهكذا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى مسبّب الأسباب وربّ الأرباب، دليل المتحيّرين ملجأ المضطرّين. وإذا كانت تلك الأسباب متسلسلة طويلة لا يمكن الاستقصاء فيها، فلنصرف عنان القلم عن ذكرها لخروجها عن الحصر والإحصاء، فإنّ صحّة البدن من جملتها نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتأخّرة، ولو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمّت هذه النعمة، لم نقدر عليها، لأنّ الأكل مثلاً، أحد أسباب الصحّة، وهو متوقّف على أسباب غير محصورة بها تتمّ نعمة الأكل، إذ لا يخفى انّ الأكْل فِعْلٌ، وكل فعَلٍ من هذا العالَم حركة إرادية، وكل حركة إرادية لا بدّ لها من جسمٍ متحرّك هو آلتها، ولا بدّ لها من قدرة على الحركة، ولا بدّ لها من إرادة والإرادة متوقّفة على العلم بالمراد، والعلم صورة نفسانيّة ونقش باطنيّ لا بدّ لها من قابل ومنقوش به، وهو لوح النفس، ومن فاعل ناقش، وهو مَلَك روحانيٌ مستفيد من مَلَك فوقه، وهكذا إلى مالك الملكوت. ثمّ لا بدّ للآكْل من مأكول، وهو جسمٌ مركب من أصول متخالفة الطبائع والأمكنة والأحوال، ولا بدّ لها من أسباب تجمعها وتجبرها على الالتيام، وتحفظها على مزاج تتهيّأ صورة التمام، ولا بدّ لتلك الأصول من أمكنة تتكوّن فيها، وجَهاتٍ تتوجّه إليها عند خروجها، وأزمنةٍ تتحرّك فيها، ولا بدّ للأمكنة والأزمنة الموجودة للأجسام المستقيمة الحركة من محدّد مطيف بها تتعيّن به جهات أمكنتها، وحدود أزمنتها، فيكون المحدد من جنس جملة الأجرام الأكريّة الدائمة الحركة إلى أن يشاء الله. ولا بدّ لها من أسباب محرّكة على سبيل المباشرة والمزاولة، ولأسبابها أسباب اخرى محرّكة على سبيل التشويق والامداد والعناية، إذ ليست حركتها شهويّة أو غضبيّة لتكون حيوانيّة محضة، ولا مجازفة أو وهميّة محضة طلباً لثناءٍ أو حُسْنِ ذكْر أو صيت، أو نفعاً للسافل، بل حركة شوقيّة علويّة، وخدمة إلهيّة، وطاعة ربّانية، فلها ملائكة تديرها، وفوقها ملائكة أخرى تدبّرها وتشوّقها طلباً لبارئ الكلّ وتشوّقاً إليه، وطاعة له على وجه يلزمها رشح الخَير الدائم على الأداني والأسافل. ثمّ لا بدّ للمأكول من صانعٍ يُصلحه، ولا بدّ من أسباب لإصلاحه، من أرضٍ ينبت فيها، وهواءٍ يصلح لها، وحرارةٍ تنضجها، وماء يسقيها، والماء لا يتحرّك بنفسه من مكانه كالبحْر، فلا بدّ لحركته من أسباب، بعضها طبيعيّة عنصريّة، وبعضها نفسانيّة فلكيّة، وبعضها قدَرية إلهيّة، كما يعلمه العلماء الإلهيّون، ولذلك قال: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} تفسير : [عبس:24 - 25]. ثمّ لا يكفي وجود الماء والتراب والهواء، إذ لو تُركت الحبَّة في أرض نديّة صُلبة لم تنبت، لفقْد نفوذ الهواء في باطنها، فلا بدّ من أرضٍ متخلخلة مشقوقة لدخول الماء فيها وخروج النبت منها، لا يتمّ شيء منها إلاّ بأسباب علويّة وراء أسباب سفليّة منتهية إلى الله، كما قال: {أية : ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا} تفسير : [عبس:26 - 27] الآية. ولا بدّ أيضاً لحركة الهواء في باطن الأرض من محرّكٍ شديدٍ يحرّكه ويَضربُه بعُنفٍ على الأرض حتّى ينفذ فيها، فيحتاج بمثْل ما ذكرنا الى أسباب منتهيةٍ الى الله تعالى، كما أشار إليه بقوله: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر:22]. فانظر في نعم الله في خلْق البحار والأمطار، وتحريك السُحب إلى أرض الزراعة، ثمّ الأرض، ربما كانت مرتفعةً والمياه لا ترتفع إليها، فانظر كيف خلَق الله الغيومَ فسلّط الرياح عليها ليسوقها بإذنه إلى أقطار العالَم وهي سُحبٌ ثِقالٌ بالماء، ثمّ انظر كيف يرسله مدراراً على الأرض. ثمّ انظر كيف خلَق الجبال حافظةً للمياه تنفجر منها العيون والأنهار تدريجاً، فلو خرجت دفعة، لخربت البلاد، وهلكت الزروع والمواشي. وأما الحرارة، فإنّها لا تنزل من الأثير بطبيعتها، ولا تحصل من الماء والأرض وهما باردان؛ فانظر كيف سخَّر الشمس، وكيف أسكنها الله في موضعٍ لائقٍ لا يتضرّر أهلُ الأرض بقُربها المفرط للتحليل والتسخين، ولا ببُعدها المفرط للتجميد والتبريد، وجعلها دائرة حول الأرض شمالاً في فصل، وجنوباً في فصل، ومتوسّطاً فيما بينهما في فصلين آخرين من الفصول الأربعة، لتنتفع بها جميعُ النواحي، وتتسخّن بها في وقت دون وقت، فيحصل البرْد عند الحاجة إليه، والحرارة عند الحاجة إليها، فهذه إحدى حِكَم الشمس، والحِكَم فيها أكثر من أن يحصى. وكذا في القمر الذي هو كالخليفة لها، وكذا سائر الكواكب مع انّها في أنفسها موجودات شريفة مطيعة لله تعالى، خُلقَت للخدمة والطاعة لله، والتقرّب اليه في صلواتها الدائمة، وسجودها وركوعها، ولو لم تكن كذلك، لكان خلْقها عبثاً وباطلاً، ولم يصح قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}تفسير : [الدخان:38]. وقوله: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} تفسير : [آل عمران:191]. ولهذا لما نظر رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء، قرأ هذه الآية ثمّ قال: "حديث : ويلٌ لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته.." تفسير : معناه أن يقرأها ويترك التأمّل في أحوال ملكوت السماء، ويقتصر من فهْم ملكوت السموات على أن يعرف لونَ الفلك وضوءَ الكواكب، وذلك مما يشترك في معرفته الدوابّ أيضاً. فللّه في ملكوت السموات والأرض والآفاق والأنفس عجائب عظيمة يطلب معرفتها المحبّون لله، المشتاقون إلى لقائه. فإنّ من أحبّ عالِماً فلا يزال مشغوفاً بطلب تصانيفه ودقائق معانيه. فكذلك الأمر في عجائب صنع الله وملكوت بدائعه، فإنّ العالَم كلّه من تصنيفه، بل تصنيف المصنفّين من تصنيفه الذي صنّفه بواسطة قلوب عباده، فلا يتعجّب من المصنّف بل من الذي سخّره لتأليفه بما أنعم عليه من هدايته وتعليمه، وإرشاده وتسديده. فالمقصود؛ أنّ غذاء النبات الذي يتوقّف عليه غذاء الإنسان، لا يتمّ بالعناصر الأربعة والشمس والقمر والكواكب، ولا تتمّ تلك إلاّ بالأفلاك التي مركوزة فيها، ولا تتمّ الأفلاك إلاّ بحركاتها. ولا تتمّ حركاتها إلاّ بملائكة سماويّة يحرّكونها، وكذلك يتمادى إلى أسباب بعيدةٍ تركنا ذكرَها تنبيهاً بما ذكر على ما اهمل. روى الشيخ الجليل محمد بن عليّ بن بابويه القمّي رحمه الله في عيون أخبار الرضا مسنداً عن الإمام محمد بن علي، عن أبيه الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر بن محمّد، عن جده (عليهم السلام). قال: دعا سلمانُ أبا ذرَ رحمة الله عليهما إلى منزله، فقدّم إليه رغيفين، فأخذ أبو ذر الرغيفين يقلّبهما، فقال سلمان: يا أبا ذر، لأيّ شيء تقلّبهما؟ قال: خفتُ ألاّ يكونا نضيجين. فغضبَ سلمانُ من ذلك غضباً شديداً، ثم قال: ما أجرأك حيث تقلّب هذين الرغيفين، فوالله لقد عمِل في هذا الخبز الماءُ الذي تحت العرش، وعملت فيه الملائكةُ حتى ألقوه الى الريح، وعملت فيه الريحُ حتّى ألقته الى السحاب، وعمل فيه السحابُ حتّى أمطره الى الأرض، وعمل فيه الرعدُ والملائكةُ حتّى وضَعوه مواضعَه، وعملت فيه الأرضُ والخشبُ والحديدُ والبهائمُ والنارُ والحطَبُ والمِلحُ وما لا أحصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟ فقال أبو ذر: إلى الله أتوبُ، وأستغفر الله مما أحدثتُ، وإليك اعتذر مما كرهت. فهذا من نعم الله في خلْق الأسباب لأجل غذاء النبات، ولا يخفى أنّ ما ذكرناه بعض من أسباب غذائه الجليّة منها، إذ قد طوَينا ذكرَ تفاصيل القوى النباتيّة الباطنة عن الأبصار، كالغاذية مع فروعها - من الجاذبةِ والماسكةِ والهاضمةِ والدافعةِ - وكالنامية مع خدمها، والمولّدة مع جنودها ولَواحِقها. ولكلّ منها مواضع وأسباب وملائكة تسخّره وتحرّكه لأجل فعله المخصوص، لو أردنا ذكرَها لأدّى الى التطويل قبل حصول الاستقصاء فيها، فلنصرف عن ذكرها، ولنذكر شيئاً من نعمه تعالى في خلْق الأسبابِ الموصلة للأطعمة إلى جوف الإنسان. فمنها الإدراك والحركة، فمن نعم الله عليك أن خلَق لك آلة الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء، فانظر الى ترتيب حكمته في خلق الحواسّ الخمس التي هى آلة للادراك. فأولها حاسّة اللمس، التي تعمّ الحيوانات، لكونها واقعة في عالَم الأضداد، فيقع بها الاحتراز عن الحرّ الشديد والبرْد الشديد مثلاً، وخصوصاً في الأكل، وهذه لا تكفي لاقتصار إدراكها على القريب، ولا تقدر بها على طلب الغذاء من حيث يبعُد عنك. فافتقرتَ الى حسّ تدرك به ما بعُد عنك، فخلَق الله فيك حسّ الشمّ، إلاّ انّك تدرك به الرائحة ولا تدري انّها جاءت من أيّ ناحية، فتحتاج الى أن تطوف كثيراً من الجوانب، فخلَق لك البصَر لتدرك ما بعُد عنك وجهته معاً فتقصده، ولا تدرك به ما وراء الجدران والحجب، فخلَق لك السمْع حتّى تدرك به الأصوات من وراء الجِدار عند جريان الحركات، ولأنّك لا تدرِك بالبصَر إلاّ موجوداً حاضراً وأمّا الغائب فلا يمكنكَ معرفته إلاّ بكلام ينتظم من حروف وأصوات، فأنعم الله عليك بهذه الحاسّة، وميّزك بفهْم الكلام عن سائر الحيوانات. وكلّ ذلك ما كان يغنيكَ لو لم يكن لكَ حسُّ الذوق لتدرك أنّ غذاءك موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك، ثمّ هذه كلّها لا تكفيك لو لم يخلق في مقدّم دماغك حسّ آخر يجتمع عنده مدركات هذه الخمس، فتحتاج الى هذا الحسّ، وإلى الحافظة لتحفظ عندك صورة ما ادّخرته من الغذاء الى وقت الحاجة، وإلى مدرك للمعاني المتعلّقة بأفراد نوعك وجنسك التي تحتاج الى صداقتها ودفع عداوتها في تحصيل الغذاء الذي يحصل لك بالصناعة لا بالطبيعة، وإلى حافظٍ لها، وإلى متصرّفٍ فيها وفي الصور المخزونة بالتفصيل والتركيب والاستحضار، وهذه كلّها تشاركك فيها الحيوانات. فلو لم يكن لك إلا هي لكنتَ ناقصاً لعدم ادراكك عواقب الأمور، فميّزك الله وأكرمك بصفةٍ أخرى هي أشرف من الكلّ وهو العقل، فتدرك مضرّة الأطعمة ومنفعتها الجليّة والخفية بحسب الحال والمآل جميعاً. وبه تدرك كيفيّة طبخ الأطعمة وإصلاحها، وذلك أخسّ فوائد العقل، وأقلّ الحكمة في انشائه، بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله، ومعرفة أفعاله، ومعرفة الحكمة في عالمه. وعند ذلك تنقلب فوائدُ الحواسّ في حقك إلى ما ينفعك في طلب الخَير الأقصى، فتكون الحواسّ الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار والموكّلين بنواحي المملكة لاقتناص الأخبار المختلفة من الأقطار، وتسليمها إلى الحسّ المشترك القاعد في سرير مقدّم الدماغ، كصاحب القصص والكتب للملك، فيأخذها وهي مختومة إذ ليس له إلاّ اخذها وحفظها، وأما حقائق ما فيها فلا، ولكن الملك يسلّم إليه هذه الإنهاءآت مختومة فيفتحها ويطّلع منها على أسرار المملكة، ويحكم فيها بأحكام عجيبةٍ لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام، وبحسب ما يلوح له يحرك الجنود. فهذه سياقة نعمة الله عليك في الإدراكات، ولا يمكن استيفاؤها وما يتوقّف عليها من الأسباب، فإنّ الحواسّ الظاهرة بعض المدارك، والبصر واحد من جملتها، والعين آلة واحدة لها، وقد ركّبت على عشر طبقات مختلفة، بعضها رطوبات، وبعضها أغشية، وبعض تلك الأغشية كأنّها نسج العنكبوت، وبعضها كالمشيمة، وبعض تلك الرطوبات كبياض البيض، وبعضها كأنه الجمد، ولكل منها صفةٌ وصورةٌ وهيئة وشكل وتدوير، ولكل منها أمساح وأجزاء وقُوى وكيفيات، لكل منها أحكام من الصحّة والمرض والسلامة والآفة لا يعلمها إلاّ الله. ولو اختلّت طبقةٌ واحدة بل شيء من أسبابها، لاختلّ البصرُ وعجَز عنه الأطباء والكحّالون. وقد صُنِّفت في تشريح العين مجلدات كثيرة، مع انّ حجمها لا يزيد على جوزة صغيرة، وأعجب من هذا دخول الأفلاك وطبقاتها وما تحويه من جملة العناصر في هذه الجوزة الصغيرة، من غير أن يتضايق ولا يتصاغَر ذلك الكبير ويتعاظم هذا الصغير، وقس بما ذُكر حاسّة السمع وسائر الحواسّ الظاهرة، ولا نسبة لها في الصنع والحكْمة إلى الحواسّ الباطنة، كما لا نسبة للباطنة إلى العقل الذي هو وراء كلّها. فهذه نعم الله في أسباب الإدراك، فقسْ عليها حالَ نعم الله في خلْق أسباب التحريك الذي هو قرين الإدراك في كلّ نفس، كما قال تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21] فالسائق هو مبدء مبادي الإدراك، والشهيد هو مبدء مبادي التحريك، فإنّك بعد خلق الإدراكات فيك لا يكفيك مشاهدة الطعام، بل تفتقر الى شهوة الأكل والميل إليه تستحثّك على الحركة والطلَب، فخلَق الله فيك شهوةَ الطعام وسلّطها عليك كالمتقاضي. ثمّ هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدارَ الحاجة منك، أهلكتَ نفسَك. فخلَق فيك الكراهةَ عند الشَبَع. ثمَّ خلق فيك شهوةَ المجامعة لبقاء نوعك ودوام نسلك، وفي خلْق أسباب التوليد من الانثيين والرحِم ودمِ الحيض والمني والمجاري والعروق والأوعية، وكيفيّة توليد النُطفة وتشكّلها، وكيفية إدارتها في أطوار الخلْقة إلى تمام الأعضاء، من العجائب ما لا يحصى. ثمّ الشهوةُ والغضبُ، لا يدعوان الا إلى ما ينفع ويضرّ في الحال. وهما لا يكفيانك، فميّزك الله عن الحيوانات بقوّة أخرى هي الإرادة العقليّة إكراماً لك وإفراداً عن البهائم، كما أفردك بمعرفة العواقب. ثمّ هذه القوى لا تكفيك، فكمْ من زَمِن مدرِكٍ مشتاقٍ إلى شيء بعيدٍ منه لا يقدر على المشي إليه، فخلَق لك قدرةً على المشي والطلب لمشتهياتك، وآلات مُعِينَةٍ عليهما، وعلى الدفع والهرب لما يمنعك وعما يضادّك، وتلك الآلات بعضها طبيعيّة كالأعضاء، وبعضها خارجيّة كالاسلحة والمراكب والدوابّ والفنّ وآلات الزرْع ومباديها وأسبابها وفواعلها من الصنّاع والمُصلحين وغير ذلك. وفي كل ذلك من نِعَم الله وحكمته ما لا يعدّ ولا يحصى، فلتعتبر رغيفاً واحداً ولتنظر ما تحتاج إليه حتّى يصلح للأكل من بعد إلقاء البذر إلى الأرض. فانظر إلى أعمال الصنّاع في إصلاح آلات الحراثة والطحْن والخبز من نجّار وحداد وغيره، وانظر إلى حاجة الحدّاد إلى الحديد والرصاص والنُحاس، وانظر كيف خلَق الله الجبالَ والأحجار والمعادن، فإن فتّشتَ علمتَ انّ رغيفاً واحداً لا يستدير ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع، ابتداؤها من المَلَك الذي يزجي السحاب لينزل الماء، الى آخر الأعمال من جهة الملائكة، حتّى تنتهي النوبةُ إلى الإنسان، فإذا استدير طلبه قريب من سبعة آلاف صانع، كلّ صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتمّ مصلحة الخلْق، ثم تأمّل في كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات. حتّى أن الإبرة الصغيرة التي فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع عنك البرْد، لا يكمل صورتها إلاّ بعد أن تمرّ على يد الإبريّ خمسة وعشرين مرّة. ثمّ اعلم أنّ هؤلاء الصنّاع، لو تفرّقت آراؤهم، وتنافروا تنافر طباع الوحش وتبدّدها بحيث لا يحويهم مكانٌ واحدٌ ولا يجمعهم غرَضٌ واحد، فانظر كيف ألّف الله بين قلوبهم، فلأجل الإلْف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا، وبنوا البلدان والمُدن، ورتَّبوا المساكن والدور والأسواق والخانات وما أشبهها مما يطولُ شرحُه. ثمّ هذه المحبّة تزولُ بأغراض يزاحمون عليها، ويتنافسون فيها، حتّى ينجرّ إلى الحسَد والغَيظ، وذلك يؤدّي الى التقابل والتفاسد، فانظر كيف سلّط الله عليهم السلاطين وأيّدهم بالقوّة والشوكة والعدّة والأسباب، وألقى رُعبهم في قلوبُ الرعايا حتّى أذعنوا لها طَوعاً وكُرهاً، وكيف هَدى الله السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد، حتّى رتّبوا أجزاء المدينة كأنّها أزاء شخص واحد تتعاون تلك الأجزاء على غرضٍ واحدٍ يتبع البعض منا بالبعض، ورتّبوا الرؤساء والقضاة والحكّام وزعماء الأسواق، واضطرّوا الخَلْق الى قانون العدل، وألزموهم للتساعد والتعاون بذلك القانون. فانظر كيف بعث الأنبياء حتّى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا، وعرّفوهم قوانين الشرع في حفظ العدْل بين الخَلق، وقوانين السياسة في ضبطهم، وكشفوا من أحكام الإمامة والإمارة وأحكام الفقه والقضاء ما اهتدوا به الى إصلاح الدنيا، فضلاً عما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين. فانظر كيف أصلح الله الأنبياء بالملائكة، وكيف أصلح الملائكة بعضهم ببعض، إلى أن ينتهي إلى الملَك المقرّب الذي لا واسطة بينه وبين الله، فينتهي إلى حضرة الربوبيّة التي هي ينبوع كلّ نظام، ومطلع كلّ حسْن وجمال، ومنشأ كلّ كمال واعتدال. وكل ذلك الذي عدّدناه قطرةٌ من بحار كرمه ونعمه، ولولا فضله ورحمته إذ قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت:69]، لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة. ولولا عزله إيّانا لكمال رأفته عن أن نطمح بعين الطمع إلى الاحاطة بكنْه نعمه، لتشوّقنا إلى طلب الاحاطة والاستقصاء، لكنّه عزلنا عن ذلك إذ قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم:34]. فبإذنه انبسطنا، وبمنعه انقبضنا، لأنّه القابض والباسط لأزمّة أفكارنا، وهو الممسك والمرسل لأعِنّة عقولنا واختيارنا. فهذا ما أردنا ايرادَه من بيان حقيقة النعمة وتقسيمها، وذكْر أقسامها ودرجاتها ومجامعها وأصنافها، والإشعار بأنّها متسلسلة، وأنّ الإحاطة بها ليس بمقدور البشر وإنّما هو شأن من خلَق القُوى والقدر. وليعذرني إخوان الحقيقة في اطناب الكلام في هذا المقام، وايراد نكات لخّصتها وجرّدتها من صُحف الكرام، تكثيراً لفوائد هذا الباب، وتشبّهاً بالبرَرة الكتّاب، ومنه البداية وإليه المآب. قوله جل اسمه: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قرئ "غيرَ" بالنصب في الشواذّ ورويت عن ابن كثير وهي قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرئ "غير الضالين" وروي ذلك عن عليّ (عليه السلام). وأما النصب فعلى الحاليّة عن الضمير المجرور، والعامل فيه "أنعمْتَ"، أو بإضمار "أعْني" أو بالإستثناء، إن فسّر النعم بما يشمل القبيلين ويعمّ. وفي الجرّ ثلاثةُ وجوهٍ: كونه بدلاً من ضمير "عليهم"، وكونه بدلاً من الموصول، وكونه صفة له موضحة أو مخصصة على معنى كونهم جامعين بين أسباب النعمة والكمال، وبين أسباب السلامة من مظاهر الغضَب والضلال، وإن كان الأصل في "غير" أن يكون صفة للنكرة فذلك إنّما يستصح بأحد وجهين: جعل الموصوف مجرى النكرة، بأن لم يُقصد بهذا الموصول موقّت معهود كالمحلّى في قوله: وَلقد أمرّ على اللئيم يسبّني. أو جعل الصفة مجرى المعرفة لكون "غير" مضافاً إلى ما له ضدٌّ واحد، فإنّ للمغضوب عليه ضداً واحداً هو المنعمَ عليه. فيكون متعيّناً معروفاً عندك تعريف الحركة بغير السكون، فإذا قلت: عليك بالحركة غير السكون، فوصفت المعرفة بالمعرفة، بل وصفتَ الشيء بنفسه لأنّها عينه، فكأنك كرّرت الحركة تأكيداً. و "عليهم" الاول في محلّ النصب على المفعولية، والثاني في محلّ الرفع على الفاعليّة بالنيابة. و "لا" زائدة تأكيداً لما في "غير" من معنى النفي الحرفيّ، ولهذا تقول: أنا زيداً غير ضارب، كما تقول: أنا زيداً لا ضارب. ولا تقول: أنا زيداً مثل ضارب. والغضَب - ها هنا - بمعنى إرادة إنزال العقوبة على من يستحقّها في صورة الانتقام حكمةً من الله، لا بمعنى كيفيّة نفسانية توجب ثَوران الدم للانتقام تشفّياً عن حالة الغيظ كما في الحيوان. فاطلاق الغضَب ونحوه على الله تعالى باعتبار غاياته الفعليّة لا باعتبار مباديه الإنفعالية كما مرّ في معنى الرحمة. هذا ما أدّى إليه النظر العقلي، وتحقيق ذلك ونحوه مما يُحوج إلى نور المكاشفة كما وقعت الإشارة إليه. والضلال؛ هو العدول والذهاب عن طريق التوحيد ومنهج الحقّ، وأصله الهلاك، ومنه قوله تعالى: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة:10]. أي هلكنا، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد:8]. أي أهلكها. وللعدول جهاتٌ وشُعبٌ كثيرة، ولكلّ منها عرض عريض، وبازاء كلّ ضرب من العدول ضرب من الغضب. وعند المفسّرين: المغضوب عليهم اليهود لقوله تعالى فيهم: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} تفسير : [المائدة:60]. والضالّون النصارى لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة:77]. وقال الحسن البصري: إنّ الله لم يبرئ اليهود عن الضلالة بإضافتها الى النصارى، ولم يبرئ النصارى عن الغضب بإضافته الى اليهود، بل كلّ من الطائفتين مغضوبٌ عليهم وهم ضالّون، إلاّ انّه تعالى قد خصّ كلَّ فريق بسِمةٍ تُعرفُ بها مع كونهم مشتركين في صفات كثيرة. وقال عبد القاهر: حقّ اللفظ فيه خروجُه مخرج الجنس وأن لا يُقصد به قوم بأعيانهم كما تقول: اللهمّ اجعلني ممّن انعمتَ عليهم ولا تجعلني ممن غضبتَ عليهم، فإنك لا تريد أنّ ها هنا قوماً باعيانهم هذه صفتهم. وفيه موضع تأمّل كما لا يخفى على من عرف العُرف. ويتّجه لأحد أن يقول: إنّ المغضوب عليهم هم العُصاة والفسقةُ، والضّالّين هم الجهّال والكفّرةُ، لأنّ المهتدى بنور الحقّ الى الصراط المسقيم، والفائز بكرامة الوصول الى النعيم، من جمع الله له بين تكميل عقله النظري بنور الايمان، وتكميل عقله العملي بتوفيق العمل بالأركان، فكان المقابل له في الجملة من اختلّ إحدى كريمتيه وقوّتيه العاقلةُ والعاملةُ فالمخلّ بالعمل فاسقٌ مغضوبٌ عليه لقوله تعالى في القاتل عمداً: {أية : َغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} تفسير : [النساء:93]. والمخلّ بالعلْم والإدراك للحقّ جاهلٌ كافر لقوله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس:32]. وإنما لم يقلْ: غير الذين غضبتَ عليهم، على وفاق: الذينَ أنعَمْتَ عَلَيْهِم، ترجيحاً لجانب النعمة على جانب النقمة، بنسبة الفعل إليه تعالى في الأولى صريحاً، وفي الثانية بخلاف ذلك، كما هو دأب كرمه وجرْيُ عادته في سَوق كلامه المجيد، مثل قوله تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} تفسير : [إبراهيم:7]. حيث لم يقل: لأعذبنّكم في مقابلة: "لأزيدنّكم"، ومراعاة للأدب في الخطاب، واختياراً لحسْن اللفظ المستطاب. مكاشفة [استعارة الالفاظ للايصال الى المعانى العرفانية] اعلم أنّ تمام التحقيق في هذه الآية، يحتاج الى الاستمداد من بحر عظيم من بحار علوم المكاشفة، فنقول على طبق ما حقّقه صاحب البصيرة المكحّلة بنور الهداية: إنّ لله في جلاله وكبريائه صفةٌ بها يفيض على الخلْق نورَ حكمته وجُوده تكويناً واختراعاً، يعبّر عنها بلفظ، جلّت عظمة تلك الصفة أن تكون في عالم الألفاظ عبارة تدلّ على كنه حقيقتها، لعلوّ شأنها، وانحطاط رتبة واضعي اللغات أن يمتدّ طرفُهم إلى مبادي إشراقاتها، فانخفضت عن ذُروتها أبصارُهم انخفاض أبصار الخفافيش عن ذُروة الشمس، فاضطرّ الذين فُتحت أبصارُهم لملاحظة جلالها، إلى ان يستعيروا من حضيض عالَم الظلمات عبارةً توهِم من مبادي أنوار حقيقتها شيئاً ضعيفاً جداً، فاستعاروا لها لفظ "القدرة" فتجاسَرنا بتوقيفٍ من جانب الشرع أنّ لله صفةً يصدر عنها الخَلْق والاختراع، ثمّ الخَلْق ينقسم في الوجود تقسيماً عقلياً إلى أقسام، لتنوّعات فصول ومبادي انقسام، فاستُعير لمصدَر هذه الأقسام ومبدء هذه التخصيصات بمثل تلك الضرورة الواقعة في عالَم الألفاظ والأصوات عبارة "المشيّة"، ثمّ انقسمت الأفعال الصادرة من القُدرة المنبعثة عن المشيّة الناشية عن الحكمة التي هي علمُه بالنظام الأكمل وهو عين ذاته، إلى ما ينساق الى المنتهى الذي هو غاية حكْمتها الى ما يوقف به دون الغاية، وكان لكلّ منهما نسبة الى صفة المشيّة لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها يتمّ الاختلاف والقسمة، فاستُعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبوب، وهو المنعَم عليه، ولنسبة الواقف دون غايته عبارة المكروه، وهو المغضوب عليه. وقيل: إنّهما جميعاً داخلان تحت المشيّة، إلاّ انّ لكلّ منهما خاصيّة أخرى في النسبة، يوهِم لفظ المحبّة والكراهةُ منهما أمراً مجملاً عند طلاّب اكتساب العلوم من اطلاقات الألفاظ واللغات. ثمّ نقول: لمّا كان لكلّ منهما خاصيّة لازمة تكون مقتضى ذاته من غير تخلّل جعل مستأنف بينه وبينها، وهي مستدعيةٌ لأن تنزل إليه من سلطان الأزل لباساً يناسبه ويردّ عليه من المشية السابقة كسوة ملائمة، فانقسَم عبادُه الذين هم أيضاً من خلْقه واختراعه، إلى من سبقت له في المشيّة الأزليّة أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها، ويكون ذلك قهراً في حقّهم بتسليط الدواعي والبواعث عليهم، وإلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمته الى غايتها في بعض الأمور، ويكون ذلك لطفاً في حقّهم. فكان لكلّ من الفريقين نسبةٌ خاصّة إلى المشيّة، فاستعير لإحداهما عبارةُ "الرضا" وللأخرى عبارة "الغضب". وظهَر على من غضب عليه في الأزل فعلٌ وقفت الحكمة به دون غايتها، فاستعير له "الكفران"، واردف ذلك بنقمة اللعن زيادة في النكال. وظهر على من ارتضاه في الأزل فعلٌ انساقت به الحكمة الى غايتها، فاستعير له الشكْر، واردف بخلعة الثناء زيادة في الرضاء والقبول. فكان الحاصل انّه أعطى الجمال ثم أثنى عليه، وأعطى النكال ثمّ قبّح وأردى، فيكون بالحقيقة هو المجمِل والمُثني على الجمال، والمثنى عليه بكلّ حال. وكأنّه لم يثن إلا على نفسه، وإنما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر، فهكذا كانت الأمور في أزل الآزال، وهكذا تسلسلت الأسباب بتقدير ربّ الأرباب، ولم يكن شيء من ذلك عن اتّفاق وبخت كما زعمَه أصحابُ ذيمقراطيس. ولا عن إرادة بحت من دون غاية وحكمة كما عليه أصحاب الأشعري، بل عن إرادةٍ وحكمةٍ وحكْمٍ جزْمٍ، وأمرٍ حتْمٍ، استُعير له لفظ "القضاء". وقيل: إنّه كلمحٍ بالبصر، ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء المبرم بما سبق به التقديرُ، فاستُعير لترتّب آحاد المقدورات بعضها على بعض، لفظ "القَدَر"، فكان لفظ القضاء بإزاء ذلك الأمر العقلي الكلّي، ولفظ القدَر بإزاء ذلك الأمر التفصيلي القدَري المتمادي إلى غير النهاية. وقيل: ليس شيء من ذلك بخارجٍ عن قانون القضاء والقدَر، فخطَر لبعض العباد أنّ القسمة لِماذا اقتضت هذا التفصيل؟ وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت في الايجاد والتكميل؟ وكأنّ بعضهم لقصورهم لم يطيقوا ملاحظةَ كُنْه الأمر والإحتواء على مجَامعه، فأُلجموا عمّا لم يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع، وقيل لهم: اسكتوا، فما لهذا خلقتم "لا يُسألُ عما يفعلَ وهمْ يُسألون"، عليكم بدين العجائز والزَمنى عن سلوك عالَم السماء، وقُصارى إيمانكم أن تؤمنوا بالغيب ايمانَ الأكمه بالألوان، اسكتوا، وأنّى للعميان والسؤال عن حقائق الألوان. وأما من امتلأت مشكاة عقلهم المنفعل من نور الله النافذ في السموات والأرض، وكان زيتهم أولاً صافياً يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فمسّته نارُ العقل الفعّال فاشتعل نوراً على نور، فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربّها فأدركوا الأمور كما هي عليه، فقيل لهم: تأدّبوا بأدب الله، واسكتوا، واذا ذُكر القدَر فأَمسكوا فإنّ للحيطان آذان، وحواليكم ضعفاءُ الأبصار فسيروا بسَير أضعفكم، ولا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار الخفافيش، فيكون ذلك سبب هلاكهم، فتخلّقوا بأخلاق الله، وانزلوا إلى السماء الدنيا من منتهى علوِّكم ليأنس بكم الضعفاء، ويقتبسوا من بقايا أنواركم المشرِقة من وراء حجابكم، كما يقتبس الخفّاش من بقاء نور الشمس والكواكب في جنح الليل، فيحيى به حياة تحتملها شخصُه وحالُه لا حياة المتردّدين في كمال نور الشمس، وكونوا كما قيل: شعر : شرِبنا وأهرَقنا على الأرضِ فضلةً وللأرضِ من كأسِ الكِرامِ نَصيبٌ تفسير : تمثيل نوري [بيان أن لا مؤثر في الوجود إلا الله، والحكمة في أفعاله] وقد ضرَب الله مثلاً لهذا المرام تقريباً إلى أفهام الأنام، وقد عرّف أنه ما خلَق الجِنَّ والإنس إلاّ ليعبدون، وكانت عبادتهم ومعرفتهم غاية الحكمة في حقِّهم، فأخبَر انّ له عبدين يُحبّ أحدَهما واسمه جبرائيل وروح القدس والروح الأمين، وهو عنده محبوب مطاع مكين، ويُبغض الآخر واسمه إبليس، وهو اللعين المنظَر إلى يوم الدين. ثمّ أحال الإرشاد والتعليم إلى جبرائيل فقال: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [النحل:102]. وقال: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر:15]. وقال: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ} تفسير : [النجم:5 - 6]. وأحال الإغواء والإضلال على إبليس فقال: {لِيضِلَّهُمْ عَنْ سَبيله}. والهداية: تبليغ العباد وسياقتهم الى غاية الحكمة، فانظر كيف نسبَها الى العبد الذي أحبّه. والإغواءُ: استيقافهم دون بلوغ غاية الحكمة، فانظُر كيف نسبَه إلى العبد الذي غضِب عليه مع انّه لا فاعِل ولا حاكِم إلاّ هو كما قال: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس:7 - 8]. وهذا محض العدل وحُسن الترتيب في النظام. ولهذا الأمر، يوجَد لك في الشاهد مثال، فالملك إذا كان له عبدان، ويريد أن يسقيه أحدهما، ويكنس الآخر فناءَ منزلة من القاذورات، لا يفوّض سقي الشراب الطيّب إلاّ إلى أحسنهما وأطيبهما منظراً وأحبهما إليه، ولا يعيّن للكُنْس إلاّ أقبحهما صورة وأخسّهما، ولا ينبغي لك أن تقول: هذا فعلي، فلم يكن فعله على مذاق فعلي، فإنّك أخطأت إذا أضفت ذلك الى نفسك، بل هو الذي صرفك وداعيتك لتخصيص الفعلِ المكروه بالشخصِ المكروهِ، والفعْل الحسَن بالشخص المحبوب، إتماماً للعدل، فإنّ عدلَه تارةً يتمّ بما لا مدخل لك فيه وتارةً يتمّ فيك أو بمالَكَ فيه مدخلٌ فإنّك ايضاً من أفعاله. فداعيتُك وعلمُك وقدرتُك وسائرُ أسباب حركتك في التعيين هو فِعْله الذي رتّبه بالعدْل والحكْمة ترتيباً تصدر منه الأفعال المعتدلة، إلاّ انّك لا ترى إلاّ نفسك، فتظنّ إنّ ما يظهر عليك في عالَم الشهادة ليس له سببٌ من عالَم الغيب والملكوت، فلذلك تضيفه الى نفسك. وإنّما أنتَ مِثْل الصَبيّ الذي ينظر ليلاً الى لعب المشعبِذ الذي يُخرج صوراً من وراء حجاب، يرقص ويَزْعق ويقوم ويقعد، فيتعجّب لظنّه أنّ هذه الأفعال إنّما تصدُر من تلك الصوَر. ولم يعلم أنّها لا تتحرّك بأنفسها، وإنّما تحركها خيوطٌ شَعريّة دقيقة لا تظهر في ظلام الليل، ورؤوسها في يد المشعبِذ، وهو محتجب عن الصبيان فيفرحون ويتعجّبون. وأما العقلاء، فإنّهم يعلمون أنّ ذلك يُحرَّك وليس يتحرَّك، ولكنّهم ربما لم يعلموا تفصيله، والذي يعلم بعضَ تفصيله لا يعلمه كما يعلم المشعبِذ الذي يعود الأمرُ إليه، والجاذبة بيديه، فكذلك صبيان الدنيا والخَلْق كلُّهم صبيانٌ، إلاّ العلماء، إلاّ إنّهم لا يعرفون كيفيّة التحريك، وهم الأكثرون، إلاّ الراسخون في العلم، فإنّهم أدركوا بحدّة أبصارهم خيوطاً ورباطاتٍ دقيقةً معلقةً من السماء، متشبّثة الأطراف بأشخاص أهل الأرض، لا تُدرَك تلك الخيوط لدقّتها بهذه الأنظار الظاهرة، ثمّ شاهَدوا رؤوسَ تلك الخيوط في مناطات لها هي معلّقة منها، ولها أيضاً مقابضٌ وعُرىً هي في أيدي الملائكة المحرّكين للسماوات، وشاهَدوا أبصار ملائكة السموات مصروفةً إلى حمَلةِ العرْشِ ينتظرون منهم ما ينزل إليهم من الأمر من حضرة الربوبيّة، كي لا يعصون الله ما أمرَهم ويفعلون [ما يؤمرون]. وعبّر عن هذه المكاشفات في القرآن: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات:22]. وعبّر عن انتظار الملائكة لما ينزل إليهم من الأمر والقُدرَة بقوله تعالى: {أية : خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا}تفسير : [الطلاق:12]. مكاشفة أخرى [مظاهر الرحمة والغضب] إنّ لله مع تقدّس ذاته وتنزّه صفاته عن الأجزاء والأعضاء، يدَين مقدّستين كلتاهما يمين الله، وهما في الأفعال العاليَة بإزاء الصفَتين المتقابلتين؛ كالرحمة والغضب، والرضاء والسخط في الصفات. ولهما قبضتان، كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67]. ووَرد في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : يطوي الله السمواتِ يومَ القيامة ثمّ يأخذهنّ بيده اليُمنى ثمّ يقول: أنا الملِك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبّرون؟ ثم يطوي الأرَضين بشماله ". تفسير : وفي رواية يأخذهنّ بيده الأخرى ثمّ يقول: أين الجبّارون، أين المتكبرون؟ وله أيضاً عند إستوائه على العرش قدَمان متدلّيتان إلى الكرسي، إحداهما ما يعبّر عنه بقدَم الصدْق يعطي ثبوت أهل الجنّات في جنّاتهم، والأخرى ما يعبَّر عنه بقدَم الجبروت، يعطي ثبوت أهل جهنّم في جهنّم. فهذه الأمور من المراتب الإلهيّة، ولوازمها من الأمور العامّة، وهي التي تعرض للموجودات الإمكانية لقصور درجتها عن درك المراتب الإلهيّة. فاعلم انّ حكم الغضبَ الإلهي تكميل مرتبة قبضة الشمال، فإنّه وإن كانت كِلتا يدَيه المقدّستين يميناً مباركة، لكن حكْم كلّ واحدة منهما يُخالف الأخرى، والشماليّة واليمينيّة، باعتبار أصحابهما فلهذا قال: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67]. فجعل الأرض مقبوضة والسماء مطوية، فافهم. فلليدِ الواحدة - المضاف إليها عموم السعداء - الرحمة والجنان، وللأخرى العذاب والنيران. ولكلٍّ منهما دولة وسلطنة يظهر حكمها في السعداء القائمين بشروط العبوديّة وحقوق الربوبيّة حسَب المقدور، وفي الأشقياء المعتدين الجائرين المنحرفين عن سنن الاستقامة ومسلك الاعتدال، المفرَطين في حقوق الإلهية، والمضيفين إلى أنفسهم ما لا يستحقّونه. وغاية حظّهم من تلك الأحكام ما اتّصل لهم بشفاعة ظاهر الصورة الإنسانية المحاكية لصورة الإنسان الحقيقي، وشفاعة نسبة الجمعيّة والقدْر المشترك الظاهر بعموم الرحمة الظاهرة الحكْم في هذه الدار، فلما جهلوا كنْه الأمر فاغترّوا وادّعوا وأشركوا وأخطأوا في الإضافة، فلا جرَم استعدّوا بتلك الأحكام الغضبَ والانتقام، فالحقّ يطالبهم بحقّه في القيامة. ولولا سبق الرحمةِ الغضب، ما تأخّرت عقوبة مَنْ شأنُهُ ما ذكرناه، مع انّه ما ثمَّ من سُلم من الجور بالكليّة، ولو لم يكن إلاّ جورنا في ضمن أبينا آدم حين مخالفته فلكلّ منّا نصيبٌ من ذلك، يجني ثمرته عاجلاً بالمحن، وآجلاً بحكم: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}تفسير : [مريم:71]. وإلى عموم الجور وقعت الإشارة في قوله: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [النحل:61]. ولكن الرحمة العامّة أخّرت سلطنة الحكم العدْل إلى يوم القيامة، الذي هو يومَ الكشف، ويومُ الفصل والقضاء، فهناك يظهر الأمر تماماً، ولهذا قال: {مَالِكِ يَومِ الدِّين}، لأنّه يوم المجازات بالعدل الحقيقي، والسرّ فيه أنّه لو ظهَر الحكم العدل ها هنا، ما جارَ أحدٌ على أحدٍ ولا تجاسَر على ظلْمه، ولا افترى على الله وعلى غيره، ولكان الناس أمّة واحدةً، ولم تكمل مرتبة القبضتين وحكم القدَمين ولا مظاهر الأسماء المتقابلة، فأين إذاً: {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} تفسير : [الإسراء:20]، أي: ممنوعاً، فالرحمة العامّة تستلزم العطاءَ الشامل لكل شيءٍ، لا جرم وقع الأمر هكذا، فحقّت الكلمة، وعمّت النعمة، وظهَر حكم الغضب، ثمّ غلبت الرحمة، فلا يخلو منها شيء من الممكنات، كلّ منها على حسب حاله وقدْر منزلته. فكما انّ رحمتُه تعالى شاملة واسعة لكلّ شيءٍ، فكذلك غضبُه، إلاّ انّ جانب الرحمة ارجح لكونها ذاتيّة، والغضب عارض، لقصور الممكن لإمكانه عن قبول النور الأتمّ. وإليه الإشارة في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): سبحانَ مَن أتّسعت رحمتُه لأوليائه في شدة نقمته، واشتدّت نقمته لأعدائه في سعة رحمته. وكذا الوعد والايعاد شاملٌ للكلّ، إذ وعده في الحقيقة عبارةٌ عن ايصال كلّ واحد منّا إلى غايته وكماله المعيّن له أزلاً، فكما انّ الجنّة موعودٌ بها، كذلك النار. ووعيده هو العذاب الذي يتعلّق بالإسم المنتقم، فأهل الجنّة إنما يدخلونها بالايعاد والابتلاء بأنواع المصائب والمحَن، كما ورَد في الخبر عنه (صلّى الله عليه وآله): حديث : أشدّ الناس بلاءً في الدنيا الأنبياء، ثمّ الأولياء، ثمّ الصالحون، ثمّ الأمثلُ فالأمثَلُ وقال أيضاً: ما أوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت . تفسير : ثمّ فوق هذا سرٌّ عزيزٌ جداً قلّما يجد له ذائقاً، وهو انّ الكمّل من أهل الله كالانبياء والأولياء ومن شاركهم في بعض صفات الكمال، إنّما امتازوا عن من سواهم أولاً بسعة الدائرة الوجوديّة، وصفاء جوهر الروح، والاستيعاب الذي هو من لوازم الجمعيّة، كما نبّهت عليه في حقيقة الإنسان الكامل، الذي هو برزخ الحضرتين ومرآتهما، وحضرة الحق مشتملة على جميع الأسماء والصفات، بل هي منبعٌ لسائر النِسب والإضافات، والغضب من امّهاتها، والمحاذاة الشريفة الصفاتية إنّما قامت بين الغضب والرحمة. فمَن ظهر بصورة الحضرة الجمعيّة بتمامها، وكانت ذاته مرآة كاملة، لا بدّ وأن يظهر فيها كلُّ ما اشتملت الحضرة، وما اشتمل عليه الإمكان على الوجه الأتمّ الأشرف، فلا جرم وقع الأمر كما مرّ من سرّ قوله: ما أوذي نبيٌّ مثلَ ما أوذيت. وما يجري مجرى ذلك. ولولا سبق الرحمة الغضب، كان الأمر أشدّ، فكما ان حظّهم من النعيم أشدّ، فكذا في الطرف الآخر، لكن في الدنيا، لأن هذه النشأة هي الظاهرة بأحكام حضرة الإمكان المقتضية للنقائص والآلام، ولذا قال: نحنُ معاشر الأنبياء أشدّ الناس بلاءً في الدنيا. ومن بُعث رحمةً للعالمين فدى بنفسه - في الأوقات الشديدة كالغَزوات المقتضية عموم العقوبة لسلطنة الغضب - ضعفاء الخلق. وكذا نبّه على هذا السرّ (صلّى الله عليه وآله) أهلَ الذوق، الأتمّ لمّا رأى جهنّم وهو في صلاة الكسوف يتّقي حرَّها عن وجهه وثوبه، ويتأخّر عن مكانه، ويتضرّع ويقول: ألم تعدني يا ربّ أنّك لا تعذّبهم وأنا فيهم؟ ألم ألم حتّى حجبت عنه فأفهم واغتنم. وأهل النار إنّما يدخلونها بالجاذب والسائق والجاذب إلى النار المناسبةُ الواقعةُ بينها وبين أهلها. والسائق لهم هو الشيطان، كما أنّ الجاذبَ لأهل الجنّة إلى الجنّة المناسبةُ بينهما، والسائق لهم المَلَك، فالوعْد والوعيد كلاهما شاملان لكلّ العبيد وفيه سرّ قوله (صلى الله عليه وآله): حديث : حُفَّت الجنّةُ بالمكاره وحُفّت النارُ بالشهواتتفسير : . بل الجنّة نفسُ المكاره عند من كره لقاءَ الله وكره الله لقائهم. والنار مبدأ الشهوات وصورتها الأخرويّة لمن يستحقّها، وهي نعيمهم، كما أنّ الجنَة نعيمُ أهلها، ويملأ الله جهنَّم بغضبه المشوب وقضائه، ويملأ الجنّة برحمته المشوبة ورضاه، فيعم الوجود رحمة، ويبسط النعمة فيكون الخَلق كما هم في الدنيا كلُّ حزبٍ بما لدَيهم فرِحون، لأنّهم أفعاله الصادرة منه. وقد ورد في الخبر: إنّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال، وهو صانعُ العالَم وأوجده على شاكلته كما قال: {أية : كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء:84] فَربُّكُم الغفُورُ ذُو الرَّحْمةِ. فالعالَم كلّه على غاية الجمال لأنّه مرآة الحق. ولهذا هَامَ فيه العارفون، وتحقّق بمحبّته المتحقّقون، لأنه المنظور إليه في كل عين، والمحبوب بكلّ محبّة، والمعبود بكلّ عبادة، والمقصود في الغيب والشهود، وجميع العالم له مصلٍّ وحامد ومسبّح. فيتحوّلون لتحوّله في الأحكام والآثار، وآخر صورة يتحوّل إليها في الحكم في عباده صورةُ الرضا. فيتحوّل الحقّ في صورة النعيم، فإن الرحيم والمعافي أول من رحم ويعفو وينعم على نفسه بإزالة ما كان فيه من الحرَج والكرَب والغضَب على من أغضبه، ثمّ سرى ذلك في المغضوب عليه، فمن فهم هذا فقد أمِنَ من غضبه، ولم يأمن من مكر الله، ومن لم يفهَم، فسيَعلمُ ويفهم، فإنّ المآل إليه. هذا نظر البالغين من الرجال بنور الرياضة والمجاهدة الى مقام الولاية والمحبّة والأحوال، وأمّا الذي وردت به الأخبار، وأعطاه الايمان والعلْم، إنّما هي أحوالٌ تظهر ومقامات تتشخّص ومعانٍ تتجسّد، ليعلم الله عباده معنى الإسم الإلهي الظاهر، وهو ما بدا من هذا كلّه، والإسم الإلهي الباطن، وهو هويّته، وقد تسمّى لنا بهما. وأما قوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم:71]. فإنّ الطريق الى الجنّة عليها، فلا بدّ من الورود. ولما تقرّرت هذه المكاشفات فنقول: لمّا خلَق الله العرشَ وجعله محل استواء الرحمة الوجوديّة، وأحديّة كلمة الايجاديّة التي هي قول "كن"، وخلَق الكرسي وانقسمت فيه الكلمة إلى أمرين: أمر وخَلْق ليخلق من كلّ شيء زوجين. وظهرت الشفعيّة من الكرسي بالفعل، وكانت قبله بالقوّة، وبحسب الوهم، إذ كل ممكن زوج تركيبي كما قالته الحكماء، وهما جهتا الإمكان والوجوب، أو الماهية والوجود، أو الفقر والمحبّة، باختلاف العبارات، ليعلم أنّ الحق مستأثرٌ بالأحديّة وإنّ الموجدَ الأول وإن كان واحد العين فله حكم نسبة إلى ما ظهر عنه، فهذا أصل شفعيّة العالَم، فتدلّت إلى الكرسي القدمان حتّى انقسمت فيه الكلمةُ الروحانيّة، لأنه الثاني بعد العرش في الصورة، والشكل فيه حصل شكلان في جسم العالَم الطبيعي، فتدلّت اليه القدمان، فاستقرّت كلّ قدم في مكان، فسمّي المكان الواحد جنّة والآخر جهنّماً. وليس بعدهما مكان تنتقل اليه هاتان القدمان، وهما لا يستمدّان إلاّ من الأصل الذي ظَهَرَتا منه وهو الرحمن، فلا يعطيان إلاّ الرحمة، فإن النهاية ترجع الى البداية بالحكمة، غير أن بين البداية والنهاية طريقاً، وإلاّ لم يكن بدؤ ولا نهاية، والسفر مظنّة التعب والشقاء واللغوب. فهذا سبب ظهور ما ظهر في العالم دنياً وآخرةً، وبرزخاً، من الشقاء، وعند انتهاء الاستقرار يلقي عصى التسيار، وتقع الراحة في دار القرار والبوار. ولأحد أن يقول: فكان ينبغي عند الحلول في الدار الواحدة المسمّاة ناراً أن توجد الراحة وليس الأمر كذلك. فيقال له: صدقتَ، ولكن فاتك النظر التمام، وذلك انّ المسافرين على نوعين: مسافر يكون سفره مما هو فيه مترفهاً، من كونه محبوباً مخدوماً، حاصلاً له جميع أغراضه في محفّة محمولة على أعناق الرجال، محفوظاً عن تغير الأهواء، فهذا مثلَه في الوصول الى المنزل، مثَل أهل الجنّة في الجنّة. ومسافر يقطع الطريق على قدميه، قليل الزاد، ضعيف المؤنة، إذا وصَل إلى المنزل بقيت معه بقيّة التعب والمشقّة زماناً، حتى تذهب عنه، ثمّ يجد الراحة، فهذا مثَل من يتعذّب ويشقى في النار التي هي منزله، ثمّ تعمّه الراحة التي وسعت كلّ شيء. ومسافر بينهما ليست له رفاهيّة صاحب الجنّة، ولا عذاب صاحب النار التي منزله، فهو بين راحة وتعب، فهي الطائفة التي تخرج من النار بشفاعة الشافعين، وبإخراج أرحم الراحمين. وهم على طبقات بقدر ما يبقى عنهم من التعب فيزول في النار شيئاً فشيئاً، فإذا انتهت مدّته، خرج الى الجنة وهو محلّ الراحة. وآخر من بقي هم الذين ما عملوا خيراً قط، لا من جهة الايمان، ولا بإتيان مكارم الأخلاق، غير انّ العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل تلك الدار وهم من أهل الدار، الذين هم أهلها، فغلّقت الأبواب، واطبقت النار، ووقع اليأس من الخروج، فحينئذ تعمّ الراحة لأهلها، لأنّهم قد يئسوا من الخروج منها كما يئس الكفّار من أصحاب القبور. وقد جعلهم على مزاج يصلح ساكن تلك الدار، فلما يئسوا فرِحوا، فنعيمُهم هذا القدر، وهو أول نعيم يجدونه، وحالهم فيها كما قدمنا بعد فراغ مدّة الشقاء، انّهم يستعذبون العذاب فتزول الآلام، ويصير العذاب عذباً كما يستحلي صاحبُ الجرَب من يحكّه، هذا ما أدّى اليه نظر صاحب المشرب الختمي والمقام الجمعي، حيث ذكر بعد ما نقَلناه من مكاشفاته. فافهم نعيم كل دار تستعذبه إنشاء الله. ألا ترى صدق ما قلناه، النار لا تزال متألّمة لما فيها من النقص وعدم الإمتلاء حتّى يضع الجبّارُ قدمَه فيها كما ورد في الحديث، وهي إحدى تينك القدَمين المذكورتين في الكرسي. والاخرى التي مستقرّها الجنّة قوله: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [يونس:2] والاسم "الربّ" مع هؤلاء، و "الجبار" مع هؤلاء الآخرين. لأنها دار جلال وجبروت وهيبة، والجنّة دار جمال وانس ومنزل إلهي لطيف، وهما بأزاء القبضتين المذكورتين في الحديث القدسي: الواحد لأهل النار ولا يبالي، والآخرة لأهل الجنّة ولا يبالي، لأن مآلهما الى الرحمة الواسعة. ولو كان الأمر كما يتوهّمه مَن لا علْم له من عدم المبالاة، ما وقع الأمر بالجرائم والحدود، ولا وصَف نفسَه بغضَب، ولا البطش الشديد، فهذا كلّه من المبالاة والهمّ بالمأخوذ المحدود، إذ لو لم يكن له قدْر ما عذّب ولا استعذب، وقد قيل في أهل التقوى: إنّ الجنّة اعدّت للمتّقين. وقال في أهل الشقاء: {أية : أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الإنسان:31] فلولا المبالاة ما ظهر هذا الحكم. فللأمور والأحكام مواطن عرفها أهلها، ولم يتعدّ بكل حكم موطنه، والعالَم لا يزال يتأدّب مع الله وبعالَمه في كل موطن بما يريد الحقّ، ومن لا يعلم ليس كذلك، فبالقدمين أغنى وأفقر، وبهما أمات وأحيى، وبهما خلق الزوجين الذكر والأنثى، وبهما أعزّ وأذلّ، وأعطى ومنع، وأضرّ ونفع، ولولاهما ما وقَع في العالم شركٌ، فانهما اشتركتا في الحكم والعالَم، فلكل منهما دارٌ يحكم فيها، وأهلٌ يحكم فيهم بما شاء الله من الحُكم. مكاشفة اخرى [درجات غضبه تعالى] اعلم أنّ النعيم والعذاب ثمرةُ الرضا والغضَب، ولكل منهما ثلاث مراتب كما في باقي الصفات. فأول درجات الغضب يقضي بالحرمان وقطع الإمداد العلمي المستلزم لتسلّط الجهل والهوى والنفس والشيطان. لكن كلّ ذلك موقتاً إلى أجل معلوم عند الله في الدنيا، إلى النفس التي قبل آخر الانفاس في حق من يختم له بالسعادة الأخرويّة، كما ثبت في الحديث، سواء كانت سلطنة ما ذكر ظاهراً أو باطناً، أو هما معاً. ولا شك في أن كلاّ من الأمور المذكورة مبادي كمالات دنيويّة، ولذّات عاجلية لمن في حزبها. والرتبة الثانية تقضي بانسحاب الحكم المذكور باطناً ها هنا، وظاهراً في الآخرة برهة من الزمان الأخروي، أو يتّصل الحكم إلى حين دخول جهنّم وفتح باب الشفاعة، وآخر مدّة الحكم حال ظهور حكم أرحم الراحمين بعد انتفاء حكم شفاعة الشافعين. والرتبة الثالثة تقتضي التأبيد ودوام حكم التبعيد، كما في قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : انّ الله لم ينظر الى الأجسام مذ خلقهاتفسير : ، وكمال حكم هذا الغضب يظهر يوم القيامة، كما أخبر الرسل عن ذلك قاطبة بقولهم الذي حكاه نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) وعليهم: إن الله غضب اليومَ غضَباً لم يغضب قبله، ولن يغضب بعده مثله. فشهدت بكماله شهادة يستلزم بشارة لو عرفت لم تيأس من رحمة الله، ولو جاز إفشاء ذلك، وكذا سرّ تردّد الناس إلى الأنبياء (عليهم السلام)، وابتهالهم الى نبيّنا عليه وعليهم السلام، وسرّ فتح الله باب الشفاعة، وسرّ وضع الجبّار قدمَه فيها - يعني في جهنّم - فينزوي بعضها الى بعض وتقول قطّ قطّ - أي حسبي حسبي - وسرّ السجدات الأربع، وما يخرج من النار كلّ دفعة، وما تلك المعاودة، وسرّ قول مالك خازن جهنّم لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله) في آخر مرّة يأتيه لاخراج آخر من يخرج بشفاعته: يا محمّد ما تركتَ لغضَب ربك شيئاً، وسرّ قوله: شفعت الملائكة وشفع النبيّون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، وسرّ قوله سبحانه لنبيه عند شفاعته في أهل لا إله إلاّ الله: ليس ذلك لك. الذي يقول في أثره شفعت الملائكة الحديث، وغير ذلك من الأسرار التي رمزت واجمل ذكرها مما يبهر العقول ويحيّر الألباب كما قيل: شعر : وما كلُّ معلومٍ يُباح مصونة وما كلّ ما املتْ عيونُ الظبا يُروى تفسير : مكاشفة اخرى [باطن الغضب] وكلّ صفة إلهيّة واسم ربّاني - كما ان لها مظاهر ولوازم ايجادية - فلها أيضاً غايات وحِكَم مترتّبة عليها، وثمرات أخرويّة تنبعث عنها، فنقول: حِكمة الغضَب وباطنُه الذي ينسحب عليه حكم الرحمة العامّة، وتظهر منه الغاية الوجوديّة في المغضوب عليهم كما قال {أية : بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد:13] أمور ثلاثة: وقايةٌ وتطيرٌ وتكميلٌ. اما النوع الأول: هو الوقاية، فكصاحب الآكِلة إذا ظهرت في عضو، وقدّر أن يكون الطبيبُ والده أو صديقه، فإنّه مع فرط محبته يبادر لقطع العضو المعتلّ، لمّا لم يكن فيه قابليّة الصلاح والمعالجة، فستراه يباشر الايذاء الظاهر، وهو شريك المتأذّي، ولا مندوحة، لتعذّر الجمع بين العافية وترك القطع، لمّا لم يساعد استعداد العضو على ذلك، وكذا في يد من لسعته الحيّة، والمعاصي بمنزلة الآلام والآفات الحاصلة لباطن الإنسان من لذع حيّة الهوى وعقارب الشهوات الكامنة، التي ستظهر بصورها الخاصّة في نشأة القبر والبرزخ وغيرها، فافهم ذلك، وتذكّر: "ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مسإته ولا بدّ له من ذلك" والوالد يُظهر الغضبَ لولده رعايةً لمصلحة، وهو في ذاته غير غاضبٍ، وإنّما يظن الولد والده مغضباً لما يشاهد من الآثار الدالّة على الغضَب عادة، والأمر بخلافه في نفس الأمر، وإنّما ذلك لقصور نظر الولَد، قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} تفسير : [آل عمران:131]. {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة:24]. ألا ترى أنّ النار قد يتخذ دواء لبعض الأمراض في الدنيا، فهي وقاية وهو الداء الذي لا يشفى إلاّ بالكَيّ من النار. فكما جعل الله النار وقاية في هذا الموطن من داء هو أشدّ منها في حقّ المبتلى به فكذلك جعل في الآخرة النار دواء كالكيّ من داء، وأيّ داء أكبر من الكبائر، فدفع بدخولهم يوم القيامة داء عظيماً