٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة، يقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وقرأ أبو حنيفة: «وإذا لاقوا» أما قوله: {قَالُواْ ءامَنَّا } فالمراد أخلصنا بالقلب، والدليل عليه وجهان: الأول: أن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك. الثاني: أن قولهم للمؤمنين «آمنا» يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب، أما قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ } فقال صاحب «الكشاف»: يقال خلوت بفلان وإليه، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى مضى، ومنه القرون الخالية، ومن «خلوت به» إذا سخرت منه، من قولك: «خلا فلان بعرض فلان» أي: يعبث به، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك. وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، أما قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم. الجواب: في هذا خلاف، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم؛ لئلا يتوهموا فيهم المباينة، ومن يقول في الشياطين: المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا. السؤال الثاني: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة «بأن» الجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جرم كان التأكيد لائقاً به. أما قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } ففيه سؤالان. السؤال الأول: ما الاستهزاء؟ الجواب: أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع، وهزأ يهزأ مات على مكانه، وناقته تهزأ به أي تسرع، وحدُّه أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، فعلى هذا قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم. السؤال الثاني: كيف تعلق قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } بقوله: {إِنَّا مَعَكُمْ } الجواب: هو توكيد له؛ لأن قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ } معناه الثبات على الكفر وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } رد للإسلام، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته، أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا: إنا معكم، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام؟ فقالوا: إنما نحن مستهزئون. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء. أحدها: قوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } وفيه أسئلة. الأول: كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزىء وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس، وهو على الله محال، ولأنه لا ينفك عن الجهل، لقوله: {أية : قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [البقرة: 67] والجهل على الله محال والجواب: ذكروا في التأويل خمسة أوجه: أحدها: أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 54] وقال عليه السلام: «حديث : اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه، اللهم والعنه عدد ما هجاني»تفسير : أي أجزه جزاء هجائه، وقال عليه السلام: «حديث : تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا»تفسير : وثانيها: أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم. وثالثها: أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء، والمراد حصول الهوان لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب. ورابعها: إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمراً مع أن الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا التأويل ضعيف، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا. وخامسها: أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزىء في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه، وأما في الآخرة فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب، فذاك قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ } تفسير : [المطففين: 29] إلى قوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } تفسير : [المطففين:34] فهذا هو الاستهزاء بهم. السؤال الثاني: كيف ابتدأ قوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } ولم يعطف على الكلام الذي قبله؟ الجواب: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزىء بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم، وفيه أيضاً أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله. السؤال الثالث: هل قيل: إن الله مستهزىء بهم ليكون مطابقاً لقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } الجواب. لأن «يستهزىء» يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهذا كانت نكايات الله فيهم: {أية : أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } تفسير : [التوبة: 126] وأيضاً فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا قُلُوبِهِم في قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } تفسير : [التوبة:64] الجواب الثاني: قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] قال صاحب (الكشاف) إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد، ومده الشيطان في الغي، وأمده إذا واصله بالوسواس، ومد وأمد بمعنى واحد. وقال بعضهم: مد يستعمل في الشر، وأمد في الخير قال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } تفسير : [المؤمنين: 55] ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين: الأول: أن قراءة ابن كثير، وابن محيصن (ونمدهم) وقراءة نافع (وإخوانهم يمدونهم في الغي) يدل على أنه من المدد دون المد. الثاني: أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له، كأملي له. قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله تعالى. وثانيها: أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلاً لله تعالى فكيف يذمهم عليه. وثالثها: لو كان فعلاً لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً. ورابعها: أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله: «في طغيانهم» ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله: {أية : وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } تفسير : [الأعراف: 202] إذا ثبت هذا فنقول: التأويل من وجوه: أحدها: وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيـى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم. وثانيها: أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل: إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور. وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. ورابعاً: ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين: الأول: لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر. الثاني: هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا. واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فلا فائدة في الإعادة. واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو، قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَاء } تفسير : [الحاقة: 11] أي جاوز قدره، وقال: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} تفسير : [طه: 24] أي أسرف وتجاوز الحد. وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين. أصل لَقُوا: لَقِيُوا، نُقلت الضمة إلى القاف وحُذفت الياء لالتقاء الساكنين. وقرأ محمد بن السَّمَيْقَع اليماني: «لاقوا الذين آمنوا». والأصل لاقيوا، تحرّكت الياء وقبلها فتحة ٱنقلبت ألفاً، ٱجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ثم حُرّكت الواو بالضم. وإن قيل: لم ضُمّت الواو في لاقُوا في الإدراج وحُذفت من لَقُوا؟ فالجواب: أن قبل الواو التي في لَقُوا ضمة فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها، وحُركت في لاقوا لأن قبلها فتحة. قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكْمْ} إن قيل: لم وُصلت «خَلَوْا» بـ «إلى» وعُرْفها أن توصل بالباء؟ قيل له: «خلوْا» هنا بمعنى ذهبوا وٱنصرفوا؛ ومنه قول الفَرَزْدَق:شعر : كيف تَرانِي قالباً مِجَنِّي أضْرِبُ أمْرِي ظهرَه لبَطْنِ قد قتل الله زِياداً عَنِّي تفسير : لما أنزله منزلة صَرَفَ. وقال قوم: «إلى» بمعنى مع؛ وفيه ضعف. وقال قوم: «إلى» بمعنى الباء؛ وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وقيل: المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم؛ فـ «إلى» على بابها. والشياطين جمع شيطان على التكسير؛ وقد تقدم القول في ٱشتقاقه ومعناه في الاستعاذة. وٱختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا؛ فقال ٱبن عباس والسُّدِّي: هم رؤساء الكفر. وقال الكلبي: هم شياطين الجن. وقال جمع من المفسرين: هم الكهان. ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر. والله أعلم. قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي مكذبون بما ندعى إليه. وقيل: ساخرون. والهزء: السخرية واللعب؛ يقال: هَزِىء به وٱستهزأ؛ قال الراجز:شعر : قد هَزِئت مِنّي أمُّ طَيْسَلَهْ قالت أراه مُعدماً لا مال لَهْ تفسير : وقيل: أصل الاستهزاء: الانتقام؛ كما قال الآخر:شعر : قد ٱستهزءوا منهم بألفَيْ مُدجّجٍ سَرَاتُهُم وسْطَ الصَّحَاصح جُثّمُ
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا} بيان لمعاملتهم المؤمنين والكفار، وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير. روي أن ابن أبيّ وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة، فقال لقومه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال: مرحباً بسيد بني عدي الفاروق القوي في دينه، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه سيد بني هاشم، ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت. واللقاء المصادفة يقال؛ لقيته ولاقيته، إذا صادفته واستقبلته، ومنه ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته بحيث يلقى. {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ } من خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه. أو من خلاك ذَمٌّ أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية. أو من خلوت به إذا سخرت منه، وعدي بإلى لتضمن معنى الإنهاء، والمراد بشياطينهم الذين ماثلوا الشيطان في تمردهم، وهم المظهرون كفرهم، وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم. وجعل سيبويه نونه تارة أصلية على أنه من شطن إذا بعد فإنه بعيد عن الصلاح، ويشهد له قولهم: تشيطن. وأخرى زائدة على أنه من شاط إذا بطل، ومن أسمائه الباطل. {قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } أي في الدين والاعتقاد، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، والشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة بإن لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة فيما خاطبوا به المؤمنين، ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار. {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ} تأكيد لما قبله، لأن المستهزىء بالشيء المستخف به مُصِرٌّ على خلافه. أو بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما (قالوا إنا معكم) إن صح ذلك فما بالكم توافقون المؤمنين وتدعون الإيمان فأجابوا بذلك. والاستهزاء السخرية والاستخفاف يقال: هزئت واستهزأت بمعنى كأجبت واستجبت، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع يقال: هزأ فلان إذا مات على مكانه، وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا، وأظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة؛ غروراً منهم للمؤمنين، ونفاقاً ومصانعة وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ} يعني: إذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم، فضمن خلوا معنى انصرفوا؛ لتعديته بإلى؛ ليدل على الفعل المضمر، والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: «إلى» هنا بمعنى «مع» والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير. وقال السدي عن أبي مالك: خلوا يعني: مضوا، وشياطينهم: سادتهم وكبراؤهم ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين. قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ}: يعني: هم رؤساؤهم في الكفر. وقال الضحاك عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ} من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ} إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين. وقال قتادة: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ} قال: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر. وبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}تفسير : [الأنعام: 112] وفي المسند عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن»تفسير : فقلت: يا رسول الله أوَ للإنس شياطين؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : وقوله: {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، أي: إنا على مثل ما أنتم عليه {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} أي: إنما نحن نستهزىء بالقوم، ونلعب بهم. وقال الضحاك عن ابن عباس: قالوا: إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة. وقوله تعالى جواب ومقابلة على صنيعهم { ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} وقال ابن جرير: أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الحديد: 13] الآية، وقوله تعالى {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}تفسير : [آل عمران: 178] الآية، قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله - تعالى ذكره - وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل. قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه والكفر به. قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب؛ كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك، ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54] و {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم. وقال آخرون: قوله تعالى: { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} وقوله: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142] وقوله:{أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ}تفسير : [التوبة: 79] و {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67]، وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم، وعقابه لهم، مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان؛ كما قال تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 40] وقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 194] فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما، فقد اختلف معناهما، قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. قال: وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم مستهزئون، فأخبر تعالى أنه يستهزى بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني: من عصمة دمائهم وأموالهم، خلاف الذي عنده في الآخرة، يعني: من العذاب والنكال. ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك. قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو كريب حدثنا أبو عثمان حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} قال: يسخر بهم؛ للنقمة منهم، وقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم، وقال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ }تفسير : [المؤمنون: 55 - 56] وقال: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً، أحدث لهم نعمة، وهي في الحقيقة نقمة. وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنعام: 44 - 45] قال ابن جرير: والصواب: نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأنعام: 110] والطغيان: هو المجاوزة في الشيء؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 11] وقال الضحاك عن ابن عباس في طغيانهم يعمهون: في كفرهم يترددون، وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم. قال ابن جرير: والعمه: الضلال. يقال: عمه فلان، يعمه عمها وعموهاً إذا ضل، قال: وقوله: في طغيانهم يعمهون: في ضلالتهم، وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضلالاً، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها، فلا يبصرون رشداً، ولا يهتدون سبيلاً. وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب، وقد يستعمل العمى في القلب أيضاً؛ قال تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46] وتقول: عمه الرجل يعمه عموهاً، فهو عمه وعامه، وجمعه عمه، وذهبت إبله العمهاء: إذا لم يدر أين ذهبت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ } أصله لقيوا حذفت الضمة للاستثقال ثم( الياء ) لالتقائها ساكنة مع الواو {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ } منهم ورجعوا {إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ } رؤسائهم {قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } في الدين {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } بهم بإظهار الإيمان.
الشوكاني
. تفسير : {لَقُواْ} أصله لقيوا، نقلت الضمة إلى القاف، وحذفت الياء، لالتقاء الساكنين. ومعنى لقيته ولاقيته: استقبلته قريباً. وقرأ محمد بن السميفع اليماني، وأبو حنيفة "لاقوا"، وأصله لاقيوا تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. وخلوت بفلان وإليه: إذا انفردت به. وإنما عدي بإلى، وهو يتعدى بالباء فيقال: خلوت به لا خلوت إليه؛ لتضمنه معنى ذهبوا وانصرفوا. والشياطين جمع شيطان على التكسير. وقد اختلف كلام سيبويه في نون الشيطان، فجعلها في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة، فعلى الأوّل هو من شطن، أي بعد عن الحق، وعلى الثاني من شطّ، أي: بعد أو شاط: أي بطل، وشاط، أي احترق، وأشاط: إذا هلك قال [الشاعر]: شعر : وقد يَشِيطُ علىَ أرمَاحِنا البَطَلُ تفسير : أي يهلك. وقال آخر:شعر : وأبْيَضِ ذي تاجٍ أشَاطَت رِمَاحنُا لمَعْتَركٍ بين الفوَارِس أقتمَا تفسير : أي: أهلكت. وحكي سيبويه أن العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين. ولو كان من شاط لقالوا: تشيط، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:شعر : أيما شاطن عصاه عكا ه ورماه في السجن والأغلال تفسير : وقوله: {إِنَّا مَعَكُمْ } معناه مصاحبوكم في دينكم، وموافقوكم عليه. والهزؤ: السخرية واللعب. قال الراجز:شعر : قد هَزِئَتْ مني أُم طيْسلَه قَالَت أرَاهُ مُعْدمَاً لا مَال لَهُ تفسير : قال في الكشاف: وأصل الباب الخفة، من الهزء، وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ: مات على المكان. عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني. وناقته تهزأ به، أي تسرع وتخفّ. انتهى. وقيل أصله: الانتقام. قال الشاعر:شعر : قد استهزءوا منهم بألفي مدجج سراتهم وسط الصحاصح جثم تفسير : فأفاد قولهم {إِنَّا مَعَكُمْ } أنهم ثابتون على الكفر، وأفاد قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } ردّهم للإسلام ورفعهم للحق، وكأنه جواب سؤال مقدّر ناشىء من قولهم: {إنا معكم} أي: إذا كنتم معنا فما بالكم إذا لقيتم المسلمين وافقتموهم؟ فقالوا: إنما نحن مستهزءون بهم في تلك الموافقة، ولم تكن بواطننا موافقة لهم ولا مائلة إليهم، فردّ الله ذلك عليهم بقوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } أي: ينزل بهم الهوان والحقارة وينتقم منهم ويستخفّ بهم؛ انتصافاً منهم لعباده المؤمنين، وإنما جعل سبحانه ما وقع منه استهزاء مع كونه عقوبة ومكافأة مشاكلة. وقد كانت العرب إذا وضعت لفظاً بإزاء لفظ جواباً له وجزاء ذكرته بمثل ذلك اللفظ وإن كان مخالفاً له في معناه. وورد ذلك في القرآن كثيراً، ومنه {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ }تفسير : [البقرة: 194] والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق، ومنه {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 54] و{أية : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً }تفسير : [الطارق: 15 ــ 16] {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا }تفسير : [البقرة: 9] {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }تفسير : [النساء: 142] {أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ }تفسير : [المائدة: 116]. وهو في السنة كثير كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا يملّ حتى تملوا»تفسير : وإنما قال {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } لأنه يفيد التجدّد وقتاً بعد وقت، وهو: أشدّ عليهم وأنكأ لقلوبهم، وأوجع لهم من الاستهزاء الدائم الثابت، المستفاد من الجملة الإسمية، لما هو محسوس من أن العقوبة الحادثة وقتاً بعد وقت، والمتجددة حيناً بعد حين، أشدّ على من وقعت عليه من العذاب الدائم المستمرّ؛ لأنه يألفه، ويوطن نفسه عليه. والمدّ: الزيادة. قال يونس بن حبيب: يقال مدّ في الشر، وأمدّ في الخير، ومنه {أية : وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } تفسير : [الإسراء: 6] {أية : وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ }تفسير : [الطور: 22]. وقال الأخفش: مددت له إذا تركته، وأمددته: إذا أعطيته. وقال الفراء واللحياني: مددت فيما كانت زيادته من مثله، يقال: مدّ النهر، ومنه {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تفسير : [لقمان: 27] وأمددت فيما كانت زيادته من غيره، ومنه: {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ }تفسير : [آل عمران: 125] والطغيان مجاوزة الحدّ، والغلوّ في الكفر، ومنه {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَىٰ ٱلْمَاء }تفسير : [الحاقة: 11] أي: تجاوز المقدار الذي قدّرته الخُزَّان. وقوله في فرعون: {أية : إِنَّهُ طَغَىٰ }تفسير : [طه: 24، 43] أي: أسرف في الدعوى حيث قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24]. والعمه والعامه: الحائر المتردد، وذهبت إبله لعمهى: إذا لم يدر أين ذهبت، والعمه في القلب كالعمى في العين. قال في الكشاف: العمه مثل العمى، إلا أن العمى في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة انتهى. والمراد: أن الله سبحانه يطيل لهم المدّة ويمهلهم كما قال: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }تفسير : [آل عمران: 178]. قال ابن جرير {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم يترددون حيارى ضلالاً يجدون إلى المخرج منه سبيلاً، لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشداً ولا يهتدون سبيلاً. وقد أخرج الواحدي والثعلبي بسند واه، لأن فيه محمد بن مروان وهو متروك، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وذكر قصة وقعت لهم مع أبي بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ } وهم إخوانهم قالوا: {إِنَّا مَعَكُمْ } على مثل ما أنتم عليه {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } بأصحاب محمد {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } قال: يسخر بهم للنقمة منهم {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ } قال: في كفرهم {يَعْمَهُونَ } قال: يتردّدون. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه بمعناه وأطول منه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه بنحو الأوّل. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ } قال: رؤسائهم في الكفر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال: {وَإِذَا خَلَوْاْ } أي: مضوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحو ما قاله ابن مسعود، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {وَيَمُدُّهُمْ } قال: يملي لهم {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } قال: في كفرهم يتمادون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحو ما قاله ابن مسعود في تفسير يعمهون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {يمدهم} يزيدهم {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال يلعبون ويتردّدون في الضلالة. وأخرج أحمد في المسند عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نعوذ بالله من شياطين الإنس والجنّتفسير : فقلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال:حديث : نعم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ} في شياطينهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب، وهو قول ابن عباس. والثاني: رؤوسهم في الكفر، وهذا قول ابن مسعود. وفي قوله: {إلى شَيَاطِينِهِمْ} ثلاثة أوجه: أحدها: معناه مع شياطينهم، فجعل "إلى" موضع "مع"، كما قال تعالى: {أية : مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ} تفسير : [آل عمران: 52] أي مع الله. والثاني: وهو قول بعض البصريين: أنه يقال خلوت إلى فلان، إذا جعلته غايتك في حاجتك، وخلوت به يحتمل معنيين: أحدهما: هذا. والآخر: السخرية والاستهزاء منه فعلى هذا يكون قوله: {وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ} أفصح، وهو على حقيقته مستعمل. والثالث: وهو قول بعض الكوفيين: أن معناه إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله: {إلى} مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به. فأما الشيطان ففي اشتقاقه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه فيعال من شطن، أي بَعُدَ، ومنه قولهم: نوى شطون أي بعيدة، وشَطَنَتْ دارُه، أي بعدت، فسمي شيطاناً، إما لبعده عن الخير، وإما لبعد مذهبه في الشر، فعلى هذا النون أصلية. والقول الثاني: أنه مشتق من شاط يشيط، أي هلك يهلك كما قال الشاعر: شعر : ............................ وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ تفسير : أي يهلك، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة. والقول الفاصل: أنه فعلان من الشيط وهو الاحتراق، كأنه سُمِّي بما يؤول إليه حاله. {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} أي على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة، {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة. قوله تعالى: {اللهُ يَسْتَهْزئُ بِهِمْ} فيه خمسة أوجه: أحدها: معناه أنه يحاربهم على استهزائهم، فسمي الجزاء باسم المجازى عليه، كما قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، وليس الجزاء اعتداءً، قال عمرو بن كلثوم: شعر : أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا تفسير : والثاني: أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين. والثالث: أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة، وكانوا فيه اغترار به، صار كالاستهزاء [بهم]. والرابع: أنه لما حسن أن يقال للمنافق: {أية : ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]، صار القول كالاستهزاء به. والخامس: ما حكي: أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم، فيرون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة، بمقامع النيران، حتى يرجعوا، وهاذ نوع من العذاب، وإن كان كالاستهزاء. قوله عز وجل: {وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ} وفي يمدهم تأويلان: أحدهما: يملي لهم، وهو قول ابن مسعود. والثاني: يزيدهم، وهو قول مجاهد. يقال مددت وأمددت، فحُكِيَ عن يونس أنه قال: مددت فيما كان من الشر، وأمددت فيما كان من الخير، وقال بعض الكوفيين: يقال: مددتُ فيما كانت زيادته منه، كما يقال مَدّ النصر، وأَمَدَّه نهر آخر، وأمددت فيما حدثت زيادته من غيره، كقولك أمْدَدْتُ الجيش بمددٍ، وأمِد الجرح، لأن المدة من غيره. {في طُغْيَانِهِمْ} يعني تجاوزهم في الكفر، والطغيان مجاوزة القدر، يقال طغي الماء، إذا جاوز قدره، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ في الْجَارِيَةِ}. تفسير : [الحاقة: 11]. {يَعْمَهُونَ} في ثلاثة أقوال: أحدها: يترددون، ومنه قول الشاعر: شعر : حَيْرَانُ يَعْمَهُ في ضَلاَلَتِهِ مستورد بشـــرائـــع تفسير : والثاني: معناه يتحيرون، قال رؤبة بن العجاج: شعر : وَمَهْمَهٍ أَطْرَافُهُ في مَهمَهٍ أَعْمَى الْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ العمَّهِ تفسير : والثالث: يعمهون عن رشدهم، فلا يبصرونه، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه، قال الأعشى: شعر : أَرَانِي قَدْ عَمِهْتُ وَشَابَ رَأْسِي وَهذَا اللَّعْبُ شَيْنٌ لِلْكَبِيرٍ
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلَوْاْ إِلَى} إلى بمعنى "مع" أو خلوت إليه: إذا جعلته غايتك في حاجتك، أو صرفوا خلاءهم إلى شياطينهم. {شَيَاطِينِهِمْ} رؤوسهم في الكفر، أو اليهود الذين يأمرونهم بالتكذيب، شيطان: فيعال من شطن إذا بعد ـ نوىً شطون ـ سمى به لبعده عن الخير، أو لبعد مذهبه في الشر، نونه أصلية، أو من شاط يشيط إذا هلك زائد النون، أو من التشيط وهو الاحتراق سمى ما يؤول إليه أمره. {إِنَّا مَعَكُمْ} على التكذيب والعداوة. {مُسْتَهْزِءُونَ} بإظهار التصديق.
