١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم، وبأنه جعل التوراة هدى لهم، بين أنهم ما اهتدوا بهداه، بل وقعوا في الفساد فقال: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القضاء في اللغة عبارة عن قطع الأشياء عن إحكام، ومنه قوله: { أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [فصلت: 12] وقول الشاعر: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود........ تفسير : فقوله: {وَقَضَيْنَا } أي أعلمناهم وأخبرناهم بذلك وأوحينا إليهم. ولفظ {إِلَىٰ } صلة للإيحاء، لأن معنى قضينا أوحينا إليهم كذا. وقوله: {لَتُفْسِدُنَّ } يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة وقوله: {فِى ٱلأَرْضِ } يعني أرض مصر وقوله: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } يعني أنه يكون استعلاؤكم على الناس بغير الحق استعلاء عظيماً، لأنه يقال لكل متجبر: قد علا وتعظم، ثم قال: {فَإِذَا جَآء وَعْدُ أُولَـٰهُمَا } يعني أولى المرتين: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } والمعنى: أنه إذا جاء وعد الفساق في المرة الأولى أرسلنا عليكم قوماً أولى بأس شديد، ونجدة وشدة، والبأس القتال، ومنه قوله تعالى: { أية : وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } تفسير : [البقرة: 177] ومعنى {بعثنا عليكم} أرسلنا عليكم، وخلينا بينكم وبينهم خاذلين إياكم، واختلفوا في أن هؤلاء العباد من هم؟ قيل: إن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء، وذلك أول الفسادين فسلط الله عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية إلى أرض نفسه فبقوا هناك في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر غزا أهل بابل واتفق أن تزوج بامرأة من بني إسرائيل فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا، فهو قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }. والقول الثاني: إن المراد من قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا } أن الله تعالى سلط عليهم جالوت حتى أهلكهم وأبادهم وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } هو أنه تعالى قوى طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود حتى قتل جالوت فذاك هو عود الكرة. والقول الثالث: إن قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا } هو أنه تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم. واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط عليهم أقواماً قتلوهم وأفنوهم. ثم قال تعالى: {فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدّيَارِ } قال الليث: الجوس والجوسان التردد خلال الديار، والبيوت في الفساد، والخلال هو الانفراج بين الشيئين، والديار ديار بيت المقدس، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير جاسوا فعن ابن عباس فتشوا وقال أبو عبيدة: طلبوا من فيها. وقال ابن قتيبة: عاثوا وأفسدوا. وقال الزجاج: طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه. قال الواحدي: الجوس هو التردد والطلب وذلك محتمل لكل ما قالوه. ثم قال تعالى: {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً } أي كان قضاء الله بذلك قضاء جزماً حتماً لا يقبل النقض والنسخ، ثم قال تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } أي أهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم: {وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه، والنفير والنافر واحد، كالقدير والقادر، وذكرنا معنى نفر عند قوله: { أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ } تفسير : [التوبة: 122] وقوله: { أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافًا } تفسير : [التوبة: 41]. المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } وهذا القضاء أقل احتمالاته الحكم الجزم، والخبر الحتم، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبراً جزماً لا يقبل النسخ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه. ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال: {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً }. إذا ثبت هذا فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً وانقلاب حكمه الجازم باطلاً، وانقلاب علمه الحق جهلاً، وكل ذلك محال، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالاً، فكان إقدامهم عليه واجباً ضرورياً لا يقبل النسخ والرفع، مع أنهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله، وذلك يدل على قولنا: إن الله قد يأمر بشيء ويصد عنه وقد ينهى عن شيء ويقضي بتحصيله، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية. الوجه الثاني: في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } والمراد أولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب والأسر، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل، ولا شك أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملاً على الظلم الكثير والمعاصي العظيمة. ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه بقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى. أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: المراد من {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } هو أنه تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد، فأضيف ذلك الفعل إلى الله تعالى من حيث الأمر. والثاني: أن يكون المراد خلينا بينهم وبين بني إسرائيل، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم. وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع. واعلم أن الجواب الأول ضعيف؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال إنهم فعلوا ذلك بأمر الله تعالى. والجواب الثاني أيضاً ضعيف، لأن البعث على الفعل عبارة عن التقوية عليه وإلقاء الدواعي القوية في القلب، وأما التخلية فعبارة عن عدم المنع، والأول فعل، والثاني ترك، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدين بالآخر وأنه لا يجوز، فثبت صحة ما ذكرناه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ} وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية «فِي الكتب» على لفظ الجمع. وقد يرِد لفظ الواحد ويكون معناه الجمع؛ فتكون القراءتان بمعنًى واحد. ومعنى «قَضَينا» أعلمنا وأخبرنا؛ قاله ابن عباس: وقال قتادة: حكمنا؛ وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه. وقيل: قضينا أوحينا؛ ولذلك قال: «إلى بني إسرائيل». وعلى قول قتادة يكون «إلى» بمعنى على؛ أي قضينا عليهم وحكمنا. وقاله ابن عباس أيضاً. والمعنِيّ بالكتاب اللوح المحفوظ. {لَتُفْسِدُنَّ} وقرأ ابن عباس «لَتُفْسَدُنّ». عيسى الثّقفي «لَتَفْسُدُنّ». والمعنى في القراءتين قريب؛ لأنهم إذا أفسدوا فسدوا، والمراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة. {فِي ٱلأَرْضِ} يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها. {مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ} اللام في «لتفسدن ولتعلن» لام قسم مضمر كما تقدّم. {عُلُوّاً كَبِيراً} أراد التكبر والبَغْيَ والطغيان والاستطالة والغَلَبة والعدوان.
البيضاوي
تفسير : {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ} وأوحينا إليهم وحياً مقضياً مبتوتاً. {فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في التوراة. {لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ} جواب قسم محذوف، أو قضينا على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم. {مَّرَّتَيْنِ } إفسادتين أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقيل أرمياء. وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقَصْدُ قتل عيسى عليهم السلام. {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } ولتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو لتظلمن الناس.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم: أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علواً كبيراً، أي: يتجبرون ويطغون، ويفجرون على الناس؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـٰؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الحجر: 66] أي: تقدمنا إليه، وأخبرناه بذلك، وأعلمناه به. وقوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَـٰهُمَا} أي: أولى الإفسادتين {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي: سلطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد؛ أي: قوة وعدة وسلطنة شديدة، فجاسوا خلال الديار، أي: تملكوا بلادكم، وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين، لا يخافون أحداً، وكان وعداً مفعولاً. وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولاً، ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت، ولهذا قال: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} الآية، وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضاً وعن غيره: أنه بختنصر ملك بابل. وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيراً مقعداً ضعيفاً يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقاً كثيراً من بني إسرائيل، وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثاً أسنده عن حذيفة مرفوعاً مطولاً، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذورب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب. وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع ومن وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحاً، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبره الله عنهم: أنهم لما طغوا وبغوا، سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس، وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا، فسألهم، ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم، فسكن، وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ منهم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي: فعليها؛ كما قال تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} تفسير : [فصلت: 46]. وقوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي: الكرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم الكرة الثانية، وجاء أعداؤكم {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} أي: يهينوكم ويقهروكم، {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} أي: بيت المقدس {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار، {وَلِيُتَبِّرُواْ} أي: يدمروا ويخربوا {مَا عَلَوْاْ} أي: ما ظهروا عليه. {تَتْبِيرًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} أي: فيصرفهم عنكم، {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} أي متى عدتم إلى الإفساد، {عُدْنَا} إلى الإدالة عليكم في الدنيا، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا} أي: مستقراً ومحصراً وسجناً لا محيد لهم عنه. قال ابن عباس: حصيراً: أي: سجناً. وقال مجاهد: يحصرون فيها، وكذا قال غيره، وقال الحسن: فراشاً ومهاداً. وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَضَيْنَآ } أوحينا {إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءِيلَ فِى ٱلْكِتَٰبِ } التوراة {لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ } أرض الشام بالمعاصي {مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } تبغون بغياً عظيماً.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } أي: أعلمنا وأخبرنا، أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء: الإحكام للشيء والفراغ منه؛ وقيل: أوحينا، ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل، ولو كان بمعنى الإعلام والإخبار لقال: قضينا بني إسرائيل، ولو كان بمعنى حكمنا لقال: على بني إسرائيل، ولو كان بمعنى أتممنا لقال: لبني إسرائيل، والمراد بالكتاب: التوراة، ويكون إنزالها على نبيهم موسى كإنزالها عليهم لكونهم قومه؛ وقيل: المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. وقرأ أبو العالية وسعيد بن جبير: (في الكتب). وقرأ عيسى الثقفي: (لتفسدنّ في الأرض) بفتح المثناة، ومعنى هذه القراءة قريب من معنى قراءة الجمهور، لأنهم إذا أفسدوا فسدوا في نفوسهم، والمراد بالفساد: مخالفة ما شرعه الله لهم في التوراة، والمراد بالأرض أرض الشام وبيت المقدس؛ وقيل: أرض مصر، واللام في {لتفسدن} جواب قسم محذوف. قال النيسابوري: أو أجري القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدنّ. وانتصاب {مَّرَّتَيْنِ } على أنه صفة مصدر محذوف، أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه، والمرة الأولى: قتل شعياء أو حبس أرمياء، أو مخالفة أحكام التوراة، والثانية: قتل يحيـى بن زكريا والعزم على قتل عيسى {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } هذه اللام كاللام التي قبلها، أي: لتستكبرنّ عن طاعة الله ولتستعلنّ على الناس بالظلم والبغي مجاوزين للحد في ذلك {فَإِذَا جَآء وَعْدُ أُولَـٰهُمَا } أي: أولى المرتين المذكورتين {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: قوّة في الحروب وبطش عند اللقاء. قيل: هو بختنصر وجنوده؛ وقيل: جالوت؛ وقيل: جند من فارس؛ وقيل: جند من بابل {فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدّيَارِ } أي: عاثوا وتردّدوا، يقال: جاسوا وهاسوا وداسوا بمعنى، ذكره ابن غرير والقتيبي. قال الزجاج: معناه طافوا خلال الديار، هل بقي أحد لم يقتلوه؟ قال: والجوس طلب الشيء باستقصاء. قال الجوهري: الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار، أي: تخللوها، كما يجوس الرجل للأخبار، أي: يطلبها، وكذا قال أبو عبيدة. وقال ابن جرير: معنى جاسوا طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين. وقال الفراء: معناه قتلوهم بين بيوتهم وأنشد لحسان:شعر : وَمِنَّا الذي لاقي بسَيْفٍ مُحَمَّدٍ فَجاسَ بِهِ الأعْدَاءَ عُرْض العَسِاكِرِ تفسير : وقال قطرب: معناه نزلوا. وأنشد قول الشاعر:شعر : فجسنا ديارهم عنوة وأُبنَا بساداتهم موثقينا تفسير : وقرأ ابن عباس (فحاسوا) بالحاء المهملة. قال أبو زيد: الحوس، والجوس، والعوس، والهوس: الطوف بالليل، وقيل: الطوف بالليل هو الجوسان محركاً، كذا قال أبو عبيدة. وقرىء (خلل الديار). ومعناه معنى خلال وهو: وسط الديار {وَكَانَ } ذلك {وَعْدًا مَّفْعُولاً } أي: كائناً لا محالة. {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } أي: الدولة والغلبة والرجعة، وذلك عند توبتهم. قيل: وذلك حين قتل داود جالوت، وقيل: حين قتل بختنصر {وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } بعد نهب أموالكم وسبي أبنائكم، حتى عاد أمركم كما كان. {وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } قال أبو عبيدة: النفير: العدد من الرجال؛ فالمعنى؛ أكثر رجالاً من عدوكم، والنفير: من ينفر مع الرجل من عشيرته، يقال: نفير ونافر مثل: قدير وقدر، ويجوز أن يكون النفير جمع: نفر {إِنْ أَحْسَنتُمْ } أي: أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم، {أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ } لأن ثواب ذلك عائد إليكم {وَإِنْ أَسَأْتُمْ } أفعالكم وأقوالكم فأوقعتموها لا على الوجه المطلوب منكم، {فَلَهَا } أي: فعليها. ومثله قول الشاعر:شعر : فخر صريعاً لليدين وللفم تفسير : أي: على اليدين وعلى الفم. قال ابن جرير: اللام بمعنى إلى، أي: فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 5] أي: إليها؛ وقيل: المعنى: فلها الجزاء أو العقاب. وقال الحسين بن الفضل: فلها ربّ يغفر الإساءة، وهذا الخطاب: قيل هو لبني إسرائيل الملابثين لما ذكر في هذه الآيات، وقيل: لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناه: إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك، وقيل: هو خطاب لمشركي قريش. {فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلآخِرَةِ } أي: حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة، والمرة الآخرة: هي قتلهم يحيـى بن زكريا كما سبق، وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل، واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب امرأة حملته على قتله، واسم الملك لاخت قاله ابن قتيبة. وقال ابن جرير: هيردوس، وجواب {إذا} محذوف، تقديره: بعثناهم، لدلالة جواب "إذا" الأولى عليه، {يسؤووا وُجُوهَكُمْ } متعلق بهذا الجواب المحذوف أي: ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة، وتتبين في وجوهكم الكآبة، وقيل: المراد بالوجوه السادة منهم. وقرأ الكسائي (لنسوء) بالنون، على أن الضمير لله سبحانه. وقرأ أبيّ: (لنسوءن) بنون التأكيد. وقرأ أبو بكر، والأعمش، وابن وثاب، وحمزة، وابن عامر "ليسوء" بالتحتية والإفراد. