٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على ٱستهزائهم؛ فسمى العقوبة بٱسم الذنب. هذا قول الجمهور من العلماء؛ والعرب تستعمل ذلك كثيراً في كلامهم؛ من ذلك قول عمرو بن كُلثوم:شعر : ألاَ لا يَجهلَنْ أحدٌ علينا فنَجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا تفسير : فسمى ٱنتصاره جهلاً، والجهل لا يفتخر به ذو عقل؛ وإنما قاله ليَزْدَوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظاً بإزاء لفظ جواباً له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفاً له في معناه؛ وعلى ذلك جاء القرآن والسنة. وقال الله عزّ وجلّ: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]. وقال: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:194]. والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون ٱعتداء؛ لأنه حق وجب؛ ومثله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران:54]. و {أية : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً }تفسير : [الطارق:15-16] و{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} وليس منه سبحانه مَكْرٌ ولا هزء ولا كَيْد، إنما هو جزاء لمكرهم وٱستهزائهم وجزاء كيدهم؛ وكذلك {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء:142] {أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ}تفسير : [التوبة:79]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا يَمَلّ حتى تَمَلّوا ولا يسأم حتى تسأموا»تفسير : . قيل: حتى بمعنى الواو أي وتملوا. وقيل المعنى وأنتم تملون. وقيل: المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل. وقال قوم: إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هُزْءٌ وخَدْعٌ ومَكْرٌ، حسب ما روي: «إن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم». وروى الكلبي عن أبي صالح عن ٱبن عباس في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} هم منافقو أهل الكتاب؛ فذكرهم وذكر ٱستهزاءهم، وأنهم إذا خلْوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر ـ على ما تقدّم ـ قالوا: إنَّا معكم على دينكم «إنما نحن مستهزئون» بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. «الله يستهزىء بهم» في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يَسْبَحون في النار، والمؤمنون على الأرائك ـ وهي السرر ـ في الحِجال ينظرون إليهم، فإذا ٱنتهوا إلى الباب سُدّ عنهم، فيضحك المؤمنون منهم؛ فذلك قول الله عزّ وجلّ: «ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ» أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غُلِّقت دونهم الأبواب؛ فذلك قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى ٱلأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} تفسير : [المطففين:34-35] إلى أهل النار {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين:36]. وقال قوم: الخداع من الله والاستهزاء هو ٱستدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم؛ فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم، ويستر عنهم من عذاب الآخرة، فيظنون أنه راضٍ عنهم، وهو تعالى قد حتّم عذابهم. فهذا على تأمل البشر كأنه ٱستهزاء ومكر وخداع؛ ودلّ على هذا التأويل قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيتم الله عزّ وجلّ يعطي العبد ما يحبّ وهو مقِيم على معاصيه فإنما ذلك منه ٱستدراج»تفسير : . ثم نزع بهذه الآية: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنعام:44-45]. وقال بعض العلماء في قوله تعالى: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [القلم:44]: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة. قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ} أي يطيل لهم المدّة ويمهلهم ويُمْلِي لهم؛ كما قال: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران:178] وأصله الزيادة. قال يونس بن حبيب: يقال مدّ لهم في الشر، وأمدّ في الخير؛ قال الله تعالى:{أية : وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}تفسير : [الإسراء:6]. وقال: {أية : وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [الطور:22]. وحكي عن الأخفش: مددت له إذا تركته، وأمددته إذا أعطيته. وعن الفَرّاء واللَّحْياني: مددت، فيما كانت زيادته من مثله، يقال: مدّ النَّهْرُ النهرَ وفي التنزيل: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ}تفسير : [لقمان:27]. وأمددت، فيما كانت زيادته من غيره؛ كقولك: أمددت الجيش بمَدَد؛ ومنه: {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ}تفسير : [آل عمران:125]. وأمدّ الجُرْحُ؛ لأن المدّة من غيره، أي صارت فيه مِدّة. قوله تعالى: {فِي طُغْيَانِهِمْ} كفرهم وضلالهم. وأصل الطغيان مجاوزة الحدّ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَى ٱلْمَآءُ}تفسير : [الحاقة:11] أي ٱرتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخُزّان. وقوله في فرعون: {أية : إِنَّهُ طَغَىٰ}تفسير : [النازعات:17] أي أسرف في الدعوى حيث قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات:24]. والمعنى في الآية: يمدّهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم. قوله تعالى: {يَعْمَهُونَ} يعمون. وقال مجاهد: أي يتردّدون متحيّرين في الكفر. وحكى أهل اللغة: عَمِه الرجلُ يَعْمَه عُموهاً وعَمَهاً فهو عَمِه وعامِه إذا حار، ويقال رجل عامِه وعَمه: حائر متردّد، وجمعه عُمْه. وذهبت إبِلُه العُمَّهَى إذا لم يدر أين ذهبت. والعَمَى في العين، والعَمَه في القلب؛ وفي التنزيل: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج:46].
البيضاوي
تفسير : {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } يجازيهم على استهزائهم، سمي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة، إما لمقابلة اللفظ باللفظ، أو لكونه مماثلاً له في القدر، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء، أو الغرض منه، أو يعاملهم معاملة المستهزىء: أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم، واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما في الآخرة: فبأن يفتح لهم وهم في النار باباً إلى الجنة فيسرعون نحوه، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ }تفسير : [المطففين: 34] وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدل على أن الله تعالى تولى مجازاتهم، ولم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم، وأنَّ استهزاءهم لا يؤبه به في مقابلة ما يفعل الله تعالى بهم ولعله لم يقل: الله مستهزىء بهم ليطابق قولهم، إيماء بأن الاستهزاء يحدث حالاً فحالاً ويتجدد حيناً بعد حين، وهكذا كانت نكايات الله فيهم كما قال تعالى: {أية : أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ }تفسير : [التوبة: 126] {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه، ومنه مددت السراج والأرض إذا استصلحتهما بالزيت والسماد، لا من المد في العمر فإنه يعدى باللام كأملى له. ويدل عليه قراءة ابن كثير (ويمدهم). والمعتزلة لما تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره قالوا: لما منعهم الله تعالى ألطافة التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم، وسدهم طرق التوفيق على أنفسهم فتزايدت بسببه قلوبهم ريناً وظلمة، تزايد قلوب المؤمنين انشراحاً ونوراً، وأمكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغياناً، أُسْنِدَ ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازاً، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة، ومصداق ذلك أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي وقال {أية : وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ }تفسير : [الأعراف: 202] أو أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم ويمد في أعمارهم كي يتنبهوا ويطيعوا، فما زادوا إلا طغياناً وعمهاً، فحذفت اللام وعدى الفعل بنفسه كما في قوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }تفسير : [الأعراف: 155] أو التقدير يمدهم استصلاحاً، وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم. والطغيان بالضم والكسر كلقيان، والطغيان: تجاوز الحد في العتو، والغلو في الكفر، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَىٰ ٱلْمَاء حَمَلْنَـٰكُمْ }تفسير : [الحاقة: 11] والعمه في البصيرة كالعمى في البصر، وهو: التحير في الأمر يقال رجل عامه وعمه، وأرض عمهاء لا منار بها، قال:شعر : أَعْمَى الهُدَى بالجاهِلين العمهْ
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } يجازيهم باستهزائهم {وَيَمُدُّهُمْ } يُمهلهم {فِي طُغْيَٰنِهِمْ } بتجاوزهم الحد بالكفر {يَعْمَهُونَ } يترددون تحيُّراً حال.
ابن عطية
تفسير : اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء: "هي تسمية العقوبة باسم الذنب". والعرب تستعمل ذلك كثيراً، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم]: [الوافر]. شعر : ألا لا يجهلنْ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وقال قوم: إن الله تعالى يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البشر هزو حسبما يروى أن النار تجمدت كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم، وما يروى أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج، نحا هذا المنحى ابن عباس والحسن، وقال قوم: استهزاؤه بهم هو استدارجهم من حيث لا يعلمون، وذلك أنهم بدرور نعم الله الدنيوية عليهم يظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء. {ويمدهم} معناه يزيدهم في الطغيان. وقال مجاهد: "معناه يملي لهم"، قال يونس بن حبيب: "يقال مد في الشر وأمد في الخير" وقال غيره: "مد الشيء ومده ما كان مثله ومن جنسه، وأمدّه ما كان مغايراً له، تقول: مدّ النهر ومدّه نهر آخر، ويقال أمدّه". قال اللحياني: "يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثره مده يمده مدّاً، وفي التنزيل: {أية : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} تفسير : [لقمان: 27]. ومادة الشيء ما يمده دخلت فيه الهاء للمبالغة". قال ابن قتيبة وغيره: "مَدَدْت الدواة وأمَددْتُها بمعنى". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يشبه أن يكون "مددتها" جعلت إلى مدادها آخر، و "أمددتها" جعلتها ذات مداد، مثل "قبر، وأقبر، وحصر، وأحصر"، ومددنا القوم صرنا لهم أنصاراً، وأمددناهم بغيرنا. وحكى اللحياني أيضاً أمدّ الأمير جنده بالخيل، وفي التنزيل: {أية : وأمددناكم بأموال وبنين} تفسير : [الإسراء: 6]. قال بعض اللغويين: {ويمدهم في طغيانهم} يمهلهم ويلجهم. قال القاضي أبو محمد: فتحتمل اللفظة أن تكون من المد الذي هو المطل والتطويل، كما فسر في: {أية : عمد ممددة} تفسير : [الهمزة: 9]. ويحتمل أن تكون من معنى الزيادة في نفس الطغيان، والطغيان الغلو وتعدي الحد كما يقال: "طغا الماء وطغت النار". وروي عن الكسائي إمالة طغيانهم. و {يعمهون} يترددون، حيرة، والعمه الحيرة من جهة النظر، والعامه الذي كأنه لا يبصر من التحير في ظلام أو فلاة أو هم. وقوله: {أولئك} إشارة إلى المتقدم ذكرهم، وهو رفع بالابتداء و {الذين} خبره، و {اشتروا} صلة لــ {الذين}، وأصله اشتريوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فحذفت لالتقاء الساكنين، وقيل استثقلت الضمة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء وحركت الواو بعد ذلك للالتقاء بالساكن بعدها، وخصت بالضم لوجوه منها أن الضمة أخت الواو وأخف الحركات عليها، ومنها أنه لما كانت واو جماعة ضمت كما فعل بالنون في "نحنُ". ومنها أنها ضمت إتباعاً لحركة الياء المحذوفة قبلها. قال أبو علي: "صار الضم فيها أولى ليفصل بينها وبين واو "أو" و "لو" إذ هذان يحركان بالكسر". وقرأ أبو السمال قعنب العدوي بفتح الواو في: "اشتروَا الضلالة". وقرأها يحيى بن يعمر بكسر الواو. والضلالة والضلال: التلف نقيض الهدى الذي هو الرشاد إلى المقصد. واختلفت عبارة المفسرين عن معنى قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} فقال قوم: "أخذوا الضلالة وتركوا الهدى". وقال آخرون: استحبوا الضلالة وتجنبوا الهدى كما قال تعالى: {أية : فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : [فصلت: 17]. وقال آخرون: الشراء هنا استعارة وتشبيه، لما تركوا الهدى وهو معرض لهم ووقعوا بدله في الضلالة واختاروها شبهوا بمن اشترى فكأنهم دفعوا في الضلالة هداهم إذ كان لهم أخذه. وبهذا المعنى تعلق مالك رحمه الله في منع أن يشتري الرجل على أن يتخير في كل ما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز فيه التفاضل. وقال قوم: الآية فيمن كان آمن من المنافقين ثم ارتد في باطنه وعقده ويقرب الشراء من الحقيقة على هذا. وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} ختم للمثل بما يشبه مبدأه في لفظة الشراء، وأسند الربح إلى التجارة كما قالوا: "ليل قائم ونهار صائم". والمعنى فما ربحوا في تجارتهم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة "فما ربحت تجاراتهم" بالجمع. وقوله تعالى: {وما كانوا مهتدين} قيل المعنى في شرائهم هذا، وقيل على الإطلاق، وقيل في سابق علم الله، وكل هذا يحتمله اللفظ.
