Verse. 24 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

مَثَلُھُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْـتَوْقَدَ نَارًا۝۰ۚ فَلَمَّاۗ اَضَاۗءَتْ مَا حَوْلَہٗ ذَھَبَ اللہُ بِنُوْرِہِمْ وَتَرَكَھُمْ فِىْ ظُلُمٰتٍ لَّا يُبْصِرُوْنَ۝۱۷
Mathaluhum kamathali allathee istawqada naran falamma adaat ma hawlahu thahaba Allahu binoorihim watarakahum fee thulumatin la yubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«مثلهم» صفتهم في نفاقهم «كمثل الذي استوقد» أوقد «ناراً» في ظلمة «فلما أضاءت» أنارت «ما حوله» فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه «ذهب الله بنورهم» أطفأه وجُمع الضمير مراعاة لمعنى الذي «وتركهم في ظلمات لا يبصرون» ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فكذلك هؤلاء أمِنوا بإظهار كلمة الإيمان فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنا قبل الخوض في تفسير ألفاظ هذه الآية نتكلم في شيئين: أحدها: أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك في نهاية الإيضاح، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل بالنور، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الأخبار بضعفه مجرداً، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } تفسير : [العنكبوت: 43، الحشر: 21] ومن سور الإنجيل سورة الأمثال، وفي الآية مسائل: ـ المسألة الأولى: المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير، ويقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول الثائر الممثل مضر به بمورده: مثل، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه. المسألة الثانية: أنه تعالى لما بين حقيقة صفات المنافقين عقبها بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان. أحدهما: هذا المثل وفيه إشكالات. أحدها: أن يقال: ما وجه التمثيل بمن أعطي نوراً ثم سلب ذلك النور منه مع أن المنافق ليس له نور. وثانيها: أن يقال: إن من استوقد ناراً فأضاءت قليلاً فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم، فأما المنافقون فلا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان فما وجه التمثيل؟ وثالثها: أن مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور، والله تعالى ذهب بنوره وتركه في الظلمات، والمنافق لم يكتسب خيراً وما حصل له من الخيبة والحيرة فقد أتى فيه من قبل نفسه، فما وجه التشبيه؟ والجواب: أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوهًا: أحدها: قال السدي: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم نافقوا، والتشبيه ههنا في نهاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولاً اكتسبوا نوراً ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين. وثانيها: إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين أبداً من أول أمرهم فههنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله، وهو أنهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبي وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وعد ذلك نوراً من أنوار الإيمان، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلاً قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلاً ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءته في أعقاب النور، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة. وثالثها: أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نوراً، بل وجه التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحير، والتحير فيمن كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة. ورابعها: أن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } فالنار مثل لقولهم: «آمنا» وذهابه مثل لقولهم للكفار: «إنا معكم» فإن قيل وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلاً بالنور وهو حين تكلم بها أضمر خلافها؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقاداً له وعملاً به لأتم النور لنفسه، ولكنه لما لم يفعل لم يتم نوره، وإنما سمى مجرد ذلك القول نوراً لأنه قول حق في نفسه. وخامسها: يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نوراً لأنه يتزين به ظاهره فيهم ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف الله أمره فزال. وسادسها: أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد،والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات. وسابعها: يجوز أن يكون المستوقد ههنا مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 64] وثامنها: قال سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به فكان انتظارهم لمحمد صلى الله عليه وسلم كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور. المسألة الثالثة: فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب الله تعالى كثير، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هادياً إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين، فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة في باب الدين بما هو الغاية في باب الدنيا، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة، لأن الضال عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة، ولا شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر، فشبه تعالى أحدهما بالآخر، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من هذه الآية، بقيت ههنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل: السؤال الأول: قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } يقتضى تشبيه مثلهم بمثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر؟ والجواب: استعير المثل للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأعْلَىٰ } تفسير : [النحل: 60] أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة {أية : مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ } تفسير : [الفتح: 29] أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثله في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. السؤال الثاني: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه يجوز في اللغة وضع «الذي» موضع «الذين» كقوله: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } تفسير : [التوبة: 69] وإنما جاز ذلك لأن «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالاً بصلته فهو حقيق بالتخفيف، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. وثانيها: أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً. وثالثها: وهو الأقوى: أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ومثله قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ } تفسير : [الجمعة: 5] وقوله: {أية : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [محمد: 20] ورابعها: المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله: {أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [غافر: 67] أي يخرج كل واحد منكم. السؤال الثالث: ما الوقود؟ وما النار؟ وما الإضاءة؟ وما النور؟ ما الظلمة؟ الجواب: أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء، حار محرق، واشتقاقها من نارينور إذا نفر؛ لأن فيها حركة واضطراباً، والنور مشتق منها وهو ضوؤها، والمنار العلامة، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه. ويقال أيضاً للشيء الذي يوضع السراج عليه، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة، ومصداق ذلك قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس: 5] و «أضاء» يرد لازماً ومتعدياً. تقول: أضاء القمر الظلمة، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر: شعر : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه تفسير : وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به، تقول دار حوله وحواليه، والحول السنة لأنها تحول، وحال عن العهد أي تغير، وحال لونه أي تغير لونه، والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له، والحول انقلاب العين، والحول الانقلاب، قال الله تعالى: {أية : لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } تفسير : [الكهف: 108] والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى: {أية : آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } تفسير : [الكهف: 33] أي لم تنقص وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم، أي فما نقص حق الشبه، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعًا والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيهاً له بالثلج. السؤال الرابع: أضاءت متعدية أم لا؟ الجواب: كلاهما جائز، يقال: أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلماً، وههنا الأقرب أنها متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة «ضاء» السؤال الخامس: هلا قيل ذهب الله بضوئهم لقوله: {فَلَمَّا أَضَاءتْ }؟ الجواب: ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نوراً والغرض إزالة النور عنهم بالكلية. ألا ترى كيف ذكر عقيبه: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } والظلمة عبارة عن عدم النور، وكيف جمعها، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله: {لاَّ يُبْصِرُونَ } السؤال السادس: لم قال: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } ولم يقل أذهب الله نورهم والجواب: الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً، ويقال ذهب به إذا استصحبه، ومعنى به معه، وذهب السلطان بماله أخذه قال تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } تفسير : [يوسف: 15] {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ } تفسير : [المؤمنون: 91] والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه {أية : وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } تفسير : [فاطر: 2] فهو أبلغ من الإذهاب وقرأ اليماني «أذهب الله نورهم». السؤال السابع: ما معنى (وتركهم)؟ والجواب: ترك إذا علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان بمعنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ } أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصبت الجزئين. السؤال الثامن: لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون؟ الجواب: أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعد أصلاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف، فهي ٱسم؛ كما هي في قول الأعْشَى:شعر : أتنتهون ولن يَنْهَى ذوِي شَطَطٍ كالطعن يذهب فيه الزيتُ والفُتُلُ تفسير : وقول ٱمرىء القيس:شعر : ورُحْنَا بِكَابْنِ الماءِ يُجَنبُ وسطَنا تَصَوَّبُ فيه العينُ طَوْراً وتَرْتقِي تفسير : أراد مثل الطعن، وبمثل ٱبن الماء. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً؛ تقديره مثلهم مستقر كمثل؛ فالكاف على هذا حرف. والمَثَل والمِثْل والمِثيل واحد ومعناه الشبيه. والمتماثلان: المتشابهان؛ هكذا قال أهل اللغة. قوله: {ٱلَّذِي} يقع للواحد والجمع. قال ٱبن الشَّجَرِي هبةُ الله بن عليّ: ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد؛ كما قال:شعر : وإن الذي حانَتْ بفَلْج دماؤهم هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ تفسير : وقيل في قول الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [الزمر:33] إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي} قيل: المعنى كمثل الذين ٱستوقدوا، ولذلك قال تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}؛ فحمل أوّل الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. فأما قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}تفسير : [التوبة:69] فإن الذي ها هنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا. وقيل: إنما وحّدَ «الذي» و «ٱستوقد» لأن المستوقد كان واحداً من جماعة تولّى الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعاً فقال: «بنورهم». وٱستوقد بمعنى أوقد؛ مثل ٱستجاب بمعنى أجاب؛ فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش؛ ومنه قول الشاعر:شعر : وداعٍ دَعَا يا من يُجيب إلى النَّدَى فلم يَستجِبْه عند ذاك مُجِيبُ تفسير : أي يجبه. وٱختلف النحاة في جواب لمّا، وفي عود الضمير من «نورهم»؛ فقيل: جواب لمّا محذوف وهو طَفِئت، والضمير في «نورهم» على هذا للمنافقين، والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة؛ كما قال تعالى:{أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ}تفسير : [الحديد:13]. وقيل: جوابه «ذهب»، والضمير في «نورهم» عائد على «الذي»؛ وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردُّده. والمعنى المرادُ بالآية ضَرْبُ مَثَلٍ للمنافقين، وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد ناراً في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه؛ فإذا طَفِئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيراً؛ فكذلك المنافقون لما آمنوا ٱغْتَرُّوا بكلمة الإسلام، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم ـ كما أخبر التنزيل: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء:145] ـ ويذهب نورهم؛ ولهذا يقولون: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}تفسير : [الحديد:13]. وقيل: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار؛ وٱنصرافهم عن مودتهم وٱرتكاسهم عندهم كذهابها. وقيل غير هذا. قوله: {نَاراً} النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضاً الإشراق. وهي من الواو؛ لأنك تقول في التصغير: نويرة، وفي الجمع نور وأنوار ونيران، ٱنقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها. وضاءت وأضاءت لغتان؛ يقال: ضاء القمرُ يَضُوء ضَوْءاً وأضاء يُضيء؛ يكون لازماً ومتعدّياً. وقرأ محمد بن السَّمَيْقَع: ضاءت بغير ألف، والعامة بالألف؛ قال الشاعر:شعر : أضاءت لهم أحسابُهم ووجوهُهم دُجَى الليل حتى نَظّم الجِزْعَ ثاقِبه تفسير : {مَا حَوْلَهُ} «ما» زائدة مؤكدة. وقيل: مفعولة بأضاءت. و «حَوْله» ظرف مكان، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. و {ذَهَبَ} وأذهب لغتان من الذهاب، وهو زوال الشيء. {وَتَرَكَهُمْ} أي أبقاهم. {فِي ظُلُمَاتٍ} جمع ظُلْمة. وقرأ الأعمش: «ظُلْمات» بإسكان اللام على الأصل. ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت. وقرأ أشهب العقيلي: «ظُلَمات» بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف وقال الكسائي: «ظُلَمات» جمع الجمع، جمع ظُلَم. {لا يُبْصِرُونَ} فعل مستقبل في موضع الحال؛ كأنه قال: غير مبصرين، فلا يجوز الوقف على هذا على «ظلمات».

البيضاوي

تفسير : {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } لما جاء بحقيقة حالهم عقبها بضرب المثل زيادة في التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألد، لأنه يريك المتخيل محققاً والمعقول محسوساً، ولأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء والحكماء. والمثل في الأصل بمعنى النظير يقال: مَثَل ومِثْل ومَثِيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده، ولا يضرب إلا ما فيه غرابة، ولذلك حوفظ عليه من التغيير، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة مثل قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ }تفسير : [الرعد: 35] وقوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأعْلَىٰ }تفسير : [النحل: 60] والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد ناراً، والذي: بمعنى الذين كما في قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } تفسير : [التوبة: 69] إن جعل مرجع الضمير في بنورهم، وإنما جاز ذلك ولم يجز وضع القائم موضع القائمين لأنه غير مقصود بالوصف، بل الجملة التي هي صلته وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه، فحقه أنه لا يجمع كما لا نجمع أخواتها، ويستوي فيه الواحد والجمع وليس الذين جمعه المصحح، بل ذو زيادة زيدت لزيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل، ولكونه مستطالاً بصلته استحق التخفيف، ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه ثم كسرته ثم اقتصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين، أو قصد به جنس المستوقدين، أو الفوج الذي استوقد. والاستيقاد: طلب الوقود والسعي في تحصيله، وهو سطوع النار وارتفاع لهبها. واشتقاق النار من: نار ينور نوراً إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً. {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ } أي: النار، ما حول المستوقد إن جعلتها متعدية، وإلا أمكن أن تكون مسندة إلى ما، والتأنيث لأن ما حوله أشياء وأماكن أو إلى ضمير النار، وما: موصولة في معنى الأمكنة، نصب على الظرف، أو مزيدة، وحوله ظرف وتأليف الحول للدوران. وقيل للعام حول لأنه يدور. {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } جواب لما، والضمير للذي، وجمعه للحمل على المعنى، وعلى هذا إنما قال: {بِنُورِهِمْ } ولم يقل: بنارهم لأنه المراد من أيقادها. أو استئناف أجيب به اعتراض سائل يقول: ما بالهم شبهت حالهم بحال مستوقد انطفأت ناره؟ أو بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان. والضمير على الوجهين للمنافقين، والجواب محذوف كما في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ }تفسير : [يوسف: 15] للإيجاز وأمن الالتباس. وإسناد الذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بفعله، أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفي، أو أمر سماوي كريح أو مطر، أو للمبالغة ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه، وما أخذه الله وأمسكه فلا مرسل له، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور، فإنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } فذكر الظلمة التي هي عدم النور، وانطماسه بالكلية، وجمعها ونكرها ووصفها بأنها ظلمة خالصة لا يتراءى فيها شبحان. وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى، وله مفعول واحد فضمن معنى صير، فجرى مجرى أفعال القلوب كقوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ }. وقول الشاعر:شعر : فتركْتُه جَزْرَ السِّباع يَنُشْنَهُ يَقضُمْنَ حُسنَ بنانِهِ والمِعْصَمِ تفسير : والظلمة مأخوذة من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك، لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية. وظلماتهم: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم }تفسير : [الحديد: 12] أو ظلمة الضلال وظلمة سخط الله، وظلمة العقاب السرمدي، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمة متراكمة، ومفعول {لاَّ يُبْصِرُونَ } من قبيل المطروح المتروك فكأن الفعل غير متعد. والآية مَثَلٌ ضربه الله لمن آتاه ضرباً من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي متحيراً متحسراً، تقريراً وتوضيحاً لما تضمنته الآية الأولى، ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقون فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر، وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم، ومن آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة، أو ارتد عن دينه بعدما آمن، ومن صح له أحوال الإرادة فادعى أحوال المحبة فأذهب الله عنه ما أشرق عليه من أنوار الإرادة، أو مَثَّل لإيمانهم من حيث إنه يعود عليهم يحقن الدماء، وسلامة الأموال والأولاد، ومشاركة المسلمين في المغانم. والأحكام بالنار الموقدة للاستضاءة، ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مّثْلُهُمْ } صفتهم في نفاقهم {كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ } أوقد {نَارًا } في ظلمة {فَلَمَّا أَضَاءتْ } أنارت {مَا حَوْلَهُ } فأبصر واستدفأ وأمِنَ ما يخافه {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } أطفأه وجُمِعَ الضمير مراعاة لمعنى (الذي) {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فكذلك هؤلاء آمِنُوا بإظهار كلمة الإيمان فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب.

