١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي أولَى المرّتين من فسادهم. {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} هم أهل بابل، وكان عليهم بُخْتَنَصّر في المرة الأولى حين كذبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه؛ قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس يتجسّسون أخبارهم ومعهم بختنصر فوَعَى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعوا إلى فارس ولم يكن قتال، وهذا في المرة الأولى، فكان منهم جَوْسٌ خلال الديار لا قتل؛ ذكره القشيري أبو نصر. وذكر المهدوِيّ عن مجاهد أنه جاءهم بختنصر فهزمه بنو إسرائيل، ثم جاءهم ثانية فقتلهم ودمرهم تدميرا. ورواه ابن أبي نَجيح عن مجاهد؛ ذكره النحاس. وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول: إن المهزوم سَنْحَاريب ملك بابل، جاء ومعه ستمائة ألف راية تحت كل راية مائة ألف فارس فنزل حول بيت المقدس فهزمه الله تعالى وأمات جميعهم إلا سنحاريب وخمسة نفر من كُتّابه، وبعث ملك بني إسرائيل واسمه صديقة في طلب سنحاريب فأخِذ مع الخمسة، أحدهم بختنصر، فطرح في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس وإيلياء ويرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، ثم أطلقهم فرجعوا إلى بابل، ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين، واستخلف بختنصر وعظمت الأحداث في بني إسرائيل، واستحلوا المحارم وقتلوا نبيهم شَعْيَا؛ فجاءهم بختنصر ودخل هو وجنوده بيت المقدس وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم. وقال ابن عباس وابن مسعود: أوّل الفساد قتل زكريا. وقال ابن إسحاق: فسادهم في المرة الأولى قتل شعياً نبيِّ الله في الشجرة، وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم مَرِج أمرهم وتنافسوا على المُلْك وقتل بعضهم بعضاً وهم لا يسمعون من نبيهم؛ فقال الله تعالى له قم في قومك أوحِ على لسانك، فلما فرغ مما أوحى الله إليه عَدَوْا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ هُدْبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها. وذكر ابن إسحاق أن بعض العلماء أخبره أن زكريا مات موتاً ولم يقتل وإنما المقتول شَعْيَا. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاعَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ} هو سنحاريب من أهل نِينَوَى بالمَوْصل ملكُ بابل. وهذا خلاف ما قال ابن إسحاق، فالله أعلم. وقيل: إنهم العمالقة وكانوا كفاراً، قاله الحسن. ومعنى جاسوا: عاثوا وقتلوا؛ وكذلك حاسوا وهاسوا وداسوا؛ قاله ابن عُزيز، وهو قول القُتَبِيّ. وقرأ ابن عباس: «حاسوا» بالحاء المهملة. قال أبو زيد: الحَوْس والجَوْس والعَوْس والهَوْس: الطواف بالليل. وقال الجوهري: الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار، أي تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها؛ وكذلك الاجتياس. والجَوَسان (بالتحريك) الطوفان بالليل؛ وهو قول أبي عبيدة. وقال الطبري: طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين؛ فجمع بين قول أهل اللغة. قال ابن عباس: مشوا وتردّدوا بين الدُّور والمساكن. وقال الفراء: قتلوكم بين بيوتكم؛ وأنشد لحسان:شعر : ومنا الذي لا قى بسيف محمد فجاس به الأعداء عرض العساكر تفسير : وقال قطرب: نزلوا، قال:شعر : فجُسْنَا ديارهُمُ عَنوةً وأبْنَا بسادتهم مُوثَقينا تفسير : {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي قضاء كائنا لا خُلف فيه.
البيضاوي
تفسير : {فَإِذَا جَآء وَعْدُ أُولَـٰهُمَا } وعد عقاب أولاهما. {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا } بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده. وقيل جالوت الجزري. وقيل سنحاريب من أهل نينوى. {أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد. {فَجَاسُواْ } فترددوا لطلبكم. وقرىء بالحاء المهملة وهما أخوان. {خِلَـٰلَ ٱلدّيَارِ } وسطها للقتل والغارة فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا التوراة وخربوا المسجد. والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث بالتخلية وعدم المنع. {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً } وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَٰهُمَا } أولى مَرَّتي الفساد {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } أصحاب قوّة في الحرب والبطش {فَجَاسُواْ } ترددوا لطلبكم {خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ } وسط دياركم ليقتلوكم ويسبوكم {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً } وقد أفسدوا الأولى بقتل زكريا فبعث عليهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوا أولادهم وخربوا بيت المقدس.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {أولاهما} عائد على قوله {مرتين} [الإسراء: 4] وعبر عن الشر بـ "الوعد" لأنه قد صرح بذكر المعاقبة، وإذا لم يجيء "الوعد" مطلقاً فجائز أن يقع في الشر، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن "عبيداً"، واختلف الناس في العبيد المبعوثين، وفي صورة الحال اختلافاً شديداً متباعداً عيونه: أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكرياء عليه السلام فغزاهم سنحاريب ملك بابل، كذا قال ابن إسحاق وابن جبير، وقال ابن عباس: غزاهم جالوت من أهل الجزيرة وروي عن عبد الله ابن الزبير أنه قال في حديث طويل: غزاهم آخراً ملك اسمه خردوس، وتولى قتلهم على دم يحيى بن زكرياء قائد لخردوس اسمه بيورزاذان، وكف عن بني إسرائيل وسكن بدعائه دم يحيى بن زكرياء، وقيل غزاهم أولاً صنحابين ملك رومة، وقيل بختنصر، وروي أنه دخل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش، وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجدوا الملك قد مات فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك، وقالت