ابن عرفة
تفسير : وقال جل ذكره: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا...} (إنما) اعبر بإذا اعتبارا بالأمر العادي لأنهم (مجاورون) لهم (وقريبون منهم) فهم في مظنة أن يكون لقاؤهم لهم محقق الوقوع. فإن قلت لم قال: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا}. ولم يقل إذا لقيهم الذين آمنوا، وأي فرق بين قولك: لقيني زيد ولقيت زيدا، مع أنه أمر نسبي، فإن من لقيته لقيك؟ قال ابن عرفة: فرق بعضهم بينهما بأن المتلاقيين إن كانت لأحدهما مندوحة عن اللقاء، ويجد ملجأ أو مقرا فهو مفعول، والآخر الذي لم يجد ملجأ ولا مقرا بل اضطر إلى لقاء صاحبه يستحسن أن يكون فاعلا للقاء، والمنافقون كانوا يكرهون لقاء المؤمنين، وإذا لقوهم في طريق يحيدون عنهم، فلذلك كانوا في الآية فاعلين لأنهم مضطرون إلى اللّقاء. قال جل ذكره: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ...} قال الزمخشري: لم عبّر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم؟ وأجاب بأنهم عبروا بالفعل (لأنّ) مقصودهم الإخبار بتحصيل مطلق الإيمان، ولم يلتزموا تحصيل أعلاه، وأخبروا شياطينهم بحقيقة أمرهم على جهة الثبوت. قال ابن عرفة: وتقدّم الجواب عنهم بأنّهم (إنّما) عبّروا بالفعل لكونهم نزّلوا أنفسهم منزلة البريء الذي يقبل قوله ولا يتّهم، فلو أكّدوا كلامهم لكانوا مقرّين بأنَّ المؤمنين يتهمونهم بالكفر وينكرون عليهم زعمهم أنهم مؤمنون، فأرادوا أن لا يوقعوا لأنفسهم ريبة، بل يخبرون بذلك على البراءة الأصلية خبر من يكتفي منهم بأدنى (العبارة) ويقبل كلامه، ولا ينكر عليه. وقولهم لشياطينهم: "إِنَّا مَعَكُمْ" أكدوا ذلك لأمرين: إما لكون (ذلك محبوبا لهم)، فبالغوا فيه كما (يبالغ) الإنسان (في مدح ما) هو محبوب (له)، وإما تقرير لمعذرتهم لأنّهم أظهروا الإسلام (فخشوا أن) يتوهّم فيهم أصحابهم أنّهم مسلمون، فبالغوا في تمهيد العذر (لنيّتهم). قال ابن عطية: قال الشّافعي وأصحابه: إنما منع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قتل المنافقين (لما) كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم لأن الإسلام يجبّ ما كان قبله فمن قال: إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد خالف الكتاب والسنة. قال الشافعي: إنّما كفّ رسول الله عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع العلم بهم، لأنّ الله نَهَاهم عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان فكذلك هو الزنديق. قال ابن عرفة: الفرق بينهما أنّ النّبي صلى الله عليه وسلّم كان يعلم أن المنافقين يموتون على نفاقهم وكفرهم والزنديق لا يقدر أحد منا أن يعلم وفاته على الزندقة.
ابن عادل
تفسير : "إذا" منصوب بـ "قالوا" الذي هو جواب لها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، و "لقوا" فعل وفاعل، والجملة في محلّ خفض بإضافة الظّرف إليها. وأصل "لقوا": لقيوا بوزن "شربوا" فاستثقلت الضمة على "الياء" التي هي "لام" الكلمة، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان: لام الكلمة وواو الجمع، ولا يمكن تحريك أحدهما، فحذف الأول وهو "الياء"، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمّة؛ لتجانِسَ واو الضمير، فوزن "لَقُوا": "فَعُوا"، وهذه قاعدة مطّردة نحو: "خشوا"، و "حيوا". وقد سمع في مصدر "لقي" أربعة عشر وزناً: "لُقْياً وَلِقْيَةً" بكسر الفاء وسكون العَيْن، و "لقاء ولقاءة" بفتحها أيضاً مع المَدّ في الثلاثة، و "لَقَى" و "لُقَى" بفتح الفاء وضمّها، و "لُقْيَا" بضم الفاء، وسكون العين و "لِقِيًّا" بكسرها والتشديد و "لُقِيًّا" بضم الفاء، وكسر العَيْنِ مع التشديد، و "لُقْيَاناً وَلِقْيَاناً" بضم الفاء وكسرها، و "لِقْيَانَةً" بكسر الفاء خاصّة، و "تِلْقَاء". وقرأ أبو حنيفة - رحمه الله -: "وَإِذَا لاَقُوا". و "الَّذِينَ ءَامَنُوا" مفعول به، و "قالوا" جواب "إذا"، و "آمَنَّا" في محل نصب بالقول. قال ابن الخطيب: "والمراد بقولهم: "آمنا": أخلصنا بالقلب؛ لأن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم مما كانوا يحتاجون إلى بَيَانِهِ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، وأيضاً فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإنما كانوا يظهرون لهم التَّكذيب بالقلب". وقوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ} تقدّم نظيره، والأكثر نظيره، والأكثر في "خَلاَ" أن يتعدّى بالباء، وقد يتعدّى بـ "إلى"، وإنما تعدّى في هذه الآية بـ "إلى" لمعنى بديع، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين: أحدهما: الانفراد. والثاني: السُّخرية والاستهزاء، تقول: "خلوت به" أي: سخرت منه، وهو من قولك: خَلاَ فلان بعرض فلان أي: يَعْبَثُ به. وإذا تعدّى بـ "إلى" كان نصًّا في الانفراد فقط، أو تقول: ضمن "خلا" معنى "صرف" فتعدّى "إلى"، والمعنى: صرفوا خَلاَهم إلى شَيَاطينهم، أو تضمّن معنى "ذهبوا وانصرفوا" ومنه: "القرون الخالية". وقيل: "إلى" - هنا - بمعنى "مع"، كقوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2]. وقيل: هي هنا بمعنى "الباء"، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين، وأما البصريون فلا يُجِيزون التجوّز في الحروف؛ لضعفها. وقيل المعنى: وإذا خلوا رجعوا إلى شياطينهم. فـ "إلى" على بابها. والأصل في خَلَوا: خَلَوُوا، فقلبت "الواو" الأولى التي هي "لام" الكلمة "ألفاً" لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فبقيت ساكنة وبعدها "واو" الضمير ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما، وهو "الألف"، وبقيت الفتحة دالةً عليها. و "شياطينهم": جمع شيطان، جمع تكسير، وقد تقدّم القول في اشتقاقه، فوزن شياطين: إما "فَعَالِيل" أو "فَعَالِين" على حسب القولين المتقدّمين في الاستعاذة، والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات؛ لأنه جمع تَكْسير، وفي لغةٌ رديئة، وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر السالم، سمع منهم: "لفلان البستان حوله البُسْتَانُون". وقرىء شاذًّا: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطون} [الشعراء: 210]. وشياطينهم: رؤساؤهم وكَهَنَتُهُمْ. قال ابن عباس: وهم خمسة نفر من اليهود: كَعْبُ بن الأشرف بـ "المدينة"، وأبو بردة بـ "الشام" في بني أسلم، وعبد الدار في "جهينة"، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بـ "الشام" ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له. وقال مجاهد: شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين. قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} "إنّ" واسمها و "معكم" خبرها، والأصل في "إنا": "إننا" لقوله تعالى: {أية : إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً} تفسير : [آل عمران: 193]، وإنما حذفت نُونَي "إنّ" لما اتصلت بنون "نا"، تخفيفاً. وقال أبو البقاء: "حذفت النون الوُسْطَى على القول الصحيح، كما حذفت في "إن" إذا خففت". و "مَعَ" ظرف والضمير بعده في محلّ خفض بإضافته إليه وهو الخبر - كما تقدم - فيتعلّق بمحذوف وهو ظرف مكان، وفهم الظرفية منه قلق. قالوا: لأنه يدلّ على الصحبة، ومن لازم الصحبة الظَّرفية، وأما كونه ظرف مكان، لأنه يخبر به عن الجُثَثِ نحو: "زيد معك"، ولو كان ظرف زمان لم يَجُزْ فيه ذلك. واعلم أن "مع" لا يجوز تسكين عينها إلا في شعر كقوله: [الوافر] شعر : 210- فَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعْكُمْ وَإِنْ كَانَتْ زَيَارَتُكُمْ لِمَامَا تفسير : وهي حينئذ على ظرفيتها خلافاً لمن زعم أنها حينئذ حرف جَرّ، وإن كان النَّحاس ادّعى الإجماع في ذلك، وهي من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد تقطع لفظاً، فتنتصب حالاً غالباً، تقول: جاء الزيدان معاً أي: مصطحبين، وقد تقع خبراً، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 211- حَنَنْتَ إلى رَيَّا وَنَفْسُكَ بَاعَدَتْ مَزَارَكَ مِنْ رَيَّا وَشَعْبَاكُمَا مَعَا تفسير : فـ "شَعْبَاكُمَا" مبتدأ، و "مَعاً" خبره، على أنه يحتمل أن يكون الخبر محذوفاً، و "مَعاً" حال. واختلفوا في "مع" حال قطعها عن الإضافة؛ هل هي من باب المقصور نحو: "عصى" و "رحا"، أو المنقوص نحو: "يد" و "دم"؟ قولان: الأوّل: قول يونس، والأخفش. والثاني: قول الخليل وسيبويه، وتظهر فائدة ذلك إذا سمّي به فعلى الأول تقول: "جاءني معاً" و "رأءَت معاً" و "مررت بمعاً". وعلى الثاني: "جاءني معٌ" و "رأيت مَعاً" و "مررت بمَعٍ" كـ "يَدٍ"، ولا دليل على القول الأوّل في قوله: "وشعباكما معاً"؛ لأن معاً منصوب على الظَّرف النائب عن الخبر، نحو: "زيد عندك" وفيها كلام كثير. فصل في نظم الآية لم كانت مُخَاطبتهم للمؤمنين بالجملة الفعلية ومخاطبة شياطينهم بالجملة الاسمية محققة بـ "إن"؟ قال ابن الخطيب: الجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين؛ لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم، لا في ادعاء أنهم في الدَّرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة، لأن القول الصادر عن النّفاق والكراهة قلّما يحصل معه المبالغة، وإما لعلمهم بأن ادِّعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم، فكانوا يقولونه عن الاعتقاد، ويعلمون أنّ المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جَرَمَ كان التأكيد لائقاً به. واختلفوا في قائل هذا القول أَهَمُّ كُلّ المُنَافقين، أو بعضهم؟ فمن حمل الشَّيَاطين على كبار المُنَافقين، فحمل هذا القول على أنه من صغارهم، فكانوا يقولون للمؤمنين: "آمنا" وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا: "إنا معكم"، ومن قال: المراد بالشّياطين الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كُلّ المُنَافقين. وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} كقوله: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} تفسير : [البقرة: 11]، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها؛ إذ هي جواب لرؤسائهم، كأنهم لما قالوا لهم: "إنَّا مَعكُمْ" توجّه عليهم سؤال منهم، وهو: فما بالكم مع المُؤْمنين تُظَاهرونهم على دينهم، فأجابوهم بهذه الجملة. وقيل: محلّها النصب، لأنها بدلٌ من قوله: "إنَّا مَعَكُمْ". وقياس تخفيف همزة "مستهزؤون" ونحوه أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ، أي بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها وهو "الواو"، وهو رأي سيبويه، ومذهب الأخفش قلبها "ياء" محضة. وقد وقف حمزة على {مُسْتَهْزِءُونَ} و {أية : فَمَالِئُونَ} تفسير : [الصافات: 66] و {أية : لِيُطْفِئُواْ} تفسير : [الصف: 8] و {أية : لِّيُوَاطِئُواْ} تفسير : [التوبة: 37] و {أية : وَيَسْتَنبِئُونَكَ} تفسير : [يونس: 53] و {أية : ٱلْخَاطِئِينَ} تفسير : [يوسف: 29] و {أية : ٱلْخَاطِئُونَ} تفسير : [الحاقة: 37]، و {أية : مُّتَّكِئِينَ} تفسير : [الكهف: 31] و {أية : مُتَّكِئُونَ} تفسير : [يس: 56]، و {أية : ٱلْمُنشِئُونَ} تفسير : [الواقعة: 72] بحذف صورة الهَمْزَةِ اتباعاً لرسم المُصْحَفِ. وقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} توكيد لقولهم: " إنَّا مَعَكُمْ". وقوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} الله: رفع بالابتداء، و "يستهزىء": جملة فعلية في محلّ رفع خبر، و "بِهِمْ" متعلّق به، ولا محل لهذه الجملة لاستئنافها. و "يَمُدُّهُمْ" يتركهم ويُمْهِلُهُمْ، وهو في محلّ رفع أيضاً لعطفه على الخَبَرِ، وهو "يستهزىء". و "يَعْمَهُونَ" في مَحَلّ الحال من المفعول في "يَمُدُّهُمْ"، أو من الضمير في "طغيانهم"، وجاءت الحال من المُضَاف إليه؛ لأنَّ المُضَاف مصدر. و "في طُغْيَانِهِمْ" يحتمل أن يتعلّق بـ "يمدهم"، أو بـ "يعمهون"، وقدّم عليه، إلاَّ إذا جعل "يعمهون" حالاً من الضَّمير في "طغيانهم"، فلا يتعلّق به حينئذ، لفساد المعنى. وقد منع أبو البَقَاءِ أن يكون "في طغيانهم"، و "يعمهون" حَالَيْن من الضَّمير في "يمدهم" معللاً ذلك بأن العاملَ الواحدَ لا يعمل في حالين، وهذا على رأي من منع ذلك. وأما من يجيز تعدُّد الحال مع عدم تعدُّد صاحبها فيجيز ذلك، إلاّ أنه في هذه الآية ينبغي أن يمنع من ذلك لا لما ذكره أبو البَقَاءِ، بل لأن المعنى يأبى جَعْلَ هذا الجار والمجرور حالاً؛ إذ المعنى منصب على أنه متعلّق بأحد الفعلين، أعني: "يمدّهم"، أو "يعمهون" لا بمحذوف على أنه حال. والمشهور: فتح "الياء" من "يمدهم". وقرىء شاذاً: "يُمِدُّهُمْ" بضم الياء. فقيل: الثلاثي والرُّباعي بمعنى واحدٍ تقول: "مدّه" و "أمدّه" بكذا. وقيل: "مدّه" إذا زاده عن جِنْسِهِ، و "أمدّه" إذا أراده من غير جِنْسِهِ. وقيل: مدّه في الشَّرِّ لقوله تعالى: {أية : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} تفسير : [مريم: 79]، وأمدّه في الخير لقوله تعالى: {أية : وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [نوح: 12] {أية : وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ} تفسير : [الطور: 22]، {أية : أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ ءَالٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} تفسير : [آل عمران: 124] إلا أنه يعكر على هذين الفرقين أنه قرىء: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيه ضم "الياء" أنه بمنزلة قوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} تفسير : [آل عمران: 21]، {أية : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} تفسير : [الليل: 10] يعني أبو علي - رحمه الله - بذلك أنه على سبيل التهكُّم. وأصل المدد الزيادة. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم زعمت أنه من المَدَد دون المَدّ في العُمُر والإمْلاَء والإمْهَال؟ قلت: كفاك دليلاً على ذلك قراءة ابن كثير، وابن محيصن: "ويمدهم" وقراءة نافع: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 202] على أنَّ الذي بمعنى أَمْهَلَ إنما هو مَدّ له بـ "اللام" كأملى له. والاستهزاء لغةً: السخرية واللّعب؛ يُقَال: هَزِىءَ به، واستهزأ، قال: [الرجز] شعر : 212- قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ قالَتْ: أَرَاهُ مُعْدِماً لاَ مَالَ لَهْ تفسير : وقيل: أصله الانتقام؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 213- قَدِ اسْتَهْزَؤُوا مِنْهُمْ بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ وَسْطَ الصَّحَاصِحِ جُثَّمُ تفسير : فعلى هذا القول الثَّاني نسبة الاستهزاء إليه - تعالى - على ظاهرها. وأما على القول الأول فلا بد من تأويل وهو من وجوه: الأول: قيل: المعنى: يجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم الذَّنب ليزدوج الكَلاَم، ومنه: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} تفسير : [الشورى: 40]، {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 194]. وقال: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]، {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل: عمران: 54]. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اللَّهُمَّ إنّ فلاناً هَجَاني، وهو يعلم أني لَسْتُ بِشَاعِرٍ، اللّهم فاهْجُهُ، اللهم فالْعَنْهُ عَدَدَ ما هَجَانِي"تفسير : ؛ وقال عليه الصلاة والسَّلام: "حديث : تَكَلَّفُوا من الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ فإنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"تفسير : ؛ وقال عمرو بن كلثوم: [الوافر] شعر : 214- أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا تفسير : وثانيها: أنَّ ضرر استهزائهم بالمُؤْمنين راجعٌ إليهم، وغير ضَارّ بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم. وثالثها: أنّ من آثار الاستهزاء حُصُول الهَوَان والحَقَارة، فذكر الاستهزاء، والمراد حُصُول الهَوَان لهم فعبّر بالسَّبب عن المُسَبَّب. ورابعها: أنَّ استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أَحْكَامِهِ في الدُّنْيا ما لهم عند اللهِ خلافها في الآخرة، كما أنهم أَظْهَرُوا [للنَّبي و] المؤمنين أمراً مع أنَّ الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - لما أظهر لهم أحكام الدُّنيا، فقد أظهر الأدلّة الواضحة بما يعاملون به في الدَّار الآخرة، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا. وخامسها: أن الله - تعالى - يُعَاملهم مُعَاملة المُسْتَهْزِىءِ في الدُّنيا والآخرة، أما في الدنيا، فلأنه أطلع الرسول على أَسْرَارِهِمْ لِمُبَالغتهم في إخْفَائها، وأمّا في الآخرة فقال ابنُ عَبَّاس: هو أن يفتح لهم باباً من الجنة، فإذا رأوه المُنافقون خرجوا من الجَحِيمِ متوجّهين إلى الجنة، فإذا وصلوا إلى باب الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، فذلك قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 34] وقيل: هو أن يُضْرَبَ للمؤمنين نورٌ يَمْشون به على صراط، فإذا وصل المنافقون إليه حِيلَ بينهم وبينه، كما قال تَعَالَى: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} تفسير : [الحديد: 13] الآية. فإن قيل: هلا قيل: إن الله يستهزىء بهم ليكون مطابقاً لقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14]؟ والجواب: أنَّ "يستهزىء" يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم {أية : أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} تفسير : [التوبة: 126]. و "الطُّغيان": الضلال مصدر طَغَى يَطْغَى طِغْياناً وطُغْيَاناً بكسر الطَّاء وضمها. وبكسر الطَّاء قرأ زيد بن علي، ولام "طغى" قيل: ياء. وقيل: واو، يقال: طَغَيْتُ وطَغَوْتُ، وأصل المادّة مُجَاوزة الحَدّ، ومنه: طغى الماء. و "العَمَهُ": التردُّد والتحيُّر، وهو قريب من العَمَى، إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً، لأن العَمَى يطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعَمَهُ لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي، يقال: عَمِهَ عَمَهاً وَعَمَهَاناً فهو عَمِهٌ وعَامِهٌ. فصل في الرد على المعتزلة قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف: 202] أضاف ذلك الغيّ إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله. وثانيهما: أن الله - تعالى - ذمّهم على هذا الطغيان، فلو كان فعلاً لله - تعالى - فكيف يذمهم عليه؟ وثالثها: لو كان فعلاً لله - تعالى - لبطلت النبوة، وبطل القرآن، فكان الاشتغال بتفسيره عَبَثاً. ورابعها: أنه - تعالى - أضاف الطّغيان إليهم بقوله: {فِي طُغْيَانِهِمْ}، ولو كان من الله لما أضافه إليهم فظهر أنه إنما أضافه إليهم ليعلم أنه - تعالى - غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المَدّ إلى الشَّياطين أطلق الغيّ، ولم يقيده بالإضافة في قوله: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف: 202] إذا ثبت هذا، فلا بُدَّ من التأويل، وهو من وجوه: أحدها: قال الكَعْبِيّ وأبو مسلم الأصفهاني: إن الله - تعالى - لَمَّا منحهم أَلْطافَهُ التي منحها للمؤمنين، وخَذَلَهُمْ بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مُظْلِمَةً بتزايد الرَّيْن فيها، وكتزايد النور في قلوب المؤمنين، فسمى ذلك النور مدداً، وأسنده إلى الله تعالى، لأنه مسبّب عن فعله بهم. وثانيها: أن يحمل على منع القَسْرِ والإِلْجَاءِ. وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله - تعالى - لأنه بتمكينه، وإقْدَاره، والتَّخلية بينه وبين إغواء عباده. ورابعها: قال الجُبَّائي: ويمدهم أي يمد عمرهم، ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون، وهذا ضعيف من وجهين: الأول: ما بَيَّنَا أنه لا يجوز في اللُّغة تفسير "ويمدهم" بالمَدّ في العمر. الثاني: هَبْ أنه يصحّ ذلك، ولكنه يفيد أنه - تعالى - يمد عمرهم بغرض أن يكونوا في طُغْيَانهم يعمهون، وذلك يفيد الإشكال. أجاب القَاضِي عن ذلك بأنه ليس المُرَاد أنه - تعالى - يمدّ عمرهم بغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد أنه - تعالى - يبقيهم، ويلطف بهم الطَّاعة، فيأبون إلاَّ أن يعمهوا.