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، والضمير: لله أو الوعد {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ } معطوف على {ليسوءوا}. {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ } أي: يدمروا ويهلكوا، وقال قطرب: يهدموا، ومنه قول الشاعر:شعر : فما الناسُ إلاّ عامِلان فَعَاملٌ يُتَبِّر ما يَبْنِي، وآخر رافع تفسير : وقرأ الباقون بالتحتية، وضم الهمزة، وإثبات واو بعدها على أن الفاعل عباد لنا {مَا عَلَوْاْ } أي: ما غلبوا عليه من بلادكم، أو مدة علوهم {تَتْبِيرًا } أي: تدميراً، ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر. {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم في المرة الثانية. {وَإِنْ عُدتُّمْ } للثالثة {عُدْنَا } إلى عقوبتكم. قال أهل السير: ثم إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي وهو تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد من بعثه في التوراة والإنجيل، فعاد الله إلى عقوبتهم على أيدي العرب، فجرى على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة. {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا } وهو المحبس، فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. والمعنى: أنهم محبوسون في جهنم لا يتخلصون عنها أبداً. قال الجوهري: حصره يحصره حصراً: ضيق عليه وأحاط به؛ وقيل: فراشاً ومهاداً، - وأراد على هذا - بالحصير: الحصير الذي يفرشه الناس {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } يعني: القرآن يهدي الناس الطريقة التي هي أقوم من غيرها من الطرق وهي ملة الإسلام، فالتي هي أقوم صفة لموصوف محذوف وهي الطريق. وقال الزجاج: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله، وكذا قال الفراء. {وَيُبَشّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قرأ حمزة والكسائي (يبشر) بفتح الياء وضم الشين. وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الشين من التبشير أي: يبشر بما اشتمل عليه من الوعد بالخير آجلاً وعاجلاً للمؤمنين {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } التي أرشد إلى عملها القرآن {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } أي: بأنّ لهم. {وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } وأحكامها المبينة في القرآن {أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } وهو عذاب النار، وهذه الجملة معطوفة على جملة يبشر بتقدير: يخبر، أي: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ وقيل: معطوفة على قوله: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا }، ويراد بالتبشير: مطلق الإخبار، أو يكون المراد منه معناه الحقيقي، ويكون الكلام مشتملاً على تبشير المؤمنين ببشارتين: الأولى: مالهم من الثواب، والثانية: ما لأعدائهم من العقاب. {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ } المراد بالإنسان هنا: الجنس، لوقوع هذا الدعاء من بعض أفراده، وهو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له {دُعَاءهُ بِٱلْخَيْرِ } أي: مثل دعائه لربه بالخير لنفسه ولأهله كطلب العافية والرزق ونحوهما، فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشرّ هلك، لكنه لم يستجب تفضلاً منه ورحمة، ومثل ذلك {أية : وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ } تفسير : [يونس: 11]. وقد تقدّم؛ وقيل: المراد بالإنسان هنا القائل هذه المقالة: هو الكافر يدعو لنفسه بالشرّ، وهو استعجال العذاب دعاءه بالخير كقول القائل: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32]. وقيل: هو أن يدعو في طلب المحظور كدعائه في طلب المباح، وحذفت الواو من {ويدع الإنسان} في رسم المصحف لعدم التلفظ بها لوقوع اللام الساكنة بعدها كقوله: {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 18] و {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } تفسير : [الشورى: 24] و {أية : وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النساء: 146] ونحو ذلك. {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً } أي: مطبوعاً على العجلة، ومن عجلته: أنه يسأل الشر كما يسأل الخير؛ وقيل: إشارته إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن تكمل فيه الروح، والمناسب للسياق هو الأوّل. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: أعلمناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: أخبرناهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ}: قضينا عليهم. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عليّ في قوله: {لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلاْرْضِ مَرَّتَيْنِ } قال: الأولى: قتل زكريا، والآخرة: قتل يحيـى. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية، قال: كان أوّل الفساد قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم، فذلك قوله: {ثم رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث الله عليهم في الأولى جالوت، وبعث عليهم في المرة الأخرى بختنصر، فعادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {فَجَاسُواْ } قال: فمشوا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: {تَتْبِيرًا } تدميراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } قال: كانت الرحمة التي وعدهم بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } قال: فعادوا فبعث الله سبحانه عليهم محمداً، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. واعلم أنها قد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم في المرّتين، وفي تعيين من سلطه الله عليهم، وفي كيفية الانتقام منهم، ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا } قال: سجنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، قال: معنى حصيراً: جعل الله مأواهم فيها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {حَصِيرًا } قال: فراشاً ومهاداً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } قال: للتي هي أصوب. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه كان يتلو كثيراً "إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ" بالتخفيف. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ دُعَاءهُ بِٱلْخَيْرِ } يعني قول الإنسان: اللهم العنه واغضب عليه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً } قال: ضجراً، لا صبر له على سرّاء ولا ضرّاء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن سلمان الفارسي قال: أوّل ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال: يا ربّ أعجل قبل الليل، فذلك قوله: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب}. معنى قضينا ها هنا: أخبرنا. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن معناه حكمنا، قاله قتادة. ومعنى قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} أي قضينا عليهم. {لتفسدن في الأرض مرتين} الفاسد الذي فعلوه قتلهم للناس ظلماً وتغلبهم على أموالهم قهراً، وإخراب ديارهم بغياً. وفيمن قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان: أحدهما: أنه زكريا قاله ابن عباس. الثاني: أنه شعياً، قاله ابن إسحاق، وأن زكريا مات حتف أنفه. أما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني فيحيى بن زكريا في قول الجميع قال مقاتل: وإن كان بينهما مائتا سنة وعشر. {فإذا جاء وعْد أولاهما} يعني أولى المرتين من فسادهم. {بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ} في قوله بعثنا وجهان: أحدهما: خلينا بينكم وبينهم خذلاناً لكم بظلمكم، قاله الحسن. الثاني: أمرنا بقتالكم انتقاماً منكم. وفي المبعوث عليهم في هذه المرة الأولى خمسة أقاويل: أحدها: جالوت وكان ملكهم طالوت إلى أن قتله داود عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه بختنصر، وهو قول سعيد بن المسيب. الثالث: أنه سنحاريب، قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنهم العمالقة وكانوا كفاراً، قاله الحسن. الخامس: أنهم كانوا قوماً من أهل فارس يتجسسون أخبارهم، وهو قول مجاهد. {... فجاسوا خلال الديار} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني مشوا وترددوا بين الدور والمساكن، قال ابن عباس وهو أبلغ في القهر. الثاني: معناه فداسوا خلال الديار، ومنه قول الشاعر: شعر : إِلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ تفسير : الثالث: معناه فقتولهم بين الدور والمساكن، ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : ومِنَّا الَّذِي لاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ فَجَاس بهِ الأَعْدَاءَ عَرْضَ العَسَاكر تفسير : الرابع: معناه فتشوا وطلبوا خلال الديار، قاله أبو عبيدة. الخامس: معناه نزلوا خلال الديار، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر: شعر : فَجُسنا ديارهم عَنْوَةً وأبنا بساداتهم موثَقينا تفسير : قوله عز وجل: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} يعني الظفر بهم، وفي كيفية ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بني إسرائيل غزوا ملك بابل واستنقذوا ما فيه يديه من الأسرى والأموال. الثاني: أن ملك بابل أطلق من في يده من الأسرى، وردّ ما في يده من الأموال. الثالث: أنه كان بقتل جالوت حين قتله داود. {وأمددناكم بأموالٍ وبنين} بتجديد النعمة عليهم. {وجعلناكم أكثر نفيراً} فيه وجهان: أحدهما: أكثر عزاً وجاهاً منهم. الثاني: أكثر عدداً، وكثرة العدد تنفر عدوهم منهم، قال تُبع بن بكر: شعر : فأكرِم بقحْطَانَ مِن وَالِدٍ وحِمْيَرَ أَكْرِم بقَوْمٍ نَفِيراً تفسير : قال قتادة: فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين، وبعث فيهم أنبياء. قوله عز وجل: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} لأن الجزاء بالثواب يعود إليها، فصار ذلك إحساناً لها. {وإن أسأتُم فلها} أي فإليها ترجع الإساءة لما يتوجه إليها من العقاب، فرغَّب في الإحسان وحذر من الإساءة. ثم قال تعالى: {فإذا جاءَ وعْدُ الآخرة ليسوءُوا وجُوهكم} يعني وعد المقابلة على فسادهم في المرة الثانية. وفيمن جاءهم فيها قولان: أحدهما: بختنصّر، قاله مجاهد. الثاني: أنه انطياخوس الرومي ملك أرض نينوى، وهو قول مقاتل، وقيل إنه قتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً، وحرق التوراة وأخرب بيت المقدس، ولم يزل على خرابه حتى بناه المسلمون. {وليدخلوا المسجد كما دَخلوه أوّل مرّة} يعني بيت المقدس. {وليتبروا ما علوا تتبيراً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الهلاك والدمار. الثاني: أنه الهدم والإخراب، قاله قطرب، ومنه قول لبيد: شعر : وما النَّاسُ إلا عَامِلان فَعَامِلٌ يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وَآخَرُ رَافِعٌ تفسير : قوله عز وجل: {عسى ربُّكم أن يرحمكم} يعني مما حل بكم من الانتقام منكم. {وإن عدتم عدنا} فيه تأويلان: أحدهما: إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى الانتقام، فعادوا. قال ابن عباس وقتادة: فبعث الله عليهم المؤمنين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة. الثاني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى القبول، قاله بعض الصالحين. {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} فيه تأويلان: أحدهما: يعني فراشاً ومهاداً، قاله الحسن: مأخوذ من الحصير المفترش. الثاني: حبساً يحبسون فيه، قاله قتادة، مأخوذ من الحصر وهو الحبس. والعرب تسمي الملك حصيراً لأنه بالحجاب محصور، قال لبيد: شعر : ومقامَةِ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ جِنٌّ لَدَى بَابِ الحَصِير قِيَامُ
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَضَيْنَآ} أخبرنا {لَتُفْسِدُنَّ} بقتل الناس وأخذ أموالهم وتخريب ديارهم. {عُلُوّاً}: بالاستطالة والغلبة.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزالِ التوراة، وبأنه جعل التوراة هدًى لهم، بيَّن أنهم ما اهتدوا بهداه، بل وقعوا في الفساد، فقال: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ} والقضاء في اللغة عبارةٌ عن وضع الأشياء عن إحكام، ومنه قوله: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ} تفسير : [فصلت: 12]. وقول الشاعر: [الكامل] شعر : 3375- وعَليْهِمَا مَسْرُودَتانِ قَضاهُمَا ...................... تفسير : ويكون أمراً؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 23]. ويكون حكماً؛ كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} تفسير : [يونس: 93] ويكون خلقاً؛ كقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} ومعناه [في] الآية: أعْلَمنَاهُم، وأخْبرنَاهُم فيما آتَيْناهُم مِنَ الكُتبِ أنه سَيُفسِدُونَ. وقال ابن عباس وقتادة: "وقَضَيْنَا عليهم". و "إلى" بمعنى "على" والمراد بالكتاب اللَّوح المحفوظ. و "قَضَى" يتعدَّى بنفسه: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} تفسير : [الأحزاب: 37] {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} تفسير : [القصص: 29]، وإنما تعدَّى هنا بـ "إلى" لتضمُّنه معنى: أنْفَذْنَا وأوْحَينَا، أي: وأنفذنا إليهم بالقضاء المحتومِ. ومتعلق القضاء محذوفٌ، أي: بفسادهم. وقوله "لتُفْسِدُنَّ" جواب قسمٍ محذوف تقديره: والله لتُفسدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتينِ وهذا القسم مؤكدٌ لمتعلق القضاء. ويجوز أن يكون "لتُفْسِدُنَّ" جواباً لقوله: "وقَضيْنَا"، لأنه ضمِّن معنى القسم، ومنه قولهم: "قضَاءُ الله لأفعلنَّ" فيجرُون القضاء والنَّذرَ مجرى القسمِ، فيُتلقَّيان بما يُتَلقَّى به القسمُ. والعامة على توحيد "الكِتابِ" مراداً به الجنس، وابن جبيرٍ وأبو العالية "في الكُتُب" جمعاً، جَاءُوا به نصًّا في الجمع. وقرأ العامة بضمِّ التاء وكسر السِّين مضارع "أفْسَدَ"، ومفعوله محذوف تقديره: لتُفْسِدنَّ الأديان، ويجوز ألا يقدَّر مفعولٌ، أي: لتُوْقعُنَّ الفساد. وقرأ ابن عبَّاس ونصرُ بن عليٍّ وجابر بن زيد "لتُفْسَدُنَّ" ببنائه للمفعولِ، أي: ليُفْسِدنَّكُمْ غَيرُكم: إمَّا من الإضلال أو من الغلبة. وقرأ عيسى بن عمر بفتحِ التَّاء وضمِّ السين، أي: فَسدتُمْ بأنفسكم. قوله: "مرَّتينِ" منصوب على المصدر، والعامل فيه "لتُفْسِدُنَّ" لأن التقدير: مرتين من الفساد. وقوله: "عُلُوًّا" العامة على ضمِّ العين واللام مصدر علا يعلو، وقرأ زيد بن عليٍّ "عِلياً" بكسرهما والياء، والأصل الواو، وإنما أعِلَّ على اللغة القليلة؛ وذلك أن فُعولاً المصدر، الأكثر فيه التصحيح؛ نحو: عَتَا عُتُواً، والإعلال قليلٌ؛ نحو {أية : أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 69] على أحد الوجهين؛ كما سيأتي، وإن كان جمعاً، فالكثير الإعلال، نحو: "جِثِيًّا" وشذَّ: بَهْوٌ وبُهُوٌّ، ونَجْوٌ ونُجُوٌّ، وقاسه الفراء. فصل معنى {وَقَضَيْنَآ}: أوحينا {إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ}، أي بالمعاصي وخلاف أحكام التوراة. {فِي ٱلأَرْضِ} يعني أرض الشَّام وبيت المقدس. {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} أي: يكون استعلاؤكم على النَّاس بغير الحقِّ استعلاءاً عظيماً؛ لأنَّه يقال لكلِّ متكبِّر متجبِّر: قد علا وتعظَّم.
القشيري
تفسير : القضاءُ ها هنا بمعنى الإعلام، والإشارة في تعريفهم بما سيكون في المُسْتَأنَفِ منهم وما يستقبلهم، ليزدادوا يقيناً إذا لقوا ما أُخْبِروا به، وليكونَ أبلغَ في لزوم الحُجَّةِ عليهم، وليحترزوا من مخالفة الأمر بجحدهم، وليعلموا أن ما سَبَقَ به القضاءُ فلا محالةَ يحصل وإنْ ظُنَّ التباعدُ عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقضينا الى بنى اسرائيل} يقال قضى اليه انهاه وابلغه اى اعلمناهم واوحينا اليهم وحيا جزما وبينا {فى الكتاب} فى التوراة فان الانزال والوحى الى موسى انزال ووحى اليهم {لتفسدن فى الارض} والله لتفسدن فى ارض الشام وبيت المقدس {مرتين} مصدر والعامل فيه من غير لفظه اى افسادا بعد افساد افسادتين. اولاهما مخالفة حكم التوراة وقتل شعيا وحبس ارميا حين انذرهم سخط الله وارميا بتشديد الياء مع ضم الهمزة على رواية الزمخشرى وبضم الهمزة وكسرها مخففا على رواية غيره. وفى القاموس ارميا بالكسر نبى. والثانية قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى {ولتعلن علوا كبيرا} ولتستكبرن عن طاعة الله تعالى [يعنى سركش خواهيد شد ازطاعت من] والعلو العتو على الله والجراءة. قال الكاشفى [درين قصة اختلاف بسيارست وهر مفسرى نقلى كه بدور سيده ايراد نموده وقول اصح واشهر در مختار القصص وسير وغير آن از كتبى كه در اخبار انبيا عليهم السلام نوشته اند جنانست كه جون سلطنت بنى اسرائيل درولايت شام بصديقه رسيده ازاولاد سلما واومردى ضعيف حال واعرج بودملوك اطراف طمع درولايت ايليه بسته متوجه آن صوب شدند اول سنجاريب ملك موصل بيامد ومتاقب او سلما بادشاه آذربايجان رسيد وهردوتلاش شهر بيت المقدس نموده بايكديكر محاربه آغاز كردند آتش قتال ميان ايشان اشتعال بذيرفت ودرياى مبارزت ازصرصر مخاصمت بموج درآمد شعر : سيهداران سبه درهم فكندند صلاى مرك در عالم فكندند زبيكان عالمى را زاله بكرفت زخون روى زمين را لا له بكرفت تفسير : عاقبت سطوت هيبت الهى ظهور نموده هردولشكر ازيكديكر منهزم كشتند وغنايم ايشان بدست بنى اسرائيل افتاد ديكر باره بادشاه روم وملك صقاليه وسلطان اندلس هريك بالشكر جرار كرار همه تيغ زن ويزه كذار بردر بيت المقدس جمع شدند وجون رتبه سلطنت شركت برنتابد ايشان نيزآ غاز نزاع كرده بلشكر آرايى ونبرد آزمايى قيام واهتمام نمودند شعر : ذر افتادند همجون شير غران بكرز ونيزه وشمشير بران تفسير : بنى اسرائيل دعاى "اللهم اشتغل الظالمين بالظالمين واخرجنا من بينهم سالمين غانمين" آغاز كردند ونكباى نكبت غبار ادبار برديده آن خا كساران باشيد هزيمت را غنيمت دانته دلها برفرار قرار داده از يكديكر كريزال شدند شعر : نه جاى قرار ونه جاى ستيز نهادند نا كام رو در كريز تفسير : اموال ايشان نيز به دست بنى اسرائيليان افتاد وجون غنيمت بنج لشكر عظيم درحوزه تصرف در آوردند بحكم {أية : ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى} تفسير : سر تجبر از كريبان عصيان برآورده ودست تغلب از آستين طغيان بيرون كرده حكم توراترا برطرف نهادندهر جند ارميا بيغمبر ايشانرا بند داد وكفت از آنجه درتورات مقرر شده واين فساد اول است مكنيدو خودرا در معرض سخط الهى مياريد نشنيدند حق سبحانه وتعالى بخت نصر مجوسى را كه كاتب يسنجاريب بود وبعداز فوت او بحكم وصيت ملك بوى رسيدبر ايشان كما شت تابيا مدو باايسان حرب كرده غالب شدو مسجدرا خراب كرد تورات را بسوخت وفتادهزار كسى را بنى اسرائيل بنده كرفت وابن عقوبت اول بود بعد ازان كورش همدانى كه زنى اربنى اسرائيل حواسته بودازين حال خبر يافت مال بسياربر كرفت وسى هزار بنا وسائر عمله باخود آورد وسى سال بعمارت ولايت ايليه اشتغال نمود تابحال اول باز آمد ويكر باره بنى اسرائيل خوش وقت شدند واموال واولاد ايشان روى بازويادنهادند باز سوداى اين مخالفت ازنهاد ايشان سر برزد ويحيئ معصوم را بقتل رسانيدند وقصد هلاك عيسى عليهما السلام كردند عقوبت دوم دررسيد وطرطوس رومى برايشان غلبه كرد ديكر باره مسجد خراب كرد واند وختهاى ايشانرا بغارت بردند].