أعظم من النار، وهو البُعد عن حضرته، كما في الحدود الدنيويّة وقاية من عذاب الآخرة. وأما النوع الثاني، وهو التطهير، فمثالُه لو أنّ ذهباً مزج برصاص ونحاس لمصلحة لا يمكن حصولها إلا بالمجموع ثم إذا انقضى الوقت المراد لأجله هذا الجمع والتركيب، وحصل المطلوب، وقصد تميز الذهب ممّا مازجه من غير جنسه، لا بدّ وأن يجعل في النار الشديدة لينفرد الذهب عن غير جنسه، ويظهر كماله الذاتي، ويذهب ما جاورَه مما لم يطلب لنفسه وإنّما اريد لمعنى فيه يتّصل بالذهب، وقد اتّصل، كماء الورد، كان أصله ماءً فعاد الى أصله لكن بمزيد عطريّة وكيفيّات مطلوبة. وهكذا الأمر في الغذاء، توصله الغاذية، وتضمّه الى الإنسان، فإذا استخلصت الطبيعة منه المراد، رمت بالثفل إذ لا غرض فيه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأنفال:37]. وقال أيضاً في هذا المعنى ببيان أوضح وأتمّ تفصيلاً: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الرعد:17 - 18]. الآيات، فتدبّر. ففيها تنبيهاتٌ شريفةٌ على أحوال أهل قبضة الغضب وأهل قبضة الرحمة. وأما النوع الثالث: وهو التكميل وهو الأصل في الغاية وما سبق من التوقّي والتطهير كان لأجله، فمشارٌ إليه في تبديل السيّئات حسنات. وأنت إذا تدبّرت وفتّشت حالَ الموجودات عند شدائدها وآلامها، وانقلاباتها الطبيعيّة والذاتيّة، التي بحسب الأسباب الباطنة، لا تجد منها أحداً إلاّ وقد ولاّه الله إلى ما هو خيرٌ له مما كان أولاً، ووجّهه إلى أصله وكماله. هذا ما اقيم عليه البرهان كما أشرنا من قبل، وحكَم به الاستقراء والتجربةُ والوجدانُ، وفيه سرُّ الربوبيّة وأحدِيّة الفعل من حيث الأصل والفاعل والغاية، مع أنّه لا مُكرِه ولا مُغضِب ولا مُزاحِم ولا رادّ له تعالى من خارج. وكان أصل ايجاده للعالَم على أكمل وجهٍ اقتضته حكمتُه ومشيّته، فليس في الوجود جهةٌ من الجهات، ولا وجهٌ من الوجوه الوجوديّة، إلاّ وهو أصله ومبدأه ومنشأه فافهم وارْقَ، فإنّك إن علوتَ من هذه النمط، استحليت بسرّ القدَر المتحكّم في العلم والعالم والمعلوم. ومن رقا فوقَ ذلك رأى غلط الإضافات الشائعة في الأفعال والأسماء والصفات والأحوال، وإن رَقا فوق ذلك، رأى الجمالَ المطلق الذي لا قُبح عنده، ولا شرّ فيه، ولا غلظ ولا نقص ولا تخويف. وإن رقا فوقَ ذلك، رأى الجورَ والعدلَ، والظُلَم والحِلَم والتعظيمَ والإهانةَ، والكتمانَ والإبانَة، والوعْدَ الوعيدَ، كلَّها محترقةً بنور السَبَحات الوجهيّة مستهلكةً في عرصة الحضرة الذاتيّة الأحديّة، فإن رقا عن ذلك، سكتَ فلم يفصح، وعمي فلم ينظر، وذهب فلم يظهر، فإن أعيد ظهرَ بكل وصفٍ، وكان المعنى المحيط بكل حرف. فصل في بيان نبذ من فضائل سورة الفاتحة اعلم أنّ المقصد الأقصى واللباب الأصفى من إنزال القرآن وتنزيله على أشرف خَلْق الله (صلّى الله عليه وآله) أولاً، وعلى أمّته الذين هم خير الأمم ثانياً، هو هداية الخلْقِ وإرشادهم وتكميلهم بسياقتهم إلى الله ودار كرامته، على أتمّ وجهٍ وأشرفه. وذلك إنّما يحصل بتزيين نفوسهم بأنوار الحكمة والمعرفة، وتجريدها عن رقّ الطبيعة، وأسْر قواها الشهويّة والغضبيّة والوهميّة، التي هي مداخل الشيطان في باطن الإنسان، وتطهيرها عن أرجاس العنصريّات وقاذوراتها، وتخليصها عن مكائد الشياطين وجنودها الداخليّة والخارجيّة. فالقرآن مشتملٌ من الحكمة والمعرفة على عظائمها وأصولها، التي عجزت عن دركها أفهام السابقين واللاحقين، ومن الشريعة والطريقة على لطائفها ولبابها، التي خلت عنها زُبر المتقدّمين والمتأخّرين. ولعمري، إنّه كصورة جمعيّة العالَم المخلوق على صورة الرحمن، الدالّ بهيئته ونِظامه، واشتماله على مَظاهر الصفات الجماليّة من الملائكة وأنوارها ومَن ضاهاها، والصفات الجلاليّة من الأجسام وقواها وما شابَهها، على وجود مَن له الخلْق والأمر. ونسبة سورة الفاتحة الى القرآن كلّه، كنسبة الإنسان - وهو العالَم الصغير - إلى العالَم - وهو الإنسان الكبير- . وكما أنّ الإنسان الكامل كتابٌ وجيزٌ ونسخةٌ منتخبةٌ، يوجَد فيه كلّ ما في الكتاب الكبير الجامع الذي لا رطب ولا يابس إلاّ ويوجد فيه، ولا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها. كما قيل: شعر : من كلّ أمرٍ لبُّه ولطيفُه مستودَعٌ في هذه المجموعة تفسير : فكذلك فاتحة الكتاب، مع قِصرها ووجازتها، توجَد فيها مجامع مقاصد القرآن، وأسرارها وأنوارها، وليس لغيرها من سائر السور القرآنيّة هذه الجامعيّة، كما ليس لواحد من صوَر أجزاء العالَم ما للإنسان من صورة الجمعيّة الإلهيّة على ما قيل: شعر : ليسَ من الله بمستنكرٍ أن يجمعَ العالَم في واحدٍ تفسير : والعارف المحقّق، يفهم من هذه السورة الواحدة جميعَ المعارف والعلوم الكليّة المنتشرة في آيات القرآن وسوَره، كما وقعَ التنبهُ عليه، ومن لم يفهم هذه السورة على وجه يستنبط منها عمدة أسرار العلوم الإلهيّة والمعالم الربّانية؛ من أحوال المبدَعو المَعاد، وعلم النفس وما بعدها وما فوقها، الذي هو مفتاحُ سائر العلوم كلّها، فليس هو بعالِم ربّاني، ولا مهتدٍ بتفسيرها على وجهه. ولو لم تكن هذه السورة مشتملة كما قلنا على أسرار المبدء والمعاد، وعلم سلوك الإنسان إلى ربّه، لما وردت الأخبار على فضلها، وأنّها تُعادل كلَّ القرآن، إذ لا مرتبة ولا فضيلة لشيءٍ بالحقيقة إلاّ بسبب اشتماله على الأمور الإلهيّة وأحوالها كما مرّ مراراً. ولو أن إنساناً أراد أن يعلم انّ أي الأشياء هو أفضل ما به يتقرّب العبدُ الى الله تعالى، وأيّها اكسير السعادة الأخرويّة التي يجعل حديد قلب الإنسان ذهباً خالصاً وإبريزاً صافيا يليق أن تتختم به يد الملك ويختم به خزائنه الشريفة، فليتأمّل وليذعن ان ذلك يجب أن يكون من الأمور التي أنزلها الله على قلب بشر، ويجب أن يكون ذلك الشيء من قبيل ما يوجَد في كتب الأنبياء سلام الله عليهم وخزائن أسرارهم، والذي أفاض على قلوبهم من العلوم والمعارف. ولا بدّ أن يكون النبيّ الذي أوحى الله إليه بهذا الأمر الذي هو أشرف ما يستكمل به جوهر الإنسان، هو أشرف الأنبياء وأفضلهم وخاتمهم عليه وآله أفضل التحيّات وأنور التحميدات. ولا بدّ أن يكون المكانُ والزمانُ الذي وقع الايحاء والتكليم والهدايةُ له (صلّى الله عليه وآله) بهذا أعلى الأمكنة، وأسعد الأزمنة، فلا بدّ أن يكون ذلك الإنعام عليه عند عروجه إليه تعالى ليلة المعراج، والذي نزلَ ليلة المعراج على النبي (صلّى الله عليه وآله) من السوَر والآيات، كان هذه السورة وخواتيم سورة البقرة. فهذا مما دلّ على أن أفضل السوَر سورة الفاتحة، وأفضل الآيات خواتيم سورة البقرة، ولهذا لا بدّ وأن يكون كلاً منهما مشتملاً على غاية الكمال الإنساني. وسبب ذلك، أن سعادة الدارين، إنّما تتمّ بدعوة الخلْق من قِبَله تعالى بواسطة متوسّطٍ مؤيَّدٍ شريفٍ مطاعٍ أمينٍ كما قال تعالى: {أية : ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} تفسير : [التكوير:20- 21]. ولكلّ مؤيَّد مطاع في الروحانيات مطاع في الجسمانيات، بل المطاع في الروحانيّات ثمرة المطاع في الجسمانيّات، فإنّ الدنيا بحذافيرها مظاهر وفروع لِما في الروحانيات، لأنّ نسبة عالَم الغيب إلى عالَم الشهادة نسبة الأصل إلى الفرع، ونسبة النور الى الظلّ، فكلّ شاهد فله في الغائب أصل، وإلاّ لكان كسراب زايل وخيال باطل، وكلّ غائب فله في الشاهد مثال، وإلاّ لكان الشاهد كشجرة بلا ثمرةٍ، ودليل بلا مدلولٍ، فالمطاعُ ها هنا صورةُ المطاعِ هناك، والمطاعُ في عالَم الأرواح هو المصدر، والمطاع في عالَم الأجسام هو المظهر، وبينهما ملاقاة واتّصال، وبهما تتمّ سعادة الدارَين، لأنهما يدعوان الى الله بالرسالة. وحاصل الدعوة والرسالة أمور سبعة تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، منها أربعةٌ متعلقةٌ بأسرار المبدء وهي: معرفة الربوبيّة وعلم المفارقات من الحكمة الإلهيّة، أعني معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} تفسير : [البقرة:285]. ومنها ما يتعلّق بالوسط وهو إثنان: أحدهما معرفة العبوديّة: {أية : وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [البقرة:285]. والثاني كمال العبوديّة، وهو الإلتجاء الى الله تعالى وطلب المغفرة منه: {أية : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} تفسير : [البقرة:285]، وواحد يتعلق بالمعاد، وهو الذهاب الى الملك الجواد: {أية : وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة:285] فكذلك تشتمل هذه السورة على هذه الأمور السبعة: فقوله: {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، مشتملٌ على توحيد الذات والصفات. وقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، فيه توحيد الأفعال وهي قسمان: عالم الأمر، وفيه الملائكة المقرّبون، وعالَم الخلْق، وأصله وصفوته الأنبياء والمرسلون ومن يتلوهم. وقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ}، إشارة إلى عالم التحميد والتقديس والتسبيح، وفيه الملائكة المسبّحون بحمده تعالى. وقوله: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، إشارة الى كُمَّل أهل العلم والعرفان، وهم الأنبياء والأولياء ومن يتلوهم. وقوله: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، أي رحمـٰن الدنيا ورحيم الآخرة، فيه إشارة الى أهل الرحمة الإلهية في كِلا العالَمين، وهم الملائكة والرسل. وقوله: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}، إشارة الى حقيقة المعاد، ورجوع الكل إليه تعالى، لأنه غاية الغايات. وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، إشارة الى كيفية العبودية بتهذيب الأخلاق وتصفية الباطن، وإلى طلب الالتجاء الى الله، وهي حالة الإنسان فيما بين البداية والنهاية. وقوله: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، إشارة الى العلم بكلمات الله وآياته. وقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، إلى آخر السورة، إشارة الى القرآن المجيد الذي هو أشرف الكتب السماوية، وهي الألواح النفسية النازلة على الأنبياء السابقين، لأن الجوهر النفسي العقلي من النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي هو جوهر النبوة، كلمة إلهية بوجه، وكتاب مبين فيه آيات الحكمة والمعرفة بوجه، هو بعينه صراط الله العزيز الحميد، إذ لا يمكن وصول العبد الى الله إلا بعد الوصول الى معرفة ذاته، وكذا من ينوب عنه (ع)، كما دلّ عليه الحروف المقطّعات القرآنية: "عليٌّ صراط حقّ نُمسكه". وتنبعث من هذه المراتب سبع مقامات في المكالمة الحقيقية مع الله بالدعاء: أولها: الذِكْر: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة:286]. فضد النسيان وهو الذكر، {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} تفسير : [الكهف:24]. وهذا الذكر إنما يحصل بقوله: {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. وثانيها: {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} تفسير : [البقرة:286]، ورفع الإصْر والمشقّة في الحمل يوجب الحمد: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. وثالثها: {أية : رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} تفسير : [البقرة:286]، وذلك إشارة الى كمال رحمته: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}. ورابعها: {أية : وَٱعْفُ عَنَّا} تفسير : [البقرة:286] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة يوم الآخرة: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}. وخامسها: {أية : وَٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [البقرة:286]، لأنا التجأنا بكليّتنا إليك، وتوكّلنا في جميع الأمور عليك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. وسادسها: {أية : وَٱرْحَمْنَآ} تفسير : [البقرة:286]، لأنا طلبنا الهداية منك {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}. وسابعها: {أية : أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة:286]، {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. فهذه المراتب ذكَرها محمد (صلّى الله عليه وآله) في عالم الأرواح عند صعوده إلى المعراج، فلمّا نزل من المعراج الجسماني السماوي، فاض أثر المصدر على المظهر، فوقع التعبير عنها بالمكالمة الصورية في عالم السماء الدنيا بينهما بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته، صعدت هذه الانوار من المظهَر إلى المصدَر، كما نزلت في عهد محمّد (عليه وآله السلام) من المصدَر الى المظهرَ، ولهذا السبب قال صلوات الله عليه وآله: "حديث : الصَلاةُ معراجُ المؤمنِ ". تفسير : وأما الاخبار الدالّة على فضلها فكثيرة. منها ما روي مسنداً الى أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):حديث : أيّما مسلم قرءَ فاتحةَ الكتاب، أُعطي من الأجر كأنّما قرءَ ثُلثَي القرآن. وفي رواية: كأنّما قرءَ القرآن . تفسير : وروي عنه بسند آخر قال: قرأتُ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاتحة الكتاب، فقال: حديث : والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة والإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلَها. هي أمّ الكتابِ. وهي السبع المثاني. وهي مقسومةٌ بين الله وبين عبده ولعبده ما سأل . تفسير : وفي كتاب محمد بن مسعود العيّاشي، باسناده عن النبي (عليه وآله السلام) قال لجابر بن عبد الله: حديث : يا جابِر، ألا اعلّمك بفضل سورةٍ أنزلها الله في كتابه؟ قال: فقال له جابر: بلى بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، علّمنيها، قال: فعلّمه الحمدَ، أمّ الكتابِ، ثمّ قال: يا جبر، ألا أُخبِركَ عنها؟ قال: بلى بأبي أنت وأمّي، فأخبرني. فقال: هي شفاءٌ من كلّ داءٍ إلاّ السامتفسير : ، والسام الموت. وعن جعفر الصادق (عليه السلام) قال: من لم يبرأه الحمدِ لم يبرأه شيء. وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): حديث : إنّ الله عزَّ وجلّ قال: يا محمد، {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني والقُرْآنُ الْعظيم}. فأفرد الامتنان عليَّ بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآنتفسير : . وإنّ فاتحةَ الكتاب أشرفُ ما في كنوز العرشِ، وإنّ الله خصَّ محمداً وشرَّفه بها، ولم يشرك فيها أحداً من أنبيائه، ما خلا سليَمان (عليه السلام)، فإنّه أعطاه منها: {بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيم}، أَلاَ ترى يحكى عن بلقيس حين قالت: {أية : إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [النمل:29 - 30]. ألا فمَن قرأها معتقداً لموالاة محمد وآله، منقاداً لأمرها، مؤمناً بظاهرها وباطنها، أعطاه الله بكلّ حرفٍ منها حسنةً، كلّ واحدٍ منها أفضل له من الدنيا بما فيها، ومن استمع الى قارئ يقرأها كان له قدْر ثُلث ما للقاري، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرّض له، فإنّه غنيمةٌ لا يذهبن أوانُه فيبقى في قلوبكم الحسرة. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: إنّ القوم ليبعثُ الله عليهم العذابَ حتماً مقضيّاً، فيقرأ صبيٌّ من صِبيانهم في الكتاب: الحمدُ لله ربِّ العالمين فيسمعه الله تعالى، فيرفع عنهم العذابَ أربعين سنة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَينا نحنُ عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إذ أتاه مَلَك فقال: ابشر بنورَين اوتيتَهما، لم يؤتهما نبيٌّ قبلَك: فاتحةُ الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن يقرأ [أحد] حرفاً منها إلا اعطيته (ما يتضمّنه - ن). أقول: وفي طيِّ هذه الأخبار - سيما هذا الأخير - إشاراتٌ علميّةٌ، وتعريفات سرّية، ورموز معنويّة، وتنبيهات عرفانيّة على جوامع الكمالاتِ العقليّة، والمعارج الإلهية المندرجة في هذه السورة، لا يعرفُ قدرَها، ولا يفهم غورَها إلاّ الراسخون في العلم والدين، والسالكون طرقَ الكشف واليقين. لا المتشبثّون بذيل العبارات، والمتردّدون كالخفافيش في ظلمات هذه الاستعارات. تتمة استبصارية [جامعية السورة لأهم المعارف] ومن فضائل هذه السورة، إنّها جامعةٌ لكلّ ما يفتقرُ إليه الإنسان في معرفة المبدء والوسط والمعاد: الحَمدُ لله: إشارة الى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم، المستحقّ للحمدِ والتعظيم. ربِّ العَالَمين: يدلّ انّ ذلك الإله واحدٌ، وانّ كل العالمين ملكه، وليس في العالَم إله سواه ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخَلْق الخلائق كثيراً: {أية : قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة:258]. {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء:78]. {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه:50]. {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء:26]. {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة:21] {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} تفسير : [العلق:1 - 2]. وهذه الحالة، كما انّها في نفسها دليلٌ على وجود الربّ، فكذلك هي في نفسها إنعامٌ عظيمٌ، وذلك لأنّ تولّد الأعضاء المختلفة الطبائع والصوَر من النطفة المتشابهة الأجزاء، لا يمكن، إلاّ إذا قصَد الخالِق ايجادَ تلك الأجزاء على تلك الصوَر والطبائع، وكلٌّ منها مطابقٌ للمطلوب، موافقٌ للغرض، كما يشهد به علم تشريح الأبدان، فلا أحقَّ بالحمْد والثناء من هذا المنعِم المنّان الكريم، الرحمن الرحيم، الي شمل إحسانُه وعمَّ امتنانه قبل الموت وبعد الموت. مَالِكِ يَومِ الدين: يدلّ على أن من لوازم حكمته ورحمته، أن يقدّر بعد هذا اليوم يوماً آخر يظهر فيه تمييز المُحسِن من المُسيء، وانتقام المظلومِ من الظالِم، وها هنا تمّت معرفة الربوبيّة. ثمّ من قوله: {إيَّاك نَعبُدُ}، اشارة الى الأمور التي لا بدّ من معرفتها في تقرير العبوديّة وهي نوعان: والآثار المتفرّعة على الأعمال، كالأحوال، ثمّ الأعمال لها رُكنان، أحدهما: الإتيان بالعبادة وهو قوله: {إيَّاكَ نعبُدُ}، والثاني: علمه بأنّه لا يمكنه ذلك إلاّ بإعانة الله، وهو قوله: {وَإيَّاكَ نَستَعينُ}. وأما الآثار والأحوال المتفرّعة على الأعمال، فهي حصول الهداية، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة المتوسّطة بين الطرفين، المستقيمة بين المنحرفين {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمِ} إلى آخره. وفي قوله: {صِرَاطَ الّذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِم}، دليلٌ على أن الاستضاءَة بأنوار أرباب الكمال وأهل الحقّ، خلّةٌ محمودةٌ، وشيمةٌ مرضيّةٌ: هم القوم لا يشقى جليسهم. {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:31]. وفي قوله: {غَيْر المَغْضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضّالّين}، إشارة الى أنّ التجنّب عن مرافقة أصحاب البِدعِ والأهواء أمرٌ واجب. شعر: شعر : الجمْر يوضَع في الرمادِ فيخمده فكلّ قرينٍ بالمقارِن يقتدي تفسير : فصل في نظم هذه السورة وترتيبها إنّ العاقل الفِهم المميّز، لما نظَر في وجودات هذا العالَم، علم بالمشاهدة والقياس افتقار بعضها إلى بعض، تحقّق وتيقّن أنّها في سلسلة الحاجة منتهية الى موجودٍ قديمٍ قادرٍ يفعل الخيرات كلّها، ويرحم على خلقه في الآخرة والأولى، فابتدء بآية التسمية تبرّكاً واستفتاحاً باسمه، واعترافاً بآلهيّته، واسترواحاً الى ذكر فضله ورحمته وكرمه ورأفته. ولمّا كان الاعتراف بالحقّ، والعلم بالله الفرد الأحد الذي هو مبدء الخيرات كلّها، وفاتح المهمات جلّها، نعمة جليلة، اشتغل بالشكر له والحمد فقال: الحَمْدُ لله، ولما رأى سراية نور التوحيد ونفوذ رحمة الوجود على غيره واضحة بنور الحجّة والبرهان، كما شاهَد آثارها على نفسه لائحةً بقوّة الكشف والعيان؛ عرف انّه ربّ الخلائق أجمعين فقال: رَبِّ العَالَمين. ثمّ لما رأى شمول فضله للمربوبين ثابتاً بعد إفاضة أصل الوجود عليهم، وعموم رزقه للمرزوقين حاصلاً بعد إكمال الصورة في أطوار الخلقة لهم، قال: الرَّحْمٰن فلما رأى تفريطهم في حقّه وواجب شكره، وتقصيرهم في عبادته والانزجار عند زجره، واجتناب نهيه، وامتثال أمره، وأنّه تعالى يتجاوز بالغفران، ولا يؤاخذهم عاجلاً بالعصيان، ولا يسلبهم نعمَه بالكفران، قال: الرحيم. ولما رأى ما بين العباد من التباغي والتظالم، والتكالم والتلاكم، وأن ليس بعضهم من شرّ بعضهم بسالمٍ، علِم أنّ وراءَهم يوماً ينتصف فيه للمظلوم من الظالِم فقال: {مَالِك يَومِ الدّين}. وإذا عرف هذه الجملة، فقد علم أنّ له خالقاً رازقاً رحيماً، يحيي ويميت، ويبدئ ويعيد وهو الحي الذي لا يموت، والإله الذي لا يستحق العبادة سواه والمستعان الذي لا يستعين بغيره من عرفه ووالاه، وعلم أنّ الموصوف بهذه الأوصاف كالمدرَك بالعيان والمشهود بالبرهان، تحوّل عن لفظ الغيبة الى لفظ الخطاب فقال: ايّاكَ نَعبُد. ولما رأى اعتراض الأهواء والشبهات، وتعاور الآراء المختلفات، ولم يجد مُعِيناً غير الله، سأله الإعانة على الطاعات بجمع الأسباب لها والوصلات فقال: ايّاكَ نَستَعينُ. ولما عرف هذه الجملة، وتبيّن أنّه بلغ في معرفة الحقّ المدى، واستقام على منهج الهُدى، ولا يأمن العثْرة لارتفاع العصْمة، سأل الله تعالى التوفيق للدوام عليه، والثبات والعصْمة من الزلاّت فقال: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقيم}. وهذا لفظ جامع كما علمتَ، مشتمل على مجامع أسباب التوفيق والتسديد، ولطائف نعم الله في حق من يختاره للنهاية ويريد، وأوجب الله طاعتهم بعد طاعته من الأئمة الهادين والأولياء المرضيين. وإذا علم ذلك، علم أنّ لله عباداً خصّهم بنعمته، واصطفاهم على بريّته وجعلهم حُججاً على عباده، ومناراً في بلاده، فسأله أن يلحقه بهم ويسلم به سبيلهم فقال: صِرَاطَ الّذينَ انْعَمْتَ عَلَيْهِم. وسأله أيضاً أن يعصمه عن مثل أحوال الذين زلّت أقدامُهم فضلّوا، وعدلت أفهامُهم فأضلّوا، ممن عانَد الحقّ وعمي عن طريق الرشد وخالَف سبيلَ القصد، فغضب الله عليه ولعنَه وأعدّ له عذاباً أليماً وخزياً مقيماً. إذ قد شكّ في واضح الدليل فضلّ عن سواء السبيل، فقال: {غيْرِ الْمَغضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّين}. منهج آخر في نظم فاتحة الكتاب وهو إن للإنسان أيّاماً ثلاثة: الأمس: والبحث عنه يسمّى بمعرفة المبدء واليوم الحاضر: والبحث عنه يسمى بالوسيط والغد: والبحث عنه يسمى بعلم المعاد. والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب وتعليم هذه المعارف الثلاثة التي كمال النفس الإنسانية منوط بمعرفتها، ونفس الأعمال البدنيّة إنّما تراد لأجلها، لأنّ غايتها تصفية مرآة القلب عن الغواشي البدنيّة، والظلمات الدنيويّة، لأن يستعدّ لحصول هذه الأنوار العقليّة، وإلاّ فنفس هذه الأعمال الحسَنة ليس إلا من باب الحركات والمتاعِب، ونفس التصفية المترتبة عليها ليست إلا أمراً عدميّاً لو لم يكن معها استنارة صفحة القلب بأنوار الهداية، وتصوّرها بصورة المطالِب الحقّة الإلهيّة، والقرآن متضمّن لها وهي العمدة الوثقى فيه لما ذكرنا. ولمّا كانت هذه السورة مع وجازتها متضمنة لمعظم ما في الكتب الإلهيّة من المسائل الحقّة، والمقاصد اليقينيّة المتعلّقة بتكميل الإنسان، وسياقته إلى جوار الرحمن، فلا بد أن يتحقّق فيها جميع ما يحتاج اليه الإنسان منها، فنقول هي هكذا. أمّا اشتمالها على علم المبدء، فقوله تعالى: {الْحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمين}، إشارةٌ الى العلم بوجود الحقّ الأول، وأنّه مبدأ سلسلة الموجودات، وموجِد كلّ العوالِم والمخلوقات. وقوله: {الرَّحْمٰنِ الرَّحيـم} إشارة إلى العلم بصفاته الجلاليّة وأسمائه الحُسنى. وقوله: {مَالِكِ يَومِ الدّين} هو إثبات كونه سبباً غائيّاً للمخلوقات كلّها، كما انّه سببٌ فاعليٌ لها جميعاً، ليدلّ على أنّ فاعليّته على غاية الحِكْمة والتمام، ورعاية المصلحة للأنام. وأما اشتمالها على علْم الوسط فلأن قوله: {ايّاكَ نَعبُدُ وايّاكَ نَستَعين}، إشارة الى الأعمال والأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عاملاً بها ومديماً عليها، ما دام كونه في هذه الحياة الدنيا. وهي قسمان: بدنيّة وقلبيّة. فالبدني: تهذيب الظاهر عن النجاسة، وتزيينه بالعبادة، كالصلاة والصيام وغيرها. والقلبي: تهذيب الباطن عن الغشاوات وخبائث الملكات، بإعانة الله وتوفيقه، لتستعدّ نفسه بذلك لأن تتنوّر بأنوار المعارف الإلهية، وتستكمل بالحقائق الربّانية، ليتقرّب بذلك الى الله ويحشر الى دار كرامته كما دلّ عليه قوله