السيوطي
تفسير : أخرج الواحدي والثعلبي بسنده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبدالله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبدالله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإِسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد عدي بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ بيد علي وقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم افترقوا فقال عبدالله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فاثنوا عليه خيراً. فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك، فأنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا} الآية. قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم {وإذا خلوا إلى شياطينهم} وهم إخوانهم {قالوا: إنا معكم} أي على مثل ما أنتم عليه {إنما نحن مستهزئون} قال: ساخرون بأصحاب محمد {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم {ويمدهم في طغيانهم} قال: في كفرهم {يعمهون} قال يترددون. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { وإذا لقوا الذين آمنا قالوا آمنا} وهم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم {إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} على دينكم {إنما نحن مستهزئون} بأصحاب محمد. يقول الله {الله يستهزئ بهم} في الآخرة، يفتح لهم باباً في جهنم من الجنة ثم يقال لهم: تعالوا فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله {الله يستهزئ بهم} في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب. فذلك قوله {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}تفسير : [المطففون: 34] . وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} أي صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة {وإذا خلوا إلى شياطينهم} ، من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب {قالوا إنا معكم} أي إنا على مثل ما أنتم عليه {إنما نحن مستهزئون} أي إنما نحن مستهزئون بالقوم، ونلعب بهم. وأخرج ابن الأنباري عن اليماني أنه قرأ {وإذا لاقوا الذين آمنوا} . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {وإذا خلوا} قال: مضوا. واخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: رؤوسهم في الكفر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { إذا خلوا إلي شياطينهم} قال: أصحابهم من المنافقين والمشركين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: إلى إخوانهم من المشركين، ورؤوسهم وقادتهم في الشر {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون } يقولون: إنما نسخر من هؤلاء القوم ونستهزئ بهم. وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح في قوله {الله يستهزئ بهم} قال: يقال: لأهل النار وهم في النار اخرجوا، وتُفْتَحُ لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم. فذلك قوله {الله يستهزئ بهم} ويضحك عليهم المؤمنون حين غلقت دونهم. فذلك قوله {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون}تفسير : [المطففون: 34 ـ 35] الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {ويمدهم} قال: يملي لهم {في طغيانهم يعمهون} قال: في كفرهم يتمادون. واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يعمهون} قال: يتمادون. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل {يعمهون} قال: يلعبون ويترددون. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : أراني قد عمهت وشاب رأسي وهذا اللعب شين بالكبير تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ويمدهم} قال: يزيدهم {في طغيانهم يعمهون} قال: يلعبون ويترددون في الضلالة.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا} بـيانٌ لتبايُن أحوالِهم وتناقضِ أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبةِ حسَب تباينِ ومَساقِ ما صُدِّرت به قصتُهم لتحرير مذهبهم والترجمةِ عن نفاقهم، ولذلك لم يُتعرَّضْ ههنا لِمُتَعَلَّق الإيمان فليس فيه شائبةُ التكرير. روي أن عبدَ الله بن أبـيٍّ وأصحابَه خرجوا ذاتَ يوم فاستقبلهم نفرٌ من الصحابة، فقال ابن أبـيَ: أنظروا كيف أردُ هؤلاءِ السفهاءَ عنكم، فلما دنَوْا منهم أخذ بـيد أبـي بكرٍ رضي الله عنه فقال: مرحباً بالصّدّيق سيدِ بني تيم، وشيخِ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذلِ نفسَه ومالَه لرسول الله، ثم أخذ بـيد عمرَ رضي الله عنه فقال: مرحباً بسيد بني عديّ، الفاروقِ القويّ في دينه الباذلِ نفسَه ومالَه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بـيد علي كرّم الله وجهه فقال: مرحباً بابن عمِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وخَتَنِه، وسيدِ بني هاشم ما خلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: قال له علي رضي الله عنه: يا عبدَ الله اتق الله، ولا تنافقْ، فإن المنافقين شرُ خلق الله تعالى، فقال له: مهلاً يا أبا الحسن أفيَّ تقول هذا، والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقَنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن أبـيَ لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت، فأثنَوْا عليه خيراً، وقالوا: لا نزالُ بخير ما عشتَ فينا. فرجع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت. واللقاءُ المصادفة، يقال لقِيته ولاقَيْته أي صادفته واستقبلتهُ، وقرىء إذا لاقَوْا {وَإِذَا خَلَوْاْ} من خلوتُ إلى فلان، أي انفردت معه، وقد يستعمل بالباء، أو من خلا بمعنى مضىٰ، ومنه القرونُ الخالية، وقولُهم: خلاك ذمٌّ أي جاوزك ومضىٰ عنك، وقد جُوّز كونُه من خلوتُ به إذا سخِرْتُ منه، على أن تعديته بإلى في قوله تعالى: {إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ} لتضمُّنه معنى الإنهاء، أي وإذا أَنهَوْا إليهم السخرية الخ. وأنت خبـير بأن تقيـيدَ قولهم المحكيّ بذلك الإنهاءِ مما لا وجهَ له، والمرادُ بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان في التمرد والعناد، المظهرون لكفرهم، وإضافتُهم إليهم للمشاركة في الكفر، أو كبارُ المنافقين، والقائلون صغارُهم، وجعل سيبويهِ نونَ الشيطان تارةً أصلية فوزنُه فَيْعالٌ، على أنه من شطَنَ إذا بعُدَ، فإنه بعيدٌ من الخير والرحمة، ويشهد له قولُهم تَشَيْطن، وأخرى زائدة فوزنه فعلان، على أنه من شاط أي هلك أو بطَل، ومن أسمائه الباطل، وقيل معناه هاج واحترق {قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ} أي في الدين والاعتقاد لا نفارقكم في حال من الأحوال، وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة، لأن مُدّعاهم عندهم تحقيقُ الثبات على ما كانوا عليه من الدين، والتأكيدُ للإنباء عن صدق رغبتهم، ووفورِ نشاطِهم، لا لإنكار الشياطين، بخلاف معاملتهم مع المؤمنين، فإنهم إنما يدّعون عندهم إحداثَ الإيمان لجزمهم بعدم رواج ادعاء الكمال فيه أو الثبات عليه {إِنَّمَا نَحْنُ} أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين {مُسْتَهْزِءونَ} بهم من غير أن يخطرُ ببالنا الإيمانُ حقيقةً، وهو استئنافٌ مبني على سؤالٍ ناشىءٍ من ادعاء المعية كأنه قيل لهم عند قولهم إنا معكم فما بالُكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الإيمان، فقالوا: إنما نحن مستهزئون بهم فلا يقدح ذلك في كوننا معكم، بل يؤكده وقد ضمِنوا جوابهم أنهم يُهينون المؤمنين، ويُعدّون ذلك نُصرةً لدينهم. أو تأكيدٌ لما قبله، فإن المستهزىء بالشيء مُصرٌّ على خلافه، أو بدلٌ منه، لأن مَنْ حَقّر الإسلامَ فقد عظّم الكفرَ، والاستهزاءُ بالشيء السخرية منه، يقال: هَزَأتُ واستهزأت بمعنى، وأصله الخِفّة من الهُزء، وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ مات على مكانه، وتَهْزأُ به ناقتُه أي تُسرع به وتخِف
القشيري
تفسير : أراد المنافقون أن يجمعوا بين عِشْرة الكفار وصحبة المسلمين، فإِذا برزوا للمسلمين قالوا نحن معكم، وإذا خَلَوْا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص لهم، فأرادوا الجمع بين الأمْرَيْن فَنُفُوا عنهما. قال الله تعالى: {أية : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ}تفسير : [النساء: 143] وكذلك من رام أن يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يلتئم ذلك، فالضدان لا يجتمعان، و "حديث : المُكَاتَبُ عَبدٌ ما بَقِيَ عليه درهم"تفسير : ، وإذا ادلهم الليل من ها هنا أدبر النهار من ها هنا، ومن كان له في كل ناحية خليط، وفي زاوية من قلبه ربيط كان نهباً للطوارق، ينتابه كل قوم، وينزل في قلبه كل (...)، فقلبه أبداً خراب، لا يهنأ بعيش، ولا له في التحقيق رزق من قلبه، قال قائلهم: شعر : أراك بقية من قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام تفسير : ولما قال المنافقون: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} قال الله تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي يجازيهم على استهزائهم، كذلك لما ألقى القوم أزِمَّتهم في أيدي الشهوات استهوتهم في أودية التفرقة، فلم يستقر لهم قدم على مقام فتطوحوا في متاهات الغيبة، وكما يمد المنافقين في طغيانهم يعمهون يطيل مدة هؤلاء في مخايل الأمل فيكونون عند اقتراب آجالهم أطول ما كانوا أملاً، وأسوأ ما كانوا عملاً، ذلك جزاء ما عملوا، ووبال ما صنعوا. وتحسين أعمالهم القبيحة في أعينهم من أشد العقوبات لهم، ورضاؤهم بما فيه من الفترة أَجَلُّ مصيبة لهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا لقوا الذين آمنوا} بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير اى هؤلاء المنافقون اذا عاينوا وصادفوا واستقبلوا الذين آمنوا وهم المهاجرون والانصار {قَالوا} كذبا {آمنا} كأيمانكم وتصديقكم روى ان عبد الله بن ابى المنافق واصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة رضى الله عنهم فقال ابن ابى انظروا كيف ارد هذه السفهاء عنكم فلما دنوا منهم اخذ بيد ابى بكر رضى الله عنه فقال مرحبا بالصديق سيد بنى تميم وشيخ الاسلام وثانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد عمر رضى الله عنه فقال مرحبا بسيد بنى عدى الفاروق القوى فى دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد على رضى الله عنه فقال مرحبا بابن عم رسول الله وخنته وسيد بنى هاشم ما خلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له على رضى الله عنه يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فان المنافقين شر خلق الله فقال له مهلا يا ابا الحسن أنى تقول هذا والله ان ايماننا كأيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن ابى لاصحابه كيف رأيتمونى فعلت فاذا رأيتموهم فافعلوا ما فعلت فأثنوا عليه خيرا وقالوا ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبروه بذلك فنزلت الآية {واذا خلوا} اى مضوا أو اجتمعوا على الخلوة والى بمعنى مع او انفردوا والى بمعنى الباء او مع تقول خلوت بفلان واليه اذا انفردت معه {الى شياطينهم} اصحابهم المماثلين للشيطان فى التمرد والعناد المظهرين لكفرهم واضافتهم اليه للمشاركة فى الكفر او كبار المنافقين والقائلون صغارهم وكل عات متمرد فهو شيطان. وقال الضحاك المراد بشياطينهم كهنتهم وهم فى بنى قريظة كعب بن الاشرف وفى بنى اسلم ابو بردة وفى جهينة عبد الدار وفى بنى اسد عوف بن عامر وفى الشام عبد الله بن سوداء وكانت العرب تعتقد فيهم انهم مطلعون على الغيب ويعرفون الاسرار ويداوون المرضى وليس من كاهن الا وعند العرب ان معه شيطانا يلقى اليه كهانته وسموا شياطين لبعدهم عن الحق فان الشطون هو البعد كذا فى التيسير {قالوا انا معكم} انا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم واعتقادكم لا نفارقكم فى حال من الاحوال وكأنه قيل لهم عند قوله {انا معكم} فما بالكم توافقون المؤمنين فى الاتيان بكلمة الشهادة وتشهدون مشاهدهم وتدخلون مساجدهم وتحجون وتغزون معهم فقالوا {انما نحن} اى فى اظهار الايمان عند المؤمنين {مستهزءون} بهم من غير ان يخطر ببالنا الايمان حقيقة فنريهم انا نوافقهم على دينهم ظاهرا وباطنا وانما نكون معهم ظاهرا لنشاركهم فى غنائمهم وننكح بناتهم ونطلع على اسرارهم ونحفظ اموالنا واولادنا ونساءنا من ايديهم والاستهزاء التجهيل والسخرية والاستخفاف والمعنى انا نجهل محمد واصحابه ونسخر بهم باظهارنا الاسلام فرد الله عليهم بقوله {الله يستهزئ بهم} اى يجازيهم على استهزائهم او يرجع وبال ألا ستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم او ينزل بهم الحقارة والهوان الذى هو لازم الاستهزاء والغرض منه او يعاملهم معاملة المستهزئ بهم اما فى الدنيا فباجراء احكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالامهال والزيادة فى النعمة على التمادى فى الطغيان واما فى الآخرة فما يروى انه يفتح لهم باب الى الجنة وهم فى جهنم فيسرعون نحوه فاذا وصلوا اليه سند عليهم الباب وردوا الى جهنم والمؤمنون على الارائك فى الجنة ينظرو اليهم فيضحكون منهم كما ضحكوا من المؤمنين فى الدنيا فذلك بمقابلة هذا ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرة {ويمدهم} اى يزيدهم ويقويهم من مد الجيش وأمده اذا زاده وقواه لا من المد فى العمر فانه يعدى باللام كأملى لهم ويدل عليه قراءة ابن كثير ويمدهم {فى طغيانهم} متعلق بيمدهم والطغيان مجاوزة الحد فى كل امر والمراد افراطهم فى العتو وغلوهم فى الكفر وفى اضافته اليهم ايذان باختصاصه بهم وتأييد لما اشير اليه من ترتب المد على سوء اختيارهم {يعمهون} اى يترددون فى الضلالة متحيرين عقوبة لهم فى الدنيا لاستهزائهم وهو حال من الضمير المنصوب او المجرور لكنون المضاف مصدرا فهو مرفوع حكما. والعمه فى البصيرة كالعمى فى البصر وهو التحير والتردد بحيث لا يدرى اين يتوجه وفى الآيتين اشارات. الاولى فى قوله تعالى {انا معكم} وهى ان من رام ان يجمع بين طريق الارادة وما عليه اهل العادة لا يلتئم له ذلك والضدان لا يجتمعان ومن كان له من كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق ومنقسما بين العلائق فهذا حال المنافق يذبذب بين ذلك وذلك يعنى ان المنافقين لما ارادوا ان يجمعوا بين غبرة الكفار وصحبة المسلمين وان يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الايمان وكان الجمع بين الضدين غير جائز فبقوا بين الباب والدار كقوله تعالى {أية : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء}تفسير : [النساء: 143] وكذلك حال المتمنين الذي يدعون الارادة ولا يخرجون عن العادة ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين يتمنون اعلى مراتب الدين ويرتعون فى اسفل مراتع الدنيا فلا يلتئم لهم ذلك قال عليه السلام "حديث : ليس الدين بالتمنى"تفسير : وقال "حديث : بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات"تفسير : وقال "حديث : الدنيا والآخرة ضرتان فمن يدع الجمع بينهما فممكور ومغرور" تفسير : فمن رام مع متابعة الهوى البلوغ الى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق فكم فىهذا البحر من امثاله غريق فالله تعالى يمهلهم فى طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا فى طلبها حد الاحتياج اليها ويفتح ابواب المقاصد الدنيوية عليهم ليستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم كما قال الله تعالى {أية : إن إلانسان ليطغى أن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 6- 7]. فكان جزاء سيئة تلونهم فى الطلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والامهال الى ان طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمة فيترددون فى الضلال متحيرين لا سبيل لهم الى الخروج من الباطل والرجوع ال الحق. والاشارة الثانية فى قوله تعالى {الله يستهزىء بهم} وهي ان ذلك يدل على شرف المؤمنين ومنزلتهم عند الله حيث ان الله هو الذى يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين الى ان يعارضوهم باستهزاء مثله فناب الله عنهم واستهزأ بهم الاستهزاء الابلغ الذى ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزل بهم من النكال ويحل عليهم من الذل والهوان مالا يوصف به. ودلت الآية على قبح الاستهزاء بالناس وقد قال {أية : لا يسخر قوم من قوم}تفسير : [الحجرات: 11]. وقال فى قصة موسى عليه السلام {أية : قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : [البقرة: 67]. اخبر انه فعل الجاهلين واذا كان الاستهزاء بالناس قبيحا فما جزاء الاستهزاء بالله وهو فيما قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : المستغفر من الذنب وهو مصر كالمستهزئ بربه"تفسير : . والاشارة الثالثة فى قوله تعالى {ويمدهم فى طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15]. وهى ان العبد ينبغى له ان لا يغتر بطول العمر وامتداده ولا بكثربة امواله واولاده والله تعالى يقول فى اعدائه فى حق المعمر ويمدهم وفى حق المال والبنين يحسبون انما نمدهم به من مال وبنين وكان طول العمر لهم خذلانا وكثرة الاموال والاولاد لهم حرمانا ولهم فى مقابلة هذا المدمد قال الله تعالى {أية : ونمد له من العذاب مدا}تفسير : [مريم: 79] وقد جعل الله لعدوه فى الدنيا مالا ممدودا ولوليه فى الآخرة ظلا ممدودا وقال الله جل جلاله لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج "حديث : ان من نعمتى على امتك انى قصرت اعمارهم كيلا تكثر ذنوبهم واقللت اموالهم كيلا يشتد فى القيامة حسابهم واخرت زمانهم كيلا يطول فى القبور حبسهم"تفسير : وروى ان الله تعالى قال لحبيبه ليلة المعراج "حديث : يا احمد لا تتزين بلين اللباس وطيب الطعام ولين الوطاء فان النفس مأوى كل شر وهى رفيق سوء كلما تجرها الى طاعة تجرك الى معصية وتخالفك فى الطاعة وتطيع لك فى المعصية وتطغى اذا شبعت وتتكبر اذا استغنت وتنسى اذا ذكرت وتغفل اذا امنت وهى قرينة للشيطان"تفسير : كذا فى مشكاة الانوار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: اللقاء: المصادفة بلا قصد، والخلو بالشيء أو معه: الانفراد به، ضمنه هنا معنى رجع، ولذلك تعدَّى بإلى، و(الشيطان) فَيْعَالٌ، من شَطَنَ، إذا بعد، أو فَعْلاَن من شاط، إذا بطل، والاستهزاء بالشيء: الاستخفاف بحقه، والعَمَهُ في البصيرة كالعمى في البصر. يقول الحقّ جلّ جلاله: في وصف المنافقين تقريراً لنفاقهم: إنهم كانوا {إذَا لَقُوا} الصحابة أظهروا الإيمان، وإذا رجعوا {إلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان، {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} لم نخرج عن ديننا {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بهم، ومستسخرون بشأنهم، نزلت في عبد الله بن أُبَيّ - رأس المنافقين - كان إذا لقي سعداً قال: نعم الدين دين محمد، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر، شدوا أيديكم على دين آبائكم. وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان الله عليهم - فقال عبدُ الله لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحباً بالصدِّيق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عَلِيّ؛ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخِتِنِه، سيد بني هاشم، ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليّ رضي الله عنه: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإن المنافقين شرُّ خليقة الله، فقال عبد الله: مهلاً يا أبا الحسن، أنى تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم، فنزلت الآية. ثم ردّ الله تعالى عليهم فقال: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أي: يفعل بهم فعل المستهزئ؛ بأن يفتح لهم باباً إلى الجنة وهم في النار، ويطلع المؤمنين عليهم، فيقول لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في الدخول، سُدَّتْ عليهم ورجعوا إلى النار،{أية : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ }تفسير : [المطفّفِين: 34] الآية. {وَيَمُدُّهُمْ} أي: يمهلهم {فِي} كفرهم، و {طُغْيَانِهِمْ} يتحيرون إلى يوم يبعثون؛ لأنهم {اشْتَرُوا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} أي: استبدلوا بها رأس مالهم، فضلاً عن الربح، إذ الإيمان رأس المال، وأعمال الطاعات ربح، فإذا ذهب الرأس فلا ربح؛ ولذلك قال تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ}، بل خسرت صفقتهم، {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} إلى أسباب الربح أبداً، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - بالضلالة - التي هي سبب الخسران. وبالله التوفيق. وها هنا استعارات وبلاغات يطول سردها، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب العالمين. الإشارة: الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام: قسم: سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية: فصدقوا ودخلوا فيها، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فَتَجِرُوا فيه وربحوا، فعوّضهم الله تعالى جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاءوا، فإذا قدموا عليه أدخلهم جنة الزخارف، يسرحون فيها حيث شاءوا، وأتحفهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم. وقسم: سبقت لهم من الله الهداية، وحفتهم الرعاية، فصدقوا وأقروا، ولكنهم ضعفوا عن الدخول، ولم تتعلق همتهم بالوصول، فبقوا في ضعفاء المسلمين {أية : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ...}تفسير : [التّوبَة: 91]. وقسم: أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا، فتجروا وخسروا، "مَنْ عَادَى لي وَلِياً فقَد آذنْتُهُ بالْحَربِ". وقسم رابع: هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا: آمنا وصدقنا فأنتم على الجادة، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا، وقالوا: إنما كنا بهم مستهزئين، {الله يستهزئ بهم} بما يظهر لهم من صور الكرامات والاستدراجات، ويمدهم في تعاطي العوائد والشهوات، وطلب العلو والرئاسات، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات، {أولئك الذي اشتروا الضلالة} عن طريق الخصوص من أهل الوصول، {بالهدى} الذي كان بيدهم، لو حصل لهم التصديق والدخول، فما ربحوا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ المأمول. قال بعض العارفين: (التصديق بطريقتنا ولاية، والدخول فيها عناية، والانتقاد عليها جناية). وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : القراءة قرىء في الشواذ واذا لاقوا الذين. قرأها اليماني. وفى القراء من همز {مستهزئون}، ومنهم من ترك الهمزة. المعنى: حكي عن ابن عباس أنه قال: هذه في صفة المنافقين فكان الواحد منهم اذا لقي اصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال إنا معكم ـ أي على دينكم ـ وإذا خلوا إلى شياطينهم ـ يعني اصحابهم ـ قالوا انما نحن مستهزئون ـ يعني نسخر منهم يقال خلوت اليه، وخلوت معه. ويقال خلوت به على ضربين: احدهما ـ بمعنى خلوت معه، والآخر ـ بمعنى سخرت منه. وخلوت اليه في قضاء الحاجة لا غير. وخلوت به له معنيان: احدهما ـ هذا، والآخر ـ سخرت منه. قال الأخفش: رقد تكون "إلى" في موضع الباء، "وعلى" في موضع عن، وانشد: شعر : اذا رضيت عليّ بنو قشير لَعمر الله أعجبني رضاها تفسير : فعلى هذا يحتمل أن تكون الآية: {خلوا مع..} وقال الرماني: الفرق بين اللقاء والاجتماع، أن اللقاء لا يكون إلا على وجه المجاورة، والاجتماع قد يكون كاجتماع العزمين في محل. وقد بينا معنى الشيطان فيما مضى معكم و {معكم} ـ بفتح العين وسكونها ـ لغتان. وترك الهمزة في {مستهزئون} لغة قريش، وعامة غطفان. وكنانه بعضها يجعلها بمنزلة (يستقصون، ويستعدون) بحذفها. وبعض بني تميم وقيس يشيرون إلى الزاء بالرفع، بين الرفع والكسر، وهذيل، وكثير من تميم يخففون الهمزة وقال بعض الكوفيين: إن معنى {إذا خلوا}: إذا انصرفوا خالين، فلأجل ذلك قال: إلى شياطينهم. على المعنى، وهو مليح، وقيل: إن شياطينهم: رؤساؤهم وقيل: أريد بهم أصحابهم من الكفار. وروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنهم كهانهم. والاستهزاء: طلب الهزء بايهام أمر ليس له حقيقة في من يظن فيه الغفلة. والهزء: ضد الجد يقال هزىء به هزء والتهزي: طلب الهزء: بالشيء، وغرضهم كان بالاستهزاء مع علمهم بقبحه حقن دمائهم باظهار الايمان واذا خلوا الى شياطينهم كشفوا ما في نفوسهم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذا هو النوع الرابع من أنواع الأفعال والأقوال القبيحة للمنافقين المذكورة في هذه الآيات، ولهم أنواع كثيرةٌ من القبائح مذكورة في مواضع من القرآن. منها: ما ذكره بقوله: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الزمر:45]. وبقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} تفسير : [الحج:72]. ومنها ما وصفهم الله به في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} تفسير : [البقرة:206]. ومنها: تقليدهم للآباء والمشايخ وإن كانوا على الباطل، كما وصَفهم الله في مواضع بمثل قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [لقمان:21]. ومنها: اتّباعهم للهوى: {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} تفسير : [الكهف:28]. الآية. ومنها: انكارهم واستكبارهم عن طلب الحق وقبوله: {أية : فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [النحل:22]. ومنها: غمزهم للمؤمنين: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين:30]. ومنها: الهمزة واللمز: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} تفسير : [الهمزة:1]. ومنها: تَنابزهم بالألقاب: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} تفسير : [الحجرات:11]. ومنها: تفاخرهم بالأنساب: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات:13]. ومنها: تزكيتهم أنفسهم: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء:49]. ومنها: افتراؤهم على الله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:93]. ومنها: كتمانهم ما أنزل الله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا} تفسير : [البقرة:159] الى قوله: {أية : وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} تفسير : [البقرة:159]. ومنها: أكلهم أموال اليتامىٰ ظلماً: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء:10]. الآية. ومنها: أكلهم الأموال بالباطل من جهة التشبّث بالدين: {أية : إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [التوبة:34]. ومنها: غرورهم بالدين: {أية : وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [آل عمران:24]. ومنها: {أية : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} تفسير : [آل عمران:120]. ومنها: {أية : وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [النساء:38]. ومنها: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء:139]. ومنها: {أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} تفسير : [الأنفال:35]. ومنها: {أية : ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [التوبة:9]. ومنها: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [التوبة:109]. ومنها: إنهم يجعلون لله ما يكرهون من الصفات التشبيهية، والانفعالات، كالغضب والانتقام على النحو الذي تخيّلوه. ومنها: سعيهم في تحصيل العلوم الظاهريّة طلباً للدنيا والاشتهار، وانكارهم للعلوم الخفيّة الإلٰهية: {أية : ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف:104 - 105]. ومنها: مجادلتهم في الله من غير معرفة وبصيرة: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج:3 - 4]. ومنها: انهم زُيّن لهم سوءُ عملهم: {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} تفسير : [محمد:14]. ومنها: ارتدادهم عن الهدى بحسب سرّهم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} تفسير : [محمد:25] الى قوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} تفسير : [محمد:26]. ومنها: استنكافهم عن صحبة الصلحاء: {أية : يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} تفسير : [المنافقون:8]. ومنها: كثرة يمينهم وحلْفهم في إثبات الدواعي والدعاوي: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم:10]. الآيات. قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} تفسير : [البقرة:224]. وقيل: إيمان المرء يُعرف من أَيْمانِه. ومنها: تولّيهم عن ذكر الله الى الدنيا: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [النجم:29 - 30]. ومنها: الاستدارج من الله لهم: {أية : فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [القلم:44 - 45]. ومنها: إعراضهم عن الآيات والحكمة، ونسيانهم ذكر الله: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه:124 - 126]. وقوله: {أية : فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} تفسير : [المجادلة:19]. وقوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة:67]. ومنها: انهم يضحكون من طور أهل العلم والورع، وينسبونهم الى الضلال، قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} تفسير : [المطففين:29 - 32]. إلى غير ذلك من أقوالهم القبيحة، وأطوارهم النكيرة، وآرائهم المردية، وأهوائهم الشيطانية التي يطول الكلامُ بذكرها، بل هي خارجة عن الضبط. وقرئ: "إذا لاقوا". وقوله: {آمَنَّا} المراد به أخلصنا بالقلب، وما صدّرت به القصة كان بمعنى "أقررنا"، فلا تكرار. والدليل على ما ذكرنا أمران: أحدهما: أنّ الإقرار باللسان كان معلوماً منهم فما احتاجوا الى بيانه، انما المشكوك فيه منهم هو الإخلاص بالقلب، فاحتاجوا الى إظهاره. وثانيهما: أنّ قولهم للمؤمنين: {آمَنَّا} يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يُظهرونه لشياطينهم، فادعاؤهم هناك كان تكذيباً قلبياً، فها هنا ينبغي أن يكون تصديقاً قلبياً. وقيل: هذا بيان معاملتهم مع الطرفين، والذي ذكر في صدر القصّة، فلبيان مذهبهم وتمهيد كفرهم ونفاقهم، فليس بتكرير. وقوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ}، في الكشّاف: إنّه من "خَلَوتُ بفلان، وإليه": إذا انفردتَ معه، أو من "خَلا" بمعنى: مضى. و"خلاكَ ذم" أي: عداكَ ومضى عنك. ومنه "القرونُ الخَالِية". أو من "خَلوتُ به" اذا سخرت منه. وعدّي بـ "إلى" لتضمين معنى الانتهاء، والمراد أنهم انهوا السخريّة بالمؤمنين الى شياطينهم كما تقول: أحمدُ إليك فلاناً وأذمّه اليك. فصل فيه إشراق وأما: {شَيَاطِينِهِمْ}، فهم الذين ماثَلوا الشياطين في تمرّدهم وعصيانهم واستبدادهم بالرأي، وإنكارهم للحق، وإبرازهم الباطلَ بصورةِ الحق. واعلم أنّ كل منافق فهو شيطانٌ بالحقيقة وبحسب الباطن، وإن كان ظاهره ظاهر الإنسان، إذ لا عبرة به، إنّما العبرة بالقلب وأحواله، وما حشر إليه في يوم الآخرة، ويكون حشْر المنافقين يوم القيام من قبورهم الى الشياطين، لغلبة صفة الشيطنة على قلوبهم، من المكْر والحيلة والخديعة، وسوء الاعتقاد، والإغواء للخلق، وحبّ الاستيلاء والتمرّد والتجبّر، وغير ذلك. بيانه: أنّ في الإنسان قوّة علمية وقوّة عملية. والعلمية منقسمة الى عقلية ووهمية. والعملية منقسمة الى شهوية وغضبية، وسعادته منوطة بتكميل القوّة النظرية والبصيرة الباطنية بتكرير النظر الى حقائق الأشياء، والمطالعة للأمور الإلٰهية على وجه الحق والصواب، وبتسخير قواه الإدراكية والتحريكية وسياستها إياها لتصير مقهورة تحت أمرها ونهيها، ولا تكون متمرّدة عاصية، ولتلك القوى رؤوساً ثلاثة: الوهم للادراكية، والشهوة والغضب للتحريكية، إذ كل منها متشعّبة الى فروع كثيرة، وخوادم هي جنودها، ففي الإنسان ما دام كونه الدنيوي أربع شوائب: العقل والوهم والشهوة والغضب. والأول مَلَك بالقوّة. والثاني شيطان بالقوّة. والثالث بهيمة بالقوّة. والرابع سُبعٌ بالقوة. وكل منها إذا قوي بتكرير أعمال وأفعال تُناسبه، يصير ذلك الشيء الذي كان هو هو بالقوّة، بالفعل، ويكون الحكم له في الإنسان ويحشر إليه. فمن غلب عليه في الدنيا إدراك المعارف، والميل الى الطاعات، والتجرّد عن الوساوس والعادات، والتوحّش عن الدنيا والخلائق، يكون معاده الى عالَم الملكوت الربّاني صائراً مَلَكاً ربّانياً محشوراً اليه مع الملائكة المقرّبين، قال تعالى: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم:85]. ومن غلب عليه إدراك الوهميّات الباطلة، وإبداء الشبهات والأقيسة الفاسدة، والميل الى المكر والحيلة والخديعة، والسمعة والرياء، والاستهزاء والسخريّة للعباد، والشهرة في البلاد، والاستبداد بالرأي، والاتّباع للهوىٰ، ومخالفة أهل الحق، والإغواء للناس، فيكون معاده الى عالم الشياطين، صائراً شيطاناً مَريداً ملعوناً محشوراً مع الشياطين، كما قال تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} تفسير : [مريم:68]. ومن غلب عليه حبّ الشهوات؛ من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، وغير ذلك من مشتهيات البطْن والفرْج، فمعاده الى عالَم البوار، وحشْره الى الحشرات كما قال: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام:38] الى قوله: {أية : ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنعام:38]. وكذا من غلبت عليه صفات السُّبُعية من التهجّم والايذاء، والعداوة والبغضاء، والظلم والوقاحة، وغير ذلك، فيحشر مع السباع والوحوش كما قال: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:5]. فعُلم انّ حشر الخلائق إلى أحد هذه الأجناس الأربعة، التي لا يخلو عنها شيء من الجواهر الحيّة المدركة والمحرّكة. فقد ثبت وتحقّق بهذا البيان والبرهان، أنّ اطلاق الشياطين على المنافقين، بالحقيقة واليقين، لا بالمجاز والتخمين، لأنّ مَدار نفاقهم على المكر وايهام الحق، وترويج الباطل، والتشبّه بأهل الإيمان والعلم، وادّعاء الصلاح، فقد صارت بواطنهم، بكثرة أعمالهم الشيطانية الوهمية، انقلبت الى حقيقة الشياطين بالفعل، وخرجت عن القوة والاستعداد لها ولغيرها، وتمنّي الرجوع منهم الى اصل الفطرة كما في قولهم: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً} تفسير : [السجدة:12] تمنّي امر مستحيل الوقوع، فلأجل ذلك قال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ}، إذ المراد بهم أكابر المنافقين، والراسخون في الكفْر والنفاق، وهؤلاء المتردّدون اليهم تارة والى المؤمنين أخرى من الأصاغر. فصل قوله: "إنّا مَعَكُمْ"، أي في الضمير وعقيدته، وقد خاطَبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وخاطبوا الشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة "بإنّ" لأنهم قصَدوا بالأولى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأن أنفسهم لا تساعدهم على أن يكون ما خاطَبوا به المؤمنين جديراً بكونه أقوى الكلامين؛ لركونهم الى أهل البطالة والشهوة؛ وكراهتهم بالطبع عن لقاء الله وأهله والقول الصادر عن الكراهة والنفاق. قلما تحصل معه المبالغة، فادّعوا عندهم حدوث الإيمان لإكمال تحقّقه، بخلاف ما صدر عنهم عند إخوانهم، لعلمهم أيضاً بأن ادّعاء الكمال في الإيمان، لا يروج على المؤمنين. وأما كلامهم مع إخوانهم في إنكار الشريعة، فعلموا انّه مقبولٌ عندهم بأي وجه كان من التأكيد، فأكّدوا القول فيه. قوله جلّ اسمه: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ كأنه جواب عن سؤال الشياطين بأن قالوا إنّا معكُم: إن صحّ ذلك منكم، فما بالَكم تتردّدون الى المؤمنين وتُوافقونهم في الكلام، وتدّعون الإسلام؟ فأجابوا بأنّا مستهزئون بهم. أو تأكيد لما قبله؛ لأن المُستهزئ بالشيء مصرٌّ على خلافه. أو بدلٌ منه، لأن من حقّر شيئاً فقد عظّم نقيضه. والاستهزاء: هو السخرية والاستخفاف يقال: هزأت واستهزأت بمعنى واحد، كأحببت واستجبت. وأصله الخفّة، من الهزء. وهو القتل السريع يقال هزأ فلان إذا مات على مكانه، وناقته تهزأته أي تسرع وتخف.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كانت الفقرتان الاوليان لبيان حالهم فى أنفسهم وأنّهم باعجابهم بأنفسهم وارتضائهم لافعالهم لا يسمعون نصح النّاصح وهاتان لبيان حالهم مع المؤمنين والكفّار وبيان خديعتهم للمؤمنين {قَالُوۤا آمَنَّا} بالجملة الفعليّة الخالية عن المؤكّدات لايهام انّ ايمانهم لا ينبغى ان ينكر او يشكّك فيه ولعدم مساعدة قلوبهم على المبالغة والتّأكيد {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} جمع الشّيطان والشّيطان معروف، وتسمية الانسان شيطاناً امّا لصيرورته مظهراً للشيطان ومسخّراً تحت حكمه، او للمشاكلة والمشابهة، او لكون الانسان احد مصاديقه باعتبار معناه اللّغوىّ فانّه مشتقّ من شطن اذا بعد لبعد شياطين الجنّ والانس عن الخير، او من الشّطن بمعنى الحبل الطويل المضطرب، او من شاط اذا بطل لبطلانهم فى ذواتهم فعلى هذا كان نونه زائدة {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} فى الدّين والاعتقاد اكدّوا الحكم لتوهّم انكاره او الشّكّ فيه من شياطينهم لمخالطتهم مع المؤمنين ولنشاطهم فى اظهاره فانّ نشاط المتكلّم فى الحكم يدعوه الى المبالغة والتّأكيد، ولهذا لم يكتفوا بهذا القدر وبسطوا فى الكلام وقالوا مؤكّدين بتأكيدات قاصرين شأنهم قصر القلب او الافراد {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} الاستهزاء معروف وان كان بحسب حال المستهزء والمستهزء به من حيث الاستهزاء محتاجاً الى شرح وتفصيل وكيف كان فالاستهزاء المنسوب الى الله كان مجازاً.