الشوكاني

تفسير : {مّثْلُهُمْ } مرتفع بالابتداء، وخبره إما الكاف في قوله {كَمَثَلِ } لأنها اسم: أي مثل، مثل كما في قول الأعشى:شعر : أتنتهون ولن تنهى ذوى شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل تفسير : وقول امرىء القيس:شعر : ورحنا بِكَابنِ الماء يجنب وسطنا تصوّب فيه العين طوراً وترتقى تفسير : أراد مثل الطعن وبمثل ابن الماء، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً، أي مثلهم مستنير كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل: الشبه، والمثلان: المتشابهان و{ٱلَّذِى } موضوع موضع الذين: أي كمثل الذين استوقدوا، وذلك موجود في كلام العرب، كقول الشاعر:شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أمّ خالد تفسير : ومنه {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ }تفسير : [التوبة: 69] ومنه {أية : وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الزمر: 33]. ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهيبها، و{استوقد} بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش. ومنه قول الشاعر:شعر : ودَاعٍ دَعا يا من يُجيب إلى الندا فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ تفسير : أي: يجبه. والإضاءة فرط الإنارة، وفعلها يكون لازماً ومتعدياً. و{مَا حَوْلَهُ } قيل ما زائدة. وقيل هي موصولة في محل نصب على أنها مفعول أضات وحوله منصوب على الظرفية، و{ذَهَبَ} من الذهاب، وهو زوال الشيء. و{*تركهم} أي: أبقاهم {ظُلُمَـٰتٍ} جمع ظلمة. وقرأ الأعمش بإسكان اللام على الأصل. وقرأ أشهب العقيلي بفتح اللام، وهي عدم النور. و{صُمٌّ} وما بعده خبر مبتدأ محذوف: أي هم. وقرأ ابن مسعود "صماً بكماً عمياً" بالنصب على الذم، ويجوز أن ينتصب بقوله {تركهم}. والصمم: الانسداد، يقال قناة صماء: إذا لم تكن مجوّفة،. وصممت القارورة: إذا سددتها، وفلان أصمّ: إذا انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم، فهو الأخرس. وقيل الأخرس والأبكم واحد. والعمى: ذهاب البصر. والمراد بقوله: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } أي: إلى الحق، وجواب لما في قوله: {فَلَمَّا أَضَاءتْ }، قيل هو: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } وقيل: محذوف تقديره: طفئت فبقوا حائرين. وعلى الثاني فيكون قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } كلاماً مستأنفاً أو بدلاً من المقدر. ضرب الله هذا المثل للمنافقين لبيان أن ما يظهرونه من الإيمان مع ما يبطنونه من النفاق لا يثبت لهم به أحكام الإسلام، كمثل المستوقد الذي أضاءت ناره ثم طفئت، فإنه يعود إلى الظلمة، ولا تنفعه تلك الإضاءة اليسيرة، فكان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. وإنما وصفت هذه النار بالإضاءة مع كونها نار باطل، لأن الباطل كذلك تسطع ذوائب لهب ناره لحظة ثم تخفت. ومنه قولهم «للباطل صولة ثم يضمحلّ» وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب الأمثال شأناً عظيماً في إبراز خفيات المعاني، ورفع أستار محجبات الدقائق ولهذا استكثر الله من ذلك في كتابه العزيز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من ذلك في مخاطباته، ومواعظه. قال ابن جرير: إن هؤلاء المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }تفسير : [البقرة: 8]. وقال ابن كثير: إن الصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم كما يفيده قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ }تفسير : [المنافقون: 3]. قال ابن جرير: وصحّ ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال {أية : رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [الأحزاب: 19] أي: كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }تفسير : [الجمعة: 5]. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله العزّ كما سلب صاحب النار ضوءه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } يقول: في عذاب {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } فهم لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه ولا يعقلونه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } قالوا: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد ناراً فأضاءت ما حوله من قذى وأذى فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينما هو كذلك إذا طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى. فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك، فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرّ، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشرّ، فهم صم بكم هم الخرس، فهم لا يرجعون إلى الإسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } قال: ضربه الله مثلاً للمنافق، وقوله {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } قال: أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمة فهو ضلالهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرجا أيضاً عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، والحسن والسدي، والربيع بن أنس نحو ما تقدم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} المثل بالتحريك والتسكين، والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة، والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره. وقوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد كمثل الذي أوقد، فدخلت السين زائدة في الكلام، وهو قول الأخفش. والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء، والنار مشتقة من النور. {فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ} يقال ضاءت في نفسها، وأضاءت ما حولها قال أبو الطمحان: شعر : أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ دُجَى الَّليْلِ حَتَّى نَظَّمَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهْ تفسير : قوله عز وجل: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: نور المستوقِد، لأنه في معنى الجمع، وهذا قول الأخفش. والثاني: بنور المنافقين، لأن المثل مضروب فيهم، وهو قول الجمهور. وفي ذهاب نورهم وجهان: أحدهما: وهو قول الأصم ذهب الله بنورهم في الآخرة، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها. والثاني: أنه عَنّى النور الذي أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم من قلوبهم بالإسلام. وفي قوله: {وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ} قولان: أحدهما: معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به. والثاني: أنه لم يخرجهم منه، كما يقال تركته في الدار، إذا لم تَخرجْهُ منها، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين. وفيما كانوا فيه من الضياء، وجعلوا فيه من الظلمة قولان: أحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم. والثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة، وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةَ. قوله تعالى: {صَمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} وهذا جمع: أصم، وأبكم، وأعمى، وأصل الصَّمَمُ الإنسداد، يقال قناة صماء، إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة، إذا سددتها، فالأصم: من انسدَّتْ خروق مسامعه. أما البَكَمُ، ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه آفة في اللسان، لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف. والثاني: أنه الذي يولد أخرس. والثالث: أنه المسلوب الفؤاد، الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه. والرابع: أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد. ومعنى الكلام، أنهم صمٌّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عُمْيٌ عن الإبصار له، رَوَى ذلك قتادة، {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} يعني إلى الإسلام.

ابن عطية

تفسير : "المَثَل والمِثْل والمثيل" واحد، معناه الشبه، هكذا نص أهل اللغة والمتماثلان المتشابهان وقد يكون مثل الشيء جرماً مثله، وقد يكون ما تعقل النفس وتتوهمه من الشيء مثلاً له، فقوله تعالى: {مثلهم كمثل} معناه أن الذي يتحصل في نفس الناظر في أمرهم كمثل الذي يتحصل في نفس الناظر في أمر المستوقد، وبهذا يزول الإشكال الذي في تفسير قوله تعالى: {أية : مثل الجنة} تفسير : [الرعد: 35، محمد: 15] وفي تفسير قوله تعالى: {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11] لأن ما يتحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفي ما لا يجوز عليه ليس يماثله فيه شيء، وذلك المتحصل هو المثل الأعلى الذي في قوله عز وجل: {أية : ولله المثل الأعلى} تفسير : [النحل: 6]. وقد جاء في تفسيره أنه لا إله إلا الله ففسر بجهة الوحدانية. وقوله: {مثلهم} رفع بالابتداء والخبر في الكاف، وهي على هذا اسم كما هي في قول الأعشى: [البسيط]. شعر : أتنتهون ولا ينهى ذوي شططٍ كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل تفسير : ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف، ولا يجوز ذلك في بيت الأعشى لأن المحذوف فاعل تقديره شيء كالطعن، والفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، ويجوز حذف خبر الابتداء إذا كان الكلام دالاً عليه، وجوز الأخفش حذف الفاعل، وأن يكون الكاف في بيت الأعشى حرفاً ووحد الذي لأنه لم يقصد تشبيه الجماعة بالجماعة، وإنما المقصد أن كل واحد من المنافقين فعله كفعل المستوقد، و {الذي} أيضاً ليس بإشارة إلى واحد ولا بد، بل إلى هذا الفعل: وقع من واحد أو من جماعة. قال النحويون، الذي اسم مبهم يقع للواحد والجميع. و {استوقد} قيل معناه أوقد، فذلك بمنزلة عجب واستعجب بمعنى. قال أبو علي: وبمنزلة هزىء واستهزأ وسخر واستسخر، وقر واستقر وعلا قرنه واستعلاه، وقد جاء استفعل بمعنى أفعل أجاب واستجاب ومنه قول الشاعر [كعب بن سعد الغنوي]: [الطويل]. شعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وأخلف لأهله واستخلف إذا جلب لهم الماء، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ومستخلفات من بلاد تنوفة لمصفرة الأشداق حمر الحواصل تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : سقاها فروّاها من الماء مخلف تفسير : ومنه أوقد واستوقد قاله أبو زيد، وقيل استوقد يراد به طلب من غيره أن يوقد له على المشهور من باب استفعل، وذلك يقتضي حاجته إلى النار، فانطفاؤها مع حاجته إليها أنكى له. واختلف في {أضاءت} فقيل يتعدى لأنه نقل بالهمزة من ضاء، ومنه قول العباس بن عبد المطلب في النبي صلى الله عليه وسلم: [المنسرح] شعر : وأنت لما ولدت أشرقَتِ الــ أرضُ وضاءت بنورك الطرق تفسير : وعلى هذا، فـ {ما} في قوله: {ما حوله} مفعولة، وقيل (أضاءت) لا تتعدى، لأنه يقال ضاء وأضاء بمعنى، فـ (ما) زائدة، وحوله ظرف. واختلف المتأولون في على المنافقين الذي يشبه فعل (الذي استوقد ناراً). فقالت طائفة: هي فيمن آمن ثم كفر بالنفاق، فإيمانه بمنزلة النار إذا أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها وذهاب النور. وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: "إن ما يظهر المنافق في الدنيا من الإيمان فيحقن به دمه ويحرز ماله ويناكح ويخالط كالنار التي أضاءت ما حوله، فإذا مات صار إلى العذاب الأليم، فذلك بمنزلة انطفائها وبقائه في الظلمات". وقالت فرقة: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار وانصرافهم إلى مردتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقالت فرقة: إن المنافقين كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في منزلة بما أظهروه، فلما فضحهم الله واعلم بنفاقهم سقطت المنزلة، فكان ذلك كله بمنزلة النار وانطفائها. وقالت فرقة منهم قتادة: نطقهم بـ "لا إله إلا الله" والقرآن كإضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها. قال جمهور النحاة: جواب "لما" ذهب، ويعود الضمير من "نورهم" في هذا القول على (الذي)، ويصح شبه الآية بقول الشاعر: [الأشهب بن رميلة]: [الطويل]. شعر : وإنّ الذي حانتْ بفلجٍ دماؤهم همُ القومُ كلُّ القومِ يا أمّ خالدِ تفسير : وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الاختلاف المتقدم. وقال قوم: جواب "لما" مضمر، وهو طفئت، والضمير في "نورهم" على هذا للمنافقين والإخبار بهذا هو عن حال تكون في الآخرة وهو قوله تعالى: {أية : فضرب بينهم بسور له باب} تفسير : [الحديد: 13]. قال القاضي أبو محمد: هذا القول غير قوي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو السمال "في ظلْمات" بسكون اللام، وقرأ قوم "ظلَمات" بفتح اللام. قال أبو الفتح: في ظلمات وكسرات ثلاثة لغات: اتباع الضم الضم والكسر الكسر أو التخفيف بأن يعدل إلى الفتح في الثاني أو التخفيف بأن يسكن الثاني، وكل ذلك جائز حسن، فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل إتباعاً فتقول ثمرة وثمرات. قال القاضي أبو محمد: وذهب قوم في "ظلَمات" بفتح اللام إلى أنه جمع ظلم فهو جمع الجمع، والأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس، وقيل الأبكم والأخرس واحد، ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ وقلة الإجابة كأعمال من هذه صفته، وصم رفع على خبر ابتداء فإما أن يكون ذلك على تقدير تكرار أولئك، وإما على إضمار هم. وقرأ عبد الله بن مسعود وحفصة أم المؤمنين رضي الله عنهما. "صماً، بكماً، عمياً" بالنصب، ونصبه على الحال من الضمير في {مهتدين}، وقيل هو نصب على الذم، وفيه ضعف، وأما من جعل الضمير في "نورهم" للمنافقين لا للمستوقدين فنصب هذه الصفات على قوله على الحال من الضمير في {تركهم}. قال بعض المفسرين قوله تعالى {فهم لا يرجعون} إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون بوجه. قال القاضي أبو محمد: وإنما كان يصح هذا إن لو كانت الآية في معينين، وقال غيره: معناه {فهم لا يرجعون} ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيح، لأن الآية لم تعين، وكلهم معرض للرجوع مدعو إليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَوْقَدَ} أوقد، أو طلب ذلك من غيره للاستضاءة {أَضَآءَتْ} ضاءت النار في نفسها، وأضاءت ما حولها. قال: شعر : أضاءت لهم أحسابُهم ووجوهُهم دُجَى الليل حتى نظَّمَ الجَزعَ ثاقبُه تفسير : {بِنُورِهِمْ} أي: المُستوقد، لأنه في معنى الجمع، أو بنور المنافق عند الجمهور، فيذهب في الآخرة فيكون ذهابه سمة يعرفون بها، أو ذهب ما أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم من الإسلام {فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} لم يأتهم بضياء يبصرون به، أو لم يخرجهم من الظلمات، وحصول الظلمة بعد الضياء أبلغ، لأن من صار في ظلمة بعد ضياء أقل إبصاراً ممن لم يزل فيها، ثم الضياء دخولهم في الإسلام، والظلمة خروجهم منه، أو الضياء تعززهم بأنهم في عداد المسلمين، والظلمة زواله عنهم في الآخرة.

النسفي

تفسير : {مّثْلُهُمْ كَمِثْلِِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان، ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر، ولقد كثر ذلك في الكتب السماوية ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم هو المثل وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ولم يضربوا مثلاً إلا قولاً فيه غرابة ولذا حوفظ عليه فلا يغير. وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً، وكذلك قوله {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ }تفسير : [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة الشأن، ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ووضع «الذي» موضع الذين كقوله {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ }تفسير : [التوبة: 69] فلا يكون تمثيل الجماعة بالواحدة، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الفوج الذي استوقد ناراً على أن ذوات المنافقين لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ومعنى استوقد أوقد، ووقود ووقود النار سطوعها، والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً. {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } الإضاءة فرط الإنارة ومصداقه قوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً }تفسير : [يونس: 5] وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء. وجواب فلما {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } وهو ظرف زمان والعامل فيه جوابه مثل «إذا».و«ما» موصولة و«حوله» نصب على الظرف أو نكرة موصوفة والتقدير: فلما أضاءت شيئاً ثابتاً حوله. وجمع الضمير وتوحيده للحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى. والنور ضوء النار وضوء كل نير، ومعنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به. والمعنى أخذ بنورهم وأمسكه وما يمسك فلا مرسل له فكان أبلغ من الإذهاب. ولم يقل ذهب الله بضوئهم لقوله «فلما أضاءت» لأن ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة والمراد إزالة النور عنهم رأساً، ولو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، ألا ترى كيف ذكر عقيبه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ } والظلمة عرض ينافي النور. وكيف جمعها وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله {لاَّ يُبْصِرُونَ } وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه «وتركهم في ظلمات» أصله «هم في ظلمات» ثم دخل «ترك» فنصب الجزأين والمفعول الساقط من «لا يبصرون» من قبيل المتروك المطروح لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً. وإنما شبهت حالهم بحال المستوقد لأنهم غب الإضاءة وقعوا في ظلمة وحيرة، نعم المنافق خابط في ظلمات الكفر أبداً ولكن المواد ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق المفضية بهم إلى ظلمة العقاب السرمدي. وللآية تفسير آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات وتنكير النار للتعظيم. {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } أي هم صم، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم وأن ينظروا أو يتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أنفت مشارعهم. وطريقته عند علماء البيان طريقة قولهم: هم ليوث للشجعان وبحور للأَسخياء إلا أن هذا في الصفات وذلك في الأسماء، وما في الآية تشبيه بليغ في الأصح لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها لتنوع الرجوع إلى الشيء. وعنه أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون. {أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } ثنى الله سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإيضاح. وشبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد ناراً وإظهاره الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وهنا شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى أو كمثل ذوي صيب فحذف «مثل» لدلالة العطف عليه «وذوي» لدلالة «يجعلون» عليه. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء بهذه الصفة فلقوا منها ما لقوا، فهذا تشبيه أشياء بأشياء إلا أنه لم يصرح بذكر المشبهات كما صرح في قوله: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِيء }تفسير : [غافر: 58]، وقول امرىء القيس: شعر : كأن قلوب الطير رطباً ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي تفسير : بل جاء به مطوياً ذكره على سنن الاستعارة. والصحيح أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به. بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولاً بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرؤ القيس، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً بأخرى مثلها كقوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا }تفسير : [الجمعة: 5] الآية. فالمراد تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوارة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب. وكقوله: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الكهف: 45]، فالمراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر فهو تشبيه كيفية بكيفة، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً فلا. فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد أيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق، والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ. وعطف أحد التمثيلين على الآخر بـ «أو» لأنها في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك عند البعض، ثم استعيرت لمجرد التساوي كقولك «جالس الحسن أو ابن سيرين» تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الدهر: 24]، أي الآثم والكفور سيان في وجوب العصيان فكذا هنا معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين وأن الكيفيتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك. والصيب: المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع يقال للسحاب صيب أيضاً. وتنكير «صيب» لأنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول، والسماء هذه المظلة. وعن الحسن أنها موج مكفوف. والفائدة في ذكر السماء. والصيب لا يكون إلا من السماء أنه جاء بالسماء معرفة فأفاد أنه غمام أخذ بآفاق السماء ونفى أن يكون من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأن كل أفق من آفاقها سماء، ففي التعريف مبالغة كما في تنكير صيب وتركيبه وبنائه، وفيه دليل على أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، وقيل: إنه يأخذ من البحر ويرتفع. «ظلمات» مرفوع بالجار والمجرور لأنه قد قوي لكونه صفة لصيب بخلاف ما لو قلت ابتداء «فيه ظلمات» ففيه خلاف بين الأخفش وسيبويه. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب لاصطكاك أجرامه، أو ملك يسوق السحاب. والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقاً إذا لمع، والضمير في «فيه» يعود إلى الصيب فقد جعل الصيب مكاناً للظلمات، فإن أريد به السحاب فظلماته ــ إذا كان أسحم مطبقاً، ظلمتا سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل. وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة أظلال غمامه مع ظلمة الليل. وجعل الصيب مكاناً للرعد والبرق على إرادة السحاب به ظاهر، وكذا إن أريد به المطر لأنهما ملتبسان به في الجملة. ولم يجمع الرعد والبرق لأنهما مصدران في الأصل، يقال رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً فروعي حكم الأصل بأن ترك جمعهما. ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِم } الضمير لأصحاب الصيب وإن كان محذوفاً كما في قوله: {أية : أو هُمْ قَائِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 4] لأن المحذوف باقٍ معناه وإن سقط لفظه. ولا محل لـ «يجعلون» لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم. ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقال: يكاد البرق يخطف أبصارهم. وإنما ذكر الأصابع ولم يذكر الأنامل ورؤوس الأصابع هي التي تجعل في الأذان اتساعاً كقوله: {أية : فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } تفسير : [المائدة: 38] والمراد إلى الرسغ، ولأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل. وإنما لم يذكر الأصبع الخاص الذي تسدّ به الأذن لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن، ولم يذكر المسبحة لأنها مستحدثة غير مشهورة. {مّنَ ٱلصَّوٰعِقِ } متعلق بـ «يجعلون» أي من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم. والصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار. قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلاَّ أتت عليه، إلاَّ أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو نصفها ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي: مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } مفعول له، والموت فساد بنية الحيوان أو عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ } يعني: أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط فهو مجاز وهذه الجملة اعتراض لا محل لها.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً...} قال ابن عرفة: كيف شبه (الجمع) بالواحد. فأجيب بأنّه كلية روعي فيها آحادها، أو المراد بالموصول الجمع أو هو واحد بالنوع لا بالشخص، والتشبيه يستدعي مشبها ومشبها به ووجه التشبيه نتيجتة، كما أن القياس التمثيلي يقتضي فرعا وأصلا وعلة جامعة ونتيجة وهي الحكم، فالمشبه المنافقون والمشبه به مستوقد النار. ووجه التشبيه حكى فيه ابن عطية حمسة أقوال (ونتيجته) هو الخسران والندم. قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ...} قال السهيلي في الروض: إن قلت: لم عداه هنا بالباء. وقال في سورة الأحزاب: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : فعداه بنفسه؟ فأجاب بأن الباء تقتضي الصاحب، فإذا قلت: ذهبت بزيد، فأنت أذهبته وذهبت معه والنور محبوب شرعا فناسب اسناد الذهاب إليه باعتبار الفهم والتصور وإن كان في حق الله تعالى محالا لكنه على معنى يليق به، كما وصف نفسه بالمجيء في قوله: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : والرّجس مذموم شرعا وطبعا فناسب إبعاده عنه (وعدم) إسناده إليه. قال ابن عرفة: وفي (التعدية) بالباء التي للمصاحبة نوع زيادة وإشعاره (بدوام) الذهاب، وملازمته بسبب ملازمة فاعل الذهاب له، فلا يزال ذاهبا عنهم فهو أشد في عقوبتهم حتى لا يتصور رجوعه (إليهم) بوجه. وتكلم الطيبي (هنا) (في الضياء) والنور. قال الزمخشري: النور ضوء النهار وضوء كل شيء، وهو نقيض الظلمة، والضياء إفراط الإنارة، فالنور عنده زيادة في الضياء. قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً...} تفسير : وقدره صاحب المثل السائر بأنّ الضياء هنا (مثبت) والنور منفي. والقاعدة استعمال الأخص في الثبوت والأعم في النفي فإذا ثبت أعلى الضياء فأحرى أدناه، وإذا انتفى أقل النور (ومبادِئُهُ) فأحرى أكثره أعلاه. وتعقب عليه صاحب الفلك الدائر بأن يعقوب ابن السكيت نص في (إصلاح) المنطق على أن الضياء هو النور لا فرق بينهما. وقال بعضهم: قول: من قال: إن القمر مستمد من نور الشمس مخالف لمذهب أهل السنة، ولا يتم إلا على مذهب الطبائعية. ورد بعضهم على الفخر الخطيب في سورة النور عند قول الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : قال فيها: إن النور هو الضوء الفياض من الشمس. (قال): ما يتمّ إلا على القول بالطّبع والطبيعة. وأجاب ابن عرفة بأنه أخطأ في العبارة فقط، ومراده أنه نور يخلقه الله في القمر عند مقابلة الشمس، ومذهب أكثر أهل السنة أن الظلمة أمر وجودي، وذهب الحكماء والفلاسفة إلى أنها أمر عدمي. قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ...}

