١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} وهذا مما أخبروا به في كتابهم. و «عسى» وعد من الله أن يكشف عنهم. و «عسى» من الله واجبة. {أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد انتقامه منكم، وكذلك كان؛ فكثّر عددهم وجعل منهم الملوك. {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} قال قتادة: فعادوا فبعث الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فهم يُعطون الجزية بالصَّغار؛ وروي عن ابن عباس. وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره. وقال القُشَيْرِيّ: وقد حلّ العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار، ومرة على أيدي المسلمين. وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم. وعلى هذا يصح قول قتادة. {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي محْبساً وسِجْناً، من الحَصْر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره يحصره حصراً ضيق عليه وأحاط به. والحصير: الضيق البخيل. والحصير: البارِيّة. والحصير: الجنْب، قال الأصْمَعِيّ: هو ما بين العِرْق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترِضاً فما فوقه إلى منقطع الجنب. والحصير: الملِك؛ لأنه محجوب. قال لبيد:شعر : وقماقِمٍ غُلْبِ الرّقاب كأنهم جنّ لدى باب الحصير قيام تفسير : ويروى:شعر : ومَقامـةٍ غُلْـب الرقـاب تفسير : على أن يكون «غلب» بدلاً من «مقامة» كأنه قال: ورُبَّ غُلْبِ الرقاب. وروي عن أبي عبيدة: لدى طرف الحصير قيام أي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر. والحصِير: المَحْبِس؛ قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. قال القُشَيْرِيّ: ويقال للذي يُفترش حصيراً؛ لحصر بعضه على بعض بالنسج. وقال الحسن: أي فراشاً ومهاداً؛ ذهب إلى الحصير الذي يفرش، لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً. قال الثعلبي: وهو وجه حسن.
البيضاوي
تفسير : {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } بعد المرة الآخرة. {وَإِنْ عُدتُّمْ } نوبة أخرى. {عُدْنَا } مرة ثالثة إلى عقوبتكم وقد عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله فعاد الله تعالى بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين هذا لهم في الدنيا. {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا } محبساً لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد. وقيل بساطاً كما يبسط الحصير.
المحلي و السيوطي
تفسير : وقلنا في الكتاب {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } بعد المرّة الثانية إن تبتم {وَإِنْ عُدتُّمْ } إلى الفساد {عُدْنَا } إلى العقوبة وقد عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، فسلط عليهم بقتل (قريظة) وَنَفيْ (بني النضير) وضرب الجزية عليهم {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَٰفِرِينَ حَصِيرًا } محبساً وسجنا.
ابن عطية
تفسير : يقول الله عز وجل لبقية بني إسرائيل {عسى ربكم} إن أطعتم في أنفسكم واستقمتم {أن يرحمكم}، و {عسى} ترجّ في حقهم وهذه العدة ليست برجوع دولة وإنما هي بأن يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد فلم يفعلوا وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقاب الله فضرب عليهم الذل وقتلهم وأذلهم بيد كل أمة، وهنا قال ابن عباس سلط عليهم ثلاثة ملوك، و"الحصير" فعيل من الحصر فهو بمعنى السجن أي يحصرهم، وبنحو هذا فسر مجاهد، وقتادة وغيرهما، ويقال "الحصير" أيضاً من الحصر للملك ومنه قول لبيد: [الكامل] شعر : ومقامة غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام تفسير : ويقال لجنى الإنسان الحصيران لأنهما يحصرانه ومنه قول الطرماح: [الطويل] شعر : قليلاً تتلى حاجة ثم غولبت على كل معروش الحصيرين بادن تفسير : وقال الحسن البصري في الآية: أراد به ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عن الناس. قال القاضي أبو محمد: وذلك الحصير أيضاً هو مأخوذ، من الحصر، وقوله تعالى: {إن هذا القرآن} الآية، {يهدي} في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و {التي} يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة، {للتي هي أقوم} لا إله إلا الله. قال القاضي أبو محمد: والأول أعم وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة في الحال "التي هي أقوم" من كل حال تجعل بازائها، والاقتصار على {أقوم} ولم يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي {للتي هي أقوم} من كل ما غايرها فهي النهاية في القوام، وقيد المؤمنين بعمل الصالحات إذ هو كمال الإيمان وإن لم يكن في نفسه، والمؤمن المفرط في العمل له بإيمانه حظ في عمل الصالحات: و"الأجر الكبير" الجنة، وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير وأجر كبير فهو الجنة، وقوله {أن} الأولى في موضع نصب بـ {يبشر}، و {أن} الثانية عطف على الأولى، وهي داخلة في جملة بشارة المؤمنين، بشرهم القرآن بالجنة، وأن الكفار لهم عذاب أليم، وذلك أن علم المؤمنين بهذا مسرة لهم، وفي هذه البشارة وعيد للكفار بالمعنى، هذا الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وقرأ الجمهور، "ويُبَشِّر" بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين، وقرأ ابن مسعود ويحيى بن وثاب وطلحة "ويَبْشُر" بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، و {أعتدنا} معناه أحضرنا وأعددنا ومنه العتاد، و"الأليم" الموجع، وقوله {ويدع الإنسان} الآية، سقطت الواو من {يدع} في خط المصحف لأنهم كتبوا المسموع، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في وقت الغضب والضجر، فأخبر الله أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما تدعون بالخير في وقت التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم أهلكهم، لكنه يصفح ولا يجيب دعاء الضجر المستعجل، ثم عذر بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية، و {الإنسان} هنا قيل يريد به الجنس بحسب ما في الخلق من ذلك قاله مجاهد وغيره، وقال سلمان الفارسي وابن عباس: إشارته إلى آدم في أنه لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقيه أعجبته نفسه فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك فلم يقدر وأشارت ألفاظ هذه الآية إلى هذا والمعنى فأنتم ذووعجلة موروثة من أبيكم، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أسيراً في قيْد في بيت سودة بنت زمعة فسمعت سودة أنينه فأشفقت فقالت له ما بالك؟ فقال:ألم القيد، فقالت: فأرخت من ربطه فسكت، ثم نامت، فتحيل في الانحلال وفر، فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصبح، فأخبر الخبر، فقال قطع الله يدها ففزعت سودة ورفعت يديها نحو السماء وهي تخاف الإجابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله قد جعل دعائي في مثل هذا رحمة على المدعو عليه، لأني بشر أغضب وأعجل، فلترد سودة يديها تفسير : ، وقالت فرقة هذه الآية نزلت في شأن قريش الذين قالوا {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 32]، وكان الأولى أن يقولوا فاهدنا إليه وارحمنا به فذمهم الله تعالى في هذه الآية بهذا، وقالت فرقة: معنى هذه الآية: معاتبة الناس على أنهم إذا نالهم شر وضرعوا وألحوا في الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ويلتزمه من ذكر الله وحمده والرغبة إليه، لكنه يقصر حينئذ، فإذا مسه ضر ألح واستعجل الفرج، فالآية على هذا من نحو قوله تعالى: {أية : وإذا مس الإنسان الضر دعَانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضُر مسه} تفسير : [يونس: 12].
ابن عبد السلام
تفسير : {يَرْحَمَكُمْ}: مما حل بكم من النقمة {وَإِنْ عُدتُّمْ} إلى الفساد عدنا إلى الانتقام، فعادوا فبُعث عليهم المؤمنون يُذلونهم بالجزية والمحاربة إلى القيامة "ع" {حَصِيراً} فراشاً من الحصير المفترش أو حبسنا من الحصر، والملك حصير لاحتجابه.
النسفي
تفسير : {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي {وَإِنْ عُدتُّمُ} مرة ثالثة {عُدْنَا} إلى عقوبتكم وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سلط عليهم المؤمنون إلى يوم القيامة {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} محبساً. يقال: للسجن محصر وحصير. {إِنَّ هَـــٰــذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها وهي توحيد الله والإيمان برسله والعمل بطاعته أو للملة أو للطريقة {ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} ويَبْشر حمزة وعلي {أَنَّ لَهُمْ} بأن لهم {أَجْراً كَبِيراً} أي الجنة {وَأَنَّ الَّذِينَ} وبأن الذين {لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا} أي أعددنا قلبت تاء {لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يعني النار. والآية ترد القول بالمنزلة بين المنزلتين حيث ذكر المؤمنين وجزاءهم، والكافرين وجزاءهم، ولم يذكر الفسقة {وَيَدْعُ الإنسَـانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ} أي ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله وولده كما يدعو لهم بالخير، أو يطلب النفع العاجل وإن قل بالضرر الآجل وإن جل {وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً} يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه تأني المتبصر، أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة، {وكان الإنسان عجولاً} يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو النضر بن الحارث قال: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} تفسير : [الأنفال: 32]الآية. فأجيب فضربت عنقه صبراً. وسقوط الواو من {يدع} في الخط على موافقة اللفظ {وَجَعَلْنَا الَّليْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّليْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة أو جعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر. فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم نخلق له شعاعاً كشعاع الشمس فترى الأشياء به رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء {لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم {وَلِتَعْلَمُوا} باختلاف الجديدين {عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} يعني حساب الآجال ومواسم الأعمال، ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص المكتسبين والتجار {وَكُلَّ شَيْءٍ} مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم {فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} بيناه بياناً غير ملتبس فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا. {وَكُلَّ إنسَـانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ} عمله {فِي عُنُقِهِ} يعني أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل للعنق لا يفك عنه {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ} هو صفة لـ {كتابا}ً. يُلقَّاه شامي {مَنْشوراً} حال من {يلقاه} يعني غير مطوي ليمكنه قراءته أو هما صفتان للكتاب ونقول له {اقْرَأْ كِتَابَكَ} أي كتاب أعمالك وكلٌّ يُبعث قارئاً {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ} الباء زائدة أي كفى نفسك {حَسِيباً} تمييز وهو بمعنى حاسب وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي. وضع موضع الشهيد فعدي« بعلى» لأن الشاهد يكفي المدعى ما أهمه، وإنما ذكر حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير إذا الغالب أن يتولى هذه الأمور الرجال فكأنه قيل: كفى نفسك رجلاً حسيباً، أو تؤوّل النفس بالشخص.
