Verse. 5 (AR)

١ - ٱلْفَاتِحَة

1 - Al-Fatiha (AR)

اِيَّاكَ نَعْبُدُ وَاِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ۝۵ۭ
Iyyaka naAAbudu waiyyaka nastaAAeenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إيَّاك نعبد وإياك نستعين» أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وأما قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فاعلم أن العبادة عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على سبيل التعظيم للآمر فما لم يثبت بالدليل أن لهذا العالم إلهاً واحداً. قادراً على مقدورات لا نهاية لها، عالماً بمعلومات لا نهاية لها، غنياً عن كل الحاجات، فإنه أمر عباده ببعض الأشياء، ونهاهم عن بعضها، وأنه يجب على الخلائق طاعته والانقياد لتكاليفه ـ فإنه لا يمكن القيام بلوازم قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ثم إن بعد الفراغ من المقام المذكور لا بدّ من تفصيل أقسام تلك التكاليف، وبيان أنواع تلك الأوامر والنواهي، وجميع ما صنف في الدين من «كتب الفقه» يدخل فيه تكاليف الله، ثم كما يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب هذه الشريعة فكذلك يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها الله تعالى على الأنبياء المتقدمين، وأيضاً يدخل فيه الشرائع التي كلف الله بها ملائكته في السموات منذ خلق الملائكة وأمرهم بالاشتغال بالعبادات والطاعات، وأيضاً «فكتب الفقه» مشتملة على شرح التكاليف المتوجهة في أعمال الجوارح، أما أقسام التكاليف الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر وأعظم وأجل، وهي التي تشتمل عليها «كتب الأخلاق»، و «كتب السياسات»، بحسب الملل المختلفة والأمم المتباينة، وإذا اعتبر الإنسان مجموع هذه المباحث وعلم أنها بأسرها داخلة تحت قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } علم حينئذٍ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية عليها كالبحر المحيط الذي لا تصل العقول والأفكار إلا إلى القليل منها.

البيضاوي

تفسير : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك، أي: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على الاختصاص، وللترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود، فكأن المعلوم صار عياناً والمعقول مشاهداً والغيبة حضوراً، بنى أول الكلام على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم قفى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة فيراه عياناً ويناجيه شفاهاً. اللهم اجعلنا من الواصلين للعين دون السامعين للأثر. ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطاً للسامع، فيعدل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] وقوله: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ }تفسير : [فاطر: 9] وقول امرىء القيس:شعر : تطاوَلَ ليلُكَ بالإِثمدِ ونامَ الخليُّ ولم تَرْقُدِ وباتَ وباتَتْ له ليلة كَلَيْلَةِ ذي العائرِ الأرْمَدِ وَذَلِكَ منْ نَبَأ جاءني وَخبرْتهُ عَن أَبي الأَسْودِ تفسير : وإيا ضمير منصوب من فصل، وما يلحقه من الياء والكاف والهاء حروف زيدت لبيان التكلم والخطاب والغيبة لا محل لها من الإعراب، كالتاء في أنتَ والكاف في أرأيتك. وقال الخليل: إيا مضاف إليها، واحتج بما حكاه عن بعض العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، وهو شاذ لا يعتمد عليه. وقيل: هي الضمائر، وإيا عمدة فإنها لما فصلت عن العوامل تعذر النطق بها مفردة فضم إليها إيا لتستقل به، وقيل: الضمير هو المجموع. وقرىء {إِيَّاكَ } بفتح الهمزة و «هياك» بقلبها هاء. والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق معبَّد أي مذلل، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة، ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى. والاستعانة: طلب المعونة وهي: إما ضرورية، أو غير ضرورية والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل. وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي، أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه، وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف والمراد طلب المعونة في المهمات كلها، أو في أداء العبادات، والضمير المستكن في الفعلين للقارىء ومن معه من الحفظة، وحاضري صلاة الجماعة. أو له ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة وقدم المفعول للتعظيم والاهتمام به والدلالة على الحصر ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما (معناه نعبدك ولا نعبد غيرك) وتقديم ما هو مقدم في الوجود والتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات، ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ووصلة سنية بينه وبين الحق، فإن العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه، حتى إنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسبة إليه، ولذلك فضل ما حكى الله عن حبيبه حين قال: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }تفسير : [التوبة: 40] على ما حكاه عن كليمه حين قال: {أية : إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ }تفسير : [الشعراء: 62] وكرر الضمير للتنصيص على أنه المستعان به لا غير، وقدمت العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي، ويعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وأقول: لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما يصدر عنه، فعقبه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ليدل على أن العبادة أيضاً مما لا يتم ولا يستتب له إلا بمعونة منه وتوفيق، وقيل: الواو للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك. وقرىء بكسر النون فيهما وهي لغة بني تميم فإنهم يكسرون حروف المضارعة سوى الياء إذا لم ينضم ما بعدها.

ابن كثير

تفسير : قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من إياك، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة؛ لأن إيا ضوء الشمس، وقرأ بعضهم: أياك، بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة؛ كما قال الشاعر: شعر : فَهَيَّاكَ والأَمْرَ الذي إن تَراحَبَتْ موارِدُهُ ضاقَتْ عليكَ مَصادِرُهْ تفسير : ونستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع، سوى يحيى بن وثاب والأعمش؛ فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم، والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد، أي: مذلل. وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. وقدم المفعول، وهو إياك، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى في غير آية من القرآن؛ كما قال تعالى: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 123]، {أية : قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}تفسير : [الملك: 29]، {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً}تفسير : [المزمل: 9] وكذلك هذه الآية الكريمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسب؛ لأنه لما أثنى على الله، فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك، ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك، وهو قادر عليه؛ كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد:{ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال:{ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيم} قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»تفسير : وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني: إياك نوحد ونخاف ونرجوك يا ربنا لا غيرك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على طاعتك، وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أموركم. وإنما قدم: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم. والله أعلم. فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟ وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة، أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير، ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم؛ كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة، فأنت شريف، وجاهك عريض، فقل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وإن كنت خارج العبادة، فلا تقل: نحن، ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف؛ لاحتياج الجميع إلى الله عز وجل، وفقرهم إليه. ومنهم من قال: إياك نعبد ألطف في التواضع من إياك عبدنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعله نفسه وحده أهلاً لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد؛ لانتسابه إلى جناب الله تعالى؛ كما قال بعضهم:شعر : لا تَدْعُنِي إِلاَّ بيا عَبْدَها فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمائِي تفسير : وقد سمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعبده في أشرف مقاماته فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ}تفسير : [الكهف: 1] {أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ }تفسير : [الجن: 19]، {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1] فسماه عبداً عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 97 - 99] وقد حكى الرازي في تفسيره عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق، قال: ولأن الله يتولى مصالح عبده، والرسول يتولى مصالح أمته، وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضاً ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض له الرازي بتضعيف ولا رد. وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب، أو درء عقاب، قالوا: وهذا ليس بطائل، إذ مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى، وهذا أيضاً عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال، قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصلاة. وقد رد ذلك عليهم آخرون، وقالوا: كون العبادة لله عز وجل لا ينافي أن يطلب معها ثواباً، ولا أن يدفع عذاباً؛ كما قال ذلك الأعرابي: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، إنما أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم«حديث : حولها ندندن».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيرهونطلب المعونة على العبادة وغيرها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِيَاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قوله: {إِيَّاكَ} هو كناية عن اسم الله تعالى، وفيه قولان: أحدهما: أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف، وهذا قول الخليل. والثاني: أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف، وهذا قول الأخفش. وقوله: {نَعْبُدُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى، لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر. والثاني: أن العبادة الطاعة. والثالث: أنها التقرب بالطاعة. والأول أظهرها، لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام، ولم تطعه بالعبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِيَّاكَ} الخليل: إيا: اسم مضاف إلى الكاف، الأخفش إياك: كلمة واحدة، لأن الضمير لا يضاف. {نَعْبُدُ} العبادة: أعلى مراتب الخضوع تقرباً، ولا يستحقها إلا الله ـ تعالى ـ، لإنعامه بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر، أو هي لزوم الطاعة، أو التقرب بالطاعة، أو المعنى "إياك نؤمل ونرجوا" مأثور والأول أظهر {نَسْتَعِينُ} على عبادتك أو هدايتك أمروا بذلك كما أمروا بالحمد له، أو أخبروا.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. إن قلت: لِمَ قدمت العبادة على الاستعانة مع أن الاستعانة سبب فيها؟ أجاب الزمخشري: بأن العبادة وسيلة والاستعانة مقصد فقدمت الوسيلة قبل (الحاجة). قال ابن عرفة: بل الصواب العكس (فالعبادة) هي المقصد. قال: وكان يمشي لنا الجواب عن ذلك بأن هذا أقرب لكمال الافتقار وخلوص النية فإنّ المكلف إذا (أَقَرّ أوّلا بأن لاَ قُدْرة) له على الفعل إلا بالله، ثم فعل العبادة فإنّه قد تحول نيته بعد ذلك (وتزهو نفسه) ويتوهّم أن الفعل الواقع منه بقدرته استقلالا، فإذا أقر بعد الفعل بأن الاستعانة له عليه إلا بالله كان (نفيا) للتهمة وأقرب لمقام التذلّل والخضوع. قلت: وقال بعض الناس العبادة مقصد باعتبار الحكم الشرعي والاستعانة مقصد باعتبار نية المكلف في طلبه لأنه (أخبر) أنه إنما يعبد الله لا غيره، ثم أخبر أنه لا يستعين على تلك العبادة إلا بالله. قلت: وأجاب القاضي العماد (عن) السؤال بثلاثة أوجه: -الأول: طلب المعونة من الله لا يكون إلا بعد معرفته ومعرفته هو التوحيد (وهي) العبادة. -الثاني: يحتمل أن ترجع (العبادة) لتوحيد الله والاستعانة طلب معونته على حوائج الدنيا والآخرة وأول السورة في توحيد الله تعالى وآخرها للعبد كما في حديثه:... "حديث : قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين ". تفسير : قدم العبادة ليكون ما هو لله بإزاء ما هو لله، وما هو للعبد بإزاء ما هو للعبد. -الثالث: طلب المعونة عبادة خاصة وإياك نعبد عامة، والعام مقدم على الخاص.

ابن عادل

تفسير : إِيَّاكَ: كلمة ضمير خُصَّت بالإضافةِ إلى المُضْمَر، ويُسْتَعْمل مقدماً على الفعل. وإيَّاكَ أَسْأَلُ؛ ولا يُسْتَعملُ مؤخراً إلاّ منفصلاً؛ فيُقالُ، ما عنيتُ إِلاَّ إِيَّاك. وهو مفعولٌ مُقَدَّمٌ على "نعبد" قُدِّم للاختصاصِ، وهوَ واجِبُ الانفصالِ. واخْتلَفُوا فيه: هَلْ هو مِنْ قَبِيل الأسماءِ الظاهرة أو المضمرة؟ فالجمهورُ: على أنه مُضْمَرٌ. وقال الزَّجَّاجُ رحمه الله تعالى: هو اسمٌ ظاهر. والقائِلُون بأَنَّهُ ضميرٌ اخْتَلَفُوا فيه على أربَعةِ أقوالٍ: أحدُهما: أنه كلمةُ ضَمِيرٍ. والثاني: عَلَى أَنَّ "إِيَّا" وَحْدَهُ ضَمِيرٌ، وما بَعْدَهُ اسمٌ مُضَافٌ إليه يبيّن ما يُرادُ به [من تكلّم وغيبة وخطابِ]. وثَالِثُها: أَنَّ "إِيَّا" وحده ضميرٌ، وما بعده حُرُوفٌ تبين ما يُرادُ به [من تكلم وغيبة وخطاب]. ورابعُها: أَنَّ "إيَّا" عمادٌ وما بعده هو الضميرُ، وشذّت إضافته إلى الظاهِرِ في قولِهِم: "إذا بلغ الرَّجُلَ السِّتِّينَ، فإياه وإِيَّا الشَّواب" بِإِضَافَةِ "إِيَّا" إلى "الشواب"، وهذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الكَافَ، والهاء، والياء في محلّ جر، إِذا قُلْتَ: "إِيَّاكَ إِيَّاه إِيَّايَ" وقد أَبْعَدَ بعضُ النَّحوِيِّينَ، فجعل له اشْتِقاقَاً، ثُمَّ قال: هَلْ هو مشتقٌّ من "أَوَّ"؛ كقول الشاعر في ذلك: [الطويل] شعر : 62- فَأَوِّ لِذِكْرَاهَا إِذَا ما ذَكَرْتُهَا .................. تفسير : أَوْ منْ "آيَة"؛ كقوله [الرجز] شعر : 63- لَمْ يُبْقِ هَذَا الدَّهْرُ مِنْ آيَائِهِ تفسير : وهل وَزْنُه: "إفْعَل، أو فَعِيل، أو فَعُول" ثم صَيرَّه التصريفُ إلى صِيغةِ "إِيَّا"؟ وهذا الذي ذكره لا يُجدِي فائدةً، مع أنَّ التصريفَ والاشتقاق لاَ يَدْخُلاَن في المتوغِّلِ في البناءِ وفيه لُغاتٌ: أَشْهرُها: كَسْرُ الهمزةِ، وتَشْدِيدُ اليَاءِ، ومنها، فَتْحُ الهمزةِ وإبدالُها هاء مع تشديدِ الياءِ وتَخْفِيفهَا؛ قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 64- فَهَيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذِي الَّذِي إِنْ تَرَاحَبَتْ مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلِيْكَ مَصَادِرُهْ تفسير : وقال بعضُهم: "إِيَّاكَ" بالتَخْفِيفِ مرغوبٌ عنه؛ لأنه يَصِيرُ: "شَمْسَك نعبد"؛ فإِنَّ إِيَاةَ الشمسِ: ضَوْؤُها - بكسر الهَمزةِ، وقد تُفْتَحُ. وقيل: هي لها بمنزلةِ الهَالةِ للقمر، فإذا حذفت التاءَ، مَدَدْتَ؛ قال: [الطويل] شعر : 65- سَقَتْهُ إِيَاءُ الشَّمْسِ إِلاَّ لِثَاتِهِ أُسِفَّ فَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بإثْمِدِ تفسير : وقد قٌرِىءَ ببعضِهَا شَاذًّا. وللضَّمائِرِ تَقسيمٌ مُتَّسع لا يحتمله هذا الكتاب، وإنما يأتي في غُضُونِه ما يليقُ به. و "نَعْبُدُ" فعلٌ مضارعٌ مرفوع؛ لتجردِه من الناصبِ والجازمِ، وقِيل: لوقوعِه موقعَ الاسمِ، وهذا رأْيُ البصريين. ومعنى المضارع المشابه، يعني: أنه أشبه الاسمَ في حركاتِهِ، وسكناتِه، وعدَدَ حُرُوفِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ "ضَارِباً" يُشْبه "يَضْرِب" فيما ذكرت، وأنه يشيع ويختصُّ في الأزمانِ كما يشيعُ الاسمُ، ويختص في الأَشْخاصِ، وفَاعِلُهُ مستترٌ وُجُوباً لما مَرّ في الاستعاذة. والعبادَةُ: غايةُ التذللِ، ولا يستحقُّها إلا مَنْ له غايةُ الإِفْضَالِ، وهو الباري - تعالى - وهو أبلغ من العُبُوديةِ؛ لأن العُبُودِيَِّة إظهار التذلُّلِ، ويُقالُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ، أَيْ: مُذَلَّلٌ بالوطْء فيه. وقال طَرَفَة في ذلك: [الطويل] شعر : 66- تُبَارِي عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وَأُتْبِعَتْ وَظِيفاً وظيفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ تفسير : ومنه: العَبْدُ؛ لِذلَّتِهِ، وبَعيرٌ معبَّدٌ: أَيْ مُذلَّلٌ بِالقَطِرَان. وقيل: العبادةُ التَّجَرُّدُ، ويُقالُ: عَبَدْتُ اللهَ - بالتخفيف فقط - وعَبَّدْتُ الرجلَ - بالتشديدِ فقط، أَيْ: ذللتُه، واتخذتُه عبداً. وفي قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُد" التفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطَابِ، إِذْ لو جرى الكلامُ على أصله، لَقِيل: الحمد لله، ثم قيل: إِيَّاهُ نَعبدُ، والالتفاتُ: نوعٌ مِن البلاغَةِ. قال ابنُ الخَطِيب - رحمه الله -: والفائدةُ في هذا الالتفاتِ وجوه: أحدُها: أن المصلِّي كان أَجْنَبِيًّا عند الشروعِ في الصَّلاةِ، فلا جَرَمَ أَثْنَى على الله - تعالى - بألفاظ الغيبة، إلى قوله: "يَوْمِ الدِّينِ"، ثم إنه تعالى كأنه قال له: حَمَدْتَنِي وأَقْرَرْتَ بكونِي إلهاً، ربًّا، رحماناً، رحيماً، مالكاً ليوم الدين، فَنعْمَ العبدُ أنت، فرفعنا الحجابَ، وأبدلنا البُعدَ بالقُرْبِ، فتكلّم بالمخاطبة وقل: إياك نعبد. الثاني: أنّ أحسنَ السؤالِ ما وقع على سبيلِ المُشَافَهَةِ، [والسبب فيه أن الردَّ مِنَ الكريمِ إذا سُئِل] على سبيل المشَافهة والمخاطبة بَعِيدٌ. ومن الالتفَاتِ - إلاّ كونه عَكْسَ هذا - قولُه تبارك وتعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22] ولم يَقُلْ: "بكم"؛ وقد التفتَ امرؤ القَيْسِ ثَلاثَ التفاتاتٍ في قوله: [المتقارب]. شعر : 67- تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بَالأَثْمُدِ وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ وَبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَدِ وَذَلِكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءنِي وَخُبِّرْتُهُ عَن أَبِي الأَسْوَدِ تفسير : وقد خَطَّأَ بعضُهم الزمخشريَّ - رحمه الله تعالى - في جَعْلِه هذا ثَلاثةَ التفاتَاتٍ، وقال: بل هما التفاتان: أحدُهما: خُروجٌ مِنَ الخطابِ المفتتح به في قولِهِ: "لَيْلُك"، إلى الغَيْبَةِ في قوله: "وبَاتَتْ له لَيْلَةٌ". والثاني: الخروجُ من هذه الغيبةِ إلى التكلُّم، في قولِه: "مِنْ نَبَأ جَاءَنِي وخُبِّرْتُهُ". والجوابُ: أَنَّ قولَه أَوّلاً: "تَطَاوَلَ لَيْلُك" فيه التفاتٌ؛ لأنه كان أصل الكلامِ أَنْ يقولَ: "تطاول لَيْلِي"؛ لأنه هو المقصودُ، فالتفتَ مِنْ مقامِ التكلُّمِ إلى مقامِ الخِطَابِ، ومن مقامِ الخِطَابِ إلى الغيبةِ، ثُمَّ مِنَ الغيبةِ إلى التكلُّمِ الذي هو الأصل. وقُرِىءَ شاذًّا: "إِيَّاكَ يُعْبَدُ" على بنائِهِ للمفعول الغائبِ؛ ووجهُهَا على إِشْكالِهَا: أن فيها استعارةً والتفاتاً: أما الاستعارةُ: [فإنه اسْتُعِير] فيها ضميرُ النصبِ لضمير الرفْعِ، والأصل: أنت تُعْبَد، وهو شائع؛ كقولِهم: "عَسَاكَ، وعَسَاهُ، وعَسَانِي" في أحدِ الأقوالِ؛ وقول الآخر: [الرجز] شعر : 68- يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا تفسير : فالكافُ في "عَصَيْكَا" نائبةٌ عن التاءِ، والأصل: "عَصَيْتَ". وأما الالتفاتُ: فكان من حَقِّ هذا القارىء أَنْ يَقْرأَ: "إِيَّاكَ تُعْبَدُ" بالخطابِ، ولكنه التفت من الخطاب في "إِيَّاكَ" إلى الغَيْبَةِ في "يُعْبَدُ" إلاّ أن هذا الالتفاتَ غَرِيبٌ؛ لكونِهِ في جُمْلةٍ واحدةٍ، بخلاف الالتفاتِ المتقدّمِ؛ ونظيرُ هذا الالتفات قولُه: [الطويل] شعر : 69- أَأَنْتَ الهِلاَلِيُّ الَّذِي كُنْتَ مَرَّةً سَمِعْنَا بِهِ وَالأَرْحَبِيُّ المُغَلَّبُ تفسير : فقال: "بِهِ" بعد قوله: "أَنْتَ" و "كُنْتَ". و "إيَّاكَ" واجبُ التقديم على عامله؛ لأَنَّ القاعدَةَ أَنَّ المفعولَ به إذا كان ضميراً - لو تأخر عم عامله - وجب اتصالُهَ وَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ. وتَحَرَّزُوا بقولِهِم: "لو تأَخَّرَ عنه وجب اتصالُه"، من نحو: "الدرهم إياه أعطيتك" لأنك لو أخرتَ الضميرَ هنا فقلتَ: "الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ" لم يَلْزم الاتصالُ، لما سيأتي بل يجوزُ: "أعطيتكَهُ". فصل في معنى العبادة قال ابنُ الخَطِيب رحمه الله تعالى: العبادةُ عبارةٌ عن الفعل الذي يؤتى به لغرضِ تَعْظِيم الغَيْرِ، من قولهم: طريقٌ مُعبَّدٌ، أَيْ: مذلّلٌ، فقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، معناه: لا أعبد أحداً سواك، ويدلّ على هذا الحصر وجوه: فَذَكَر من جملتها: تسميَة الله، والرب، والرحمن، والرحيم، ومالك يوم الدين، وكونَهُ قادراً بأن يُمْسِكَ السّماءَ بلا إعانة، وأَرْضاً بلا دِعَامة، ويُسَيِّرُ الشمسَ والقمر، ويسكن القُطْبَيْن، ويخرجُ من السَّماءِ تارة النَّارَ؛ وهو البرق، وتارة الهواءَ؛ وهو الريح، وتارة الماء؛ وهو المطر. وأما في الأرضِ فتارةً يُخْرج الماء من الحَجَرِ؛ وتارةً يخْرج الحجرَ من الماء؛ وهو الجمد، ثم جعل في الأرض أجساماً مُقيمةً لا تسافر؛ [وهي الجبال]، وأجساماً مسافرة لا تقيم؛ وهي الأنهار، وخسف بقارون فجعل الأَرضَ فَوْقَهُ، ودفع محمداً - عليه الصلاة والسلام - إلى قَاب قَوْسَيْن، وجعل الماء ناراً لى قوم فرعون؛ لقوله: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25]، وجعل النارَ بَرْداً وسلاماً على إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - ورفع مُوسَى - عليه السلام - فوق الطُّورِ، وغرق الدنيا من التّنُّورِ، وجعل البحر يبساً لموسى - عليه الصلاة والسلام - فهذا من أداة الحَصْرِ. والكلام في "إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" كالكَلاَمِ في "إِيَّاكَ نَعْبُدُ". والواو: عاطِفَةٌ، وهي من المشتركةِ في الإعرابِ والمعنَى، ولا تقتضى تَرْتِيباً على قول الجمهور، خلافاً لطائفةٍ من الكُوفيينَ ولها أحكام تختص بها تأتي إن شاء الله تعالى. وأصل "نَسْتَعِين": "نَسْتَعْوِنُ"؛ مَثْلُ: "نَسْتَخْرِجُ" في الصحيح؛ لأنه من العَوْنِ، فاسْتُثْقِلَتِ الكسرةُ على الوَاوِ، فنقلت إلى السَّاكن قَبْلَها، فسكنت الواوُ بعد النَّقْلِ وانكَسَر ما قبلها؛ فَقُلِبَتْ ياءً. وهذه قاَعِدَةٌ مطّردَةٌ؛ نَحْوُ: "مِيزَان، ومِيِقَات"، وهما من: الوَزْنِ، والوَقْتِ. والسِّينُ فيه معناها: الطلبُ، أَيْ نَطْلُبُ منك العونَ على العِبَادَةِ، وهو أحد المعاني التي لـ "استفعل" وله مَعََانٍ أُخَرٌ: الاتخاذُ: نحو: "اسْتَعْبِدْهُ" أي: اتخذْهُ عبداً. والتحولُ؛ نحو: "اسْتَحْجَرَ الطِّينُ" أَيْ: صار حجراً، ومنه قوله: "إِنَّ الْبُغَاثَ بأَرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ" أي: تتحولُ إلى صفة النُّسور. ووجُودُ الشَّيْءِ بمعنى ما صِيغَ منه؛ نحو: "اسْتَعْظَمَهُ" أَيْ: وجده عظيماً. وعَدُّ الشَّيْء كذلك، وإِن لم يكُنْ؛ نحو: "اسْتَحْسَنَهُ". ومطاوعةُ "أَفْعَل"؛ نحو: "أَشْلاَه فَاسْتَشْلَى". وموافقتُه له أيضاً؛ نحو: "أَبَلَّ الْمَرِيضُ وَاسْتَبَلَّ". وموافقةُ "تَفَعَّلَ"؛ نحو: "اسْتَكْبَرَ" بمعنى "تكبر". وموافقةُ "افْتَعَلَ"؛ نحو: "اسْتَعْصَمَ" بمعنى "اعْتَصَمَ". والإِغْنَاءُ عن المجرد؛ نحو: "اسْتَكَفّ" و "اسْتَحْيَا"، لم يتلفظ لهما بمجردِ استغناء بهما عنه. والإِغْنَاءُ بهما عن "فَعَلَ" أي المجرد الملفوظ به نحو: "اسْتَرْجَعَ" و "استعان"، أَيْ: رجع وحَلَق عانته. وقُرىءَ: "نِسْتَعينُ" بكسرْ حرف المضارعة؛ وهي لُغَةٌ مطردةٌ في حروف المُضَارعة. وذلك بشرط ألا يكن حرفُ المضَارعة ياءً؛ لثقل ذلك، على أنَّ بعضَهُم قال: "ييجَلُ"، مضارع "وجَلَ"، وكأنه قصد إلى تَخْفِيفِ الواو إلى الياء، فكسر ما قبلها لتنقلب؛ وقد قُرِىء: "فإنَهم ييلَمُون" [النساء: 104]، وهي هادمةٌ لهذا الاستثناءِ، وسيأتي تحقيقُ ذلك في موضعه إِنْ شاء الله تعالى. وأن يكون المُضَارعُ من ماضٍ مكسورِ العَيْن؛ نحو: "تِعْلَمُ" من "عَلِمَ"، أو في أوله همزةُ وصلٍ، نحو "نِسْتَعِينُ" من "اسْتَعَانَ"، أو تاءُ مُطَاوَعةٍ؛ نحو: "نِتَعَلَّمُ" من "تَعَلَّمَ"، فلا يجوزُ في "يضْربُ" و "يقتلُ" كسر حرف المُضَارعة؛ لعدم الشُّروط المذكورة. والاستعانَةُ: طلبُ العَوْنِ: وهو المُظَاهرة والنصرة، وقدم العِبَادَةَ على الاسْتِعَانَةِ؛ لأنها وصلةٌ لطلب الحاجة. وقال ابنُ الخَطِيبِ: كأنه يقولُ: شَرَعْتُ في العبادَةِ، فأستعين بك في إتمامها، فلا تمنعني من إتمامها بالمَوْتِ، ولا بالمرضِ، ولا بقلب الدَّواعي وتَغَيُّرِهَا. وقال البَغَوِيُّ - رحمه الله تعالى - فإن قِيل: لم قدم ذِكْرَ العِبَادةِ على الاستعانَةِ، والاستعانةُ لا تكون إلاَّ قبل العبادة؟ قلنا: هذا يلزمُ من جَعَلَ الاستعانَة قبلَ الفعل، ونحن نَجْعلُ التوفِيقَ، والاستعانَة مع الفعل، فلا فرق بيت التقديم والتأخير. وقيل: الاستعانَةُ نوعُ تعبُّدٍ، فكأنه ذكر جملة العبادَةِ أوّلاً، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها وأطلق كُلاًّ من فِعْلَيْ العبادَةِ والاستعانَةِ فلم يذكر لهما مفعولاً؛ ليتناول كلَّ معبود به، وكلَّ مُسْتَعان [عليه]، أَوْ يكون المرادُ وقوعَ الفعلِ من غير نظر إلى مفعول؛ نحو: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} تفسير : [البقرة: 60] أي أوقعوا هذين الفِعْلَيْنِ. فصل في نظم الآية قال ابنُ الخَطِيْبِ - رحمه الله تعالى -: قال تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" فقدَّمَ قولَه: "إيَّاك" على قوله: "نعبد" ولم يقل: "نعبدك" لوجوه: أحدُها: أنه - تبارك وتَعَالَى - قدّم ذِكْرَ نَفْسِهِ؛ لينبه العَابِدَ على أن المعبودَ هو اللهُ - تعالى - فلا يتكاسَلُ في التعظيم. وثانيها: أَنَّه إِنْ ثقلت عليك العبادات والطاعات وصعبت، فَاذْكُرْ أوَّلاً قولَه: "إياك"؛ لتذكرني، وتحضر في قلبك معرفتي، فإذا ذكرتَ جَلاَلي وعظمتي، وعلمتَ أني مولاك، وأنك عبدي؛ سهلت عليك تلك العبادة. وثالثها: أن القديمَ الواجبَ لذاتِه متقدمٌ في الوجودِ على لمحدث الممكن لذاته، فوجب أن يكون ذكره متقدماً على جميع الأذكار. فصل في نون "نعبد" قال ابنُ الخَطِيب - رحمه الله تعالى -: لقائلٍ أَنْ يقولَ: النُّون في قوله تعالى: "نعبد" إما أن تكون نونَ الجمع، أو نونَ العظمةِ، والأول باطِلٌ، لأن الشخصَ الواحدَ لا يكون جَمْعاً، والثاني باطل أيضاً؛ لأن عند أداء العبوديةِ، اللاَّئق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعَجْز والذّلة لا بالعَظَمَةِ. واعلم أنه يمكن الجوابُ عنه مِنْ وُجُوه: أحدها: أنّ المرادَ مِنْ هذه النونِ نونُ الجَمْعِ، وهو تنبيه على أنَّ الأَوْلَى بالإنسان، أَنْ يؤدي الصَّلاة بالجماعة. الثاني: أنَّ الرجلَ إِنْ كان يُصَلِّي في جماعة، فقوله: "نعبد"، المُرَاد منه ذلك الجمعُ، وإن كان يصلّي وحده كان المراد أني أعبدك، والملائكةُ معي. الثالث: أنَّ المُؤْمِنين إخوةٌ، فلو قال: "إياك أعبدُ" كان قد ذكر عبادَةَ نفسِه، ولم يذكر عبادَةَ غَيْرِه، أما إذا قال: "إياك نعبدُ" كان قد ذكر عبادَة نفسِه، وعبادة جميع المؤمنين شرقاً وغرباً.

