٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به، فإن قيل كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به، والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين، أما قوله: {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ } فالمعنى أنهم ما ربحوا في تجارتهم، وفيه سؤالان: السؤال الأول: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ الجواب: هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري. السؤال الثاني: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب: هذا مما يقوي أمر المجاز ويحسنه كما قال الشاعر:شعر : ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاش له صدري تفسير : لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه بذكر التعشيش والوكر فكذا ههنا لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه، تمثيلاً لخسارتهم وتصويراً لحقيقته. أما قوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } فالمعنى أن الذي تطلبه التجار في متصرفاتهم أمران: سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة الكسيبة مانعة من الاشتغال بطلب العقائد الحقة. وقال قتادة: انتقلوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الجماعة إلى التفرقة ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} قال سيبويه: ضُمّت الواو في «ٱشتروا» فرقاً بينها وبين الواو الأصلية؛ نحو: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ}تفسير : [الجن:16]. وقال ٱبن كَيْسان: الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها. وقال الزجاج: حُرّكت بالضم كما فعل في «نحن». وقرأ ٱبن أبي إسحٰق ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وروى أبو زيد الأنصاري عن قَعْنَب أبي السَّمال العدويّ أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان ما قبلها مفتوحاً. وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدؤر. وٱشتروا: من الشراء. والشراء هنا مستعار. والمعنى استحبُّوا الكفر على الإيمان؛ كما قال: «أية : فآستحبوا العمى على الهدى»تفسير : [فصلت:17] فعبّر عنه بالشراء؛ لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه. فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا؛ لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون إيمانهم. وقال ٱبن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. ومعناه ٱستبدلوا وٱختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسُّعاً؛ لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال؛ والعرب تستعمل ذلك في كل من ٱستبدل شيئاً بشيء. قال أبو ذُؤيب:شعر : إن تَزْعُميني كنتُ أجهلُ فيكم فإني شَرَيتُ الحلمَ بعدِك بالجهل تفسير : وأصل الضلالة: الحيرة. ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة؛ قال جلّ وعزّ: {أية : فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} تفسير : [الشعراء:20] أي الناسين. ويسمى الهلاك ضلالة؛ كما قال عزّ وجلّ: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة:10] قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: رَبِحَ بَيْعُك، وخَسِرتْ صفقتك؛ وقولهم: ليلٌ قائم، ونهارٌ صائم؛ والمعنى: رَبِحتَ وخَسِرْتَ في بيعك، وقمت في ليلك وصُمت في نهارك؛ أي فما ربحوا في تجارتهم. وقال الشاعر:شعر : نهارُك هائمٌ وليلُكَ نائمُ كذلك في الدنيا تَعيشُ البهائمُ تفسير : ٱبن كَيسان: ويجوز تجارة وتجائر، وضلالة وضلائل. قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} في ٱشترائهم الضلالة. وقيل: في سابق علم الله. والاهتداء ضد الضلال؛ وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } اختاروها عليه واستبدلوها به، وأصله بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان، فإن كان أحد العوضين ناضاً تعين من حيث إنه لا يطلب لعينه أن يكون ثمناً وبذله اشتراء، وإلا فأي العوضين تصورته بصورة الثمن فباذله مشترٍ وآخذه بائع، ولذلك عدت الكلمتان من الأضداد، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلاً به غيره، سواء كان من المعاني أو الأعيان، ومنه قول الشاعر:شعر : أخذْتُ بالجُمْلةِ رأساً أَزْعَرا وبالثَّنايَا الواضِحَاتِ الدّرَرا وبالطَّويل العُمرِ عمراً جيذرا كما اشْتَرَى المُسْلمُ إذ تَنَصَّرا تفسير : ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشيء طمعاً في غيره، والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم بالفطرة التي فُطِرَ الناسُ عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها. أو اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى. {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ }. ترشيح للمجاز، لَمَّا استعمل الاشتراء في معاملتهم أتبعه ما يشاكله تمثيلاً لخسارتهم، ونحوه:شعر : وَلَّما رأيتُ النسرَ عزَّ بنَ دأية وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْري تفسير : والتجارة: طلب الربح بالبيع والشراء. والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي شفا، وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على الاتساع لتلبسها بالفاعل، أو لمشابهتها إياه من حيث إنها سبب الربح والخسران. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } لطرق التجارة، فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لأن رأس مَالِهم كان الفطرة السليمة، والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختل عقلهم ولم يبقَ لهم رأس مال يتوسلون به إلى درك الحق، ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل.
ابن كثير
تفسير : قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 16] قال: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أي: الكفر بالإيمان، وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا. وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى، وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [فصلت: 17] وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أي: بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الايمان ثم رجع عنه إلى الكفر؛ كما قال تعالى فيهم: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [المنافقون: 3] أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى، كما يكون حال فريق آخر منهم، فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا مهتدين، أي: راشدين في صنيعهم ذلك، وقال ابن جرير: حدثنا بشير حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة: {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة بمثله سواء. قوله تعالى:{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } يقال: مَثَل ومِثْل ومثيل أيضاً، والجمع أمثال، قال الله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 43] وتقدير هذا المثل: أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها، فبينا هو كذلك، إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يُبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا؛ كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم. وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه ههنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولاً نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك، فوقعوا في حيرة عظيمة؛ فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين. وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل ههنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 8] والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية ههنا، وهي قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } تفسير : [المنافقون: 3] فلهذا وجه هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي: في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: {أية : رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ المَوتِ}تفسير : [الأحزاب: 19] أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ}تفسير : [لقمان: 28] وقال تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }تفسير : [الجمعة: 5] وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا ناراً، وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي ههنا بمعنى الذين؛ كما قال الشاعر:شعر : وإنَّ الذي حانَتْ بفَلْجٍ دِماؤهُمْ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ تفسير : قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: { فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي: ذهب عنهم بما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ} وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق {لاَّ يُبْصِرُونَ} لا يهتدون إلى سبيل خير، ولا يعرفونها، وهم مع ذلك {صُمٌّ} لا يسمعون خيراً {بُكْمٌ} لا يتكلمون بما ينفعهم {عُمْىٌ} في ضلالة وعماية البصيرة؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة. ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} زعم أن ناساً دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك، فأسلم، فعرف الحلال والحرام، والخير والشر، فبينما هو كذلك، إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أما النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثم نزع منهم، فعتوا بعد ذلك. وقال مجاهد: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى. وقال عطاء الخراساني في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} قال: هذا مثل المنافق، يبصر أحياناً، ويعرف أحياناً، ثم يدركه عمى القلب. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة والحسن والسدي والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} قال هذا مثل المنافق يبصر أحياناً ويعرف أحياناً ثم يدركه عمى القلب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} إلى آخر الآية. قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ناراً، ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون، وأما قول ابن جرير، فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا، سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة. وقال الضحاك: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} أما نورهم، فهو إيمانهم الذي تكلموا به. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم، فأكلوا بها وشربوا وآمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا، ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله. {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} يقول: في عذاب إذا ماتوا. وقال محمد بن إسحاق عن محمد ابن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ} أي: يبصرون الحق، ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر، أطفؤوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق. وقال السدي في تفسيره بسنده: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ} فكانت الظلمة نفاقهم. وقال الحسن البصري: وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملاً من خير عمل به يصدق به قوله: لا إله إلا الله. {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} قال السدي بسنده: صم بكم عمي: فهم خرس عمي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} يقول: لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه. وكذا قال أبو العالية وقتادة بن دعامة: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قال ابن عباس: أي: لا يرجعون إلى هدى، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال السدي بسنده: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} إلى الإسلام. وقال قتادة: فهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } أي استبدلوها به {فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ } أي: ما ربحوا فيها بل خَسروا لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } فيما فعلوا.
الشوكاني
تفسير : قال سيبويه: صحت الواو في {ٱشْتَرَوُاْ} فرقاً بينها وبين الواو الأصلية في نحو {أية : وألّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ }تفسير : [الجن: 16]. وقال الزَّجَّاج: حركت بالضم كما يفعل في نحن. وقرأ يحيى بن يَعْمُرُ بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك العدوي بفتحها لخفة الفتحة. وأجاز الكسائي همز الواو. والشراء هنا مستعار للاستبدال: أي: استبدلوا الضلالة بالهدى كقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }تفسير : [فصلت: 17] فإما أن يكون معنى الشراء المعاوضة، كما هو أصله حقيقة فلا، لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعوا إيمانهم، والعرب قد تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئاً بشيء. قال أبو ذؤيب:شعر : فَإن تزعميني كُنتُ أجهَلُ فيِكمُو فَإنِي شَرِيْتُ الحِلْمَ بَعْدك بِالجَهْلِ تفسير : وأصل الضلالة: الحيرة، والجور عن القصد، وفقد الاهتداء، وتطلق على النسيان، ومنه قوله تعالى {أية : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ }تفسير : [الشعراء: 20]، وعلى الهلاك كقوله: {أية : وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [السجدة: 10] وأصل الربح الفضل. والتجارة: صناعة التاجر، وأسند الربح إليها على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي، وهو: إسناد الفعل إلى ملابس للفاعل، كما هو مقرّر في علم المعاني. والمراد: ربحوا وخسروا. والاهتداء قد سبق تحقيقه: أي: وما كانوا مهتدين في شرائهم الضلالة، وقيل في سابق علم الله. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } أي: الكفر بالإيمان. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: آمنوا ثم كفروا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: استحبوا الضلالة على الهدى، قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أُولَئِكَ الِّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} الضلالة: الكفر، والهدى: الإيمان. وفي قوله: {اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. والثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان، فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم. والثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. {فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما كانوا مهتدين، في اشتراء الضلالة. والثاني: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون. والثالث: أنه لما كان التاجر قد لا يربح، ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء، مبالغة في ذمهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {اشْتَرَوُاْ} الكفر بالإيمان على حقيقة الشراء، أو استحبوا الكفر على الإيمان إذ المشتري محب لما يشتريه، إذ لم يكونوا قبل ذلك مؤمنين، أو أخذوا الكفر وتركوا الإيمان. {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} في اشتراء الضلالة، أو ما اهتدوا إلى تجارة المؤمنين، أو نفى عنهم الربح والاهتداء جميعاً، لأن التاجر قد لا يربح مع أنه على هدى في تجارته، فذلك أبلغ في ذمهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...} الإشارة بلفظ البعيد إلى القريب (للبعد) من جهة المعنى. وفسر ابن عطية الشراء بأوجه متقاربة، إنها عبارات مختلفة فالأولان في كلامه راجعان لنفس المعنى، والأخيران (لكيفية) (صدق) اللّفظ على ذلك المعنى. قال ابن عرفة: وأدخل الذين للحصر. قال أبو حيان: ودخول الفاء في خبر الموصول لا يجوز إلا إذا كان الموصول عاما. (ويشترط) أن يكون فيه معنى التعليل للخبر وعادتهم يردون عليه بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : لأنه ليس بعام ولا (هو) علة في الخبر، إذ ليس (الخلق) علة في الهداية وإلا لزم عليه مذهب المعتزلة. قال: وهنا سؤال وهو لِمَ أثبت الضلالة دون الهدى والمناسب العكس أو كان يقال اشتروا (الضلال) بالهدى (فهو) أبلغ في الذّمّ لاقتضائه أنهم اشتروا الضلال الكثير بخلاف الضلالة الواحدة فإنها لا تفيد ذلك الذم؟ قال: والجواب بوجهين: أحدهما: أنهم إذا ذمّوا على أخذ الواحدة من الضلال (فأحرى) أن يذموا على كثيره. الثاني: أن هذا أشنع من حيث إنهم بدّلوا الهدى الكثير الشريف فأخذوا عوضه الشيء القليل من مقداره الحقير في ذاته. فإن قلت: الهدى الذين اشتروا الضلالة به لم يكن لهم بوجه؟ قلنا: إمّا أنه يعد حاصلا لأجل تمكنهم منه أو هو حاصل بالفعل لحديث: حديث : كل مولود يولد على الفطرةتفسير : . أو المراد المنافقون وقد حصل لهم الهدى (بالنطق) اللّساني فخالفوا بالفكر الاعتقادي (وبكفرهم) بلسانهم عند خلوّهم مع شياطينهم. قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ...} فإن قلت: هلا قيل: فخسرت تجارتهم، فهو أصرح لأن عدم الربح لا يستلزم الخسران؟. قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنّهم إذا ذمّوا على عدم الربح فأحرى أن يذموا على الخسران. قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} (قال ابن عطية: قيل: معناه في شرائهم هذا، وقيل معناه على الإطلاق، وقيل: في سابق علم الله). قال ابن عرفة: وتقدم لنا أن الصواب غير هذا كلّه وهو أن الخسارة في التجارة تارة تكون لأجل حوالة الأسواق برخص أو لأجل الجهل بمحاولة البيع والشراء أو لأجل الفساد وتبذير المال بإنفاقه في غير مصلحة أو فيما لا يحل، فلما أخبر عن هؤلاء بالخسارة في (تجارتهم) (بقي) أن يتوهم أنهم من القسم الأول الذين لهم عذر في الخسارة لأن ذلك أمر جبري (ليس من قبلهم ولا لهم فيه اختيار بوجه فاحترز عن ذلك بقوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} حتى يتيقن أنهم من قسم من كانت خسارته في التجارة من قبل نفسه وسبب فساده وقبح تصرفه وهذا أصوب من قول الزمخشري: إذ المراد بذلك إضاعتهم رأس المال ونظره ابن عطية بمنع مالك الاشتراء على أن (يتخير) المبتاع فيما تختلف (آحاده) ويمتنع التفاضل فيه. ابن عرفة: الخيار والاختيار في آخر كتاب الخيار منع فيها أن يشتري الرجل عدد شجرة شجرة مثمرة يختاره اتّفق الجنس أو اختلف، وتدخله المفاضلة في الجنس الواحد وبيع الطعام قبل قبضه إن كان على الكيل، لأن من خير بين شيئين يعد متنقلا فيدع هذه وقد ملك اختيارها أو يأخذ هذه وبينهما فضل في الكيل، وكذلك منعه في الجنس الواحد المختلف الثمن من غير الطعام للفرد فإن اتفقت حاده أو استوت قيمته جاز الاختيار وان اختلف منع.
