١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما عصوا سلط عليهم أقواماً قصدوهم بالقتل والنهب والسبي، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة وأعاد عليهم الدولة، فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصروا على المعصية فقد أساؤا إلى أنفسهم، وقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن مطلوب، وأن الإساءة إليها قبيحة، فلهذا المعنى قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }. المسألة الثانية: قال الواحدي: لا بد ههنا من إضمار، والتقدير: وقلنا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، والمعنى: إن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات، وإن أسأتم بفعل المحرمات أسأتم إلى أنفسكم من حيث إن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات. المسألة الثالثة: قال النحويون: إنما قال: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } للتقابل والمعنى: فإليها أو فعليها مع أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض، كقوله تعالى: { أية : يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 4، 5] أي إليها. المسألة الرابعة: قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله تعالى غالبة على غضبه بدليل أنه لما حكى عنهم الإحسان أعاده مرتين فقال: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ } ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرة واحدة فقال: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما كان كذلك. ثم قال تعالى: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: معناه وعد المرة الأخيرة، وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام. قال الواحدي: فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه فسبى بني إسرائيل وقتل وخرب بيت المقدس أقول: التواريخ تشهد بأن بختنصر كان قبل وقت عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام بسنين متطاولة، ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له: قسطنطين الملك - والله أعلم بأحوالهم - ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام. المسألة الثانية: جواب قوله: {فَإِذَا جَاء } محذوف تقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوؤا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله: { أية : بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا } تفسير : [الإسراء: 5] ثم قال: {ليسوؤا وُجُوهَكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: ساءه يسوءه أي أحزنه، وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه. وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن. المسألة الثانية: قرأ العامة: ليسوؤا على صيغة المغايبة، قال الواحدي: وهي موافقة للمعنى وللفظ. أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله: {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ } وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة: {ليسوء} على إسناد الفعل إلى الواحد، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة: إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله: { أية : ثم رددنا... وأمددناكم } تفسير : [الإسراء:6]، وكل ذلك ضمير عائد إلى الله تعالى، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله: {بَعَثْنَا } والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى: { أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } تفسير : [آل عمران: 180] وقال الزجاج: ليسوء الوعد وجوهكم، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله: {بعثنا عليكم} {أمددناكم}. ثم قال تعالى: {وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا } يقال: تبر الشيء تبراً إذا هلك وتبره أهلكه. قال الزجاج: كل شيء جعلته مكسراً ومفتتاً فقد تبرته، ومنه قيل: تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: { أية : إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأعراف: 139] وقوله: { أية : وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إلا تباراً } تفسير : [نوح: 28] وقوله: {مَا عَلَوْاْ } يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين، أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل، وقوله: {تَتْبِيرًا } ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله: { أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } تفسير : [النساء: 164] أي حقاً، والمعنى: وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه. ثم قال تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل. ثم قال: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } يعني: أن بعثنا عليكم من بعثنا، ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى. قال القفال: إنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبراً عن بني إسرائيل: { أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الأعراف: 167] ثم قال: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب. فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا } والحصير فعيل فيحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، أي وجعلنا جهنم حاصرة لهم، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول، أي جعلناها موضعاً محصوراً لهم، والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديداً قوياً إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه، والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص عنه، إما بالموت وإما بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون حاصراً للإنسان محيطاً به لا رجاء في الخلاص عنه، فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطاً بهم من جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبداً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} أي نفع إحسانكم عائد عليكم. {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي فعليها؛ نحو سلام لك، أي سلام عليك. قال:شعر : فخَـرّ صريعـاً لليديـن وللفـمِ تفسير : أي على اليدين وعلى الفم. وقال الطبري: اللام بمعنى إلى، يعني وإن أسأتم فإليها، أي فإليها ترجع الإساءة؛ كقوله تعالى: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5] أي إليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب. وقال الحسين بن الفضل: فلها رَبٌّ يغفر الإساءة. ثم يحتمل أن يكون هذا خطاباً لبني إسرائيل في أول الأمر؛ أي أسأتم فحلّ بكم القتل والسَّبْيُ والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعُلُوّ وٱنتظام الحال. ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله. أو يكون خطاباً لمشركي قريش على هذا الوجه. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} من إفسادكم؛ وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيـى بن زكريا عليهما السلام، قتله مَلِكٌ من بني إسرائيل يقال له لاخت؛ قاله القُتَبِيّ. وقال الطبري: اسمه هيردوس، ذكره في التاريخ؛ حمله على قتله ٱمرأة اسمها أزبيل. وقال السدّي: كان ملك بني إسرائيل يكرم يحيـى بن زكريا ويستشيره في الأمر، فٱستشاره الملك أن يتزوج بنت ٱمرأة له فنهاه عنها وقال: إنها لا تحل لك؛ فحقدت أمّها على يحيـى عليه السلام، ثم ألبست ابنتها ثياباً حمراء رقاقاً وطيّبتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه، وأمرتها أن تتعرض له، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله؛ فإذا أجاب سألتْ أن يؤتى برأس يحيـى بن زكريا في طَسْت من ذهب؛ ففعلت ذلك حتى أتي برأس يحيـى بن زكريا والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا تحلّ لك؛ لا تحلّ لك؛ فلما أصبح إذا دمه يَغْلي، فألقى عليه التراب فغَلَى فوقه، فلم يزل يلُقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يَغْلِي؛ ذكره الثعلبي وغيره. وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن عليّ قال: كان ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وٱبنته فورِث مُلْكَه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فٱستشار يحيـى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوجها فإنها بَغِيّ؛ فَعُرِّفت المرأةُ أنه قد ذكرها وصرفه عنها، فقالت: من أين هذا! حتى بلغها أنه من قِبَل يحيـى، فقالت: ليقتلن يحيـى أو ليخرجن من ملكه، فعمَدت إلى ابنتها وصنّعتها، ثم قالت: اذهبي إلى عمك عند الملأ فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره، ويقول سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فإذا قال لك ذلك فقولي: لا أسأل إلا رأس يحيـى. قال: وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ ثم لم يُمْض له نُزِع من ملكه؛ ففعلت ذلك. قال: فجعل يأتيه الموت من قتله يحيـى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه فقتله. قال: فساخت بأمّها الأرضُ. قال ابن جُدْعان: فحدّثت بهذا الحديث ابنَ المسيّب فقال أفما أخبرك كيف كان قتل زكريا؟ قلت لا؛ قال: إن زكريا حيث قُتل ابنه ٱنطلق هارباً منهم وٱتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق فدعته إليها فانطوت عليه وبقيت من ثوبه هُدْبة تكفّتها الرياح، فٱنطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها، ونظروا بتلك الهُدْبة فدعوا بالمِنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه معها. قلت: وقع في التاريخ الكبير للطبري فحدثني أبو السائب قال حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المِنْهال عن سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس قال: بعث عيسى ابنُ مريم يحيـى بنَ زكريا في اثني عشر من الحواريّين يعلّمون الناس، قال: كان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ، قال: وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه... وذكر الخبر بمعناه. وعن ابن عباس قال: بُعث يحيـى بنُ زكريا في اثني عشر من الحواريّين يعلمون الناس، وكان فيما يعلّمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت، وكان لملكهم بنت أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوجها، وكان لها كلَّ يوم حاجةٌ يقضيها، فلما بلغ ذلك أمَّها أنهم نهوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها: إذا دخلت على الملك فقال ألك حاجةٌ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيـى بن زكريا؛ فقال: سليني سوى هذا! فقالت: ما أسألك إلا هذا. فلما أبت عليه دعا بطَسْت ودعا به فذبحه، فندَرت قطرة من دمه على وجه الأرض فلم تزل تَغْلِي حتى بعث الله عليهم بختنصّر فألْقَى في نفسه أن يقتل على ذلك الدّم منهم حتى يسكن ذلك الدم، فقتل عليه منهم سبعين ألفاً، في رواية خمسة وسبعين ألفاً. قال سعيد بن المسيّب: هي دِيَةُ كل نبيّ. وعن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيـى بن زكريا سبعين ألفاً، وإني قاتل بٱبن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. وعن سمير بن عطية قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيـى بن زكريا. وعن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيـى عليه السلام حيث أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغيّر. وعن قُرّة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيـى بن زكريا والحسين بن عليّ؛ وحمرتها بكاؤها. وعن سفيان بن عُيَيْنة قال: أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيخرج إلى دار هَمٍّ، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانا لم ير مثلهم، ويوم يُبعث فيشهد مشهداً لم ير مثله؛ قال الله تعالى ليحيـى في هذه الثلاثة مواطن: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}. كله من التاريخ المذكور. واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة؛ فقيل: بختنصر. وقاله القشيري أبو نصر، لم يذكر غيره. قال السُّهَيْلِيّ: وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيـى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بن مريم عليهما السلام بزمان طويل، وقبل الإسكندر؛ وبين الإسكندر وعيسى نحوٌ من ثلثمائة سنة، ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا، فقد كان بختنصر إذ ذاك حيا، فهو الذي قتلهم وخرّب بيت المقدس وأتبعهم إلى مصر وأخرجهم منها. وقال الثعلبي: ومن روى أن بختنصّر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيـى بن زكريا فغلط عند أهل السِّير والأخبار؛ لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعْيَا وفي عهد إرْمِيَاء. قالوا: ومن عهد إرمياء وتخريب بختنصّر بيت المقدس إلى مولد يحيـى بن زكريا عليهما السلام أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدّون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك سبعين سنة، ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيـى ثلثمائة وثلاثاً وستين سنة. قلت: ذكر جميعه الطبري في التاريخ رحمه الله. قال الثعلبي: والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال: لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيـى ـ وبعض الناس يقول: لما قتلوا زكريا ـ بعث الله إليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، ثم قال لرئيس جنوده: كنت حلفت بإلٰهي لئن اظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، وأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل الرئيس بيت المقدس فوجد فيها دماء تَغْلِي، فسألهم فقالوا: دَمُ قربان قرّبناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين سنة. قال ما صَدَقتموني، فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤسائهم فلم يهدأ، (فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذُبحوا على الدم فلم يهدأ)، فأمر بسبعة آلاف من سَبْيِهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يَبْرُد، فقال: يا بني إسرائيل، أصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتله. فلما رأوا الجَهد قالوا: إن هذا دم نبيّ منا كان ينهانا عن أمور كثيرة مِن سَخَط الله فقتلناه، فهذا دمه، كان ٱسمه يحيـى بن زكريا، ما عصى الله قطّ طرفة عين ولا همّ بمعصية. فقال: الآن صدقتموني، وخر ساجداً ثم قال: لمثل هذا يُنتقم منكم، وأمر بغلق الأبواب وقال: أخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس، وخلا في بني إسرائيل وقال: يا نبيّ الله، يا يحيـى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، فٱهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي منهم أحداً. فهدأ دم يحيـى بن زكريا بإذن الله عز وجل، ورفع عنهم القتل وقال: رب، إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدّقت به؛ فأوحى الله تعالى إلى رأس من رؤوس الأنبياء: إن هذا الرئيس مؤمن صدوق. ثم قال: إن عدّو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أعصيه، فأمرهم فحفروا خَنْدَقاً وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد كاد أن يفني بني إسرائيل. قلت: قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من حديث حُذيفة، وقد كتبناه في (كتاب التذكرة) مقطعاً في أبوابٍ في أخبار المَهْدِيّ، نذكر منها هنا ما يبيّن معنى الآية ويفّسرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان، قال حذيفة: حديث : قلت يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عند الله عظيماً جسيم الخطر عظيم القدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو من أجَلّ البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة ودُرّ وياقوت وزمرد»: وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سَخّر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلت يا رسول الله، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصّر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسَبُوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفاً ومائة ألف عجَلَة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ مَن في أيديهم من بني إسرائيل؛ فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من بيت المقدس وردّه الله إليه كما كان أول مرة فقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسَّبْي والقتل، وهو قوله: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلطّ الله عليهم ملك الروم قَيْصر، وهو قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ حلي جميع بيت المقدس واحتمله على سبعين ألفاً ومائة ألف عَجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدّي فيردّه إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يُرْسَى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأوّلين والآخرين... تفسير : وذكر الحديث. قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي من المرتين؛ وجواب «إذا» محذوف، تقديره بعثناهم؛ دلّ عليه «بعثنا» الأوّل. {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} أي بالسَّبْي والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم؛ فـ «ـليسوءوا» متعلق بمحذوف؛ أي بعثنا عباداً ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم. قيل: المراد بالوجوه السادة؛ أي ليُذِلّوهم. وقرأ الكسائي «لنسوءَ» بنون وفتح الهمزة، فعلُ مخبر عن نفسه معظّم، اعتباراً بقوله «وقضينا، وبعثنا ورددنا». ونحوه عن عليّ. وتصديقها قراءة أبيٍّ «لنسوءنّ» بالنون وحرف التوكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وَثّاب وحمزة وابن عامر «ليسوءَ» بالياء على التوحيد وفتح الهمزة؛ ولها وجهان: أحدهما ـ ليسوء الله وجوهكم. والثاني ـ ليسوء الوعدُ وجوهكم. وقرأ الباقون «ليسوءوا» بالياء وضم الهمزة على الجمع؛ أي ليسوء العباد الذين هم أولو بأس شديد وجوهكم. {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ} أي ليدمّروا ويهلكوا. وقال قُطْرُب: يهدموا؛ قال الشاعر:شعر : فما الناس إلا عاملان فعامل يُتَبِّر ما يَبْنِي وآخر رافع تفسير : {مَا عَلَوْاْ} ا أي غلبوا عليه من بلادكم {تَتْبِيراً}.
البيضاوي
تفسير : {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ } لأن ثوابه لها. {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } فإن وباله عليها، وإنما ذكرها باللام ازدواجاً. {فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلآخِرَةِ } وعد عقوبة المرة الآخرة. {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } أي بعثناهم {لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ } أي يجعلوها بادية آثار المساءة فيها، فحذف لدلالة ذكره أولاً عليه. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «ليسوء» على التوحيد، والضمير فيه للوعد أو للبعث أو لله، ويعضده قراءة الكسائي بالنون. وقرىء «لنسوأن» بالنون والياء والنون المخففة والمثقلة، و «لنسوأن» بفتح اللام على الأوجه الأربعة على أنه جواب إذا واللام في قوله: {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ } متعلق بمحذوف هو بعثناهم. {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ } ليهلكوا. {مَا عَلَوْاْ } ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم. {تَتْبِيرًا } ذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرز، وقيل حردوس قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا: دم قربان لم يقبل منا فقال: ما صدقوني فقتل عليه ألوفاً منهم فلم يهدأ الدم، ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً، فقالوا: إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم، ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحداً منهم فهدأ.
المحلي و السيوطي
تفسير : وقلنا: {إِنْ أَحْسَنتُمْ } بالطاعة {أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ } لأنَّ ثوابه لها {وَإِنْ أَسَأْتُمْ } بالفساد {فَلَهَا } إساءتكم {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ } المرّة {ٱلأَخِرَةِ } بعثناهم {لِيَسئُواْ وُجُوهَكُمْ } يحزنوكم بالقتل والسبي حزناً يظهر في وجوهكم {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ } بيت المقدس فيخرّبوه {كَمَا دَخَلُوهُ } وخرّبوه {أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ } يهلكوا {مَا عَلَوْاْ } غلبوا عليه {تَتْبِيرًا } هلاكاً، وقد أفسدوا ثانياً بقتل يحيى، فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم ألوفاً وسبى ذرّيتهم وخرّب بيت المقدس.
ابن عبد السلام