الأعقم
تفسير : {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} الآية، نزلت في عبد الله بن أُبي وأصحابه. روي عن ابن عباس ان عبد الله بن اُبي وأصحابه خرجوا فاستقبلهم نفر من الصحابة (رضي الله عنهم) فقال: انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، وأخذ بيد عمر وقال مرحباً بالفاروق وسيد بني عدي، واخذ بيد أبي بكر وقال مرحباً بسيد بني تميم وثاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، واخذ بيد علي (عليه السلام) وقال: مرحباً بابن عم رسول الله وحبيبه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال له علي (عليه السلام): "يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فإن المنافقين في النار وانهم شر خلق الله". فقال: مهلاً يا ابا الحسن لا تقل هذا فوالله ان إيماننا كإيمانكم، فتفرقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتم ما فعلتُ؟ فأثنوا عليه وقالوا: لا نزال بخير ما دمت فينا، ورجع المسلمون فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية. {وإذا خلوا إلى شياطينهم} مضوا معهم، يقال: خلا معه وإليه وبه، قال الاخفش: يقال: خلا به اذا انفرد به، قال الحسن: "الشياطين مردة الجن وابليس أصلهم، وشياطين الانس مردتهم، وآدم أبوهم". {الله يستهزئ بهم} أي يجازيهم على استهزائِهم. {ويمدهم} يعني يمهلهم. {في طغيانهم يعمهون} قيل: يحادون، وقيل: يترددون. {اولئك الذين اشتروا الضلالة} مجاز بالشراء لما مالوا اليها قال الشاعر: شعر : كما اشترى المسلم اذا تبصَّر تفسير : {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} الآية: اي هؤلاء المنافقون مثلهم في كونهم من جملة المسلمين في الدنيا وتميزهم عنهم في الآخرة كمثل رجل بقي هو وأصحابه في الطريق في ليلة مظلمة فأوقد ناراً لينظر هو واصحابه الطريق. {فلما أضاءت} النار {ما حوله} أطفأ الله تلك النار فعادت الظلمة كما كانت فكذلك اذا مات هؤلاء المتقدم ذكرهم عادوا الى الظلمة، وبقوا في العقاب الدآئم أجارنا الله منه. {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} يعني هؤلاء المنافقين، قيل: صم عن استماع الحق، بكمٌ عن التكلم به، عميٌ عن الابصار له. {أو كصيب} قيل: مثل ثان للمنافقين. {من السماء} قيل: سحاب من السماء ذا مطر، وقيل: كمطر من السماء. {فيه} يعني في الصيب. {ظلمات ورعد} قيل: صوت ملك يزجر السحاب، وقيل: الرعد هو الملك. {وبرق} قيل: محاريق من حديد، وقيل: سوط من نار، رواه أمير المؤمنين علي (عليه السلام). {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذر الموت} أي مخافة الموت أن تناله الصاعقة فتهلكه، فيجعل اصبعه في أذنه كيلا يسمع منه شيئاً كذلك هذا الجاهل يفر عن سماع القرآن والحق. {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي تكاد الدلائل والآيات تخطف قلوب هؤلاء، المتقدم ذكرهم لما فيها من الازعاج الى النظر، والدعاء الى الحق كما يكاد البرق يخطف أبصار أولئك. {كلما أضاء لهم مشوا فيه} قيل: اذا آمنوا صار الإسلام لهم نوراً، واذا ماتوا عادوا الى الظلمة.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا لَقُوا}: أصله لقيوا بكسر القاف وضم الياء نقلت ضمة الياء لثقلها عليها إلى القاف بعد سلب كسرته، فالتقى ساكنان الياء والواو، فحذفت الياء، ثم التقى ساكنان الواو ولام أل فحذفت الواو فى التلاوة وثبتت فى الرسم واللقاء أواخر الاستقبال إلى الشىء وأوائل الاجتماع به، وإن شئت فقل المصادفة، يقال لقيه ولاقاه بمعنى، وقد قرأ أبو حنيفة: {وإِذَا لاَقُوا} بمد الألف وفتح القاف وكسر الواو للساكن بعدها، ويقال ألقيته أى طرحته بحيث يوافيه الماشى ويصادفه، ويجتمع به فأصلهما واحد والمعنى وإذا صادفوا. {الَّذِينَ آمَنُوا}: واجتمعوا بهم وهم المهاجرون والأنصار ومن يهابونه من المؤمنين. {قَالُوا}: لهم {آمَنَّا}: بما أمنتم به، بالله وباليوم الآخر والقرآن، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن قلت: هل يتكرر قوله: {وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} مع قوله:{أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا}تفسير : قلت: لا يتكرر معه، لأن قوله عز وعلا:{أية : ومن الناس من يقول آمنا}تفسير : سبق لبيان طريقهم فى النفاق وتمهيد نفاقهم بأن صرح بأنهم يؤمنون بألسنتهم فقط. وأما قوله: {وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}.. إلخ فتصريح بأنهم يلاقون المؤمنين بوجه، ويلاقون الكافرين بوجه آخر، وزادوا على ذلك أنهم يخبرون والكفار بأن الوجه الذى نلقى به المؤمنين مخادعة غير حقيق، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فى عبد الله بن أبى وأصحابه، خرجوا ذات يوم واستقبلهم نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبى: أنظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبى بكر الصديق فقال: مرحباً بالصديق سيد بنى تميم، وشيخ الإسلام، وثانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار، الباذل نفسه وماله لرسوله الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بنى عدى بن كعب الفاروق القوى فى دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد على فقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وسيد بنى هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له على: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق، فإن المنافقين شر خليقة الله تعالى، فقال: مهلا يا أبا الحسن لا تقل هذا والله، إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم. ثم تفرقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتمونى فعلت؟ فأثنوا عليه خيراً. رواه الواحدى والبغوى وغيرهما، يزيد بعض على بعض. وختن الرجل عند العرب من كان من جهة امرأته، وعند العامة زوج ابنته وكلاهما صحيح عندى. {وَإِذَا خَلُوا إِلى شَيَاطِنِهِمْ}: إلى بمعنى مع أو عند، ولو قيل خلوا بشياطينهم لكان أيضاً بمعنى معهم أو عندهم، ويجوز إبقاء إلى على أصلها من الانتهاء، على أن خلا بمعنى مضى، أى مضوا من المؤمنين أو عن المؤمنين إلى شياطينهم، أو بمعنى جاوزوا المؤمنين إلى شياطينهم، يقال خلاك ذم أى جاوزك إلى غيرك، أو ضمن خلا بمعنى رجع، أى رجعوا إلى شياطينهم فإن الخلو من شىء رجوع إلى غيره، أو ضمن معنى الإنهاء والإبلاغ من خلا فلان إذا سخر منه وعبث به، أى إذا بلغوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها، يقال أحمدك الله، أى أبلغك أنى أحمده على حالك، وأذم إليك عمراً كذلك، فمفعول خلا محذوف كما رأيت تقديره، أو خلا باق على معنى الانفراد واللزوم، فيقدر حال ومفعولها، أى وإذا انفردوا مبلغين السخرية إلى شياطينهم، والمراد بشياطينهم الآدميون الذين يشبهون الجن المتمردين على دين الله فى القول والفعل علانية وتصريحاً، وتسميتهم شياطين استعارة تصريحية تحقيقية أصلية، والقرينة إضافة الشياطين إليهم والخلو إليهم المذكور بعد، وهم أولى لقوتهما فى جانب الحقيقة، وإذا جعلنا شياطينهم قرينة فما سواه تجريد وإنما أضيفوا إليهم للمشاركة فى الكفر، أو لأنهم قدوتهم ورؤساؤهم. قال الحسن: شياطينهم هم الآدميون الكفار، وقال أصحابنا رحمهم الله كبراؤهم وقادتهم فى الشر، وكلام الحسن يحتمله، قال ابن عباس رضى الله عنه: شياطينهم رؤساء الكفر، وقال مجاهد: أصحابهم من المنافقين والمشركين، وقيل: المنافقون الكفار. فالقائلون المنافقون الصغار، وقيل شياطينهم كهنتهم، وعن ابن عباس: كهنتهم الخمسة المتمردة كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة لعنه الله، وأبو بردة فى بنى أسلم لعنه الله، وعبد الدار فى جهينة لعنه الله، وعوف بن عامر فى بنى أسد لعنه الله، وعبد الله بن السوار فى الشام لعنه الله، وتسميتهم شياطين أشد مناسبة لأنهم يتكلمون مع الشياطين ويأخذون عنهم، إذ لا كاهن إلا ومعه شيطان تابع له، وإطلاق الشياطين على الآدميين المتمردين مجاز فى العرف والعادة والعربية والعامة، وأما فى أصل العربية فاالشيطان كل متمرد من الجن والإنس والدواب، ونون الشيطان أصلية والياء والألف زائدة، ووزنه فيعال، فلو سمى به أحد لصرفه وهو من شطن إذا بعد لبعده عن الصلاح والخير، ويدل له قولهم تشيطن أو زائدة مع الألف والياء أصل، ووزنه فعلان، فلو سمى به لمنع الصرف وهو من شاط يشيط إذا احترق، أو بطل، والشيطان باطل ومحترق بالشهب، وفى جهنم، ويدل له تسمية الشيطان بالباطل، وقد ذكر سيبويه فى موضع من كتابه أنها أصل وفى آخر أنها زائدة لا يتنافى ذلك، بل أراد أن فيه وجهين محتملين. {قَالُوا}: لهم {إِنَّا مَعَكُمْ}: فى الاعتقاد والديانة التى دنتم بها، وفى الأثر: "حديث : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : من شر الناس ذو الوجهين يأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه"تفسير : رواه أبو داود فى سننه، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من كان له وجهان فى الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار"تفسير : رواه أبو داود فى سننه أيضاً. قلت: لم قالوا للمؤمنين آمنا معبرين بالجملة الفعلية، وقالوا للكفار إنا معكم بالجملة الاسمية المؤكدة، بأن؟ قالت: عبروا للمؤمنين بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث ادعاء لحدوث الإيمان لهم، وأنهم بعد ما كانوا فى الكفر تركوه وخرجوا عنه إلى الإيمان، وهذا ما أمكن لهم أن يخادعوا به المؤمنين، ولا يمكنهم أن يخادعوا بادعاء الإيمان والرسوخ فيه، والتأكيد والمبالغة، ولا بادعاء أنهم أعظم إيماناً داخلون الجنة التى لم يدخلها سواهم، إذ لو ادعوا ذلك لم يقبله المؤمنون عنهم ولم يصدقوهم، بل يكذبونهم، ولأن أنفسهم لا تساعدهم على ادعاء ذلك، لأنه يؤدى إلى ظهور كذبهم وافتضاحهم، ولرسوخها فى الكفر والنفاق حتى لا تطاوعهم إلى ادعاء ذلك كذباً، وربما صدر منهم مكابرة لأنفسهم، وتشجعاً موطنين أنفسهم على أن يكذبهم السامع كما مر عن عبد الله بن أبى مع على بن أبى طالب. وأما مخاطبتهم الكفار بالكون معهم فقابلة للتأكيد بالجملة الاسمية وإن، وادعاء البقاء على الكفر، وعدم الخروج منه لأنهم على هذه الصفة من أنفسهم وظاهر منهم ما يصدقهم عليها، فهم يصرحون بها إلى الكفرة فى نشاط وارتياح إلى التكلم بها، وتقبل الكفرة ذلك عنهم وتصدقهم فساغ التأكيد للجملة الاسمية الدالة على الثبوت وبأن وبقولهم: {وَإِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}: فى قولنا للمؤمنين منا فإنا نقوله بألسنتنا فقط، فهذه الجملة مؤكدة الجملة {إنَّا مَعَكُمْ}، وبيان التأكيد أن المستهزئ بالشىء المستخف به منكر لذلك الشىء، ودافع لأن يكون معتداً به ودفع الإيمان إصرار على الكفر، كما أن قولهم إنا معكم إصرار عليه، ويجوز أن تكون جملة إنما نحن مستهزئون بدل من جملة إنا معكم، بدل مطابق، فإن الاستهزاء بالإيمان ترك للكون مع أهله، وعدم الكون معهم نفسه الكون مع الكفرة المدلول عليه بقوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} وإن شئت فقل: الاستهزاء به تحقير له وتحقيره تعظيم للكفر، وقولهم إنا معكم تعظيم للكفر، ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً كأنه قيل إن صح أنكم معنا فمالكم تقولون للمؤمنين آمنا؟ فأجابوا بأنا نقول لهم ذلك استهزاء بمحمد وأصحابه والمؤمنين لنا من شرهم، ونقف على سرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم، والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الموت السريع والفعل الخفيف والسريع، يقال هزأ فلان مات فى مكانه سريعاً، وهزأت الناقة أى أسرعت وخفت، وهزأ بقوله أسرع به من غير توقف أن يكون من صميم قلبه. {اللَّهُ يَسْتَهْزئُ بِهِمْ}: أى يجازيهم على استهزائهم، وذلك من تسمية العقوبة باسم الذنب، فسمى جزاء الاستهزاء باسم الاستهزاء، ذلك مذهب الجمهور، وإنما لم نحمل الاستهزاء على ظاهره لأنه عبث وجهل، كما قال قوم موسى له:{أية : أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : فجعل المستهزئ من الجاهلين، والله جل وعلا منزه عن القبائح من عبث وجهل وغيرهما، ومن ذلك بتسمية جزاء السيئة سيئة إلا أن يقل تسميتها سيئة أو تسمية الجزاء سيئة باعتبار المعنى اللغوى وهى الفعلية تسوئ وتؤلم، وإن قلت فهل لا قيل: الله يجازيهم على استهزائهم بدل الله يستهزئ بهم؟ قلت: عبر عن المجازاة على استهزائهم بالاستهزاء إما للمشاكلة لقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِءُونَ}، والمشاكلة نوع من أنواع البديع اللفظية، وهى ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشىء فى صحبة ذلك الغير وقوعاً محققاً أو مقدراً. وستأتى إن شاء الله تعالى فى سورة النحل، وإما لكون الجزاء على الاستهزاء مماثلا للاستهزاء فى القدر، وكلا الوجهين مجاز، فالأول مرسل تبعى لعلاقة المجاورة، والثانى بالاستعارة التصرحية التحقيقية التبعية، أو معنى يتسهزئ بهم ليرد وبال الاستهزاء عليهم، ورده الوبال عليهم كالاستهزاء بهم، وفيه الاستعارة المذكورة، أو معناه ينزل بهم الحقارة والهوان اللذين هما لازم الاستهزاء والغرض منه، فيكون مجازاً مرسلا تبعيا من التعبير باسم الملزوم عن اللازم، أو بلفظ المسبب عن السبب نظراً إلى الوجود، فإن الاستهزاء مسبب عن الحقارة الموجودة فى نفس الأمر، أو بلفظ السبب عن المسبب نظراً إلى التصور، فإن الاستهزاء إنما يمكن ويتصور إذا وجدت الحقارة والهوان، وأو باللازم عن الملزوم كذلك، فإن الاستهزاء إنما يترتب على حقارة وهوان موجودين، أو معنى يستهزئ بهم يعاملهم معاملة المستهزئ بأن يفعل بهم فعالا هى فى تأمل البشر هزء، فتكون تلك الاستعارة المذكورة شبه صورة صنع الله بصورة صنع الهازئ مع المهزأ به، وذلك فى الدنيا والآخرة، فأما فى الدنيا فإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإهمال والزيادة فى النعمة مع تماديهم فى الطغيان، كأنهم شاكرون، وأما فى الآخرة فقد روى أن النار تجمد لهم كما يجمد الشحم المذوب، ويظنون أنها منجاة فتخسف بهم، روى ابن أبى الدنيا فى كتاب الصمت عن الحسن مرسلا، وغيره عن الحسن وابن عباس والشيخ هود رحمه الله، وغيره وهو أطولهم حديثاً واللفظ له، وبعض يزيد على بعض. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يجاء بالمستهزئين يوم القيامة فيفتح لهم باب إلى الجنة"تفسير : . قال القاضى: وهم فى النار فيدعون ليدخلوها، أى بصورة من يدعى ليدخلها - وإلا فلم يدعوا ليدخلوها - بل يقال لهم: تعالوا فيجيئوا فيزدادوا فيقع الاغتمام لهم بذلك، فيجيئون أى مسرعين ليدخلوها، فإذا بلغوا الباب أغلق، فيرجعون. ثم يدعون حتى إنهم ليدعون فما يجيئون من الإياس. واختص الشيخ بذكر تكرار دعائهم وردهم حتى يئسوا، وفى رواية عن الحسن وابن عباس: تفتح لهم أبواب النار فيدعون فيسرعون للخروج، فتغلق عليهم. ويقوى ما ذكره الشيخ هود رحمه الله وغيره قوله تعالى:{أية : قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً}تفسير : ، وكذا نص عليهم مختصر الطبرى، وذلك أيضاً قوله تعالى:{أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}،تفسير : وإنما استأنف الله يستهزئ بهم ولم يعطفه على قولهم، إنما نحن مستهزئون، ليدل على أن الله - جل وعلا - تولى مجازاتهم، ولم يحوج المؤمنين أن يعارضوهم. وأن استهزاءهم بالمؤمنين كلا استهزاء، فى النسبة إلى استهزاء الله بهم، قاله جار الله والقاضى وفيه نظر، لأنه لو عطف لدل على ذلك أيضاً، اللهم إلا إن أراد أن الاستئناف أدل هنا على ذلك من العطف من حيث إنه يدل على فخامة المجازاة، حيث لم يقابل بها استهزاءهم ويجعلها كأنها نظيرته كما يدل العطف على جعلها كذلك، بل أعرض عن كلامهم ولم يوصل كلامه به وأتى بالمجازاة بعده كأنه قيل الله يكفى المؤمنين المجازاة بمجازاة هو الذى يقدر قدرها، ولم يقل الله مستهزئ بهم، مع أنه المطابق لقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}، فى كون الخبر اسماً ليشعر بالفعل أن استهزاءه تعالى بهم يتجدد مرة بعد أخرى، كما يدل على التكرار قولك: فلان يضرب بالسيف، ويكرم الضيف، ويمنع الحيف، وذلك بمعونة المقام لا بنفس الفعل، وهكذا كانت نقمات الله عز وجل فيهم، كما قال:{أية : أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين}تفسير : وكما أنهم فى أكثر أوقاتهم متوقعون هتك أستارهم وكشف أسرارهم، ونزول آية تنبئهم بما فى قلوبهم، يحرذ المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم{أية : قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون}.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا} أى ذكروا ما يفيد أنهم آمنوا، وسائر الأقوال والأفعال، وذلك أن الإيمان قد علم منهم فى الظاهر قبل ذلك، وذلك دفع للمؤمنين عن أنفسهم واستهزاء، ولا يتكرر مع ما مر؛ لأنه إبداء لخبثهم وخوفهم، وادعاء أنهم أخلصوا الإيمان، ولأنه بيان لكونهم يقولون ذلك خداعا واستهزاء، وأنهم يقولون ذلك عند الحاجة إليه فقط، وذلك عند لقاء المؤمنين {وَإِذَا خَلَوْاْ} عن المؤمنين راجعين {إِلَى شَيَٰطِينِهِمْ} أو خلوا مع شياطينهم، يقال، خلوت إليه، أى معه، وشياطينهم رؤساؤهم، كعب بن الأشرف من اليهود فى المدينة، وأبو بردة فى أسلم، وعبد الدار فى جهينة، وعوف بن عامر فى أسد، وعبدالله بن الأسود فى الشام، وغيرهم ممن يخافونه، من كبار المشركين والمنافقين، سماهم شياطين تشبيها لمزيد فسادهن وإغوائهم، وذكر بعض أن هؤلاء المذكورين كهنة، وقيل: الشيطان حقيقة فى كل متمرد من الجن أو من الإنس وليس المراد الكهنة خلافا للضحاك، ولو كان مع كل كاهن شيطان، لأنهم أهون من أن يتملقوا إليهم، بقولهم، إنا معكم، كما قال الله عنهم {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} فى الدين اليهودى، إن أريد بشياطينهم اليهود، وإن أريد به مشركو العرب فالمراد فى الإشراك {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} بالمؤمنين فى قولنا، آمنا، لا مؤمنون حقيقة، بل قلنا ذلك لنكف عن أنفسنا القتل والشر والسبى وبحلب الخير، كالأخذ من الصدقة والغنيمة، مع الاحتقار والتهكم بهم، ولا تظنوا أننا تبعناهم، والاستهزاء بمعنى الهزء، كاستعجاب بمعنى العجب، وهو الاستخفاف والسخرية، وأصله الخفة، يقال هزأت به الناقة أسرعت به. روى أن أُبىّ بن عبدالله وأصحابه جاءهم نفر من الصحابة لينصحوهم، فقال لقومه، انظروا، كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبى بكر الصديق، فقال، مرحبا بالصديق وشيخ الإسلام، ثم أخذ بيد عمر، وقال مرحبا بالفاروق القوى فى دينه، ثم أخذ بيد علىّ، وقال: مرحبا بابن عم رسول الله، وسيد بنى هاشم، فقال له: يا عبدالله، اتق الله ولا تنافق، فقال له: مهلا. يا أبا الحسن؛ إنى لا أقول هذا والله، إلا أن إيماننا كإيمانكم، ثم انترقوا، وقال لأصحابه، كيف رأيتمونى فعل فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت، فأثنو عليه، وقالوا: لا نزال بخير ما دمت فينا. وأخبر المسلمون النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت الآية، وليس ذلك عين سبب النزول، بل مناسبة؛ لأن أبيّا قال لأصحابه، انظرواكيف أفعل، والجملة مستأنفة فى كلامهم بلا تقدير سؤال هكذا، ما لكم توافقون المؤمنين، لقول عبدالقاهر موضوع إنما أن تجىء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، إلا أنه قد يصور السؤال فى صورة لا تحتاج إليه فيجوز التقدير المذكور، وقد لا نسلم قول عبدالقاهر إذا ادعى أنه ذلك أصل إنما، وأن مدخلوها معلوم، وحىء بها لإفادة الحصر، وليس كذلك أيضاً، فإنك تقول: إنما قام زيد لمن لا شعور له بقيامه وحده، ولا مع غيره، ولا بقيام غيره دونه.