الخازن
تفسير : {عسى ربكم أن يرحمكم} يعني يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم فيرد الدولة إليكم {وإن عدتم} أي إلى المعصية {عدنا} أي إلى العقوبة. قال قتادة فعادوا فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم: فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} أي سجناً ومحبساً من الحصر الذي هو مجلس الحبس، و قيل: فراشاً من الحصير الذي يبسط ويفترش. قوله تعالى {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} أي إلى الطريقة التي هي أصوب وقيل: إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله {ويبشر} يعني القرآن {المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً} يعني الجنة {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً} يعني النار في الآخرة {ويدع الإنسان} أي على نفسه وولده وماله {بالشر} يعني قوله عند الغضب: اللهم أهلكه اللهم العنه ونحو ذلك {دعاءه بالخير} أي كدعائه ربه أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك، ولكن الله لا يستجيب بفضله وكرمه {وكان الإنسان عجولاً} أي بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه، وقال ابن عباس: ضجراً لا صبر له على سّراء ولا ضراء. قوله تعالى {وجعلنا الليل والنهار آيتين} أي علامتين دالتين على وحدانيتنا وقدرتنا وفي معنى الآية قولان: أحدهما: أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار، وهو أنه جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدنيا والدين، أما في الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير مع كونهما متعاقبين على الدوام ففيه أقوى دليل على أن لهما مدبراً يدبرهما، ويقدرهما بالمقادير المخصوصة وأما في الدنيا، فلأن مصالح العباد لا تتم إلا بهما ففي الليل يحصل السكون، والراحة وفي النهار يحصل التصرف في المعاش والكسب. والقول الثاني: أن يكون المراد وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر {فمحونا آية الليل} أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء {وجعلنا آية النهار مبصرة} أي تبصر فيه الأشياء رؤية بينة. قال ابن عباس: جعل الله نور الشمس سبعين جزءاً ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءاً، فجعلها مع نور الشمس وحكي أن الله أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات، فطمس عليه الضوء وبقي فيه النور وسأل ابن الكواء علياً عن السواد الذي في القمر، فقال هو أثر المحو {لتبتغوا فضلاً من ربكم} أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم، والتصرف في معايشكم {ولتعلموا} أي باختلاف الليل والنهار {عدد السنين والحساب} أي ما يحتاجون إليه ولولا ذلك، لما علم أحد حساب الأوقات ولتعطلت الأمور، ولو ترك الله الشمس والقمر، كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يعرف وقت الحج ولا وقت حلول الديون المؤجلة. واعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب: الساعات والأيام والشهور والسنين، فالعدد للسنين والحساب لما دونها من الشهور والأيام والساعات، وليس بعد هذه المراتب الأربعة إلا التكرار {وكل شيء فصلناه تفصيلاً} يعني وكل شيء تفتقرون إليه من أمر دينكم ودنياكم قد بينّاه بياناً شافياً واضحاً غير ملتبس قيل: إنه سبحانه وتعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه آخر نعمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، وكل ذلك تفضل منه فلا جرم قال، وكل شيء فصلناه تفصيلاً قوله عز وجل {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} قال ابن عباس: عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان. وقيل: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به. وقيل: ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقيل: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وما هو صائر إليهم من سعادة أو شقاوة، وقيل: هو من قولك طار له سهم إذا خرج يعني ألزمناه ما طار له من عمله لزوم القلادة أو الغل، لا ينفك عنه والعنق في قوله في عنقه كناية عن اللزم كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق والغل مما يزين أو يشين فإن كان عمله خيراً كان له كالقلادة أو الحلي في العنق وهو ما يزينه، وإن كان عمله شراً كان له كالغلّ في عنقه وهو ما يشينه و يخرج له بقول تبارك وتعالى {ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً} قيل: بسطت للإنسان صحيفتان وووكل به ملكان يحفظان عليه حسناته وسيئاته. فإذا مات طويت الصحيفتان، وجعلتا معه في عنقه فلا ينشران إلا يوم القيامة {اقرأ كتابك} أي يقال له: اقرأ كتابك قيل يقرأ يوم القيامة من لم يكن قارئاً {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} أي محاسباً قال الحسن: لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك، وقيل: يقول الكافر إنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي. فيقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً. قوله سبحانه وتعالى {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، وعقاب الذنب مختص بفاعله أيضاً، ولا يتعدى منه إلى غيره وهو قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى من الآثام، ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد بل كل أحد مختص بذنبه {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} لإقامة الحجة وقطعاً للعذر وفيه دليل على أن ما وجب إنما وجب بالسمع لا بالعقل. قوله سبحانه وتعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} في معنى الآية قولان: أحدهما: أن المراد منه الأمر بالفعل، ثم إن لفظ الآية يدل على أنه تعالى بماذا أمرهم فقال أكثر المفسرين: معناه أنه تعالى أمرهم بالأعمال الصالحة، وهي الإيمان والطاعة وفعل الخير والقوم خالفوا ذلك الأمر وفسقوا. والقول الثاني: أمرنا مترفيها أي كثرنا فساقها. يقال أمر القوم إذا كثروا وأمرهم الله إذا كثرهم، ومنه الحديث "حديث : خير المال مهرة مأمورة"تفسير : أي كثيرة النتاج والنسل فعلى هذه قوله تعالى أمرنا ليس من الأمر بالفعل. والمترف هو الذي أبطرته النعمة وسعة العيش {ففسقوا فيها} أي خرجوا عما أمرهم الله به من الطاعة {فحق عليها القول} أي وجب عليها العقاب {فدمرناها تدميراً} أي أهلكناها إهلاك استئصال والدمار الهلاك والخراب (ق)، عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: "حديث : لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت زينب: قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث"تفسير : قوله: ويل للعرب. ويل كلمة تقال: لمن وقع في هلكة، أو أشرف أن يقع فيها وقوله إذا كثر الخبث أي الشر. قوله تعالى {وكم أهلكنا من القرون} أي المكذبة {من بعد نوح} وهم عاد وثمود وغيرهم من الأمم الخالية يخوف الله بذلك كفار قريش. قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن عشرون ومائة سنة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن ويزيد بن معاوية في آخره. وقيل: القرن مائة سنة وروي "حديث : عن محمد بن القاسم بن عبد الله بن بشر المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: "سيعيش هذا الغلام قرناً" قال محمد ابن القاسم: ما زلنا نعد له حتى تمت له مائة سنة ثم ماتتفسير : . وقيل: القرن ثمانون سنة. وقيل: أربعون {وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً} يعني أنه عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات, لا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق. قوله عز وجل {من كان يريد العاجلة} أي الدار العاجلة يعني الدنيا {عجلنا له فيها ما نشاء} أي من البسط أو التقتير {لمن نريد} أن نفعل به ذلك أو إهلاكه، وقيل في معنى الآية. عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد أي القدر الذي نشاء نعجله له في الدنيا، الذي يشاء هو ولمن نريد أن نعجل له شيئاً، قدرناه له هذا ذم لمن أراد بعمله ظاهر الدنيا ومنفعتها وبيان أن من أرادها لا يدرك منها إلا ما قدر له، {ثم جعلنا له} أي في الآخرة {جهنم يصلاها} أي يدخلها {مذموماً مدحوراً} أي مطروداً مباعداً. قوله سبحانه وتعالى {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} أي عمل لها عملها {وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} أي مقبولاً قيل: في الآية ثلاث شرائط في كون السعي مشكوراً إرادة الآخرة بعمله بأن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان الصحيح الثابت، وعن بعض السلف الصالح. من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله، إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}[8] قال سهل: يعني إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى المغفرة، وإن عدتم إلى الإعراض عنا عدنا إلى الإقبال عليكم، وإن عدتم إلى الفرار منا عدنا إلى أخذ الطرق عليكم، ارجعوا إلينا فإن الطريق علينا.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} [الآية: 8]. قال ابن عطاء: يتعطف عليكم فيخرجكم من ظلمات المعاصى إلى أنوار الطاعات فمن طلب الرحمة من غير الله تعالى فهو فى طلبه مُخطئ. قوله عز وجلّ: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} [الآية: 8]. قال سهل: وإن عدتم إلى المعصية عُدنا إلى المغفرة. وقال أيضًا: وإن عدتم إلى الإعراض عنا عدنا إلى الإقبال عليكم. قال سهل: إن عدتم إلى الفرار منا عُدنا إلى أخذ الطريق عليكم لترجعوا إلينا. قال أبو عثمان: وإن عدتم إلينا بعد المخالفات عدنا عليكم بالتعطف والرحمة. قال أبو بكر الوراق: وإن عُدتم إلى الطاعة عُدنا إلى التيسير والقبول. قال محمد بن على: ليس لمن أعرض عن ذنبه عذر بعد قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ}. كلمةُ {عَسَىٰ} فيها ترجية وإطماع، فهو - سبحانه - وقفهم على حد الرجاء والأمل، والخوف والوجل. وقوله {عَسَىٰ}: ليس فيه تصريح بغفرانهم، ورحمتهم، وإنما فيه للرجاء موجِبٌ قويٌّ؛ فبلطفه وعد أن يرحمكم. قوله جلّ ذكره: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. أي إنْ عُدْتُم إلى الزَّلَّة عُدْنا إلى العقوبة، وإن استقمتم في التوبة عدنا إلى إدامة الفضل عليكم والمثوبة. ويقال إن عُدْتُم إِلَى نَقْضِ العَهْد عُدنا إلى تشديد العذاب. ويقال: إن عُدْتُم للاستجارة عدنا للإجارة. ويقال إن عُدتُم إلى الصفاء عدنا إلى الوفاء. ويقال إن عُدْتُمْ إلى ما يليق بكم عُدْنا إلى ما يليق بكرمنا. {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} لأنهم (...) وهم ناس كثير فهذه جهنم ومن يسكنها من الكافرين. و {حَصِيراً} أي محبساً ومصيراً. فالمؤمنُ - وإنْ كان صاحبَ ذنوب وإنْ كانت كبيرة - فإنَّ مَنْ خرج من دنياه على إيمانه فلا محالةَ يصل يوماً إلى غفرانه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} ذكر الرجاء وقدم الرحمة وتكلم من نفس التربية كانه تعالى دعاهم الى مقام الرجاء من مقام الخوف ومن رؤية الوحشة الى رؤية تربية الرب ومن رؤية العذاب الى رؤية الرحمة اى انا استعمل كرمى القديم على كل حال ان تطيعون وان تعصون على عواقب الامور لان وصفى غالب على كل وصف وانا غالب على امرى ثم انبت الاكساب القائمة بالمشية بقوله ان عدتم عدنا الى ان عدتم الى عالم القهريات عدنا معكم فننجيكم منها فان سوابق الكرم والرحمة غالبة على الغضب كما قال سبقت رحمتى غضبى وان عدتم الى عالم اللطف عدنا معكم الى عالم اللطف فاريكم جلالى فى لباس لطفى وان عدتم الى المعصية عدتم الى معادلكم التى خليقتها الجهل والعصيان عدنا الى ما كنا فى الازل من اللطف والكرم لان اللطف والكرم من نهارير القدم وان عدتم الى الهجران عدنا الى الوصال وان عدتم الى المجاهدة عدنا الى كشف المشاهدة وان عدتم الى النكرة عدنا الى المعرفة قال ابن عطا يتعطف عليكم فيخرجكم من ظلمات المعاصى الى انوار الطاعات فمن طلب الرحمة من غير الله فهو فى طلبه مخطى وقال سهل ان عدتم الى المعصية عدنا الى المغفرة وان عدتم الى الاعراض عنا عدنا الى الاقبال عليكم وان عدتم الى الفرار منا عدنا الى اخذ الطرق عليكم لترجعوا الينا وقال الوراق ان عدتم الى الطاعة عدنا الى التيسير والقبول وقال الاستادان استقمتم فى التوبة عدنا فى ادامة الفضل والمثوبة وقيل ان عدتم الى الخطاء عدنا الى الوفاء ثم بين سبحانه ان الفراق يعرف العارفين اصوب الطرق واقومها فى مسالكهم الى الله بقوله {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} اى ان القران يعرف اهله بنوره اصوب الطريق الى الله وتلك الطريقة طريق طاعته التى فى سلوكها لسالكيها مقام كشف وصاله وظهور جماله وانه يهدى للطريقة الصائبة فى نفسه من حقايقه بأنه يرشدهم بظاهره الى معانى باطنه ومن معانى باطنه الى نور حقيقة ومن نور حقيقة الى اصل الصفة ومن الصفة الى الذات فالقران اسماء ونعوت واوصاف وصفات يعرف للعارف الصادق عيون الذات والصفات والاسماء والنعوت والاوصاف وهى اقوم الطريقة لان العوام يسلكون اليه بأوصافهم واهل القرآن يسلكون اليه بصفاته اذا نحن أدلجنا وانت امامنا كفى لمطايانا يلقياك هاديا ويبشر اهله من الذين يتبعونه بمراد الحق ان لهم اجر المشاهدة وكشفها بلا حجاب ابدا قال ابن عطا القران دليل ولا يدل الا على الحق فمن اتبعه قاده الى الحق ومن اعرض عنه قاده الجهل الى الهلاك وقال ابو عثمان فى كتابه الى محمد بن الفضل من تمسك بالقران وفق للزوم الاستقامة لان الله يقول ان هذا القران يهدى للتى هى اقوم.