ابن عادل
تفسير : "أولئك": رفع بالابتداء و "الذين" وصلته خبره. وقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة، وهي: "اشتروا". وزعم بعضهم أنها خبر المُبْتَدَأ، وأنَّ الفاء دخلت في الخَبَرِ لما تضّمنه الموصول من معنى الشَّرْط، فيصير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [البقرة: 274]، ثم قال: {أية : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} تفسير : [البقرة: 274]. وهذا وهم؛ لأن "الذين" ليس مبتدأ حتى يدّعي دخول الفاء في خبره، بل هو خَبَرٌ عن "أولئك" كما تقدّم. فإن قيل: يكون الموصول مبتدأ ثانياً، فتكون الفاء دخلت في خبره. قلنا: يلزم من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبراً عنه، وأيضاً فإنَّ الصّلة ماضية معنى. فإن قيل: يكون "الَّذين" بدلاً من "أولئك" فالجَوابَ يصير الموصول مخصوصاً لإبداله من مخصوص، والصّلة أيضاً ماضية. فإن قيل: "االذين" صفة لـ "أولئك"، ويصير نظير قولك: "الرجل الذي يأتيني فله درهم". قلنا: يرد بما رد به السؤال الثَّاني، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفاً له؛ لأنه أعرف منه، ففسد هذا القَوْلُ. والمشهور ضمّ واو "اشتروا" لالتقاء الساكنين، وإنما ضمت تشبيهاً بتاء الفاعل. وقيل: للفرق بين واو الجَمْعِ والواو الأصلية نحو: {أية : لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} تفسير : [التوبة: 42]. وقيل: لأن الضمة - هنا - أخفّ من الكسرة؛ لأنّها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، فإن الأصل: "اشتريوا" كما سيأتي. وقيل: هي للجمع فهي مثل: "نحن". وقرىء بكسرها على أصل التقاء الساكنين، وبفتحها؛ لأنها أخف. وأجاز الكسائي همزها تشبيهاً لها بـ "أَدْؤُر" و "أَثْؤب" وهو ضعيف؛ لأن ضمها غير لازم. وقال أبو البَقَاءِ: "ومنهم من يَخْتَلِسُهَا، فيحذفها لالتقاء السَّاكنين؛ وهو ضعيف جدًّا، لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدلّ عليها". وأصل اشتروا: اشتريوا: فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، ثم حذفت لالتقاء السَّاكنين، وبقيت الفتحة دالّةً عليها. وقيل: بل حذفت الضَّمَّة من الياء فسكنت، فالتقى سَاكِنَانِ، فحذفت الياء لالتقائها ساكنةً مع "الواو". فإن قيل: واو الجمع قد حركت، فينبغي أن يعود السَّاكن المحذوف؟ فالجواب: أنَّ هذه الحركة عارضةٌ فهي في حكم السَّاكن، ولم يجىء ذلك إلاَّ في ضرورة الشعر؛ وأنشد الكِسَائيُّ: شعر : 215- يَا صَيَاحِ لَمْ تَنَامِ العَشِيَّا ....................................... تفسير : فأعاد الألف لما حركت الميم حركةً عارضةً. و" الضَّلالة" مفعولة، وهي: الجور عن القَصْدِ، وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. و" بالهدى" متعلّق بـ "اشتروا" والباء هنا للعوض، وهي تدخل على المتروك أبداً. فأما قوله تعالى: {أية : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} تفسير : [النساء: 74]، فإنَّ ظاهره أن الآخرة هي المأخوذةُ لا المتروكة. فالجواب ما قاله الزَّمَخْشَرِيّ: "أن المراد بـ "المشترين" المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النِّفَاق، ويخلصوا الإيمان بالله - تعالى - ورسوله، ويجاهدوا في الله حَقّ الجهاد، فحينئذ دخلت "الباء" على المتروك". والشِّراء - هاهنا - مَجَاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لما تركوا الهدى، وآثروا الضلالة، جُعِلُوا بمنزلة المُشْترين لها بالهُدَى، ثم رشح هذا المجاز بقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} فأسند الرِّبْحَ إلى التِّجَارة، والمعنى: فما ربحوا في تِجَارتهم؛ ونظير هذا التَّرْشيح قول الآخر: [الطويل]. شعر : 216- بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ تفسير : لما أسند البكاء إلى الخَزّ من أجل هذا الرجل - وهو رَوْح - وإنكاره لجلده مجازاً رَشّحه بقوله: "وَعَجّت المَطَارف من جُذَام" أي: استغاثت الثياب من هذه القبيلة. وقول الآخر: [الطويل]. شعر : 217- وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنُ دَايةٍ وَعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِي تفسير : لما جعل "النَّسْرَ" عبارة عن الشَّيب، و "ابن داية" وهو الغُرَاب عبارة عن الشباب، مجازاً رَشّحه بذكر التعشُّش في الوَكْرِ، وقول الآخر: [الوافر]. شعر : 218- فَمَا أُمُّ الرُّدَيْنِ وَإنْ أَدَلَّتْ بِعَالِمَةٍ بأَخلاَقِ الكِرَامِ إِذَا الشَّيْطانُ قَصَّعَ في قَفَاهَا تَنَفَّقْنَاهُ بِالحَبْلِ التُّؤَامِ تفسير : لما قال: "قَصّع في قفاها" أي: دخل من القاصعاء، وهي: جُحر من جِحَرَة اليَرْبُوعِ هنا لما ذكر سبحانه الشَّر، أتبعه بما يُشَاكله، وهو الربح تمثيلاً لخسارتهم. والربح: الزيادة على رأس المال. وقوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} هذه الجملة معطوفةٌ على قوله: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ}. والمهتدي: اسم فاعل من اهتدى، و "افتعل" هنا للمُطَاوعة، ولا يكون "افتعل" للمطاوعة إلا من فعل متعدٍّ. وزعم بعضهم أنه يجيء من اللاَّزم، واستدل على ذلك بقول الشاعر: [الزجر]. شعر : 219- حَتَّى إذَا اشْتَالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرْ كَشُعْلَةِ القَابِسِ تَرْمِي بالشَّرَرْ تفسير : قال: فـ "اشْتَال" افتعل لمُطَاوعة "شال"، وهو لازم، وهذا وهم؛ لأن "افتعل" هنا ليس للمُطَاوعة، بل بمعنى "فَعَل" المجرد. ومعنى الآية أنهم ما كانوا مهتدين من الضلالة، وقيل: مُصِيبين في تِجَارتهم؛ لأنّ المقصود من التِّجَارة سلامةُ رأس المال، والربح، وهؤلاء أضاعوا الأمرين؛ لأنّ رأس مالهم هو العَقْل الخالي عن المانع، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة مانعةً من الاشتغال بطلب العقائد الحقة. فهؤلاء مع أنهم لم يربحوا فقد أفسدوا رأس المال، وهو العقل الهادي إلى العقائد الحقّة. وقال قتادة: "انتقلوا من الهُدَى إلى الضَّلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الجَمَاعة إلى الفُرْقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنّة إلى البِدْعَةِ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال: الكفر بالإِيمان. واخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {اشتروا الضلالة بالهدى} قال: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال: آمنوا ثم كفروا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال: استحبوا الضلال على الهدى {فما ربحت تجارتهم} قال: قد والله رأيتهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
ابو السعود
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات الشنيعة المميِّزة لهم عمن عداهم أكملَ تميـيز، بحيث صاروا كأنهم حُضّارٌ مشاهِدون على ما هم عليه، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء الحال، ومحلُه الرفعُ على الابتداء، خبرُه قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} والجملة مَسوقةٌ لتقرير ما قبلها وبـيانٌ لكمال جهالتِهم فيما حُكيَ عنهم من الأقوال والأفعال بإظهار غايةِ سماجتها، وتصويرِها بصورةِ ما لا يكاد يتعاطاه مَنْ له أدنى تميـيزٍ فضلاً عن العقلاء. والضلالةُ الجَوْرُ عن القصد، والهدىٰ التوجهُ إليه، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين، والثاني للاستقامة عليه، والاشتراء استبدال السلعة بالثمن، أي أخذُها به لا بذلُه لتحصيلها كما قيل، وإن كان مستلزِماً له، فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب الذي هو المعتبرُ في عقد البـيع، ثم استعير لأخذ شيءٍ بإعطاء ما في يده عيناً كان كلٌّ منهما أو معنى، لا للإعراض عما في يده محصَّلاً به غيرُه كما قيل، وإن استلزمه لما مر سرُّه، ومنه قوله: [الرجز] شعر : أخذت بالجُمّة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحاتِ الدردرا وبالطويل العُمْرِ عُمْرا جيدرا كما اشترىٰ المسلمُ إذ تنصَّرا تفسير : فاشتراءُ الضلالة بالهدى مستعارٌ لأخذها بدلاً منه أخذاً منوطاً بالرغبة فيها والإعراض عنه، ولمّا اقتضىٰ ذلك أن يكون ما يجري مَجرىٰ الثمن حاصلاً للكفرة قبل العقد وما يجري مَجرىٰ المبـيعِ غيرَ حاصلٍ لهم إذ ذاك حسبما هو في البـيت، ولا ريب في أنهم بمعزل من الهدى، مستمرون على الضلالة استدعى الحالُ تحقيقَ ما جرى مَجرى العِوضَيْن، فنقول وبالله التوفيق: ليس المرادُ بما تعلق به الاشتراءُ ههنا جنسَ الضلالة الشاملةِ لجميع أصناف الكفرة، حتى تكون حاصلةً لهم من قبل، بل هو فردُها الكاملُ الخاصُّ بهؤلاء، على أن اللام للعهد، وهو عَمَهُهم المقرونُ بالمد في الطغيان، المترتبُ على ما حُكي عنهم من القبائح. وذلك إنما يحصُل لهم عند اليأس عن اهتدائهم والختم على قلوبهم، وكذا ليس المرادُ بما في حيز الثمن نفسَ الهدى بل هو التمكنُ التام منه بتعاضد الأسباب، وتأخذ المقدماتُ المستتبِعةُ له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامعِ المشاركة في استتباعِ الجدوى، ولا مرية في أن هذه المرتبة من التمكن كانت حاصلةً لهم بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزاتِ القاهرةِ من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وبما سمعوه من نصائحِ المؤمنين التي من جُملتِها ما حكي من النهي عن الإفساد في الأرض، والأمرُ بالإيمان الصحيح، وقد نبذوها وراء ظهورهم، وأخذوا بدلها الضلالة الهائلةَ التي هي العمهُ في تيه الطغيان، وحملُ الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أَنَّ إضاعتَها غيرُ مختصة بهؤلاء، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم على القلوب المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات العقليةِ والنقلية، على أن ذلك يُفضي إلى كون ذكر ما فُصّل من أول السورة الكريمة إلى هنا ضائعاً، وأبعدُ منه حملُ اشتراء الضلالة بالهدى على مجرد اختيارها عليه من غير اعتبار كونه في أيديهم، بناءً على أنه يستعمل اتساعاً في إيثار أحدِ الشيئين الكائنين في شرَف الوقوع على الآخر، فإنه مع خلوِّه عن المزايا المذكورة بالمرة مُخِلٌّ برونق الترشيح الآتي، هذا على تقدير جعل الاشتراءِ المذكور عبارةً عن معاملتهم السابقة المحكية وهو الأنسبُ بتجاوب أطرافِ النظم الكريم. وأما إذا جُعل ترجمةً عن جناية أخرى من جناياتهم فالمراد بالهدى ما كانوا عليه من معرفة صحةِ نبوةِ النبـي صلى الله عليه وسلم وحقِّيةِ دينه، بما كانوا يشاهدونه من نعوته عليه الصلاة والسلام في التوراة وقد كانوا على يقين منه حتى كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم انصرنا بالنبـي المبعوثِ في آخر الزمان الذي نجد نعتَه في التوراة، ويقولون لهم قد أظل زمانُ نبـيٍّ يخرُجُ بتصديق ما قلنا فنقتلُكم معه قتلَ عاد وإِرَم، فلما جاءهم ما عَرَفوا كفروا به كما سيأتي ولا مَساغَ لحملِ الهدى على ما كانوا يُظهرونه عند لقاء المؤمنين فإنها ضلالة مضاعفة. {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ} عطفٌ على الصلة داخلٌ في حيزها والفاء للدلالة على ترتب مضمونِه عليها، والتجارةُ صناعة التجار، وهو التصدي للبـيع والشراءِ لتحصيل الربح، وهو الفضلُ على رأس المال، يقال: ربِحَ فلان في تجارته أي استشفّ فيها وأصاب الربح، وإسناد عدمِه الذي هو عبارةٌ عن الخسران إليها، وهو لأربابها - بناءً على التوسع المبني على ما بـينهما من الملابسة، وفائدتُه المبالغةُ في تخسيرهم لما فيه من الإشعار بكثرة الخَسار وعمومِه المستتبع لسرايته إلى ما يُلابِسُهم، وإيرادُهما إثرَ الاشتراء المستعار للاستبدال المذكور ترشيحٌ للاستعارة، وتصويرٌ لما فاتهم من فوائدِ الهدى بصورة خسارةِ التجارة الذي يَتحاشىٰ عنه كلُّ أحد للإشباع في التخسير والتحسين، ولا ينافي ذلك أن التجارة في نفسها استعارةٌ لانهماكهم فيما هم عليه من إيثار الضلالة على الهدى وتمرّنُهم عليه معرفةٌ عن كون ذلك صناعةً لهم راسخة، إذ ليس من ضروريات الترشيح أن يكون باقياً على الحقيقة، تابعاً للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتُها، كما في قولك: رأيت أسداً وافيَ البراثن، فإنك لا تريد به إلا زيادة تصويرٍ للشجاع، وأنه أسد كاملٌ من غير أن تريد بلفظ البراثن معنىً آخرَ، بل قد يكون مستعاراً من ملائم المستعارِ منه لملائم المستعار له ومع ذلك يكون ترشيحاً لأصل الاستعارة كما في قوله: [الطويل] شعر : فلما رأيتُ النَّسرَ عَزَّ ابنَ دأْية وعششَّ في وَكْرَيه جاش له صدري تفسير : فإن لفظ الوَكرين - مع كونه مستعاراً من معناه الحقيقي - الذي هو موضعٌ يتخذه الطائر للتفريخ - للرأس واللحية أو للفَوْدين أعني جانبـي الرأس - ترشيحٌ باعتبار معناه الأصلي، لاستعارة لفظِ النسر للشيب، ولفظ ابن دأية للشعر الأسود، وكذا لفظُ التعشيش مع كونه مستعاراً للحلول والنزول المستمِرَّين ترشيحٌ لتينك الاستعارتين بالاعتبار المذكور، وقرىء تجاراتُهم، وتعدُّدها لتعدد المضاف إليهم {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي إلى طرق التجارة، فإن المقصود منها سلامةُ رأس المال مع حصول الربح، ولئن فات الربح في صفقة فربما يُتدارَك في صفقة أخرى لبقاء الأصل، وأما إتلافُ الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعاً فهؤلاء الذين كان رأسُ مالهم الهدى قد استبدلوا بها الضلالة فأضاعوا كلتا الطِّلْبتين، فبقُوا خائبـين خاسرين نائين عن طريق التجارة بألف منزلٍ، فالجملة راجعة إلى الترشيح معطوفةٌ على ما قبلها مشاركةٌ له في الترتب على الاشتراء المذكور والأَوْلى عطفُها على اشتروا الخ.