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: "آذانهم" وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر. "بالكافرين" وما أشبهها مما كان في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح. "شاء الله" حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان. الوقوف: "ناراً" (لا) لأن جواب "لما" منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء التعقيب فيها. "لا يبصرون" (ه) "لا يرجعون" (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل. ومن جعل "أو" بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه الجملتين مع أنها رأس آية. وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب. "وبرق" (ج) لأن قوله "يجعلون" يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو حالاً عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب. "الموت" (ط) "بالكافرين" (ه) "أبصارهم" (ط) لأن كلما استئناف. "فيه" (لا) لأن تمام المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول "قاموا" (ط) و "أبصارهم" (ط) "قدير" (ه). التفسير: لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميماً للبيان. ولضرب الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد. ولأمر ما أكثر الله تعالى في كتبه أمثاله {أية : وتلك الأمثال نضربها للناس}تفسير : [الحشر: 21] وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع" "حديث : مثل الجليس الصالح كمثل الداري"تفسير : وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها ككتب مشهورة. والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده مثل. ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير. وأما ههنا فاستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ضرباً من الهدى بحسب الفطرة، ولما نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلاً، ثم لم يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤول حالهم إلى أنواع الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد ناراً في توجه الطمع إلى تسني المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب. والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله {أية : وخضتم كالذي خاضوا}تفسير : [التوبة: 69] وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله "بنورهم وتركهم" لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو، {أية : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار}تفسير : [الجمعة: 5] ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضاً. والنار جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً والإضاءة فرط الإنارة {أية : جعل الشمس ضياء والقمر نوراً}تفسير : [يونس: 5] وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن "ما" مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة، و "حوله" نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام حول لأنه يدور. وجواب "لما ذهب الله بنورهم" فالضمير يعود إلى الذي استوقد نظراً إلى المعنى، كما أن الضمير في "حوله" راجع إليه من حيث اللفظ. وقيل: الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل {فلما ذهبوا به} لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار. ثم إن سائلاً كأنه يسأل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفرداً، ويمكن أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وكمثل الذي ذهب الله بنورهم. ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد نار لا يرضاها الله. ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت. ونار العرفج مثل لثروة كل طماح {أية : كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} تفسير : [المائدة: 64] وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها الله وخيب أمانيهم. وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق "فلما أضاءت" لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس. والفرق بين "أذهبه" و "ذهب به" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه. وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: شعر : "فتركته جزر السباع ينشنه" تفسير : ومنه قوله تعالى {وتركهم في ظلمات} والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم "ما ظلمك أن تفعل كذا" أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية. وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله "لا يبصرون" دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون. وكذا في إسقاط مفعول "لا يبصرون" وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً. ومحل "لا يبصرون" إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل {أية : ويذرهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : [الأعراف: 186] أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار. عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به. وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم. وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ. ومعنى "لا يرجعون" لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون. شعر : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم تفسير : ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه. ثم إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلاً آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع. فيكون تقدير الكلام "مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب" على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعاً نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين. والتمثيلان جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب. ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخرج تدرجاً من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به. ألا ترى إلى قوله تعالى {أية : إنما مثل الحياة الدنيا كماء}تفسير : [يونس: 24] كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب، لأن الضمير في "يجعلون" لا بد له من راجع هذا هو التحقيق. وقد يقال: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضرورياً ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى "مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا" ويكون ذكر المشبهات مطوياً على سنن الاستعارة. والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع. ويقال للسحاب: صيب أيضاً. وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول. والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء. وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على "فيعل" والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقاً، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن الله تعالى فحركتها وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى. فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، أو دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئاً بين البخار والدخان من الأجسام المائية والأرضية. أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن كوكباً يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات الهائلة الحمرة والسواد. وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جداً فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحاباً والقاطر مطراً. ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعاً، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحاباً وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجاً، وربما جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعاً وهو ما يسقط بالليل من السماء شبيهاً بالثلج، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان برداً. وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحاباً فاستحال مطراً. وأما الجواهر البخارية والدخانية المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحاباً فبرد فتغلغل فيه الدخان طلباً للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة ناراً تبرق فتشق السحاب شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد. وإن كان قوياً شديداً غليظ المادة كان صاعقة، وربما وجد مندفعاً فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال. فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل سبحانه وتعالى. ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع "ظلمات" بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف. والصيب إن كان سحاباً فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان مطراً فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة الليل. ثم إن كان الصيب سحاباً فكونه مكاناً للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطراً فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال البحتري: شعر : يا عارضاً متلفعاً ببروده يختال بين بروقه ورعوده تفسير : وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق. ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. وجاز رجوع الضمير في "يجعلون" إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور. قال حسان: شعر : يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل تفسير : ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق. والبريص نهر من أنهارها. ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر. ولا محل لقوله "يجعلون" لكونه مستأنفاً كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم. ثم سئل: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فاجيب "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وإنما لم يقل أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو {أية : فاقطعوا أيديهما}تفسير : [المائدة: 38] والمراد إلى الرسغ. وليس بعض الأصابع - كالمسبحة مثلاً بجعلها في الأذن - أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟ وقوله "من الصواعق" أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من الغيمة. وقد تحصل مما ذكرنا أن الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته. فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو مصدراً كالعافية والكاذبة. "وحذر الموت" مفعول له كقوله: شعر : وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً تفسير : والموت فساد بنية الحيوان. وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس. وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها. "يكاد" من أفعال المقاربة. كاد يفعل كذا يكاد كوداً ومكاداً ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل. فمجرده ينبئ عن نفي الفعل، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل. وخبر كاد فعل مضارع بغير "أن" وهو ههنا "يخطف" والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، "كلما أضاء لهم" استئناف ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟ وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره. والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو. "وأظلم" إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى "قاموا" وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد. وإنما قيل مع الإضاءة "كلما" ومع الإظلام "إذا" لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم. ومفعول "شاء" محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في "شاء" و "أراد" كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: شعر : فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع تفسير : وقال عز من قائل {أية : لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه}تفسير : [الأنبياء: 17] وكلمة "لو" تفيد انتفاء الثاني لانتفاء الأول. وقد تجيء للمبالغة كقوله "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، فعلى تقدير الخوف أولى. والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال. وهذا العام مخصوص بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آناً من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه. وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز. فلا قادر بالحق إلا هو سبحانه وتعالى.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالَىٰ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} إلى قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}: قال الفَخْر: اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ؛ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل؛ وذلك هو النهاية في الإِيضاح؛ ألا ترَىٰ أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب؛ كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالَىٰ في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالَىٰ: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }تفسير : [الحشر:21] انتهى. والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة. و {ٱسْتَوْقَدَ}: قيل: معناه أوقد. واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد ناراً؛ فقالت فرقةٌ: هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم بـــ «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كٱنطفائها، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا»: «ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي»، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ؛ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق؛ على الخلاف المتقدِّم. وقال قومٌ: جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ»، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالَىٰ: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ...}تفسير : الآيةَ [الحديد:13] وهذا القول غير قويٍّ. والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات؛ إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة؛ كأعمال من هذه صفته. و «صُمٌّ»: رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ»، أو إِضمارهم. وقوله تعالَىٰ: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ. {أَوْ كَصَيِّبٍ}: «أَوْ»: للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المَطَرُ؛ من: صَابَ يَصُوبُ، إِذا انحط من عُلْو إِلى سُفْل. و {ظُلُمَـٰتٌ}: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس؛ بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلَىٰ دجنه، فإنه سارٌّ جميل. واختلف العلماء في «الرَّعْدِ»، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرَّعْد. وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ. وقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ؛ قاله عليُّ بن أبي طالب. وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ. واختلفوا في البَرْقِ. فقال علي بن أبي طالب؛ وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» تفسير : وهذا أصحُّ ما روي فيه. وقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ، وروي عنه: حديث : أنَّ البرق ملَكٌ يتراءىتفسير : . واختلف المتأوِّلون في المقْصِد بهذ المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ. فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعَمَىٰ هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن. وقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلسِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم، وهذا وفاقٌ لقول الجمهورِ. و {مُحِيطٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالَىٰ: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} تفسير : [الكهف:42]. و {يَكَادُ} فعل ينفي المعنَىٰ مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ}، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال: يكاد ذلك يصيبهم. و «كُلَّمَا»: ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا»، و «قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي: ثَبَتُوا على نفاقهم. وروي عن ابن مسعودٍ؛ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم. ووحَّد السمع؛ لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. وقوله سبحانه: {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لفظه العمومُ، ومعناه عند المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالَىٰ بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنَىٰ قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ بالذِّكُر؛ لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