تعالى: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمِ}، أي علّمنا طريق الوصول إليك. وأما اشتمالها على علم المعاد، وهو العلم بأحوال النفس الإنسانيّة الكاملة في العلم والعمل، المبرأة عن آفة الجهل ونقص العصيان، فقوله: {صِرَاطَ الّذينَ انْعَمْتَ عَلَيْهِم} إلى آخراها؛ إشارة الى علم النفس، وهي صراط الله العزيز الحميد، وباب الله المؤتى منه الى الحق، فبالنفس الإنسانيّة العالِمة العامِلة المهتدية بنور الله، يُساق الخلْق الى الحقّ، ويدخل الخلائق كلهم في طريق العود من هذا الباب الى الخالِق، فإنّ الوجود في صورة دائرة انعطف آخرها على أولها، فكما أنّ الوجود في الابتداء كان أولاً العقل، ثمّ النفس الكليّة، ثمّ الطبيعة الكليّة، ثمّ الأبعاد والأجرام كلّها، ففي الإنتهاء كان أولاً جماداً، ثمّ نباتاً، ثمّ حيواناً، ثمّ إنسانا، وله مراتب باطنيّة، كان أولاً في مقام الطبيعة والنفس الكليّة، ثمّ الطبيعة الكليّة، ثمّ الأبعاد والأجرام كلّها، ففي الإنتهاء كان أولاً جماداً، ثمّ نباتاً، ثمّ حيواناً، ثمّ إنساناً، وله مراتب باطنيّة، كان أولاً في مقام الطبيعة والنفس، ثمّ في مقام القلب والعقل، ثمّ في مقام الروح والسرّ، وإذا بلغ الى هذا المقام، اتّصل بغاية الكمال والتمام. تذييل ثمّ إنّ لهذه الكريمة نكاتٍ ووجوهاً أخرى من التأويل كثيرة، مذكور بعضها في التفاسير المعتبرة لأهل العلم والتحصيل، كالكبير والنيسابوري وغيرهما، اخترت منها وجوهاً ثلاثة فأردت ايرادها هاهنا تكميلاً للكتاب، وتكثيراً للفوائد في هذا الباب. الوجه الاول إن آيات الفاتحة سبعٌ، وأعمال الصلاة المحسوسة الواجبة بالإتّفاق سبعةٌ، إذ النيّة فعلُ القلب وليس بمحسوس، ومراتب خلقة الإنسان وأطوارها سبع، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون:12 - 14]. وكذلك مراتب جوهر باطنه وأطواره سبعٌ وهي الطبعُ والنفسُ والقلبُ والروحُ والسروُّ والخفيُّ والأخفى، فنور آيات الفاتحة يسري من ألفاظها المسموعة الى الأعمال السبعة المحسوسة، ومنها الى هذه المراتب الخلقيّة، ومن معانيها الى النيّات المتعلّقة بتلك الأعمال، ومنها الى هذه المراتب الباطنيّة الأمريّة، فيحصل للقلب أنوارٌ روحانيةٌ ثمّ ينعكس منه الى ظاهر المؤمن: مَن كثُر صلاتُه بالليلِ حسُن وجهُه بالنهار. الوجه الثاني كان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) معراجان من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، ثمّ من المسجد الأقصى الى ملكوت السماء، هذا في عالَم الحسّ، وأمّا في عالَم الروح، فمن الشهادة الى الغيب، ثمّ من الغيب الى غيب الغيب، هذا بمنزلة قوسين متلاصقين. فتخطّاهما محمّدٌ (صلّى الله عليه وآله)، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ، وقوله: او ادْنىٰ، إشارة الى فنائه في نفسه. والمراد بعالَم الشهادة، كلّ ما يتعلق بالجسم والجسمانيات. وبعالَم الأرواح، ما فوق ذلك من الأرواح السفليّة، ثمّ المتعلّقة بسماءٍ سماءٍ إلى الملائكة الحافّين من حول العرش، ثمّ الى حَمَلة العرش من عند الله الذين طعامهم وشرابهم محبّته تعالى، وانسهم بالثناء عليه، ولذّتهم في خدمته، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون. وهكذا يتصاعد إلى نور الأنوار وروح الأرواح، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله أو من ارتضاه. والمقصود؛ أنّ نبيّنا (صلّى الله عليه وآله)، لما عرج وأراد أن يرجع، قال ربّ العزة: المسافرُ إذا عادَ إلى وطنه أتحف أصحابَه. وإنّ تحفةَ أمّتك الصلاة الجامعة بين المعراجين: الجسمانيّ بالأفعال، والروحاني بالأذكار والنيّات. فليكن المصلّي ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً، لأنه بالواد المقدس طُوى، ويصفي النفس عن الكدورات الشيطانيّة، والهواجس البشريّة، لأنه بين يدي الله. والصلاة هي التعبّد للمعبود الأعظم، والتعبّد هو عرفان الحقّ الأول بالسرّ الصافي والقلب النقيّ. وأيضاً، عنده مَلَكٌ وشيطانٌ ودينٌ وعقلٌ وهوىً، وخيرٌ وشرٌّ وصدقٌ وكذبٌ، وحقّ وباطلٌ، وقناعةٌ، وحِرصٌ وحِلم وطيْشٌ، وسائر الأخلاق المتضادّة والصفات المتنافية، فلينظر أيّها يختار، فإنّه إذا استحكم المرافقة تعذّرت المفارقة، قال تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [التوبة:119]. ثمّ إذا تطهَّر وتجرَّد، فليرفع يدَيه إشارة الى توديع الدنيا والآخرة، وليوجّه قلبَه وروحَه وسرَّه الى الله تعالى، ثم ليقُل: الله أكبرَ، أي من كلّ الموجودات، بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره. وقل: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ والارْضَ حَنيفاً، فقولك: وَجَّهتُ وجهي؛ هو معراج الخليل على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام. كما انّ قولك: سُبْحَانَكَ اللّهمَ وبِحمْدِك، معراج الملائكة حيث قالوا: نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، وقولك: انّ صلاتي وَنُسُكي وَمَحْيَايَ وَمَماتي لله رَبِّ العَالَمِين، معراج الحبيب محمّد (صلّى الله عليه وآله). فقد جمع المصلّي بين معراج الملائكة المقرّبين، ومعراج عظماء الأنبياء المرسلين. ثمّ إذا فرغتَ من هذه الحالة فقل: اعُوذُ بالله منَ الشّيطانِ الرَجيم، حذرَاً عن مَكْره وإغوائه، ودفعاً لإعجابك عن نفسك، وفي هذا المقام يُفتح لك أحدُ أبواب الجنّةِ وهو بابُ المعرفة. وبقولك: {بِسْم الله الرّحمنِ الرَّحيم}، يُفتح باب الذِكْر. وبقولك: {الحَمدُ لله ربِّ العالَمين}، يُفتح باب الشكْر. وبقولك: {الرّحمٰن الرَّحيـم}، يُفتح باب الرَجاء. وبقولك: {مَالِك يَوم الدينِ}، يُفتح باب الخوف. وبقولك: {ايَّاك نعبدُ وايّاكَ نستعين}، يفتح باب الإخلاص المتولّد من معرفة العبوديّة. وبقولك: {اهدِنَا الصرَاطَ المستقيم}، يفتح باب الدعاء والتضرّع، ادْعوني اسْتَجِب لَكُمْ. وبقولك: {صِرَاطَ الذينَ أنْعَمتَ علَيهِم} إلى آخره، يفتح بابُ الإقتداء بالأرواح الطيّبة، والإهتداء بأنوارهم. فجنّات المعارف الربّانية انفتحت لك أبوابُها الثمانية بهذه المقاليد الروحانيّة، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة. وأمّا الجسماني، فأولى المراتب أن يقومَ بين يدَي الله كقيام أصحاب الكهف: {أية : إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الكهف:14]، بل قيام أهل القيامة يوم يقوم الناس لربّ العالَمين. ثمّ اقرء: سبحانَك اللهم وبحمدِك، ثمّ وجَّهت وجهي، ثمّ الفاتحة، وبعدها ما تيسّر لك من القرآن، واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك، حتّى تستحقرها، وايّاك وأن تنظر من عبادتك الى الله، فإنّك إن فعلتَ ذلك صرتَ من الهالكين، وهذا سرّ قوله: {ايّاكَ نَعْبدُ وايَّاكَ نَستَعينُ}، كما ذكر. واعلم أنّ نفسك إلى الآن جارية مجرى خشبَة عرضتَها على نار خوف الجلال، فلانَت، فاجعَلْها منحنيةً بالركوع، ثمّ اتركها لتستقيم مرّة أخرى، فإنّ هذا الدين متينٌ فأَوْغِل فيه بالرفْق، فلا تبغّض طاعةَ الله الى نفسك، فان المُنْبَتّ لا أرضاً قطَعَ ولا ظهْراً أبقى. فإذا عادت الى استقامتها فانحدر الى الأرض بغاية التواضع، واذكُر ربّك بغاية العلوّ وقل: سُبحان ربّي الأعلى، فإذا سجدتَ ثانية فقد حصل ثلاثة أنواع من الطاعة، ركوع واحد، وسجدتان، فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات. وبالسجود الأول من عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات. وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي الى كل المضلاّت، فإذا تجاوزت عن هذه الدركات وصلتَ الى الدرجات العاليات، وملكت الباقيات الصالحات، وانتهيتَ الى عتبة باب الجلال والإكرام، مدبّر عالَمي النور والظلام، فقل: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له؛ لتتمّ لك بهذه الشهادة معرفة المبدأ، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله، لتتمّ لك معرفةُ المعاد، وليصعد إليه نورُ روحك، وينزل اليك روح محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فيتلاقى الروحان، ويحصل هناك الرَوْح والريحان، فقل: السلامُ عَلَيكَ أيّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، فعند ذلك يقول محمد (صلّى الله عليه وآله): السلامُ علَينَا وعَلَى عِبادِ الله الصَّالِحين. ثمّ إذا ذكرتَ الله في صلاتك بهذه الأثنية والمَحامد، ذكَر الله ايّاك في محافل الملائكة كما قال …………………: مَن ذكَرني في ملاءٍ ذكرتُه في مَلاءٍ خيرٍ من مَلائِه. وإذا سمع الملائكةُ ذلك اشتاقوا الى العبد، فقال الله: إن الملائكة اشتاقوا الى زيارتك، وقد جاؤوك زائرين، فابدأ بالسلام عليهم لتكون من السابقين، فقل: السلامُ عَليكُمْ ورحمةُ الله وبركاتُه، كلام أهل الجنة الذين تحيّتهم فيها سلام، فلا جَرَم إذا دخَل المصلّون الجنةَ {يَدخُلُونَ عليْهمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقَبى الدَّارِ}. الوجه الثالث إنّ آياتِ الفاتحة سبعٌ، والأعمال المحسوسة في الصلاة غير القراءة والأذكار سبعةٌ: القيامُ، والركوعُ، والانتصابُ منه، والسجودُ الأول، والانتصاب منه، والسجودُ الثاني، والقَعْدةُ. فهذه الأعمال كالشخص، والفاتحةُ لها كالروح، وإنّما يحصل الكمال والحياة عند اتّصال الروح بالجسَد. فقوله: {بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ}، بإزاء القيام، ألاَ ترى أنّ الباء في بِسْمِ الله، لمّا اتّصل باسم الله حصَل قائماً مرتفعاً. وأيضاً، التسمية لبداية الأمور، كلّ امرٍ ذي بالٍ يُبدأ فيه باسم الله فهو أبتر والقيام أيضاً أول الأعمال. وقوله: {الحمدُ لله ربِّ العَالَمين}، بإزاء الركوع، لأنّ الحمد في مقام التوحيد نظراً إلى الحقّ وإلى الخلْق، والمنعم والنعمة. لأنّه الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالةُ متوسّطة بين الإعراض والإستغراق، كما انّ الركوع حالةٌ متوسّطة ين القيام والسجود، وأيضاً ذكْر النعمة الكثيرة مما يثقل الظَهْر فينحني. وقوله: الرحمٰنِ الرحيـم، مناسب للانتصاب، لأنّ العبد لمّا تضرّع الى الله بالركوع، فاللائق برحمته أن يردّه الى الانتصاب، ولهذا قال (صلّى الله عليه وآله): إذا قال العبدُ: "سمِع الله لِمنْ حَمِدَه" نظَر إليه بالرحمة. وقوله: مَالِك يوم الدين مناسبٌ للسجدة الأولى، لدلالته على كمال القهر والجلال والكبرياء، وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع. وقوله: {ايَّاكَ نعبدُ واياكَ نَستعين}، مناسب للقعدة بين السجدتين، لأن إيّاك نعبدُ إخبار عن السجدة التي تقدّمت، وإيّاك نَستعينُ، إستعانة بالله في أن يوفّقه للسجدة الثانية. وقوله: {اهدِنا الصِّرَاطَ المُستَقيمِ}، سؤالٌ لأهم الأشياء، فتليق به السجدة الثانية لتدلّ على نهاية الخضوع. وقوله: {صِرَاطَ الذينَ انْعَمْتَ عَلَيْهِم} إلى آخره، مناسبٌ للقعود، لأنّ العبدَ لمَا أتى بغاية التواضع، قابلَه الله بالإكرام والقعود بين يديه، وحينئذ يقرأ ما قرأه محمّد (صلّى الله عليه وآله) في معراجه، فالصلاة معراجُ المؤمن. وجه رابع إنّ المداخل التي يأتي الشيطان من قِبلَها ثلاثة: الشهوةُ والغضبُ والهوى والشهوةُ بهيمةٌ والغضب سَبْعٌ والهوى شيطان، فالشهوة آفة عظيمة، لكن الغضب أعظم منها. والغضب آفة عظيمة، لكن الهوى أعظم منه، قال سبحانه: {أية : وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ} تفسير : [النحل:90]. الفحشاء: الشهوة والمنكَر: الغضب والبغي: الهوى. وبهذه الثلاثة وقع المسخ في أمّة موسى (عليه السلام): {أية : وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً}تفسير : [المائدة:60]. فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب ظالماً لغيره، وبالهوى [ظالماً] لربه، ولهذا قال (صلّى الله عليه وآله): حديث : الظلمُ ثلاثةٌ ظلم لا يُغفَر وظلم لا يُترَك وظلم عسى الله أن يتركه . تفسير : فالظُلم الذي لا يُغفَر هو الشرك بالله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان:12]. والظلم الذي لا يُترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً. والظُلم الذي عسى الله أن يتركه، هو ظلم الإنسان نفسه. ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العُجب والكِبر، ونتيجة الهوى الكفر والبِدْعَة، ويحصل من اجتماع هذه الستّة في بني آدم خصلةٌ سابعة، هي العُدوان المستلزم للبُعد عن رحمة الله، أي الاحتجاب عنه، وهي نهاية الأخلاق الذميمة، كما انّ الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومين. فإذا تقرَّر هذا نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعةٌ للأخلاق الثلاثة الأصليّة، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة. بيان ذلك: انّ من عرف الله تباعَد عنه شيطانُ الهوى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية:23]. يا موسى، خالِف هواكَ فإنّي ما خلقتُ خلقاً نازَعَني في ملكي إلاّ هواك. ومن عرف انّه رحمٰن لم يغضب، لأن منشأ الغضب طلبُ الولاية والولاية للرحمن: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الفرقان:26]. ومن عرف انّه رَحيمٌ، صحّح نسبتَه إليه، فلا يظلم نفسه، ولا يلطخها بالأفعال البهيميّة. وأما الفاتحة، فإذا قال {الحمدُ لله} فقد شكَر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته. ومن عرف انّه {رب العالمين} زالَ حرصُه فيما لم يجد، وبخله فيما وجَد، ومن عرف انّه {مالك يومِ الدين} بعد أن عرف انّه {الرحمن الرحيم} زال غضبه. ومن قال: {ايّاكَ نعبدُ وايّاك نستعينِ} زال كِبْره بالأول، وعُجْبه بالثاني. وإذا قال: {اهدِنا الصِّراط المُستَقيم} اندفع عنه شيطانُ الهوى، وإذا قال: {صِراطَ الّذينَ انعَمتَ عَلَيْهِم} زالَ عنه كفرُه، وإذا قال: {غَيرِ المَغضُوبِ علَيهِم وَلاَ الضَّالّين} اندفعت بِدْعَتُه، وإذا زالت عنه الأخلاق الستّة التي هي مجامع الشرور كلّها، زالَ عنه حجابُه وبُعده عن جناب القدس.

الجنابذي

تفسير : {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فانّ الانعام للانسان ايتائه ما يلائم انسانيّته والملايم لانسانيّته هى الولاية المخرجة له الى فعليّاته الانسانيّة، والفعليّات الانسانيّة من مراتب الولاية والآثار الصّادرة والّلازمة من فعليّاته الانسانيّة من التّوسط فى الامور المذكورة وهكذا الاعمال المعينة على الخروج المذكور انّما هى نعمة باعتبار اتّصالها بالنّعمة الّتى هى الولاية ولذلك ورد عن مولينا امير المؤمنين (ع) فى تفسيره انّه قال: قولوا اهدنا صراط الّذين انعمت عليهم بالتّوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصّحة فانّهم قد يكونون كفّارا او فسّاقاً قال وهم الّذين قال الله تعالى {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} تفسير : [النساء: 69] الى قوله {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. والنّعم الصوريّة ان كانت مرتبطة بالولاية كانت نعمةً والاّ صارت نقمة اذا كانت معينة على الخروج الى الفعليّات الغير الانسانيّة وهكذا كان حال الفعليّات الانسانيّة بعد ما حصلت بالولاية يعنى اذا صارت مسخّرة للشّيطان بعد ما كانت مسخّرة للرّحمن صارت نقمة بعد ما كانت نعمةً، ولمّا كان المنعم عليهم بالولاية هم المتوسّطين بين التفريط والتقصير فى ترك الولاية والافراط المخرج عن حدّ الولاية وصراطهم كان متوسّطاً بين التّفريط والافراط فى جملة الامور وصفهم بقوله {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} فانّه قد فّسر المغضوب عليهم بالمفرّطين المقصّرين والضّالّون بالمفرطين المتجاوزين لانّ المفرّط المقصّر لمّا لم يبلغ الى الولاية لم يصر مرضيّاً اصلاً والمفرط فى امر الولاية لمّا صار بالوصول الى حدّ الولاية مرضيّاً خرج من المغضوبيّة لكنّه بتجاوزه عن حدّ الولاية ضلّ عن طريق الانسانيّة وعن طريق الرّضا فانّ المعيار للرّضا والغضب وللافراط والتفريط هو الولاية لا غير لانّها حدّ استقامة الانسان وسبب ارتضائه وقد يفّسر "المغضوب" عليهم بمن لم يبلغ فى وصفه مقام النّبىّ (ص) او الامام (ع) والضّالّ بمن وصفهما بما هو فوق ادراكه او فوق مقامهما وبهذا المعنى فّسرا باليهود والنّصارى وان كان يجوز ان يكون تفسيرهما باليهود والنّصارى باعتبار المعنى الاوّل ويجوز ان يجعل عطف الضّالّين من قبيل عطف الاوصاف المتعدّدة لذات واحدة فانّ المفرّط والمفرط كليهما مغضوب عليهما وضالاّن بمعنى انّهما فاقدان للطّريق سواء كان الفقدان بعد الوجدان او قبل الوجدان، وقد يفسّر "المغضوب عليهم" بالنّصاب لشدّة غضب الله عليهم "والضّالون" بمن لم يعرف الامام وبمن كان شاكّاً فيه. اعلم انّ السّورة المباركة تعليم للعباد كيف يحمدون ويثنون على الله تعالى وكيف يقرؤن ويرتقون فى قراءتهم وكيف يخاطبون ويسألون فالامر بالاستعاذة فى اوّل القراءة للاشارة الى انّ الانسان واقع بين تصرّف الرّحمن والشّيطان الاّ من عصمه الله فاذا اراد القرائة او الثّناء على الله والمناجاة له ينبغى ان يستعيذ من تصرّف الشّيطان ويلتجئ الى حفظ الله وامانه حتّى لا يكمن الشّيطان خلف قلبه ولا يخلى الفاظ ثنائه ومقرؤاته من معانيها المقصودة لله ولا يدخل فيها المعانى الشّيطانيّة فيصير الحامد حامداً للشّيطان وقارياً لكتاب الشّيطان وهو يحسب انّه حامد لله وقار لكتاب الله ويكون داخلاً فى مصداق قوله تعالى {أية : يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 78] يعنى لا لسان الله {أية : بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ}تفسير : [آل عمران: 78] فلا بدّ للمستعيذ ان يكون ملتفتاً الى ما يقول ويجعل حاله حال الاستعاذة من الشّيطان والاّ كان استعاذته كقراءته بتصرّف الشّيطان واستعاذة من الرّحمن لا الى الرّحمن وجعل التسميّة جزء من اوّل كلّ سورة والامر بها فى اوّل كلّ امر اشارة الى انّ الفاعل لكلّ فعل وخصوصاً عند تلاوة القرآن الّذى هو كلام الله ينبغى ان يسم نفسه بسمة من سمات الله حتّى يصير لسانه وسائر اعضائه آلات لتلك السّمة وكلامه وافعاله كلاماً وافعالاً لذلك الاسم فيصبح جعلها لله فانها ان لم تكن من الله لم تكن لله ولم يسم نفسه بسمة من سمات الله صار متّسماً بسمة من سمات نفسه وسمات الشّيطان فصارت اعضاؤه آلات للشّيطان فكان افعالها افعالاً صادرة من الشّيطان وراجعة اليه وصار القارى والفاعل ممّن يلوون السنتهم بالكتاب وممّن قال الله فيهم {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 79] لا بيد الله ثمّ ينظر الى سعة ظهوره تعالى بصفاته فى كلّ سمة من سماته فينظر الى جملة اضافاته تعالى الظّاهرة من تلك السّمة بالنّسبة الى اهل مملكته ان كان قاصراً عن رؤية اضافاته بالنّسبة الى خارج مملكته فيصفها بأمّهات اضافاته تعالى وهى رحمته الرّحمانيّة الدّالة على الابداء والابقاء ورحمته الرّحيميّة الدّالة على الاعادة وافاضة الكمالات الاختياريّة الانسانيّة حتّى يستعدّ بذلك التّوصيف للنّظر الى الله تعالى وتوصيفه بصفاته فى حمده وثنائه بدون وساطة سماته وتختلف السّمات بحسب اختلاف حال القارى والمتّسم فتلك السّمة بالنّسبة الى المنقادين القابلين للولاية الغائبين عن الله وعن امامهم هى جهة النّفس المنقادة لولىّ امرها وهى المقوّمة والرّازقة المبقية بالنّسبة الى اهل مملكتها والمفيضة لكمالاتها الاختياريّة وبالنّسبة الى من عرف ووجد انموذجات اسمائه تعالى فى وجوده تلك الانموذجات وبالنّسبة الى من حضر عند شيخه ووجد مثال شيخه فى مملكته هى صورة شيخه وهو اوّل مقامات المعرفة بالنّورانيّة، وبالنّسبة الى من خرج من مقام التقدّر وعاين الاشياء مجرّدة عن التقدّر روحانيّة شيخه مجرّدة عن التقدّر، وبالنّسبة الى من خرج عن مقام التحدّد والتقيّيدات الامكانيّة مقام الاطلاق المعبّر عنه بالمشيّة وبالنّسبة الى الجامع لجميع المقامات سمات تمام المقامات وبعد الاستعداد للنّظر الى الذّات من غير احتجاب بحجب السمات ينبغى للقارى ان يجرّد النّظر عن الاسماء وينظر الى الله فى كلّ شيئ وفيئ، ولا يرى من الاشياء الاّ الحدود والنقائص ولا يرى صفات الكمال الاّ من الله، ويطلق لسانه بصيغة الحمد انشاءً او اخباراً بنحو حصر المحامد او الحامديّة او المحموديّة فيه تعالى، ويصفه بربوبيّته الّتى هى حفظ الاشياء بكمالاتها الموجودة وتبليغها الى كمالاتها المفقودة وهكذا الى آخر السورة بنحو ما ذكر سابقاً. ثمّ اعلم انّ للسّالكين الى الله اسفاراً ومنازل ومقامات ومراحل لا يحصيها الاّ الله وقد قالوا انّها بحسب الامّهات منحصرة فى أربعة اسفار، الاوّل، السّفر من الخلق الى الحقّ وهو السّير من حدود الكثرات والنّظر اليها الى الحقّ الاوّل، ومنتهى هذا السّفر الوصول الى حدود القلب ومشاهدة الحقّ الاوّل فى مظاهره بصفاته واسمائه، ولا ينفكّ السّالك فى هذا السّفر من العنا وكلفة التّكليف وفى حقّ هذا السّالك قال المولوى قدّس سرّه: شعر : جملة دانسته كه اين هستى فخ است ذكرو فكر اختيارى دوزخ است تفسير : والثّاني، السّفر من الحقّ فى مظاهره الى الحقّ المطلق وفى هذا السّفر يتبدّل الكلفة راحة والمرارة لذّة والخوف أمناً، وفى هذا السّفر ورطات مهلكات كما سيجيئ. والثّالث، السّفر بالحقّ فى الحقّ، وفى هذا السّفر يسير السّالك بتسيير الحقّ من غير شعور منه بسيره ولا بذاته، والسّلاّك فى هذا السّفر احد مصاديق قوله تعالى "حديث : انّ اوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى"تفسير : . والرّابع، السّفر الحقّ فى الخلق وابتداء هذا السّفر ابتداء الرّبوبيّة وانتهاء العبوديّة ومقامات هذا السّفر لا يحصيها الاّ الله وتحديد عدد الانبياء (ع) والاوصياء (ع) بمأئةٍ واربعة وعشرين الفاً اشارة الى امّهات تلك المقامات وسيجيئ تحقيق تامٌّ لبيان الاسفار ومراتب الانسان عند قوله تعالى {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة: 219] فى سورة البقرة. اذا تنبّهت بذلك فاعلم انّ السّورة المباركة اشارة اجمالاً الى الاسفار الاربعة المذكورة فانّ الاستعاذة اشارة الى السّفر من الخلق الى الحقّ لانّ هذا السّفر فرار من الكثرات ومظاهر الشّيطان الى عالم التّوحيد ومظاهر الحقّ تعالى، و الاستعاذة القّولية اخبار بهذا الالتجاء والاستعاذة الفعليّة نفس ذلك الالتجاء والفرار، والتسميّة الى قوله مالك يوم الدّين اشارة الى السّفر من الحقّ الى الحقّ فانّ التسميّة اخبار بالاتّصاف بصفاته تعالى وما بعده الى مالك يوم الدّين اعلام بحركة السّالك فى صفات الحقّ تعالى الى ظهور مالكيّته وفناء العبد من ذاته وهذا السّفر حركة فى صفات الحقّ تعالى الى فناء العبد، وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} اشارة الى السّفر بالحقّ في الحقّ لانّ مالكيّته تعالى لا يظهر الاّ اذا صار العبد فانياً من فعله ووصفه وذاته وبفناء ذاته يتمّ عبوديّته وبعد كمال عبوديّته لا يكون سيره الاّ فى الحقّ المطلق ولا يكون الاّ بالحقّ لعدم ذات له، وقوله تعالى {اهدنا الصّراط المستقيم} اشارة الى السّفر بالحقّ فى الخلق وهذا هو الرّجعة الاختياريّة فى العالم الصّغير والبقاء بعد الفناء والصّحو بعد المحو، وينبغى ان يكون هذا السّفر بحفظ الوحدة فى الكثرات والصّراط المستقيم فى هذا السّفر هو محفوظيّة الوحدة فى الكثرة بحيث لا يغلب احديهما على الاخرى ولا يختفى احديهما تحت الاخرى وهذه الاحوال قد تطرؤ على السّلاك سواء استشعروا بها او لم يستشعروا. اذاقنا الله وجميع المؤمنين منها ومكنّنا فيها والحمد لله اوّلاً وآخراً ولا حول ولا قوّة الاّ بالله العلىّ العظيم.

اطفيش

تفسير : {صِرَٰطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بعلم الدين والعمل به، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من كل أمة {غَيْرِ} قال سيبويه: نعت الذين، لأن الذين كالنكرة، لأنه جنس، ولفظ غير نكرة ولو أضيف إلى معرفة، ولا سيما أنه أضيف لمعرفة هى للجنس فهى كالنكرة، وعندى جواز إبدال لمشتق الوصف وما أول به. {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود المخالفين لموسى وعيسى. {وَلاَ الضَّالِّينَ} النصارى المخالفين لها، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : المغضوب عليهم لتقدمهم زمانا، ولأن الإنعام يقابل بالانتقام، ولأنهم أشد في الكفر والعناد والفساد، وأشد عداوة للذين آمنوا، ولأنهم كفروا بنبيين، عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، والنصارى بواحد، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم"تفسير : ، وروى ابن عدى والديلمى والسلفى عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : من لم يجد صدقة فليلعن اليهود .