القشيري
تفسير : الإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء في أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم، وما ربحت تجارتهم. والذي رضي بالدنيا عن العقبى لفي خسران ظاهر. ومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا. وإذا كان المصاب بفوات النعيم مغبونا فالذي مُنِيَ بالبعاد عن المناجاة وانحاز بقلبه عن مولاه، وبقي في أسْرِ الشهوات، لا إلى قلبه رسول، ولا لروحه وصول، ولا معه مناجاة، ولا عليه إقبال، ولا في سرّه شهود - فهذا هو الْمُصَابُ والْمُمْتَحَن. وإن من فاته وقت فقد فاته ربه، فالأوقات لا خَلَفَ عنها ولا بَدَلَ منها، ولقد قال بعضهم: شعر : كنتَ السوادَ لمقلتي فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
البقلي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } لما احتجبوا عن روية حقيقة مشاهدة الاحوال ولم ينالوا عزة معاني في القربة اثروا حظوظهم على ما اوتُوا من الكرامات الظاهرة حين باعوها بلذائذ الشهروة وهذه صفة ابليس وبلعام وبَرْصيصا وامثالهم من اهل الخدَاع وقال ابن عطا القناعة بالحرض والاقبال على الله بالميل الى الدنيا {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} ما ربح من يُبَدّلُ بى سواى {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} في سابق على فَلاِجل ذلك مالوا عنى.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولئك} المنافقون المتصفون بما ذكر من الصفات الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم اكمل تمييز بحيث صاروا كأنهم حضار مشاهدون على ما هم عيله وما فيه من معنى البعد للايذان ببعد منزلتهم فى الشر وسوء الحال ومحله الرفع على الابتداء وخبره قوله {الذين اشتروا الضلالة بالهدى} اصل الاشتراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الاشياء ثم استعير للاعراض عما فى يده محصلا به غيره ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشئ طمعا فى غيره وهو ههنا عبارة عن معاملتهم السابقة المحكية واشتروا الضلالة وهى الكفر والعدول عن الحق والصواب بالهدى وهو الايمان والسلوك فى الطريق المستقيم والاستقامة عليه مستعار لاخذها بدل منه اخذا متصفا بالرغبة فيها والاعراض عنه اى اختاروها عليه واستبدولها به واخذوها مكانه وجعل الهدى كأنه فى ايديهم لتمكنهم منه وهو الاستعداد به فبميلهم الى الضلالة عطلوه وتركوه. والباء تصحب المتورك فى باب المعاوضة وهذا دليل على ان الحكم يثبت بالتعاطى من غير تكلم بالايجاب والقبول فان هؤلاء سموا مشترين بترك الهدى واخذ الضلال من غير التكلم بهذه المبادلة كما فى التيسير {فما ربحت تجارتهم} ترشيح للمجاز اى ما ربحوا فيها فان الربح مسند الى ارباب التجارة فى الحقيقة فاسناده الى التجارة نفسها على الاتساع لتلبسها بالفاعل او لمشابهتها اياه من حيث انها سبب الربح والخسران ودخلت الفاء لتضمن الكلام معنى الشرط تقديره واذا اشتروا فما ربحوا كما فى الكواشى والتجارة صناعة التجار وهو التصدى بالبيع والشراء لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال {وما كانوا مهتدين} اى الى طريق التجارة فان المقصد منها سلامة رأس المال مع حصول الربح ولئن فات الربح فى صفقة فربما يتدارك فى صفقة اخرى لبقاء الاصل واما اتلاف الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعا وهؤلاء قد اضاعوا الطلبتين لان رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوسلون به الى درك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين الاصل نائين عن طريق التجارة بالف منزل. واعلم ان المهتدى هو الذى ترك الدنيا والعادة ثم اشتغل بوظائف الطاعة والعبادة لا من اتبع كل ما يهواه وخلط هواه بهداه – حكى – انه كان للشيخ الاستاذ ابى على الدقاق رضى الله عنه مريد تاجر متمول فمرض يوما فعاده الشيخ وسأل منه سبب علته فقال التاجر قمت هذه الليلة لمصلحة التهجد فلما اردت الوضوء بدالى من ظهرى حرارة فاشتد امرى حتى صرت محموما فقال الشيخ لا تفعل فعلاً فضوليا ولا ينفعك التهجد ما دمت لم تهجر دنياك وتخرج محبتها من قلبك فاللائق لك اولا هوذا ثم الاشتغال بوظائف النوافل فمن كان به اذى من رأسه من صداع لا يسكن ألمه بالطلاء على الرجل ومن تنجست يده لا يجد الطهارة بغسل ذيله وكمه. قال بعض المشايخ من علامة اتباع الهوى المسارعة الى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بحقوق الواجبات وهذا غالب فى الخلق الا من عصمه الله ترى الواحد منهم يقوم بالاوراد الكثيرة والنوافل العديدة الثقيلة ولا يقوم بفرض واحد على وجهه * فعلى العاقل تحصيل رأس المال ثم تحصيل الربح المترتب عليه وذلك بالاختيار لا بالاضطرار وقد اوجب الله على العباد وجود طاعته لما علم من قلة نهوضهم الى معاملته اذ ليس لهم ما يردهم اليه بلا علة وهذا حال اكثر الخلق بخلاف اهل المروءة والصفاء. قال فى المثنوى شعر : اختيار آمد عبادت رانمك ورنه ميكردد بناخواه اين فلك كردس اورا نه اجرونه عقاب كاختيار آمد هنر وقت حساب ائتيا كرها مهار عاقلان ائتيا طوعا مهار بيدلان اين محب دايه ليك از بهر شير وان دكر دل داده بهر آن ستر تفسير : فاوجب الله عليك وجود طاعته وما اوجب عليك بالحقيقة الا دخول جنته اذا لامر آيل اليها والاسباب عديمة فان تعللت النفس عن التشمير بما هى عليه من الاستغراق فى كل دنى وحقير فاعلم ان من استغرب ان ينقذه الله من شهوته التى اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التى شملته فى جميع الحالات فقد استعجز القدرة الالهية وقد قال الله تعالى {أية : وكان الله على كل شيء مقتدرا}تفسير : [الكهف: 45]. فابان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شئ وهذا من الاشياء وان اردت الاستعانة على تقوية رجائك فى ذلك فانظر لحال من كان مثلك ثم انقذه الله وخصه بعنايته كابراهيم بن ادهم وفضيل بن عياض وابن المبارك وذى النون المصرى ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية كذا فى شرح الحكم العطائية: قال الحافظ قدس سره شعر : عاشق كه شد كه يار بحالش نظرنكرد اى خواجه درد نسيت وكرنه طبيب هست تفسير : قال القاشانى فى تأويل الآية الهدى النور الثانى فى قوله تعالى {أية : نور على نور}تفسير : [النور: 35]. وهو النور الفطرى الازلى المراد من قول المحققين هو الاستعداد من فيضه الاقدس والضلالة ظلمة النشأة الحاجبة له بسلوك طريق المطالب الطبيعية الفاسدة والمقاصد الهيولانية الفاسقة بهوى النفس وتتبع خطوات الشيطان والربح هو النور الاول المقدس الكمالى المكتسب بالتوجه الى الحق والاتصال بعالم القدس والانقطاع والتبتل الى الله من الغير والتبرى بحوله وقوته من كل حول وقوة حتى يخلص روح المشاهدة من اعباء المكابدة بطلوع الوجه الباقى واحراق سبحاته كل ما فى بقعة الامكان من الرسم الفانى وخسرانهم باضاعة الامرين هو الحجاب الكلى عن الحق بالرين كما قال تعالى {أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}تفسير : [المطففين: 14-15]. وفى التأويلات النجميةالاشارة فى الآية ان من نتيجة طغيانهم وعمههم ان رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا فى قلوبهم الضلالة وتمكنت فكانت هذه الحال من نتيجة معاملتهم فلهذا اضاف الفعل اليهم وقال {اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} وانما قال بلفظ الاشتراء لانهم اخرجوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع اليه {فما ربحت تجارتهم} لان خسران من رضى بالدنيا من العقبى ظاهر ومن آثر الدنيا والعقبى على المولى فهو اشد خسرانا واعظم حرمانا فاذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم فما ظنك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت منه الاوقات وبقى فى أسر الشهوات لا الى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب اليه وفود ولا لسره معه شهود فهذا هو المصاب الحقيقى {وما كانوا مهتدين} لابطالهم حسن استعداد قبول الهداية.