السيوطي

تفسير : أخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {اهدنا الصراط المستقيم} بالصاد. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن الأنباري عن ابن عباس. أنه قرأ {اهدنا السراط} بالسين. وأخرج أبن الأنباري عن عبد الله بن كثير. أنه كان يقرأ {السراط} بالسين. وأخرج ابن الأنباري عن الفراء قال: قرأ حمزة {الزراط} بالزاي قال الفراء: و{الزراط} باخلاص الزاي. لغة لعذرة، وكلب، بني العين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} يقول ألهمنا دينك الحق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} قال ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال {الصراط} الطريق. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والمحاملي في أماليه من نسخة المصنف والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} قال: هو الإِسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض. وأخرج ابن جريج عن ابن عباس قال {الصراط المستقيم} الإِسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة {الصراط المستقيم} الإِسلام. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النّواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : ضرب الله صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتفرقوا. وداع يدعو من فوق: الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك. لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو بكر بن الأنباري في كتاب المصاحف والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن مسعود في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} قال: هو كتاب الله. وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين. ياعباد الله هذا الصراط فاتبعوه، {والصراط المستقيم} كتاب الله فتمسكوا به. وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن علي قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ستكون فتن قلت: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله. فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل وليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، وهو ذكره الحكيم، وهو الصراط المستقيم ". تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال {الصراط المستقيم} الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال {الصراط المستقيم} تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرفه، والطرف الآخر في الجنة. واخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن سعد عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : القرآن هو النور المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن عدي وابن عساكر من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية في قوله {الصراط المستقيم} قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده قال: فذكرنا ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية، ونصح. وأخرج الحاكم وصححه من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله {الصراط المستقيم} قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية الرياحي قال: تعلموا الإسلام، فإذا علمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإن {الصراط المستقيم} الإسلام، ولا تحرفوا يميناً وشمالاً. وأخرج سعيد بن منصور في سننه وابن المنذر والبيهقي في كتاب الرؤية عن سفيان قال: ليس في تفسير القرآن اختلاف إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا.... وأخرج ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء: إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً. وأخرج ابن سعد عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يحدث عن الخوارج الذين أنكروا الحكومة فاعتزلوا علي بن أبي طالب قال: فاعتزل منهم اثنا عشر ألفاً، فدعاني علي فقال: اذهب إليهم فخاصمهم، وادعهم إلى الكتاب والسنة، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذوو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة. وأخرج ابن سعد عن عمران بن مناح قال: فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم.في بيوتنا نزل فقال: صدقت، ولكن القرآن جمال ذو وجوه يقول ...ويقولون...ولكن حاججهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً. فخرج ابن عباس إليهم، فحاججهم بالسنن، فلم يبق بأيديهم حجة.

التستري

تفسير : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[5] أي نخضع ونذلّ ونعترف بربوبيتك ونوحّدك ونخدمك، ومنه اشتق اسم العبد. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[5] أي على ما كلفتنا بما هو لك، وإليك المشيئة والإرادة فيه، والعلم والإخلاص لك، ولن نقدر على ذلك إلاَّ بالمعونة والتسديد لنا منك، إذ لا حول لنا ولا قوة إلاَّ من عندك. فقيل له: أليس قد هدانا الله إلى الصراط المستقيم؟ قال: بلى، ولكن طلب الزيادة منه كما قال: {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} تفسير : [ق:35] فكان معنى قوله: "اهدنا": أمددنا منك بالمعونة والتمكين. وقال مرة أخرى "اهدنا" معناه أرشدنا إلى دين الإسلام الذي هو الطريق إليك بمعونة منك، وهي البصيرة، فإنا لا نهتدي إلاَّ بك، كما قال: {أية : عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [القصص:22] أي يرشدني قصد الطريق إليه. قال: وسمعت سهلاً يحكي عن محمد بن سوار عن سفيان عن سالم عن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عزَّ وجلَّ: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. قال: فإذا قال العبد: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قال الله تعالى: أثنى عَليّ عبدي، وإذا قال: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} يقول الله: فهذه الآيات لي ولعبدي بعدها ما سأل، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} إلى آخره يقول الله عزَّ وجلَّ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". تفسير : قال سهل: معنى قوله: "مجدني عبدي" أي وصفني بكثرة الإحسان والإنعام، وقال سهل: وروي عن مجاهد أنه قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما حسدتكم النصارى على شيء كما حسدتكم على قولكم آمين. وحكى محمد بن سوار عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلاَّ مؤمن، فإذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الله يرضى على قائلها، ويقبل صلاته، ويجيب دعاءه"تفسير : . وحكى الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قال الإمام: "ولا الضالين" قولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه ".

السلمي

تفسير : على ترك زكاتنا، وأيضاً إياك نعبد بالعمل الخالص أى: إياك نعبد بقطع العلائق والأعواض، وإياك نستعين على الثبات على هذه الحال فإنا بك لا بنا. وأيضًا إياك نعبد بالإخلاص وإياك نستعين على المكاشفة لأسرارنا. وأيضًا إياك نعبد بالإرادة وإياك نستعين عليه بالهمة. وأيضًا إياك نعبد بالعلم وإياك نستعين عليه بالمعرفة. وأيضًا إياك نعبد عبادة مَن يعلم أنه بتوفيقك وتيسيرك قد عبدك وبك نستعين على قبولها وتصحيحها من عندك. وأيضًا إياك نعبد بأمرك وإياك نستعين عليها بفضلك. وأيضًا إياك نعبد بالدعاوى وإياك نستعين أن تسقط عنا الدعاوى تمررنا إلى رياض الحقائق. وأيضًا إياك نعبد ظاهرًا وإياك نستعين عليها باطنًا، إياك نعبد فأسقط بإياك عنا رؤية العبادة، وإياك نستعين فأزل عنا بإياك رؤية الاستعانة. وأيضًا إياك نعبد فأهلنا لعبادتك وإياك نستعين فلا تحرمنا معونتك إياك نعبد فأخلص عبادتنا وإياك نستعين فأعذنا من رؤية عبادتنا. وأيضًا إياك نعبد على المشاهدة، وإياك نستعين على النازلة. قال الجنيد: إن الله عز وجل خص قوماً بمعرفة عبوديته، فأفردوا له العبودية ثم أخرجهم عن ذلك فعرفوا أنفسهم، وما تولى الله من ذلك لهم فقالوا: وإياك نستعين على عبادتنا إذ لا يمكن أداؤها إلا بك، فبك عبدنا كذلك، وبك استعنا على شكر النعمة فيه. وقال القاسم: إياك نعبد بالتوفيق، وإياك نستعين على شكر ما وفقتنا له من عبادتك. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا جعفر الفرغلى يقول: من أقر بإياك نعبد وإياك نستعين فقد برئ من الجبر والقدر.

القشيري

تفسير : معناه نعبدك ونستعين بك. والابتداء بذكر المعبود أتمُّ من الابتداء بذكر صفته - التي هي عبادته واستعانته، وهذه الصيغة أجزل في اللفظ، وأعذب في السمع. والعبادة الإتيان بغاية ما في (بابها) من الخضوع، ويكون ذلك بموافقة الأمر، والوقوف حيثما وقف الشرع. والاستعانة طلب الإعانة من الحق. والعبادة تشير إلى بذل الجهد والمُنَّة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمِنَّة، فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد. في العبادة وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه. والعبادة ظاهرها تذلل، وحقيقتها تعزز وتجمُّل: شعر : وإذا تذللت الرقاب تقرباً مِنَّا إليك، فعزُّها في ذُلِّها تفسير : وفي معناه: شعر : حين أسلَمْتَني لذالٍ ولام ألقيتني في عينِ وزاي تفسير : فصل: العبادة نزهة القاصدين، ومستروح المريدين، ومربع الأنس للمحبين، ومرتع البهجة للعارفين. بها قُرَّةُ أعينهم، وفيها مسرة قلوبهم، ومنها راحة أرواحهم. وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أرِحنا بها يا بلال"تفسير : ولقد قال مخلوق في مخلوق:شعر : يا قوم ثاري عند أسمائي يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أصدق أسمائي تفسير : والاستعانة إجلالك لنعوت كرمه، ونزلك بساحة جوده، وتسليمك إلى يد حكمه، فتقصده بأمل فسيح، وتخطو إليه بخطو وسيع، وتأمل فيه برجاء قوي، وتثق بكرم أزلي، وتنكل على اختيار سابق، وتعتصم بسبب جوده (غير ضعف).