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقضينا إلى بني إِسرائيل} أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم {في الكتاب}؛ التوراة، وقلنا: والله {لتُفسدنَّ في الأرض مرتين} الخ. أو: قضينا عليهم {في الكتاب}؛ اللوح المحفوظ، {لتُفسدنَّ في الأرض مرتين} الخ. أو: قضينا عليهم {في الكتاب}: اللوح المحفوظ، {لتُفسدُنَّ في الأرض مرتين} أي: إفسادتين، أُولاهُمَا: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقَصْدُ قتل عيسى عليه السلام، {ولتَعلُنَّ عُلوًّا كبيرًا}؛ ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوًا كبيرًا. {فإِذا جاء وعدُ}؛ عقاب {أُولاهما} أي: أول مرتي الإفساد؛ بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى {بعثنا عليكم عبادًا لنا}؛ بختنصر وجنوده {أُولي بأس شديد}؛ ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، {فجاسوا}؛ فترددوا لطلبكم {خلال الديار}؛ وسطه؛ للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بخُتنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عَجَلَة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. هـ. قال تعالى: {وكان وعدًا مفعولاً} أي: وكان وعد عقابهم وعدًا مقضيًا لا بدّ أن يُفعل. {ثم رددنا لكم الكرّة} أي: الدولة والغلبة {عليهم} أي: على الذين بُعثوا عليكم، فرجع المُلك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد "بهْمَن بن إسفنديار"؛ ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملَّكَ دَانْيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود عليه السلام حين قتل جالوت. قال تعالى: {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثرَ نفيرًا} أي: عددًا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نَفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. ثم قال تعالى لهم: {إِنْ أحسنتم} بفعل الطاعة والعمل الصالح، {أَحْسَنْتُمْ لأنفسكم}؛ لأن ثوابه لها، {وإِن أسأتم فلها}؛ فإنَّ وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. {فإِذا جاء وعدُ الآخرة} أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادًا لنا آخرين، أُولي بأس شديد {ليَسُؤوا وجوهكم}، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله:{أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [المُلك: 27] {وليدخلوا المسجد}؛ بيت المقدس {كما دخلوه أول مرة وليُتبروا}؛ وليُهلكوا {ما عَلوا} عليه {تتبيرًا }؛ إهلاكًا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلَّط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملكُ بابِل، اسمه "حَرْدُون"، وقيل: "حَرْدوس"، قيل: دخل صاحب الجيش مَذبح قرابينهم، فوجد دمًا يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يُقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفًا منهم، فلم يهدأَ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدًا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لِمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألاَّ أُبقي منهم أحدًا، فهدأ. هـ. وقال السهيلي في كتاب "التعريف والإعلام": المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم "بختنصر"، حين كذّبوا أرمياء وجرحوه وحبَسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. هـ. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأُولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح؛ لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: {عسى ربُكم أن يرحَمكم} بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، {وإِن عُدتُم عُدْنَا} إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، {وجعلنا جهنم للكافرين} منهم ومن غيرهم {حصيرًا}؛ محبسًا، لا يقدرون على الخروج منها، أبدَ الآباد. وقيل: بساطًا كبسط الحصير، كقوله: {أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} تفسير : [الأعرَاف: 41]. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحقُّ جلّ جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفَس تُبديه إلا وله قدر فيك يُمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرَها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سُئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل: (بحر عميق لا تطيقه)، فأعاد عليه السؤال، فقال: (طريق مظلم لا تسلكه)؛ لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرَّق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، عِلَمَ أنَّ الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أَعدهم للإكرام، وأظهر خلقًا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبًا واختيارًا فيما يظهر لهم، وكلفهم؛ لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. {ولا يظلم ربك أحدًا}. فالقدرة تُبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات؛ كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين. ومن علامة السعادة التمسك بما جاء به القرآن العظيم
الطوسي
تفسير : القضاء على أربعة أقسام: بمعنى الخلق والاحداث، كما قال {أية : فقضاهن سبع سماوات}تفسير : وبمعنى فصل الحكم كقوله {أية : والله يقضي بالحق}تفسير : وبمعنى الأمر كقوله {أية : وقضى ربك أن لا تعبدوا إِلا إياه}تفسير : وبمعنى الاخبار كقوله {وقضينا إِلى بني إسرائيل} اي اخبرناهم واعلمناهم بما يكون من الامر المذكور، من انهم سيفسدون في الارض مرتين، ويعلون علواً كبيراً، اي عظيماً اي يتجبرون على عباد الله. قال ابن عباس وقتادة: المبعوث عليهم في المرة الاولى جالوت الى ان قتله داود، وكان ملكهم طالوت. وقال سعيد ابن المسيب: هو بخت نصر، وقال سعيد بن جبير: هو سنحاريب وقال الحسن: هم العمالقة، وكانوا كفاراً. والفساد الذي ذكره: هو قتلهم الناس ظلماً وتغلبهم على اموالهم قهراً واخراب ديارهم بغيا. والآية تدل على ان قضاء الله بالمعاصي هو اخباره انها تكون. وقوله {فلما جاء وعد أولاهما} يعني وقت فناء آجالهم ووقت عقوباتهم. والوعد هو الموعود به - ها هنا - ووضع المصدر موضع المفعول به. وقوله {بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد} قيل في معنى {بعثنا} قولان: احدهما - قال الحسن: انا خلّينا بينهم وبينكم، خاذلين لكم، جزاء على كفركم، ومعاصيكم، كما قال: {أية : أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّاً} تفسير : الثاني - قال ابو علي: امرناهم بقتالكم. وقوله {فجاسوا خلال الديار} اي تردّدوا وتخللوا بين الدور، يقال: جست أجوس جوساً وجوساناً، قال حسان: شعر : ومنا الذي لاقى بسيف محمد فجاس به الاعداء عرض العساكر تفسير : معناه تخللهم قتلا بسيفه، وقيل: الجوس طلب الشيء باستقصاء. وقوله {وكان وعداً مفعولاً} أي كائناً لا محالة على ما أخبرنا به، ثم قال لهم {رددنا لكم الكرة عليهم} يعني الرجعة والنصرة عليهم {وأمددناكم بأموال وبنين} أي أَعناكم وكثرناكم {وجعلناكم أكثر نفيراً} اي اكثر انصاراً، ونصبه على التمييز، قال الزجاج: يجوز أن يكون {نفيراً} جمع نفير كعبيد وضنين ومعين. قال الفراء: زعموا أن رجلاً من همدان بعثه الله على بخت نصر، فقتله وعاد الملك إِلى بني إسرائيل فعاشوا.
الجنابذي
تفسير : {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} اى اخبرنا بنى اسرائيل بقضائنا {فِي ٱلْكِتَابِ} التّوارة او اخبار النّبوّة {لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} وعد عقاب اوليهما {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} تنزيل الآية فى بنى اسرائيل ومرّتى الافساد بقتل زكريّا (ع) وبقتل يحيى (ع)، والعلوّ الكبير استكبارهم وطغيانهم وخروجهم عن طاعة الانبياء (ع)، والعقوبة الاولى كانت على يد يختنصّر وجنوده وردّ الكرّة عليهم بردّ بهمن بن اسفنديار اساريهم وتمليكه دانيال عليهم وتبسّطهم فى البلاد وتسلّطهم على العباد ثانياً، والعقوبة الثّانية كانت بتسليط الفرس عليهم مرّة اخرى، كذا قيل، وعلى هذا فقوله عباداً لنا اولى بأسٍ شديد يختنصّر وجنوده {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} تجسّسوا وتفحّصوا المواضع الخفيّة من دياركم للقتل والاسر والنّهب {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} حتماً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ} قال الحسن: يقول: أعلمناهم. كقوله: (أية : وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ) تفسير : [الحجر:66] أي: أعلمناه: ذكروا أن مجاهداً قال: {وَقَضَيْنَا} أي: كتبنا. { لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [يعني لتهلكن في الأرض مرّتين] { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} [يعني لتقهرن قهراً شديداً]. { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَولاَهُمَا} أي: أولى العقوبتين { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} تفسير مجاهد: إنهم فارس. { فَجَاسُوا خَلاَلَ الدِّيَارِ} فقتلوهم في الدِّيار وهدموا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف والعذرة { وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي: إنه كائن. ذكر بعضهم قال: عوقب القوم على علوّهم وفسادهم، فبعث الله عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل وجاسوا خلال الدّيار كما قال الله. ثم رجع القوم على دخن فيهم كثير. قال: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} أي: أكثر عدداً. قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ففعل ذلك بهم في زمان داود يوم طالوت. قال: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي: فلأنفسكم. { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الأَخِرَةِ} أي: من العقوبتين {لِيَسُؤُاْْ وُجُوهَكُمْ} وهي تقرأ على وجهين: {لِيَسوءَ} مخففة، أي ليسوءَ الله وجوهَكم، والوجه الآخر {لِيسُؤا} مثقلة، يعني القوم وجوهَكم. { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} يعني بيت المقدس { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: كما دخله عدوّهم قبل ذلك. قال: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} أي: وليفسدوا ما غلبوا عليه فساداً. فبعث الله في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي فقتل وسبى وخرب بيت المقدس، وقذف فيها الجيف والعذرة. ويقال إن فسادهم الثاني قتل يحيى بن زكرياء، فبعث الله بختنصر عقوبة عليهم بقتلهم يحيى، فقتل منهم سبعين ألفاً. وذكر بعضهم قال: كان يحيى بن زكرياء في زمان لم يكن للرجل منهم أن يتزوج امرأة أخيه بعده. فإذا كذب متعمداً لم يُوَلَّ الملك. فمات الملك. وولى أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه [الملك الذي مات]. فسألهم فرخصوا له. وسأل يحيى بن زكرياء فأبى أن يرخص له. فحقدت عليه امرأة أخيه. وجاءت بابنة أخي الملك الأول إليه، فقال لها: سليني اليوم حكمك. فقالت: حتى انطلق إلى أمي. فلقيت أمها فقالت: قولي له: إن أردت أن تفي لنا بشيء فأعطني رأس يحيى بن زكرياء، فقالت: أقول له خيراً من هذا. فقالت هذا خير لك منه. فأتت إليه فسألته. فكره أن يُخلِفها ولا يُوَلَّى الملك. فدفع إليها يحيى بن زكرياء. فلما وضعت الشفرة على حلقة قال: [قولي] بسم الله هذا ما بايع عليه يحيى بن زكرياء عيسى بن مريم على أن لا يزني ولا يسرق ولا يلبس إيمانه بسوء. فلما أمَرَّت الشفرة على أوداجه فذبحته ناداها منادٍ من فوقها فقال: يا ربة البيت الخاطئة الغاوية. قالت: إنها كذلك فماذا تريد منها؟ فقال: لِتَبْشِر، فإنها أول من تدخل النار. قال فخسف بابنتها. فجاءوا بالمعاول فجعلوا يحفرون عنها وتدخل في الأرض حتى ذهبت ولم يُقدر عليها.
اطفيش
تفسير : {وَقَضَيْنَا إِلى بنىِ إِسْرَائِيلَ} أى عليهم فإِلى بمعنى على {فىِ الْكِتَابِ} اللوح المحفوظ وذلك لا ينافى الخطاب ويعد خلافا لبعضهم الجواز، كتبت عليه أن قم ونحوه مما فيه خطاب وغيبة والجواز كون ذلك التفاتا إِلى الخطاب فالأَصل فيما بعد ذلك هو الغيبة لكن إِنما يتم هذا إِذا خرجناه على مذهب السكاكى فى الالتفات وعلى أن المكتوب فى اللوح المحفوظ ليفسدن أو يفسدون ونحو ذلك من ألفاظ الغيبة ويجوز أن يضمن قضينا معنى أوجبنا فعدى بإِلى فيكون الكتاب التوراة أى أثبتنا الموحى فى التوراة وقطعناه فيها {لَتُفْسِدُونَّ} بالمعاصى أى والله لتفسدن وجملة القسم المحذوف وهذا الجواب المذكور مفعول لقضينا لأَن فيه على كل حال معنى القول أو لتفسدن جواب لقضينا إِجراء له مجرى القسم وقرئ لتفسدن بالبناء للمفعول وقرئ بفتح التاء من فسد {فِى الأَرْضِ} أرض الشام أو حقيقة الأَرض والمراد الشام {مَرَّتَيْنِ} أى وقتين وهو ظرف متعلق بتفسد أو مفعول مطلق على حذف مضاف أى إِفساد مرتين أو على استعماله بمعنى إِفسادتين {وَلَتَعْلُنَّ} الأَصل تعلوونن بضم اللام والواو وبعدها حذفت ضمة الواو لثقلها، فالتقت ساكنة مع واو الجماعة فحذفت ثم حذفت نون الرفع لئلا تتوالى نونان فالتقت واو الجماعة ساكنة مع النون المدغمة، والمراد بالعلو كبرهم عن طاعة الله وعلى الناس وظلمهم الناس {عُلُوَّا كَبِيراً} عظيما والمرة الأُولى مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وأرمياء والمرة الثانية قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليه السلام وقيل الأُولى قتل زكريا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخطا لله عز وجل والثانية قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى عليه السلام.
