١ - ٱلْفَاتِحَة
1 - Al-Fatiha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : أما قوله جل جلاله: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية، ولتحصيل الهداية طريقان: أحدهما: طلب المعرفة بالدليل والحجة، والثاني: بتصفية الباطن والرياضة، أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته، وبعزة عزته، وبجلال صمديته، كما قيل: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : وتقريره: أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية، ومختلفة في الصفات، وهي الألوان والأمكنة والأحوال، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية، وإلا لزم حصول الاستواء، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر، وذلك المخصص إن كان جسماً عاد الكلام فيه، وإن لم يكن جسماً فهو المطلوب، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حياً عالماً قادراً، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء، وإن كان حياً عالماً قادراً فهو المطلوب، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق، ومخبر ناطق، بوجود الإله القادر الحكيم العليم، وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعاً غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل، ويمكن أيضاً اتصافه بصفات غير على البدل، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه. وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص، ومشرب معين، كما قال: {أية : وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا }تفسير : [البقرة: 148] ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار، ولا خبر عند الأفهام من مبادىء ميادين تلك الأنوار، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة، وأسراراً دقيقة، فلما ترقى إليها أفهام الأكثرين.
البيضاوي
تفسير : {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا {ٱهْدِنَا }. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم. والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير وقوله تعالى: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات: 23] وارد على التهكم. ومنه الهداية وهوادي الوحش لمقدماتها، والفعل منه هدى، وأصله أن يعدى باللام، أو إلى، فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }تفسير : [الأعراف: 155] وهداية الله تعالى تتنوع أنواعاً لا يحصيها عد كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }تفسير : [إبراهيم: 34] ولكنها تنحصر في أجناس مترتبة: الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. الثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار حيث قال: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ }تفسير : [البلد: 10] وقال: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }تفسير : [فصلت: 17] الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عنى بقوله: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا }تفسير : [الأنبياء: 73] وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمِ }تفسير : [الإسراء: 9] الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي، أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }تفسير : [الأنعام: 90] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }تفسير : [العنكبوت: 69] فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المرتبة عليه. فإذا قاله العارف بالله الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. والأمر والدعاء يتشاركان لفظاً ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، وقيل: بالرتبة. والسراط: من سرط الطعام إذا ابتلعه فكأنه يسرط السابلة، ولذلك سمي لقماً لأنه يلتقمهم. و {ٱلصّرٰطِ } من قلب السين صاداً ليطابق الطاء في الإطباق، وقد يشم الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه. وقرأ ابن كثير برواية قنبل عنه، ورويس عن يعقوب بالأصل، وحمزة بالإشمام، والباقون بالصاد وهو لغة قريش، والثابت في الإمام وجمعه سُرُطْ ككتب وهو كالطريق في التذكير والتأنيث. و {ٱلْمُسْتَقِيمَ } المستوي والمراد به طريق الحق، وقيل: هو ملة الإسلام. {أية : صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }تفسير : [الفاتحه: 7] بدل من الأول بدل الكل، وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه لأنه جعل كالتفسير والبيان له فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه أن الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين. وقيل: {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } الأنبياء، وقيل: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقيل: أصحاب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام قبل التحريف والنسخ. وقرىء: {صِرٰطِ مِنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } والإنعام: إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله وإن كانت لا تحصى كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18] تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي. والأول قسمان: وهبي وكسبي والوهبي قسمان: روحاني كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق، وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء والكسبي تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه والمال. والثاني: أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين. والمراد هو القسم الأخير وما يكون وصلة إلى نيله من الآخرة فإن ما عدا ذلك يشترك فيه المؤمن والكافر.
ابن كثير
تفسير : قراءة الجمهور بالصاد، وقرىء: السراط، وقرىء بالزاي، قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب. لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى، ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: «حديث : فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل»تفسير : وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى عليه السلام:{أية : رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص: 24] وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول؛ كقول ذي النون {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول؛ كقول الشاعر:شعر : أَأَذْكُرُ حاجَتي أَمْ قَدْ كَفانِي حَياؤُكَ إِنَّ شِيْمَتَكَ الحَياءُ إِذا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْماً كَفاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ تفسير : والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} فتضمن معنى: ألهمنا، أو وفقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 10] أي: بينا له الخير والشر، وقد تعدى بإلى؛ كقوله تعالى: {أية : ٱجْتَبَـٰهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [النحل: 121] {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيم}تفسير : [الصافات: 32] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] وقد تعدى باللام كقول أهل الجنة {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا}تفسير : [الأعراف: 43] أي: وفقنا لهذا، وجعلنا له أهلاً. وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة العرب، فمن ذلك قال جرير بن عطية الخطفى:شعر : أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيْمِ تفسير : قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول، فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى ابن يمان عن حمزة الزيات عن سعيد، وهو ابن المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الصراط المستقيم كتاب الله»تفسير : وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد تقدم في فضائل القرآن فيما رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعاً: «حديث : وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم» تفسير : وقد روي موقوفاً على علي رضي الله عنه، وهو أشبه. والله أعلم: وقال الثوري: عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم كتاب الله، وقيل: هو الإسلام، قال الضحاك: عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد عليهما السلام: «قل يا محمد: اهدنا الصراط المستقيم» يقول: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} قال: ذاك الإسلام. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اهدنا الصراط المستقيم، قالوا: هو الإسلام. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر: اهدنا الصراط المستقيم، قال: هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض. وقال ابن الحنفية في قوله تعالى: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: اهدنا الصراط المستقيم، قال: هو الإسلام. وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء حدثنا ليث، يعني ابن سعد، عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: ياأيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً، ولا تعوجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم»تفسير : وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به، ورواه الترمذي والنسائي جميعاً عن علي بن حجر عن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به، وهو إسناد حسن صحيح. والله أعلم. وقال مجاهد: اهدنا الصراط لمستقيم، قال: الحق. وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم حدثنا حمزة بن المغيرة عن عاصم الأحول عن أبي العالية: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح. وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة؛ فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق، فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام، فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً، و لله الحمد. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الفضل السقطي حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني - اهدنا الصراط المستقيم - أن يكون معنياً به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وُفقَ لما وفق له مَن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم. [فإن قيل]: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب أن لا، ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها؛ فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله؛ فإنه قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ}تفسير : [النساء: 136] الآية؛ فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، والله أعلم. وقال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يقولوا: {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تفسير : [آل عمران: 8] وقد كان الصديق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سراً، فمعنى قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي أرشدنا إليه ويبدل منه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم} إلى آخرها. أما قوله: {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ} ففيه تأويلان: أحدهما: معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا. والثاني: معناه وفقنا، وهذا قول ابن عباس. وأما الصراط ففيه تأويلان: أحدهما: أنه السبيل المستقيم، ومنه قول جرير: شعر : أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم تفسير : والثاني: أنه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون}، تفسير : [الأعراف: 86] وقال الشاعر: شعر : ................... فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ تفسير : وهو مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام، وهو ممره في الحلق. وفي الدعاء بهذه الهداية، ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم دعوا باستدامة الهداية، وإن كانوا قد هُدُوا. والثاني: معناه زدنا هدايةً. والثالث: أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة، ورجاءً لثواب الدعاء. واختلفوا في المراد بالصراط المستقيم، على أربعة أقاويل: أحدها: أنه كتاب الله تعالى، وهو قول علي وعبد الله، ويُرْوَى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية. والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الذي لا عوج فيه، وهو قول ابن عباس. والرابع: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهو قول الحسن البصري وأبي العالية الرياحي. وفي قوله تعالى: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ} خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الملائكة. والثاني: أنهم الأنبياء. والثالث: أنهم المؤمنون بالكتب السالفة. والرابع: أنهم المسلمون وهو قول وكيع. والخامس: هم النبي صلى الله عليه وسلم، ومَنْ معه مِنْ أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير: (صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وأما قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} فقد روى عن عديِّ بن حاتم قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن المغضوب عليهم، فقال: "حديث : هُمُ اليَهُود"، تفسير : وعن الضالين فقال: "حديث : هُمُ النَّصارى ". تفسير : وهو قول جميع المفسرين. وفي غضب الله عليهم، أربعة أقاويل: أحدها: الغضب المعروف من العباد. والثاني: أنه إرادة الانتقام، لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة، وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى. والثالث: أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم. والرابع: أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضباً، كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً. والضلال ضد الهدى، وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب، لأنهم أشد عداوة. وقرأ عمر بن الخطاب (غَيْرِ الْمغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّآلِّين).
ابن عبد السلام
تفسير : {اهْدِنَا}: دلنا، أو وفقنا {الصِّرَاطَ} السبيل المستقيم أو الطريق الواضح، مأخوذ من مسرط الطعام وهو ممره في الحلق، طلبوا دوام الهداية، أو زيادتها، أو الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة، أو طلبوها إخلاصاً للرغبة، ورجاء ثواب الدعاء، فالصراط: القرآن، أو الإسلام أو الطريق الهادي إلى دين الله، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر [رضي الله عنهما] أو طريق الحج أو طريق الحق. {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} الملائكة أو الأنبياء، أو المؤمنون بالكتب السالفة أو المسلمون أو النبي ومن معه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}. قال ابن عرفة: الطّلب من الأدنى للأعلى سؤال عند المنطقيين ودعاء عند النحويين. ومنهم من قال: إن كان لله تعالى فهو دعاء، (وإن كان) لغيره (فهو) أمر. والهداية (لها معنيان خاص وعام) (فالأعم) الإرشاد سواء كان للخير أو للشر، والأخص الإرشاد إلى طريق الخير والمراد هنا الأخص. والصراط قيل: هنا الطريق وقيل: الطريق الموصلة للآمر الملائم وهو طريق الخير كأنه مأخوذ من السّرط وهو (الإبلاغ). والإنسان ما يتبلغ إلا ما هو ملائم له، وَصَفَهُ على هذا بالمستقيم لأن طريق الخير قسمان قريبة، وبعيدة: فالمستقيم نصّ (اقليدس) على أنه أقرب خطين بين نقطتين فالخط المستقيم أقرب من المعوج فلذلك وصفه على هذا بالمستقيم. قال ابن عرفة: ولمّا قال "إياك نعبد" أوهم أن للإنسان في العبادة (ضربا) من المشاركة والاختيار، فعقبه بطلب الهداية تنبيها على كمال الافتقار، وأن كل العبادة والطاعة من الله تعالى وليس للعبد عليها قدرة، فهو دليل لأهل السنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {ٱهْدِنَا}: رغبة؛ لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغ الأمر كلها، فإِذا كانت من الأعلى، فهي أَمْرٌ. والهِدَايَةُ؛ في اللغة: الإرشادُ، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإِرشاد وكلها إِذا تأملت راجِعةٌ إلى الإرشاد، فالهدى يجـيء بمعنى خَلْقِ الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالَىٰ: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ }تفسير : [البقرة:5] و {أية : يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }تفسير : [النور:46]، و {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }تفسير : [القصص:56] {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ }تفسير : [الأنعام:125] الآية، قال أبو المعالي: فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد. وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء؛ كقوله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }تفسير : [الرعد:7] أي: داع {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }تفسير : [الشورى:52]. وقد جاء الهُدَىٰ بمعنى الإِلهام؛ من ذلك قوله تعالىٰ: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ }تفسير : [طه:50]. قال المفسِّرون: ألهم الحيواناتِ كلَّها إِلى منافعها. وقد جاء الهُدَىٰ بمعنى البيان؛ من ذلك قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ }تفسير : [فصلت:17] قال المفسِّرون: معناه: بيَّنَّا لهم. قال أبو المعالي: معناه: دعوناهُمْ، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ }تفسير : [الليل:12]، أي: علينا أنْ نبيِّن. وفي هذا كله معنى الإِرشاد. قال أبو المعالي: وقد ترد الهدايةُ، والمراد بها إِرشاد المؤمنين إِلى مسالك الجِنَانِ والطرقِ المفضيةِ إِلَيْهَا؛ كقوله تعالى في صفة المجاهدين: {أية : فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ }تفسير : [محمد:4-5] ومنه قوله تعالَىٰ: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات:23]، معناه: فٱسلكوهم إِليها. قال: * ع *: وهذه الهدايةُ بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضدُّ الضلالِ، وهي الواقعة في قوله تعالَىٰ: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}؛ على صحيح التأويلات، وذلك بيِّن من لفظ «الصِّرَاط» والصراط؛ في اللغة: الطريقُ الواضِحُ؛ ومن ذلك قول جَرِيرٍ: (الوافر) شعر : أَمِيرُ المُؤْمِنيِنَ عَلَىٰ صِرَاطٍ إِذَا ٱعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ تفسير : واختلف المفسِّرون في المعنى الذي استعير له «الصِّراط» في هذا الموضع: فقال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: الصراط المستقيم هنا القرآنُ، وقال جابرٌ: هو الإِسلام، يعني الحنيفيَّة. وقال محمَّد بن الحنفيَّة: هو دينُ اللَّه الذي لا يَقْبَلُ مِن العِبَادِ غيره. وقال أبو العالية: هو رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بَكْر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريقُ محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وهذا قويٌّ في المعنى، إلاَّ أنَّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوُّز، ويجتمع من هذه الأقوال كلِّها أنَّ الدعوة هي أنْ يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام؛ وهو حالُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. وهذا الدعاء إِنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قوله: {ٱهْدِنَا} فيما هو حاصل عندهم: التثبيتُ والدوام، وفيما ليس بحاصل، إِما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة عليه: طلب الإِرشاد إِليه، فكلُّ داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله، وأفعاله، ومعتقداته؛ واختلف في المشار إِليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم، وقول ابن عبَّاس، وجمهور من المفسِّرين: أنه أراد صراط النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالِحِين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالَىٰ: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }تفسير : الآية [النساء:66] إلى قوله: {أية : رَفِيقاً}.تفسير : وقوله تعالَىٰ: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالِّينَ}، اعلم أنَّ حكم كل مضافٍ إلى معرفة أنْ يكون معرفة، وإنما تنكَّرت «غَيْرٌ» و «مِثْلٌ» مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إِذا قلْتَ: رأيتُ غَيْرَكَ، فكلُّ شيء سوى المخاطَبِ، فهو غيره؛ وكذلك إِنْ قُلْتَ: رأيْتُ مثْلَكَ، فما هو مثله لا يحصى؛ لكثرة وجوه المماثلة. و {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: اليهودُ، والضالُّون: النصَارَىٰ؛ قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد. وروَىٰ ذلك عديُّ بن حاتم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك بيِّن من كتاب اللَّه؛ لأنَّ ذِكْرَ غضَبِ اللَّه على اليهود متكرِّر فيه؛ كقوله: {أية : وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ }تفسير : [آل عمران:112] {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّنْ ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ ٱللَّهِ... }تفسير : الآية [المائدة:60] وغضب اللَّه تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محناً وعقوباتٍ وذِلَّةً، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعْداً مؤكَّداً مبالغاً فيه، والنصارَىٰ كان محقِّقوهم على شِرْعَةٍ قبل ورود شرعِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فلما ورد، ضلُّوا، وأما غير متحقِّقيهم، فضلالتهم متقرِّرة منذ تفرَّقت أقوالهم في عيسى عليه السلام، وقد قال اللَّه تعالَىٰ فيهم: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَنْ سَوَاءِ ٱلسَّبِيلِ }تفسير : [المائدة:77]. وأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبْعُ آيات؛ العالمين آية، الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}؛ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيفٌ. (القَوْلُ فِي «آمِينَ») رَوَىٰ أبو هريرة وغيره عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إِذَا قَالَ الإِمَامُ: {وَلاَ ٱلضَّالِّينَ}؛ فَقُولُوا «آمِينَ»، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ فِي السَّماءِ تَقُولُ: «آميِنَ»، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».تفسير : * ت *: وخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ من طريق أبي موسَىٰ رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليُؤمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالِّينَ} فَقُولُوا: «آمِينَ»، يُجِبْكُمُ اللَّهُ» تفسير : الحديثَ. انتهى. ومعنى «آمِينَ»؛ عند أكثر أهل العلم: اللَّهُمَّ، ٱسْتَجِبْ، أو أجبْ يَا رَبِّ. ومقتضى الآثار أنَّ كل داع ينبغي له في آخر دعائه أنْ يقول: «آمِينَ»، وكذلك كل قارىء للحمدِ في غير صلاة، وأما في الصلاة، فيقولها المأموم والفَذُّ، وفي الإمام في الجهر اختلاف. واختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ»تفسير : ، فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجَّح أنَّ المعنى: فمن وافق في الوقْتِ مع خلوصِ النيةِ والإِقبالِ على الرغبة إِلى اللَّه بقلْبٍ سليمٍ فالإِجابة تتبع حينئذ؛ لأِنَّ من هذه حاله، فهو على الصراط المستقيم. وفي «صحيح مُسْلِمٍ» وغيره عن أبي هريرة قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ؛ «حديث : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ؛ حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أَثْنَىٰ عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ٱهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» تفسير : انتهى، وعند مالك: «فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي». وأسند أبو بكر بن الخَطِيبِ عن نافعٍ عن ٱبْنِ عُمَرَ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»تفسير : انتهى من «تَارِيخِ بَغْدَاد» ولم يذكر في سنده مَطْعَناً. وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها على المأمومِ فيما أسر فيه، وتحريمها فيما جهر فيه، إذا سمع الإِمام لِمَا عليه من وجوب الإِنصاتِ والاِستماعِ، فإِنْ بَعُدَ عن الإِمام، فهو بمنزلة صلاة السرِّ. انتهى. نجز تفسير سورة الحَمْدِ، والحَمْدُ للَّه بجميع محامده كلِّها؛ ما علمْتُ منها، وما لم أَعْلَمْ.