الخليلي
تفسير : يبين لنا الله تعالى هنا نمطا من أنماط معاملتهم لغيرهم، وأسلوبا من أساليب الخداع التي يلجأون إليها، هروبا من الفضيحة، وركونا إلى السلامة مما يترتب على انهتاك سترهم وظهور أمرهم، فهم يلقون الناس بوجهين، ويتحدثون إليهم بلسانين لأجل إرضاء كل طائفة والتوقي من كل فريق، وهو شر ما يكون في الانسان، ولذلك ترتب عليه أعظم الوعيد، كما جاء في الحديث: "حديث : من كان له وجهان في الدنيا كان له وجهان من النار يوم القيامة، ومن كان له لسانان في الدنيا كان له لسانان من النار يوم القيامة ". تفسير : طريقة المنافقين في التعامل: هذه الطريقة متبعة عند منافقي جميع العصور على اختلافها، فهم عندما يحسون بقوة الحق، وظهور المحقين لجأوا إلى هذا المسلك، فلقوا المحقين بوجه، والمبطلين بآخر، متصورين أن هذه براعة وفطنة وذكاء، وما هي إلا غباوة ونذالة وانحطاط وسفاهة، لا يرضاها إلا الأدنياء، فلذلك عُدوا أسوأ حالا ممن أعلن باطله وجاهر بكفره، فإنهم مع ما اشتركوا فيه مع الكفار من عقيدة الكفر، تميزوا بهذا الأسلوب الذي يسخرون به من المؤمنين ويستخفون به بما أنزل الله من الحق، وتلك هي الحقيقة التي يبدونها لشياطينهم حتى يطمئنوا إليهم ويثقوا فيهم. وإنما قلت إن هذا هو ديدن أهل النفاق عندما يشعرون بسلطان الحق، ويرون آثار مده، لأن استشراء النفاق إنما بدأ بعد ما أخذ الاسلام يهز قواعد الكفر ويزلزل أركان الجاهلية، وقد علمت مما تقدم أن النفاق إنما عهد بعد غزوة بدر التي جعلت شياطين الكفر يحسبون كل حساب لهذا الدين، ولم يكن الذين لجأوا إلى النفاق من الشهامة والرجولة بحيث يتمكنون من المنابذة الصريحة والمقاومة المكشوفة، فلم يجدوا أمامهم إلا هذه الطريقة الملتوية فصاروا مذبذبين بين الطائفتين. وقوله عز من قائل {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} توطئة لما بعده، فلا يُعد تكرارا لما في قوله {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. وأرى أن هذا العطف والذي قبله جيء بهما لتعداد مساوئ أهل النفاق كما سبق ذكره. وذكر كثير من المفسرين في سبب نزول هاتين الآيتين قصة أخرجها الثعلبي والواحدي في أسباب النزول من رواية السدي الصغير، ومحمد بن مروان عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وملخصها أن عبدالله بن أبيّ وأصحابه خرجوا يوما فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبدالله: أنظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم. فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبا بالصّدّيق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل ماله ونفسه لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله، ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا، فنزلت الآيتان فيهم. وإسناد هذه القصة من الضعف بمكان، فقد ذكر الحافظ في تخريجه أحاديث الكشاف أن محمد بن مروان متروك متهم بوضع الحديث، وقال عن هذا الحديث إنه في غاية النكارة، وذكر الألوسي أن سلسلة هذه الرواية سلسلة الكذب وليست بسلسلة الذهب. وأنتم إذا نظرتهم إلى سياق الآيات رأيتموها متناسقة، آخذا بعضها بحجزة بعض، كل آية منها كاشفة عن جانب مهم من مساوئ أهل النفاق، وذلك يقتضي عدم انفصال بعضها عن بعض بالاستقلال بالسببية، وإنما مجموع أعمال المنافقين في مجملها سبب رئيسي لنزول جميع هذه الآيات. ولقاؤهم الذين آمنوا الذي يترتب عليه قولهم آمنا هو عند اجتماعهم بهم في مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرها، وخلوهم إلى شياطينهم عودهم إليهم في مجامعهم التي هي محل استقرارهم ومظان طمأنينتهم. والأصل تعدى خلا بالباء أو بمع، يُقال خلوت به أو خلوت معه، وتعديه هنا بإلى لتضمنه معنى آب ورجع، فإنهم منقلبهم الذي يعودون إليه، لأن لقاءهم بالمؤمنين لا يكون إلا عرضا بخلاف لقائهم بشياطينهم. والشياطين جمع شيطان وهو جنس من المخلوقات، ذو روح شريرة، طبعه الحرارة النارية، لأن النار عنصر تكوينه، بدليل قوله تعالى - حكاية عن إبليس لعنه الله -: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]، وقوله: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر: 27]، وهم من جنس الجن لقوله تعالى: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ..} تفسير : [الكهف: 50]، وأطلقت العرب اسم الشيطان على كل عات متمرد من أي جنس كان، فقد جاء في القاموس واللسان: "الشيطان كل عات متمرد من الإِنس والجن والدواب"، وهذا لأن طبيعة الشياطين التمرد والعتو، فأطلق اسمهم على كل ما شابههم في وصفهم على طريق الاستعارة، ومن هذا الباب قوله عز وجل: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112]، وفي الحديث: "حديث : الكلب الأسود شيطان"تفسير : ، وقال جرير: شعر : أيام يدعونني الشيطان من غزلي وهن يهوينني إذ كنت شيطانا تفسير : وقد أطال علماء العربية وتبعهم المفسرون في بيان اشتقاق هذه الكلمة، وقد ذهبوا فيها مذاهب؛ منهم من عدها من شطن بمعنى بَعُدَ، ومنهم من قال هي من شاط بمعنى هاج أو احترق أو بطل، ولا أجد داعيا إلى حشو التفسير بمثل هذه الأمور التي هي أخص بفنون أخرى، وذهب ابن عاشور إلى أن الشيطان اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة، ودخل في العربية من لغة سابقة، لأنه من الأسماء المتعلقة بالعقائد والأديان، ولم يأت بدليل يقضي بصحة قوله. واختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا، قيل هم اليهود، وهو مقتضى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إنا على دينكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم - وهم إخوانهم - قالوا إنا معكم على مثل ما أنتم عليه .. الخ"، وأخرج نحوه البيهقي في الأسماء والصفات، وقيل: هم رؤساؤهم في الكفر، روى ذلك ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ورواه هو وعبد بن حميد عن قتادة، ورُوي مثله عن ابن عباس والسدي، وعزي إلى الكلبي أنهم شياطين الجن، وهو مشكل، وقيل هم الكهان، وعزاه القرطبي إلى جمع من المفسرين، والأظهر أنهم قادة اليهود، فإنهم الذين ديدنهم تأجيج الفتنة، وتمزيق الشمل، والتشكيك في الحق، وقد كانوا يستغلون المنافقين لهذا الغرض، على أن كثيرا من أهل النفاق كانوا من العنصر اليهودي. والمراد بمعيتهم في قوله {إنا معكم} مجامعتهم لهم على الكفر بالإِسلام، ومناوأة المسلمين، وعدم تأثر نفوسهم بالإِيمان، وهو معنى ما روي عن ابن عباس "إنا معكم على مثل ما أنتم عليه". وفي مثل هذا الموقف قد تثور خواطر الشكوك في نفوس أولئك الشياطين؛ لما يعرفونه عن أهل النفاق من التملق للمسلمين وإبداعهم في مجاملتهم، ومحاولة التنصل أمامهم من كل العقائد المغايرة للاسلام، وقد تؤدي هذه الشكوك إلى مساءلتهم؛ ما بالكم تتملقون لدى المسلمين وتتوددون إليهم بالكلمات الطيبة والعبارات المليئة بالتقدير والاحترام؟ فيدفع المنافقون عن أنفسهم التُّهم، ويتنصلون إلى شياطينهم بقولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ليستأصلوا منهم الشك، وليغرسوا في أنفسهم الثقة بهم والطمأنينة إليهم، أي إنما نأتي الذي نأتيه مع المؤمنين استخفافا بهم وسخرية منهم. ويُبحث في وجه تأكيدهم لخطاب الشياطين دون خطاب المؤمنين، مع أن المتبادر أنهم أحوج إلى التأكيد في خطاب أولي الإِيمان ليدرأوا عن أنفسهم تهمة النفاق، وأجيب عنه بجوابين: أولهما: أن خطابهم لأهل الإِيمان لم يصدر عن باعث في نفوسهم فلذلك اختصروا؛ لأن ألسنتهم لا تطاوعهم على التأكيد لما وقر في قلوبهم من الكراهة المتأصلة للحق ولأهل الحق، على أنهم لا يدّعون عندهم أنهم على ذروة الإِيمان لعدم رجائهم رواج ذلك بين من يخاطبونهم، كيف وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والانجيل، وإنما يقنعون بادّعاء أنهم منتظمون في سلك عامة أهل الإِيمان، وبعكس ذلك خطابهم للشياطين، فإنه خطاب ناشئ من أعماق نفوسهم وصادر عن أقصى رغبتهم، وتأكيد الخطاب يراعى فيه تارة جانب المتكلم، وتارة جانب المخاطب، وأخرى جانبهما معا. ثانيهما: أن العدول عن مقتضى الظاهر في خطابهم للمؤمنين ولشياطينهم؛ لأنهم لا يريدون أن يضعوا أنفسهم موضع من يتطرق ساحته الشك في صدقه، إذ لو خاطبوا المؤمنين بالتأكيد لكان من خطابهم ما يشكك المؤمنين فيما يقولون، وهذا من إتقان نفاقهم، على أن المؤمنين قد يكونون أخلياء الذهن من الشك في المنافقين لعدم تعينهم عندهم، فتعبيرهم عن إيمانهم جدير بأن يكون تعبيرا عاديا خاليا من المؤكدات، وذلك بخلاف مخاطبتهم لقومهم، فإن إبداعهم في النفاق واختراع أساليب الخداع عند لقائهم بالمؤمنين قد يثير شكوك كبرائهم في بقائهم على دينهم، فلذلك احتاجوا إلى التأكيد في مخاطبتهم ليتقرر في نفوسهم بقاؤهم على الكفر. أساليب المنافقين في الخطاب: وأنتم إذا أمعنتم النظر فيما ورد من آي الكتاب حاكيا أقوال المنافقين، أدركتم أن خطابهم للمؤمنين كان يتلون بحسب المقامات، فتارة يكون مؤكدا، وتارة خاليا من التأكيد، وكثيرا ما يقترن بتغليظ الأيمان، وهذا يرجع - حسبما أرى - إلى اختلاف أحوال المؤمنين المخاطبين أو أحوال المنافقين المتكلمين، فخطابهم للذين يتفطنون لأحوالهم ويتنبهون لغاياتهم ليس كخطاب غيرهم ممن يكون خالي الذهن من تصور عمق النفاق وإدراك ملامح أهله، ولذا عندما يحكى خطابهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاه مقرونا بمؤكدات أكثر مما إذا حكي خطابهم لغيره، كما تجد ذلك في نحو {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ}، وذلك لما يعرفونه عنه صلى الله عليه وسلم من عمق إدراكه وسرعة تفطنه لمكائدهم، كيف وهو الذي يتلقى عن الله تعالى وحيه الكاشف لخفايا الأمور، وكذا يستدعي حال الذين شُهروا بالنفاق عند المؤمنين أن يكون كلامهم أكثر تأكيدا من كلام غيرهم، محاولة منهم لتبرئة ساحتهم وتغطية مساوئهم. والفرق بين خطابهم للمؤمنين الذي جاء جملة فعلية، وخطابهم لغيرهم الذي صيغ من الجملة الإِسمية، لأنهم عند المؤمنين يدّعون حدوث الايمان في نفوسهم بعد أن كانوا على ملة الكفر، والجملة الفعلية من شأنها الدلالة على الحدوث والتجدد، بينما يؤكدون لشياطينهم بقاءهم على ما كانوا عليه من عقيدة الكفر، وذلك يستفاد من كون الجملة الدالة عليه اسمية؛ فإنها من شأنها الدلالة على الثبوت والدوام، ويتضح مما قررناه سابقا أن جملة {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} مستأنفة استئنافا بيانيا، جوابا لتساؤل شياطينهم عما يكون منهم في خطابهم للمؤمنين من دعوى الايمان مع أنهم على مثل ما كانوا عليه من الكفر، فيجيبونهم بأن ذلك ناشئ عن استهزائهم بهم، ليس غير، وقال بعض أهل التفسير هو بدل من {إنا معكم}، واختلفوا هل هو بدل اشتمال أو كل أو بعض، وذهب الفخر إلى أنه تأكيد له، والصحيح ما أسلفناه. والاستهزاء: الاستخفاف، ومادته دالة عليه، فإنهم يقولون تهزأ به ناقته إذا أسرعت وخفت، وذكر الامام الغزالي أنه الاستحقار والاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحك منه، وذكر الفخر أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، وأتبع ذلك بقوله: فعلى هذا قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم، ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم". ورده الألوسي بأنه مخالف للغة والعرف. وبعد أن حكى الله سبحانه عن أولئك السفهاء ما حكاه من استخفافهم بأولي الحلوم الراجحة، والايمان الراسخ، رد على مقالتهم السيئة بقوله {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} ليكون في هذا الرد الصريح تسلية للمؤمنين في ذلك العصر، وفيما يتبعه من العصور؛ بأن الله تعالى كافيهم مكائد خصومهم الذين يلقونهم بوجوه الخير ويخفون وراءها قلوبا طافحة بالشر، غاصة بالأحقاد، ومثله قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} تفسير : [الحجر: 95]، وفي هذا تثبيت لعزائم أهل الحق، وبعث لهم لأن يشقوا طريقهم، لا يلوون على أحد من مناوئيهم، ما دام الله سبحانه هو المتكفل بأن يجزيهم جزاء من جنس عملهم. والآية الكريمة وإن نزلت في المنافقين الذين كانوا في عهد الرسالة، فمدلولها يشمل كل من كان على شاكلتهم، وما أكثر أولي الاستخفاف بالحق والاستهزاء بأهله الذين يلقون المؤمنين بالألسنة الكاذبة، والقلوب الحاقدة والنوايا السيئة، وإنما سلو المؤمنين في هذه الكفاية الربانية {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 45]. وقطع هذه الجملة عما قبلها لأن عطفها قد يوهم أنها من مقول المنافقين، وأنهم يدعون أن الله تعالى يؤيدهم ويعزز جانبهم، إذ يستهزئ بالمؤمنين كما يستهزئون، فكان فصلها دالا على استقلالها عن كلامهم، وأنها من كلام الله تعالى تبكيتا لهم وانتصارا لعباده المؤمنين، وثم سبب آخر، وهو أن حكاية ما كان من المنافقين في معاملتهم أهل الإِيمان، ومصارحتهم قومهم بأنهم يستهزئون بهم بما يلقونهم به من الكلم الطيب، يجعل الأعناق تشرئب، والعيون تتطلع إلى ما يحدث من رد فعل من جانب المؤمنين، فرب قائل يقول ماذا عسى أن يفعل الذين آمنوا، وقد اصطبغوا بخديعة أهل النفاق، ووقعوا في فخ كيدهم، وشراك مكرهم؟ فجاء هذا الرد من قبل الله بأن ذلك ليس موكولا إليهم، وإنما الله الذي هداهم إلى الحق هو المتكفل بخصومهم، وفي القطع في هذا المقام من الجزالة ما لا يخفى. ومن ناحية أخرى فإن العطف يقتضي أن يكون استهزاؤهم مما يُعْتَدّ به، وتركه يشعر أنه لا شيء بجانب استهزاء الله بهم، فهم لن يستطيعوا أن يصلوا إلى شيء من مرادهم في الذين آمنوا لأن الله بهم محيط، وبكيدهم خبير. ومما يؤكد اعتبار الاستئناف تقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي الذي وَلِيَهُ، إذ لم يقل يستهزئ الله بهم، لأنه مما يجول في خواطر السامعين السؤال عن من يتولى جزاء صنيعهم، وفي هذا الجواب تنبيه على أن الله تعالى وحده هو الذي يتولى ذلك، وفيه ما لا يخفى من رفعة قدر المؤمنين عنده، ونحوه قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تفسير : [الحج: 38]، على أن بعض أهل البلاغة يرى أن تقديم المسند إليه هنا قاض بقصر المسند عليه، وهو مقتضى مذهب إمامي البلاغة عبدالقاهر الجرجاني وجارالله الزمخشري. وقد كان مقتضى الظاهر أن يقال: الله مستهزئ بهم ليوافق قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} غير أنه عدل عن الاسم إلى الفعل للدلالة على تجدد الاستهزاء من الله بهم، حتى لا يغتر أحد بما يراهم فيه من نعمة ظاهرة، فإن البلاء بهم متلاحق، والجزاء فيهم متنوع، والمحن عليهم مسترسلة، {أية : أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} تفسير : [التوبة: 126]، وكان الخوف يساورهم، يحذرون دائما من تهتك أستارهم، وانتشار أسرارهم، وبدوِّ أمرهم، وكانوا وجلين من كل ما ينزل من الآيات {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} تفسير : [التوبة: 64]. وقد سبق معنى الاستهزاء وهو في حقيقته لا ينشأ إلا عن الجهل، ولذلك أجاب موسى - عليه السلام - عندما قيل له: {أتتخذنا هزوا} بقوله {أية : أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [البقرة: 67]، وبهذا تعلم أن حقيقته مستحيلة على الله عز وجل، ولذا اختلف المفسرون فيما يراد به هنا، فمن قائل هو بمعنى الانتقام، وقد ورد نحوه في كلام العرب ومنه قوله: شعر : قد استهزأوا منهم بألفي مدجج سراتهم وسط الصحاصح جُثَّم تفسير : وهو معنى ما أخرجه ابن جرير وابن حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في معنى ذلك: يسخر بهم للنقمة منهم. ومن قائل: أُطلق الاستهزاء على جزائه لما عُرف من إطلاق اسم الشيء على ما يترتب عليه، نحو قوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]، وقوله: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194]، وقوله: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]، وقوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54]، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إن فلانا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه اللهم، والعنه عدد ما هجاني"تفسير : ، أي اجزه جزاء هجائه، وهذا من باب ما يسمى بالمشاكلة اللفظية، وهي أسلوب من أساليب كلام العرب، كما قال عمرو بن كلثوم: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وعزا ابن عطية هذا القول إلى جمهور العلماء. وأرى أنه لا يختلف عما قبله، فإن إطلاق الاستهزاء على الانتقام لا يعني إلا العقوبة على ما صدر من المنتقَم منه من الاستهزاء والاستخفاف. وذهب آخرون إلى أن إسناد الاستهزاء هنا إلى الله إنما هو من حيث كونه سبحانه يصرف عن عباده المؤمنين ضرر استهزاء خصومهم، وينزله بالمستهزئين، وفي هذا ما يشبه الاستهزاء بهم، فلذلك استعير له اسمه، وقيل: لما كان الاستهزاء من لازمه حقارة المستهزأ به وهوانه، والمنافقون من الحقارة والهوان بمكان، أطلق اسم الملزوم على اللازم على طريقة المجاز الإِرسالي، وقيل: إن الاستهزاء هنا عبارة عما شرعه الله من أحكام في الدنيا تجعل المنافقين يطمئنون إلى أنهم لا يختلفون عن الذين آمنوا، مع أنه تعالى أعد لهم في الآخرة عذاب الهون، كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أمرا يبطنون ضده. وضعّف الفخر الرازي هذا القول؛ لأنه تعالى عندما شرع لهم هذه الأحكام في الدنيا لم يكتم عنهم مصيرهم في الآخرة. وقيل: إن الله سبحانه عاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فمن حيث أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يخفونه، وأما في الآخرة فقد رُوي أنه يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أُغلق دونه، ثم يُفتح له باب آخر فيقال هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أُغلق دونه، فما يزال كذلك حتى أن الرجل ليفتح له باب فيقال هلم هلم فما يأتيه، عُزي ذلك إلى ابن عباس والحسن، وقال قوم: إن النار تجمد كما تجمد الإِهالة، فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم، وحمل ابن جرير هذا الاستهزاء على ما أخبر الله تعالى به في قوله: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد: 13]. ومهما يكن فإن حقيقة الاستهزاء منتفية عن الله سبحانه، ولا معنى لما يقوله البعض من امتناع التأويل وحمل هذا اللفظ على حقيقته مع مراعاة التنزيه في جانب الله تعالى، فإن من لازم الحمل على الحقيقة التشبيه، وهو لا يمكن أن يجامع التنزيه، على أن المتأولين هم أرسخ قدما في العربية، كما أنهم أعمق فهما لمقاصد القرآن، وإن أطال ابن جرير في الانتصار للفريق الآخر، ولم يبعد الألوسي رأيهم عن الصواب. والمد الزيادة مأخوذ من مده، وفي معناه أمده، وفرّق بينهما بعضهم بأن المجرد يستخدم في معنى زيادة الشر، والمزيد في زيادة الخير، وهي في الحقيقة قاعدة أغلبية كما أفاد القطب رحمه الله وغيره، ويدل على عدم التفرقة قراءة ابن محيصن وشبل بضم الياء من أمد الرباعي، ونُسبت هذه القراءة إلى ابن كثير، كما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} تفسير : [لقمان: 27]، ويطلق المد على زيادة العمر غير أنه يتعدى باللام، وادعى بعض المفسرين أنه هو المراد هنا، وأن انتصاب الضمير إنما هو باب الانتصاب بنزع الخافض، ويرده أن نزع الخافض ليس قياسيا، ولا يكون إلا مع أمن اللبس، واللبس هنا حاصل. والطغيان مصدر كالشكران والكفران، وهو دال على المبالغة في الطغي وأصله من طغى الماء إذا جاوز حده المألوف، واستعمل عرفا في مجاوزة الحد في العصيان. ولا إشكال في إسناد المد في الطغيان إلى الله تعالى لما علمته من أن العقيدة الحقة أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى، وأن كل ما يحدث إنما هو بإرادته. ومن حيث إن المعتزلة ينفون عن الله سبحانه خلق أفعال العباد حملوا المد هنا على خذلانهم، ومنعهم الألطاف التي يهبها تعالى عباده المؤمنين، أو على عدم قسرهم وإلجائهم إلى الطاعة، أو على أنه سبحانه خلى بينهم وبين الشيطان فتمكن من إغوائهم. وذهب العلامة ابن عاشور إلى أن إسناد المد إلى الله عز وجل هنا هو من باب إسناد ما خفي فاعله إليه تعالى لأنه الموجد للأسباب الأصلية والمرتب لنواميسها بكيفية لا يعلم الناس سرها، من غير مشاهدة من تُسند إليه على الحقيقة غيره، وذلك أن النفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره عدم انقطاعه عنها، ولما كان من شأنه أن تنمى عنه الرذائل المتنوعة، كان تكونه في نفوسهم ناشئا عن شتى الأسباب في طباعهم، متسلسلا بحسب ارتباط المسببات بأسبابها، وهي أسباب شتى، وقد حرمهم الله توفيقه الذي يباعدهم عن تلك الجبلة بمحاربة نفوسهم، فكان هذا الحرمان مقتضيا استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ، ومن حيث إن الله سبحانه هو الذي خلق النظم التي هي أسباب ازدياده أسند هذا المد إليه، وهذا الاسناد معدود من الحقيقة العقلية، هذا ما ذهب إليه، وهو في جوهره يتفق مع مذهب المعتزلة وإن اختلف المذهبان من حيث إن المعتزلة يعدون هذا الاسناد من باب المجاز العقلي كما هو واضح من كلام الزمخشري. وتعريف الطغيان بالاضافة إلى الضمير العائد إليهم، إما للاشعار بأنه حاصل بسبب إخلادهم إلى النفاق من تلقاء أنفسهم من غير أن يُجبروا عليه، وإما للاشعار بأنه نوع غريب من الطغيان اختصوا به ولم يشاركهم فيه غيرهم. وفسر ابن عباس الطغيان هنا بالكفر، أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي، وأخرج مثله ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، وروي عنه تفسير مدهم بالاملاء لهم، وروي عن أبي العالية وقتادة، والربيع ابن أنس، ومجاهد، وأبي مالك وعبدالرحمن بن زيد نحو ما تقدم في تفسير الطغيان. والعمه فُسّر بالتردد والتحير، وروى ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه فسر يعمهون بيتمادون، وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مثله، وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، أنه فسره بيلعبون ويترددون. وأصله انطماس البصيرة، فهو كالعمى، إلا أن بعضهم قال بأن العمى مختص بالبصر، والعمه بالبصيرة، وذهب الزمخشري إلى أن العمى عام، والعمه خاص بالقلب، وهذا أولى لقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الحج: 46]، وهو نص صريح في إطلاق العمى على انطماس البصيرة. وإذا تأملت مفهوم الكلمة اللغوي أدركت أن المأثور من تفسيرها إنما هو تفسير باللازم، فإن من تعمق في الطغيان لا بد أن يبقى حائرا مترددا متماديا في ضلالته، نسأل الله تعالى العافية.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا} بيان لدأب المنافقين وأنهم إذا استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنا استهزاءً فلا يتوهم أنه مكرر مع أول القصة لأنه إبداء لخبثهم ومكرهم وكشف عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وأنهم أحاطوه من جانبيه على أنه لو لم يكن هذا لا ينبغي أن يتوهم تكرار أيضاً لأن المعنى ومن الناس من يتفوه بالإيمان نفاقاً للخداع وذلك التفوه عند لقاء المؤمنين وليس هذا من التكرار بشيء لما فيه من التقييد وزيادة البيان وأنهم ضموا إلى الخداع الاستهزاء، وأنهم لا يتفوهون بذلك إلا عند الحاجة، والقول بأن المراد بـ {آمَنَّا} أولاً الإخبار عن إحداث الإيمان وهنا عن إحداث إخلاص الإيمان مما ارتضاه الإمام ولا أقتدي به وتأييده له بأن الإقرار اللساني كان معلوماً منهم غير محتاج للبيان وإنما المشكوك الإخلاص القلبـي فيجب إرادته يدفعه النظر من ذي ذوق فيما حررناه، واللقاء استقبال الشخص قريباً منه وهو أحد أربعة عشر مصدراً للقي، وقرأ أبو حنيفة وابن السميقع (لاقوا)، وجعله في «البحر» بمعنى الفعل المجرد، وحذف المفعول في (آمنا) قيل اكتفاءً بالتقييد قبل {أية : بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ }تفسير : [البقرة: 8] وقيل: المراد آمنا بما آمنتم به، وأبعد من قال أرادوا الإيمان بموسى عليه السلام دون غيره وحذفوا تورية منهم وإيهاماً. هذا ولم يصح عندي في سبب نزول هذه الآية شيء، وأما ما ذكره الزمخشري والبيضاوي ومولانا مفتي الديار الرومية وغيرهم فهو من طريق السدي الصغير وهو كذاب، وتلك السلسلة سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوجه لائحة على ما ذكروه فلا يعول عليه ولا يلتفت بوجه إليه. {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ} من خلوت به وإليه إذا انفردت معه أو من قولهم في المثل: اطلب الأمر وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك ومنه {أية : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } تفسير : [آل عمران: 137] وعلى الثاني المفعول الأول هٰهنا محذوف لعدم تعلق الغرض به أي إذا خلوهم، وتعديته إلى المفعول الثاني بـ {إِلَىٰ} لما في المضي عن الشيء معنى الوصول إلى الآخر واحتمال أن يكون من خلوت به أي سخرت منه، فمعنى الآية إذا أنهوا السخرية معهم/ وحدثوهم كما يقال أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام رب العزة وإن ذكره الزمخشري والبيضاوي وغيرهما إذ لم يقع صريحاً خلا بمعنى سخر في كلام من يوثق به، وقولهم: خلا فلان بعرض فلان يعبث به ليس بالصريح إذ يجوز أن يكون خلا على حقيقته أو بمعنى تمكن منه على ما قيل، والدال على السخرية يعبث به، وزعم النضر بن شميل أن {إِلَىٰ} هنا بمعنى مع ولا دليل عليه كالقول بأنها بمعنى الباء على أن سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف، نعم إن الخلوة كما في «التاج» تستعمل بـ (إلى، والباء، ومع) بمعنى واحد ويفهم من كلام الراغب أن أصل معنى الخلو فراغ المكان والحيز عن شاغل وكذا الزمان وليس بمعنى المضي، وإذا أريد به ذلك كان مجازاً وظاهر كلام غيره أنه حقيقة وضعيفان يغلبان قوياً. والمراد بـ {شَيَـٰطِينِهِمْ} من كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهود - كما قاله ابن عباس - أو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة - وسموا بذلك لتمردهم وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن أو لأن قرناءهم الشياطين إن فسروا بالكهنة - وكان على عهده صلى الله عليه وسلم كثير منهم ككعب بن الأشرف من بني قريظة، وأبـي بردة من بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وابن السوداء في الشام. وحمله على شياطين الجن - كما قاله الكلبـي - مما لا يختلج بقلبـي، والشياطين جمع تكسير وإجراؤه مجرى الصحيح كما في بعض الشواذ - (تنزلت به الشياطون) لغة غريبة جداً والمفرد شيطان وهو فيعال عند البصريين فنونه أصلية من شطن أي بعد لبعده عن امتثال الأمر ويدل عليه تشيطن وإلا لسقطت، واحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أن المعنى فعل فعله خلاف الظاهر، وعند الكوفيين وزنه فعلان فنونه زائدة من شاط يشيط إذا هلك أو بطل أو احترق غضباً والأنثى شيطانة وأنشد في «البحر»:شعر : هي البازل الكوماء لا شيء غيرها وشيطانة قد جن منها جفونها تفسير : وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشيطان كل متمرد من الجن والإنس والدواب. {قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ} أي معية معنوية وهي مساواتهم لهم في اعتقاد اليهودية وهو أم الخبائث، وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث مع ترك التأكيد فيما ألقى على المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو المتمردين، وبالجملة الثبوتية مع التأكيد فيما ألقى إلى شياطينهم الذين ليسوا كذلك لأنهم في الأول بصدد دعوى إحداث الإيمان ولم ينظروا هنا لإنكار أحد وتردده إيهاماً منهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في إيمانهم ليؤكدوا لعله أن يتم لهم مرامهم بذلك في زعمهم وفي الثاني بصدد إفادة الثبات دفعاً لما يختلج بخواطر شياطينهم من مخالطة المؤمنين ومخاطبتهم بالإيمان، وقيل: إن التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك يكون لصدق الرغبة وتركه كما يكون لعدم ذلك يكون لعدم اعتناء المتكلم فللرغبة أكدوا ولعدمها تركوا، أو لأنهم لو قالوا إنا مؤمنون كان ادعاء لكمال الإيمان وثباته، وهو لا يروج عند المؤمنين مع ما هم عليه من الرزانة وحدة الذكاء ولا كذلك شياطينهم، وعندي أن الوجه هو الأول إذ يرد على الأخيرين قوله تعالى فيما حكى عنهم: {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ }تفسير : [المنافقون: 1] إلا أن يقال إنهم أظهروا الرغبة هناك وتبالهوا عن عدم الرواج لغرض ما من الأغراض والأحوال شتى، والعوارض كثيرة ولهذا قيل: إنهم للتقية والخداع، ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمان ليجروا عليهم أحكامهم ويعفوهم عن المحاربة أكدوا بالباء فيما تقدم حيث قالوا: {أية : بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ } تفسير : [البقرة: 8]. والقول بأن الفرق بين آية الشهادة وآية الإيمان هنا ظاهر لأنهم لو قالوا إنا لمؤمنون لكانوا ملتزمين أمرين، رسالته صلى الله عليه وسلم ووجوب إيمانهم به بخلاف آية الشهادة فإن فيها التزام الأول ولا يلزم من عدم الرغبة في أمرين عدمها في أحدهما ظاهر الركاكة للمنصفين كما لا يخفى، وقرأ/ الجمهور {مَّعَكُمْ} بتحريك العين وقرىء شاذاً بسكونها وهي لغة ربيعة وغنم. {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ} الاستهزاء الاستخفاف والسخرية، واستفعل بمعنى فعل تقول هزأت به واستهزأت بمعنى كاستعجب وعجب، وذكر حجة الإسلام الغزالي أن الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وبالإشارة والإيماء، وأرادوا مستخفون بالمؤمنين. وأصل هذه المادة الخفة يقال: ناقته تهزأ به أي تسرع وتخف وقول الرازي: إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطال ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية غير موافق للغة والعرف. والجملة إما استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما قالوا: {إِنَّا مَعَكُمْ} إن صح ذلك - فما بالكم توافقون المؤمنين - فأجابوا بذلك. أو بدل من {إِنَّا مَعَكُمْ}؛ وهل هو بدل اشتمال، أو كل، أو بعض؟ خلاف، أما الأول: فلأن هذه الجملة تفيد ما تفيده الأولى وهو الثبات على اليهودية لأن المستهزىء بالشيء مصر على خلافه وزيادة وهو تعظيم الكفر المفيد لدفع شبهة المخالطة وتصلبهم في الكفر فيكون بدل اشتمال. وأما الثاني: وبه قال السعد: فللتساوي من حيث الصدق ولا يقتضي التساوي من حيث المدلول، وأما الثالث فلأن كونهم معهم عام في المعية الشاملة للاستهزاء والسخرية وغير ذلك، أو تأكيد لما قبله بأن يقال إن مدعاهم بـِ {إِنَّا مَعَكُمْ} الثبات على الكفر وإنما نحن مستهزؤن لاستلزامه رد الإسلام ونفيه يكون مقرراً للثبات عليه إذ رفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم ارتفاع النقيضين، أو يقال يلزم: {إِنَّا مَعَكُمْ } إنا نوهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الإيمان فيكون الاستخفاف بهم وبدينهم تأكيداً باعتبار ذلك اللازم، وأولى الأوجه - عند المحققين - الاستئناف لولا ما ذكره الشيخ «في دلائل الإعجاز» من أن موضوع (إنما) أن تجىء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته فإنه يقتضي أن تقدير السؤال هنا أمر مرجوح ولعل الأمر فيه سهل، وقرىء {مُسْتَهْزِءونَ } بتخفيف الهمزة وبقلبها ياء مضمومة، ومنهم من يحذف الياء فتضم الزاي.