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} اي بمعونتك نعبد الا بحولنا وقوّتنا وايّاك نستعين بتمام عبودتيك ودوام سَتُرك علينا حتَى نرى فضلك ولا نرى فضلك ولا نتظر الى اعمالنا ايّاك نعبد اي ايّاك نبعد لا لا بروية المعاملات وطلب المكافات واياك نتسعين اين نستعينك بمزيد العنايت بنعت العصمة عن القطعية وايضا اياك نبعد بالمراقبة واياك نستعين بكشف المشاهدة وايضاً اياك نعبد بعلم اليقين واياك نستعين بحق اليقين وايضا واياك نعبد وايك نستعين بالرّوية وقيل ايك نبعد بقطع العلائق والاغراض واياك نستعين على ثبات هذا الحل بك ولا بنا وقيل ايّاك نبعد بالعلم وايك نستعين بالمعرفة وقيل اياك نعبد بامُرك واياك نستعين علينا بفضلك قال سهل اياك نعبد بهدايتك وايك نستعين بكلايتك على عبادتك قال الانطاكىُّ انّما يعبدُ الله على اربع على الرغبة والرّهبة والحياء والمحّبة فافضلها المحَّبُة التي تلَيها والحيَاء ثم الرَّهبةُ ثم الرَّغبة وقال الاستاذ العبادة بسان القاصدين ومستروح المريدن ومَرُبَعُ الانس للمحبين ومرتع الَبهجة للعارفين بها قوة اعينهم وفيها مسَرَّةُ قلوبهم ومنها راحة ابدانهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {اياك نعبد واياك نستعين} بنى الله سبحانه اول الكلام على ما هو مبادى حال العارف من الذكر والفكر والتأمل فى اسمائه والنظر فى آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شانه وتأثير سلطانه ثم قفى بما هو منتهى امره وهوان يخوض لجة الوصول ويصير من اهل المشاهدة فيراه عيانا ويناجيه شفاها اللهم اجعلنا من الواصلين الى العين دون السامعين للاثر. وفيه اشارة ايضا الى ان العابد ينبغى ان يكون نظره الى المعبود اولا وبالذات ومنه الى العبادة لا من حيث انها عبادة صدرت منه بل من حيث انها نسبة شريفة ووصلة بينه وبين الحق فان العارف انما يحق وصوله اذا استغرق فى ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى انه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من احوالها الا من حيث انها ملاحظة له ومنتسب اليه ولذلك فضل ما حكى عن حبيبه حين قال {أية : لا تحزن إن الله معنا}تفسير : [التوبة: 40]. على ما حكاه عن كليمه حيث قال {أية : إن معى ربى سيهدين}تفسير : [الشعراء: 62]. وتقديم المفعول لقصد الاختصاص اى نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك والعبادة غاية الخضوع والتذلل. وعن عكرمة جميع ما ذكر فى القرآن من العبادة التوحيد ومن التسبيح الصلاة ومن القنوت الطاعة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان جبريل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم قل يا محمد {اياك نعبد} اى اياك نؤمل ونرجوا لا غيرك والضمير المستكن فى {نعبد} وكذا فى {نستعين} للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضرى صلاة الجماعة او له ولسائر الموحدين ادرج عبادته فى تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب ولهذا شرعت الجماعة قال الشيخ الاكبر والمسك الاذفر قد سنا الله بسره الاطهر فى كتاب العظمة اذا كنى العبد عن نفسه بنون نفعل فليست بنون التعظيم واذا كنى عن الحق تعالى بضمير الافراد فان ذلك لغلبه سلطان التوحيد فى قلب هذا العبد وتحققه به حتى سرى فى كليته فظهر ذلك فى نطقه لفظا كما كان عقدا وعلما ومشاهدة وعينا وهذه النون نون الجمع فان العبد وان كان فرداني اللطيفة وحدانى الحقيقة فانه غير وحدانى ولا فرداني من حيث لطيفته ومركبها وهيكلها وقالبها وما من جزء فى الانسان الا والحق تعالى قد طالب الحقيقة الربانية التى فيه ان تلقى على هذه الجزاء ما يليق بها من العبادات وهى فى الجملة وان كانت المدبرة فلها تكليف يخصها ويناسب ذاتها فلهذه الجميعة يقول العبد لله تعالى نصلى ونسجد واليك نسعى ونحفد واياك نعبد وامثال هذا الخطاب ولقد سألنى سائل من علماء الرسوم عن هذه المسئلة وكان قد حار فيها فاجبته باجوبة منها هذا فشفى غليله والحمد لله انتهى كلام الشيخ قدس سره. وانما خصص العبادة به تعالى لان العبادة نهاية التعظيم فلا تليق الا بالمنعم فى الغاية وهو المنعم بخلق المنتفع وباعطاء الحياة الممكنة من الانتفاع كما قال تعالى {أية : وكنتم أمواتا فأحياكم}تفسير : [البقرة: 28] الآية {أية : هو الذي خلق لكم ما فى الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29]. ولان احوال العبد ماض وحاضر ومستقبل ففى الماضى نقله من العدم والموت والعجز و الجهل الى الوجود والحياة والقدرة والعلم بقدرته الازلية وفى الحاضر انفتحت عليه ابواب الحاجات ولزمته اسباب الضروريات فهو رب الرحمن الرحيم وفى المستقبل مالك يوم الدين يجازيه باعماله فمصالحه فى الاحوال الثلاثة لا تستتب الا بالله فلا مستحق للعبادة الا الله تعالى. ثم قوله {نعبد} يحتمل ان يكون من العبادة ومن العبودة والعبادة هى العابدية والعبودة هى العبدية. فمن العبادة الصلاة بلا غفلة والصوم بلا غيبة والصدقة بلا منة والحج بلا اراءة والغزو بلا سمعة والعتق بلا اذية والذكر بلا ملالة وسائر الطاعات بلات آفة. ومن العبودة الرضى بلا خصومة والصبر بلا شكاية واليقين بلا شبهة والشهود بلا غيبة والاقبال بلا رجعة والايصال بلا قطيعة. واقسام العبادة على ما ذكره حجة الاسلام فى كتابه المسمى بالاربعين عشرة كما أن الاعتقاد التى قبلها عشرة فالمعتقدات الذات الازلية الابدية المنعوتة بصفات الجلال والاكرام الذى هو الاول والآخر والظاهر والباطن اى الاول بوجوده والآخر بصفاته وافعاله والظاهر بشهادته ومكوناته والباطن بغيبه ومعلوماته. ثم التقديس عما لا يليق بكماله او يشين بجماله من النقائص والرذائل. ثم القدرة الشاملة للممكنات. ثم العلم المحيط بجميع المعلومات حتى بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء وما هو اخفى منه كهواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر. ثم الارادة بجميع الكائنات فلا يجري في الملك والملكوت قليل او كثير الا بقضاءه ومشيئته مريد في الازل لوجود الاشياء في اوقاتها المعينة فوجدت كما ارادها. ثم السمع والبصر لا يحجب سمعه بعد ولا رؤيته ظلام فيسمع من غير اصمخة وآذان ويبصر من غير حدقة واجفان. ثم الكلام الازلى القائم بذاته لا بصوت ككلام الخلق وان القرآن مقروء ومكتوب ومحفوظ ومع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى وان موسى سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف كما يرى الابرار ذات الله من غير شكل ولا لون. ثم الافعال الموصوفة بالعدل المحضن فلا موجود الا وهو حادث بفعله وفائض من عدله اذا لا يضاف لغيره ملكا ليكون تصرفه فيه ظلما فلا يتصور منه ظلم ولا يجب عليه فعل فكل نعمة من فضله وكل نقمه من عدله. ثم اليوم الآخر. والعاشر النبوة المشتملة على إرسال الملائكة وانزال الكتب * واما العبادات العشرة فالصلاة والزكاة والصوم والحج وقراءة القرآن وذكر الله فى كل حال وطلب الحلال والقيام بحقوق المسلمين وحقوق الصحبة والتاسع الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والعاشر اتباع السنة وهو مفتاح السعادة وامارة محبة الله كما قال تعالى {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله}تفسير : [آل عمران: 30]. قال المولى الجامى قدس سره شعر : يا نبى الله السلام عليك انما الفوز والفلاح لديك كرنرفتم طريق سنت تو هستم از عاصيان امت تو ما نده ام زير بار عصيان بست افتم ازباي اكرنكيرى دست تفسير : وجاء فى بيان مراتب العباد المتوجهين إلى الله ان الانسان اذا فعل برا ان قصد به امرا ما غير الحق كان من الاحرار لا من العبيد وان لم يقصد امرا بعينه بل يفعله لكونه خيرا فقط ولكونه مأمورا به لا مطلقا بل من حيث الحضور منه مع الآمر فهو الرجل فان ارتقى بحيث لا يقصد بعمله غير الحق كان تاما في الرجولية فان كان بحيث لا يفعل شيأ الا بالحق كما ورد فى قرب النوافل صار تاما فى المعرفة والرجولية وان انضم الى ما سبق حضوره مع الحق فى فعله بحيث يشهده بعين الحق لا بنفسه من حيث اضافة الشهود الى الله والفعل والاضافة اليه الا الى نفسه فهو العبد المخلص عمله فان ظهرت عليه غلبة احكام هذه المقام والذي قبله وهو مقام فبى يسمع غير متقيد بشئ منها ولا بمجموعها مع سريان حكم شهوده الاحدى فى كل مرتبة ونسبة دون الثبات على امر بعينه بل ثابتا فى سعته وقبوله كل وصف وحكم عن علم صحيح منه بما اتصف به وما انسلخ عنه فى كل وقت وحال دون غفلة وحجاب فهو الكامل فى العبودية والخلافة والاحاطة والاطلاق كذا فى تفسير الفاتحة للصدر القنوى قدس سره. قال فى التأويلات النجمية فى قوله {اياك نعبد} رجع الى الخطاب من الغيبة لانه ليس بين المملوك ومالكه الاحجاب ملك نفس المملوك فاذا عبر من حجاب ملك النفس وصل الى مشاهدة مالك النفس كما قال ابو يزيد فى بعض مكاشفاته الهى كيف السبيل اليك قال له ربه دع نفسك وتعال فللنفس اربع صفات امارة ولوامة وملهمة ومطمئنة فامر العبد المملوك بان يذكر مالكه باربع صفات بالصفة والالهية والربوبية والرحمانية والرحيمية فيعبر بعد مدح الالهية وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية بقوة جذبات هذه الصفات الاربع من حجاب ممالك الصفات الاربع للنفس فيتخلص من ظلمات ليلة رين نفسه بطلوع صبح صادق مالك يوم الدين فيبقى العبد عبدا مملوكا لا يقدر على شئ فيرحمه مالكه ويذكره بلسان كرمه على قضية وعده {أية : فاذكرونى أذكركم} تفسير : [البقرة: 153]. ويناديه ويخاطب نفسه {أية : يا أيتها النفس المطمئنة}تفسير : [الفجر: 27]. ثم يجذبه من غيبة نفسه الى شهود مالكية ربه بجذبة {أية : ارجعى إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28]. فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز كما قرأ بعضهم مالك يوم الدين نصبا على نداء اياك نعبد. واعلم ان النفس دنيوية تعبدو هواها الدنيوى لقوله تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ الهه هواه}تفسير : [الجاثية: 24]. والقلب اخروى يعبد الجنة لقوله تعالى {أية : ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى}تفسير : [النازعات: 40-41]. والروح قربى يعبد القربة والعندية لقوله تعالى {أية : فى مقعد صدق عند مليك مقتدر}تفسير : [القمر: 55]. والسر حضرتى يعبد الحق تبارك لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام "حديث : الاخلاص سر بينى وبين عبدى لا يسعه فيه مل كمقرب ولا نبى مرسل "تفسير : فلما انعم الله على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده كما قال تعالى على لسان نبيه عليه السلام "حديث : قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل"تفسير : فتقرب العبد بنصفه الى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على صفات جماله وجلاله وتقرب الرب على مقتضى كرمه وانعامه كما قال "حديث : من تقرب الى الله شبرا تقربت اليه ذراعاbr>". تفسير : بنصفه الى خلاص عبده من رق عبودية الاغيار باخراجه من ظلمات بعضها فوق بعض من هوى الناس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق الى نور وحدانيتة وشهود فردانيته فاشرقت ارض وسماوات القلب وعرش الروح وكرسى السر بنور ربها فآمنوا كلهم اجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم وكفروا بطواغيتهم التى يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى وجعلوا كلهم واحدا وقالوا {اياك نعبد واياك نستعين} كرر اياك للتنصيص على اختصاصه تعالى بالاستعانة ايضا والاستعانة طلب العون ويعدى بالباء وبنفسه اى نطلب العون على عبادتك او على ما لا طاقة لنا به او على محاربة الشيطان المانع من عبادتك او فى امورنا بما يصلحنا فى دنيانا وديننا والجامع للاقاويل نسألك ان تعيننا على اداء الحق واقامة الفروض وتحمل المكاره وطلب المصالح وتقديم العبادة على الاستعانة ليوافق رؤوس الآى وليعلم منه ان تقديم الوسيلة على طلب الحاجة ادعى الى الاجابة واياك نعبد لما ورثه العجب اردف اياك نستعين ازالة له وافناء للنخوة. ففى الجمع بينهما افتخار وافتقار فالافتخار بكونه عبداً عابداً والافتقار الى معونته وتوفيقه وعصمته وفيه أيضاً تحقيق لمذهب اهل السنه والجماعة اذ فيه اثبات الفعل من العبد والتوفيق من الله كالخلق ففيه رد الجبرية النافين للفعل من العبد بقوله اياك نعبد ورد المعتزلة النافين للتوفيق والخلق من الله بقوله اياك نستعين ثم تحقيقهما من العبد ان لا يخدم غير الله ولا يسأل الامن الله – حكى – عن سفيان الثورى رحمه الله انه ام قوما فى صلاة المغرب فلما قال {اياك نعبد واياك نستعين} خر مغشيا عليه فلما افاق قيل له فى ذلك فقال خفت ان يقال فلم تذهب الى ابواب الاطباء والسلاطين. وفى تخصيص الاستعانة بالتقديم اقتداء بالخليل عليه السلام فى قيد النمرود حيث قال له جبريل عليه السلام هل لك من حاجة فقال اما اليك فلا فقال سله قال حسبى من سؤالى علمه بحالى بل زدت عليه فان الخليل قيد رجلاه ويداه لا غير فاما انا فقيدت الرجلين فلا اسير واليدين فلا احركهما وعينى فلا انظر بهما واذنى فلا اسمع بهما ولسانى فلا اتكلم به وانا مشرف على نار جهنم فكما لم يرض الخليل بغيرك معينا لا اريد الاعونك فاياك نستعين وكانه تعالى يقول فنحن ايضا نزيد حيث قلنا ثمة يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم واما انت فقد نجيناك من النار واوصلناك الى الجنة زدنا سماع الكلام القديم وامرنا نار جهنم تقول لك جزيا مؤمن فقد اطفأ نورك لهبى: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : زآتش مؤمن ازين رو اى صفى ميشود دوزخ ضعيف ومنطفى كويدش بكذر سبك اى محتشم ورنه زآتشهاى تو مرد آتشم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إياك} مفعول {نعبد}، وقُدِّم للتعظيم والاهتمام به، والدلالِ على الحصر، ولذلك قال ابن عباس: (نعبُدك ولا نعبد معك غيرَك)، ولتقديم ما هو مقدَّمٌ في الوجود وهو الملك المعبود، وللتنبيه على أن العابدَ ينبغي أن يكون نظرُه إلى المعبود أولاً وبالذات، ومنه إلى العبادة، لا من حيث إنها عبادةٌ صدَرتْ عنه، بل من حيث إنها نِسْبَةٌ شريفة إليه، وَوُصْلَةٌ بينه وبين الحق، فإن العارف إنما يَحِقُّ وصوله إذا استغفر في ملاحظة جناب القدس، وغاب عما عداه، حتى إنه لا يلاحظ نفسَه ولا حالاً من أحوالها إلا من حيث إنها تَجَلٍّ من تجلياته ومظهرٌ لربوبيته، ولذلك فُضِّلَ ما حكى اللَّهُ عن حبيبه حين قال:{أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}تفسير : [التّوبَة: 40]، على ما حكاه عن كليمه حيث قال:{أية : إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشُّعَرَاء: 62]، أي: حيث صرّح بمطلوبه، و {إياك} مفعول {نستعين} وقدّم أيضاً للاختصاص والاهتمام، كما تقدم في {إياك نعبد}. وكرّر الضمير ولم يقل: إياك نعبد ونستعين؛ لأن إظهارَه أبلغ في إظهار الاعتماد على الله، وأقطعُ في إحضار التعلق بالله والإقبال على الله وأمدحُ، ألا ترى أن قولك: بك أنتصر وبك أحتمي وبك أنال مطالبي - أبلغ وأمدح من قولك: بك أنتصر وأحتمي... الخ؟ وَقَدَّمَ العبادة على الاستعانة ليتوافقَ رؤوسُ الآي، وليُعلمَ منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أَدْعَى إلى الإجابة، فإن مَنْ تَلبَّس بخدمة الملك وشرع فيها بحسب وُسْعَه، ثم طلب منه الإعانة عليها أجيب إلى مطلبه، بخلاف من كلّفه الملكُ بخدمته، فقال: أعطني ما يعينُني عليها، فهو سوء أدب، وأيضاً: من استحضر الأوصافَ العِظام ما أمكنه إلا المسارعةُ إلى الخضوع والعبادة، وأيضاً: لمّا نسبَ المتكلمُ العبادةَ إلى نفسه أوْهَمَ ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما يصدُر عنه فعقَّبه بقوله: {وإياك نستعين}، دفعاً لذلك التوهم. والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه طريق مُعَبَّدٌ، أي: مُذَلل، والاستعانة، طلب المعونة، والمراد طلب المعونة في المُهمات كُلِّها، أو في أداء العبادات. والضمير المستتر في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة، أو له ولسائر الموجودين. أدْرَجَ عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تُقبل ببركتها ويُجاب إليها، ولهذا شرعت الجماعة. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله، تتميماً لتعليم عباده: فإذا أثنيتمُ عليَّ ومجدتموني وعظمتموني فأقِرُّوا لي بالربوبية، وأظهروا من أنفسكم العبودية، واطلبوا مني العون في كل وقت وقولوا: {إياك نعبد وإياك نستعين}، وكأنه - جلّ جلاله - لَمّا ذكر أنه مستحق للمحامد كلها قديمها وحديثها؛ لأنه رب العوالِم وقيومها، أصل الأصول وفروعها، أنعم عليها أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد، فهو مالكها على الإطلاق، ذكر أنه لا يستحق أن يُعبد سواه؛ إذ لا مُنعمَ على الحقيقة إلا الله، فهو أحقُّ أن يُعبد، وأولى أن يفرد بالوجهة والقصد، لأنه مُسْتَبِدٌ وغير مُسْتَمدّ، والمادة من عَيْنِ الجود، فإذا انقطعت المادة انعدم الوجود. قال البيضاوي: ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميَّز بها عن سائر الذوات، تعلَّق العلمُ بمعلوم معين، خوطب بذلك، أي: يا من هذا شأنه نخصُّك بالعبادة والاستعانة، لكون أدلّ على الاختصاص، وللترقي من الغَيْبة إلى الشهود، وكأن المعلومَ صار عياناً، والمعقولَ مُشاهَداً، والغيبة حضوراً، بَنَى أول الكلام على ما هو مبادئ حالِ العارفِ؛ من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه، والنظر في آلائه، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم قفَّى بما هو منتهى أمرِه، وهو أن يخوض لُجَّةَ الوصول،ويصير من أهل المشاهدة، فيراه عياناً ويناجيه شِفاها، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون التابعين للأثر. ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول عن أسلوبٍ إلى آخر، تَطْريَةً وتنشيطاً للسامع، فَتَعْدِل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله:{أية : حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ...}تفسير : [يُونس: 22]، ولم يقل (بكم) وقوله:{أية : أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ...}تفسير : [فَاطِر: 9]، أي: ولم يقل: فساقه... انظر تمام كلامه. والالتفات هذا في قوله: {إياك نعبد} ولم يقل: إياه نعبد؛ لأن الظاهر من قبل الغيبة، وحسنه أن الموصوف تعيَّن وصار حاضراً. قال الأقليشي: فهذه الآية هي التي قال فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عَبْدِي ولعَبْدِيَ مَا سَأَلَ"تفسير : . معناه: أيُّ عبد توجَّه إليَّ بالعبادة وسألني العون عليها فعبادته متقبلة، والعون مني له عليها حاصل حتى يُوقعها على وجهها، فالعبادة وصف العبد، والعون من الله تعالى للعبد، فلهذا قال:"فهذه بيني وبين عبدي". قال ابن جُزَي: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدَرية والجبرية، وأنَّ الحق بين ذلك. {الإشارة}: لمّا تجلّى الحقّ جلّ جلاله من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، وحَمِدَ نفسه بنفسه، تجلّى أيضاً وتنزَّل من عالم الملكوت إلى عالم المُلك بقدرته وحكمته؛ لإظهار آثار أسمائه وصفاته، فأظهر العبودية وأخفى الربوبية، أظهر الحكمة وأبطن القدرة، فجعلَ عالَم الحكمة يخاطبُ عالمَ القدرة، ويخضع له، ويتعبّد ويستمد، منه الإعانة والهداية، ويتحرز من طريق الضلالة والغواية. فعالَمً الحكمة محلُّ التكليف، وعالم القدرة محل التصريف، عالم الحكمة عالم الأشباح، وعالم القدرة عالم الأرواح، فإياك نعبد لأهل عالم الحكمة، وإياك نستعين لأهل عالم القدرة، ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: {إياك نعبد} شريعة، و {إياك نستعين} حقيقة، و {إياك نعبد} إسلاماً، و{إياك نستعين} إحساناً، {إياك نعبد} عبادة، و{إياك نستعين} عبودية، {إياك نعبد} فَرْقٌ، {إياك نسعتين} جَمْعٌ. هـ. وإن شئت قلت: {إياك نعبد} لأهل العمل لله وهم المخلصون، و {إياك نستعين} لأهل العمل بالله وهم الموحِّدون، العمل لله يوجب المثوبة، والعمل بالله يوجب القُرْبَة، العمل لله يوجب تحقيق العبادة، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة، العمل لله نعتُ كُلِّ عابد، والعمل بالله نعت كل قاصد، العمل لله قيامٌ بأحكام الظواهر، والعمل بالله قيام بإصلاح الصمائر، قاله القشيري. ثم إنَّ الناسَ في شهود القدرة والحكمة على ثلاثة أقسام: قسم حُجبوا بالحكمة عن شهود القدرة، وهم أهل الحجاب من أهل الغفلة، وقفوا مع قوله: {إياك نعبد}،وقسم حُجبوا بشهود القدرة عن الحكمة، وهم أهل الفناء، وقفوا مع قوله: {إياك نستعين}، وقسم لم يحجبوا بالحكمة عن القدرة ولا بالقدرة عن الحكمة، أَعْطَوا كُلَّ ذي حق حقَّه وَوَفَّوْا كل ذي قسط قسطه، وهم أهل الكمال من أهل البقاء، جمعوا بين قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين}، وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير في رواية ابن مجاهد عن قنبل والكسائي من طريق ابن حمدون ويعقوب من طريق رويس بالسين. وكذلك في سراط، في جميع القرآن. الباقون بالصاد واشم الصاد زا يا حمزة في الموضوعين، خاصة في رواية علي بن سالم، وفي رواية الدوري وخلاد اشمامها الزاي ما كان فيه الف ولام. واما الصاد اذا سكنت وكان بعدها دال نحو: يصدر، وفاصدع، ويصدفون، فاشم الصاد الزاي حيث وقع، حمزة والكسائى وخلف ورويس. الأعراب {اهدنا}: مبني على الوقف لانه امر، والهمزة مكسورة لأن ثالث المضارع منه مكسور في نحو يهدي. وموضع النون والألف من اهدنا، نصب لأنه مفعول به والصراط منصوب لأنه مفعول ثان. فمن قرأ بالسين فلأنه الأصل، من غير سبب يمنع منه، ومن قرأ باشمام الزاي، فللمؤاخاة بين السين والطاء بحرف مجهور من مخرج السين وهو الزاء من غير ابطال للأصل ومن قرأ بالصاد بين الصاد والطاء بالاستعلاء والاطباق. والقراءة بالصاد احسن لأن فيها جمعاً بين المتشاكلين في المسموع. اللغة والتفسير ومعنى اهدنا يحتمل امرين: احدهما ـ ارشدنا. كما قال طرفة. شعر : للفتى عقل يعيش به حيث يهدي ساقه قدمه تفسير : والثاني ـ وفقنا كما قال الشاعر: شعر : فلا تعجلن هداك المليك فان لكل مقام مقالا تفسير : أي وفقك. والآية تدل على بطلان قول من يقول: لا يجوز الدعاء بأن يفعل الله ما يعلم أنه يفعله لأنه عبث، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان عالماً بأن الله يهديه الصراط المستقيم، وانه قد فعل ذلك، ومع ذلك كان يدعو به. وقد تكون الهداية بمعنى أن يفعل بهم اللطف الذي يدعوهم إلى فعل الطاعة، والهدى يكون ايضاً بمعنى العلم لصاحبه لأنه مهتد على وجه المدح. والهدى يكون ان يهديه إلى طريق الجنة، كما قال الله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا}، وأصل الهداية في اللغة الدلالة على طريق الرشد فان قيل: ما معنى المسأله في ذلك وقد هداهم الله الصراط المستقيم، ومعلوم أن الله تعالى يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم؟ قيل: يجوز أن يكون ذلك عبادة وانقطاعاً إليه تعالى كما قال: {رب احكم بالحق} وإن علمنا أنه لا يحكم إلا بالحق، ويكون لنا في ذلك مصلحة كسائر العبادات، وكما تعبّدنا بأن نكرر تسبيحه وتحميده والاقرار بتوحيده ولرسوله بالصدق، وإن كنا معتقدين لجميع ذلك. ويجوز أن يكون المراد بذلك الزيادة في الألطاف كما قال تعالى: {أية : والذين اهتدوا زدناهم هدى}تفسير : وقال: {أية : يهدي به الله من اتبع رضوانه}تفسير : ويجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا، وأنفع لنا إذا سألناه، وإذا لم نسأله لا يكون ذلك مصلحة، وكان ذلك وجهاً في حسن المصلحة. ويجوز أن يكون المراد استمرار التكليف والتعريض للثواب، لأن إدامته ليست بواجبة بل هو تفضل محض جاز أن يرغب فيه بالدعاء. ويلزم المخالف أن يقال له: إذا كان الله تعالى قد علم أنه يفعل ذلك لا محالة فما معنى سؤاله ما علم أنه يفعله، فما أجابوا به فهو جوابنا. والصراط المستقيم هو الدين الحق الذي أمر الله به من توحيده، وعد له، وولاية من أوجب طاعته. قال جرير: شعر : أميرالمؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم تفسير : أي على طريق واضح. وقال الشاعر: شعر : فصد عن نهج السراط الواضح تفسير : وقيل: إنه مشتق من"مسترط" الطعام، وهو ممره في الحلق، والصاد لغة قريش؛ وهي اللغة الجيدة، وعامة العرب يجعلونها سينا، والزاي لغة لعذرة، وكعب وبني القين يقولون: أزدق، فيجعلونها زاياً إذا سكنت. وأهل الحجاز يؤنثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق. وبنو تميم يذكرون هذا كله. وأصل الاستقامة التقويم والاستواء في جهة الانتصار وهو ضد الاعوجاج، فمنه القيام والتقويم والتقوّم، ومنه المقاومة، لأنه بمنزلة المماثلة بما هو كالاستواء. وتقاوموا في الأمر إذا تماثلوا والاستقامة المرور في جهة واحدة. وقيل في معنى قوله: {الصراط المستقيم} وجوه: أحدها ـ إنه كتاب الله، وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن علي عليه السلام وابن مسعود. والثاني ـ انه الاسلام، حكي ذلك عن جابر وابن عباس. والثالث ـ انه دين الله عز وجل الذي لا يقبل من العباد غيره. والرابع ـ انه النبي (صلى الله عليه وسلم) والأئمة (ع) القائمون مقامه صلوات الله عليهم، وهو المروي في أخبارنا. التفسير والأولى حمل الآية على عمومها لأنا إذا حملناها على العموم دخل جميع ذلك فيه فالتخصيص لا معنى له.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قوله جل اسمه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إيّا ضمير منفصل للمنصوب، والروادف التي بعده من الحروف لبيان الخطاب والغيبية والتكلّم، وليس لها محل من الإعراب، إذ ليست هي بأسماء مضمرة عند المحقّقين. وأما قول بعض العرب: "إذا بلغ الرجل الستّين فإيّاه وإيّا الشوابّ" فشاذ، وتقديم المفعول للدلالة على الاختصاص. فقولك للرجل: إيّاك أعني، معناه لا أعني غيرك: ولا شكّ في أنه أبلغ من أن يقول: أعنيك، كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} تفسير : [الأنعام:164]. والمعنى: نخصّك بالعبادة ونخصّك بالاستعانة. وقرئ إياك بتخفيف الياء، وأيّاك بفتح الهمزة والتشديد، وهيّاك بقلب الهمزة هاء وقرئ بكسر النون فيهما، وهي لغة بني تميم فإنّهم يكسرون حروف المضارعة غير الياء إذا لم ينضم ما بعدها. والعبادة ضربٌ من الشكر وغايةٌ فيه، لأنها الخضوع والتذلّل، تدل على أعلى مراتب التعظيم ولا يستحقّها أحد إلاّ باعطاء أصول النعم الذي هو خلْق الحياة والقُدرة والحسّ والشهوة. و لا يقدر عليه أحدٌ إلاّ الله، فلذلك اختص سبحانه بأن يُعبد، ولا تجوز العبادة لغيره، بخلاف الطاعة، فإنّها قد تحسن لغيره، كطاعة الأب والمولى والسلطان والزوج، فمن قال: إنّ العبادة هي الطاعة، فقد أخطأ، لأنها غاية التذلّل دون الطاعة، فإنّها مجرد موافقة الأمر، ألا ترى أنّ العبدَ يطيعُ مولاه ولا يكون عابداً له؟ والكفّار يعبدون الأصنام ولا يكونون مطيعين لهم؟ إذ لا يتصور من جهتهم الأمر. فائدة إنّ في تقديم إيّاك على نَعبدُ وجوهاً: منها: أنّ في هذا التقديم تنبيهاً منه للعابد على أنّ المنظور إليه في العبادة هو المعبود نفسه، لا شيء آخر، من طلب ثواب أو دفع عقاب. ومنها: أنّه قدم نفسه لتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو الله الحقّ، فلا يلتفت يميناً وشمالاً، ولا يتكاسل في الطاعات، ولا يثقل عليه تحمّل العبادات من الركوع والسجود، فإنّه إذا ذكر قوله: إيّاك، يحضر في قلبه معرفة الربّ تعالى، فبعده سهلت عليه تلك الطاعات، وهانت عليه مشقّة العبادات، ومثاله: من أراد حمل جسم ثقيلٍ، يتناول قبل ذلك ما يزيده قوّة وشدّة. فالعبدُ لمّا أراد حمل التكاليف الشاقّة، يتناول أولاً معجون معرفة الربوبيّة من قوله ايّاكَ حتّى يقوى على حمل ثقل العبوديّة. ومنها: أنّك إذا قلت: نعبدُك، بتقديم ذكر العبادة منك، فقبل أن تذكر أنّها لمن هي، فيحتمل أنّ الشيطان يقول: إنّها للاصنام، أو للأجسام كالشمس والقمر: أما إذا غيّرت هذا الترتيب وقلت أولاً: إياك، ثمّ قلت ثانياً: نعبدُ. فلم يبق مجال لهذا الاحتمال، وكان أبلغ في التوحيد، وأبعد عن احتمال الإشراك. ومنها: أنّ المعبود متقدّم في الوجود والشرف على الممكن، وكان ينبغي أن يكون ذكره متقدّماً على ذكر غيره. فائدة اخرى [سر الالتفات من الغيبة الى الخطاب] اعلم أن الدنيا لمّا كانت دار التعب والكلال، والسآمة والملال، فمن عادة فصحاء العرب التفنن في الكلام، والعدول من طرز إلى طرز، تنشيطاً للسامع، وتنبيهاً لذهنه عند العدول من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب الى التكلم، وبالعكس. وهذا أحسن من الجري على نسَق واحد، واللزوم لمسلك متكرر ومع ذلك، قد تختصّ مواقع الالتفات بزوائد فوائد من النكات، لا تحصل بدونه. وها هنا من هذا القبيل، إذ قد تقرّر في العلوم الإلهيّة، ان شدّة الإدراك، وتأكّد الصورة العلمية في الوضوح والانارة، وقوّة الشوق الى المدرَك ورسوخه، يوجبان حضور المعلوم، ولهذا قيل: المعرفة بذر المشاهدة والرؤية ثمرة اليقين. فلما ذكر الله تعالى، وأُجرِيَت عليه صفات كمالية ونعوت إلهية من كونه حقيقاً بالحمد، ربّ العالمين، موجِداً للكلّ، منعِماً عليهم بالنعم كلّها، جليلها ودقيقها، دنيويّها وأخرويّها، محسوسها ومعقولها، مالكاً لامورهم يوم الجزاء واللقاء، تميّزت بها ذاته عن سائر الذوات، وتنوّر القلب بأنوار معرفة هذه الصفات، وفتحت البصيرة بكشف هذه الآيات، وتعلّق العلم بمعلوم معيّن حاضر حضوراً إشراقياً، فخوطب بالكلام: يا من هو بالحمد حقيق، وبهذه الصفات الكمالية يليق، نخصّك بالعبادة والاستعانة. ليكون الخطاب أدلّ على هذا الاختصاص، ولاستجلاب مزيد قرْب بعد قرب في هذا التذلّل والانكسار، وطلب معونة من قربه على قربه، لأنّ ذاته غير متناه في شدة الوجود وقوّة البهاء والعظمة، لا يمكن الاكتناه بنور وجوده، فكلّما كوشف للسالك، كان المستور منه بستر الجلال وسرادق الكبرياء أعظم بما لا نسبة بينهما، إذ المنال والمشهود هناك بقدر قوّة نظر الطالب ونور بصيرته، لا بحسب المطلوب نفسه، وكلما ازداد في القرب ازداد في الاشتياق، ويكون أحوج إلى طلب المعونة لزيادة المشاهدة وكسب الإشراق، فكان أول الكلام مبنيّاً على ما هو بداية أمر السالك من الأذكار والأفكار، والتأمّل في الأسماء والنظر في الآلاء والنعماء، طلباً للاستبصار، وتقرّباً الى مشاهدة نور الأنوار، واستدلالاً من صنائعه على أسمائه وصفاته، ومن أسمائه وصفاته على انوار جماله وأسرار جلاله ثمّ صار مؤدّياً إلى منتهى سيره وغاية سفره إلى الحقّ، وهو كونه ممّن يخوض لجّة الوصول، ويصير من أهل المشاهدة، فيراه عياناً، ويشاهده كفاحاً، ويشافهه شفاهاً، كما أشار إليه صاحب الإشارات، المرتقي بصفاء ضميره عن درجة أهل العبادات، الواصل الى مقامات العارفين ودرجات المكاشفين، كما يفصح عنه قوله: "وهناك" أي عند الخوض في لجّة الوصول والسفر في بحر الحقيقة بعد العبور على منازل العقول "درجات ليست أقل ممّا قبلها" بحسب كثرة العجائب، وفنون الغرائب، وتمادي الأسفار، وتباعُد المراحل، وتفاوت المنازل، لأن كل حقيقة من الحقائق الكونية، وكلّ صورة من الصور الكمالية الوجودية، التي هي ثابتة للموجود بما هو موجود في شيء من العوالِم، فهي هناك بالفعل على وجه أعلى وأشرف وأتمّ، من غير لزوم تكثّر، وتطرّق تغيّر في الحضرة الأحدية، فالذات الأحدية أرض كل الحقائق، وسماء أنوار الهويّات، يقع فيه سير المسافرين، ويدور عليه أنوار السائرين، من الله مشرقها، وإلى الله مغربها، إذ ما شأنه أن يعاين بحق اليقين وعينه، فكيف يمكن أن يدرك بعلم اليقين أو دونه؟ إلا انّ البيان قاصر عن وصفه، واللسان يكلّ عن نعته، ولهذا قال صاحب المقامات - اعتذاراً عن بيان أحوال هذا المشهد-: "آثرنا الاختصار فإنها لا يفهمها الحديث ولا تشرحها العبارة ولا يكشف عنها المقال غير الخيال، من أحبّ أن يتعرّفها فليتدرّج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة، ومن الواصلين إلى العين دون السامعين للاثر" انتهى كلامه. ونحن أيضاً قد آثرنا الاختصار في مقامٍ خرست فيه السُن الفصحاء، واتّبعنا قول سيّدنا ونبيّنا (عليه وآله الصلاة والدعاء): إذا بلغ الكلام إلى الله فامسكوا. بصيرة [سر تقدم اياك نعبد على اياك نستعين] اعلم إن الانسان مركّب من جسد كالمركَب وروح كالراكب، وهو منذ خلَقه الله في سفر الآخرة، وغاية سفره لقاء الله، لهذا خُلق وعليه فُطر وجُبل، وهو المقصود من الروح، والمقصود من الجسد اكتساب المنافع واقتناء الخيرات والتخلّص عن الشرور والآفات. وهو المعني بالعبادة والخدمة. فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتياً بالأعمال المقرّبة للروح إلى الله، تعظيماً للمعبود وخدمة له، وهو أول درجات السعادة للإنسان، وهو المراد بقوله تعالى: {إيّاك نَعبُدُ}. وأفضل أحوال الروح أن يكون مرتبطاً بالحقّ، متعلقاً به، منقطعاً عن غيره، متجرّداً عن الدنيا وما فيها، فإذا واظَب على تحصيل هذه المرتبة، وداوَم على تجريد ذاته وتخليصها عن العلائق الماديّة والغواشي الدنيوية، فعند ذلك يظهر له شيء من أنوار القدس ولوامع الغيب، فإذا تنورت ذاته بنور المعرفة والعبادة، يعلم أنّ مبدء شوقه إلى عالم الملكوت، ومحرك ذاته لطلب التقرّب إليه تعالى، لم يكن ولا يكون إلا الله مقلّب القلوب ومحرّك النفوس، وأنّه بنفسه لا يستقل بالإتيان بهذه العبادات والتدرّج على هذه الدرجات، ولا يمكنه الإتيان بتحصيل شيءٍ من الكمالات العلمية والعمليّة إلا بتوفيق الله وعنايته وعصمته، وهو المراد من قوله تعالى: واياكَ نستَعينُ. وفيه ايضاً حجّة لأهل التوحيد الأفعالي، قال بعض العرفاء الموحّدين: ولولا أنّ العبد ادّعى الاستطاعة في الأفعال والاستقلال بها، لما أنزل الله عليه تكليفاً قطّ، ولا شريعة، ولهذا جعل حظّ المؤمن من هذه الدعوى أن يقول: ايّاكَ نَستعينُ، وحظّ العفراء المكاشفين ممن وقع عنهم التبرّي من الأفعال الظاهرة وجودها منهم أن يقولوا: لاَ حَولَ وَلاَ قوَةَ الاَ بالله العليّ العَظيم، فهذا القول لا يصدر على وجه الصدق إلاّ عن اولئك الكاملين العارفين بها التوحيد الأفعالي، فهو لهم خاصّة دون غيرهم، فكم بين الحالين من التبرّي والدعوى. فالمدعي مطالَب بالبرهان على دعواه، والمتبري غير مطالَب بذلك. ولا تقل: إنّ التبري أيضاً دعوى، فإنّ التبري لا يبقي شيئاً، وعلى ذلك ينطلق إسم المتبري - انتهى كلامه. وبالجملة فالمراد من قوله: ايّاكَ نَسْتَعين، طلَبُ الهداية لأقرب المناهج وأقوم الطرق إلى الله، كما وقع الافصاح عنه بعد هذه الآية بما يتلوها. بصيرة اخرى [الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة] الضميران المستكنّان في هذين الفعلين، إما للنبي (صلّى الله عليه وآله) وأمته أو للإمام وحاضري صلاة الجماعة معه. أو للقاري ومن معه من الحفظة أو له ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عباداتهم، وخلَط حاجتَه بحاجاتهم، لعلها تُقبل ببركاتها وتجاب إليها؛ كادراج البائع غيرَ الرائج في جملة الرائج في بيع الصفقة، ومن ها هنا يُعلم سرّ شريعة الجماعات. ولتقديم ضمير المعبود والمستعان به وجوه أخرى غير ما ذكر، كالتعظيم، وتقديم ما هو مقدم في الوجود، وللاشارة إلى أن نظر العابد والتفاته ينبغي أن يكون مقصوراً على ذات المعبود أولاً وبالذات، ثم إلى العبادة، لأنها وسيلة ووصلة بينه وبين الحق، فمن كان غرضه من المعرفة والعبادة نفسه أو نفس شيء منهما، فهو ليس من الموحدين ولا من العابدين، لأنه يعبد غير الله، وهذه حال المتبجح بزينة ذاته، وإن كان بمعرفة الحق، وأما من عبَد الله وغاب عن ذاته وعن عبادته، فهو مستغرق في العبودية لله بما هي عبودية له، وانتساب إليه، نسبة الفقر والحاجة التي هي من أشرف النِسَب. فإن قُصارى مجهود العابدين تصحيح هذه النسبة ومَن كانت هذه حالته في العبادة فهو من الواصلين لا محالة. اذ ملاحظة النسبة بما هي نسبة عين ملاحظة المنسوب إليه، فهو بالحقيقة مستغرق في ملاحظة جناب القدس وغائب عن ما سواه، حتى أنه لا يلاحظ نفسه، ولا حالاً من أحوال نفسه إلا من حيث إنها ملاحظة له ومفتقرة إليه. ولهذا رجّح قول حبيب الله: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} تفسير : [التوبة:40]. على قول كليمه: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء:62]. وبالجملة، أشرف منازل السالكين مقامُ الفقر ومنزل العبودية. والسبب العقلي فيه: ان جميع الموجودات قابلة للرحمة الإلهية، والكمال الوجودي بحسب فطرتها الإمكانية، وإنما المانع منها عن قبول الفيض الأتمّ والجود الأشمل، هو تقيّده بقيد خاص وتصوره بصورة وجوديّة مخصوصة تضاد قيداً آخر وصورة وجودية أخرى، فبقدر تخلّصه عن قيده الجزئي، وانخلاعه عن صورته المخصوصة، يستحقّ لكمال أتمّ وأعمّ، وصورة جوديّة اشمل وأكمل، فإذا تجرّد عن كل ما سوى الله، وغابَ عن كل اسم ورسم وحلية وصفة وحول وقوة، كان الله له بدلاً عن جميع ذلك، فصار الحقّ حولَه وقوّتَه وسمعَه وبصرَه ويدَه ورِجْله وجميع قواه وجوارحَه - كما ورد في الحديث القدسي - من غير تغير وتكثّر في ذاته وصفاته تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ولهذا أمثلة كثيرة: منها: أن الهيولى الأولى للاجسام، لمّا كانت في ذاتها عارية عن كلّ صورة حسّية وصفة جسمانيّة، قبلتها كلّها، بخلاف الموادّ الثانوية لها، فإنّها من حيث استعدادها الخاصّ لا تقبل إلا صورة واحدة، فكذلك النفس الإنسانيّة التي هي هيولى العقليّات، من شأنها أن تقبل سائر الصور العقلية والكمالات الملكوتية والأخلاق الحسَنة كلّها، إلاّ انّ تقيّدها ببعض الصفات، واحتجابها بحجب بعض الملكات يمنعها عن الاتّصال بما فوقها. ومنها: أنّ العناصر إذا امتزجت وتفاعلَت وانفعَل كل منها عن صاحبه، انكسرت كيفيّاتها، وكادتْ تخلَع عنها صوَرها المتضادّة الجزئية، فعند انكسارها وشدّة افتقارها إلى ما يحفظها عن الفساد، فاض عليها المبدأ الجواد بصورة كماليّة جامعة لكمالات تلك الصوَر المتعددة بوحدتها الجمعيّة، وقس عليها حال النفوس المتعدّدة عند اجتماعها في بيوت العبادة ومجالس العلم والذكْر، وتركها شواغلها الدنيويّة، كيف تُفاض عليها بركة الهيئة الجمعيّة، وتنكشف عليها صورة المسالة العلميّة التي هي أشرف من تلك الشواغل. ومنها: أنّ الجسم الملوّن الكثيف، إذا زال بالتصقيل لونُ سطحه وضوؤه، قَبِل بعد ذلك لون كل ما يقابله وضوءَه وما ذلك إلاّ لأنّ الجسم الصقيل لا لون له ولا ضوء له بالفعل، مع أنّه من شأنه أن يكون ذا لون وضوء لكونه كثيفاً. ومنها: أنّ الجسم المشف من شأنه قبول الألوان كلّها، وإذا اتّصف بلون خاصّ يمتنع عليه قبول غيره، يماثله أو يضادّه، وأما أنّ الملوّن بغير السواد، يقبل لون السواد، فلأنّ غير السواد من الألوان بالقياس إلى السواد كاللاّلون بالقياس إلى اللون، وها هنا موضعُ تأمل. ومنها: أنّ كلاً من مواضع الشعور الخمسة خالية عن الكيفيّات المحسوسة بتلك الآلة، فإنّ آلة البصر - وهي الجليديّة - شفّافة، وآلة الطعْم - وهي الرطوبة اللعابيّة - عديمة الطعم، وآلة الشمّ عديمة الرائحة، وآلة السمْع عديمة الصوت، وكذلك حكم آلة اللَمسَ، فإنّها وإن لم تكن خالية عن أوائل الكيفيات إلاّ انّها متوسّطة بينها، وقد تقرّر إنّ التوسط بين الأضداد بمنزلة الخلوّ عنها، أو لا ترى أنّك تقول للماء الفاتِر: لا حار ولا بارد؟. ولأجل خلوّ مادة كل من هذه القوى الحسّاسة عن جميع أفراد الصوَر التي هي واقعة تحت جنس محسوساتها، صارت قابلة للجميع من غير تأبٍّ وتعصٍّ عن قبول شيء منها، ما لم يعرض لها فساد أو مرض. ثمّ إنّ مادّة كلّ منها، وإن لم تكن مقيّدة بصورة الكيفية التي يقع الإحساس بها من تلك الحاسّة، ولكنّها مقيّدة بصوَر وكيفيات أخر من أجناس سائر المحسوسات، ولهذا اقتصر إدراكها على ما يخصّها ولا يتجاوز عنه إلى المحسوسات الأربع الباقية، ولخلوص القوّة المتخيّلة عن هذه الكيفيّات المحسوسة كلّها، أدركت الجميع وأحضرتها، لأنّ جوهر النفس الخياليّة غير مبصَرة ولا مسموعة ولا مشمومة ولا مذوقة ولا ملموسة، ولها قوّة قبول هذه الأشياء كلّها، فلا جَرَم تقبلها كلّها. ومنها: أنّ ملكة العدالة النفسانية - التي هي عبارة عن توسّط النفس الإنسانيّة في الشهوة بين الفجور والخمود، وفي الغضب بين الجُبن والتهوّر، وفي القوّة الإدراكيّة بين الجَربزة والبلاهة - لمّا كانت بمنزلة كون النفس خالية عن الإتّصاف بهذه الصفات الستّة، التي كلّ منها هيئة نفسانيّة شاغلة إيّاها إذا كانت راسخةً عن طلب الحقّ وسلوك الآخرة، صارت بسببها مستعدّة للكمال العلمي، لأنّها عند انكسار هذه القُوى وانقهارها عن طلب مشتهياتها ومقتضياتها، تخلص عن انقيادها وطاعتها، فتقع لها بقوّة عقلها الهيولاني، هيئة استعلائيّة عليها، وقوّة نوريّة استعداديّة لطاعةِ الحقِّ وانقياده، وقبولِ أنوار المعارف الإلهيّة وأسرارِ المقاصدِ الربوبيّة، فيصير عقلُه المنفعل علاّمةً بالحق، مطيعاً لله تعالى. فإذا علِمتَ حال هذه الأمثلة، فقسْ عليها حالَ السالك العارِف بالله عند عدم التفاته بما سواه، وعند كونه غير مشغول السرّ بغير الله، وغير متبجح بزينة ذاته من حيث هي ذاته، وإن كانت بصورة المعرفة وهيئة العبوديّة، بل مع غيبته عن ذاته، وغيبته عن غيبة ذاته، وفنائه عن فنائه، وحينئذ يكون باقياً ببقاء الله فوق ما كان باقياً بابقاء الله، كما كان قبل الوصول، وهذا هو مقام الفناء في التوحيد والمحو، وإليه الإشارة بقوله: {إيَّاك نَعبُدُ}. فإذا بقي في هذا المحو ولم يرجع إلى الصحو، كان مستغرقاً في الحقِّ محجوباً بالحقّ عن الخلق، كما كان قبل ذلك محجوباً بالخلق عن الحقّ، لضيق وعائه الوجودي وامتناع قبوله التجلّي الذاتي الشهودي فكذلك الموجود في مقام هذا التجلّى والشهود احتجب التفصيل عن شهوده واضمحلّت الكثرة في وجوده، ما زاغ بصرُه عن مشاهدة جمالِه وسَبَحاتِ نور جلاله، لاستغراقه في بحر التوحيد، فلا ينظر إلى ما سواه ولا يستعين إلاّ إيّاه، فيقول عند ذلك: إيّاكَ نَستَعينُ. أي في مشاهدة آلائكَ بمشاهدة ذاتِكَ وصفاتِك فحينئذ يرجع من الحقّ بالحقّ إلى الخلق، وهذا هو السفر الثالث من الأسفار الأربعة الواقعة من الكاملين المكملين. فإذا رجع بالوجود الحقّاني الموهوب إلى حالة الصَحْو بعد المَحْو، وانشرَح صدرُه ووسع الحقَّ والخَلْقَ، صار منتصباً في مقام الاستقامة كما أمر الله به الرسول - صلّى الله عليه وآله - في قوله: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} تفسير : [هود:112]، متوسّطا في صراط الحقّ بين التشبيه والتعطيل، ناظراً بعين الجمع إلى التفصيل، وإليه الإشارة بقوله: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}. وذلك هو الفوز العظيم، والمنُّ الجسيم، فقوله: ايَّاكَ نَعْبُدُ، إشارة إلى مقام السلوك إلى الله والتقرّب إليه بالعبوديّة التامّة له، وهي مرتبة الولاية المشارُ إليها في قوله: لا يزالُ يتقرّبُ العبدُ إليَّ النوافِل حتّى أحْببتُه. وقوله: وَايَّاكَ نَستَعينُ، إشارة إلى مقام الصحْو بعد المحْو، وهي مرتبة النبوة، المشار إليها في قوله تعالى: فإِذَا أحبَبتُه كُنْتُ سمعَه وبصرَه ويدَه ورِجْلَه - الحديث. بصيرة [سر تقديم العبادة على الاستعانة] قيل: قدّمت العبادة على الاستعانة، لتتوافق رؤوس الآي. وقيل: إنّ العبادة وسيلة لطلب الحاجة، وتقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وأسرع للقبول. وأقول: لمّا علمتَ أنّ أشرف مراتب الإنسان - بما هو إنسان - وأجلُّ مقاماته، تحصيل نسبة الإمكان والافتقار إليه سبحانه بالعبادة والعبوديّة، ولهذا قدّم ذكر العبوديّة على ذكر الرسالة في قولك: أشهدُ أنّ محمداً عبدُه ورسوله، وذلك لأن الأولى عبارة عن نسبة العبد إليه تعالى، والثانية عبارة عن نسبته إلى الخلق، فالأولى تكون أقدم من الثانية بالشرف، وإن كان الرسول أفضل من الوليّ، لكونه جامعاً للمنزلتين جميعاً، فكذلك الكلام ها هنا، فإنّ العبادة لكونها وسيلة إلى الحقّ، أشرفُ من الاستعانة لكونها وسيلةً إلى الخلق. واعلم أنّ في تقديم العبوديّة على الرسالة في التشهّد وجهاً آخر، وهو: أن لكلّ من الولاية والنبوّة حدوثاً وبقاءً، فالولاية أقدم حدوثاً وأدوم بقاءً من الرسالة، فناسب التقدم الوضعي للتقديم الزماني. وجه آخر قيل: لما نسبَ المتكلمُ العبادة إلى نفسه، كأنّه أوهَم ذلك تبجحاً بزينة ذاته من جهة نسبةِ العبادة، واعتداداً منه بما يصدر عنه، فعقّبه بقوله: إيَّاكَ نَستَعينُ، ليدل على أن العبادة أيضاً مما لا يتمّ ولا يستتبّ إلاّ بمعونة منه وتوفيق. وقيل: الواو للحال.

