Verse. 1958 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَيَجْعَلُوْنَ لِلہِ الْبَنٰتِ سُبْحٰنَہٗ۝۰ۙ وَلَہُمْ مَّا يَشْتَہُوْنَ۝۵۷
WayajAAaloona lillahi albanati subhanahu walahum ma yashtahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(ويجعلون لله البنات) بقولهم الملائكة بنات الله (سبحانه) تنزيهاً له عما زعموا (ولهم ما يشتهون) ـه أي البنون والجملة في محل رفع أو نصب بيجعل، المعنى يجعلون له البنات التي يكرهونها وهو منزه عن الولد ويجعلون لهم الأبناء الذين يختارونهم فيختصون بالأسنى كقوله "" فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون "".

57

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} نزلت في خُزاعة وكنانة؛ فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله، فكانوا يقولون ألحقوا البنات بالبنات. {سُبْحَانَهُ} نزّه نفسه وعظمها عما نسبوه إليه من اتخاذ الأولاد. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} أي يجعلون لأنفسهم البنين ويأنفون من البنات. وموضع «ما» رفع بالابتداء، والخبر «لهم» وتم الكلام عند قوله: «سبحانه». وأجاز الفراء كونها نصباً، على تقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. وأنكره الزجاج وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ } بقولهم: الملائكة بنات الله {سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له عما زعموا {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } أي البنون، والجملة في محل رفع أو نصب ب «يجعلون»، المعنى: يجعلون له البنات التي يكرهونها- وهو منزه عن الولد- ويجعلون لهم الأبناء الذين يختارونها فيختصون بالأسنى كقوله: { أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ }؟.تفسير : [149:37]

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَٰنَهُ...} الآية: تعديدٌ لقبائحِ الكَفَرة في قولهم: «الملائكةُ بناتُ اللَّه»، تعالَى اللَّه عن قولهم، والمراد بقوله: {وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ}، الذُّكْرَانُ من الأولاد. وقوله: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا }: عبارة عما يعلو وجْهَ المغموم. قال * ص *: «ظَلَّ»: تكون بمعنى «صَارَ»، وبمعنى «أقام نهاراً»؛ على الصفة المسنَدَةِ إِلى ٱسمها، وتحتمل هنا الوجهين. انتهى، و{كَظِيمٌ}: بمعنى: كاظمٍ، والمعنى: أنه يُخْفي وجْدَه وهمَّه بالأنثى، ومعنى {يَتَوَٰرَىٰ }: يتغيَّب من القومِ، وقرأ الجَحْدَرِيُّ: «أَيُمْسِكُهَا أَمْ يَدُسُّها»، وقرأ الجمهور: «علَى هُونٍ»، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: «عَلَى هَوَانٍ»، ومعنى الآية: يُدْبِرُ، أيمسِكُ هذه الأنثَى على هوانٍ يتحمَّله، وهمٍّ يتجلَّد له، أمْ يَئِدُها فيدفنُها حيَّةً، وهو الدسُّ في التراب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ويجعلون لله البنات‏ .‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات‏.‏ يقول‏:‏ يجعلون له البنات، يرضونهن له ولا يرضونهن لأنفسهم‏.‏ وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون أو دسّها في التراب وهي حية‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏ولهم ما يشتهون‏} ‏ قال‏:‏ يعني به البنين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم‏} ‏ قال‏:‏ هذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله بخبث صنيعهم‏.‏ فأما المؤمن، فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه‏.‏ ولعمري ما ندري أنه لخير لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، فكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ كانت العرب يقتلون ما ولد لهم من جارية فيدسونها في التراب وهي حية حتى تموت‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏على هون‏} ‏ أي هوان بلغة قريش‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏أم يدسه في التراب‏} ‏ قال‏:‏ يئد ابنته‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏ألا ساء ما يحكمون‏} ‏ قال‏:‏ بئس ما حكموا‏.‏ يقول‏:‏ شيء لا يرضونه لأنفسهم، فكيف يرضونه لي.‏.‏‏.‏‏.‏‏؟ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ولله المثل الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ولله المثل الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ يقول ليس كمثله شيء.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}. من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل. ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ فقال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}. استولت عليهم رؤية الَخْلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن... وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة. ثم قال: {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ} أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، {أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ... ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء! قوله جلّ ذكره: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}. مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء. ولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه. أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصِّلة. {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ...} أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويجعلون لله البنات} هم خزاعة وكنانة كانوا يقولون الملائكة بنات الله [وسخن بعضى از كفار اين بود كه حق تعالى باجن مصاهرت كرد وملائكة متولد شد نعوذ بالله]{سبحانه} [باكست خداى از قول ايشان كه ميكويند خداى تعالى دختران دارد]{ولهم ما يشتهون} من البنين اى يختارون لانفسهم الاولا الذكور ما مرفوعة المحل على انها مبتدأ والظرف المقدم خبره والجملة حالية ثم وصف كراهتهم البنات لانفسم فقال {واذا بشر احدهم بالانثى} البشارة بمعنى الاخبار على الوضع الاصلى والمضاف مقدر اى اخبر بولادتها [يعنى جون كسى را از كافران خبر دهند كه ترا دخترى متولد شده]{ظل وجهه} اى صار من الظلول بمعنى الصيرورة كما يستعمل اكثر الافعال الناقصة بمعناها او هو بمعناه يقال ظل يفعل كذا اذا فعله نهارا اى دام النهار كله لان اكثر الوضع يتفق بالليل ويتأخر اخبار المولود الى النهار وخصوصا بالانثى فيظل نهاره {مسودا}[سياه ازاندوه وغم وشر مندكى درميان قوم] واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير وهو بالفارسية [خجل كردن] يقال شور به فعل به فعلا يستحيى منه فتشور {وهو كظيم} مملوء غضبا على المرأة لاجل ولادتها الانثى. ومن هنا اخذ المعبرون من رأى اورؤى له ان وجهه اسود فان امرأته تلد انثى.

الجنابذي

تفسير : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} وفيه افتراءان؛ جعل الملائكة اناثاً، ونسبة التّوالد اليه تعالى {سُبْحَانَهُ} عن نسبة التّوالد وهو للتّعجّب اله النبات {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} اى البنون.

اطفيش

تفسير : {وَيَجْعَلُونَ} يصيرون أو يختارون أو يثبتون {للهِ البَنَاتِ} بقولهم لملائكة بنات الله سبحانَه وتعالى وذلك مقالة مشركى العرب وقيل مقالة خزاعة وكنانة منهم وإِنما قالوا ذلك لتاء التأنيث فى لفظ الملائكة أو لاستتار الملائكة عن العيون كما أن النساء تستتر {سُبْحَانَهُ} أى نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة وعن الولادة تنزيها عظيما لائقا بحاله ويجوز أن يكون سبحانه تعجيبا أى تعجيبا أيها العقلاء من ذلك وأن يكون تنزيها وتعجيبا {وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} عطف على معمول عامل فلهم معطوف على قوله لله وما معطوف على البنات وما يشتهون هو البنون يستحبونهم لأَنفسهم ويقتلون البنات وذلك فى معنى قولك ويجعلون لهم أى لأَنفسهم وما يشتهون وإِن قلت يلزم عمل عامل واحد فى ضميرين متصلين بمعنى واحد أحدهما الواو فى يجعلون المقدر والآخر الهاء فى لهم وذلك مختص بباب علم وظن ورأى الحلمية وفقد وعدم لا يجوز فى أفعال التصير وغيرها قلت ذلك إِذا لم يكن أحد الضميرين متعدى إِليه بحرف، أما إِذا تعدى إِليه به فجائز مطلقا وأيضا قد يغتفر ذلك فى العطف كما أن ما هنا عطف وكثيراً ما يغتفر فى التابع ما لا يغتفر فى المتبوع ويجوز ذلك خبرا ومبتدأ أى ولهم فى زعمهم ما يشتهون.