ابن عادل
تفسير : اهْدِ: صِيغَةُ أمْرٍ، ومعناها: الدعاءُ، فقِيلَ معناه: أَرْشِدْنَا. وقال عَليٌّ: وأُبَيّ بن كَعْب - رضي الله عنهما - ثبتنَا؛ كما يُقالُ للقائِم: قم حتى أَعودَ إليك، أَيْ: دُمْ على ما أنت عليه، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم علَى الهدايَةِ بِمعنى التَّثْبِيتِ، وبمعنى طلبِ مزيد الهدَاية؛ لأنَّ الأَلْطافَ والهدايات من الله - تعالى - لا تتناهى على مذهب أَهْلِ السُّنة. قال ابنُ الخَطِيب - رحمه الله تعالى -: المرَادُ من قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} هو: أنْ يكونَ الإنسانُ مُعْرِضاً عما سوى الله - تعالى - مُقْبِلاً بكليةِ قلبه وفِكْرِه وذِكْرِه على الله تعالى. مثالُه: أنْ يصيرَ بحيثُ لو أُمِرَ بذبح ولده، لأطاعَ؛ كما فعل إِبْرَاهِيم عليه الصلاة والسلام، ولو أُمِر بأَنْ ينقادَ، لأن يذبحَهُ غيرُه، لأطاعَ؛ كما فعله إسْماعِيلُ عليه الصلاةُ والسَّلام، ولو أُمِرَ باَنْ يُلْقي نفسَهُ في البحر، لأطاعَ؛ كما فعله يُونُسُ عليه الصلاة والسلام، ولو أُمِرَ بأن يتلمذَ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المَنْصب إلى أعلى الغايات، لأطاع؛ كما فعله موسى - عليه الصَّلاة والسلام - مع الخَضِر [عليه الصَّلاةُ والسلامُ]، ولو أُمِرَ بأنْ يصبرَ في الأمرِ بالمَعْرُوف، والنهي عن المنكر على القتل، والتفرِيقِ بنصفين، لأطاع؛ كما فعله يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا - عليهما الصَّلاة والسلام - فالمراد بقوله تعالى {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، هو الاقتداءُ بأنبياء اللهِ في الصَّبر على الشدائدِ، والثبات عند نزُولِ البلاءِ، ولا شَكّ أن هذا مقامٌ شَدِيدٌ؛ لأن أكثر الخَلْقِ لا طاقة لهم به. واعلم أن صيغةَ "افْعَلْ" تَرِدُ لمعانٍ كثيرةٍ ذكرِها الأُصُوليُّونَ. وقال بعضُهم: إن وردت صيغةُ "افعل" من الأَعلى للأدنى، قيل فيها: أَمرٌ، وبالعكس دُعاء، ومن المُساوي التماسٌ، وفاعله مستتر وُجُوباً، لِمَا مَرَّ، أي: اهْدِ أنت، و "نا" مفعولٌ أَوَّلٌ، وهو ضميرٌ متصل يكون للمتكلم مع غيره، أو المعظّم نفسه، ويستعملُ في موضع: الرّفع، والنصب، والجر، بلفظ واحد؛ نحو: "قُمْنَا"، و "ضَرَبَنَا زَيْدٌ"، و "مَرَّ بِنَا"، ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيرُه من الضَّمائر. وقد زعم بعضُ النَّاس أن الياء كذلك؛ تقولُ: "أكرمني"، و "مرّ بي"، و "أنت تقومين يا هند"، و "الياء" في المثال الأوّل منصوبةُ المحلِّ، وفي الثاني مجرورته، وفي الثالث مرفوعتهُ، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن الياءَ في حالةِ الرفع، ليستْ تلك الياء التي في حالة النَّصْب والجر؛ لأن الأُولَى للمتكلم، وهذه للمخاطبة المؤنثة. وقيل: بل يشاركُه لفظُ هُم؛ تقول: "هم نائمون" و "ضربتهم" و "مررت بهم"، فـ "هم" مرفوعُ المحلِّ، ومنصوبُه، ومجروره بلفظ واحد، وهو للغائبين في كل حالٍ، وهذا وإِنْ كان أقربَ مِنَ الأولِ، إلاّ أَنَّهُ في حالة الرفع ضميرٌ منفصل، وفي حالة النصب والجر ضميرٌ متّصلٌ. فافترقا، بخلاف "نَا" فإنَّ معناها لا يختلِفُ، وهي ضمير متصل في الأحوال الثلاثة. و "الصِّراطَ" مفعولٌ ثانٍ، و "المستقيم" صِفَتُه، وقد تبعه في الأربعةِ من العشرة المذكورة. وأصلُ "هَدَى" أن يتعدّى إِلَى الأولِ بنفسه وإلى الثاني بحرفِ الجَرِّ، وهو إما: "إلى" أو "اللام"؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52]، {أية : يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] ثمّ يُتَّسَعُ فيه، فيُحْذَف الجَرُّ، فيتعدى بنفسه، فأصل "اهْدِنَا الصَّرَاطَ": إهدنا للصِّراط أو إلى الصّراط، ثم حذف. والأمرُ عند البصريين مَبْنِيٌّ وعند الكوفين مُعْرَبٌ، ويَدَّعُونَ في نحو: "اضْرِبْ"، أنّ أصله: "لِتَضْرِبْ" بلامِ الأَمْرِ، ثم حذف الجازم، وتبعه حرفُ المُضَارعة، وأتي بهمزة الوصل؛ لأجل الابتداء بالسَّاكن، وهذا مما لا حاجة إليه، وللرد عليهم موضعٌ يليق به. ووزْنُ "اهْدِ" "افْع"؛ حُذِفَتْ لاَمُه، وهي الياء حملاً [للأمر على المجزوم، والمجزوم تُحْذَفُ] منه لامه إذا كانت حرف علّة. ومعنى الهِدَاية: الإرشادُ أو الدلاَلةُ، أو التقدّم. ومنه هواد الخيل لتقدمها. قال امرؤُ القَيْسِ: [الطويل] شعر : 70 - فَأَلْحَقَنا بالهَادِيَاتِ وَدُونَهُ جَوَاحِرُهَا في صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ تفسير : أي: المتقدّمات الهَادية لغيرها. أو التَّبْيينُ؛ نحو: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} تفسير : [فصلت: 17] أي: بيّنّا لهم؛ ونحو: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50]، أَيْ: أَلْهَمَهُ لمصالحه. أو الدعاءُ؛ كقوله تعالى {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7]، أيْ دَاعٍ. وقيل: هو المَيْلُ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] والمعنى: بقلوبِنا إِلَّيْكَ، وهذا غلط؛ فإن تَيْك مادةٌ أُخْرَى من "هَادَ - يَهُودُ". وقال الرَّاغِبُ: الهِدَايَةُ: دَلاَلَةٌ بِلُطْفٍ، ومنه الْهَدِيَّةُ، وخصّ ما كان دلالةً بـ "هديت" وما كان إعْطَاءً بـ "أهديت". و "الصِّرَاط": الطَّريقُ المستسهلُ، وبعضُهم لا يقيده بالمستسهلِ؛ قال [الرجز] شعر : 71 - فَضَلَّ عَنْ نَهْجِِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ تفسير : ومثله: [الوافر] شعر : 72 - أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ تفسير : وقال آخَرُ: [الوافر] شعر : 73 - شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى تَرَكْنَاهُم أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ تفسير : أَي: الطَّريقِ. وهو مُشْتَقٌّ من "السَّرْطِ" وهو: الابتِلاَع؛ إِمَّا لأنَّ سالكَهُ يَسْتَرِطُه، أَوْ لأنه يَسْتَرِطُ سَالِكَه؛ ألا ترى إلى قولهم: قَتَلَ أَرْضاً عَالِمُهَا، وقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا؛ وبهذَيْن الاعتباريْن قال أبو تمام: [الطويل] شعر : 74 - رَعَتْهُ الْفَيَافِي بَعْدَ مَا كَانَ حِقْبَةً رَعَاهَا وَمَاءُ المُزْنِ يَنْهَلُّ سَاكِبُهْ تفسير : وعلى هذا سُمِّيَ الطريقُ لَقَماً ومُلْتَقِماً؛ لأنه يلتقِمُ سالِكَه، أو يلتقمُهُ سالِكُه. وأصله: السّين: وقد قرأ به قُنْبُل رحمه الله تعالى حيث ورد، وإنما أُبْدِلَتْ صَاداً؛ لأجلِ حرفِ الاسْتِعْلاَءِ وإبدالها صاداً مُطَّرد عنده؛ نحو: "صَقَر" في "سَقَر"، و "صَلَخ" في "سَلَخ"، و "أَصْبغ" في "أَسْبغ"، و "مُصَيْطر" في "مُسَيْطر" لما بينهما من التَّقارب. وقد تُشَمُّ الصادُ في "الصِّرَاطِ" ونحوه زَاياً، وقرأ به خَلَفٌ، وحَمْزَةُ حيث ورد، وخَلاَّد: الأوَّلَ فقط، وقد تُقْرأُ زاياً مَحْضَة، ولم تُرْسَمْ في المصحَفِ إلا بالصَّاد، مع اختلافٍ في قراءتِهم فيها كما تقدم. و "الصِّراطَ" يُذَكَّرُ ويُوَنَّثُ: فالتذكيرُ لُغَة تَمِيم، والتَّأْنِيثُ لغةُ "الحِجَازِ"، فإِنِ اسْتُعْمِلَ مُذكَّراً، جمع على "أَفْعِلَة" في القلّةِ، وعلى "فُعُل" في الكَثْرَةِ، نحو: "حِمَارِ"، و "أَحْمِرَة" و "حُمُر"، وإِنِ اسْتُعْمِل مُؤَنثاً، فقياسه أن يجمعَ على "أَفْعُل": نحو: "ذِرَاع" و "أذْرُع". و "المُسْتَقِيمَ" اسمُ فَاعِلِ من استقامَ، بمعنى المُجَرّد، ومعناه: السَّوِيّ مِنْ غَيْرِ اعْوِجَاج، وأَصْلُه: "مُسْتَقْوم" ثُم أُعِلّ كإعلالِ "نَسْتَعِيْن" وسيأتي الكلامُ [مُسْتَوْفًى] على مادتِه إن شاء الله - تعالى - عند قوله تعالى {أية : وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ} تفسير : [البقرة: 3]. و "الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ" قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وجَابِرٌ - رضي الله عنهما -: هو الإسْلاَم، وهو قولُ مُقَاتِلٍ، وقال ابن مَسْعودٍ رضي الله تعالى عنهما: هو القرآن الكريم، وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - مرفوعاً: الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ: كتَابُ اللهِ تَعَالَى. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ رضي الله عنه "طَريقُ الجَنَّة". وقال سَهْلُ بن عَبْدِ الله رحمه الله تعالى: هو طريقُ السُّنَّةِ والجَمَاعة. وقال بَكْرُ بنُ عبد الله المُزْنِيّ: هو طريقُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقال أَبُو العَالِيَةِ، والحَسَنُ: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصَاحِبَاه. قال ابنُ الخَطِيب: الحِكْمَةُ في قوله: "اهْدِنَا" ولم يَقُلْ "اهدني"؛ إما: لأن الدعاءَ مهما كان أعم، كان إلى الإجابة أَقْربَ. وإِمَّا لقول النبي عليه الصلاة والسلام حديث : "ادْعُوا الله تعالى بِأَلْسِنَةٍ مَا عَصَيْتُمُوه بها" قالُوا: يَا رَسُولِ الله، فمنْ لنا بتلك الأَلْسِنَةِ؟ قال: "يَدْعُو بَعْضَكُمْ لبعضٍ؛ لأنك ما عصيت بِلِسَانه، وَهُوَ ما عَصَى بِلِسَانِكَ" . تفسير : الثالث: كأنّ العبدَ يقولُ: سمعتُ رَسُولَك يقولُ: "الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ"، فلما أَرَدْتُ حمدك، قلتُ: الحَمْدُ لله، ولما ذكرت العبادة، ذكرتُ عبادةَ الجَمِيع، ولما ذكرتُ الاستعانةَ، ذكرتُ استعَانَة الجَمِيع، فلا جرم لَمَّا طلبتُ الهدايةَ، طلبتُها للجميع، ولما طلبتُ الاقتداءَ بالصالحين، طلبتُ اقتداءَ الجميع؛ فقلتُ: {أية : صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفاتحة:7]، ولما طلبتُ الفِرَارَ من المردودين، ففررت من الكل؛ فقلت: {أية : غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّيْنَ}تفسير : [الفاتحة:7]، فلما لَمْ أُفارقِ الأنبياءَ والصالحين في الدنيا، فأرجو ألا أفارِقََهم في الآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} تفسير : [النساء: 69] الآية الكريمةَ.
السيوطي
تفسير : أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري كلاهما في المصاحف من طرق عن عمر بن الخطاب . أنه كان يقرأ{صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين}. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري عن عبد الله بن الزبير قرأ {صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين} في الصلاة. وأخرج ابن الأنباري عن الحسن أنه كان يقرأ {عليهمي} بكسر الهاء والميم، واثبات الياء. وأخرج ابن الأنباري عن الأعرج أنه كان يقرأ {عليهمو} بضم الهاء والميم، وإلحاق الواو. وأخرج ابن الأنباري عن عبد الله بن كثير أنه كان يقرأ {أنعمت عليهمو} بكسر الهاء وضم الميم مع إلحاق الواو. وأخرج ابن الأنباري عن ابن إسحق أنه قرأ {عليهم} بضم الهاء والميم من غير إلحاق واو. وأخرج ابن أبي داود عن ابراهيم قال: كان عكرمة والأسود يقرآنها {صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين}. وأخرج الثعلبي عن أبي هريرة قال {أنعمت عليهم} الآية السادسة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} يقول: طريق من أنعمت عليهم من الملائكة، والنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين الذين أطاعوك وعبدوك. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} قال: المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله {صراط الذين} قال: النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله {صرط الذين أنعمت عليهم} قال: النبيون {غير المغضوب عليهم} قال: اليهود {ولا الضالين} قال: النصارى. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {غير المغضوب عليهم} قال: اليهود {ولا الضالين} قال: النصارى. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال:اليهود والنصارى. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والبغوي في معجم الصحابة وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن شقيق قال "حديث : أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرس له، وسأله رجل من بني العين فقال: من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ قال: اليهود قال: فمن الضالون؟ قال: النصارى ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر أهل وادي القرى فقال له رجل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء {المغضوب عليهم} يعني اليهود قال: يا رسول الله فمن هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: هؤلاء {الضالون} يعني النصارى ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {المغضوب عليهم} قال: اليهود. قلت {الضالين} قال: النصارى ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب من طريق عبد الله بن شقيق عن رجل من بلعين عن ابن عم له أنه قال "حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى فقلت: من هؤلاء عندك؟ قال: {المغضوب عليهم} اليهود {ولا الضالين} النصارى ". تفسير : وأخرج سفيان بن عيينة في تفسيره وسعيد بن منصور عن اسماعيل بن أبي خالد "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {المغضوب عليهم} اليهود {والضالون} هم النصارى ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن {المغضوب عليهم} اليهود وإن {الضالين} النصارى ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني عن الشريد قال "حديث : مَرَّ بِي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على الية يدي قال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟ ". تفسير : وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود قال {المغضوب عليهم} اليهود و {الضالين} النصارى. وأخرج ابن جريرج عن مجاهد. مثله. قال ابن أبي حاتم: لا أعلم خلافاً بين المفسرين في تفسير {المغضوب عليهم} باليهود {والضالين} بالنصارى. ذكر آمين أخرج وكيع وابن أبي شيبة عن أبي ميسرة قال: لما أقرأ جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فبلغ {ولا الضالين} قال: "قل آمين فقال: آمين". وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن وائل بن حجر الحضرمي قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقال (آمين) يمد بها صوته ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن وائل بن حجر "حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: رب اغفر لي (آمين) ". تفسير : وأخرج الطبراني عن وائل وابن حجر قال "حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة، فلما فرغ من فاتحة الكتاب قال (آمين) ثلاث مرات ". تفسير : وأخرج ابن ماجه عن عليّ "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال {ولا الضالين} قال (آمين) ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قرأ ـ يعني الإمام ـ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا (آمين) يجبكم الله ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : وأخرج أبو يعلى في مسنده وابن مردويه بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الذين خلفه (آمين) التقت من أهل السماء وأهل الآرض، ومن لم يقل (آمين) كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا سهامهم ولم يخرج سهمه فقال: ما لسهمي لم يخرج؟ قال: إنك لم تقل (آمين) ". تفسير : وأخرج أبو داود بسند حسن عن أبي زهير النميري وكان من الصحابة أنه كان إذا دعا الرجل بدعاء قال: اختمه (بآمين) فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة، وقال "حديث : أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوجب أن ختم. فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال بـ (آمين) فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب ". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي في سننه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على التأمين ". تفسير : وأخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول (آمين) ". تفسير : وأخرج ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" حديث : إن اليهود قوم حسد، حسدوكم على ثلاثة أشياء، إفشاء السلام، واقامة الصف، وآمين ". تفسير : واخرج الطبراني في الأوسط عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن اليهود قوم حسد، ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث: رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة (آمين) ". تفسير : وأخرج الحرث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطيت ثلاث خصال: أعطيت صلاة في الصفوف، وأعطيت السلام وهو تحية أهل الجنة، وأعطيت (آمين) ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها هرون، فإن موسى كان يدعو وهرون يؤمن. ولفظ الحكيم: إن الله أعطى أمتي ثلاثاً لم يعطها أحد قبلهم: السلام وهو تحية أهل الجنة، وصفوف الملائكة، (وآمين) إلا ما كان من موسى وهرون ". تفسير : وأخرج الطبراني في الدعاء وابن عدي وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين ". تفسير : وأخرج جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس قال "حديث : قلت يا رسول الله ما معنى آمين؟ قال: رب أفعل ". تفسير : وأخرج الثعلبي من طريق الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس. مثله. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في المصنف عن هلال بن يساف ومجاهد قالا (آمين) اسم من أسماء الله. وأخرج ابن أبي شيبة عن حكيم بن جبير. مثله. واخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: كان يستحب إذا قال الإِمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} أن يقال: اللهم اغفر لي (آمين). وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: إذا قال الإِمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقل : اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. وأخرج ابن أبي شيبة عن الربيع بن خيثم قال: إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فاستعن من الدعاء ما شئت. واخرج ابن شاهين في السنة عن إسماعيل بن مسلم قال: في حرف أبي بن كعب {غير المغضوب عليهم وغير الضالين آمين بسم الله} قال إسماعيل: وكان الحسن إذا سئل عن (آمين) ما تفسيرها؟ قال: هو اللهم استجب. وأخرج الديلمي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} ثم قرأ فاتحة الكتاب، ثم قال آمين، لم يبق في السماء ملك مقرب إلا استغفر له ".
السلمي
تفسير : قيل معناه: مِلّ بقلوبنا إليك وأقم بهممنا بين يديك وكن دليلنا منك إليك؛ حتى لا ينقطع عما بك لك. وقيل: اهدنا الصراط المستقيم أى: أرشدنا إلى طرق المعرفة؛ حتى نستقيم معك بخدمتك فهذا دعاء المريدين فى هذه الآية. وقيل: اهدنا أى: أرنا طريق هدايتك كى نستقيم معك على توحيدك فهذا دعاء المؤمنين. وقيل: اهدنا أى: أرنا طريق أنسك فنفرح ونطرب بقربك فهذا دعاء العارفين. وقيل: اهدنا بك إليك، لنستعين ببدايتك عن وسائط المقامات والمجاهدات. وقيل: اهدنا بفناء أوصافنا فبنا الطريق إلى أوصافك التى لم تزل ولا تزال. وقيل: اهدنا بكشف الغفلة عنا طريق الوصول إلى رضاك. وقيل: اهدنا هدى العيان بعد البيان؛ لنستقيم لك على حب إرادتك فينا. وقيل: اهدنا هدى من أنت المتولى لهدايته طريق حقيقة معرفتك؛ لنستقيم لك بفناء أوصافنا فيك. وقيل: اهدنا هدى من يكون منك مبداه؛ حتى يكون إليك منتهاه. وقيل: اهدنا أى: اكشف عنا ظلمات أحوالنا لننظر فى خفى غيبك نظرة الاستقامة. وقيل: اهدنا الصراط المستقيم بالغيبوبة عن الصراط ليلاً يكون من يوطأ بالصراط. وقيل: اهدنا بك ولا تشغلنا بموارد الصراط والاستقامة عنك. حُكى عن أبى عثمان فى قوله: اهدنا الصراط المستقيم أى: أرشدنا لاستعمال السنن فى أداء فرائضك. حُكى عن فُضيل بن عياض فى قوله اهدنا الصراط المستقيم قال: طريق الحج صراط الذين أنعمت عليهم من الأنبياء والأولياء غير المغضوب عليهم ولا الضالين غير اليهود والنصارى، فإنك قطعت عليهم طريق الحج بقولك: { أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } تفسير : [التوبة: 28]. وقيل: اهدنا الصراط المستقيم لنستعين بهدايتك على الشيطان، فإنه قال: { أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16]. وقيل: اهدنا الصراط المستقيم وهو الافتقار إليك، كما قيل لأبى حفص النيسابورى رحمه الله: فإذاً تقدم على ربك، قال: وما للفقير أن يقدم به على الغنى سوى فقره. وقال سهل بن عبد الله: أرشدنا بمعونتك الطريق إليك. قيل أليس قد هداه الصراط المستقيم حتى صلى وسأل فقال: إنما سأل الله زيادة هدى، كما قال الله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] بسؤالهم اهدنا الصراط المستقيم. وقال الجنيد: إن القوم إنما سألوا الهداية من الحيرة التي قدرت عليهم من أسماء صفات الأزلية، فسألوا الهداية إلى أوصاف العبودية ليلاً؛ ليستغرقوا في رؤية صفات الأزلية.
القشيري
تفسير : الهداية الإرشاد، وأصلها الإمالة، والمهديُّ من عرف الحق سبحانه، وآثر رضاه، وآمن به. والأمر في هذه الآية مضمر؛ فمعناه اهدنا بنا - والمؤمنون على الهداية في الحال - فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة. والصراط المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد. ومعنى اهدنا أي مِلْ بنا إليك، وخُذْنا لك، وكن علينا دليلنا، ويَسِّرْ إليك سبيلنا، وأقم لنا هممنا، واجمع بك همومنا. فصل: اقطعْ أسرارنا عن شهود الأغيار، ولوِّح في قلوبنا طوالع الأنوار، وأفْرِدْ قصودنا إليك عن دَنَس الآثار، ورقِّنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جَمْع ساحات القُرب والوصال. فصل: حُلْ بيننا وبين مساكنة الأمثال والأشكال، بما تلاطفنا به من وجود الوصال، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال. فصل: أرْشِدْنَا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، ويقع على وجه التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال. اهدنا الصراط المستقيم أي أزِلْ عنَّا ظلمَاتِ أحوالنا لنستضيء بأنوار قُدْسِك عن التفيؤ بظلال طلبنا، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك، فنجدك بك. فصل: اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ووساوسه، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها، أو يصدنا عن الوصول تعريج في أوطان التقليد، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لي معتاد من التلقين، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة، وظن أو عادة، وكلل أو ضعف إرادة، وطمع مالٍ أو استزادة. فصل: الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل، وليس للبدعة عليه سلطان ولا إليه سبيل. الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد، ونبهت عليه شواهد التحقيق، الصراط المستقيم ما دَرَجَ عليه سَلَفُ الأمة، ونطقت بصوابه دلائل العبرة. الصراط المستقيم ما باين الحظوظَ سالكُه، وفارق الحقوقَ قاصدُه. الصراط المستقيم ما يُفْضِي بسالكه إلى ساحة التوحيد، ويُشْهِدُ صاحبَه أثرَ العناية والجود، لئلا يظنَّه موجَبٌ (ببدل) المجهود.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}: اي اهْدِنا مراك منّالان الطريق المستقمَ ما اراد المؤمن الخلق من الصدق والخلاص في عبوديته وايضاً ارشِدُنا الى ما انت عليه وايضاً اهْدِنِا انابتك حتى نتّصف بصفاتك وايضاً ادنا الى معرفتك حتى نستريح من معاملتنا بنسيم انسك وحقائق حسنك وقيل معنى اهِدِنا اي----- بقلوبنا اليك------ بين يديك وكن دليلَنا منك اليك حتى لا تقطع عمالك بك وقيل اي ارشدنا طريق المرعفة حتى تستقيم معك بخدمتك وقيل ارِنَا طريق الشكر فنقْرحَ ونَطِرب بقربك وقيل اهدنا بفناء او صافا الطريق الى وصافاته التي لم يزل ولا ينالك وقيل اعدنا هدى العيان بعد لبيان لتستقيم -----حسب ارادتك وقيل اعدنا هدى من يكون منك مَبُدالا حتى يكون اليك منتهاه وقيل اهدِنا الصّراط المستقيم ----- عن الصّراط لئلاّ يكون مربوطاً بالصّراط قال الجنيد أن القوم لما سألوا الهدياة عز الحيرة التي وردت عليهم عن اشهاد صفاته الازليّة فسألو الهداية الى اوصات العبوديّة كيلا تستغرق في روية صفات الازليّة قال بعضهم اليك قصدنات ومنا قيل اهدنا القوة والتمكين وقال الحسين اي اهدِنا طريق المحبة لك والسعى اليك قال الشلبي اهدنا صراط الاولياء والاصفياء وقال بعضهم ارشدنا الي لا اعوجاج فيه وهوالاسلام وقيل ارشدنا في الدنيا الى الطاعات وبلغنا في الاخرة الدرجات وقال الاستاذ اي ازل عنّاظلمتِ احوالنا لنستضئ بانوار قدسك عن التفيؤ لظلال طلبنا وارفع عنّا ظلّ جَهدنا لنستبصر بنجوم جودك فنجدك بك قال الحسينُ ادنا الى طاعتك كما ارشَدَنا الى علم توحيد قال على بن ابي طالب كرم الله وجهه اهدِنا اي ثبتنا على الطريق المستقيم والمنهج القويم.