تفسير : {لأِنفُسِكُمْ}: ثواب إحسانكم {وَإِنْ أَسَأْتُمْ} عاد العقاب عليكم، رغّب في الإحسان وحذر من الإساءة. {وَعْدُ الأَخِرَةِ}: بعث عليهم بختنصر، أو انطياخوس الرومي ملك نينوي {الْمَسْجِدَ}: بيت المقدس. يتبروا: يهلكوا ويدمروا، أو يهدموا ويخربوا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} الآية لما حكى تعالى عنهم بأنَّهم لما عصوا، سلَّط الله عليهم أقواماً قصدوهم بالقتل والنَّهب، فعند ذلك ظهر أنهم أطاعوا، فقال تعالى: إن أطاعوا، فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصرُّوا على المعصية، فقد أساءوا إلى أنفسهم، وقد تقرَّر في العقول أن الإحسان إلى النَّفْسِ حسنٌ مطلوبٌ، وأن الإساءة إليها قبيحةٌ، فلهذا المعنى قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. قوله تعالى: {فَلَهَا}: في اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى "على" أي: فعليها كقوله: [الطويل] شعر : 3380-................... فَخَرَّ صَرِيعاً لليَدَيْنِ وللْفَمِ تفسير : أي: على اليدين. وحروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعضٍ؛ كقوله: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5] أي: إليها. والثاني: أنها بمعنى "إلى". قال الطبريُّ: "أي: فإليها ترجعُ الإساءة". الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دون "على" للمقابلة في قوله: "لأنْفُسكُمْ" فأتى بها ازدواجاً. وهذه اللام يجوز أن تتعلق بفعل مقدرٍ كما تقدَّم في قول الطبريِّ، وإمَّا بمحذوف على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءةُ لا لغيرها. قال الواحدي: لا بُدَّ في الآية من إضمارٍ؛ والتقدير: وقلنا: "إنْ أحسَنْتُم، أحسنتم لأنفُسِكُمْ" والمعنى: إنْ أحْسَنْتُمْ بفعل الطاعات، فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن تفعلوا تلك الطاعة يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات وإن أسأتم بفعل المحرَّمات، أسأتم إلى أنفسكم من حيث إنَّ شُؤم تلك المعاصي يفتحُ الله عليكم أبواب العقوبة. قال أهل المعاني: "هذه الآيةُ تدلُّ على أن رحمة الله تعالى غالبةٌ على غضبه؛ بدليل أنَّه لما حكى عنهم الإحسان، أعاده مرتين؛ فقال: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} ولما حكى عنهم الإساءة، اقتصر على ذكرها مرة واحدة، فقال: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} ولولا أن جانب الرحمة غالبٌ، وإلاَّ لما كان ذلك". قوله: "فإذا جَاءَ وعدُ الآخِرةِ"، أي: المرَّة الآخرة، فحذفت "المرَّةُ" للدلالة عليها، وجواب الشرطِ محذوفٌ، تقديره: بَعَثْناهُم، ليَسُوءوا وُجُوهَكمْ، وإنما حسُن هذا الحذف لدلالة ما تقدَّم عليه من قوله: {أية : بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ} تفسير : [الإسراء: 5] والمرةُ الآخرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى - عليهما الصلاة والسلام - وقصدهم قتل عيسى حين رفع. قال الواحديُّ: "فبعث الله عليهم بختنصَّر البابليَّ المجوسيَّ، فسبى بني إسرائيل، وقتل، وخرَّب بيت المقدس، وسلَّط عليهم الفرس والرُّوم: خردوش وطيطوس؛ حتَّى قتلوهم، وسبَوْهُم، ونَفوهُمْ عن ديارهم". قال ابن الخطيب: "والتواريخُ تشهد أنَّ يختنصر كان قبل بعث عيسى وزكريَّا بسنين متطاولةٍ، ومعلوم أنَّ الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملكٌ من الرُّوم، يقال له: قُسطَنْطِينُ". قوله: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} متعلق بالجواب المقدر. يقال: سَاءَهُ يَسُوءهُ، أي: أحْزنَهُ وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه؛ لأنَّ آثار الأعراض النفسانيَّة الحاصلة في القلب إنَّما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النُّضرة والإشراق والإسفار في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسَّواد في الوجه، فلهذا عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى في القرآن كثيرٌ. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر "لِيَسُوءَ" بالياء المفتوحة وهمزة مفتوحة آخراً. والفاعل: إما الله تعالى، وإمَّا الوعد، وإمَّا البعثُ، وإمَّا النَّفيرُ، والكسائي بنون العظمة، أي: لِنَسُوء نحنُ، وهو موافقٌ لما قبله من قوله {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ} و "ردَدْنَا" و "أمْدَدْنَا" وما بعده من قوله: "عُدْنَا" و "جَعلْنَا" وقرأ الباقون "لِيَسوءُوا" مسنداً إلى ضمير الجمع العائد على العباد أو أولي البأسِ، أو على النَّفير؛ لأنه اسم جمعٍ، وهو موافقٌ لما بعده من قوله {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ} وفي عود الضمير على النفير نظر؛ لأن النفير المذكور من المخاطبين، فكيف يوصف ذلك النفير بأنه يسوءُ وجوههم؟ اللهم إلا أن يريد هذا القائلُ أنه عائدٌ على لفظه، دون معناه؛ من بابِ "عِندِي دِرْهمٌ ونِصْفهُ". وقرأ أبيٌّ "لِنَسُوءَنْ" بلام الأمر ونون التوكيد الخفيفة ونون العظمة، وهذا جواب لـ "إذا" ولكن على حذف الفاء، أي: فَلِنَسُوءَنْ، ودخلت لامُ الأمر على فعل المتكلِّم؛ كقوله تعالى {أية : وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} تفسير : [العنكبوت: 12]. وقرأ ابنُ أبي طالبٍ "لَيسُوءَنَّ" و "لَنَسُوءَنَّ" بالياء والنون التي للعظمة، ونون التوكيد الشديدة، واللام التي للقسم، وفي مصحف أبيِّ "لِيَسُوءُ" بضم الهمزة من غير واوٍ، وهذه القراءة تشبه أن تكون على لغةِ من يجتزىءُ عن الواو بالضمة؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3381- فَلوْ أنَّ الأطبَّا كَانُ حَوْلِي ................. تفسير : يريد: "كَانُوا حَوْلِي" وقول الآخر: [الكامل] شعر : 3382-...................... .... إذَا مَا النَّاسُ جَاعُ وأجْدَبُوا تفسير : يريد "جَاعُوا"، فكذا هذه القراءة، أي: لِيَسُوءوا، كما في القراءةِ الشهيرة، فحذف الواو. وقرىء "لِيُسِيءَ" بضمِّ الياء وكسر السين وياء بعدها، أي: ليُقَبِّحَ الله وجوهكم، أو ليقبِّح الوعد، أو البعث. وفي مصحف أنس "وَجْهَكُمْ" بالإفراد؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3383- كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا ...................... تفسير : وكقوله: [الرجز] شعر : 3384-....................... في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقَدْ شَجِينَا تفسير : وكقوله: شعر : 3385-........................ وأمَّا جِلدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : قوله: "وليَدْخُلوا" من جعل الأولى لام "كَيْ" كانت هذه أيضاً لام "كَيْ" معطوفة عليها، عطف علة على أخرى، ومن جعلها لام أمرٍ كأبيٍّ، أو لام قسم؛ كعلي بن أبي طالب، فاللام في "لِيدْخُلوا" تحتمل وجهين: الأمر والتعليل، و "كَمَا دَخلُوهُ" نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميره، كما يقول سيبويه، أي: دخولاً كما دخلوه، و "أوَّل مرَّةٍ" ظرف زمانٍ، وتقدَّم الكلام عليها في براءة. والمراد بالمسجد بيت المقدس ونواحيه. قوله: {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} التتبير الهلاك، يقال: تبر الشيء تبراً وتباراً وتبرية إذا هلك، وتبَّرهُ: أهلكه، وكلُّ شيء جعلته مكسَّراً مفتَّتا، فقد تبَّرتهُ، ومنه قيل: تبرالزجاج، وتبر الذَّهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} تفسير : [الأعراف: 139]، وقوله: {أية : وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً}تفسير : [نوح: 28] وقوله: "ما عَلَوْا" يجوز في "ما" أن تكون مفعولاً بها، أي: ليهلكوا الذي عَلوْهُ، أي: غلبوا عليه وظفروا وقيل: لِيهْدمُوه: كقوله: [الطويل] شعر : 3386- ومَا النَّاسُ إلاَّ عَامِلانِ، فعَاملٌ يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وآخَرُ رَافِعُ تفسير : ويحتمل: "ويُتَبِّرُوا ما داموا غالبين" أي: ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل، وعلى هذا تكون ظرفية، أي: مدَّة استعلائهم، وهذا يحوجُ إلى حذف مفعولٍ، اللهم إلا أنْ يكون القصدُ مجردَ ذِكْرِ الفعل؛ نحو: هو يعطي ويمنع. وقوله: "تَتْبيراً" ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر، وإزالة الشكِّ في صدقه كما في قوله تعالى: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}تفسير : [النساء: 164] أي حقًّا، والمعنى ليُدمِّرُوا ويخرّبوا ما غلبوا عليه. ثم قال: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} والمعنى: لعلَّ ربَّكم أن يرحمكم، ويعفُوَ عَنْكُم يا بني إسرائيل بعد انتقامهِ منكم بردِّ الدَّولة إليكم. {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} أي: إن عدتم إلى المعصية، عدنا إلى العقوبة، قال القفال: وإنَّما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف خبراً عن بني إسرائيل: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [الأعراف: 167] ثم قال: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي، وهو التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير، وقريظة وبني قينقاع، ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية، لا ملك لهم ولا سلطان. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. يجوز أن تكون "حصيراً" بمعنى فاعل، أي: حاصرة لهم، محيطة بهم، وعلى هذا: فكان ينبغي أن تؤنَّث بالتاء كجبيرة. وأجيب: بأنها على النَّسب، أي ذات حصرٍ؛ كقوله: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18]، أي ذات انفطارٍ، وقيل: الحصيرُ: الحبسُ، قال لبيد: [الكامل] شعر : 3387- ومَقامَةٍ غُلْبٍ الرِّجالِ كَأنَّهم جِنٌّ لَدى بَابِ الحَصِير قِيَام تفسير : وقال أبو البقاء: "لم يؤنثه؛ لأنَّ فعيلاً بمعنى فاعلٍ" وهذا منه سهوٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى أن تكون الصفةُ التي على فعيلٍ، إذا كانت بمعنى فاعل، جاز حذف التاء منها، وليس كذلك لما تقدَّم من أن فعيلاً بمعنى فاعل يلزمُ تأنيثه، وبمعنى مفعول يجب تذكيره، وما جاء شاذًّا من النوعين يؤوَّلُ. وقيل: إنما لم يؤنَّث لأنّ تأنيث "جهنَّم" مجازيٌّ. وقيل: لأنها في معنى السِّجْن والمحبس، وقيل: لأنها بمعنى فراشٍ. ويجوز أن تكون بمعنى مفعول أي: جعلناها موضعاً محصوراً لهم، والمعنى: أنَّ عذاب الدنيا، وإن كان شديداً إلا أنه قد يتفلَّت بعض النَّاس عنه، والذي يقع فيه يتخلَّص عنه إمَّا بالموت، أو بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة، فإنَّه يكون محيطاً به، لا رجاء في الخلاص منه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} [الآية: 7]. قال أبو سليمان الدارانى: العمال يعملون فى الدنيا على دعوة كل فيه يطلب حظه، فجاهل عمل على الغفله، وعالم يعمل على العادة، ومتوكل عمل على الفراغة، وزاهدٌ على الحلاوة، وخائف عمل على الرهبة، وصديق عمل على المحبَّة وعمال الله تعالى أقل من القليل. وقال أبو يزيد: من عمل لنفسه لا يعمل لله ومن عمل لله لا يعمل لنفسه ولا يراها.