اطفيش

تفسير : {وَيَجْعَلُونَ} يعتقدون أو يثبتون باختيار {للهِ الْبَنَاتِ} تجعل كنانة وخزاعة وطائفة من النصارى للملائكة بنات الله، مع كراهتهم للبنات، فلم ينزهوا الله عنها، ولا عن التجسيم، ولا عن الجهة والطول وغير ذلك، قال الله عزَّ وجل: "أية : أنّى يكُون له ولد ولم تكن له صاحبة" تفسير : [الأنعام: 101] "أية : ألا إِنَّهم من إِفكهم ليقولون ولد الله" تفسير : [الصافات: 151 - 152]"أية : وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبًا" تفسير : [الصافات: 158] وقيل: لا يعتقدون بنبوة الملائكة، بل يشبهونهم بالبنات المستورات إذ لا يرونهم مع أنهم فى مكان لا تصل إليه الأغيار، كبنات الرجل يسترهن فى محل أمين، ومكان مكين، والجن ولو استتروا ليسوا على هذه الصورة، ومع ذلك للذكور من أنهم لم يريدوا حقيقة البنوة، يصفهم الله بالإشراك، لأن ذلك لفظ إشراك، يوهم الولادة كما يروى أن عيسى يقول الله أى سيدى ولما كان لفظ إشراك سماه الله إِشراكا وهو محرم عن غير عيسى. لأنه يوهم الولادة. {سُبْحَانَهُ} نزهوا الله أيها المسلمون عن ذلك تنزيهًا، أو تنزه عن ذلك تنزهًا، أو نزه نفسه تنزيهًا وذلك متضمن للتعجب {وَلَهُمْ} عطف على الله {مَا يَشْتَهُونَ} من الذكور، عطف بتلك الواو على البنات عطف معمولين على معمولى عامل، وفى ذلك عمل عامل فى ضميرين لمسمى واحد، وذلك جائز فى باب علم وظن، وفقد وعدم ورأى الحلمية، ولو بلا حرف جر، ويجعل من باب علم وظن لأن معناه يعتقد، والضمير الأول الواو، والثانى الهاء ولم يجيزوه فى غير ذلك، ولو بحرف جر. وعندى يجوز فى غير الباب إذا كان أحدهما بالحرف مثل ما هنا إذا فسرنا يجعلون يثبتون لكثرتهم فى القرآن، مثل: "أية : فصرهنّ إليك" تفسير : [البقرة: 260] "أية : وهُزِّى إِليكِ" تفسير : [مريم: 25] وقد يجوز هنا ولو عندهم على أنه يغتفر فى الثوانى. ومنها المعطوف ما لا يغتفر فى الأوائل، أو لهم خبر لما بعده، والجملة حال من الواو، ولا يصح الاستئناف على لهم، وأتبع ذلك مشاكلة بقوله: {وَإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى} ولدت له، أو بولادة الأنثى له، لأن التبشير موضوع لما يشتهى، وبشر به استعمل فى مجرد الإخبار لعلاقة الإطلاق والتقييد أو أحدهما وذلك لأنهم لا يحبون ولادة البنات، فضلا عن أن يقع لهم التبشير بهن بل يكرهونهن جداً كما قال: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} اسودّ وجهه فى النهار كله اغتماماً بها، وكآبة وحياء من الناس، وكانوا يعيرون بالأنثى، وذلك أنه يحبس الروح إلى داخل القلب، فلا يبقى له أثر ينور به الوجه، بخلاف ما إذا سُرَّ فإن الروح تنبسط وتصل الأطراف ولا سيما الوجه، فيستنير، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن الحزن، لأن الاسوداد من لوازمه، وخص النهار بالذكر، لأن أكثر الولادة قيل بالليل فيؤخر الإخبار إلى النهار، أو لأنه يظهر تغير الوجه فيه، أو المراد عموم الزمان، ولا نسلم والأكثرية واطراد التأخير. {وَهُوَ كَظِيمٌ} مملوء غيظا على زوجه أو سريته التى ولدت البنت. كأنها ملكت أمرها فى بطنها فاختارت جعله أُنثى، والقوية القلب تقول: ما علىَّ إنما ولدت ما وضعت فى بطنى، والجملة حال من وجه، أو من المستتر فى مسود، أو ذلك من أشنع ما يكون ولدت امرأة بنتا وهجرها زوجها، فقالت: شعر : ما لأبى الذلفاء لا يأتينا يظل فى البيت الذى يلينا يغضب أن لا نلد البنينا وإنما نأخذ ما أعطينا تفسير : وفى رواية: ما لأبى حمزة.