ابن عاشور
تفسير : عطف {وإذا لقوا} على ما عطف عليه: {أية : وإذا قيل لهم لا تفسدوا}تفسير : [البقرة: 12] {أية : وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس}تفسير : [البقرة: 13]. والكلام في الظرفية والزمان سواء. والتقييد بقوله: {وإذ لقوا الذين آمنوا} تمهيد لقوله: {وإذا خلوا} فبذلك كان مفيداً فائدة زائدة على ما في قوله: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 8] الآية فليس ما هنا تكراراً مع ما هناك، لأن المقصود هنا وصف ما كانوا يعملون مع المؤمنين وإيهامهم أنهم منهم ولقائهم بوجوه الصادقين، فإذا فارقوهم وخلصوا إلى قومهم وقادتهم خلعوا ثوب التستر وصرحوا بما يبطنون. ونكتة تقديم الظرف تقدمت في قوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا}. ومعنى قولهم {آمنا} أي كنا مؤمنين فالمراد من الإيمان في قولهم {آمنا} الإيمان الشرعي الذي هو مجموع الأوصاف الاعتقادية والعلمية التي تلقب بها المؤمنون وعُرفوا بها على حد قوله تعالى: {أية : إنا هدنا إليك}تفسير : [الأعراف: 156] أي كنا على دين اليهودية فلا متعلق بقوله {آمنا} حتى يحتاج لتوجيه حذفه أو تقديره، أو أريد آمنا بما آمنتم به، والأول أظهر، ولقاؤهم الذين آمنوا هو حضورهم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ومجالس المؤمنين. ومعنى {قالوا آمنا} أظهروا أنهم مؤمنون بمجرد القول لا بعقد القلب، أي نطقوا بكلمة الإسلام وغيرها مما يترجم عن الإيمان. وقوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} معطوف على قوله: {وإذا لقوا} والمقصود هو هذا المعطوف وأما قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا} فتمهيد له كما علمت، وذلك ظاهر من السياق لأن كل أحد يعلم أن المقصود أنهم يقولون آمنا في حال استهزاء يصرِّحون بقصده إذا خلوا بدليل أنه قد تقدم أنهم يأبون من الإيمان ويقولون: {أية : أنؤمن كما آمن السفهاء}تفسير : [البقرة: 13] إنكاراً لذلك، وواو العطف صالحة للدلالة على المعية وغيرها بحسب السياق وذلك أن السياق في بيان ما لهم من وجهين وجه مع المؤمنين ووجه مع قادتهم، وإنما لم يُجعل مضمون الجملة الثانية في صورة الحال كأن يقال قائلين لشياطينهم إذا خلوا ولم نحمل الواو في قوله: {وإذا خلوا} على الحال، أما الأول فلأن مضمون كلتا الجملتين لما كان صالحاً لأن يعتبر صفة مستقلة دالة على النفاق قصد بالعطف استقلال كلتيهما لأن الغرض تعداد مساويهم فإن مضمون: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} منادٍ وحده بنفاقهم في هاته الحالة كما يفصح عنه قوله: {وإذا لقوا} الدال على أن ذلك في وقت مخصوص، وأما الثاني فلأن الأصل اتحاد موقع الجملتين المتماثلتين لفظاً. ولما تقدم إيضاحه في وجه العدول عن الإتيان بالحال. والشياطين جمع شيطان، - جمع تكسير -، وحقيقة الشيطان أنه نوع من المخلوقات المجردة، طبيعتها الحرارة النارية وهم من جنس الجن قال تعالى في إبليس: {أية : كان من الجن}تفسير : [الكهف: 50] وقد اشتهر ذكره في كلام الأنبياء والحكماء، ويطلق الشيطان على المفسد ومثير الشر، تقول العرب فلان من الشياطين ومن شياطين العرب وذلك استعارة، وكذلك أطلق هنا على قادة المنافقين في النفاق، قال تعالى: {أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين}تفسير : [الأنعام: 112] الخ. ووزن شيطان اختلف فيه البصريون والكوفيون من علماء العربية فقال البصريون هو فيعال من شطن بمعنى بعد؛ لأنه أبعد عن رحمة الله وعن الجنة فنونه أصلية وقال الكوفيون هو فعلان من شاط بمعنى هاج أو احترق أو بطل ووجه التسمية ظاهر. ولا أحسب هذا الخلاف إلا أنه بحث عن صيغة اشتقاقه فحسب أي البحث عن حروفه الأصول وهل إن نونه أصل أو زائد وإلا فإنه لا يظن بنحاة الكوفة أن يدَّعوا أنه يعامل معاملة الوصف الذي فيه زيادة الألف والنون مثل غضبان، كيف وهو متفق على عدم منعه من الصرف في قوله تعالى: {أية : وحفظناها من كل شيطان رجيم}تفسير : [الحجر: 17]. وقال ابن عطية ويرد على قول الكوفيين أن سيبويه حكى أن العرب تقول تشيطن إذا فعل الشيطان فهذا يبين أنه من شطن وإلا لقالوا تشيط ا هـ. وفي «الكشاف»: جعل سيبويه نون شيطان في موضع من كتابه أصلية وفي آخر زائدة ا هـ. والوجه أن تشيطن لما كان وصفاً مشتقاً من الاسم كقولهم تنمر أثبتوا فيه حروف الاسم على ما هي عليه لأنهم عاملوه معاملة الجامد دون المشتق لأنه ليس مشتقاً مما اشتق منه الاسم بل من حروف الاسم فهو اشتقاق حصل بعد تحقيق الاستعمال وقطع النظر عن مادة الاشتقاق الأول فلا يكون قولهم ذلك مرجحاً لأحد القولين. وعندي أنه اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة ودخل في العربية من لغة سابقة لأن هذا الاسم من الأسماء المتعلقة بالعقائد والأديان، وقد كان لعرب العراق فيها السبق قبل انتقالهم إلى الحجاز واليمن، ويدل لذلك تقارب الألفاظ الدالة على هذا المعنى في أكثر اللغات القديمة. وكنت رأيت قول من قال إن اسمه في الفارسية سَيْطان. و(خلوا) بمعنى انفردوا فهو فعل قاصر ويعدى بالباء وباللام ومن ومع بلا تضمين ويعدى بإلى على تضمين معنى آب أو خلص ويعدى بنفسه على تضمين تجاوز وباعد ومنه ما شاع من قولهم: «افعل كذا وخلاك ذم» أي إن تبعة الأمر أو ضره لا تعود عليك. وقد عدي هنا بإلى ليشير إلى أن الخلوة كانت في مواضع هي مآبهم ومرجعهم وأنّ لقاءهم للمؤمنين إنما هو صدفة ولمحات قليلة، أفاد ذلك كله قوله: {لقوا} و {خلوا}. وهذا من بديع فصاحة الكلمات وصراحتها. واعلم أنه حكى خطابهم للذين آمنوا بما يقتضي أنهم لم يأتوا فيه بما يحقق الخبر من تأكيد، وخطابهم موهم بما يقتضي أنهم حققوا لهم بقاءهم على دينهم بتأكيد الخبر بما دل عليه حرف التأكيد في قوله: {إنا معكم} مع أن مقتضى الظاهر أن يكون كلامهم بعكس ذلك؛ لأن المؤمنين يشكون في إيمان المنافقين، وقومهم لا يشكون في بقائهم على دينهم، فجاءت حكاية كلامهم الموافقة لمدلولاته على خلاف مقتضى الظاهر لمراعاة ما هو أجدر بعناية البليغ من مقتضى الظاهر. فخلو خطابهم مع المؤمنين عما يفيد تأكيد الخبر لأنهم لا يريدون أن يعرضوا أنفسهم في معرض من يتطرق ساحته الشك في صدقه لأنهم إذا فعلوا ذلك فقد أيقظوهم إلى الشك وذلك من إتقان نفاقهم على أنه قد يكون المؤمنون أخلياء الذهن من الشك في المنافقين لعدم تعينهم عندهم فيكون تجريد الخبر من المؤكدات مقتضى الظاهر. وأما قولهم لقومهم {إنا معكم} بالتأكيد فذلك لأنه لما بدا من إبداعهم في النفاق عند لقاء المسلمين ما يوجب شك كبرائهم في البقاء على الكفر وتطرق به التهمة أبواب قلوبهم احتاجوا إلى تأكيد ما يدل على أنهم باقون على دينهم. وكذلك قولهم: {إنما نحن مستهزئون} فقد أبدوا به وجه ما أظهروه للمؤمنين وجاءوا فيه بصيغة قصر القلب لرد اعتقاد شياطينهم فيهم أن ما أظهروه للمؤمنين حقيقة وإيمان صادق. وقد وجه صاحب «الكشاف» العدول عن التأكيد في قولهم: {آمنا} والتأكيد في قولهم: {إنا معكم} بأن مخاطبتهم المؤمنين انتفى عنها ما يقتضي تأكيد الخبر لأن المخبرين لم يتعلق غرضهم بأكثر من ادعاء حدوث إيمانهم لأن نفوسهم لا تساعدهم على أن يتلفظوا بأقوى من ذلك ولأنهم علموا أن ذلك لا يروج على المسلمين أي فاقتصروا على اللازم من الكلام فإن عدم التأكيد في الكلام قد يكون لعدم اعتناء المتكلم بتحقيقه، ولعلمه أن تأكيده عبث لعدم رواجه عند السامع، وهذه نكتة غريبة مرجعها قطع النظر عن إنكار السامع والإعراض عن الاهتمام بالخبر. وأما مخاطبتهم شياطينهم فإنما أتوا بالخبر فيها مؤكداً لإفادة اهتمامهم بذلك الخبر وصدق رغبتهم في النطق به ولعلمهم أن ذلك رائج عند المخاطبين فإن التأكيد قد يكون لاعتناء المتكلم بالخبر ورواجه عند السامع أي فهو تأكيد للاهتمام لا لرد الإنكار. وقولهم: {إنما نحن مستهزئون} قصروا أنفسهم على الاستهزاء قصراً إضافياً للقلب أي مؤمنون مخلصون، وجملة: {إنما نحن مستهزئون} تقرير لقوله: {إنا معكم} لأنهم إذا كانوا معهم كان ما أظهروه من مفارقة دينهم استهزاء أو نحوه فأما أن تكون الجملة الثانية استئنافاً واقعة في جواب سؤال مقدر كأن سائلاً يعجب من دعوى بقائهم على دينهم لما أتقنوه من مظاهر النفاق في معاملة المسلمين، وينكر أن يكونوا باقين على دينهم ويسأل كيف أمكن الجمع بين البقاء على الدين وإظهار المودة للمؤمنين فأجابوا: {إنما نحن مستهزئون،} وبه يتضح وجه الإتيان بأداة القصر لأن المنكر السائل يعتقد كذبهم في قولهم: {إنا معكم} ويدعي عكس ذلك، وإما أن تكون الجملة بدلاً من {إنا معكم} بدل اشتمال لأن من دام على الكفر وتغالى فيه ـــ وهو مقتضى {معكم} أي في تصلبكم ـــ فقد حقر الإسلام وأهله واستخف بهم، والوجه الأول أولى الوجوه لأنه يجمع ما تفيده البدلية والتأكيد من تقرير مضمون الجملة الأولى مع ما فيه من الإشارة إلى رد التحير الذي ينشأ عنه السؤال وهذا يفوت على تقديري التأكيد والبدلية. والاستهزاء: السخرية يقال: هزأ به واستهزأ به فالسين والتاء للتأكيد مثل استجاب، أي عاملَه فعلاً أو قولاً يحصل به احتقاره أو والتطرية به، سواءٌ أَشعره بذلك أم أخفاه عنه. والباء فيه للسببية قيل: لا يتعدى بغير الباء وقيل: يتعدى بمن، وهو مرادف سخر في المعنى دون المادة كما سيأتي في سورة الأنعام. وقرأ أبو جعفر (مستهزون) بدون همزة وبضم الزاي تخفيفاً وهو لغة فصيحة في المهموز.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات لَقُوا: اللقاء: والملاقاة: المواجهة وجهاً لوجه. آمنوا: الإيمان الشرعي: التصديق بالله وبكل ما جاء به رسول الله عن الله، وأهله هم المؤمنون بحق. خلوا: الخلُو بالشيء: الإنفراد به. شياطينهم: الشيطان كل بعيد عن الخير قريب من الشر يفسد ولا يصلح من إنسان أو جان والمراد بهم هنا رؤساؤهم في الشر والفساد. مستهزئون: الاستهزاء: الاستخفاف والاستسخار بالمرء. الطغيان: مجاوزة الحد في الأمر والإسراف فيه. الْعَمَه: للقلب كالعمى للبصر: عدم الرؤية وما ينتج عنه من الحيرة والضلال. اشتروا: استبدلوا بالهدى الضلالة أي تركوا الإيمان وأخذوا الكفر. تجارتهم: التجارة: دفع رأس مال لشراء ما يربح إذا باعه، والمنافقون هنا دفعوا رأس مالهم وهو الإِيمان لشراء الكفر آملين أن يربحوا عزاً وغنى في الدنيا فخسروا ولم يربحوا إذ ذُلوا وعذبوا وافتقروا بكفرهم. المهتدي: السالك سبيلاً قاصدة تصل به إلى ما يريده في أقرب وقت وبلا عناء والضال خلاف المهتدي وهو السالك سبيلا غير قاصدة فلا تصل به إلى مراده حتى يهلك قبل الوصول. معنى الآيات: ما زالت الآيات تخبرُ عن المنافقين وتصف أحوالهم إذ أخبر تعالى عنهم في الآية الأولى أنهم لنفاقهم وخبثهم إذا لقوا الذين آمنوا في مكان ما أخبروهم بأنهم مؤمنون بالله والرسول وما جاء به من الدين، وإذا انفردوا برؤسائهم في الفتنة والضلالة فلاموهم، عما ادّعوه من الإِيمان قالوا لهم إنا معكم على دينكم وَمَا آمنا أبداً. وإنما أظهرنا الإِيمان استهزاءً وسخرية بمحمد وأصحابه. كما أخبر في الآية الثانية [15] أنه تعالى يستهزىء بهم معاملة لهم بالمثل جزاء وفاقاً ويزيدهم حسب سنته في أن السيئة تلد سيئة في طغيانهم لتزداد حيرتهم واضطراب نفوسهم وضلال عقولهم. كما أخبر في الآية [16] أن أولئك البعداء في الضلال قد استبدلوا الإيمان بالكفر والإِخلاص بالنفاق فلذلك لا تربح تجارتهم ولا يهتدون الى سبيل ربح أو نُجْح محال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بالمنافقين والتحذير من سلوكهم في مُلاَقَاتِهِمْ هذا بوجه وهذا بوجه آخر وفي الحديث: شراركم ذو الوجهين. 2- إن من الناس شياطين يدعون الى الكفر والمعاصي، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. 3- بيان نقم الله، وإنزالها بأعدائه عز وجل.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَّا} {شَيَاطِينِهِمْ} {مُسْتَهْزِئُونَ} {آمَنُواْ} (14) - كَانَ المُنَافِقُونَ إِذا التَقَوْا بِالمُؤمِنينَ أَظْهَرُوا لَهُمُ الإِيمَانَ نِفَاقاً وَمُصَانَعَةً وَتَقِيَّةً، وَلكِنَّهُمْ حِينَما كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلى شَيَاطِينِهِمْ - أَيْ سَادَتِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ، وَرُؤُوسِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ -، وَيَخْتَلُونَ بِهِمْ بَعِيداً عَنْ سَمْعِ المُؤْمِنينَ وَأَبْصَارِهِمْ، كَانُوا يَقُولُونَ لَهُمْ إِنَّهُمْ كَفَرَةٌ، وَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا مُقِيمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ لِلْمُؤمِنينَ نِفَاقاً وَتَقِيَّةً وَمُصَانَعَةً، واسْتِهْزَاءً بِالمُؤْمِنينَ وَدِينِهِمْ. الاستِهْزَاءُ - السُّخْرِيَةُ. خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ - انْصَرَفُوا إِلَيهِمْ، وَانْفَرَدُوا بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يرينا الحق سبحانه، أن كل منافق له أكثر من حياة يحرص عليها، والحياة لكي تستقيم يجب أن تكون حياة واحدة منسجمة مع بعضها البعض، ولكن انظر إلى هؤلاء .. مع المؤمنين يقولون آمنا، ويتخذون حياة الإيمان ظاهراً، أي أنهم يمثلون حياة الإيمان، كما يقوم الممثل على المسرح بتمثيل دور شخصية غير شخصيته تماماً .. حياتهم كلها افتعال وتناقض، فإذا بعدوا عن الذين آمنوا، يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14]. وانظر إلى دقة الأداء القرآني، فالشيطان هو الدس الخفي، الحق ظاهر وواضح أما منهج الشيطان وتآمره فيحدث في الخفاء لأنه باطل. والنفس لا تخجل من حق أبداً، ولكنها تخشى وتخاف وتحاول أن تخفي الباطل. ولنضرب لذلك مثلا بسيطاً، رجل يجلس مع زوجته في منزله، وطرق الباب طارقُ، ماذا يحدث؟ يقوم الرجل بكل اطمئنان، ويفتح الباب ليرى مَنْ الطارق، فإن وجده صديقاً أو قريباً أكرمه ورحب به وأصرَّ على أن يدخل ليضيفه. وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم للضيف، نأخذ هذه الحالة نفسها إذا كان الإنسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق، يحدث ارتباك عنيف، ويبحث الرجل عن مكان يخفي فيه المرأة التي معه، أو يبحث عن باب خفي ليخرجها منه، أو يحاول أن يطفئ الأنوار ويمنع الأصوات لعل الطارق يحس بأنه لا يوجد أحد في المكان فينصرف، وقبل أن يُخْرِجَ تلك المرأة المحرمة عليه، فإنه يفتح الباب بحرص، وينظر يميناً ويساراً ليتأكد هل يراه أحد، وعندما لا يجد أحداً يسرع بدفع المرأة إلى الخارج، لأنها إثم يريد أن يتخلص منه، وإذا نزل ليوصلها يمشي بعيداً عنها، ويظل يرقب الطريق، ليتأكد من أن أحداً لم يره، وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى سرعة. هذا هو الفرق بين منهج الإيمان، ومنهج الشيطان، الحادثة واحدة، ولكن الذي اختلف هو الحلال والحرام. انظر كيف يتصرف الناس في الحلال .. في النور .. في الأمان، وكيف يتصرفون في الحرام ومنهج الشيطان في الظلام وفي الخفية ويحرصون على ألا يراهم أحد، ومن هنا تأتي دقة التعبير القرآني .. {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14]. إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة، إلى مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمعك فيه أحد، لأن العلن في منهج الشيطان يكون فضيحة، ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهداً أن يستر حركته في عدم الاستقامة، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح، ولا يصح أن يعلمه أحد عنه، وما دام لا يصح أن يراه أحد في مكان ما، فاعلم أنه يحس بأن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان الذي لا يقره الله، ولا يرضى عنه. ولابد أن نعلم أن القيم، هي القيم حتى عند المنحرف، وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} [البقرة: 14] معناها أنهم عندما يتظاهرون بالإيمان يأخذون جانب العلن، بل ربما افتعلوه، وكان المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن يقولوا: لم نؤمن. وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية، الجملة الفعلية، تدل على التجدد، والجملة الاسمية تدل على الثبات، فالمنافقون مع المؤمنين يقولون: آمنا، فإيمانهم غير ثابت، متذبذب، وعندما يلقون الكافرين، لو قالوا لم نؤمن، لأخذت صفة الثبات، ولكنهم في الفترة بين لقائهم بالمؤمنين، ولقائهم بالكافرين، الكفر متجدد، لذلك قالوا: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14].
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} وهو كلُّ غاوٍ، ومُتردٍ من الجِّنِ والإِنسِ، والدَوابِّ. واحدُهُمْ: شَيْطَانٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و[ذلك] أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين، أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم، فإذا خلوا إلى شياطينهم - أي: رؤسائهم وكبرائهم في الشر - قالوا: إنا معكم في الحقيقة، وإنما نحن مستهزءون بالمؤمنين بإظهارنا لهم، أنا على طريقتهم، فهذه حالهم الباطنة والظاهرة، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. قال تعالى: { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وهذا جزاء لهم، على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة، حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين، لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة، أنه يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا، فإذا مشى المؤمنون بنورهم، طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين، فما أعظم اليأس بعد الطمع، {أية : يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ } تفسير : الآية. قوله: { وَيَمُدُّهُمْ } أي: يزيدهم { فِي طُغْيَانِهِمْ } أي: فجورهم وكفرهم، { يَعْمَهُونَ } أي: حائرون مترددون، وهذا من استهزائه تعالى بهم. ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):