ابن عبد السلام
تفسير : {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} يجزيهم على استهزائهم، سمى الجزاء باسم الذنب{أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 194]. شعر : ........................ فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : أو نجزيهم جزاء المستهزئين، أو إظهاره عليهم أحكام الإسلام مع ما أوجبه لهم من العقاب فاغتروا به كالاستهزاء بهم، أو هو كقوله تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }تفسير : [الدخان: 49] للاستهزاء به، أو يُفتح لهم باب جهنم فيريدون الخروج على رجاء فيزدحمون فإذا انتهوا إلى الباب ضُربوا بمقامع الحديد حتى يرجعوا فهذا نوع من العذاب على صورة الاستهزاء. {وَيَمُدُّهُمْ} يملي لهم، أو يزيدهم، مددت وأمددت أو مددت في الشر وأمددت في الخير، أو مددت فيما زيادته منه، وأمددت فيما زيادته من غيره. {طُغْيَانِهِمْ} غلوهم في الكفر، الطغيان: مجاوزة القدر. {يَعْمَهُونَ} يترددون أو يتحيرون، أو يعمون عن الرشد.
الخازن
تفسير : {الله يستهزئ بهم} أي يجازيهم جزاء استهزائهم بالمؤمنين فسمي الجزاء باسمه لأنه في مقابلته قال ابن عباس يفتح لهم باب الجنة فإذا انتهوا إليه سدّ عنهم وردوا إلى النار {ويمدهم} أي يتركهم ويمهلهم. والمد والإمداد واحد وأصله الزيادة وأكثر ما يأتي المد في الشر والإمداد في الخير {في طغيانهم} أي في ضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد {يعمهون} أي يترددون في الضلالة متحيرين {أولئك} يعني المنافقين {الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي استبدلوا الكفر بالإيمان وإنّما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعاً على سبيل الاستعارة لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. فإن قلت كيف قال اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى. قلت جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلي الضلالة فقد عطلوه واستبدلوه بها. والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء {فما ربحت تجارتهم} أي ما ربحوا في تجارتهم والربح الفضل عن رأس المال وأضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها {وما كانوا مهتدين} أي مصيبين في تجارتهم، لأن رأس المال هو الإيمان فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى. وقيل وما كانوا مهتدين في ضلالتهم. قوله عزّ وجلّ {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} المثل عبارة عن قول يشبه ذلك القول قولاً آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه، وهو أحد أقسام القرآن السبعة ولما ذكر الله تعالى حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، ولأن المثل تشبيه الخفي بالجلي، فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو النهاية في الإيضاح، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه كمثل الذي استوقد ناراً لينتفع بها {فلما أضاءت} يعني النار {ما حوله} يعني حول المستوقد {ذهب الله بنورهم} فإن قلت كيف وحد أولاً ثم جمع ثانياً. قلت يجوز وضع الذي يوضع الذين كقوله: {أية : وخضتم كالذي خاضوا} تفسير : [التوبة: 69] وقيل إنما شبه قصتهم بقصة المستوقد، وقيل معناه مثل الواحد منهم كمثل الذي استوقد ناراً {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} قال ابن عباس: نزلت في المنافقين يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة حائراً مختوفاً، فكذلك حال المنافقين أظهروا كلمة الإيمان فأمنوا بها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وناكحوا المسلمين وقاسموهم في الغنائم فذلك نورهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم عقيدتهم للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل ذهاب نورهم في القبر أو على الصراط. فإن قلت ما وجه تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة؟ قلت: وجه تشبيه الإيمان بالنور أن النور أبلغ الأشياء في الهداية إلى المحجة القصوى وإلى الطريق المستقيم وإزالة الحيرة وكذلك الإيمان هو الطريق الواضح إلى الله تعالى وإلى جنانه، وشبه الكفر بالظلمة لأن الضال عن الطريق المسلوكة في الظلمة لا يزداد إلاّ حيرة وكذلك الكفر لا يزداد صاحبه في الآخرة إلاّ حيرة. وفي ضرب المثل للمنافقين بالنار ثلاث حكم: إحداها أن المستضيء بالنار مستضيء بنور غيره فإذا ذهب ذلك بقي هو في ظلمته فكأنهم لما أقروا بالإيمان من غير اعتقاد قلوبهم كان إيمانهم كالمستعار. الثانية أن النار تحتاج في دوامها إلى مادة الحطب لتدوم فكذلك الإيمان يحتاج إلى مادة الاعتقاد ليدوم الثالثة أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد قبلها ضياء فشبه حالهم بذلك. ثم وصفهم الله تعالى فقال {صم} أي عن سماع الحق لأنهم لا يقبلونه وإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه {بكم} أي خرس عن النطق بالحق فهم لا يقولونه {عمي} أي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق والباطل ومن لا بصيره له كمن لا بصر له فهو أعمى، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن سماع الحق آذانهم وأبوا أن تنطق به ألسنتهم وأن ينظروا إليه بعيونهم جعلوا كمن تعطلت حواسه وذهب إدراكه قال الشاعر: شعر : صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء كلهم أذن تفسير : {فهم لا يرجعون} أي عن ضلالتهم ونفاقهم. قوله تعالى: {أو كصِّيب} أي كأصحاب صيِّب وهو المطر، وكل ما أنزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب {من السماء} أي من السحاب لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء ومنه قيل لسقف البيت سماء وقيل من السماء بعينها، وإنما ذكر الله تعالى السماء وإن كان المطر لا ينزل إلاّ منها ليرد على من زعم أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض فأبطل مذهب الحكماء بقوله من السماء ليعلم أن المطر ليس من أبخرة الأرض كما زعم الحكماء {فيه} أي الصِّيب {ظلمات} جمع ظلمة {ورعد} هو الصوت الذي يسمع من السحاب {وبرق} يعني النار التي تخرج منه. قال ابن عباس: الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به السحاب. وقيل الرعد اسم ملك يزجر السحاب إذا تبددت جمعها وضمها فإذا اشتد غضبه يخرج من فيه النار فهي البرق والصواعق، وقيل الرعد تسبيح الملك. وقيل اسمه {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت كل من يسمعها أو يغشى عليه، وقيل الصاعقة قطعة من العذاب ينزلها الله على من يشاء. عن ابن عمر "حديث : أن رسول لله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب {حذر الموت} أي مخافة الهلاك {والله محيط بالكافرين} أي عالم بحالهم وقيل يجمعهم ويعذبهم. {يكاد البرق} أي يقرب، يقال كاد يفعل ولم يفعل {يخطف أبصارهم} أي يختلسها. والخطف استلاب الشيء بسرعة {كلما} أي متى ما جاء {أضاء لهم} يعني البرق {مشوا فيه} أي في إضاءته ونوره {وإذا أظلم عليهم قاموا} أي وقفوا متحيرين، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين، ووجه التمثيل أن الله عزّ وجلّ شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات وهي ظلمة الليل وظلمة المطر وظلمة السحاب من صفة تلك الظلمات أن الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم سامعوه أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدته فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر هو القرآن لأنه حياة القلوب كما أن المطر حياة الأرض، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك والنفاق. والرعد ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة فالكافرون والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن وسماعه مخافة أن تميل قلوبهم إليه لأن الإيمان به عندهم كفر والكفر موت، وقيل هذا مثل ضربه الله تعالى للإسلام، فالمطر هو الإسلام، والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد ما فيه من ذكر الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق ما فيه من الوعد، {يجعلون أصابعم في آذانهم} يعني المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذراً من الهلاك {والله محيط بالكافرين} يعني لا ينفعهم الهرب لأن الله من ورائهم يجمعهم ويعذبهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ...} قال ابن عرفة: هذا تشريف واعتناء بمقام النبي صلى الله عليه وسلم حيث (تولى) الله عقوبتهم (بنفسه) ولم يقل: ملائكة الله يستهزئون بهم. قال (ابن عرفة) (وأوردوا) هنا سؤالا في إسناد الاستهزاء إلى الله (فقدّره) المعتزلة (بأنّه) قبيح، وصدور القبح من الله تعالى محال، (وقدّره) أهل السنة/ بأنّ الاستهزاء ملزوم بالجهل لقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : والجهل على الله تعالى محال فالاستهزاء في حقه محال. وأجاب ابن عطية بثلاثة أوجه: إما أنه مجاز (المقابلة) كقولك: شعر : قَالُوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا تفسير : وقول لبيد: شعر : أَلا لا يَجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وإما بأنه يفعل بهم من الإملاء بالنعم كفعل المستهزئ، أو يفعل بهم في الآخرة ما هو في (تأويل) البشر كفعل المستهزئ، حسبما روي أن النار تجمد كما تجمد الأهالة وهي الشحم (فيمشون) عليها يظنونها منجاة فتخسف بهم. قال الزمخشري: هلا قيل: الله مستهزئ بهم كما قالوا هم: إنما نحن مستهزؤون؟ وأجاب بأن الفعل يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت. (فرده) ابن عرفة بأن دوامه عليهم أشد وأشنع. قال: ويجاب عليه بأن التجدّد يقتضي تنويعه واختلافه عليهم شيئا بعد شيء فلا يستهزئ بهم بنوع واحد. وأجاب الطيبي بأن دوام العذاب فيه توطين لهم، فقد تألفه نفوسهم وتدرّب عليه بخلاف تجدّده فإنه إذا ارتفع عنهم يرجون انقطاعه (وإذا) عاد إليهم كان أشد عليهم. قيل لابن عرفة: نقل بعض الشيوخ عن الأستاذ ابن نزار أنه كان ينهى عن الوقف على {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} تفسير : لأن قوله {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} مقابل لما قبله فالصواب إيصاله (به)؟ فقال ابن عرفة: كان غيره يختار في مثل هذا الوقف في الفصل بين كلام الله وكلامهم كما ينهى عن الوقف على "إنَّا مَعَكُمْ".