اسماعيل حقي
تفسير : {اهدنا الصراط المستقيم} بيان المعونة المطلوبة كانه قيل كيف اعينك فقالوا اهدنا الصراط المستقيم وايضا ان التعقيب بالدعاء بعد تمام العبادة قاعدة شرعية. قال فى التيسير {أية : إياك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5]. اظهار التوحيد {واياك نستعين} طلب العون عليه وقوله {اهدنا} لسؤال الثبات على دينه وهو تحقيق عبادته واستعانته وذلك لان الثبات على الهداية اهم الحاجات اذ هو الذى سأله الانبياء والاولياء كما قال يوسف عليه السلام توفنى مسلما وسحره فرعون توفنا مسلمين والصحابة وتوفنا مع الابرار وذلك لانه لا ينبغى ان يعتمد على ظاهر الحال فقد يتغير فى المآل كما لابليس وبرصيصا وبلعم بن باعورا: قالوا المولى جلال الدين قدس سره شعر : صد هزار ابليس وبلعم درجهان همجنين بودست بيدا ونهان اين دورا مشهور كرد انيداله تاكه باشند اين دوبرباقى كواه اين دور درزد آويخت بردا بلند ورنه اندر قهر بس درزدان بدند تفسير : وفى تفسر القاضى اذا قاله العارف الواصل الى الله عنى به ارشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات احوالنا وتميط غواشى ابداننا لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. قال المولى الفنارى ومبناه ان السير فى الله غير متناه كما قال قطب المحققين ولا نهاية للمعلومات والمقدورات فما دام معلوم او مقدور فالشوق للعبد لا يسكن ولا يزول واصل الهداية ان يعدى باللام أو إلى فعومل معاملة اختار فى قوله تعالى {أية : واختار موسى قومه}تفسير : [الأعراف: 155]. والصراط المستقيم استعارة عن ملة الاسلام والدين الحق تشبيها لوسيلة المقصود بوسيلة المقصد او لمحل التوجه الروحانى بمحل التوجه الجسمانى وانما سمى الدين صراطا لان الله سبحانه وان كان متعاليا عن الامكنة لكن العبد الطالب لا بد له من قطع المسافات ومس الآفات وتحمل المجافاة ليكرم لوصول والموافاة. ثم فى قوله {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]. مع انه مهتد وجوه الاول ان لا بد بعد معرفة الله تعالى والاهتداء بها من معرفة الخط المتوسط بين الافراط والتفريط فى الاعمال الشهوية والغضبية وانفاق المال والمطلوب ان يهديه الى الوسط والثانى انه وان عرف الله بدليل فهناك ادلة اخرى فمعنى اهدنا عرفنا ما فى كل شئ من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وافعالك. والثالث ان معنا بموجب قوله تعالى {أية : وأن هذا صراطي مستقيما}تفسير : [الأنعام: 153]. طلب الاعراض عما سوى الله وان كان نفسه والاقبال بالكلية عليه حتى لو امر بذبح ولده كابراهيم عليه السلام او بان ينقاد للذبح كاسماعيل عليه السلام او بأن يرمي نفسه في البحر كيونس عليه السلام أو بأن يتلمذ مع بلوغه اعلى درجات الغايات كموسى او بان يصير في الأمر بالمعروف على القتل والشق بنصفين كيحيى وزكريا عليهما السلام فعل وهذا مقام هائل الا ان فى قوله {أية : صراط الذين أنعمت عليهم}تفسير : [الفاتحة: 7] دون ان يقول صراط الذين ضربوا وقتلوا تيسيرا ما وترغيبا الى مقام الانبياء والاولياء من حيث انعامهم ثم الاستقامة الاعتدالية ثم الثبات عليها امر صعب ولذا قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : شيبتنى هود واخواتها ". تفسير : حيث ورد فيها فاستقم كما امرت فان الانسان من حيث نشأته وقواه الظاهرة والباطنة مشتمل على صفات واخلاق طبيعية وروحانية ولكل منها طرفا افراط وتفريط والواجب معرفة الوسط من كل ذلك والبقاء عليه وبذلك وردت الاوامر ونطقت الآيات كقوله تعالى {أية : ولا تجعل يدك مغلولة}تفسير : [الإسراء: 29]. الآية حرضة على الوسط بين البخل والاسراف وكقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله مستشيرا فى الترهيب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره اياه "حديث : ان لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا فصم وافطر وقم ونمbr>". تفسير : وهكذا فى الاحوال كلها نحو قوله تعالى {أية : ولا تجهر بصلاتكَ ولا تخافت بها}تفسير : [الإسراء: 110] ولم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. {أية : ما زاغ البصر وما طغى}تفسير : [النجم: 17]. "حديث : ولما رأى صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه يقرأ رافعا صوته سأله فقال اوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام "اخفض من صوتك قليلا" واتى اباك بكر رضى الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد اسمعت من ناجيت فقال عليه السلام "ارفع من صوتك قليلا""تفسير : وهكذا الامر فى باقى الاخلاق فان الشجاعة صفة متوسطة بين الهور والجبن والبلاغة بين الايجاز المجحف والاطناب المفرط وشريعتنا قد تكلفت بيان ميزان الاعتدال فى كل ترغيب وترهيب وحال وحكم وصفة وخلق حتى عينت للمذمومة مصارف اذا استعملت فيها كانت محمودة كالمنع لله والبغض لله. والمستقيم على اقسام منها مستقيم بقوله وفعله وقلبه ومستقيم بقلبه وفعله دون قوله اى لم يعلم احدا ولهذين الفوز والاول اعلى ومستقيم بفعله وقوله دون قلبه وهذا يرجى له النفع بغيره ومنها مستقيم بقوله وقلبه دون فعله ومستقيم بقوله دون فعله وقلبه ومستقيم بقلبه دون قوله وفعله ومستقيم بفعله دون قوله وقلبه وهؤلاء الاربعة عليهم لا لهم وان كان بعضهم فوق بعض ولبس المراد بالاستقامة بالقول ترك الغيبة والنميمة وشبههما فان الفعل يشتمل ذلك. انما المراد بها ارشاد الغير الى الصراط المستقيم وقد يكون عريا مما يرشد اليه مثال اجتماعها رجل تفقه فى امر صلاته وحققها ثم علمها غيره فهذا مستقيم فى قوله ثم حضر وقتها فاداها على ما علمها محافظا على اركانها الظاهرة فهذا مستقيم فى فعله ثم علم ان مراد الله منه من تلك الصلاة حضور قلبه معه فاحضره فهذا مسقتيم بقلبه وقس على ذلك بقية الاقسام. وفى التأويلات النجمية ان اقسام الهداية ثلاثة. الاولى هداية العامة أي عامة الحيوانات الى جلب منافعها وسلب مضارها واليه اشار بقوله تعالى {أية : أعطى كل شئ خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 50]. وقوله {أية : وهديناه النجدين}تفسير : [البلد: 10]. والثانية هداية الخاصة اى للمؤمنين الى الجنة واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : يهديهم ربهم بإيمانهم}تفسير : [يونس: 9] الآية. والثالثة هداية الاخص وهى هداية الحقيقة الى الله بالله وإليه الاشارة بقوله تعالى {أية : قل إن هدى الله هو الهدى}تفسير : [البقرة: 120]. وقوله {أية : وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين}تفسير : [الصافات: 99]. وقوله {أية : الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب}تفسير : [الشورى: 13] وقوله {أية : ووجدك ضالا فهدى}تفسير : [الضحى: 7]. اى كنت ضالا فى تيه وجودك فطلبتك بجودى ووجدتك بفضلى ولطفى وهديتك بجذبات عنايتى ونور هدايتى الى وجعلتك نورا فاهدى بك الى من اشاء من عبادى فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات الوجود البشرى الى نور الوجود الروحانى ونهديهم الى صراط مستقيم كما قال تعالى {أية : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله}تفسير : [المائدة: 15] والصراط المستقيم هو الدين القويم وهو ما يدل عليه القرآن العظيم وهو خلق سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فيما قال تعالى {أية : وإنك لعلى خلق عظيم}تفسير : [القلم: 4] ثم هو اما الى الجنة وذلك لاصحاب اليمين كما قال تعالى {أية : والله يدعوا إلى دار السلام}تفسير : [يونس: 25]. الآية واما الى الله تعالى وهذا للسابقين المتقربين كما قال تعالى {أية : إلى صراط مستقيم صراط الله}تفسير : [الشورى: 52-53] وكل ما يكون لاصحاب اليمين يحصل للسابقين وهم سابقون على اصحاب اليمين بمالهم من شهود الجمال وكشف الجلال وهذا خاصة لسيد المرسلين ومتابعيه كما قال تعالى {أية : قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى}تفسير : : [يوسف: 108]. قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : اكر جز بحق مى رود جاده ات در آتش فشانند سجاده ات
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الهدايةُ في الأصل: الدلالة بلطف، ولذلك تُستعمل في الخير، وقوله: {أية : فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}تفسير : [الصَّافات: 23] على التهكم، والفعل منه (هَدَى) بالفتح، وأصله أن يُعدى باللام، أو "إلى"، فَعْومل هنا معاملة:{أية : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ}تفسير : [الأعرَاف: 155]. والصراط لغة: الطريق، مشتق من سَرَط الطعامَ إذا ابتعله، فكأنها تبتلع السابلةَ؛ أي المارَّة به، وَقُلِبَتْ السين صاداً لتطابق الطاء في الإطباق، وقد تُشَمُّ زاياً لقرب المَخرج، و {المستقيم}: الذي لا عوج فيه، والمراد به طريق الحق المُوصَّلة إلى الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: مُعلماً لعباده كيف يطلبونه، وما ينبغي لهم أن يطلبوا، أي: قُولوا {اهدنا} أي: أَرشِدْنا إلى الطريق المستقيم، الموصلة إلى حضرة النعيم، والطريقُ المستقيم هو السيرُ على الشريعة المحمدية في الظاهر، والتبرِّي من الحول والقوة في الباطن، أو تقول: هو أن يكون ظاهرُك شريعةً وباطنك حقيقة، ظاهرك عبودية وباطنك حرية، الفرق على ظاهرك موجود والجمع في باطنك مشهود، وفي الحكم: "متى جَعَلَك في الظاهر ممتثلاً لأمره وفي الباطن مستسلماً لقهره، فقد أعظم المِنَّة عليك". فالصراط المستقيم الذي أمرَنَا الحقُّ بطلبه هو: الجمع بين الشريعة والحقيقة، والمفهوم من قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفَاتِحَة: 5]، ولذلك وصلَه به، فكأن الحق - سبحانه - يقول: "حديث : يا عبادي احمدوني ومجدوني وأفردوني بالقصد وخُصُّوني بالعبادة، وكونوا في ظاهركم مشتغلين بعبادتي، وفي باطنكم مستعينين بحولي وقوتي، أو كونوا في ظاهركم متأدبين بخدمتي، وفي باطنكم مشاهدين لقدرتي وعظمة ربوبيتي ". تفسير : وقال سيّدنا عليّ - كَرَّمَ الله وجهه -: (الصراط المستقيم هنا القرآن). وقال جابر رضي الله عنه: (هو الإسلام) يعني الحنيفية السمحاء وقال سهل بن عبد الله: (هو طريق محمد صلى الله عليه وسلم). يعني اتباعَ ما جاء به. وحاصله ما تقدم من إصلاح الظاهر بالشريعة والباطن بالحقيقة، فهذا هو الطريق المستقيم الذي من سلطه كان من الواصلين المقربين مع النبيين والصدِّيقين. فإن قلت: إذا كان العبدُ ذاهباً على هذا المنهاج المستقيم، فكيف يطلب ما هو حاصل؟ فالجواب: أنه طلب التثبيت على ما هو حاصل، والإرشاد إلى ما هو ليس بحاصل، فأهل مقام الإسلام يطلبون الثبات على الإسلام، الذي هو حاصل، والترقي إلى مقام الإيمان الذي ليس بحاصل، على طريق الصوفية، الذين يخصون العمل الظاهر بمقام الإسلام، والعمل الباطن بمقام الإيمان، وأهلُ الإيمان يطلبون الثبات على الإيمان الذي هو حاصل، والترقي إلى مقام الإحسان الذي ليس بحاصل، وأهل مقام الإحسان يطلبون الثبات على الإحسان، والترقي إلى ما لا نهاية له من كشوفات العرفان {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَليمٌ}تفسير : [يُوسُف: 76]. وقال الشيخ أبو العباس المرس رضي الله عنه: {اهدنا الصراط المستقيم} بالتثبيت فيما هو حاصل، والإرشاد فيما ليس بحاصل، ثم قال: عمومُ المؤمنين يقولون: {اهدنا الصراط المستقيم} أي: بالتثبيت فيما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل، فإنه حصل لهم التوحيد وفاتَهُم درجات الصالحين، والصالحون يقولون: {اهدنا الصراط المستقيم} معناه: نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنهم حصل لهم الصلاح وفاتهم درجات الشهداء، والشهداءُ يقولون: {اهدنا الصراط المستقيم} أي بالتثبيت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنهم حصلت لهم الشهادة وفاتهم درجات الصديقين، والصديقون يقولون: {اهدنا الصراط المستقيم} أي: بالتثبيت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنهم حَصل لهم درجات الصديقين وفاتهم درجات القطب، والقطبُ يقول: {اهدنا الصراط المستقيم} بالتثبت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنه حصل له رتبة القطبانية، وفاته علم ما إذا شاء الله أن يطلعه عليه أطلعه. هـ. وقال بعضهم: الهدايةُ إما للعين وإما للأثرِ الدالَّ على العين، ولا نهاية للأولى، قلت: فالأولى لأهل الشهود والعِيان، والثانية لأهل الدليل والبرهان، فالهداية للعين هي الدلالةُ على الله. والهداية للأثر هي الدلالة على العمل، "مَنْ دَلَّكَ على الله فقد نصحك، ومن دلَّك على العمل فقد أتعبك". وإنما كانت الأولى لا نهاية لها؛ لأن الترقي بعد المعرفة لا نهاية له. بخلاف الدلالة على الأثر فنهايتها الوصول إلى العين، إن كان الدالُّ عارفاً بالطريق. قال البيضاوي: وهداية الله تتنوَّعُ أنواعاً لا يحصيها عد {أية : وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحصُوهَآ}تفسير : [إبراهيم: 34] لكنها تنحصر في أجناس مترتبة: الأول: إِفاضَةُ الُقُوَى التي بها يتمكنُ المرء من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. الثاني: نَصْبُ الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، وإليه الإشارة بقوله:{أية : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}تفسير : [البَلَد: 10]، وقال:{أية : فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}تفسير : [فُصّلَت: 17]. الثالث: الهدايةُ بإرسال الرسل وإنزال الكُتُب، وإياها عني بقوله: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}تفسير : [الأنبيَاء: 73]، وقوله: {أية : إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسرَاء: 9]. الرابع: أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويُرِيَهُمْ الأشياءَ كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة. وهذا يختص بِنَيْله الأنبياءُ والأولياءُ، وإياه عني بقوله: {أية : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]، {أية : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العَنكبوت: 69]. فالمطلوب: إما زيادةُ ما مُنحوه من الهدى والثباتُ عليه، أو حصولُ المراتب المترتبة عليه، فإذا قال العارفُ الواصل عَنَى بقوله: أرشدنا طريق السير فيك، لتمحُوَ عنا ظلماتِ أحوالنا، وتُمِيطَ غواشِيَ أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراكَ بنورك. هـ. قلت: قوله الرابع... الخ، في عبارته قَلَقٌ واختصار، والصواب أن يقول: الرابعُ - أن يكشف عن قلوبهم الظُّلَمَ والأغيار، ويُشرق عليها الأنوار والأسرار، ويُريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام، وباستعمال الفكرة في عظمةِ الملك العلاَّم، حتى تستولي أنوارُ المعاني على حِسِّ الأواني، ثم يقول: وهذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء والأولياء. وقوله: فإذا قال العارف... الخ، الصواب أن يقول: فإذا قاله المريد السائر؛ لأن الواصل انمحت عنه الظلماتُ كلها والغواشي وسائرُ الأكدار؛ لأن الله تعالى غطَّى وصفه بوصفه ونعته بنعته، فلم يَبْقَ له وصفٌ ظُلماني. وأيضاً قوله: [أرشدنا إلى طريق السير] إنما يناسب السائر دون الواصل؛ لأن الواصل ما بَقِيَ له إلا الترقي، ولا يُسمى في اصطلاح الصوفية [السير] إلا قبلَ الوصول. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى: معناه بيان الصراط المستقيم، إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطاً مستقيماً. والمعنى صراط من أنعمت عليهم بطاعتك. القراءة وقرأ حمزء بضم الهاء من ذلك: وفي أيديهم "وإليهم" حيث وقع. وروى الدوري عنه بضم الهاء في قوله: {أية : فعليهم غضب من الله }تفسير : وقرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية وجمع المذكر والمؤنث، نحو: "عليهما" وفيهما "عليهن" و "فيهن "، وضمّ ميم الجمع ووصلها بواو في اللفظ ابن كثير وأبو جعفر. وعن نافع فيه خلاف كثير. وعن غيره لا نطول بذكره، وهو مذكور في كتب القراءات. فمن قرأ بكسر الهاء وإسكان الميم قال: إنه أمن من اللبس إذا كانت الألف في التثنية قد دلت على الاثنين ولا ميم في الواحد، فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو وأسكنوا الميم طلباً للتخفيف. وحجة من قرأ "عليهم" انهم قالوا ضم الهاء هو الأصل لأن الهاء إذا انفردت من حرف متصلٍ بها قيل: "هم فعلوا" ومن ضم الميم إذا لقيها ساكن بعد الهاء مكسورة قال: لمّا احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت وتركت الهاء على كسرتها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردها إلى الأصل ومن كسر الميم فالساكن الذي لقيها، والهاء مكسورة ثم اتبع الكسرة الكسرة. الاعراب (والذين) في موضع جرٍ بالاضافة، ولا يقال في الرفع (اللذون)، لأنه إسم ليس يتمكن. وقد حكي اللذون شاذا، كما قيل الشياطون، وذلك في حال الرفع ولا يقرأ به، وقرأ صراط من أنعمت عليهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن زبير، وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام. والمشهور الأول. والنعمة التي أنعم بها على المذكورين وإن لم تذكر في اللفظ فالكلام بدل عليها لا لما قال: إهدنا الصراط المستقيم، وبيّنا المراد بذلك، ثم بيّن أن هذا صراط من أنعمت عليهم بها، فلم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة الذبياني: شعر : كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن تفسير : لما قال جمال بني أقيش قال يقعقع، ومعناه جمل يقعقع خلف رجليه، ونظير ذلك كثيراً جداً.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قوله جل اسمه: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} الهداية لغة: الإرشاد بلطف، ولهذا يستعمل في الخير لا في الشر وقوله تعالى {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:23]. يحتمل أن يكون على سبيل التهكّم ومنه الهديّة، وهوادي الوحش لمقدّماتها، والفعل منه: هَدى. وقيل: معناه الدلالة على ما يوصِل إلى المطلوب. ونُقض بقوله {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص:56]. وقيل: بل الدلالة الموصِلة إلى المطلوب، وهو أيضاً منقوض بقوله: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت:17]. والحمل على المجاز في كل منهما والحقيقة في الأخرى متصوَّر. وقيل: إنّه تارة تتعدّى بنفسها، وتارة باللام أو بإلى، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء:9]. وقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى:52] ومعناه على الاول الايصال، وعلى الأخيرين إراءة الطريق. وفي الكشاف: إنّ أصله ان يعدّى باللام أو إلى، فعومِل معاملةَ "اختارَ" في قوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} تفسير : [الأعراف:155]. والصراطُ: الطريقُ الواضح المتّسع. وأصله السين. لأنه من سرط الطعام إذا ابتلَعه. فكأنه يسرط السابلة، ولهذا سمّي لقماً، لأنّه يلتقمهم، فمَن قرأ بالسين - كابن كثير برواية قنبل ورويس عن يعقوب - راعى الأصل، ومن قرأ بالصاد، فلما بَيْن الصاد والطاء من المواخاة في الاطباق والاستعلاء، كقولهم: مُصيطر، في مُسيطر. وقرأ حمزة باشمام الصاد الزاي، ليكون أقرب الى المبدل عنه، إذ قد يشمّ الصاد صوت الزاي، وفُصحاهنّ اخلاص الصاد وهي لغة قريش، ويجمع على "فُعُل" ككِتاب على كُتُب، ويستوي فيه المذكّر والمؤنث، كالطريق والسبيل. واعلم أنّ الأمر والدعاء يتشاركان صيغةً ومعنىً، لأن كلاً منهما طلب، وإنّما يتفاوتان بالاستعلاء والتسفّل، أو بالرتبة. وأمّا معنى هذا الدعاء ففيه وجوه: منها: أنّ معناه: ثبّتنا على الدين الحقّ، لأن الله قد هَدى الخلقَ كلّهم الى الصراط أي طريق الحق من ملّة الاسلام، إلاّ انّ الإنسان قد تزلُّ قدمُه عن جادته، وترد عليه الخواطرُ الرديّة فيحسن منه أن يسألَ الله التثبُّت على دينهِ، والزيادة على هذا، كما قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد:17]. وهذا كقولك لمن يأكل الطعام عندك: كُلْ، أي: دُمْ على أكله. ومنها: أن المراد دلّنا على الدين الحقّ في مستقبل العمر، كما دللتنا عليه في الماضي. ويجوز الدعاء بالشيء الذي يكون حاصلاً كقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنبياء:112]، وليس فيه تحصيل للحاصل. ومنها: أنّ نفس الدعاء عبادةٌ شريفةٌ من جملة العبادات. وفيه اظهار للانقطاع إليه تعالى، ويجوز أن يكون لنا فيه مصلحة من الخضوع والخشوع والتذلّل، وسائر ما يوجب تليين القلوب والتبتّل إليه، فتحسن المسألة. وقيل في معنى الصراط المستقيم وجوه: أحدها: أنّه كتابُ الله وهو المروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وعن علي (عليه السلام)، وابن مسعود. وثانيها: إنّه الإسلام، وهو المرويُّ عن جابر وابن عبّاس. وثالثها: إنّه دين الله الذي لا يقبل غيره، عن محمد بن الحنفيّة. والرابع: إنّه النبيّ والأئمة القائمون مقامه، وهو المروي في أخبار أصحابنا والمأثور من أئمّتنا وأنوارنا (عليهم السلام). والأوْلى حمل الآية على العموم، ليكون أجمع وأشبه منه بكلام من له الأحديّة الجمعيّة. قال بعض المحقّقين: هداية الله تتنوّع أنواعاً لا يحصيها عدّ، لكنّها في أجناس مرتبة. الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكّن المرءُ من الإهتداء الى مصَالحه. كالقوّة العقليّة، والحواسّ الباطنة، والمَشاعر الظاهرة، كما في قوله: {أية : ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه:50]. والثاني: نصْبُ الدلائل الفارقة بين الحقّ والباطل في الاعتقادات، والصلاح والفساد في الأعمال، حيث قال: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد:10]. وقال: {أية : فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصّلت:17]. والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكُتب، وايّاها عنّى بقوله: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} تفسير : [الأنبياء: 73]. وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء:9]. والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختصّ بنيله الأنبياءُ والأولياء، وإيّاه عنى بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام:90]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [العنكبوت:69]. فالمطلوب ها هنا إمّا زيادة ما منحوه من الهُدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المرتّبة عليه، فإذا قال العارف الواصل: اهْدِنَا، عنَى ارشِدنا طريقَ السيرِ فيكَ لتَمحو عنّا ظُلمات أحوالنا، وتميط غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسِكَ، فنراكَ بنوركَ. مكاشفة [الصراط ومرور الانسان عليه] اعلم إنّ معرفة حقيقة الصراط واستقامتها والمرو عليه والضلال عنه، من المعارف القرآنية التي يختص بدركها أهل المكاشفة والمشاهدة، وليس لغيرهم من سائر المسلمين إلاّ مجرّد التصديق والإذعان به تسليماً وايماناً بالغيب، لا ببصيرة حاصلة من نور اليقين ونعم ما قيل: مَن لا كشْف له لا عِلْم له. واللمعة اليسيرة من هذا العلم: هي إنّ الموجودات الممكنة منقسمة إلى قائمة ومتحركة، والعبارة من الأولى؛ عالَم الأمر والقضاء والإرادة: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ} تفسير : [القمر:50]. ومنه نشأ الملائكةُ المقرّبون القائمون بأمره تعالى في منازلهم ومراتبهم، المفطورون على كمالهم الأصلي، لا يتعدّونه، كل له مقام معلوم، منهم سجود لا يركعون، ومنهم ركوع لا يسجدون. والعبارة من الثانية؛ عالَم الخلْق والفعل والتقدير، قال: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء:104]. وعالَم الخلْق دائم الحركة والانتقال والحدوث والزوال، ونحن قد أقمنا البرهان على تجدّد الطبائع الجسميّة، وسيلان الجواهر الماديّة برهاناً قطعيّاً، وبينّا أن غاية جميع هذه الحركات والانقلابات الإرادية والطبيعيّة هو الله تعالى، وان جميع الموجودات العالية والسافلة بتوجّهون نحوه ويولّون شطره بما يسري إليهم من نور عشقه وفيض رحمته، وهذا المعنى ممّا يمكن إدراكه بالحدس والتجربة، لما نشاهد من كلّ موجود نراه شوقاً إلى ما هو أعلى منه، وحركة إلى ما يشتاقه ويتمنّاه، ومعاد كلّ موجود إلى ما هو مبدأه، ومرجعه إلى ما هو منشأه، وكلّ ما هو أعلى مبدءاً يكون أرفع غاية وأشرف مآباً ومرجعاً، فمرجع العنصر إلى العنصر كماء المطَر انفصَل من البحر أولاً واتّصل به ثانياً كان بحراً ثمّ بخاراً، ثمّ انعقد سحاباً، ثم تقاطَر أمطاراً، ثم جرى عيوناً وأنهاراً، ثمّ اتّصل بالبحر فصار بحراً كما كان بعد أن تطوّر أطواراً، وكذا مرجع النبات مع زيادة منزلة وبركة، كحال الحبّة في تقاليب الأطوار إلى أن تبلغ مرتبة الثمار، فيبتدي أوّلها وهو لبٌّ يدفن في الأرض وكاد أن يفسد ويغيب عن ذاته في الأماكن الغريبة، ثمّ أفادها الله قوّة محرّكة تستحيل بها من حال إلى حال حتّى تنتهي إلى كمالها الأصلي، فتبلغ إلى درجة اللبّ الذي كانت عليه في بدؤ أمرها مع أعداد كثيرة من أفراد نوعه وفوائد زائدة من القشور والأنوار والأوراق والأزهار. وكذلك حال الحيوان، فهو أعظم قوساً في العروج إلى الله وأبعد نزولاً وصعوداً من النبات وصورة الأركان: {أية : مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [هود:56]. وأمّا الإنسان - أي الحقيقي لا الصوري - فهو الغاية والمقصود الأصلي من جميع الخلائق والأكوان، ولأجله خلقت المكوّنات وترتّبت الموجودات ونشأت المواليد والآباء والأُمّهات، فمنازل سيره وصعوده إلى الله واقعة على النصف الصعودي لدائرة الإمكان، على عكس مراتب نزوله من عند الله الواقعة على النصف النزولي لهذه الدائرة، وذلك لأنّ الله مبدأه ومعاده، وهو المهتدي المنعَم عليه المعتني به من أوّل الأمر إلى آخر العهد فلم يزل الإنسان الذي سبقت له المشيّة الأزليّة أن يستعمله الله لسياقة حكمته الى غايتها، منظوراً إليه في سائر مراتب الاستيداع من حيث أفراد الإرادة المنبعثة عن العلْم الأزلي في مقام القلَم الأعلى العقلي، ثمّ في مقام اللوح النفسي، ثمّ في مرتبة الطبيعة باعتبار ظهور حكمتها في الأجسام، ثمّ في العرش المحدّد للزمان والمكان مستوى الاسم الرحمن، ثمّ في الكرسي الكريم مستوى الاسم الرحيم، ثمّ في السموات السبع، ثمّ في العناصر، ثمّ في المواليد، وهلمّ إلى حين استقراره بصفة صورة الجمع بعد استيفاء مراتب الاستيداع، مخصوصاً بمزيد الاعتناء، موسوماً بسِمة التوفيق والهداية، مهتمّا به اهتمامً تامّاً مراعى في كل عالَم وحضرة يمرّ عليهما بحسن الرعاية، مخدوماً بخدمة أهل ذلك العالَم والمرتبة، ليتمّ به وبخدمته وإمداده وحسن تلقّيه أولاً، ومشايعته ثانياً، ذواتهم وصورهم بحسب ما يدركونه فيه من سِمة العناية وأثر الإختصاص. وما من عالَم من العوالم العلويّة مرّ عليه إلاّ وهو بصدد التعويق في الإنحراف المعنوي، إن لم تتداركه العناية الإلهيّة، لغلبة أحكام بعض النشآت، أو صفة بعض الأرواح الذي يتّصل به حكمه عليه، وكذلك بعض الأفلاك بالنسبة إلى البواقي، فيتعوّق أو ينحرف عمّا يقتضيه حكم الاعتدال الجمعي، وصورة الصراط الوسطي الربّاني الذي هو شأن من سبقَت له العناية في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمة الكون إلى غايتها، ثمّ الأمثَل فالأمثل. وإذا دخَل عالَمَ المواليد وسيّما من حين تعدّى مرتبة المعدِن إلى مرتبة النبات وعالَمه، ثمّ منه إلى عالَم الحيوان، إن لم تصحبه العناية الأزليّة، ولم يصحبه الحقّ بحسن المعونة والحراسة والرعاية، وإلاّ حيف عليه، فانه بصدد آفات كثيرة، لأنّه عند دخوله عالَم النبات، إن لم يكن محروساً معتنىً به، وإلاّ فينجذب ببعض المناسبات التي تشتمل عليها جمعيّته إلى مزاج ردئٍ، ينحرف به عن صراط الحقّ فيخرج منه تارة أخرى إلى باب العناصر، ويبقى فيه حائراً عاجزاً، حتّى يعان ويؤذن له في الدخول مرّة اخرى. فربما عرضت له آفة من العناصر، كبَردٍ مسدّد أو حرٍّ مفرط أو رطوبة زائدةٍ، أو يبس غالبٍ، فيتلف ويخرج ليستأنف دخولاً آخر، وهكذا مراراً شتّى حسب ما شاء الله وقضاه وقدّره. ثم على تقدير سلامته أيضاً في ما ذكرناه بنعمة الحراسة والرعاية وسائر النَعم التي يستدعيها فقْره، فإنّه قد يخرج على غير الوجه الذي يقتضي تكوين النشأة الحيوانيّة منه، فإذا دخل في باب الحيوانيّة، تضاعفت حاجتُه إلى الحفظ والتربية والصيانة والحراسة من الآفات والمضادّات لواحدٍ واحدٍ من أعضائه وقواه الحيوانيّة بعد قواه النباتية، فهو مفتقر الى الهداية والتوفيق، ونعمة السلامة والحراسة والرعاية في كل مرتبةٍ وصورةٍ صورةٍ ونشأةٍ نشأةٍ، إلى حال مسقط النطفة وحال الولادة، فهو مفتقر إلى أن يخرجه الله مخرجاً صدقاً ويدخله مدخلاً كريماً من حيث ظاهره وباطنه. فالمختصّان بمسقط النطفة حال التوليد من أحكام الزمان والمكان، شاهدان طيّ كثير من أحواله البطانة، والمختصّان بمسقط الرأس حال الولادة، شاهدان على معظم أحواله الظاهرة، وسرّ الابتداء في السلوك إلى جانب الحق، فالعادةُ الإلهيّة جارية بأنّ من اختصّ بمزيد العناية ونعمة الحراسة، وأثر الإختصاص من بداية أمره، وشروعه من منبع المشيّة الإلهيّة الى هذا المقام وهو مقام العقل والتكليف والدعوة أن يهديه إلى صراطه ويسوقه إلى تمام النعمة، وغاية الحكمة، وغاية الايجاد، وزينة المعاد، وصورة الكمال الوجودي، فأين من يكون أحديّ السير من حين صدوره من غير الحقّ الى عرصة الوجود العيني والنزول الكوني، لم يتعوق من حيث حقيقته وروحانيّته في عالَم من العوالِم، ونشأة من النشئآت، وحضرة من الحضرات ممن يتعوّق ويتردّد لتصادم الموانع والآفات، ويتكرّر وُلُوجه وخروجه المقتضيان لكثافة حُجُبه، وكثرة تقلّبه في المحن والعوائق - نعوذ بالله منها. فقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ}، بيانٌ للمعونة المطلوبة في الآية السابقة، فكأنّه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدِنَا فهذه الآية وما يتلوها كالأجوبة لأسئلة ربّانية، كما قال بعض العرفاء: فكأنّ لسان الربوبيّة يقول عند قول العبد: اهِدِنا الصِراط: أيُّ صراطٍ تَعنى؟ فالصراطات كثيرة كلّها لي، لما تقرّر واشتهر انّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فيقول لسان العبوديّة: اريد منها: المستقيم. فيقول لسان الربوبيّة: كلّها مستقيمة من حيث اتّهج إلى غايتها كلّها، وإليّ مصير من يمشي عليها جميعاً. فأيّ استقامة تقصد في سؤلك يا عبدي؟ فيقول لسان العبوديّة: اريد من بين الجميع: {صِرَاطَ الذينَ انْعَمْتَ عَلَيهِم}. فيقول لسان الربوبية: وَمَن الذي لم أنعم عليه؟ وهل في الوجود شيء لم تسعه رحمتي ولم تشمله نعمتي؟ فيقول لسان العبوديّة: إنّ رحمتك واسعة ونعمك سابغة شاملة، لكنّي لست أبغي إلاّ صراط الذين انعمت عليهم النعَمَ الظاهرة والباطنة الصافية من كدر الغضب ومحنته، وشائبة الضلال ونكبته، فإنّ السلامة من قوارع الغضَب لا تقنعني، إذا لم تكن النعم المسدّلة إليّ مطرزة بعلم الهداية المخلصة من محنة الحيرة والضلالة، وبيداء التيه وورطات الشبهة والشك والتمويه، وإلاّ فأيّة فائدة في تنعُّمٍ ظاهرّيٍ بأنواع النعم مع تألّم باطني بهواجم التلبيسات المانعة من الاطمينان والسكون، ورواجم الريب والظنون. هذا في الوقت الحاضر - فدع ما تتوقّعه من اليوم الآخر، فتذكّر عند هذا قوله (صلّى الله عليه وآله) حكاية عن ربّه أنّه قال: حديث : قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فإذا قال العبد: {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، يقولُ الله: ذكَرني عبدي، وإذا قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، يقولُ الله: حَمَدَني عَبدي. وإذا قال: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، يقول الله: عَظَّمني عبدي، وإذا قال: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}، يقول الله: مَجَّدني عَبدي، وفي رواية فوّضَ إليَّ عبدي. وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، يقول الله: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقيم، يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . تفسير : فاعرف كيف تسأل، تنل من فضل الله ما تؤمل. فصل [الانسان أشرف الخلائق] واعلم أنّ الإنسان المهتدي بنور الله، أشرف الخلائق كلّها، وأبدع ما في الإمكان، لأن الله اصطفاه لقُربه، وأضافه إلى نفسه، من الله مبدأه وإلى الله منتهاه، قد باشَر الحقّ ايجاده بنفخه فيه من روحه، وتخمير جسده بيديه، واختار لعبدِه الأسماء كما لنفسه، وآثرَ الخيرة له من لدن نزوله من عنده إلى حين صعوده إليه، في كل صورة يتلبّس بها، أو مقامٍ يمرّ عليه، أو نشأةٍ يظهر بها نفسه، وموطنٍ يتعيّن فيه النشأة، وزمانٍ يحويه من حيث تقيّده به وتغيّره معه، ومكانٍ يستقرّ فيه من حيث هو متحيّزٌ به وحاصلٌ في دائرته. وأول كل ذلك ومبدأه هو من حال تعلّق الإرادة الإلهيّة به عند تعيّنه بعينه الثابت في علمه الأزلي، ثمّ اتّصال حكم القدرَة به لإبرازه في أطوار الوجود، ومروره على المراتب الإلهية والكونيّة، وله في كل عالَم وحضرةٍ يمرّ عليه صورة تناسبه من حيث ذلك العالَم أو الحضرة، ووديعة يأخذها من جملة النعم، من التعديل والتسوية، وتماميّة الخِلقة، وحسْن الصورة، والاعتدال، وحسّن الخلق والعدالة. فكم بين من باشرَ الحقُّ تسويته وتعديلَه، وجمَع له بين يديه المقدّستين، ثمّ نفَخ بنفسه فيه من روحه نفخاً استلزم معرفةَ الأسماء كلّها، وسجودَ الملائكة له أجمعين، وإجلاسه مرتبة الخلافة عنه في التكوين، وبين من خلقه بيده الواحدة، أو بواسطة ما شاء من خلْقه ولم يقبل من حكَمي التسوية والتعديل ما قَبله هذا النائب الربانيّ، وكون الملك ينفخ فيه الروح بالاذن. كما ورد في الشريعة عنه (صلّى الله عليه وآله) انّه قال: يجمع أحدكم في بطن امّه أربعين يوماً نطفة، ثمّ أربعين يوماً علقة، ثمّ أربعين يوماً مضغة، ثمّ يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، فيقول: يا ربّ، أذكر أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد، ما رِزْقُهِ، وما أجَلهُ، ما عَمَلُه؟ فالحق يملي والملك يكتب. فأين هذا من قوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر:29]. شتّان بينهما ها هنا أضاف المباشرة إلى نفسه بضمير الإفراد الرافع للاحتمال، ولهذا قرع بذلك المتكبّر اللعين المتأبي عن السجود له، ولعنه وأخزاه بقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص:75]. وقد وقع التأكيد في هذا المعنى منه (صلى الله عليه وآله) بأمور كثيرة، منها قوله: إنّ الله خلق آدمَ على صورتِه - وبرواية - على صورة الرحمن، ولقوله في التأكيد الرافع للاحتمال الذي ركن إليه أرباب العقول السخيفة، الجاهلون بأسرار الشريعة والحقيقة، في وصيته بعض أصحابه في الغزو: إذا ذبحت فاحسن الذبِحة، وإذا قتلت فاحسن القِتلة، واجتنب الوجه فإن الله خلق آدمَ على صورته. وقال أيضاً (صلوات الله عليه وآله): في هذا المعنى: إذا خلق خلقاً للخلافة مسَحَ بيمينه على ناصيته، فنبّه على مزيد الاهتمام والخصوصيّة. وأشار أيضاً في حديث آخر ثابت: أنّ الذي باشَر الحقُّ سبحانه ايجاده أربعة أشياء ثمّ سرَدها فقال: خلَق جنّة الخُلد بيده، وكتَب التوراة بيده، وغرَس شجرةَ طوبى بيده، وخلَق آدمَ بيده. وقال أيضاً (صلّى الله عليه وآله): الإنسان أعجب موجود خُلق. وكما أنّ هذه الخصائص والكرامات؛ من كونه مخلوقاً على صورة الرحمن، منفوخاً فيه من روحه تعالى، مكرَّماً بكرامة تعليم الأسماء، محمولاً في برّ الأجساد وبحر الأرواح، مُخمّراً طينته العقلية والنفسية باليدين مخصوصاً بخلافة الله تعالى في العالمين الكبير والصغير مسجوداً لملائكة الله في النشأتين الجسمانيّة والروحانيّة، إنما هي للانسان المعنوي الحقيقي، لا لهذه الأشباه والأمثال من الأعداد الصوريّة، فكذلك الوصول إليه بالعروج الروحي والسفر المعنوي على صراط الله المستقيم، يختصّ به دون غيره، وإلاّ فكل ماشٍ من الحيوان وغيره مارُّ على صراطه الذي يخصّه، متوجّهاً شطرَ الحقّ. وكما انّ لكل جسم مكاناً مخصوصاً، وفيه معنى طبيعيّاً يحركه الى حيّزه ويجرّه إلى مطلوبه ولا يقف به دونه، فكذلك كل نفْس خرجت من معدن مخصوص من معادن الأرواح، ففيها معنى يحرّكها إلى معدنه الأصلي، ولا يقف بها دونه، واختلاف أحوال هذه النفوس البشريّة من اختلاف مباديها المعبَّر عنها بالمعادن في قوله (صلّى الله عليه وآله): الناس معادنٌ كمعادِن الذهبِ والفضّةِ. وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في هذا الكتاب المجيد بقوله تعالى {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} تفسير : [البقرة:60]. وحركات الجوارح آثار تلك المعاني التي أودعتها القُدرة الأزليّة في النفوس الآدميّة، إتماماً للحكمة، وتوسيعاً للرحمة في سائر الأمّة، واهتماماً بهذا المعنى المجذوب المحبوب؛ فالنفوس التي لا يكون بينها وبين الحقّ واسطة، تنجذب إلى جنابه طبعاً كانجذاب إبرة من حديد إلى مغناطيس لا تتناهى قوّته، وهذه النفوس هي العرفاء بالله حقّاً، وقوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]، كناية عن أهل الله العارفين به. وإنّما عرفه هؤلاء معرفةً حقيقيةً وايماناً كشفيّاً وإحساناً، لأنّهم الذين وقَع لهم التجلّي في الأزل بالذات ولغيرهم بالعرض، فاستغرقوا بكليّتهم في معرفته عند قوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف:172]، وأجابوا بقولهم {بَلَىٰ}، ايماناً وايقاناً لا تكلّفاً وتقليداً، أو مجازفة ونفاقاً. ولقد أفصح عن هذا المعنى شيخ الطائفة عبد الله الأنصاري حيث قال: "إلهي تلطّفت لأوليائك فعرَفوكَ، ولولا تلطّفتَ لأعدائك لما جحدوكَ" فهذه حكم النفوس التي لم تكن بينها وبين الحقّ واسطة في البداية، فلا جرم هم المجذوبون إليه تعالى الواصلون إليه في النهاية، وغيرهم إما سالكون، أو واقفون بالعوائق البدنيّة، أو مردودون إلى أسفل سافلين بالعقائد المهلكة الشيطانيّة. فقد قارَن الحقُّ سبحانه بين السالك والمجذوب في العطاء والنصيب، فقال عزَّ مِن قائل: {أية : ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى:13]. وقد وقع التنبيه منه (صلّى الله عليه وآله) على هذا المعنى فقال في جنازة واحد من أصحابه:حديث : اهتزّ عرش الرحمن لموتهتفسير : ، وقال في حقّ طائفة اخرى لما ذكر: "حديث : إن الموت ينتقي خيار الناس، الأمثَل فالأمثل، حتّى لا يبقى إة حثالة كحثالة التمْر أو الشعير، لا يبالي الله بهم ". تفسير : فأين من يهتزّ بموته عرش الرحمن ممّن لا يبالي الله به أصلاً، فكما هو الأمر آخراً فكذا هو الأمر أولاً. بل الخاتمة عين الرجوع إلى السابقة، فافهم واغتنم. فلنرجع متمّمين لما وقع الشروعُ فيه مستعينين بالله وهدايته. تأييد استبصاري ومما يؤيّد ما أصّلناه، ويؤكّد ما قرّرناه من الحركة الجوهريّة، والسلوك الباطني المستمرّ للانسان وغيره من الأكوان، قول الشيخ الإلهي والعارف الربّاني في الفتوحات المكيّة في باب تقلّب باطن الإنسان: إنّ الحقَّ لم يزل في الدنيا متجلّياً للقلوب دائماً، فتتنوع الخواطر فيها لتجلّيه، وإن تنوّع الخواطر في الإنسان عينُ التجلّي الإلهي من حيث لا يشعر بذلك إلاّ أهل الله، كما انّهم يعلمون انّ الصور الظاهرة في الدنيا والآخرة في جميع الموجودات كلّها ليس غير تنوّع التجلي، فهو الظاهر، إذ هو عين كلّ شيء، وفي الآخرة يكون باطن الإنسان ثابتاً، فإنّه عين ظاهر صورته في الدنيا، والتبدّل فيه حقيٌّ وهو خلقه الجديد في كلّ زمان، الذي هو في لبس منه، وفي الآخرة يكون ظاهره مثل باطنه في الدنيا، ويكون التجلّي الإلهي له دائماً بالفعل، فيتنوّع ظاهرُه في الآخرة كما يتنوّع باطنه في الدنيا في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهي ينصبغ بها انصباغاً، فذلك هو التضاهي الإلهي الخيالي، غير أنّه في الآخرة ظاهر وفي الدنيا باطن، فحكم الخيال مستصحب للانسان في الآخرة وللحق. وذلك هو المعبَّر بالشأن الذي هو فيه الحقّ من قوله: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن:29]. ثمّ قال أيضاً: فكل ظاهرٍ في العالَم صورة ممثّلة كتابيّة مضاهية لصورة إلهيّة، لأنّه تعالى لا يتجلّى للعالَم الاّ بما يناسب العالَم في عين جوهر ثابت، كما أنّ الإنسان من حيث أصل جوهره ثابتٌ أيضاً، فترى الثابت بالثابت منك وهو الغيب منك ومنه، وترى الظاهر بالظاهر وهو الشاهد والمشهود والشهادة منك ومنه، وكذا تدركه، وكذا تدرك ذاتَك، غير أنّك معروف في كلّ صورة، أنّك انتَ لا غيرُك، كما انّك تعلم أنّ زيداً في تنوّعه في كيفياته من خجَل ووجَل ومرَض وعافية ورضىً وغضب، وكل ما يتقلب فيه من الاحوال، أنه زيد لا غير، وكذلك الامر في كل احد. فصل [في تحقيق الصراط واستقامته] اعلم إن الصراط لا يكون صراطاً إلا بمرور المارّةِ عليه وقد مرّت الإشارة إلى ان الخلائق كلّها متوجّهة شطرَ الحقّ توجُّهاً غريزيّاً وحركة جِبِليّة نحو مسبّب الأسباب، وفي هذه الحركة الجِبِلّية لا يتصوّر في حقّهم الضلال والانحراف عمّا عيّن الله لكلّ منهم، والله آخذٌ بناصِيته، كما قال الله: {أية : مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [هود:56]. وما من موجود في عالَم الخلْق إلاّ وهو حيوان ماشٍ فيكون دابّة. وكل دابّة فالربّ آخذٌ بناصيتها، وعليه رزقها، ويعلم مستقرَّها ومستودعَها، كما قال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود:6]، فتكون مفطورة على المشي على نهج الاستقامة من غير ضلال، وأمّا المسمّى إنساناً، فلوجود الاختيار المخالف للطبع فيه، ومزاحمة قوّة الوهم الذي يعتريه، يتصور في حقّه الضلالُ والغوايةُ والنكالُ والغَباوةُ من جهة حركاتِه الإختيارية المورِثةِ له قُرباً أو بُعداً من الله، المثمِرةِ له سعادةً أو شقاوةً في الدار الآخرة، فيحتاج الى من يهديه، ويذكّر له العهد القديم، ويثبّته على الصراط المستقيم. فالهادي هو الله بالحقيقة بواسطة الكتاب والرسول (صلّى الله عليه وآله)، من يقومُ مقامَه من الأئمة الهداة (عليهم السلام)، فيختصّ الإنسان من بين سائر المخلوقات، بأن هداه الله بالهدايتين الكونيّة والوضعيّة من جهة حركتيه الاضطراريّة والاختياريّة، وجمع لأجله بين الدعوتين العامّة والخاصّة، وشرع له الشريعتين، وساسه بالسياستين المطبوعة والمجعولة، وأوجب عليه طاعة الحكمين: التكويني والتدويني، وذلك