الالوسي

تفسير : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ} هم خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله تعالى وكأنهم لجهلهم زعموا تأنيثها وبنوتها، وقال الإمام: أظن أنهم أطلقوا عليها البنات لاستتارها عن العيون كالنساء؛ ولهذا لما كان قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر أطلقوا عليه لفظ التأنيث. ولا يرد على ذلك أن الجن كذلك لأنه لا يلزم في مثله الاطراد، وقيل: أطلقوا عليها ذلك للاستتار مع كونها في محل لا تصل إليه الأغيار فهي كبنات الرجل اللاتي يغار عليهن فيسكنهن في محل أمين ومكان مكين، والجن وإن كانوا مستترين لكن لا على هذه الصورة، وهذا أولى مما ذكره الإمام، وأما عدم التوالد فلا يناسب ذلك.{سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه وتقديس له تعالى شأنه عن مضمون قولهم ذلك أو تعجيب من جراءتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة، وهو في المعنى الأول حقيقة وفي الثاني مجاز. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} يعني البنين و {مَا} مرفوع المحل على أنه مبتدأ والظرف المقدم خبره والجملة حالية وسبحانه اعتراض في حق موقعه؛ وجوز الفراء والحوفي أنه في محل نصب معطوف على {ٱلْبَنَـٰتِ} كأنه قيل: ويجعلون لهم ما يشتهون. واعترض عليه الزجاج وغيره بأنه مخالف للقاعدة النحوية وهي أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل المرفوع بالفاعلية وكذا الظاهر إلى ضميره المتصل سواء كان تعديه بنفسه أو بحرف الجر إلا في باب ظن وما ألحق به من فقد وعدم فلا يجوز زيد ضربه بمعنى ضرب نفسه ولا زيد مر به أن مر هو بنفسه ويجوز زيد ظنه قائماً وزيد فقده وعدمه فلو كان مكان الضمير إسماً ظاهراً كالنفس نحو زيد ضرب نفسه أو ضميراً منفصلاً نحو زيد ما ضرب إلا إياه وما ضرب زيد إلا إياه جاز، فإذا عطف {مَا} على {ٱلْبَنَـٰتِ} أدى إلى تعدية فعل المضمر المتصل وهو واو {يَجْعَلُونَ} إلى ضميره المتصل وهو {هُمْ} المجرور باللام في غير ما استثنى وهو ممنوع عند البصريين ضعيف عند غيرهم فكان حقه أن يقال ـ لأنفسهم ـ وأجيب بأن الممتنع إنما هو تعدي الفعل بمعنى وقوعه عليه أو على ما جر بالحرف نحو زيد مر به فإن المرور واقع بزيد وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فإن الجعل ليس واقعاً بالجاعلين بل بما يشتهون، ومحصله ـ كما قال الخفاجي ـ المنع في المتعدي بنفسه/ مطلقاً والتفصيل في المتعدي بالحرف بين ما قصد الإيقاع عليه وغيره فيمتنع في الأول دون الثاني لعدم ألف إيقاع المرء بنفسه وأبو حيان اعترض القاعدة بقوله تعالى: {أية : وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} تفسير : [مريم: 25] {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } تفسير : [القصص: 32] والعلامة البيضاوي أجاب بوجه آخر وهو أن الامتناع إنما هو إذا تعدى الفعل أولاً لا ثانياً وتبعاً فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، ومنهم من خص ذلك بالمتعدي بنفسه وجوز في المتعدي بالحرف كما هنا وارتضاه الشاطبـي في "شرح الألفية"، وقال الخفاجي: هو قوي عندي لكن لا يخفى أن العطف هنا بعد هذا القيل والقال يؤدي إلى جعل الجعل بمعنى يعم الزعم والاختيار.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم} تفسير : [سورة النحل: 56]. هذا استدلال بنعمة الله عليهم بالبنين والبنات، وهي نعمة النّسل، كما أشار إليه قوله تعالى: {ولهم ما يشتهون}، أي ما يشتهون مما رزقناهم من الذّرية. وأدمج في هذا الاستدلال وهذا الامتنان ذكرُ ضرب شنيع من ضروب كفرهم. وهو افتراؤهم: أن زعموا أن الملائكة بنات الله من سروات الجنّ، كما دل عليه قوله تعالى: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً} تفسير : [سورة الصافات: 158]. وهو اعتقاد قبائل كنانة وخزاعة. والجعل: هنا النسبة بالقول. و{سبحانه} مصدر نائب عن الفعل، وهو منصوب على المفعولية المطلقة، وهو في محل جملة معترضة وقعت جواباً عن مقالتهم السيّئة التي تضمّنتها حكاية {ويجعلون لله البنات} إذ الجعل فيه جعل بالقول، فقوله: {سبحانه} مثل قولهم: حاش لله ومعاذَ الله، أي تنزيهاً له عن أن يكون له ذلك. وإنما قدم {سبحانه} على قوله: {ولهم ما يشتهون} ليكون نصّاً في أن التّنزيه عن هذا الجعل لذاته وهو نسبة البنوّة لله، لا عن جعلهم له خصوص البنات دون الذكور الذي هو أشدّ فظاعة، كما دلّ عليه قوله تعالى: {ولهم ما يشتهون}، لأن ذلك زيادة في التّفظيع، فقوله: {ولهم ما يشتهون} جملة في موضع الحال. وتقديم الخبر في الجملة للاهتمام بهم في ذلك على طريقة التهكّم. وما صدق {ما يشتهون} الأبناء الذكور بقرينة مقابلته بالبنات، وقوله تعالى: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى} تفسير : [سورة النحل: 58]، أي والحال أن لهم ذكوراً من أبنائهم فهلّا جعلوا لله بنين وبنات. وهذا ارتقاء في إفساد معتقدهم بحسب عرفهم وإلا فإنه بالنسبة إلى الله سواء للاستواء في التولّد الذي هو من مقتضى الحدوث المنزّه عنه واجب الوجود. وسيخصّ هذا بالإبطال في قوله تعالى: {أية : ويجعلون لله ما يكرهون } تفسير : [سورة النحل: 62]. ولهذا اقتصر هنا على لفظ البنات الدالّ على الذّوات، واقتصر على أنهم يشتهون الأبناء، ولم يتعرّض إلى كراهتهم البنات وإن كان ذلك مأخوذاً بالمفهوم لأن ذلك درجة أخرى من كفرهم ستخصّ بالذّكر.

الشنقيطي

تفسير : قوله: {وَيَجْعَلُونَ} أي يعتقدون. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعتقدون أن لله بنات إناثاً، وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله. كما بينه تعالى بقوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} تفسير : [الزخرف: 19] الآية. فزعموا لله الأولاد! ومع ذلك زعموا له أخس الولدين وهو الأنثى، فالإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم ويأنفون منها كما قال تعالى عنهم: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} لأن شدة الحزن والكآبة تسود لون الوجه {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي ممتلىء حزناً وهو ساكت. وقيل ممتلىء غيظاً على امرأته التي ولدت له الأنثى. {يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ}: أي يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة. أو لئلا يشمتوا به ويعيروه. ويحدث نفسه وينظر: {أَيُمْسِكُهُ}، أي ما بشر به وهو الأنثى {عَلَىٰ هُونٍُ} أي هوان وذل. {أَمْ يَدُسُّه} في التراب: أي يدفن المذكور الذي هو الأنثى حياً في التراب، يعني ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد وهو دفن البنت حية، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تفسير : [التكوير: 8-9]. وأوضح جل وعلا هذه المعاني المذكورة في هذه الآيات في مواضع أخر، فبين أن جعلهم الإناث لله، أو الذكور لأنفسهم قسمة غير عادلة، وأنها من أعظم الباطل. وبين أنه لو كان متخذاً ولداً سبحانه وتعالى عن ذلك! لاصطفى أحسن النصيبين. ووبخهم على أن جعلوا له أخس الولدين، وبين كذبهم في ذلك، وشدة عظم ما نسبوه إليه. كل هذا ذكره في مواضع متعددة. كقوله {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 21-22]، وقوله: {أية : أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}تفسير : [الصافات: 151-154]، وقوله: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40]، وقوله: {أية : أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ}تفسير : [الزخرف: 16]، وقوله: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [الزمر: 4]، وقوله: {أية : أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ}تفسير : [الطور: 39] وقال جل