ابو السعود
تفسير : . {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ} أي يجازيهم على استهزائهم، سمِّي جزاؤه باسمه كما سُمي جزاءُ السيئة سيئةً إما للمشاكلة في اللفظ، أو المقارنة في الوجود، أو يرجِعُ وبالُ الاستهزاء عليهم، فيكون كالمستهزىء بهم، أو يُنزل بهم الحقارةَ والهوانَ الذي هو لازمُ الاستهزاءِ أو يعاملهم معاملةَ المستهزىءِ بهم. أما في الدنيا فبإجراء أحكامِ المسلمين عليهم، واستدراجِهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما في الآخرة فبما يُروىٰ أنه يفتح لهم بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين، الآية 34] وإنما استؤنف للإيذان بأنهم قد بلغوا في المبالغة في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت شناعاتها عند السامعين، وتعاظَمَ ذلك عليهم حتى اضْطَرَّهم إلى أن يقولوا ما مصيرُ أمرِ هؤلاء وما عاقبةُ حالهم، وفيه أنه تعالى هو الذي يتولىٰ أمرَهم ولا يُحوجهم إلى المعارضة بالمثل، ويستهزىء بهم الاستهزاءَ الأبلغَ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء، حيث ينزلُ بهم من النَكال ويحِلُّ عليهم من الذل والهوان ما لا يوصف، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار، كما يعرب عنه قوله عز قائلاً: {أية : أَوَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } تفسير : [التوبة، الآية 126] وما كانوا خالين في أكثر الأوقات من تهتكِ أستارٍ وتكشفِ أسرارٍ، ونزولِ (آيةٍ) في شأنهم، واستشعارِ حذَرٍ من ذلك، كما أنبأ عنه قوله عز وجل: {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون} تفسير : [التوبة، الآية 64] {وَيَمُدُّهُمْ} أي يزيدهم ويقويهم مِنْ مدَّ الجيش وأمده إذا زاده، ومنه مددتُ الدواةَ والسِراج إذا أصلحتهما بالحِبْر والزيت وإيثارُه على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوطٌ بسوء اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد وما يجري مَجراه من الحاجة الداعية إليه، كما في الأمثلة المذكورة، وقرىء يُمِدُّهم من الإمداد وهو صريح في أن القراءة المشهورة ليست من المد في العمر، على أنه يستعمل باللام كالإملاء، قال تعالى: {أية : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً }تفسير : [مريم، الآية 79] وحذفُ الجار وإيصالُ الفعل إلى الضمير خلافُ الأصل لا يصار إليه إلا بدليل {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} متعلق بـيمُدُّهم، والطغيانُ مجاوزة الحد في كل أمر، والمراد إفراطُهم في العتو، وغلوُّهم في الكفر، وقرىء بكسر الطاء، وهي لغة فيه كلِقْيانٍ لغةٌ في لُقيانٍ، وفي إضافته إليهم إيذانٌ باختصاصه بهم، وتأيـيدٌ لما أشير إليه من ترتب المدِّ على سوء اختيارِهم {يَعْمَهُونَ} حال من الضمير المنصوب أو المجرور، لكون المضاف مصدراً فهو مرفوع حكماً، والعَمَهُ في البصيرة كالعمىٰ في البصر، وهو التحيرُ والتردد، بحيث لا يدري أين يتوجه، وإسنادُ هذا المد إلى الله تعالى مع إسناده في قوله تعالى: {أية : وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } تفسير : [الأعراف، الآية 202] محققٌ لقاعدة أهلِ الحقِ من أن جميعَ الأشياء مستندةٌ من حيث الخلقُ إليه سبحانه، وإن كانت أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم. والمعتزلةُ لمّا تعذر عليهم إجراءُ النظم الكريم على مسلكه نكَبوا إلى شعاب التأويل، فأجابوا أولاً بأنهم لما أصرّوا على كفرهم خذلهم الله تعالى ومنعهم ألطافَه، فتزايد الرَّيْنُ في قلوبهم فسُمِّي ذلك مدداً في الطغيان، فأُسند إيلاؤه إليه تعالى، ففي المسند مجازٌ لغوي، وفي الإسناد عقلي، لأنه إسناد للفعل إلى المسبِّب له، وفاعله الحقيقي هم الكفرة، وثانياً بأنه أريد بالمد في الطغيان تركُ القسر والإلجاء إلى الإيمان كما في قوله تعالى: {أية : وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام، الآية 110] فالمجاز في المسند فقط، وثالثاً بأن المراد به معناه الحقيقي وهو فعل الشيطان، لكنه أُسند إليه سبحانه مجازاً، لأنه بتمكينه تعالى وإقداره.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أى: يُحَسِّن فى أعينهم قبائح أفعالهم.
البقلي
تفسير : { ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} اي يتركهم على ما هم عليه ولا يهديهم اليه وايضاً يريهم الاعمال ويحرم عليهم الاحوال وقيل يُحَسَّنُ في اعينهم قبائح افعالهم.
الطوسي
تفسير : الاعراب: الله: رفع بالابتداء وخبره: يستهزىء بهم المعنى: والله تعالى لا يجوز عليه حقيقة الاستهزاء لأنها السخرية على ما بيناه ومعناها من الله هو الجزاء عليها وقد يسمى الشيء باسم جزائه كما يسمى الجزاء باسم ما يستحق به كما قال تعالى: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : وقال: {أية : ومكروا ومكر الله} تفسير : وقال: {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا} تفسير : والأول ليس بعقوبة والعرب تقول: الجزاء بالجزاء. والأول ليس بجزاء (والبيت الاول شاهد بذلك) (؟) وقيل إن استهزاءهم لما رجع عليهم جاز أن يقول عقيب ذلك: {الله يستهزىء بهم} يراد به ان استهزاءهم لم يضر سواهم وانه (دبر) عليهم واهلكهم. يقول القائل: أراد فلان أن يخدعني فخدعته: أي دبر علي امراً فرجع ضرره عليه. وحكي عن بعض من تقدم أنه قال اذا تخادع لك انسان ليخدعك فقد خدعته وقيل ايضاً: إن الاستهزاء من الله: الاملاء الذي يظنونه إغفالا وقيل: إنه لما كان ما اظهره من اجراء حكم الاسلام عليهم في الدنيا بخلاف ما أجراه عليهم في الآخرة من العقاب وكانوا فيه على اغترار به كان كالاستهزاء وروي في الاخبار أنه يفتح لهم باب جهنم، فيظنون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فاذا انتهوا إلى الباب، ردتهم الملائكة حتى يرجعوا، فهذا نوع من العقاب، وكان الاستهزاء، كما قال الله تعالى: {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} تفسير : وقوله {يمدهم} حكي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: معناه يملي لهم بأن يطوّل أعمارهم، وقال مجاهد: يزيدهم وقال بعض النحويين يمدهم كما يقولون نلعب الكعاب: أي بالكعاب وحكي أن مد وأمدَّ لغتان، وقيل مددت له وأمددت له يقال مد البحر فهو ماد، وأمد الجرح فهو ممد قال الجرمى: ما كان من الشر فهو مددت وما كان من الخير فهو أمددت، فعلى هذا، إن اراد تركهم، فهو من مددت واذا أراد اعطاءهم يقال أمدهم، وقرىء في الشواذ: ويمدهم ـ بضم الياء. وقال بعض الكوفيين كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو مددت ـ بغير ألف ـ كما يقولون مد النهر ومده نهر آخر، فصار منه اذا اتصل به، وكل زيادة حدثت في الشيء من غيره فهو أمددت ـ بألف ـ كما يقال أمد الجرح لأن المدة من غير الجرح، وأمددت الجيش. واقوى الاقوال أن يكون المراد به نمدهم على وجه الاملاء والترك لهم في خيرهم، كما قال: { أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} تفسير : وكما قال: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} يعني يتركهم فيه. والطغيان: الفعلان من قولك طغى فلان يطغى طغياناً، اذا تجاوز حده، ومنه قوله: {أية : كلا إن الإنسان ليطغى} تفسير : أي يتجاوز حده، والطاغية: الجبار العنيد، وقال أمية بن أبي الصلت: شعر : ودعا الله دعوة لات هنا بعد طغيانه فظل مشيرا تفسير : يعني لاهنا. ومعناه في الآية: في كفرهم يترددون. والعمه: التحير. يقال: عمه يعمه عمها فهو عمه وعامه: أي حائر عن الحق، قال رؤبة: شعر : ومهمه اطرافه في مهمه أعمى الهدى بالحائرين العُمه تفسير : جمع عامه، فان قيل: كيف يخبر الله أنه يمدهم في طغيانهم يعمهون، وانتم تقولون: إنما أبقاهم ليؤمنوا لا ليكفروا، وانه أراد منهم الايمان دون الكفر؟ قيل معناه: أنه يتركهم وما هم فيه لا يحول بينهم وبين ما يفعلونه، ولا يفعل بهم من الألطاف التي يؤتيها المؤمنين، فيكون ذلك عقوبة لهم واستصلاحاً. ونظير ذلك قول القائل لأخيه، اذا هجره أخوه متجنياً عليه، اذا استعتبه فلم يراجعه: سأمد لك في الهجران مداً يريد سأتركك وما صرت اليه تركا ينبهك على قبح فعلك لا أنه يريد بذلك أن يهجره أخوه، ولكن على وجه الغضب والاستصلاح والتنبيه
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قوله تعالى: ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ ذكروا في تأويل نسبة الاستهزاء إليه تعالى حيث لا ينفك معناه عن التلبيس - وهو على الله محال - وعن الجهل لقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [البقرة:67]. والجهل على الله محالٌ، وجوهاً خمسة: أحدها: إنّه من باب صنعة المشاكلة. فسمّي ما يفعله الله جزاءً لاستهزائهم، استهزاءً، كما في قوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى:40]. وقوله: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة:194]. وفي الحديث عنه (عليه السلام) أنه قال: تكلّفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يملّ حتى تملّوا وأنه قال (عليه السلام) ايضاً اللهم إنّ فلاناً هو يعلم أنّي لست بشاعرٍ فاهجه اللهم والعنه عددَ ما هجاني. وثانيها: إنّ ضرر استهزائهم راجعٌ اليهم غير ضائر بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم. وثالثها: إن آثار الاستهزاء من الهوان والحقارة لحقت بهم من الله، فذكر اللازم وأُريد به الملزوم تجوّزاً. ورابعها: إن الله ينعّمهم في الدنيا بأنواع النعم، ويظهر عليهم منه تعالى خلاف ما يفعل بهم في الآخرة، كما انهم أظهروا للنبي (صلّى الله عليه وآله) أمراً كان الحاصل معهم في السر خلافه، وفيه نظر. وخامسها: إنه تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ، أما في الدنيا فلأنه يطلع الرسول (صلّى الله عليه وآله) على أسرارهم، مع أنهم بالَغوا في كتمانها عنه، ويُجري عليهم أحكام المسلمين، ويستدرجهم من حيث لا يشعرون، ويُمهلهم مدة في النعمة والتمادي على الطغيان. وأما في الآخرة، فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنَّة والكافرون النارَ، فتح الله تعالى من الجنة باباً الى الجحيم الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب المفتوح، أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجّهون الى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصَلوا الى باب الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، فذاك قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين:34]. وهذا هو الاستهزاء. وإنما استؤنف الكلام ولم يعطف، ليدل على أن الله تعالى هو الذي يتولّى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين الى أن يعارضوهم باستهزاء مثله، وللإشعار بأن استهزاءهم بالمؤمنين لا يعبأ به في مقابلة ما يفعل الله بهم. وإنما لم يقل: "الله مستهزئ بهم" ليطابق قولهم، لأن المضارع يفيد الحدوث وقتاً فوقتاً، والتجدد حيناً بعد حين، وهكذا كانت نكايات الله فيمن سلك النفاق وباع آخرته بالدنيا، كما قال: {أية : أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} تفسير : [التوبة:126]. وأيضاً، فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتّك أستارهم، وتكشّف أسرارهم، واستشعار خوف وحذر من أن يرد عليهم عذاب، أو تنزل فيهم آية تفضحهم كما قال: {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} تفسير : [التوبة:64]. بصيرة إعلم أن للإيمان مراتب متفاوتة في الكمال والنقص، فَرُبّ مؤمن يكون له من المعرفة بالله وباليوم الآخر، ما لا يمكن له