ابن عادل

تفسير : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَال أنه يؤثر في القَلْبِ ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المَثَلِ تشبيه الخَفِيّ بالجَلِيّ والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح في الترغيب في الإيمان لذا مثل بالظّلمة، فإذا أخبرت عن ضعف أمر ومثّلته بِنَسْجِ العنكبوت كان ذلك أبلغ في وقعه في القلب بالخبر مجرداً. قوله: "مثلهم" مبتدأ و "كمثل" جار ومجرور خبره، فيتعلّق بمحذوف على قاعدة الباب، ولا مُبَالاة بخلاف من يقول: إنّ "كاف" التشبيه لا تتعلّق بشيء، والتقدير: مثلهم مستقر كَمَثَلِ. وأجاز أبو البقاء وابن عطية أن تكون "الكاف" اسماً هي الخبر، ونظيره قول الشاعر: [البسيط]. شعر : 220- أَتَنْتَهُونَ؟ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ تفسير : وهذا مذهب الأخفش: يجيز أن تكون "الكاف" اسماً مطلقاً. وأما مذهب سيبويه فلا يُجِيزُ ذلك إلا في شعر، وأمّا تنظيره بالبيت فليس كما قال؛ لأنّ في البيت نضطر إلى جعلها اسماً لكونها فاعلة، بخلاف الآية. والذي ينبغي أن يقال: إن "كاف" التشبيه لها ثلاثة أحوال: حال يتعيّن فيها أن تكون اسماً، وهي ما إذا كانت فاعلة، أو مجرورة بحرف، أو إضافة. مثال الفاعل: [البسيط] شعر : 221- أَتَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى.......... ....................... تفسير : البيت. ومثال جَرِّها بحرف قول امرىء القَيْسِ: [الطويل] شعر : 222- وَرُحْنَا بكَابْنِ المَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا تَصَوَّبُ فِيهِ العَيْنُ طَوْراً وَتَرْتَقِي تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 223- وَزَعْتُ بِكَالْهِرَاوَةِ أَعْوَجِيٍّ إذَا وَنَتِ الرِّكَابُ جَرَى وَثابَا تفسير : ومثال جَرِّها بالإضافة قوله: [السريع أو الرجز] شعر : 224- فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ تفسير : وحال يتعيّن أن تكون فيها حرفاً، وهي الواقعة صلة، نحو: جاء الذي كزيد؛ لأن جعلها اسما يستلزم حذف عائد مبتدأ من غير طول الصِّلة، وهذا ممتنع عند البصريين. وحال يجوز فيها الأمران، وهي ما عدا ذلك نحو: "زيد كعمرو". وأبعد من جعلها زائدة في الآية الكريمة، أي: مثلهم مثل الذي، ونظّره بقوله: "فَصُيِّرُوا مثل كعصف" كأنه جعل المثل والمثل بمعنى واحد، والوجه أن المثل - هنا - بمعنى القصّة والتقدير: صفتهم وقصتهم كقصّة المستوقد، فليست زائدةً على هذا التأويل، وهذا جواب عن سؤال أيضاً، وهو أن يقال: قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ} يقتضي تشبيه مثلهم مثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المُسْتَوْقِدِ حتّى شَبّه أحدهما بالآخر؟ فالجواب: أن يقال: استعير المثل للقصّة وللصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: قصّتهم العجيبةُ كقصّة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليه من العَجَائب قصّة الجنّة العجيبة. {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. {أية : مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} تفسير : [الفتح: 29] أي: وصفهم وشأنهم المتعجّب منه، ولكن المَثَل - بالفتح - في الأصل بمعنى مثل ومثيل نحو: شِبْه وشَبَه وشَبِيه. وقيل: بل هي في الأصل الصِّفة. وأما المثل في قولهم: "ضرب مثلاً" فهو القول السَّائر الذي فيه غرابةٌ من بعض الوجوه، ولذلك حوفظ في لفظه فلم يغير. و "الذي": في محلّ خفض بالإضافة، وهو موصول للمفرد المذكّر، ولكن المراد به - هنا - جمع ولذلك روعي مَعْنَاه في قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ} فأعاد الضمير عليه جمعاً، والأولى أن يقال: إنَّ "الذي" وقع وصفاً لشيء يفهم الجمع، ثم حذف ذلك الموصوف للدّلالة عليه. والتقدير: ومثلهم كمثل الفريق الذي استوقد، أو الجمع الذي اسْتَوْقَدَ؛ ويكون قد روعي الوصف مرة، فعاد الضمير عليه مفرداً في قوله: {ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} و "حوله"، والموصوف أخرى فعاد الضمير عليه مجموعاً في قوله: "بنورهم"، و"تركهم". وقيل: إنَّ المنافقين ذاتهم لم يشبهوا بذات المُسْتوقد، وإنما شبهت قصّتهم بقصّة المستوقد، ومثله قوله: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ} تفسير : [الجمعة: 5]، وقوله: {أية : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [محمد: 20]. وقيل: المعنى: ومثل كل واحد منهم كقوله: {أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [غافر: 67] أي: يخرج كلّ واحد منكم. ووهم أبو البقاء، فجعل هذه الآية من باب ما حذفت منه النُّون تخفيفاً، وأنّ الأصْل: "الذين" ثم خففت بالحذف، وكأنه مثل قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69]، وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 225- وَإِنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ تفسير : والأصل: "كالذين خَاضُوا" "وإنَّ الذين حانت". وهذا وَهْم؛ لأنه لو كان من باب ما حذفت النون منه لوجب مُطَابقة الضمير جمعاً كما في قوله تعالى: {أية : كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69] و "دِمَاؤُهُمْ"، فلما قال تعالى: {ٱسْتَوْقَدَ} بلفظ الإفراد تبيّن أحد الأمرين المتقدّمين: إمّا بصلة من باب وقوع المفرد موقع الجمع؛ لأن المراد به الجنس، أو أنه من باب ما وقع فيه من صفة لموصوف يفهم الجمع. وقال الزمخشري ما معناه: إنَّ هذه الآية مثل قوله تعالى: {أية : كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69]، واعتل لتسويغ ذلك بأمرين. أحدهما: أن "الذي" لما كان وصلةً لوصف المعارف ناسب حذف بعضه لاستطالته، قال: "ولذلك نهكوه بالحذف، فحذفوا ياءه ثم كسرته، ثم اقتصروا منه على اللاَّم في أسماء الفاعلين والمفعولين". والأمر الثاني: أنّ جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون، إنما ذلك علامةٌ لزيادة الدّلالة، ألا ترى أنَّ سائر المَوْصُولاَتِ لَفْظُ الجَمْعِ والمفرد فيهن سواء؟ وهذا القول فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن قوله ظاهر في جَعْلِ هذه الآية من باب حذف نون " الذين"، وفيه ما تقدّم من أنه كان ينبغي أن يُطَابق الضمير جمعاً كما في الآية الأخرى التي نظر بها. والوجه الثاني: أنه اعتقد كون الموصول بقيته "الذي"، وليس كذلك، بل "أل" الموصولة اسم موصول مستقلّ، أي: غير مأخوذ من شيء، على أنَّ الراجح من جهة الدَّليل كون "أل" الموصولة حرفاً لا اسماً كما سيأتي. وليس لمرجّح أن يرجّح قول الزمخشري بأنهم قالوا: إنَّ الميم في قولهم: "مُ الله" بقية "أيمن"، فإذا انتهكوا "أيمن" بالحذف حتى صار على حرف واحد، فأولى أن يقال بذلك فيما بقي على حرفين، لأن "أل" زائدة على ماهية "الذي"، فيكونون قد حذفوا جميع الاسم، وتركوا ذلك الزائد عليه، بخلاف "ميم" "أيمن"، وأيضاً فإن القول بأن "الميم" بقية "أيمن" قول ضعيف مردود يأباه قول الجُمْهُور. وفي "الَّذي " لُغَاتٌ، أشهرها ثبوت الياء ساكنةً وقد تُشَدَّد مكسورة مطلقاً، أو جاريةً بوجوه الإعراب، كقوله: [الوافر] شعر : 226- وَلَيْسَ المَالُ فَاعْلَمْهُ بِمَالٍ وَإِنْ أَرْضَاكَ إلاَّ لِلَّذِيِّ يَنَالُ بِهِ العَلاَءَ وَيَصْطَفِيهِ لأَقْرَبِ أَقْرَبَيْهِ وَلِلْقَصِيِّ تفسير : فهذا يحتمل أن يكون مبنيًّا، وأن يكون معرباً. وقد تُحْذَفُ ساكناً ما قبلها؛ كقول الآخر: [الطويل] شعر : 227- فَلَمْ أَرَ بَيْتاً كَانَ أَحْسَنَ بَهْجَةً مِنَ اللَّذْ بِهِ مِنْ آلِ عَزَّةَ عَامِرُ تفسير : أو مكسوراً؛ كقوله: [الرجز] شعر : 228- واللَّذِ لَوْ شَاءَ لَكَانَتْ بَرَّا أَوْ جَبَلاً أَشَمَّ مُشْمَخِرَّا تفسير : ومثل هذه اللغات في "التي" أيضاً. قال بعضهم: "وقولهم: هذه لغات ليس بجيِّد؛ لأن هذه لم ترد إلاّ ضرورةً، فلا ينبغي أن تسمى لغاتٍ". و" استوقد": "استفعل" بمعنى "أَفْعَل"، نحو: "استجاب" بمعنى "أَجَابَ"، وهو رأي الأخفش وعليه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 229- وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إلى الهُدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تفسير : أي: فلم يجبه. وقيل: بل السّين للطلب، ورجّح قول الأخفش بأن كونه للطَّلب يستدعي حذف جملة، ألا ترى أن المعنى: استدعوا ناراً فأوقدوها، فلما أضاءت؛ لأن الإضاءة لا تنشأ عن الطلب إنما تنشأ عن الإيقاد. والفاء في قوله: "فَلَمَّا" للسبب. وقرأ ابن السَّميفع: "كمثل الذين" بلفظ الجمع، واستوقد بالإقراد، وهي مُشْكلة، وقد خرجوها على أوجه أضعف منها وهي التوهّم، أي: كأنه نطق بـ "مَنْ"؛ إذ أعاد ضمير المفرد على الجمع كقولهم، "ضربني وضربت قومك" أي: ضربني من، أو يعود على اسم فاعل مفهوم من "استوقد"، والعائد على الموصول مَحْذوف، وإن لم يكمل شرط الحذف، والتقدير: استوقدها مستوقدٌ لهم. وهذه القراءة تقوّي قول من يقول: إنّ أصل "الذي": "الذين"، فحذفت النون. و "لَمَّا" حرف وجوب لوجوب هذا مذهب سيبويه. وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء، أنها ظرف بمعنى "حين"، وأن العامل فيها جوابها، وقد ردّ عليه بأنها أجيبت بـ "ما" النافية، و "إذا" الفُجَائية، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [فاطر: 42]. وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65]، و "ما" النافية، و "إذا" الفُجَائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما، فانتفى أن تكون ظرفاً. وتكون "لما" أيضاً جازمة لفعل واحدٍ، معناها نَفْي الماضي المتّصل بزمن الحال، ويجوز حذف مجزومها؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 230 - فَجِئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً ولَمَّا فَنَادَيْتُ القُبُورَ فَلَمْ يُجِبْنَهْ تفسير : وتكون بمعنى "إلاّ" قال تعالى: {أية : وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 35] في قراءة من قرأ بالتَّشديد. و "أضاء": يكون لازماً ومتعدياً، فإن كان متعدياً، فـ "ما" مفعول به، وهي موصولة، و "حوله" ظرف مكان مخفوض به، صِلةٌ لها، ولا يتصرّف، وبمعناه: حَوَال؛ قال الشاعر: [الرجز]. شعر : 231- وأَنَا أَمْشِي الدَّأَلَى حَوَالَكَا تفسير : ويُثَنَّيان؛ قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ". تفسير : ويجمعان على "أَحْوَال". ويجوز أن تكون "ما" نكرة موصوفة، و "حوله" صفتها، وإن كان لازماً، فالفاعل ضمير "النار" أيضاً، و "ما" زائدة، و "حوله" منصوب على الظرف العامل فيه "أضاء". وأجاز الزمخشري أن تكون "ما" فاعلة موصولة، أو نكرة موصولة، وأُنِّثَ الفعل على المعنى، والتقدير: فلما أضاءت الجهةُ التي حوله أو جهةٌ حوله. وأجاز أبو البقاء فيها أيضاً أن تكون منصوبة على الظرف، وهي حينئذ: إما بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، والتقدير: فلما أضاءت النَّار المكان الذي حوله، أو مكاناً حوله، فإنه قال: يقال: ضاءت النّار، وأضاءت بمعنى، فعلى هذا تكون "ما" ظرفاً. وفي "ما" ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بمعنى الذي. والثاني: هي نكرة موصوفة، أي: مكاناً حوله. والثالث: هي زائدة. وفي عبارته بعض مُنَاقشة، فإنه بعد حكمه على "ما" بأنها ظرفية كيف يُجَوِّزُ فيها - والحالة هذه - أن تكون زائدة، وإنما أراد في "ما" هذه من حيث الجملة ثلاثة أوجه. وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 232- أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نَظَّمَ الجَزْعَ ثَاقِبُهْ تفسير : يحتمل التعدّي واللزوم كالآية الكريمة. وقرأ ابن السَّمَيْفع: "ضاءت" ثلاثياً. قوله: "ذهب الله بنورهم" هذه الجملة الظاهر أنها جواب لـ "ما". وقال الزمخشري: "جوابها محذوف، تقديره: فلما أضاءت خَمَدَتْ" وجعل هذا أبلغ من ذكر الجواب، وجعل جملة قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} مستأنفة أو بدلاً من جملة التمثيل. وقد رد عليه بعضهم هذا بوجهين: أحدهما: أن هذا التقدير مع وجود ما يغني عنه، فلا حاجة إليه؛ إذ التقديرات إنما تكون عند الضَّرورات. والثَّاني: أنه لا تبدل الجملة الفعلية من الجملة الاسمية. و" بنورهم" متعلّق بـ "ذهب"، والباء فيه للتَّعدية وهي مُرَادفة للهمزة في التَّعدية، هذا مذهب الجمهور. وزعم أبو العباس أنَّ بينهما فرقاً، وهو أن الباء يلزم معها مُصَاحبة الفاعل للمفعول في ذلك الفِعْلِ الذي قبله، والهزة لا يلزم فيها ذلك. فإذا قلت: "ذهبت بزيد" فلا بُدَّ أن تكون قد صاحبته في الذَّهَاب فذهبت معه. وإذا قلت: أذهبته جاز أن يكون قد صحبته وألاَّ يكون. وقد رد الجمهور على المُبَرّد بهذه الآية؛ لأن مصاحبته - تعالى - لهم في الذهاب مستحيلة. ولكن قد أجاب [أبو الحسن] ابن عُصْفور عن هذا بأنه يجوز أن يكون - تعالى - قد أسند إلى نفسه ذهاباً يليق به، كما أسند إلى نفسه - تعالى - المجيء والإتيان على معنى يليق به، وإنما يُرَد عليه بقول الشاعر: [الطويل]. شعر : 233- دِيارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنَى تَحُلُّ بِنَا لَوْلاَ نَجَاءُ الرَّكائِبِ تفسير : أي: تجعلنا جلالاً بعد أن كُنَّا مُحْرِمِين بالحج، ولم تكن هي مُحْرِمَة حتى تصاحبهم في الحِلِّ؛ وكذا قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 234- كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ تفسير : "الصفواء" الصخرة، وهي لم تصاحب الذي تزله. والضمير في "بنورهم" عائد على مَعْنَى الذي كما تقدم. وقال بعضهم: هو عائد على مُضَاف محذوف تقديره: كمثل أصحاب الذي استوقد، واحتاج هذا القائل إلى هذا التقدير، قال: حتى يتطابق المشبه والمشبه به؛ لأنّ المشبه جمع، فلو لم يقدر هذا المُضَاف، وهو"أصحاب" لزم أن يشبه الجمع بالمفرد وهو الذي استوقد. ولا أدري ما الذي حمل هذا القائل على مَنْعِ تشبيه الجمع بالمفرد في صفة جامعة بينهما، وأيضاً فإنَّ المشبّه والمشبه به إنما هو القصّتان، فلم يقع التشبيه إلاَّ بين قصَّتين إحداهما مُضافة إلى جمع، والأخرى إلى مُفْرد. قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} ههذه جملة معطوفة. فإن قيل: لم قيل: ذهب بنورهم، ولم يقل: أذهب الله نورهم؟ فالجواب: أن معنى أذهبه: أزاله، وجعله ذاهباً، ومعنى ذهب به: إذا أخذه، ومضى به معه، ومنه: ذهب السُّلطان بماله: أخذه، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} تفسير : [يوسف: 15] فالمعنى: أخذ الله نوره، وأمسكه، فهو أبلغ من الإذهاب، وقرأ اليماني: "أَذْهَبَ اللهُ نُورَهُمْ". فإن قيل: هلاّ قيل: ذهب الله بضوئهم [لقوله: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ}؟ الجواب: ذكر النور أبلغ؛ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة]. فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم ذهاب [الكمال، وبقاء] ما يسمى نوراً والغرض إزالة النُّور عنهم بالكلية، أَلاَ ترى كيف ذكر عقيبه: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} والظلمة عبارة عن عدم النور. وقوله: [{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}] هذه جملة معطوفة على قوله: "ذهب الله"، وأصل الترك: التخلية، ويراد به التّصيير، فيتعدّى لاثنين على الصَّحيح؛ كقول الشَّاعر: [البسيط] شعر : 235- أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ تفسير : فإن قلنا: هو متعدّ لاثنين كان المفعول الأول هو الضمير، والمفعول الثاني: "في ظلمات" و "لا يبصرون" حال، وهي حال مؤكدة؛ لأن من كان في ظلمة فهو لا يُبْصِرُ. وصاحب الحال: إما الضمير المنصوب، أو المرفوع المُسْتَكِنّ في الجار والمجرور. ولا يجوز أن يكون "في ظلمات" حالاً و "لا يبصرون" هو المفعول الثاني؛ لأن المفعول الثاني خبر في الأصل، والخبر لا يؤتى به للتأكيد، فإذا جعلت "في ظلمات" حالاً فهم من عدم الإبصار، فلو يفد قولك بعد ذلك: "لا يبصرون" إلا التَّأكيد، لكن التأكيد ليس من شَأْنِ الأخبار، بل من شأن الأحوال؛ لأنها فضلات. ويؤيّد ما ذكرت أن النحويين لما أعربوا قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 236- إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ تفسير : أعربوا: "شقّ" مبتدأ و "عندنا" خبره، و "لم يُحَوَّلِ" جملة حالية مؤكدة؛ قالوا: وجاز الابتداء بالنكرة، لأنه موضع تفصيل، وأبوا أن يجعلوا "لم يُحَوَّلِ" خبراً، و "عندنا" صفة لـ "شق" مُسَوِّغاً للابتداء به قالوا: لأنه فهم معناه من قوله: "عندنا"؛ لأنه إذا كان عنده عُلِمَ منه أنه لم يُحَوَّل. وقد أعربه أبو البَقَاءِ كذلك، وهو مردود بما ذكرت. ويجوز إذا جعلنا "لا يبصرون" هو المفعول الثّاني أن يتعلّق "في ظُلُمَاتٍ" به، أو بـ "تركهم"، التقدير: "وتركهم لا يبصرون في ظلمات". وإن كان "ترك" متعدياً لواحد كان "في ظُلُمَاتٍ" متعلّقاً بـ "تركهم"، و "لا يبصرون" حال مؤكّدة، ويجوز أن يكون "في ظُلُمَاتٍ" حالاً من الضَّمير المنصوب في "تركهم"، فيتعلّق بمحذوف، و "لا يبصرون" حال أيضاً، إما من الضمير في تركهم، فيكون له حالان، ويجري فيه الخلاف المتقدّم، وإما من الضمير المرفوع المستكنّ في الجار والمجرور قبله، فتكون حالين متداخلتين. فصل في سبب حذف المفعول فإن قيل: لم حذف المفعول من "يبصرون"؟ فالجواب: أنه من قبيل المَتْرُوك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بِالبَالِ، لا من قبيل المقدّر المَنْوِيّ كأنّ الفعل غير متعدٍّ أصلاً. قال ابن الخطيب: ما وجه التمثيل في أعطي نوراً، ثم سلب ذلك النور، مع أنّ المنافق ليس هو نور، وأيضاً أن من استوقد ناراً فأضاءت قليلاً، فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم، والمنافقون لا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان، وأيضاً مستوقد النَّار قد اكتسب لنفسه النور، والله - تعالى - ذهب بنوره، وتركه في الظُّلمات، والمنافق لم يكتسب خيراً، وما حصل له من الحيرة، فقد أتي فيه من قبل نفسه، فما وجه التَّشبيه؟ والجواب: أنَّ العلماء ذكروا في كيفية التَّشبيه وجوهاً: أحدها: قال السّدي: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند وصوله - عليه الصلاة والسلام - إلى "المدينة" ثم إنهم نافقوا، والتشبيه - هاهنا - في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم أولاً اكتسبوا نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك النور، ووقعوا في حيرة من الدنيا، وأما المتحيّر في الدِّين، فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبَد الآبدين. وثانيها: إن لم يصحّ ما قاله السّدي بل كانوا مُنَافقين من أول الأمر، فهاهنا تأويل آخر. قال ابن عباس: وقتادة، ومقاتل، والضحاك، والسدي، والحسن: نزلت في المُنَافقين يقول: مَثَلُهُمْ في نفاقهم كَمَثَلِ رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مَغَارَةٍ، فاستدفأ، ورأى ما حوله فاتَّقَى مما يخاف، فَبَيْنَا هو كذلك إذْ طُفِئَتْ ناره، فبقي في ظلمة خائفاً متحيراً، فكذلك المنافقون بإظهارهم كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم، وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، وأورثوهم، وقاسموهم الغَنَائم، وسائر أحكام المسلمين، فذلك نورهم، فإذَا ماتوا عادوا إلى الظُّلْمَة والخوف، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدَّائم مثل الذّرة، شبههم بمستوقد النَّار الذي انتفع بضوئها قليلاً، ثم سلب ذلك، فدامت حسرته وحيرته للظُّلمة العَظِيمةِ التي جاءته عقيب النُّور اليسير. وثالثها: أن نقول ليس التَّشبيه في أنَّ للمنافق نوراً، بل وجه التَّشْبيه بالمستوقد أنه لما زال النُّور عنه تحيَّروا تحيُّرَ من كان في نور ثم زال عنه أشَدّ من تحيّر سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه - تعالى - ذكر النور في مستوقد النَّار لكي يصحّ أن يوصف بهذه الظُّلمة الشديدة، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة. ورابعها: قال مُجَاهد: إنَّ الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنِّفَاق، ومن قال بهذا قال: إن المثل إنما عطف على قوله: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 14] فالنار مثل لقولهم: "ءَامنا" وذهابه مثل لقولهم للكُفّار "إنا معكم". فإن قيل: كيف صار ما يُظْهره المنافق من كلمة الإيمان ممثلاً بالنور، وهو حين تكلّم بها أبطن خلافها؟ قلنا: لو ضم إلى القول اعتقاداً له وعملاً به لأتم النور لنفسه، لكنه لمَّا لم يفعل لم يتم نُوره، وإنما سمى مجرّد ذلك القول نوراً؛ لأنه قول حقّ في نفسه. وخامسها: يجوز أن يكون استيقاد النار عبارةً عن إظهار المُنَافق كلمة الإيمان، وإنما سمى نوراً؛ لأنه يتزين به ظاهراً فيهم، ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم، ثم إنّ الله يذهب ذلك النور بِهَتْكِ ستر المُنَافق بتعريف نبيّه والمؤمنين حقيقة أمره، فيظهر له اسم النِّفَاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان، فيبقى في ظُلُمَاتٍ لا يبصر؛ إذ النُّور الذي كان له قبل كَشْفِ الله أمره قد زال. وسادسها: أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضَّلاَلة بالهُدَى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هُدَاهم الذي باعوه بالنار المُضِيئة ما حول المستوقد والضَّلاَلة التي اشتروها، وطبع بها على قُلُوبِهِمْ بذهاب الله بنورهم، وتركه إيّاهم في ظلمات. وسابعها: يجوز أن يكون المستوقد - هاهنا - مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، فإنَّ الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 64]. وثامنها: قال سعيد بن جبير: نزلت في اليهود، وانتظارهم لخروج النبي - عليه الصلاة والسلام - لإيقاد النَّار، وكفرهم به بعد ظهوره، كزوال ذلك النور؛ قاله محمد بن كَعْبٍ، وعطاء. والموقود - هنا - هو سطوع النَّار وارتفاع لهبها. والنَّار: جوهر لطيف مضيء حامٍ محرق، واشتقاقها من نَارَ يَنُورُ إذا نفر؛ لأن فيها حركةً واضطراباً، والنور مشتق منها، وهو ضوؤها، والمنار العلامة، والمَنَارة هي الشَّيء الذي يؤذن عليها ويقال أيضاً للشيء الذي يوضع عليه السّراج منارة، ومنه النُّورَة لأنها تطهر البدن، والإضاءة فرط الإنارة، ويؤيده قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً} تفسير : [يونس: 5]. وما حول الشيء فهو الذي يتّصل به تقول: دار حوله وحواليه. والحَوْل: السَّنة؛ لأنها تحول، وحال عن العَهْدِ أي: تغير، ومنه حال لونه. والحوالة: انقلاب الحَقّ من شخص إلى شخص، والمُحَاولة: طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له، والحَوَل: انقلاب العَيْنِ، وَالحِوَل: الانقلاب قال تعالى: {أية : لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} تفسير : [الكهف: 108]. والظّلمة: عدم النُّور عما من شأنه أنْ يَسْتَنِيرَ، والظّلم في الأصل عِبَارَةٌ عن النُّقصان قال تعالى: {أية : ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} تفسير : [الكهف: 33] أي: لم تَنْقُص. والظّلم: الثلج، لأنه ينقص سريعاً. والظَّلَمُ: ماء آسنٌ وطلاوته وبياضه تشبيهاً له بالثلج.