وعلا: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} تفسير : [النحل: 62]، وقال: {أية : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}تفسير : [الزخرف: 18]، وقال: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [الزخرف: 17]. وبين شدة عظم هذا الافتراء بقوله: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 88-93]، وقوله: {أية : إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} مبتدأ وخبر وذكر الزمخشري والفراء وغيرهما: أنه يجوز أن تكون "ما" في محل نص عطفاً على "البنات" أي ويجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. ورد إعرابه بالنصب الزجاج، وقال:العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. قاله القرطبي. وقال أبو حيان "في البحر المحيط". قال الزمخشري: ويجوز في "ما" فيما يشتهون الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على "البنات" أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي وقال أبو البقاء وقد حكاه: وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو: وهي أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل المنصوب. فلا يجوز: زيد ضربه، أي زيداً. تريد ضرب نفسه. إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية، أو فقد وعدم. فيجوز: زيد ظنه قائماً، وزيد فقده، وزيد عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل. فلا يجوز: زيد غضب عليه، تريد غضب على نفسه. فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب. إذ يكون التقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. فالواو ضمير مرفوع "ولهم" مجرور باللام. فهو نظير: زيد غضب عليه اهـ. والبشارة تطلق في العربية على الخبر بما يسر، وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ} الآية، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [آل عمران: 21]، ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم. ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال: شعر : إني وإن سيق إلى المهر ألف وعبدان وذود عشر أحب أصهاري إلى القبر تفسير : ويروى لعبد الله بن طاهر قوله: شعر : لكل أبي بنت يراعى شؤونها ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها وخدر يكنها وقبر يواريها وخيرهم القبر تفسير : وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن: الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم. كما قال الشاعر في ابنة له تسمى مودة: شعر : مودة تهوى عمر الشيخ يسره لها الموت قبل الليل لو أنها تدري يخاف عليها جفوة الناس بعده ولا ختن يرجى أود من القبر

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ويجعلون لله البنات: إذ قالوا الملائكة بنات الله. ولهم ما يشتهون: أي الذكور من الأولاد. ظل وجهه مسوداً: أي متغيراً بالسواد لما عليه من كرب. وهو كظيم: أي ممتلئ بالغم. أم يدسه في التراب: أي يدفن تلك المولودة حية وهو الوأْد. مثل السوء: أي الصفة القبيحة. ولله المثل الأعلى: أي الصفة العليا وهي لا إله إلا الله. أن لهم الحسنى: أي الجنة إذ قال بعضهم ولئن رجعت إلى ربي أن لي عنده للحسنى. وأنهم مفرطون: أي مقدمون إلى جهنم متروكون فيها. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أخطاء المشركين في اعتقادهم وسلوكهم فقال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} وهذا من سوء أقوالهم وأقبح اعتقادهم حيث ينسبون إلى الله تعالى البنات، إذ قالوا الملائكة بنات الله في الوقت الذي يكرهون نسبة البنات إليهم، حتى إذا بشر أحدهم بأنثى بأن أُخبر بأنه ولدت له بنت ظل نهاره كاملاً في غم وكرب {وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} ممتلئ بالغم والهم. {يَتَوَارَىٰ} أي يستتر ويختفي عن أعين الناس خوفاً من المعرة، وذلك {مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} وهو البنت وهو في ذلك بين أمرين إزاء هذا المبَشَّر به: إما أن يمسكه. أن يبقيه في بيته بين أولاده {عَلَىٰ هُونٍ} أي مذلة وهوان، وإما أن {يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} أي يدفنه حياً وهو الوأد المعروف عندهم. قال تعالى مندداً بهذا الإِجرام: {أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} في حكمهم هذا من جهة نسبة البنات لله وتَبَرُّئهم منها، ومن جهة وأْد البنات أو إذلالهن، قبح حكمهم الجاهلي هذا من حكم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [57] وهي قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} حيث قالوا الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ} أي نزه تعالى نفسه عن الولد والصاحبة فلا ينبغي أن يكون له ولد ذكراً كان أو أنثى لأنه رب كل شيء ومليكه فما الحاجة إلى الولد إذاً؟ والآية الثانية [58] وهي قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} أي أقام النهار كله مسود الوجه من الغم {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي ممتلئ بالغم والهم، {يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} أي من البنت {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} يخبر تعالى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم منكروا البعث الآخر لهم المثل السوء أي الصفة السوء وذلك لجهلهم وظلمة نفوسهم لأنهم لا يعملون خيراً ولا يتركون شراً، لعدم إيمانهم بالحساب والجزاء فهؤلاء لهم الصفة السوأى في كل شيء. {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي الصفة الحسنى وهو أنه لا إله إلا الله منزه عن النقائص رب كل شيء ومالكه، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا شريك له ولا ند له ولا ولد وقوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ثناء على نفسه بأعظم وصف العزة والقهر والغلبة لكل شيء والحكمة العليا في تدبيره وتصريفه شؤون عباده، وحكمه وقضائه لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله تعالى في الآية [61] {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أي على الأرض {مِن دَآبَّةٍ} أي نسمة تدب على الأرض من إنسانٍ أو حيوان فهذه علة عدم مؤاخذة الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم يفسدون ويجرمون وهذا الإهمال تابع لحكم عالية أشار إلى ذلك بقوله: {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} أي وقت معين محدد قد يكون نهاية عمر كل أحد، وقد يكون نهاية الحياة كلها فإذا جاء ذلك الأجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون عنه أخرى ثم يجزيهم بأعمالهم السيئة بمثلها وما هو عز وجل بظلام للعبيد. وآخر آية في هذا السياق [62] تضمنت التنديد بسوء حال الذين لا يؤمنون بالآخرة وذلك أنهم لجهلهم بالله وقبح تصورهم لظلمه نفوسهم أنهم يجعلون لله تعالى ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء وسب الرسول وازدرائه، ومع هذا يتبجحون بالكذب بأن لهم الحسنى أي الجنة يوم القيامة. فرد تعالى على هذا الافتراء والهُراء السخيف بقوله: {لاَ جَرَمَ} أي حقاً وصدقاً ولا محالة {أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} بدل الجنة {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} إليها مقدمون متروكون فيها أبداً. هذا ما تضمنته الآية في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} وإن قرئ مفرطون باسم الفاعل فهم حقاً مفرطون في الشر والفساد والكفر والضلال والانحطاط إلى أبعد حد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان الحال الإِجتماعية التي كان عليها المشركون وهي كراهيتهم للبنات خوف العار. 