فرقة: إنما غزاهم بختنصر في المرة الأخيرة حين عصوا وقتلوا يحيى ابن زكرياء، وصورة قتله: أن الملك أراد أن يتزوج بنت امرأته فنهاه يحيى عنها فعز ذلك على امرأته، فزينت بنتها وجعلتها تسقي الملك الخمر وقالت لها: إذا راودك الملك عن نفسك فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين، فإذا قال لك تمني علي ما أردت، فقولي رأس يحيى بن زكرياء: ففعلت الجارية ذلك فردها الملك مرتين وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأس في طست ولسانه يتكلم وهو يقول لا تحل لك، وجرى دم يحيى فلم ينقطع فجعل الملك عليه التراب حتى ساوى سور المدينة والدم ينبعث، فلما غزاهم الملك الذي بعث الله عليهم بحسب الخلاف الذي فيه، قتل منهم على الدم حتى سكن بعد قتل سبعين ألفاً، هذا مقتضى هذا الخبر، وفي بعض رواياته زيادة ونقص، فروت فرقة: أن أشعياء النبي عليه السلام وعظهم في بعض الأمر وذكرهم الله ونعمه في مقام طويل قصة الطبري، وذكر أشعياء في آخره محمداً صلى الله عليه وسلم وبشر به فابتدره بنو إسرائيل، ففر منهم فلقي شجرة فتفلقت له حتى دخلها فالتأمت عليه، فعرض الشيطان عليهم هدبة من ثوبه فأخذوا منشاراً فنشروا الشجرة وقطعوه في وسطها فقتلوه، فحينئذ بعث الله عليهم في المرة الآخرة، وذكر الزهراوي عن قتادة قصصاً، أن زكرياء هو صاحب الشجرة وأنهم قالوا لما حملت مريم: ضيع بنت سيدنا حتى زنت فطلبوه فهرب منهم حتى دخل في الشجرة فنشروه، وروت فرقة أن بختنصر كان حفيد سنحاريب الملك الأول، وروت فرقة أن الذي غزاهم آخراً هو سابور ذو الأكناف، وقال أيضاً ابن عباس سلط الله عليهم حين عادوا ثلاثة أملاك من فارس سندابادان وشهرياران، وآخر، وقال مجاهد: إنما جاءهم في الأولى عسكر من فارس " فجاس خلال الديار" وتغلب ولكن لم يكن قتال، ولا قتل في بني إسرائيل، ثم انصرفت عنهم الجيوش وظهروا وأمدوا بالأموال والبنين حتى عصوا وطغوا فجاءهم في المرة الثانية من قتلهم وغلبهم على بيضتهم وأهلكهم آخر الدهر، وقوله عز وجل {فجاسوا خلال الديار} وهي المنازل والمساكن. وقوله تعالى: {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} يرد على قول مجاهد إنه لم يكن في المرة الأولى غلبة ولا قتال وهل يدخل المسجد إلا بعد غلبة وقتال، وقد قال مؤرج، "جاسوا خلال الأزقة"، وقد ذكر الطبري في هذه الآية قصصاً طويلاً منه ما يخص الآيات وأكثره لا يخص وهذه المعاني ليست بالثابت فلذلك اختصرتها، وقوله {بعثنا} يحتمل أن يكون الله بعث إلى ملك تلك الأمة رسولاً يأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقي في نفس الملك الذي غزاه وقرأ الناس "فجاسوا" بالجيم، وقرأ أبو السمال "فحاسوا" بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسراً ومنه الحواس، وقيل لأبي السمال إنما القراءة "جاسوا" بالجيم فقال "جاسوا وحاسوا" واحد. قال القاضي أبو محمد: فهذا يدل على تخير لا على رواية، ولهذا لا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه، وقرأ الجمهور: "خلال"، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "خللَ" ونصبه في الوجهين على الظرف، وقوله {ثم رددنا لكم الكرة}، الآية عبارة عما قاله الله لبني إسرائيل في التوراة، وجعل {رددنا} موضع نرد إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبله بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجلوة الأولى لما وصفنا، فغلبت بنو إسرائيل على بيت المقدس وملكوا فيه، وحسنت حالهم برهة من الدهر، وأعطاهم الله الأموال والأولاد، وجعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس، قال الطبري معناه وصيرناكم أكثر عدد نافر منهم، قال قتادة: كانوا {أكثر نفيراً} في زمن داود عليه السلام، و"نفير" يحتمل أن يكون جمع نفر ككلب وكليب، وعبد وعبيد، ويحتمل أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل أي وجعلناكم أكثر نافراً. قال القاضي أبو محمد: وعندي أن النفر اسم لا جمع الذي ينفر سمي بالمصدر، وقد قال تبع الحميري: [المتقارب]. شعر : فأكرم بقحطان من والد وحمير أكرم بقوم نفيرا تفسير : وقالوا: لا في العير ولا في النفير، يريدون جمع قريش الخارج من مكة لا بإذن، فلما قال الله لهم إني سأفعل بكم هكذا عقب ذلك بوصيتهم في قوله {إن أحسنتم} والمعنى أنكم بعملكم تؤخذون لا يكون ذلك ظلماً ولا تسرعاً إليكم، و {وعد الآخرة} معناه من المرتين المذكورتين، وقوله {ليسوءوا} اللام لام أمر، وقيل المعنى بعثناهم {ليسوءوا} فهي لام كي كلها، والضمير للعباد "أولي البأس الشديد"، وقرأ الجمهور: "ليسوءوا" بالياء جمع همزة وبين واوين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر "ليسوءَ" بالياء وهمزة مفتوحة على الإفراد، وقرأ الكسائي، وهي مروية عن علي بن أبي طالب "لنسوء" بنون العظمة، وقرأ أبي بن كعب "لنسوءن" بنون خفيفة، وهي لام الأمر، وقرأ علي بن أبي طالب "ليسوءن"، وهي لام القسم والفاعل الله عز وجل، وفي مصحف أبي بن كعب "ليُسيء" بياء مضمومة بغير واو، وفي مصحف أنس "ليسوء وجهكم" على الإفراد، وخص ذكر "الوجوه" لأنها المواضيع الدالة على ما بالإنسان من خير أو شر، و {المسجد} مسجد بيت المقدس، و"تبر" معناه أفسد بقسم وركوب رأس، وقوله {ما علوا} أي ما غلبوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد، وقيل {ما} ظرفية والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد، و"تبر" معناه رد الشيء فتاتاً كتبر الذهب والحديد، ونحوه وهو مفتتة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَعَثْنَا} خلينا بينكم وبينهم خذلاناً بظلمكم، أو أمرناهم بقتالكم {عِبَاداً} جالوت إلى أن قتله داود "ع" أو بختنصر، أو سنحاريب أو العمالقة وكانوا كفاراً، أو قوم من أهل فارس يتحسسون أخبارهم. {فَجَاسُواْ} مشوا وترددوا بين الدور والمساكن "ع"، أو قتلوهم بين الدور والمساكن قال: شعر : ومنا الذي لا قى بسيف محمد فجاس به الأعداء عرض العساكر تفسير : أو طلبوا، أو نزلوا.