إظهاره وكشفه للمؤمنين؛ كما لا يمكن للكافرين، فهو يُداري مع الطرفين، ويعمل على التقيّة في الجانبين، فيتكلّم مع كل منهما على قدْر عقولهم، وهو مع الله لا يبرح ناظراً في عباده بعين الرضا، وهذا ضربٌ من النفاق، لكنّه غير مذموم، بل واجب كما دلّ عليه قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : كَلّموا الناسَ عَلى قدْرِ عُقولِهم . تفسير : قال بعض العرفاء: إعلم أنّ الإنسان ذو وجهين: وجهٌ الى ذاته، ووجهٌ الى ربّه، ومع أي وجه توجّه غابَ عنه وجهُه الآخر، وكلّ منهما غير وجه ربِّك ذِي الجَلالِ والاكْرامِ، فكل مِن وجهيه هالكٌ داثرٌ إذا لم يستحكم علاقته مع وجه ربّه، فإذا انقلب إليه، فني عنه وجهُه فصار غريباً في الحضرة، يستوحش فيها، ويطلب وجهَه الذي كان يأنسه به فلا يجده، فيبقى في عذاب وحسرة. وأما إذا استحكمت علاقتُه مع الحق تعالى، فإذا توجّه الى وجه ربه؛ أقبل عليه ولم يكن له مؤنسٌ سواه، ولا مشهودٌ إلا إيّاه، فصار الحق له وجهاً وسمعاً وبصراً، ففرِح لبقائه وعاد الأنس الأعظم، ويتذكّر الأنس الماضي به، فيزيد أنسا الى أنس، ويرى عنده وجهَ ذاته ولا يفقده، لأنه أصله، فيجمع بين الوجهين في صورة واحدة، فيجد الأنس لاتّحاد الوجهين فيعظم السرور والابتهاج، وهذه حالة جمعية برزخيّة، لكونها جمعت بين الطرفين، فمن جمَع بينهما في الدنيا، حرم ذلك في الآخرة كالمنافق، فإنه يريد أن يكون برزخاً جامعاً بين المؤمن والكافر، فإذا انقلب، تخلّص الى أحد الطرفين وهو طرفُ الكفر، إذ لم يستحكم علاقَته بالإيمان، ولم يتخلص له؛ فلو تخلّص هنا الى الإيمان ولم يكن برزخاً، كان إذا انقلب، انقلب الى الله كما ذكرناه من جمعه بين الطرفين، فاحذر ها هنا من صفة النفاق فإنها مهلكةٌ، ولها في سوق الآخرة نفاق اقتضى ذلك الموطن، وما أُخذ المنافق ها هنا إلا لأمر دقيق لا يشعر به كثير من العلماء، وقد نبّه الله لمن ألقى السمع وهو شهيد، وذلك انّ المنافقين ها هنا: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} تفسير : [البقرة:14]، لو قالوا ذلك حقيقة لسعدوا. لكنهم قالوا لا عن حقيقة واعتقاد. {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة:14]، لو قالوا ذلك وسكتوا ما أثّر فيهم الذمّ الواقع. وانما زادوا: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة:14] فشهدوا على أنفسهم انهم كانوا كافرين. فما أُخذوا إلاّ بما أقرّوا به، إذ بناء المؤاخذة والعذاب على ضَرْب من الاستعداد والشعور به، وبه تتمّ الحجة لله. وإلا لو أنّهم بقّوا على صورة النفاق من غير زيادة في البغي وتمادٍ في العصيان، لسعدوا. ألاَ ترى الله لما أخبَر عن نفسه في مؤاخذته إيّاهم كيف قال: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}، فما أخذهم بقولهم: {أية : إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة:14]، وانما أخذهم بما زادوا على النفاق. وهو قوله: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة:14]. وما عرّفك الله بالجزاء الذي جازىٰ به المنافق، إلا لتعلم من أين أُخذ حتى تجتنب موارد الهلاك. وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ مداراة الناس صدقةٌ، فالمؤمن يداري الطرفين مداراة حقيقية ولا يزيد على المداراة، بخلاف المنافق، فإنّه يجني ثمرة الزائد - كان ما كان - فتفطّن. فقد نبهّتك على سرّ عظيم من أسرار القرآن وهو واضح ووضوحه أخفاه، وانظر في صورة كل منافق تجده ما أُخذ إلا بما زاد على النفاق، وبذلك قامت عليه الحجة، ولو لم يكن كذلك، لحُشر على الأعراف مع أصحاب الأعراف. والمؤمن المداري منافقٌ، وهو ناجٍ، وهو فاعلُ خيرٍ، فإنه إذا انفرد مع أحد الوجهين أظهر له الاتحاد ولم يتعرّض لذكر الوجه الآخر الذي ليس بحاضر معه، فإذا انقلب الى الوجه الآخر كان معه أيضاً بهذه المثابة، والباطن في الحالتين مع الله، فإن المقام الإلٰهي هذه صورته، فإنه لعباده بالصورتين، فنزّه نفسه وشبّه، فالمؤمن الكامل بهذه المثابة، وهذا عين الكمال، فاحذر من الزيادة، وكن متخلّقاً بأخلاق الله. وقد قال تعالى مُمْتناً على رسوله (صلّى الله عليه وآله): {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تفسير : [آل عمران:159]. واللّين: خَفْضُ الجناح والمداراة ألا ترى الى الحق تعالى يرزق الكافر على كُفره ويمهل له في المؤاخذة عليه؟ وقال عزّ وجلّ لموسى وهارون في حقّ فرعون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} تفسير : [طه:44]. وهذا عين المداراة. ومن هذا المقام: قوله جل اسمه: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (15) في الكشّاف: من مدّ الجيش وأمدّه: إذا زاده، وألحقَ به ما يقوّيه ويكثّره، وكذلك مدّ الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها، ومددت السراج والأرض، اذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومدّة الشيطان في الغيّ وأمدّه: إذا واصَله بالوسواس حتى يتلاحق غيّه ويزداد انهماكاً فيه وقال بعضهم: مدّ يستعمل في الشر، وأمدّ في الخير، قال الله تعالى: {أية : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} تفسير : [مريم:79]. وقال في النعمة: {أية : وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [الإسراء:6]. وقال: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [المؤمنون:55]. ومن الناس من زعم انه من المدّ في العمر والإملاء والإمهال ويخدشه أمران: قراءة ابن كثير وابن محيص: وَيُمِدُّهم، وقراءة نافع: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف:202] فإنه يدل على أنّه من المدد دون المدّ، وكون الذي بمعنى "أمهله" إنما هو "مَدّ له" كـ "أملى له". والطغيان، هو الغلوّ في الكفر وتجاوُز الحد في العتوّ، قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} تفسير : [الحاقة:11]. أي: جاوز قدره. وقال: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} تفسير : [طه:24]. أي أسرف. وقُرئ: طِغيانهم "بالكسر". والعَمهُ: كالعمى، لكنه عامّ في البصر والرأي والعمَه في الرأي خاصّة، وهو التردد والتحيّر. وعند المعتزلة لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه: أحدها: انّه اضيف مثل هذا الفعل الى الشيطان في قوله: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف:202]. فكيف يضاف الى الله؟ وثانيها: أن الله ذمّهم على هذا الطغيان، فكيف يذمهم الله على ما هو فِعلٌ له بالحقيقة؟ وثالثها: أنه لو كان فِعلاً له، لبطلت النبوة والإنذار، وبطلت فائدة نزول القرآن، فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً. ورابعها: أنه أضاف إليهم الطغيان بقوله: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، فدلّ على أنه ليس مخلوقاً لله، ومصداقه انّه حين اسند المدّ الى الشياطين، اطلقَ "الغيّ" ولم يقيده بالإضافة اليهم في قوله: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف:202] فذكروا للآية تأويلات اعتزالية: الأول: لما منحهم الله تعالى الطاقة التي يمنحها المؤمنين، وخذَلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، وسدّ على أنفسهم طرق التوفيق، فتزايدت بسببه قلوبهم رَيناً وظلمة، كما تزايدت قلوب المؤمنين انشراحاً ونوراً، وهذا تأويل الكعبي وأبي مسلم الإصفهاني. الثاني: انّه لما مكّن الشيطان من إغوائهم وخلّى بينه وبين إغواء عباده، فزادهُم طغياناً، اسند ذلك إليه تعالى إسناد الفعل الى المسبب، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهّم أنّ إسناد الفعل إليه على الحقيقة. والثالث: أن يحمل على منع القسر والإلجاء، كما قيل: السفيه متى لم يُنه فهو مأمور. والرابع: أن يكون يمدّهم معناه: يمد عمرَهم وهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون. أقول: جميع ما ذكروه في الاشكال والتأويل ضعيف قاصر عن الصواب، أما الوجوه المذكورة في الإشكال، فالجواب عن الأول منها: أنّ نسبة كل فعلٍ الى مصدَره المباشِر، غير نسبته الى المبدإ الفيّاض، والله خالق كلّ شيء ومع هذا ينسب البعض الى غيره، كالإحراق الى النار، والتبريد الى الماء، والإضاءة الى الشمس، والمطَر الى السماء، أوَلاَ ترى انّه نَسب الإضلال الى الشيطان في مواضع من القرآن، ثمّ قال: {أية : وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} تفسير : [الجاثية:23]. وقوله: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} تفسير : [الزمر:23]. وكذا نسب الوسواس الى الشيطان في قوله: {أية : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس:5]. وكذلك الهداية منسوبة اليه في آيات كثيرة مثل قوله: {أية : وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [البقرة:213]. وقد ينسب الى غيره كما في مثلِ قوله: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف:181]. وكذا نسب التوفّي تارةً الى مَلَك الموت كما في قوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة:11]. وتارة الى نفسه مثل قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42]. وكذا في كثير من النظائر. فليكن ها هنا من هذا القبيل. والوجه في الجميع واحدٌ كما سنذكره. وعن الثاني: أنّ الذم في الفعل القبيح يرجع الى المباشِر: لانفعاله به وتأثّره عنه، ولا يرجع الى فاعل الكل، لتقدّسه وبراءته عن الانفعال والتغيّر، ولكونه يفعل الأشياء لأجل الخير والحكمة والرحمة الواسعة، من غير أن يعود إليه خيرها أو شرّها. ومما يبيّن ويحقّق هذا، أنّ نسبة السواد مثلاً الى الفاعل الموجِد له، آكد وأشدّ من نسبته الى القابل لأن نسبته الى الفاعل بالإيجاب والإقتضاء، ونسبته الى القابل بالإمكان والصحّة، ومع ذلك لا يقال لموجِد السواد: إنه أسود، كما يقال لقابله، وذلك لوجود التأثر والانحصار ها هنا دون هناك، وكذا لا يطلق على موجِد اللون والطعم الصابغ والطاعم بالمعنى الذي يطلق على المباشِر. فلا يقال للباري: إنه صبّاغ مع أنه موجِد جميع الأصباغ والألوان على أحسن الوجوه، كما في قوله: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} تفسير : [البقرة:138]. وكذا لا يقال للباري جل اسمه: إنه نجّار أو بنّاء بالمعنى الذي يقال للإنسان، وذلك لأنه يفعل النجر والبناء على وجه أعلى وأشرف مما يفعله النجّار والبنّاء، لأن الفعل وقع منهما على سبيل المباشرة، ومنه تعالى على وجه الابداع والعناية. ومثال ما ذكرناه النفس الإنسانية، فإنّها على بيّنة من ربّها، من عرفها فقد عرف ربه، أوَلاَ ترى انّ النفس مع تجرّدها ووحدتها، وكونها من عالَم علوي، تفعل في البدن جميع الأفاعيل المنسوبة في غيره من الأجساد النباتية والجماديّة الى القوى الجسمانية، مثل الهضم والطبح والنضج، ودفع الفضلات وسائر الاستحالات، وسائر الأفاعيل الجمادية والنباتية، ومع ذلك ليست بجماد ولا نبات؟ وكذلك تلمس وتشمّ وتذوق وليست لامسة ولا شامّة ولا ذائقة، بل هي خارجة عن عالَم البصر والسمْع، بل عن عالم التخيّل والوهم، ولا يخلو عنها عضو من الأعضاء وقوة من القُوى. وهناك يظهر معنى قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : إنه فوق كل شيء وتحت كل شيء، قد ملأ كل شيء عظمتُه، فلم يخلُ منه أرض ولا سماء، ولا بَرّ ولا بحر ولا هواء، هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء؛ وهو الظاهر ليس فوقه شيء وهو الباطن ليس دونه شيء، فلو دلى على الأرض السُّفلى لهبط على الله . تفسير : وسر قول أمير المؤمنين (عليه السلام): هو عين كل شيء لا بمزاولة وغير كل شيء لا بمزايلة. وعن الثالث: ما مر أن فائدة البعثة والإنزال ترجع الى اهل الإيمان بالتنوير والتكميل لقلوبهم الصحيحة، والى المنافقين بتنقية قلوبهم المريضة والتبعيد والطرد لهم، وتبليغ الحجة عليهم، كما أنَّ فائدة ضوء الشمس إنما ترجع الى العيون السليمة، ولا تزيد الخفافيش إلا فراراً ووحشة ونفوراً، ثم تكون عليهم حسرة وعلى نفورهم حجة. وعن الرابع: بمثل ما مرّ. وأما الوجوه التي ذكروها في التأويل، فالجواب عن أولها: أنه إذا اعيد السؤال بأنه ما السبب المرجّح في تخصيص اللطف منه تعالى للمؤمنين والمنع له عن المنافقين، مع أن اللطف واجبٌ عليه تعالى على اصولهم بالنسبة الى الجميع؟ فإن أجابوا عنه بأن سبق الكفر والإصرار أوجب ذلك من الله عليهم، فلقائل أن يقول: ما الباعث لهؤلاء على الكفر والإصرار دون المسلمين، مع تساوي غرائزهم وفِطَرهم، وتساوي نسبة اللطف والإنذار والتخويف والإرشاد والنصيحة وجميع ما هو من قِبَل الله وآياته وكُتبه ورُسله لهم ولغيرهم؟ فلم يبقَ لهم مهربٌ إلا الرجوع الى الأمور الإلٰهية، من اختلاف الغرائز بسحب الفطرة الأولى، وأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة، وأن الشقيَّ منهم شقيٌّ في الأزل، والسعيد منهم سعيد لم يزل، كما قال تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ... خَالِدِينَ} تفسير : [هود:105 - 107]. الآية. وعن ثانيها: أنَّ تمكين الشيطان من إغوائهم، والتخلية بينه وبينهم دون غيرهم، مع أن الكل عباد الله محتاجون الى رحمته في الدنيا والآخرة، ينافي أصولَهم، كوجوب الألطاف، واستحالة الترجيح من غير مرجّح، وفيه من النظر والجواب ما مرّ. وعن ثالثها: أن تفسير الإمداد في العمىٰ والطغيان بعدم القسر والإلجاء على فعل الخير والطاعة، في غاية البُعد، فلا يُصار إليه من غير ضرورة، ولا ضرورة ها هنا كما علمت. وعن رابعها: انه بعيد من وجهين: الأول: عدم مساعدة اللغة كما مر من أن تفسير يمدهم بالمد في العمر، خطأ. والثاني: انه على تقدير صحته من جهة اللغة يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون، فيعود الإشكال.. وأجاب بعضهم - كالقاضي - عن ذلك بأنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه يُبقيهم ويلطف لهم في الطاعة فيأبَون إلا أن يعمهوا. وقد علمت أنّ مثل هذا الكلام في اختلاف صُنع الله مع عباده مع تساوي الكل في الغرائز والفِطَر في قبول اللطف من الله، لا يفي بدفع الإشكال على من التزم المحافظة على قضايا العقل التي عليها، يعني إثبات الواجب تعالى، وإثبات الشريعة فلا بد للعاقل في دفع هذا ونظائره إما الى الرجوع الى مسلك أهل الله والراسخين في العلم، حتى ينكشف عليه سر المقال وحقيقة الحال، وإما الى صريح مخالفة العقل وإنكار الحكمة، والقول بالسبب والعلة والغاية، وأنه سبحانه بحيث لا يُسئل عما يفعل - تعالى عن فعل المجانين والسفَه والتعطيل كما زعموا علواً كبيراً-. إضاءة واشراق قال الشيخ العارف في الفتوحات: "اعلم أن الكل من عند الله، ولكن لما تعلّق ببعض الأفعال لسان ذمّ، فما كان في الأفعال من باب شرّ وقبح فدَينا بنفوسِنا ما ينسب الى الحق من ذلك، وقايةً وأدباً مع الله. وما كان من خير وحُسن رفعنا نفوسَنا من البين وأضفنا ذلك الى الله، حتى يكون هو المحمود بكل ثناء. أدباً مع الله وايقاعاً لحقوقه. فإنه لله بلا شك مع ما فيه من الاشتراك، كما دل عليه قوله: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات:96]. وقوله: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} تفسير : [النساء:79]. مع قوله: {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء:78]. فأضاف العمل وقتاً إلينا، ووقتاً إليه، فلهذا قلنا: فيه رائحة اشتراك. قال تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة:286]. فأضاف خيرَنا وشرنا إلينا. وقال: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس:8]. فله الإلهام وقد خلق العمل. فهذه مسألة لا يتخلّص فيها توحيد أصلاً، لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر، فالأمر الصحيح من ذلك، انّه مربوطٌ بين حقّ وخلق، غير مخلص لأحد الجانبين، فإنه على ما يكون من النسب الإلٰهية أن يكون الحق عين الوجود الذي استفادته الممكنات، فما ثمَّ إلا وجود عين الحق، والتغيّرات الظاهرة في هذه العين، أحكام أعيان الممكنات، فلولا العين ما ظهر الحكم، ولولا الممكن ما ظهر التغيير، فلا بد في الأفعال من حق وخلق". انتهى كلامه. أقول: ليس مراده "قدس سره" من قوله: "فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك" انه يعتقد أن فاعل أفاعيل العباد مركّب من أمرين: حق وخلْق، وكذا قوله: "فهذه مسألة لا يتخلّص فيها توحيد أصلاً" الى قوله: "غير مخلص لأحد الجانبين"، ليس المراد ما تُوهِمه ظاهرُ العبارة، وكذا ما ورد في أحاديث أئمتنا الأطهار (عليهم السلام) "إنّه أمرٌ بين أمرين" ليس المعنى ما توهَّمه المحجوبون: أنّ الفعل واقعٌ بين الرب والعبد غير مخلَص لأحدهما، كيف وهذا شِرك محض، وظلمٌ عظم يخالِف البرهان والكشفَ والنقلَ عن أئمتنا (عليهم السلام)، بل مقصوده "قدس سره" ممّا ذكره، ومرادهم (عليهم السلام)، من قولهم بأنه أمرٌ بين أمرين: ان الأفعال كلها مخلوقةٌ لله تعالى من غير اشتراك أصلاً؛ وكذا الفعل الصادر عن العبد، هو بعينه صادرٌ عن الحق من غير اشتراك، بل لأن وجود العبد بعينه شأن من شؤون الله، وقد ذكرنا فيما مرّ أن للفعل نسبةً الى الفاعل المزاول، وله بعينه نسبةً الى الفاعل المفارق، والذمائم والنقائص في الأفعال، راجعة الى نسبة المزاول لا نسبة المفارق، والمذكور ها هنا أدق وأعلى في التحقيق، وأغمض وأدق في المسلك، لا يفهمه إلا ذو بصيرة ثاقبة، وكشف تام، ويدٍ باسطة في الغيب. فالفعل، من حيث هو واقع بقدرة العبد، واقع بعينه بقدرة الله بلا اشتراك، تعالى الله عنه علواً كبيراً، وهذا هو مراده "قدس سره" من الاشتراك لا غير، حاشاه عن ذاك وسائر الأولياء الموحدين، ناهيك به قوله: فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلٰهية أن يكون الحق هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات، ثمّ قال: وفي مذهب بعض العامة، أن العبد محل ظهور أفعال الله وموضع جريانها، فلا يشهدها الحسّ إلا من الأكوان ولا يشهدها ببصيرتهم إلا من الله من وراء حجاب، هذا الذي ظهرت على يدي المريد لها، المختار فيها، فهو لها يكتسب باختياره. وهذا هو مذهب الأشاعرة. ومذهب بعض العامة؛ أنّ الفعل للعبد حقيقة، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق والخلق لا يزول، وإنّ هؤلاء يقولون: القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل، أنّ الله خلَق له القدرة عليها، فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلَق الله فيه من القدرة عليه، فما زال الاشتراك، وهذا مذهب أهل الاعتزال، فهؤلاء ثلاثة: أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة ما زال منهم وقوع الاشتراك، وهكذا أيضاً حكم مثبتي العلل، لا يتخلّص لهم اثبات المعلول الذي لعلّته التي هي معلولة لعلة اخرى فوقها الى أن تنتهي الى الحق في ذلك الذي هو عندهم علة العلل، فلولا علة العلل، ما كان معلول عن علة، إذ كل علة دونه معلولة، والاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء وما عدا هؤلاء الأصناف من الطبيعيين والدهريين، فغاية ما يؤل اليه أمرهم، أنّ الذي نقول نحن فيه إنه الإلٰه، يقول الدهرية: إنه الدهر، والطبيعية إنه الطبيعة، وهم لا يُخلصون الفعل الظاهر منّا دون أن يضيفوا الى الدهر أو الطبيعة، فما زال وجود الاشتراك في كل نِحْلة ومذهب، وما ثَمَّ عقلٌ يدل على خلاف هذا، ولا خبر إلٰهي في شريعة يُخلص الفعل من جميع الجهات الى أحد الجانبين فلنقرّه كما أقره الله على علم الله فيه، وما ثمَّ الا كشفٌ وعقلٌ وشرع، وهذه الثلاثة ما خلصت ولا تخلص أبداً دنيا وآخرة جزاءً بما كنتم تعملون، فالأمر في نفسه - والله أعلم - ما هو إلا كما وقع ما يقع فيه تخليص، لأنه في نفسه غير مخلص، إذ لو كان في نفسه ملخصاً لا بد أن كان يظهر على بعض الطوائف، ولا يتمكّن لنا أن نقول: الكل على خطأ. فإن في الكل الشرائعُ الإلٰهية، ونسبة الخطأ اليها محال، وما يخبر الأشياء على ما هي عليه الا الله، وقد أخبر، فما الأمر إلا كما أخبر، فاتّفق الحق والعالَم في هذه المسألة على الاشتراك، فهذا هو الشرك الخفي والجلي وموضع الحيرة، انتهى كلامه. أقول: حاشا الجناب الإلٰهي عن الشرك في الأفعال، كما حاشاه عن الشرك في الذات والصفات، بل الأمر ما قررناه وذكرناه مراراً، وما نقله من اولئك الطوائف، فصادقٌ أنّ فيها دلالة على الاشتراك، لكن قوله: "فما زال وجود الاشتراك في كل نِحْلة ومذهب وما ثمَّ عقل يدل على خلاف هذا ولا خبر إلٰهي في شريعة" الى آخره، غير موجه بظاهره ولا مسلّم، فها هنا مذهب أولياء الله الموحدين، الذين لم يروا في الوجود إلا الله وأسماءه وأفعاله. وأما الخبر الإلٰهي، وهو المشار اليه في مثل قوله: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة:286] وما جرى مجراه، فالمراد منه ما يوافق مسألة التوحيد الخاصي، لا ما هو الظاهر، على ما يستفاد من مثل قوله تعالى: {أية : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} تفسير : [الأنفال:17] وقوله: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة:14] وليس المراد أنّ الحق والعبد متشاركان في الفعل، ولا أنّ العبد بمنزلة الآلة كالسيف القاطع للحق، أو اليد الضاربة له، لاستغنائه عن الآلة في فعله، ولا أنّ العبد علة متوسطة بين الباري وفعل العبد، كما زعمه الظاهريون من الفلاسفة، وما يجري مجراهم في إثبات الوسائط في الإيجاد، ولا ما زعمه الخاصون منهم، كأتباع الرواقيين، من أن الوسائط شروط مُعِدّة لا دخل لها في الإيجاد بل في الإعداد، بل الحق في هذه المسألة مما لا يُدرَك إلا بنور البصيرة المستفاد من عالَم الملكوت لمن انفتحت كِلا عينيه، عينه اليُمنى لمشاهدة فعل الحق، وعينه اليُسرى لمشاهدة الخلْق، فيشاهد فعلَ الحق في عين يشاهد فعل الخلق فيتحقق له سر قوله: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال:17]. وسر قوله: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. ومعنى قوله: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الأنفال:21]. مع كونهم سمعوا. فانظر الى هذا الذم كيف أشبه غاية الحمد فيمن كان الحق سمعه وبصره، فمن كان الحق سمعه، فقد سمع ضرورة، إلا انه لم يسمع الا به، فهو سامع لا بنفسه بل به، ومن لم يكن كذلك، فهو سامع بنفسه لا بالحق، فوقع الذم عليه والمدح على الأول، مع أن الفعل في كل منهما لا يصدر إلا من شخص امكاني. وهذا التفاوت فيهما راجعٌ الى الشهود وعدمه دون الوجود، إذ الوجود في الواجب كما هو هو، كان لم يزل ولا يزال، وفي الممكن كما هو هو في التجدد والزوال، وكلمة "كنت" في الحديث الإلٰهي "حديث : فإذا أحببتُه كنتُ سمعه" تفسير : الى آخره، تدل على أن الأمر كان على هذا وهو لا يشعر، وكانت الكرامة التي أعطاها هذا التعريف، الكشف والعلم، بأن الله كان سمعه، فهو كان يتخيل انه يسمع بسمعه، وهو يسمع بربه، كما كان يسمع الإنسان في حال حياته بروحه وهو يظن انه يسمع باذنه الغُضروفي لجهله؛ وفي نفس الأمر إنما يسمع بربه، فالحق يسمع كلامه بالسمع المعنوي دون غيره من غير تجدد ولا زوال في حقه، وإن كانت الحروف والأصوات متجددة زائلة، وكذا الكلام في البصر والكلام والقدرة وغير ذلك، ولنمسك عنان الكلام عن زيادة التجوال في هذا المقام، ولنرجع الى ملاحظة كلام الله المُفْضِل المُتَعال.