اطفيش
تفسير : {وَقَضَيْنَا} ضمن معنى أوحينا، فعدى بإلى، وقيل إلى بمعنى على، أى قضينا على بنى إسرائيل، وضمن معنى القسم فأجيب باللام، ونون التوكيد فى قوله: لتفسدن. {إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ فِى الْكِتَابِ} التوراة أو الجنس كما قرأ ابن أبى العالية وابن جبير فى الكتب بضم الكاف والتاء. {لَتُفْسِدُنَّ فِى الأَرْضِ} أرض بلاد بيت المقدس أو مطلق الأرض لشيوع فسادهم فيها، ويجوز تقدير: وقضينا إلى بنى إسرائيل بالإفساد قائلين: والله لتفسدن فى الأرض، أى ليتوقعن الفساد، ولا مفعول لتفسد أو يقدر لتفسدن التوراة، أوا لتكليف ذكر الله جل وعلا أنه آتاهم التوراة، وأَنهم سيخالفونها بعد الإيتاء. {مَرَّتَيْنِ} إفسادتين، فهو مفعول مطلق، أو زمانين فهو ظرف زمان الأولى: قتل شعيا ومخالفة التوراة، والثانية قتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى، وقيل أولاهما: قتل زكريا، وحبس أُمراء، والآخرة قتل يحيى وقصد قتل عيسى، وقيل: موت زكريا بعد قتل يحيى، وقيل بالعكس. وسبب قتل يحيى أن ملكًا أراد أن يتزوج من لا تجوز له فنهاه، وقد وعد تلك المرأة قضاء حاجة فى كل عبد فقالت لها أمها: سليه دم يحيى فألحت عليه حتى ذبحه فى طست، فوقعت قطرة فى الأرض، فلم تزل تغلى حتى قتل عليها سبعون ألفًا، وقيل راودته امرأة الملك، وكان جميلا، فأبى فقالت لها أمها: سليه دمه، وكان كل ملك من بنى إسرائيل يبعث معه نبى يسدده، ومنهم صديعة بالعين المهملة أو بالقاف، أو صداميا، بعث الله معه شيعا للبشر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، واستقاموا ثم عظمتى الأحداث، فجاءهم سنجاريب ذلك فى ستمائة ألف راية، ونزل حول بيت المقدس، وصديعة مريض فى فرسخ، فأوحى إليه شعيا أن ئت صديعة ومره أن يوصى ويستخلف من شاء من أهل بيته، فقال صديعة: رضيت. فصلى ودعا وتضرع، فأوحى الله إلى شعياء أنى زدت له خمس عشرة سنة، أَى هى من القضاء الأولى، لكن بين له أن سببها تضرعه، وإنى أُهلك عدوه، فخر صديعة ساجداً وأصبح العدو موتى فصرخ رجل على باب المدينة بموتهم، فخرج الملك فلم يجد فى الموتى سنجاريب فبحثوا فوجدوه فى غار مع خمسة نفر من كنانة أَحدهم بخت نصر فجئ بهم فى القيود فخر صديعة من طلوع الشمس إِلى العصر ساجداً فأمر أن يطاف بهم حول بيت المقدس، وإيليا سبعين يوماً فى القيود، فأوحى الله عز وجل إلى شعياء أن يرسل صديعة سنجاريب ومن معه، لينذروا قومهم، ويكرمهم وبلغهم مأمنهم، فلبث فى بابل سبع سنين، ومات واستخلف بخت نصر ابنه، ومات صديعة وتنازع بنو إ ِسرائيل الملك وتقاتلوا، ووعظهم شعياء موعظة عظيمة ألهمه الله إِياها. ولما فرغ قصدوه بالقتل فهرب، فانفلقت له شجرة فدخل فيها، وأخذ الشيطان هدبة من ثوبه فأراهم إياها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه، وقيل مات زكرياء على فراشه فيقتصر على ذكر يحيى فى المرة الأولى: واستخلف الله منهم ناشبة بن أحوص، وبعث لهم أرمياء بن حلفياء نبيا من سبط هارون، ويقول إنه الخضر، وأحدثوا واستحلوا المحارم، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بضم الهمزة وشد الياء، وقيل بضمها وكسرها، وتخفيف الياء أن يذكرهم نعمه، ويعرفهم بأَحداثهم ألهمه الله عز وجل خطبة بليغة، وفى آخرها يقول الله عز وجل: إنى حلفت بعزتى لأفيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ولأسلطن عليهم جباراً ذا هيبة، أنزع الرحمة من قلبه، يتبعه من العساكر مثل سواد الليل المظلم، وهو بخت نصر فقتلهم وقتل علماءهم، وأحرق التوراة، وخرَّب بيت المقدس، وألقى فيه الجيف، وسبى سبعين ألفا إلى بابل، فمكثوا فيها سبعين سنة، ثم سأل عن بيت المقدس وقتلاه فقيل بيت الله. وعصوا الله فسلطه الله عليهم وهؤلاء السبعون ألفًا من ذرية الأنبياء، فقال أخبرونى كيف أصعد إلى السماء: وأقتل من فيها، وأملكها وإِلا قتلتكم فقالوا: لا يقدر أحد على ذلك، وتضرعوا إلى الله عز وجل، فأدخل الله بعوضة فى منخره حتى عضت بأم دماغه، فما يسكن حتى يطأ على أم دماغه، ومات وشقوه فوجدوها عاضة فيه، وذلك انتقام، وإظهار لقدرة الله عز وجل. ورجعوا إلى الشام وبنوا وكثروا، ولا نسخة من التوراة لهم، فبكى عزير فقال له رجل وهو ملك: ما يبكيك؟ قال فقد التوراة، وبها قوم دين الله عز وجل، قال: أتحب أن ترجع إليك، فارجع إلى موضعك، وتطهر وسم، ففعل فأتاه بإناء ماء فشربه، فمثلت التوراة فى صدره، ووجدوا نسخة فى موضع فقرأ وقابلوه بها، ولم يغير حرفًا، ثم بعد ذلك أحدثوا، وقتلوا زكرياء، وقيل قتلوه ويحيى، وقصدوا قتل عيسى والثلاثة من آل داود. {وَلَتَعْلُنَّ} تتكبرون على أهلها بالظلم لهم فى أبدانهم وأموالهم، وأعراضهم، وعن طاعة الله، واتباع الحق. {عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ} حان وقرب. {وَعْدُ أُولاَهُمَا} وعد عقاب المرة الأولى، أو الوعيد أى التوعد به، أو وعيد بمعنى الوقت لوح بالعقاب فى ذكر الإفساد والعلو، وذكره كذكر المعهود المذكور، وفى ذلك استعمال الوعد فى الشر كما يستعمل فى الخير وهو شائع فى القرآن، ودل على إرادة العقاب قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} قوة وشدة فى الحرب، وذلك تأكيد كظل ظليل، أى شدة شديدة، أو جزء من الشدة شدة، وذلك تجريد بديعى، وهو مبالغة، وهم بخت نصر عامل هراسف على بابل وجنوده، وقيل العمالقة أو جالوت الخرزى البربرى، أو سنجاريب من أهل نينوى، أرسل الله إليهم ملكًا يأمرهم من الله بقتل بنى إسرائيل لعتوهم أكثر من عُتُوّ المشركين، أو وسوس الشيطان إِليهم بأن يقاتلوا بنى إسرائيل، وذلك خلق من الله فسماه بعثًا بعثهم الله إِليهم حين كذبوا أرمياء، وجرحوه وحبسوه، واختاره بعضهم. {فَجَاسُوا} استقضوا فى التفتيش عمن يجدونه ويقتلونه، أو يأسرونه، ويأخذون ماله. {خِلاَلَ الدِّيَار} فرداً وجمع خلل كجبل وجبال ظرف، أى منفرج الديار ديار بلاد بيت المقدس، قتلوا الكبار، وسبوا الصغار، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، و ذلك كله خلق من الله وتسليط للكافرين على المؤمنين، كما يسلط الله الحية والعقرب والأسد على من شاء، وذلك انتقام من بنى إسرائيل لمعاصيهم على يد ظالم، ومنعت المعتزلة تسليط الكافر على المؤمن، وأولوا البعث بعدم المنع فعندهم أن ذلك خلق من بخت نصر وجنوده، والله يرى. من ذلك فلزمهم أن يكون غير الله خالقًا، و أن يكون فى الوجود ما لم يقرره الله. {وَكَانَ} أى الجوس خلال الديار، أو كان وعد العقاب، أو كان وعد أُولاهما. {وَعْدًا مَفْعُولاً} لا يتخلف، والجمهور على أن هؤلاء العباد، خربوا بيت المقدس، وقتلوا بنى إسرائيل قتلا ذريعًا، وأسروهم وأحرقوا التوراة. وعن ابن عباس ومجاهد: جاسوا خلال الديار، وانصرفوا بلا قتل، وكان بيت المقدس مبنيًّا لسليمان بالذهب والفضة والياقوت والزمرد، وسائر الجواهر، تأتى بذلك الجن من معادنه، وبنوه له وأخذه بخت نصَّر المجوسى إلى بابل مع سائر الغنائم على سبعين ألفًا ومائة ألف عجلة ولملكه سبعمائة سنة، وسبى الأطفال والنساء وغيرهم، واستخدمهم مائة سنة، فسار ملك من المجوس يوحى الله إليه أن يستنقذ من بقى منهم، ويستنقذ الذهب والفضة ونحوهما، ويرجعهم إلى بيت المقدس كأول مرة. ثم رجعوا إلى المعاصى، فغزاهم قيصر ملك الروم فى البر والبحر، فسباهم وقتلهم، وأخذ الأموال والنساء، وحمل تلك الأموال على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة، وأودعه كنيسة الذهب. قال القرطبى: وهو فيها حتى يأخذه المهدى، ويرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة، يرمى بها على بابل حتى ينقله إلى بيت المقدس كما قال: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ} إذ تبتم وأحسنتم، والمراد نرد لكم لكن عبَّر بالماضى لتحقق الوقوع، لأن الرد لم يقع وقت الإخبار، بل بعد مائة سنة، واللام للتعدية والنفع، ولا داعى إلى كونها للتعليل كما هو ظاهر، وكما يناسب مقابلة لفظ عليهم بعد. {الْكَرَّةَ} الدولة وأصله الرجوع، سميت لأنها تجئ بعد العدم {عَلَيْهِمْ} على الذين بعثوا عليكم من المجوس، بأن ألقى الله الشفقة عليهم فى قلب بهمن بن أسفنديار لما ورث الملك من جده كشاسف بن لهراسف، فردهم إلى الشام وملْك عليهم الله عز وجل دانيال، وقتل بواسطة أمر بهمن، بذلك ألقى الله الشفقة فى قلبه، فرد بنى إسرائيل إلى الشام فاستولوا على من كان فى الشام من أتباع بخت نصر، وقيل: تزوج امرأة إسرائيلية، فطلبت أن يردهم إلى الشام، فردهم فكانت فيهم أنبياء، وكانوا أحسن مما كانوا قبل، وقيل: سلط داود على جالوت، ورد بأنه لم يكن مسجد الشام قبل داود، فضلا عن أن يدخلوه أول مرة كما قال الله سبحانه وابتدأ بناءه بعد قتل جالوت، ولم يتمه وأتمه سليمان، وأجيب بأن حقيقة المسجد الأرض. والحق أن المسجد قبل داود، ومعنى بخت بالعبرانية ابن أو عطية، ونصر بالشد صنم، وجد صبى عند صنم ولم يعرف له أب فنسب إليه، وعليهم متعلق برددنا أو بالكرة، ولا حاجة إلى جعله حالا من الكرة. {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ} رددناها عليكم وأموال منا {وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} مما كنتم عليه، أو من عدوكم، والنفير النافر، وهو من ينفر إِلى العدو للقتل، أو جمع نفر بسكون الفاء كعبد وعبيد، أو اسم جمع له، أو مصدر على وزن فعيل، لأنه للسير أى خروجًا وذهابًا إلى القتال أذا دعوا إليه.
الالوسي
تفسير : {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ} أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أي أعلمناهم، وزاد الراغب وأوحينا إليهم وحياً جزماً، وصرح غير واحد بتضمن القضاء معنى الإيحاء ولهذا عدي بإلى، والوحي إليهم إعلامهم ولو بالواسطة، وقيل إلى بمعنى على وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس: قال أي قضينا عليهم {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي التوراة أو الجنس بدليل قراءة أبـي العالية وابن جبير {ٱلْكِتَـٰبِ} بصيغة الجمع والظاهر الأول على الأول أو اللوح المحفوظ على الأخير، وأخرج ابن المنذر والحاكم عن طاوس قال: كنت عند ابن عباس ومعنا رجل من القدرية فقلت: إن أناساً يقولون لا قدر قال: أو في القوم أحد منهم؟ قلت: لو كان ما كنت تصنع به؟ قال: لو كان فيهم أحد منهم لأخذت برأسه ثم قرأت عليه {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ}. {لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ} جواب قسم محذوف، وحذف متعلق القضاء أيضاً للعلم به والتقدير: وقضينا إلى بني إسرائيل بفسادهم وعلوهم والله لتفسدن الخ ويكون هذا تأكيداً لتعلق القضاء، ويجوز جعله جواب {قَضَيْنَا} بإجراء القضاء مجرى القسم فيتلقى بما يتلقى به نحو قضاء الله تعالى لأفعلن كذا. والمراد بالأرض الجنس أو أرض الشام وبيت المقدس. وقرأ ابن عباس. ونصر بن علي وجابر بن زيد {لَتُفْسِدُنَّ} بضم التاء وفتح السين مبنياً للمفعول أي يفسدكم غيركم فقيل من الضلال، وقيل من الغلبة. وقرأ عيسى {لَتُفْسِدُنَّ} بفتح التاء وضم السين على معنى لتفسدن بأنفسكم بارتكاب المعاصي. {مَّرَّتَيْنِ} منصوب على أنه مصدر {لَتُفْسِدُنَّ} من غير لفظه، والمراد إفسادتين أولاهما على ما نقل السدي عن أشياخه قتل زكريا عليه السلام وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم تنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضاً ولم يسمعوا من زكريا فقال الله تعالى له: قم في قومك أوح على لسانك فلما فرغ مما أوحى عليه عدوا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسط الشجرة حتى قطعوه في وسطها. وقيل سبب قتله أنهم اتهموه بمريم عليها السلام قيل قالوا: حين حملت: ضيع بنت سيدنا حتى زنت فقطعوه بالمنشار في الشجرة، وقال ابن إسحٰق: هي قتل شعيا عليه السلام وقد بعث بعد موسى عليه السلام فلما بلغهم / الوحي أرادوا قتله فهرب فقتل وهو صاحب الشجرة وزكريا عليه السلام مات موتاً ولم يقتل. وفي «الكشاف» «أولاهما قتل زكريا وحبس أرميا والآخرة قتل يحيـى وقصد قتل عيسى عليهما السلام»، وهذا فيمن جعل هلاك زكريا قبل يحيـى عليهما السلام وهو رواية ابن عساكر في «تاريخه» عن علي كرم الله تعالى وجهه، ثم ضم ذلك مع حبس أرمياً في قرن غير سديد لأن أرميا كان في زمن بختنصر وبينه وبين زكريا أكثر من مائتي سنة. واختار بعضهم وقيل: إنه الحق أن الأولى تغيير التوراة وعدم العمل بها وحبس أرميا وجرحه إذ وعظهم وبشرهم بنبينا صلى الله عليه وسلم وهو أول من بشر به عليه الصلاة والسلام بعد بشارة التوراة، والأخرى قتل زكريا ويحيـى عليهما السلام، ومن قال: إن زكريا مات في فراشه اقتصر على يحيـى عليه السلام. واختلف في سبب قتله فعن ابن عباس وغيره أن سبب ذلك أن ملكاً أراد أن يتزوج من لا يجوز له تزوجها فنهاه يحيى عليه السلام وكان الملك قد عود تلك المرأة أن يقضي لها كل عيد ما تريد منه فعلمتها أمها أن تسأله دم يحيـى في بعض الأعياد فسألته فأبى فألحت عليه فدعا بطست فذبحه فيه فبدرت قطرة على الأرض فلم تزل تغلي حتى قتل عليها سبعون ألفاً. وقال الربيع بن أنس: إن يحيـى عليه السلام كان حسناً جميلاً جداً فراودته امرأة الملك عن نفسه فأبى فقالت لابنتها: سلي أباك رأس يحيـى فسألته فأعطاها إياه، وقال الجبائي إن الله تعالى ذكر فسادهم في الأرض مرتين ولم يبين ذلك فلا يقطع بشيء مما ذكر. {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} لتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو لتغلبن الناس بالظلم والعدوان وتفرطن في ذلك إفراطاً مجاوزاً للحد. وأصل معنى العلو الارتفاع وهو ضد السفل وتجوز به عن التكبر والاستيلاء على وجه الظلم. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (عِلِيّاً كَبِيراً) بكسر العين واللام والياء المشددة، قال في «البحر» «والتصحيح في فعول المصدر أكثر بخلاف الجمع فإن الإعلال فيه هو المقيس وشذ التصحيح نحو لهو ومهو خلافاً للفراء إذ جعل ذلك قياساً».