الجنابذي

تفسير : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعنى ينبغى للقارى ان يرتقى الى مقام الحضور ويشاهد الحقّ تعالى فى مظاهره تعالى فيرى انّه ما كان مالكاً لشيىءٍ من امواله وافعاله واوصافه وذاته وانّ الله كان هو المالك للكلّ بالاستحقاق فيقع فى مقام الالتجاء ويخاطبه بلسان حاله وقاله ولسان ذاته وجميع جنوده وقواه ويظهر عبوديّته ورقيّته له تعالى بنحو حصر العبوديّة فيه فانّ مقام الحضور يقتضى التضييق فى العبوديّة بحيث لا يبقى للحاضر مجال النّظر الى غير المعبود الم تنظر الى قوله تعالى {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 97] من غير ذكر عبادة فيه فضلاً عن حصر العبادة فيه تعالى، والى قوله تعالى {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [العنكبوت: 56] بذكر العبادة وحصرها فيه تعالى، فانّ مقام الغيبة لا يكون فيه عبادة ولو فرض عبادة لم يكن الاّ للاسم لا لله فضلاً عن الحصر فيه تعالى، وفى مقام الحضور لا يكون غير العبادة ولا تكون العبادة الاّ لمن حضر لديه ولذلك قال تعالى فى موضع آخر {واعبدوا الله} {واعبدوا ربّكم} ويكون المقصود من اظهار العبادة والحصر فى الله تعالى تمهيداً لطّلب الاعانة منه ويقول بطريق الحصر نفعل فعل العبيد لك لا لغيرك او نصير عبيداً لك لا لغيرك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فى دوام الحضور عندك وعدم الخروج من هذا المقام والبقاء على عبوديّتك وفى جملة الامور سوى هذا، واذا بلغ السّالك فى قراءته الى مقام الحضور عند ربّه يكون لا محالة يتجاذبه كثرات وجوده ورعايا مملكته وتتقاضى منه قضاء حاجاتها واحقاق حقوقها فيضطرّ الى الالتفات اليها والى كثرات خارجة من مملكته لاضطرار الحاجة اليها فى قضاء حقوق رعاياه ويرى انّه قلّما ينفّك فى معاملة الكثرات عن الافراط والتفريط وهما مانعان عن مقام الحضور ولذّة الوصال فيتضرّع على ربّه ويسأله الابقاء على لذّة الوصال عن الاشتغال بالاغيار ويقول {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}.

الهواري

تفسير : [قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. هذا دعاء؛ سأله المؤمنون الهدى والاستقامة في كل قول وعمل. {اهْدِنَا} أي: أرشدنا. قال بعض المفسرين: {الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ}، يعني الطريق المستقيم إلى الجنة، وهو دين الإِسلام. ذكروا عن ابن مسعود وابن عمر قالا: ترك النبي عليه السلام طرفَ الصراط عندنا وطرفَه في الجنة. قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. يعني بالإِسلام. قال بعضهم: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هم الأنبياء؛ وهو كقوله: (أية : أُوْلَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ...)تفسير : إلى آخر الآية. [سورة مريم:58] والإِسلام يجمعهم جميعاً. قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} يعني اليهود. {وَلاَ الضَّالِّينَ} يعني النصارى. والمشركون كلهم مغضوب عليهم وكلهم ضالون، ولكن اليهود والنصارى يقرأون الكتابين: التوراة والإِنجيل وينتحلونهما، ويزعمون أنهم يدينون بهما. وقد حرَّفوهما، وهم على غير هدى. ذكروا عن الحسن أنه قال: المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى.

اطفيش

تفسير : {إِيَّاكَ} قدم للحصر، والثاني للحصر والفاصلة، ومقتضى الظاهر، إياه نعبد، وإياه نستعين، ليهدنا بلام الدعاء، أنعم عليهم بصيغ الغيبة مثل ما قبله، إلا أنه لما أتى بالأوصاف الكاملة من كمال الرحمن المشاهدة، وصفات الجلال المحمود عليها، وقدرته الكاملة بتدريج الأفهام في ذلك على وجه الغيبة، وقوى برهان ذلك صار الغائب شاهداً بتكلم معه بصيغ الخطاب، وفي صيغة الخطاب تلذذ {نَعْبُدُ} نخدم بكل ما نقدر عليه، وهذا العموم أفاده الإطلاق القابل لكل ممكن على سبيل البدلية، فيحمل على العموم الشمولى الشامل لكل أفراد البدلى، وكذا في قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على تحصيل العبادة والمباح، وعلى دفع المعاصى عنها والمضار، وخدمته إما للثواب والهروب عن العقاب، وذلك زهد، وهى عبادة، وإما للشرف بها والنسبة إليه تعالى، وهى عبودية، وإما لإجلاله، وهى عبودية، وهى أعلى، وقدم العبادة لنتوسل بها إلى دفع المكروه، وجلب المحبوب، أو قدمها لأن المراد بها التوحيد، فذكر بعدها الاستعانة على مطلق العبادة، وأيّاً كان الأمر فالواو لا ترتب، وفى الوجه الأخير حصول التخلى قبل التجلى.