لاشتماله على مبدأ الحركتين: الذاتية والإراديّة. أما الحركة الذاتية له، فهي حركة جوهريّة، لها كسائر الحركات فاعلٌ وقابلٌ، ومسافةٌ وبدايةٌ ونهايةٌ، إلا انّ الحركة في الجوهر تُخالف غيرَها في أمر، وهو أنّ مسافة هذه الحركة هي عين المتحرّك حقيقة ووجوداً وغيره كمالاً ونقصاً، بخلاف الحركة في سائر المقولات، فإنّ المسافة فيها تُباين ذاتَ المتحرّك كما هو المقرّر عند العقلاء. ونحن قد بيّنا صحّة الحركة في مقولة الجوهر في أسفارنا ببيانات برهانيّة، يضطرّ أهل النظر على الاعتراف بها، والآيات القرآنيّة الدالّة على هذه الحركة، وخصوصاً ما للانسان كثيرة. منها: في باب حركة الجواهر الأرضية في ذاتها، كقوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النحل:88]. وقوله: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ} تفسير : [إبراهيم: 48]. ومنها: في باب حركة الجواهر السماويّة في ذاتها، كقوله {أية : وَٱلسَّمَٰوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67]. وقوله: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}تفسير : [الأنبياء:104]. ومنها: في تقلّب الانسان في أطوار الوجود، بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ} تفسير : [الانشقاق:6]. وقوله: {أية : وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الواقعة:61] وقوله: {أية : وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}تفسير : [الزخرف:14]. ومنها: في انقلاب الكلّ إليه كقوله {أية : ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [الروم:11]. وقوله: {أية : كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء:93]. وقوله: {أية : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق:15]. ففاعل هذه الحركة الذاتيّة الانسانيّة - أي محرّكها - هو الله وقابلها - أي موضوعها - هو النفس الإنسانيّة باعتبار قوّتها الاستعداديّة النفسانيّة، وعقلها المنفعل الهيولاني، وابتداعها من حين كونها ساذجة عن جميع الصوَر الإدراكيّة الجزئية والكلّية، وإليه الإشارة في قوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان:1]. وانتهاؤها حالته التي يكون عليها في القيامة. ومسافتها منازل الإنسان بحسب أكوانه الجوهريّة التدريجيّة، ودرجاته الوجوديّة بحسب قُربه وبُعده من الله، فله تكوّن بعد تكوّن على نعت الاتّصال التدريجي من الأكثف فالأكثف إلى الألطَف فالألطفِ، فينتقل من كلّ ظاهر إلى باطنه، ومن كلّ صورة الى معناها، فيدخل من الجماديّة والنباتيّة، ومن الحيوانيّة إلى البشريّة، ومن التجسّم الى التروّح، وينقلب من الدنيا الى الآخرة. وبالجملة من نشاة إلى نشأة إلى أن ينتهي الى موطنه الذي تعيّن له عند الله. وبهذا المعنى يكون الموتُ طبييعيّاً للإنسان، لا كَمَا زعمَه الأطبّاء وغيرهم من أنه بواسطة نفاد الحرارة الغريزيّة، أو غلبة الرطوبة عليها، أو لاجل تناهي القوى البدنيّة لكونها جسمانيّة، إلى غير ذلك من آرائهم القاصرة. وذلك لأنّ النفس الإنسانيّة - كما علمت - متقلّبةٌ في أكوانها الجوهريّة وكلّما انطوت لها نشأةٌ دخلت في نشأة تتلوها. ففي هذه النشاة الدنيويّة تطوّرت بجميع الأطوار الداخلة في عالم الشهادة، من الجسميّة والجماديّة والنباتيّة على درجاتها، والحيوانيّة على مراتبها، فإذا تمّ لها آخر هذه المراتب الواقعة في هذه النشأة، أخذت في الإنقطاع والولوج في النشأة الآخرة، وأطوارها الداخلة في عالَم الغيب بحسب الطِباع الأصليّ لها، من غير قَسر قاسرٍ وسياق سائقٍ خارجي، بل يسوقها سائقٌ داخليّ جبليّ من جانب الله تعالى كما قال جلّ ذكره: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21]. وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42]. ومما يؤيّد هذا ما ذكره الشيخ المحقّق في الباب الرابع والثمانين ومأتين من الفتوحات حيث قال: اعلم أن الروح الإنساني أوجده الله منذ أوجده مدبراً لصورة طبيعيّة حسيّة له، سواء كان في الدنيا، أو في البرزخ، أو في الدار الآخرة، أو حيث كان. فأول صورة لبسها، الصورة التي أخذ عليه فيها الميثاق بالإقرار بربوبيّة الحقّ عليه، ثمّ إنّه حُشِر من تلك الصورة الى هذه الصورة الجسميّة الدنيويّة، وحُبس بها في رابع شهر من تكوين صورة جسده في بطن أمّه إلى ساعة موته، فإذا ماتَ حُشر الى صورة اخرى من حين موته إلى سؤالِه، فإذا جاء وقتُ سؤاله، حُشر من تلك الصورة الى صورة جسدِه الموصوف بالموت، فيحيى به، ويؤخذ بأسماع الناس وأبصارهم عن حياته بذلك الروح، إلاّ من خصّه الله بالكشف على ذلك من نبيٍّ أو وليٍّ من الثقلين. وأمّا سائر الحيوان، فإنّهم يشاهدون حياته وما هو فيه عيناً، ثمّ يحشر بعد السؤال إلى صورة أخرى في البرزخ يمسك فيها، بل تلك الصورة [هي] عين البرزخ، والنوم والموت في ذلك على السواء إلى نفخة البعث، فينبعث من تلك الصورة ويحشر الى الصورة التي فارقَها في الدنيا، إن كان بقي عليه سؤال. فإن لم يكن من أهل ذلك الصنف، حُشر في الصورة التي يدخل بها الجنّة. والمسؤول يوم القيامة أيضاً إذا فرغ من سؤاله، حُشر الى الصورة التي يدخل بها الجنّة أو النار. وأهل النار كلّهم مسؤولون، فإذا دخلوا الجنّة واستقرّوا فيها، ثمّ دعوا الى الرؤية ونودوا، حُشروا في صورة لا تصلح إلاّ للرؤية، فإذا عادوا حُشروا في صورة تصلَح للجنّة، وفي كلّ صورة يُحشر يُنسئ الصورة السابقة التي كان عليها، ويرجع حكمه الى حكم الصورة التي انتقل إليها وحُشر فيها. فإذا دخل سوق الجنة، ورأى ما فيه من الصوَر، فأيّة صورة رآها واستحسنها حُشر فيها، فلا يزال في الجنة دائماً يُحشر من صورة الى صورة إلى ما لا نهاية له ليعلم بذلك الاتّساع الإلهي، فكما لا تتكرر عليه صورة التجلّي، كذلك يحتاج هذا المتجلّى له أن يقابل كلّ صورة تتجلّى له بصورة اخرى ينظر إليه في تجلّيه، فلا يزال يُحشر في الصور دائماً يأخذها من سوق الجنّة، ولا يقبل من تلك الصور التي في السوق ولا يستحسن منها إلاّ ما يناسب صورة التجلّي الذي يكون في المستقبل، لأنّ تلك الصورة هي كالاستعداد الخاصّ لذلك التجلّي - فاعلم هذا فإنّه من لُباب المعرفة الإلهيّة - . ولو تفطّنت لعلِمت أنّك الآن كذلك تُحشر في كل نفس في صورة الحال التي أنت عليها، ولكن يحجبك عن ذلك رؤيتك المعهودة، وإن كنتَ تحسّ بانتقالك في أحوالك التي عنها تتصرّف في ظاهرك وباطنك، ولكن لا تعلم انّها صور لروحك تدخل فيها في كل آن، وتحشر فيها، ويبصرها العارفون صوراً صحيحة [ثابتة] ظاهرة العين. انتهى كلامه الشريف النوري، وفيه من الفوائد الكشفيّة مما لا يمكن وصفُه فضلاً وشرفاً، إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين. وأما الحركة الإرادية للإنسان إلى الله، فهي حركة في الكيف النفساني، معدّة له في سرعة اللحوق له إلى الله من جهة استكمال كِلا جزئَيه العلمي والعملي بواسطة الأفكار والأذكار الملطفة له والأعمال والأفعال المقرّبة إيّاه الى الله، وجنس هذه الحركة مما يتطرّق فيه الصواب والخطأ، والاستقامة على الصراط والضلال، بخلاف الحركة الأولى، لكونها جوهريّة ذاتيّة متوجّهة شطرَ كعبة الحقّ لا يتصور فيها الخطأ والانحراف، والانتكاس، ولا تكون إلاّ على وجه الصواب والاستقامة، كما في قوله: {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [البقرة:148]. فقوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} إشارة إلى الحركة الغريزية الشوقية المفطورة عليها جميع المكوّنات، وقوله: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} إشارة إلى هذه الحركة الإراديّة للإنسان، التي بها يقع الاستباق للخيرات، وسرعة الانسياق إلى الدار الآخرة، والالتحاق بملكوت ربّنا الأعلى. ولقائل أن يقول: إذا كان الكلّ متوجّه إلى الله تعالى توجّهاً غريزيّاً نحو الفطرة الأخرويّة والكمال الوجودي والفعليّة، فأين الشقاوة للكفار وأهل المعاصي إذا كان الجميع من أحبّاء الله، المفطورة على طاعة الحقّ، والتقرّب منه، فيلزم كون الناس كلهم سعداء مقرّبين؟ فنقول: اعلم أنّ هذا التوجّه الغريزي للأشياء كلّها نحو مسبّب الأسباب، لا ينافي شقاوةَ الأشقياء وعذاب الكفار والمنافقين والعاصين، فإنّ السعادة شيء، والقُرب من الله يرفع الوسائط شيءٌ آخر، وكذا يجب أن يعلم أنّ الفعليّة الوجوديّة وقوّة التجوهر الحاصلة للنفوس الإنسانيّة من جهة انسلاخها من هذا البدن، وخروجها من القوّة إلى الفعل، وحدّة بصرها بسبب رفع الغواشي الماديّة، لا تنافي الشقاوة الأخرويّة، بل تؤكّدها، فإنّ غمور النفس بهذا البدن الكثيف، يوجب لها حالة كالخدر والسكْر لها، لأجل تلك الحالة، لا يمكنها إدراك الأمور الأخرويّة من المَثوبات واللذّات التي تكون للسعداء، والعقوبات والآلام التي تكون للأشقياء. فإذا خرجت من غشاوة الدنيا، وزال عنها سكْر الطبيعة وتخديرها، وحانَ وقتُ أن يقعَ بصرُها إلى ذاتها، فإن كانت من جملة الأشقياء المردودين، واطّلعت على ما اكتسبته من النقائص والآفات، تتألّم بها أشدّ الآلام، وخروجها من القوّة إلى الفعل، ووجود القوّة الدرّاكة فيها، وزوال مانع الإدراك عنها، يوجبان أن تطّلع على صحيفة ذاتها وما كسبته من السعادة أو الشقاوة، فتلتذّ غاية التلذّذ أو تتألّم غاية التألّم. فقد ظهر أنّ فعلية الوجود وتأكّده في الجملة، لا ينافيان الشقاوة بإدراك الآلام الحاصلة من الكفر والمعاصي، وكذا الرجوع الإضطراري إلى الحضرة الإلهيّة لا ينافي الشقاوة والعذاب، فإنّ أنوار النفوس الإنسانيّة، إنّما هبطت كالكواكب الى هذا القالب الفاني مدّة هذا الكون الجسماني وغربت فيه، وستطلع عند خراب القالب، وانقطاع عمره، وبوار نشأته من مغربها إلى مشرقها الأصلي، وخالقها وباريها، إمّا مظلمةً منكسفةً وإمّا زاهرة مشرقة. والزاهرة المشرِقة غير محجوبة عن الحضرة الإلهيّة، والمظلمة أيضاً راجعة إلى الحضرة، إذ المرجع والمصير للكلّ إليه كما مرّ، إلا انّها ناكسةُ الرؤوس عن جهة أعلى علّيين الى جهة أسفل سافلين، منقلبة الوجود الى الدنيا ولذّاتها وطيّباتها التي هي بعينها منشأ آلام الآخرة وخبثياتها. أَوَ لاَ ترى النبات في نموّه ونشوئه يتقارب الى عالم السماء والضياء، إلا انّه منكوس الرأس، متوجّه نحو السِفل، ولذلك قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [السجدة:12] فبيّن انّ نفوس الأشقياء أيضاً عند ربّهم، إلا انّهم منكوسون منحوسون، قد انقلبت وجوهُهم الى أقفيتهم، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق الى جهة تحت، وذلك حكم الله وقضاؤه فيمن حرمه توفيقه ولم يهد له سلوك صراطه المستقيم، نعوذُ بالله من الضلال، والعدول عن منهج أهل الكمال. فإن قلت: إذا كان الكلّ مفطوراً على حبّه تعالى وطلبه والتشوّق إليه، فما سبب تفاوت هذه النفوس الإنسانيّة في الهداية والضلال، والطاعة والمعصية؟ قلنا: لتفاوتها في الصفاء والكدورة، والقوّة والضعف، والشرافة والخسّة، وبحسب ما يتّفق لها من الأسباب البدنية والأحوال الدنيويّة من الاستعدادات الماديّة، والعوارض الإتفاقية المتسلسلة المنتهية إلى الأمور العلوية، والقضاء السابق الأزلي. فالأرواح الإنسية متفاوتة بحسب أصل الفطرة الأولى، مختلفة في الصفاء والكدورة، والضعف والقوّة، مترتّبة في درجات القُرب والبُعد من الله تعالى، والموادّ السفليّة الواقعة بإزائها متباينة في اللطافة والكثافة، ومزاجاتها متفاوتة في القُرب والبُعد من الاعتدال الحقيقي، فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح متفاوتة، وقد قدّر الله تعالى في القضاء السابق بإزاء كل روح ما يناسبه من المودّ وبازاء كلّ معنى ما يحاذيه من الصورة، فألطف الموادّ والصوَر لأشرف الأرواح وأنوار النفوس. وقد علمت سابقاً، أن تفاوت النفوس البشرية - المتخالفة الحقائق - ، لتفاوت أصولها ومعادنها العقليّة، ومفاتيح أبوابها الإلهيّة، ومن أجلها ومن أجل تفاوتها في الإدراكات والإرادات والأشواق، وقَع الاختلاف بينها في الهداية والضلال، والطاعة والعصيان، والتوفيق والخذلان، والسعادة والشقاوة، وحسن العاقبة وسوءها، والثواب والعقاب، والجنّة والنار. فإن قلت: ما الفائدة في التكليف بالطاعات، والدعوة بالآيات، والأمر والنهي، والترغيب والترهيب، إذا كان الجميع منتهياً الى قضاء الله وتقديره، وما تأثير السعي والجهد والطاعة والعبادة؟ قلنا: هذه الأمور من جملة الأشياء الواقعة بقضاء الله وقدَره، والأسباب المقدّرة التي جعلها الله تعالى مهيّجات للأشواق والإرادات، ومحرّكات ودواعي الى طلب الخيرات، واكتساب الدرجات، ومحرّضات على أعمال حسنة مورثة لعادات محمودة، وأخلاق جميلة، وملكات فاضلة مزكيّة للنفوس، منوّرة للقلوب، مقرّبة إيّاها الى الله، نافعة في معاشنا ومعادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا، وتحصل بها سعادة عقبانا، أو محذّرات من الشرور والقبائح، والذنوب والرذائل المكدّرة للنفوس، المسوّدة للقلوب، مما يضرّنا في العاجل ونشقى به في الآجل. وكذلك السعي والجدّ والتدبير والحذر، مهيِّئة لمطالبنا، موصِلة إيّانا الى مقاصدنا، مخرِجة لكمالاتِنا من القوّة الى الفعل، كما قال (صلّى الله عليه وآله) لمن سأله: هل يغني الدواء والرُقْية من قدَر الله؟ فقال: "حديث : الدواءُ والرقية أيضاً من قدَرِ الله ". تفسير : ولمّا قال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : جفَّ القلمُ بما هو كائن". قيل: ففيمَ العملُ؟ فقال: "اعملُوا فكلٌ ميسِّر لِما خُلقَ له ". تفسير : ولما سئل: أنحنُ في أمرٍ فُرغ منه أو في أمرٍ مستأنَف؟ فقال: "حديث : في أمرٍ مفروغٍ منه وفي أمرٍ مستأنف ". تفسير : فإن قلت: لِماذا وقعَ هذا التفاضُلُ والتخالفُ في أصل الفِطَر والغرائز ولم تتساو في الشرف والخسّة؟ فما بالنا كنّا مختلفين في الجواهر بحسب الصفاء والكدورة، ولم نتشاكل في السعادة ولا نتعادل، فصار السعيدُ مبروراً والشقيُّ محروماً؟ وما سبب التفاوت في هذه القسمة من خزانة الغيب، الزيادة والنقصان في النصيب من الرحمة الإلهيّة؟ وما هذا الحيف والجورُ لنا؟ وأين عدلُ الله فينا وكُلّنا عبيدُه والمحتاجون إلى قسمته ورزقه وقد قال الله: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [ق:29]. فنُجيبك: يا أخا الطريقة بعد ما زالت عنك الدهشة، وآب إليك القرار، ورجعت السكينة والوقار، فلستَ أولَ من زلَّ في هذا المقام، واستنفر من هذا الكلام، ثمَّ رجع وتاب وآمن وأناب، بمثل ما قال الشاعر: شعر : هون على بصري ما شقّ منظره فإنّما يقظات العين كالحلم تفسير : أما كون الشريفِ شريفاً والخسيسِ خسيساً، فليس بجعْل جاعلٍ وتأثير مؤثّر. وأما السؤال بأنّه لِمَ خلق الله الشيءَ الخسيس في العالم، ولم يجعل الايجادَ مقصوراً على الأشرف؟ فجوابك؛ بأنّه لو اقتصر على الممكن الأشرف في الايجاد، لبقيت كلّ الموجودات طبقةً واحدة، بل انحصرت في العقل الأول، ولبقيت المراتبُ الباقيةُ في كتْم العَدم مع إمكان وجودها، فكان حَيفاً عليها وجَوراً، لا عدلاً وقسطاً. فالعناية الإلهيّة تقتضي نظم الوجود على أحسن ما يمكن، فلو أمكن أحسن مما هو عليه الآن، لوُجِد من جود الواهب المنّان، ولو تساوت الموجودات في الشرف والكمال والنقص والتمام، لفاتَ الحُسن في ترتيب النظام، وارتفع الصلاح، ولو لم توجد النفوسُ الشقيّة والطبايع الغليظةُ لكان لا تتمشّى أمورهم ولا تتهيّأ مصالحهم، وبقي الاحتياج إليها في العالَم مع فقْدها. كما لو كان البصل زعفراناً، والدِفلى أقحواناً، أو لم يوجد البصل والدُفلى أصلاً لحرمت الناس من منافعها، وتضرّروا في فقْدها مع إمكان وجودها. وكما لا يختلج في صدرك أنّ البصَل لِمَ لمْ يكن زعفراناً، والقيصوم ضَيْمَراناً، والكلْب أسداً والوهمُ عقلاً؛ فيجب أن لن ينقدح في بالك أنّ الباقل لماذا لم يكن سَحْباناً، والفقير سلطاناً، والشقيّ سعيداً، والجاهل الشرّير عالِماً خيّراً؟ إذ لو كان كذلك، لاضطرّ السلطان إلى صنعة الكنْس، والحكيمُ المتألّه الى مباشرة الرجس، فما بقي التناسل على تقدير التماثل، وبطل النظام، ووقع الهَرْج والمَرْج، فلم يكن ذلك عدلاً بل كان ظُلماً وجوراً. ثمّ إنّ الدنيَّ لا يتألّم من دناءته، والخسيسَ لا يتضرّر من خسّته، والجاهلَ جهلاً بسيطاً لا يتعذّب بجهله، والعامي الأعمى البصيرة لا يشقى بعماه الأصلي، لكون كلّ منهم لم يغيّر ما هو عليه ليتألّم بفقْد كمالِه، ويتعذّب بضدّ حالِه، بل كلّ أحدٍ يعشق ذاتَه ويحبُّ نفسَه، وإن كان خسيساً دَنِياً. وفي المَثَل السائر: غِثُّكَ خير من سمين غيرك. فمَن أساء عمله وأخطأ في اعتقاده، فإنّما ظلَم نفسَه بظُلمة جوهره وسوء استعداده، وكان أهلاً للشقاوة، ينادي على لسان الحال، مهلاً فيداك أوكتا وفُوكَ نفَخ، وإنّما قصُر استعداده وأظلمَ جوهره لعدم إمكان كونه أحسن مما وجد. كما لا يمكن أن يحصل من أعمى القلبِ البصيرةُ، وأن يلِدَ القِردُ إنساناً في أحسن صورة وأكمل سيرة: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:118- 119]. وبالجملة، تفاوت الخَلْق في الكمال والنقص، والسعادة والشقاوة، إمّا بأمور ذاتيّة جوهريّة، وإمّا بأمور عارضة كسبيّة بواسطة الأعمال والأفعال. فالاختلاف بحسب الأمور الذاتيّة بمحض العناية الإلهية المقتضية لحسن الترتيب وفضيلة النظام، وليس منشأ للإشكال أصلاً كما علمت. وإمّا بحسب العوارض اللاحقة، فهي من اللوازم والتوابع الحاصلة بمصادمات الأسباب، وكل آفة وشرّ يلحق الشيء بسبب أمر خارج إتّفاقي، فليس مما يدوم عليه، بل يزول بزوال سببه، وسيعود الشيءُ الى ما كان عليه أولاً من طبيعته الأصليّة، والأسباب الإتّفاقية غير دائمة ولا أكثريّة الوجود. اللّهم إلاّ أن تنقلب طبيعةُ الشيء الى طبيعة أخرى، فتكون هذه الثانية طبيعة أصليّة، والكلام فيها عائد من أنّ ما يكون عارضاً غريباً لها يزول عنها بسرعة، فعلم من هذا انّ أكثر أحوال الشيء الخير والسلامة، وأن الآفة والشرّ من النوادر الاتّفاقية. وأمّا حديث الانتقام الإلهي بالغضب والعقوبات الدائمة للكفّار، فسيأتي الكلام فيه في تحقيق قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم}. ولنرجع إلى ما كنّا بصدده إنشاء الله. مشاهدة إشراقية اعلم أنّ الصراط الذي إذا سلكتَ عليه، وثبّت الله عليك أقدامك، حتّى أوصلك إلى الجنّة، صورةُ الهدى الذي أنشأته لنفسك في الدار الدنيا، بما هداك الله من الأعمال القلبيّة والبدنيّة، فهو في هذه الدار لا تشاهَد له صورة حسيّة، وأما في القيامة، وعلى منظر أصحاب البصيرة الغالب عليهم شهود النشأة الآخرة، فقد مُدّ لك جسراً محسوساً على متن جهنّم، أوّله في الموقف وآخره على باب الجنة، كل من يشاهده يعرف أنّه صنعَتُك وبناؤكَ، ويعلم أنّه قد كان في الدنيا جسراً ممدوداً على متن جهنمك من نار طبيعتك التي فيها ظلّ حقيقتك. ظلٌّ ذو ثلاث شُعَب، غير ظليل ولا يغنيها من اللهب بل هو الذي يقودها الى لهب الشهوات، ويضرم فيها نار النفْس الحيوانية. فالإنسان الكامل السالك الى الله، المهتدي بنوره، يعجل بقيامته بإطفاء نار جحيمه بنور ايمانه ونار توبته في الموطن الذي ينفعه لقيامته، ويقبل منه توبته، وهو موطن الدنيا، فإنّ بعد قيامه الدار الأخرى، لا ينفع فيها عملٌ، إذ لا تكليف فيها بعملٍ. لأنّها موطن الجزاء. والصراط قد علمتَ أنّه صراطان: صراط الوجود، وصراط الايمان والتوحيد، فالمشرك لا قَدم له على صراط الوجود، والمعطَّل لا قدَم له على صراط الوجود أيضاً. ومن أشرك بالله فهو من الموقف الى النار مع المعطّلة، ومن أهل النار الذين هم أهلها، إلاّ المنافقين، فلا بدّ لهم أن ينظروا الى الجنة وما فيها من النعيم، فيطمعون على حسب داعيتهم وشوقهم الى الكمال، فذلك نصيبهم من نعيم أهل الجنان، ثمّ يُصْرَفون الى النار. وهذا من عدل الله فيهم فقوبلوا بأعمالهم. وأما الموحّد، فلا يخلّد في النار، إنّما يُمْسَك ويُسأل ويُعذّب على الصراط، والصراط على متْن جهنم كما مرّ غائب فيها الكلاليب التي فيها، يمسكهم الله عليه. ولمّا كان الصراط في النار، وما ثَمَّ طريقٌ الى الجنّة إلاّ عليه، قال تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم:71- 72] ومن عرف معنى هذا القول عرف أنّ مكان النار ما هو. تصوير ايماني قد ورَد في صفة الصراط: أنّه أدقّ من الشَعْر وأَحَدُّ من السيف. وكذا علم حقيقة الايمان والتوحيد، والعمل بالأركان والتجريد، ولا تزال في كل ركعة من الصلاة تقول: {أهْدِنا الصِّراطَ المُستَقيم}. فلأمر مّا أوجب الله عليك ذلك، فأعظمُ الأمور وأجلّها منفعة لك، تحقيق هذا الصراط وعرفانه، فإنّه أدقُّ من الشَعْر وأحدُّ من السيف، فظهوره في الدنيا ظهور عقليٌّ، وفي الآخرة ظهور حسّي أبينُ وأوضحُ من ظهوره في الدنيا، إلاّ لمن دعى الى الله على بصيرة كما قال تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108]. وقد جاء في الخبر أيضاً: إن الصراط يظهر يوم القيامة منه للأبصار على قدْر نور المارّين عليه، فيكون دقيقاً في حقّ بعض، وعريضاً في حقّ آخرين، يصدّق هذا الخبر قوله تعالى: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد:12] والسعي مشي، وما ثَمَّ طريقٌ الى الله إلاّ الصراط وإنّما قال: بأيمانِهم، لأنّ المؤمن في الآخرة لا شمال له، كما انّ الكافر لا يمين له. هذا بعض أحوالك.