اسماعيل حقي
تفسير : {عسى ربكم}[شايد كه برورد كار شما يا بنى اسرائيل] {أن يرحمكم} [آنكه رحمت كندب برشما وبازشمار منعم] أى بعد المرة الثانية إن تبتم توبة اخرى وانزجرتم عن المعاصى فتابوا فرحمهم {وان عدتم} مرة ثالثة الى المعاصى. قال سعدى المفتى الاولى كما فى الكشاف مرة ثانية اذا العود مرتان والاول بدء لا عود إلا ان يقال اول المرات كونهم تحت ايدى القبط {عدنا} الى عقوبتكم ولقد عادوا فاعاد الله عليهم النقمة بان سلط عليهم الا كاسرة ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الاتاوة ونحو ذلك او عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وقصد قتله فعاد الله بتسليطه عليهم فقتل قريظة واجلى بنى النضير وقدر الجزية على الباقين فهم يعطونها عن يد وهم صاغرون وهم فى عذاب من المؤمنين الى يوم القيامة. وفى التأويلات النجمية {وان عدتم} الى الجهل {عدنا} الى العدل بل الى الفضل: وفى المثنوى شعر : جونكه بد كردى بترس ايمن مباش زانكه تخمست وبروياند خداش جند كاهى او بيوشاند كه تا آيد آخر زان بشيمان تورا بارها بوشد بى اظهار فضل باز كيرد از بى اظهار عدل تاكه اين هرد وصفت ظاهر شود آن مبشر كردد اين منذر شود تفسير : {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} اى محبسا ومقرا يحصرون فيه لا يستطيعون الخروج منها ابدا الآباد فهو فعيل بمعنى فاعل اى حاصرة لهم ومحيطة بهم وتذكيره اما لكونه بمعنى النسبة كلابن وتامر او لحمله على فعيل بمعنى مفعول او بالنظر الى لفظ جهنم اذ ليس فيه علامة التأنيث. وعن الحسن حصيرا اى بساطا كما يبسط الحصير المرمول والحصير المنسوج وانما سمى الحصير لانه حصرت طاقاته بعضها فوق بعض. واعلم ان جهنم عصمنى الله واياك منها من اعظم المخلوقات وهى سجن الله فى الآخرة يسجن فيه المعطلة اى نفاة الصانع والمشركون والكافرون والمنافقون واهل الكبائر من المؤمنين ثم يخرج بالشفاعة وبالامتنان الالهى من جاء النص الالهى فيه واوجدها الله تعالى بطالع الثور ولذلك خلقها الله تعالى فى صورة الجاموس وجميع ما يخلق فيها من الآلام التى يجدها الداخلون فيها فمن صفة الغضب الالهى ولا يكون ذلك عند دخول الخلق فيها من الجن والانس متى دخولها واما اذا لم يكن فيها احد من اهلها فلا ألم فيها فى نفسها ولا فى نفس ملائكتها بل هى ومن فيها من زبانتيها فى رحمة الله لمنغمسون ملتذون يسبحون الله لا يفترون. فعلى العاقل ان يتباعد عن الاسباب المقربة الى النار ويستعيذ بالله من حرها وبردها آناء الليل واطراف النهار ويرجون رحمة الله تعالى وهى فى التسليم والتلقى من النبوة والوقوف عند الكتاب والسنة عصمنا الله واياكم من المخالفة والعصيان وشرفنا بالموافقة والطاعة كل حين وآن وجعلنا من المخلصين فى بابه المقبلين على جنابه المحترزين عن عذابه وعقابه.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم: بأن قل لبني اسرائيل {عسى ربكم أن يرحمكم} إِن أقمتم على طاعته وترك معاصيه {وعسى} من الله واجبة، ويجوز ان يكون بمعنى الابهام على المخاطب. وقوله {وإِن عدتم} يعني في معاصي الله، والكفر به وجحد أنبيائه {عدنا} في عذابكم، والتسليط عليكم، كما فعلناه أول مرة، وقال ابن عباس وقتادة: عادوا فبعث الله عليهم المسلمين يذلونهم بالجزية والمحاربة إِلى يوم القيامة. قوله {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة: محبساً، والحصير الحبس، ويقال للملك حصير، لأنه محجوب، قال لبيد: شعر : وقماقم غلب الرقاب كأنهم جنّ لدى باب الحصير قيام تفسير : وقال الحسن: يعني مهاداً، كما قال {أية : لهم من جهنم مهاد}تفسير : والحصير البساط المرمول، يحصر بعضه على بعض بذلك الضرب من النسج، ويقال للجنبين: الحصيران، لحصرهما ما أحاطا به من الجوف وما فيه. وفيه لأن بعض أضلاعه حصر مع بعض، ويسمى البساط الصغير حصيراً، وحصير بمعنى محصور، كرضي بمعنى مرضي. ثم أخبر تعالى أن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم {يهدي} اي يدل {للتي هي أقوم} قال الفراء: لشهادة أن لا إِله إِلا الله. ويحتمل أن يكون المراد يهدي لجميع سبل الدين، التي هي أصوب من غيرها: من توحيد الله، وعدله، وصدق انبيائه، والعمل بشريعته، وفعل طاعاته، وتجنب معاصيه {ويبشر المؤمنين} يعني القرآن يبشرهم {بأن لهم أجراً كبيراً} وثواباً عظيماً، على طاعاتهم، ويبشرهم أيضاً بـ {أن الذين لا يؤمنون بالآخرة} ويجحدون البعث والنشور أعد الله لهم {عذاباً أليماً} يعني مؤلماً موجعاً، "واعتدنا" أصله أعددنا فقلبت إِحدى الدالين تاء، فراراً من التضعيف إِلى حرف من مخرج الدال، وتكون البشارة قد أوقعت على أن لهم الجنة، وأن لعدوهم النار، فلذلك نصب (أن) في الموضعين. ويحتمل أن يكون نصب (أن) الثانية على حذف اللام، والتقدير، لأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً، ولو كسرت على الاستئناف جاز غير أنه لا يقرأ به احد.
الجنابذي
تفسير : {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد ذلك بتقدير القول او خطاب لامّة محمّدٍ (ص) لانّ الآية تعريض بهم او خطاب للحاضرين من بنى اسرائيل {وَإِنْ عُدتُّمْ} الى طغيانكم {عُدْنَا} الى عقوبتكم وهذه عقوبة دنيويّة لها امد وانقطاع {وَجَعَلْنَا} فى الآخرة {جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} محصوراً فيها او حاصرة لهم مانعة عن الخروج، وتذكير الحصير امّا لكونه بمعنى المفعول او لتشبيه بالفعيل بمعنى المفعول، وعن ائمّتنا (ع) انّهم فسّروا الافسادتين بقتل علىٍّ (ع) وطعن الحسن (ع)، والعلوّ الكبير بقتل الحسين (ع) والعباد اولى البأس بقومٍ يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وتراً لآل محمّدٍ (ص) ووعد الله بخروج القائم (ع) وردّ الكرّة عليهم بخروج الحسين (ع) فى سيعين من اصحابه عليهم البيض المذهّب حين كان الحجّة القائمة (ع) بين اظهرهم وتملّك الحسين (ع) حتّى يقع حاجباه الى عينيه وفسّر بعلىٍّ (ع) ويوم الجمل وبنى اميّة وبالقائم (ع) واصحابه على نحو يظنّ انّه تنزيل لا تأويل.
الهواري
تفسير : قوله: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} . قال بعضهم: فعاد الله عليهم بعائدته. قال: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} عليكم بالعقوبة. كان أعلمهم أن هذا كله كائن. قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} قال الحسن: إن الله عاد عليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأذلّهم بالجزية. [قال بعضهم: هو كـ] ـقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي: وإذ قال ربك في تفسير بعضهم. وقال الحسن: أشعر ربك (أية : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) تفسير : [الأعراف:167]. قال بعضهم: إنهم عادوا فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته. ثم كان كتب أن يبعث عليهم العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة. قوله: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي: سجناً، أي: يحصرهم فيها. قوله: { إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي} أي: يدعو { لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وقال في المزمل[6] (أية : وَأَقْوَمُ قِيلاً) تفسير : أي: أصوب. {وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} أي: الجنة { وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي: موجعاً. قوله: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ} أي: يدعو بالشر على نفسه وعلى ولده وماله كما يدعو بالخير. وقال في آية أخرى: (أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) تفسير : [يونس:11] أي: لأمات الذي يدعو عليه. قال: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وقال بعضهم: يدعو على ماله فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه.
اطفيش
تفسير : {عَسَى رَبُّكُمْ أن يَرْحَمَكُمْ} بعد المرة الثانية فيرد دولتكم إِن تبتم. قال فى عرائس القرآن؛ قال محمد ابن اسحاق بن بشار وغيره من أهل الأَخبار: كانت بنو إِسرائيل يرتكبون الأَحداث والذنوب بعد موسى عليهِ الصلاة والسلام، وكان الله سبحانهُ يتجاوز عنهم ويحسن إِليهم وكان أول ما نزل بهم لذنوبهم ملكاً منهم يدعى صديقه، وكان الله إِذا ملك عليهم ملكاً بعث معهُ نبياً يسدده ويرشده ولا ينزل عليهم كتاباً إنما يؤمرون بأَحكام التوراة فبعث الله عز وجل شعياء بن أمضياء يسدد ويرشد صديقه، وشعياء هذا هو الذى بشر ببيت المقدس حين شكا الخراب، فقال: أبشرى سيأْتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير وصاحب الحمار هو سيدنا عيسى وصاحب البعير وسيدنا محمد - صلى الله عليهما وسلم - وكان شعياء قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وبقى الملك لصديقه وشعياء يرشده ولما عظمت فيهم الأَحداث بعث الله عليهم سنجاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية فنزل بيت المقدس وقد هابهم الناس وفروا منهم فكبر ذلك على الملك وهو مريض فى ساقه قرحة، فقال لشعياءٍ: يا نبى الله هل أتاك وحى من الله تعالى فيما حدث فتخبرنا كيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده. فقال: لا، فبينما هم كذلك إِذا أوحى الله إِلى شعياء عليهم السلام أن ائت ملك بنى إِسرائيل فمره أن يوصى بوصيته ويستخلف على أهل مملكته من يشاء من أهل بيته وعشيرته ومراد الله سبحانهُ وتعالى بذلك بيان أن الاجل كأَنه قد حضر ولو طال وبقيت له خمس عشرة سنة وبيان نعمة الله عليه إِذ أنجاه وجنوده من سنجاريب، كان كمن حضره الموت يقينا فنجى منه وإلا فقد بقى من أجله خمس عشرة سنة، والمراد أن عمره قسمان قد انقضى القسم الأَول وبقى القسم الثانى الذى زاده الله لدعائه وتضرعه الذى أذكره فيما بعده بقليل، وهذا القسم الثانى قضاه الله فى الأَزل وعلم به أيضاً والله أعلم، فأَتى شعياء صديقه فأخبره بذلك فاستقبل القبلة يصلى وبكى ودعا وقال فى دعائه وهو يبكى: اللهم رب الأَرباب إِله القدوس المتقدس، يا رحمن يا رحيم، يا رءوف الذى لا تأْخذه سنة ولا نوم، اذكرنى بعملى وفعلى وحسن قضائى، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به منى، سرى وعلانيتى لك. فأوحى الله جل جلاله إِلى شعياء أن خبر صديقه أنى استحييت له ورحمته وأخرت أجله خمس عشرة سنة وأنجيته من عدوه سنجاريب فأخبره بذلك شعياء عليه السلام، ومعنى أخرت أجله أى قضيت له فى الأَزل خمس عشرة سنة يعيشها بعد هذه المدة التى هى فى صورة حضوره الموت، فلما أخبره ذهب عنه الحزن والوجع وخر لله ساجداً، وقال: يا إِلهى وإِله آبائى لك سجدت وسبَّحت وكرمت وعظمت، أنت الذى تعطى الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة الأَول والآخر والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتجيب دعوة المضطرين، أنت الذى أجبت دعوتى ورحمت تضرعى، فلما رفع رأسه أوحى الله إِلى شعياء أن قل للملك صديقه يأْمر عبداً من عبيده فيأْتيه بالتين ويجعله على قرحته فيبرأ ففعل ذلك وبرئ، وقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعد فينا. قال الله تعالى لشعياء: قل له إنى قد أكفيتك عدوك وأنجيتك منهم وأنهم سيصبحون موتى كلهم إِلا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه، فلما أصبح جاء صارخ يصرخ على باب المدينة: يا ملك بنى إِسرائيل قد كفاك الله عدوك فاخرج إِن سنجاريب ومن معه قد هلكوا فخرج الملك فالتمس سنجاريب فلم يجده فى الموتى فبعث فى طلبه فأدركه الطلب فى مغارة وخمسة من كتابه أحدهم بخت نصر فجعلهم فى الجوامع أى فى القيود والسلاسل ثم أتوا بهم الملك، فلما رآهم خر لله تعالى ساجداً من حيث طلعت الشمس إِلى العصر ثم قال لسناجريب: كيف ترى فعل الله بكم ألم يغلبكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنجاريب: قد أتنى خبر ربكم ونصره إِياكم قبل أن أخرج من بلادى فلم أطع مرشداً فلم يلقنى فى الشقوة إلا قلة عقلى ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت على وعلى من معى فقال صديقه الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذى كفاناكم بما شاء، إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامتك ولكنه إِنما إبقاك لتزدادوا شقوة فى الدنيا وعذاباً فى الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل الله، ودمك ودم من معك أهون عند الله من دم قراد لو قتلت، ثم إن ملك بنى إِسرائيل أمر أمير جيشه فقذف فى رقابهم الحال وطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس وإِيلياء وكان يرزقهم فى كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، فقال سنجاريب لملك بنى إِسرائيل: القتل خير مما يفعل بنا فافعل ما أمرت فأَمر بهم إِلى السجن حتى يخرجهم إِلى القتل فأوحى الله تعالى إلى شعياء أن قل لملك بنى إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم ويكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ شعياء ذلك فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل، فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له سحرته: يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبرهم وخبر نبيهم ووحى الله إِليهم فلم تطيعونا وهم أمة لا يستطيعها أحد من ربهم وكان ذلك آية وعبرة ومات سنجاريب بعد ذلك بسبع سنين واستخلف بخت نصر وكان ابن ابن له، وكان بخت نصر يعمل كما يعمل جده ويقضى بقضائه فلبث سبع شرة سنة ثم قبض الله ملك بنى إِسرائيل صديقه فمرج أمر بنى إِسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضاً وظهر فيهم الفاسد ونبيهم شعياء ينهاهم عن ذلك ولا يرجعون إِليه ولا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك، قال الله تعالى لشعياء عليه السلام: قم فى قومك فأَوحى على لسانك فلما قام فيهم أنطق الله لسانه بالوحى فقال: يا سماء اسمعى ويا أرض أنصتى فإِن الله يريد أن يقص شأن بنى إِسرائيل الذين أنعم الله عليهم بنعمته واصطفاهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده واستقبلكم بالكرامة وهم كالغنم الضائعة لا ارعى لها فآوى شاردها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها وسمن مهزولها وحفظ سمينها فلما فعل ذلك بطرت وتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضاً حتى لم يبق فيهم عظم صحيح يجبر إِليه آخر كسير، فويل هذه الأُمة الخاطئة الذين لا يريدون ما جاءهم من الخير وهم أولو الأَلباب والعقول ليسوا ببقر ولا حميراً إِنى ضارب لهم مثلا فليسمعوه: قل كيف ترون أرضا مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم فأَقبل عليها بالعمارة يكره أن تخرب أرضه فأَحاط عليها جداراً وشيد فيها قصراً وأنهر فيها نهراً وصنف فيها غرساً من الزيتون والرمان والنخيل والأَعناب وأنواع الثمار كلها وولى عليها واستحفظ ذا رأى وحكمة حفيظاً قوياً أميناً وانتظرها فلما أطلعت جاء طلعها خروباً فقالوا بئست الأَرض هذه نرى أن نهدم جدارها وقصرها وندفن نهرها ونقطع قيمها ونحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خراباً مواتاً لا عمران فيها. قال الله عز وجل: قل لهم إِن الجدار دينى والقصر شريعتى والنهر كتابى والقيم نبيي والغرس هم والخروب الذى أطلعه الغرس أعمالهم الخبيثة وإنى قضيت لهم قضاءهم على أنفسهم وأنه مثل ضربه الله لهم يتقربون إِلى بذبح البقر والغنم وليس ينالنى اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إِلى بالتقوى والكف من ذبح الأَنفس التى حرمتها فأيديهم مخضوبة منها ملئت بدمائهم يشيديون بها المساجد ويطهرون أبوابها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها فأَى حاجة لى بتشييد البيوت ولست أسكنها وأى حاجة لى بتزويق المساجد ولست أدخلها إِنما أمرت برفعها لأُذكر فيها ولأسبح ولتكون معلما لمن أراد أن يصلى فيها، يقولون لو كان الله يقدر على أن يفقه قلوبنا لفقهها فائت بعمودين يابسين وقل لهما الله يأْمر كما أن تكونا عوداً واحداً فلما قال لهما ذلك اختلطا فصارا واحداً. فقال الله عز وجل قل لهم إِنى قدرت على أن أجمع بين الأَعواد اليابسة وأن ألف بينهما فكيف لا أقدر أن أجمع ألفتهم إِن شئت، أم كيف لا أقدر أن أفقه قلوبهم يقولون صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تقبل صلاتنا وتصدقنا فلم تزل صدقتنا ودعونا مثل حنين الحميم وبكينا بمثل عواء الذئاب وفى كل ذلك لا يستجاب لنا، قال الله عز وجل: فاسأَلهم ما الذى يمنعهم أن أستجيب لهم ألست أسمع السامعين وأنظر الناظرين وأقرب المخبتين وأرحم الراحمين ولست قليلا ذات اليد كيف ويداى مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء، مفتاح الخزائن عندى لا يفتحها غيرى أو الآن رحمتى ضاقت كيف ورحمتى وسعت كل شئ وإِنما يتراحم المتراحمون بفضلها أو الآن البخل يعترينى أو لست أكرم الأكرمين والفتاح بالخيرات أجود من أعطى وأكرم من سأَل لو أن هؤلاء القوم نظروا لأَنفسهم بالحكمة لنورت قلوبهم ونبذوها واشتروا بها الدين أو لا يعلمون أنها أعدى الأَعداء فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونهُ بقول الزور ويتقون عليهِ بطعمه الحرام أم كيف أقبل صلاتهم وقلوبهم طاغية تركن إِلى من يجاربنى وينتهك محارمى أو تزكو عندى صدقاتهم وهم يتصدقون بأَموال غيرهم، إِنما أجزى أهلها المغصوبة هى منهم أم كيف أستجيب لهم دعاءهم وإِنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد إِنما أستجيب للورع اللين، وإِنما أسمع قول المتعفف المسكين وأنه من علامة رضائى رضاء المساكين ولو قربوا الضعفاء وأنصفوا المظلوم وأدوا اليتيم والأَرملة والمسكين ولك ذى حق حقه لكلمتهم، لو كان ينبغى أن أكلم البشر ولكنت أبصارهم وسمع آذانهم ومعقول قلوبهم ولكنت عمارة أركانهم وقوة أيديهم وأرجلهم ولكنت ألسنتهم وعقولهم، يقولون لما سمعوا كلامى وبلغتم رسالتى إِنها أقاويل منقولة وأحاديث متواترة وتأْليف مما يؤلف السحرة والكهنة وزعموا أن لو شاءوا لأتوا بحديث مثله وأن يطلعوا على ذلك من علم الغيب بما يوحى إِليهم الشيطان وكلهم يستخفى بالذى يقول ويسروهم يعلمون إنى أعلم غيب السماوات والأَرض قضاء أثبته على نفسى وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد منه واقعاً فإِن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه وإِن كانوا يقدرون بمثل كلامى فليأْتوا بمثل هذه القدرة التى أمضى بها القضاء وليؤلفوا مثل الحكمة التى دبرتها وإِنى قضيت يوم خلقت السماوات والأَرض بأَن اجعل النبوة فى الأَرض والغنى فى الفقر والثورة فى الأَقلام والمدائن فى الفلوات والعلم فى الجهلة والحلم فى الأُميين فسأَلهم متى هذا ومن القيم بهذا وعلى يد من أسسه ومن أعوان هذا الأَمر وأنصاره فإِنى باعث لذلك نبياً أُمياً أهدى به أعمى من العميان وضالا من الضالين ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب فى الأَسواق ولا مريد الفحش ولا قوال بالخباء أسدده بكل جميع أهب له كل خلق كريم ثم أجعل السكينة لباسه والوقار شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقوله والصدق سجيته والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إِمامه والإِسلام ملته وأحمد اسمه، أهدى به من الضلالة وأعلم به بعد الجهل وأرفع به الخمالة وأستشهد به النكرة وأكثر به عبد القلة وأغنى به بعد العيلة وأجمع به بعد التفرقة وأؤلف به قلوباً مختلفة وأهواء مشتتة وأُمما متفرقة، فاجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأْمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إِيماناً وتوحيداً وركوعاً وسجوداً ويقاتلون فى سبيلى صفوفاً وزحوفاً ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتى ألهمهم التحميد والتكبير والتسبيح فى مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يكبرون ويهللون ويقدسون على رءوس الأَشهاد والأَشراف ويطهرون الوجوه والأَطراف ويعقدون فى الأَنصاف قربانهم دماءهم وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، ذلك فضلى أُوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ شعياء من مقالته عمدوا ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها أدركه الشيطان فأَخذ بهدبة من ثوبه فأَراهم إِياها فوضعوا المنشار فى وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه، واستخلف عليهم رجلا منهم يقال له قاسية بن أرمص ملكاً وبعث إِليهم نبياً ليسدده ويأْتيه بالخبر من الله تعالى واسمه أرمياء بن خليفا فيما قيل، وقال الله تعالى له: يا أرمياء من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن صورتك فى بطن أُمك قدستك، ومن قبل أن أخرجتك من بطن أُمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ السعى نبأتك، ولأَمر عظيم اجتبيتك فذكر قومك نعمتى وعرفهم أحداثهم وادعهم إِلى. فقال أرمياء إِنى ضعيف إِن لم تقونى عاجز إِن لم تنصرنى، فقال الله عز وجل أنا ألهمك، فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله عز وجل فى الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال لهم فى آخرها عن الله عز وجل إنى لأَحلف بعزتى لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ولا سلطان عليهم جباراً قاسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله سبحانه وتعالى إِلى أرميا عليه السلام إِنى مهلك بنى إِسرائيل بيافث، يعنى ذرية يافث بن نوح عليه السلام من أهل بابل فلما سمع أرمياء صاح وبكى فأَوحى الله سبحانه وتعالى وعز وجل شق عليك ما أوحيت إِليك. قال: نعم، يا رب أهلكنى قبل أن أرى فى بنى إسرائيل ما لا أسر به، قال الله: وعزتى لأهلك بنى إِسرائيل حتى يكون الأَمر فى ذلك من قبلك ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه فقال: لا والذى بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بنى إِسرائيل ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكاً صالحاً فاستبشر وفرح وقال: إِن يعذبنا ربنا فبذنوب لنا كثيرة وإِن عفى عنا فبرحمته ثم لبثوا بعد الوحى ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا فى الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقد الوحى ودعاهم الملك للتوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بخت نصر فخرج فى ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائراً أتى الملك الخبر، فقال الملك: لأرمياء أين ما وعدتنا زعمت أن أوحى إِليك، فقال: إن الله لا يخلف المعياد وأنا به واثق، فبعث الله عز وجل إِلى أرمياء ملكين فى صورة جل من بنى إسرائيل. فقال يا نبى الله أستغيثك فى أهل رحمى وصلتهم ولا يأْتيهم منى إلى حسن ولا يزيدوننى إلا تسخطا فاقتنى فيهم. فقال: لا حسن فيما يبنك وبين الله عز وجل وصلهم وأبشر بخير، فانصرف الملك فما لبث إِلا أياما ثم أقبل فى صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال أرمياء، أو ما ظهرت أخلاقهم لك بعد. فقال نبى الله: والذى بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأْتيها أحد من الناس إِلى أهل رحمه إلا قدمتها إِليهم وأضل، فقال أرمياء عليه السلام: ارجع إِلى أهلك وأحسن إِليهم واسأْل الله الذى يصلح عبده الصالحين أن يصلحهم لك فقام الملك ومكث أياماً ونزل بخت نصر وجنوده حول بيت المقدس بأَكثر من الجراد ففزع منهم بنو إِسرائيل وشق عليهم ذلك. فقال الملك لارمياء: فأَين ما وعدك الله فقال إِنى بربى واثق، ثم أقبل الملك على أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذى وعده وقعد بين يديده ذلك الملك، وقال: أنا الذى أتيتك فى شأْن أهل رحمى فقال الم يأن لهم أن يقلعوا عن الذى هم فيه. فقال الملك يا نبى الله كل شئ كان قبل، كنت أطيعهم واليوم رأيتهم على عمل لا يرضاه الله عز وجل فقال النبى عليه السلام: على أى عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من سخط الله تعالى، فغضبت لله تعالى على ذلك وأتيتك لأخبرك وإنى أسألك بالله الذى بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم، فقال أرمياء: اللهم يا مالك السماوات