القشيري
تفسير : إنْ أحسنتُم فثوابِكم كسبتم، وإنْ أسأتم فعداءَكم جَلَبْتُم - والحقُّ أعزُّ مِنْ أَنْ يعودَ إليه من أفعال عبادِه زَيْنٌ أو يلحقه شَيْنٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} شكى الله سبحانه عن العباد بانهم يعملون بالاعواض لحظ نفوسهم لا لحقيقة العبودية التى وجبت عليهم فى الازل لحق الربوبية التى هى مستحقة لها فمن عمل للنجاة عمل لنفسه ومن عمل لغير هذه العلل وقام على شرط العبودية بنعت اسقاط رؤية الاعواض وكل علة على وصف الخجل والحياء والفناء فقد عمل لله ولكن اعماله راجعة اليه بسببين احدهما ان عبودية الخليقة لا يليق بالازلية والاخر انه منزه عن عبودية الخلق وعصيانهم لانه قائم بنفسه ليس له انس بطاعة المطيعين ولا وحشة بمعصية العاصين قال تعالى ان الله لغنى عن العالمين وفيه نكتة عجبية اى ان شاهدتم مشاهدتى شاهدتم لحظوظ انفسكم لا لحق شهودى وان شاهدتم مشاهدتى كما ينبغى وفنيت مشاهدتكم فنيتم فى مشاهدتكم فى مشاهدتى لان سطوات العظمة مهلك كل شاهد من شهوده قال ابو سليمان === العمال فى الدنيا يعملون على وجوه كل فيه يطلب حظه فجاهل عمل على الغفلة وعامل عمل على العادة ومتوكل عمل على الفراغة وزاهد عمل على الحلاوة وخائف عمل على الرهبة وصديق عمل على المحبة وعمال الله اقل من القليل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان أحسنتم أحسنتم لانفسكم وان اسأتم فلها} اى احسان الاعمال واساءتها كلاهما مختص بكم لا يتعدى ثوابها وبالها الى غيركم فاللام على اصلها وهو الاختصاص. قال سعدى المفتى الاولى ان تكون للاستحقاق كما فى قوله لهم عذاب فى الدنيا. قال فى تفسير النيسابورى قال اهل الاشارة انه اعاد الاحسان ولم يذكر الاساءة الامرة ففيه دليل على ان جانب الرحمة أغلب ويجوز ان يترك تكريره استهجانا {فاذا جاء} [بس جون بيايد] {وعد الآخرة} اى حان وقت ما وعد من عقوبة المرة الآخرة من الافسادين [دويست ودوسال] {ليسوأوا وجوهكم} يقال ساءة مساءة فعل به ما يكره وهو متعلق بفعل حذف لدلالة ما سبق عليه أى بعثناهم ليجعلوا آثار المساءة فعل به ما يكره وهو متعلق بفعل حذف لدلالة ما سبق عليه أى بثناهم ليجعلوا آثار الاعراض النفسانية فى القلب تظهر فى الوجه. وفى الكواشى وخصت الوجوه بالمساءة والمراد اهلها لان اول ما يظهر من الحزن عليها {وليدخلواالمسجد} الاقصى ويخربوه {كما دخلوه اول مرة} وخربوه {وليتبروا} اى ليهلكوا {ما علوا} كل شئ علبوه واستولوا عليه او بمعنى مدة علوهم {تتبيرا} اهلاكا فظيعا لا يوصف والمراد بهم طرطوس الرومى وجنوده كما سبق. وقال بعضهم سلط الله عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه هردوس قال لواحد من عظماء جنوده كنت حلفت بالهى اذا ظفرت باهل بيت المقدس لاقتلنهم حتى يسيل دماؤهم وسط عسكرى فامره ان يقتلهم فدخل بيت المقدس فقام فى البقعة التى كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلى فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ما صدقتمونى فقتل على ذلك الدم سبعين الفا من رؤسائهم وغلمانهم وازواجهم فلم يهدأ الدم ثم قال ان لم تصدقونى ما تركت منكم احدا فقالوا انه دم نبى كان ينهانا ويخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكريا قال الآن صدقتمونى لمثل هذا ينتقم ربكم منكم. وكان قتل يحيى ملك من بنى اسرائيل يقال له لاخت حمله على قتله امرأة اسمها اربيل وكانت قتلت سبعة من الانبياء وقتل يحيى كان بعد رفع عيسى فلما رأى انهم صدقوا خر ساجدا ثم قال يا يحيى قد علم ربى وربك ما اصاب قومك من اجلك وما قتل منهم فاهدأ باذن الله قبل أن لا ابقى احدا منهم فهدأ فرفع عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنواسرائيل وايقنت انه لا رب غيره وقال لبنى اسرائيل ان هردوس امرنى ان اقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ولست استطيع ان اعصيه قالوا افعل ما امرت فامرهم ان يحفروا خندقا ويذبحوا دوابهم حتى سال الدم فى العسكر فلما رأى هردوس ذلك ارسل اليه ان ارفع عنهم القتل فسلب عنهم الملك والرياسة وضرب عليهم الذلة والمسكنة ثم انصرف الى بابل وهى الوقعة الاخيرة النازلة على بنى اسرائيل وبقى بيت المقدس خرابا الى عهد خلافة عمر رضى الله عنه فعمره المسلمون بامره. قال الكاشفى [حق سبحانه وتعالى درتورات بعداز وعده ابن دوعقوبت با ايشان كفته بود].
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي {لنسو وجوهكم} بالنون وفتح الواو، كما يقال: لن ندعو، فعلامة النصب فتحة الواو. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم بالياء على واحد "ليسوي" الباقون بالياء والمد، وعلامة النصب - ها هنا - حذف النون، وإِنما مدوا، لتمكين الهمزة، لأن كل واو سكنت وانضم ما قبلها وثبتت بعدها همزة، فلا بد من مدّ، في كلمة كانت أو كلمتين، نحو {أية : قالوا آمنا}تفسير : وفي كلمة واحدة نحو {أية : تبوء بإثمي}تفسير : {وتبوء بحمله} وفي قراءة أبي {ليسؤن وجوهكم} بنون خفيفة للتأكيد، كقوله {أية : لنسفعاً بالناصية}. تفسير : قال أبو علي الفارسي: لما قال {لتفسدن في الأرض مرتين} وبيّن المرة الأولى قال {فإِذا جاء وعد الآخرة} أي المرة الآخرة بعثناهم {ليسوءوا وجوهكم} فحذف (بعثناهم) لأنه تقدم ذكره، لانه جواب (إذا)، وشرطها يقتضيه، فحذف للدلالة عليه فأما معنى {ليسؤوا} فقال أبو زيد: يقال: سؤته سأة وساءة ومساءة ومسائية وسوأية، وقال {وجوهكم} على أن الوجوه مفعولا لـ {يسؤوا} وعدّي إِلى الوجوه، لان الوجوه قد يراد بها ذوو الوجوه كقوله {أية : كل شيء هالك إِلا وجهه}تفسير : وقال {أية : وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة}تفسير : وقال{أية : ووجوه يومئذ ناضرة}تفسير : وقال النابغة: شعر : أقارع عوفاً لا أحاول غيرها وجوه قرود تبتغي من تجادع تفسير : فكأن الوجوه إِنما خصت بذلك، لانها تدل على ما كان من تغير الوجوه من الناس، من حزن أو مسرة، وبشارة وكآبة. وحجة من قرأ بالياء والجمع انه أشبه بما قبله وما بعده، لان الذي جاء قبله {بعثنا عليكم عباداً} وبعده {وليدخلوا المسجد} وهو بيت المقدس، والمبعوثون في الحقيقة هم الذين يسؤونهم لقتلهم إِياهم وأسرهم لهم، فهو وفق المعنى. ومن قرأ بالياء والتوحيد، ففاعل {ليسوءوا} أحد شيئين. أحدهما - أن يكون اسم الله، لأن الذي تقدم {بعثنا} {ورددنا لكم} و {أمددناكم}. والآخر - ان يكون البعث والوعد، ودل عليه {بعثنا} المتقدم كقوله{أية : لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم}تفسير : اي البخل. ومن قرأ بالنون كان المعنى كقول من قدر أَن الفعل ما تقدم من اسم الله وجاز ان تنسب المساءة الى الله، وإِن كانت من الذين جاسوا خلال الديار في الحقيقة، لانهم فعلوها بقدرة الله وتمكينه، فجاز ان تنسب اليه، كما قال {أية : وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : ويجوز ان يكون اللام في قوله {ليسؤوا} {وليدخلوا} {وليتبروا} لام العاقبة، لان الله لا يريد منهم ذلك من حيث كان ذلك ظلماً وفساداً. يقول الله تعالى لخلقه من المكلفين {إِن أحسنتم} اي فعلتم الافعال الحسنة من الإنعام الى الغير، والافعال الجميلة التي هي طاعة {أحسنتم لأنفسكم}، لان ثواب ذلك، واصل اليكم {وإِن أسأتم} إِلى الغير وظلمتموه {أَسأتم} لانفسكم لأن وبال ذلك وعقابه واصل اليكم، وإِنما قال {فلها} ليقابل قوله {أحسنتم لأنفسكم} والمعنى ان اسأتم فإِليها، كما يقال: احسن إِلى نفسه ليقابل اساء الى نفسه، على ان حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض اذا تقاربت معانيها، قال تعالى {أية : بأن ربك أوحى لها}تفسير : والمعنى اوحى اليها. ومعنى انت في منتهى الاساءة، وانت المختص بالاساءة، متقارب. {فإِذا جاء وعد الآخرة} يعني وعد المرة الآخرة {ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد} يعني المبعوثين عليكم {كما دخلوه} في المرة الاولى يعنى غيرهم، لان هؤلاء بأعيانهم لم يدخلوها في الدفعة الاولى {وليتبروا ما علوا تتبيراً} فالتبار والهلاك، والدمار واحد، وكل ما انكسر من الزجاج والحديد والذهب تبر. ومعنى {ما علوا تتبيراً} ما غلبوا عليه، وجواب (اذا) محذوف وتقديره: فإِذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم. وقيل: بعثناهم ليسؤوا.