الطوسي
تفسير : القراءة: ضم جميع القراء الواو من {اشتروا الضلالة} وروى السوخردي عن زيد ابن اسماعيل بتخفيف ضمة الواو، وكذلك نظائره، نحو: {لنبلون}، {فتمنوا الموت}. وروى عن يحيى بن يعمر في الشواذ أنه كسرها، شبهها بواو: {لو} في قوله: {أية : لو استطعنا لخرجنا} تفسير : وضم يحيى بن وثاب واو (لووا) وفيما ذكرناه شبهها بواو الجمع، والصحيح ما عليه الفراء، لأن الواو في الآية ونظائرها واو الجمع فحركت بالحركة التي من جنسها لالتقاء الساكنين. المعنى: وهذه الآية الاشارة بها إلى من تقدم ذكره من المنافقين، وقال ابن عباس اشتروا الكفر بالايمان، وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى، وقال ابن مسعود: اخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا. وهذه الأقوال متقاربة المعاني. فان قيل كيف اشتروا هؤلاء القوم الضلالة بالهدى، وانما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم ايمان؟ فيقال فيهم باعوا ما كانوا عليه بضلالتهم التي استبدلوها منه، والمفهوم من الشراء اعتياض شيء يبذل شيء مكانه عوضاً منه، وهؤلاء ما كانوا قط على الهدى. قلنا: من قال: بان الآية مخصوصة بمن كفر بعد إيمانه. فقد تخلص من هذا السؤال غير أن هذا لا يصح عندنا، من أن من آمن بالله لا يجوز أن يكفر. وان حملنا على اظهار الايمان، لم يكن في الآية توبيخ، ولا ذم والآية تتضمن التوبيخ على ما هم عليه؛ لأنها اشارة إلى ما تقدم وتلك صفات المنافقين. والجواب عن ذلك ان نقول: إن من ارتكب الضلالة وترك الهدى، جاز ان يقال ذلك فيه ويكون معناه: كان الهدى الذي تركه هو الثمن الذي جعله عوضاً عن الضلالة التي أخذها فيكون المشتري أخذ المشترى مكان الثمن المشترى به كما قال الشاعر: شعر : أخذت بالجمة رأساً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدرا كما اشترى المسلم اذ تنصرا تفسير : ومنهم من قال: استحبوا الضلالة على الهدى انما قال ذلك لقوله تعالى {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : فحمل هذه الآية عليه. ومن حملها على انهم اختاروا الضلالة على الهدى. فان ذلك مستعمل في اللغة يقولون اشتريت كذا على كذا. واشتريته يعنون اخترته. قال اعشى بني ثعلبة. شعر : فقد اخرج الكاعب المسترا ة من خدرها واشيع القمارا تفسير : يعني: المختارة. قال ذو الرمة في معنى الاختيار: شعر : يذب القصايا عن شراة كأنها جماهير تحت المدجنات الهواضب تفسير : وقال آخر: شعر : إن الشراة روُفة الأموال وحزرة القلب خيار المال تفسير : والأول أقوى لقوله: {فما ربحت تجارتهم} فبين ان ذلك بمعنى الشراء والبيع الذي يتعارفه الناس. والربح ـ وان اضافه إلى التجارة ـ فالمراد به التاجر لأنهم يقولون ربح: بيعك وخسر بيعك وذلك يحسن في البيع والتجارة، لأن الربح والخسران يكون فيهما. ومتى التبس فلا يجوز إطلاقه. لا يقال: ربح عبدك اذا أراد ربح في عبده، لأن العبد نفسه قد يربح ويخسر. فلما أوهم لم يطلق ذلك فيه. وقيل: إن المراد، فما ربحوا في تجارتهم. كما يقال: خاب سعيك: أي خبت في سعيك. وانما قال ذلك لأن المنافقين بشرائهم الضلالة خسروا ولم يربحوا، لأن الرابح من استبدل سلعة بما هو أرفع منها. فاما اذا استبدلها بما هو أدون منها فانما يقال خسر فلما كان المنافق استبدل بالهدى الضلالة وبالرشاد الخيبة عاجلا وفي الآخرة الثواب بالعقاب كان خاسراً غير رابح. وانما قال: {وما كانوا مهتدين}، لأنه يخسر التاجر ولا يربح ويكون على هدى. فأراد الله تعالى أن ينفي عنهم الربح والهداية فقال: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} باستبدالهم الكفر بالايمان، واشترائهم النفاق بالتصديق، والاقرار بها. فان قيل: لم قال: فما ربحت تجارتهم في موضع ذهبت رؤوس اموالهم؟ قيل: لأنه قد ذكر الضلالة بالهدى، فكأنه قال: طلبوا الربح فما ربحوا، لما هلكوا. وفيه معنى ذهبت رؤوس اموالهم ويحتمل ان يكون ذلك على التقابل: وهو ان الذين اشتروا الضلالة بالهدى لم يربحوا، كما ان الذين اشتروا الهدى بالضلالة، ربحوا.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : تحقيق الآية يبتني على مقدّمات: إحداها: أن الإنسان ما دام كونه الدنيوي بمنزلة مسافر يسافر للتجارة، أما كونه مسافراً، فأمر قد جُبل عليه كل ما هو متعلق الوجود بالطبيعة الجمسانية والكون الدنيوي، إذ قد حقّق في مقامه بالبرهان الذي لاح لنا بفضل الله، أن الطبائع الجسمانية أبداً في التحول والانتقال والتجدّد والزوال من حال الى حال، استحالة جوهرية وانتقالاً ذاتياً وتوجهاً جِبلّياً الى نشأة اخرى، وأما كونه تاجراً فممّا فيه لاختياره مدخل، إذ الفائز بسعادة الربح الأخروي، إنما يفوز به بأعمال صحالة اختارية، والممنوّ بشقاوة الخسران الأبدي، إنما يبتلى به بأعمال فاسدة اختارية، كما قال تعالى: {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [التوبة:95]. وقوله: {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى:30]. وقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة:7-8]. المقدمة الثانية: انه لما كان كل مسافر للتجارة لا بدّ له من رأس مال، وقد ثبت أن الإنسان مسافر للتجارة، فلا بدّ له من رأس مال، ورأس ماله هو الفطرة الأصلية التي قد فطره الله عليها، وهي القوة الاستعدادية لأجل الوصول الى الدرجات العاليات، والفوز بالمنازل والسعادات، وهذه القوة الفطرية، هي المعبّر عنها في هذه الآية بالهدىٰ، إذ الهدىٰ عبارة عن كون السالك على الطريق الذي يؤدي الى مطلوبه ويقابله الضلال، وهو كونه جائراً منحرفاً عن ذلك الطريق، فعلىٰ ما فسّرنا الهدىٰ به، ليس لأحد أن يقول: كيف اشترَوا الضلالة بالهدى، وما كانوا على هدى قطّ؟ لأن كل واحد من الناس، في أول نشأته وحداثة وجوده على رأس الطريق منه الى الله، فهو على هدى بحسب الفكرة، وإنما يقع الجور بحسب ما يكتسبه من الأفعال والاعتقادات، كما ورد في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):"حديث : كل مولود يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ". تفسير : المقدمة الثالثة: أنّ الربح والخسران ليسا بأمرين عارضين لغاية هذا السفر، ممكنَي الانفكاك عن منازل هذه الحركة، بل الوصول الى كل منزل من منازل الآخرة يلزمه ما يخصّه من ربح أو خسران، أو نعيم أو حرمان، أو راحة أو عذاب، بل الربح هنا بنفس الوصول الى المنزل الأسنى والمقام الأعلى، وكذا الخسران بنفس الوصول الى الهوى الأدنى. سُئل بعض أهل الله عن عذاب القبر، فقال: القبر كلّه عذاب، إشارة الى أن العذاب عبارة عن الانحباس في مضيق البرازخ السفلية، والتقيّد بقيود المؤذيات الحيوانية، والتألّم بآلام العقارب والحيّات النفسانية، كما أنّ النعيم والراحة بالخلاص عنها والفوز بالدرجات العاليات، لأن ما فيها كلّه رَوْح وريحان وجنة ورضوان، وما في البرازخ السفلية كلّه آلام ومحن ومؤذيات وعقارب وحيّات وسموم ونيران وحميم وزقّوم. فإذا تقررت هذه المقدمات، فنقول: قد حكى الله تعالى عن المنافقين والمغترين بلوامع سراب الدنيا من أهل الكتاب وغيرهم، الذين تفقّهوا لغير الدين، وعملوا بغير عمل أهل اليقين، طلباً للحطام ومصيدة للعوام؛ بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا الآخرة بالأولى والدرر الفاخرة بالثمن الأوكس الأدنى، واستبدلوها به حيث إنهم أخلّوا بالهدى الذي جعلهم الله في أصل الفطرة التي فطر الناس عليها، محصّلين الضلالة التي ذهبوا اليها، واختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى، فجاورا عن القصد وفقدوا الاهتداء. وأصل الاشتراء: بذل الثمن أو ما يجري مجراه، لتحصيل ما يطلب من الأعيان، سواء كان عيناً محسوساً أو غيره كما في قوله: شعر : أخذت بالجُمّة رأساً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدُردُرا وبالطويل العمر عمراً جيدرا كما اشترى المسلم إذ تنصّرا تفسير : فإن كان أحد العوضين ناضّاً، تعيّن من حيث انه لا يطلب لعينه أن يكون ثمناً وبذله اشتراء، وإلا فأي العوضين تصوّرتَه بصورة الثمن، فباذلُه يكون مشترياً وآخذه يكون بائعاً، ولذلك عدّت الكلمتان من الأضداد. وقوله: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ}، ترشيح للمجاز، لما استعمل الاشتراء في معاملتهم أتبعَه ما يشاكله تمثيلاً لخسارتهم كما قيل: شعر : ولما رأيت النسر عرّى ابن دأية وعشّش في وَكريه جاش له صدري تفسير : وأما إسناد الربح الى التجارة - والحال انه لأربابها - فهو على سبيل الاتسّاع، لتلبّسها بالفاعل، أو لمشابهتها ايّاه من حيث إنها سبب الربح والخسران. فصل وأما قوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}، فمعناه: أن الذي يقصده التاجرون في أسفارهم ومتصرفاتهم أمران: سلامة رأس المال، والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين وفاتوا المقصدين؛ لأن رأس مالهم هو الفطرة الصافية عن المزاحمات، واللوح الصافي النفساني، والعقل الهيولاني، فلما اعتقدوا هذه الآراء الخبيثة، وانتقشت نفوسهم بهذه النقوش المزخرفة، وانفعلت عقولهم عن هذه العقائد الباطلة. فخرجت فطرتهم عمّا كانت عليها، وبطل استعدادها لتحصيل ما هو موجب حياتها في معادها، وزينة ذاتها وسبب عيشها في الآخرة، فهؤلاء مع انهم لم يربحوا فقد خسروا، وأفسدوا رأس مال العقل السليم المهتدي الى طريق الحق، والفوز بالنعيم، فلهم الحسرة والعذاب الأليم. وقال قتادة في معنى هذه الآية: انتقلوا من الهدى الى الضلال، ومن الطاعة الى المعصية، ومن الجماعة الى الفرقة، ومن الأمن الى الخوف، ومن السنّة الى البدعة. أقول: والكل صحيح، لأنها من لوازم الخروج عن الفطرة الساذجة بالعقيدة الفاسدة في باب المبدإ والمعاد، فإن بناء الحسنات والخيرات كلها على معرفة الحق والسلوك بما يوجبه، وبناء السيئات والشرور على الجهل به والحيَد عن صراطه.
الجنابذي
تفسير : بيان اشتراء الضلالة بالهدى {أُوْلَـٰئِكَ} المحضرون بالاوصاف المذمومة المهانون غاية الهوان {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} الضّلال والضّلالة مصدرا ضلّ الانسان اذا فقد الطّريق، وضلّ المال اذا فقد ولم يدر صاحبه اين هو، والهدى الدّلالة والرّشد والبيان يذكّر ويؤنّث والمراد به هنا الاهتداء الى الطّريق المستقيم الانسانىّ على ان يكون مصدراً مبنيّاً للمفعول، او هداية الله لهم الى الطّريق المستقيم الانسانىّ على ان يكون مبنيّاً للفاعل، "والشّرا" مقصوراً وممدوداً من الاضداد يطلق على البيع والشّراء، والاشتراء خاصٌ بالمشترى فى العرف العامّ كالبيع للبائع. واعلم انّ الانسان ذا شؤنٍ كثيرة بحسب طرقه الى دار الاشقياء وطريقه الى دار السّعداء وشؤنه الّتى له بحسب كونه على طريق السعداء ذاتيّة له فكأنّ الله ملّكه ايّاها والشّؤن التى له بحسب كونه على طريق الاشقياء عرضيّة له كأنّها مملوكة لغيره وانّ الاوصاف الّتى هى فى هذا العالم أعراض قائمة بغيرها لها حقائق قائمة بذواتها فى عالم آخر فانّ الضلالة الّتى هى وصف اعتبارىّ اضافىّ لها حقيقة متجوهرة فى عالم النّفس وهى من شؤنها ومراتبها وكذلك الهداية اذا تمهّد هذا فنقول: لمّا كان الاشتراء أخذ مال الغير بثمنٍ مملوكٍ للمشترى فان لم يعتبر فيه قيد آخر كما هو الحقّ فالشّراء على حقيقته وان اعتبر كون المبيع والثّمن من الاعراض الدّنيويّة وكون الاشتراء بصيغة مخصوصةٍ كان الاشتراء استعارة وكان قوله {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} ترشيحاً للاستعارة ونسبة الرّبح الى التّجارة مجاز عقلىّ والرّبح هو الفضل على رأس المال فى المعاملة كما انّ الخسران هو نقصان رأس المال، ونفى الرّبح اعمّ من بقاء رأس المال ونقصانه واتلافه رأساً كما انّ الخسران أعمّ من نقصان رأس المال واتلافه {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} من قبيل عطف الاقوى على الاضعف والمعنى بل ما كانوا مهتدين اى اتلفوا بضاعتهم رأساً فانّه تعالى جعل الهدى بضاعتهم ولذا جعله فى الاشتراء ثمناً او من قبيل عطف العلّة على المعلول اى ما ربحوا لانّهم لم يهتدوا الى طرق التّجارة والمرابحة او المعنى اشتروا الضّلالة بالهدى لانّهم ما كانوا مالكين للهدى فانّ الهدى كان عارية لهم سواء أريد بالهدى الاستضاءة بنور الاسلام بالبيعة مع محمّدٍ (ص) او شؤن النّفس المستضيئة بنور الاسلام او الشّؤن المستعدّة للاستضاءة بنور الاسلام او الايمان، او من قبيل عطف الجمع اى ما ربحوا ما صاروا مهتدين الى طريق النّجاة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال بعضهم: في ضلالهم يلعبون. وقال بعضهم: في ضلالتهم يتمادون. قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} يعني اختاروا الضلالة على الهدى. وقال بعضهم: استحبّوا الضلالة على الهدى. قال الله: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}. ثم ضرب مثلهم فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}.[قال الحسن: يعني مثلهم كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة في يده شعلة من نار، فهو يبصر بها موضع قدميه. فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فلم يبصر كيف يمشي] وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا، فحقن بها دمه وماله وسباء ذريته، وناكح بها المسلمين وغازاهم ووارثهم بها، وأخذ الحقوق، فلما جاءه الموت ذهب ذلك النور لأنه لم يحققه بعمله ولم يكمِّل فرضه، فطفىء نوره القليل الذي كان معه، وهو التوحيد، كما طفئت النار التي استوقدها صاحبها فأضاءت ما حوله، فبقي في ظلمة حين طفئت النار. ثم قال: {صُمٌّ} يعني عن الهدى فلا يسمعونه {بُكْمٌ} عنه فلا ينطقون به {عُمْيٌ} عنه فلا يبصرونه. ثم قال: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي إلى الإِيمان، يعني أنهم لا يتوبون من نفاقهم.