الجنابذي
تفسير : فى معاملاتنا مع اهل مملكتنا والكثرات الخارجة من مملكتنا بالتّوسط بين افراط التنصّر وتفريط التّهوّد فانّ الافراط وهو التّجاوز عن الطّريق بعد الوصول اليه يمنعنا عن مشاهدة جمالك بعد ما منحتنا بها، والتّفريط ايضاً يقصّر بنا عن الحضور لديك. والهداية هى ارائة الطّريق سواء كانت مع الايصال الى المطلوب او الى الطّريق او مجرّدة عنهما، وسواء عديّت بنفسها او بالى او بالّلام، والصّراط بالصّاد والسّراط بالسّين والزراط بالزّاء الطّريق وقرء هاهنا بالصّاد والسّين والصّراط الظّاهر ظاهر ومستقيمه معلوم والمستوى منه ما كان فى حاقّ الوسط او مستقيماً وقد يقال المستقيم للطّريق الّذى يكون على اقرب الخطوط الى المقصود وهكذا المستوى والطّريق فى الحركات الاينيّة هو المسافة بين مبدء الحركة ومنتهاها سواء صارت جادّة وطريقاً فى الارض او لم تصر، وهكذا الحال فى الحركات الوضعيّة ويكون المسافة وحدودها فى هاتين الحركتين موجودة قبل الحركة وامّا الحركات الكيفيّة والكمّيّة والجوهريّة فالطّريق فيها وهى مراتب الكيف والكمّ الطّارئة على الجسم المتحرّك ومراتب الصّور الجوهريّة المتعاقبة على الجوهر المتحرّك غير موجود لا قبل الحركة ولا بعدها بل هو كالحركة القطعيّة الّتى لا وجود لها لا قبل الحركة ولا بعدها بل وجودها يكون فى الذّهن بسبب رسم وصول المتحرّك الى حدود المراتب امراً متّصلاً وحدانيّاً فيه والموجود من الطّريق فيها هو مرتبة من الكيف او الكّم او الجوهر الّتى وجودها كالحركة التّوسطيّة عين قوّة عدمها وتكوّنها عين قوّة تصرفها ولذلك اشكل الامر على كثير من اهل النّظر فى بقاء موضوع محفوظ فى هذه الحركات خصوصاً فى الحركات الكميّة والجوهريّة بناء على انّ الجسم التّعليمىّ منتزع عن الجسم الطّبيعى وبتبدّله يتبدّل الجسم الطّبيعىّ وبتبدّله يتبدّل الموضوع وهكذا الحال فى توارد الصّور الجوهريّة فى الحركات الجوهريّة والحقّ انّ الموضوع محفوظ بكمّ ما وصورة ما محفوظين فى ضمن الكمّيّات والصّور الواردة بحافظ شخصىّ غيبىّ ومادّة باقية بكمّ ما وصورةٍ ما فانّ الاتّصال الوحدانىّ مساوٍ للوحدة الشخصيّة وكل مكوّن من الجماد والنّبات والحيوان متحرّك من اوّل تكوّنه فى الكيف والكمّ بل فى الصّور الجوهريّة حتّى ينتهى الى كماله الّلائق بنوعه او شخصه وهذا معنى كون الكون فى التّرقى فانّ الحركة خروجٌ تدريجاً من القوّة الى الفعل والخروج من القوّة الى الفعل معنى التّرقّى وكلّ من هذه خروجه من القوّة الى الفعل من اوّل تكوّنه الى كماله الّلائق به يكون على الصّراط المستقيم والفعليّات الّلائقة به ان لم يمنعه مانع ولم يعقه عائق سوى الانسان من افراد الحيوان فانّه بحسب استكمال بدنه يخرج على الصّراط المستقيم الّلائق بنوعه وشخصه ان لم يعقه عائق وبحسب استكمال نفسه ايضاً يخرج من القوّة الى الفعل على الصّراط الّلائق بنوعه وشخصه ما لم يحصل له استقلال فى اختياره فاذا حصل له استقلال فى اختياره وحان اوان تمرينه وتكليفه فقد يخرج من القوى الى الفعليّات الّلائقة بنوع الانسان من دون حصول فعليّة مخالفة لنوعه متخلّلة بين تلك الفعليّات حتّى يصل الى آخرة فعليّاته وهى مقام الاطلاق والولاية الكليّة وعلويّة علىّ (ع) وهذا نادر وكثيراً ما يخرج من القوى الى الفعليّات الّلائقة به بتخلّل فعليّات غير لائقة به فيكون خروجه الى الفعليّات لا على الصّراط المستقيم الانسانىّ بل قد يعوّد صراطه الى غير الفعليّات الّلائقة به وقوله تعالى {أية : ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشّمال}تفسير : اشارة الى هؤلاء الّسّلاك، وقد يخرج الانسان الى الطّرق المعوجّة والفعليّات الغير الّلائقة به من دون فعليّة لائقة به فقد ينتهى فى تلك الفعليّات فيصير أخسّ من البهائم او السّباع او الشّيطان وقد يقف فيمسخ بصورة الفعليّة الّتى وقف عليها ولمّا كان الصّراط المستقيم الانسانىّ ادقّ الامور بحيث لا يمكن لكلّ بصير تمييزه، وأحدّ الامور بحيث لا يمكن لكلّ سالك سلوكه من غير زلّة الى احد الطّرفين، وأخفى الامور بحيث لا يمكن لكلّ مدركٍ ادراكه وكان الاشخاص مختلفين فى السّير عليه بحسب فطرتهم وبحسب الاسباب والمعاونات الخارجة وصف بأنّه أدقّ من الشّعر وأحدّ من السّيف وانّه مظلم يسعى النّاس عليه على قدر انوارهم ولكون تلك الفعليّات الّلائقة بالانسان صور مراتب انسانيّة الانسان ومحفوفة بفعليّات الافراط والتّفريط الّتى هى انموذجات الجحيم ومخرجة للانسان فى كلّ مرتبة وفعليّة من صورة من صور مراتب النّيران وموصلة الى صورة مرتبة من مراتب الجنان ورد انّ الصّورة الانسانيّة هى الطّريق المستقيم الى كلّ خير والجسر الممدود بين الجنّة والنّار؛ وانّ الصّراط ممدود على متن جهنّم، ولمّا كان السّلوك على الصّراط الانسانىّ والخروج من القوى الى الفعليّات الانسانيّة مستلزماً للتّوسط بين الافراط والتّفريط فى الاعمال البدنيّة والاحكام الشّرعيّة وفى الاعمال القلبيّة يعنى الاخلاق النّفسيّة والاحوال الطّارئة وفى الاوصاف العقليّة والعقائد الدينيّة وكان التّوسّط فى ذلك مستلزماً للسّلوك على الصّراط الانسانىّ فسّر الصّراط بالتّوسط فى الاعمال والاحوال والاخلاق والعقائد والتّوسّط فى الاعمال مثل التّوسط فى الاكل والشّرب المشار اليه بقوله تعالى {كلوا واشربوا} فانّه اباحةٌ للاكل والشّرب او استحباب او وجوب ومنع عن الامساك {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} فانّه منع صريحاً عن الافراط، ومثل التّوسط فى الانفاقات المشار اليه بقوله تعالى {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء: 29]، ومثل قوله تعالى فى الصّدقات الواجبة او المستحبّة {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأنعام: 141]، ومثل قوله تعالى فى الصّلاة او فى مطلق العبادات البدنيّة {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 110]، والتّوسط فى الاحوال كالتّوسط بين الجذب والسّلوك الصّرف، والتّوسط بين القبض والبسط، والتّوسط بين الخوف والرّجاء، والتّوسط فى الاخلاق كالتّوسط بين الشره والخمود المسمّى بالعفّة، والتّوسط بين التّهوّر والجبن المسمّى بالشجاعة، والتّوسط بين الجزبرة والبلاهة المسمّى بالحكمة، والتّوسط بين الظلم والانظلام المسمّى بالعدالة، والتّوسّط فى العقائد كالتّوسط بين التّنزيه المحدّد والتّشبيه المجسّم فى الحقّ الاوّل تعالى شأنه، والتّوسط بين حصر النّبى (ص) والامام (ع) على المرتبة الجسمانيّة واعلائهما الى مرتبة الآلهة فى اعتقاد النّبوّة والامامة، والتّوسط بين الجسمانيّة الطّبيعيّة والروحانيّة الصّرفة فى اعتقاد المعاد وطبقات الجنان ولذّاتها ودركات النيران وآلامها، ولمّا كان الخارج الى الفعليّات الانسانيّة والسّالك على الصّراط المستقيم يصير متحقّقاً بتلك الفعليّات فاذا بلغ الى مقام من مقامات الآلهه وصار به نبيّاً او خليفة وصار بنفسه طريقاً وصراطاً مستقيماً من مقام بشريّته ومقامات روحانيّته وصار ولايته الّتى هى البيعة معه والاتّصال به بنحو مخصوص وكيفيّة خاصّة طريقاً انسانيّاً لانّها طريق الى روحانيّته وروحانيّته طريق حقيقة الى الله صحّ ما ورد عن الصّادق (ع) من انّها الطّريق الى معرفة الله وهما صراطان صراط فى الدّنيا وصراط فى الآخرة فامّا الصّراط فى الدّنيا فهو الامام المفترض الطّاعة؛ من عرفه فى الدّنيا واقتدى بهديه مرّ على الصّراط الّذى هو جسر جهنّم فى الآخرة، ومن لم يعرفه فى الدّنيا زلّت قدمه عن الصّراط فى الآخرة فتردى فى نار جهنّم، وما ورد عنه انّ الصّراط امير المؤمنين (ع) وزيد فى خبرٍ: ومعرفته، وما ورد انّه معرفة الامام (ع) وما ورد من قولهم: نحن الصّراط المستقيم وصحّ ان يقال انّ بشريّة الامام ومعرفة بشريّته من دون معرفة نورانيّته والاتّصال ببشريّته والبيعة معه طريق الى الطّريق الى الله وانّ الطّريق الى الله هو نورانيّة الامام (ع) ومعرفتها والاتّصال بها ويسمّى الاتّصال بالامام (ع) ومعرفته بحسب نورانيّته عند الصّوفيّة بالحضور والفكر واوّل مرتبة ذلك الاتّصال والمعرفة هو ظهور الامام بحسب مقام مثاله على صدر السّالك الى الله وليس المراد بهذا الفكر والحضور ما اشتهر بين مرتاضى العجم من جعل صورة الشيخ نصب العين بالتّعمّل وان كان ورد عن ائمّتنا (ع) الاشعار بمثل هذا المعنى فانّه ورد عن الصّادق (ع) وقت تكبيرة الاحرام تذكّر رسول الله (ص) واجعل واحداً من الائمّة (ع) نصب عينيك، فانّه تقيّد بالصّورة وشبيه بعبادة الاصنام بل المراد انّ السّالك ينبغى ان يجلو مرآة قلبه بالذّكر والاعمال المأخوذة من شيخه، فاذا اجتلى الذّهن وقوى الذّكر وخلا القلب من الاغيار ظهر الشّيخ بمثاله على السّالك فانّ الذّكر المأخوذ منه نازلة وجوده فاذا قوى تمثّل بصورته واذا ظهر الشّيخ بمثاله على السّالك فانّ الذّكر المأخوذ منه نازلة وجوده فاذا قوى تمثّل بصورته واذا ظهر الشّيخ بمثاله رفع كلفة التّكليف عنه والتذّ بحضوره عند محبوبه ورأى انّ كلّ ما يرد عليه انّما هو من محبوبه فيلتذّ بها ولو لم يكن ملائماً لانّه يراها من محبوبه وحينئذٍ قد يكون ظهور الشّيخ بنحو ظهور المباين الخارج على المباين، وقد يكون بنحو الحلول فى وجوده، وقد يكون بنحو الاتّحاد، وقد يكون بنحو فناء السّالك وبقاء الشّيخ وحده وللسّالك فى كلّ من المراتب مراتب ودرجات وحالات وورطات مهلكات اذا اغتّر وخرج من تصرّف الشّيخ ومن عرض حاله عليه فانّه كثيراً يغتّر بما يشاهده من غير تميّز ويعتقد ما عاينه من غير عرض على بصير حتّى يبيّن له سالمه عن سقيمه فيظهر منه ما لا يرضيه الشّرع من مثل انّى انا الله، وليس فى جبّتى سوى الله ويظهر منه اعتقاد الحلول والاتّحاد والوحدة الممنوعة والاباحة والالحاد فى الّشريعة المطهّرة، ولمّا كان السّالك على الفعليّات الانسانيّة يصير الفعليّة الاخيرة صورة له وسائر الفعليّات تصير كالمادّة وشيئيّة الشيئ بصورته لا بمادّته صحّ اضافة الطّريق اليه باعتبار انّه الفعليّة الاخيرة وصحّ تفسيره به باعتبار انّه متحقّق بجميع الفعليّات، ولمّا كانت السّورة تعليماً للعباد كيف يحمدونه ويلتجؤن اليه ويدعونه فقوله تعالى اهدنا تلقين لكلّ العباد ان يدعوه للهداية فمعنى اهدنا بالنّسبة الى غير المسلم دلّنا على الطّريق الّذى هو النّبىّ الّذى هو الطّريق اليك او اوصلنا اليه وبالنّسبة الى المسلم دلّنا على الطّريق الّذى هو الولىّ الّذى يؤمن به او اوصلنا او ابقنا على الصّراط الّذى هو الاسلام باختلاف نظره فانّه ان كان ناظراً الى اسلامه وراضياً به فالمعنى أدمنا، وان كان ملتفتاً الى انّ الاسلام طريق الى الايمان فالمعنى دلّنا او أوصلنا الى الايمان، وبالنّسبة الى المؤمن الغير الحاضر عند شيخه بحسب نورانيّته أدمنا على الطّريق او أوصلنا او دلّنا بحسب اختلاف نظره وبالنّسبة الى الحاضر عند شيخه بحسب نورانيّته أدمنا او اذهب بنا على الطّريق، وبهذه الاعتبارات اختلفت الاخبار فى تفسير "اهدنا" ولمّا كان السّلوك على الصّراط المستقيم الانسانىّ لا يحصل الاّ بالولاية والولاية هى النّعمة الحقيقيّة وبها يصير الاسلام نعمة ابدل تعالى عنه قوله تعالى {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}.
فرات الكوفي
تفسير : {اهْدِنا الصِّراطَ المْستَقيمَ، صِراطَ الذِّينَ أنْعَمْتَ عَلَيهمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيهمْ وَلا الضّالّينَ} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا عبيد بن يحيى بن مهران العطار قال: حدثنا محمد بن الحسين عن أبيه عن جدّه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [في قوله عز وجل. ص] [{إهدنا الصراط المستقيم} حديث : دين الله الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.ب،ر] {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين} قال: شيعة عليّ الذين أنعمت عليهم بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام لم تغضب عليهم ولم يضلّوا .
اطفيش
تفسير : ما لم يكن عندنا من الدين حتى يتم عندنا، والذين اهتدوا زادهم هدى، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، أو أدمنا عليه، والأصل اهدنا الصراط، أو إلى الصراط، والمراد هدى البيان، أو هدى الإيصال بأن نقيم عليه، ولا نموت على خلافه، أو التوفيق للعمل والتقوى.