الجنابذي
تفسير : {إِنْ أَحْسَنْتُمْ} يعنى قلنا لهم ان احسنتم او ان احسنتم يا قوم محمّد (ص) او ان احسنتم يا بنى اسرائيل الحاضرين فى هذا الزّمان {أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} استعمال لها ههنا من باب المشاكلة او التّهكّم {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} العقوبة الآخرة {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} متعلّق بجاء او متعلّق بالجزاء المحذوف والتّقدير فاذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا اى العباد اولى البأس وجوهكم بعثناهم عليكم، او فاذا جاء وعد الآخرة بعثناهم عليكم ليسوؤا وجوهكم {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} مسجدكم الاقصى {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} ليهلكوا مدّة علوّهم او الّذى استولوا عليه.
اطفيش
تفسير : {إِنْ أحْسَنتُمْ} الخ. من جملة ما قضى الله جل جلاله إِلى بنى إِسرائيل فإِن الكلام كله إِلى حصيرا داخل تحت قوله عز وجل وقضينا إِلى بنى إِسرائيل وقدر بعضهم القول أى وقلنا لهم إِن أحسنتم باتباع الأَوامر واجتناب المناهى {أحْسَنْتُمْ لأَنفُسِكُمْ} لأَن ثواب ذلك لكم {وَإِنْ أسَأْتُمْ} بترك الأَوامر وارتكاب النواهى {فَلَهَا} أى فإِساءتكم لأَنفسكم لأَن عقاب ذلك عليها واللام بمعنى على وعبر بها ليزدوج بقوله لأَنفسكم أو هى لام استحقاق أى كنتم أهلا للعقاب. قال على بن أبى طالب ما أحسنت إِلى أحد ولا أسأت إِليه وتلا الآية {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ} أى المرة الآخرة أى عد عقوبة المرة الأَخيرة أو الوعد بمعنى العقاب أى عقاب المرة الآخرة وقد مر بيانها وجواب إِذا محذوف تقديره بعثناهم عليكم يدل عليه الأَول أو سلطنا عليكم الفرس والروم وبذلك المحذوف يتعلق قوله {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} أى ليجعلوها سيئة بادية عليها آثار الحزن والهم، وذلك فرع إِدخال الحزن والغم فى قلوبهم فكأَنه قيل ليغموكم ويحزنوكم وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر ليسيئ الياء وكسر السين وفيه ضمير مستتر عائد إِلى الله جل جلالهُ على أن يقدر الجواب سلط الله عليكم أو بعث الله عليكم وإِما على تقدير سلطنا أو بعثنا فعلى طريق الالتفات أو عائد البعث أو الوعد وتؤيد قراءة الكسائى لنسوء بالنون مفتوحة عوده إِلى الله سبحانهُ وتعالى، وقرأ على ليسؤن بفتح اللام والياء وضم السين ممدودة بواو بعدها همزة بعدها نون التوكيد خفيفة قرأ بعضهم كذلك لكن بتشديدة وقرأ بعض كذلك لكن بنون المتكلم أولا ونون التوكيد الخفيفة آخراً وبعض كذلك بالنون أولا لكن بالنون الخفية آخراً، ووجه فتح اللام فى هذه القراءة أن الجملة جواب لقسم مقدر قيل إِذا مستغنية عن جواب إذا فوالله إِذا جاء وعد الآخرة ليسوءن، أو يقدر جواب إذا مثلها بلا لام ولا توكيد أو الجملة جواب لقسم مقدر بعد جواب إِذا المقدر من جنس جواب إِذا الأولى واللام فى قراءة الكسر لام تعليل كما علمت وهو الواضح وقيل لام الأَمر وهو ضعيف هنا لتنافر غيبة المأْمورين مع خطاب المخاطبين وكذا القولان فى اللامين بعد، {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} عطف على ليسوءوا والمراد بالمسجد بيت المقدس ونواحيه {كَمَا دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ} أى وقت إِفسادهم الأَول وكلا الدخولين لتخريب المسجد، {وَلِيُتَبِّرُوا} أى يهلكون فالتشديد للتعدية يقال تبر بالتخفيف بمعنى هلك وتبره بالتشديد بمعنى أهلكه وإِن جعلناه من تبر المخفف المتعدى كان التشديد للتأْكيد ومن المخفف المتعدى لفظه متبوراً فإِنهُ اسم مفعول تبر الثلاثى وفيه ضمير مستتر، {مَا عَلَوْا} ما اسم وهو مفعول يتبروا والرابط محذوف أى وليتبروا ما علوه أى ما غلبوه واستعلوا عليهِ من بنى إِسرائيل وأموالهم وبلادهم أو ظرفية مصدرية والمفعول محذوف أى وليتبروا كل شئ سلطوا عليه ما داموا غالبين {تَتْبِيراً} إهلاكاً.
اطفيش
تفسير : {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} مفعول أحسن وأساء محذوف، أى أحسنتم أعمالكم، وأسأتم أعمالكم، أو وأسأتموها أولا مفعول لهما، أى فعلتم الإحسان والإساءة، وكرر ذكر الإحسان لأنه أغلب فى شأن الله، وأنه إذا فعله إنسان ينبغى له العود إليه، والكلام كله مفعول لحال محذوف، أى قائلين إن أحسنتم إلخ، أو لمعطوف حذف مع العاطف أى وقلنا إن أحسنتم ثواب الإحسان بالطاعة للمطيع، ولك قال: لأنفسكم، وعقاب الإساءة على المسئ. فالمعنى فعليها، وجاءت اللام لمشاكلة كما شاكل بقوله: ما عوقبتم به عاقبتم وعاقبوا، أو شبه العقاب بالثواب لجامع الترتب المطلق، فجرت الاستعارة التبعية باللام، إذ كان العقاب من جنس الثواب بالجامع المذكور، ففى قوله: فلها تهكم، أو الأزمان للاستحقاق، قيل أو للاختصاص والإحسان بكثرة العمل، أو بتجريد أو بهما، وكذا فى الإساءة سواء لزمته الإساءة أو الإحسان، أو تعدياه إلى الغير، قال على بن أبى طالب: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه، وتلا الآية، والتقدير فإساءة لها أو أسأتم لها، ولما حذف أسأتم وبقى مالا بلى أداة الشرط وهو لها قرن بالفاء، وهذا مما إغفلوه نحو: آكل ثمراً وإلا فخبزاً والأصل وإلا آكل خبزاً. {فإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ} أى المرة الآخرة جواب إذا محذوف تقديره: بعثناهم عليكم، يتعلق به قوله: {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} بردها بعثناهم، وواو ليسوءوا إِلى قوله عباداً لنا أولى بأس شديد على طريق الاستخدام لأن العباد أولى بأس المذكورين فى المرة الأولى جالوت وجنوده، والمبعوثون هنا بُخت نصَّر وجنوده، أو المذكورون أو بُخت نصَّر وجنوده، وهنا مثلهم من جنسهم أو نسبهم كملك بابل جودرز أو خردوس، ويجوز إن قدر بعثنا لكم قوما آخرين ليسوءوا وجوهكم، فلا استخدام، ويجوز تعليق اللام بجاء والجواب محذوف للتهويل يقدر بعد قوله: تتبيراً، أى كان ما يكون. ومعنى إساءة الوجوه الغلبة والقهر بالسبى والقتل، حتى يظهر فى وجوهكم أثر الذل والحزن من قلوبكم، وتفصيل المجمل فى المرتين إفادته الفاء للمرتين فى قوله: "أية : فإذا جاء وعد أولاهما"تفسير : [الإسراء: 5] فلم يبق للثانية إِلا الواو، ينسحب إِلى ما بعدها تفصيل الفاء الأولى، ولكن جئ هنا أيضا بالفاء للدلالة على أن مجئ وعد عقاب المرة الآخرة لم يتراخ من كثرتهم واجتماعهم لشدة كفرهم للنعم، وللدلالة على أنهم ما زالوا يزدادون كفراً لزيادة النعم، فاجأهم العقاب حيث لا يحسبونه. {وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ} بيت المقدس للتخريب وأخذ أمواله، ونقل ما بنى فيه من أنواع الجواهر، وللعطف على ليسوءوا، وتقدير بعثنا هنا مع أنه قدر أولا كالبعث، إذ لا دليل عليه للاستغناء عنه، ومثل ذلك جعل هذه اللام للقسم. {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} لذلك أى دخولا مثل دخولهم أول مرة أو دخولا ثابتًا كدخولهم أول مرة. {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} ليهلكوا ما علوه إهلاكاً فما موصول اسم مفعول به شامل للعقلاء وغيرهم، كالبلاء والهدم إهلاك، والرابط مقدر، ويجوز أن تكون موصولا حرفيًّا ظرفية، أى ليوقعوا الإهلاك، أو يهلكوا ما قدروا عليه مدة علوهم، قيل: بعث عليهم بُخت نصَّر فى هذه المرة الثانية، فخرب وقتل نحو أربعين ألفا، وسبى نحو سبعين ألفا، قيل: وجدد ما يغلى وهو دم يحيى، فصار يقتل حتى يسكن فلم يسكن حتى قتل سبعين ألفًا فسكن، وذلك دية الأنبياء، وذلك لعلمه مع كفره أن دم يحيى حرام، وأن الله انتقم منهم. ويروى أنه سألهم عن الدم فقالوا: دم قربان لم يقبل منا، فقال: أصدقونى وإِلا لم أبق منكم أحداً، فقالوا: دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فقال: يا يحيى قد علم ربى وربك ما أصاب قومك منك فاهدأ قبل أن لا أبقى منهم أحداً فهدأ بإِذن الله، والصحيح أن يحيى قتل فى حياة أبيه.