2- بيان جهلهم بالرب تعالى فهم يؤمنون به ويجهلون صفاته حتى نسبوا إليه الولد والشريك. 3- بيان العلة في ترك الظَّلَمة يتمادون زمناً في الظلم والشر والفساد. 4- بيان سوء اعتقاد الذين لا يؤمنون بالآخرة وهو أنهم ينسبون الى نفوسهم الحسنى ويجعلون لله ما يكرهون من البنات والشركاء وسب الرسل وامتهانهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَنَاتِ} {سُبْحَانَهُ} (57) - ثُمَّ جَعَلُوا المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللهِ، يَعْبُدُونَهَا مَعَهُ، فَنَسَبُوا إِلَيهِ تَعَالَى الوَلَدَ، وَهُوَ تَنَزَّهَ اسْمُهُ لاَ وَلَدَ لَهُ، ثُمَّ جَعَلُوا البَنَاتِ لَهُ، وَاخْتَارُوا لأَنْفِسِهِمْ الذُّكُورَ، لأَِنَّهُمْ يَشْتَهُونَ أَنْ يَكُونَ أَبْنَاؤُهُمْ مِنَ الذُّكُورِ، وَقَدْ أَنِفُوا لأَنْفُسِهِمْ البَنَاتِ، وَنَسَبُوهَا إِلَى اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ساعة أنْ تسمع كلمة {سُبْحَانَهُ} فاعلم أنها تنزيهٌ لله تعالى عَمّا لا يليق، فهي هنا تنزيهٌ لله سبحانه وتعالى عما سبق من نسبة البنات له .. تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً .. أي: تنزيهاً لله عن أن يكونَ له بنات. فهل يمكن أن يكون له أولاد ذكور؟ إنهم جعلوا لله البنات، وجعلوا لأنفسهم الذكور، وهذه قسمة قال عنها القرآن الكريم: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 21-22]. أي: جائرة. لم تجعلوها عادلة، يعني لي ولد ولكم ولد، ولي بنت ولكم بنت، إنما تجعلون لله مَا تكرهون وهي البنات لله، وتجعلون لكم ما تحبون .. لذلك كان في جَعْلهم لله البنات عيبان: الأول: أنهم نَسبُوا لله الولد ـ ولو كان ذكراً فهو افتراء باطل يتنزه الله عنه. الثاني: أنهم اختاروا أخسَّ الأنواع في نظرهم .. ولا يستطيع أحد أن يقول: إن البنات أخسُّ الأنواع .. لماذا؟ لأن بالبنات يكون بقاء النوع؛ ولذلك قال العباس: لو سمع الله ما قال الناس في الناس لما كان الناس .. أي: لو استجاب الله لرغبة الناس في أنهم لا يريدون البنات فاستجاب ولم يُعْطهم .. ماذا سيحدث؟ سينقطع النسل، فهذا مطْلَب غبيّ، فالبنت هي التي تَلِد الولد، وبها بقاء النوع واستمرار النسل. وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ ..} [النحل: 57]. أي: تنزيهاً له أن يكون له ولد، وتنزيهاً له سبحانه أن يكون له أخسَّ النوعين في نظرهم وعرفهم، وقد قال عنهم القرآن في الآية التالية: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 58-59]. ولذلك فالحق - تبارك وتعالى - حينما يُحدِّثنا عن الإنجاب يقول: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ..} تفسير : [الشورى: 49-50]. أول ما بدأ الحق سبحانه بدأ بالإناث .. ثم أعطانا هذه الصور من الخَلْق: إناث، ذكور، ذكور وإناث، عقيم .. إذن: هِبَات الله تعالى لها أربعة أنواع، ومن هنا كان العُقْم أيضاً هبةً من الله لحكمة أرادها سبحانه .. لكن الناس لا تأخذ العُقْم على أنه هِبَة .. لكن تأخذه على أنه نِقْمة وغضب. لماذا؟ لماذا تأخذه على أنه نِقْمة وبلاء؟ فربما وهبك الولد، وجاء عاقّاً، كالولد الذي جاء فتنة لأبويْه، يدعوهما إلى الكفر. ولو أن صاحب العقم رضي بما قسمه الله له من هبة العقم واعتبره هبة ورضي به لرأى كل ولد في المجتمع ولده من غير تعب في حَمْله وولادته وتربيته. فيرى جميع الأولاد من حوله أولاده ويعطف الله قلوبهم إليه كأنه والدهم .. وكأن الحق تبارك وتعالى يقول له: ما دُمْتَ رضيتَ بهبة الله لك في العقم لأجعلنَّ كل ولدٍ ولداً لك. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57]. أي: من الذّكْران؛ لأن الولد عِزْوة لأبيه ينفعه في الحرب والقتال وينفعه في المكاثرة .. الخ إنما البنت تكون عالةً عليه؛ ولذلك قال تعالى بعد هذا: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ ...}.