الخليلي

تفسير : فصراط هنا بدل من الصراط الذي ذكر من قبل، وهذا النوع من البدل يعبر عنه النحويون ببدل الكل من الكل، وزعم بعضهم بأن {صِّرَاطَ} الثاني غير {ٱلصِّرَاطَ} الأول، وكأنه نُوى فيه حرف عطف، واختلف هؤلاء في تعيينه، فجعفر بن محمد يرى أنه العلم بالله والفهم عنه، وبعضهم يرى أنه موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة، ومنهم من يرى أنه التزام الفرائض والسنن. ودعوى أن {صِّرَاطَ} الثاني غير الأول، ما هي إلا هروب من الواضح إلى المشكل، وفائدة المجيء بالبدل والمبدل منه، التنصيص على أن صراط هؤلاء هو عَلمَ في الإِستقامة، فلو قيل: إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، لم تحصل هذه الفائدة، ومثال ذلك إذا أردت المبالغة في وصف أحد بالكرم والفضل فإنك تقول: (هل أدُلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فإنك بذلك جعلته علما على الكرم والفضل، بحيث إذا ذكر تُصوِّر الكرم والفضل في أعلى مراتبهما، بين يدي السامع وأمام ناظريه، ولو جئت بأسلوب آخر وقلت: هل أدُلك على فلان أكرم الناس وأفضلهم، لم تفد العبارة هذه المبالغة، وكذلك هنا ذُكر أولا الصراط المستقيم ثم فُسر بصراط الذين انعم الله عليهم، ليكون نصّاً في أن هؤلاء المنعم عليهم هم معالم الإستقامة وأعلام الاعتدال والرشد، يُهتدى بهم إلى مرضاة الرب تعالى. واختلف في المقصود بهم فالجمهور يرون أنهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، أخذا من قوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69] ويعتضد ذلك بذكر الصراط المستقيم في هذا السياق قبل هذه الآية في قوله عز وجل: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} تفسير : [النساء: 66- 68] وهذا هو الذي رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عنه: أنهم المؤمنون. وأخرج عبد ابن حميد عن الربيع بن أنس أنهم النبيون، وقيل: هم قوم موسى وعيسى قبل النسخ والتبديل، وقيل: هم المسلمون، وقيل: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وروي عن أبي العالية أنهم محمد صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم، وانتقد الإِمام محمد عبده تفسير المنعَم عليهم بالمسلمين، محتجا بأن الفاتحة أول سورة نزلت، كما روى عن الإِمام على كرم الله وجهه، وكما حققه الإِمام محمد عبده نفسه. وإن لم تكن أول سورة على الإِطلاق، فلا خلاف في أنها من أوائل السور ولم يكن المسلمون حال نزول السورة بحيث يطلب الإِهتداء بهداهم، لأن هداهم معقود بالوحي، وتلك هي بداية الوحي، ثم انهم هم المأمورون بأن يطلبوا من الله أن يهديهم هذا الصراط، صراط الذين أنعم عليهم من قبلهم فهم قطعا غيرهم، ورجح الإِمام محمد عبده قول الجمهور أنهم هم الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانتقاد الإِمام موجه إلى الذين يزعمون أن هؤلاء المنعم عليهم هم مسلمو هذه الأمة وهو لا ينافي أن يكون المعنيون - وإن كانوا قبل هذه الأمة - من المسلمين أيضا، لما علمت من أن الإِسلام ليس محصورا في هذه الأمّة، وإنما هو دين جميع النبيين والصالحين، وأوضح الإِمام محمد عبده أن ما جاء من ذكر المنعم عليهم إلى آخره، مجمل لما فصل في سائر القرآن من أخبار الأمم وبيان أحوالها مما يقدر بثلاثة أرباع القرآن تقريباً، والمراد من ذلك توجيه الأنظار إلى الإِعتبار بأحوال الأمم في الكفر والإِيمان، والشقاوة والسعادة إذ لا شيء - يهدي الإِنسان كالمثلات والوقائع، فإذا إمتثل المسلمون الأمر والإِرشاد، ونظروا في أحوال الأمم السالفة، وأسباب علمهم، وجهلهم، ورقيهم، وانحطاطهم، وقوتهم، وضعفهم، وعزهم، وذلهم، وسائر ما يعرض للأمم، كان لهذا النظر أثر إيجابي في نفوس المسلمين، يحملهم على الإِقتداء بالصالحين من قبلهم واتباع أسباب العلم والرقي والقوة والعز، ليتمكنوا في الأرض، واجتناب أسباب الجهل والإِنحطاط والضعف والذل التي تؤدي إلى الشقاوة والهلاك والدمار. ثم أشار الأستاذ محمد عبده إلى علم التاريخ، وما فيه من الفوائد والثمرات وذكر أن العاقل تأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرا من شيوخ الدين من أمة هذا كتابها يعادون بإسم الدين، ويزهدون فيه غيرهم، كما يرغبون بأنفسهم عنه، زاعمين أنه لا حاجة إليه ولا فائدة منه، ثم قال وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ}تفسير : [الرعد: 6]. وأورد بعد هذا سئوالا وهو: كيف يأمرنا الله باتباع صراط من تقدمنا؟! وعندنا احكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم، وأصلح لزماننا، وما بعده؟ وأجاب عمّا ذكرناه من قبل أن دين الله في جميع الأمم واحد، وانما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف بإختلاف الزمان، وأما الأصول فلا خوف فيها فالإِيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، وترك الشر وعمل البر، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والتخلي عن العادات المذمومة، كل من ذلك أمر مشترك بين الجميع، وقد أمرنا الله بالنّظر فيما كانوا عليه، والاعتبار بما صاروا إليه، لنقتدي بهم في القيام على أصول الخير، وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة، على حسب طريقة القرآن، في قرن الدليل بالمدلول، والعلة بالمعلول والجمع بين السبب والمسبب، وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإِجمال نعرفه من شرعنا، وهدى نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام. وزاد السيد محمد رشيد رضا عما قال أستاذه، أن في الإِسلام من ضروب الهداية ما قد يُعَد من الأصول الخاصة به، ويَرى أنه مما يقتضي الاستدراك على ما قرره الأستاذ الشيخ محمد عبده، وذلك نحو بناء العقائد في القرآن على البراهين العقلية والكونية، وبناء الأحكام الأدبية والعملية على قواعد جلب المصالح والمنافع، ودفع المضار والمفاسد، ونحو بيان أن للكون سننا مطّردة تجري عليها عوالمه العاقلة وغيرالعاقلة، وكالحث على النظر في الكائنات لقصد العلم والمعرفة، لما فيها من الحكمة والأسرار التي يرتقي بها العقل، وتتسع بها أبواب المنافع للإِنسان، وكل ذلك مما امتاز به القرآن، وأجاب عن ذلك أنه تكميل لأصول الدين الثلاث، التي بعث بها كل نبي مرسل لجعل بنائه رصينا مناسبا لارتقاء الإِنسان، والأصول الثلاثة هي الإِيمان الصحيح، وعبادة الله تعالى وحده، وحسن المعاملة مع الناس، ولا خلاف فيها في رسالات جميع المرسلين. والإِنعام أطلق في الآية الكريمة لأن من رُزِق نعمة التوفيق للخير، فكأنما استجمع جميع النعم، والخير بأسره محصور في الإِسلام، فمن هُدي إليه فقد جمع بين نعمة الحال والمآل، وللعلماء رأيان في الكفرة، هل يقال فيهم: إن الله أنعم عليهم أو يمنع ذلك؟ فالمعتزلة يجيزون هذا الوصف في غير المسلمين، وأكثر علماء الكلام من غيرهم يمنعونه، ونجد الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) يستدل للقائلين بالمنع بأنه لو جاز نحو هذا الوصف في غير المؤمنين، لأدى ذلك إلى دخولهم ضمنا في قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وهذا يقتضي جواز أن يقول الإِنسان في دعائه: (إهدني صراط من أنعمت عليهم من القوم الكافرين) ولما امتنع ذلك بالإِجماع، ثبت لدينا عدم صدق وصف الإِنعام على غير المؤمنين، وأنت إذا تدبرت ما جاء من تقييد في نفس هذه الآية الكريمة إتضح لك بطلان ما يقوله الرازي، فإن قوله سبحانه {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} وصف تقييدي للمنعم عليهم، يُخرج مما يقتضيه إطلاق لفظ الإِنعام، كل من لم يكن على طريقة أصحاب الصراط المستقيم المعنيين في الدعاء، ويدل على ذلك ما جاء في القرآن، من تذكير الناس - مؤمنهم وكافرهم - بآلاء الله، وقد يأتي الخطاب موجها إلى غير المؤمنين، ومما ورد هذا المورد قول الله عز وجل: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 21- 22] وقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 28- 29] وقوله عز وجل {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة: 40] وقوله سبحانه: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة: 122] وقوله تعالى: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ. ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش]. إلى ما وراء ذلك من آيات الإِمتنان، التي تعم المؤمن والكافر تارة، وتخص الكافرين تارة أخرى، أمّا ما قيل من أن هذه العطايا التي بسطها الله للكفار ليست إنعاما عليهم، وإنما هي استدراج ولا تساوى شيئا، إذا قيست بما ينتظرهم من عقاب، فالجواب عنه: أنه وإن كانت استدراجا فهي لا تنافي أن تكون إنعاما، كما نص عليه الكتاب في خطاب بني إسرائيل، والعقاب العظيم الذي ينتظر الكفار ليس مترتبا على النعم، وإنما هو مترتب على كفرهم بها وبواهبها سبحانه وتعالى، والكفر قد كان باختيارهم، ولم يكونا عليه مكرهين. والنعمة عرّفها بعض العلماء بأنها الحالة التي يستلذها الإِنسان، وقسمها بعضهم إلى دنيوية وأخروية، والدنيوية إلى روحانية وجسمانية، فالروحانية نفخ الروح وإنارة العقل وإذكاء المشاعر، والجسمانية تكوين الجسم وتجهيزه بالطاقات المختلفة والحواس المتنوعة، والأخروية هي الفوز برضوان الله والسعادة بجواره، في جنات عدن، وهي تترتب على نعمة الهداية المترتبة على التوفيق لاستخدام العقل فيما يؤدي إلى الخير، وبهذا التقسيم يتضح لك أن من النعم ما يكون مشتركا بين المؤمن والكافر، ومنها ما يكون خاصا بالمؤمنين، والمنعم عليهم هنا هم المؤمنون، لأنهم الذين وفقوا لسلوك صراط الحق، المؤدى إلى رضوان الله عز وجل، وطريقهم هو طريق العز والنصر في الدنيا، والفوز والسعادة في الدار الآخرة، فإن الله سبحانه قد وعد بالاستخلاف والتمكين للمؤمنين الملتزمين لنهج الإِيمان {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} تفسير : [النور: 55]. {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} الجمهور قرأوا بجر {غَيْرِ} وابن كثير قرأ بنصبها، وروى عنه الجر، ولا إشكال في قراءة النصب، لأن {غَيْرِ} يلزمها التنكير، وإن أضيفت إلى المعارف كمثل، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك فكل، ما سوى المخاطب يحتمل أن يكون المراد، وكذلك إذ قلت: رأيت مثلك فإن الاعداد المحتمل قصدها من أمثاله لا تحصى، لكثرة ووجوه المماثلة، وعليه فالنصب هنا على الحال، وأما قراءة الجر فلعلماء العربية فيها رأيان: أولهما أن تكون {غَيْرِ} بدلا من {ٱلَّذِينَ} أو بدلا من الضمير في {عَلَيْهِم} والوجه الثاني ضعيف، وهذا الرأي مبني على جواز الإِبدال بالمشتق وما في حكمه، ويرى أبو حيان ضعفه. ثانيهما: أن تكون {غَيْرِ} صفة للذين وهو مبني على أحد أمرين إما اعتبار {ٱلَّذِينَ} في حكم المعرّف بلام الجنس، وهو المعبر عنه بالمعهود الذهني، فإنه يكون مَعرفة بالنظر إلى مدلوله وله حكم النكرة بالنظر إلى قرينة البعضية المبهمة، ولذلك يعامل معاملتها في الوصف بالجملة وهى في حكم النكرة، نحو قول الشاعر: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني تفسير : وإما اعتبار {غَيْرِ} في حكم المعرفة، نظراً إلى وقوعها بين معرفتين متضادتين، وفي مثل هذه الحالة تكتسب التعريف، نحو قولك: إلزم العلم غير الجهل، وقولك: إرغب في الحياة غير الموت، فإنه لا ضد للعلم إلا الجهل، ولا ضد للحياة إلا الموت، وكذلك قول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فإن هؤلاء لا ضد لهم إلا ما جاء بعد {غَيْرِ}. وانتقد أبو السعود إعتبار {ٱلَّذِينَ} في حكم المعهود الذهني في الإِبهام، لأنه لا معنى لأن يضاف بدل {الصراط المستقيم} إلى الموصول إلا لشهرته وتميزه، المنافيين للإِبهام، فإن البدل يراد به إيضاح المبدل منه. أما الزمخشري فإنه سوغ كل واحد من الإِعتبارين. وابن جرير اعتبرهما في حكم الوجه الواحد، وأضاف إليه وجها آخر وهو تقدير {صِرَاطَ} مضاف إلى {غَيْرِ}، وفي هذا تكلف لا يخفى على متأمل، وأنت إذا نظرت في الرأي الأول، وجدته لا يخلو من مسوغ، فإن توغل {غَيْرِ} في الإِسمية كافٍ لإِعطائها بعض أحكام الجوامد كالبدلية، وإن كانت في حكم المشتق، والوصف أيضا ليس بالضعيف لإِمكان اعتبار إكتساب {غَيْرِ} هنا للتعريف بسبب وقوعها بين ضدين، وقد علمت مما نقلناه عن أبي السعود بطلان دعوى أن الإِسم الموصول في قوله {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} في حكم النكرة، وبهذا تعلم عدم صحة ما قاله العلامة الساليكوتي وغيره، في تسويغ تلك الدعوى مما حاصله أنه لا صحة لإِرادة جنس المنعم عليهم من حيث هو إذ لا صراط له، ولا غرض يتعلق بطلب صراط من أنعم عليهم على سبيل الاستغراق، سواء أريد استغراق الأفراد والجماعات، أو المجموع من حيث المجموع، فالمطلوب صراط جماعة ممن أنعم عليهم بالنعم الأُخروية وهم طائفة من المؤمنين لا بأعيانها، فإن نظر إلى البعضية المبهمة المستفادة من إضافة الصراط إليهم كالنكرة، وإن نظر إلى مفهومه الجنسي أي المنعم عليهم كان معرفة، نقل ذلك العلامة الألوسي ولم يعقب عليه إلا بقوله: ولا يخلو من دغدغة، وبطلانه يظهر من حيث أن صراط جميع المنعم عليهم صراط واحد، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}تفسير : [الأنعام: 153] وقد صوره النبي صلى الله عليه وسلم للأذهان في صورة المحسوس، عندما خط خطا في الأرض مستقيما لا عوج فيه، وقال: "حديث : (هذا صراط الله) وخط عن يمينه، خطوطا وقال: (هذه السبل، ما من سبيل إلاَّ وعلى رأسه شيطان يدعو إليه)" تفسير : ثم تلا الآية، وهذا يعني أن صراط أي فرد من المنعم عليهم هو صراط الجنس كله، وليس لكل طائفة منهم صراط خاص، حتى يقال بأن الصراط المقصود هنا هو صراط طائفة من المؤمنين، ويؤكد ذلك أن الصراط المبدل منه معرّف، وما أريد بالبدل إلا مزيد الإِيضاح فلا معنى لمجيئه مبهما، ولو كان مبهما - كما قالوا - لما صح أن يكون علما على الاستقامة ومجانبة الإِنحراف والاعوجاج. و {غَيْرِ} هنا أشربت معنى النفي، فلذلك صح أن تقابل بلا النافيه، ولو كانت للإستثناء المحض لما جاز ذلك. و "الغضب" هو انفعال نفسي يدفع صاحبه إلى الإِنتقام، وهذا لا يليق بجلال الله سبحانه، المنزه عن جميع صفات المخلوقين، فلذلك أول الغضب في مثل هذا المقام، إما بمسبِّبه القريب وهو إرادة الانتقام، أو بمسبّبه البعيد وهو إنزال العقوبة، ولفظة الغضب تدل على الشدة، ولذلك يطلق العرب وصف الغضوب على الناقة العبوس، وعلى الحيّة الخبيثة، ويسمون الدرقة من جلد البعير المطويّ بعضه على بعض "غضبه" كما يسمون بذلك الصخرة المتميزة في الجبل، ومنه قول الراجز: أو غضبة في هضبة ما أمنعا. و {الضلال} يطلق على الذهاب عن الطريق السوي، ومنه قوله عز من قائل: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10] أي غبنا فيها بالموت، ومنه قول العرب: ضل اللبن في الماء إذا إمتزج به. وجيء بفعل الإِنعام مسندا إلى ضمير الخطاب، الموجه إلى الله، بخلاف الغضب والإِضلال، لأجل تعليم العباد كيف يتأدبون في مخاطبته عز وجل. وجمهور المفسرين: على أن المراد بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين النصارى، وذكر ابن أبي حاتم أنه لا يعلم خلافا بين المفسرين في ذلك، وهو من التفسير المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج عبد الرزاق وأحمد في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والبغوي وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن شقيق قال: "حديث : أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرس له، ويسأله رجل من بني القيْن فقال: من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ قال: (اليهود) قال فمن الضالون؟ قال: (النصارى)"تفسير : وأخرجه إبن مردويه عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه بما ذكر، وأخرج البيهقي عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بني القيْن أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله.. إلخ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شقيق قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر أهل وادي القرى فقال له رجل.. إلخ، وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسّنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المغضوب عليهم هم اليهود وإن الضالين هم النصارى"تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني "حديث : عن الشريد قال: مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي فقال: أتقعد قعدة المغضوب عليم"تفسير : وهذا التفسير مروي عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وروى عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكثير من أئمة التابعين فَمن بعدهم، قال الشوكاني: والمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين وهو الذي أطبق عليه أئمة التفسير من السلف. وعضد هذا التفسير باقتران ذكر اليهود بالغضب وذكر النصارى بالضلال في عدة آيات من الكتاب نحو قوله عز وجل: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [البقرة: 90] وقوله: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [المائدة: 60] وقوله عز من قائل: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}تفسير : [المائدة: 78] وقوله تعالى: {أية : قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [المائدة: 77]، والأوْلى - كما قال الألوسي: الاستدلال بالحديث، لأن الغضب والضلال وردا في القرآن لجميع الكفار على العموم قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 106] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً}تفسير : [النساء: 167] وقال {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 44]. واليهود والنصارى جميعا جديرون بوصف الضلال، حقيقون بالغضب، لذا يتوجه السئوال عن وصف اليهود "بالمغضوب عليهم" والنصارى "بالضالين" وأجاب عنه ابن جرير: بأن الله وسم لعباده كل فريق بما تكررت العبارة عنه به وفهم به امره ولم يره ابن عطية هذه الإِجابة تشفي غليلا - وإنها لكذلك - لذلك عدل عنها إلى الجواب، بأن أفاعيل اليهود من اعتدائهم وتعنتهم وكفرهم، مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء بغير حق أمور توجب الغضب في عرف الناس فسمى الله ما أحل بهم غضبا، والنصارى لم تصدر منهم هذه الأشياء، وإنما ضلوا من أول أمرهم، دون أن يقع منهم ما يوجب غضبا خاصا بأفاعيلهم في عرف الناس بل، الغضب العام الذي يستحقه كل كافر، فلذلك وصفت كل واحدة من الطائفتين بما وصفت به. ونقل الفخر الرازي تضعيف هذا التفسير، لأن منكري الصانع والمشركين أخبث دينا من اليهود والنصارى، فكان الإِحتراز عن دينهم أوْلى، واختار الفخر أن يُحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق، ويَحمل الضالون على كل من أخطأ في الإِعتقاد، لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل، وذكر وجها آخر وهو أن المغضوب عليهم الكفار، والضالين المنافقون، لأن الله تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في أوائل البقرة ثم ثنَّى بذكر الكفار وتوعّدهم، ثم ثلّث بذكر المنافقين وتصوير أحوالهم، فيُحتمل أن يكون المغضوب عليهم هنا الكفار والضالون المنافقين كما أن المُنعَم عليهم المؤمنون، ورد ذلك الألوسي بأنه لا قول لقائل، ولا قياس لقايس بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين، وحكى القرطبي أن المغضوب عليهم هم متبعو البدع، والضالين هم الذين ضلوا عن سنن الهدى وذكر عن السُّلَمِيّ في حقائقه، والماوردي في تفسيره، أنهما حكيا: بأن المغضوب عليهم من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة، والضالين من ضل عن بركة قراءتها. قال القرطبي: وليس بشيء، ونقل عن الماوردي قوله: وهذا وجه مردود لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار، وانتشر فيه الخلاف، لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. ويرى بعض المفسرين أن المغضوب عليهم هم الذين نبذوا الحق وراء ظهورهم بعد معرفتهم به، وقيام حجته عليهم، والضالين هم الذين لم يعرفوا الحق رأسا، أو عرفوه على غير وجهه الصحيح، ومن بين القائلين بذلك الإِمام محمد عبده، وأوضح أن المغضوب عليهم ضالون أيضا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون منها إلى مطلوب ولا يهتدون فيه إلى مرغوب، ولكن فرقا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم، وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق لا يهتدي إلى الجادة الموصلة منها، وهم من لم تبلغهم الرسالة، أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة هو التائه الواقع في عماية، لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعَماية في الدين هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل، وتشبّه الصواب بالخطأ. وقسّم الإِمام محمد عبده الضّالين إلى أقسام:- الأول: من حُرموا بلوغ دعوة الرسالة إليهم، أو بلغتهم على غير وجهها الصحيح، فهؤلاء لم يُرزَقُوا من أنواع الهداية إلا ما يحصل بالحس والعقل، وحُرموا رشد الدين ومن الطبيعي أن لا تستقيم أحوالهم في شئونهم الدنيوية، ولو قُدِّر أن استقامت على الوجه الصحيح، فلا محيص لهم عن الضلال فيما تكون به نجاة الأرواح وتتحقق به سعادتها في الدار الآخرة على أنَّ الدين المستقيم من شأنه أن يفيض على أهله من روح الحياة ما تكون به سعادتهم في الدنيا والآخرة معا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والإِضطراب في أعماله المعاشية، وحل به الرزايا ما يكون عادة نتيجة الضلال والخبط وهي سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلا. ويرى الإِمام محمد عبده أن أمر هؤلاء في الآخرة إلى الله إن شاء عفا عنهم وإن شاء أخذهم ولن يساووا المهتدين في منازلهم. وزاد السيد محمد رشيد رضا على كلام أستاذه، أن الذين حُرموا هداية الدين لا يُعقل أن يُؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما لا يُعرف إلا بهذه الهداية، وهو معنى كونهم غير مكلفين، ونسبه إلى جمهور المتكلمين واستدل له بقوله عز وجل: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15]. وانتقد السيد محمد رشيد رضا من قال إنهم مكلفون بالعقل لعدم ظهور وجه لقوله، إلا إن أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتفاع أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، لأن الناس يتفاوتون في إدراكهم وأعمالهم، بسبب تفاوت استعدادهم الفطري ولإِختلاف وسائل تربيتهم. ويرى السيد محمد رشيد رضا بهذا الجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو الفصل بينهما، وذكر أن ما يعطيهم الله تعالى إياه في الدار الآخرة على حسب ما يكونون عليه من الخير أو الشر، ومن الفضيلة أو الرذيلة هو الجزاء العادل على أعمالهم الإِختيارية ويزيدهم الله من فضله إن شاء. هذه خلاصة كلامهما وأنت تدري أن من الأمور التكليفية ما تكون طريقة معرفته العقل كمعرفة الخالق عز وجل وصفاته الواجبة وانتقاء أضدادها ولذلك يحيل القرآن الكريم إلى التفكر في ملكوت السماوات والأرض، لأجل الإِهتداء إلى معرفة الخالق وعظمته وتقوية الإِيمان به عز وجل، ويشير القرآن الكريم إلى أن الذين يستفيدون من ذلك هم أولوا الألباب الذين يستخدمون ما وهبهم الله تعالى من طاقات العقل والفكر في استجلاء الحقيقة واستظهار الحق، ومن ذلك قوله عز وجل: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164] وقوله عز من قائل: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 190] والكفار الذين حُرموا نعمة الهداية والدين، قد طمسوا أنوار بصائرهم بما أخلدوا إليه من الكفر وجنحوا إليه من الضلال، ولذلك حكى الله تعالى عنهم قولهم يوم القيامة: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 10]. إذا تدبرت ذلك، اتضح لك أن من لاحت له معالم الحقيقة وانكشفت لبصيرته أعلام الحق فتعامى عنها مستمسكا بما ورثه من العقائد، لن يكون سالما، وكذلك الذي لا يكلف نفسه مؤونة البحث عن الحق والتفتيش عن الصواب، أما الذي ينشد الحق ويتبع كل بارقة تلمع له من نوره ويحرص على أداء واجباته الإِجتماعية من غير تفريط فيها فذلك الذي تُرجى له السلامة عند الله. على أن الحجة قد قامت على الناس بما يسمعون عنه من أخبار النبوات وأحوال النبيين وما عليهم إلا أن يفتشوا عن ضالتهم المنشوده والله لا يضيع عمل عامل {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]. ونحن نسلم أن الشرع هو الحكم في العقائد والأعمال ولكنا نرى وجوب استخدام العقل مع تعذر الوصول إلى الشرع وهذا يقضي أن يتجنب الإِنسان كل ما يستقبحه عقله قبل التوصل إلى حكمه الشرعي ولا ريب أن العقول السليمة كلها تقضي بمنع الإِعتداء والظلم والفساد، لأجل ذلك ذهب من ذهب من علمائنا - كالإِمامين أبي سعيد وابن بركه - إلى وجوب تحكيم العقل عند تعذر الوصول إلى الشرع حتى في الأمور العملية ولهذه المسألة مباحث ليس من غرضنا استيفاؤها، فمن أرادها فليطلبها من مظانها ككتاب الإِستقامة للإِمام الكُدَمي ومشارق أنوار العقول للإِمام السالمي رحمهما الله. الثاني: من بلغته الدعوة على وجه يؤدي إلى النظر، فساق همته إليه واستفرغ جهده فيه ولكن لم يوفق إلى الإِيمان بما دُعي إليه، وانقضى عمره وهو جاد في الطلب، وهذا القسم لا يتكون إلا من أفراد متفرقين في الأمم ولا ينطبق على شعب بأسره من الشعوب، فلا يظهر له أثر سلبي في أحوال شعب أو أمة، وما يكون لهما من سعادة أو شقاء في الحياة الدنيا، أما منزلة صاحب هذه الحالة في الدار الآخرة، فقد نقل الإِمام محمد عبده عن بعض الأشاعرة، أنه ممن تُرجى له رحمة الله تعالى، وعزا صاحب هذا الرأي مثله عن أبي الحسن الأشعري، وعزا الإِمام محمد عبده إلى الجمهور - بناء على رأيهم - أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد، الذي أنكر التنزيل واستعصى على الدليل وكفر بنعمة العقل ورضي بحظه من الجهل. هذا ملخص ما قاله في أصحاب هذا القسم، ولكنني أستبعد جدا أن يتجه إنسان إلى الحق غير راغب عن شيء منه ولا مؤثر لهواه عن بعض ما يقتضيه الحق ويستلزمه الرشد مستخدما كل الوسائل الممكنة له في الوصول إليه، ثم يحال بينه وبينه لأن الله تعالى يقول: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} والله لا يخلف الميعاد، فلا يتصور هذا بحال وإذا ضل الإِنسان عن جملة الحق أو عن بعضه فما هو إلا نتيجة تقصيره في البحث أو اتباعه الهوى بعدما تبين له الهدى، ومثل هذا لا يصح أن تُرجى له رحمة الله، لأن رحمة الله إنما هى للمتقين. الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدّقوا بها، بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها فكانت عقائدهم نابعة من أهوائهم، وهم أصحاب البدع المنحرفون في إعتقادهم عن هداية الوحي، وهم الذين مزّقوا شمل الأمّة، لإِنحرافهم عن نهج سلفها الصالح، وأشار الإِمام محمد عبده إلى طَرَفٍ من آثار هؤلاء في الناس، فذكر أن الرجل منهم يأتي إلى دوائر القضاة، فيستحلف بالله العلي العظيم أنه لم يفعل ما نسب إليه فيحلف وعلامة الكذب بادية على وجهه فإذا أتاه المستحلف من طريق آخر وحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد لهم الولاية، لم يلبث أن يتغير لونه وتتزلزل أركانه ويرجع في قسمه ويقول الحق، مقرا بأنه فعل ما حلف أولا بالله أنه لم يفعله، تكريما لاسم ذلك الشيخ وخوفا منه أن يسلب عنه نعمة أو ينزل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبا، ويرد الإِمام محمد عبده هذا الضلال إلى الضلال في الإِيمان بالله وما يجب له من الوحدانية في الأفعال، ثم أشار بعد ذلك إلى الضلالات المتنوعة التي عرضت على دين الإِسلام وسلكت بهذه الأمة سبلا معوجة، لا توصل إلى حق ولا رشدٍ، وذكر أن من أشنع هذه الضلالات أثرا وأشدها ضررا خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر والاختيار والجبر والوعد والوعيد وتهوين مخالفة الله على النفوس، ثم ذكر أنه لا بد لمن أراد تمحيص الإِعتقاد ومعرفة ما فيه من الضلال والرشاد من تنزيه القرآن عن إدخال أي شيء مما في أدمغة الناس من المعتقدات فيه وبدون ذلك لا يمكن معرفة الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يُدرى ما هو الموزون به، ثم أوضح أن معنى ذلك أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويُرجع بالتأويل أو التحريف إليها كما جرى عليه المخذولون وتاه فيه الضالون. الرابع: الذين ضلوا في الأعمال وحرفوا الأحكام عما وضعت له نتيجة الخطأ في فهم مقاصد الشعائر الدينية والواجبات الاجتماعية التي فرضت في الإِسلام وضرب الإِمام محمد عبده لذلك مثلا: الإِحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي جزء من الحول الثاني هروبا من الزكاة المفروضة، ويظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك يهدم ركنا من أركان دينه ويعمل عمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضا وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به ويمحو أثره وذلك محال على الله سبحانه وتعالى. ومثل هذا التحايل الذي ذكره الأستاذ الإِمام، الحيل الرِّبَويّةِ التي كثيرا ما يستخدمها الذين لا يرعون للدين حرمة ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، نحو ما تعارف عليه الناس من بيوع الإِقالة، فتجد أحدهم إذا احتاج يبيع عقاراً للآخر بثمن معلوم ولا يشترط الإِقالة إلى مدة معلومة ويتفق البائع والشاري على أن يستأجر البائع المبيع من المشتري في كل شهر بقدر معلوم من غير أن يتخلى عنه ويقبضه المشتري، وفي هذا العقد حُرَم متعددة:- الأولى: حرمة التذرع إلى الربا والتحايل على من لا تخفى عليه خافية، وحرمة الربا لما فيه من الاستغلال وابتزاز ثروات المحتاجين، وهذا المعنى حاصل في هذه المعاملة. الثانية: حرمة بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، وقد صح النهي عن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالثة: حرمة بيعين في بيع، وللإِيجار حكم البيع، فاجتماع عقدته وعقدة البيع معاً يُضفي على هذا العقد هذا الحكم نفسه. الرابعة: حرمة الشرطين في بيع، وهذا العقد ليس منطويا على شرطين فحسب، بل على ثلاثة شروط: أولها شرط الإِقالة، ثانيها شرط الاستئجار، ثالثها اشتراط كون الاستئجار بثمن معلوم، ومثل هذا قد تفشى في معاملات الناس، نتيجة الجهل والإِسخفاف بأحكام الله تعالى. وذكر الأستاذ الإِمام أن ثلاثة أقسام من هذا الضلال، أولها وثالثها ورابعها يظهر أثرها في الأمم، فتختل فيها قوى الإِدراك، وتفسد الأخلاق وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء عقوبة من الله، لا بد من نزولها بهم، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلا، وذكر أن حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم، من العلامات والدلالات على غضب الله تعالى، بما أحدثته في عقائدها وأعمالها ما يخالف سننه، لهذا علمنا الله تعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم، بالوقوف عند حدوده وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق أولئك الذين ظهرت فيهم آثار نقمه، بالإِنحراف عن شرائعه، سواءً كان ذلك عمداً وعناداً أو غواية وجهلاً، وذكر أن الأمة إذا ضلت سبيل الحق ولعب الباطل بأهوائها فسدت أخلاقها واعتلت أعمالها وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشئونها ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب وإن كانت ستلاقى منه نصيبا أيضا، فإذا تمادى بها الغي، وصل بها إلى الهلاك ومحا أثرها من الوجود، لهذا علمنا الله تعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم لنعتبر ونميز بين ما تكون به سعادة الأمة أو شقاؤها، أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يُستدرج الضال من حيث لا يعلم ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه وإنما يلقى جزاءه {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الإنفطار: 19] انتهى كلامه وهو بحث نفيس ولأجل نفاسته حرصت على إيراد أقسام الضالين التي ذكرها وإن كنت أجنح إلى تفسير الضالين في الآية بما أثر النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف. ويرى السيد محمد رشيد رضا الجمع بين التفسير المأثور والتفسير الذى عزاه إلى المحققين - ومنهم شيخه الإِمام محمد عبده - بما حاصله، أنّ ما ذكره المحققون ليس مخالفا للمأثور، لورود المأثور مورد التمثيل لا التخصيص والحصر. ونستفيد أمرين جليلين من قوله تعالى {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}: أولها: وجوب الترابط والتلاحم بين المؤمنين بحيث يكوّن أفرادهم كتلة منيعة، وتأتي أجيالهم حلقات متتابعة في سلسلة واحدة، يواصل كل جيل منها ما بدأه الجيل الذي تقدمه. ثانيهما: وجوب نفرة المؤمنين عن أعداء الدين ومنابذتهم بحيث لا يلتقون معهم على فكر ولا خلق ولا سلوك. وهذان الأمران هما المعروفان عند العلماء - وخاصة أصحابنا - بالولاية والبراءة ولأجل أهميتهما جاءت هذه السورة التي هي أكثر تكرارا على ألسنة المسلمين في الصلاة وغيرها، مؤكدة عليهما، فالله تعالى يُعَلِّم عباده أن يطلبوا منه، بأن يهديهم صراط الذين أنعم عليهم، من سلفهم الصالحين الذين استقاموا على الطريقة وقاوموا الإِنحراف، وأن يطلبوا بأن يوفقهم لمجانبة طرق أضدادهم من المغضوب عليهم والضالين، وما أجملته الآية الكريمة هنا قد فصّلته وأكدته آيات أخرى في سائر القرآن منها قوله عز وجل: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 71] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}تفسير : [الأنفال: 72- 73] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ، إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [الممتحنة: 1- 2] وضرب الله مثلا لعباده المؤمنين ابراهيم عليه السلام ومن معه الذين أعلنوا براءتهم من القوم الكافرين وإن كانوا من ذوي قرباهم حيث قال: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ، رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الممتحنة: 4- 5] ثم تلا ذلك ما يدل على وجوب التأسي بهم وعلى أن ذلك لازم الإِيمان بالله واليوم الآخر، حيث قال: {أية : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [الممتحنة: 6] ومفهوم هذا أن من لم يتأس بهم ليس من الذين يرجون الله واليوم الآخر، وفي خاتمة الآية ما لا يخفى من الوعيد لمن أعرض عن هذا الأمر واستخف بهذا الواجب، وبين سبحانه أنه ليس من شأن المؤمن أن يوالي أحدا ممن عرف عداوته لله ولدينه، ولو كان أقرب قريب، فقد قال عز وجل: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22] وأكد سبحانه وتعالى أن من تولى كافرا فله حكمه، حيث قال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [المائدة: 51] وبين عز وجل أن هذه الموالاة لا تنشأ إلا عن مرض نفساني عضال، يستحكم في قلوب الذين لا يرجون الله واليوم الآخر، حيث قال: {أية : فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}تفسير : [المائدة: 52] وحذّر في هذا السياق من الإِرتداد تعريضا بالذين إتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتنبيها على أن هذه الموالاة تؤدي إلى الردة والعياذ بالله وذلك في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} تفسير : [المائدة: 54] ويأتي في هذا السياق نفسه بيان صفات القوم الذين يجب على المؤمن أن يرتبط بهم بحبل الولاية، وهم الذين يجمعون بين الإِيمان الراسخ والعمل الصالح، وذلك حيث يقول: {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}تفسير : [المائدة: 55] وأتبع ذلك ما يكشف عن عاقبة الترابط بين المؤمنين برباط الولاية في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [المائدة: 56] ثم أتبع ذلك كله تأكيد التحذير من ولاية جميع القوم الكافرين في قوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [المائدة: 57]. وفي هذا ما يكفي العاقل تنفيرا وتحذيرا من الإِندفاع وراء خطوات الكافرين وهم الذين لا يضمرون لهذه الأمة إلا الحقد الأسود الدفين ولا يريدون لها إلا الذوبان في بوتقة الإِلحاد، أو الغرق في خِضِمِّ الفساد، ولذلك ينصبون كل ما يمكن من شراك المكائد، لاصطياد مرضى القلوب وضعاف الإِيمان من هذه الأمة الذين يعيشهم بريق المظهر وتستهويهم نغمة التضليل والإِفساد، وما الغاية من ذلك إلا ترغيبها في سفاسف الأمور، وتزهيدها في معاليها، هذا بجانب التآمر عليها في استقلالها وثرواتها. ولا ريب أن غفلة هذه الأمة عن ذلك كله، هو الداء العضال المستعصي على العلاج، وإذا ألقينا نظرة على طريقة السلف الصالح، الذين مكّن الله لهم في الأرض واستخلفهم فيها، نجد حياتهم تنم عن عمق فهمهم لمقاصد هذه التوجيهات الربانية، ولذلك كانوا ينأوْن بأنفسهم ويربأون عن الدنو حول ما يوهم مودة لأعدائهم أو إعجابا بشيء من أمرهم وذلك كله نتيجة التربية العملية التي رُبوا بها على هداية القرآن، وإرشاده ونصحه وتعاليمه، وكان على رأس من قام بهذه التربية في هذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما يتجلى ذلك في أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم فقد بلغ الحال أن كانت صلوات الله وسلامه عليه يحرص على مخالفة الكفار حتى في الأمور العادية، ومن ذلك ما يروى أنه عليه أفضل الصلاة والسلام، كان واقفا في حال دفن ميت وكان أصحابه وقوفا معه، فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود، مخالفة لمسلك اليهود، وكثيرا ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه في معرض الأمر والنهي، "حديث : خالفوا اليهود أو خالفوا المشركين"تفسير : وذلك لئلا يتأثر السلوك فتتأثر بالتالي العقيدة، وهنا لا يملك المؤمن إلا أن يقف خاشعا أمام عظمة الإِسلام وعمق حكمته وسلامة تربيته ولكن يا للأسف الشديد، أين هذه التعاليم القرآنية والتوجيهات النبوية من أمة اليوم؟ التي أخذت تلهث وراء بهرجة الجاهلية الحديثة، واطئة بأقدامها على قيمها وأخلاقها وعقيدتها، فما أكثر أولئك الذين يقيسون التقدم الحضاري بمقياس التأثر بحياة الغرب الجاهلية، فأصبحوا يتأسون بالغربيين في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ونومهم وحديثهم، وجميع أمورهم المعاشية معتقدين بأن ذلك رمز الوعي وعنوان الترقي ولا يدري هؤلاء البله أن ذلك إن دل على شيء، فإنما يدل على الحماقة والتخلف والإِنحطاط والذوبان. هذا وقد بلغ الإِسلام من دقته في هذه الأمور أن كل ما أراد أن يصل إلى هذه الأمة من مواريث النبوات السابقة، أوصله إليها بطريق الوحي لا بطريق العادات الجاهلية، بل قطع أولا صلتهم بالجاهلية رأسا، لئلا تبقى هذه الأمة عالة على غيرها من الأمم، في شيء من عقيدتها، ولا في شيء من عباداتها وعاداتها، ويكفي مثلا لذلك تعظيم البيت الحرام، الذي بقي عند العرب مما ورثوه عن أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام، ولكن بما أن ذلك قد تلوث بلوثات الجاهلية، صرف الله تعالى هذه الأمة أولاً، حتى عن الإِتجاه إلى البيت الحرام في صلاتها، لتتلقى جميع أمور دينها عن ربها سبحانه، من طريق الوحي، لا من طريق العادات الجاهلية ولما استقرت عقيدتها ورسخ إيمانها وصارت لا تتلقى إلا عن الله تعالى، أُمرت من جديد باستقبال البيت الحرام، وشُرعت لها المناسك العظام، بعدما محصتهم هداية الله ونجحوا في مرحلة الامتحان، ولذلك يقول الله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 143] وفي هذا ما يكفي لأن يكون عبرة لأولى الألباب، نسأل الله العون والتوفيق والتأييد والتسديد، وهو حسبنا وكفى. تلاوة الفاتحة في الصلاة فاتحة الكتاب هي أم القرآن، بالنص الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وبما ذكرناه من اشتمالها على مجمل معاني القرآن، ولذلك شُرعت تلاوتها في الصلاة، لتذكير المصلي بما تحتويه من المعاني القيمة، التى أنزل القرآن لتبيانها، ولا خلاف بين الامة في مشروعية تلاوة الفاتحة في الصلاة، ولكنهم اختلفوا في فرعين من فروع هذه المسألة، نقسم الحديث عنهما إلى مبحثين:- المبحث الأول: في وجوب تلاوة الفاتحة في الصلاة، لقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دالة على مشروعية تلاوة الفاتحة في الصلاة، بل على وجوبها منها ما أخرجه الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة، عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك رضى الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" تفسير : ورواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"تفسير : رواه أحمد وابن ماجه، ورواه البيهقي من طريق علي مرفوعا بلفظ "حديث : كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"تفسير : ، وفسّر الربيع رحمه الله الخداج بالناقصة وهي غير التمام، ومنها ما أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) وهو وإن أعل بجعفر ابن ميمون الذي قال النسائي عنه: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بقوي، وقال ابن عدي يكتب حديثه في الضعفاء، فإنه يعتضد بما أخرجه مسلم وأبو داود وابن حبّان عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا"تفسير : والحديث مروي عند الجماعة بدون لفظة (فصاعدا) وإنما تفرد بها منهم مسلم وأبو داود، وأخرجه الدارقطني بلفظ "حديث : لا تجزيء صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"تفسير : وقال إسناده صحيح وصححه ابن القطان أيضا، ويعتضد بشاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ورواه أحمد بلفظ "حديث : لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" تفسير : والأحاديث في ذلك كثيرة يعزز بعضها بعضا، منها حديث أنس عند أحمد والترمذي، وحديث أبي قتادة عند أبي داود والنسائي، وابن عمر عند ابن ماجه، وأبي سعيد عند أحمد وأبي داود وابن ماجه، وأبي الدرداء عند النسائي وابن ماجه، وجابر عند ابن ماجه. وجمهور الأمة يحملون هذه الأحاديث على الوجوب، حتى أن الفخر الرازي نقل عن ابي حامد الإِسفرائينى أنه حكى إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة، وذكر جماعة عن أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ما يدل على عدم وجوب قراءتها، وذلك أنهم قالوا: إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة: أقله ثلاث آيات، أو آية طويلة، كآية الديْن، وذكر عن محمد بن الحسن أيضا أنه قال: أسوغ الإِجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة نحو الحمد لله، ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما. وذكر القرطبي عن الطبري أنه قال: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها في القرآن عدد آياتها وحروفها، ونقل القرطبي عن ابن عبد البر قوله: وهذا لا معنى له، لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها، ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها، وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادات، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح، أن الحنفية يتفقون مع غيرهم على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة، لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا تتم الصلاة إلا به هو فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال تعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزيء الصلاة بدونه. وَأَتْبَعَ الحافظ ذلك قولُه: وإذا تقرر ذلك، لا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم وترك الطمأنينة، فيصلي صلاة يريد أن يتقرب بها إلى الله تعالى وهو يتعمد ارتكاب الإِثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره، والذي نسبه إلى الحنفية من وجوب الفاتحة في الصلاة، نص عليه الكاساني منهم في بدائع الصنائع وإنما حصر الوجوب في الركعتين الأوليين من ذوات الأربع والثلاث، وفي كلتا الركعتين من ذات الركعتين وذكر أن من تركها عمدا كان مسيئا، ومن تركها سهوا لزمه سجود السهو، قال: وهذا يعني عندنا - يعني الحنفية -. وهذا التفصيل نسبه الفخر الرازي إلى أبي حنيفة نفسه وقال في الركعتين الأخيرتين، يخير المصلي إن شاء قرأ وإن شاء سبّح وإن شاء سكت، ونسب الفخر إلى صاحب كتاب الاستحباب أن القراءة واجبة في الركعتين من غير تعيين، وحكى عن ابن الصبَّاغ أنه نقل في كتاب الشامل عن سفيان، وجوب القراءة في الركعتين الأوليين وكراهتها في الأخريين، والقول بالاكتفاء بالتسبيح في الأخريين منسوب في بعض كتب أصحابنا إلى الإِمام أبي معاوية عزان بن الصقر رحمه الله، وحكى الفخر عن الأصم وابن عليّة أن القراءة غير واجبة أصلا، وذهب الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي إلى أن قراءتها في ركعة واحدة مجزئة، سواء كانت الصلاة ثنائية، أو ثلاثية أو رباعية، ونسبه القرطبي إلى المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني، وإلى أكثر أهل البصرة. وحاصل المقام أن في المسألة أقوالا:- أولها: قول الجمهور، وهو اشتراط الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وحكى الإِسفرائيني إِجماع الصحابة عليه، وذكر أنه قال به أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود، ونسبه غيره إلى ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وأبي بن كعب وأبي أيوب الإِنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير، وعليه جمهور أصحابنا، وبه قال مالك والشافعي، وهو المشهور عن أحمد، ونسبه القرطبي إلى مشهور مذهب الأوزاعي ونسبه الشوكاني إلى العترة. ثانيها: عدم وجوب القراءة في الصلاة أصلا، وهو قول الأصم وابن عليَّة. ثالثها: وجوبها في ركعة من ركعات الصلاة فقط وهو قول الحسن البصري ومن تابعه، ونُسب إلى داود وإِسحاق والهادي والمؤيَّد بالله. رابعها: وجوبها في الركعتين الأوليين والإِجتزاء بالتسبيح في الأخريين وهو رأي الحنفية وبه يقول أبو معاوية عزان بن الصقر من أصحابنا، غير أن الحنفية لا يرون بطلان الصلاة بدونها، كما تقدم، بناءً على تفرقتهم بين الفرض والواجب. خامسها: الاستغناء عن الفاتحة بغيرها من القرآن نحو ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الديْن، وهو رأي أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وسوّغ محمد بن الحسن الاجتهاد في آية أو كلمة مفهومة نحو {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} دون حرف لا يكون كلاما، وذكر ابن قدامة في المغني عن أحمد رواية أنها لا تتعين وتجزىء قراءة آية من القرآن من أي موضع كان. سادسها: اشتراط قراءة الفاتحة أو مثلها من القرآن في عدد آياتها وحروفها نسبه القرطبي إلى الطبري. سابعها: وجوب قراءتها في الركعتين الأوليين، وكراهتها في الأخريين، وهو قول سفيان حسبما نقله الفخر الرازي، عن كتاب الشامل لابن الصبّاغ. والصحيح من هذه الآراء القول بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وهو الذي تقتضيه الأحاديث التي أسلفنا ذكرها، ويعضده إجماع الصحابة الذي حكاه أبو حامد الإِسفرائيني، أما القول بإسقاط وجوب القراءة رأسا فهو منافٍ لدلالة قوله تعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] ومصادم لنصوص الأحاديث التي أسلفنا ذكرها. وأما القائلون بالإِجتزاء بتلاوتها في ركعة من ركعات الصلاة فيرد عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: "حديث : ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"تفسير : ، بعد أن أمره بالقراءة. رواه الجماعة من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية لأحمد وابن حبان والبيهقي في قصة المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : ثم افعل ذلك في كل ركعة"تفسير : كما يرد عليهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري عن إبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب.. والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام تأتي أفعاله في العبادات، تشريعا لأمته يستوضح بها ما انبهم ويستبان بها ما أجمل، وقد قال: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي"تفسير : ولا متعلق لهم في نحو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقبل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن" تفسير : اعتبارا أن الاستثناء من النفي إثبات، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة صحت الصلاة، لأن سنته صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية بينت أن هذه القراءة المطلوبة يجب أن تكون في كل ركعة من ركعات الصلاة، لا في ركعة واحدة فحسب، فاتضح بذلك أن صحة الصلاة موقوفة على تلاوة الفاتحة في كل ركعة، وبهذا يُرد على القائلين بالاجتزاء بها في الركعتين الأوليين من صلاة رباعية أو ثلاثية. وأما القائلون بكفاية غيرها عنها - سواء القائلون بكفاية آية أو ثلاث آيات أو مثل الفاتحة في مثل عدد آياتها وحروفها - فأحاديث اشتراط الفاتحة كافية في هدم رأيهم والكشف عن ضعفه، ولا حجة لهم في إطلاق قوله تعالى { فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي المسيء صلاته: "حديث : ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن"تفسير : ، لأن المجمل يحمل على المبين والمطلق يرد إلى المقيد، على أنه ورد في حديث المسيء أيضا، عند أحمد وأبي داود وابن حبان بلفظ: "حديث : ثم اقرأ بأم القرآن"تفسير : وروى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "حديث : ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ" تفسير : وفي مثل هذا دليل على تعين الفاتحة وأن ما تيسر محمول على ما زاد عليها، مع احتمال أنه لم يكن يحسن الفاتحة، والآية الكريمة جاءت في سياق أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الليل، وليست في الصلوات الخمس، وذكر بعض العلماء احتمال أنها نزلت قبل نزول الفاتحة، لأنها نزلت بمكة المكرمة في صدر زمن الرسالة، فليس فيها ما يدل على معارضة الأحاديث، أما ما يتعلقون به من حديث أبي سعيد بلفظ: "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها"تفسير : فإن ابن سيد الناس يقول: لا يدرى بهذا اللفظ من أين جاء وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.. وإسناده صحيح ورواته ثقات. وأما تعلقهم بحديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: "حديث : لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب"تفسير : فيجاب عنه بأنه من رواية جعفر بن ميمون وقد سبق أن ذكرنا عن النسائي وأحمد وابن عدي تضعيفه وهو أيضا مردود بأن أبا داود أخرج من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: "حديث : أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أخرج فأنادي، أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد"تفسير : وليست تلك الرواية بأولى من هذه، بل هذه أولى بما يشدها من الروايات الأخرى، التي هي أقوى سندا وأصح متنا، على أنه يحتمل أن المراد بقوله عليه أفضل الصلاة والسلام - لو صحت الرواية - "حديث : لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب" تفسير : الاجتزاء بقراءة الفاتحة وحدها، في بعض الصلوَات كصلاة السر، كما هو المذهب عندنا. وبالجملة فإن كل ما يتعلق به المخالف في هذه المسألة، إما رواية واهية أو ذات احتمال، والدليل إذا طرقه الإِحتمال سقط به الاستدلال، أما أدلتنا على وجوب الفاتحة في كل ركعة فهي أقوى من أن تُغمز، وأظهر من أن تؤوّل، وإن حاول جماعة قلب الاستدلال بها لصالح رأيهم، ومن ذلك دعواهم أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"تفسير : يدل على صحة الصلاة بدونها، لأن غاية ما في الحديث أن الصلاة دونها ناقصة، وهو لا يدل على بطلانها، ويُجاب عن ذلك بأن الصلاة المطلوبة شرعاً هي الصلاة المستكملة لشروطها وأركانها، فإذا اختل شيء منها انهدم جميعها، والخداج هو في الأصل، اسم لإِلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل، كما قال اللغويون، وهو سبب من أسباب هلاك الحمل، على أن الروايات الأخرى التي جاءت تارة بلفظ "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"،تفسير : وأخرى بلفظ "حديث : لا تجزىء صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"تفسير : صريحة في بيان المقصود بالخداج. وحاولوا كذلك قلب الأدلة - من قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" تفسير : زاعمين بأن المراد نفي الكمال لا نفي الذات، لأن الذات قائمة غير منتفية، ونفي الكمال يدل بمفهومه على وجود الحقيقة، وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح بما حاصله: إما أن يدعى هؤلاء أن المراد بالصلاة حقيقتها اللغوية، وإما أن يسلّموا أن المراد بها معناها الشرعي، والأول غير مُسَلّم لأن ألفاظ الشرع محمولة على مصطلحاته، إذ هي المستوجبة للبيان ولم يُبعث الشارع لبيان الموضوعات اللغوية ولكنه بُعث لبيان الحقائق الشرعية، وإذا ثبت أن الصلاة المنفية هنا هى الصلاة الشرعية اتضح نفي حقيقتها، من غير احتياج إلى إضمار الإِجزاء ولا الكمال، لأنه يؤدى إلى الإِجمال، كما نُقل عن القاضى أبي بكر وغيره حتى مال إلى التوقف لأن نفي الكامل يُشعر بحصول الإِجزاء، فلو قدر الإِجزاء منتفيا لأجل العموم قدر ثابتا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيؤدي إلى التناقض ولا سبيل إلى إضمارهما معا، لأن الاضمار إنما احتيج إليه للضرورة وهي تندفع باضمار فرد فلا حاجة إلى أكثر منه ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر، قاله ابن دقيق العيد، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن في هذا الأخير نظرا، لأنا إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إليها أولى من الحمل على أبعدهما، ونفى الاجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى، وأيد الحافظ ذلك برواية "لا تجزىء" التي ذكرناها، وبرواية "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" وإذا علمت وجوب قراءتها في كل ركعة من الصلاة، فاعلم أن تركها عمداً أو نسياناً، أو ترك شيء منها، مفض إلى بطلان الصلاة على الصحيح، وهو قول أصحابنا في العمد، ونسيان أكثرها، وقول أكثرهم في نسيان الأقل منها، ووافقنا عليه الشافعي في الجديد، وعليه ابن حزم الظاهرى في المحلّى، وذهب الشافعي في قديمه إلى أن نسيانها لا يفسد الصلاة، واحتج بما روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: صلى بنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه المغرب، فترك القراءة، فلما انقضت الصلاة قيل له: تركت القراءة، قال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسنا، قال: فلا بأس، واعتبر الشافعي حدوث هذه الواقعة بمحضر الصحابة من غير نكير منهم في حكم الإِجماع، ثم رجع عنه في الجديد، كما ذكرنا، أخذا بالأدلة العامة التي تشمل العمد والسهو، وأجاب عن قصة عمر بجوابين: أولهما: أن الشعبي روى أن عمر رضي الله عنه أعاد الصلاة. وهي زيادة من الثقة حكمها القبول، والمثبت مقدم على النافي عند التعارض. ثانيهما: احتمال أن يكون عمر رضى الله عنه لم يترك نفس القراءة وإنما ترك الجهر بها، قال الشافعي: هذا هو الظن بعمر. وضعّف القرطبي ما رُوى عن عمر أنه اعتد بالصلاة التي لم يقرأ فيها بعدم إعادته لها، وقال عنه: منكر اللفظ، منقطع الإِسناد، لأنه يرويه ابراهيم بن حارث التيمي عن عمر، ومرة يرويه ابراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر، وكلاهما منقطع لا حجة فيه، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه، لأنه رماه مالك من كتابه بأخره، وقال ليس عليه العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"، تفسير : ثم ذكر القرطبي ما رُوى عن عمر، أنه أعاد تلك الصلاة، وقال: وهو الصحيح عنه، روى يحيى بن يحيى النيسابورى قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش: عن ابراهيم النخعي عن همام بن الحارث، أن عمر نسي القراءة في المغرب، فأعاد بهم الصلاة، قال ابن عبد البرّ: وهذا حديث متصل شهده همام بن عمر، رُوى ذلك من وجوه، وروى أشهب عن مالك قال: سُئل مالك عن الذي نسى القراءة، أيعجبك ما قال عمر، قال: أنا أنكر أن يكون عمر فعله - وأنكر الحديث - وقال: يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به، أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا. والمفهوم من كلام المالكية أن مالكا يرى رأينا في من يتركها عمدا وهو خلاف ما ذكره عنه ابن حزم وغيره، والاعتماد على ما يرويه عنه أصحابه أولى، أما في حالة النسيان، فذكر ابن خويزمنداد البصري المالكي، عدم اختلاف قول مالك، في بطلان صلاة من تركها في ركعة من صلاة ركعتين ولزوم الإِعادة عليه، واختلف قوله من تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، فقال مرة يعيد الصلاة، وقال مرة أخرى يسجد سجدتي السهو، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك، قال ابن خويزمنداد: وقد قيل إنه يعيد تلك الركعة، ويسجد للسهو بعد السلام، قال ابن عبد البر: الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة، والاتيان بركعة بدلا منها كمن أسقط سجدةً سهوا، وهو اختيار ابن القاسم. في تلاوة الفاتحة للإِمام والمأموم والمنفرد فاتحة الكتاب جامعة لما لم يجمعه غيرها من مجملات معاني القرآن، وهذا سر مشروعية قراءتها في الصلاة كما أسلفنا، ومن هنا أطلق عليها اسم الصلاة. أخرج الإِمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عزّ وجل قُسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قال العبد الحمد لله فيقول الله حمدني عبدي، فإذا قال العبد: الرحمن الرحيم فيقول الله أثنى علىّ عبدي، وإذا قال العبد: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} فيقول الله: مجدني عبدي، فيقول: العبد إياك نعبد وإياك نستعين، فيقول الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فيقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فيقول الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل ". تفسير : وأخرج الحديث الجماعة إلا البخاري وإبن ماجه بلفظ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج"تفسير : ، فقيل لأبي هريرة إِنا نكون وراء الإِمام فقال: إقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي.. إلخ ". تفسير : والحديث الأول هنا حديث مستقل، أخرجه الإِمام الربيع رحمه الله، من طريق أنس رضي الله عنه كما سبق، وإطلاق إسم الصلاة على الفاتحة يدل على أهميتها في الصلاة، وضرورة قراءتها، لتوقف صحة الصلاة عليها، فهي بمثابة العمود الفقري فيها، وفي هذا ما يكفي حجة لإِيجابها على كل مصل، إماما كان أو مأموما أو منفردا، فإن الفاتحة في الصلاة لا تقل أهمية عن الركوع والسجود، بل الحديث يدل على سبق أهميتها، وإذا كان الركوع والسجود لا يحملهما إمام عن المأموم، فأجدر أن يكون هذا الحكم على الفاتحة، ووجوب قراءتها على المأموم كالإمام والمنفرد مروي عن جماعة الصحابة رضي الله عنهم، منهم عمر بن الخطاب، فقد روى الدار قطني عن يزيد بن شريك قال: سألت عمر عن القراءة خلف الإِمام فأمرني أن أقرأ، قلت: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا، قلت، وإن جهرت، قال: وإن جهرت. قال الدارقطني هذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن حزم مسندا في المحلّى عن يزيد بن شريك وعباية بن رداد وخيثمة بن عبد الرحمن عن عمر رضي الله عنه وذكر الترمذي في جامعه أن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين يقولون بذلك، وعزاه إلى مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد واسحق، وصحح هذا الرأي القرطبي من المالكية في تفسيره، وعليه جمهور أصحابنا، ونُسب إلى الناصر من أهل البيت ورجّحه الشوكاني. وقيل: بعدم القراءة مطلقا خلف الإِمام سواءً أسَرَّ أو جهر، وهو قول: أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال: ابن وهب وأشهب وابن الحكم وابن حبيب من أصحاب مالك، وقال: بعض سلف مشارقتنا، حتى قال بعضهم: جمرة في عينه أحب إليه من أن يقرأ الفاتحة خلف الإِمام، وعزي هذا القول إلى الإِمام ابن محجوب رحمه الله، وعزا إليه القطب رحمه الله في الشامل وشرح النيل رجوعه عنه. وقيل بالتفرقة بين الجهرية السرية، فينصت لها المأموم من إمامه في الجهر ويقرؤها في السر، وهو مشهور مذهب مالك، ونسبه الشوكاني إلى زيد بن على والهادي والقاسم وأحمد بن عيسى وعبيد الله بن الحسن العنبري واسحاق بن راهويه وأحمد، وذكر ابن قدامة في المغني أنه رواية الجماعة عن أحمد، وعزاه أيضا إلى الزهري والثوري وابن عيينه وإلى إسحاق، واعتمده، من قبله سلفه الخرقي في مختصره. وذكر ابن حزم الظاهري اختلاف أصحابه الظاهرية في ذلك، فمنهم من رأى وجوب القراءة مطلقا خلف الإِمام، كما هو القول الأول ورجحه هو وعُزِي إلى سلفه داود، ومنهم من فرق بين قراءتي السر والجهر كما هو القول الثالث، ويؤيد القول الأول، ما أخرجه الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله، عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: (لعلكم تقرأون خلف إمامكم) قلنا أجل، قال: "حديث : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها"تفسير : والحديث أخرجه عن عبادة أيضا أحمد والبخاري في جزء القراءة، وصححه ابو داود والنسائي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي، من طريق ابن اسحاق قال: حدثني مكحول عن محمود بن ربيعه، عن عبادة، وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول، وأخرجه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال: أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة ابن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن فلما انصرف قلت: لعبادة سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر، قال: أجل "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة فقال: بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: "حديث : فلا وأنا أقول مالي ينازعني القرآن فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن" تفسير : وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن اسحاق بمعناه وحسنه، وقال الدارقطني: هذا إسناد حسن ورجاله كلهم ثقات، وجاء في كثير من روايات الحديث "حديث : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"تفسير : ، وذكر الشوكاني من شواهده، ما رواه أحمد من طريق خالد الحذّاء، عن ابي قلابة بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعلكم تقرأون والإِمام يقرأ"، قالوا: إنا لنفعل، قال: "لا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب"تفسير : ، قال الحافظ: إسناده حسن، ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس، وزعم أن الطريقتين محفوظتان، وخالفه البيهقي فقال: إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست محفوظة، وفي لفظ للدارقطني عن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقرأ أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن"تفسير : قال الدارقطني: رِجاله كلهم ثقات. فهذه الأحاديث ناصة على أن للفاتحة حكما خاصا في الصلاة، فلا يكتفي فيها بسماعها من الإِمام بخلاف غيرها، وهذا لتوغلها في الوجوب، لأنها ركن من أركان الصلاة، ولذلك أطلق عليها اسم الصلاة بالنص الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه رب العالمين، لأنها بمثابة القلب منها. واحتج القائلون بعدم القراءة خلف الإِمام مطلقا أو فيما يُجْهر به بعموم قوله تعالى {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}تفسير : [الأعراف: 204] وبعموم روايات، منها ما أخرجه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة جهر فيها بالقرأ، فقال: "حديث : هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟" قالوا: بلى يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا فيما جهر به من الصلاة"تفسير : ، ورواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسّنه، وابن ماجة وابن حبان بلفظ: "حديث : فإني أقول مالي أُنازع القرآن"تفسير : وزيادة فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه سلم فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الزيادة مدرجة في الخبر كما نقله الشوكاني عن الخطيب، وذكر أنه اتفق على ذلك البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم. قال النووي: وهذا مما لا خلاف فيه بينهم، ومنها حديث أبي هريرة عند الخمسة إلا الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما جُعل الإِمام لِيؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"تفسير : ونُسب إلى مسلم تصحيحه، ولكن أبا داود قال في زيادة قوله (وإذا قرأ فأنصتوا)، ليست بمحفوظة، ونسب الوهم فيها إلى أبي خالد، ورد عليه المنذري بأن أبا خالد هذا هو سليمان ابن حيان الأحمر وهو من الثقات الذين احتج بهم البخاري ومسلم في صحيحهما، وأجاب عنه الإِمام نور الدين السالمي رحمه الله، بأن ذلك لا ينافي وقوع الوهم منه، لأن أبا داود لم يدّع كذبه، وإنما ادّعى وهمه، وهو غير الكذب بل هو في معنى الغلط، غير أن المنذري عزز ثبوت هذه الزيادة، ونفي الوهم عن راويها أبي خالد، بعدم تفرده بها، فقد تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني نزيل بغداد، وقد سمع من عجلان وهو ثقة وثَّقَهُ يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المحزمي وأبو عبد الرحمن النسائي وقد أخرج النسائي هذه الزيادة في سننه من حديث أبي خالد الأحمر ومحمد بن سعد، ونسب المنذري إلى مسلم إخراج هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من رواية جرير ابن عبد الحميد، عن سليمان التَّيمي عن قتادة وأقر الشوكاني نسبتها إلى رواية مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري، ورأيت جماعة من العلماء عزوا إخراجها إلى مسلم من حديث أبي موسى، منهم القرطبي في تفسيره، والحافظ ابن حجر في فتح الباريء، وعزا إليه ابن قدامة في المغنى إخراج حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره، وقد راجعت أبواب القراءة في الصلاة وأبواب صلاة الجماعة من صحيح مسلم بابا بابا، وتأملت ما فيها حديثا حديثا، فلم أجد ما عزوه اليه من رواية أبي موسى، ولا من رواية أبي هريرة، ولا من رواية غيرهما، وإنما رأيت في باب ائتمام المأموم بالإِمام أربعة أحاديث أخرحها مسلم من رواية أنس وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة رضي الله عنهم أما حديث أنس فلفظه "حديث : إنما جعل الإِمام ليؤتم به فإذا كبّر فكبِّروا، فإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا وإذا قال: سمع الله لمن الحمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قعودا فصلوا قعودا أجمعون"تفسير : وفي بعض طرقه عنه زيادة "حديث : فإذا صلى قائما فصلوا قياما"تفسير : ولفظ حديث عائشة "حديث : إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا"تفسير : ولفظ حديث جابر "حديث : إئتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا"تفسير : ولفظ حديث أبي هريرة "حديث : إنما الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون"تفسير : وفي بعض الطرق في نفس صحيح مسلم زيادة بعض ألفاظ في رواية أبي هريرة منها "حديث : إذا صلى قائما فصلوا قياما"تفسير : وليس في شيء منها "حديث : وإذا قرأ فأنصتوا"تفسير : ولم تأت رواية في هذا الباب عن أبي موسى الأشعري، ولست أدري أين تقع هذه الرواية التي نسبوها إليه، مع العلم أن هؤلاء الذين عزوا إخراج مسلم لهذا الحديث عن أبي موسى وتصحيحه حديث أبي هريرة معدودون في مقدمة أئمة الحديث رواية ودراية، هذا وقد أعلّ الدارقطني زيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" الواردة في رواية سليمان التيمي عن قتادة بأن الحفاظ من أصحاب قتادة لم يذكروها منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة، قال الدارقطنى: فإجماعهم يدل على وهمه، وقد روي عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي، ولكن ليس هو بالقوي تركه القطان، لكن روى بعضهم تصحيحها عن أحمد بن حنبل وابن المنذر. ومنها حديث "حديث : من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة"تفسير : وهو حديث مرسل من طريق عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أسنده عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن عماره: وأبو حنيفه وقد ضعفهما الدارقطنى الراوى للحديث قال: وروي هذا الحديث سفيان الثوري، وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينه وحريث ابن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب. وذكر الحافظ وغيره أنه مشهور من كلام جابر بن عبد الله موقوفا عليه، وقد رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر، قال ابن عبد البر: "ورواه يحيى بن سلام، صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ". وليس في شيء مما احتجُّوا به ما يدل على صحة ما ذهبوا إليه، أما الآية الكريمة فإنها ليست نصا في الموضوع، إذ يحتمل أن تكون القراءة المقصودة فيها خارج الصلاة وهي مكية، وتحريم الكلام في الصلاة كان في المدينة، كما قال زيد بن الأرقم: وليس ببعيد أن يكون المقصود بها المشركين الذين يرفعون أصواتهم عند تلاوة القرآن حذر أن يصل إلى نفوسهم إن أنصتوا إليه فيستولى عليها، وقد رُوي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب ويشهد له قول الله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}تفسير : [فصلت: 26] ولو سُلِّم أنها نزلت في قراءة الصلاة، فهي مخصصة بالأحاديث الناصة على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، والخصوص إذا ثبت قُدِّم على العموم ولو كان قرآنًا، لأن العام ظني الدلالة - وإن كان قطعي المتن - بخلاف الخصوص، وأما الأحاديث فهي أيضا عمومات محمولة على ما فوق الفاتحة، لوجوب تقديم الخاص على العام، ولا تقوى هذه العمومات على معارضة الخصوصات الصريحة الواضحة، وقد علمت ما في بعض تلك الأحاديث من مطاعن لأئمة الحديث في أسانيدها، فكيف تقوى على معارضة الروايات الصحيحة الصريحة في إيجاب تلاوة الفاتحة على كل مصلٍّ؟. هذا وإذا ثبت الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإِمام فإن ذلك لا يتقيد بحال سكوته إذ ليس في تلك الأحاديث ما يدل عليه، وقد اختلفت الشافعية في قراءة الفاتحة، هل تكون عند سكتات الإِمام وعند قراءته، قال الشوكاني: وظاهر الأحاديث أنها تقرأ عند قراءة الإمام، وفعلها حال سكوت الإِمام إن أمكن أحوط، لأنه يجوز عند أهل القول الأول فيكون فاعل ذلك آخذاً بالإِجماع - قال - وأما اعتياد قراءتها حال قراءة الإِمام للفاتحة فقط، أو حال قراءته للسورة فقط، فليس عليه دليل بل الكل جائز وسنة، نعم حال قراءة الإِمام للفاتحة مناسب، من جهة عدم الاحتياج إلى تأخير الإِستعاذة عن محلها، أو تكريرها عند إرادة قراءة الفاتحة إن فعلها في محلها أول وآخر الفاتحة إلى حال قراءة الإِمام للسورة. إنتهى كلامه بتصرف. ثم ذكر الشوكاني عن بعض الشافعية أنه بالغ، فصرح بأنه إذا اتفقت قراءة الإِمام والمأموم في آية خاصة من آي الفاتحة بطلت صلاته، وذكر عن صاحب البيان من الشافعية، أنه رواه عن بعض أهل الوجوه منهم، قال: وهو من الفساد بمكان يغني عن رده، وللحافظ ابن حجر بحث قيم في هذه المسألة في الفتح، فبعد أن ذكر حديث "حديث : وإذا قرأ فأنصتوا"تفسير : أتى باحتمالين في المقصود به:- أولهما: أن الإِنصات المطلوب فيما عدا الفاتحة. ثانيهما: أن ينصت إذا قرأ الإِمام ويقرأ إذا سكت، قال: وعلى هذا فيتعين على الإِمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم، لئلا يوقعه في ارتكاب النهي، حيث لا ينصت إذا قرأ الإِمام، ثم قال: وقد ثبت الإِذن بقراءة المأموم الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما أخرجه البخاري في جزء القراءة والترمذي وابن حبّان وغيرهما، من رواية مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم ثقلت عليه القراءة في الفجر.. وأورد حديث عبادة الذي ذكرناه، ثم قال: وله شاهد من حديث أبي قتادة عند أبي داود والنسائي ومن حديث أنس عند ابن حبّان. ويمكنك بهذا استظهار رجحان القول بقراءة الفاتحة، ولو في حال قراءة الإِمام، وهو الذي عليه العمل عندنا، وذكر صاحب الإِيضاح وغيره عن بعض أصحابنا اختيار ما عليه بعض الشافعية من قراءتها في سكتات الإِمام. وتلاوة الفاتحة في الصلاة أو في غيرها يجب أن تكون بحسب ألفاظها المنزلة، فلا تَصِح ترجمتها إلى أي لغة أخرى، كالفارسية مثلا، لأن ذلك يسلبها قرآنيتها، وذهب أبو حنيفة إلى جواز قراءتها في الصلاة وغيرها باللغة الفارسية، وهو رأي غير سديد، وقد أطال العلماء في الرد عليه، وقد كنت أرغب في بحث هذا الموضوع هنا، ولكني رجحت تأخيره إلى موضعه وهو ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، وأرجو أن أوفق لذلك عندما أصل في التفسير إن شاء الله إلى الآيات التي تنص علي عربية القرآن، وقول أبي حنيفة مهجور عملا إذ لم يعمل به أي أحد حتى من أصحابه الذين يرون رأيه، وبهذا كان الإِجماع العَملي من الأمة مخالفا لرأيه، وهذا ما يسر الله إملاءه في هذا الجزء المشتمل على مقدمات مهمة في التفسير والإِعجاز، بجانب تفسير الفاتحة، أسأل الله أن يتقبله مني، وأن يجزي الخير كل من أعانني عليه، وأن يوفقني لمواصلة العمل الذي بدأته إلى نهايته، إنه سبحانه ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ابن عاشور

تفسير : {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. بدل أو عطف بيان من {الصراط المستقيم}، وإنما جاء نظم الآية بأسلوب الإبدال أو البيان دون أن يقال: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم المستقيم، لفائدتين: الأولى: أن المقصود من الطلب ابتداء هو كون المهدى إليه وسيلة للنجاة واضحة سمحة سهلة، وأما كونها سبيل الذين أنعم الله عليهم فأمر زائد لبيان فضله. الفائدة الثانية: ما في أسلوب الإبدال من الإجمال المعقب بالتفصيل ليتمكن معنى الصراط للمطلوب فضل تمكن في نفوس المؤمنين الذين لقنوا هذا الدعاء فيكون له من الفائدة مثل ما للتوكيد المعنوي، وأيضاً لما في هذا الأسلوب من تقرير حقيقة هذا الصراط وتحقيق مفهومه في نفوسهم فيحصل مفهومه مرتين فيحصل له من الفائدة ما يحصل بالتوكيد اللفظي واعتبار البدلية مساوٍ لاعتباره عطف بيان لا مزية لأحدهما على الآخر خلافاً لمن حاول التفاضل بينهما، إذ التحقيق عندي أن عطف البيان اسم لنوع من البدل وهو البدل المطابق وهو الذي لم يفصح أحد من النحاة على تفرقة معنوية بينهما ولا شاهداً يعين المصير إلى أحدهما دون الآخر. قال في «الكشاف»: «فإن قلت ما فائدة البدل؟ قلت فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير» ا هـ فأفهم كلامه أن فائدة الإبدال أمران يرجعان إلى التوكيد وهما ما فيه من التثنية أي تكرار لفظ البدل ولفظ المبدل منه وعنى بالتكرير ما يفيده البدل عند النحاة من تكرير العامل وهو الذي مهد له في صدر كلامه بقوله: «وهو في حكم تكرير العامل كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم اهدنا صراط الذين، وسماه تكريراً لأنه إعادة للفظ بعينه، بخلاف إعادة لفظ المبدل منه فإنه إعادة له بما يتحد مع ما صدقه فلذلك عبر بالتكرير وبالتثنية، ومراده أن مثل هذا البدل وهو الذي فيه إعادة لفظ المبدل منه يفيد فائدة البدل وفائدة التوكيد اللفظي، وقد علمت أن الجمع بين الأمرين لا يتأتى على وجه معتبر عند البلغاء إلا بهذا الصوغ البديع. وإن إعادة الاسم في البدل أو البيان لِيُبنى عليه ما يُراد تعلقه بالاسم الأول أسلوبٌ بهيج من الكلام البليغ لإشعار إعادة اللفظ بأن مدلولَه بمحلِّ العناية وأنه حبيب إلى النفس، ومثله تكرير الفعل كقوله تعالى: {أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : [الفرقان: 72]وقوله: {أية : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63] فإن إعادة فعل {مروا} وفعل {أغويناهم} وتعليق المتعلِّق بالفعل المعاد دون الفعل الأول تَجِدُ له من الروعة والبهجة ما لا تجده لتعليقه بالفعل الأول دون إعادة، وليست الإعادة في مثله لمجرد التأكيد لأنه قد زيد عليه ما تعلق به. قال ابن جني في «شرح مشكل الحماسة» عند قول الأحوص:شعر : فإذَا تزولُ تزول عن مُتَخَمِّطٍ تُخْشَى بَوَادِرُه على الأَقرانِ تفسير : محالٌ أن تقول إذا قُمتَ قُمتَ وإذا أقْعُدُ أقعد لأنه ليس في الثاني غير ما في الأول وإنما جاز أن يقول فإذَا تزولُ تزولِ لما اتصل بالفعل الثاني من حَرْف الجر المفادة منه الفائدةُ، ومثله قول الله تعالى: {هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} وقد كان أبو علي (يعني الفارسي) امتنع في هذه الآية مما أخذناه ا هـ. قلت: ولم يتضح توجيه امتناع أبي علي فلعله امتنع من اعتبار {أغويناهم} بدلاً من {أغوينا} وجعله استئنافاً وإن كان المآل واحداً. وفي استحضار المنعم عليهم بطريق الموصول، وإسناد فعل الإنعام عليهم إلى ضمير الجلالة، تنويه بشأنهم خلافاً لغيرهم من المغضوب عليهم والضالين. ثم إن في اختيار وصف الصراط المستقيم بأنه صراط الذين أنعمتَ عليهم دون بقية أوصافه تمهيداً لبساطة الإجابة فإن الكريم إذا قلت له أعطني كما أعطيتَ فلاناً كان ذلك أَنْشَطَ لكرمه، كما قرره الشيخ الجد قدس الله سره في قوله صلى الله عليه وسلم «كما صليتَ على إبراهيم»، فيقول السائلون: إهدنا الصراط المستقيم الصراط الذين هديت إليه عبيد نعمك مع ما في ذلك من التعريض بطلب أن يكونوا لاحقين في مرتبة الهدى بأولئك المنعم عليهم، وتهمماً بالاقتداء بهم في الأخذ بالأسباب التي ارتقوا بها إلى تلك الدرجات، قال تعالى: {أية : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة}تفسير : [الممتحنة: 6]، وتوطئةً لما سيأتي بعد من التبرىء من أحوال المغضوب عليهم والضالين فتضمن ذلك تفاؤلاً وتعوذاً. والنعمة - بالكسر وبالفتح - مشتقة من النعيم وهو راحة العيش ومُلائم الإنسان والترفه، والفعل كسمع ونصر وضرب. والنعمة الحالة الحسنة لأن بناء الفعلة بالكسر للهيئات ومتعلق النعمة اللذاتُ الحسية ثم استعملت في اللذات المعنوية العائدة بالنفع ولو لم يحس بها صاحبها. فالمراد من النعمة في قوله: {الذين أنعمت عليهم} النعمةُ التي لم يَشُبْها ما يكدرها ولا تكون عاقبتها سُوأَى، فهي شاملة لخيرات الدنيا الخالصة من العواقب السيئة ولخيرات الآخرة، وهي الأهم، فيشمل النعم الدنيوية الموهوبيَّ منها والكسبيَّ، والرُّوحانيَّ والجثماني، ويشمل النعم الأخروية. والنعمة بهذا المعنى يرجع معظمها إلى الهداية، فإن الهداية إلى الكسبي من الدنيويّ وإلى الأخرويّ كلِّه ظاهرة فيها حقيقة الهداية، ولأن الموهوب في الدنيا وإن كان حاصلاً بلا كسب إلا أن الهداية تتعلق بحسن استعماله فيما وُهب لأجله. فالمراد من المنعم عليهم الذين أفيضت عليهم النعم الكاملة ولا تخفى تمام المناسبة بين المنعم عليهم وبين المهديين حينئذٍ فيكون في إبدال {صراط الذين} من {الصراط المستقيم} معنى بديع وهو أن الهداية نعمة وأن المنعَم عليهم بالنعمة الكاملة قد هُدوا إلى الصراط المستقيم. والذين أنعم الله عليهم هم خيار الأمم السابقة من الرسل والأنبياء الذين حصلت لهم النعمة الكاملة. وإنما يلتئم كون المسؤول طريق المنعم عليهم فيما مضى وكونه هو دينَ الإسلام الذي جاء من بعدُ باعتبار أن الصراط المستقيم جار على سَنن الشرائع الحقة في أصول الديانة وفروع الهداية والتقوى، فسألوا ديناً قويماً يكون في استقامته كصراط المنعم عليهم فأجيبوا بدين الإسلام، وقد جمع استقامة الأديان الماضية وزاد عليها، أو المراد من المنعم عليهم الأنبياءُ والرسل فإنهم كانوا على حالة أكمل مما كان عليه أممهم، ولذلك وصف الله كثيراً من الرسل الماضين بوصف الإسلام وقد قال يعقوب لأبنائه: {أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132] ذلك أن الله تعالى رفق بالأمم فلم يبلغ بهم غاية المراد من الناس لعدم تأهلهم للاضطلاع بذلك ولكنه أمر المرسلين بأكمل الحالات وهي مراده تعالى من الخلق في الغاية، ولْنمثل لذلك بشرب الخمر فقد كان القدرُ غيرُ المسكر منه مباحاً وإنما يحرم السُّكر أوْ لا يحرم أصلاً غير أن الأنبياء لم يكونوا يتعاطون القليل من المسكرات وهو المقدار الذي هدى الله إليه هذه الأمة كلها، فسواء فسرنا المنعم عليهم بالأنبياء أو بأفضل أَتْبَاعهم أو بالمسلمين السابقين فالمقصد الهداية إلى صراط كامل ويكون هذا الدعاء محمولاً في كل زمان على ما يناسب طرق الهداية التي سبقت زمانَه والتي لم يبلغ إلى نهايتها. والقول في المطلوب من {اهدنا} على هذه التقادير كلها كالقول فيما تقدم من كون {اهدنا} لطلب الحصول أو الزيادة أو الدوام. والدعاء مبني على عدم الاعتداد بالنعمة غير الخالصة، فإن نعم الله على عباده كلهم كثيرة والكافر منعم عليه بما لا يمترَى في ذلك ولكنها نعم تحفها آلام الفكرة في سوء العاقبة ويعقبها عذاب الآخرة، فالخلاف المفروض بين بعض العلماء في أن الكافر هل هو منعم عليه خلاف لا طائل تحته فلا فائدة في التطويل بظواهر أدلة الفريقين. {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. كلمة غير مجرورة باتفاق القراء العشرة، وهي صفة للذين أنعمت عليهم، أو بدل منه والوصف والبدلية سواء في المقصود، وإنما قدم في «الكشاف» بيان وجه البدلية لاختصار الكلام عليها ليفضي إلى الكلام على الوصفية، فيورد عليها كيفية صحة توصيف المعرفة بكلمة (غير) التي لا تتعرف، وإلا فإن جعل {غير المغضوب} صفة للذين هو الوجه وكذلك أعربه سيبويه فيما نقل عنه أبو حيان ووجهه بأن البدل بالوصف ضعيف إذ الشأن أن البدل هو عين المبدل منه أي اسم ذات له، يريد أن معنى التوصيف في {غير} أغلب من معنى ذات أخرى ليست السابقة، وهو وقوف عند حدود العبارات الاصطلاحية حتى احتاج صاحب «الكشاف» إلى تأويل {غير المغضوب} بالذين سلموا من الغضب، وأنا لا أظن الزمخشري أراد تأويل (غير) بل أراد بيان المعنى. وإنما صح وقوع (غير) صفة للمعرفة مع قولهم: إن (غير) لتوغلها في الإبهام لا تفيدها الإضافة تعريفاً أي فلا يكون في الوصف بها فائدة التمييز فلا توصف بها المعرفة لأن الصفة يلزم أن تكون أشهر من الموصوف، (فغير) وإن كانت مضافة للمعرفة إلا أنها لما تضمنه معناها من الإبهام انعدمت معها فائدة التعريف، إذ كل شيء سوى المضاف إليه هو غير، فماذا يستفاد من الوصف في قولك مررت بزيد غير عمرو، فالتوصيف هنا إما باعتبار كون {الذين أنعمت عليهم} ليس مراداً به فريق معين فكان وزان تعريفه بالصلة وزان المعرف بأل الجنسية المسماة عند علماء المعاني بلام العهد الذهني، فكان في المعنى كالنكرة وإن كان لفظه لفظ المعرفة فلذلك عرف بمثله لفظاً ومعنى، وهو {غير المغضوب} الذي هو في صورة المعرفة لإضافته لمعرفة وهو في المعنى كالنكرة لعدم إرادة شيء معين، وإما باعتبار تعريف (غير) في مثل هذا لأن (غير) إذا أريد بها نفي ضد الموصوف أي مساوي نقيضه صارت معرفة، لأن الشيء يتعرف بنفي ضده نحو عليك بالحركة غير السكون، فلما كان من أُنعم عليه لا يعاقب كان المعاقب هو المغضوب عليه، هكذا نقل ابن هشام عن ابن السراج والسيرافي وهو الذي اختاره ابن الحاجب في أماليه على قوله تعالى: {أية : غير أولي الضرر}تفسير : [النساء: 95] ونقل عن سيبوبه أن (غيراً) إنما لم تتعرف لأنها بمعنى المغاير فهي كاسم الفاعل وألْحَقَ بها مِثْلاً وسِوى وحَسب وقال: إنها تتعرف إذا قصد بإضافتها الثبوت. وكأن مآل المذهبين واحد لأن (غيراً) إذا أضيفت إلى ضد موصوفها وهو ضد واحد أي إلى مساوي نقيضه تعينت له الغيرية فصارت صفة ثابتة له غير منتقلة، إذ غيرية الشيء لنقيضه ثابتة له أبداً فقولك: عليك بالحركة غيرِ السكون هو غير قولك مررت بزيد غيرِ عمرو وقوله: {غير المغضوب عليهم} من النوع الأول. ومن غرض وصف {الذين أنعمتَ عليهم} بأنهم {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} التعوذُ مما عرض لأمم أنعم الله عليهم بالهداية إلى صراط الخير بحسب زمانهم بدعوة الرسل إلى الحق فتقلدوها ثم طرأ عليهم سوء الفهم فيها فغيروها وما رعَوْها حق رعايتها، والتبرُّؤ من أن يكونُوا مثلهم في بَطَر النعمة وسوء الامتثال وفساد التأويل وتغليب الشهوات الدنيوية على إقامة الدين حتى حق عليهم غضب الله تعالى، وكذا التبرؤ من حال الذين هُدوا إلى صراط مستقيم فما صرفوا عنايتهم للحفاظ على السير فيه باستقامة، فأصبحوا من الضالين بعد الهداية إذْ أساءوا صفة العلم بالنعمة فانقلبت هدايتهم ضلالاً. والظاهر أنهم لم يحق عليهم غضب الله قبل الإسلام لأنهم ضلوا عن غير تعمد فلم يسبق غضب الله عليهم قديماً واليهود من جملة الفريق الأول، والنصارى من جملة الفريق الثاني كما يعلم من الاطلاع على تاريخ ظهور الدينين فيهم. وليس يلزم اختصاص أول الوصفين باليهود والثاني بالنصارى فإن في الأمم أمثالَهم وهذا الوجه في التفسير هو الذي يستقيم معه مقام الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم ولو كان المراد دين اليهودية ودين النصرانية لكان الدعاء تحصيلاً للحاصل فإن الإسلام جاء ناسخاً لهما. ويشمل المغضوب عليهم والضالون فِرَق الكفر والفسوق والعصيان، فالمغضوب عليهم جنس للفرق التي تعمدت ذلك واستخفت بالديانة عن عمد أو عن تأويل بعيد جداً، والضالون جنس للفِرَق التي أخطأت الدين عن سوء فهم وقلة إصغاء؛ وكلا الفريقين مذموم لأننا مأمورون باتباع سبيل الحق وصرف الجهد إلى إصابته، واليهود من الفريق الأول والنصارى من الفريق الثاني. وما ورد في الأثر مما ظاهره تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى فهو إشارة إلى أن في الآية تعريضاً بهذين الفريقين اللذين حق عليهما هذان الوصفان لأن كلاً منهما صار عَلَماً فيما أريد التعريض به فيه. وقد تبين لك من هذا أن عطف {ولا الضالين} على {غير المغضوب عليهم} ارتقاء في التعوذ من شر سوء العاقبة لأن التعوذ من الضلال الذي جلب لأصحابه غَضَبَ اللَّهِ لا يغني عن التعوذ من الضلال الذي لم يبلغ بأصحابه تلك الدركات وذلك وجه تقديم {المغضوب عليهم} على {ولا الضالين}، لأن الدعاء كان بسؤال النفي، فالتدرج فيه يحصل بنفي الأضعف بعد نفي الأقوى، مع رعاية الفواصل. والغضب المتعلق بالمغضوب عليهم هو غضبُ اللَّهِ. وحقيقة الغضب المعروفِ في الناس أنه كيفية تعرض للنفس يتبعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام، فالكيفيةُ سبب لطلب الانتقام وطلب الإنتقام سبب لحصول الانتقام. والذي يظهر لي أن إرادة الانتقام ليست من لوازم ماهية الغضب بحيث لا تنفك عنه ولكنها قد تكون من آثاره، وأن الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما لا يلائمها فتترتب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله، ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه ومعاملتُه بالعُنف وبقطع الإحسان وبالأذى وقد يفضى ذلك إلى طلب الانتقام منه فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه، فلعل الذين جعلوا إرادة الانتقام لازمة للغضب بنَوا على القوانين العربية. وإذْ كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها وإسنادُها إليه على الحقيقة للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية، فقد وجب على المؤمن صَرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي، وطريقةُ أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه، أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو من قبيل التمثيلية. وكان السلف في القرن الأول ومنتصفِ القرن الثاني يمسكون عن تأويل هذه المتشابهات لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي هي مراد الشرع من الناس فلما نشأ النظر في العلم وطَلَبُ معرفة حقائق الأشياء وحدَث قول الناس في معاني الدين بما لا يلائم الحق، لم يجد أهل العلم بداً من توسيع أساليب التأويل الصحيح لإفهام المسلم وكبت الملحد، فقام الدين بصنيعهم على قواعِده، وتميز المخلص له عن ماكِره وجاحده. وكلٌّ فيما صنعوا على هُدى. وبعد البيانِ لا يُرْجَع إلى الإجمال أبداً. وما تأوَّلوه إلا بما هو معروف في لسان العرب مفهوم لأهله. فغضَبُ الله تعالى على العموم يرجع إلى معاملته الحائدين عن هديه العاصين لأوامره ويترتب عليه الانتقام وهو مراتب أَقصاها عقاب المشركين والمنافقين بالخلود في الدرك الأسفل من النار ودون الغضب الكراهية فقد ورد في الحديث: «ويَكْرَهُ لكم قيلَ وقال وكثرةَ السؤال»، ويقابلهما الرضى والمحبة وكل ذلك غيرُ المشيئة والإرادةِ بمعنى التقدير والتكوينِ، {أية : ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}تفسير : [الزمر: 7] {أية : ولو شاء ربك ما فعلوه}تفسير : [الأنعام: 112] {أية : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً}تفسير : [يونس: 99] وتفصيل هذه الجملة في علم الكلام. واعلم أن الغضب عند حكماء الأخلاق مبدأ من مجموع الأخلاق الثلاثة الأصلية التي يعبر عن جميعها بالعدالة وهي: الحكمة والعفة والشجاعة، فالغضب مبدأ الشجاعة إلا أن الغضب يعبر به عن مبدأ نفساني لأَخلاق كثيرة متطرفةٍ ومعتدلة فيلقِّبون بالقوة الغضبية ما في الإنسان من صفات السَّبُعِية وهي حب الغلبة ومن فوائدها دفع ما يضره ولها حد اعتدال وحد انحراف فاعتدالها الشجاعة وكِبَر الهمة، وثباتُ القلب في المخاوف، وانحرافُها إما بالزيادة فهي التهور وشدة الغضب من شيء قليل والكبرُ والعُجب والشراسةُ والحِقْد والحَسَد والقَساوة، أو بالنقصان فالجبن وخور النفس وصغر الهمة فإذا أُطلق الغضب لغةً انصرف إلى بعض انحراف الغضبية، ولذلك كان من جوامع كَلِم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أن رجلاً قال له أوصني قال: لا تغضب فكرَّرَ مِراراً فقال: لا تغضب»تفسير : رواه الترمذي. وسُئل بعض ملوك الفرس بم دام ملككم؟ فقال: لأنا نعاقب على قدر الذنب لا على قدر الغضب. فالغضب المنهى عنه هو الغضب للنَّفس لأنه يصدر عنه الظلم والعدوان، ومن الغضب محمودٌ وهو الغضب لحماية المصالح العامة وخصوصاً الدينية وقد ورد أن النبي كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمة من حرمات الله غضب لله. وقوله: {ولا الضالين} معطوف على {المغضوب عليهم} كما هو متبادر، قال ابن عطية: قال مكي ابن أبي طالب: إن دخول (لا) لدفع توهم عطف (الضالين) على (الذين أَنْعَم عليهم)، وهو توجيه بعيد فالحق أن (لا) مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من لفظ (غير) على طريقة العرب في المعطوف على ما في حيز النفي نحو قوله: {أية : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير}تفسير : [المائدة: 19] وهو أسلوب في كلام العرب. وقال السيد في «حواشي الكشاف» لئلا يتوهم أن المنفي هو المجموع فيجوِّز ثبوتَ أحدهما، ولما كانت (غير) في معنى النفي أجريت إعادة النفي في المعطوف عليها، وليست زيادة (لا) هنا كزيادتها في نحو: {أية : ما منعك ألاَّ تسجد إذ أمرتك}تفسير : [الأعراف: 12] كما توهمه بعض المفسرين؛ لأن تلك الزيادة لفظية ومعنوية لأن المعنى على الإثبات والتي هنا زيادة لفظية فحسب والمعنى على النفي. والضلال سلوك غير الطريق المراد عن خطإٍ سواء علم بذلك فهو يتطلب الطريق أم لم يعلم، ومنه ضالة الإبل، وهو مقابل الهُدى وإطلاقُ الضال على المخطىء في الدين أو العلم استعارة كما هنا. والضلال في لسان الشرع مقابل الاهتداء والاهتداء هو الإيمان الكامل والضلال ما دون ذلك، قالوا وله عَرض عريض أدناه ترك السنن وأقصاه الكفر. وقد فسرنا الهداية فيما تقدم أنها الدلالة بلطف، فالضلال عدم ذلك، ويطلق على أقصى أنواعه الختمُ والطبعُ والأَكِنَّةُ. والمراد من المغضوب عليهم والضالين جنسَا فِرَق الكفر، فالمغضوب عليهم جنس للفِرق التي تعمدت ذلك واستخفت بالديانة عن عمد وعن تأويل بعيد جداً تَحمِل عليه غلبة الهوى، فهؤلاء سلكوا من الصراط الذي خط لهم مسالك غير مستقيمة فاستحقوا الغضب لأنهم أخطأوا عن غير معذرة إذ ما حملهم على الخطأ إلا إيثار حظوظ الدنيا. والضالون جنس للفِرق الذين حرفوا الديانات الحق عن عمد وعن سوء فهم وكلا الفريقين مذموم معاقب لأن الخلق مأمورون باتباع سبيل الحق وبذل الجهد إلى إصابته والحذر من مخالفة مقاصده. وإذ قد تقدم ذكر المغضوب عليهم وعلم أن الغضب عليهم لأنهم حادُوا عن الصراط الذي هُدوا إليه فحرموا أنفسهم من الوصول به إلى مرضاة الله تعالى، وأن الضالين قد ضلوا الصراط، فحصل شِبْه الاحتباك وهو أن كلا الفريقين نال حظاً من الوصفين إلا أن تعليق كل وصف على الفريق الذي علق عليه يرشد إلى أن الموصوفين بالضالين هم دون المغضوب عليهم في الضلال فالمراد المغضوب عليهم غضباً شديداً لأن ضلالهم شنيع. فاليهود مَثَلٌ للفريق الأول والنصارى من جملة الفريق الثاني كما ورد به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في «جامع الترمذي» وحسَّنه. وما ورد في الأثر من تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى، فهو من قبيل التمثيل بأشْهَر الفرق التي حق عليها هذان الوصفَانِ، فقد كان العرب يعرفون اليهود في خيبر والنضير وبعض سكان المدينة وفي عرب اليمن. وكانوا يعرفون نصارى العرب مثل تغلب وكلب وبعض قضاعة، وكل أولئك بدلوا وغيروا وتنكبوا عن الصراط المستقيم الذي أرشدهم الله إليه وتفرقوا في بنيات الطرق على تفاوت في ذلك. فاليهود تمردوا على أنبيائهم وأحبارهم غير مرة وبدلوا الشريعة عمداً فلزمهم وصفُ المغضوب عليهم وعَلِقَ بهم في آيات كثيرة. والنصارى ضلوا بعدَ الحواريين وأساءوا فهم معنى التقديس في عيسى عليه السلام فزعموه ابن الله على الحقيقة قال تعالى: {أية : قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل}تفسير : [المائدة: 77]. وفي وصف الصراط المسؤول في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} بالمستقيم إيماء إلى أن الإسلام واضح الحجة قويم المحجة لا يَهْوى أهلُه إلى هُوة الضلالة كما قال تعالى: {أية : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً}تفسير : [الأنعام: 161] وقال: {أية : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}تفسير : [الأنعام: 153]، على تفاوت في مراتب إصابة مراد الله تعالى ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد»تفسير : ولم يترك بيانُ الشريعة مجاريَ اشتباه بين الخلافِ الذي تحيط به دائرة الإسلام والخلافِ الذي يَخرج بصاحبه عن محيط الإسلام قال تعالى: {أية : إنك على الحق المبين}تفسير : [النمل: 79]. واختلف القراء في حركة هاء الضمير من قوله: {أنعمت عليهم}، وقوله: {غير المغضوب عليهم}، وما ضاهاهما من كل ضمير جمع وتثنية مذكر ومؤنث للغائب وقع بعد ياء ساكنة، فالجمهور قرأوها بكسر الهاء تخلصاً من الثقل لأن الهاء حاجز غير حصين فإذا ضمت بعد الياء فكأن ضمتها قد وليت الكسرة أو الياء الساكنة وذلك ثقيل وهذه لغة قيس وتميم وسعد بن بكر. وقرأ حمزة عليهم وإليهم ولديهم فقط بضم الهاء وما عداها بكسر الهاء نحو إليهما وصياصيهم وهي لغة قريش والحجازيين. وقرأ يعقوب كل ضمير من هذا القبيل مما قبل الهاء فيه ياء ساكنة بضم الهاء. وقد ذكرنا هذا هنا فلا نعيد ذكره في أمثاله وهو مما يرجع إلى قواعد علم القراءات في هاء الضمير. واختلفوا أيضاً في حركة ميم ضمير الجمع الغائب المذكر في الوصل إذا وقعت قبل متحرك فالجمهور قرأوا: {عليهم غير المغضوب عليهم} بسكون الميم وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون في رواية عنه بضمة مشبعة: {غير المغضوب عليهمو} وهي لغة لبعض العرب وعليها قول لبيد:شعر : وهمو فوارسها وهمْ حكامها تفسير : فجاء باللغتين، وقرأ ورش بضم الميم وإشباعها إذا وقع بعد الميم همز دون نحو: {غير المغضوب عليهم} وأجمع الكل على إسكان الميم في الوقف.