الخليلي
تفسير : الهداية تطلق على الدلالة، وخصها بعضهم بالدلالة المصحوبة باللطف وأُجيب عما عساه يتجه إلى هذا من سؤال عن قول الله تعالى: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 23] الذي تنافي الهداية فيه اللطف المزعوم بأن الآية واردة مورد التهكم على حد {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [التوبة: 34] وكما قال الشاعر:- شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : والهداية في القرآن ذات مدلولات متعددة، فلذلك تأتي تارة مسنداً فعلها إلى الله وحده ومنفيا عمن سواه، كما في قوله تعالى في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56] وفي قوله: {أية : وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} تفسير : [النمل: 81] وقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272] ويُسند فعلها تارة إلى غيره تعالى كإسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] وإسناده إلى النبيين من قبله كما في قوله عزّ من قائل: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} تفسير : [الأنبياء: 73] وإسناده إلى القرآن في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] وتأتي تارة محصورة في المؤمنين وحدهم دون الكافرين كما في قوله سبحانه في وصف القرآن: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2] وقوله: {أية : هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النمل: 2] وقوله: {أية : هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [لقمان: 3] وقوله سبحانه في وصف المؤمنين: {أية : وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [الحج: 24] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 69] وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 4- 5] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}تفسير : [يونس: 9] وقوله في النبيين: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] وتأتي تارة شاملة للمؤمنين والكفار كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}تفسير : [الإنسان: 3] وقوله: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 10] بل تأتى تارة نصا في الكفار وحدهم كما في قوله سبحانه: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت: 17] ومن هذا الباب قول الله تعالى: {أية : ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50] وقوله: {أية : وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 3]. وقد استظهر أصحابنا رحمهم الله من هذا أن الهداية تنقسم إلى قِسمين: هداية بيان، وهداية توفيق، فهداية البيان تعم المؤمن والكافر ويُحمل عليها نحو قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}، وأما هداية التوفيق فهي محصورة في المؤمنين، ويُحمل عليها نحو قوله عز وجل: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ}، وهداية البيان يصح إسناد فعلها إلى غير الله تعالى كما في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فإن المراد بهدايته صلى الله عليه وسلم إلى الصراط المستقيم دعاؤه إليه المقرون ببيان معالمه، أما هداية التوفيق فليست من مقدور البشر وإنما هي من مقدور القادر على كل شيء الذي يصرف القلوب كيف يشاء، وإذا نظرنا إلى الآيات التي أوردناها وجدنا أن الهداية أوسع مدلولا وأكثر تشعبا مما ذكره أصحابنا، فمدلولها يشمل هداية الدين وغيرها، ومتعلقها الإِنسان المخاطب بهداية الدين وغيره من المخلوقات، لذلك أميل إلى ما قاله بعض أئمة التفسير في القديم والحديث في تفسير الهداية وتقسيمها إلى أقسام:- الأول: هداية الوجدان الطبيعي والإِلهام الفطري، وتكون للإِنسان وغيره منذ الولادة، فالمولود يشعر بحاجته إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته، ويُلهم امتصاص الثدي بمجرد وصوله إلى فيه. الثاني: هداية الحواس والمشاعر، وهي تتميم للهداية المذكورة في القسم الأول، وهي أيضا مشتركة بين الإِنسان وغيره، بل غير الإِنسان أكمل فيها وفيما قبلها منه فإن حواس الحيوان وإلهامه تكمل له بعد ولادته بقليل، أما الإِنسان فإنه يتدرج فيها في زمن طويل، ولذلك لا تظهر عليه عقب الولاده علامات إدراك الأصوات والمرئيات، وعندما يبصر لا يمكنه تحديد المسافات فيرى البعيد قريبا وتحدثه نفسه بأن يمد إليه يده وهذا الغلط في الحس لا ينفك عن الإِنسان حتى بعد نموه وكماله، ألا تراه يرى النجم نقطة في السماء وهو قد يكون أكبر من الأرض بملايين المرات، وهذان القسمان داخلان في عموم قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50] وقوله: {أية : وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى: 3]. الثالث: هداية العقل وهي خاصة بالإِنسان من بين الكائنات الحية المستقرة في الأرض وهذا لأن الإِنسان ينوء بثقل أمانة الخلافة في الأرض وهو كائن اجتماعي تتوقف مصالحه على التعارف والتفاهم بين بني جنسه ولم يعط من قوة المشاعر الباطنة والظاهرة ما يكفيه للقيام بما تقتضيه الحياة الاجتماعية كما أعطى النحل والنمل فإن الله قد وهبها من الإِلهام الفطري ما يكفيها لأن تعيش مجتمعه يؤدي كل واحد منها وظيفة العَمَل لجميعها ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وهذا سبب الترابط بين أفرادها ووجود النظام فيما بينها. أما الإِنسان فلم تكن له هذه الخاصية ولم يتوفر له هذا الإِلهام، ومع ذلك فهو يتميز عنها بما منحه من شرف الخلافة في الأرض والسيادة فيها، وقد وهبه الله في مقابل ذلك هداية العقل التي هي أقوى من هداية الحس والمشاعر، فإن العقل هو الذي يصحح أخطاء الحواس والمشاعر ويكشف عن أسباب هذه الأخطاء، فعندما يرى البصر الكبير صغيرا على البعد، ويرى العود المستقيم معوجا في الماء، ويذوق الصفراوي الحلو فيحس منه المرارة يحكم العقل في ذلك فيفند هذه الأخطاء ويبين أسبابها، وحمل بعضهم على هذه الهداية قول الله سبحانه {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 10]. الرابع: هداية الدين، فإن العقل وحده لا يستطيع أن يقوّم سلوك الإِنسان المعوج، ويهدي فكره المنحرف فإن الخطأ يتسلط عليه كما يتسلط على الحس، وقد يتأثر عقل الإِنسان بالجو الذي يعيش فيه، والمحيط الذي يتربى وسطه، فيستحسن ما يستقبحه غيره، ويستقبح ما يستحسنه سواه، وقد تستعلى عواطفه أو رغباته على العقل فتطمس نوره وتوهن قواه، ولذلك ينساق كثير من الناس - مع ما أتوه من قوة التفكير - وراء شهواتهم وعواطفهم، غير مبالين بالمصير الذي تؤديهم إليه، بل يسخّرون أحيانا طاقاتهم العقلية والحسية للوصول إل ما يهدفون إليه من مقاصد دنيئة، بدلا من استخدام العقل فيما يؤول إلى سعادة الإِنسان الشخصية والنوعية، ولا تقف رغبات الإِنسان عند حد معين، ولذلك كثيرا ما تفضي به إلى التطاول إلى ما فيه يد غيره، وعدم المبالاة بإمتهان كرامة بني جنسه، فيؤدي الأمر إلى التنازع والتدافع والتقاتل والتفاني، ولا تغني تلك الهدايات شيئا، وهذا أمر مشاهد حتى في الشعوب والأمم التي تعد نفسها أرقى من غيرها حضارة، ولا أدل على ذلك مما يحصل أحيانا في سلسلة الحروب الدولية، من إبادة شعوب أو استرقاقها، واهلاك الحرث والنسل بالوسائل العلمية، التي تستخدمها عقول ضلت سبيل الرشد وأخفقت في بناء مجتمع بشري ينعم بالسعادة والهناء والإِستقرار، ومن ثم كان الإِنسان بحاجة إلى هداية أسمى من الهدايات السابقة الذكر تملأ القلب خشية من سلطة غيبية أعلى وأجل من تصورات البشر ومدارك العقول والأفكار، وتضع حدودا للأعمال ورسوما لكل ما تتطلبه حياة الإِنسان فلا يعدو أحد على غيره، كما تصل الإِنسان بالغيب الذي يتطلع إليه وما هو ببالغه إلا من طريق هذه الهداية. هذا وقد أودع في غريزة كل إنسان الشعور بهذه القوة الغيبية التي لا يحاط بها علما، والتي تهيمن على الوجود كله وإليها يرد الإِنسان بفطرته كل ما لا يعرف له سببا لأنها هي التي تهب كل موجود ما يكون به قوام وجوده، كما أودع في غريزة كل أحد بأن هذه الحياة الدنيا ليست هي الحياة النهائية التي يحياها الإِنسان ولذلك يتطلع كل أحد إلى حياة أوسع منها. والهدايات الثلاث السابقة لا تصل إلى تحديد ما يجب على الإِنسان لذي القوة الغيبية الذي خلقه في أحسن تقويم وسخر له ما يحتاج إليه كما لا تصل إلى تحديد ما تكون به السعادة في الحياة الأخرى، ومن هنا كانت ضرورته إلى الدين وإفتقاره إلى توجيهه، والهدايات الثلاث السابقة مشتركة بين البر والفاجر، ويرى بعض المفسرين أنها يشار إليها جميعا بقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 10] وبعضهم يرى دخول الهداية الرابعة ضمن الإِشارة وهذه الهداية الرابعة - أعني هداية الدين - قد يشارك فيها الفاجر إذا فسرت بالبيان دونما إذا فسرت بالتوفيق كما أسلفنا من قبل، وهداية التوفيق تنقسم إلى ثلاث مراتب:- المرتبة الأولى: التوفيق لقبول الحق والعمل به وإليها الإِشارة بنحو قوله عز وجلَّ: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 272]. المرتبة الثانية: التوفيق للإِستمرار على الحق والإِستزادة منه، وإليها الإِشارة بنحو قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 69] فإن الجهاد نفسه لا يكون إلا بهداية توفيقية من الله سبحانه، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17] واختُلف في هذه الهداية، هل هي مكتسبة من العبد نظراً إلى العمل يسببها؟ نحو الجهاد الوارد في قوله عزَّ وجل: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا}، أو هي هبة من الله لعبده نظرا إلى أن الله هو الذي أفاضها عليه، والاختلاف باختلاف الاعتبارات ليس غير، ولذلك تصح نسبة إكتسابها إلى العبد كما تصح نسبة هبتها إلى الله تعالى. المرتبة الثالثة: التوفيق لجوار الله سبحانه في جنات عدن وإليها الإِشارة بقوله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} تفسير : [محمد: 4- 6] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [يونس: 9] وهذه هي أسمى مراتب الهدايات وأرقى منازل المهتدين، وجميع الهدايات السابقة سُلّم للصعود إليها، ووسائل للحصول عليها. والأصل في كلمة هدى أن تستعمل بمعنى الإِمالة - هكذا نقل القرطبي في تفسيره - واستدل له بقوله تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] أي ملنا، وبحديث عائشة في الصحيحين: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهادى بين رجلين" تفسير : أي يتمايل من المرض، ومنه الهدية لأنها تمال من مِلك إلى مِلك والهَدْيُ للحيوان الذي يساق إلى الحرم، لأنه يمال به من مكان إلى مكان، وفي الاستدلال لذلك بقوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} نظر فإنه من هاد يهود وليس من هدى يهدي. ويتعدى فعل الهداية إلى المفعول الثاني بنفسه كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} تفسير : [مريم: 43] ويتعدى إليه باللام نحو قوله سبحانه حكاية عن أهل الجنة: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف: 43] ويتعدى إليه بإلى نحو قوله عز وجل {أية : وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [الحج: 24]. وللعلماء آراء في التفرقة بين معنى الهداية إن تعدت بِنَفْسِها إلىالمفعول الثاني ومعناها إن تعدت إليه بحرف. ولم تقم أدلة على صحة آرائهم بل قامت على دحض بعضها لذلك استغنيت عن ذكرها. وَطلبُ الهداية هنا محمول على طلب المزيد منها، أو على طلب التوفيق للاستمرار عليها لأن الإِنسان عرضة للخطأ والضلال والتأثر بالمؤثرات الداخلية والخارجية، وبهذا يجاب عما لو سُئل: أليس مَن حمد الله بمحامده، ووصفه بصفاته، وخصه بالعبادة والإِستعانة مهتديا؟ فلماذا يطلب منه الهداية؟ وهل هو إلا تحصيل حاصل؟.. والصراط الطريق ومنه قول الشاعر: شعر : أمير المؤمنين على صراط إذا اعْوجَّ الموارد مستقيم تفسير : وقول الآخر: شعر : وطِئْنَا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط تفسير : وأصله السراط بالسين لأنه يسترط السابلة أي يبتلعها، أو يسترطه السابل بالقطع، ولذلك سمي لَقَمًا لأنه يلتقم السالك، أو يلتقمه السالك وأُبدلت السين صادا لمكان الطاء. روى الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} بالصاد، وروى البخاري في تاريخه وسعيد بن منصور وعبد بن وحميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {السراط المستقيم} بالسين، والقراءة بالسين أخرجها ابن الأنباري عن ابن كثير، أحد القراء السبعة والرواية عنه مختلفة، فقد روى عنه أيضا الصاد والمضارعة بينها وبين الزاي، وأخرج ابن الأنباري أيضا عن حمزة أنه كان يقرأ (الزراط) بالزاي الخالصة، قال الفرّاء: وهي لغة لعذرة وكلب وبني القين، وهذه القراءة رواها الأصمعي عن أبي عمرو، وذكر ابن عطية وأبو حيان في تفسيرهما عن بعض اللغويين، أنه قال ما حكاه الأصمعي من هذه القراءة خطأ منه، إنما سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة فتوهمها زايا، ولم يكن الأصمعي نحويا فيؤمن على هذا. ثم ذكر أن هذا الكلام حكاه أبو علي عن أبي بكر بن مجاهد، وقد مر أن هذه القراءة أسندها ابن الأنباري إلى حمزة، وهو أحد القراء السبعة، وأنها لغة عذرة وكلب وبني القين، فتخطئة بعض اللغويين للأصمعي في نقلها عن ابي عمرو تسرّع منه، وأبو حيان الذي نقل هذه التخطئة كما نقلها ابن عطية نقل من بعد عن ابي جعفر الطوسي، وهو أحد أئمة التفسير من الشيعة الإِمامية، أنه قال: "الصراط بالصاد لغة قريش، وهي اللغة الجيدة وعامة العرب يجعلونها سينا، والزاي لغة عذرة وكعب وبني القين" والجمهور قرأوا بالصاد. وللمفسرين أقوال في معنى الصراط ترجع إلى ما قاله ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب. قيل: هو القرآن، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن علي كرم الله وجهه مرفوعا، ورواه ابن جرير موقوفا عليه، ويشهد له ما رواه أحمد والترمذي عن علي مرفوعا في فضائل القرآن، "وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم" وقد تقدم الحديث بتمامه في مقدمة التفسير، وهذا القول أخرجه ابن المنذر ووكيع وعبد بن وحميد وأبو بكر الأنباري والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن مسعود. وقيل هو الإِسلام أخرجه وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله ونص ما رووا عنه أنه قال: (هو دين الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض)، وأخرج نحوه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك عن ابن مسعود وناس من الصحابة وروى ابن جرير عن محمد بن الحنفية أنه قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الإِسلام، رواه عنه ابن جرير ايضا، ويشهد لهذا التفسير قول الله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 161] كما يشهد له ما اخرجه أحمد والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شُعَب الإِيمان عن النوّاس ابن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تَفَرّقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم"تفسير : قال ابن كثير: - بعدما أورد بعض أسانيد الحديث - وهو إسناد حسن صحيح. وقيل: هو السُّنَّة ذكره بعض المفسرين عن بعض الصحابة. وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمرو، أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن عساكر عن عاصم الأحول عن أبي العالية، وجاء فيه عن عاصم الأحول أنه ذكر للحسن البصري تفسير أبي العالية فقال: صدق ابو العاليه ونصح، وأخرج الحاكم وصححه عن أبي العالية عن ابن عباس مثله. قال قطب الأئمة رحمه الله في الهيميان: "ويُقدر مضاف أي اهدنا اتِّباعهم، وفيه تكلف بعيد، وتجوز تسمية أشخاصهم طريقا ووجهه أنهم واسطة إلى الجنة لمن اقتدى بهم ممن أنعم الله عليه، وعلى هذا الأخير يكون الخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم وغير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قيل: وهو قوي في المعنى". وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر القرطبي في تفسيره عن الفضيل بن عياض أنه قال: هو طريق الحج، قال القرطبي: وهذا خاص والعموم أولى. وهذه الأقوال كلها ما عدا الأخير متحدة في المعنى وإن اختلفت في اللفظ، فإن الإِسلام يتمثل في تعاليم القرآن وهديه، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وهدى أصحابه رضي الله عنهم، فلا يختلف تفسير من فسره بالقرآن عن تفسير من فسّره بالإِسلام أو السنة أو الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وإنما اختلفت العبارات لإِختلاف الإِعتبارات، وقد أوردنا سابقا كلام ابن تيميه، الذي أوضح فيه أن مثل هذا لا يُعد خلافا، وانتقد الفخر الرازي تفسير الصراط المستقيم بالإِسلام أو القرآن نظرا إلى أن قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدل من {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} والبدلية تقتضي صحة حلول البدل محل المبدل منه، فكأنه قيل: إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، والأمم السابقة لم يكن لها القرآن والإِسلام، ورد عليه أبو حيان في البحرالمحيط بأن هذا لا يتأتي له إلا إذا صح أن الذين أنعم الله عليهم هم متقدمون، قال: "وستأتي الأقاويل في تفسير الذين أنعم الله عليهم": ورد الألوسي على الفخر بما حاصله أن الفخر نفسه اختار فيما اختار من الوجوه التي ارتضاها أن الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإِفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال، وأكد ذلك بقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143] قال الألوسي: "فياليت شعري ماذا يقول لو قيل له لو لم يكن هذا للمتقدمين من الأمم، وتلونا عليه الآية التي ذكرها، وسبحان من لا يُرد عليه". هذا وقد تقدم ما يدل على صحة تفسير الصراط المستقيم بالإِسلام من القرآن والحديث، ومما يؤكد ذلك قول الله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153] ولا معنى لما يقوله الفخر، من أن الأمم لم يكن لها إسلام، فإن الإِسلام لم تختص به هذه الأمة فحسب، بل هو مشترك بينها وبين جميع الأمم، التي اتبعت هدى أنبيائها فإن المرسلين ما بعثوا لتفريق الدين بل بعثوا لجمعه وتوحيده، وينص على ذلك قول الله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13] وإذا كانت شرائع النبيين قد اختلفت باختلاف الظروف التي واجهوها، وأحوال الأمم التي بعثوا فيها، فإن أصول دينهم لم تختلف، إذ لم يأت رسول إلا ويدعو إلى توحيد الله وعدم إشراك غيره في العبادة، وهذا هو الإِسلام عينه. ومما يدل على ما قلناه قول الحق سبحانه {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [آل عمران: 67] وقد حكى الله عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أنهما كانا يقولان - وهما يرفعان قواعد البيت العتيق -: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 128] وقال عز وجل: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 130- 132] ونجد في القرآن الكريم نصا صريحا على أن النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة كانوا من المسلمين، فقد قال عز وجل: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} تفسير : [المائدة: 44] فلا معنى لقول من يقول: إن الإِسلام من اختصاص هذه الأمة، نعم أنزل الإسلام على هذه الأمة على أكمل وجهه، وأوسع أبوابه، وأوضح طرقه، ليكفي الإِنسانية مشاكلها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا إشكال في تفسير الصراط بالقرآن، لتضمن القرآن الكريم ما جاء به النبيون من الهدى. ويرى الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده أن الصراط، جملة ما يوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم، ويرى أن سبب تسمية ذلك صراطا، كون العقيدة الصحيحة وما تستلزمه من أعمال صالحة بمثابة الطريق التي تفضي بسالكها إلى الغاية، وهذا الذي يقوله لا ينافي تفسير الصراط بالإِسلام، لدخول ما ذكره في ضمن مدلوله، فإن الإِسلام ينظم أعمال الدنيا والآخرة، بدليل قول الله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 162- 163] والمستقيم في عرف أهل الهندسة أقصر خط يصل بين نقطتين، لسلامته من الإِعوجاج الذي يؤدي إلى الطول، وهو لازم للمعنى اللغوي، ويقابله كل ما فيه انحراف، لأن كل من يمل عن الخط المؤدي للغاية المطلوبة بسهولة، يكن أضل عن القصد، وأبعد عن الغاية ممن يمشي في خط ذي تمعج وتعاريج، لأن الأخير يمكنه الوصول إلى الغاية ولو بعد زمن طويل، أما الأول فكلما أوغل في السير ازداد بعدا عنها، والإِسلام بتعاليمه السمحه ومنهاجه السليم، يوصل سالكه إلى سلامة الدنيا وسعادة الآخرة، والذي يميل عنه يزيغ عن السلامة بقدر ميلولته، وفسر {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} بقوله:- {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
ابن عاشور
تفسير : تهيأ لأصحاب هذه المناجاة أن يسعوا إلى طلب حظوظهم الشريفة من الهداية بعد أن حمدوا الله ووصفوه بصفات الجلالة ثم أتبعوا ذلك بقولهم: {إياك نعبد وإياك نستعين} الذي هو واسطة جامع بين تمجيد الله تعالى وبين إظهار العبودية وهي حظ العبد بأنه عابد ومستعين وأنه قاصر ذلك على الله تعالى، فكان ذلك واسطة بين الثناء وبين الطلب، حتى إذا ظنوا بربهم الإقبال عليهم ورجَوا من فضله، أفضوا إلى سُؤَل حظهم فقالوا: {اهدنا الصراط المستقيم} فهو حظ الطالبين خاصة لما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم، فهذا هو التوجيه المناسب لكون الفاتحة بمنزلة الديباجة للكتاب الذي أُنزل هدى للناس ورحمة فتتنزل هاته الجملة مما قبلها منزلة المقصد من الديباجة، أو الموضوع من الخطبة، أو التخلص من القصيدة، ولاختلاف الجمل المتقدمة معها بالخبرية والإنشائية فصلت هذه عنهن، وهذا أَوْلى في التوجيه من جعلها جواباً لسؤال مقدر على ما ذهب إليه صاحب «الكشاف». والهداية الدلالة بتلطف ولذلك خصت بالدلالة لما فيه خير المدلول لأن التلطف يناسب من أريد به الخير، وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه لأن معناه معنى الإرشاد، ويتعدى إلى المفعول الثاني وهو المهدى إليه بإلى وباللام والاستعمالان واردانِ، تقول هديته إلى كذا على معنى أوصلته إلى معرفته، وهديته لكذا على معنى أرشدته لأجل كذا: {أية : فاهدوهم إلى صراط الجحيم}تفسير : [الصافات: 23]، {أية : الحمد لله الذي هدانا لهذا}تفسير : [الأعراف: 43] وقد يعدى إلى المفعول الثاني بنفسه كما هنا على تضمينه معنى عرف قيل هي لغة أهل الحجاز وأما غيرهم فلا يعديه بنفسه وقد جعلوا تعديته بنفسه من التوسع المعبر عنه بالحذف والإيصال. وقيل الفرق بين المتعدي وغيره أن المتعدي يستعمل في الهداية لمن كان في الطريق ونحوه ليزداد هدى ومصدره حينئذٍ الهداية، وأما هداه إلى كذا أو لكذا فيستعمل لمن لم يكن سائراً في الطريق ومصدره هُدى، وكأن صاحب هذا القول نظر إلى أن المتعدي بالحرف إنما عدي لتقويته والتقوية إما أن يقصد بها تقوية العامل لضعفه في العمل بالفرعية أو التأخير، وإما أن يقصد بها تقوية معناه، والحق أن هذا إن تم فهو أغلبي على أنه تخصيص من الاستعمال فلا يقتضي كون الفعل مختلف المعنى لأن الفعل لا تختلف معانيه باعتبار كيفية تعديته إلا إذا ضمن معنى فعل آخر، على أن كلاً من الهُدَى والهداية اسم مصدر والمصدر هو الهَدْي. والذي أراه أن التعدية والقصور ليسا من الأشياء التي تصنع باليد أو يصطلح عليها أحد، بل هي جارية على معنى الحدث المدلول للفعل فإن كان الحدث يتقوم معناه بمجرد تصور من قام به فهو الفعل القاصر وإن كان لا يتقوم إلا بتصور من قام به ومن وقع عليه فهو المتعدي إلى واحد أو أكثر، فإن أشكلت أفعال فإنما إشكالها لعدم اتضاح تشخص الحدث المراد منها لأن معناها يحوم حول معان متعددة. وهدَى متعد لواحد لا محالة، وإنما الكلام في تعديته لثان فالحق أنه إن اعتبر فيه معنى الإراءة والإبانة تعدى بنفسه وإن اعتبر فيه مطلق الإرشاد والإشارة فهو متعد بالحرف فحالة تعديته هي المؤذنة بالحدث المتضمن له. وقد قيل إن حقيقة الهداية الدلالة على الطريق للوصول إلى المكان المقصود فالهادي هو العارف بالطرق وفي حديث الهجرة: «إن أبا بكر استأجر رجلاً من بني الديل هادياً خِريتاً» وإن ما نشأ من معاني الهداية هو مجازات شاع استعمالها. والهداية في اصطلاح الشرع حين تسند إلى الله تعالى هي الدلالة على ما يرضي الله من فعل الخير ويقابلها الضلالة وهي التغرير. واختلف علماء الكلام في اعتبار قيد الإيصال إلى الخير في حقيقة الهداية فالجمهور على عدم اعتباره وأنها الدلالة على طريق الوصول سواء حصل الوصول أم لم يحصل وهو قول الأشاعرة وهو الحق. وذهب جماعة منهم الزمخشري إلى أن الهداية هي الدلالة مع الإيصال وإلا لما امتازت عن الضلالة أي حيث كان الله قادراً على أن يوصل من يهديه إلى ما هداه إليه، ومرجع الخلاف إلى اختلافهم في أصل آخر وهو أصل معنى رضى الله ومشيئته وإرادته وأمره، فأصحاب الأشعري اعتبروا الهداية التي هي من متعلق الأمر، والمعتزلة نظروا إلى الهداية التي هي من متعلق التكوين والخلْق، ولا خلاف في أن الهداية مع الوصول هي المطلوبة شرعاً من الهادي والمهدي مع أنه قد يحصل الخطأ للهادي وسوء القبول من المهدي وهذا معنى ما اختار عبد الحكيم أنها موضوعة في الشرع لقدر المشترك لورودها في القرآن في كل منهما قال: {أية : إنك لا تهدي من أحببت}تفسير : [القصص: 56] وقال: {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}تفسير : [فصلت: 17] والأصل عدم الاشتراك وعدم المجاز. والهداية أنواع تندرج كثرتها تحت أربعة أجناس مترتبة: الأول إعطاء القوى المحركة والمدركة التي بها يكون الاهتداء إلى انتظام وجود ذات الإنسان، ويندرج تحتها أنواع تبتدىء من إلهام الصبي التقام الثدي والبكاء عند الألم إلى غاية الوجدانِيَّات التي بها يدفع عن نفسه كإدراك هول المهلكات وبشاعة المنافرات، ويجلب مصالحه الوجودية كطلب الطعام والماء وذودِ الحشرات عنه وحك الجلد واختلاج العين عند مرور ما يؤذي تجاهها، ونهايتها أحوال الفكر وهو حركة النفس في المعقولات أعني ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول في البديهيات وهي القوة الناطقة التي انفرد بها الإنسان المنتزعة من العلوم المحسوسة. الثاني نصب الأدلة الفارقة بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وهي هداية العلوم النظرية. الثالث الهداية إلى ما قد تقْصُر عنه الأدلة أو يفضي إعمالها في مثله إلى مشقة وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب وموازين القسط وإليها الإشارة بقوله تعالى في شأن الرسل: {أية : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}تفسير : [الأنبياء: 73]. الرابع أقصى أجناس الهداية وهي كشف الحقائق العُليا وإظهار أسرار المعاني التي حارت فيها أَلباب العقلاء إما بواسطة الوحي والإلهام الصحيح أو التجليات، وقد سمى الله تعالى هذا هدى حين أضافه للأنبياء فقال: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90]. ولا شك أن المطلوب بقوله {اهدنا} الملقَّن للمؤمنين هو ما يناسب حال الداعي بهذا إن كان باعتبار داع خاص أو طائفة خاصة عندما يقولون: اهدنا، أو هو أنواع الهداية على الجملة باعتبار توزيعها على من تأهل لها بحسب أهليته إن كان دعاء على لسان المؤمنين كلهم المخاطبين بالقرآن، وعلى كلا التقديرين فبعض أنواع الهداية مطلوب حصوله لمن لم يبلغ إليه، وبعضها مطلوب دوامه لمن كان حاصلاً له خاصة أو لجميع الناس الحاصل لهم، وذلك كالهداية الحاصلة لنا قبل أنْ نسألها مثل غالب أنواع الجنس الأول. وصيغة الطلب موضوعة لطلب حصول الماهية المطلوبة من فعل أو كف فإذا استعملت في طلب الدوام كان استعمالها مجازاً نحو: {أية : يأيها الذين آمَنوا آمِنوا}تفسير : [النساء: 136] وذلك حيث لا يراد بها إلا طلب الدوام. وأما إذا استعملت في طلب الدوام للزيادة مما حصل بعضُه ولم يحصل بعضه فهي مستعملة في معناها وهو طلب الحصول لأن الزيادة في مراتب الهداية مثلاً تحصيل لمواد أخرى منها. ولما كان طلب الزيادة يستلزم طلب دوام ما حصل إذ لا تكاد تنفع الزيادة إذا انتقض الأصل كان استعمالها حينئذٍ في لازم المعنى مع المعنى فهو كناية. أما إذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} من بلَغَ جميع مراتب الهداية ورقَى إلى قمة غاياتها وهو النبي صلى الله عليه وسلم فإن دعاءه حينئذٍ يكون من استعمال اللفظ في مجاز معناه ويكون دعاؤه ذلك اقتباساً من الآية وليس عين المراد من الآية لأن المراد منها طلب الحصول بالمزيد مع طلب الدوام بطريقة الالتزام ولا محالة أن المقصود في الآية هو طلب الهداية الكاملة. والصراط الطريق وهو بالصاد وبالسين وقد قرىء بهما في المشهورة وكذلك نطقت به بالسين جمهور العرب إلا أهل الحجاز نطقوه بالصاد مبدلة عن السين لقصد التخفيف في الانتقال من السين إلى الراء ثم إلى الطاء قال في «لطائف الإشارات» عن الجعبري إنهم يفعلون ذلك في كل سين بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء وإنما قلبوها هنا صاداً لتُطابقَ الطاء في الإطباق والاستعلاء والتفخم مع الراء استثقالاً للانتقال من سفل إلى علو ا هـ. أي بخلاف العكس نحو طَسْت لأن الأول عمل والثاني ترك. وقَيسٌ قلبوا السين بين الصاد والزاي وهو إشمام وقرأ به حمزة في رواية خلف عنه. ومن العرب من قلب السين زاياً خالصة قال القرطبي: وهي لغة عُذرة وكلب وبني القَيْن وهي مرجوحة ولم يُقرأ بها، وقد قرأ باللغة الفصحى (بالصاد) جمهور القراء وقرأ بالسين ابن كثير في رواية قنبل، والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى. فإن قيل كيف كتبت في المصحف بالصاد وقرأها بعض القراء بالسين؟ قلت إن الصحابة كتبوها بالصاد تنبيهاً على الأفصح فيها، لأنهم يكتبون بلغة قريش واعتمدوا على علم العرب فالذين قرأوا بالسين تأولوا أن الصحابة لم يتركوا لغة السين للعلم بها فعادلوا الأفصح بالأصل ولو كتبوها بالسين مع أنها الأصل لتوهم الناس عدم جواز العدول عنه لأنه الأصل والمرسوم كما كتبوا المصيطر بالصاد مع العلم بأن أصله السين فهذا مما يَرجِع الخلاف فيه إلى الاختلاف في أداء اللفظ لا في مادة اللفظ لشهرة اختلاف لهجات القبائل في لفظ مع اتحاده عندهم. والصراط اسم عربي ولم يقل أحد من أهل اللغة أنه معرب ولكن ذَكر في «الإتقان» عن النقاش وابن الجوزي أنه الطريق بلغة الروم وذكر أن أبا حاتم ذكر ذلك في كتاب «الزينة» له وبنى على ذلك السيوطي فزاده في «منظومته في المعرب». والصراط في هذه الآية مستعار لمعنى الحق الذي يبلغ به مدركه إلى الفوز برضاء الله لأن ذلك الفوز هو الذي جاء الإسلام بطلبه. والمستقيم اسم فاعل استقام مطاوع قومته فاستقام، والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعاريج، وأحسن الطرق الذي يكون مستقيماً وهو الجادة لأنه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره فلا يضل فيه سالكه ولا يتردد ولا يتحير. والمستقيم هنا مستعار للحق البين الذي لا تخلطه شبهة باطل فهو كالطريق الذي لا تتخلله بُنَيَّات، عن ابن عباس أن الصراط المستقيم دين الحق، ونقل عنه أنه ملة الإسلام، فكلامه يفسر بعضُه بعضاً ولا يريد أنهم لقنوا الدعاء بطلب الهداية إلى دين مضى وإن كانت الأديان الإلٰهية كلها صُرُطاً مستقيمة بحسب أحوال أممها يدل لذلك قوله تعالى في حكاية غَواية الشيطان: {أية : قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم}تفسير : [الأعراف: 16]. فالتعريف في (الصراط المستقيم) تعريف العهد الذهني، لأنهم سألوا الهداية لهذا الجنس في ضمن فرد وهو الفرد المنحصر فيه الاستقامة لأن الاستقامة لا تتعدد كما قال تعالى: {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}تفسير : [يونس: 32] ولأن الضلال أنواع كثيرة كما قال: {أية : ولو أعجبك كثرة الخبيث}تفسير : [المائدة: 100] وقد يوجه هذا التفسير بحصول الهداية إلى الإسلام فعلمهم الله هذا الدعاء لإظهار منته وقد هداهم الله بما سبق من القرآن قبل نزول الفاتحة ويهديهم بما لحق من القرآن والإرشاد النبوي. وإطلاق الصراط المستقيم على دين الإسلام ورد في قوله تعالى: {أية : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً}تفسير : [الأنعام: 161]. والأظهر عندي أن المراد بالصراط المستقيم المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل بأن يوفقهم إلى الحق والتمييز بينه وبين الضلال على مقادير استعداد النفوس وسعة مجال العقول النيرة والأفعال الصالحة بحيث لا يعتريهم زيغ وشبهات في دينهم وهذا أولى ليكون الدعاء طلب تحصيل ما ليس بحاصل وقت الطلب وإنَّ المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع شؤونه كلها حتى في الدوام على ما هو متلبس به من الخير للوقاية من التقصير فيه أو الزيغ عنه. والهداية إلى الإسلام لا تُقْصَر على ابتداء اتباعه وتقلده بل هي مستمرة باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص أو الاستنباط. وبه يظهر موقع قوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} مصادفاً المحز.