الجنابذي
تفسير : معنى قوله تعالى {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} يجازيهم جزاء استهزائهم او يهينهم او يفعل بهم ما يشابه الاستهزاء، او الاتيان بالاستهزاء من باب صنعة المشاكلة ولم يأت بأداة العطف لعدم المناسبة بينه وبين ما قبله فالجملة امّا مستأنفة جواباً عن سؤالٍ مقدّرٍ او دعاء عليهم ويحتمل ان تكون حالا عن فاعل قالوا ولم يقل: الله مستهزئ بهم، ليكون المقابلة اتمّ لانّ نشاطهم فى الاخبار بالاستهزاء كما يقتضى ان يبالغوا فى تأكيد الحكم يقتضى ان يخبروا انّ الاستهزاء بالمؤمنين صار سجيّة لهم او كالسجيّة فى الثّبات والاستمرار بخلاف اخبار الله بالاستهزاء بهم فانّه ليس فى اخباره نشاط له تعالى وليس استهزاؤه باىّ معنى كان من صفاته الثّابتة له بالذّات فضلاً عن ان يكون الّتى هى عين الذّات بل هو من شعب القهر الثّابت له بالعرض ولا يكون الاّ فى عالم الطبع وما دونه من عالم الارواح الخبيثة، والتجدّد ذاتىٌّ لعالم الطّبع وكلّما فيه فهو متجدّد بتجدّده وفى اخباره تعالى بتجديد الهوان اخبارٌ بتشديد الهوان {وَيَمُدُّهُمْ} من المدد او المدّاى يمدّ قواهم ويقوّيها ويزيد فيها، او يمدّ لهم فى عمرهم وامهالهم وهذا بيانٌ للاستهزاء بهم {فِي طُغْيَانِهِمْ} ظرف لغو متعلّق بما قبله او بما بعده او مستقرّ حالاً او مستأنفاً بتقدير مبتدأ جواباً لسؤال مقدّر والطّغيان تجاوز الشيئ عن حدّه اىّ شيئ كان وحدّ الانسان انقياده تحت حكم العقل الّذى يبيّنه نبىّ وقته فمن تجاوز عن هذا الحدّ كان طاغياً {يَعْمَهُونَ} يتحيّرون، والعمه هو التحيّر فى الآراء فانّ نسبته الى البصيرة كنسبة العمى الى البصر وهو حال او مستأنف.
اطفيش
تفسير : {وَيَمُدُّهُمْ}: يزيدهم كما يقال مد الجيش وأمده إذا زاده ما يقوى به من ناس أو طعام أو سلاح، وم الدواة وأمدها إذا زادها ما تصلح به من ماء أو مداد، ومد السراج وأمده زاده زيتاً، ومد الأرض وأمدها زادها سماداً أو خلطها به من قبل أن يكون فيها شىء منه، وأمده الشطيان ومده فى الغى إذا زاد فى وسوسته، كل ذلك الهمزة وتركها بمعنى واحد، وأكثر ما يأتى مد بلا همزة فى الشر، وأمد بهمزة فى الخير والمعنى يزيدهم. {فَى طُغْيَانِهِمْ}: ما يقوى به طغيانهم، وليس من المدد الذى هو الزيادة فى العمر باللام، يقال مد له فى عمره لا بالهمزة، والذى فى الآية قد يقال فى الهمزة كما أقر ابن كثير وابن محيصن {وَيَمُدُّهُمْ فَى طُغْيَانِهِمْ} بضم الياء وكسر الميم، وقرأ نافع وإخوانهم يمدونهم بضم الياء وكسر الميم، وهما فى القراءتين من أمد بالهمزة وهى لموافقة المجرد، وإن قلت: إذا كان من الزيادة فأين مفعوله الآخر؟ قلت محذوف تقديره ما يقوى به طغيانهم، وإن قلت كيف ساغ أن يقول زادهم الله ما يقوى به طغيانهم؟ قلت: معناه خذلهم ولم يلطف بهم.وهذه قاعده أصحابنا رحمهم الله فى التفسير، وكذا الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية خلافاً للمعتزلة، فإنهم لما تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره كما تعذر علينا، لأن الزيادة فى الطغيان تقوية للكفر بحسب ظاهر الكلام، تأولوه بغير الوجه الذى تأولناه، وهو أنه لما كان خذلانه إياهم ومنع الإلطاف عنهم سبباً فى كفرهم وإصرارهم، وفى زيادة قلوبهم ريناً وظلمة، كما كان توفيقه المؤمنين سبباً فى الإسلام وثباته، وفى زيادة قلوبهم انشراحاً ونوراً، أسند الزيادة فى الطغيان إلى نفسه، إذ كان مسبب ذلك السبب، بكسر الباء، الأولى من مسبب. والحاصل أنه لما كان تزايد طغيانهم مسبباً، بفتح الباء الأولى، خذلانه لهم أسند الزيادة إلى نفسه ولا جبر هناك، أو لما كان إغواء الشيطان إياهم إنما هو بإقدار الله - عز وجل - إياه عليه، أسند الزيادة فى الطغيان إلى نفسه، وعلى كل حال فإنما أضاف الطغيان إليهم، ولم يأت به مجرداً عن الإضافة، لئلا يتوهم أن إسناد الزيادة إلى الله تعالى على الحقيقة، وإما أن يضاف الطغيان إلى الله ونحوه من الأفعال فحرام، لأن ذلك مخلوق له لا فعل له، إنما هو فعل الناس، ويدل على أن إضافة الطغيان إليهم لما ذكر أنه لما أسند الإمداد إلى الشياطين فى سورة الأعراف لم يحتج الكلام إلى الإضافة إليهم، إذ قال يمدونهم فى الغى، ولم يقل فى غيهم، وقال مجاهد: المعنى يملى لهم فى طغيانهم، فأصل الكلام ويمد لهم حذفت اللام وانتصب محل الضمير على نزع الخافض، لأنه على تفسير مجاهد من المد فى العمر، والمد فيه يتعدى باللام كما مر، وأغنى قوله: {فَى طُغْيَانِهِمْ} عن أن يقال فى أعمارهم، لأن المد فى أعمار المخذولين بسبب الطغيان، وإنما مد فى أعمارهم ليطيعوا وينتهوا، وما ازدادوا إلا طغياناً، توصلوا إلى الطغيان بما خلق وسيلة لهم إلى الشرك، وعلى الأوجه المذكورة يتعلق فى طيغانهم بمد ويجوز تعليقه بقوله: {يَعْمَهُونَ}: على وجه آخر وهو أن المعنى يمهل لهم فى أعمارهم أو يزيدهم نعماً ليؤمنوا ويشكروا، وهم فى ذلك يعمهون فى طغيانهم، وعلى كل وجه فيعمهون حال، والطغيان، بضم الطاء، فى قراءة السبعة، والجمهور، وبكسرها فى قراءة زيد بن على لغتان كلغيان وغينان، بضم أولهما وكسرة تجاوز الحد فى العصيان والغلو فى الكفر، وأصله تجاوز الشىء عن مكانه، وقوله سبحانه:{أية : إنا لما طغى الماء حملناكم فى الجارية}،تفسير : يحتمل تجاوز الماء عادته، ويحتمل التشبيه بالعاصى وتخصيص الطغيان شرعاً بالمبالغة فى المعصية حقيقة شرعية، ويعمهون يترددون متجبرين، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام فى البصر والرأى، والعمه خاص بالرأى وهو التحير والتردد، لا يدرى أين يتوجه، يقال رجل أعمه وعمه، أى لا رأى له جازم قال رؤبة: شعر : أعمى الهدى بالجاهلين العمه ومهمه أطرافه فى مهمه تفسير : أى الجاهلين الذين يترددون ولا معرفة لهم، جمع عامه كراكع وركع، لا جمع عمه كما قيل، وأعمى الهدى خالف الهدى وجاوزه، أو هو صفة من عمه الأمر التبس، وأرض عمهاء لا منار بها يعتمد عليه الرائى فيهتدى به، وبين العمى والعمه عموم مطلق، لأنه خاص بالبصيرة، والعمى عام فيها وفى البصر، قاله الفخر كجار الله، وقال ابن عطية: إنه خاص بالبصيرة، والعمى بالبصر، فهما متباينان، ولا منافاة، فإن مراده الاختصاص والمباينة باعتبار الحقيقة، ومراد غيره بإطلاق العمى فى البصر والبصيرة الحقيقة والمجاز فإنه مجاز فى البصيرة، ولم يستعمل العمه فى البصر وإن استعمل كان مجازاً، وقيل: {يَعْمَهُونَ} يلعبون وقيل يتمادون.