أبو بكر الجزائري

تفسير : {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} شرح الكلمات: الصراط: تقدم بيانه. الذين أنعمت عليهم: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وكل من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته، ومعرفة محابه، ومساخطه، والتوفيق لفعل المحاب وترك المكاره. معنى الآية: لما سأل المؤمن له ولإخوانه الهداية إلى الصراط المستقيم، وكان الصراط مجملاً بيّنه بقوله صراط الذين أنعمت عليهم وهو المنهج القويم المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى والجنة وهو الإسلام القائم على الإيمان والعلم والعمل مع اجتناب الشرك والمعاصي. هداية الآية: من هداية الآية ما يلي: 1- الاعتراف بالنعمة. 2- طلب حسن القدوة. {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} شـــرح الكلمـــات: غيـــــر: لفظ يستثنى به كإلاّ. المغضوب عليهم: من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وافسادهم في الأرض كاليهود. الضـــاليــن: من اخطأوا طريق الحق فعبدوا الله بما لم يشرعه كالنصارى. معنى الآية: لما سأل المؤمن ربَّه الصراط المستقيم وبينه بأنه صراط من أنعم عليهم بنعمة الإيمان والعلم والعمل. ومبالغة في طلب الهداية إلى الحق، وخوفاً من الغواية استثنى كلاً من طريق المغضوب عليهم، والضالين. هداية الآية: من هداية الآية: الترغيب في سلوك سبيل الصالحين: والترهيب من سلوك سبيل الغاوين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [تنبيه أول]: كلمة آمين ليست من الفاتحة: ويستحب أن يقولها الإمام إذا قرأ الفاتحة يمد بها صوته ويقولها المأموم، والمنفرد كذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإِمام فأمنوا. أي قولوا آمين بمعنى اللهم استجب دعاءنا، ويستحب الجهر بها؛ لحديث ابن ماجة: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد . تفسير : [تنبيه ثان]: قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة، أمَّا المنفرد والإِمام فلا خلاف في ذلك، وأمَّا المأموم فإن الجمهور من الفقهاء على أنه يسن له قراءتها في السريِّة دون الجهرية لحديث: حديث : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة تفسير : ويكون مخصصاً لعموم حديث: حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب .

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطَ} (7) - وَهُوَ طَرِيقُ عِبَادِكَ الَّذِينَ وَفَّقتَهُمْ إلى الإِيمَانِ بِكَ، وَوَهَبْتَ لَهُمُ الهِدَايَةَ والرِّضَا مِنْكَ، لاَ طَرِيقُ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا غَضَبَكَ، وَضَلُّوا طَرِيقَ الحَقِّ والخَيْرِ لأَِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِكَ، والإِذْعَانِ لِهَدْيِكَ.

الثعلبي

تفسير : {صِرَاطَ} بدل من الأول {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يعني: طريق الذين أنعمت عليهم بالتوفيق والرعاية، والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. قال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى من قبل أن يغيّروا نعم الله عليهم. وقال شهر بن حوشب هم أصحاب الرسول صلى الله عليه ورضي عنهم وأهل بيته (عليهم السلام). وقال عكرمة: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}) بالثبات على الإيمان والإستقامة. وقال علي بن الحسين بن داود: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء. وقال.... بن....: بما قد سنّه محمد صلى الله عليه وسلم وقال الحسين بن الفضل: يعني أتممت عليهم النعمة فكم من منعم عليه..... وأصل النعمة المبالغة والزيادة، يقال: دققت الدواء فأنعمت دقّه أي بالغت في دقه، ومنه قول العرب النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أهل الجنة يتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب الدرّي الشرقي أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". تفسير : أي زادا عليه. وقال أبو عمرو: بالغاً في الخير. وقرأ الصادق: (صراط من أنعمت عليهم)، وبه قرأ عمرو بن الزبير وعلي، حرف اللام يجر ما بعده. وفي {عَلَيْهِمْ} سبع قراءات: الأولى: عليهم ـ بكسر الهاء وجزم الميم ـ وهي قراءة العامّة. والثانية: عليهم ـ بضم الهاء وجزم الميم ـ وهي قراءة الأعمش وحمزة. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر (رضي الله عنه). والثالثة: عليهم ـ بضم الهاء والميم وإلحاق الواو ـ وهي قراءة عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق. والرابعة: عليهمو - بكسر الهاء وضم الميم وإلحاق الواو ـ وهي قراءة ابن كثير والأعرج. والخامسة: عليهم ـ بكسر الهاء والميم وإلحاق الياء ـ وهي قراءة الحسن. والسادسة: عليهم ـ بكسر الهاء وضم الميم مضمومة مختلسة ـ وهي رواية عبد الله بن عطاء الخفّاف عن أبي عمرو. والسابعة: عليهم ـ بكسر الهاء والميم ـ وهي قراءة عمرو بن حامد. فمن ضمّ الهاء ردّه إلى الأصل لأنه لو أفرد كان مضموماً عند الابتداء به، ومن كسره فلأجل الياء الساكنة. ومن كسر الهاء وجزم الميم فإنه يستثقل الضمّ مع مجاورة الياء الساكنة، والياء أخت الكسرة والخروج من الضم إلى الكسر ثقيل. ومن ضمّ الهاء والميم أتبع فيه الضمّة. ومن كسر الهاء وضمّ الميم فإنه كسر الهاء لأجل الياء وضمّ الميم على الأصل، والاختلاس للاستخفاف، وإلحاق الواو والياء للإتباع والله أعلم. قال الشاعر في الميم المختلسة: شعر : والله لولا شعبة من الكرم وسطة في الحي من خال وعم لكنت فيهم رجلا بلا قدم تفسير : {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ} غير: صفة الذين. والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف إلاّ إن الذين ليس بمعرفة موقتة ولكنّه بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالصادق غير الكاذب، كأنك قلت: من يصدق لا من يكذب. ولا يجوز: مررت بعبد الله غير الظريف. ومعنى كلامه: غير صراط الذين غضبت {عَلَيْهِم}. في معنى الغضب واختلفوا في معنى الغضب من الله عزّ وجلّ، فقال قوم: هو إرادة الانتقام من العصاة. وقيل: هو جنس من العقاب يضادّ والرضا. وقيل: هو ذم العصاة على قبح أفعالهم. ولا يلحق غضب الله تعالى العصاة من المؤمنين بل يلحق الكافرين. {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} عن الهدى. وأصل الضلال الهلاك، يقال ضلَّ الماء في اللبن إذا خفي وذهب، و: رجل ضالّ إذا أخطأ الطريق، و: مضلِّل إذا لم يتوجّه لخير، قال الشاعر: شعر : ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا تفسير : قال الزجاج وغيره: وإنما جاز أن يعطف بـ (لا) على غير؛ لأن غير متضمِّن معنى النفي؛ فهو بمعنى لا، مجازه: غير المغضوب عليهم وغير الضالين كما تقول: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان (غير) بمعنى سوى لم يجز أن يعطف عليها ب (لا)؛ لأنه لا يجوز في الكلام عندي سوى عبد الله ولا زيد. وروى الخليل بن أحمد عن ابن كثير: {غَيْرَ ٱلْمَغْضُوبِ} نصباً. وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ: (وغير الضالين)، وقرأ السختياني (ولأ الضالئين) بالهمزة؛ لالتقاء الساكنين، والله أعلم. فأما التفسير: فأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، أخبرنا أحمد بن حنبل ومحمد بن دينار قالا: حدّثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سماك قال: سمعت عباد بن حبيش عن عديّ بن حاتم حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} قال: "اليهود"، {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال: "النصارى ". تفسير : وأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدّثنا محمد بن عبد الله الوراق، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن بديل العقيلي عن عبد الله بن شقيق حديث : أنه أخبره من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرسه فسأله رجل من القيْن، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: "المغضوب عليهم"، وأشار إلى اليهود. فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ فقال: "الضالون"، وأشار إلى النصارى . تفسير : وتصديق هذا الحديث حكم الله تعالى بالغضب على اليهود في قوله: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 60]، وحكم الضلال على النصارى في قوله: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ} تفسير : [المائدة: 77]. وقال الواقدي: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} بالمخالفة والعصيان، {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} عن الدين والإيمان. وقال التستري: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} البدعة، {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} عن السنة. فصل في آمين والسنّة المستحبة أن يقول القارئ بعد فراغه من قراءة فاتحة الكتاب: آمين؛ سواء كان في الصلاة أو غير الصلاة؛ لما أخبرنا عبد الله بن حامد الاصفهاني، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، حدّثنا أبو داود عن سفيان، وأخبرنا عبد الله قال: وأخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا ابن كثير، أخبرنا سفيان عن سلمة عن حجر أبي العنبس الحضرمي عن أبي قايل بن حجر قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}، قال: "آمين"، ورفع بها صوته . تفسير : وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : "لقّنني جبرائيل عليه السلام آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب ". تفسير : وقال "حديث : إنّه كالخاتم على الكتاب" تفسير : وفيه لغتان: أمين بقصر الألف، وأنشد: شعر : تباعد منّي فعطل إذ سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعداً تفسير : وآمين بمد الألف وأنشد: شعر : يا ربّ لا تسلبني حبّها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا تفسير : وهو مبني على الفتح مثل أين. واختلفوا في تفسيره فأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، أخبرنا أبو العباس محمد ابن إسحاق بن أيوب، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدّثنا عبيد بن يعيش عن محمد ابن الفضل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن معنى "آمين" قال: "ربِّ افعل ". تفسير : وقال ابن عباس وقتادة: معناه: كذلك يكون. وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبد الله بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن نمير، أخبرنا سفيان عن منصور عن هلال بن يساف قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى، و(بذلك) قال مجاهد. وقال سهل بن عبد الله: معناه: لا يقدر على هذا أحد سواك. وقال محمد بن علي النهدي: معناه لا تخيّب رجانا. وقال عطية العوفي: آمين كلمة ليست بعربية، إنما هي عبرية أو سريانية ثمّ تكلمت به العرب فصار لغة لها. وقال عبد الرَّحْمن بن زيد: آمين كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله أحد إلاّ الله عزّ وجلّ. وقال أبو بكر الورّاق: آمين قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وقال الضحّاك بن مزاحم: آمين أربعة أحرف مقتطعة من أسماء الله تعالى، وهو خاتم رب العالمين يختم به براءة أهل الجنة وبراءة أهل النار، وهي الجائزة التي منها يجوزون إلى الجنة والنار. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبد الله، حدّثنا محمد بن علي الحافظ، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، حدّثنا سعيد بن جبير، حدّثنا المؤمل بن عبد الرَّحْمن بن عياش الثقفي، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين ". تفسير : أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وأربعمائة أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين بن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرَّحْمن بن بِشْرْ وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمّر عن همّام بن منبّه قال: حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافق إحداهما الأخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : وحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد بن جعفر، أخبرنا محمّد أبو الحسن محمد بن الحسن بهراة، حدّثنا رجاء بن عبد الله، حدّثنا مالك بن سليم، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عطاء قال: آمين دعاء [وعنه عن] النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما حسدكم اليهود على شيء، كما حسدوكم على آمين، وتسليم بعضكم على بعض ". تفسير : وقال وهب بن منبه: آمين على أربع أحرف، يخلق الله تعالى من كل حرف ملكاً يقول: اللهم اغفر لمن قال: آمين. فصل في أسماء هذه السورة هي عشرة، وكثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمّى: الأول: فاتحة الكتاب، سمّيت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم والقراءة في الصلاة، وهي مفتتحة بالآية التي تفتتح بها الامور تيمّناً وتبرّكاً وهي التسمية. وقيل: سمّيت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. وقال الحسين بن الفضل: لأنها أول سورة نزلت من السماء. والثاني: سورة الحمد، لأن فيها ذكر الحمد، كما قيل: سورة (الأعراف) و(الأنفال) و(التوبة) ونحوها. والثالث: أُمّ الكتاب والقرآن؛ سمّيت بذلك لأنها أوّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة؛ فهي أصل لها كالأم للطفل، وقيل: سمّيت بذلك؛ لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة سميت أُم القرى لأنها أشرف البلدان. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مقدّمة على سور القرآن، فهي أصل وإمام لما يتلوها من السور، كما أن أُم القرى أصل جميع البلدان دحيت الأرض من تحتها. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يسمى أُمّ الرأس؛ لأنها مجمع الحواس والمنافع. وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد المفسّر يقول: سمعت أبا بكر القفّال يقول: سمعت أبا بكر البريدي يقول: الأُم في كلام العرب: الراية ينصبها العسكر. قال قيس بن الخطيم: شعر : نصَبنا أُمّنا حتى ابذعرّوا وصاروا بعد إلفتهم شلالا تفسير : فسمّيت أُم القرآن؛ لأن مفزع أهل الإيمان إليها كمفزع العسكر إلى الراية. والعرب تسمي الأرض أُمّاً؛ لأنّ معاد الخلق إليها في حياتهم وبعد مماتهم، قال أُمية بن أبي الصلت: شعر : والأرض معقلنا وكانت أُمّنا فيها مقابرنا وفيها نولد تفسير : وأنشدني أبو القاسم قال: أنشدنا أبو الحسين المظفّر محمد بن غالب الهمداني قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدنا أبي قال: أنشدني أحمد بن عبيدة: شعر : نأوي إلى أُمّ لنا تعتصب كما وَلِها أنف عزيز وذنب وحاجب ما إن نواريها الغصب من السحاب ترتدي وتنتقب تفسير : يعني: نصبه كما وصف لها. وسميت الفاتحة أُمّاً لهذه المعاني. وقال الحسين بن الفضل: سميت بذلك؛ لأنها إمام لجميع القرآن تقرأ في كل [صلاة و] تقدم على كل سورة، كما أن أُمّ القرى إمام لأهل الإسلام. وقال ابن كيسان: سميت بذلك؛ لأنها تامة في الفضل. والرابع: السبع المثاني، وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء الله. والخامس: الوافية، حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبي عن أمّه عن محمد بن نافع السنجري، حدّثنا أبو يزيد محبوب الشامي، حدّثنا عبدالجبار بن العلاء قال: كان يسمي سفيان بن عُيينة فاتحة الكتاب: الوافية، وتفسيرها لأنها لا تنصف ولا تحتمل الاجتزاء إلاّ أن كل سورة من سور القرآن لو قرئ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة كان جائزاً، ولو نصفت الفاتحة وقرئت في ركعتين كان غير جائز. والسادس: الكافية، أخبرنا أبو القاسم السدوسي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن مالك المسوري، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عمران قال: حدّثنا سهيل بن (محمّد)، حدّثنا عفيف بن سالم قال: سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام فقال: عن الكافية تسأل؟ قلت: وما الكافية؟ قال: أما علمت أنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. إياك أن تصلي إلاّ بها. وتصديق هذا الحديث ما حدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر المفسر، حدّثنا عبد الرَّحْمن بن عمر ابن مالك الجوهري بمرو، حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن يسار، عن محمد بن عباد الاسكندراني عن أشهب بن عبد العزيز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمّ القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها منها عوضاً ". تفسير : والسابع: الأساس، حدّثنا أبو القاسم الحسين بن محمد المذكر، حدّثنا أبو عمرو بن المعبّر محمد بن الفضل القاضي بمرو، حدّثنا أبو هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود بن معاد، أخبرنا وكيع قال: إن رجلا أتى الشعبي فشكا إليه وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس القرآن. قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب. قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس غير مرّة يقول: إن لكل شيء أساساً وأساس العمارة مكة؛ لأنها منها دُحيت الأرض وأساس السماوات غريباً، وهي السماء السابعة، وأساس الأرض عجيباً، وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرّة الجنان، وعليها أُسّست الجنان، وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى وعليها أُسست الدركات، وأساس الخلق آدم عليه السلام، وأساس الأنبياء نوح عليه السلام، وأساس بني اسرائيل يعقوب، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى. والثامن: الشفاء، حدّثنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتّب لفظاً، حدّثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الرفّاء، أخبرنا محمد بن أيوب الواقدي، حدّثنا أبو عمرو بن العلاء، حدّثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فاتحة الكتاب شفاء من كل سمّ ". تفسير : وأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه، حدّثنا أبو الحسين محمّد بن الحسن الصفار الفقيه، حدّثنا أبو العباس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا معاوية بن صالح، عن أبي سليمان قال: حديث : مرّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواتهم على رجل مقعد متربّع فقرأ بعضهم في أذنه شيئاً من القرآن فبرئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هي أُمّ القرآن، وهي شفاء من كل داء ". تفسير : أخبرنا أحمد بن أُبيّ الخوجاني، أخبرنا الهيثم بن كليب الشامي، حدّثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا سعيد بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمّه قال: حديث : جاء عمي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّوا بحيّ من الأعراب، فقالوا: انّا نراكم قد جئتم من عند هذا الرسول، إنّ عندنا رجلا مجنوناً مخبولا، فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فقال عمّي: نعم. فجيىء به، فجعل عمي يقرأ أُمّ القرآن وبزاقه فإذا فرغ منها بزق فجعل ذلك ثلاثة أيام، فكأنّما أهبط من جبال، قال عمي: فأعطوني عليه جعلا، فقلت: لا نأكله حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: "كُلهُ، فمن الحلّ تُرقيه بذلك. لقد أكلت بِرُقية حق ". تفسير : والتاسع: الصلاة، قد تواترت الأخبار بأن الله تعالى سمّى هذه السورة، وهو ما يعرف انّه لا صلاة إلاّ بها. أخبرنا عبد الله بن حامد وأحمد بن يوسف بقراءتي عليهما قالا: أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأته على ابن نافع، وحدّثنا مطرف عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرَّحْمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عزّ وجلّ: قسمت الصلاة ـ يعني هذه السورة ـ بيني وبين عبدي نصفين؛ فنصفها لي ونصفها لعبدي، فإذا قرأ العبد: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} يقول الله: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} يقول الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال العبد: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} يقول الله: مجّدني عبدي. وإذا قال العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال الله: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} إلى آخرها قال: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل . تفسير : والعاشر: سورة تعلم المسألة؛ لأن الله تعالى علّم فيه عباده آداب السؤال، فبدأ بالثناء ثم الدعاء، وذلك سبب النجاح والفلاح. القول في وجوب قراءة هذه السورة في الصلاة. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدّثنا بشر بن مطير، حدّثنا سفيان، حدّثنا العلاء بن عبد الرَّحْمن عن أبيه أنه سمع أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من صلّى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ـ ثلاث مرات ـ غير تمام ". تفسير : وأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا ابن عباس، حدّثنا عبد الرَّحْمن بن بشر، حدّثنا ابن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ". تفسير : أخبرنا عبد الله، أخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا أبو قبيصة، حدّثنا سفيان عن جعفر بن علي بيّاع الأنماط عن أبي هريرة قال: حديث : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي: "لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب ". تفسير : وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى، حدّثنا مسدِّد، حدّثنا عبدالوارث بن حنظلة السدوسي قال: قلت لعكرمة: إنّي ربّما قرأت في المغرب {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} تفسير : [الفلق: 1] و {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 1] وأنّ الناس يعيبون عليَّ ذلك، فقال: سبحان الله إقرأ بهما فإنّهما من القرآن، ثمّ قال: حدّثنا ابن عبّاس حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج فصلّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلاّ بفاتحة الكتاب لم يزد على ذلك غيره . تفسير : وأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العبّاس الأصمّ، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدّثنا الشافعي، حدّثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب" تفسير : واحتجّ من أجاز الصلاة بغيرها بقوله: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [المزمل: 20]. وأخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد بقراءتي عليه أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا أبو المثنّى حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عمر قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل وصلّى ثم جاء فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ" حتى فعل ذلك ثلاث مرات. قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبياً ما أحسن غير هذا، فعلِّمني. قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ثم اركع ". تفسير : وهذه اللفظة يحتمل أنه أراد أن كل ما وقع عليه اسم قرآن وجهل إنما يراد سورة بعينها، فلمّا احتمل الوجهين نظرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم صلى بفاتحة الكتاب وأمر بها (وشدّد على) من تركها، فصار هذا الخبر مجملا، والأخبار التي رويناها مفسرة، والمجمل يدل على المفسر، وهذا كقوله: {أية : فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} تفسير : [البقرة: 196] ثم لم يجز أحد (ترك الهدي) بل ثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة أن لا يكون أعور ولا أعرج ولا معيوباً، فكذلك أراد بقوله عزّ وجلّ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فسّر بالصفة التي بينها أن تكون سورة الحمد إذا أحسنها، وقدرها إذا لم يحسنها. فبالعلة التي أوجبوا قراءة آية تامة مع قوله: "ما تيسّر" له وجه ظاهره العلم، والله أعلم. ذكر وجوب قراءتها على المأموم كوجوبها على الإمام واختلاف الفقهاء فيه: قال مالك بن أنس: يجب عليه قراءتها إذا خَافَتَ الإمام، فأمّا إذا جهر فليس عليه [شيء]. وبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد: يلزمه القراءة أسرَّ الإمام أو جَهَر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يلزمه القراءة خافت أو جهر. واتّفق المسلمون على أن صلاته [صحيحة] إذا قرأ خلف الإمام. والدليل على وجوب القراءة على المأموم كوجوبها على الإمام ما أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن أبي إسحاق، حدّثنا مكحول، وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أحمد بن عبد الرَّحْمن بن سهل، حدّثنا سهل بن عمار، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود ابن الربيع عن عبادة ابن الصامت قال: حديث : صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فثقلت عليه القراءة فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته أقبل علينا بوجهه وقال: "إني لأراكم تقرؤون خلفي؟". قلنا: أجل والله يا رسول الله هذا. قال: "فلا تفعلوا إلاّ بأُمّ الكتاب فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ". تفسير : وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وجابر وابن مسعود وعمران بن حصين وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وهشام بن عامر ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وجماعة كبيرة من التابعين وأئمة المسلمين روي عنهم جميعاً أنهم رأوا القراءة خلف الإمام واجبة. ووجه القول القديم ما روى سفيان عن عاصم بن أبي النجود، عن ذكوان، عن أبي هريرة وعائشة أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر. واحتج أبو حنيفة وأصحابه بما أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا الوليد ابن حمّاد اللؤلؤي: حدّثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدّثنا أبو حنيفة عن الحسن عن عبد الله بن شدّاد بن الماد عن جابر بن عبد الله قال: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم "من صلّى خلف امام فإنّ قراءة الإمام له قراءة ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن يونس، حدّثنا الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كان له إمام فقراءته له قراءة ". تفسير : فأمّا حديث عبد الله بن شدّاد فهو مرسل، رواه شعبة وزائدة وابن عينية وأبو عوانة وإسرائيل وقيس وجرير وأبو الأحوص مرسلا، والمرسل لا تقوم به حجّة، والوليد بن حماد والحسن لا يدرى من هما. وأما خبر جابر الجعفي فهو ساقط، قال زائدة: جابر كذاب، وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر. وقال ابن عينية: كان جابر لا يوقن بالرجعة. وقال شعبة: قال لي جابر: دخلت إلى محمد بن علي فسقاني شربة وحفظت عشرين ألف حديث. ولا خلاف بين أهل النقل في سقوط الاحتجاج بحديثه. وقد روي عن جابر بن عبد الله ما خالف هذه الأخبار، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، أخبرنا سعد بن عامر، عن شعبة، عن مسعر عن يزيد بن الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام، ومحال أن يروي جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قراءة الإمام قراءة المأموم ثم يقرأ خلف الإمام ويأمر به مخالفة للنبي صلى الله عليه وسلم. واحتجوا أيضاً بما روي عن عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهيل عن عوان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يكفيك قراءة الإمام جَهَرَ أو لم يجهر ". تفسير : وهذا الحديث أيضاً لا يثبته أهل المعرفة بالحديث؛ لأنه غير متن الحديث، وإنما الخبر الصحيح فيه عن أبي هريرة ما أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدّثنا العباس ابن محمد الدوري، حدّثنا بشر بن كلب، حدّثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرَّحْمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج غير تمام". قال: فقلت له: إذا كان خلف الإمام؟ قال: فأخذ بذراعي وقال: "يا فارسي ـ أو قال: يا بن الفارسي ـ اقرأ بها في نفسك ". تفسير : واحتجوا أيضاً بما روى أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرؤون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : خلطتم عليّ القرآن ". تفسير : وهذا الخبر فيه نظر، ولو صحّ لكان المنع من القراءة كما رواه النضر بن شميل. أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله،حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقوم يقرؤون القرآن ويجهرون به: "خلطتم عليّ القرآن"تفسير : ، فليس في نهيه عن القراءة خلف الإمام جهراً ما يمنع عن القراءة سرّاً. ونحن لا نجيز الجهر بالقراءة خلف الإمام؛ لما فيه من سوء الأدب والضرر الظاهر. وقد روى يحيى بن عبد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : إذا قام أحدكم يصلّي، فإنه يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ". تفسير : ودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن زياد الأشعري قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر. وكذلك الجواب عن إحتجاجهم بخبر عمران بن الحصين قال: حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر فلما انصرف قال: أيّكم قرأ (سبح اسم ربك الأعلى)، قال رجل: أنا ولم أرد به إلاّ الخير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد عرفت أن بعضكم خالجنيها ". تفسير : واحتجّوا أيضاً بحديث أبي هريرة: فإذا قرأ فأنصتوا، وليس الانصات بالسكوت فقط إنّما الإنصات أن تحسن استماع الشيء ثم يؤدى كما سمع، يدل عليه قوله تعالى في قصّة الجن: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ}تفسير : [سورة الأحقاف: 29-30]. وقد يسمى الرجل منصتاً وهو قارىء مسبّح إذا لم يكن جاهراً به، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أتى الجمعة فأنصت ولم يلغ حتى يصلي الإمام كان له كذا وكذا ". تفسير : فسمّاه منصتاً وإن كان مصليّاً ذاكراً، حديث : وقيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما تقول أيضاً؟ قال: "أقول اللّهمّ اغسلني من خطاياي"تفسير : فدلّ أنّ الإنصات وهو ترك الجهر بالقراءة دون المخافتة بها، يدل عليه ما أخبرنا به أبو القاسم الحسين، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن محمد، حدّثنا عبيد بن السكن، حدّثنا إسماعيل بن عباس، أخبرنا محمد بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلّى صلاةً مكتوبة أو سبحة فليقرأ بأُمّ القرآن". قال: قلت: يا رسول الله، إني ربما أكون وراء الإمام. قال صلى الله عليه وسلم "اقرأ إذا سكت إنما جعل الإمام ليؤتمّ به ". تفسير : قد رواه الثقات الأثبات عن أبي هريرة مثل الأعرج وهمام بن منبّه وقيس بن أبي حازم وأبي صالح وسعيد المقبري والقاسم بن محمد وأبي سلمة، ولم يذكروا: (وإذا قرأ القرآن فأنصتوا). وأمّا احتجاجهم بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}تفسير : [الأعراف: 204]، فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [7] 3- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن/ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدَّم من ذنبه ".