البقاعي

تفسير : فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل حالهم في هداهم الذي باعوه بالضلالة بالأمور المحسوسة، لأن للتمثيل بها شأناًعظيماً في إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها بقوله تعالى {مثلهم} أي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها {كمثل الذي استوقد ناراً} أي طلب أن توقد له وهي هداه ليسير في نورها، وأصلها من نار إذا نفر لتحركها واضطرابها، فوقدت وأنارت. {فلما أضاءت} أي النار، وأفراد الضمير باعتبار لفظ "الذي" فقال: {ما حوله} وأراد أن ينتفع بها في إبصار ما يريد، وهو كناية عما حصل لهم من الأمنة بما قالوه من كلمة الإسلام من غير اعتقاد {ذهب الله} الذي له كمال العلم والقدرة، وجمع الضمير نظراً إلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم انتفع دون بعض بعد أن أفراد تقليلاً للنور وإن كان قوياً في أوله لانطفائه في آخر فقال: {بنورهم} أي الذي نشأ من تلك النار بإطفائه لها ولا نور لهم سواه؛ ولم يقل: بضوئهم، لئلا يتوهم أن المذهوب به الزيادة فقط، لأن الضوء أعظم من مطلق النور {أية : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} تفسير : [يونس: 5] فذهب نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرّها مع حر الفقد لما ينفعهم من النور، وعبر بالإضاءة أولاً إشارة إلى قوة أولهم وانمحاق آخرهم، لأن محط حالهم الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ليتبين الصادق من الكاذب، وعبر بالذهاب به دون إذهابه ليدل نصاً على أنه سبحانه ليس معهم وحقق ذلك بالتعبير عن صيّر بترك فقال: {وتركهم في ظلمات} أي بالضلالة من قلوبهم وأبصارهم وليلهم أي ظلمات لا ينفذ فيها بصر، فلذا كانت نتيجته {لا يبصرون} أي لا إبصار لهم أصلاً ببصر ولا بصيرة. ولما فرغ من المثل كشف المراد بظلماتهم بأنها ما في آذانهم من الثقل المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير الناشىء عن عدم الإدراك الناشىء عن عمى البصائر وفساد الضمائر والسرائر، وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار وعلى بصائرهم من الأغطية المنافية للادّكار فقال: {صم} أي عن السماع النافع {بكم} عن النطق المفيد لأن قلوبهم مختوم عليها فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة {عمي} في البصر والبصيرة عن الإبصار المرشد لما تقدم من الختم على مشاعرهم، ولما كان في مقام إجابة الداعي إلى الإيمان قدم السمع لأنه العمدة في ذلك، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد، وختم بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء بخلاف ما في الإسراء، {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {لا} ولما كان المراد التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال: {يرجعون} أي عن طغيانهم وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون عن حالهم هذا أصلاً، لأنهم كمن هذا حاله، ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة موضعه بتقدم ولا تأخر. {أو} مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد {كصيب} أي أصحاب صيب أي مطر عظيم، وقال الحرالي: سحاب ممطر دارٍّ ثم اتبعه تحقيقاً لأن المراد الحقيقة قوله: {من السماء} وهو كما قال الحرالي ما علا فوق الرأس، يعني هذا أصلة والمراد هنا معروف، ومثل القرآن بهذا لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيب يحيي الأرض، ثم أخبر عن حاله بقوله: {فيه ظلمات} أي لكثافة السحاب واسوداده {ورعد} أي صوت مرعب يرعد عند سماعه {وبرق} أي نور مبهت للمعانه وسرعته ـ قاله الحرالي، والظلمات مثل ما لم يفهموه، والرعد ما ينادى عليهم بالفضيحة والتهديد والبرق ما لم يلوح لهم معناه ويداخلهم رأي في استحسانه. ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال الممثل لهم والممثل بهم حقيقة ومجازاً فقال: {يجعلون أصابعهم} أي بعضها ولو قدروا لحشوا الكل لشدة خوفهم {في آذانهم من الصواعق} أي من أجل قوتها، لأن هولها يكاد أن يصم، وقال الحرالي: جمع صاعقة وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد، ثم علل هذا بقوله: {حذر الموت والله} أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {محيط بالكافرين} فلا يغنيهم من قدره حذر، وأظهر موضع الإضمار لإعراضهم عن القرآن وسترهم لأنواره. ثم استأنف الحديث عن بقية حالهم فقال: {يكاد البرق} أي من قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه {يخطف أبصارهم} فهم يغضونها عند لمعه وخفضه في ترائبه ورفعه، ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان كأنه قيل: ماذا يصنعون عند ذلك؟ فقال: {كلما} وعبر بها دون إذا دلالة على شدة حرصهم على إيجاد المشي عند الإضاءة {أضاء لهم مشوا فيه} مبادرين إلى ذلك حراصاً عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفاً عليهم ووقوفاً مع الأسباب ووثوقاً بها واعتماداً عليها وغفلة عن رب الأرباب، وهو مثل لما وجدوا من القرآن موافقاً لآرائهم، وعطف بإذا لتحقق خفوته بعد خفوته قوله: {وإذا أظلم عليهم قاموا} أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة واحده إشارة إلى أنه ليست لهم بصائر بها فيما كشف البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم وجبنهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل عليهم من القرآن على ما فهموه. {ولو شاء الله} الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم، ودل على مفعول شاء بقوله: {لذهب بسمعهم} أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سدّ آذانهم {وأبصارهم} بخاطف البرق ولم يمنعه غضَّهم لها، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال {على كل شيء} أي مشيء أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبوية يقع على كل ما أخبر عنه، وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال، وقول الأشاعرة: إن المعدوم ليس بشيء، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان متميز فيها {قدير} إعلاماً بأن قدرته لا تتقيد بالأسباب، قال الحرالي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر ـ انتهى. ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني، أو لأنه مثل المنافقين، جعلت مدة صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقاداً مع جعل الله إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة؛ والثاني مثل المنافقين وهو أبلغ. لأن الضلال فيه أشنع وأفظع. فالصيب القرآن الذي انقادوا له ظاهراً،والظلمات متشابهه، والصواعق وعيده، والبرق وعده، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفاً{أية : يحسبون كل صيحة عليهم} تفسير : [المنافقون: 4] وكلما بشروا انقادوا رجاء، وإذا عرض المتشابه وقفوا تحيراً وجفاء وكل ذلك وقوفاً مع الدنيا وانقطاعاً إليها، لا نفوذ لهم إلى ما وراءها أصلاً، بل هم كالأنعام، لا نظر لهم ألى ما سوى الجزيئات والأمور المشاهدات، {أية : فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم } تفسير : [النساء: 141] {أية : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاًعظيماً}تفسير : [النساء: 73] والكلام الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبّه في الأول مثلهم بمثل المستوقَد لا بالمستوقِد، وفي الثاني شبه مثلهم في خوفهم اللازم ورجائهم المنقطع بأصحاب الصيب لا بمثلهم؛ فتقدير الأول مثلهم في أنهم سمعوا أولاً الدعاء ورأوا الآيات فأجابوا الداعي إما بالفعل كالمنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا لما عندهم من سلامة الفطر وصحة النظر، ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما قالوه بألسنتهم من كلمة التقوى نطقاً أو تقديراً إلى ظلمات الكفر، فلم ينفعهم سمع ولا بصر ولا عقل، فصاروا مثل البهائم التي لا تطيع الراعي إلا بالزجر البليغ، مثلهم في هذا يشبه مثل المستوقد في أنه لما أضاءت ناره رأى ما حوله، فلما ذهبت لم يقدر على تقدم ولا تأخر، لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا كلام فإذن استوى وجودهما وعدمهما، فصار عادماً للثلاثة، فكان من هذه الجهة مساوياً للأصم الأبكم الأعمى، فهو مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قاده قائد حسي، فهو حينئذ مثل البهائم التي لا تقاد للمراد إلا بقائد، فاستوى المثلان وسيتضح ذلك عند قوله تعالى: {أية : كمثل الذي ينعق} تفسير : [البقرة: 171] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم ـ إلى آخره و"او" بمعنى الواو، ولعله عبر بها دونها لأنه وإن كان كل من المثلين صالحاً لكل من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد، لأن الأول أظهر في الأول والثاني في الثاني. وجعل الحرالي المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان وللقرآن عليهم تنزلان، منه ما يرغبون فيه لما فيه من مصلحة دنياهم، فضرب لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنوا لما رأوا من معاجلة عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم لا يحملها إلا مؤمن حقاً ولا يتحملها إلا من أمن، ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم فضرب له المثل الثاني؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين ـ اتهى. وضرب الأمثال المنهي إلى الحمد المنتهي إلى الإحاطة بكل حد لا سيما في أصول الدين الكاشف لحقيقة التوحيد الموصل إلى اليقين في الإيمان بالغيب المحقق لما لله تعالى من صفات الكمال الدافع للشكول الحافظ في طريق السلوك مما اختص به القرآن من حيث كان منهياً إلى الحمد ومفصحاً به فكان حرف الحمد، وذلك أنه حرف عام محيط شامل لجميع الأمور كافل بكل الشرائع في سائر الأزمان؛ فكان أحق الرسل به من كانت رسالته عامة لجميع الخلق وكتابه شاملاً لجميع الأمر وهو أحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه "عروة المفتاح ": هذا الحرف لإحاطته أنزل وتراً وسائر الحروف أشفاع لاختصاصها، ووجه إنزاله تفهيم ما غمض من المغيبات بضرب مثل من المشهودات، ولما كان للأمر تنزلات وللخلق تطورات كان الأظهر منها مثلاً لما هو دونه في الظهور، وكلما ظهر ممثول صار مثلاً لما هو أخفى منه، فكان لذلك أمثالاً عدداً منها مثل ليس بممثول لظهوره وممثولات تصير أمثالاً لما هو أخفى منها إلى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم، فتكون تلك الغاية مثلاً أعلى كالسماوات والأرض فيما يحس والعرش والكرسي فيما يعلم {أية : وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}تفسير : [الروم: 27] {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} تفسير : [غافر: 7] وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد {أية : وله الحمد في السماوات والأرض}تفسير : [الروم: 18] وأحمده أنهاه وأدناه إلى الله تعالى بحيث لا يكون بينه وبين الله تعالى واسطة، فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد، فكان أكمل الأمور سورة الحمد وكان أكمل الخلق صورة محمد صلى الله عليه وسلم، كان خُلقه القرآن {أية : لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} تفسير : [الحجر: 87] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه {أية : ضرب لكم مثلاً من أنفسكم}تفسير : [الروم: 28] ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء يصح أن يضربه مثلاً {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} تفسير : [البقرة: 26] {أية : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} تفسير : [العنكبوت: 41] وللمثل حكم من ممثوله، إن كان حسناً حسنَ مثله، وإن كان سيئاً ساء مثله؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد، ولما كان أخفى أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق، وهو أدنى مثل أمثال حسنة وسيئة {أية : مثل الجنة التي وعد المتقون} تفسير : [الرعد: 35] الآيتين، {أية : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها}تفسير : [الجمعة: 5] {أية : فمثله كمثل الكلب} تفسير : [الأعراف: 176] الآيتين. وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم، وبضد ذلك لمن اتصف بأضداد تلك الأوصاف، {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة اختصاص معلوماتها هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن، ولكل حرف اختصاص بحظ من تدرّك الإنسان وأعمال القلوب والأنفس والأبدان، فمن يسر له القراءة والعمل بحرف منه اكتفى، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علماً وعملاً فقد أتم ووفّى، وبذلك يكون القارىء من القراء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنهم أعز من الكبريت الأحمر " {أية : يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم } تفسير : [آل عمران: 74]. ثم قال فيما به يحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن قراءة الأحرف الستة تماماً وفاء بتفصيل العبادة، لأنها أشفاع ثلاثة للتخلص والتخلي وثلاثة للعمل والتحلي، لأن ترك الحرام طهرة البدن وترك النهي طهرة النفس وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب، ولأن تناول الحلال زكاء البدن وطاعة الأمر زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب؛ وأما قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعاً ودواماً {أية : وله الدين واصباً}تفسير : [النحل: 52] و{أية : الذين هم على صلاتهم دائمون }تفسير : [المعارج:23] فالذي يحصل قراءة هذا الحرف إنما هو خاص بالقلب، لأن أعمال الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف السته التفصيلية، والذي يخص القلب بقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامه المحيطة بأن كل الخلق دقيقة وجليلة خلق الله وحده لا شريك له في شيء منه، وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله القائم بكلية ذلك الخلق، وإن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق هو مثل لله تعلى: {أية : وله المثل الأعلى}تفسير : [الروم: 27] وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ذلك الأمر المحيطات بها، وأن تفاصيل الأمر المحيطات أمثال لأسماء الله تعالى الحسنى بما هي محيطة؛ ولجمع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم النبيين وهو خاصته وخاصة آله، وعنه كمل الدين بالإحسان، وصفا العلم بالإيقان، وشوهد في الوقت الحاضر، ما بين حدي الأزل الماضي والأبد الغابر، وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل فانٍِ وبقي وجه رب محمد ذي الجلال والإكرام، وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد هو لكل شيء بداء وختام ـ انتهى. ولما ثبت بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القدرة شمول العلم المستلزمان للواحدانية أنتج قطعاً إفراده بالعباده الموجبه للسعاده المضمنة لإياك نعبد، فوصل بذلك قوله مقبلاً عليهم بعد الإعراض عنهم عند التقسيم إيذاناً بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من حيز المتأهل للخطاب من غير واسطة تنشيطاً لهم في عبادته وترغيباً وتحريكاً إلى رفع أنفسهم بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل دونهم وبشارة لمن أقبل عليه بعد أن كان معرضاً عنه بدوام الترقيه، فيزال ما أشار إليه حرف النداء والتعبير عن المنادى من بقية البعد بالسهو والغفلة والإعراض بالتقصير في العبادة والاضطراب والذبذبة {ياأيها الناس}. قال الحرالي في تفسيره {يا} تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على الخطاب، وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب ويفهم توسط البعد بين آيا الممدودة وأي المقصورة "أيّ" اسم مبهم، مدلوله اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل، "ها" كلمة مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى. وأكد سبحانه الكلام بالإبهام والتنبيه والتوضيح بتعيين المقصود بالنداء تنبيهاً على أن ما يأتي بعده أمور مهمة يحق لها تشمير الذيول والقيام على ساق الجد. وقال الحرالي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب فكذلك أيضاً جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني آيها، وخاتمة تلتئم وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. واعلم مع ذلك أن كل نبىء منبأ - يقرأ بالهمز - من النبأ وهو الخبر، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن الله عز وجل جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً منبياً من النبوة - يقرأ بغير همز. ومعناه رفعة القدر والعلو، فمما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طيّة أمره ومكنون علمه تعالى في سر التقدير الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم وبين مرجع إلى ذكر ربهم على ثلاثة أضرب: منهم من فُطِر على الإيمان ولم يطبع عليه أي على قلبه فهو مجيب ولا بد، ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد، ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهراً والكفر باطناً، وإن كلاًّ ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته {الم} ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة يعني بهذه الآية، وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن. ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من خص الله سبحانه خبر دعوته فهي مجراة على ألسنتهم ولذلك كثرت مقاواة قومهم ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق تعالى هذه الدعوة من قبله كان فيها بشرى بالغلبة وإظهار دينه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاويه خلقه، ولما انتهى إلى البشرى التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته عليه السلام بقوله: {أية : وبشر} تفسير : [البقرة: 25] ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ {أية : أن اعبدوا الله} تفسير : [المائدة: 117] ونحو فعزّ على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن إدراك العقول، ومع تولي الله سبحانه لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم الربوبية وهو اسم أقرب مثالاً على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى التربية والربابة، ومع ذلك أيضاً فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثالاً علمها فهي كالشمس والقمر ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها لاسم الله ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه أو إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف والإباء، واقتضى اليسر الذي أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطاً بآياتها - انتهى. ولما كانت العبادة المختلّة بشرك أو غيره ساقطة والازدياد من الصحيحة والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب الفريقين فقال: {اعبدوا ربكم} أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث يقبلها الغني. ثم وصفه بما أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيهاً على وجوده ووجوب العبادة له بوجوب شكر المنعم فقال: {الذي خلقكم}، قال الحرالي: {الذي} اسم مبهم مدلوله ذات موصوف بوصف يعقب به وهي الصلة اللازمة له، والخلق تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة {والذين من قبلكم} القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل عليه - انتهى. ثم بين نتيجتها بقوله: {لعلكم تتقون} أي لتكون حالكم بعبادته لأنها كلها محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى، وهي اجتناب القبيح من خوف الله، وسيأتي في قوله: {لعلكم تشكرون} ما ينفع هنا. وقال الحرالي: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبية بذكر الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم وأفعالهم فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم فينشأ لهم. بذلك تقوى - انتهى. وما أحسن الأمر بالعبادة حال الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين والآخرين وما بعده عقب إثبات قدرة الداعي المشيرة إلى الترهيب من سطواته! ولقد بدع هذا الاستدلال على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرب أنهم في غاية الجمود بأمور مشاهدة يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما بعده مما به قوام بقائهم من السكن والرزق في سياق منبّه على النعمة محذر من سلبها دال على الإله بعد الدلالة بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف ضرورة أنه وُجد بعد أن لم يكن، فلا بد له من موجد غير الناس، لما يشاهد من أن حال الكل كحاله بالدلالة بالآفاق من حيث إنها متغيرة، فهي مفتقرة إلى مغير هو الذي أحدثها ليس بمتغير، لأنه ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر بالنعم الجسام الموجبة لمحبة المنعم وترك المنازعة وحصول الانقياد فقال: {الذي جعل} قال الحرالي: من الجعل وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير {لكم الأرض} أي المحل الجامع لنبات كل نابت ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق وكل ما أصله ما الماء آيته كالهدى والعلم ونحو ذلك؛ ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها فقيل: أرض أريضة، للكريمة المنبتة، وأصل معناها ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها كتابه - انتهى. {فراشاً} وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء والأموات، وأصله كما قال الحرالي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك، {والسماء بناء} أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل القدر، محكم الأمر، بهي المنظر، عظيم المَخْبَر. ورتبت هذه النعم الدالة على الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب، قدم الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة عليه أدعى إلى الشكر، وثنى بمن قبله لأنه أعرف بنوعه، وثلث بالأرض لأنها مسكنه الذي لا بد له منه، وربع بالسماء لأنها سقفه، وخمس بالماء لأنه كالأثر والمنفعة الخارجة منها وما يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد بينهما فقال: {وأنزل} قال الحرالي: من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى. {من السماء} أي بإثارتها الرياح المثيرة للسحاب الحامل للماء {ماء} أي جسماً لطيفاً يبرد غلة العطش، به حياة كل نام. قال الحرالي: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق {فأخرج} من الإخراج وهو إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء - انتهى. وأتي بجمع القلة في الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما بالغان في الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيراً لهما في جنب قدرته إجلالاً له فقال: {به من الثمرات رزقاً} وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف بالإيمان بالغيب، لأنه كما قيل: لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب، والثمر كما قال الحرالي: مطعومات النجم والشجر وهي عليها، وعُبر بِمن لأن ليس كل الثمرات رزقاً لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضاً من كل الثمرات رزق فمنه ما هو للمداواة ومنه سموم وغير ذلك. وفي قوله: {لكم} إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم ومصيراً إلى أن يعود بالجزاء منهم. وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل، لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصيّر منه، فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد بساطاً قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب قدم له أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره؛ فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الإمارات والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة ومن علم وجداني إلى علم وجداني عليّ لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: {لا ريب فيه}. واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار والتناسب الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات أن الماء بزر كون الإنسان كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد أن يعين له نفسه: "نحن من ماء" ويعلم كذلك أيضاً أن للأرض والسماء مدخلاً في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه، وفي ذكر الأرض معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال عليه السلام: "حديث : من اغتصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين" تفسير : وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها؛ وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها. ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد - انتهى. ولما أمر بعبادته وذكرهم سبحانه بما يعلمون أنه فاعله وحده حسن النهي عن أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء التسبب عن الأمرين كليهما قال معبراً بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تألّه الغير {فلا تجعلوا لله} أي ما إحاطته بصفات الكمال. ويجوز أن يكون مسبباً عن التقوى المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب {أنداداً} أي على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون. قال الحرالي: جمع ند وهو المقاوم في صفة القيام والدوام، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى منها ترين الغفلة على القلوب، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله أنداداً - انتهى. وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم {وأنتم تعلمون} أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون فإنه يلوّح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في عداد البهائم. وفيه كما قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء، فمن جعل لله نداً مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى. وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت على من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء. وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب، وهو عمود الخشوع، وعليه مدار الذل والخضوع. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه استسلاماً، وجهده في خدمته إكباراً واستناده إليه اتكالاً، وسكونه له طمأنينة {أية : يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية}تفسير : [الفجر: 27، 28]، ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا الحرف والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه، لأن اتباع المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار، سبحانه من لم يجعل سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: {أية : اقرأ باسم ربك} تفسير : [العلق: 1] الآيات، وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] فليكن أول ما تدعوهم إليهم عبادة الله فإذا عرفوا الله، ومن ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر وحسن الجزاء {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم}تفسير : [الكهف: 28] {أية : ويدرؤون بالحسنة السيئة} تفسير : [الرعد: 22] {أية : الذين هم في صلاتهم خاشعون}تفسير : [المؤمنون: 2] لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب، وما تقدم من حرفي الحلال والحرام لإصلاح الدنيا، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه، والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ الاصطفاء وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك في نفس ولا غير، ولذلك بدىء بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ما قبله وأساس ما بعده، وهو للعبد أحوال محققة لا يشركه فيها ذو رثاء ولا نفاق، ويشركه في الأربعة المتقدمة - يعني النهي والأمر والحلال والحرام، لأنها أعمال ظاهرة فيتحلى بها المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة، ولا بالخشوع ولا بالخضوع، ولا بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء، ولا بالرضا بالقضاء، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن وأحاديثه الواردة للبيان، وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمن {أية : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : [الفرقان: 63] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الحجر: 42، والإسراء: 65]. ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها كان ثابتاً في كل ملة وفي كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل على الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل واختلافها على مذاهب الأئمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الملل في الحرف المحكم فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به الله من يشاء، وقرأته العملة به هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن المتبعين لحرف المتشابه هم المتفرقون في الملل وهم أهل البدع والأهواء المشتغلون بما لا يعنيهم، وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء؛ فحرف المحكم للاجتماع والهدى، وحرف المتشابه للافتراق والضلال {أية : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4]. ثم قال: اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو حظ العامة من الأمة العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة، وقراءة هذا الحرف تماماً هو حظ المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال الصادقة المشفقين من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده مصرّف فيما شاء وكيف شاء، ليس له في نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة {أية : في أيّ صورة ما شاء ركبك} تفسير : [الانفطار: 8] {أية : على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون}تفسير : [الواقعة: 63]. والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق للحق رقّ خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19] و {أية : من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} تفسير : [آل عمران: 85] وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة القلب؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق في الملك: إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكساراً والذل عطفاً والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على وصف النفس، بذلك ينتهي حسن التخلق مع الخلق وصدق التعبد للحق؛ وإما من جهة العمل فتصرف الجوارح وإسلامها لله قولاً وفعلاً وبذلاً، ومسالمة الخلق لساناً ويداً، وهو تمام الإسلام وثبته، لا يكتب أحدكم في المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده، ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من الإطراق في القيام ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبيد، كذلك كان صلى الله عليه وسلم يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه ويقول: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد" ويؤثر جميع ما هو هيئة العبيد في تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31] فبهذه الأمور من تحقق العبودية للقلب وذل النفس وانكسار الجوارح تحصل قراءة حرف المحكم والله الولي الحميد - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين عن ابن عباس قي قوله {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} الآية. قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالإِسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء. فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه {وتركهم في ظلمات} يقول في عذاب { صم بكم عمي} لايسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه {أو كصيب} هو المطر. ضرب مثله في القرآن {فيه ظلمات} يقول: ابتلاء {ورعد وبرق} تخويف {يكاد البرق يخطف أبصارهم} يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين {كلما أضاء لهم مشوا فيه} يقول: كلما أصاب المنافقون من الإِسلام عزاً اطمأنوا، فإن أصاب الإِسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله {أية : ومن الناس من يعبد الله على حرف ..} تفسير : [الحج: 11] الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة في قوله {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...} الآية. قال: إن ناساً دخلوا في الإِسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً فـ {أضاءت ما حوله} من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي. فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، بينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، فهم {صم بكم} فهم الخرس {فهم لا يرجعون} إلى الإِسلام. وفي قوله {أو كصيب...} الآية. قال: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكره الله. فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق، أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا. قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان. ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما. فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما {كلما أضاء لهم مشوا فيه} فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة وفتحاً {مشوا فيه} وقالوا: إن دين محمد حينئذ صدق، واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق {وإذا أظلم عليهم قاموا} فكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم، وأصابهم البلاء، قالوا هذا من أجل دين محمد، وارتدوا كفاراً، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي. مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {كمثل الذي استوقد ناراً} قال: ضربه الله مثلاً للمنافق. وقوله {ذهب الله بنورهم} أما (النور) فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما (الظلمة) فهي ضلالهم وكفرهم. وفي قوله {أو كصيب} الآية. قال (الصيب) المطر. وهو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله، وعمل مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما (الظلمات) فالضلالة، وأما (البرق) فالإِيمان. وهم أهل الكتاب {وإذا أظلم عليهم} فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه. وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {مثلهم...} الآية. قال: ضرب الله مثلاً للمنافقين يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم ونفاقهم، فتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون، هدى ولا يستقيمون على حق {صم بكم عمي} عن الخير {فهم لا يرجعون} إلى هدى، ولا إلى خير. وفي قوله {أو كصيب..} الآية. يقول: هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر، والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق {حذر الموت والله محيط بالكافرين} منزل ذلك بهم من النقمة {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي لشدة ضوء الحق {كلما أضاء لهم مشوا فيه} أي يعرفون الحق ويتكلمون به فهم من قولهم به استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر {قاموا} أي متحيرين {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} أي لما سمعوا، تركوا من الحق بعد معرفته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} قال: أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى الكافرين والضلالة، وإضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل {والله محيط بالكافرين} قال: جامعهم في جهنم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق. إن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فناكح بها المسلمين، ووارث بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، فسلبها المنافق عند الموت، فترك في ظلمات وعمى يتسكع فيها. كما كان أعمى في الدنيا عن حق الله وطاعته صم عن الحق فلا يبصرونه {فهم لا يرجعون} عن ضلالتهم، ولا يتوبون ولا يتذكرون {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه ميت. أجبن قوم، وأخذله للحق. وقال الله في آية أخرى {أية : يحسبون كل صيحة عليهم}تفسير : [المنافقون: 4] {يكاد البرق يخطف أبصارهم} الآية. قال: {البرق} هو الإِسلام و (الظلمة) هو البلاء والفتنة. فإذا رأى المنافق من الإِسلام طمأنينة، وعافية، ورخاء، وسلوة من عيش {قالوا: إنا معكم} ومنكم، وإذا رأى من الإِسلام شدة، وبلاء، فقحقح عند الشدة فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها. إنما هو صاحب دنيا لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما هو نعته الله. واخرج ابن وكيع وعبد بن حميد وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طرق عن ابن عباس في قوله {أو كصيب من السماء} قال: المطر. وأخرج ابن جرير عن مجاهد والربيع وعطاء. مثله. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنما الصيب من ههنا. وأشار بيده إلى السماء ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يكاد البرق} قال: يلتمع { يخطف أبصارهم} ولما يخطف. وكل شيء في القرآن (كاد، وأكاد، وكادوا) فإنه لا يكون أبداً. وأخرج وكيع عن المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسين يقرأها {يكاد البرق يخطف أبصارهم}.