اطفيش
تفسير : {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} يجازيهم على استهزائهم مرة بعد أخرى، فإن نكاية الله فيهم متعددة فى الدنيا، ولا تنقطع فى الأخرة فذلك استعارة تبعية، أو مجاز مرسل، لأن بين الفعل وجزأيه مشابهة فى القدر، ونوع تسبب مع وجود المشاكلة أو يراد إنزال الحقارة من إطلاق السبب على المسبب، ومن الاستهزاء بهم فى الآخرة، أنه يفتح باب إلى الجنة فيجىء فى قربه، حتى إذا وصله أغلق، أو يكرر ذلك حتى يفتح له، ولا يجئه كما ورد فى الحديث {وَيَمُدُّهُمْ} بطيل أعمارهم، أو يزيدهم طغيانا {فِي طُغْيَٰنِهِمْ} مجاوزتهم الحد بالكفر {يَعْمَهُونَ} يترددون، هل يبقون عليه أو يتركونه، أو هل يعكفون فيه ويلازمونه.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ} حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل الاستهزاء منه تعالى على حقيقته وإن لم يكن المستهزىء من أسمائه سبحانه، وقالوا: إنه التحقير على وجه من شأنه أن من اطلع عليه يتعجب منه ويضحك ولا استحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه ومنعه من قياس الغائب على الشاهد، وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جل وعلا حقيقة لما فيه من تقرير المستهزأ به على الجهل الذي فيه، ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب فإن كان عنده أنه ليس متصفاً بالمستهزأ به فهو لعب لا يليق بكبريائه تعالى، فالآية على هذا مؤولة إما بأن يراد بالاستهزاء جزاؤه لما بين الفعل وجزائه من مشابهة في القدر وملابسة قوية ونوع سببية مع وجود المشاكلة المحسنة هٰهنا، ففي الكلام استعارة تبعية أو مجاز مرسل، وإما بأن يراد به إنزال الحقارة والهوان فهو مجاز عما هو بمنزلة الغاية له فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظراً إلى التصور وبالعكس نظراً إلى الوجود، وإما بأن يجعل الله - تعالى وتقدس - كالمستهزىء بهم على سبيل الاستعارة المكنية وإثبات الاستهزاء له تخييلاً، ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح قصداً وله سبحانه أن يطلق على ذاته المقدسة ما يشاء تفهيماً للعباد، وقد يقال: إن الآية جارية على سبيل التمثيل والمراد يعاملهم سبحانه معاملة المستهزىء؛ أما في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم من حيث لا يعلمون، وأما في الآخرة بأن يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال: - هلم هلم - فيجىء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال: - هلم هلم - فيجىء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له باب فيقال: - هلم هلم - فما يأتيه، وقد روي ذلك بسند مرسل جيد الإسناد في/ المستهزئين بالناس، وأسند سبحانه الاستهزاء إليه مصدراً الجملة بذكره للتنبيه على أن الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه وقدرته وأنه تعالى كفى عباده المؤمنين وانتقم لهم وما أحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيماً لشأنهم لأنهم ما استهزىء بهم إلا فيه ولا أحد أغير من الله سبحانه، وترك العطف لأنه الأصل وليس في الجملة السابقة ما يصح عطف هذا القول عليه إلا بتكلف وبعد، وقيل: ليكون إيراد الكلام على وجه يكون جواباً عن السؤال عن معاملة الله تعالى معهم في مقابلة معاملتهم هذه مع المؤمنين، وقولهم: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ }تفسير : [البقرة: 14] إشعار بأن ما حكي من الشناعة بحيث يقتضي ظهور غيرة الله تعالى ويسأل كل أحد عن كيفية انتقامه منهم، ويشعر كلام بعض المحققين أنه لو ورد هذا القول بالعطف ولو على محذوف مناسب للمقام - كهم مستهزءون - بالمؤمنين لأفاد أن ذلك في مقابلة استهزائهم فلا يفيد أن الله تعالى أغنى المؤمنين عن معارضتهم مطلقاً وأنه تولى مجازاتهم مطلقاً بل يوهم تخصيص التولي بهذه المجازاة، وأيضاً لكون استهزاء الله تعالى - بمكان بعيد من استهزائهم إلى حيث لا مناسبة بينهما - يكون العطف كعطف أمرين غير متناسبين، وبعضهم رتب الفائدتين اللتين ذكرناهما في الإسناد إليه تعالى على الاستئناف مدعياً أنه لو عطف - ولو بحسب التوهم - على مقدر بأن يقال المؤمنون مستهزؤون بهم والله يستهزىء بهم لفاتت الفائدتان هذا، ولعل ما ذكرناه أسلم من القيل والقال وأبعد عن مظان الاستشكال فتدبر، وعدل سبحانه عن - الله مستهزىء بهم المطابق لقولهم - إلى قوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ} لإفادته التجدد الاستمراري وهو أبلغ من الاستمرار الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأن البلاء إذا استمر قد يهون وتألفه النفس كما قيل:شعر : خلقت ألوفاً ولو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبـي موجع القلب باكياً تفسير : وقد كانت نكايات الله تعالى فيهم ونزول الآيات في شأنهم أمراً متجدداً مستمراً {أية : أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } تفسير : [التوبة: 126] {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ }تفسير : [التوبة: 64] وهذا نوع من العذاب الأدنى {أية : وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر: 26] وصرح بالمستهزأ به هنا ليكون الاستهزاء بهم نصاً وإنما تركه المنافقون فيما حكى عنهم خوفاً من وصوله للمؤمنين فأبقوا اللفظ محتملاً ليكون لهم مجال في الذب إذا حوققوا فجعل الله تعالى كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا -. {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} معطوف على قوله سبحانه وتعالى: {يَسْتَهْزِىء بِهِمْ} كالبيان له على رأي، والمدّ من مد الجيش وأمده بمعنى أي ألحق به ما يقويه ويكثره، وقيل: مد زاد من الجنس وأمد زاد من غير الجنس، وقيل: مد في الشر وأمد في الخير عكس وعد وأوعد، وإذا استعمل أمد في الشر فلعله من باب {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [آل عمران: 21]، وقد ورد استعمال هذه المادة بمعنيين، أحدهما: ما ذكرنا، وثانيهما: الإمهال، ومنه مد العمر، والواقع هنا من الأول دون الثاني لوجهين، الأول: أنه روي عن ابن كثير من غير السبعة {يَمُدُّهُمْ} بالضم من المزيد وهو لم يسمع في الثاني، والثاني: أنه متعد بنفسه والآخر متعد باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع، فمعنى {يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} يزيدهم ويقويهم فيه، وإلى ذلك ذهب البيضاوي وغيره، والحق أن الإمهال هنا محتمل وإليه ذهب الزجاج وابن كيسان والوجهان مخدوشان، فقد ورد - عند من يعول عليه من أهل اللغة ـ كل منهما ثلاثياً ومزيداً ومعدى بنفسه وباللام وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع إلى الزيادة كماً أو كيفاً، وفي «الصحاح» مد الله في عمره ومده في غيه أمهله وطول له، / وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن مد الله تعالى في طغيانهم التمكين من العصيان. وعن ابن عباس الإملاء ونسبة المد إلى الله تعالى بأي معنى كان عند أهل الحق - حقيقة إذ هو سبحانه وتعالى الموجد للأشياء المنفرد باختراعها على حسب ما اقتضته الحكمة ورفعت له أكفها الاستعدادات، ونسبته إلى غيره سبحانه وتعالى في قوله عز شأنه: {أية : وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ }تفسير : [الأعراف: 202] نسبة التوفي إلى الملك في قوله تعالى: {أية : يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ }تفسير : [السجدة: 11] مع قوله جل وعلا: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ }تفسير : [الزمر: 42] وذهبت المعتزلة أن الزيادة في الطغيان والتقوية فيه مما يستحيل نسبته إليه تعالى حقيقة وحملوا الآية على محامل أخر، وقد قدمنا ما يوهن مذهبهم - فلنطوه هنا - على ما فيه. والطغيان بضم الطاء على المشهور، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بكسرها وهما لغتان فيه، وقد سمعا في مصدر اللقاء، وقد أماله الكسائي، وأصله تجاوز المكان الذي وقفت فيه ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فقد طغى، ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه، وإضافته إليهم لأنه فعلهم الصادر منهم بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة إنما هو بهذا الاعتبار لا باعتبار المحلية والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة ولا باعتبار الإيجاد استقلالاً من غير توقف على إذن الفعال لما يريد فإنه اعتبار عليه غبار بل غبار ليس له اعتبار فلا تهولنك جعجعة الزمخشري وقعقعته، ويحتمل أن يكون الاختصاص للإشارة إلى أن طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لادعاء اختصاصهم به وليس بالمنحرف عن سنن البلاغة. والـعمه التردد والتحير، ويستعمل في الرأي خاصة ـ والعمى فيه وفي البصر ـ فبينهما عموم وخصوص مطلق في الاستعمال وإن تغايرا في أصل الوضع، واختص العمى بالبصر على ما قيل، وأصله الأصيل عدم الأمارات في الطريق التي تنصب - لتدل من حجارة - وتراب ونحوهما وهي المنار ويقال عمه يعمه كتعب يتعب عمهاً وعمهاناً فهو عمه وعامه وعمهاء فمعنى يعمهون على هذا يترددون ويتحيرون، وإلى ذلك ذهب جمع من المفسرين، وقيل: العمه العمى عن الرشد، وقال ابن قتيبة: هو أن يركب رأسه فلا يبصر ما يأتي، فالمعنى يعمون عن رشدهم أو يكبون رؤوسهم فلا يبصرون وكأن هذا أقرب إلى الصواب لأن المنافقين لم يكونوا مترددين في الكفر بل كانوا مصرين عليه معتقدين أنه الحق وما سواه باطل إلا أن يقال التردد والتحير في أمر آخر لا في الكفر، وجملة {يَعْمَهُونَ} في موضع نصب على الحال إما من الضمير في {يَمُدُّهُمْ} وإما من الضمير في - {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} - لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل، وفي {طُغْيَـٰنِهِمْ} يحتمل أن يكون متعلقاً بيمدهم وأن يكون متعلقاً بيعمهون وجاز على خلاف كون {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} و {يَعْمَهُونَ} حالين من الضمير في يمدهم.
ابن عاشور
تفسير : {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}. لم تعطف هاته الجملة على ما قبلها لأنها جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر، وذلك أن السامع لحكاية قولهم للمؤمنين {أية : آمنا}تفسير : [البقرة: 14] وقولهم لشياطينهم {أية : إنا معكم}تفسير : [البقرة: 14] الخ. يقول لقد راجت حيلتهم على المسلمين الغافلين عن كيدهم وهل يتفطن متفطن في المسلمين لأحوالهم فيجازيهم على استهزائهم، أو هل يرد لهم ما راموا من المسلمين، ومَن الذي يتولى مقابلة صنعهم فكان للاستئناف بقوله: {الله يستهزىء بهم} غاية الفخامة والجزالة، وهو أيضاً واقع موقع الاعتراض والأكثر في الاعتراض ترك العاطف. وذكر {يستهزىءُ} دليل على أن مضمون الجملة مجازاة على استهزائهم. ولأجل اعتبار الاستئناف قُدم اسم الله تعالى على الخبر الفعلي. ولم يقل يستهزىء اللَّهُ بهم لأن مما يجول في خاطر السائل أن يقول: مَن الذي يتولى مقابلة سُوء صنيعهم فأُعلم أن الذي يتولى ذلك هو رب العزة تعالى، وفي ذلك تنويه بشأن المنتصَر لهم وهم المؤمنون كما قال تعالى: {أية : إن الله يدافع عن الذين آمنوا}تفسير : [الحج: 38] فتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوى الحكم لا محالة ثم يفيد مع ذلك قصر المسند على المسند إليه فإنه لما كان تقديم المسند إليه على المسند الفعلي في سياق الإيجاب يأتي لتقوي الحكم ويأتي للقصر على رأي الشيخ عبد القاهر وصاحب «الكشاف» كما صَرح به في قوله تعالى: {أية : والله يقدر الليل والنهار}تفسير : في سورة المزمل (20)، كان الجمع بين قصد التقوي وقصد التخصيص جائزاً في مقاصد الكلام البليغ وقد جوزه في الكشاف عند قوله تعالى: {أية : فلا يخاف بخساً ولا رهقاً}تفسير : في سورة الجن (13)، لأن ما يراعيه البليغ من الخصوصيات لا يترك حملُ الكلام البليغ عليه فكيف بأبلغ كلام، ولذلك يقال النكتُ لا تتزاحم. كان المنافقون يغرهم ما يرون من صفح النبي صلى الله عليه وسلم عنهم وإعراض المؤمنين عن