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وآتينا موسى الكتاب} تفسير : [الإسراء: 2]، أي آتينا موسى الكتاب هُدى، وبينا لبني إسرائيل في الكتاب ما يحل بهم من جراء مخالفة هدي التوراة إعلاماً لهذه الأمة بأن الله لم يدخر أولئك إرشاداً ونصحاً، فالمناسبة ظاهرة. والقضاء بمعنى الحكم وهو التقدير، ومعنى كونه في الكتاب أن القضاء ذكر في الكتاب، وتعدية قضينا بحرف (إلى) لتضمين قضينا معنى (أبلغنا)، أي قضينا وأنهينا، كقوله تعالى: {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر}تفسير : في سورة [الحجر: 66]. فيجوز أن يكون المراد ب (الكتاب) كتاب التوراة والتعريف للعهد لأنه ذكر الكتاب آنفاً، ويوجد في مواضع، منها ما هو قريب مما في هذه الآية لكن بإجمال (انظر الإصحاح 26 والإصحاح 28 والإصحاح 30)، فيكون العدول عن الإضمار إلى إظهار لفظ (الكتاب) لمجرد الاهتمام. ويجوز أن يكون الكتاب بعض كتبهم الدينية. فتعريف (الكتاب) تعريف الجنس وليس تعريف العهد الذكري، إذ ليس هو الكتابَ المذكور آنفاً في قوله: {أية : وآتينا موسى الكتاب}تفسير : [الإسراء: 2] لأنه لما أظهر اسم الكتاب أشعر بأنه كتاب آخر من كتبهم، وهو الأسفار المسماة بكتب الأنبياء: أشعياء، وأرميا، وحزقيال، ودانيال، وهي في الدرجة الثانية من التوراة. وكذلك كتاب النبي مَلاَخي. والإفساد مرتين ذكر في كتاب أشعياء وكتاب أرمياء. ففي كتاب أشعياء نذارات في الإصحاح الخامس والعاشر. وأولى المرتين مذكورة في كتاب أرمياء في الإصحاح الثاني والإصحاح الحادي والعشرين وغيرهما. وليس المراد بلفظ الكتاب كتاباً واحداً فإن المفرد المعرف ــــ بلام الجنس ــــ يراد به المتعدد. وعن ابن عباس الكتاب أكثر من الكتب. ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة وكتب الأنبياء ولذلك أيضاً وقع بالإظهار دون الإضمار. وجملة {لتفسدن في الأرض مرتين} ــــ إلى قوله ــــ {حصيرا} مبيّنة لجملة {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب}. وأيّا مّا كان فضمائر الخطاب في هذه الجملة مانعة من أن يكون المراد بالكتاب في قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} اللوح المحفوظ أو كتاب الله، أي علمه. وهذه الآية تشير إلى حوادث عظيمة بين بني إسرائيل وأعدائهم من أمتين عظيمتين: حوادث بينهم وبين البابليين، وحوادث بينهم وبين الرومانيين. فانقسمت بهذا الاعتبار إلى نوعين: نوع منهما تنْدَرج فيه حوادثهم مع البابليين، والنوع الآخر حوادثهم مع الرومانيين، فعبر عن النوعين بمرتين لأن كل مرة منهما تحتوي على عدة ملاحم. فالمرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي وهي غزوات (بختنصر) مَلِك بابل وأشور بلاَد أورشليم. والغزو الأول كان سنة 606 قبل المسيح، أسَر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول. ثم غزاهم أيضاً غزواً يسمى الأسر الثاني، وهو أعظم من الأول، كان سنة 598 قبل المسيح، وأسَرَ ملكَ يهوذا وجمعاً غفيراً من الإسرائيليين وأخذ الذهب الذي في هيكل سليمان وما فيه من الآنية النفيسة. والأسر الثالث المُبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم «بختنصر» وسبى كل شعب يهوذا، وأحرق هيكل سليمان، وبقيت أورشليم خراباً يباباً. ثم أعادوا تعميرها كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : ثم رددنا لكم الكرة} تفسير : [الإسراء: 6]. وأما المرة الثانية فهي سلسلة غزوات الرومانيين بلادَ أورشليم. وسيأتي بيانها عند قوله تعالى:{أية : فإذا جاء وعد الآخرة }تفسير : [الإسراء: 6] الآية. وإسناد الإفساد إلى ضمير بني إسرائيل مفيد أنه إفساد من جمهورهم بحيث تعد الأمة كلُّها مُفسدة وإن كانت لا تخلو من صالحين. والعلو في قوله: {ولتعلن علوا كبيراً} مجاز في الطغيان والعصيان كقوله: {أية : إن فرعون علا في الأرض}تفسير : [القصص: 4] وقوله: {أية : إنه كان عالياً من المسرفين}تفسير : [الدخان: 31] وقوله: {أية : ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} تفسير : [النمل: 31] تشبيهاً للتكبر والطغيان بالعلو على الشيء لامتلاكه تشبيه معقول بمحسوس. وأصل {ولتعلن} لتعْلُوْونَنّ. وأصل {لتفسدن} لتفسدونن. والوعد مصدر بمعنى المفعول، أي موعود أولى المرتين، أي الزمان المقدر لحصول المرة الأولى من الإفساد والعلو، كقوله: {أية : فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً}تفسير : [الكهف: 98]. ومثل ذلك قوله: {وكان وعداً مفعولا} أي معمولاً ومنفذاً. وإضافة {وعد} إلى {أولاهما} بيانية، أي الموعود الذي هو أولى المرتين من الإفساد والعلو. والبعث مستعمل في تكوين السير إلى أرض إسرائيل وتهيئة أسبابه حتى كأن ذلك أمر بالمسير إليهم كما مر في قوله: {أية : ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب}تفسير : في سورة [الأعراف: 167]، وهو بعث تكوين وتسخير لا بعث بوحي وأمر. وتعدية {بعثنا} بحرف الاستعلاء لتضمينه معنى التسليط كقوله: {أية : ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} تفسير : [الأعراف: 167]. والعِباد: المملوكون، وهؤلاء عباد مخلوقية، وأكثر ما يقال: عباد الله. ويقال: عَبيد، بدون إضافة، نحو {أية : وما ربك بظلام للعبيد} تفسير : [فصلت: 46]، فإذا قصد المملوكون بالرق قيل: عَبيد، لا غير. والمقصود بعباد الله هنا الأشوريون أهل بابل وهم جنود بختنصر. والبأس: الشوكة والشدة في الحرب. ووصفه بالشديد لقوته في نوعه كما في آية سورة سليمان [النمل: 33]:{أية : قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد}تفسير : وجملة {فجاسوا} عطف على {بعثنا} فهو من المقضي في الكتاب. والجوس: التخلل في البلاد وطرقها ذهاباً وإياباً لتتبع ما فيها. وأريد به هنا تتبّع المقاتلة فهو جوس مضرة وإساءة بقرينة السياق. و (خلال) اسم جاء على وزن الجموع ولا مفرد له، وهو وسط الشيء الذي يتخلل منه. قال تعالى: {أية : فترى الودق يخرج من خلاله }تفسير : [الروم: 48]. والتعريف {في الديار} تعريف العهد، أي دياركم، وذلك أصل جعل (ال) عوضاً عن المضاف إليه. وهي ديار بلد أورشليم فقد دخلها جيش بختنصر وقتل الرجال وسبى، وهدم الديار، وأحرق المدينة وهيكل سليمان بالنار. ولفظ (الديار) يشمل هيكل سليمان لأنه بيت عبادتهم، وأسر كل بني إسرائيل وبذلك خلت بلاد اليهود منهم. ويدل لذلك قوله في الآية الآتية: {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية. أظهر الأقوال فيه: أنه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم. ومن معاني القضاء: الأخبار والإعلام. ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ}تفسير : [الحجر:66] والظّاهر أن تعديته بـ "إلى" لأنه مضمن معنى الإيحاء. وقيل: مضمن معنى: تقدمنا إليهم فأخبرناهم. قال معناه ابن كثير. والعلم عند الله تعالى.
القطان
تفسير : وقضينا: اخبرنا بالوحي. لتعلن: لتطغون. فجاسوا خلال الديار: دخلوها ووطئوها. رددنا لكم الكرة: اعطيناكم الغلبة. اكثر نفيرا: اكثر عدداً. وليتبروا ما علوا تتبيرا: وليهلكوا ويدمروا ما استولوا عليه من بلادكم تدميرا. حصيرا: مكانا للكافرين. بعد ان ذكر تعالى انه أكرم رسولَه محمداً عليه الصلاة والسلام بالإسراء من مكة الى بيت المقدس - ذكر هنا ما أكرم به موسى قبله من إعطائه التوراة، وجعلها هدى لبني اسرائيل، لكنهم أعرضوا عنها ولم يعملوا بهدْيها، بل أفسدوا في الأرض. {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً}. فافسدوا واعلوا علوًّا كبيرا. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً}. كانت هذه الحملة الاولى من الملك البابلي نبوخذ نصر سنة 597 قبل الميلاد على مملكة يهوذا، فاستولى على القدس وسبى اليهود ومعهم ملكهم "يهوياكين" واهل بيته، واخذ جميع ما عندهم من اموال وذهب وكنوز. ثم عاد نبوخذ نصر في حلمة ثانية سنة 586 قبل الميلاد يعني بعد احد عشر عاما واحتل القدس وخربها واحرق الهيكل وسبى نحو 50 الف من اليهود. وبقي اليهود في بابل الى ان جاء كورش الاخميني سنة 539 قبل الميلاد فسمح لهم بالعودة الى فلسطين، فعاد قسم وبقي عدد كبير في بابل ولم يعودوا لانهم استوطنوا واصبح لهم أملاك وتجارة، وحاولوا بناء الهيكل، فاحتج السكان من غير اليهود والاقوام المجاورين من الحثيين والحوريين والعمونيين والأدوميين، ولم يتم بناء الهيكل، وبقي الى ان احتل دارا الأول ملك الفرس البلاد فسمح لهم ببناء الهيكل سنة 515 قبل الميلاد. فاذا اعتبرنا هذه الفترة كلها هي الأولى، تكون هي المقصودة بقوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} وتكون هذه الفترة فترة استقرار. ثم جاء عهد اليونان حيث لاقوا اسوأ الحالات في عهد الملك السلوقي انطيوخس الرابع وذلك سنة 175 - 164 قبل الميلاد، اذ دمر الهيكل ونهب خزائنه واجبر اليهود على نبذ اليهودية واعتناق الوثنية اليونانية. وبقي الصراع بين اليهود يشتد حتى اندلعت ثورة المكابيين ودام عصرهم نحو قرن وربع، الى ان جاء الرومان، وعين الملك هيرودس الأدومي فسمح لليهود باعادة بناء الهيكل سنة 39 قبل الميلاد. وفي سنة 66 م. قامت ثورة عارمة شاملة من اليهود على الحكم الرماني، بعد سلسلة من المعارك سيطر تيطس الروماني على الموقف وتمكن من القضاء على اليهود سنة 70. واوقع فهيم مذبحة مريعة وخرب المدينة، واحرق الهيكل ودمره نهائيا فأُزيل من الوجود بحيث لم يعد يهتدي الناس الى موضعه، وسيق الاحياء عبيدا. ويقول المسعودي ان عدد القتلى من اليهود والمسيحيين بلغ ثلاثة ملايين، فيكون هذا معنى قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}. هذا محصل تاريخ اليهود في فلسطين والله اعلم. فاذا تأملنا في الآيات الكريمة نجد النصَّ الصريحَ على ان بني اسرائيل اذا حكموا وسيطروا طغوا وبغوا وافسدوا في الارض وعلَو علّوا كبيرا، واذا لم يحكموا افسدوا وسيطروا على المال، وهذا ما نراه اليوم من طغيانهم وبغيهم وتسلطهم في فلسطين. وهم في بقية انحاء العالم ايضا مفسِدون مسيطرون، يسيِّرون الحكام والزعماء على اهوائهم وحسب ما يريدون، وينشرون الفساد في كل ارجاء العالم، وسيظلون على هذا الحال ولا يمكن ان يغيروا من طباعهم وتعاليم دينهم المحرَّف. والله تعالى يقول: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. فالمفهوم أن اليهود عادوا وسيعودون الى الإفساد ما دام لهم سيطرة، وفيهم بقية، فلهم جهنم تحصرهم فلا يفلت منهم احد، وتتسع لهم فلا يند عنها احد. فالمفسرون على اختلاف طبقاتهم اعتبروا المرَّتين مضى زمانُهما، الاولى في عهد نبوخذ نصر والاخيرة في عهد تيطس الروماني حيث زال الهيكل وزال حكمهم. وفي عصرنا هذا وبعد وجود كيان اليهود الجديد، كتب بعض المفكرين يقول: ان الفترة الثانية هي هذه بوجود دولة اسرائيل (ودار نقاشٌ طويل في الصحف، والمجالس، وشهدتُ بعض هذا النقاش في المغرب لما كنتُ هناك) وان الله سيبعث عليهم من يدمرهم. والواقع ان وجود اسرائيل تقوّى وتمركز بتفككنا نحن العرب والمسلمين، وبعدنا عن ديننا. ونحن الذين جعلناهم اقوياء بخلافاتنا، ومحاربة بعضنا بعضا. وواقعهم غير صحيح، ودولتهم تعتمد على شيئين امريكا تمدها بالمال والسلاح، وضعفنا انشقاقنا وخلافاتنا، فمتى وحّدنا كلمتنا وجمعنا صفوفنا وعزمنا على استراداد مقدساتنا فان اسرائيل تزول ولا يبقى لها وجود، والله تعالى: يقول {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ} تفسير : [محمد:7]. قراءات: قرأ حمزة وابو بكر وابن عامر: "ليسوء" بالافراد، وقرأ الكسائي: "لنسوء" بالنون.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِسْرَائِيلَ} {ٱلْكِتَابِ} (4) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَضَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ بِأَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وَسَتَكُونُ لَهُمْ قُوَّةٌ وَسَيْطَرَةٌ، وَغَلَبٌ فِي الأَرْضِ، وَفَي كُلِّ مَرَّةٍ يَجْعَلُونَ فِيهَا القُوَّةَ وَالسَّيْطَرَةَ وَسِيلَةً لِلطُّغْيَانِ، وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ، يُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ مَنْ يَقْهَرُهُمْ، وَيُعَاقِبُهُمْ عِقَاباً شَدِيداً، وَيَسْتَبِيحُ حُرُمَاتِهِمْ، وَيُدَمِّرُهُمْ تَدْمِيراً.
الثعلبي
تفسير : {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى قوله {حَصِيراً}. روى سفيان بن سهيل عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: "حديث : سمعت حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بني إسرائيل لما إعتدوا وعتوا وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم ملك فارس بخت نصر، وكان الله ملكه سبعمائة سنة فسار اليهم حتّى دخل بيت المقدس فحاصرها ففتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا (عليه السلام) سبعين ألف، ثمّ سبى أهلها وسلب حلي بيت المقدس واستخرج منها سبعين ألفاً ومائة عجلة من حلي [حتى أورده بابل]". قال حذيفة: يارسول الله لقد كانت بيت المقدس عظيماً عند الله قال: "أجل بناه سليمان ابن داود من ذهب وياقوت وزبرجد، وكان بلاطه ذهباً وبلاطه فضة وبلاطه من ذهباً أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين فسار بخت نصر بهذه الأشياء حتّى نزل بها بابل وأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة يستعبدهم المجوس وأبناء المجوس فهم الأنبياء وابناء الأنبياء، ثمّ إن الله تعالى رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس وكان مؤمناً أن سر إلى بقايا ببني إسرائيل حتّى يستنقذهم فسبا كورش بني إسرائيل وحلي بيت المقدس حتّى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط عليهم ملكاً يقال له: إنطياخوش فغزا بني إسرائيل حتّى أتى بهم بيت المقدس فسبا أهلها وأحرق بيت المقدس وقال لهم: يابني إسرائيل ان عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسبي، فعادوا في المعاصي فسلط الله عليهم ملكا رومية يقال له: ماقسير بن إسبيانوس فغزاهم في البر والبحر فسباهم وسبا حلي بيت المقدس وأحرق بيت المقدس". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فهذا من صفة حلي بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس وهو الف سفينة وسبعمائة سفينة يرمى بها على يافا حتّى ينقل إلى بيت المقدس هديها يجمع الله الأولين والآخرين ". تفسير : وقال محمّد بن إسحاق بن يسار: كان مما أنزل الله على موسى في خبر عن بني إسرائيل في أحداثهم وماهم فاعلون بعده {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى قوله {حَصِيراً} فكانت بنوا إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزاً عنهم متعطفاً عليهم محسناً اليهم، فكان أول ما أنزل بهم بسبب ذنوبهم من تلك الوقائع كما أخبر على لسان موسى (عليه السلام) أن ملكاً منهم كان يدعى صديقة كان الله عزّ وجلّ إذا ملك الملك عليهم بعث الله نبياً يسدده ويرشده ويكون فيما بينه وبين الله تعالى، فيتحدث إليهم في أمرهم لأنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون بإتباع التوراة والأحكام التي فيها وينهونهم عن المعصية ويدعونهم إلى ماتركوا من الطاعة، فلما ملك الله ذلك الملك بعث الله شعياء بن أمصيا وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى، وشعياء هو الذي بشّر بعيسى ومحمّد صلى الله عليه وسلم فقال: ابشروا [...] الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده راكب البعير، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زماناً، فلما إنقضى ملكه عظمت الأحداث وشعياء معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل مع ستمائة ألف راية، فأقبل سائراً حتّى أقبل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاء إليه شعياء فقال: يا ملك بني إسرائيل إن نحاريب ملك بابل قد نزل هو وجنوده بستمائة الف قد هابهم الناس وفرقوا منهم، فكبر ذلك على الملك. فقال: يانبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده. فقال له النبي (عليه السلام): لم يأت وحي فبيناهم إلى ذلك أوحى الله تعالى إلى شعياء النبي (عليه السلام) أن أيت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي بوصيته ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته، فأتى شعياء صدّيقة وقال له: إن ربك قد أوحى إليك إن أمرك أن توصي بوصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت. فلما قال ذلك شعياء لصديقة أقبل على القبلة وصلى ودعا وبكى فقال وهو يصلي ويتضرع إلى الله تعالى بقلب مخلص متوكل رصين وظن صادق: اللهُمَّ رب الأرباب وإله الألهه قدوس المتقدس يارحمن يارحيم يارؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم أكرمتني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني بسري وعلانيتي لك وأن الرحمن استجاب له وكان عبداً صالحاً، فأوحى الله إلى شعياء وأمره أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه وقد أخر أجله خمس عشر سنة فأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده فأتاه شعياء النبي (عليه السلام) وأخبره بذلك، فلما قال ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ساجداً وقال: يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبّحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة أنت الأوّل والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت ضري فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقه فيأمر عبداً من عبيده فيأتيه بالتين فيجعله على قرحه فيشفى ويصبح قديراً، ففعل ذلك فشفى، وقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعدونا هذا. فقال الله لشعياء: قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وأنهم سيصبحون موتى كلهم إلاّ سنحاريب وخمسة نفر من كُتّابه. فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فأخرج فإن سنحاريب ومن معه هلكوا، فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مفازة ومعه خمسة من كُتّابه أحدهم بخت نصّر، فجعلوهم في الجوامع ثمّ أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآوهم خرَّ ساجداً حين طلعت الشمس إلى العصر، ثمّ قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم نقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادك فلم أطع مرشداً ولم يلقني في الشقوة إلاّ قلة عقلي ولو سمعت وأطعت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت عليَّ وعلى من معي. فقال صديقه: الحمد لله ربّ العزة الذي [كفاناكم] بما شاء أن يبقك لي من معك لكرامة لك عليه وإنما أبقاك ومن معك ليزدادوا شقوة في الدنيا وعذاباً في الآخرة ولتخبروا من ورائكم بما رايتم من فعل ربنا، فلذلك وذم من معك [آتون] على الله من دم قراد لو قتلت، ثمّ إن ملك بني إسرائيل أمر أمير جيشه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين ما حول بيت المقدس [وامليا] وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من الشعير لكل رجل منهم. فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما يفعل بنا فأفعل ما أُمرت، فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعياء النبي (عليه السلام): أن قل لملك بني إسرائيل ليرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من ورائهم وليكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ شيعا [للملك ذلك] ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتّى قدموا بابل فلمّا قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهانته وسحرته: يا ملك [بابل] قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم، وكان أمر سنحاريب مما خوفوا، ثمّ كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ثمّ لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثمّ مات، واستخلف [بعده] ابن إبنه على ما كان عليه، فعمل فيهم بمثل عمل جده وقضى في الملك حتّى قتل بعضهم [بعضاً عليه] ونبيهم شعياء معهم لا يذعنون إليه ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله لشعياء: قم في قومك أوحَ على لسانك. فلما قام النبي (عليه السلام) أطلق الله لسانه بالوحي، فقال: ياسماء استمعي ويا أرض انصتي حتّى فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمة واسطنعهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده واستقبلهم بالكرامة وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضهم بعضاً حتّى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذه الأُمة الخاطئة الذين لايدرون من أين جاءهم الخير، أن البعيد مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الآري الذي يشبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وأن هؤلاء القوم لا يدرون من أين جاءهم الخير وهم أولوا الألباب والعقول ليسوا بقراً ولا حميراً، وإني ضارب لهم مثلاً فليستمعوا، قل لهم: كيف ترون في أرض كانت خواء زماناً خربة مواتاً لا عمران فيها وكان لها رب حكيم قوي، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه فأحاط عليها جداراً وشيّد فيها قصراً وأنبط نهراً وصنف فيها غراساً من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه قيماً ذا رأي وهمة ومتعة حفيظاً قوياً أميناً وانتظرها فلما أطلعت جاء طلعها خروباً قالوا: بئست الأرض هذه، نرى أن يهدم جدارها وقصورها ويدفن نهرها ويقبض قيّمها ويحرق غرسها حتّى تصير كما كانت أول مرة خراباً مواتاً لا عمران فيها. قال الله لهم: فإن الجدار ذمتي وإن القصر شريعتي وإن النهر كتابي وإن القيّم نبيّ وإن الغرّاس هم وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وإنهم مثلُ ضربه الله تعالى لهم يتقربون إليّ بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا أكله، ويدعون أن يتقربون إليّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمّتها فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي البيوت مساجداً ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها، فأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، أم أي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها إنما أُمرت برفعها لأُذكر فيها وأُسبّح ولتكون مَعْلَماً لمن أراد أن يصلي فيها، يقولون: لو كان الله يقدر على أن يجمع ألْفَتَنا لجمعها، ولو كان الله يقدر على [أن] يفقّه قلوبنا لفقهها فأعمد إلى عودين يابسين، ثمّ ائت بهما ناديهما في أجمع ما يكونون فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تكونا عوداً واحداً ففعل، ذلك في مجلسه إختلطا فصارا واحداً، فقال الله لهم: إني قد قدرت على أن أفقه العيدان اليابسة وعلى أن أُؤالف بينهما فكيف لا أقدر على أن أجمع إلفهتم إن شئت، أم كيف لا أقدر على أن أفقّه قلوبهم وأنا الذي صورتها. يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تقبل صلاتنا وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل [حنين الحمام] وبكينا مثل عواء الذئب في مكان ذلك لا نسمع ولا يستجاب لنا قال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم، ألست أسمع السامعين وأُبصر الناظرين وأُقرب المجيبين وأرحم الراحمين؟ الآن ذلّت يدي؟ قلت: كيف ويداي مبسوطتان بالخير أُنفق كيف أشاء ومفاتح الخزائن عندي لا يفتحها غيري أو لأن رحمتي ضاقت فكيف ورحمتي وسعت كل شيء، إنما يتراحم المتراحمون بفضلها أو لأن [البخل يعتريني] أو لست أكرم الأكرمين والفتاح بالخيرات؟ أجود من أعطي وأكرم من سئل لو أن هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي نورت في قلوبهم فنبذوها وإشتروا بها الدنيا إذاً لأبصروا من حيث أتو وإذاً لأيقنوا أن أنفسهم [هي] أعدى العُداة فيهم، فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور [ويتقوون] عليه بطعمة الحرام؟ وكيف أُنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني وينتهك محارمي، أم كيف تزكوا عندي صدقاتهم؟ وهم يتصدقون بأموال غيرهم وإنما أُؤجر عليها أهلها المغصوبين، أم كيف أستجيب لهم دعاءهم؟ وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد وإنما أستجيب للداع اللين وأنا أسمع قول المستضعف المسكين، وإن من علامة رضاي رضا المساكين، فلو رحموا المساكين وقربوا الضعفاء وأنصفوا المظلوم ونصروا المغصوب والمغلوب وأعدلوا الغائب [وأدوا] إلى اليتيم والأرملة والمسكين وكل ذي حق حقه، ثمّ لو كان ينبغي أن أكلم البشر إذاً لكلّمتهم، وإذاً لكنت نور أبصارهم وسمع آذانهم ومعقول قلوبهم وإذاً لدعمت أركانهم وكنت قوة أيديهم وأرجلهم، وإذاً لبثت ألسنتهم وعقولهم. يقولون: لمّا سمعوا كلامي وبلغتهم رسالاتي: إنها أقاويل متقولة وأحاديث متوارثة وتأليف كما يؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاؤا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا وأن يطلعوا على علم الغيب، لاطلعوا بما توحي إليهم الشياطين وكلمهم ويستخفى بالذي يقول ويسرّ وهم يعملون أني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما يبدون وما كنتم يكتمون وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والارض قضاء أثبته على نفسي وجعلت دونه أجلاً مؤجلاً لابد أنه واقع، فإن صدَّقوا بما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه أو في أي زمان يكون وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاؤون فليأتوا بمثل القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا مايشاؤون فليألفوا مثل الحكمة التي أُدبّر بها أمر ذلك القضاء إن كنتم صادقين فإنّي قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض أن أجعل النبوة في الإجراء وأن أجعل الملك في الدعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء والثروة في الأقلاء [والمدائن في الفلوات] والأجام في المغوز والبردة في الغيطان، والعلم في الجهلة والحِكَم في الأميين فسلهم متى هذا ومن القيّم بها وعلى يد مَن أسنّه ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون، فإني باعث لذلك نبيّاً أُحياً ليس أعمى من عميان ولا ضالا من ضالين وليس بفظ ولا غليظ ولا [بصخاب] في الأصوات [ولا متزين بالفحش]ولا قوال للخنى أُسدده لكل جميل أهب له كل خلق [كريم] أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقولة والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل والمعروف سيرته والحق شريعته والهدى امامه والاسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة، ثمّ أرفع به بعد [الخمالة] وأشهر به بعد النكرة وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد المعيلة وأجمع به بعد الفرقة وأولف به قلوباً مختلفة وأهواء متشتتة وأُمماً متفرقة وأجعل أمته خيرا أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إيماناً بي وتوحيداً لي وإخلاصاً بي يصلون لي قياماً وقعوداً وركعاً وسجوداً ويقاتلون في سلبي صفوفاً وزحوفاً ويخرجون من ديارهم وأموالهم إبتغاء رضواني، ألهمتهم التكبير والتوحيد والتسبيح والحمد والمدحة والتمجيد لي في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأسواق ويطهرون لي الوجوه والأطراف ويعقدون في الأنصاف، قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم رهابين في الليل ليوث في النهار، ذلك فضلي أُدتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ نبيهم شعياء اليهم من مقالته عَدَوْا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيت شجرة وانفلقت له فدخل فيها [وأدركه الشيطان الشجرة] فأخذ بهدبة من ثوبه فأرآهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتّى قطعوعها وقطعوه في وسطها، [فإستخلف الله] على بني إسرائيل بعد قتلهم شعياء رجلاً منهم يقال له ناشية بن أموص وبعث لهم الخضر نبياً واسم الخضر ارميا بن حلفيا وكان من سبط هارون بن عمران فأما سمي الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فقام [عنها وهي تهتز] خضراء، فقال الله لارميا حين بعثه نبياً إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك إخترتك، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، وذكر الحديث بطوله في خطبة أرميا لقومه وفتياه التي أفتى به، ودخول بُخت نصر وجنوده بيت المقدس فوطىء الشام كما ذكرنا في سورة البقرة. فلما رأى ارميا ذلك طار حتّى خالط الوحش ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس فوطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرب بيت المقدس، ثمّ أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم قربته تراب ثمّ يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتّى ملؤه، ثم إنصرف راجعاً إلى أرض بابل وإحتمل معه سبايا بني إسرائيل وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم فجمعوا عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم بسبعين ألف صبي. فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمهم فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك لك غنائمنا كلها [وأقسم بيننا] فلولا الصبيان الذين إخترتهم من بني إسرائيل، ففعل فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وكان من أولئك الغلمان دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وماشايل وسبعة آلاف من أهل بيت داود وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه ابن يامين، وثمانية ألف من سبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر الفاً من سبط زبالون بن يعقوب [ونفتال] بن يعقوب وأربعة الف من سبط [يهوذا] بن يعقوب [وأربعة] ألف من سبط [روبيل ولاوي] إبني يعقوب ومن بقي من بني إسرائيل وجعلهم بخت نصر ثلاث فرق: فثلثا أقر بالشام وثلثاً سُبي وثلثا قتل. وذهب بأبيه بيت المقدس حتّى أقدمها بابل وذهبت بالصبيان التسعين الألف حتّى أقدمهم بابل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بأحداثهم وظلمهم وذلك قول الله {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} يعني بخت نصر وأصحابه. ما يروى عن حجاج عن ابن جريج عن يعلي بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ حتّى إذا بلغ {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} بكى وفاضت عيناه ثمّ أطبق المصحف وقال: أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه فأُري في المنام مسكيناً ببابل يقال له: بخت نصر فانطلق بمال [وبأعبد له] وكان رجلاً موسراً [وقيل له أين] تريد؟ قال: أريد النجارة حتّى نزل داراً ببابل [فأستكبر] إلهاً ليس فيها أحد غيره فجعل يدعو المساكين ويتلطف بهم حتى لا يأتيه أحد فقال: هل بقيَّ غيركم مسكين؟ قالوا: نعم مسكين [يفتح الفلان مريض] يقال له: بخت نصر، فقال لغلمانه: انطلقوا حتى أتاه، فقال: ما أسمك؟ قال: بخت نصر، فقال لغلمانه إحتملوه فنقل عليه فمرّضه حتّى برأ فكساه وأعطاه نفقة ثمّ أذن الاسرائيلي بالرحيل فبكى بخت نصر، فقال الاسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي إنك فعلت بي مافعلت ولا أجد شيئاً أجزيك، قال: بلى شيئاً يسراً إن ملكت أطعتني فجعل لا يتبعه فيما سأل فقال: تستهزيء بي ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلاّ أنه يرى أنه يستهزيء به قبلي الاسرائيلي، فقال: لقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك إلاّ أن الله يريد أن ينفذ ما قد قضى وكتب في كتابه وضرب الدهر من ضربه. قال صيحورا ملك فارس ببابل: لو إنا بعثنا طليعة إلى الشام قالوا: وما ضرك لو فعلت؟ قال فمن ترون قال: فلان فبعث رجلاً وأعطاه مائة ألف وخرج بخت نصر في مطبخه لا يخرج إلاّ ليأكل في مطبخه. فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرساً ورجالاً [جاء وقد كسر] ذلك في ذرعه فلم يسأل قال: فجعل بخت نصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل فإذا غزوتموها مادون بيت مالها شيء. قالو: لا نحسن القتال، قال: ولو أنكم غزوتهم قالوا: لا نحسن القتال ولا نقاتل حتّى أنفذ مجالس أهل الشام، ثمّ رجعوا فأخبر الطليعة ملكهم بما رأى وجعل بخت نصر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان، فرفع ذلك إليه فدعاه فأخبره الخبر وقال: إن فلاناً لما رأى أكثر أرض الله فرساً ورجالا جلداً كبر ذلك في روعه ولم يسألهم عن شيء، قال: لم أدع مجلساً شيئاً بالشام [الاجال واصله] فقلت لهم: كذا وكذا، فقالوا لي: كذا وكذا. قال سعيد بن جبير: وقال صاحب الطليعة لبخت نصر: إن صحبتني أعطي لك مائة الف وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتني بيت مال بابل لما نزعت فضرب الدهر من ضربة، فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغاً وإلا انثنوا ما قدورا عليه، قال: وما ضرّك لو فعلت، قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. قال: هل الرجل الذي [أخبرني بما أخبرني] فدعا بخت نصر فأرسله وانتخب معه أربعمائة ألف من فرسانهم فانطلقوا {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} [فسبوا] ما شاء الله ولم [يخربّوا] ولم يقتلوا، ومات [صيحون فقالوا]: استخلفوا رجلاً، قالوا: على رسلكم حتّى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم لن ينقضوا عليكم شيئاً، أمهلوا فأمهلوا حتّى جاء بخت نصر [بالسبي] وما معه فقسمه في الناس، فقالوا: ما رأينا أحداً أحق بالملك من هذا فملكوه. وقال السدي بإسناده: إن رجلاً من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس هلاك بني إسرائيل [خلي إليَّ] غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بخت نصر وكانوا يصدقون فيصدق، فأقبل يسأل عنه حتّى [نزل على أبيه] وهو يحتطب فلما جاءوا على رأسه حزمة من حطب ألقاها ثمّ قعد في جانب من البيت فكلمه ثمّ أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر بهذا طعاماً وشراباً وإشتري بدرهم لحماً وبدرهم خبزاً وبدرهم خمراً، فأكلوا وشربوا حتّى كان اليوم الثاني فعل به مثل ذلك، حتّى إذا كان اليوم الثالث فعل به ذلك، ثمّ قال: إني أحب أن [تكتب لي أمانا] إن كانت ملكت يوماً من الدهر، فقال: أتسخر مني؟ قال: إني لا أسخر بك [ولكن ما عليك لن تتخذ] بها عندي مريدا فكلمته أية، فقالت: يا ملك إن كان مالاً لم ينقصك شيئاً فيكتب به أماناً، فقال: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي أية تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها فكساه وأعطاه. ثمّ إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا (عليهما السلام) ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمراً دونه [فإنه هوى] أن يتزوج ابنت إمرأة له، فسأل عن ذلك يحيى فنهاه عن نكاحها، قال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على [يحيى] حين نهاه أن يتزوج ابنتها [فذهبت إلى جارية] حين حس الملك على شرابه، فألبستها ثياباً رقاقاً خضراء وطيبتها والبستها من الحلي والبستها فوق ذلك كساء أسود فأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرض له فإن راودها عن نفسها أتت عليه حتّى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتي برأس يحيى بن زكريا (عليهما السلام) في طشت، ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ منه الشراب راودها عن نفسها، فقالت: لا [أقبل] حتّى تعطيني ما أسألك، قال: ما تسألين؟ قالت: أسألك أن تبعث إليَّ يحيى بن زكريا فتأتي برأسه في هذا الطشت، فقال الملك: سليني غير هذا. قالت: ما أُريد إلاّ هذا، فلما أبت عليه بعث إليه فأتى برأسه [والرأس يتكلم] في الطشت حين وضع بين يديه وهي تقول [لا يحل لك]، فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقى عليه فرمى الدم فوقه فلم يزل يلقي عليه من التراب حتّى بلغ سور المدينة وهو يغلي وبلغ صيحابين فثار في الناس وأراد أن يبعث إليهم جيشاً أو يؤمر عليهم رجلاً. فأتاه بخت نصر فكلمه وقال: إن الذي كنت أرسلته تلك المرة ضعيف وأني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها [فأبعثني] فبعثه فسار بخت نصر حتّى إذا بلغوا ذلك المكان [تحصنوا] منه في مدائنهم فلم يطقهم فلما اشتّد عليهم المقام وجاع أصحابه أرادوا الرجوع، فخرجت إليه عجوزاً من عجائز بني إسرائيل فقالت: أين أمير الجند؟ فأتى بها إليه فقالت له: إنه قد بلغني أنك تريد [.....] ثمّ ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة، قال: نعم، قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك [فتقتل] من أمرتك بقتله وتكف إن أمرتك أن تكف؟ قال لها: نعم، قالت: إذا أصبحت فأقسم جندك أربعة أرباع ثمّ أقم على كل زاوية ربعاً ثمّ إرفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تساقط، ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له: كف يدك وأقبل على هذا الدم حتّى يسكن وإنطلقت به إلى دم يحيى وهو على [تراب كثيرة] فقتل عليه حتّى سكن فقتل سبعين ألفاً فلما سكن الدم، قالت له: كف يدك فإن الله تعالى إذا قتل نبي لم يرض حتّى يقتل من قتله ومن رضى قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفة فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس وأمر أن يطرح الجيفة فيه، وقال: من طرح جيفة فيه فله جزيته تلك السنة وأعانه الله على خرابة الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى. فلما خربه بخت نصر ذهبت معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم وذهب بدانيال وعليا وعزاريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت، فلما قدم أرض بابل وجد صحابين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه حسدهم المجوس على ذلك فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك وإنما يعبدون غيره ولا يأكلون ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا: أجل إن لنا رباً نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم فأمر بحد فخدّ لهم فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم سبعاً ضارياً ليأكلهم، ففعلوا ذلك فانطلقوا ليأكلوا ويشربوا فذهبوا فأكلوا وشربوا ثمّ راحوا فوجدوهم جلوساً والسبع معترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحداً ولم ينكأه شيئاً ووجدوا معهم رجلاً فعدوهم فوجدوهم سبعة فقالوا: ما بال هذا السابع وإنما كانوا ستة فخرج إليهم السابع وكان ملكاً من الملائكة فلطمهُ لطمة فصار في الوحش ومسخه الله سبع سنين فيه. ثمّ إن بخت نصر رأى رؤيا عبّرها له دانيال (عليه السلام)، وهو ماروى إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل أنه سمع راهباً يقول: إن بخت نصر رأى في آخر زمانه صنماً رأسه من ذهب وصدره من فضة وبطنه من نحاس وفخذاه من حديد وساقاه من فخار، ثمّ رأى حمراً من السماء وقع عليه قذفه ثمّ أتاه الحجر حتّى ربا فملىء ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها في الارض وفروعها في السماء ثمّ رأى رجلاً بيده فأس، وسمع منادياً ينادي: اضرب بجذعها لتفرق الطير من فروعها وتفرق الدواب والسباع من تحتها، وأنزل [......] عبرها له دانيال (عليه السلام). قال: أما الصنم الذي رأيت فأتيت الرأس الذهب فأنت أفضل الملوك، وأما الصدر الذي [رأيت] من فضة فإبنك يملك من [بعدك]، وأما البطن الذي رأيت من نحاس فذلك يكون من بعد (إبنك) وأما رأيت من الفخذ من حديد فهو ملك أهل فارس يكون ملكهم شديداً مثل الحديد، وأما الرجل من فخار فتفرق أهل فارس فرقتين ولا يكون فيهم حينئذ قوام كما لم يلين قوام الصنم على رجلين من فخار، وأما الحجر الذي ربا حتّى ملأ مابين المشرق والمغرب فنبي يبعثه الله في آخر الزمان فيفرق ملكهم كله فيربوا ملكه حتّى يكون ما بين المشرق والمغرب. وأما الشجر الذي رأيت والطير الذي عليها والسباع والدواب التي تحتها وما أمر [بقطعها فيذهب] ملكك فيردك الله طائراً يكون شراً ملك الطير ثمّ يردك ثوراً ملك الدواب ثمّ يردك الله أسداً ملك السباع والوحش سبع سنين كان مسخه كله سبع سنين. في ذلك كله قلبك قلب إنسان حتّى تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وهو يقدر على الأرض ومن عليها، وما رأيت أصلها [قائماً] فإن ملكك قائم، فمسخ بخت نصر نسراً من الطير وثوراً من الدواب واسداً من السباع ثمّ ردّ الله إليه ملكه فأمن ودعا الناس إلى الله. [وسئيل وهب بن منبه] أكان مؤمناً؟ قال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: مات مؤمناً، ومنهم قال: أحرق بيت الله وكتبه وقيد الأنبياء، وغضب الله عليه غضباً، فلم يقبل منه حينئذ توبته. وقال بخت نصر لما رجع إلى صورته ثانية بعد المسخ [فرّد الله] إليه ملكه: كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدتهم المجوس وقالوا لبخت نصر: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فيهم عاراً فجعل لهم بخت نصر طعاماً فأكلوا وشربوا وقال للبواب: أنظر أول من يخرج عليك ليبول فاضربه بالطبرزين وإن قال: أنا بخت نصر، فقل: كذبت بخت نصر أمرني به فحبس الله عن دانيال البول وكان أول من قام من القوم يريد البول بخت نصر وكان مدلاً وكان ليلاً، فقام يسحب ثيابه فلما رآه البوّاب شد عليه فقال: أنا بخت نصر قال: كذبت بخت نصر أمرني أن أقتل أول من يخرج فضربه فقتله. وأما محمّد بن إسحاق بن يسار فإنه قال: في هلاك بخت نصر غير ما قال السدي، وذلك أنه قال بإسناده: لما أراد الله [.......] ليبعث فقال لمن كان في [......] وكان يعذبه من بني إسرائيل: أن أتتم هذا البيت الذي خربته وهؤلاء الناس الذين قلت من هم وما هذا البيت، فقالوا: هذا بيت الله ومسجد من مساجده وهؤلاء أهله، كانوا من [ذراري الأنبياء] وظلموا [وتعذروا] وعصوا عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السماوات والأرض ورب الخلق كلهم يكرههم ويمنعهم [ويحرمهم]، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم. قال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع عليها فأقبل من فيها واتخذها ملكاً فإني قد [فرغت] من الأرض ومن فيها، قالوا: ما يقدر عليه أحد من الخلائق، قال: لتفعلن [أو لأقتلنكم عن آخركم] فبكوا إلى الله وتضرعوا إليه، فبعث الله عليه بقدرته بعوضة ليرى ضعفه وهوانه فدخلت في منخره ثمّ سلفت في منخره حتّى عضت بأم الدماغ، فما كان [يقر ولا يسكن] حتّى توجأ له رأسه على أم دماغه فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله: إذا مت فشقوا رأسي وانظروا ما هذا الذي قتلني، فلما مات شق رأسه فوجد البعوضة عاضة بأم دماغه، ليرى الله العباد قدرته وسلطانه ويحيى الله من كان بقي في يديه من بني إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى إيليا والشام فبنوا فيها وأربوا وكثروا حتّى كانوا على أحسن ما كانوا عليه. ويزعمون أن الله تعالى اختار توليت الموتى الذين قتلوا ولحقوا بهم، ثمّ إنهم لما رجعوا إلى الشام وقد أحرق التوراة [وليس معهم عهد] من الله جدد الله توراته وردها عليهم على لسان عزير (عليه السلام) وقد مضت القصة، فهذا الذي ذكرت جميع أمر بخت نصر على ما جاء في التفسير المعتمد في أخبار الأنبياء، إلاّ أن رواية من روى أن بخت نصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند [قتلهم] يحيى بن زكريا غلط [أهل السير] والأخبار والعلم بأُمور الماضين من أهل الكتاب والمسلمين، ذلك أنهم مجمعون على أن بخت نصر غزا بني اسرائيل عند قتلهم نبيهم شعياء وفي عهد أورميا بن حلفيا (عليه السلام) وهي الوقعة الأولى التي قال الله {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} يعني بخت نصر وجنوده، قالوا ومن عهد أروميا وتخريب بخت نصر بيت المقدس إلى عهد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بخت نصر بيت المقدس إلى حين [عمارته في عهد كوسك] سبعين سنة، ثمّ من بعد عمرانه إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس وحيازة ملكها إلى مملكة الإسكندر ثمانية وثمانين سنة، ثمّ من بعد مملكة الاسكندر إلى موت يحيى بن زكريا (عليه السلام) بثلثمائة وثلاث وستون، ويروى بثلاثمائة سنة وثلاث سنين. وإنما الصحيح من ذلك ماذكر محمّد بن إسحاق بن يسار قال: كثر عن بني إسرائيل بعدما عمرت الشام وعادوا إليها بعد اخراب بخت نصر إياها وسبيهم منها، فجعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث بعد مهلك عزير (عليه السلام) ويتوب الله عليهم وبعث الله فيهم الأنبياء وفريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون حتّى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى وكانوا من بيت آل داود، فمات زكريا وقتل يحيى بسبب رغبة الملك عن نكاح ابنته، في قول عبد الله ابن الزبير وابنت أخته في قول السدي وابنت أخيه في قول ابن عبّاس. وهو الأصح إن شاء الله، لِما روى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير قال: بعث عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا في إثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، وكان مما نهوهم نكاح بنت الأخ، قال: وكانت لملكهم ابنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها في كل يوم حاجة يقضيها، وذكر الحديث بطوله في مقتل يحيى. رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، فلما رفع الله موسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكريا، وبعض الناس يقول: قتلوا زكريا انبعث عليهم ملك من ملوك بابل يقال له: خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتّى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى [نبور زاذان] صاحب القتل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتّى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلاّ أني لا أجد أحداً أقتله، فأمره ان يقتلهم حتّى يبلغ ذلك منهم نبور زاذان، فدخل بيت المقدس وكان في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم [فوجد فيها دماً يغلي]فسألهم عنه، قالوا: هذا دم قربان قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتقبل منا إلاّ هذا القربان، قال: ما صدقتموني الخبر قالوا له: لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يتقبل منا فذبح منهم [نبور زاذان] على ذلك الدم سبعمائة وسبعون رأساً من رؤسائهم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم فذبحهمعلى الدم فلم يبرد ولم يهدأ فلما رأى نبور زاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم يابني إسرائيل أصدقوني واصبروا على أمر ربكم [فقد طال] ما ملكتم في الأرض، تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك نافخ نار لا أنثى ولا ذكر إلا قتلته فلما [رأوا الجهد] وشدة القتل صدقوهُ القول فقالوا له: إن هذا دم نبي منا كان ينهاها عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بالملك فلم نصدقه فقتلناه فقال لهم نبور زاذان: ماكان اسمه؟ قال: يحيى بن زكريا، قال: وهل صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى نبور زاذان أنهم قد صدقوه خرَّ ساجداً وقال لمن حوله: اغلقوا أبواب المدينة واجمعوا من كان هاهنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل. قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم من أجلك فاهدأ بأذن الله قبل أن لا يبقي من قومك أحد، فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله، ورفع نبور زاذان عنهم القتل [وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح ولو كان له شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح، فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي له ملك السموات السبع والأرض وما فيهن وما بينهن، وهو على كل شيء قدير فله الحكم والعلم والعزة والجبروت وهو الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لئلا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه] فأوحى الله تعالى إلى رؤس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبور زاذان حبور صدوق. وأن نبور زاذان قال لبني إسرائيل: يابني إسرائيل إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتّى تسيل دماءكم وسط عسكره وإني لست أستطيع أن أعصيه قالوا له: إفعل ما أُمرت به فأمرهم فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتّى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتّى كانوا فوقهم، فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبور زاذان أن أرفع عنهم القتل فقد بلغني دماؤهم [وقد انتقمت منهم لما فعلوا] ثمّ إنصرف عنهم إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاده، وهو الوقعة الاخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل في قوله {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} الآيات. وكانت الوقعة الأولى: بخت نصر وجنوده ثمّ ردَّ الله لهم الكرة عليهم وكانت الوقعة الاخيرة خردوس وجنوده فلم [.......] همام بعد ذلك [.......]. فانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم واليونان، ثم إن بني إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك وكانت لهم ببيت المقدس [بزواجها] على غير وجه الملك وكانوا في أُهبة ومِنْعَة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث وانتهكوا المحارم وضربوا الحدود فسلط الله عليهم ططوس بن سيبانو الرومي، فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرئاسة وضرب عليهم الذلة، فليسوا في أمة من الأمم إلاّ وعليهم [الصغار] والملك في غيرهم وبقي بيت المقدس خراباً إلى أيام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عمّره المسلمين بأمره. وروى أبو عوانة عن أبي بشير قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ} الآيات، فقال: أما الذين {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} فكان مرحا بن الجزري فإذا جاء إلى قوله {تَتْبِيراً} فكان جالوت الجزري شعبة من [.......]. ثمّ قال: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ} إلى قوله {تَتْبِيراً} قال: هذا بخت نصر الذي خرب بيت المقدس. ثمّ قال لهم بعد ذلك {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} [على هذا ثمّ] {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} قال فعادوا فعيد عليهم فبعث الله عليهم ملك الروم ثمّ عادوا أيضا فعيد عليهم فبعث الله عليهم ملك [........] ثمّ عادوا أيضاً فعيد عليهم سابور ذو الاكتاف. قتادة في هذه الآية (وقضينا) قضى على القوم كما تسمعون فبعث عليهم في الأولى جالوت، فسبى وقتل وخرب {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ}، ثمّ رددنا لكم يعني يا بني إسرائيل الكرة عليهم والملك في زمان داود (عليه السلام) {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} آخر الكرتين بعث الله عليم بخت نصر أبغض خلق الله، فسبى وقتل وخرب بيت المقدس وسامهم سوم العذاب، ثمّ قال {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} فعاد الله إليهم برحمته ثمّ عاد [الله إليهم بشر] بما عذبهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من آفته وعقوبتة، ثمّ بعث الله عليهم هذا الحي من العرب كما قال: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الأعراف: 167] [.....]