اطفيش
تفسير : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى}: بقوا على الضلالة وأعرضوا عن الهدى بعد ما جاءهم، وأمروا به شبه بقائهم عليها، وإعراضهم عنه بشراء شىء ردىء بشىء كريم، بجامع التمسك بردىء وترك كريم، ففى اشترى استعارة تبعية تصريحية تحقيقية، والمعنى اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى الذى فطر الله الناس عليه، وللفطر عليه وتمكنهم منه صار كأنه بأيديهم، فساغ إطلاق استبداله، وأصل الاشتراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو من الانتفاع بها، فإن كان أحد العوضين ديناراً أو درهما تعين أن يكون ثمناً من حيث إنه لا يطلب لعينه وبذله اشتراء، وإلا فأى العوضين تصورته بصورة الثمن، فباذله مشتر وآخذه بائع، ولذلك يستعمل اشترى بمعنى باع وباع بمعنى اشترى، وإذا صورت إحدهما بصورة الثمن فهو الذى تدخل عليه الباء، فإدخال الباء فرع التصور ثمناً فيعرف فى كلام غيرك بالباء فلا إشكال فى قولنا فأى العوضين.. إلخ، ولا يرجح عليه قولك الثمن ما دخلت عليه الباء ولو ادعى ذلك زكريا، واستعير الاشتراء للإعراض عما فى يدك محصلا به غيره معنى أو عيناً كقوله: شعر : أخذت بالجمة رأساً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمرا حيدرا كما اشترى المسلم إذا تنصرا تفسير : أى كما اشترى المسلم، وهو جبلة ملك غسان، الكفر بالإسلام حين تنصر، والجمة، بضم الجيم، مجتمع شعر الرأس والداء للبدن، والأزعر الأصلع، والدردر بضم الدالين المهملين منبت الأسنان بعد سقوطها، وقال الجوهرى: مغارز أسنان الصبى، والعمر بدل من الطويل أو بيانه، والحيدر القصير ثم اتسع فاستعمل للرغبة عن الشىء طمعاً فى غيره، وكقول الله عز وجل فيما يعيب به بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة، والضلالة الميل عن القصد وفقد الاهتداء، وتخصيصه شرعاً بالميل عن دين الله حقيقة شرعية ومجازاً استعاريا لغويا، وقوله عز وجل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} إلى قوله: {بالكافرين} لحيرة العدو وضلاله والتباسه أمره عليه إلى أن يؤول ذلك إلى دماره، تكتب فى خرقة من قميصه الذى عرق فيه، وتكتب فيه اسمه واسم أمه سبع مرات، ثم يدفن ذلك فى عتبة داره فى كوز فخار جديد، وإن فعل ذلك لمن لا يحل أن يفعل له شرعاً رجع الضر عليه. {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ}: ذكر الربح والتجارة ترشيح الاستعارة المذكورة فى اشتروا، لأنهما ملائمان للمشبه به، فإن الربح إنما ينفى عما من شأنه أن يقع فيه، ولم يقع وهو الشراء الحقيقى، والتجارة طلب الربح بالبيع والشراء قاله القاضى، وأولى منه أن يقال: هو الصرف بالبيع والشراء للربح، والربح الفضل على رأس المال، وكل ذلك ملائم للمشبه به، ولكون الربح الفضل على رأس المال، سمى بالشف يقال لهذا على هذا شف أى فضل، وأشفه فضله، ويستعمل أيضاً فى النقص، ونفى ربح تجارتهم تمثيل لخسارتهم وتصوير لحقيقتها. فيجوز عندى أن يكون ذلك استعارة تمثيلية لا يمنع ذلك كونه ترشيحاً للاستعارة السابقة عن هذه. وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد إلى الظرف المجازى، فهو مجاز عقلى ويسمى تجوزاً فى الإسناد، وتجوزاً فى الحكم، وحقيقة الكلام عما ربحوا فى تجارتهم بإسناد الربح لأرباب التجارة، أو من الإسناد إلى السبب أو الملزوم، فان التجارة سبب للربح وملزوم له ملزوماً بيانيا، أو من الإسناد للمخالط المجاور، فإن التجارة تخالطت التاجر أو شبه التجارة بعبدهم أو خادمهم أو من يقيمونه على التصرف فى أموالهم للربح على طريق الاستعارة المكنية، ورمز إليها بالربح فكما أن العبد أو الخادم أو نحوهما جالب الربح، أو خسران كذلك التجارة، وقرأ ابن أبى عبلة تجاراتهم بالجمع بألف وتاء. {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}: إلى الحق أو إلى طريق التجارة، والمقصود بها وهو الربح، فإنهم لم يعرفوا كيف يتجرون فى أمر الدين فلم يحصل لهم الربح، فإن رأس المال هو الهدى ولم يبق لهم مع الضلاة هدى، ومن لم يتحصل عليه لم يتصف بالربح فإنه بعد رأس المال، ولو عرفوا كيف يتجرون لباعوا الكفر بالهدى، فيرعون الهدى، ومما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة فيكونون كمن باع ما لا قيمة له لخسته لما لا غاية لقيمته، وأيضاً لك أن تقول كما مر رأس المال ما فطر الله - جل وعلا - الناس عليه من الإسلام، وما منحهم من التمكن منه، ولما اعتقدوا الضلالة بطل استعدادهم من الفطرة، واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوصلون به إلى درك الحق، ونيل الكمال وخير الدنيا والآخرة، فقدوا الأصل والربح، وكما أن جملة {رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ترشيح للاشتراء، كذلك جملة {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ترشيح للضلالة، كأنه قيل بقوا على الضلالة التى ضلوها فإن عدم الاهتداء بقاء عليها، فإن من ضل عن بلدة فى الصحراء أو عن شىء قد يهتدى إليه، وهؤلاء لما مالوا عن الحق لم يهتدوا إليه. ولك أن تقول ترشيح لقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} فهو ترشيح للترشيح لأن {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ترشيح للاشتراء وهذا يصح. ولو حملنا {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} على غير الاستعارة من أنواع المجاز المذكورة، لأن الترشيخ كما يجوز فى الاستعارة يجوز فى المجازالعقلى والمجاز المرسل نحو اليد الطولى، فإن استعمال اليد بمعنى القدرة مجاز مرسل، لأن اليد الجارحة آلة للقدرة وسبب لها، والطول مما يناسب اليد، وكنى به عن الكمال ومحط جعل هذه الجملة ترشيحاً للترشيح أن تجعل المعنى ما كانوا مهتدين لطريق التجارة أو للربح، وما كان ترشيحاً لترشيح الشىء فهو ترشيح للشىء، والعرب ترغب فى الترشيح ترشيح المعنى المجازى بملائمات الحقيقة، وكلما ازداد الترشيح أو ابتنى ترشيح على آخر ازداد الكلام حسناً، ألا ترى أن معنى قوله: شعر : ولما رأيت النسر عز بن داية وعشش فى وكريه جاش به صدرى تفسير : ومعنى قولك: ولما رأيت الشيب غلب السواء فى اللحية والرأس وتمكن فيهما تحرك له صدرى معنى واحد، والبيت أدخل فى القلب وأعلق به وأثبت، لما فيه من المجاز المشتمل على تشبيه الشيب بالنسر، والسواد بابن داية، وهو الغراب، وترشيح ذلك بالتعشيش والوكرين، فإنهما مناسبان للغرابة لا للشيب، فإن للغاب وكر شتاء ووكر صيف والتعشيش أخذ العش وهو مهاد يأخذه للتفريخ من رقاق العيدان والأشياء اللينة فى الشجر، وما فى الجدار والجبل، يسمى وكراً ويسمى أيضاً عشا.
اطفيش
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَٰلَةَ بِالْهُدَى} تركوا الهدى الذى فى وسعهم وطاقتهم، جعل الهدى الذى لم يوجد لهم كالموجود لأنه فى طاقتهم ويولدون عليه، ولظهور حججه حتى كأنهم قبلوه، وجعل الإعراض عنه والتلبس بضده الذى لا يجتمع معه كالشراء، فسماه شراء، الإشارة إلى المنافقين المذكورين فى تلك الآيات بتلك الأوصاف، لا إلى أهل الكتاب كما قيل، ولا إلى الكفار مطلقاً كما قيل؛ لأن التنزيل فى غيرهم لا فيهم ولو وجد المعنى فيهم، فضلاعن أن تفسر بهم {فَمَا رَبِحَتْ تِجَٰرَتُهُمْ} انتفى عنهم الريح فى تجارتهم المعهودة، التى هى شراء الضلالة بالهدى، بل خسروا أبدانهم وأوقاتهم وأموالهم، إذ لم ينالوا بها الجنة، وأضاعوا منازلهم وأزواجهم فى الجنة، وصاروا للنار بتلك الضلالة، والهدى هنا اسم مصدر بمعنى الاهتداء أو اسم للمعنى الحاصل من الهداية، كأنه قيل، اشتروا الضلالة بالاستقامة. وإسناد الربح إلى التجارة إسناد إلى السبب؛ أو الملزوم، أو المحل {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} إلى طريق التجر والربح، إذ أضاعوا رأس المال والربح، والآية كناية عن انتقاء مقصد المتجر وهو الربح مع حصول ضده، وهو الخسارة، وذلك شأن الدين، إما لربح أو الخسارة، بخلاف تجارة المال مقد لا تربح ولا تخسر، أو كناية عن إضاعة رأس المال، فإن من لم يهتد بطريق التجر تكثر الآفات على ماله، أو المراد أنهم لم يتجروا فلا ربح، كقوله: على لاحب لا يهتدى بمناره، أى لا منار فيه.
الخليلي
تفسير : هذا الكلام يفيد تقرير ما تقدم من أوصاف أهل النفاق وما يترتب عليها، ومن حيث إن التقرير في مضمونه التأكيد قُطع عما قبله، وقد يقتضي الحال أن يسأل السامع لأوصافهم المتلوة فيما تقدم عن منشأ تلك العجرفة وسبب ذلك الغرور، فيجاب {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} وهذا يعني أنه استؤنف استئنافا بيانيا، وهو من دواعي عدم العطف أيضا، ومن ناحية أخرى فإن هذه فذلكة لما سبق، ومن عادة الفذلكة أن تكون مقطوعة كما في قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}. والأصل في الاشارة أن تكون إلى متعين إما بحضور شخصه، أو بتعين وصفه، كما تقدم في قوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ}، والمشار إليهم هنا ليست شخوصهم كلها معلومة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما يدل عليه قوله تعالى {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، وثم الكثير من الأحاديث الدالة على أن جمهرة من المنافقين لم يكونوا متعينين بشخوصهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وإنما جازت الاشارة إليهم لما تقدم من الآيات الكاشفة لأحوالهم، المحددة لأوصافهم، التي جعلتهم كأنما يشاهدون رأي العين. والاشارة هنا لا تفيد قربا ولا بعدا لعدم الاشارة إلى مكان المشار إليه. والاشتراء هو أخذ المثمن ودفع الثمن، فهو كالابتياع، وذهب بعض أئمة اللغة إلى أن فعل وافتعل يتعاقبان في مادة الشراء، ولعلهم يستدلون لذلك بقول الشاعر: شعر : فإني شريت الحلم بعدك بالجهل تفسير : وانتقد ابن عاشور التسوية بينهما، وذكر أن الذي جرأهم عليه سوء التأمل في قوله تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} تفسير : [يوسف: 20]، فتوهموا أن الضمير عائد إلى المصريين، مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من قوله تعالى: {أية : وجاءت سيارة} تفسير : [يوسف: 19]، أي باعوه، ثم قال: "وحسبك شاهدا على ذلك قوله" {أية : وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} تفسير : [يوسف: 20] أما الذي اشتراه فهو فيه من الراغبين، ألا ترى قوله لامرأته {أية : أكرمي مثواه} تفسير : [يوسف: 21]. وللغويين أن يستدلوا لقولهم بقول الشاعر: شعر : إن الشباب رابح من باعه تفسير : فإنه من المعلوم أن آخذ الشباب هو الرابح وليس باذله، ومن الواضح أن البائعين كلاهما آخذ ومعط، فما المانع من جواز تعاقب الفعل والافتعال من كلتا الكلمتين في كل منهما. وبما أن البيع والشراء يقتضيان استبدال شيء بآخر، أطلقت العرب الاشتراء على مطلق الاستبدال، ومنه قول الشاعر: شعر : أخذت بالجمة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمرا حيدرا كما اشترى المسلم إذ تنصرا تفسير : وقول الآخر: شعر : إنا بني نهشل لا ندعى لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا تفسير : ونحوه في البيع كقول الحماسي: شعر : وما إن بعت منزلة بأخرى حللت بأمره وبه تسير تفسير : وحمل جماعة من المفسرين الاشتراء هنا على هذا المعنى، ورأى آخرون أن إطلاق الاشتراء على اختيارهم الضلالة على الهدى، لأن من اشترى شيئا لا يشتريه إلا وهو فيه راغب، وفي ثمنه زاهد، ومن حيث إن هؤلاء زهدوا في الهدى ورغبوا في الضلالة، أُطلق على فعلهم الاشتراء، وهو من المجاز المرسل بعلاقة اللزوم. وانتقد الامام محمد عبده تفسير الاشتراء بالاستبدال لما بين اللفظين من فارق، والقرآن الكريم لا يؤثر لفظا على لفظ إلا لمزية فيه، ولخص الفارق بينهما في وجهين: أحدهما: أن الشراء لا يكون إلا لفائدة يطلبها كل من البائع والمشتري، سواء كانت حقيقية أو وهمية، والاستبدال أعم من ذلك. ثانيهما: أن الشراء يكون بين طرفين ولا يلزم ذلك في الاستبدال، فقد يستبدل أحد ثوبا من ثيابه بثوب من غير أن يكون في مقابله أحد، ولا يصدق على ذلك أنه بيع أو شراء، وفي هذا ما يدل على أن معنى الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة يتوهمونها، فهو معاوضة بين طرفين يُقصد بها الربح. ثم أوضح الامام ذلك بما معناه أنهم كانت عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام وتبشير بمبعث نبي يُحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ويغمر الأرض نوره، ويشمل الأمم هداه، فيعطي العقول حقها من الاستقلال، ويجعل لكل فرد حرية في الأفكار، فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل، والمشاعر، وهداية الدين والكتاب، غير أنهم تفشت منهم الأحداث والبدع، واستولت عليهم الانحرافات والضلالات، فعلا سلطان ذلك على سلطان الدين، ونتج عنه ضلال الرؤساء في فهمه بإخلادهم إلى تحكيم تقاليدهم الموروثة ونبذهم الكتاب بطرق من التحريف والتأويل، كما نتج عنه إهمال المرؤوسين التفكر والنظر في الكتاب بسبب حظر الرؤساء ذلك عليهم، ومن هنا ضل الفريقان في استخدام العقل، وفي فهم الوحي بعد أن كان ذلك ميسرا لهما، واستعاضا عنه المنافع العاجلة، فللرؤساء المال والجاه والتفخيم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه الرؤساء على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف بالفتاوى الباطلة، والتأويل المحرف، هكذا استحبوا العمى على الهدى، وهو العقل والدين رغبة في الحطام، وطمعا في الجاه الكاذب. هذا معنى كلامه، وهو مبني على ما تقدم ذكره عنه أنه يرى أن المنافقين المعنيين في الآيات كانوا من اليهود وحدهم، ولغيره أن يتعقب تفسيره للاشتراء بأن المعاوضة التي تكون بين طرفي المبايعة اللغوية غير موجودة هنا، إذ لم يكن فريق آخر دفعوا إليه ما كان عندهم من الهدى وأخذوا ما عنده من الضلال، على أن العرب يطلقون هذا اللفظ أحيانا على مطلق الاستبدال من غير مراعاة للقيود التي ذكرها، كالشاهد المتقدم: شعر : فإني شريت الحلم بعدك بالجهل تفسير : إذ لم يكن في ذلك طرفان، بائع ومشتر، ولا فائدة في هذا الشراء حقيقية أو وهمية، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: "أخذوا الضلالة وتركوا الهدى"، ومثله عن ابن عباس، وأناس من الصحابة - رضوان الله عليهم -، وأخرج هو وابن أبي حاتم، وعبدالرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال: "استحبوا الضلالة على الهدى"، ويعضده قول الله