النسفي
تفسير : {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي وعد الله عقاب أولاهما {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} سلطنا عليكم {عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدِ} أشداء في القتال يعني سنجاريب وجنوده أو بختنصر أو جالوت، قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين ألفاً {فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ} ترددوا للغارة فيها. قال الزجاج: الجوس طلب الشيء بالاستقصاء {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} وكان وعد العقاب وعداً لا بد أن يفعل {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ} أي الدولة والغلبة {عَلَيْهِمْ} على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو. قيل: هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم. وقيل أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} مما كنتم وهو تمييز جمع نفر وهو من ينفر مع الرجل من قومه. {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} قيل اللام بمعنى «على» كقوله: {أية : وعليها ما اكتسبت} تفسير : [البقرة: 286] والصحيح أنها على بابها لأن اللام للاختصاص والعامل مختص بجزاء عمله، حسنة كانت أو سيئة يعني أن الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. وعن علي رضي الله عنه: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ} وعد المرة الآخرة بعثناهم {لِيَسوؤوا} أي هؤلاء {وُجُوهَكُمْ} وحذف لدلالة ذكره أولاً عليه أي ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها كقوله {أية : سيئت وجوه الذين كفروا}تفسير : [الملك:27] {ليسوء} شامي وحمزة وأبو بكر، والضمير لله عز وجل أو للوعد أو للبعث. {لنسوء} علي. {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} بيت المقدس {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} {ما علوا} مفعول لـ {يتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، أو بمعنى مدة علوهم .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَـٰهُمَا} الضمير في قوله: {أُولَـٰهُمَا } عائدٌ على قوله {مَرَّتَيْنِ }، وعبَّر عن الشر بـ «الوعد»؛ لأنه قد صرَّح بذكْرِ المعاقبة. قال * ص *: {وَعْدُ أُولَـٰهُمَا }، أي: موعود، وهو العقاب، لأن الوعد سبق بذلك، وقيلَ: هو على حذف مضاف، أي وعد عقاب أولاهما. انتهى، وهو معنى ما تقدَّم. واختلف الناس في العبيد المبعوثِينَ، وفي صورة الحال ٱختلافاً شديداً متباعِداً، عيونُهُ أنَّ بني إِسرائيل عَصَوْا وقتلوا زكريَّاء عليه السلام، فغزاهُمْ سِنْجارِيبُ مَلِك بابل، قاله ابن إسحاق وابن جَبْير. وقال ابن عباس: غزاهُمْ جالوتُ من أهْل الجزيرة، وقيل: غزاهم بُخْتَ نَصَّرَ، وروي أنه دخل قَبْلُ في جيش من الفرس، وهو خامل يسير في مَطْبَخ الملك، فٱطَّلع مِنْ جور بني إِسرائيل على ما لم تعلمه الفُرْسُ، فَلمَّا انصرف الجيشُ، ذكر ذلك للملك الأعظَمِ، فلما كان بعد مدَّة، جعله الملك رئيسَ جيشٍ، وبعثه فخرَّب بيت المقدس، وقتلهم، وأجلاهم، ثم انصرَفَ، فوجد المَلِكَ قد ماتَ، فمَلَكَ موضعه، وٱستمرَّتْ حاله حتى ملك الأرْضَ بعد ذلك، وقالت فرقة: إنما غزاهم بُخْتَ نَصَّرَ في المرَّة الأخيرة حين عَصَوْا وقتلوا يحيى بن زَكَرِيَّاءَ، وصورة قتله: أن الملك أراد أنْ يتزوج بِنْتَ امرأته، فنهاه يحيى عَنْها، فعزَّ ذلك على امرأته، فزَّينت بنْتَها، وجعَلَتها تسقي المَلِك الخمر، وقالت لها: إِذا راوَدَكَ عن نفسك، فتمنَّعي حَتَّى يعطيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْنَ، فإِذا قال لك: تَمنِّي عَلَيَّ ما أردتِّ، فقولي: رأسَ يحيى بن زكرياء، ففعلَتِ الجارية ذلك، فردَّها الملك مرَّتَيْنِ، وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأْسِ في طَسْتٍ، ولسانُهُ يتكلَّم، وهو يقول: لا تحلُّ لك، وجرى دمُ يحيى، فلم ينقطعْ، فجعل الملك عليه التُرابَ، حتى ساوى سور المدينةِ، والدمُ ينبعث، فلما غزاهم المَلِكُ الذي بُعِثَ عليهم بحسب الخِلاَفِ الذي فيه، قَتَلَ منهم على الدمِ سبعين ألْفاً حتى سكَنَ، هذا مقتضى خبرهم، وفي بعض الروايات زيادة ونقصٌ، وقرأ الناس: «فَجَاسُوا»، وقرأ أبو السَّمَّال: بالحاء، وهما بمعنى الغلبةِ والدخولِ قهراً، وقال مُؤَرِّجٌ: جَاسُوا خِلاَلَ الأزِقَّةَ. * ت * قال * ص *: {جَاسُواْ} مضارعُه يَجُوسُ، ومصدره جَوْسٌ وجَوَسَانٌ، ومعناه: التردُّد، و {خِلاَلَ} ظرف، أي: وسط الديار انتهى. وقوله سبحانه: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...} الآية عبارة عما قاله سبحانه لبني إِسرائيل في التوراة، وجعل «رددنا» موضع «نَرُدُّ»، لما كان وعد اللَّه في غاية الثِّقَة، وأنه واقع لا محالة، فعبَّر عن المستقبل بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجولة الأولى، كما وصفْنا، فغَلَبَتْ بنو إِسرائيل على بيت المقدس، وملَكُوا فيه، وحَسُنت حالهم بُرْهةً من الدهْرِ، وأعطاهم اللَّه الأموالَ والأولادَ وجعلَهم إِذا نفروا إِلى أمْرٍ أكثر النَّاس، فلما قال اللَّه: إِني سأفعل بُكْم هكذا، اعقَّب بوصيَّتهم في قوله: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ...} الآية، والمعنى: إِنكم بعملكم تُجَازَوْنَ، و{وَعْدُ ٱلآخِرَةِ } معناه: من المرَّتَيْن. وقوله: { لِيَسُوءُواْ} اللام لام أمْرِ، وقيل: المعنى: بعثناهم، ليسوؤوا وليدخلوا، فهي لام كْيِ كلّها، والضمير للعباد أُولي البأس الشديد، و{ٱلْمَسْجِدَ} مسجد بيت المقدس، «وتَبَّر» معناه: أفسد بغشمٍ وركوب رأْس. وقوله: {مَا عَلَوْاْ }، أي: ما علوا عليه من الأقطار، وملكوه من البلاد، وقيل: «ما» ظرفية، والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد. وقوله سبحانه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ...} الآية: يقول اللَّه عزَّ وجلَّ لبقية بني إِسرائيل: عسى ربكم إِن أطعتم في أنفسكم وٱستقمتُمْ أنْ يرحمكم، وهذه العِدَةُ ليست برجوعِ دولةٍ، وإِنما هي بأنْ يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة ٱتِّبَاعهم لعيسى ومحمَّد عليهما السلام، فلم يفعلوا، وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقابُ اللَّه عليهم بِضَرْبِ الذَّلة عليهم، وقتلِهمْ وإذلالِهمْ بِيَدِ كلِّ أمة، و«الحصير»: من الحَصْر بمعنى السَّجْن، وبنحو هذا فسَّره مجاهد وغيره، وقال الحسن: «الحصير» في الآية: أراد به ما يفترشُ ويُبْسَطُ؛ كالحصير المعروف عند الناس. قال * ع *: وذلك الحصيرُ أيضاً هو مأخوذ من الحَصْر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَعْدُ} أي: موعود، فهو مصدر واقع موقع مفعول، وتركه الزمخشريُّ على حاله، لكن بحذف مضافٍ، أي: وعدُ عقاب أولاهما. وقيل: الوعدُ بمعنى الوعيد، وقيل: بمعنى الموعد الذي يراد به الوقت، فهذه أربعة أوجهٍ، والضمير عائدٌ على المرَّتينِ. قوله: "عِبَاداً لَنَا" العامة على "عِبَاد" بزنة فِعَال، وزيد بن عليٍّ والحسن "عَبِيداً" على فعيل، وتقدَّم الكلام على ذلك. وقوله: "فَجاسُوا" عطف على "بَعثْنَا"، أي: ترتَّب على بعثنا إياهم هذا. وجُوس بفتح الجيم وضمها مصدر جاسَ يَجُوسُ، أي: فتَّش ونقَّب، قاله أبو عبيدٍ، وقال الفراء: "قَتلُوا" قال حسان: [الطويل] شعر : 3376- ومِنَّا الَّذي لاقَى بِسيْفِ مُحمَّدٍ فَجَاسَ بِهِ الأعْداءُ عَرْضَ العَساكرِ تفسير : وقال أبو زيد: "الجُوسُ والجَوْسُ والحَوْسُ والهَوْسُ طلب الطَّوف باللَّيْلِ". وقال قطربٌ: "جَاسُوا: نَزلُوا". وأنشد: [المتقارب] شعر : 3377- فَجُسْنَا دِيَارهُمْ عَنْوَةً وأبْنَا بِسَاداتِهمْ مُوثَقِينَا تفسير : وقيل: "جَاسُوا بمعنى دَاسُوا"، وأنشد: [الرجز] شعر : 3378- إلَيْكَ جُسْنَا اللَّيْلَ بالمَطِيِّ تفسير : وقيل: الجَوْسُ: التردُّد. قال الليث: الجَوْس، والجوسان: التردُّد وقيل: طلب الشيءِ باستقصاءٍ، ويقال: "حَاسُوا" بالحاءِ المهملة، وبها قرأ طلحةُ وأبو السَّمَّال، وقُرِىء "فجُوِّسُوا" بالجيم، بزنة نُكِّسُوا. و "خلال الدِّيارِ" العامة على "خِلال" وهو محتملٌ لوجهين: أحدهما: أنه جمعُ خللٍ؛ كجِبال في جبل، وجمال في جَمل. والثاني: أنه اسمٌ مفردٌ بمعنى وسطٍ، ويدل له قراءة الحسن "خَلَلَ الدِّيارِ". قوله: "وكان وعْداً"، أي: وكان الجوسُ، أو وكان وعْدُ أولاهما، أو وكان وعدُ عقابهم. قوله تعالى: {ٱلْكَرَّةَ}: مفعول "رَدَدْنَا" وهي في الأصل مصدر كرَّ يكُرُّ، أي: رجع، ثم يعبَّر بها عن الدَّولةِ والقهر. قوله: "عَليْهِم" يجوز تعلُّقه بـ "رَدَدْنَا"، أو بنفس الكرَّة؛ لأنه يقال: كرَّ عليه، فتتعدَّى بـ "عَلَى" ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من "الكرَّة". قوله: "نَفِيراً" منصوبٌ على التمييز، وفيه أوجهٌ: أحدها: أنه فعيلٌ بمعنى فاعل، أي: أكثر نافراً، أي: من يَنْفِرُ معكم. الثاني: أنه جمع نفرٍ؛ نحو: عَبْدٍ وعبيدٍ، قاله الزجاج؛ وهم الجماعة الصَّائرُون إلى الأعداء. الثالث: أنه مصدر، أيك أكثر خروجاً إلى الغزو؛ قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 3379- فَأكْرِمْ بقَحْطانَ مِنْ والِدٍ وحِمْيَرَ أكْرِمْ بقَوْمٍ نَفِيرَا تفسير : والمفضل عليه محذوفٌ، فقدره بعضهم: أكثر نفيراً من أعدائكم، وقدَّره الزمخشريُّ: أكثر نفيراً ممَّا كنتم. فصل في معنى الآية معنى الآية: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} يعني أوَّل المرَّتين. قال قتادة: "إفسادهم في المرَّة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة وركبوا المحارم". وقال ابن إسحاق: "إفسادهم في المرَّة الأولى قتل شعيا في الشجرة، وارتكابهم المعاصي". {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ}. قال قتادة: "يعني جالوت وجنوده، وهو الذي قتلهُ داود، فذاك هو عودُ الكرَّة". وقال سعيد بن جبيرٍ: "سنحاريب من أرض نينوى" وقال ابن إسحاق: "بُخْتَنصَّر البابليّ وأصحابه" وهو الأظهر، فقتل منهم أربعين ألفاً ممَّن يقرأ التوراة، وذهب بالبقيَّة إلى أرضه، فبقوا هناك في الذلِّ إلى أن قيَّض الله ملكاً آخر من أهل بابل، واتَّفق أن تزوَّج بامرأةٍ من بني إسرائيل، فطلبت تلك المرأةُ من ذلك الملك أن يردَّ بني إسرائيل إلى بيت المقدس، ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء، ورجعوا إلى أحسن ما كانوا، وهو قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ}. وقال آخرون: يعني بقوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ} هو أنه تعالى ألقى الرُّعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس، فلما كثرت المعاصي فيهم، أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس، فقصدوهم، وبالغوا في قتلهم، وإفنائهم، وإهلاكهم. واعلم أنه لا يتعلق كثير غرضٍ في معرفة الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لمَّا أكثروا من المعاصي، سلَّط الله عليهم أقواماً قتلوهم وأفنوهم. فصل في الاحتجاج على صحة القضاء والقدر احتجُّوا بهذه الآية على صحَّة القضاء والقدر من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}، وهذا القضاءُ أقلُّ احتمالاته الحكم الجزم والخبر الحتم، فثبت أنَّه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبراً وجزماً، حتماً، لا يقبل النَّسخ؛ لأنَّ القضاء معناه الحكم الجزم، ثم إنه الله تعالى أكَّد القضاء بقوله: {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً}. فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد منهم يستلزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وانقلاب حكمه الجازم باطلاً، وانقلاب علمه الحقِّ جهلاً، وكل ذلك محال، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالاً، وكان إقدامهم عليه واجباً ضرورياً، لا يقبل النَّسخ والرفع، مع أنَّهم كلِّفُوا بتركه، ولعنوا على فعله؛ وذلك يدل على أن الله قد يأمر بالشيء ويصدُّ عنه وقد ينهى عن الشيء ويسعى فيه. الثاني: قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} والمراد به الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنَّهب والأسر، فبيَّن تعالى أنَّه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل، ولا شكَّ أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملاً على الظلم الكبير والمعاصي العظيمة. ثم إنه تعالى أضاف كلَّ ذلك إلى نفسه بنفسه بقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا} وذلك يدلُّ على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى. أجاب الجبائيُّ عنه من وجهين: الأول: قوله: "بَعَثْنَا" هو أنَّه تعالى أمر أولئك القوم بغزو بني إسرائيل؛ لما ظهر فيهم من الفساد، فأضيف ذلك الفعل إلى الله من حيث الأمرُ. والثاني: أنَّ المراد: خَلَّيْنَا بينهم وبين بني إسرائيل، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم، فالمراد من هذا البعث التخليةُ وعدم المنع. والجواب الأوَّل ضعيفٌ؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس، وإحراق التوراة، وقتل حفَّاظ التوراة لا يجوز أن يقال: إنهم فعلوا ذلك بأمر الله. والجواب الثاني أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ البعث عبارةٌ عن الإرسال، والتخلية عبارةٌ عن عدم المنع، فالأول فعلٌ، والثاني تركٌ، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدَّين بالآخر، وإنه لا يجوز، فثبت صحَّة ما ذكرناه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ} [الآية: 5]. قال السَّيارى: إضافة إلى القدرة وإلى الإختصاص، وقوله {عِبَاداً} أمنا لكم إشارة إلى الملك والعموم.