الالوسي
تفسير : {إِنْ أَحْسَنتُمْ} أعمالكم سواء كانت لازمة لأنفسكم أو متعدية للغير أي عملتموها على الوجه المستحسن اللائق / أو فعلتم الإحسان {أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} أي لنفعها بما يترتب على ذلك من الثواب {وَإِنْ أَسَأْتُمْ} أعمالكم لازمة كانت أو متعدية بأن عملتموها على غير الوجه اللائق أو فعلتم الإساءة {فَلَهَا} أي فالإساءة عليها لما يترتب على ذلك من العقاب فاللام بمعنى على كما في قوله:شعر : فخر صريعاً لليدين وللفم وعبر بها لمشاكلة ما قبلها تفسير : وقال الطبري: هي بمعنى إلى على معنى فإساءتها راجعة إليها، وقيل: إنها للاستحقاق كما في قوله تعالى: {أية : لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 10]. وفي «الكشاف» أنها للاختصاص. وتعقب بأنه مخالف لما في الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب اللهم إلا أن يقال: إن ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائيل لم يتعدهم، وفيه أنه تكلف لا يحتاج إليه لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعديان وهما المراد هنا، وقيل: اللام للنفع كالأولى لكن على سبيل التهكم، وتعميم الإحسان ومقابله بحيث يشملان المتعدي واللازم هو الذي استظهره بعض المحققين وفسر الإحسان بفعل ما يستحسن له ولغيره والإساءة بضد ذلك وقال: إنه أنسب وأتم ولذا قيل إن تكرير الإحسان في النظم الكريم دون الإساءة إشارة إلى أن جانب الإحسان أغلب وأنه إذا فعل ينبغي تكراره بخلاف ضده، وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية، ووجه مناسبتها لما قبلها على ما قال القطب [الرازي] أنه لما عصوا سلط الله تعالى عليهم من قصدهم بالنهب والأسر ثم لما تابوا وأطاعوا حسنت حالهم فظهر أَن إحسان الأعمال وإساءتها مختص بهم، والآية تضمنت ذلك وفيها من الترغيب بالإحسان والترهيب من الإساءة ما لا يخفى فتأمل. {فَإِذَا جَاء وَعْدُ} المرة {ٱلأَخِرَةَ} من مرتى إفسادكم {لِيَسُوؤاْ} متعلق بفعل حذف لدلالة ما سبق عليه وهو جواب (إذا) أي بعثناهم ليسوؤا {وُجُوهَكُمْ} أي ليجعل العباد المبعوثون آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم فإن الأعراض النفسانية تظهر فيها فيظهر بالفرح النضارة والإشراق وبالحزن والخوف الكلوح والسواد فالوجوه على حقيقتها، قيل ويحتمل أن يعبر بالوجه عن الجملة فإنهم ساؤهم بالقتل والنهب والسبـي فحصلت الإساءة للذوات كلها ويؤيده قوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} ويحتمل أن يراد بالوجوه ساداتهم وكبراؤهم اهـ وهو كما ترى. واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليه ألم النفس والبدن المدلول عليه بقوله تعالى: {وَلِيُتَبّرُواْ} الخ، وقيل: {فَإِذَا جَاء} هنا مع كونه من تفصيل المجمل في قوله سبحانه: {أية : لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} تفسير : [الإسراء: 4] فالظاهر فإذا جاء وإذا جاء للدلالة على أن مجيء وعد عقاب المرة الآخرة لم يتراخ عن كثرتهم واجتماعهم دلالة على شدة شكيمتهم في كفران النعم وإنهم كلما ازدادوا عدة وعدة زادوا عدواناً وعزة إلى أن تكاملت أسباب الثروة والكثرة فاجأهم الله عز وجل على الغرة نعوذ بالله سبحانه من مباغتة عذابه. وقرأ أبو بكر وابن عامر وحمزة {ليسوء} على التوحيد والضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث المدلول عليه بالجزاء المحذوف، والإسناد مجازي على الأخيرين وحقيقي على الأول، ويؤيده قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي والكسائي {لنسوء} بنون العظمة فإن الضمير لله تعالى لا يحتمل غير ذلك، وقرأ أبـي (لنسؤن) بلام الأمر ونون العظمة أوله ونون التوكيد الخفيفة آخره ودخلت لام الأمر على فعل المتكلم كما في قوله تعالى: {أية : وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ}تفسير : [العنكبوت: 12] وجواب (إذا) على هذه القراءة هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء لأنها لا تقع جواباً بدونها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضاً (لنسوءن) و(ليسوءن) بالنون والياء أولاً ونون التوكيد الشديدة آخراً، واللام في ذلك / لام القسم والجملة جواب القسم سادة مسد جواب (إذا). واللام في قوله تعالى: {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} لام كي والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله وهو متعلق ببعثنا المحذوف أيضاً، وجوز أن يتعلق بمحذوف غيره فيكون العطف من عطف جملة على أخرى، وعلى القراءة بلام الأمر أو لام القسم فيما تقدم يجوز أن تكون اللام لام الأمر وأن تكون لام كي. والمراد بالمسجد بيت المقدس وهو مفعول (يدخلوا)، وفي «الصحاح» أن الصحيح في نحو دخلت البيت إنك تريد دخلت إلى البيت فحذف حرف الجر فانتصب البيت انتصاب المفعول به، وتحقيقه في محله {كَمَا دَخَلُوهُ} أي دخولاً كائناً كدخولهم إياه {أَوَّلَ مَرَّةٍ} فهو في موضع النعت لمصدر محذوف، وجوز أن يكون حالاً أي كائنين كما دخلوه، و {أَوَّلَ} منصوب على الظرفية الزمانية، والمراد من التشبيه على ما في «البحر» أنهم يدخلونه بالسيف والقهر والغلبة والإذلال، وفيه أيضاً أن هذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتال ولا قتل ولا نهب {وَلِيُتَبّرُواْ} أي يهلكوا، وقال قطرب: يهدموا وأنشد قول الشاعر:شعر : وما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبني وآخر رافع تفسير : وقال بعضهم: الهدم إهلاك أيضاً، وأخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أن التتبير كلمة نبطية. {مَا عَلَوْاْ} أي الذي غلبوه واستولوا عليه فما اسم موصول والعائد محذوف وهو إما مفعول أو مجرور على ما قيل، وجوز أن تكون (ما) مصدرية ظرفية أي ليتبروا مدة دوامهم غالبين قاهرين {تَتْبِيرًا} فظيعاً لا يوصف. واختلف في تعيين هؤلاء العباد المبعوثين بعد أن ذكروا قتل يحيـى عليه السلام في الإفساد الأخير فقال غير واحد: إنهم بختنصر وجنوده، وتعقبه السهيلي بأنه لا يصح لأن قتل يحيـى بعد رفع عيسى عليهما السلام وبختنصر كان قبل عيسى عليه السلام بزمن طويل، وقيل الإسكندر وجنوده، وتعقبه أيضاً بأن بين الإسكندر وعيسى عليه السلام نحواً من ثلثمائة سنة ثم قال لكنه إذا قيل: إن إفسادهم في المرة الأخيرة بقتل شعيا جاز أن يكون المبعوث عليهم بختنصر ومن معه لأنه كان حينئذ حياً، وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أن الذي غزاهم ملك خردوش وتولى قتلهم على دم يحيـى عليه السلام قائد له فسكن. وفي بعض الآثار أن صاحب الجيش دخل مذبح قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال: ما صدقتموني فقتل عليه ألوفاً منهم فلم يهدأ الدم ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً فقالوا: إنه دم يحيـى عليه السلام فقال: بمثل هذا ينتقم ربكم منكم ثم قال: يا يحيـى قد علم ربـي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحداً منهم فهدأ. واختار في «الكشف» ـ وقال هو الحق ـ إن المبعوث عليهم في المرة الثانية بيردوس من ملوك الطوائف وكأنه هو خردوش الذي مر آنفاً فقد ذكر أنه ملك بابل من ملوك الطوائف. وقيل: اسمه جوزور وهؤلاء الملوك ظهروا بعد قتل الإسكندر دارا واستيلائه على ملك الفرس، وكان ذلك بصنع الإسكندر متبعاً فيه رأي معلمه أرسطو، وعدتهم تزيد على سبعين ملكاً، ومدة ملكهم على ما في بعض التواريخ خمسمائة واثنتا عشرة سنة، وحصل اجتماع الفرس بعد هذه المدة على أردشير بن بابك طوعاً وكرهاً وكان أحد ملوك الطوائف على اصطخر، وعلى هذا يكون الملك المبعوث لفساد بني إسرائيل بقتل يحيـى عليه / السلام من أواخر ملوك الطوائف كما لا يخفى، ويكون بين هذا البعث والبعث الأول على القول بأن المبعوث بختنصر وأتباعه مدة متطاولة، ففي بعض التواريخ أن قتل الإسكندر دارا بعد بختنصر بأربعمائة وخمس وثلاثين سنة وبعد مضي نحو من ثلثمائة سنة من غلبة الإسكندر ولد المسيح عليه السلام، ولا شك أن قتل يحيـى عليه الصلاة والسلام بعد الولادة بزمان والبعث بعد القتل كذلك فيكون بين البعثين ما يزيد على سبعمائة وخمس وثلاثين سنة، والذي ذهب إليه اليهود أن المبعوث أولاً بختنصر وكان في زمن أرميا عليه السلام وقد أنذرهم مجيئه صريحاً بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام كما نطق به كتابه فحبسوه في بئر وجرحوه وكان تخريبه لبيت المقدس في السنة التاسعة عشر من حكمه وبين ذلك وهبوط آدم ثلاثة آلاف وثلثمائة وثماني وثلاثين سنة وبقي خراباً سبعين سنة، ثم إن إسبيانوس قيصر الروم وجه وزيره طوطوز إلى خرابه فخربه سنة ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين فيكون بين البعثين عندهم أربعمائة وتسعون سنة، وتفصيل الكلام في ذلك في كتبهم والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ونعم ما قيل إن معرفة الأقوام المبعوثين بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه مما لا يتعلق به كبير غرض إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم سلط الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى. وظاهر الآية يقتضي اتحاد المبعوثين أولاً وثانياً، ومن لا يقول بذلك يجعل رجوع الضمائر للعباد على حد رجوع الضمير للدرهم في قولك: عندي درهم ونصفه فافهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن - أي بالإيمان والطاعة - فإنه إنما يحسن إلى نفسه. لأن نفع ذلك لنفسه خاصة. وأن من أساء - أي بالكفر والمعاصي - فإنه إنما يسيء على نفسه. لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة. وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}تفسير : [فصلت:46] الآية، وقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }تفسير : [الزلزلة:7-8]، وقوله: {أية : مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}تفسير : [الروم:44]، إلى غير ذلك من الآيات. واللام في قوله: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} بمعنى على، أي فعليها، بدليل قوله {أية : وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَاِ}تفسير : [فصلت:46]. ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى: {أية : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ}تفسير : [الإسراء:109] الآية. أي عليها: وقوله: {أية : فَسَلاَمٌ لَّكَ}تفسير : [الواقعة:91] الآية. أي سلام عليك - على ما قاله بعض العلماء. ونظير ذلك من كلام العرب: قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزني أو غيرهم: شعر : تناوله بالرمح ثم انثنى له فخر صريعاً لليدين وللفم تفسير : أي على اليدين وعلى الفم. والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة. كما قدمنا في نحو: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ}تفسير : [الشورى:40] الآية، {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة:194] الآية. قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} الآية. جواب {إذا} في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله: {لِيَسُوءُواْ} وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسؤوا وجوهكم. بدليل قوله في الأولى: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ}تفسير : [الإسراء:5] الآية، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. قال ابن قتيبة في (مشكل القرآن): ونظيره في حذف العامل قول حميد بن ثور: شعر : رأتني بحبليها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق تفسير : أي رأتني أقبلت، أو مقبلاً. وفي هذا الحرف ثلاث قرآت سبعيات: قرأه على الكسائي "لنسوء وجوهكم" بنون العظمة وفتح الهمزة. أي لنسوءها بتسليطنا إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم "ليسوء وجوهكم" بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله. أي ليسوء هو. أي الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم. وقرأه الباقون {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ونصبه بحذف النون، وضمير الفاعل الذي هو واو عائد إلى الذين بعثهم الله عليهم ليسؤوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن أحسنتم: أي طاعة الله وطاعة رسوله بالإِخلاص فيها وبأدائها على الوجه المشروع لها. أحسنتم لأنفسكم: أي أن الأجر والمثوبة والجزاء الحسن يعود عليكم لا على غيركم. وإن أسأتم: أي في الطاعة فإلى أنفسكم سوء عاقبة الإِساءة. وعد الآخرة: أي المرة الآخرة المقابلة للأولى وقد تقدمت. ليسوءوا وجوهكم: اي يقبحوها بالكرب واسوداد الحزن وهم الذل. وليدخلوا المسجد: أي بيت المقدس. وليتبروا ما علوا تتبيرا: أي وليدمروا ما غلبوا عليه من ديار بني إسرائيل تدميراً. وإن عدتم عدنا: أي وإن رجعتم إلى الفساد والمعاصي عدنا بالتسليط عليكم. حصيراً: أي محبساً وسجناً وفراشاً يجلسون عليها فهي من فوقهم ومن تحتهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن بني إسرائيل فبعد أن أخبرهم تعالى بما حكم به عليهم في كتابهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراً. وأنه إذا جاء مقيات أولى المرتين بعث عليهم عباداً أشداء أقوياء وهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوهم، أنه تعالى رد لهم الكرة عليهم فانتصروا عليهم وقتل داود جالوت وتكونت لهم دولة عظيمة كانت أكثر الدول رجالاً وأوسعها سلطاناً وذلك لرجوعهم إلى الله تعالى بتطبيق كتابه والتزام شرائعه وهناك قال تعالى لهم: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} أي إن أحسنتم باتباع الحق والتزام الطاعة لله ورسوله بفعل المأمورات واجتناب المنهيات والأخذ بسنن الله تعالى في الاصلاح البشري وإن أسأتم بتعطيل الشريعة والانغماس في الملاذ والشهوات فإن نتائج ذلك عائدة على أنفسكم حسب سنة الله تعالى: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}تفسير : [النساء: 123]. وقوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي وقتها المعين لها، وهي المرة الآخرة بعد الأولى بعث أيضاً عليهم عباداً له وهم بختنصّر وجنوده بعثهم عليهم ليسودوا وجوههم بما يصيبونهم به من الهم والحزن والمهانة والذل {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} أي بيت المقدس كما دخلوه أول مرة {وَلِيُتَبِّرُواْ} أي يدمروا ما علو أي ما غلبوا عليه من ديارهم {تَتْبِيراً} أي تدميراً كاملاً وتحطيما تاماً وحصل لهم هذا لما قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام وكثيراً من العلماء وبعد أن ظهر فيهم الفسق وفي نسائهم التبرج والفجور واتخاذ الكعب العالي. كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} فهذا خَيْر عظيم لهم لو طلبوه بصدق لفازوا به ولكنهم أعرضوا عنه وعاشوا على التمرد على الشرع والعصيان لله ورسله. وقوله وإن عدتم عدنا أي وإن عدتم إلى الفسق والفجور عدنا بتسليط من نشاء من عبادنا فانجزهم الله تعالى ما وعدهم فسلط عليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فاجلى بني قينقاع وبني النضير من المدينة وقتل بني قريضة كما سلط عليهم ملوك أروبا فطاردوهم وساموهم الخسف وأذاقوهم سوء العذاب في قرون طويلة وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي إن كان عذاب الدنيا بالتسلط على الظالمين وسلبهم حريتهم وإذاقتهم عذاب القتل والأسر والتشريد فإن عذاب الآخرة هو الحبس والسجن في جهنم تكون حصيراً للكافرين لا يخرجون منها للكافرين أي الذين يكفرون شرائع الله ونعمه عليهم بتعطيل الأحكام وتضييع الفرائض وإهمال السنن والانغماس في الملاذ والشهوات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- صدق وعد الله تعالى. 2- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذه الأنباء لا يقصها إلا نبي يوحى إليه. 3- تقرير قاعدة {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} تفسير : [فصلت: 46، الجاثية: 15]. 4- وجوب الرجاء في الله وهو انتظار الفرج والخير منه وإن طال الزمن. 5- قد يجمع الله تعالى للكافرين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وكذا الفاسقون من المؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (7) - وَيُقَرِّرُ اللهُ تَعَالَى هُنَا القَاعِدَةَ الثَّابِتَةَ التِي لاَ تَتَغَيَّرُ أَبَداً، وَهِيَ أَنَّ عَمَلَ الإِنْسَانِ عَائِدٌ عَلَيْهِ بِنَتَائِجِهِ إِنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً. فَإِنْ أَحْسَنَ الإِنْسَانُ كَانَ إِحْسَانُهُ لِنَفْسِهِ. يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، فَفِي الدُّنْيا يَدْفَعُ اللهُ عَنْهُ الأَذَى، وَيَرُدُّ كَيْدَ أَعْدَائِهِ إِلى نُحُورِهِمْ، وَيَزِيدُهُ قُوَّةً. وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُهُ عَلَى عَمَلِهِ بِالجَنَّةِ، وَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِرِضْوَانِهِ. فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ العِقَابِ عَلَى إِفْسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَّةِ، فَإِنَّ الأَعْدَاءَ الَّذِينَ غَلَبَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْتَجْمِعُونَ قُوَاهُمْ، وَيَنْدَفِعُونَ لِعِقَابِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَرَّةَ المَسْجِدَ الأَقْصَى، وَيُذِيقُونَهُمْ أَنْواعاً مِنَ القَهْرِ وَالوَيْلاَتِ وَالإِذْلاَلِ، وَيَقْتُلُونَهُمْ قَتْلاً ذَرِيعاً، وَيُخَرِّبُونَ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ أَيْدِيهِمْ مِمَّا كَانَ يَمْلِكُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، حَتَّى لَتُرَى آثَارُ المَسَاءَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما زال الخطاب مُوجّهاً إلى بني إسرائيل، هاكم سُنّة من سنن الله الكونية التي يستوي أمامها المؤمن والكافر، وهي أن مَنْ أحسن فله إحسانه، ومَنْ أساء فعليه إساءته. فها هم اليهود لهم الغَلبة بما حدث منهم من شبه استقامة على المنهج، أو على الأقل بمقدار ما تراجع المسلمون عن منهج الله؛ لأن هذه سُنّة كونية، مَنِ استحق الغلبة فهي له؛ لأن الحق سبحانه وتعالى مُنزّه عن الظلم، حتى مع أعداء دينه ومنهجه. والدليل على ذلك ما أمسى فيه المسلمون بتخليهم عن منهج الله. وقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ ..} [الإسراء: 7]. فيه إشارة إلى أنهم في شَكٍّ أنْ يُحسِنوا، وكأن أحدهم يقول للآخر: دَعْكَ من قضية الإحسان هذه. فإذا كانت الكَرَّة الآن لليهود، فهل ستظل لهم على طول الطريق؟ لا .. لن تظل لهم الغَلبة، ولن تدوم لهم الكرّة على المسلمين، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ..} [الإسراء: 7]. أي: إذا جاء وقت الإفسادة الثانية لهم، وقد سبق أنْ قال الحق سبحانه عنهم: {أية : لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ..}تفسير : [الإسراء: 4] وبينّا الإفساد الأول حينما نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. وفي الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف عهدنا، وستكون لنا يقظة وصَحْوة نعود بها إلى منهج الله وإلى طريقه المستقيم، وعندها ستكون لنا الغَلبة والقوة، وستعود لنا الكَرَّة على اليهود. وقوله تعالى: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ ..} [الإسراء: 7]. أي: نُلحق بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم؛ لأن الوجه هو السِّمة المعبّرة عن نوازع النفس الإنسانية، وعليه تبدو الانفعالات والمشاعر، وهو أشرف ما في المرء، وإساءته أبلغ أنواع الإساءة. وقوله تعالى: {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الإسراء: 7] أي: أن المسلمين سيدخلون المسجد الأقصى، وسينقذونه من أيدي اليهود. {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الإسراء: 7]. المتأمل في هذه العبارة يجد أن دخولَ المسلمين للمسجد الأقصى أول مرة كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن الأقصى وقتها في أيدي اليهود، بل كان في أيدي الرومان المسيحيين. فدخوله الأول لم يكُنْ إساءةً لليهود، وإنما كان إساءة للمسيحيين، لكن هذه المرة سيكون دخول الأقصى، وهو في حوزة اليهود، وسيكون من ضمن الإساءة لوجوههم أن ندخل عليهم المسجد الأقصى، ونُطهِّره من رِجْسهم. ونلحظ كذلك في قوله تعالى: {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الإسراء: 7] أن القرآن لم يقُلْ ذلك إلا إذا كان بين الدخولين خروج. إذن: فخروجنا الآن من المسجد الأقصى تصديق لِنُبوءَة القرآن، وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يلفتنا: إنْ أردتُمْ أنْ تدخلوا المسجد الأقصى مرة أخرى، فعودوا إلى منهج ربكم وتصالحوا معه. وقوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ..} [الإسراء: 7]. كلمة الآخرة تدلُّ على أنها المرة التي لن تتكرر، ولن يكون لليهود غَلَبة بعدها. وقوله تعالى: {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} [الإسراء: 7]. يتبروا: أي: يُهلكوا ويُدمِّروا، ويُخرِّبوا ما أقامه اليهود وما بنَوْهُ وشيَّدوه من مظاهر الحضارة التي نشاهدها الآن عندهم. لكن نلاحظ أن القرآن لم يقُلْ: ما علوتُم، إنما قال {مَا عَلَوْاْ} ليدل على أن ما أقاموه وما شيدوه ليس بذاتهم، وإنما بمساعدة مَنْ وراءهم من أتباعهم وأنصارهم، فاليهود بذاتهم ضعفاء، لا تقوم لهم قائمة، وهذا واضح في قَوْل الحق سبحانه عنهم: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [آل عمران: 112]. فهم أذلاء أينما وُجدوا، ليس لهم ذاتية إلا بعهد يعيشون في ظِلِّه، كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، أو عهد من الناس الذين يدافعون عنهم ويُعاونونهم. واليهود قوم منعزلون لهم ذاتية وهُويّة لا تذوب في غيرهم من الأمم، ولا ينخرطون في البلاد التي يعيشون فيها؛ لذلك نجد لهم في كل بلد يعيشون به حارة تسمى "حارة اليهود"، ولم يكن لهم ميْلٌ للبناء والتشييد؛ لأنهم كما قال تعالى عنهم: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ..}تفسير : [الأعراف: 168]. كل جماعة منهم في أمة تعيش عيشة انعزالية، أما الآن، وبعد أنْ أصبح لهم وطن قومي في فلسطين على حَدِّ زعمهم، فنراهم يميلون للبناء والتعمير والتشييد. ونحن الآن ننتظر وَعْد الله سبحانه، ونعيش على أمل أن تنصلح أحوالنا، ونعود إلى ساحة ربنا، وعندها سينجز لنا ما وعدنا من دخول المسجد الأقصى، وتكون لنا الكرّة الأخيرة عليهم، سيتحقق لنا هذا عندما ندخل معهم معركة على أسس إسلامية وإيمانية، لا على عروبة وعصبية سياسية، لتعود لنا صِفَة العباد، ونكون أَهْلاً لِنُصْرة الله تعالى. إذن: طالما أن الحق سبحانه قال: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ..} [الإسراء: 7]. فهو وَعْد آتٍ لا شَكَّ فيه، بدليل أن هذه العبارة جاءت بنصِّها في آخر السورة في قوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً}تفسير : [الإسراء: 104]. والمتأمل لهذه الآية يجد بها بشارة بتحقُّق وَعْد الله، ويجد أن ما يحدث الآن من تجميع لليهود في أرض فلسطين آية مُُرادة لله تعالى. ومعنى الآية أننا قُلْنا لبني إسرائيل من بعد موسى: اسكنوا الأرض وإذا قال لك واحد: اسكُنْ فلا بُدَّ أن يُحدد لك مكاناً من الأرض تسكن فيه فيقول لك: اسكن بورسعيد .. اسكن القاهرة .. اسكن الأردن. أما أن يقول لك: اسكن الأرض!! فمعنى هذا أن الله تعالى أراد لهم أنْ يظلُّوا مبعثرين في جميع الأنحاء، مُفرَّقين في كل البلاد، كما قال عنهم: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ..}تفسير : [الأعراف: 168]. فتجدهم منعزلين عن الناس منبوذين بينهم، كثيراً ما تُثار بسببهم المشاكل، فيشكو الناس منهم ويقتلونهم، وقد قال تعالى: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ..}تفسير : [الأعراف: 167]. وهكذا سيظل اليهود خميرة عكننة ونكَدٍ بين سكان الأرض إلى يوم القيامة، وهذه الخميرة هي في نفس الوقت عنصر إثارة وإهاجة للإيمان والخير؛ لأن الإسلام لا يلتفت إليه أهله إلا حين يُهَاج الإسلام، فساعة أنْ يُهَاجَ تتحرك النزعة الإيمانية وتتنبّه في الناس. إذن: فوجود اليهود كعنصر إثارة له حكمة، وهي إثارة الحيوية الإيمانية في النفوس، فلو لم تُثَر الحيوية الإيمانية لَبهتَ الإسلام. وهذه هي رسالة الكفر ورسالة الباطل، فلوجودهما حكمة؛ لأن الكفر الذي يشقى الناس به يُلفِت الناس إلى الإيمان، فلا يروْنَ راحة لهم إلا في الإيمان بالله، ولو لم يكُنْ الكفر الذي يؤذي الناس ويُقلق حياتهم ما التفتوا إلى الإيمان. وكذلك الباطل في الكون بعض الناس ويُزعجهم، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون عنه. وبعد أن أسكنهم الله الأرض وبعثرهم فيها، أهاج قلوب أتباعهم من جنود الباطل، فأوحَوْا إليهم بفكرة الوطن القومي، وزيَّنُوا لهم أولى خطوات نهايتهم، فكان أن اختاروا لهم فلسطين ليتخذوا منها وطناً يتجمعون فيه من شتى البلاد. وقد يرى البعض أن في قيام دولة إسرائيل وتجمّع اليهود بها نكايةً في الإسلام والمسلمين، ولكن الحقيقة غير هذا، فالحق سبحانه وتعالى حين يريد أن نضربهم الضربة الإيمانية من جنود موصوفين بأنهم:{أية : عِبَاداً لَّنَآ ..}تفسير : [الإسراء: 5]. يلفتنا إلى أن هذه الضربة لا تكون وهم مُفرّقون مُبعْثرون في كل أنحاء العالم، فلن نحارب في العالم كله، ولن نرسل عليهم كتيبة إلى كل بلد لهم فيها حارة أو حي، فكيف لنا أن نتتبعهم وهم مبعثرون، في كل بلد شِرْذمة منهم؟ إذن: ففكرة التجمُّع والوطن القومي التي نادى بها بلفور وأيَّدتْها الدول الكبرى المساندة لليهود والمعادية للإسلام، هذه الفكرة في الحقيقة تمثل خدمة لقضية الإسلام، وتُسهِّل علينا تتبعهم وتُمكّننا من القضاء عليهم؛ لذلك يقول تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً}تفسير : [الإسراء: 104]. أي: أتينا بكم جميعاً، نضمُّ بعضكم إلى بعض، فهذه إذن بُشرى لنا معشر المسلمين بأن الكَرَّة ستعود لنا، وأن الغلبة ستكون في النهاية للإسلام والمسلمين، وليس بيننا وبين هذا الوعد إلا أن نعود إلى الله، ونتجه إليه كما قال سبحانه: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ}تفسير : [الأنعام: 43]. والمراد بقوله هنا: {وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ..} [الإسراء: 7]. هو الوعد الذي قال الله عنه: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الإسراء: 7]. ثم يقول الحق سبحانه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلِيُتَبِّرُواْ} معناهُ لِيُدَمَّروا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):