سبحانه: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]. وفسر ابن عباس - رضي الله عنهما - الضلالة هنا بالكفر، والهدى بالايمان، وقد تقدم معنى الكلمتين في تفسير الفاتحة الشريفة. ولسائل أن يسأل، كيف استعاضوا الضلالة بالهدى مع أنهم لم يكونوا مهتدين من قبل، على أن قطب الأئمة - رحمه الله - فسر في هيميانه اشتراءهم الضلالة بالهدى ببقائهم على الضلالة وإعراضهم عن الهدى. والجواب أنهم كانوا متمكنين من الهدى، إذ لم يكونوا مكرهين على الضلالة، وقد لاحت لهم أعلام الحق، وأشرقت بين أيديهم أنوار الحقيقة، وإنما رفضوه من تلقاء أنفسهم على أن الدين القويم هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما من أحد إلا وهو مفطور عليه، غير أن البيئات الفاسدة، والتربيات المنحرفة، وإيثار العاجلة على الآجلة، هي السبب في انتزاع هداية الدين، والحاجز بين النفس والانتفاع بهذه الهداية. ومن المفسرين من يحمل هذا الوصف على قوم آمنوا من قبل ثم ارتدوا في سريرتهم، وهم المعنيون بقوله تعالى {أية : كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 86]، وقوله {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون: 3]، وهو معنى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد عن مجاهد، قال آمنوا ثم كفروا، وهو مقتضى قول قتادة: قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. وانتقد ابن جرير من قال إن هذا الوصف فيمن آمن ثم كفر، لأن السياق يأبى ذلك، فإن كل ما في سورة البقرة من وصف المنافقين دال على أن الايمان لم يصل إلى سويداء قلوبهم في وقت من الأوقات وإن ادعوه بأطراف ألسنتهم، وهذا يعني أن فريق المنافقين المذكور هنا غير الذين ذكروا في قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا}، وقوله {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}. ولما كان كل من المتبايعين يسعى إلى الربح، إذ هي ثمرة التجارة ومطمح التجار، عُقِّب ما تقدم ببيان أن هؤلاء المنافقين فشلوا في سعيهم، وخابوا في أملهم، ومن المعلوم قطعا أن من آثر الضلال على الهدى، واختار الكفر على الايمان، فقد بذل ما ينفع في مقابل ما يضر، وتلك هي الخسارة العظمى، وإنما عُدل عن التنصيص على خسرانهم إلى نفي ربحهم للتنبيه على أنهم كانوا بصنيعهم يهدفون إلى مكاسب يبتغونها، ومنافع يتصورونها أجدى لهم من هداية الدين، ولما كانت تلك المنافع لا توازي شيئا بجانب ما افتقدوه من الهدى مع ما كان ينغصها عليهم من الخوف والحذر، نُفي عنهم الربح لعدم الاعتداد بها، ومن المعلوم أنهم أضاعوا رأسمالهم بهذا العسف، ففقدوا الطلبتين بقاء رأس المال وحصول الربح، ولما كان انتفاء الربح مترتبا على الاشتراء عُطف عليه بالفاء. والتجارة هي صنعة التاجر، والربح طلبته منها. وبما أن إيثار الضلالة على الهدى ليس من الاهتداء في شيء، اختار بعض المفسرين أن يكون قوله عز وجل من بعد {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} نفيا للهدى اللغوي حتى لا يكون ذلك تكرارا مع ما في قوله {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}، وهو معنى قول بعضهم وما كانوا مهتدين في هذا الخداع لأنهم رجوا فلاحهم، فخاب رجاؤهم بما تفشى من فضيحتهم عند الناس، ويحتمل أن يكون المراد بنفي الاهتداء أنهم ليسوا أهلا له بسبب ما طرأ على فطرتهم من الفساد، وهذا أولى من حمل الألفاظ الشرعية على المفاهيم اللغوية التي نقلها عنها الشارع. هذا ويرى بعضهم أن ما كان عليه المنافقون في الظاهر من نطق بالشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والتحلي بسائر خصال الاسلام ضرب من الهدى، فإذا رجحوا عليه ما في قرارة نفوسهم من عقيدة الكفر، فقد اشتروا الضلالة بالهدى، وهو رأي مردود إذ لا وزن للأعمال الظاهرة مع خلو الباطن من أصلها، وهو الايمان بها، والاخلاص فيها، فالنطق بالشهادتين إن لم يكن صادرا عن عقيدة راسخة في النفس، لا زنة له عند الله، ومثل ذلك جميع الأعمال كإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وانتقد بعض المفسرين تفسير الهدى هنا بالفطرة، لأن المنافقين كانوا مشتركين مع غيرهم في أصل هذه الفطرة، ثم اشتركوا مع المشركين الصرحاء في الانسلاخ منها، وإيثار الضلال عليها، ولقائل أن يقول بأن ذلك لا يمنع من وصف المنافقين بما وُصفوا به؛ لأن القصر هنا ادعائي ليس إلا. والأصل في الربح أن يُسند إلى التاجر، ولكنه أُسند هنا إلى التجارة لأجل الملابسة، وهذا من باب ما يسمى عند أهل المعاني بالمجاز العقلي، وهو ضرب من ضروب البلاغة، وذكر الربح والتجارة بعد ذكر الاشتراء ترشيح للاستعارة بما يلائم المستعار منه، وهو أسلوب من أساليب البلاغة الشائعة عند البلغاء. وهذه الآية مرتبطة بسابقاتها، فهي في المنافقين كما هو بدهي ولا معنى لقول من يقول إنها في أهل الكتاب أو المشركين، أو إنها شاملة للمنافقين وأهل الكتاب، لأنه يفضي إلى خروجها عن نسق ما تقدم وما يأتي، ولا دليل عليه.
الالوسي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } إشارة إلى المنافقين الذين تقدم ذكرهم الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الصلاح وهم المفسدون، ونسبة السفه للمؤمنين - وهم السفهاء - والاستهزاء - وهم المستهزأ بهم - ولبعد منزلتهم في الشر وسوء الحال أشار إليهم بما يدل على البعد، والكلام هنا يمكن أن يكون واقعاً موقع {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 5] فإن السامع بعد سماع ذكرهم وإجراء تلك الأوصاف عليهم كأنه يسأل من أين دخل على هؤلاء هذه الهيئات؟ فيجاب بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى حتى خسرت صفقتهم وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال، وقيل: هو فذلكة وإجمال لجميع ما تقدم من حقيقة حالهم أو تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان أو مقرر لقوله تعالى: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [البقرة: 15] وفيه حصر المسند على المسند إليه لكون تعريف الموصول للجنس بمنزلة تعريف اللام الجنسي وهو ادعائي باعتبار كمالهم في ذلك الاشتراء، / وإن كان الكفار الآخرون مشاركين لهم في ذلك لجمعهم هاتيك المساوىء الشنيعة والخلال الفظيعة، فبذلك الاعتبار صح تخصيصهم بذلك. والضلالة الجور عن القصد، والهدى التوجه إليه، ويطلقان على العدول عن الصواب في الدين والاستقامة عليه، والاشتراء كالشراء استبدال السلعة بالثمن - أي أخذها به - وبعضهم يجعله من الأضداد لأن المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب، ويطلق مجازاً على أخذ شيء بإعطاء ما في يده عيناً كان كل منهما أو معنى، وهذا يستدعي بظاهره أن يكون ما يجري مجرى الثمن - وهو الهدى - حاصلاً لهؤلاء قبل، ولا ريب أنهم بمعزل عنه فإما أن يقال إن الاشتراء مجاز عن الاختيار لأن المشتري للشيء مختار له فكأنه تعالى قال: اختاروا الضلالة على الهدى ولكون الاستبدال ملحوظاً جىء بالباء على أنه قيل إن التوافق معنى لا يقتضي التوافق متعلقاً، ولا يرد على هذا الحمل كونه مخلاً بالترشيح الآتي كما زعمه مولانا مفتي الديار الرومية لأن الترشيح المذكور يكفي له وجود لفظ الاشتراء وإن كان المعنى المقصود غير مرشح - كما هو العادة في أمثاله - أو يقال ليس المراد بما في حيز الثمن نفس الهدى بل هو التمكن التام منه بتعاضد الأسباب وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى، ولا مرية في أن ذلك كان حاصلاً لأولئك المنافقين بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة والإرشاد العظيم والنصح والتعليم لكنهم نبذوا ذلك فوقعوا في مهاوي المهالك، أو يقال: المراد بالهدى الهدى الجبلي وقد كان حاصلاً لهم حقيقة - فإن كل مولود يولد على الفطرة - وقول مولانا مفتي الديار الرومية: إن حمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أن إضاعتها غير مختصة بهؤلاء، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات النقلية والعقلية على أن ذلك يفضي إلى كون - ما فصل من أول السورة إلى هنا ضائعاً - كلام ناشىء عن الغفلة عن معنى الإشارة فإنها تقتضي ملاحظتهم بجميع ما مر من الصفات، والمعنى أن الموصوفين بالنفاق المذكور هم الذين ضيعوا الفطرة أشد تضييع بتهويد الآباء ثم بعد ما ظفروا بها أضاعوها بالنفاق مع تحريضهم على المحافظة والنصح شفاها ونحو ذلك مما لا يوجد في غيرهم كما يشير إليه التعريف، أو يقال: هذه ترجمة عن جناية أخرى من جناياتهم، والمراد بالهدى ما كانوا عليه من التصديق ببعثته صلى الله عليه وسلم وحقية دينه بما وجدوه عندهم في التوراة ولهذا كانوا يستفتحون به ويدعون بحرمته ويهددون الكفار بخروجه {أية : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [البقرة: 89] وأما حمل الهدى على ما كان عندهم ظاهراً من التلفظ بالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والغزو فمما لا يرتضيه من هدي إلى سواء السبيل، وما ذكرناه من أن {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المنافقين - هو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين - والمروي عن مجاهد، وهو الذي يقتضيه النظم الكريم - وبه أقول - وروي عن قتادة أنهم أهل الكتاب مطلقاً، وعن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أنهم الكفار مطلقاً، والكل عندي بعيد، ولعل مراد من قال ذلك أن الآية بظاهر مفهومها تصدق على من أرادوا لا أن الآية نزلت فيهم، وقرأ يحيـى بن يعمر وابن إسحق: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ} بالكسر لأنه الأصل في التقاء الساكنين، وأبو السماك {ٱشْتَرَوُاْ} بالفتح اتباعاً لما قبل، وأمال حمزة والكسائي {ٱلْهُدَىٰ} وهي لغة بني تميم وعدم الإمالة لغة قريش. {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} عطف على الصلة، وأتى بالفاء للإشارة إلى تعقب نفي الربح للشراء وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح، وزعم بعضهم أن الفاء دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء لمكان/ الموصول فهو على حد الذي يدخل الدار فله درهم وليس بشيء لأن الموصول هنا ليس بمبتدأ كما في المثال بل هو خبر عن {أُوْلَـٰئِكَ} وما بعد الفاء ليس بخبر بل هو معطوف على الصلة فهو صلة ولا يجوز أن يكون {أُوْلَـٰئِكَ} مبتدأ و {ٱلَّذِينَ} مبتدأ و {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ} خبر عن الثاني وهو وخبره خبر عن الأول لعدم الرابط في الجملة الثانية ولتحقق معنى الصلة، وإذا كانت الصلة ماضية معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها ولا أن يكون {أُوْلَـٰئِكَ} مبتدأ و {ٱلَّذِينَ} بدلاً منه والجملة خبراً لأن الفاء إنما تدخل الخبر لعموم الموصول والمبدل من المخصوص مخصوص فالحق ما ذكرناه، ومعنى الآية عليه ليس غير كما في «البحر». والتجارة التصرف في رأس المال طلباً للربح ولا يكاد يوجد - تاء - أصلية بعدها جيم إلا نتج وتجر ورتج وارتج، وأما تجاه ونحوه فأصلها الواو، والربح تحصيل الزيادة على رأس المال، وشاع في الفضل عليه، والمهتدي اسم فاعل من اهتدى مطاوع هدى ولا يكون افتعل المطاوع إلا من المتعدي، وأما قوله:شعر : حتى إذا اشتال سهيل في السحر كشعلة القابس ترمى بالشرر تفسير : فافتعل فيه بمعنى فعل تقول: شال يشول واشتال يشتال بمعنى، وفي الآية ترشيح لما سمعت من المجاز فيما قبلها، والمقصد الأصلي تصوير خسارهم بفوت الفوائد المترتبة على الهدى التي هي كالربح وإضاعة الهدى الذي هو - كرأس المال - بصورة خسارة التاجر الفائت للربح المضيع لرأس المال حتى كأنه هو على سبيل الاستعارة التمثيلية مبالغة في تخسيرهم ووقوعهم في أشنع الخسار الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار، وإسناد الربح إلى التجارة ـ وهو لأربابها ـ مجاز للملابسة، وكنى في مقام الذمّ بنفي الربح عن الخسران لأن فوت الربح يستلزمه في الجملة ولا أقل من قدر ما يصرف من القوة، وفائدة الكناية التصريح بانتفاء مقصد التجارة مع حصول ضده بخلاف ما لو قيل خسرت تجارتهم فلا يتوهم إن نفى أحد الضدين إنما يوجب إثبات الآخر إذا لم يكن بينهما واسطة وهي موجودة هنا فإن التاجر قد لا يربح ولا يخسر، وقيل: إن ذلك إنما يكون إذا كان المحل قابلاً للكل كما في التجارة الحقيقية أما إذا كان لا يقبل إلا اثنين منها فنفي أحدهما يكون إثباتاً للآخر، والربح والخسران في الدين لا واسطة بينهما على أنه قد قامت القرينة هنا على الخسران لقوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} وقد جعله غير واحد كناية عن إضاعة رأس المال فإن من لم يهتد بطرق التجارة تكثر الآفات على أمواله، واختير طريق الكناية نكاية لهم بتجهيلهم وتسفيههم، ويحتمل على بعد أن يكون النفي هنا من باب قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره، أي لا منار فيهتدى به فكأنه قال: لا تجارة ولا ربح، والظاهر أن {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} عطف على ما ربحت للقرب مع التناسب والتفرع باعتبار المعنى الكنائي، وبتقدير المتعلق لطرق الهداية يندفع توهم أن عدم الاهتداء قد فهم مما قبل فيكون تكراراً لما مضى وهو إما من باب التكميل والإحتراس كقوله:شعر : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الغمام وديمة تهمى تفسير : أو من باب التتميم كقوله:شعر : كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب تفسير : وقال الشريف قدس سره: إن العطف على {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أولى لأن عطفه على (ما ربحت) يوجب ترتبه على ما قبله بالفاء فيلزم تأخره عنه، والأمر بالعكس إلا أن يقال ترتيبه باعتبار الحكم والإخبار، وفيه أنه لو كان معطوفاً على {ٱشْتَرَوُاْ} كان الظاهر تقديمه لما في التأخير من الإيهام، وحينئذٍ يكون الأحسن ترك العطف احتياطاً كما ذكر في نحو قوله:شعر : / وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلاً أراها في الضلال تهيم تفسير : على أن بين معنى {ٱشْتَرَوُاْ} الخ ومعنى {وَمَا كَانُواْ} الخ تقارباً يمنع حسن العطف كما لا يخفى على من لم يضع فطرته السليمة، وجوّز أن تكون الجملة حالاً، ولا يخفى سوء حاله على من حسن تمييزه. وقرأ ابن أبـي عبلة (تجاراتهم) على الجمع ووجهه أن لكل واحد تجارة، ووجه الإفراد في قراءة الجمهور فهم المعنى مع الإشارة أن تجاراتهم وإن تعددت فهي من سوق واحدة وهم شركاء فيها.