والأَرض إِن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإِن كانوا على سخط وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء أرسل الله صاعقة من السماء إِلى بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلما رأى ذلك أرمياء عليه السلام صاح وبكى وقال: يا مالك السماوات والأَرض أين ميعادك الذى وعدتنى فنودى إنه لم يصبهم الذى أصابهم إلا بدعائك وهى فتياك، فاستيقن أنها فتياه، وأن ذلك السائل كان رسول ربه، فطار أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بخت نصر وجنوده بيت المقدس ثم أمر جنوده أن يملأ كل واحد منهم ترسيه تراباً ثم يقذفه من بيت المقدس، فقذف فيه التراب حتى ملأه ثم انصرف راجعاً إِلى بابل واجتمع عنده سبايا بنى إِسرائيل، واختار منهم سبعين ألف صبى فلما أراد أن يقسم الغنائم فى جنوده، قال له الملك الذين كانوا معه: أيها الملك لك غنائمنا كلها وأقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بنى إِسرائيل، ففعل ذلك فأَصاب كل رجل منهم أربعة غلمان، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحماليا وعزازبا ومنشانيا وسبعة آلاف من بيت داود، وأربعة عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب عليه السلام وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط آرمر بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهودا، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابنى يعقوب والباقى من بنى إِسرائيل فجعل بخت نصر سبايا بنى إِسرائيل ثلاث فرق، ثلث أقر بالشام وثلث سبى وثلث مثل وذهب بأَوانى بيت المقدس حتى قدم بها بابل وهذه هى الوقعة الأَولى، وذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : فإِذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا}تفسير : ، يعنى بخت نصر وأصحابه، روى حجاج عن ابن جريج عن يعلى بن مسلم عند سعيد ابن جبير، قال: كان رجل من بنى إِسرائيل يقرأ توراة حتى إِذا بلغ: بعثنا عليكم عبادا لنا أُولى بأْس شديد، فاضت عيناه ثم أطبق المصحف وقال: أى ربى أرنى وجه هذا الرجل الذى جعلت هلاك بنى إِسرائيل على يديه، فرأى فى المنام مسكيناً ببابل يقال له بخت نصر فانطلق بمال وعبيد له وكان رجلا موسراً، فقيل له: أين تريد. قال: أريد التجارة، فسار حتى نزل داراببابل فاستكراها ليس فيها أحداً غيره فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إِلا ساءَله عن اسمه، فقال هى بقى منكم مسكين غيركم. فقولوا: نعم مسكين بفتح آل فلان مريض يقال له بخت نصر. فقال لغلمانه احتملوه، وأُتوا به إِليه وداواه وكساه وأعطاه نفقته وقال له: ما اسمك فأْخبره باسمه ثم أذن الإِسرائيلى بالرجل فبكى بخت نصر، وقال له الإِسرائيلى: ما يبكيك فقال أبكى لأَنك فعلت معى ما فعلت ولا أجد شيئاً أجزيك به. قال بلى شيئاً يسيرا. فقال: ما هو؟ فقال: إِن ملكت فأعتقنى، فجعل يتبعه ويقول أتستهزئ بى، فبكى الإِسرائيلى وقال لقد علمت ما يمنعك أن تعطينى ما سأَلتك إِلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قضى وضرب الدهر ضرباته فقال صحيون وهو ملك فارس وبابل لو أنا بعثنا طليعة إِلى الشام، قالوا وما ضرك إِن فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلانا فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف راية وخرج بخت نصر فى مطبخته لم يخرج إِلا ليأكل فى مطبخته وكان مسكينا يسائل ما يقتات به فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا فكبر ذلك فى ذرعه فلم يسأل فجعل بخت نصر يسأَل مجالس الشام ويقول ما يمنعكم أن تغزوا بابل فلو غزوتموها لغنمتم غنيمة عظيمة. قالوا: لا نحسن القتال. قال: فلو أنكم غزوتم لأَحسنتم القتال. قالوا: لا نقاتل فلم يزل يقول ذلك فى كل مجلس حتى أتم مجلس الشام ثم رجعوا فأَخبر الطليعة ملكهم بما رأوا وجعل بخت نصر يقول لفوارس الملك لو دعانى الملك لأَخبرته غير ما أخبره فلان، قد دعاه فقال إن فلانا لما رأى أرض الله كراعا ورجلا جلد أكبر ذلك فى ذرعه ولم يسألهم عن شئ، وإِنى لم أدع مجلسا بالشام إِلا سأَلت أهله فقلت لهم كذا وكذا. قال سعيد بن جبير قال صاحب الطليعة لبخت نصر أعطى لك مائة ألف وتنزع عما قلت. قال لو أعطيتنى بيت بابل ما نزعت فضرب الدهر من به، فقال الملك لو بعثنا جريدة خيل إِلى الشام فإِن وجدوا مساغا سعوا وإِلا مشوا ما قدروا قالوا ما ضرك لو فعلت. قال: فمن ترون. قالوا: فلانا. قال: بل الرجل الذى أخبرنى فدعا بخت نصر فأَرسله واختار معه أربعة آلاف فارس من فرسانهم فانطلقوا وخربوا وقتلوا ومات صحيون فقالوا: نستخلف رجلا، فقالوا: على رسلكم حتى يأتى أصحابكم فإِنهم فرسانكم فأَمهلوا حتى جاء بخت نصر بالسبى ومن معهم فقسموا بين الناس فقالوا ما رأينا أحق بالملك من هذا فملكوه. وقال السدى بإِسناده إن رجلا من بنى إِسرائيل رأى فى المنام أن خراب بيت المقدس وهلاك بنى إِسرائيل على يد غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل ويدعى بخت نصر، فأَقبل يسأَل حتى نزل على أُمه وقد ذهب تحطب فجاء وعلى رأسه حزمة من حطب فأَلقاها ثم رأى رجلا قاعدا بجانب من البيت فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم وقال اشترى بها طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا، فأَكلوا وشربوا حتى إِذا كان اليوم الثانى فعل ذلك واليوم الثالث فعل ذلك ثم قال: إنى أحب أن تكتب لى أمرا إِن ملكت يوما من الدهر فقال: تسخر بى. قال: لا إِنى لا أسخر بك ولكن ما منعك أن تكتب لى تتخذها عندى يدا فكلمته أُمه، وقالت: ما عليك إِن كان وإِلا لم ينقصك شيئا فكتب له أمانا فقال: أرأيت إِن جئت والناس حولك قد حالوا بينى وبينك فاجعل لى علامة تعرفنى بها. قال: ترفع صحيفتك على قصبة أعرفك بها فأَعطاه وكساه، ثم إِن ملك بنى إِسرائيل كان يقرب يحيى ابن زكريا ويدنى مجلسه ويستشيره فى أُموره ولا يقطع أمرا دونه وإِنه هم أن يتزوج امرأة، هذا قول السدى وقيل: كانت ابنة أخيه وهو الصحيح إِن شاء الله لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بعث الله عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا فى إِثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، فكان ما نهاهم عنه نكاح بنت الأَخ قال وكانت لملكهم بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، وكانت لها فى كل يوم حاجة تقضيها من الملك فسأَل الملك يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها فقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أُمها فحقدت على يحيى عليه السلام فأَلبست بنتها لباساً رقيقاً أحمر وطيبتها بالمسك وألبستها الحلى وفوق ذلك كساء أسود، وأرسلتها إِلى الملك حين جلس على سريره للشراب وأمرتها أن تسقيه وتتعرض له، فلما أخذ فيه اشراب وراودها عن نفسها قالت لا أفعل حتى تعطينى ما أسأَلك. قال: ما تسألينى؟ قالت: أسأَلك أن تبعث إِلى برأس يحيى بن زكريا فى هذا الطست فقال ويحك اسأَلينى غير ذلك. قالت: ما أريد إلا هذا. وقال: اسأَلينى غير هذا، فلما أبت عليه الثالثة بعث إِليه فأَتى برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك، فلما أصبح الملك إِذا دمه يغلى فأَمر بتراب فأَلقى عليه فرقى الدم فوق التراب يغلى فأَلقى عليه التراب أيضاً فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو مع ذلك يغلى. وروى أن الملك فى ذلك الزمان لا يليه من كذب عمدا وإِن الملك سأَل أن يتزوج بنت أخيه فرخصوا له ومنع يحيى، فلما قال لابنة أخيه سلى حكمك. قالت حتى أنطلق إِلى أُمى فقالت أُمها: قوى دم يحيى فقالت: أقول خيرا من هذا فقالت أُمها: هذا خير لك فوضعت الشفرة على عنقه فقال بالله وتا الله هذا ما بايع عليه يحيى بن زكريا عيسى بن مريم على أنه يزنى ولا يسرق ولا يلبس أمانة بسوء، فلما مرت الشفرة على أوداجه وذبحته نادى مناد يا رب البنت الخطئة العاوية. قيل: إنها كذلك فما تريد منها قال: إِن تهلك فإِنها أول من يدخل النار فخسفت البنت فجاءُوا بالمعاويل ويحفرون وهى تدخل فلم يقدروا عليها فبلغ ذلك سنجاريب ملك بابل فندى فى الناس وأراد أن يبعث إِليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا، فأَتاه بخت نصر وكلمه وقال له: إن الذى أرسلت تلك المرة ضعيف وإِنى قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها فابعثنى فبعثه فسار بخت نصر بالجيش حتى بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه فى مدائنهم فلم يطقهم فلما اشتد عليه المقام وجاع أصحابه أرادوا الرجوع فخرجت إِليهم عجوز من بنى إِسرائيل فقالت: أين أمير الجيش فأَتوا بها إِليه فقالت له: بلغنى عنك أنك تريد الرجوع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، طال مقامى وجاع أصحابى فلست أستطيع المقام فوق الذى كان منى. فقالت: أرأيتك إِن فتحت لك المدينة أتعطينى ما أسألك. قال: نعم. قالت: أتقتل من أمرتك بقتله وتكف إِذا أمرتك أن تكف. قال: نعم قالت: إِذا أصبحت فاقسم الجيش أربعة أقسام ثم أقم على كل زاوية ربعاً ثم ارفعوا أيديكم إِلى السماء ونادوا إِنا استفتحناك بالله وبدم يحيى بن زكريا فإِنها تساقط ففعلوا فتساطقت المدينة، فدخلوا من جوانبها: فقالت له: كف يدك واقتل على هذا الدم حتى يسكن، فانطلقت به إِلى دم يحيى بن زكريا وعليه تراب كثير وهو يغلى فقتل عليه سبعين ألفاً فسكن الدم فلما سكن الدم قالت له: أمسك يدك فإِن الله تبارك وتعالى إِذا قتل نبى لم يرضى حتى قتل من قتله وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفة فكف عنه وعن أهل بيته، وخرب بيت المقدس وأمر أن تطرح الجيف والعذر فيه، وقال لبنى إِسرائيل من طرح فيه جيفة فله جزية تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بنى إِسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا فلما خربه بخت نصر ذهب معه بنو إِسرائيل وأُمراءَهم ودانيال وقوم من أولاد الأَنبياء وذهب برأس يحيى فلما قدم بخت نصر أرض بابل وجد سنجاريب قد مات، فملك مكانه واستقام له الأَمر وأتت على ذلك مدة، ثم إِن بخت نصر رأى رؤيا عجيبة فأَفزعته فساءل عنها الكهنة والسحرة فعجزوا عن تفسيرها فبلغ ذلك دانيال، وكان فى السبى مع أصحابه وقداحه صاحب السجن وأُعجب به لما رأى من حسن سمعته فقال دانيال لصاحب السجن: إِنك قد أحسنت إِلى وإِن صاحبكم قد رأى رؤيا فدله على لأَعبرها له فجاء السجان فأَخبر الملك بقصة دانيال فقال: على به، وكان لا يقف بين يديه أحد إلا سجد له فأَتوا به فقام بين يديه ولم يسجد فقال؛ ما الذى منعك من السجود. فقال: إِن لى رباً أتانى العلم والحكمة وأمرنى أن لا أسجد لغيره فخشيت إن سجدت لغيره أن ينزع منى علمه الذى أتانى فيهلكنى، فعجب منه وقال: نعم ما عملت حين وفيت بعهده وجللت علمه، وقال له: هل عندك علم بهذه الرؤيا. قال: نعم. قال: أى شئ رأيت. قال: إنك رأيت كذا .. وكذا. قال: نعم. روى عبد الرحمن بن معقل أنهُ سمع وهب بن منبه يقول: إن يخت نصر رأى رؤيا أخر زمانه صنما رأسه ذهب، وصدره فضة، وبطنه نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه من فخار، ثم رأى حجراً وقع عليه من السماء فدقه ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها فى الأَرض وفرعها فى السماء ثم رأى رجلا عليها وبيده فأْس، وسمع منادياً ينادى اضرب جذعها لينفر الطير من فرعها وتفرق الدواب والسباع من تحتها واترك أصلها قائما، فعبرها دانيال فقال: أما الصنم الذى رأْيته رأْسه من ذهب فأنت الرأس وأنت أفضل الملوك، وأما الصدر الذى من فضة فابنك يملك بعدك، وأما البطن الذى رأيت من نحاس فملك يكون من بعدك وأما الفخذان اللذان رأيت من حديد ففرقتان فى فارس تملكان أشد الملك، وأما الفخار فأُمتان ضعيفتان تملكهما امرأتان، وأما الحجر الذى رأيت قد ربا حتى بلغ ما بين المشرق والمغرب فنبى يبعثه الله فى آخر الزمان فيغرق ملكهم كله حتى يبلغ ما بين المشرق والمغرب، وأما الشجرة التى رأيت والطير والسباع والدواب والذى أمر بقطعها فيذهب ملكك فيردك الله طائراً تكون نسراً