القشيري
تفسير : إن الله سبحانه يُعِدُّ أقواماً لأحوالٍ مخصوصةٍ حتى إذا كان وقتُ إرادته فيهم كان هؤلاء موجودين.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا جاء}[بس جون بيايد] {وعد اولهما} اى اولى كرتى افساد اى حان وقت حلول العقاب الموعود {بعثنا عليكم} لمؤاخذتكم بجناياتكم {عبادا لنا} اكثر ما يقال عباد الله وعبيد الناس. قال الكاشفى [اضافت خلق است نه اضافت مدح جه مراد بخت نصراست بقول اصح]. يقول الفقير المراد من الاضافة بيان كونهم مظاهر الاسم المذل المنتقم القهار كما يفيده مقام العظمة لا التشريف فان الكافر ليس من اهل {اولى بأس شديد} كقولهم ظل ظليل لان البأس يتضمن الشدة اى ذوى قوة وبطش فى الحروب [دمياطى كفت كه مهيب باشد آوازهاى ايشان جون رعد] وهم بخت نصر من مجوس بابل وهم بضم الباء اصله بوخت بمعنى ابن ونصر بفتح النون والصاد المشددة والراء المهملة اسم صنم وجد عنده بخت نصر ولم يعرف له اب ينسب اليه. وقال بعضهم كان بخت نصر عاملا على العراق لملك الاقاليم فى ذلك الحين لهراست بن اجواد كان لهراست مشتغلا يقتال الترك فوجه بخت نصر الى بنى اسرائيل فى المرة الاولى {فجاسوا} من الجوس وهو التردد خلال الدور والبيوت فى الغارة اى ترددوا لطلبكم بالفساد {خلال الديار} قال فى القاموس الخلل منفرج ما بين الشيئين ومن السحاب مخارج الماء كخلاله وخلال الدار ايضا ما حوالى جدرها وما بين بيوتها انتهى. قالوا يجوز ان يكون مفردا بمعنى الوسط او جمع خلل بمعنى الاوساط مثل جبل وجبال والديار جمع دار وهو المحل يجمع البناء والعرضة. والمعنى مشوا فى وسط المنازل او فى اوساطها للقتل والاسر والغارة فقتلوا علماءهم وكبارهم وحرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين الفا وذلك من قبيل تولية بعض الظالمين بعضا مما جرت به السنة الالهية {وكان} وعد عقابهم {وعدا مفعولا} وعدا لا بد ان يفعل.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا} أى وعد عقاب أُولى المرتين أى الأُولى منهما والوعيد بمعنى العقاب نفسه فإِن الوعد يستعمل بمعنى الإِخبار بالخير أو الشر بمعنى نفسه الخير أو الشر وأصله الأَول واعلم أن أُولى مؤنث اسم تفضيل بوزن فعلا بأَلف التأنيث وضم الفاء وإِسكان العين فالواو مدة للهمزة فالهمزة تمد بها، والمرة الأُولى هى ما ذكرناه آنفا {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً} وقرئ عبيدا وأكثر ما يقال عباد الله وعبيد الناس {لَّنَا} نعت لعبادا وهم على الأَصح بخت نصر وجنوده وهو عامل لهراسف وقيل جالوت الخزرى وجنوده وهو الذى قتله داود والخزرى نسبة إِلى الخزر، وهو ضيق العين وصغرها أو جيل من الناس وقيل سنجاريب وجنوده. وروى القول الثانى عن ابن عباس وسنجاريب فيما قيل هو ملك بابل من أهل نينوى والقول الأَخير روى عن ابن إِسحاق وابن جبير واختاره الزمخشرى {أُوْلىِ بَأْسٍ} بطش {شدِيدٍ} فى الحرب أو البأس هو نفس الحرب {فَجَاسُوا} طافوا وترددوا للقتل والغارة طالبين لذلك {خِلاَلَ الدِّيَارِ} وسط الديار بين دار أُخرى ووسط كل الدار قتلوا كبارهم وسبوا سبعين ألفا من صغارهم وأحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس. وقرأ أبو السماك فحاسوا بالحاء المهملة، والمعنى واحد ولله أن يسلط الكفرة على قتل المسلمين وسبى صغارهم وغنم ما لهم وإِحراق كتابهم وتخريب المسجد، وذلك لحكمة استأثر الله جل وعلا بها ويعاقب الكفرة بذلك لأَنهم فعلوا باختيارهم وإِن شئت فعل ذلك تخلية لهم منه وعدم منع، والعبارة الأُولى أنسب بقوله بعثنا {وَكَانَ} وعد أُولاهما أو كان بعثنا العباد عليهم أو كان جوسهم خلال الديار والمعنى واحد {وَعْداً مَّفْعُولاً} لا بد أن يفعل.