الخليلي

تفسير : في هذه الآية الكريمة يعلم الله عبادة أن يفردوه بالعبادة وبالإِستعانة، وهذه ثمرة التوحيد وجوهر الإِيمان والآيات المتقدمة في السورة جاءت توطئة لها ومقدمة لما فيها فإن الإله الحق الذي هو رب العالمين والمتصف بالرحمة والمالك للأمر في الدنيا والآخرة جدير بأن لا تتجه العبادة إلى غيره وأن لا يتعلق القلب بسواه، ويرى الزمخشري أن الآية الكريمة جاءت لتبين الحمد المقصود في قول الله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} ويتقدمها سؤال مقدر تقديره كيف تحمدونه؟ فأُجيب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وسوغ السيد الجرجاني ذلك لأن السؤال عن كيفية الحمد لا عن ماهيته، فصح أن يجاب عنه بالإِجابة المشتملة على الحمد وعلى غيره لأن ضم غيره إليه نوع بيان لكيفيته، أي حال حمدنا أن نجمعه بسائر عبادات الجوارح والإِستعانة في المهمات، ونخص مجموعها بك، وأورد السيد الجرجاني أيضا أنه صح كون العبادة بيانا للحمد من حيث أن اقصى غاية الخضوع يقتضي اعترافا تاما بالإِنعام، ووصفا للمنعم بصفات الجلال والإِكرام، وهذا لأن الحمد اصل العبادة ورأسها كما مر أنه رأس الشكر، إِذ حقيقة العبادة شكر المنعم الحقيقي، أي اظهار الإِنقياد له بقدر الإِمكان غاية ما في الباب أن الجواب يشتمل على زيادة في البيان، ورجح السيد الجرجاني أن يكون قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} استئنافا جوابا لسؤال يقتضيه اجراء تلك الصفات العظام على الموصوف بها أزلا وأبدا، كأن سائلا يقول: ما شأنكم مع هذا الموصوف؟ وكيف توجهكم إليه؟. فأجيب بحصر العبادة والإِستعانة فيه، واعترض الإِمام أبو السعود ما يقوله الزمخشري "بأنه مع كونه لا حاجة إليه مما لا صحة له في نفسه فإن السؤال المقدر لا بد أن يكون بحيث يقتضيه انتظام الكلام، وتنساق إليه الأذهان والأفهام، ولا ريب في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفية اللائقة لا يخطر ببال أحد أن يسأل عن كيفيته، على أن ما قدر من السؤال غير مطابق للجواب فإنه مسوق لتعيين المعبود لا لبيان العباده حتى يتوهم أنه بيان لكيفية حمدهم، والإِعتذار بأن المعنى نخصك بالعبادة وبه يتبين كيفية الحمد تعكيس للأمر وتمحل لتوفيق المنزل المقرر بالمفهوم المقدر، ثم قال: وبعد اللُّتيا والتي إن فرض السؤال من جهته عز وجل فأتت نكته الإِلتفات التي أجمع عليها السلف والخلف، وإن فرض من جهة الغير يختل النظام لأبتناء الجواب على خطابه تعالى وبهذا هدم أبو السعود ما رجحه الجرجانى من أنه استئناف جوابا لسؤال يقتضيه اجراء تلك الصفات العظام على الموصوف بها، وأضاف (بأن تناسي جانب السائل بالكلية وبناء الجواب على خطابه عزّ وعلا مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله) ثم قال: (والحق الذي لا محيد عنه أنه استئناف صدر عن الحامد بمحض ملاحظة اتصافه تعالى بما ذُكرمن النعوت الجليلة الموجبة للإِقبال الكلى عليه من غير أن يتوسط هنالك شيء آخر) وأرى أن أضيف إلى ما يقوله أبو السعود أن السورة الكريمة صُدِّرت بحصر الحمد في ذات الحق تعالى وهو مشعر كما سبق بصدور جميع الآلاء عنه ثم تُلِّي ذلك بوصفه تعالى أنه رب العالمين، وفي هذا تصريح بما يستلزمه حصر الحمد فيه من كونه مصدر جميع الآلاء، كما أن فيه إيقاظا للشعور بعظمته تعالى المستوجبة لملأ القلب بهيبته، ثم أُتبع ذلك وصفه بالرّحمة المستلزمة للإِحسان، واختتمت سلسلة هذه الصفات بكونه مالك يوم الدين وهو اليوم الذي ينقلب جيع الناس إليه ليلقوا جزاء ما قدموا، وإجراء هذه الصفات العظيمة على الله باللسان مع استشعار معانيها بالقلب يجعل النفس تنساق انسياقا تلقائيا إلى منتهى الخضوع لهذا الرب الجليل الموصوف بهذه الصفات، صفات العظمة التي لا تليق بغيره، وليس خضوع أبلغ من خضوع العابد فناسب المقام أن يُفرد الله تعالى هنا بالعبادة وبالإِستعانة بصيغة الخطاب المشعرة بالحضور، والخروج بالكلام من أسلوب الغَيبَة إلى أسلوب الخطاب هو المعروف عند علماء البلاغة بالالتفات ويكون أيضا بالخروج عن التكلم إلى الخطاب أو العكس وبالخروج عن الخطاب إلى الغيبة أو التكلم وهكذا.. ولا يعنينا هنا بحث مسائل الالتفات فإن ذلك من اختصاص علم البلاغة وانما يعنينا بحث النكتة التي يجاء به لأجلها، وقد ذكر علماء البلاغة نكتة عامة له وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط السامع والمتكلم، وقد تنضم إليها نكت خاصة بحسب المقامات، وللمفسرين والبلاغيين سباق في إظهار النكت التي تناسب هذا المقام، منهم من قال: لما ذُكر الحقيق بالحمد ووُصف بصفات العظمة التي تميزه عن غيره تعلقت معرفة القلب بمعلوم متميز خوطب بذلك ليكون أدل على الإِختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والإِنتقال من الغيبة إلى الشهود فكأن المعلوم صار عيانا، والمعقول مشاهدا، والغيب حضورا، وقيل: لما شرح الله تعالى صدر عبده بالإِسلام وأفاض على قلبه نور الإِيمان ترقى بسلم الحمد المستجلب لمزيد النعم إلى مقام الإِحسان وهو (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وأيضا حقيقة العباده هو الإِنقياد المطلق من النفس لأحكام المعبود، وصورة هذا الإِنقياد وقالبه الإِسلام، ومعناه وروحه الإِيمان، وسره وغايته الإِحسان، وبالإِلتفات في (نعبد) يصل العبد عبر المرحلتين السابقتين إلى المرحلة الثالثة، وذكر الألوسي "بأنه يحتمل أن يكون السر أنّ الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء، والثناء في الغيبة أولى ومن هنا إلى الآخر دعاء وهو في الحضور أولى"، وقيل غير ذلك. والعبادة لغة بمعنى الذل، يقال: عبد إذا ذل، وعُبِّد إذا ذُلل، منه قوله تعالى: {أية : أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الشعراء: 22] ويُقال طريق معبد إذا وطئته الأقدام حتى ذللته، ومنه قول طرفة بن العبد: شعر : تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبد تفسير : أما إصطلاحا فللناس فيها مذاهب ترجع إلى المعنى اللغوي، فابن جرير الطبري يفسرها بالخضوع والإِستكانة والذل مع الإِقرار بالربوبية للرب المعبود وحده، وروي عن ترجمان القرآن رضي الله عنه "أن المراد بقوله سبحانه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إياك نوحد ونخاف ونرجو"، ورواه عنه ايضا ابن ابي حاتم، وابن كثير يرى أن العبادة استكمال المحبة مع منتهى الخضوع والخوف، وابن تيميه يرى أن العباده الجمع بين المحبة والخضوع، ولجهابذة العلماء في العصر الحديث أنظار في مدلول لفظ العباده، فالإِمام أبو الأعلى المودودي يرى أن العبادة تتكون من عناصر، منها الإِذعان التام من العابد لعلو المعبود والنزول له عن حريته واستقلاله، وترك كل مقاومة وعصيان إزاءه والإِعتقاد بعلائه، والإِعتراف بعلو شأنه، وأن يكون قلبه مفعما بعواطف الشكر والإِمتنان على نعمه وأياديه بحيث يبالغ في تمجيده وتعظيمه، ويتفنن في إبداء الشكر على آلائه، وفي أداء شعائر العبدية له، ويرى العلامة المودودي أن هذا التصور لا ينضم إلى معاني العبدية إلا إذا كان العبد لا يخضع لسيده رأسه فحسب، بل يخضع معه قلبه أيضا، ويستمد السيد الموردودي نظرته هذه في تفسير العبادة من مدلول الكلمة اللغوي، فإن العربي بمجرد سماعه كلمة العبد والعبادة لا يتصور إلا العبديه والعُبودية، وبما أن وظيفة العبد الحقيقية هي طاعة سيده المطلقة فإن تصور الطاعة بمجرد ذكر العبد والعبادة أمر لا بد منه، وخلاصة رأيه في العبادة أنها خضوع الظاهر والباطن والانقياد المطلق من العابد للمعبود مع غمرة القلب بالشعور العبودي. أما الأستاذ الشيخ محمد عبده فيرى أن العبادة شعور خاص في القلب يستلزم الخضوع المطلق والإِنقياد التام من العابد للمعبود وفي ذلك يقول: ما هي العبادة؟ يقولون هي الطاعة مع غاية الخضوع وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل وتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون احيانا بالتعريف اللفظي، ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها اجمالا وتساهلا واننا إذا تتبعنا آى القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لعبد وما يماثلها ويقاربها في المعنى - كخضع وخنع واطاع وذل - نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي عبد ويحل محلها ويقع موقعها. ولذلك قالوا: إن لفظ العباد مأخوذ من العبادة فتكثر إضافته إلى الله تعالى ولفظ العبيد تكثر إضافته إلى غير الله تعالى لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى، ومن هنا قال بعض العلماء إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى ولكن استعمال القرآن يخالفه. يغلو العاشق في تعظيم معشسوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفنى هواه في هواه وتذوب إرادته في ارادته ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء فترى من خضوعهم لهم وتحريمهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين دع سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة فما هي العبادة إذاً؟. تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشىء عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده وإن قبل موطىء أقدامه ما دام سبب الذل والخضوع معروفا وهو الخوف من ظلمه المعهود أو الرجاء لكرمه المحدود اللهم إلا بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن للملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا لأنهم أطيب الناس عنصرا وأكرمهم جوهرا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإِلحاد فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية. ويضيف الأستاذ إلى ذلك فيقول: للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان شرعت لتذكير الإِنسان بذلك الشعور بالسلطان الإِلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه والأثر إنما يكون عن ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع فإذا كانت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة كما أن صورة الإِنسان وتمثاله ليس إنسانا خذ إليك عبادة الصلاة مثلا وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإِتيان بها وإقامة الشيء هي الإِتيان به مقوما كاملا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره، وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا الله تعالى بها بقوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت: 45] وقوله عز وجل {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المعارج: 19- 22] وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها المؤدى إلى غايتها بقوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} تفسير : [الماعون: 4- 7] فسماهم مصلين لأنهم أتوا بصورة الصلاة ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته والمشعر للقلوب بعظم سلطانه ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون. هذا كلام الأستاذ في العبادة، وهو يفيد أن معنى العبادة لا يتم إلا مع استشعار عظمة المعبود التي لا تكتنه، وقدرته التي لا تُحد، وهو صحيح بالنظر إلى العبادة الصحيحية الواجبة لله تعالى، ولكن لا يمنع أن يطلق اسم العباده على تعظيم أحد لغيره تعظيما يخرج به عن حدود استحقاق البشر، ويدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله مع أنهم لم يكونوا يعتقدون لهؤلاء الأحبار والرهبان القدرة المطلقة التي لا تُحد، والعظمة الباهرة التي لا تكتنه، وروى الإِمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو قوله سبحانه: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 31] - وكان امرأً قد تنصر - فقال له إنهم لم يعبدوهم، قال له: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" فإذا كان اتباع الإِنسان على تحليله الحرام وتحريمه الحلال عبادة فما بالك بما يكون من مخلوق لمخلوق مثله من تعظيم لا يليق إلا بمقام الألوهية. هذا والعبادة هي الغاية التي لأجلها خلق الإِنسان، قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] ومن هنا كانت فطرة كل إنسان داعية إليها لما تستشعره من الفراغ الروحي والخواء النفسي بدونها، ومن ثم كانت العبادة تلبية لنداء الفطرة الذي يجلجل من أعماق النفس الإِنسانية، وإنما الفطرة وحدها لا تستطيع أن تهتدي إلى العبادة الصًّحيحة ولذا فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه لتوجيه هذه الفطرة إلى الصراط المستقيم، وما من رسول إلا وكانت دعوته الأولى في قومه إلى إفراد الله تعالى بالعبادة {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 25] والعبادة الخالصة لله تعالى توائم بين حركتي الإِنسان الاختيارية والاضطرارية، فجسم الإِنسان تُعَد خلاياه بملايين الملايين، وكل هذه الخلايا تتحرك بحسب سنة الله فيها، فإذا انقاد هذا الإِنسان وأذعن لربه العظيم وعبده حق عبادته حصل الانسجام التام ما بين هذه الحركات الطبيعية في جسمه وحركته الاختيارية التي ينساق إليها مختارا طاعة لمولاه، ومن هنا نجد الإِمام المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله يُعبر في إحدى قصائده النورانية عما يشعر به وهو يسبح لله سبحانه من تجاوب ألسنة لا تحصى فيه مع هذا التسبيح حيث يقول: - شعر : أعاين تسبيحي بنور جناني فأشهد منى ألف ألف لسان وكل لسان أجتلي من لغاته إذا ألف ألف من غريب أغان ويُهدى إلى سمعي بكل لُغية هدي ألف ألف من شتيت معان وفي كل معنى ألف ألف عجيبة يقصر عن إحصائها الثقلان تفسير : ولا تقف عبادة الإِنسان عند هذا الحد بل توائم بين حركته وحركة كل شيء في هذا الكون الواسع الذي تسبح كل ذرة منه بحمد الله وتسجد خاضعة لجلاله، {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]، {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ}تفسير : [الحج: 18] ولذلك كانت عبادة الله الخالصة داعية للشعور بالانسجام مع الكون والألفة مع الوجود، فلا ينظر إليه العابد نظرة نفرة وعداء، وإنما ينظر إليه نظرة وئام ووداد. أما إذا تجلى الإِنسان عن عبادة ربه فإنه يشعر بعداوة الكون وخصومة الطبيعة له، ولذلك تجد الغربيين الذين رانت على قلوبهم الجاهلية الحديثة ينظرون إلى الكون نظرة الخصومة والعداء، ويتجلى ذلك في عباراتهم، فكثيرا ما يرد على ألسنتهم وأقلامهم قهر الطبيعة وقسوتها، فإذا حقق أحدهم شيئا قالوا قهر الطبيعة أو تغلب عليها، وإذا أصيب أحدهم بمكروه قالوا قست الطبيعة عليه، أما المؤمن الذي يسبح بحمد الله ويسجد لكبريائه فهو لا يشعر بأية عداوة بينه وبين الطبيعة، وإنما يشعر بالألفة والمودة بينه وبينها لما يربطهما من الخضوع لله والتسبيح بحمده، ولما يتلوه على صفحاتها من آيات بينات تزيد إيمانه رسوخا ويقينه ثباتا، ومما يؤسف له أن تردد ألسنة تلامذة الغرب المنتسبين إلى الإِسلام هذه العبارات الوقحة بدون شعور بهاجس نفسي يؤنبهم على استعمالها، وهذا إن دل على شيء فهو دليل على ما أصاب قلوبهم من المسخ وبصائرهم من الطمس، وإذا كانت العبادة منشأ الألفة والوئام بين العابد وجميع الكائنات فإن ذلك يقتضي أن تكون العبادة أوسع مدلولا مما يظنه كثير من الناس من أنها منحصرة في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وهذا هو الذى تدل عليه الآيات والأحاديث. أما الآيات فأرى أن أؤخر الكلام عليها إلى أن أصل إليها إن شاء الله في مواضعها، وأما الأحاديث فبحسبي أن أذكر مثالين منها: 1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : في كل ذى كبد رطبة أجر" تفسير : وهو دليل على أن الإِنسان يتقرب إلى الله سبحانه بالإِحسان حتى إلى البهيمة العجماء. 2- يقول عليه أفضل الصلاة والسلام "حديث : في بضع أحدكم صدقة" قيل له يا رسول الله أيصيب أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: "أرأيت إن وضعها في حرام ألم يكن يؤزر" قيل له بلى يا رسول الله قال: "كذلك يؤجر إن وضعها في حلال" تفسير : فانظر كيف يكون العَمل الفطرى الذي يبلى به الإِنسان داعي الغريزة عبادة يؤجر عليها إن أحسن توجيهه واستصحب معه حسن النية. وبهذا يتضح أن العبادة تقتضى الخضوع المطلق لمنهاج الله فلا يحكم العابد إلاّ به ولا يحتكم إلا إليه ولذلك حكم الله على من لم يكن يحكم بما أنزل بالكفر والظلم والفسق حيث قال: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44] وقال: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [المائدة: 45] وقال: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 47] وانكر على الذين يدعون الإِيمان وهم يتحاكمون إلى غير شرعه في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}تفسير : [النساء: 60] ونفى الايمان عن كل من لم يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم الناطق بوحيه المبلغ لأمره في قوله: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}تفسير : [النساء: 65]. والعبادة أسمى ما ينتسب إليه الانسان ولذلك وصف الله عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعلى مقامات ذكره وهى صِنو العبادة فقد قال في معرض ذكر إنزال الكتاب عليه {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ..} تفسير : [آل عمران: 7] وقال {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}تفسير : [الكهف: 1] وقال: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان: 1] وقال في معرض الحديث عن إبلاغه الرسالة ودعائه الله {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} وقال في الحديث عن الإِسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ترتب عليه أن ينال من الإِكرام ما لم ينله أحد قبله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء: 1] وهذا لأن عبادة الإِنسان لربه وعبوديته له تعنيان تحرير رقبته من الذل لسواه وتخليص قلبه من الخضوع لغير عزته، وقد غلا بعضهم فادعى أن العبودية أشرف من الرسالة حكى ذلك الفخر الرازى في تفسيره ولم يتعرض له بشيء، وحاصل ما احتج به هذا القائل أن الرسالة انصراف عن الحق إلى الخلق، والعبودية انصراف عن الخلق إلى الحق، والعبودية أيضا تجرد عن التصرفات، والرسالة تلبس بها، وهذه فلسفة باطلة لا يجوز لمن يؤمن بالله ورسله أن يقرها فالرسالة هى أشرف المقامات وأعلى الدرجات التي يوصل إليها بمحض اصطفاء الله تعالى ولا تنافي العبودية ولذلك وصف الله بهما أحب الناس إليه وأرفعهم عنده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليست الرسالة - كما قال - انصرافاً من الحق إلى الخلق وإنما هى اضطلاع بواجب أمانة الحق لابلاغها إلى الخلق، وإذا كانت تقتضي اشتغالا بالتصرفات فإن تلك التصرفات هى من أقرب القربات إلى المرسِل سبحانه فهى داخلة في حدود عبادته، وأعظم الدلائل على إخلاص العبودية له. والفخر والألوسي قسما العبادة إلى ثلاث درجات تمشيا مع آراء كثير من العلماء: الدرجة الأولى: أن تكون العبادة ابتغاء ثواب الله وخشية عقابه، وهى أضعف الدرجات وسماها الألوسي في تفسيره عبادة. الدرجة الثانية: أن تكون لأجل نيل شرف بما فيها من التزلف إلى الله تعالى، وهى درجة متوسطة عندهم، وسماها الألوسي عبودية. الدرجة الثالثة: أن تكون لذات الله مع غض النظر عن كل ما سواه وسماها الألوسي عبودية. وفي هذا التصنيف نظر، إذ لا يستند إلى دليل من كتاب ولا سنة، وتعظيم الله سبحانه بالعبادة وإخلاصها لوجه لا ينافيان ابتغاء ثوابه والحذر من عقابه كما لا ينافيان الرغبة في نيل شرف عبادته عزَّ وجل، وللإِمام نور الدين السالمي رحمه الله في معارجه بحث نفيس في هذه المسأله، ناقش فيه كلام هؤلاء الذين يقسمون العبادة من تلقاء أنفسهم أقساما، واستدل لرده بما جاء من الآيات التي تصف الأنبياء أنهم كانوا يعبدون الله رغبا ورهبا، كقوله سبحانه: {أية : كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} تفسير : [الأنبياء: 90] وهي في معرض مدحهم والإِبانة عن علو قدرهم، ولا ريب أن الأنبياء أرسخ في العبادة قدما، وأسرع إلى كل خير سبقا من غيرهم، فلو كانت العبادة التي تكون بباعث الخوف والرجاء أضعف من غيرها لكانت عبادات الأنبياء غير مقرونة بهما على أن الخوف والرجاء هما السور المتين الذي يحوط أعمال البر كلها. وكما تطالب الآية الكريمة الناس أن يفردوا الله سبحانه وتعالى بالعبادة تطالبهم بأن يفردوه بالاستعانة لأن القوة المطلقة لله وكل ما يحدث في الكون فهو بأمر الله وكما أن الله تعالى قد تفرد بخلق الكون فهو متفرد بتدبيره فلا معنى للتعلق بغيره، والقرآن الكريم جاء ليقرر هذه الحقيقة بكثير من الآيات التي تخاطب الناس بالبرهان وتضرب لهم الأمثال، منها قول الله سبحانه {أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [الرعد: 16] وقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} تفسير : [الزمر: 38] ويبين لنا القرآن أن كل محاولة من المخلوقين لرد سراء أو ضراء كتبها الله لأحد أو عليه لا بد أن تبوء بالفشل الذريع {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [فاطر: 2] {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [يونس: 107] والنبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أمته على هذه العقيدة القرآنية لتتحول إلى واقع ملموس في أحوال المؤمنين ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الشيخين "حديث : إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ". تفسير : وهنا سؤال يفرض نفسه وهو أن الإِنسان كائن اجتماعي يشترك مع غيره في المصالح والمنافع ولا يمكنه الاستقلال عن سائر بني جنسه فهو بحاجة دائما إلى من يعينه فإذا مرض احتاج إلى الطبيب، وإذا أفلس احتاج إلى من يقرضه أو يتصدق عليه، وإذا اضطر إلى حمل شيء لا يطيقه احتاج إلى من يعينه عليه، وهكذا فكيف يمنع من الاستعاة بالناس؟ على أن القرآن نفسه يرشدنا إلى التعاون في قوله: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} تفسير : [المائدة: 2] وأترك الإِجابة عن هذا السئوال لفيلسوف الإِسلام الإِمام محمد عبده وتلميذه السيد محمد رشيد رضا. أما الإِمام محمد عبده فيجيب بما معناه: أن أعمال الناس تتوقف ثمراتها ونجاحها على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإِلهية أن تكون مؤدية اليها وانتفاء الموانع التي جعلها الله بمقتضى حكمته حائلة دونها، والإِنسان بما اوتي من علم وقوة مكن الله له من كسب بعض الأسباب ودفع بعض الموانع ولكن حجب عنه البعض الآخر فيجب على الناس أن يقوموا بما فيه استطاعتهم من ذلك ويتقنوا أعمالهم بما في وسعهم وأن يتعاونوا ويساعد بعضهم بعضا ويفوضوا الأمر فيما وراء الكسب إلى القادر على كل شيء ويلجأوا إليه وحده طالبين منه المعونة المتممة للعمل والمؤدية إلى جناء ثمرته وليس لهم أن يتعلقوا بما وراء الاسباب إلا بمسببها سبحانه، ويتضح بهذا أن قوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} متمم لمعنى قوله {إِيَّاكَ نَعْبُد} لأن هذه الاستعانة هي فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه بها العبد إلى غير الله كان ضربا من ضروب العبادة الوثنية التي انتشرت في زمن التنزيل وقبله، وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجاهلون أن الاستعانة بالذين اتخذوهم أولياء من دون الله واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة للناس هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة فأراد الله سبحانه أن يزيل هذا اللبس ببيان أن الاستعانة بالناس في حدود استطاعتهم ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما مثلها إلا كمثل الآلات المستعملة فيما خصت به بخلاف الاستعانة بهم فيما وراء طاقاتهم البشرية كالاستعانة في شفاء المريض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العدة والعدد فإن ذلك مما لا يجوز أن يكون إلا بالله تعالى الذي بيده الأسباب والمسببات وهو على كل شيء قدير، وضرب الإِمام محمد عبده مثلا لذلك: الزارع عندما يبذل جهده في الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها فهو يمارس الوسائل المؤدية مع التوفيق إلى حصول المطلوب، ويستعين بالله تعالى على النجاح طالبا منه منع الآفات والجوائح السماوية والأرضية، ومثل بالتاجر الذي يحذق في اختيار الأصناف ويمهر في فن الترويج، ويتوكل على الله فيما وراء ذلك، وخلص الأستاذ الإِمام من هذا إلى تفنيد حالة الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم، وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم، ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من الأمور التي ليست في استطاعة الأحياء بله الأموات، وقال عنهم: إنهم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون، واستخرج الأستاذ الإِمام من قول الله سبحانه: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فائدتين جليلتين قال فيهما: (هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة): أولاهما: أن الإِنسان مطالب بالأعمال النافعة والاجتهاد في إتقانها ما استطاع، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه أو يخشى أن لا ينجح فيه فيطلب المعونة على إتمامه وكماله. فمن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، أما من وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده فهو جدير بطلب المعونة من غيره على رفعه ولكن بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، ثم قال الأستاذ بعد هذا التحرير: وهذا الأمر هو مرقاه السعادة الدنيوية وركن من أركان السعادة الأخروية. ثانيتهما: ما يفيده الحصر المستفاد من تقديم المعمول على العامل من وجوب تخصيص الاستعانة بالله وحده فيما وراء ذلك، قال: وهو روح التوحيد وكمال الدين الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الغيار، ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكذّابين من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرا خالصا وسيدا كريما، ومع الله عبدا خاضعا {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}تفسير : [الأحزاب: 71]. وأما السيد محمد رشيد رضا فيقول "إن عبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر لأنه هو الإِله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية المعنوية، قال: ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم واسم الرب الأكرم إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللف، والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} تفسير : [هود: 123] فهذه الاستعانة هى ثمرة التوحيد واختصاص الله تعالى بالعبادة، فإن من معنى العبادة الشعور بأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العامة الموهوبة من الله تعالى لعباده كافة هي لله وحده، كما تنطق به الآية التي استشهدنا بها آنفاً على قرن العبادة بالتوكل فمن كان موحدا خالصا لا يستعين بغير الله تعالى قط، فما كان من أنواع المعونة داخلا في حلقات سلسلة الأسباب كان طلبه بسببه طلبا من الله تعالى ولكنه يحتاج في تحقيق ذلك إلى قصد وملاحظة وشهود قلبى وما كان غير داخل فيها يتوجه في طلبه إلى الله تعالى بلا واسطة ولا حجاب. قال: وبهذا البيان تعلم أن لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن الله تعالى بل الكمال والأدب في الجمع بينهما، فالسيد المالك إذا نصب لعبيده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا وجعلهم خدما يقومون بأمرها لا يكون طلب الطعام منه إلا بالاختلاف إلى المائدة، وإنما ينبغي أن لا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذي أنشاها بماله وسخر أولئك الخدم للآكلين عليها، ولا عن حمده وشكره، وهذا مثال مائدة الكون بأسبابه ومسبباته فالعبد إذا احتاج شيئا من الأشياء التي لم يجعلها سيده مبذولة لجميع عبيده في كل وقت طلبه منه دون سواه، فإن أظهر الحاجة إلى غيره كان ذلك من قلة ثقته بمولاه حيث جعل ذلك الغير في مرتبته أو أجدر منه بالفضل، قال: هذا في العبيد مع السادة الذين لهم نظراء وأنداد فكيف إذا كان العبد الذي يتوجه إلى غير مولاه لا يجد من يتوجه إليه سواه إلا أمثاله من العبيد المحتاجين إلى المولى مثله لأنه هو السيد الصمد الذي ليس له كفوا أحد، وأتبع ذلك قوله أن لفظ الاستعانة يشعر بأن يطلب العبد من الرب تعالى الإِعانة على شيء له فيه كسب ليعينه على القيام، به وفي هذا تكريم للإِنسان بجعل عمله أصلا في كل ما يحتاج إليه لإِتمام تربية نفسه وتزكيتها، وإرشاد له إلى أن ترك العمل والكسب ليس من سنة الفطرة، ولا من هدي الشريعة فمن تركه كان كسولا مذموما لا متوكلا محمودا، وتذكير له من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر فيتوهم بأنه مستغن بكسبه عن عناية ربه فيكون من الهالكين في عاقبة أمره، هذا كلامه وهو ككلام أستاذه في إثبات كون الاستعانة بالله وعدم إشراك غيره فيها من لوازم الإِيمان ومقتضيات التوحيد، وإنما بين كلاميهما خلاف لفظي، فالأستاذ الإِمام يرى أن الاستعانة فيما كان داخلا في إطار الأسباب التي منحها الله عباده جائزة أن تكون بأولئك الذين أجرى الله الأسباب على أيديهم وعلى ذلك يحمل نحو قوله تعالى: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}تفسير : [المائدة: 2] أما تلميذه السيد محمد رشيد رضا فهو ينظر إلى أن أولئك ليسوا مستقلين بالأسباب وإنما وهبهم الله تعالى من فضله التفوق فيها وسخرهم بحكمته لإِعانة المحتاجين إليها فالمستعين بهم إنما يستعين في الحقيقة بالله واهب الأسباب ومقدرها فيجب على المؤمن ألا يغفل عن هذه الحقيقة عندما يطلب من غيره قضاء حاجته. هذا وقد يفهم من كلامه في الأسباب العَامة وقوله إنها موهوبة للناس كافة أنه يرى تكافؤ جميع الناس فيها، وهو أمر ترده المشاهدة فإن الناس متباينون في المواهب منهم من وهب حصافة الرأي، ومنهم من وهب قوة البدن ومنهم من وهب الحذق في أعمال خاصة وهذا لتكون حياة الناس قائمة على أسس الاجتماع ولو تساوى الناس في مواهبهم لاستغنى كل أحد بنفسه واستكفى بموهبته ولكن الله سبحانه يريد بذلك تذكير الناس بفقرهم واحتياجهم، لئلا يغتر إنسان بما أوتي فيدعي أنه أوتيه باستحقاق، فتجد الملك بحاجة إلى الحجام والقين والحداد والطباخ كحاجته إلى المستشارين والوزراء فسبحان الغني الذي تفرد بالعزة والكبرياء. وبهذا الذي حررناه تدرك خطورة ما يصنعه كثير من الناس من التعلق بغير الله سبحانه في طلب الحاجات التي لم يجعل الله قضاءها بيد الناس والأعجب من ذلك أن يأتي أحدهم إلى ضريح طالبا من صاحبه الميت البالي أن يعينه على ما لا يستعان عليه إلا بالله، أو يأتي إلى صخرة صماء أو شجرة أو نهر أو أي شيء من هذا القبيل طالبا منه ذلك مع أن هذه الأشياء لا تسمع ولا تبصر ولا تحس ولا تعقل وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق منزلة وأعظمهم شأنا يقول له سبحانه في حياته: {أية : قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأعراف: 188] فما بالك بغيره صلى الله عليه وسلم بل ما بالك بالأموات والجمادات والنباتات هل من المعقول أن تلبي هذه الأشياء لأحد طلبا أو تسمع له دعاء أو تستجيب له نداء؟ وإنما ذلك شأن العقول إذا ضلت والأفكار إذا زاغت. ولعمري ليس تفشي مثل هذه الضلالات في هذه الأمة إلا تصديقا لنبوة النبي الصادق صلى الله عليه وسلم حيث يقول كما ثبت في الصحيحين "حديث : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"تفسير : وفي حديث أبي واقد الليثي عند الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها "ذات أنواط" يعلقون عليها أسلحتهم، فقيل له: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي: "حديث : سبحان الله هذا كما قال قوم موسى {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم ". تفسير : هذا وفي المقام مباحث: الأول:- في تقديم العبادة على الاستعانة، ولأفكار العلماء تزاحم في استخراج حكمة ذلك وقد استظهروا وجوها: أولها: أن العبادة أمانة كما قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72] لذلك كانت أجدر بالعناية، فقدمت. ثانيها: أن إسناد المتكلم العبادة إلى نفسه يوهم التبجح والاعتداد بما صدرعنه، فكان جديرا بأن يُتْبع ما يدل على أن العبادة لا تتم إلا بمعونة وتوفيق من الله وهذا يستفاد من جملة {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. ثالثها: أن العبادة قربة محضة إلى الله تعالى، أما الاستعانة فقد تكون لمنفعة عاجلة. رابعها: أن العبادة مطلوبة لله تعالى من العباد، والاستعانة مطلوبة للعباد من الله، وتقديم ما كان لله أولى مما كان للعباد. خامسها: أن العبادة في جملتها واجبة لله تعالى على العبد، ولذلك كانت هي الغاية من خلق الإِنس والجن، قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] أما الاستعانة فيختلف حكمها باختلاف حال المستعان عليه. سادسها: أن العبادة أظهر مناسبة بذكر الجزاء فجيء بها بعده، والاستعانة أكثر التئاما مع طلب الهداية فجيء بها قبله. سابعها: أن الاستعانة ثمرة للعبادة، فإن إخلاصَ العبادة لله يستلزم إفراده بالاستعانة، قال صاحب المنار: "ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه بالله تعالى ليوفق العابد للإِتيان بها على الوجه المرضي له عز وجل، لا منافاة بين الأمرين لأن الثمرة التي تخرج من الشجرة تكون حاوية للنواة التي تخرج منها شجرة أخرى، فالعبادة تكون سببا للمعونة من وجه، والمعونة تكون سببا للعبادة من وجه آخر، كذلك الأعمال تكون الأخلاق التي هي مناشيء الأعمال، فكل منها سبب ومسبّب، وعلة ومعلول، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة". ويرى ابن جرير أن الترابط الذي بين العبادة والاستعانة يقتضي جواز تقديم أي منهما على الآخر كما يجوز أن يُقال: قضيت حقي فأحسنت إليّ، أو أحسنت إليّ فقضيت حقي، ويُستفاد مما قاله أنه لا يرى ما يسوغ البحث في تقديم العبادة على الاستعانة. الثاني:- في تقديم المعمول وهو {إياك} على العامل وهو {نعبد} و {نستعين}، وذكروا له وجوها:- أولها: الدلالة على الحصر والاختصاص، ومن هنا فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلا نعبدُ غيرك، ويراد به التبرؤ عن الشرك والتعريض بالمشركين. ثانيها: أن المتقدم في الوجود أحق بالتقدم في الذكر، فالله تعالى كان قبل كل موجود، ولذلك كان الأنسب تقديم ذكره عن ذكر عبادته. ثالثها: أن في تقديم ذكره تعالى تنبيها للعابد من أول الأمر على أن المعبود هو الله، فيوقظ ذلك الهمة في نفسه ويقضي على الكسل والتواني. الثالث:- في المجيء بصيغة الجمع دون الإِفراد في قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وفيه أقوال: أولها: أن العبد يحتقر نفسه في مقام الخطاب لله عز وجل، ويستقل عبادته بجانب ما لله تعالى من منة أسبغها عليه وحق يجب له تعالى على العبد، فيجدر به أن يخاطبه مع غيره وأن يوجه عبادته إليه مختلطة بعبادة العابدين. ثانيها: أن الإِنسان مع خضوعه لأهل الدنيا وطلبه منهم ما يجدر طلبه من الله إن قال بمفرده إياك أعبد وإياك أستعين كان كاذبا، أما إن وجه الخطاب بصيغة الجمع الدالة على اشتراكه مع العابدين والمستعينين كان أبعد عن الكذب، لوجود من أخلص له العبادة وقصر الاستعانة عليه من بينهم. ثالثها: أن صيغة الجمع أدعى إلى القبول والاستجابة من صيغة الإِفراد لأن المخاطب يحشر نفسه في زمرة المخاطبين، ولا يعتد بخطابه بنفسه، وذكروا أنّه مما يرشد إلى ذلك ما حكاه الله عن الذبيح إسماعيل عليه السلام من قوله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الصافات: 102] وما حكاه عن الكليم عليه السلام من قوله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً} تفسير : [الكهف: 69] وقد صبر الذبيح لتواضعه بعد نفسه واحداً من جمع، ولم يصبر الكليم لإِفراده نفسه مع أنهما قالا جميعا "إن شاء الله". رابعها: أن الإِسلام دين وحدة واجتماع، وليس بدين تشتت وافتراق، ولأجل ذلك شرعت بعض العبادات تؤدي بطريقة جماعية لا على الانفراد، وفي المجيء بصيغة الجمع هنا في هذه السورة التي يجب على المسلم أن يكررها في كل ركعة من ركعات الصلاة التي هي أهم عبادة في الإِسلام تذكير بواجب الترابط بين المسلمين وإيقاظ لمشاعر الأخوة والمودة بينهم. الرابع:- في تكرار {إِيَّاكَ} وفيه آراء:- أولها: أنه للتنصيص على أن طلب العون منه تعالى فإنه لو قال: {إياك نعبد ونستعين} لاحتمل أن يكون إخبارا عن طلب العون من غير تعيين للجهة المطلوب منها. ثانيها: أن العبادة هي قربة إلى الله تعالى ولو لم تكن مقرونة بالاستعانة، والاستعانة كذلك ولو لم تكن في حال العبادة، ولو أفرد ذكر الضمير لأوهم أنه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بينهما. ثالثها: أن في التكرار تعليما للناس بأن يجددوا ذكر الله عند كل حاجة تعن. الخامس: في إطلاق الاستعانة وعدم تقييدها بمستعان فيه معين، وقد ذكروا لذلك نكته وهي قصد العموم لاحتمال دخول كل ما يستعان عليه، والفعل المثبت وإن كان له حكم الإِطلاق المخالف لحكم العموم في عدم احتوائه جميع أفراد مدلولات لفظه دفعة واحدة، فإنه بعدم تقييده يقضي باحتمال قصد أي فرد من أفراد تلك المدلولات، ومن جهابذة المفسرين من يرى أن الاستعانة هنا ليست على إطلاقها وإنما هي محصورة في العبادة، وممن جنح إلى هذه العلامة الزمخشري في كشافه حيث جعل الاستعانة مبهمة أوضحها قول الله تعالى فيما بعد: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} فكأنما المستعينون سُئلوا من قبل العلي الأعلى: كيف أعينكم؟ فقالوا: إهدنا الصراط المستقيم. واللائق بعقيدة التوحيد عموم الاستعانة في كل ما يطلب العون فيه وهذا لا يمنع أن تكون العبادات داخلة من باب الأولوية فيما يستعان فيه، وقد أسلفنا حديث ابن عباس رضي الله عنهما الدال على الاستعانة بالله شاملة لكل ما يُطلب فيه العون، وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على طلب العون من الله في أداء العبادة، فقد أخذ يوما بيد معاذ رضى الله عنه وقال: "حديث : والله إني لأحبك أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ".