ابن عاشور
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}. الإشارة إلى من يقول {أية : آمنا بالله وباليوم الآخر}تفسير : [البقرة: 8] وما عطف على صلته من صفاتهم وجىء باسم إشارة الجمع لأن ما صدق «من» هو فريق من الناس، وفصلت الجملة عن التي قبلها لتفيد تقرير معنى: «{أية : ويمدهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : [البقرة: 15] فمضمونها بمنزلة التوكيد، وذلك مما يقتضي الفصل، ولتفيد تعليل مضمون جملة {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} فتكون استئنافاً بيانياً لسائل عن العلة، وهي أيضاً فذلكة للجمل السابقة الشارحة لأحوالهم وشأن الفذلكة عدم العطف كقوله تعالى: {أية : تلك عشرة كاملة}تفسير : [البقرة: 196]، وكل هذه الاعتبارات مقتض لعدم العطف ففيها ثلاثة موجبات للفصل. وموقع هذه الجملة من نظم الكلام مقابل موقع جملة {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] ومقابل موقع جملة {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 7] الآية. واسم الإشارة هنا غير مشار به إلى ذوات ولكن إلى صنف اجتمعت فيهم الصفات الماضية فانكشفت أحوالهم حتى صاروا كالحاضرين تجاه السامع بحيث يشار إليهم وهذا استعمال كثير الورود في الكلام البليغ. وليس في هذه الإشارة إشعار ببعد أو قرب حتى تفيد تحقيراً ناشئاً عن البعد لأن هذا من أسماء الإشارة الغالبة في كلام العرب فلا عدول فيها حتى يكون العدول لمقصد كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ذلك الكتاب}تفسير : [البقرة: 2] ولأن المشار إليه هنا غير محسوس حتى يكون له مرتبة معينة فيكون العدول عن لفظها لقصد معنى ثان فإن قوله تعالى: {ذلك الكتاب}مع قرب الكتاب للناطق بآياته عدول عن إشارة القريب إلى البعيد فأفاد التعظيم. وعكس هذا قول قيس بن الخطيم:شعر : متى يأتِ هذا الموتُ لا يُلْفِ حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها تفسير : فإن الموت بعيد عنه فحقه أن يشير إليه باسم البعيد، وعدل عنه إلى إشارة القريب لإظهار استخفافه به. والاشتراء افتعال من الشري وفعله شرى الذي هو بمعنى باع كما أن اشترى بمعنى ابتاع فاشترى وابتاع كلاهما مطاوع لفعله المجرد أشار أهل اللسان إلى أن فاعل هذه المطاوعة هو الذي قبل الفعل والتزمه فدلوا بذلك على أنه آخذ شيئاً لرغبة فيه، ولما كان معنى البيع مقتضياً آخذين وباذلين كان كل منهما بائعاً ومبتاعاً باختلاف الاعتبار، ففعل باع منظور فيه ابتداء إلى معنى البذل والفعل ابتاع منظور فيه ابتداء إلى معنى الأخذ فإن اعتبره المتكلم آخذاً لما صار بيده عَبَّر عنه بمبتاع ومشتر، وإن اعتبره باذلاً لما خرج من يده من العوض، عَبَّر عنه ببائع وشار، وبهذا يكون الفعلان جاريين على سَنَن واحد، وقد ذكر كثير من اللغويين أن شرى يستعمل بمعنى اشترى والذي جرَّأهم على ذلك سوء التأمل في قوله تعالى: {أية : وشَرَوْه بثمن بخس دراهمَ معدودةٍ}تفسير : [يوسف: 20] فتوهموا الضمير عائداً إلى المصريين مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من قوله تعالى: {أية : وجاءت سيارة}تفسير : [يوسف: 19] أي باعوه، وحسبك شاهداً على ذلك قوله: {أية : وكانوا فيه من الزاهدين}تفسير : [يوسف: 20] أما الذي اشتراه فهو فيه من الراغبين ألا ترى إلى قوله لامرأته: {أية : أكرمي مثواه}تفسير : [يوسف: 21]. وعلى ذينك الاعتبارين في فعلي الشراء والبيع كانت تعديتهما إلى المفعول فهما يتعديان إلى المقصود الأصلي بأنفسهما وإلى غيره بالباء فيقال باع فرسه بألف وابتاع فرس فلان بألف لأن الفرس هو الذي كانت المعاقدة لأجله لأن الذي أخرجه ليبيعه علم أن الناس يرغبون فيه والذي جاء ليشتريه كذلك. وإطلاق الاشتراء هنا مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، أطلق الاشتراء على لازمه الثاني وهو الحرص على شيء والزهد في ضده أي حَرَصوا على الضلالة، وزَهِدوا في الهدى إذ ليس في ما وقع من المنافقين استبدال شيء بشيء إذ لم يكونوا من قبل مهتدين. ويجوز أن يكون الاشتراء مستعملاً في الاستبدال وهو لازمه الأول واستعماله في هذا اللازم مشهور. قال بشامة بن حَزن:شعر : إِنَّا بني نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لأَبٍ عنه ولا هُوَ بالأبناء يَشْرينا تفسير : أي يبيعنا أي يبدلنا، وقال عنترة بن الأَخرس المَعْني من شعراء «الحماسة»:شعر : ومَنْ إِنْ بِعْتَ منزلة بأخرى حَلَلْتَ بأمره وبه تَسير تفسير : أي إذا استبدلتَ داراً بأخرى. وهذا بخلاف قول أبي النجم:شعر : أخذتُ بالجمة رأساً أزعرا وبالطويل العُمْر عُمْرا جَيْدار كما اشترى المسلم إذ تنصرا تفسير : فيكون الحمل عليه هنا أن اختلاطهم بالمسلمين وإظهارهم الإيمان حالةٌ تشبه حال المهتدي تَلَبَّسوا بها فإذا خَلوا إلى شياطينهم طرحوها واستبدلوها بحالة الضلال وعلى هذا الوجه الثاني يصح أيضاً أن يكون الاشتراء استعارة بتشبيه تيْنك الحالتين بحال المشتري لشيء كان غير جائز له وارتضاه في «الكشاف». والموصول في قوله {الذين اشتروا} بمعنى المعرف بلام الجنس فيفيد التركيب قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي باعتبار أنهم بلغوا الغاية في اشتراء الضلالة والحرص عليها إذ جمعوا الكفر والسفه والخداع والإفساد والاستهزاء بالمهتدين. {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. رَتَّبت الفاء عدم الربح المعطوف بها وعدم الاهتداء المعطوف عليه على اشتراء الضلالة بالهدى لأن كليهما ناشىء عن الاشتراء المذكور في الوجود والظهور؛ لأنهم لما اشتروا الضلالة بالهدى فقد اشتروا ما لا ينفع وبذلوا ما ينفع فلا جرم أن يكونوا خاسرين وأن يتحقق أنهم لم يكونوا مهتدين فعدم الاهتداء وإن كان سابقاً على اشتراء الضلالة بالهدى أو هو عينه أو هو سببه إلا أنه لكونه عدماً فظهوره للناس في الوجود لا يكون إلا عند حصول أثره وهو ذلك الاشتراء، فإذا ظهر أثره تبين للناس المؤثر فلذلك صح ترتيبه بفاء الترتيب فأشبه العلة الغائية، ولهذا عبر بـ {ما كانوا مهتدين} دون ما اهتدوا لأن ما كانوا أبلغ في النفي لإشعاره بأن انتفاء الاهتداء عنهم أمر متأصل سابق قديم، لأن كان تدل على اتصاف اسمها بخبرها منذ المضي فكان نفي الكون في الزمن الماضي أنسب بهذا التفريع. والربح هو نجاح التجارة ومصادفة الرغبة في السلع بأكثر من الأثمان التي اشتراها بها التاجر ويطلق الربح على المال الحاصل للتاجر زائداً على رأس ماله. والتجارة - بكسر أوله - على وزن فعالة وهي زنة الضائع ومعنى التجارة التصدي لاشتراء الأشياء لقصد بيعها بثمن أوفر مما اشترى به ليكتسب من ذلك الوفر ما ينفقه أو يتأثله. ولما كان ذلك لا ينجح إلا بالمثابرة والتجديد صيغ له وزن الضائع ونفي الربح في الآية تشبيه لحال المنافقين إذ قصدوا من النفاق غاية فأخفقت مساعيهم وضاعت مقاصدهم بحال التجار الذين لم يحصلوا من تجارتهم على ربح فلا التفات إلى رأس مال في التجارة حتى يقال إنهم إذا لم يربحوا فقد بقي لهم نفع رأس المال ويجاب بأن نفي الربح يستلزم ضياع رأس المال لأنه يتلف في النفقة من القوت والكسوة لأن هذا كله غير منظور إليه إذ الاستعارة تعتمد على ما يقصد من وجه الشبه فلا تلزم المشابهة في الأمور كلها كما هو مقرر في فن البيان. وإنما أسند الربح إلى التجارة حتى نفي عنها لأن الربح لما كان مسبباً عن التجارة وكان الرابح هو التاجر صح إسناده للتجارة لأنها سببه فهو مجاز عقلي وذلك أنه لولا الإسناد المجازي لما صح أن ينفى عن الشيء ما يعلم كل أحد أنه ليس من صفاته لأنه يصير من باب الإخبار بالمعلوم ضرورة، فلا تظنن أن النفي في مثل هذا حقيقة فتتركه، إن انتفاء الربح عن التجارة واقع ثابت لأنها لا توصف بالربح وهكذا تقول في نحو قول جرير:شعر : «ونمت وماليل المطي بنائم» تفسير : بخلاف قولك ما ليله بطويل، بل النفي هنا مجاز عقلي لأنه فرع عن اعتبار وصف التجارة بأنها إلى الخسر ووصفها بالربح مجاز وقاعدة ذلك أن تنظر في النفي إلى المنفي لو كان مثبتاً فإن وجدت إثباته مجازاً عقلياً فاجعل نفيه كذلك وإلا فاجعل نفيه حقيقة لأنه لا ينفى إلا ما يصح أن يثبت. وهذه هي الطريقة التي انفصل عليها المحقق التفتزاني في «المطول»، وعدل عنها في «حواشي الكشاف» وهي أمثل مما عدل إليه. وقد أفاد قوله: {فما ربحت تجارتهم} ترشيحاً للاستعارة في {اشتروا} فإن مرجع الترشيح إلى أن يقفى المجاز بما يناسبه سواء كان ذلك الترشيح حقيقة بحيث لا يستفاد منه إلا تقوية المجاز كما تقول له يد طولى أو هو أسد دامي البراثن أم كان الترشيح متميزاً به أو مستعاراً لمعنى آخر هو من ملائمات المجاز الأول سواء حسن مع ذلك استقلاله بالاستعارة كما في هذه الآية فإن نفي الربح ترشح به {اشتروا}. ومثله قول الشاعر أنشده ابن الأعرابي كما في «أساس البلاغة» للزمخشري ولم يعزُه:شعر : ولما رأيت النَّسْر عزَّ ابنَ دايَةٍ وعشّش في وَكْرَيْه جاشَ له صدري تفسير : فإنه لما شبه الشيب بالنسر والشعر الأسود بالغراب صح تشبيه حلول الشيب في محلي السواد وهما الفودان بتعشيش الطائر في موضع طائر آخر؛ أم لم يحسن إلا مع المجاز الأول كقول بعض فُتَّاك العرب في أمه (أنشده في «الكشاف» ولم أقف على تعيين قائله):شعر : وما أُمُّ الرُّدَيْن وإنْ أَدَلَّتْ بعالمة بأخلاق الكرام إذا الشيطانُ قَصَّع في قفاها تَنَفَّقْنَاهُ بالحَبْل التُّؤَامِ تفسير : فإنه لما استعار قصع لدخول الشيطان أي وسوسته وهي استعارة حسنة لأنه شبه الشيطان بضب يدخل للوسوسة ودخوله من مدخله المتعارف له وهو القاصعاء، وجعل علاجهم وإزالة وسوسته كالتنفق أي تطلب خروج الضب من نافقائه بعد أن يسد عليه القاصعاء ولا تحسن هذه الثانية إلا تبعاً للأولى. والآية ليست من هذا القبيل. وقوله: {وما كانوا مهتدين}قد علم من قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} إلى: {وما كانوا مهتدين،} فتعين أن الاهتداء المنفي هو الاهتداء بالمعنى الأصلي في اللغة وهو معرفة الطريق الموصل للمقصود وليس هو بالمعنى الشرعي المتقدم في قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} فلا تكرير في المعنى فلا يرد أنهم لما أخبر عنهم بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى كان من المعْلوم أنه لم يبق فيهم هدى. ومعنى نفي الاهتداء كناية عن إضاعة القصد أي إنهم أضاعوا ما سعوا له ولم يعرفوا ما يوصل لخير الآخر ولا ما يضر المسلمين. وهذا نداء عليهم بسفه الرأي والخرق وهو كما علمت فيما تقدم يجري مجرى العلة لعدم ربح التجارة، فشبه سوء تصرفهم حتى في كفرهم بسوء تصرف من يريد الربح، فيقع في الخسران. فقوله: {وما كانوا مهتدين} تمثيلية ويصح أن يؤخذ منها كناية عن الخسران وإضاعة كل شيء لأن من لم يكن مهتدياً أضاع الربح وأضاع رأس المال بسوء سلوكه.