التنازل لهم فيحسبون رواج حيلتهم ونفاقهم ولذلك قال عبد الله بن أبيّ: {أية : ليُخرجَن الأعزُّ منها الأَذَلَّ}تفسير : [المنافقون: 8] فقال الله تعالى: {أية : ولله العزة ولرسوله}تفسير : [المنافقون: 8] فتقديم اسم الجلالة لمجرد الاهتمام لا لقصد التقوى إذ لا مقتضي له. وفعل: {يستهزىء} المسند إلى الله ليس مستعملاً في حقيقته لأن المراد هنا أنه يفعل بهم في الدنيا ما يُسمى بالاستهزاء بدليل قوله: {ويمدهم في طغيانهم} ولم يقع استهزاء حقيقي في الدنيا فهو إما تمثيل لمعاملة الله إياهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، بما يشبه فعل المستهزىء بهم وذلك بالإملاء لهم حتى يظنوا أنهم سلموا من المؤاخذة على استهزائهم فيظنوا أن الله راضٍ عنهم أو أن أَصنامهم نفعوهم حتى إذا نزل بهم عذاب الدنيا من القتل والفضح علموا خلافَ ما توهموا فكان ذلك كهيئة الاستهزاء بهم. والمضارع في قوله: {يستهزىء} لزمن الحال. ولا يحمل على اتصاف الله بالاستهزاء حقيقة عند الأشاعرة لأنه لم يقع من الله معنى الاستهزاء في الدنيا، ويحسن هذا التمثيل ما فيه من المشاكلة. ويجوز أن يكون {يستهزىء بهم} حقيقة يوم القيامة بأن يأمر بالاستهزاء بهم في الموقف وهو نوع من العقاب فيكون المضارع في {يستهزىء} للاستقبال، وإلى هذا المعنى نَحَا ابن عباس والحسن في نقل ابن عطية، ويجوز أن يكون مراداً به جزاءُ استهزائهم من العذاب أو نحوه من الإذلال والتحقير والمعنى يذلهم وعبر عنه بالاستهزاء مجازاً ومشاكلة، أو مراداً به مآلُ الاستهزاء من رجوع الوبال عليهم. وهذا كله وإن جاز فقد عينه هنا جمهور العلماء من المفسرين كما نقل ابن عطية والقرطبي وعينه الفخر الرازي والبيضاوي وعينه المعتزلة أيضاً لأن الاستهزاء لا يليق إسناده إلى الله حقيقة لأنه فعلٌ قبيحٌ ينزه الله تعالى عنه كما في «الكشاف» وهو مبني على المتعارف بين الناس. وجيء في حكاية كلامهم بالمسند الاسمي في قولهم {أية : إنما نحن مستهزئون}تفسير : [البقرة: 14] لإفادة كلامهم معنى دوام صدور الاستهزاء منهم وثباته بحيث لا يحولون عنه. وجيء في قوله: {الله يستهزىء بهم} بإفادة التجدد من الفعل المضارع أي تجدد إملاء الله لهم زماناً إلى أن يأخذهم العذاب، ليعلم المسلمون أن ما عليه أهل النفاق من النعمة إنما هو إملاء وإن طال كما قال تعالى: {أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل}تفسير : [آل عمران: 196]. {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ}. يتعين أنه معطوف على {الله يستهزىء بهم}. و(يمد) فعل مشتق من المَدَد وهو الزيادة، يقال مَدَّه إذا زاده وهو الأصل في الاشتقاق من غير حاجة إلى الهمزة لأنه متعد، ودليله أنهم ضموا العين في المضارع على قياس المضاعف المتعدي، وقد يقولون أمده بهمزة التعدية على تقدير جعله ذا مَدد ثم غلب استعمال مَد في الزيادة في ذات المفعول نحو مَدَّ له في عُمره ومَدَّ الأرض أي مططها وأطالها، وغلب استعمال أمد المهموز في الزيادة للمفعول من أشياء يحتاجها نحو أمده بجيش: {أية : أمدكم بأنعام وبنين}تفسير : [الشعراء: 133]. وإنما استعمل هذا في موضع الآخر على الأصل فلذلك قيل لا فرق بينهما في الاستعمال وقيل يختص أمد المهموز بالخير نحو: {أية : أتُمِدُّونني بمالٍ}تفسير : [النمل: 36] {أية : أن ما نُمِدُّهم به من مال}تفسير : [المؤمنون: 55]، ويختص مَد بغير الخير ونقل ذلك عن أبي علي الفارسي في كتاب «الحجة»، ونقله ابن عطية عن يونس بن حَبيب، إلا المعدَّى باللام فإنه خاص بالزيادة في العمر والإمهالِ فيه عند الزمخشري وغيره خلافاً لبعض اللغويين فاستغنوا بذكر اللام المؤذنة بأن ذلك للنفع وللأجْل (بسكون الجيم) عن التفرقة بالهمز رجوعاً للأصل لئلا يجمعوا بين ما يقتضي التعدية وهو الهمزة وبين ما يقتضي القصور وهو لام الجر، وكل هذا من تأثير الأمثلة على الناظرين وهي طريقة لهم في كثير من الأفعال التي يتفرع معناها الوضعي إلى معان جزئية له أو مقيدة أو مجازية أن يخصوا بعْض لغاته أو بعض أحواله ببعض تلك المعاني جرياً وراء التنصيص في الكلام ودفع اللبس بقدر الإمكان. وهذا من دقائق استعمال اللغة العربية، فلا يقال إن دعوى اختصاص بعض الاستعمالات ببعض المعاني هي دعوى اشتراك أو دعوى مجاز وكلاهما خلاف الأصل كما أورد عبد الحكيم؛ لأن ذلك التخصيص كما علمت اصطلاح في الاستعمال لا تعدد وضع ولا استعمالٌ في غير المعنى الموضوع له ونظير ذلك قولهم فَرقَ وفَرق ووعَد وأوْعد ونَشَد وأنشد ونَزَّل (المضاعف) وأنزل، وقولهم العِثار مصدر عثر إذ أريد بالفعل الحقيقة، والعُثور مصدر عثر إذ أريد بالفعل المجاز وهو الاطلاع، وقد فرقت العرب في مصادر الفعل الواحد وفي جموع الاسم الواحد لاختلاف القيود. وتعدية فعل (يمد) إلى ضميرهم الدال على أدب أو ذوق مع أن المد إنما يتعدى إلى الطغيان جاءت على طريقة الإجمال الذي يعقبه التفصيل ليتمكن التفصيل في ذهن السامع مثل طريقة بدل الاشتمال وجعل الزجاج والواحدي أصله ويمد لهم في طغيانهم فحذف لام الجر واتصل الفعل بالمجرور على طريقة نزع الخافض وليس بذلك. والطغيان مصدر بوزن الغفران والشكران، وهو مبالغة في الطغْي وهو الإفراط في الشر والكِبْر وتعليق فعل {يمدهم} هنا بضمير الذوات تعليق إجمالي يفسره قوله: {في طغيانهم} ويجوز أن يكون على تقدير لام محذوفة أي يمد لهم في طغيانهم أي يمهلهم فيكون نحو بعض ما فسر به قوله: {الله يستهزىء بهم} وهذا قول الزجاج والواحدي وفيه بُعد. والعَمَهُ انطماس البصيرة وتحير الرأي وفعله عَمِهَ فهو عامه وأعمه. وإسناد المد في الطغيان إلى الله تعالى على الوجه الأول في تفسير قوله: {ويمدهم} إسناد خلق وتكوين منوط بأسباب التكوين على سنة الله تعالى في حصول المسببات عند أسبابها. فالنفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره أن لا ينقطع عنها، ولما كان من شأن وصف النفاق أن تنمي عنه الرذائل التي قدمنا بيانها كان تكونها في نفوسهم متولدا من أسباب شتى في طباعهم متسلسلاً من ارتباط المسببات بأسبابها وهي شتى ومتفرعة وذلك بخلق خاص بهم مباشرة ولكن الله حرمهم توفيقه الذي يقلعهم عن تلك الجبلة بمحاربة نفوسهم، فكان حرمانه إياهم التوفيق مقتضياً استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ فإسناد ازدياده إلى الله لأنه خالق النظم التي هي أسباب ازدياده، وهذا يعد من الحقيقة العقلية الشائعة وليس من المجاز لعدم ملاحظة خلق الأسباب بحسب ما تعارفه الناس من إسناد ما خفي فاعله إلى الله تعالى لأنه الخالق للأسباب الأصلية والجاعل لنواميسها بكيفية لا يعلم الناس سرها ولا شاهدوا من تسند إليه على الحقيقة غيره وهذا بخلاف نحو بنى الأمير المدينة لا سيما بعد التصريح بالإسناد إليه في الكلام بحيث لم يبق للبناء على عرف الناس مجال وهذا بخلاف نحو: "يزيدك وجهه حسناً" وسرتني رؤيتك؛ لأن ذلك وإن كان في الواقع من فعل الله تعالى إلا أنه غير ملتفت إليه في العرف فلذلك قال الشيخ عبد القاهر: إنه من المجاز الذي لا حقيقة له. وإنما أضاف الطغيان لضمير المنافقين ولم يقل: في الطغيان بتعريف الجنس كما قال في سورة الأعراف: (202) {أية : وإخوانُهم يَمُدُّونهم في الغيّ}تفسير : إشارة إلى تفظيع شأن هذا الطغيان وغرابته في بابه وإنهم اختصوا به حتى صار يعرف بإضافته إليهم. والظرف متعلق بيمدهم. و {يعمهون} جملة حالية.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}. لم يبين هنا شيئاً من استهزائه بهم. وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله: {أية : قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} تفسير : [الحديد: 13].
د. أسعد حومد
تفسير : {طُغْيَانِهِمْ} (15) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَى هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ وَيَقُولُ لهُمْ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ يَمُدُّ لَهُمْ فِي الغِوَايَةِ وَالضَّلاَلِ، وَيَزيدُهُمْ مِنهُما، وَهُوَ الذِي يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَتْرُكُهُمْ حَيَارَى فِي ضَلاَلِهِمْ لاَ يَجِدُونَ إِلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ سَبِيلاً. العَمَهُ - هُوَ الضَّلاَلُ والاسْتِرْسَالُ فيهِ، وَهُوَ ظُلْمَةُ البَصِيرَةِ. مَدَّ الجَيْشَ، وَأَمَدَّهُ - زَادَهُ عَدَداًً وَقَوَّاهُ بَالمَدَدِ. طُغْيَانِهِمْ - مُجَاوَزَتِهِم الحَدَّ فِي الكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن هؤلاء المنافقين قوم لا حول لهم ولا قوة، ولكن الله سبحانه وتعالى، وهو القادر القوي حينما يستهزىء بهم يكون الاستهزاء أليماً، وإذا كان المنافق، قد أظهر بلسانه ما ليس في قلبه، فإن الله سبحانه وتعالى يعامله بمثل فعله، فإذا كان له ظاهر وباطن، يعامله في ظاهر الدنيا معاملة المسلمين، وفي الآخرة يوم تبلى السرائر يجعله في الدرك الأسفل من النار، لا يُساويه بالكافر لأن ذنب المنافق أشد. {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} [البقرة: 15] والاستهزاء هو السخرية، فهم يأتون يوم القيامة محاولين أن يتمسكوا بالظاهر، فيظهر الله سبحانه وتعالى لهم باطنهم. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} تفسير : [الهمزة: 1]. والهمزة هو الذي يسخر من الناس ولو بالإشارة. يرى إنساناً مصاباً بعاهة في قدمه، يمشي وهو يعرج فيحاول أن يقلده بطريقة تثير السخرية، إما بالإشارة وإما بالكلام، وهناك همز وهمزة .. الهمز الاستهزاء والسخرية من الناس، علامة عدم الإيمان، لأننا كلنا خَلَقنا إله واحد، فهذه الصفة التي سخرت فيها من إنسان أعرج مثلاً، لا عمل له فيها، ولا حول له ولا قوة .. والإنسان لم يصنع نفسه، والحقيقة أنك تسخر من صنع الله، والذي يسخر من خلق الله إنسان غبي؛ لأنه سخر من خلق الله في عيب، ولم يقدِّر ما تفضل الله به عليه، كما أنه سخر من عيب ولم يفطن إلى أن الحق سبحانه وتعالى قد أعطى ذلك الإنسان خصالاً ومميزات ربما لم يعطها له، والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، وذلك هو عدل الله، فإذا كنت أحسن من إنسان في شيء فابحث عن النقص فيك. فإن استهزأت بمؤمن في شيء، فالاستهزاء غير مفصول عن صنعة الله، إذن فمن المنطق عندما قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 15] أن يرد الله عليهم {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] أي: يزيدهم في هذا الطغيان، لأن المدَّ هو أن تزيد الشيء، ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته، ومرة تزيد عليه من غيره، قد تأتي بخيط وتفرده إلى آخره، وقد تصله بخيط آخر، فتكون مددته من غيره، فالله يزيدهم في طغيانهم. وقوله تعالى "يعمهون" العمه يختلف عن العمى، والخلاف في الحرف الأخير، العمى عمى البصر، والعمه عمى البصيرة، ويعمهون أي يتخبطون، لأن العمه ينشأ عنه التخبط سواء التخبط الحسي، من عمى البصر، أو التخبط في القيم ومنهج الحياة من عمى البصيرة. والله تعالى يقول: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] فكأنما العمى المادي، قد لا يكون، ولكن يكون هناك عمى البصيرة، واقرأ قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه: 125-126]. فكأن عمى البصيرة في الدنيا، يعمي بصر الإنسان، عن رؤية آيات الله في كونه، ويعميه عن الإيمان والمنهج.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد [في قوله]: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [الآية: 16]. يقول: آمنوا ثم كفروا {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} [الآية: 17]. (قال: أَما) إِضاءَة النار، فإِقبالهم إِلى المؤمنين وإِلى الهدى، وأَما ذهاب (نورهم فإِقبا) لهم إِلى الكافرين وإِلى الضلالة.
زيد بن علي
تفسير : وقولُه تعالى: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي يَجهَلهُمْ. {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي يُمْهِلُهُمْ. والطّغْيَانُ: الضَّلالَةُ. يَعْمَهُونَ: أَي يَتَردَّدُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):