ابو السعود

تفسير : {مّثْلُهُمْ} زيادة كشف لحالهم وتصويرٌ غِبَّ تصويرِها بصورة ما يؤدي إلى الخسارة بحسب المآل بصورة ما يفضي إلى الخَسار من حيث النفسُ تهويلاً لها وإبانةً لفظاعتها، فإن التمثيلَ ألطفُ ذريعةٍ إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزالِه من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبـي، وقمعِ سَوْرةِ الجامح الآبـي، كيف لا وهو رفعُ الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداءٌ للمنكر في صورة المعروف، وإظهارٌ للوحشي في هيئة المألوف، والمَثَل في الأصل بمعنى المِثْل والنظير، يقال مِثْل ومَثَل ومثيل، كشِبْهٍ وشَبَه وشبـيه، ثم أطلق على القول السائر الذي يُمثّل مضرِبُه بمورده وحيث لم يكن ذلك إلا قولاً بديعاً فيه غرابةٌ صيَّرتْه جديراً بالتسيـير في البلاد وخليقاً بالقبول فيما بـين كل حاضرٍ وباد، استعير لكل حال أو صفةٍ أو قصة لها شأن عجيب، وخطرٌ غريب من غير أن يلاحَظ بـينها وبـين شيءٍ آخرَ تشبـيهٌ، ومنه قوله عز وجل: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النحل، الآية 60] أي الوصفُ الذي له شأن عظيم وخطر جليل، وقوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الرعد، الآية 35] أي قصتها العجيبةُ الشأن {كَمَثَلِ ٱلَّذِى} أي الذين كما في قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ} تفسير : [التوبة، الآية 69] خلا أنه وُحِّد الضمير في قوله تعالى: {ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} نظراً إلى الصورة، وإنما جاز ذلك مع عدم جوازِ وضعِ القائمِ مَقام القائمين، لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعةُ صلةً له دون نفسه، بل إنما هو صلةٌ لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف لاستطالته بصلته، ولذلك بولغ فيه فحُذف ياؤه ثم كسرتُه ثم اقتُصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه، فحقُه ألا يُجمع، ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته، وليس (الذين) جمعَه المصحح بل النونُ فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى، ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة، أو قصد به جنسُ المستوقد أو الفوجُ أو الفريقُ المستوقد، والنارُ جوهرٌ لطيف مُضيء حارٌّ محرق، واشتقاقها من نار ينورُ إذا نفَر لأن فيها حركة واضطراباً واستيقادُها طلبُ وُقودها، أي سطوعها وارتفاع لهبها وتنكيرها للتفخيم {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ} الإضاءة فرطُ الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس، الآية 5] وتجيء متعدية ولازمة، والفاء للدلالة على ترتبها على الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد، أو فلما أضاء ما حوله، والتأنيث لكونه عبارةً عن الأماكن والأشياء، أو أضاءت النارُ نفسها فيما حوله على أن ذلك ظرف لإشراق النارِ المنزّلِ منزلتَها لا لنفسها، أو(ما) مزيدةٌ و(حوله) ظرف، وتأليفُ الحول للدوران، وقيل: للعام حَوْلٌ لأنه يدور {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} النور ضوءُ كل نيِّر، واشتقاقه من النار، والضمير للذي، والجمع باعتبار المعنى أي أطفأ الله نارهم التي هي مدار نورِهم، وإنما علِق الإذهابُ بالنور دون نفس النار لأنه المقصودُ بالاستيقاد، لا الاستدفاءِ ونحوه كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَضَاءتْ} حيث لم يقل فلما شب ضِرامُها أو نحو ذلك، وهو جوابُ (لمّا) أو استئنافٌ أجيب به عن سؤال سائل يقول ما بالُهم أشبَهَتْ حالهم حالَ مستوقدٍ انطفأت ناره، أو بدلٌ من جملة التمثيل على وجه البـيان، والضمير على الوجهين للمنافقين والجواب محذوف كما في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } تفسير : [يوسف، الآية 15] للإيجاز والأمن من الإلباس، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمَدَت فبقُوا في الظلمات خابطين متحيِّرين خائبـين بعد الكدح في إحيائها، وإسنادُ الإذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بخلقه تعالى، وإما لأن الانطفاءَ حصل بسبب خفيّ، أو أمر سماوي كريح أو مطر وإما للمبالغة كما يؤذن به تعديةُ الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والإمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه، وما أخذه الله عز وجل فأمسكه فلا مرسلَ له من بعده، ولذلك عُدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر إلى النور لأن ذهابَ الضوء قد يجامع بقاءَ النور في الجملة لعدم استلزام عدم القوي لعدم الضعيف، والمراد إزالتُه بالكلية كما يفصح عنه قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} فإن الظلمةَ التي هي عدمُ النور وانطماسُه بالمرة، لا سيما إذا كانت متضاعفة متراكمة متراكباً بعضُها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمي وما بعدها من قوله تعالى: {لاَّ يُبْصِرُونَ} لا يتحقق إلا بعد ألا يبقىٰ من النور عينٌ ولا أثر، وإما لأن المراد بالنور ما لا يرضىٰ به الله تعالى من النار المجازية التي هي نارُ الفتنة والفساد كما في قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة، الآية 64] ووصفُها بإضاءة ما حول المستوقد من باب الترشيح، أو النار الحقيقية التي يوقدها الغواة ليتوصلوا بها إلى بعض المعاصي، ويهتدوا بها في طرق العبث والفساد، فأطفأها الله تعالى، وخيب آمالهم، و(ترك) في الأصل بمعنى طرَح وخلَّى، وله مفعول واحد، فضُمِّن معنى التصيـير فجرى مَجرى أفعال القلوب قال:[الكامل] شعر : فتركتُه جَزَرَ السِّباع ينُشْنَه يقضَمْنَ حُسنَ بنانِه والمِعصَمِ تفسير : والظلمة مأخوذة من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك، لأنها تسد البصرَ وتمنعه من الرؤية، وقرىء (في ظُلْمات) بسكون اللام، و(في ظلمة) بالتوحيد، ومفعول لا يبصرون من قبـيل المطروح، كأن الفعل غير متعد، والمعنى أن حالهم العجيبة ــ التي هي اشتراؤهم الضلالةَ ــ التي هي عبارة عن ظلمتي الكفرِ والنفاقِ المستتبعتين لظُلمة سخط الله تعالى، وظلمةِ يوم القيامة: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم }تفسير : [الحديد، الآية 12] وظلمةِ العقاب السرمدي ــ بالهدى، الذي هو النورُ الفطري المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق أو بالهدى الذي كانوا حصّلوه من التوراة حسبما ذكر ـــ كحال من استوقد ناراً عظيمة حتى كاد ينتفع بها فأطفأها الله تعالى، وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً...} الآية. قال أبو الحسن الوراق: هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءاً فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر من يضئ عليه أحوال إرادته لو صححتها بملازمة آدابها، فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقى فى ظلمات دعاوية لا يبصر طريق الخروج منها. قال الحسن: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} [الآية: 20]. قال: إذا أضاء لهم مرادهم من الدنيا والدين ألقوه، وإذا أظلم عليهم من خلاف معقولهم قاموا مجهولين.

القشيري

تفسير : هذا مثل ضربه الله سبحانه للمنافقين بمن استوقد ناراً في ابتداء ليلته ثم أطفئت النيران فبقي صاحبها في الظلمة، كذلك المنافق ظهر عليه شيء من العوافي في الدنيا بظاهره ثم امْتُحِنُوا في الآخرة بأليم العقوبة، أو لاح شيء من إقرارهم ثم بقوا في ظلمة إنكارهم. والإشارة من هذه الآية لمن له بداية جميلة؛ يسلك طريق الإرادة، ويتعنَّى مدة، ويقاسي بعد الشدّة شدة، ثم يرجع إلى الدنيا قبل الوصول إلى الحقيقة، ويعود إلى ما كان فيه من ظلمات البشرية. أورق عُودُه ثم لم يثمر، وأزهر غصنه ثم لم يدركه، وعجَّل كسوف الفترة على أقمار حضوره، وردّته يد القهر بعد ما أحضره لسان اللطف، فوطن عن القرب قلبه، وغلّ من الطالبين نفسه، فكان كما قيل: شعر : حين قرّ الهوى وقلنا سُرِرْنا وَحِسْبناً من الفراق أمِنَّا بعث البَيْن رُسْل في خفاءٍ فأبادوا من شملنا ما جمعنا تفسير : وكذلك تحصل الإشارة في هذه الآية لمن له أدنى شيء من المعاني فيظهر الدعاوى فوق ما هو به، فإِذا انقطع عنه (...) ماله من أحواله بقي في ظلمة دعاواه. وكذلك الذي يركن إلى حطام الدنيا وزخرفها، فإِذا استتبت الأحوال وساعد الأمل وارتفع المراد - برز عليه الموت من مكامن المكر فيترك الكُل ويحمل الكَلَّ.

البقلي

تفسير : {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}هذا مثل من دَخل طريق الاولياء بالتقليد لا بالتحقيق يعمل علم الظاهر ومَا وَجد حلاوة الباطن فترك الاعمال بعد فقدان الاحوال وايضاً مثل مَن استوقد نيران الدّعوى وليس معه حقيقة الغنى فاضاءت ظواهره بالصّيت والقبول فافشَى الله نفاقَه بين الخلق حتى تبدو في اخَسّ السحرية ولا يجد مناصا من فضاحة الدّنيا والاخرة وقال ابو الحسن الوراق هذا مَثَل ضَرَبهُ الله لمن لم يَصحّ له احوال الارادة فارتقى من تلك الاحوال بالدَّعاوى الى احوال الاكابر فكان يُضى عليه احوالُ ارادية لو صَحّحها بملازمة أدابها فلمّا مزَجَها بالدعاوى اَذْهَبَ الله عنه تلك الانوار وبقى في ظلمت دَعَاويه لا يبصر طريق الخروج منها.