. {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ} أي أخبرناهم وعلمناهم في ما آتيناهم من الكتب. وقال ابن عبّاس وقتادة: يعني وقضينا عليكم، وعلى هذا التأويل يكون (إلى) بمعنى (على) وبمعنى بالكتاب اللوح المحفوظ، {لَتُفْسِدُنَّ} قيل: لام القاسم مجازة: والله لتفسدن في الأرض مرتين بالعاصي {وَلَتَعْلُنَّ} ولتستكبرن ولتظلمن الناس {عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} يعني أولي المرتين واختلفوا فيها فعلى قول قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة [وحكموا] ربهم ولم يحفظوا أمر نبيهم موسى (عليه السلام) وركبوا المحارم وتعدوا على الناس. وقال السدي: في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي جهل عن ابن عبّاس وعن أمية الهمذاني عن ابن مسعود: إن أول الفسادين قتل زكريا. وقال ابن إسحاق: إن إفسادهم في المرة الأولى قتلهم شعياء بن أمصيا في عهد أرمياء في الشجرة. وقال ابن إسحاق: إن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا مات موتاً ولم يقتل وأن المقتول هو شعياء (عليه السلام). {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ} يعني [جالوت الجزري] وجنوده وهو الذي قتله داود. قال قتادة: وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو المعلى ويعلى عن سعيد بن جبير: هم صحاريب من أهل نينوى، وهي الموصل. أبو بشير عنه: صرخان الخزري، وقال: ابن إسحاق: بخت نصر البابلي وأصحابه. {أُوْلِي بَأْسٍ} يعني بطش، وفي الحرب {شَدِيدٍ فَجَاسُواْ} أي خافوا وداروا. قال ابن عبّاس: مشوا، الفراء: قتلوكم بين بيوتكم. وأنشد لحسان: شعر : ومنا الذي لاقي بسيف محمّد فجاس به الأعداء عرض العساكر تفسير : أبو عبيدة: طلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. القتيبي: [عاشوا وقتلوا] وأفسدوا. ابن جرير: طافوا من الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين فجمع التأويلات. وقرأ ابن عبّاس: فجاسوا بالهاء ومعناها واحد. {خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} قضاء كائناً لا خلف فيه {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ} الرجعة والدولة {عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} عدداً. قال القتيبي: والنفير من نفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته، يقال: النفير والنافر، وأصله القدير والقادر. {إِنْ أَحْسَنْتُمْ} يابني إسرائيل {أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} لها ثواباً ونفعها {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي فعليها كقوله {أية : فَسَلاَمٌ لَّكَ} تفسير : [الواقعة: 91] أي عليك. وقال محمّد بن جرير: قالها كما قال {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5] أي إليها، وقيل: فلها الجزاء والعقاب. وقال الحسين بن الفضل: يعني فلها رب يغفر الإساءة. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي المرة الآخرة من إفسادكم وذلك على قصدهم قتل عيسى (عليه السلام) يحيى حين رُفع، وقتلهم يحيى بن زكريا (عليه السلام) فسلط الله عليهم الفُرس والروم [..............] قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن بلادهم وأخذوا بلادهم وأموالهم فذلك قوله {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} أي ليحزن، واختلف القراء فيه، فقرأ الكسائي: لنسؤ بالنون وفتح الهمزة على التعظيم اعتباراً، وقضينا وبعثنا ورددنا وأمددنا وجعلنا. وروى ذلك عن علي (رضي الله عنه): وتصديق هذه القراءة قرأ أُبي بن كعب: لنسؤنّ وجوهكم بالنون وحرف التأكيد. وقرأ أهل الكوفة: بالياء على التوحيد، ولها وجهان: أحدهما ليسؤ الله وجوهكم، والثاني ليسؤ [العدو] وجوهكم. وقرأ الباقون: ليسؤ وجوهكم بالياء وضم الهمزة على الجمع، بمعنى ليسؤ العباد أولي بأس شديد وجوهكم {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} يعني بيت المقدس ونواحيه {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ} وليهلكوا أو ليدمروا {مَا عَلَوْاْ} غلبوا عليه [تدميرا] {تَتْبِيراً * عَسَىٰ} لعلّ ربكم يابني إسرائيل {أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد انتقامهم منكم {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}. قال ابن عبّاس: وإن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة، فعادوا فبعث الله عليهم محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} معيناً سجناً ومحبساً من الحصر وهو الحبس، والعرب تسمى [النخيل] حصوراً والملك حصيراً [لأنه محجوب محبوس] عن الناس. قال لبيد: شعر : وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام تفسير : أي باب الملك ومنه: انحصر في الكلام إذا [احتبس عليه] وأعياه، والرجل الحصور عن النساء وحصر الغائط. قال الحسن {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي فراشاً ومهاداً، ذهب إلى الحصير الذي يفرش، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً، وهو وجه حسن وتأويل صحيح. قال لبيد: شعر : وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام تفسير : أي باب الملك ومنه: انحصر في الكلام إذا [احتبس عليه] وأعياه، والرجل الحصور عن النساء وحصر الغائط. قال الحسن {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي فراشاً ومهاداً، ذهب إلى الحصير الذي يفرش، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً، وهو وجه حسن وتأويل صحيح.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ ..} [الإسراء: 4]. أي: حكمنا حُكْماً لا رجعةَ فيه، وأعلنَّا به المحكوم عليه، والقاضي الذي حكم هنا هو الحق سبحانه وتعالى. والقضاء يعني الفَصْل في نزاع بين متخاصمين، وهذا الفَصْل لا بُدَّ له من قاضٍ مُؤهَّل، وعلى علم بالقانون الذي يحكم به، ويستطيع الترجيح بين الأدلة. إذن: لا بُدَّ أن يكون القاضي مُؤهّلاً، ولو في عُرْف المتنازعين، ويمكن أن يكونوا جميعاً أميِّين لا يعرفون عن القانون شيئاً، لكنهم واثقون من شخص ما، ويعرفون عنه قَوْل الحق والعدل في حكومته، فيرتضونه قاضياً ويُحكّمونه فيما بينهم. ثم إن القاضي لا يحكم بعلمه فحسب، بل لا بُدَّ له من بينة على المدعي أن يُقدّمها أو اليمين على مَنْ أنكر، والبينة تحتاج إلى سماع الشهود، ثم هو بعد أن يحكم في القضية لا يملك تنفيذ حكمه، بل هناك جهة أخرى تقوم بتنفيذ حكمه، ثم هو في أثناء ذلك عُرْضة للخداع والتدليس وشهادة الزور وتلاعب الخصوم بالأقوال والأدلة. وقد يستطيع الظالم أنْ يُعمِّي عليه الأمر، وقد يكون لبقاً متكلماً يستميل القاضي، فيحوّل الحكم لصالحه، كل هذا يحدث في قضاء الدنيا. فما بالك إذا كان القاضي هو رب العزة سبحانه وتعالى؟ إنه سبحانه وتعالى القاضي العدل الذي لا يحتاج إلى بيّنة ولا شهود، ولا يقدر أحد أنْ يُعمِّي عليه أو يخدعه، وهو سبحانه صاحب كل السلطات، فلا يحتاج إلى قوة أخرى تنفذ ما حكم به، فكل حيثيات الأمور موكولة إليه سبحانه. وقد حدث هذا فعلاً في قضاء قضاه النبي صلى الله عليه وسلم، وهل القضاة أفضل من رسول الله؟! ففي الحديث الشريف: "حديث : إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل أحدكم أن يكون ألحنَ بحجته فأقضي له، فمَنْ قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار ". تفسير : فردَّ صلى الله عليه وسلم الحكم إلى ذات المحكوم له، ونصحه أنْ يراجعَ نفسه وينظر فيما يستحق، فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر يقضي كما يقضي البشر، ولكن إنْ عمَّيْتَ على قضاء الأرض فلن تُعمِّي على قضاء السماء. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم فيمَنْ يستفتي شخصاً فيفتيه فتوى تخالف الحق وتجانب الصواب: "حديث : استفتِ قلبك، وإنْ أفتوْكَ، وإنْ أفتوْكَ، وإنْ أفتوْكَ ". تفسير : قالها ثلاثاً ليلفتنا إلى ضرورة أن يكون الإنسان واعياً مُميّزاً بقلبه بين الحلال والحرام، وعليه أن يُراجع نفسه ويتدبر أمره. وقوله: {فِي ٱلْكِتَابِ ..} [الإسراء: 4]. أي: في التوراة، كتابهم الذي نزل على نبيهم، وهم محتفظون به وليس في كتاب آخر، فالحق سبحانه قضى عليهم. أي: حكم عليهم حُكْماً وأعلمهم به، حيث أوحاه إلى موسى، فبلّغهم به في التوراة، وأخبرهم بما سيكون منهم من ملابسات استقبال منهج الله على ألسنة الرسل، أَيُنفذونه وينصاعون له، أم يخرجون عنه ويفسدون في الأرض؟ وإذا كان رسولهم - عليه السلام - قد أخبرهم بما سيحدث منهم، وقد حدث منهم فعلاً ما أخبرهم به الرسول وهم مختارون، فكان عليهم أنْ يخجلوا من ربهم عز وجل، ولا يتمادوا في تصادمهم بمنهج الله وخروجهم عن تعاليمه، وكان عليهم أن يصدقوا رسولهم فيما أخبرهم به، وأنْ يُطيعوا أمره. وقوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ..} [الإسراء: 4]. جاءتْ هذه العبارة هكذا مُؤكّدة باللام، وهذا يعني أن في الآية قَسَماً دَلَّ عليه جوابه، فكأن الحق سبحانه يقول: ونفسي لتفسدن في الأرض، لأن القسَم لا يكون إلا بالله. أو نقول: إن المعنى: ما دُمْنا قد قضينا وحكمنا حُكْماً مُؤكّداً، لا يستطيع أحد الفِكَاك منه، ففي هذا معنى القسَم، وتكون هذه العبارة جواباً لـ "قضينا"؛ لأن القسَم يجيء للتأكيد، والتأكيد حاصل في قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ ..} [الإسراء: 4]. فما هو الإفساد؟ الإفساد: أن تعمد إلى الصالح في ذاته فتُخرجه عن صلاحه، فكُلُّ شيء في الكون خلقه الله تعالى لغاية، فإذا تركتَه ليؤديَ غايته فقد أبقيته على صلاحه، وإذا أخللْتَ به يفقد صلاحه ومهمته، والغاية التي خلقه الله من أجلها. والحق سبحانه وتعالى قبل أنْ يخلقنا على هذه الأرض خلق لنا مُقوّمات حياتنا في السماء والأرض والشمس والهواء .. الخ وليس مقومات حياتنا فحسب، بل وأعدَّ لنا في كَوْنه ما يُمكِّن الإنسان بعقله وطاقته أن يَزيدَ الصالح صلاحاً، فعلى الأقل إنْ لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحاً فأبْقِ الصالح على صلاحه. فمثلاً، عندك بئر محفورة تخرج لك الماء، فإما أنْ تحتفِظَ بها على حالها فلا تطمسها، وإما أنْ تزيدَ في صلاحها بأنْ تبنيَ حولها ما يحميها من زحف الرمال، أو تجعل فيها آلة رفع للماء تضخُّه في مواسير لتسهِّل على الناس استعماله، وغير ذلك من أَوْجُه الصلاح. ولذلك الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61]. أي: أنشأكم من الأرض، وجعل لكم فيها مُقوّمات حياتكم، فإنْ أحببتَ أنْ تُثري حياتك فأعمِلْ عقلك المخلوق لله ليفكر، والطاقة المخلوقة في أجهزتك لتعمل في المادة المخلوقة لله في الكون، فأنت لا تأتي بشيء من عندك، فقط تُعمِل عقلك وتستغل الطاقة المخلوقة لله، وتتفاعل مع الأرض المخلوقة لله، فتعطيك كل ما تتطلع إليه وكل ما يُثرِي حياتك، ويُوفِّر لك الرفاهية والترقي. فالذين اخترعوا لنا صهاريج المياه أعملُوا عقولهم، وزادوا الصالح صلاحاً، وكم فيها من مَيْزات وفَّرت علينا عناء رفع المياه إلى الأدوار العليا، وقد استنبط هؤلاء فكرة الصهاريج من ظواهر الكون، حينما رأوا السيل ينحدر من أعلى الجبال إلى أسفل الوديان، فأخذوا هذه الفكرة، وأفلحوا في عمل يخدم البشرية. وكما يكون الإفساد في الماديات كمَنْ أفسدوا علينا الماء والهواء بالملوِّثات، كذلك يكون في المعنويات، فالمنهج الإلهي الذي أنزله الله تعالى لهداية الخلق وألزمنا بتنفيذه، فكوْنُك لا تنفذ هذا المنهج، أو تكتمه، أو تُحرِّف فيه، فهذا كله إفساد لمنهج الله تعالى. ويقول تعالى لبني إسرائيل: {لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ..} [الإسراء: 4]. وهل أفسد بنو إسرائيل في الأرض مرتين فقط؟ والله إنْ كانوا كذلك فقد خلاهم ذم، والأمر إذن هَيِّن، لكنهم أفسدوا في الأرض إفساداً كثيراً متعدداً، فلماذا قال تعالى: مرتين؟ تحدّث العلماء كثيراً عن هاتين المرتين، وفي أيّ فترات التاريخ حدثتا، وذهبوا إلى أنهما قبل الإسلام، والمتأمل لسورة الإسراء يجدها قد ربطتهم بالإسلام، فيبدو أن المراد بالمرتين أحداثٌ حدثتْ منهم في حضْن الإسلام. فالحق سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الإسراء ذكر قصة بني إسرائيل، فدلّ ذلك على أن الإسلام تعدّى إلى مناطق مُقدّساتهم، فأصبح بيت المقدس قِبْلة للمسلمين، ثم أُسْرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وبذلك دخل في حَوْزة الإسلام؛ لأنه جاء مهيمناً على الأديان السابقة، وجاء للناس كافة. إذن: كان من الأوْلى أن يُفسِّروا هاتين المرتين على أنهما في حضن الإسلام؛ لأنهم أفسدوا كثيراً قبل الإسلام، ولا دَخْلَ للإسلام في إفسادهم السابق؛ لأن الحق سبحانه يقول: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 4]. فإنْ كان الفساد مُطْلقاً. أي: قبل أن يأتي الإسلام فقد تعدَّد فسادهم، وهل هناك أكثر من قولهم بعد أن جاوز بهم البحر فرأوا جماعة يعكفون على عبادة العجل، فقالوا لموسى - عليه السلام: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]. هل هناك فساد أكثر من أنْ قتلوا الأنبياء الذين جعلهم الله مُثُلاً تكوينية وأُسْوة سلوكية، وحرّفوا كتاب الله؟ والناظر في تحريف بني إسرائيل للتوراة يجد أنهم حرَّفوها من وجوه كثيرة وتحريفات متعددة، فمن التوراة ما نسوه، كما قال تعالى: {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 13]. والذي لم ينسَوْهُ لم يتركوه على حاله، بل كتموا بعضه، والذي لم يكتموه لم يتركوه على حاله، بل حرَّفوه، كما قال تعالى: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ..} تفسير : [المائدة: 13]. ولم يقف الأمر بهم عند هذا النسيان والكتمان والتحريف، بل تعدَّى إلى أن أَتَوا بكلام من عند أنفسهم، وقالوا هو من عند الله، قال تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ..} تفسير : [البقرة: 79]. فهل هناك إفساد في منهج الله أعظم من هذا الإفساد؟ ومن العلماء مَنْ يرى أن الفساد الأول ما حدث في قصة طالوت وجالوت في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ..} تفسير : [البقرة: 246]. فقد طلبوا القتال بأنفسهم وارتضَوْه وحكموا به، ومع ذلك حينما جاء القتال تنصَّلوا منه ولم يقاتلوا. ويرون أن الفساد الثاني قد حدث بعد أن قويَتْ دولتهم، واتسعتْ رقعتها من الشمال إلى الجنوب، فأغار عليهم بختنصَّر وهزمهم، وفعل بهم ما فعل. وهذه التفسيرات على أن الفساديْن سابقان للإسلام، والأَوْلى أن نقول: إنهما بعد الإسلام، وسوف نجد في هذا رَبْطاً لقصة بني إسرائيل بسورة الإسراء. كيف ذلك؟ قالوا: لأن الإسلام حينما جاء كن يستشهد بأهل الكتاب على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ونفس أهل الكتاب كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، فكان أهل الكتاب إذا جادلوا الكفار والمشركين في المدينة كانوا يقولون لهم: لقد أظلَّ زمان نبي يأتي فنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم. لذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنهم ينكرون عليك أن الله يشهد ومَنْ عنده علم الكتاب، فمَنْ عنده علم الكتاب منهم يعرف بمجيئك، وأنك صادق، ويعرف علامتك، بدليل أن الصادقين منهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويقول أحدهم: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، لأنه قد يشك في نسبة ولده إليه، ولكنه لا يشك في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم لِمَا قرأه في كتبهم، وما يعلمه من أوصافه، لأنه صلى الله عليه وسلم موصوف في كتبهم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم. إذن: كانوا يستفتحون برسول الله على الذين كفروا، وكانوا مستشرفين لمجيئه، وعندهم مُقدِّمات لبعثته صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89]. فلما كفروا به، ماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة؟ في المدينة أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم معاهدة يتعايشون بموجبها، ووفّى لهم رسول الله ما وفّوا، فلما غدروا هم، واعتدوا على حرمات المسلمين وأعراضهم، جاس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال ديارهم، وقتل منهم مَنْ قَتل، وأجلاهم عن المدينة إلى الشام وإلى خيبر؛ وكان هذا بأمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تفسير : [الحشر: 2]. وهذا هو الفساد الأول الذي حدث من يهود بني النضير، وبني قَيْنقاع، وبني قريظة، الذين خانوا العهد مع رسول الله، بعد أن كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ونصُّ الآية القادمة يُؤيِّد ما نذهب إليه من أن الإفسادتين كانتا بعد الإسلام.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الآية: 4] إِلى قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الآية: 5]. وهم جند جاؤوهم من فارس يتحسسون أَخبارهم، ويسمعون حديثهم ومعهم "بخت نصر". فوعى حديثهم من بين أَصحابه، ثم رجعت فارس ولم يكثر قتال ونصرت عليهم بنو إِسرائيل. فهذا وعد الأًولى {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} بعث ملك فارس ببابل جيشاً، وأَمّر عليهم "بختنصر" فدمروهم. فهذا وعد الآخرة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الآية: 8]. قال يحصرون فيها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} معناهُ أَخْبَرنَاهُمْ.
همام الصنعاني
تفسير : 1538- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}: [الآية: 4]، قال: أما المرَّة الأولى، فسلَّطَ الله عليهم جالوتَ، حين بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود ثم رُدَّت الكرة لبني إسرائيل، ثم جاء وعدُ الآخرة من المرتين {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ}: [الآية: 7]، قال: لِيُقَبّحُ,ا وجوهكم {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}: [الآية: 7]، قا ل: ليدمروا ما علو تدميراً. قال: هو بُخْتَ نَصَّر، قال: بعث عليهم في المرة الآخرة، ثم قال: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}: [الآية: 8]، فعادوا، فبعث الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فَهُمْ يعْطُون الجزية عن يد وهم صاغرونَ. 1542- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}: [الآية: 8]، قال: مَحْبَساً حُصِرا فيها. وقال الحسن: {حَصِيراً} فراشاً مِهَاداً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):