تملك الطير ويردك الله تملك الدواب ثم يردك الله أسداً تملك السباع والوحوش سبع سنين فى كل من ذلك على حدة وقلبه فى ذلك كله قلب إِنسان حتى يعلم أن الله سبحانهُ له ملك السماوات والأَرض وهو يقدر على الأَرض ومن عليها، فما دام أصلها قائما فإِن ملكك قائم فمسخ بخت نصر نسراً ثم ثوراً ثم أسداً ثم رد الله عليه ملكه فآمن ودعا الناس إِلى الله عز وجل، وشك ابن وهب أمات مؤمناً، قال: وجدت أهل الكتاب اختلفوا فمنهم من قال: مات مؤمنا، ومنهم من قال: مات كافراً لأَنه أحرق بيت المقدس وكتبه وقتل الأَنبياء، وغضب الله عليهِ غضباً شديداً فلم يقبل منه توبته، قال: فلما عبر دانيا لبخت نصر رؤياه وأخبره بها أكرمه وأكرم أصحابه وجعل يقبل من يستشيره فى أمره، حتى كان أكرم الناس عليه وأحبهم إِليه، فحسده أصحابه المجوس على ذلك فأَتوا به وأصحابه إِلى بخت نصر وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأْكلون ذبيحتك. فدعاهم فسأَلهم. فقالوا: إِن لنا رباً نعبده ولسنا نأْكل من ذبيحتك فأَمر بخد فخدلهم فألقاهم فيها هم ستة, ألقى معهم سبعاً ضارياً ليأْكلهم، ثم قال لأَصحابه: انطلقوا بنا لنأْكل ونشرب فذهب وأكلوا وشربوا، ثم رجعوا فوجدوهم جلوساً والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم واحداً ووجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما هذا السابع إِنما كانوا ستة فخرج السابع وكان ملكاً فلطمه لطمة فصار فى الوحوش ثم رده الله إِلى صورته ورد عليه ملكه، فلما رده الله كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسده المجوس ووشوا به ثانية، وقالوا بخت نصر إِذا شرب الخمر لا يملك نفسه أن يبول وكان ذلك فيهم عاراً فجعل لهم بخت نصر طعماً فأكلوا وشربوا، وقالوا: للبواب انظر أول من يخرج عليك ليبول فاضربه وإِن قال: أنا بخت نصر أمرنى، فحبس الله البول على دانيال عليه السلام وكان أول من خرج من القوم يريد البول بخت نصر فقام ليبول وكان ذلك ليلا فقام يحسب أذياله فلما رآه البواب فقال: أنا بخت نصر قال: كذبت. بخت نصر أمرنى أن أقتل أو من يخرج فضربه فقتله، فقال السدى: لما أراد الله جل جلاله هلاك بخت نصر قال لمن كان فى يده من بنى إِسرائيل: أرايتم هذا البيت الذى خربت وهؤلاء الناس الذين نلت منهم، وما هذا البيت. قالوا: بيت الله عز وجل ومسجد من مساجده وهؤلاء أهله كانوا من ذرارى الأَنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا الله فسلطك الله عليهم بذنوبهم وربهم رب السماوات والأَرض يكرمهم ويمنيهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله تعالى وسلط عليهم عدوهم فقال: أخبرونى ما يطلع بى إِلى السماء العليا فأقتل من فيها وأتخذ ملكاً فإِنى قد عرفت من فى الأَرض ومن فيها. قالوا: لا يقدر أحد من الخلائق. قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم، فشكوا إِلى الله عز وجل وتضرعوا إِليه فبعث الله بعوضة ليريه قدرته وضعفه أى ضعف بخت نصر ودخلت فى منخره ثم ساخت به حتى غاصت بأُم رأْسه فما كان يقر ولا يسكن حتى شرف على الموت فلما أيقن بالموت قال لخاصته من أهله: إِذا مت فشقوا رأسى وانظروا ماذا الذى قتلنى، فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة غاصت بأُم رأسه ليرى عباده قدرته وسلطانه ونجى الله من بقى فى يده من بنى إِسرائيل ورحمهم وردهم إِلى أيليا والشام وتبوأوا فيها وربوا وكثروا حتى كانوا أكثر مما كانوا قبل ذلك، فيزعمون أن الله عز وجل أحيا أُولئك المؤمنين الذين قتلوا ولحقوا بهم، أنهم لما رجعوا إِلى الشام وقال بعضهم: عمر بخت نصر أيام مسخه ألفاً وخمسمائة عام وخمسين يوماً، ولما مات استخلف ابنه سطاس وكانت آنية بيت المقدس التى حملها بخت نصر إِلى بابل عنده وشحمها بلحوم الخنازير وأكل وشرب فيها واستقضى دانيال ولم يقبل منه واعتزله دانيال فبينما سطاس قاعد ذات يوم إِذا برزت له كف متعلقة بغير ساعد وكتبت له ثلاثة أحرف بمشهده، ثم غابت وعجب من ذلك ولم يدر معنى ذلك فدعا دانيال عليه السلام واعتذر إِليه وسأَله أن يقرأ ذلك ويخبره بتأْويله. فقال دانيال: بسم الله الرحمن الرحيم وزن يخف ووعده يجز وجمعه يتفرق فقال: أما وزن يخف فإِنه وزن عملك فى الميزان، ووعد يجز فإِنه ما تقدم لك ولأبيك من الملك العظيم، والجمع المتفرق تفرقكم إِلى يوم القيامة فلم يلبث إِلا يسيراً حتى أهلكه الله تعالى وأضعف ملكهم وبقى دانيال بأَرض بابل حتى إِلى أن مات بالسوس، قيل لما فتح الله السوس على يد أبى موسى الأَشعرى فى خلافه عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - غنم أموالهم وأفضى إِلى خزانة مقفلة ختم قفلها بالرصاص، فقال أبو موسى فى الخزانة فإِنى أراها مختومة بالرصاص. فقالوا: أيها الأَمير ليس فيها من حاجتك. فقال: لا بد لى أن أعلم بما فيها فافتحوا لى بابها حتى أنظر ما فيها فكسروا القفل وفتحوا الباب ودخل أبو موسى الخزانة فنظر فإِذا هو بحجر طويل محفور على مثل الحوض وفيه رجل ميت كفن فى أكفان منسوجة بالذهب ورأْسه مكشوف، فتعجب أو موسى من طوله وكذلك كل من كان معه ثم أنهم شبروا أنفه، فإِذا أنفه يزيد على شبر. فقال أبو موسى: ويحكم من هذا الرجل. فقالوا: هذا الرجل كان بالعراق وكان أهل العراق إِذا حبس عنهم الغيث بستسقون به فيسقون فأَصابنا من قحط المطر ما كان يصيب أهل العراق فأرسلنا إِليهم وسأَلناهم أن يدفعوه إِلينا حتى نستسقى به فأَبوا علينا، فرهنا عندهم خمسين رجلا وحملناه إِلى بلدنا هذا ثم استسقينا به فسقينا فرأينا أن نرده عليهم فلم يزل مقيماً عندهم إِلى أن أدركته الوفاة، وكتب أبو موسى إِلى عمر يخبره بما فتح الله عز وجل عليه من السوس وأموالها وبخبر الرجل فدعا عمر - رضى الله عنه - أكابر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألهم عن ذلك فما وجد عند أحد علما، فقال على بن أبى طالب: إن هذا الرجل هو دانيال الحكيم وهو نبى غير مرسل كان فى قديم الزمان مع بخت نصر ومن بعده من الملوك وجعل على يحدث عمر بقصته إِلى وفاته، ثم قال له اكتب إِلى صاحبك وأْمره أن يصلى عليه ويدفنه فى موضع لا يقدر أهل السوس على حفره. فكتب عمر إِلى أبى موسى فأمر أبو موسى أهل السوس أن يقلبوا نهرهم إِلى موضع آخر ثم أمر بدانيال فكفن فى أكفان فوق التى كانت عليه ثم صلى عليه هو وجميع أصحابه ومن كان معه من المسلمين وأمر بقبره فحفره فى وسط النهر ثم دفنه وأجرى عليه الماء - ويقال إن دانيال فى نهر السوس إِلى يومنا هذا يجرى عليه الماء. قال الأستاذ: بعض ما ذكر من قصة بخت نصر غلط لأَن بخت نصر غزا إِسرائيل عند قتلهم شعياء، وفى عهد أرمياء عليه السلام وهى الوقعة الأُولى التى قال فيها الله تبارك وتعالى: {أية : فإِذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأْسٍ شديد}تفسير : . يعنى بخت نصر وأصحابه ومن عهد أرميا وتخريب بخت نصر بيت المقدس إِلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة وستون سنة وإِنما الصحيح من ذلك محمد بن إِسحاق أن بنى إِسرائيل عَمَّرُوا الشام وعادوا إِليه بعد تخريب بخت نصر فأحدثوا أحداثاً بعد موت عزير وبعث الله تعالى فيهم أنبياء فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون وآخر من بعث الله جل جلاله إِليهم زكريا ويحيى وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود فمات زكريا وقتل يحيى وبعض يقول قتل زكريا فبعث الله سبحانهُ وتعالى إِليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له كردوس فلما ظهر عليهم قال لرئيس جنوده: إنى حلفت بإِلههم لئن ظهرت على بيت المقدس لأقتلهم حتى تسيل دماؤهم فى وسط عسكرى إلا إن لم أجد أحداً أقتلهُ، فأَمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك فأَقام ذلك الرئيس ويسمى نبوازرادان فى البقعة التى يقربون فيها قربانهم فوجد دماً يغلى فسألهم عنه فقالوا: هذا دم قربان قربناه فلم يتقبل منا فلذلك كان يغلى كما تراه ولقد قربناه منذ ثمانى مائة سنة، قال ما صدقتمونى الخبر. قالوا له: لو كان من أول زماننا تقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحى فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين من رؤسائهم فلم يهدأ الدم فأَمر بسبعة آلاف من سباياهم وذبحهم على الدم فلم يهدأ فقال لهم ويلكم يا بنى إِسرائيل اصبروا واصدقوا على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم فى الأَرض تفعلون ما شئتم قبل أن لا أترك فيكم نافخ نار منكم ذكراً ولا أنثى إلا قتلته فلما رأوا الحد وشدة القتل صدقوه الخبر. فقال: هذا دم نبى منا كان ينهانا عن أُمور كثيرة من سخط الله تعالى فلو أطعناه فيها كان أرشد لنا وكان يخبرنا بأَمركم فلم نصدقه وقتلناه وهذا دمه فقال لهم: ما اسمه. قالوا: يحيى بن زكريا. قال: الآن صدقتمونى المثل هذا ينتقم منكم ربكم فخر ساجداً، وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان هنا من جيش كردوس وخلا فى بنى إِسرائيل، ثم قال يا يحيى بن زكريا قد علم ربى وربك ما أصابك قومك من أجلك وما قتل منهم من أجلك فهذا بإِذن الله قبل أن لا أبقى من قومك أحداً فهذا دم يحيى بن زكريا بإِذن الله تعالى ورفع بنوازرادان عنهم القتل، وقال: آمنت بالذى آمنت به بنور إِسرائيل، وصدقت به وأيقنت أن لا رب غيره، فأَوحى الله إِلى رئيس من رؤسائهم من بقية الأَنبياء أن بنوازرادان حنون صدوق وحنون بالعبرانية حديث الإِيمان قريب العهد به، ثم قال بنوازرادان أن عدوم الله كردوس أمرنى أن نقتلكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإنى لست أستطيع أن أعصيه. قالوا: نفعل ما تؤمر به، فأَمرهم فحفروا خندقا ومروا بما لهم من الخيل والبغال والحمير والإِبل والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم فى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم فلما نظر كردوس ما فى الخندق من الدم وبلغ الدم عسكره بعث إِلى بنوزرادان أن ارفع عنهم القتل ثم انصرف عنهم إِلى باب وقد أفنى بنى إِسرائيل فى الوقعة الأَخيرة التى أنزل الله فى بنى إِسرائيل فى قوله تعالى: {أية : فإِذا جاء وعد الآخرة} تفسير : وكان لكردوس وجنوده فلم تقم لهم بعد راية وانتقل الملك عن الشام ونواحيها إِلى الروم الآن بقايا بنى اسرائيل كثروا بعد ذلك وانتشروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك وكانوا فى نعمة ومتعة إِلى أن بدلوا وأحدثوا واستحلوا المحارم وضيعوا حدود الله عليهم طلطوس الرومى ابن اشتيانوس فأخبر بلادهم وطردهم عنها ونزع الله منهم الملك والرياسة وضرب عليهم الذلة والمسكنة، فلم يكونوا فى أمم من الأمم إلا وعليهم الجزية والصغار والملك فى غيرهم وبقى بيت المقدس خراباً إِلى أيام عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فعمره المسلمون بأَمره وهذه مرة ثالثة عادوا إِلى الفساد فأعاد الله عليهم بالانتقام فما زالوا فى ازدياد هوان كما قال الله تبارك وتعالى: {وإِنْ عُدتُّمْ} إِلى المعصية، {عُدْنا} إِلى العقوبة. وقال قتادة فعادوا فبعث الله عز وجل عليهم محمداً - صلى الله عليه وسلم - يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون وكذا عن الحسن، قال قتادة: بعث الله عليهم هذا الحرب من العرب فهم منهم فى عذاب إِلى يوم القيامة وذلك أنهم كذبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقصدوا قتله فسلط الله جل جلاله عليهم فقتل قريظة وأجلى بنى النضير وضرب الجزية على الباقين ثم أجلاهم عمر رضى الله عنه عن جزيرة العرب ويجمع ذلك بما ذكرته من أنهم عادوا إِلى الفساد مرة ثالثة فعاد الله عليهم بالانتقام فما زالوا فيه بأَيدى فارس ثم بأَيدى العرب هذا جزاؤهم فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب دائم كما قال الله تعالى جل جلاله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ} منكم يا بنى إِسرائيل وغيركم {حَصِيراً} سجناً يحصرهم حصراً عظيماً لا يقدرون على الخروج منه ولا يخرجون أبدا، وعن الحسن حصيراً بساطاً كما يبسط الحصير ففيه تهكم بهم فإِن الحصير يبسط للخير أخبرهم أنه يفرش لهم النار.