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلضَّلاَلَةَ} {تِّجَارَتُهُمْ} (16) - فَهؤُلاءِ المُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ أَخَذُوا الضَّلاَلَةَ وَالكُفْرَ وَتَرَكُوا الهُدَى وَالإِيمَانَ، وَكَأَنَّهُمْ عَقَدُوا صَفْقَةً بِذَلِكَ، وَلكِنَّ هذِهِ الصَّفْقَةَ خَسِرَتْ وَلَمْ تَربَحْ لأَنَّهُمْ بَاعُوا مَا وَهَبَهُمُ اللهُ مِنْ نُورٍ وَهُدًى، بِضَلاَلاَتِ البِدَعِ وَالأَهْوَاءِ، وَلَمْ يَهْتَدُوا فِي عَمَلِهِمْ هذا إِلى الحَقِّ وَالإِيمانِ والصَّوابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعطينا الحق سبحانه وتعالى صفة أخرى من صفات المنافقين، فيصفهم بأنهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى. وما دام هناك شراء، فهناك صفقة، والصفقة تتطلب مشترياً وبائعاً، وقد كانت السلعة في الماضي تشترى بسلعة أخرى، أما الآن فإن كل شيء يشترى بالمال، ماذا اشتروا؟ إن هؤلاء المنافقين اشتروا الضلالة، واشتروها بأي ثمن؟! .. اشتروها بالهدى! الباء في اللغة تدخل على المتروك، عندما تشتري شيئا تترك ثمنه، إذن: كأن هؤلاء قد تركوا الهدى واشتروا الضلالة، ولكن هل كان معهم هدى ساعة الصفقة؟! إن الحال يقتضي أن يكون معهم هدى، كأن يهتدي إنسان ثم يجد أن الهدى لا يحقق له النفع الدنيوي الذي يطلبه فيتركه ليشتري به الضلال ليحقق به ما يريد، والهدى الذي كان معهم، قد يكون هدى الفطرة، فكأن هؤلاء كان يمكنهم أن يختاروا الهدى فاختاروا الضلالة. والله سبحانه وتعالى يهدي كل الناس، هدى دلالة، فمَنْ اختار الهدى يزيده هُدًى واقرأ قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [فصلت: 17]. وقول الحق {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} التجارة بيع وشراء، الشاري مستهلك، والبائع قد يكون منتجاً، أو وسيطاً بين المنتج والمستهلك. ما حظ البائع من البيع والشراء؟ أن يكسب فإذا ما كسب قيل ربحت تجارته. وإذا لم يكسب ولم يخسر، أو إذا خسر ولم يكسب، ففي الحالين لا يحقق ربحاً، ونقول: ما ربحت تجارته. فقوله تعالى {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] يدل على أنهم خسروا كل شيء لأنهم لم يربحوا، فكأنهم لم يحققوا شيئاً له فائدة، وخسروا الهدى، أي: خسروا الربح ورأس المال. ما ربحت تجارتهم، ربما يكونون لم يكسبوا ولم يخسروا، ولكن هم قدموا الهدى ثمناً للضلال فلم يربحوا وضاع منهم الهدى، أي: رأس مالهم. ونفسية المنافق إذا أردت أن تحددها، فهو إنسان بلا كرامة، بلا رجولة لا يستطيع المواجهة، بلا قوة، يحاول أن يمكر في الخفاء، ولذلك تكون صورته حقيرة أمام نفسه، حتى لو استطاع أن يخفي عيوبه عن الناس، فيكفي أنه كاذب أمام نفسه لتكون صورته حقيرة أمام نفسه، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : إذا أنا لـــمْ آتِ الدنيّةَ خشــيةً مِن الناسِ كان الناسُ أكرمَ من نفسِي كفى المرءُ عاراً أن يرى عيبَ نفسه وإن كان في كِنٍّ عن الجـنَ والأنـسِ تفسير : فالمهم رأيك في نفسك .. والتمزق الذي عند المنافق أنه يريد أن يخفي عيوبه عن الناس.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أي اسْتَحبوا الضَّلالَةَ على الهُدى. ويقال آمَنوا ثُمَّ كَفَرُوا.
الأندلسي
تفسير : "أولئك" إشارة إلى الذين تقدم ذكرهم الجامعين للأوصاف الذميمة كما تقدم في المتقين حيث ذكرت أوصافهم أشير إليهم بأولئك. وقرىء اشتروا بضم الواو وكسرها وفتحها والاشتراء هنا مجاز كني به عن الاختيار لأن المشتري للشيء مختار له مؤثر. و"الضلالة" الكفر والهدى الإِيمان جعل تمكنهم من اتباع الهدى كالثمن المبذول في المشتري. "فما ربحت" عطف بالفاء الدالة على تعقب نفي الربح وبنفس ما وقع الاشتراء تحقق عدم الربح. وإسناد الربح إلى التجارة مجاز لأن الرابح هو التاجر ولما صور الضلالة والهدى مشترى وثمناً وكان ذلك مجازاً رشحه ببعض أوصاف الحقيقة بقوله: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} فانضاف مجاز إلى مجاز وقرىء تجاراتهم على الجمع والافراد. ونفي الربح لا يدل على إنتقاص رأس المال لكن عبر بنفيه عن ذهاب المال لما في الكلام من الدلالة على ذلك لأن الضلالة والهدى نقيضان فاستبدالهم الضلالة دل على ذهاب الهدى بالكلية ويتخرج عندي على أن يكون من باب. على لا حب لا يهتدي بمنارة. لما ذكر اشتراء شيء بشيء توهم أن ذلك تجارة فنفي الربح والمقصود نفي التجارة أي لا تجارة فلا ربح نحو لا منار فلا هداية. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} تتميم للمعنى المقصود بهذه الجملة ويقال: لهذا في علم البيان التتميم ويقول هذه الجملة إخبار بأن هؤلاء ما سبقت لهم هداية بالفعل لئلا يتوهم من قوله: بالهدى، انهم كانوا على هدى فيما مضى فبين وما كانوا مهتدين مجاز قوله بالهدى ودلّ على أن الذين اعتاضوا الضلالة به إنما هو التمكن من إدراك الهدى فالمثبت في الاعتياض غير المنفي أخيراً لأن ذلك بالقوة وهذا بالفعل المثل والمثل كالشبه والشبه وأصله الوصف، والمثل القول السائر الذي فيه غرابة وضرب المثل يؤثر في القلب ما لا يؤثر وصف الشيء نفسه إذ فيه تشبيه الخفي بالجليّ والغائب بالشاهد ولما ذكر تعالى أوصافاً لهم سابقة ضرب المثل زيادة في كشف أحوالهم فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} أي قصتهم ووصفهم مثل وصف الذي استوقد أي الجمع الذي استوقد. ويدل على ذلك قوله: ذهب الله بنورهم. فالذي وصف لمفرد في معنى الجمع وليس الذي مثل من لفظ ومعنى. كما نقل عن أبي علي والأخفش وقرىء الذين جمعاً وتخريجه اما على انها كمن على ما قالاه واما أنه أفرد على ما توهم أنه نطق بمن، واستوقد بمعنى أوقد حكاه أبو زيد. وقيل: هي للطلب ونكر نارا لأن مقابلها من وصف المنافق نزر يسير من اليقين بالاسلام وجوانحه منطوية على الكفر والنفاق فاكتفى بالمطلق. ويقال: ضاء المكان وأضاء النور ويستعمل أضاء أيضاً لازماً وإلا ظهر أن ما مفعول أي أضاءت النار المكان الذي حوله وجوزوا أن تكون ما نكرة موصوفة وأن تكون ما هي الفاعلة وأضاء لازم أي الجهة التي حوله أنت الفعل على معنى ما وجواب لما هو. {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} وأجاز الزمخشري أن يكون جواب لما محذوفاً تقديره حمدت قال: وهو أولى وذهب الله بنورهم. قال الزمخشري: الضمير في بنورهم عائد على المنافقين والجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد فقيل ذهب الله بنورهم أو هي بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان، ولم يكتف الزمخشري بأن جوّز حذف هذا الجواب حتى ادعى أن الحذف أولى، قال: وكان الحذف أولى من الاثبات لما فيه من الوجازة مع الاعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى. كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام متحيرين متحسرين على فوات الضوء خائبين بعد الكدح في أحياء النار "انتهى". وهذا الذي ذكره نوع من الخطابة لا طائل تحتها لأنه كان يمكن له ذلك لو لم يكن تلى قوله: {فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}. وأما باقي كلامه بعد تقدير خمدت إلى آخره فهو مما يحمل اللفظ ما لا يحتمله ويقدر تقادير وجملاً محذوفة لم يدل عليها الكلام وذلك عادته في غير ما كلام في معظم تفسيره ولا ينبغي أن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ولا أن يزاد فيه بل يكون الشرح طبق المشروح من غير زيادة عليه ولا نقص منه ولما جوزوا حذف الجواب تكلموا في قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} فخرجوا ذلك على وجهين، أحدهما: أن يكون مستأنفا جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما بالهم قد اشبهت حالهم حال هذا المستوقد فقيل: ذهب الله بنورهم. والثاني: أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان قالهما الزمخشري. وكلا الوجهين مبنيان على أن جواب لما محذوف وقد اخترنا غيره، وأنه قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} بدلاً من جملة. والوجه الثاني من التخريجين اللذين تقدم ذكرهما وهو أن يكون قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان ولا يظهر لي صحته لأن جملة التمثيل هي قوله. {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}، فجعله ذهب الله بنورهم، بدلاً من هذه الجملة على سبيل البيان لا يصح لأن البدل لا يكون في الجمل إلا إذا كانت الجملة فعلية تبدل من جملة فعلية فقد ذكروا جواز ذلك وأما ان تبدل جملة فعلية من جملة اسمية فلا أعلم أحداً أجاز ذلك والبدل على نية تكرار العامل. والجملة الأولى لا موضع لها من الإِعراب لأنها لم تقع موقع المفرد فلا يمكن أن تكون الثانية على نية تكرار العامل، إذ لا عامل في الأولى فيتكرر في الثانية فبطلت جهة البدل فيها "انتهى". والظاهر أن ناراً حقيقة في النار التي استوقدت وإذهاب الله نورهم بأمر سماوي والباء في بنورهم للتعدية مرادفة للهمزة والله تعالى لا يوصف بالذهاب. {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} في ظلمات متعلق بتركهم ولا يبصرون في موضع الحال أو في ظلمات في موضع الحال فيتعلق بمحذوف ولا يبصرون حال أيضاً أما من الضمير في تركهم، واما من الضمير المستكن في المجرور قبله فإن كان ترك يتعدى إلى اثنين كان في ظلمات الثاني ولا يبصرون حال ولا يجوز العكس لأن الخبر لا يكون مؤكداً. وقرىء {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} بالرفع أي هم وهي إخبار متباينة الوضع لكنها في معنى خبر واحد وهو عدم قبولهم الحق وقرىء بنصب الثلاثة وجوّزوجوها أحسنها النصب على الذم والظاهر أن هذا كله من أوصاف من شبه وصف المنافقين وبوصفهم بالغ في ذلك. {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي جواباً لأن من اشتدت عليه تلك المشاعر لا يمكن أن يرجع جواباً لمن يخاطبه وجهة المماثلة بين المنافقين والمستوقد ان قلنا أنه من تمثيل المفردات أن استيقاد النار مقابل بما أظهروا في الاسلام إذ حقنوا به دمآءهم وعصموا به ذرياتهم وأموالهم وإضآءة النار كونهم جرت عليهم أحكام الإِسلام وذهاب النور مقابل بما فضحهم الله به أنهم ليسوا بمؤمنين وتركهم في ظلمات مقابل لتماديهم على كفرهم ونفاقهم. وصم وما بعده مقابل لكونهم لا يقبلون الحق والإِيمان أبداً فهم لا يرجعون مقابل لكونهم لا كلمة لهم ولا مراعاة فهم كمن حرم مراجعة من يقهره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أولئك، أي: المنافقون الموصوفون بتلك الصفات { الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } أي: رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة، التي هي غاية الشر، كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم. وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟" فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب في سافل الأمور عن عاليها؟" فما ربحت تجارته، بل خسر فيها أعظم خسارة. {أية : قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } . تفسير : وقوله: { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } تحقيق لضلالهم، وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء، فهذه أوصافهم القبيحة. ثم ذكر مثلهم الكاشف لها غاية الكشف، فقال: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):