ابن عاشور

تفسير : إذا أتم الحامِدُ حَمْد ربه يأخذ في التوجه إليه بإظهار الإخلاص له انتقالاً من الإفصاح عن حق الرب إلى إظهار مراعاة ما يقتضيه حقه تعالى على عبده من إفراده بالعبادة والاستعانة. فهذا الكلام استئناف ابتدائي. ومُفَاتَحَة العظماء بالتمجيد عند التوجه إليهم قَبْلَ أن يخاطَبوا طريقة عربية. روى أبو الفرج الأصفهاني عن حسان بن ثابت قال: كنتُ عند النعمان فَنادَمْتُه وأَكَلْتُ معه فبينَا أنا على ذلك معه في قُبَّة إذَا رجلٌ يَرْتجز حولَها:شعر : أَصمَّ أمْ يَسمع ربُّ القبه يا أَوْهَبَ النَّاسِ لِعيسٍ صُلْبَه ضَرَّابَةٍ بالمِشْغَرِ الأَذِبَّهْ ذَاتِ هِبابٍ في يَدَيْها خُلْبَهْ في لاَحب كأنَّه الأَطِبَّهْ تفسير : فقال النعمان: أليس بأبي أُمَامَة؟ (كنية النابغة) قالوا: بلى، قال: فأْذَنوا له فدخل. والانتقال من أسلوب الحديث بطريق الغائب المبتدإِ من قوله: {الحمد لله} إلى قوله: {ملك يوم الدين}، إلى أسلوب طريق الخطاب ابتداءً من قوله {إياك نعبد} إلى آخر السورة، فن بديع من فنون نظم الكلام البليغ عند العرب، وهو المسمى في علم الأدب العربي والبلاغة التفاتاً. وفي ضابط أسلوب الالتفات رأيان لأئمة علم البلاغة: أحدهما رأي مَن عدا السكاكي من أئمة البلاغة وهو أن المتكلم بعد أن يعبِّر عن ذات بأحد طرق ثلاثة من تكلم أو غيبة أو خطاب ينتقل في كلامه ذلك فيعبر عن تلك الذات بطريق آخر من تلك الثلاثة، وخالفهم السكاكي فجعل مسمى الالتفات أن يعبِّر عن ذات بطريق من طرق التكلم أو الخطاب أو الغيبة عادلاً عن أحدهما الذي هو الحقيق بالتعبير في ذلك الكلام إلى طريق آخر منها. ويظهر أثر الخلاف بين الجمهور والسكاكي في المحسِّن الذي يسمى بالتجريد في علم البديع مثل قول علقمة بن عبده في طالع قصيدته:شعر : طَحَا بكَ قلبٌ في الحسان طروب تفسير : مخاطباً نفسه على طريقة التجريد، فهذا ليس بالتفات عند الجمهور وهو معدود من الالتفات عند السكاكي، فتسمية الالتفات التفاتاً على رأي الجمهور باعتبار أن عدول المتكلم عن الطريق الذي سلكه إلى طريق آخر يشبه حالة الناظر إلى شيء ثم يلتفت عنه، وأما تسميته التفاتاً على رأي السكاكي فتجري على اعتبار الغالب من صور الالتفات دون صورة التجريد، ولعل السكاكي التزم هذه التسمية لأنها تقررت من قبله فتابع هو الجمهور في هذا الاسم. ومما يجب التنبه له أن الاسم الظاهر معتبر من قبيل الغائب على كلا الرأيين، ولذلك كان قوله تعالى: {إياك نعبد} التفاتاً على كلا الرأيين لأن ما سبق من أول السورة إلى قوله {إياك نعبد} تعْبير بالاسم الظاهر وهو اسم الجلالة وصفاته. ولأهل البلاغة عناية بالالتفات لأن فيه تجديدَ أسلوب التعْبير عن المعنى بعينه تحاشياً من تكرر الأسلوب الواحد عدة مرار فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد نشاط السامع كي لا يمل من إعادة أسلوب بعينه. قال السكاكي في «المفتاح» بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من الالتفات: «أَفتراهم يحسنون قِرى الأشباح فيخالفون بين لون ولون وطَعْم وطَعْم ولا يحسنون قِرى الأرواح فيخالفون بين أسلوب وأسلوب». فهذه فائدة مطردة في الالتفات. ثم إن البلغاء لا يقتصرون عليها غالباً بل يراعون للالتفات لطائف ومناسبات ولم يزل أهل النقد والأدب يستخرجون ذلك من مغاصه. وما هنا التفاتٌ بديع فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات بلغت به الفكرة منتهاهَا فتخيل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربه بالإقبال، كعكس هذا الالتفاتِ في قول محمد بن بشير الخارجي (نسبَة إلى بني خارجة قبيلة):شعر : ذُممتَ ولم تُحمد وأدركتُ حاجةً تولَّى سواكم أَجرَها واصطناعها أَبى لك كَسْبَ الحمدِ رأيٌ مقصِّرُ ونفسٌ أضاق اللَّهُ بالخير باعها إذا هي حثتْه على الخير مرة عصاها وإنْ هَمَّت بشرٍّ أطاعها تفسير : فخاطبه ابتداء ثم ذكر قصور رأيه وعدم انطباع نفسه على الخير فالتفت من خطابه إلى التعبير عنه بضمير الغيبة فقال: إذا هي حثته فكأنه تخيله قد تضاءل حتى غاب عنه، وبعكس ذلك قوله تعالى: {أية : والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي}تفسير : [العنكبوت: 23] لاعتبار تشنيع كفر المتحدَّث عنهم بأنهم كفروا بآيات صاحب ذلك الاسم الجليل، وبعد تقرر ذلك انتقل إلى أسلوب ضمير المتكلم إذ هو الأصل في التعبير عن الأشياء المضافة إلى ذات المتكلم. ومما يزيد الالتفات وقعاً في الآية أنه تخلص من الثناء إلى الدعاء ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله: {إياك نعبد} تخلصاً يجىء بعده: {اهدنا الصراط} ونظيره في ذلك قول النابغة في رثاء النعمان الغساني:شعر : أبى غفلتي أَني إذا ما ذكرته تحرك داء في فُؤَادِيَ داخل وأن تِلاَدِي إنْ نظرتُ وشكَّتِي ومُهري وما ضَمَّت إليَّ الأنامل حِباؤُك والعيسُ العتاقُ كأنها هِجان المَهى تُزْجى عليها الرحائل تفسير : وأبو الفتح ابن جني يسمى الالتفات «شَجاعة العربية» كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء كما يتصرف الشجاع في مجال الوغي بالكر والفر. و(إياك) ضمير خطاب في حالة النصب. والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليَعْتَمِد عليها الضمير عند انفصاله ولذلك لزمتها الضمائر نحو: إياي تعني، وإيَّاك أعني، وإيَّاهم أرجو. ومن هنالك التزم في التحذير لأن الضمير انفصل عند التزام حذف العامل. ومن النحاة من جعل (إيَّا) ضميراً منفصلاً ملازماً حالة واحدة وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد. ومنهم من جعل (إيَّا) هو الضمير وجعل ما بعده حروفاً لبيان الضمير. ومنهم من جعل (إيَّا) اعتماداً للضمير كما كانت أيٌّ اعتماداً للمنادى الذي فيه ال. ومنهم من جعل (إيَّا) اسماً ظاهراً مضافاً للمضمَرات. والعبادة فعل يدل على الخضوع أو التعظيم الزائدين على المتعارف بين الناس. وأما إطلاقها على الطاعة فهو مجاز. والعبادة في الشرع أخص فتُعرَّف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربه، وقال الرازي في تفسير قوله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] ((العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا في الوضع والهيئة والقلة والكثرة)) ا هـ فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها. وقد فسر الصوفية العبادة بأنها فعل ما يرضي الرب، والعبودية بالرضا بما يفعل الرب. فهي أقوى. وقال بعضهم: العبودية الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود، والرضا بالموجود. والصبر على المفقود. وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها. قال الفخر: ((مراتب العبادة ثلاث: الأولى أن يعبد الله طمعاً في الثواب وخوفاً من العقاب وهي العبادة، وهي درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب. الثانية أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهي أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله. الثالثة أن يعبد الله لكونه إلٰهاً خالقاً مستحقاً للعبادة وكونه هو عبداً له، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية)) ا هـ. قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثانية باسم والظاهر أنها ملحقة في الاسم بالمرتبة الثالثة أعني العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال في «الإشارات»: ((العارف يريد الحق لا لشيء غيره ولا يُؤْثِر شيئاً على عرفانه وتعبُّدُه له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة)) ا هـ فجعلهما حالة واحدة. وما ادعاه الفخر في سقوط الدرجة الأولى ونزول مرتبتها قد غلب عليه فيه اصطلاح غلاة الصوفية وإلا فإن العبادة للطمع والخوف هي التي دعا إليها الإسلام في سائر إرشاده، وهي التي عليها جمهور المؤمنين وهي غاية التكليف، كيف وقد قال تعالى: {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] فإن بلغ المكلف إلى المرتبتين الأخريين فذلك فضل عظيم وقليل ما هم، على أنه لا يخلو من ملاحظة الخوف والطمع في أحوال كثيرة، نعم إن أفاضل الأمة متفاوتون في الاحتياج إلى التخويف والإطماع بمقدار تفاوتهم في العلم بأسرار التكليف ومصالحه وتفاوتهم في التمكن من مغالبة نفوسهم، ومع ذلك لا محيص لهم عن الرجوع إلى الخوف في أحوال كثيرة والطمع في أحوال أكثر. وأعظم دليل على ما قلنا أن الله تعالى مدح في كتابه المتقين في مواضع جمة ودعا إلى التقوى، وهل التقوى إلا كاسمهما بمعنى الخوف والاتقاء من غضب الله قال تعالى: {أية : ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا}تفسير : [الإسراء: 57]. والمرتبة الثالثة هي التي أشار لها قوله صلى الله عليه وسلم ـــ لمن قال له كيف تُجهد نفسك في العبادة وقد غَفَر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: ـــ «حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً»تفسير : لأن من الظاهر أن الشكر هنا على نعمة قد حصلت فليس فيه حظ للنفس بالطمع في المزيد لأن الغفران العام قد حصل له فصار الشكر لأجل المشكور لا غير وتمحض أنه لا لخوف ولا طمع. واعلم أن من أهم المباحث البحثَ عن سر العبادة وتأثيرها وسر مشروعيتها لنا وذلك أن الله تعالى خلق هذا العالم ليكون مظهراً لكمال صفاته تعالى: الوجود، والعلم، والقدرة. وجعل قبول الإنسان للكمالات التي بمقياسها يَعلم نسبة مبلغ علمه وقدرته من علم الله تعالى وقدرته، وأودع فيه الروح والعقل اللذين بهما يزداد التدرج في الكمال ليكون غير قانع بما بلغه من المراتب في أوج الكمال والمعرفة، وأرشده وهداه إلى ما يستعين به على مرامه ليحصل له بالارتقاء العاجل رُقيّ آجل لا يضمحل، وجعل استعداده لقبول الخيرات كلها عاجلها وآجلها متوقفاً على التلقين من السَّفَرَة الموحَى إليهم بأصول الفضائل. ولما توقف ذلك على مراقبة النفس في نَفَرَاتها وشَرَدَاتها وكانت تلك المراقبة تحتاج إلى تذكر المُجازي بالخير وضده، شُرعت العبادة لِتَذَكُّرِ ذلك المُجازي لأن عدم حضور ذاته واحتجابَه بسُبحات الجلال يُسَرِّب نسيانَه إلى النفوس، كما أنه جعل نظامه في هذا العالم متصلَ الارتباط بين أفراده فأمرهم بلزوم آداب المعاشرة والمعاملة لئلا يفسُد النظام، ولمراقبة الدوام على ذلك أيضاً شُرعت العبادة لتذكِّرَ به، على أن في ذلك التذكر دوامَ الفكر في الخالق وشؤونه وفي ذلك تخلق بالكمالات تدريجاً فظهر أن العبادة هي طريق الكمال الذاتي والاجتماعي مَبدأً ونهايةً، وبه يتضح معنى قوله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] فالعبادة على الجملة لا تخرج عن كونها محقِّقة للمقصد من الخلق، ولما كان سرُّ الخلق والغايةُ منه خفيةَ الإدراكِ عَرَّفنا الله تعالى إياها بمظهرها وما يحققها جمعاً لعظيم المعاني في جملة واحدة وهي جملة: {إلا ليعبدون}، وقريب من هذا التقرير الذي نحوناه وأقل منه قول الشيخ ابن سينا في «الإشارات»: ((لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يُفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير وكانَ مما يتعسر إنْ أمكن، وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفَظه شرعٌ يَفرِضه شارع متميزٌ باستحقاق الطاعة ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير، فوجب معرفة المُجازي والشارع وأن يكون مع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففُرِضت عليهم العبادة المذكِّرة للمعبود، وكررت عليهم ليُسْتَحْفَظ التذكيرُ بالتكرير)) ا هـ. لا شك أن داعي العبادة التعظيم والإجلال وهو إما عن محبة أو عن خوف مجرد، وأهمه ما كان عن محبة لأنه يرضي نفس فاعله قال:شعر : أهابكِ إجلالاً وما بكِ قدرةٌ عليّ ولكن ملء عين حبيبها تفسير : وهي تستلزم الخوف من غضب المحبوب قال محمود الوراق أو منصور الفقيه:شعر : تَعصي الإلٰهَ وأنتَ تُظهر حبَّه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأَطَعْتَه إن المحبَّ لمن يُحِب مطيع تفسير : ولذلك قال تعالى: {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}تفسير : [آل عمران: 31] فذلك يشعر بأن اتباع الشريعة يوجب محبة الله وأن المحب يود أن يحبه حبيبه كما قال المتنبي:شعر : أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون مُحباً غير محبوب تفسير : وإلى هذا النوع ترجع عبادة أكثر الأمم، ومنها العبادة المشروعة في جميع الشرائع لأنها مبنية على حب الله تعالى، وكذلك عبادة المشركين أصنامهم قال تعالى: {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله}تفسير : [البقرة: 165]. ومن الأمم من عبدت عن خوف دون محبة وإنما هو لاتقاء شر كما عبدت بعض الأمم الشياطين وعبدت المانوية من المجوس المعبود (أهْرُمُنْ) وهو عندهم رب الشر والضر ويرمزون إليه بعنصر الظُلمة وأنه تولد من خاطر سوء خطر للرب (يَزْدَان) إلٰه الخير، قال المعري:شعر : فَكَّرَ يَزْدَانُ على غِرة فَصِيغَ من تفكيره أَهْرُمُنْ تفسير : والحصر المستفاد من تقديم المعمول في قوله تعالى: {إياك نعبد} حصر حقيقي لأن المؤمنين الملقَّنين لهذا الحمد لا يعبدون إلا الله. وزعم ابن الحاجب في «إيضاح المفصل» في شرح ديباجة «المفصل» عند قول الزمخشري «اللهَ أحمد» أن التقديم لا يفيد إلا الاهتمام دون حصر وأن قوله تعالى: {إياك نعبد} تقديم المفعول للاهتمام دون قصر وأن تمسكهم بقوله: {أية : بل الله فاعْبُد}تفسير : [الزمر: 66] ضعيف لورود: {أية : فاعبد الله مخلصا له الدين}تفسير : [الزمر: 2] وإبطال رأيه مقرر في كتب علم المعاني. وأنا أرى استدلاله بورود قوله تعالى: {فاعبد الله} لا يليق بمقامه العلمي إذ لا يظن أن محامل الكلام متماثلة في كل مقام، {وإياك نستعين} جملة معطوفة على جملة {إياك نعبد} وإنما لم تفصل عن جملة {إياك نعبد} بطريقة تعداد الجمل مقام التضرع ونحوه من مقامات التعداد والتكرير كلاً أو بعضاً للإشارة إلى خطور الفعلين جميعاً في إرادة المتكلمين بهذا التخصيص، أي نخصك بالاستعانة أيضاً مع تخصيصك بالعبادة. والاستعانةُ طلب العون. والعون والإعانة تسهيل فعلِ شيء يشُق ويعسُر على المستعين وحدَه، فهي تحصل بإعداد طريق تحصيله من إعارة آلة، أو مشاركة بعمل البدن كالحمل والقَوْد، أو بقول كالإرشاد والتعليم، أو برأي كالنصيحة. قال الحريري في المقامة: «وخُلُقي نعم العون»، أو بمال كدفع المغرم، بحيث يحصل الأمر بعسير من جهود المستعين والمعين. وأما الاستعانة بالله فهي طلب المعونة على ما لا قِبل للبشر بالإعانة عليه ولا قبل للمستعين بتحصيله بمفرده، ولذلك فهي مشعرة بأن المستعين يصرف مقدرته لتحصيل الفعل ويطلب من الله العون عليه بتيسير ما لا قِبل لقدرة المستعين على تحصيله بمفرده، فهذه هي المعونة شرعاً. وقد فسرها العلماء بأنها هي خَلْق ما به تمامُ الفعل أو تيسيرُه، فتنقسم قسمين ضرورية أي ما يتوقف الفعل عليها فلا يحصل بدونها أي لا يحصل بدون توفر متعلقها وهي إعطاء الاقتدار للفاعل وتصوره للفعل وحصول المادة والآلة، ومجموع هاته الأربعة يعبر عنه بالاستطاعة، ويعبر عنها بسلامة الأسباب والآلات وبها يصح تكليف المستطيع. القسم الثاني المعونة غير الضرورية وينبغي أن تخص باسم الإعانة وهي إيجاد المُعين ما يتيسر به الفعل للمُعان حتى يسهل عليه ويقرب منه كإعداد الراحلة في السفر للقادر على المشي. وبانضمام هذا المعنى للمعنى الأول تتم حقيقة التوفيق المعرف عندهم بأنه خلق القدرة والداعية إلى الطاعة، وسمى الراغب هذا القسم الثاني بالتوفيق ولا تعارض بين كلامه وبين تعريفهم إياه لما علمت من أنه لا يحصل إلا بعد حصول المعونة بالمعنى الأول فتم التوفيق؛ والمقصود هنا الاستعانة على الأفعال المهمة كلها التي أعلاها تلقي الدين وكلِّ ما يعسر على المرء تذليله من توجهات النفوس إلى الخير وما يستتبع ذلك من تحصيل الفضائل. وقرينة هذا المقصود رسمه في فاتحة الكتاب ووقوعُ تخصيص الإعانة عقب التخصيص بالعبادة. ولذلك حذف متعلِّق {نستعين} الذي حقه أن يذكر مجروراً بعلى، وقد أفاد هذا الحذفُ الهامُّ عموم الاستعانة المقصورة على الطلب من الله تأدباً معه تعالى، ومن توابع ذلك وأسبابه وهي المعارف والإرشادات والشرائع وأصول العلوم فكلها من الإعانة المطلوبة وكلها من الله تعالى فهو الذي ألهمنا مبادىء العلوم وكلفنا الشرائع ولقننا النطق، قال: {أية : ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين}تفسير : [البلد: 8 ـــ 10] ــــ فالأول إيماء إلى طريق المعارف وأصلُها المحسوسات وأعلاها المبصرات، والثاني إيماء إلى النطق والبيان للتعليم، والثالث إلى الشرائع. والحصر المستفاد من التقديم في قوله: {وإياك نستعين} حصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بالاستعانات المتعارفة بين الناس بعضهم ببعض في شؤونهم، ومعنى الحصر هنا لا نستعين على عظائم الأمور التي لا يستعان فيها بالناس إلا بالله تعالى. ويفيد هذا القصر فيهما التعريض بالمشركين الذين يعبدون غير الله ويستعينون بغيره لأنهم كانوا فريقين منهم من عبد غير الله على قصد التشريك إلا أَن وَلَعه واستهتاره بغير الله تعالى أنساه عبادة الله تعالى كما عبدت سَبأ الشمسَ وعبد الفُرس النورَ والظلمة، وعبدَ القِبط العِجل وألَّهوا الفراعنة، وعبدت أمم السودان الحيوانات كالثعابين. ومن المشركين من أشرك مع عبادة الله عبادة غيره وهذا حال معظم العرب ممن عبد الأصنام أو عبد الكواكب، فقد عبدت ضبة وتَيْم وعُكْل الشمسَ، وعبدت كنانةُ القمَر، وعبدت لخم وخزاعةُ وبعض قريش الشِّعْرى، وعبدت تميم الدبَران، وعبدت طيىء الثُريا، وهؤلاء كلهم جعلوا الآلٰهة بزعمهم وسيلة يتقربون بها إلى الله تعالى، فهؤلاء جمعوا العبادة والاستعانة بهم لأنَّ جَعْلَهم وسيلة إلى الله ضربٌ من الاستعانة، وإنما قلنا إن استفادة الرد على المشركين ونحوهم بطريق التعريض أي بطريق عُرض الكلام لأن القصر الحقيقي لا يصلح أن يكون لرد الاعتقاد إلا تعريضاً لأن معناه حاصل على الحقيقة كما أشار إليه السلكوتي في «حاشية التفسير». فإن قلت كيف أمرنا بأن لا نعبد إلا الله ولا نستعين إلا به حسبما تشير إليه هذه الآية، وقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علَّم عبد الله بن عباس قال له «حديث : إذا سَأَلْتَ فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله»تفسير : فلم يأت بصيغة قصر. قلت: قد ذكر الشيخ الجد قدس الله روحه في تعليقه على هذا الحديث أن ترك طريقة القصر إيماء إلى أن المَقام لا يقبل الشركة وأن من حق السؤال أن لا يكون إلا لله القادر العليم، وقد قال علماء البلاغة إذا كان الفعل مقصوراً في نفسه فارتكاب طريق القصر لغو من الكلام ا هـ. وأقول تقفيةً على أثره إن مقام الحديث غير مقام الآية فمقام الحديث مقام تعليم خاص لمن نشأ وشب وترجل في الإسلام فتقرُّرُ قصر الحكم لديه على طَرَف الثمام ولذلك استغنى عنه وأما مقام هذه الآية فمقام مفتَتح الوحي والتشريع واستهلال الوعظ والتقريع، فناسب تأكيد الحكم بالقصر مع التعريض بحال الشرك الشنيع على أن تعليق الأمر بهما في جواب الشرط على حصول أيّ سؤال وأية استعانة يفيد مفاد القصر تعريضاً بالمشركين وبراءة من صنيعهم فقد كانوا يستعينون بآلهتهم. ومن ذلك الاستقسام بالأزلام الموضوعة عند الآلهة والأصنام. وضميرا {نعبد ونَستعين} يعودَان إلى تالي السورة ذاكراً معه جماعة المؤمنين. وفي العدول عن ضمير الواحد إلى الإتيان بضمير المتكلم المشارَك الدلالة على أن هذه المحامد صادرة من جماعات، ففيه إغاظة للمشركين إذ يعلمون أن المسلمين صاروا في عِزة ومَنَعة، ولأنه أبلغ في الثناء من أعبد وأستعين لئلا تخلو المناجاة عن ثناء أيضاً بأن المحمود المعبود المستعان قد شهد له الجماعات وعرفوا فضله، وقريب من هذا قول النابغة في رثاء النعمان بن الحارث الغساني:شعر : قعودا له غسان يرجون أوْبَة وتُركٌ ورهطُ الأعجمين وكابُل تفسير : إذ قصد من تعداد أصناف من الأمم الكناية عن عظمة النعمان وكثرة رعيته. فكَأَنَّ الحامد لما انتقل من الحمد إلى المناجاة لم يغادر فرصة يقتنص منها الثناء إلا انتهزها. ووجه تقديم قوله {إياك نعبد} على قوله: {وإياك نستعين} أن العبادة تقرُّب للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة، وأما الاستعانة فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدِّم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبوداً للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل. وقد حصل من ذلك التقديم أيضاً إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان. وأعيد لفظ {إياك} في الاستعانة دون أن يعطف فعل {نستعين} على {نعبد} مع أنهما مقصودان جميعاً كما أنبأ عنه عطف الجملة على الجملة لأن بين الحصرين فرقاً، فالحصر في {إياك نعبد} حقيقي والقصر في {إياك نستعين} ادعائي فإن المسلم قد يستعين غير الله تعالى كيف وقد قال تعالى: {أية : وتعاونوا على البر والتقوى}تفسير : [المائدة: 2] ولكنه لا يستعين في عظائم الأمور إلا بالله ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة بالله تعالى.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله: لأن معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات. فالنفي: خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السموات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع. وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو {إِيَّاكَ}. وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة. وفي المعاني في مبحث القصر: أن تقديم المعمول من صيغ الحصر. وأشار إلى الإثبات منها بقوله: {نَعْبُدُ}. وقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلاً في آيات أخر كقوله: أية : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] الآية - فصرح بالإثبات منها بقوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 22] وكقوله: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ}تفسير : [النحل: 36] فصرح بالإثبات بقوله: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وبالنفي بقوله: {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} وكقوله: {أية : فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تفسير : [البقرة: 256] فصرح بالنفي منها بقوله: {أية : فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} تفسير : [البقرة: 256] وبالإثبات بقوله: {أية : وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 256] وكقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تفسير : [الزخرف: 26-27] الآية - وكقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقوله: {أية : وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. أي لا نطلب العون إلا منك وحدك. لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بعد قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة. لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً واضحاً في آيات أخر كقوله: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} تفسير : [هود: 123] الآية - وقوله: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} تفسير : [التوبة: 129] الآية - وقوله: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9] وقوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} تفسير : [الملك: 29] إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {إيَّاك نعبدُ} أَيْ: نخصُّك ونقصدك بالعبادة، وهي الطَّاعة مع الخضوع. {وإيَّاك نستعين}: ومنك نطلب المعونة. {اهدنا الصراط المستقيم}، أَيْ: دُلَّنا عليه، واسلكْ بنا فيه، وثبِّتنا عليه. {صراط الذين أنعمتَ عليهم} بالهداية، وهم قومُ موسى وعيسى عليهما السَّلام قبل أن يُغيِّروا نعمَ الله عزَّ وجلَّ. وقيل: هم الذين ذكرهم الله عزَّ وجلَّ في قوله تعالى: {أية : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم.....} تفسير : الآية. {غير المغضوب عليهم}، أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم، وهم اليهود، ومعنى الغضب من الله تعالى: إرادةُ العقوبة. {ولا الضَّالين}، أَيْ: ولا الذين ضلُّوا، وهم النَّصارى، فكأنَّ المسلمين سألوا الله تعالى أن يهديهم طريق الذين أنعم عليهم ولم يغضب عليهم، كما غضب على اليهود، ولم يضلُّوا عن الحقِّ كما ضلَّت النَّصارى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إياك: ضمير نصب يخاطب به الواحد. نعبـــد: نطيع ما غاية الذل لك والتعظيم والحب. نستعين: نطلب عونك لنا على طاعتك. معنى الآية: علَّمنا الله تعالى كيف نتوسل إليه في قبول دعائنا فقال احمدوا الله واثنوا عليه ومجدوه، والتزموا له بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به وتستعينوه ولا تستعينوا بغيره. هداية الآية: من هداية هذه الآية ما يلي: 1- آداب الدعاء حيث يقدم السائل بين يدى دعائه حمد الله والثناء عليه وتمجيده. وزادت السنة الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل حاجته فإنه يستجاب له. 2- أن لا يعبد غير ربه. وأن لا يستعينه إلاّ هو سبحانه وتعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - وَلاَ نَعبُدُ إلاَّ إِيَّاكَ، يَا رَّبنا، وَلاَ نَطْلُبُ العَوْنَ والخَيْرَ إلاَّ مِنْكَ.

الثعلبي

تفسير : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} رجع من الخبر الى الخطاب على التلوين. وقيل فيه إضمار، أي قولوا: {إِيَّاكَ}. و {أَيَّا} كلمة ضمير، لكنه لا يكون إلاّ في موضع النصب، والكاف في محلّ الخفض بإضافة إيا إليها، وخصّ بالإضافة إلى الضمير؛ لأنه يضاف إلى الاسم المضمر ألا يقول الشاعر: شعر : فدعني وإيا خالد لأقطعن عُرْيَ نياطه تفسير : وحكى الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإياكم. ويستعمل مقدّماً على الفعل مثل (إياك أعني) و (إياك أسأل)، ولا يستعمل مؤخّراً على الفعل إلاّ أنّ..... به حين الفعل، فيقال: ما عبدت إلاّ إياك ونحوها. وقال أبو ميثم سهل ابن محمد: إياك ضمير منفصل، والضمير ثلاثة أقسام: ضمير متّصل نحو الكاف والهاء والياء في قولك: أكرمك، وأكرمه، وأكرمني. سمي بذلك لاتصاله بالفعل. وضمير منفصل نحو إياك وإياه وإياي. سمي بذلك لانفصاله عن الفعل. وضمير مستكن، كالضمير في قولك: قعد وقام. سمي بذلك لأنه استكن في الفعل ولم يُستبقَ في اللفظ ويعمّ أن فيه ضمير الفاعل؛ لأن الفعل لا يقوم إلاّ بفاعل ظاهر أو مضمر. وقال أبو زيد: إنما هما ياءان: الأولى للنسبة والثانية للنداء، تقديرها: (أي يا)، فأُدغمت وكسرت الهمزة لسكون الياء. وقال أبو عبيد: أصله (أو ياك)، فقلبت الواو ياءً فأدغموه، وأصله من (آوى، يؤوي، إيواء) كأن فيه معنى الانقطاع والقصد. وقرأ الفضل الرقاشي (أياك) بفتح الألف وهي لغة. وإنما لم يقل: نعبدك (لأنه) يصحّ في العبارة، وأحسن الإشارة؛ لأنهم إذا قالوا: إياك نعبد، كان نظرهم منه إلى العبادة لا من العبادة إليه. وقوله: {نَعْبُدُ} أي نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة. وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذلة، يقال: طريق معبّد إذا كان مذللا موطوءاً بالأقدام. قال طرفة: شعر : تبارى عتاقاً ناجيات وأتبعت وظيفاً وظيفاً فوق مور معبّد تفسير : وبعير معبد إذا كان مطلياً بالقطران، قال طرفة: شعر : إلى أن تحامتني العشيرة كلّها وأفردت إفراد البعير المعبّد تفسير : وسمّي العبد عبداً لذلّته وانقياده لمولاه. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: نستوفي ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمورنا كلّها، يقال: استعنته واستعنت به، وقرأ يحيى بن رئاب: (نَسْتَعِينُ) بكسر النون. قال الفرّاء: تميم وقيس وأسد وربيعة يكسرون علامات المستقبل إلاّ الياء، فيقولون إستعين ونِستعين ونحوها، ويفتحون الياء لأنها أخت الكسرة. وقريش وكنانة يفتحونها كلّها وهي الأفصح والأشهر. وإنّما كرّر {إِيَّاكَ}؛ ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبراً عن موسى: {أية : كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} تفسير : [طه: 33-34]، ولم يقل: كي نسبحك ونذكرك كثيراً. وقال الشاعر: شعر : وجاعل الشمس مصراً لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا تفسير : ولم يقل بين النهار والليل. وقال الآخر: شعر : بين الأشجّ وبين قيس باذخ بخ بخ لوالده وللمولود تفسير : وقال أبو بكر الورّاق: إياك نعبد لأنك خلقتنا، وإياك نستعين لأنك هديتنا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرَّحْمن الفرّان، وقد سئل عن الآية فقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك الصانع،و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأن المصنوع لا غنى به عن الصانع، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لتدخلنا الجنان، و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لتنقذنا من النيران، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنّا عبيد و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك كريم مجيد، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المعبود بالحقيقة و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأننا العباد بالوثيقة.