اطفيش
تفسير : {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} إلخ هو مما فى التوراة محكيا بالقول المقدر، قبل: إن أحسنتم إلخ، كأنه أعيد القول هكذا قائلين، أو قلنا: عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الأولى. {وَإِنْ عُدْتُمْ} أى رجعتم إلى الإفساد مرة ثالثة {عُدْنَا} إلى العقاب لكم، وقد عادوا إلى الإفساد بتكذيب رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله مراراً كإلقاء الصخرة عليه فى أعمال المدينة، وفى الشام، وإطعام السم وغير ذلك، فعاد الله عز وجل عليهم بتسليطه عليهم، فقتل قريظة، وأجلى بنى النضير، وضرب الجزية على الباقين، وتسليط الأكاسرة عليهم، وضربهم الاتاوة عليهم ونحو ذلك، والعقاب ثلاث مرات، والعود مرتان، لأن الأولى ليست عوداً وتلك العقوبات الثلاث فى الدنيا. وأما عذاب الآخرة ففى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ} لم يقل لهم لزيادة ذمهم، وذكر ما به العقاب وهو الكفر، أو للعموم فيدخلون بالأولى. {حَصِيرًا} موضعًا حاضراً لا طاقة لهم عن الخروج منه، وهذا باعتبار أصله فى الاشتقاق، مع أنه قد خرج منه إلى معنى الموضع المسمى بالسجن، فلاعتبار معنى الموضع صح الإخبار عن المؤنث، وهو جهنم، ولم يقل حصيرة لتأويل جهنم بالسجن، أو الحصير للنسب كما يقال: امرأة لابن أى ذات لبن، وهو وجه فى قوله تعالى: "أية : السماء منفطر به"تفسير : [المزمل: 18] أو لحمل فعيل بمعنى فاعل على فعيل، بمعنى مفعول، كامرأة كحيل أى مكحولة. وأما كون التأنيث مجازيًا فإنما هو فى الظاهر، وأما فى الاضمار فلا بد من المطابقة نحو: الشجرة قائمة، أو لتأويل الحصير بالبساط، أو لتأويله بمحصورة، وفعيل بمعنى مفعول لا يؤنث مع ذكر صاحبه، كأنه قيل: جهنم محصورة، أى محاط عليها، لا سبيل لأحد إلى جعل باب أو ثلمة للخروج منها، أو إلى الغلبة عليها. لما ذكر الله عز وجل الإسراء، وبعض أخبار التوراة وموسى عليه السلام فى القرآن أثنى على القرآن المشتمل على ذلك وغيره من الحكم والمصالح والشرعيات، فقال: {إِنْ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِى} كل أحد هداية بيان، فالحذف للعموم أو بقدر يهدى المؤمنين أى مسار فى الإيمان، أو المراد زيادة تأثير الهدى. {لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ} أى للسيرة التى هى أقوم، أو للطريقة التى، أو للملة التى، أو للحالة التى، أو للخصلة التى ونحو ذلك مما هو مقبول، فتذهب النفس كل مذهب لائق، وذلك من بلاغة القرآن، ولو صرح بواحد من ذلك لم تذهب النفس إلى غيره، بل يقتصر عليه، ومعنى أقوم أعدل وأصوب، وأقوم تفضيل على بابه لأن فى القرآن ما ليس فى الكتب السابقة من القوام ولأمته ما ليس لأممها، أو على فرض أن فى غيره من دعوى الناس صلاحًا، فالقرآن أصلح أو خارج من بابه، أى للتى هى قيمة، وأسند الهدى للقرآن على طريق المجار العقلى، لأنه آلة للمهتدى أو لمعنى الدلالة على ما يوصل إِلى المطلوب. {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ} يشتمل على التبشير والمبشر حقيقة هو الله، ولكن أسنده إلى المحل وهو القرآن، أو إلى ما به للتبشير وهو القرآن. {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} أى بأن لهم أجرًا عظيمًا كثرة وجودة هو الجنة، وجميع ما لهم فيها، ومن مات من أهل التوحيد مصرًّا لم يدخل الجنة، بل النار، ومن مات منهم تائباً دخل بمرتبته، وأهل الجنة متفاوتون فيها.
الالوسي
تفسير : {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد البعث الثاني إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي {وَإِنْ عُدتُّمْ} للإفساد بعد الذي تقدم منكم {عُدْنَا} للعقوبة فعاقبناكم في الدنيا بمثل ما عاقبناكم به في المرتين الأوليين، وهذا من المقضي لهم في الكتاب أيضاً وكذا الجملة الآتية، وقد عادوا بتكذيب النبـي صلى الله عليه وسلم وقصدهم قتله فعاد الله تعالى بتسليطه عليه الصلاة والسلام عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير وضرب الجزية على الباقين وقيل عادوا فعاد الله تعالى بأن سلط عليهم الأكاسرة ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحو ذلك والأول مروي عن الحسن وقتادة. والتعبير بأن للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يعودوا. {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا} قال ابن عباس وغيره: أي سجناً وأنشد في «البحر» قول لبيد:شعر : ومقامه غلب الرقاب كأنهم جن على باب الحصير قيام تفسير : فإن كان اسماً للمكان المعروف فهو جامد لا يلزم تأنيثه وتذكيره، وإن كان بمعنى حاصر أي محيط بهم وفعيل بمعنى فاعل يلزم مطابقته فعدم المطابقة هنا إما لأنه على النسب كلابن وتامر أي ذات حصر وعلى ذلك خرج قوله تعالى: {أية : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18] أي ذات انفطار أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول وقيل التذكير على تأويل جهنم بمذكر، وقيل لأن تأنيثها ليس بحقيقي نقل ذلك أبو البقاء وهو كما ترى. وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن أنه فسر ذلك بالفراش والمهاد، قال الراغب: «كأنه جعل الحصير المرمول وأطلق عليه ذلك لحصر بعض طاقاته على بعض فحصير على هذا بمعنى محصور وفي الكلام التشبيه البليغ، وجاء الحصير بمعنى السلطان وأنشد الراغب في ذلك البيت السابق ثم قال: وتسميته بذلك إما لكونه محصوراً نحو محجب وإما لكونه حاصراً أي مانعاً لمن أراد أن يمنعه من الوصول إليه اهـ» وحمل ما في الآية / على ذلك مما لم أر من تعرض له والحمل عليه في غاية البعد فلا ينبغي أن يحمل عليه وإن تضمن معنى لطيفاً يدرك بالتأمل. وكان الظاهر أن يقال لكم بدل {لِلْكَـٰفِرِينَ} إلا أنه عدل عنه تسجيلاً على كفرهم بالعود وذماً لهم بذلك وإشعاراً بعلة الحكم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}. لما بين جلَّ وعلا أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عباداً له أولي بأس شديد، فاحتلوا بلادهم وعذبوهم. وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قوماً ليسوءوا وجوههم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيراً. وبين أيضاً: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه جلَّ وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم. وذلك في قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أو لا؟ ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة. فعاد الله جلَّ وعلا للانتقام منهم تصديقاً لقوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} فسلط عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، والمسلمين. فجرى على بني قريظة والنضير، وبني قينقاع وخيبر، ما جرى من القتل، والسبي، والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضّرْب الذلة والمسكنة. فمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِين}تفسير : [البقرة:89-90]، وقوله: {أية : أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم}تفسير : [البقرة:100] الآية، وقوله: {أية : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [المائدة:13] الآية، ونحو ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم، قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الحشر:2-4]، وقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا}تفسير : [الأحزاب:26-27] الآية، ونحو ذلك من الآيات. وتركنا بسط قصة الذين سُلطوا عليهم في المرتين. لأنها أخبار إسرائلية. وهي مشهورة في كتب التفسير والتاريخ والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. في قوله: {حَصِيراً} في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كل منهما يشهد لمعناه قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها وجهان أو أوجه وكلها صحيح ويشهد له قرآن. فنورد جميع ذلك لأنه كله حق: الأول - أن الحصير: المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره يحصره حصراً: ضَيَّق عليه، وأَحاط به. وهذا الوجه يدل له قوله تعالى: {أية : وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}تفسير : [الفرقان:13]، ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن معنى {حصيراً} أي فراشاً ومهاداً. من الحصير الذي يفرش. لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً. قال الثعلبي: وهو وجه حسن. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}تفسير : [الأعراف:41] الآية، ونحو ذلك من الآيات. والمهاد: الفراش.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8- عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الثانية إن تبتم، وإن عدتم إلى الفساد عدنا إلى العقوبة، وجعلنا جهنم للكافرين سجناً ومحبساً. 9- إن هذا القرآن يرشد الناس للسبيل التى هى أقوم السبل وأسلمها فى الوصول إلى السعادة الحقيقية فى الدنيا، ويبشر المؤمنين بالله ورسوله الذين يُذعنون للحق ويعملون الأعمال الصالحات بالأجر العظيم يوم القيامة. 10- وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعددنا لهم فى جهنم عذاباً شديد الألم. 11- وأن فى طبع الإنسان تعجلاً فى الحكم على ما يقع من الناس، وفى أقواله وأفعاله، فهو يسارع بالدعوة إلى الشر مسارعته فى الدعوة إلى الخير، ويسارع فى دعاء الله - تعالى - بأن ينزل الشر على من يبادر بالغضب عليه مسارعته بالدعاء له بالخير. 12- وجعلنا الليل والنهار بهيئاتهما وتعاقبهما علامتين دالتين على وحدانيتنا وقدرتنا فأزلنا من الليل الضوء فلا يستبان فيه شئ، وكانت علامته ظلاماً لا تسرى فيه الشمس، تلك العلامة الكبرى، وجعلنا النهار مبصراً، وترى فيه الشمس الآية الكبرى لتتجهوا فى ضوء النهار إلى التصرف فى معاشكم، ولتعلموا باختلاف الليل والنهار عدد السنين وحساب الأشهر والأيام، وكل شئ لكم فيه مصلحة بيَّناه لكم بياناً واضحاً، لتقوم عليكم الحُجة بعد تمام النعمة. 13- وألزمنا كل إنسان عمله لزوم القلادة للعنق، ونخرج له يوم القيامة كتاباً فيه أعماله، يلقاه مفتوحاً، ليسرع فى قراءته.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} (8) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ قَدْ يَرْحَمُهُمْ، وَيَصْرِفُ عَنْهُمْ عَدُوَّهُمْ، بَعْدَ المَرّةِ الثَّانِيَةِ، إِذا اسْتَفَادُوا مِنَ الدُّورُسِ وَالعِبَرِ، وَعَادُوا إِلى طَرِيقِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَكَفُّوا عَنِ ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ، وَقَتْلِ الأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيُهَدِّدُهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ إِنْ عَادُوا إِلى الإِفْسَادِ، عَادَ اللهُ إِلى الإِدَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَسْلِيطِ الأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. (وَقَدْ سَلَّطَ اللهُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَفَرَضُوا عَلَيْهِم الجِزْيَةَ، وَأَذَاقُوهُمْ وَيْلاتِ الحُرُوبِ). وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّ مَصِيرَ الكُفَّارِ وَالمُفْسِدِينَ وَاحِدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ العَذَابُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، التِي تَحْصرُهُمْ جَمِيعاً، وَتُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلاَ يُفْلِتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. حَصِيراً - سِجْناً أَوْ مِهَاداً أَوْ فِراشاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و (عَسَى) حَرْف يدلّ على الرجاء، وكأن في الآية إشارةً إلى أنهم سيظلون في مذلّة ومَسْكنة، ولن ترتفع لهم رأس إلا في ظِلِّ حبل من الله وعَهْد منه، وحبل من الناس الذين يُعاهدونهم على النُّصْرة والتأييد والحماية. وقوله: {رَبُّكُمْ ..} [الإسراء: 8]. انظر فيه إلى العظمة الإلهية، ورحمة الرب سبحانه الذي ما يزال يخاطب الكافرين الملحدين المعاندين لرسوله، وهو آخر رسول يأتي من السماء، ومع ذلك كله يخاطبهم بقوله: {رَبُّكُمْ ..} [الإسراء: 8]. لأن الربّ هو المتولّي للتربية والمتكفّل بضمان مُقوّمات الحياة، لا يضنّ بها حتى وإنْ كان العبد كافراً، فالكلُّ أمام عطاء الربوبية سواء: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. الجميع يتمتع بِنعَم الله: الشمس والهواء والطعام والشراب، فهو سبحانه لا يزال ربَّهم مع كل ما حدث منهم. وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ ..} [الإسراء: 8]. والرحمة تكون للإنسان إذا كان في موقف يستحق فيه الرحمة، واليهود لن تكون لهم دولة، ولن يكون لهم كيان، بل يعيشون في حِضْن الرحمة الإيمانية الإسلامية التي تُعطي لهم فرصة التعايش مع الإسلام معايشة، كالتي كانت لهم في مدينة رسول الله، يوم أن أكرمهم وتعاهد معهم. وقد وصلتْ هذه المعايشة لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أنْ يقترضَ لا يقترض من مسلم، بل كان يقترض من اليهود، وفي هذا حكمة يجب أنْ نعيهَا، وهي أن المسلم قد يستحي أن يطالب رسول الله إذا نسى مثلاً، أما اليهودي فسوف يُلِحّ في طلب حقِّه وإذا نسى رسول الله سَيُذكّره. لذلك كان اليهود كثيراً ما يجادلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُغالطونه مِرَاراً، وقد حدث أن وفَّى رسول الله لأحدهم دَيْنه، لكنه أنكره وأتى يطالب به من جديد، وأخذ يراجع رسول الله ويغالطه وينكر ويقول: ابْغِني شاهداً. ولم يكن لرسول الله شاهد وقت السداد، وهكذا تأزّم الموقف في حضور أحد الصحابة، واسمه خزيمة، فهَبَّ خزيمة قائلاً: أنا يا رسول الله كنت شاهداً، وقد أخذ هذا اليهودي دَيْنه، فسكت اليهودي ولم يرد ولم يجادل، فَدل ذلك على كذبه. ويكاد المريب أن يقول: خذوني. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اختلى بخزيمة بعد أن انصرف الدائن قال: يا خزيمة ما حملك على هذا القول، ولم يكن أحد معنا، وأنا أقضي لليهودي دَيْنه؟ فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ فَسُرَّ رسول الله من اجتهاد الرجل، وقال:"حديث : مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه ". تفسير : ثم يُهدِّد الحق سبحانه بني إسرائيل، فيقول: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ..} [الإسراء: 8]. إنْ عُدتُّم للفساد، عُدْنا، وهذا جزاء الدنيا، وهو لا ينجيكم من جزاء الآخرة، فهذه مسألة وتلك أخرى حتى لا يفهموا أن العقاب على الذنوب في الدنيا يُبرّئهم من عذاب الآخرة. فالعقوبة على الذنب التي تُبرّئ المذنب من عذاب الآخرة ما كان في حِضْن الإسلام، وإلاَّ لاَسْتوى مَنْ أقيم عليه الحدّ مع مَنْ لم يُقمْ عليه الحد. فلو سرق إنسان وقُطِعَتْ يده، وسرق آخر ولم تُقطع يده، فلو استَووْا في عقوبة الآخرة، فقد زاد أحدهما عن الآخر في العقوبة، وكيف يستوي الذي قُطِعَتْ يده. وعاش بِذلّتها طوال عمره مع مَنْ أفلت من العقوبة؟ هذا إنْ كان المذنب مؤمناً. أما إذا كان المذنب غير مؤمن فالأصل الذي بنينا عليه هذا الحكم ضائع لا وجودَ له، وعقوبة الدنيا هنا لا تُعفي صاحبها من عقوبة الآخرة؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإسراء: 8]. {جَعَلْنَا} فِعْل يفيد التحويل، كأن تقول: جعلت العجين خبزاً، وجعلت القطن ثوباً، أي: صيَّرْتُه وحوَّلْتُه. فماذا كانت جهنم أولاً فيُحوّلها الحق سبحانه حصيراً؟ قوله تعالى: {جَعَلْنَا} في هذه الآية لا تفيد التحويل، إنما هي بمعنى خَلَقْنا، أي: خلقناها هكذا، كما نقول: سبحان الذي جعل اللبن أبيض، فاللبن لم يكن له لون آخر فحوَّله الله تعالى إلى البياض، بل خلقه هكذا بداية. ومعنى: {حَصِيراً ..} [الإسراء: 8]. الحصير فراش معروف يُصنع من القَشِّ أو من نبات يُسمى السَّمُر، والآن يصنعونه من خيوط البلاستيك، وسُمِّي حصيراً، لأن كلمة حصير مأخوذة من الحَصْر، وهو التضييق في المكان للمكين، وفي صناعة الحصير يضمُّون الأعواد بعضها إلى بعض إلى أنْ تتماسكَ، ولا توجد مسافة بين العود والآخر. لكن لماذا نفرش الحصير؟ نفرش الحصير؛ لأنه يحبس عَنّا القذَر والأوساخ، فلا تصيب ثيابنا. إذن: الحصر معناه المنع والحبس والتضييق. والمتتبع لمادة (حصر) في القرآن الكريم يجدها بهذه المعاني، يقول تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 5] أي: ضَيِّقوا عليهم. وقال تعالى في فريضة الحج: {أية : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ..}تفسير : [البقرة: 196] أي: حُبِسْتم ومُنِعْتم من أداء الفريضة. إذن: فقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإسراء: 8]. أي: تحبسهم فيها وتحصرهم، وتمنعهم الخروج منها، فهي لهم سجن لا يستطيعون الفرار منه؛ لأنها تحيط بهم من كل ناحية، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ..}تفسير : [الكهف: 29]. فلا يستطيعون الخروج، فإنْ حاولوا الخروج رُدُّوا إليها، كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا ..}تفسير : [السجدة: 20]. وفي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإسراء: 8]. إشارة إلى أنهم كانوا إذا أجرموا في الدنيا يحتمُون في أنصارهم وأتباعهم من الأقوياء، ويدخلون في حضانة أهل الباطل، أما في الآخرة فلن يجدوا ناصراً أو مدافعاً. يقول تعالى: {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}تفسير : [الصافات: 25-26]. وبعد أن تكلّم الحق سبحانه عن الإسراء بالرسول الخاتم الرحمة، وجَعْله آيةً يمكن إقامة الدليل عليها، حيث خرق له الناموس في أمور يعلمها قومه، فإذا جاءت آية المعراج وخرَق له الناموس فيها لا يعلمه القوم كان أَدْعى إلى تصديقه. ثم أوضح الحق سبحانه أن عبودية محمد صلى الله عليه وسلم لربه هي التي أعطتْه هذه المنزلة، وكذلك كان نوح - عليه السلام - عبداً شكوراً، فهناك فَرْق بين عبودية الخَلْق للخالق، وعبودية الخَلْق للخَلْق؛ لأن العبودية للخَلْق مذمومة، حيث يأخذ السيد خيْر عبده، أما العبودية لله فالعبد يأخذ خَيْر سيده. ثم تحدَّث الحق سبحانه عن بني إسرائيل، وما وقعوا فيه من إفساد في الأرض، فأعطانا بذلك نماذج للأعمال لمن أحسن ولمن أساء، وكُلٌّ له عمله دون ظُلْم أو جَوْر. لذلك ينقلنا السياق القرآني إلى بيان المنهج الإلهي المنزّل من السماء ليوضح عبودية الإنسان لربه، وكيف يكون عبداً مُخْلِصاً لله تعالى، فيقول الحق سبحانه: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} معناهُ مَحْبِسٌ.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ} يا بني إسرائيل {أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد المرة الثانية، إن تبتم عن معاصيكم وجرائمكم {وَإِنْ عُدتُّمْ} إليها ثالثاً {عُدْنَا} إلى الانتقام والعذاب ثالثاً، وهكذا رابعاً وخامساً، وقد عادوا في النوبة الثالثة بتكذيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصدوا قتله، فأعاد الله عليهم الخزي، بأن سلط المسلمين عليهم، فقتلوهم وأسروهم، وضربوا الجزية على باقيهم، وصاروا مهانين أذلاء صاغرين إلى قيام الساعة، هذا في النشأة الأولى {وَ} في النشأة الأخرى {جَعَلْنَا جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، والطرد والحرمان {لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإسراء: 8] محبساً ومضيفاً لا ينجون منها أبد الآباد. ومن أراد نجاة الدارين، وخير النشأتين، فعليه الامتثال والانقياد بما في القرآن المنزل على خير الأنام {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} الفارق بين الهداية والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام {يَِهْدِي} ويرشد {لِلَّتِي} أي: للطريق التي {هِيَ أَقْوَمُ} الطرق وأعدله، وأوضحُ السبل وأبينُه إلى التوحيد المنجي عن ظلمات النشأتين {وَيُبَشِّرُ} أيضاً {ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة منه، المقربة إلى التوحيد {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء: 9] هو الفوزُ بشرف اللقاء، والتحقق عند سدرة المنتهى. {و} يخبر القرآن آيضاَ {أَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} ولم يقصدوا ما فيها من الحساب والعقاب، والصراط والسؤال وجميع ما فيها {أَعْتَدْنَا} وهيأنا {لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الإسراء: 10] مؤلماً محزناً لرؤيتهم المؤمنين متنعمين مترفين في الجنة مترفهين. {وَ} من جملة الأخلاق المذمومة، والديدنة القبيحة: {يَدْعُ ٱلإِنْسَانُ} مسرعاً مستعجلاً {بِٱلشَّرِّ} الملحق له من غير علم بشريته، ووخامة عاقبته {دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} أي: مثل دعائه الخير؛ أي: لسرعته {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ} في جِبِلَّته خُلِق {عَجُولاً} [الإسراء: 11] مسرعاً مستعجلاً على ما يميل إليه، وإن كان مضراً له. {وَ} من كمال رحمتنا وإشفاقنا {جَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} ذا نورٍ وإضاءةٍ {لِتَبْتَغُواْ} وتطلبوا {فَضْلاً} وعطايا ناشئة {مِّن رَّبِّكُمْ} لتعيشوا بها، وتقوّموا أمزجتكم منها {وَلِتَعْلَمُواْ} بتجدد الملوين {عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} المتداولة بينكم في معاملتكم وجرائتكم وتجارتكم {وَ} بالجملة: في {كُلَّ شَيْءٍ} تحتاجون إليه في أمور معاشكم ومعادكم {فَصَّلْنَاهُ} أي: بيّناه وأوضحناه لكم، وعلّمنا طريق وصولكم ونيلكم إليها {تَفْصِيلاً} [الإسراء: 12] وتبييناً واضحاً لائحاً، فعليكم أن تتخذوني وكيلاً في جميع حوائجكم الدنيوية والأخروية. {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} أي: بعدما رتبنا أمور معاش الإنسان ومعاده على ما ينبغي ويليق بحاله، كتبنا جميع ما صدر عنه من الأعمال الصالحة والفاسدة في مكتوبٍ جامع لها، محيط بها، وعلقناه في عنقه تعليقاً لازماً، شبّه الأعمال بالطائر؛ لأن الإنسان يطير ويميل نحو السعادة والشقاة بما صدر عنه من الأعمال، كأن الأعمال جناح له {وَ} بعد انقضاء النشأة الأولى المعدَّة للاختبار والاعتبار {نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً} جامعاً لجميع ما صدر عنه في دار الابتلاء {يَلْقَاهُ} وينال إليه {مَنْشُوراً} [الإسراء: 13] على رءوس الملأ والأشهاد تكريماً وتعظيماً، أو تفضيحاً وتقريعاً. وحين إلقائه إليه يُقال له: {ٱقْرَأْ} أيها المكلّف في دار الابتلاء بأنواع التكليفات، والمأمور فيها بامتثال الأوامر، وترك المنهيات {كِتَٰبَكَ} أي: مكتوبك المشتمل على جميع ما صدر عنك؛ إذ {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ} أي: كفى نسك اليوم {عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] أي: كافياً وشهيداً بلا احتياج لك إلى محاسب آخر. {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ} من النشأة الأولى بمتابعة ما أُمر ونُهي {فَإِنَّمَا يَهْتَدي} ويفيد {لِنَفْسِهِ} إذ نفعُ الهداية هو الوصول إلى مرتبة الخلافة والنيابة التي جُبل الإنسان عليها، عائد إلى الموحد نفسه بلا سراية إلى غيره، ألاَّ على وجه الإرشاد والتنبيه {وَ} كذا {مَن ضَلَّ} عن طريق الحق، وانحرف عن مسلك التوحيد بترك المأمورات، وارتكاب المنهيات {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: إنما لا يعود ويرجع وبال ضلالها إلاَّ على نفسها بلا سرايةٍ إلى غيرها، إلاَّ تسبباً وإضلالاً. {وَ} بالجملة: {لاَ تَزِرُ} ولا تحمل نفس {وَازِرَةٌ} آثمة عاصية {وِزْرَ} نفس {أُخْرَىٰ} مثلها، بل كل نفسٍ رهينة ما كسبت، سواء كان خيراً أو شراً {وَ} بعدما قرر سبحانه أن الهداية والضلالة لا تسري إلى الغير، أراد أن يبين سبحانه أن الأخذ على الضلال إنما هو بعد الإرشاد والتنبيه، فقال: {مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} لأهل الضلال {حَتَّىٰ نَبْعَثَ} ونرسل إليهم {رَسُولاً} [الإسراء: 15] منهم، حين ظهر عليهم علامات الفسوق والعصيان، وأمارات الضلال والطغيان؛ ليبين لهم طريق الهداية، ويرغبهم إليها، ويجنبهم عن الضلال، وينفرهم عنها. وبعد بعثنا وإرسالنا، إن لم يقبلوا قول الرسل، ولم يمتثلوا بما أُمروا على ألسنتهم، ونُهوا عليها، بل أصروا على ما هم عليه من الضلال، أُخذوا وعُذبوا {وَ} كذلك جرت سنتنا أنَّا {إِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ} ونستأصل {قَرْيَةً} مستحقةً للإهلاك والاستئصال {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي: متنعميها بالإطاعة والانقياد {فَفَسَقُواْ فِيهَا} وخرجوا عن مقتضى الأمر، ولم يبالوا به {فَحَقَّ} أي: ثبت واستقر {عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} أي: على أهل القرية العذابُ الموعود والمعهود {فَدَمَّرْنَاهَا} وأهلكنا أهلها؛ بسبب فسقهم، وخروجهم عن الإطاعة والامتثال بالمأمور {تَدْمِيراً} [الإسراء: 16] أي: هلاكاً كلياً، واستئصالاً حقيقياً إلى حيث لم يبقَ منهم ومن عمرانهم وزراعتهم شيء. ليس أمثال هذا الإهلاك ببدعٍ منا، بل {وَكَمْ} أي: كثيراً {أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ} الماضية {مِن بَعْدِ نُوحٍ} كعادٍ وثمود؛ لتعوّهم وعنادهم مع رسول الله {وَ} لا يحتاج لإثبات ضلال أولئك الضالين المضلين إلى شاهدٍ ومبينٍ، بل {كَفَىٰ بِرَبِّكَ} أي: كفى ربك يا أكمل الرسل {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} وخروجهم عن إطاعته وانقياده {خَبِيرَاً} إذ هو عالم بما في سرائرهم وضمائرهم، بل ما في استعداداتهم {بَصِيراً} [الإسراء: 17] بما هو في ظواهرهم وعلنهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):