الشنقيطي
تفسير : وقوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. لم يبين هنا من هؤلاء الذين أنعم عليهم. وبين ذلك في موضع آخر بقوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. تنبيهان الأول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم. - أعني الفاتحة - بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم. وذلك في قوله: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين. وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم.. الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق. الثاني: قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم الله عليهم. وقد صرح تعالى بأن مريم ابنة عمران صديقة في قوله: {أية : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} تفسير : [المائدة: 75] الآية - وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة: 7] أو لا؟ الجواب: أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي: هل ما في القرآن العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل؟ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك. وعليه: فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين: الأول: إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع. والثاني: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم نفسها: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} تفسير : [التحريم: 12]، وقوله في امرأة العزيز: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} تفسير : [يوسف: 29]، وقوله في بلقيس: {أية : وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} تفسير : [النمل: 43]، وقوله فيما كالجمع المذكر السالم: {أية : قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 38] الآية - فإنه تدخل فيه حواء إجماعاً. وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل. واستدلوا على ذلك بآيات كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : إلى قوله: {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 35] وقوله تعالى: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} تفسير : [النور: 30]، ثم قال: {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} تفسير : [النور: 31] الآية - فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن. وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع. وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق. وعن الآيات بأن دخول الإناث فيها. إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه. وعلى هذا القول: فمريم غير داخلة في الآية. وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : وما شمول من للأنثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا تفسير : وقوله: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. قال جماهير من علماء التفسير {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود و {ٱلضَّآلِّينَ} النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعاً مغضوباً عليهم جميعاً، فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمداً، فكان الغضب أخص صفاتهم. والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم. وعلى هذا فقد يبين أن {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود. قوله تعالى فيهم: {أية : فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} تفسير : [البقرة: 90] الآية - وقوله فيهم أيضاً: {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 60] الآية - وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} تفسير : [الأعراف: 152] الآية - وقد يبين أن الضالين النصارى، قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 77].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إهدنا: أرشدنا وأدم هدايتنا. الصراط: الطريق الموصل إلى رضاك وجنّتك وهو الإسلام لك. المستقيم: الذي لا ميل فيه عن الحق ولا زيغ عن الهدى. معنى الآية: بتعليم من الله تعالى يقول العبد في جملة إخوانه المؤمنين سائلا ربّه بعد أن توسل إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده، ومعاهدته أن لا يَعْبدَ هو وإخوانه المؤمنون إلا هو، وأن لا يستعينوا إلا به. يسألونه أن يُديم هدايتهم للإسلام حتى لا ينقطعوا عنه. من هداية الآية: الترغيب في دعاء الله والتضرع إليه وفي الحديث الدعاء هو العبادة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصِّرَاطَ } (6) - وَنَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنَا إلى طَرِيقِ الحَقِّ، والخَيْرِ والسَّعَادَةِ، وهُوَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي يُوصِلُنَا إلَيْكَ.
الثعلبي
تفسير : {ٱهْدِنَا}، قال علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) وأبيّ بن كعب: أرشدتنا فهذا كما يقال للرجل الذي يأكل: كل، والذي يقرأ: إقرأ، وللقائم: قم لي حتّى أعود لك أي دُم على ما أنت عليه. وقال السدّي ومقاتل: أرشدنا، يقال: هديته للدّين وهديته الى الدين هدىً وهدايةً، قال الحسن بن الفضل: الهدى في القرآن على وجهين: الوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]، وقوله:{أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7] و {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} تفسير : [فصّلت: 17]. الوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النحل: 93]، وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. و{ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} الطريق الواضح المستوي، قال عامر بن الطفيل: شعر : خشونا أرضهم بالخيل حتّى تركناهم أذل من الصراط تفسير : وقال جرير: شعر : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوجّ الموارد مستقيم تفسير : الإختلاف في قراءة الصراط وفى الصراط خمس قراءات: بالسين وهو الأصل، سمّي الطريق سِراطاً لأنّه يسترط المارّة. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن حمدويه، حدّثنا محمود بن آدم، حدّثنا سفيان عن عمر عن ثابت قال: سمعت ابن عباس قرأ السِراط بالسين، وبه قرأ ابن كثير [من] طريق.... ويعقوب [من] طريق..... وبإشمام السين وهي رواية أبي حمدون عن الكسائي، وبالزاي وهي رواية أبي حمدون عن سليم عن حمزة. وبإشمام الزاي وهي قراءة حمزة في أكثر الروايات والكسائي في رواية نهشل والشيرازي. وبالصاد قراءة الباقين من القرّاء. وكلّها لغات فصيحة صحيحة إلاّ إن الاختيار الصاد؛ لموافقة المصحف لأنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد. ولأن آخرتها بالطاء لأنهما موافقتان في الاطباق والاستعلاء. واختلف المفسّرون في {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد، وأبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري قالا: أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدّثنا الحسين بن علي عن حمزة الزيّات عن أبي المختار الطائي عن [ابن] أبي أخ الحرث الأعسر عن الحرث عن علي قال: حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم [يقول]: "الصراط المستقيم كتاب الله عزّ وجلّ ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد بن محمد، حدّثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدّثنا زكريا بن عديّ عن مقتضي عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم كتاب الله عزّ وجلّ. وأخبرنا عبد الله، أخبرنا عبد الرَّحْمن بن محمد، حدّثنا ليث، حدّثنا عقبة بن سليمان، حدّثنا الحسين بن صالح عن أبي عقيل عن جابر قال: الصراط المستقيم الإسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض [وإنما كان] الصراط المستقيم الإسلام لأن كل دين وطريق [غير] الإسلام فليس بمستقيم. وروى عاصم الأحول عن أبي العالية الرياحي: هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه. قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح. وقال بكر بن عبد الله المزني: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي . تفسير : وقال سعيد بن جبير: يعني طريق [الحق]. وقال السدّي: أرشدنا إلى دين يدخل صاحبه به الجنة ولا يعذب في النار أبداً، ويكون خروجه من قبره إلى الجنة. وقال محمد بن الحنفية: هو دين [الله] الذي لا يقبل من عباده غيره. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله العايني، حدّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي ببغداد، حدّثنا أبو القاسم [....] ابن نهار، حدّثنا أبو حفص المستملي، حدّثنا أبي، حدّثنا حامد بن سهل، حدّثنا عبد الله بن محمد العجلي، حدّثنا إبراهيم بن جابر عن مسلم بن حيان عن أبي بريدة في قول الله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} قال: صراط محمد صلى الله عليه وسلم وآله (عليهم السلام). وقال عبد العزيز بن يحيى: يعني طريق السواد الأعظم. [وقال] أبو بكر الورّاق: يعني صراطاً لا تزيغ به الأهواء يميناً وشمالا. وقال محمد بن علي النهدي: يعني طريق الخوف والرجاء. وقال أبو عثمان الداراني: [يعني] طريق العبودية. وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله بهرات يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن واصل العنبري يقول: سمعت [سهل] بن عبد الله التستري يقول: طريق السنّة والجماعة لأن البدعة لا تكون مستقيمة. وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن عاصم عن زر عن أبي وائل عن عبد الله قال: حديث : خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطّين، خطّاً عن يمينه وخطّاً عن شماله ثم قال: "هذه السُبُل، وعلى كلّ سبيل منهما شيطان يدعو إليه، وهذا سبيل الله"، ثم قرأ {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدّثنا معمّر بن سفيان الصغير، حدّثنا يعقوب بن سفيان الكبير، حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدّثنا معاوية بن صالح أن عبد الرَّحْمن بن جبير بن نصر حدّثه عن أبيه جبير عن نواس بن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : "ضرب الله مثلا (صراطاً مستقيماً) وعلى جانبي الصراط ستور مرخاة فيها أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه بالصراط: الإسلام. والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله عزّ وجلّ، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن آمنت بالله سبحانه وتعالى إلهاً ورباً .. واستحضرت عطاء الألوهية ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه. وأعلنت أنه لا إله إلا الله. وقولك: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تفسير : [الفاتحة: 5] أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه .. وأعلنت أنك ستستعين بالله وحده بقولك: {أية : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. فإنك قد أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن .. وما دمت من عباد الله، فإن الله جل جلاله سيستجيب لك .. مصداقا لقوله سبحانه: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} تفسير : [البقرة: 186]. والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا .. لماذا؟ .. لأن الحياة الحقيقية للإنسان في الآخرة. فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ولا تفارقه. فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيراً ولا أن يمتلك عمارة مثلا .. لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل .. ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله إلى الجنة. ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب .. وهذا يستوجب الحمد لله .. وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة. هداية الدلالة هي للناس جميعا .. وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم .. فمَنْ أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه .. ومَنْ أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد. هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى في منهجه بافعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه .. وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي. والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه .. ولكن هل كل مَنْ بين له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟ .. نقول لا .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [فصلت: 17]. إذن هناك مَنْ لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له .. فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين .. ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة .. ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟ الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله سبحانه وتعالى عليه ويحببهم في الإيمان والتقوى ويحببهم في طاعته .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. أي أن كل من يتخذ طريق الهداية يعينه الله عليه .. ويزيده تقوى وحبا في الدين .. أما الذين إذا جاءهم الهدى ابتعدوا عن منهج الله وخالفوه .. فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم ويتركهم في ضلالهم. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف: 36]. والله سبحانه وتعالى قد بَيَّنَ لنا المحرومين من هداية المعونة على الإيمان وهم ثلاثة كما بَيَّنْهُم لنا في القرآن الكريم: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [النحل: 107]. {أية : ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 108] {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 258]. إذن فالمطرودون من هداية الله في المعونة على الإيمان هم الكافرون والفاسقون والظالمون .. الحق سبحانه وتعالى يقول: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ما هو الصراط؟ .. إنه الطريق الموصلة إلى الغاية. ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم. لأن الله سبحانه وتعالى وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم .. وهو أقصر الطرق إلى تحقيق الغاية .. فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم. ولذلك إذا كنت تقصد مكانا فأقصر طريق تسلكه هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولكنه مستقيم تماما. ولا تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير. بل باعوجاج صغير جدا ولكنه ينتهي إلى بُعد كبير. ويكفي أن تراقب قضبان السكة الحديد .. عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه فهو لا ينحرف في أول الأمر إلا بضعة ملليمترات .. أي أن أول التحويلة ضيق جدا وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا. بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات .. إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا .. ولذلك فإن الدعاء: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] أي الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات .. الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق الله المستقيم. لذلك فإن الإنسان المؤمن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى أقصر الطرق للوصول إلى الغاية .. وما هي الغاية؟ انها الجنة والنعيم في الآخرة .. ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا إلى الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها. ولقد قال الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي: إنه إذا قال العبد: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] يقول جل جلاله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. يقول الحق تبارك وتعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ما معنى {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]؟ .. اقرأ الآية الكريمة: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. وأنت حين تقرأ الآية الكريمة فأنت تطلب من الله تبارك وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. أي أنك تطلب من الله جل جلاله .. أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلاء لتكون معهم في الآخرة .. فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة .. لأن كل مَنْ ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم .. وهكذا، فإن الطلب من الله سبحانه وتعالى هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه، والذي يوصلك في أسرع وقت إلى الدرجة العالية في الآخرة. وعندما نعرف أن الله سبحانه وتعالى قال: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) .. تعرف أن الاستجابة تعطيك الحياة العالية في الآخرة وتمتعك بنعيم الله. ليس بقدرات البشر كما يحدث في الدنيا .. ولكن بقدرة الله تبارك وتعالى .. وإذا كانت نعم الدنيا لا تعد ولا تحصى .. فكيف بنعم الآخرة؟ لقد قال الله سبحانه وتعالى عنها: {أية : لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} تفسير : [ق: 35]. أي أنه ليس كل ما تطلبه فقط ستجده أمامك بمجرد وروده على خاطرك - ولكن مهما طلبت من النعم ومهما تمنيت فالله جل جلاله عنده مزيد .. ولذلك فإنه يعطيك كل ما تشاء ويزيد عليه بما لم تطلب ولا تعرف من النعم .. وهذا تشبيه فقط ليقرب الله تبارك وتعالى صورة النعيم إلى أذهاننا، ولكن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وبما أن المعاني لابد أن توجد أولا في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها .. فكل شيء لا نعرفه لا توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه. فنحن لم نعرف اسم التليفزيون مثلا إلا بعد أن أخترع وصار له مفهوم محدد. تماما كما لم نعرف اسم الطائرة قبل أن يتم اختراعها .. فالشيء يوجد أولا ثم بعد ذلك يوضع اللفظ المعبر عنه. ولذلك فإن مجامع اللغات في العالم تجتمع بين فترة وأخرى لتضع أسماء لأشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها. وما دام ذلك هو القاعدة اللغوية، فإنه لا توجد ألفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي سيعيشه أهل الجنة، لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على القلب .. ولذلك فإن كل ما نقرؤه في القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط. ولكنه لا يعطينا حقيقة ما هو موجود. ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن الجنة في القرآن الكريم يقول: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 15]. أي أن هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط، يقرب ذلك إلى الأذهان .. لأنه لا توجد ألفاظ في لغات البشر يمكن أن تعطينا حقيقة ما في الجنة. وقوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] .. أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا. ومنعت عنهم هداية الإعانة .. الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله فاستحقوا غضبه. ومعنى غير {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] أي يا رب لا تيسر لنا الطريق الذي نستحق به غضبك. كما استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا أموال الناس بالباطل. وقد وردت كلمة {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 60]. وهذه الآيات نزلت في بني إسرائيل. وقول الله تعالى: "ولا الضالين" هناك الضال والْمُضِل .. الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ منهجا غير منهج الله .. ومشى في الضلالة بعيدا عن الهدى وعن دين الله .. ويقال ضل الطريق أي مشى فيه وهو لا يعرف السبيل إلى ما يريد أن يصل إليه .. أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا للشيطان وابتعد عن طريق الله المستقيم .. هذا هو الضال .. ولكن المضل هو مَنْ لم يكتف بأنه ابتعد عن منهج الله وسار في الحياة على غير هدى .. بل يحاول أن يأخذ غيره إلى الضلالة .. يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن طريق الله .. وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه .. إلا المضل فإنه يحمل ذنوبه وذنوب من أضلهم مصداقا لقوله سبحانه: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} تفسير : [النحل: 25]. أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة تستعيذ بالله أن تكون من الذين ضلوا .. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يأتِ هنا بالمضلين. نقول إنك لكي تكون مضلا لابد أن تكون ضالا أولا .. فالاستعاذة من الضلال هنا تشمل الاثنين. لأنك ما دمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبدا. بقي أن نتكلم عن ختم فاتحة الكتاب. بقولنا آمين أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمه جبريل عليه السلام أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين، فهي من كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست كلمة من القرآن. وكلمة آمين معناها استجب يارب فيما دعوناك به من قولنا: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6-7] أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه. وآمين دعاء لتحقيق المطلوب .. وكلمة آمين اختلف العلماء فيها .. أهي عربية أم غير عربية. وهنا يثور سؤال .. كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم الله بأنه عربي..؟ نقول أن ورود كلمة ليس من أصل عربي في القرآن الكريم. لا ينفي أن القرآن كله عربي. بمعنى أنه إذا خوطب به العرب فهموه .. وهناك ألفاظ دخلت في لغة العرب قبل أن ينزل القرآن .. ولكنها دارت على الألسن بحيث أصبحت عربية وألفتها الأذان العربية. فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية وحدها .. وإنما المراد أن القرآن نزل باللغة التي لها شيوع على ألسنة العرب. وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قولا وفي الآذان سمعا. فإن الأجيال التي تستقبله لا تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل عربي .. فاللفظ الجديد أصبح عربيا بالاستعمال وعند نزول القرآن كانت الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية. واللغة ألفاظ يصطلح على معانيها. بحيث إذا أطلق اللفظ فهم المعنى. واللغة التي نتكلمها لا تخرج عن اسم وفعل وحرف .. الاسم كلمة والفعل كلمة والحرف كلمة .. والكلمة لها معنى في ذاتها ولكن هل هذا المعنى مستقل في الفهم أو غير مستقل .. إذا قلت محمد مثلا فهمت الشخص الذي سمى بهذا الاسم فصار له معنى مستقل .. وإذا قلت كتب فهمت أنه قد جمع الحروف لتقرأ على هيئة كتابة .. ولكن إذا قلت ماذا وهي حرف فليس هناك معنى مستقل .. وإذا قلت "في" دَلَّتْ على الظرفية ولكنها لم تدلنا على معنى مستقل. بل لابد أن تقول الماء في الكوب .. أو فلان على الفرس .. غير المستقل في الفهم نسميه حرفا لا يظهر معناه إلا بضم شيء له .. والفعل يحتاج إلى زمن، ولكن الاسم لا يحتاج إلى زمن. إذن الاسم هو ما دل على معنى مستقل بالفهم وليس الزمن جزءا منه .. والفعل ما دل على فعل مستقل بالفهم والزمن جزء منه .. والحرف دل على معنى غير مستقل .. ما هي علامة الفعل؟! .. هي أنك تستطيع أن تسند إليه تاء الفاعل .. أي تقول كتبت والفاعل هو المتكلم .. ولكن الاسم لا يضاف إليه تاء الفاعل فلا تقول محمدت .. اذا رأيت شيئا يدل على الفعل أي يحتاج إلى زمن .. ولكنه لا يقبل تاء الفاعل فإنه يكون اسم على فعل. آمين من هذا النوع ليست فعلا فهي اسم مدلوله مدلول الفعل .. معناه استجب .. فأنت حين تسمع كلمة "آه" إنها اسم لفعل بمعنى أتوجع .. وساعة تقول "أف" اسم فعل بمعنى أتضجر .. وآمين اسم فعل بمعنى استجب .. ولكنك تقولها مرة وأنت القارئ، وتقولها مرة وأنت السامع. فساعة تقرأ الفاتحة تقول آمين .. أي أنا دعوت يارب فاستجب دعائي .. لأنك لشدة تعلقك بما دعوت من الهداية فإنك لا تكتفي بقول اهدنا ولكن تطلب من الله الاستجابة. وإذا كنت تصلي في جماعة فأنت تسمع الإمام وهو يقرأ الفاتحة .. ثم تقول آمين. لأن المأموم أحد الداعين .. الذي دعا هو الإمام، وعندما قلت آمين فأنت شريك في الدعاء .. ولذلك فعندما دعا موسى عليه السلام أن يطمس الله على أموال قوم فرعون ويهلكهم قال الله لموسى: {أية : قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 89]. أي أن الخطاب من الله سبحانه وتعالى موجه إلى موسى وهارون، ولكن موسى عليه السلام هو الذي دعا .. وهارون أمَّنَ على دعوة موسى فأصبح مشاركا في الدعاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):