الالوسي
تفسير : {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ أُوليٰهُمَا} أي أولى مرتي الإفساد. والوعد بمعنى الموعود مراد به العقاب كما في «البحر» وفي الكلام تقدير أي فإذا حان وقت حلول العقاب الموعود، وقيل الوعد بمعنى الوعيد وفيه تقدير أيضاً، وقيل بمعنى الوعد الذي يراد به الوقت أي فإذا حان موعد عقاب أولاهما {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} أرسلنا لمؤاخذتكم بتلك الفعلة {عِبَادًا لَنَا} وقال الزمخشري: «خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم» وفيه دسيسة اعتزال، وقال ابن عطية: «يحتمل أن يكون الله تعالى أرسل إلى ملك أولئك العباد رسولاً يأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر منه تعالى». وقرأ الحسن وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم {عبيداً} {أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} ذوي قوة وبطش في الحروب، وقال الراغب: «البؤس والبأس والبأساء الشدة والمكروه إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية» ومن هنا قيل: إن وصف البأس بالشديد مبالغة كأنه قيل: ذوي شدة شديدة كظل ظليل ولا بأس فيه، وقيل إنه تجريد وهو صحيح أيضاً. واختلف في تعيين هؤلاء العباد فعن ابن عباس وقتادة هم جالوت الجزري وجنوده، وقال ابن جبير. وابن إسحاق هم سنجاريب ملك بابل وجنوده، وقيل هم العمالقة، وفي «الأعلام» للسهيلي هم بختنصر عامل لهراسف أحد ملوك الفرس الكيانية على بابل والروم وجنوده بعثوا عليهم حين كذبوا أرميا وجرحوه وحبسوه قيل وهو الحق. / {فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدّيَارِ} أي ترددوا وسطها لطلبكم، قال الراغب: «جاسوا الديار توسطوها وترددوا بينها ويقاربه حاسوا وداسوا». وقرأ (حاسوا) بالحاء أبو السمال. وطلحة، وقرىء أيضاً (تجوسوا) بالجيم على وزن تكسروا. وقال أبو زيد: الجوس والحوس طلب الشيء باستقصاء. و {خِلَـٰلُ} اسم مفرد ولذا قرأ الحسن (خلل) ويجوز أن يكون خلال جمع خلل كجبال جمع جبل، ويشير كلام أبـي السعود إلى اختياره وكلام البيضاوي إلى اختيار الأول. {وَكَانَ} أي وعد أولاهما {وَعْدًا مَّفْعُولاً} محتم الفعل فضمير {كَانَ} للوعد السابق، وقيل: للجوس المفهوم من (جاسوا) والجمهور على أن في هذه البعثة خرب هؤلاء العباد بيت المقدس ووقع القتل الذريع والجلاء والأسر في بني إسرائيل وحرقت التوراة، وعن ابن عباس ومجاهد أنه لم يكن ذلك وإنما جاس الغازون خلال الديار وانصرفوا بدون قتال.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - فَإِذَا حَانَ وَقْتُ العِقَابِ، عَلَى إِفْسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عِبَاداً مُؤْمِنِينَ مِنْ خَلْقِهِ، ذَوِي بَطْشٍ شَدِيدٍ فِي الحُرُوبِ، فَقَهَرُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَرَدَّدُوا خِلاَلَ بُيُوتِهِمْ وَمَساكِنِهِمْ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً، وَلاَ يَخَافُونَ عَلَيْهِمْ رِدَّةً. وَكَانَ وَعْدُ اللهِ وَمَا قَضَاهُ كَائِناً لاَ بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، كَمَا قَضَى اللهُ وَأَعْلَمَ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ حَوْلَ (العِبَادِ) الَّذِينَ سَيُسَلِّطُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَني إِسْرَائِيلَ وَكُلُّهَا تَجْعَلُ هؤُلاءِ مِنَ الأَقْوَامِ البَائِدَةِ (الآشُورِيِّينَ وَالكِلْدَانِيِّينَ وَالرُّومَانِ ... ) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ تِلْكَ الأَقْوَامَ سَبَقَ لَهَا أَنْ أَذَاقَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الوَيْلاَتَ، وَدَمَّرَتْ مُلْكَهُمْ، وَشَرَّدَتْهُمْ فِي الأَرْضِ. وَلَكِّنَ الأُسْتَاذَ مُحَمَّد مُتْوَلِّي الشِّعْرَاوِيَّ يَرَى أَنَّ العِبَادَ الَّذِينَ عَنَاهُمُ النَّصُّ هُمُ المُسْلِمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ شُعُوبِ الأَرْضِ. وَيُدَعِّمُ رَأْيَهُ بِمَا خُلاَصَتُهُ: أ - اسْتَعْمَلَتِ الآيَةُ تَعْبِيرَ (فَإِذَا جَاءَ)؛ (وَإِذا) ظَرَفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ، يَعْنِي أَنَّ الفِعْلَ المَحْكِيَّ عَنْهُ سَيَحْدُثُ بَعْدَ القَوْلِ الذِي تَضَمَّنَ لَفْظَةَ (إِذا جَاءَ). وَهَذا يَعْنِي أَنَّ الأَمْرَ الذِي قَضَاهُ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ سَيَقَعُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ التِي أَشَارَتْ إِلَى مَا قَضَاهُ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقاً بِحَادِثٍ وَقَعَ قَبْلَهَا. ب - اسْتَعْمَلَتِ الآيَةُ عِبَارَةَ (عِبَاداً لَنَا). وَعِبَادُ اللهِ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ، فِي التَّعْبِيرِ القُرآني تَعْنِي أَنَّ القَوْمَ الذِينَ سَيُسَلِّطُهُمُ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كُتُبٍ، وَمَنْ أَرْسَلَ مِنْ رُسُلٍ وَأَنْبِيَاء لِهِدَايَةِ البَشَرِ، وَلَيسَ فِي الأَرْضِ اليَوْمَ مَنْ تَجْتَمِعُ فِيهِمْ هذِهِ الأَوْصَافُ غَيْرُ المُسْلِمِينَ. كَمَا أَنَّ الأُمَمَ الخَالِيَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَها مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا إِنَها مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ الخَالِصِ. جـ - إِنَّ العِبَادَ الَّذِينَ سَيُسَلِّطُهُمُ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ فِي المَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ اليَهُودَ سَيَتَغَلَّبُونَ عَلَى هؤُلاَءِ العِبَادِ بَعْدَ المَرَّةِ الأًُولَى، ثُمَّ يَرُدُّ اللهُ تَعالى الكَرَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَني إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ أَنْ يُمْعِنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَسَاداً فِي الأَرْضِ وَطُغْيَاناً. وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ بَقِيَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى أَسْلاَفِهَا المُؤْمِنِينَ أَيضاً لِتَقُومَ عَنْهُمْ بِالانْتِقَامِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرُ أَهْلِ الإِسْلاَمِ. وَيَرَى الأُسْتَاذُ مُحَمَّد مُتْوَلِّي الشَّعْرَاوِيّ أَنَّ اليَهُودَ كَانَ لَهُمْ سُلْطَانٌ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ فَأَكْثَرُوا الفَسَادَ زَمَنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَتَآمَرُوا عَلَى الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ، وَحَادُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وأَلَّبُوا المُشْرِكِينَ عَلَى الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ، فَسَلَّطَ اللهُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَأَخْرَجُوا البَاقِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى فِي النَّصِّ قَهْرَ اليَهُودِ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى مِنْ قِبَلِ عِبَادِ اللهِ مُتَلازِماً مَعَ دُخُولِ هؤُلاءِ العِبَادِ المَسْجِدَ الأَقْصَى، وَلاَ بِحُدُوثِ ذلِكَ فِي أَرْضِ فِلَسْطِينَ. وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّ المَسْجِدَ الأَقْصَى كَانَ، حِينَمَا قَهَرَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، تَحْتَ حُكْمِ الرُّومَانِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ فِي فِلَسْطِينَ سُلْطَانٌ وَلاَ كَيَانٌ مُتَمَيِّزٌ فِي ذَلِكَ الحِينِ. ثُمَّ يَبْتَعِدُ المُسْلِمُونَ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَتْرُكُونَ الأَخْذَ بِشَرِيعَتِهِمْ، وَتَتَفَرَّقُ كَلِمَتُهُمْ، فَيُدِيلُ اللهُ لِلْيَهُودِ عَلَيْهِمْ، بَعْدَ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَيَجْعَلَهُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً مِنْهُمْ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى. ثُمَّ يَسْتَسْلِمُ اليَهُودُ إِلى الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى مَسْلَكِهِمْ القَدِيمِ فِي الإِسَاءَةِ إِلَى عِبَادِ اللهِ، وَيَسْتَطِيلُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَعُودُ المُسْلِمُونَ إِلَى دِينِهِمْ، فَتَتَّحِدُ كَلِمَتُهُمْ، وَيَجْمَعُونَ قُوَاهُمْ، وَيُهَاجِمُونَ اليَهُودَ لِيَنْتَقِمُوا مِنْهُمْ فَيَقْهَرُونَهُمْ، وَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ المَسْجِدَ الأَقْصَى لاَ يُنَازِعُهُمْ فِي دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ مُنَازِعٌ (كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى بَعْدَ أَنِ احْتَلُّوا فِلَسْطِينَ وَطَرَدُوا الرُّومَانَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجُوا اليَهُودَ مِنَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ)، وَيُدَمِّرُونَ مَا يَمْلِكُهُ اليَهُودُ تَدْمِيراً شَامِلاً. وَإِذَا أَضَفْنَا إِلى حُجَجِ الأُسْتَاذِ شَعْرَاوِي المُسْتَوْحَاةِ مِنَ النَّصِّ القُرْآنِيِّ الكَرِيمِ حَدِيثاً لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ) عَنْ مُسْتَقْبَلِ العِلاَقَاتِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ، وَمَا سَيَكُونُ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلِ اليَهُودِ قَتْلاً ذَرِيعاً لاَ يَبْقُونَ فِيهِ وَلاَ يَذَرُونَ، نَجِدُ أَنَّ الرَّأْيَ الذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أُسْتَاذُنا الجَلِيلُ يَقُومُ عَلَى سَنَدٍ مَتِينٍ. وَالحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ هُوَ التَّالِي: (حديث : لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ المُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِيءَ اليَهُودِيُّ وَرَاءَ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الحَجَرُ وَالشَّجَرُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذا يَهُودِيٌّ خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلاَّ الغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ)تفسير : (صَدَقَ رَسُولُ اللهِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معلوم أن (إذَا) ظرف لما يستقبل من الزمان، كما تقول: إذا جاء فلان أكرمته، فهذا دليل على أن أولى الإفسادتين لم تحدث بعد، فلا يستقيم القول بأن الفساد الأول جاء في قصة طالوت وجالوت، وأن الإفساد الثاني جاء في قصة بختنصر. وقوله: {وَعْدُ}. والوعد كذلك لا يكون بشيء مضى، وإنما بشيء مستقبل. و{أُولاهُمَا} أي: الإفساد الأول. وقوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ ..} [الإسراء: 5]. وفي هذه العبارة دليل آخر على أن الإفسادتين كانتا في حضن الإسلام؛ لأن كلمة {عِبَاداً} لا تطلق إلا على المؤمنين، أما جالوت الذي قتله طالوت، وبختنصر فهما كافران. وقد تحدّث العلماء في قوله تعالى: {عِبَاداً لَّنَآ ..} [الإسراء: 5]. فمنهم مَنْ رأى أن العباد والعبيد سواء، وأن قوله (عِبَاداً) تُقَال للمؤمن وللكافر، وأتوا بالأدلة التي تؤيد رأيهم حَسْب زعمهم. ومن أدلتهم قول الحق سبحانه وتعالى في قصة عيسى عليه السلام: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [المائدة: 116-118]. والشاهد في قوله تعالى: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ..}تفسير : [المائدة: 118]. فأطلق كلمة "عبادي" على الكافرين، وعلى هذا القول لا مانع أن يكون جالوت وبختنصر، وهما كافران قد سُلِّطا على بني إسرائيل. ثم استدلوا بآية أخرى تحكي موقفاً من مواقف يوم القيامة، يقول تعالى للشركاء الذين اتخذوهم من دون الله: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ..}تفسير : [الفرقان: 17]. فأطلق كلمة (عباد) على الكافرين أيضاً. إذن: قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ ..} [الإسراء: 5]. ليس من الضروري أن يكونوا مؤمنين، فقد يكونون من الكفار، وهنا نستطيع أن نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن ينتقم منهم، ويُسلِّط عليهم أمثالهم من الكفرة والظالمين، فإذا أراد سبحانه أن ينتقم من الظالم سلّط عليه مَنْ هو أكثر منه ظلماً، وأشدّ منه بطشاً، كما قال سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 129]. وإذا كان أصحاب هذا الرأي لديهم من الأدلة ما يثبت أن كلمة عباد تُطلَق على المؤمنين وعلى الكافرين، فسوف نأتي بما يدل على أنها لا تُطلَق إلا على المؤمنين. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان: 63-67]. إلى آخر ما ذكرت الآيات من صفات المؤمنين الصادقين، فأطلق عليهم "عباد الرحمن". دليل آخر في قول الحق سبحانه في نقاشه لإبليس: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..}تفسير : [الحجر: 42]. والمراد هنا المؤمنون .. وقد قال إبليس: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 82-83]. إذن: هنا إشكال، حيث أتى كُلٌ بأدلّته وما يُؤيّد قوله، وللخروج من هذا الإشكال نقول: كلمة "عباد" و"عبيد" كلاهما جمع ومفردهما واحد (عبد). فما الفرق بينهما؟ لو نظرتَ إلى الكون كله مؤمنه وكافره لوجدتهم جميعاً لهم اختيارات في أشياء، ومقهورين في أشياء أخرى، فهم جميعاً عبيد بهذا المعنى يستوي في القهر المؤمن والكافر، إذن: كل الخَلْق عبيد فيما لا اختيارَ لهم فيه. ثم بعد ذلك نستطيع أن نُقسّمهم إلى قسمين: عبيد يظلون عبيداً لا يدخلون في مظلة العباد، وعبيد تسمو بهم أعمالهم وانصياعهم لأمر الله فيدخلون في مظلة عباد الله. كيف ذلك؟ لقد جعل الله تعالى لك في أفعالك منطقة اختيار، فجعلك قادراً على الفِعْل ومقابله، وخلقك صالحاً للإيمان وصالحاً للكفر، لكنه سبحانه وتعالى يأمرك بالإيمان تكليفاً. ففي منطقة الاختيار هذه يتمايز العبيد والعباد، فالمؤمنون بالله يخرجون عن اختيارهم إلى اختيار ربهم، ويتنازلون عن مُرادهم إلى مُراد ربهم في المباحات، فتراهم يُنفِّذون ما أمرهم الله به، ويجعلون الاختيار كالقهر. ولسان حالهم يقول لربهم: سمعاً وطاعة. وهؤلاء هم العباد الذين سَلّموا جميع أمرهم لله في منطقة الاختيار، فليس لهم إرادة أمام إرادة الله عز وجل. إذن: كلمة عباد تُطلق على مَنْ تنازل عن منطقة الاختيار، وجعل نفسه مقهوراً لله حتى في المباحات. أما الكفار الذين اختاروا مُرادهم وتركوا مُراد الله، واستعملوا اختيارهم، ونسوا اختيار ربهم، حيث خَيَّرَهم: تُؤمن أو تكفر قال: أكفر، تشرب الخمر أو لا تشرب قال: أشرب، تسرق أو لا تسرق، قال: أسرق. وهؤلاء هم العبيد، ولا يقال لهم "عباد" أبداً؛ لأنهم لا يستحقون شرف هذه الكلمة. ولكي نستكمل حَلَّ ما أشكل في هذه المسألة لا بُدَّ لنا أن نعلم أن منطقة الاختيار هذه لا تكون إلا في الدنيا في دار التكليف؛ لأنها محل الاختيار، وفيها نستطيع أن نُمَيِّز بين العباد الذين انصاعوا لربهم وخرجوا عن مرادهم لمراده سبحانه، وبين العبيد الذين تمرَّدوا واختاروا غير مراد الله عز وجل في الاختياريات، أما في القهريات فلا يستطيعون الخروج عنها. فإذا جاءت الآخرة فلا محلَّ للاختيار والتكليف، فالجميع مقهور لله تعالى، ولا مجالَ فيها للتقسيم السابق، بل الجميع عبيد وعباد في الوقت ذاته. إذن: نستطيع أن نقول: إن الكل عباد في الآخرة، وليس الكل عباداً في الدنيا. وعلى هذا نستطيع فهم معنى (عباد) في الآيتين: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ..}تفسير : [المائدة: 118]. وقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ..}تفسير : [الفرقان: 17]. فسمّاهم الحق سبحانه عباداً؛ لأنه لم يَعُدْ لهم اختيار يتمردون فيه، فاستوَوْا مع المؤمنين في عدم الاختيار مع مرادات الله عز وجل. إذن: فقول الحق سبحانه: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ ..} [الإسراء: 5]. المقصود بها الإفساد الأول الذي حدث من اليهود في ظِلِّ الإسلام، حيث نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه عندما جَاسُوا خلال ديارهم، وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم مَنْ قتلوه، وسَبَوْا مَنْ سَبَوْه. وقوله: {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ..} [الإسراء: 5]. أي: قوة ومنَعة، وهذه كانت حال المؤمنين في المدينة، بعد أن أصبحت لهم دولة وشوكة يواجهون بها أهل الباطل، وليس حال ضعفهم في مكة. وقوله سبحانه: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ ..} [الإسراء: 5]. جاسُوا من جاسَ أي: بحث واستقصى المكان، وطلب مَنْ فيه، وهذا المعنى هو الذي يُسمّيه رجال الأمن "تمشيط المكان". وهو اصطلاح يعني دِقّة البحث عن المجرمين في هذا المكان، وفيه تشبيه لتمشيط الشعر، حيث يتخلل المشط جميع الشعر، وفي هذا ما يدل على دِقّة البحث، فقد يتخلل المشط تخلُّلاً سطحياً، وقد يتخلل بعمق حتى يصل إلى البشرة فيخرج ما لصق بها. إذن: جاسُوا أي: تتبعوهم تتبعاً بحيث لا يخفى عليهم أحد منهم، وهذا ما حدث مع يهود المدينة: بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، ويهود خيبر. ونلاحظ هنا أن القرآن آثر التعبير بقوله: {بَعَثْنَا ..} [الإسراء: 5]. والبعث يدل على الخير والرحمة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في حال اعتداء، بل في حالة دفاع عن الإسلام أمام مَنْ خانوا العهد ونقضوا الميثاق. وكلمة: {عَلَيْكُمْ} تفيد العلو والسيطرة. وقوله:{وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} [الإسراء: 5]. أي: وَعْد صدق لا بد أن يتحقق؛ لأنه وعد من قادر على الإنفاذ، ولا توجد قوة تحول بينه وبين إنفاذ ما وعد به، وإياك أن تظن أنه كأي وَعْد يمكن أنْ يَفِي به صاحبه أو لا يفي به؛ لأن الإنسان إذا وعد وَعْداً: سألقاك غداً مثلاً. فهذا الوعد يحتاج في تحقيقه أن يكون لك قدرة على بقاء طاقة الإنفاذ، لكن قد يطرأ عليك من العوارض ما يحول بينك وبين إنفاذ ما وعدت به، إنما إذا كان الوعد ممَّنْ يقدر على الإنفاذ، ولا تجري عليه مِثْل هذه العوارض، فوعْدُه مُتَحقِّق النفاذ. فإذا قال قائل: الوعد لا تُقال إلا في الخير، فكيف سَمَّى القرآن هذه الأحداث: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ..} [الإسراء: 5]. قالوا: الوعيد يُطلَق على الشر، والوعد يُطلَق على الخير وعلى الشر، ذلك لأن الشيء قد يكون شراً في ظاهره، وهو خير في باطنه، وفي هذا الموقف الذي نحن بصدده، إذا أراد الحق سبحانه أنْ يُؤدِّبَ هؤلاء الذين انحرفوا عن منهجه، فقد نرى أن هذا شر في ظاهره، لكنه في الحقيقة خير بالنسبة لهم، إنْ حاولوا هم الاستفادة منه. ونضرب لذلك مثلاً بالولد الذي يعاقبه والده على إهماله أو تقصيره، فيقسو عليه حِرْصاً على ما يُصلحه، وصدق الشاعر حين قال: شعر : فَقَسَا لِيزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً على مَنْ يَرْحَمُ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} معناهُ قَتلُوا. وخلالُ الدِّيارِ معناهُ بَينَ الدِّيارِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):