اسماعيل حقي

تفسير : {مثلهم} المثل فى الاصل بمعنى النظير ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده اى المضروب كما ورد من غير تغيير ولا يضرب الا بما فيه غرابة ولذلك حوفظ عليه من التغيير ثم استعير لكل حال او قصة او صفة لها شأن عجيب وفيها غرابة كقوله تعالى {مثل الجنة التى وعد المتقون} وقوله تعالى {أية : ولله المثل الأعلى}تفسير : [النحل: 60]. اى الوصف الذى له شأن من العظمة والجلال ولما جاء الله بحقيقة حال المنافقين عقبها بضرب المثل زيادة فى التوضيح والتقرير فان التمثيل ألطف ذريعة الى تسخير الوهم للعقل واقوى وسيلة الى تفهيم الجاهل الغبى وقمع سورة الجامح الابى كيف لا يلطف وهو ابداء للمنكر فى صورة المعروف واظهار للوحشى فى هيئة المألوف واراءة للخيل محققا والمعقول محسوسا وتصوير للمعانى بصورة الاشخاص ومن ثمة كان الغرض من المثل تشبيه الخفى بالجلى والغائب بالشاهد ولامر ما اكثر الله فى كتبه الامثال وفى الانجيل سورة تسمى سورة الامثال وفى القرآن الف آية من الامثال والعبر وهى فى كلام الانبياء عليهم السلام والعلماء والحكماء كثيرة لا تحصى ذكر السيوطى فى الاتقان من اعظم علم القرآن امثاله والناس فى غفلة عنه والمعنى حالهم العجيبة الشان{كثمل الذى} اى كحال الذين من باب وضع واحد الموصول موضع الجمع منه تخفيفا لكونه مستطالا بصلته كقوله {وخضتم كالذى خاضوا} والقرينة ما قبله وما بعده خلا انه وحد الضمير فى قوله تعالى {استوقد نارا} نظرا الى الصورة وجمع فى الافعال الآتية نظرا الى المعنى. والاستيقاد طلب الوقود والسعى فى تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع لهبها. والنار جوهر لطيف مضئ محرق حار والنور ضوءها وضوء كل نير وهو نقيض الظلمة اى اوقد فى مفازة فى ليلة مظلمة نار عظيمة خوفا من السباع وغيرها {فلما اضاءت} الاضاءة فرط الانارة كما يعرب عنه قوله تعالى {أية : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا}تفسير : [يونس: 5]. اى انارت النار {ما حوله} اى ما حول المستوقد من الاماكن والاشياء على ان ما مفعول اضاءت ان جعلته متعدياً وحول نصب على الظرفية وان جعلته لازما فهو مسند الى ما والتأنيث لان ما حوله اشياء واماكن واصل الحول الدوران ومنه الحول للعالم لانه يدور وجواب لما قوله تعالى {ذهب الله بنورهم} اى اذهبه بالكلية واطفأ نارهم التى هى مدار نورهم وانما علق الاذهاب بالنور دون نفس النار لانه المقصود بالاستيقاد واسناد الاذهاب الى الله تعالى اما لان الكل بخلقه تعالى واما لان الانطفاء حصل بسبب خفى اوامر سماوى كريح او مطر واما للمبالغة كما يؤذن به تعدية الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والامساك يقال ذهب السلطان بماله اذا اخذه وما اخذه الله تعالى فامسكه فلا مرسل له من بعده ولذلك عدل عن الضوء الذى هو مقتضى الظاهر الى النور لان ذهاب الضوء قد يجامع بقاء النور فى الجملة لعدم استلزام عدم القوى لعدم الضعيف والمراد ازالته بالكلية كما يفصح عنه قوله تعالى {وتركهم فى ظلمات لا يبصرون} فان الظلمة هى عدم النور وانطامسة بالمرة لا سيما اذا كانت متضاعفة متراكمة متراكبا بعضها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمى وما بعده من قوله {لا يبصرون} لا يتحقق الا بعد ان لا يبقى من النور عين ولا اثر وترك فى الاصل بمعنى طرح وخلى وله مفعول واحد فضمن معنى التصيير فجرى مجرى افعال القلوب اى صيرهم {فى ظلمات لا يبصرون} ما حولهم فعلى هذا يكون قوله {فى ظلمات} وقوله {لا يبصرون} مفعولين لصير بعد المفعول الاول على سنن الاخبار المتتابعة للمخبر عنه الواحد وان حمل معناه على الاصل يكونان حالين من المفعول مترادفين او متداخلين والمعنى ان حالهم العجيبة التى هى اشتراؤهم الضلالة التى هى عبارة عن ظلمتى الكفر والنفاق المستتبعين لظلمة سخط الله تعالى وظلمة يوم القيامة {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم} وظلمة العقاب السرمدى بالهدى الذى هو الفطرى النورى المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق كحال من استوقد نارا عظيمة حتى كاد ينتفع بها فاطفأها الله تعالى وتركه فى ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الابصار * وفى التيسير والعيون ان المنافقين اظهروا كلمة الايمان فاستتاروا بنورها واستعزوا بعزها وأمنوا بسببها فناحكوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمنوا على اموالهم واولادهم فاذا بلغوا الى آخر العمر كل لسانهم عنها وبقوا فى ظلمة كفرهم أبد الأبد وعادوا الى الخوف والظلمة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {استوقد} يحتمل أن تكون للطلب، أو زائدة بمعنى أوقد، و{لما} شرطية، و {ذهب} جواب، وإذا كان لفظ الموصول مفرداً واقعاً على جماعة، يصح في الضمير مراعاة لفظه فيفرد، ومعناه فيجمع، فأفرد في الآية أولاً، وجمع ثانياً، ويقال: أضاء يضيء إضاءة، وضَاء يضُوء ضَوْءاً. يقول الحقّ جلّ جلاله: مثل هؤلاء المنافقين من اليهود {كَمَثَلِ} رجل في ظلمة، تائه في الطريق، فاستوقد ناراً ليبصر طريق، فاستوقد ناراً ليبصر طريق القصد {فَلَمَّا} اشتغلت و {أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} فأبصر الطريق، وظهرت له معالم التحقيق، أطفأ الله تلك النار وأذهب نورها، ولم يبق إلا جمرها وحرّها. كذلك اليهود كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبيّ صلى الله عليه وسلم ويطلبونه، فلما قدم عليهم، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به، فأذهب الله عنهم نوره، {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} الكفر والشك والنفاق، {لاَّ يُبْصِرُونَ} ولا يهتدون، {صُمٌّ} عن سماع الحق، {بُكْمٌ} عن النطق به {عُمْي} عن رؤية نوره، {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} عن غيّهم، ولا يقصرون عن ضلالتهم. الإشارة: مَثَلُ مَنْ كان في ظلمات الحجاب قد أحاطت به الشكوك والارتياب، وهو يطلب من يأخذ بيده ويهديه إلى طريق رشده، فلما ظهرت أنوار العارفين، وأحدقت به أسرار المقربين، حتى أشرقت من نورهم أقطارُ البلاد، وحَيِيَ بهم جلّ العباد، أنكرهم وبعد منهم، فتصامم عن سماع وعظهم، وتباكَمَ عن تصديقهم، وعَمِيَ عن شهود خصوصيتهم، فلا رجوع له عن حظوظه وهواه، ولا انزجار له عن العكوف على متابعة دنياه، مثله كمن كان في ظلمات الليل ضالاً عن الطريق، فاستوقد ناراً لتظهر له الطريق، فلما اشتعلت وأضاءت ما حوله أذهب الله نورها، وبقي جمرها وحرّها، وهذه سنة ماضية: لا ينتفع بالولي إلا مَن كان بعيداً منه. وفي الحديث:"حديث : أزْهَدُ النَّاسِ في العَالِم جيرانُه"تفسير : ، وقد مَثَّلُوا الولي بالنهر الجاري كلما بَعُدَ جَرْيُه عَمَّ الانتفاعُ به، ومثَّلوه أيضاً بالنخلة لا تُظِلُّ إلا عن بُعْد. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : اللغة: إن قيل: كيف قال: {مثلهم}، أضاف المثل إلى الجمع، ثم شبهه بالواحد في قوله: {كمثل الذي استوقد ناراً}، هلاّ قال كمثل الذين استوقدوا نارا، يكني به عن جماعة من الرجال والنساء، والصبيان. والذي لا يعبر به إلا عن واحد مذكر ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل: كأن أجسام هؤلاء ـ ويشير إلى جماعة عظيمي القامة ـ نخلة. وقد علمنا أن ذلك لا يجوز؟ قلنا: في الموضع الذي جعله مثلا لأفعالهم جائز حسن وله نظائر كقوله: {أية : تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } تفسير : والمعنى: كدور أعين الذي يغشى عليه من الموت وكقوله {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } تفسير : ومعناه إلا كبعث نفس واحدة لأن التمثيل وقع للفعل بالفعل وأما في تمثيل الأجسام لجماعة من الرجال في تمام الخلق والطول بالواحد من النخيل فغير جائز، ولا في نظائره. التفسير: والفرق بينهما، أن معنى الآية، أن مثل استضاءة المنافقين بما أظهروا من الاقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله، وبما جاء به قولا ـ وهم به مكذبون اعتقاداً ـ كمثل استضاءة الموقد، ثم اسقط ذكر الاستضاءة، واضاف المثل اليهم كما قال الشاعر وهو نابغة جعدة: شعر : وكيف تواصل من اصبحت خلالته كأبي مرحب تفسير : أي كخلالة أبي مرحب. واسقط لدلالة الكلام عليه وأما إذا أراد تشبيه الجماعة من بني آدم وأعيان ذوي الصور والاجسام بشيء فالصواب أن يشبه الجماعة بالجماعة، والواحد بالواحد؛ لأن عين كل واحد منهم غير اعيان الأخر كما قال تعالى: {أية : كأنهم خشب مسندة} تفسير : وقال: {أية : كأنهم أعجاز نخل خاوية} تفسير : واراد جنس النخل ومثل قوله: ما افعالكم إلا كفعل الكلب ثم يحذف الفعل فيقال: ما افعالكم إلا كالكلب. وقيل إن {الذي} بمعنى الذين كقوله: {أية : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} تفسير : وقال الشاعر: شعر : وان الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا ام خالد تفسير : وانما جاز ذلك، لأن الذين منهم يحتمل الوجوه المختلفة وضعف هذا الوجه من حيث ان في الآية الثانية وفي البيت دلالة على انه اريد به الجمع. وليس ذلك في الآية التي نحن فيها. وقيل فيه وجه ثالث وهو ان التقدير: مثلهم كمثل اتباع الذي استوقد ناراً وكما قال: {أية : واسأل القرية} تفسير : وانما اراد اهلها. وفى الآية حذف (طفئت عليهم النار) وقوله: {استوقد ناراً} معناه: اوقد ناراً كما يقال استجاب بمعنى اجاب قال الشاعر: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : يريد: فلم يجبه الوقَود: الحطب. والوقُود: مصدر وقدت النار وقودا. والاستيقاد: طلب الوقود. والايقاد: ايقاد النار. والتوقد: التوهج. والايقاد: التهاب النار. وزند ميقاد: سريع الوَرْي. وقلب وقاد: سريع الذكاء والنشاط. وكل شيء يتلألأ فهو يتقد. وفي الحجر نار لا تقد، لأنها لا تقبل الاحتراق والوقود: ظهور النار فيما يقبل الاحتراق. وأصل النار النور. نار الشيء اذا ظهر نوره. وانار: اظهر نوره. واستنار: طلب اظهار نوره. والمنار: العلامات. والنار: السمت. وضاءت النار: ظهر ضوؤها وكل ما وضح فقد اضاء. واضاء القمر الدار: كقوله: اضاءت ما حوله. قال الشاعر: شعر : اضاءت لهم احسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظمّ الدر ثاقبه تفسير : وقوله: {حوله} مأخوذ من الحول وهو الانقلاب. يقال حال الحول: اذا انقلب إلى أول السنة وأحال في كلامه اذا صرفه عن وجهه وحوّله عن المكان: أي نقله إلى مكان آخر: وتحول: تنقل واحتال عليه وحاوله طالبه بالانقلاب إلى مراده والحَول بالعين ـ بالفتح ـ والحول ـ بالكسر ـ الانقلاب عن الأمر ومنه قوله {أية : لا يبغون عنها حولا } تفسير : والحوالة انقلاب الحق عن شخص إلى غيره والمحالة: البكرة. والحيلة: إيهام الأمر للخديعة. وحال بينه وبينه: مانع والحائل: الناقة التي انقطع حملها. والحائل: العير. وحوله الصبا: أي دايرته ذهب به واذهبه: أي أهلكه، لا ذهابه إلى مكان يعرف، ومنه {ذهب الله بنورهم}. والمذهب: الطريقة في الأمر. والذّهبه: المطرة الجود. وقوله: {وتركهم في ظلمات}: أي أذهب النور بالظلمات. وتاركه متاركة وتتاركوا: تقابلوا في الترك. واترك اتراكا: اعتمد الترك. والتركة والتريكة: بيضة النعام المنفردة لتركها وحدها. والظلمات: جمع الظلمة، واصلها انتقاص الحق من قوله: ولم تظلم منه شيئاً أي لم تنقص. واظلم الجواد احتمل انتقاص الحق لكرمه، ومن أشبه أباه فما ظلم أي ما انتقص حق الشبه. وظلمت الناقة: اذا نحرت من غير علة. والظلم: ماء الأسنان من اللون لا من الريق. والظلم: الثلج. وقوله: {في ظلمات لا يبصرون} قال ابن عباس: إنهم بيصرون الحق ويقولون به حتى اذا خرجوا من ظلمة الكفر، أطفأوه بكفرهم به، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق، وروي عنه أيضاً أنه قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمنافقين، أنهم كانوا يعتزون بالاسلام، فيناكحهم المسلمون ويولدونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا، سلبهم الله ذلك العز، كما سلب صاحب النار ضوءه، وتركهم في عذاب، وهو أحسن الوجوه. وقال أبو مسلم: معناه أنه لا نور لهم في الآخرة، وإن ما أظهروه في الدنيا يضمحل سريعاً كاضمحلال هذه اللمعة. وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء اشقى في الحيرة، فكذلك حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم، ويزيد استضرارهم على استضرار من طفئت ناره بسوء العاقبة. وروي عن ابن مسعود وغيره أن ذلك في قوم كانوا اظهروا الاسلام، ثم أظهروا النفاق، فكان النور الايمان، والظلمة نفاقهم. وقيل فيها وجوه تقارب ما قلناه وتقدر بعد قوله: {فلما أضاءت ما حوله} (انطفأت) لدلالة الكلام عليها كما قال ابو ذؤيب الهذلي: شعر : دعاني اليها القلب إني لأمره مطيع فما ادري ارشد طلابها؟ تفسير : وتقديره، ارشد طلابها ام غي؟ وقال الفراء يقال ضاء القمر يضوء، واضاء يضيء، لغتان وهو الضوء والضوء ـ بفتح الضاد وضمها ـ وقد اظلم الليل، وظَلِم ـ بفتح الظاء وكسر اللام ـ وظلمات على وزن غرفات، وحجرات، وخطوات، فاهل الحجاز وبنو اسد يثقلون وتميم وبعض قيس يخففون والكسائي يثمّ الهاء الرفع بعد نصب اللام في قوله {حوله}، و {نجمع عظامه} في حال الوقف الباقون لا يشمون وهو احسن

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : تحقيق الآية يستدعي تمهيد مقدّمات. إحداها: هي إن العوالم متطابقة والنشآت متحاذية، نسبة الأعلى إلى الأدنى كنسبة الصافي إلى الكدر، ونسبة اللبّ الى القشر. ونسبة الأدنى إلى الأعلى كنسبة الفرع إلى الأصل، ونسبة الظلّ إلى الشخص، ونسبة الشخص إلى الطبيعة، ونسبة المثال إلى الحقيقة. فكلّ ما في الدنيا لا بدّ له في الآخرة من أصل، وإلاّ لكان كسراب باطل وخيال عاطل، وكلّ ما في الآخرة لا بدّ له في الدنيا من مثال، وإلاّ لكان كمقدّمة بلا نتيجة وشجرة بلا ثمرة، وعلّة بلا معلول، وجواد بلا جود، لأنّ الدنيا عالم الملك والشهادة، والآخرة من عالم الغيب والملكوت، ولكلّ إنسان دنياً وآخرة، وأعني بدنياك: حالتك قبل الموت، وبآخرتك: حالتك بعد الموت. فدنياك وآخرتك، من جملة أحوالك ودرجاتك، يسمّى القريب الداني منها دنياً، وما بعده المتأخّر آخرة، وكون الدنيا متقدّمة على الآخرة، ليس بحسب الأمر في ذاته، بل بالإضافة إلينا، من جهة أنّ الإنسان أول ما يحدث، يكون في عالم الحسّ والشهادة، ثمّ يتدرّج قليلاً قليلاً في قوّة الوجود، حتى ينتقل من هذا العالم إلى عالم الغيب والآخرة عند قيامة. فبالقياس إليه، تكون الدنيا أولاه والآخرة أخراه، كما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في رتبة الوجود، وثانيةٌ لها، وهي وإن كانت ثانية في رتبة الوجود؛ فإنّها أول في حقّ رؤيتك؛ فإنك لا ترى نفسك، وترى صورتك في المرآة أولاً، فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانياً على سبيل المحاكاة، فانقلب التابع في الوجود متبوعاً في حق المعرفة، وانقلب المتأخر متقدماً. وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس، ضرورة هذا العالم، وكذلك عالم الشهادة محال لعالم الغيب والملكوت. ومن الناس من يُسرّ له نظر الإعتبار، فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلاّ ويَعْبُرُ به إلى عالم الملكوت، فيسمى عبوره عبرة؛ وقد أمر الخلق به، قال سبحانه: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تفسير : [الحشر:2] ومنهم من عميت بصيرته فلم يعبر، فاحتبس في عالم الملك والشهادة، وتنفتح إلى حبسه أبواب جهنّم، وهذا الحبس ممتلئ ناراً شأنها أن تطّلع على الأفئدة، إلا أن بينه وبين إدراك الَمِها حجابٌ، فإذا رُفع الحجاب بالموت، أدرك. وعن هذا أظهر الله الحقّ على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا: الجنّة والنار مخلوقتان. ثمّ إنّا نحن الآن: نتكلّم أو نخاطب في الدنيا مَن في الآخرة. والغرض من إنزال القرآن، أكثره شرح أحوال الآخرة، وخصوصاً في هذه الآية، فإنّ الغرض شرح أحوال طائفة من المنافقين بحسب باطنهم وآخرتهم، والآخرة من عالم الملكوت، ولا يتصوّر شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلا بضرب الأمثال، ولذلك قال سبحانه: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت:43]. وهم الذين جردوا صور المحسوسات عن قشورها المادية، وأحضروها عند عقولهم العابرة عن عالم الأمثلة الحسّية إلى عالم الحقائق والملكوت، وعالم الأمثلة الحسية بالقياس إلى عالم الحقائق، كنشأة النوم بالقياس إلى عالم الملكوت، ولذلك قال عليه السلام: "الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا". وما سيكون في اليقظة لا يبيّن لك في النوم إلا بضرب الأمثال المحوِجة إلى التعبير، وكذلك ما سيكون في يقظة يوم القيامة، لا يبيّن لك في ليالي حجُب الدنيا إلا في كسوة الأمثال، وأعني بكسوة الأمثال، ما تعرفه من علم التعبير، فإنّ شأن علماء التعبير أن يعبروا من الأمثلة إلى الحقائق. ولنذكر لك ثلاثة أمثلة من تعبيرات ابن سيرين تكفيك إن كنت فَطِناً لفهم معنى المثال ونسبته إلى الحقيقة. فقد جاءَ رجلُ إليه وقال: رأيت كأن في يدي خاتماً أختم به أفواه الرجال وفروج النساء. فقال: إنك مؤذِّن توذِّن في رمضان قبل الفجر فقال: صدقت. وجاء آخر فقال: رأيت كأنّي أصبّ الزيت في الزيتون. فقال: إنْ كان تحتك جارية اشتريتها ففتّش عن حالها فإنّها أمك، لأنّ الزيتون أصل الزيت، فهو ردٌّ إلى الأصل، فنظر فإذا جاريته كانت أمه وقد سُبيت في صِغَره. وقال آخر له: كأنّي أعلّقُ الدرّ في أعناق الخنازير، فقال: إنّك تعلّم الحكمة غير أهلها - وكان كما قال -. فالتعبير من أوله إلى آخره مثال لعرفان طريق الأمثال، وليس للأنبياء عليهم السلام أن يتكلموا مع الخلق إلاّ بضرب الأمثال، لأنّهم كلّفوا أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم، وقدر عقولهم أنّهم في النوم، كما ورد: "الدنيا دار منام، والعيش فيها كأحلام". والنائم لا ينكشف له شيء إلاّ بصورة المثل، فإذا ماتوا انتبهوا ووصلوا إلى تعبير منامهم، وعرفوا أن المثل المضروب لهم كان صادقاً كله. وإنّما نعني بالمثَل؛ أداء المعنى، أو وجوده في صورة إن نُظر إلى معناه وباطنه وُجد صادقاً، وإن نُظر إلى صورته وظاهره وجد كاذباً. المقدّمة الثانية: إنّ موجودية الممكنات بحقيقة الوجود الفائض من الحقّ الأول، وقد علمت فيما سبق، أن الوجود في كلّ شيء هو نحو وجوده، وهو صورة ذاته دون المسمّى بالماهية، إلاّ أنّ صورة الوجود في بعض الأشياء كالمفارقات، وضرب من الملائكة والمدبرات العلوية، قائمة في أنفسها بذات باريها وموجدها. وفي بعض الأشياء كالطبائع وضَرْبٍ من الملكوت والمدبرات السفليّة، قائمة لا في أنفسها، بل بتبعيّة المحال والمقادير، وكلّ من قِسميّ الوجود، أعني القائم بالذات والقائم بالمقدار، نورُ من أنوار الله الفائضة عنه في سموات الأرواح وأراضي الأشباح، وهو من إسمه: العَليم والنُّور، إذ هو عالم الغيب والشهادة، والله نورُ السَّمٰواتِ والأرضِ، بل الوجود على مراتبه كلّه نور والله نور الأنوار. والإنسان بالقوّة، مشتمل على كل قسم من النور، وأشرف أنواره المكمونة بالقوّة في ذاته بحسب أصل الفطرة، هو النور العقلي المدرك للحقائق، الفعّال للصورة العقليّة والنفسانيّة والحسيّة عند تفرّده بذاته، وخروجه من القوّة إلى الفعل، واتّصاله بحضرة الحقّ الأول، وإنّما يخرج من القوة إلى الفعل، عند استكماله بسلوك سبيل الحقّ وانقياد الشريعة الإلهية بالإيمان والعمل الصالح، وصرف قواه الإدراكيّة؛ كالحواسّ الظاهرة والتحريكية، كالقدرة والإرادة والشهوة والغضب، فيما خِلقت هي لأجله. وهذه القوى أيضاً ضروب من الأنوار الوجودية التي أنعمها الله علينا للإستعمال في التوصل بها إليه تعالى والتقرّب منه، وهي أيضاً في أول النشأة، ضعيفة خامدة في مادة البدن، سيّما الباطنيّة منها، كالوهم والخيال من القسم الأول، والهوى وحب الجاه والرياسة من القسم الثاني، وهذه الأنوار الحسّية، وكذا محسوساتها ومتعلّقاتها، صورٌ مكمونة في مواد الأجسام، سيّما العنصرية، كالصورة الناريّة في الفحم، إذ جميع هذه الأجسام التي تلينا وما حولنا بمنزلة الفحم والزغال، وأنوار صور الحقائق مندمجة فيها، وإنّما تظهر من البطون وتبرز من الكمون لنا بسبب حركات ورياضات في كورة الدنيا وعالم الطبيعة، هي بمنزلة النفاخات الواقعة في كورة الحدادين. وأول ما يخرج إلى الفعل من القوّة، وإلى البروز من الكمون، هو صورة الحسّ والمحسوس، إذ كلّ إدراك، سواء كان حسّاً أو تخيّلاً أو وهماً أو تعقّلاً أو تألّهاً، فهو بضرب من التجريد، ومراتب التجريدات في الشدة والضعف، كمراتب الإدراكات في الكمال والنقص، فأقلّ التجريدات، التجريد الحاصل في الحس، فإن الحس يجرّد الصورة القائمة بالمادّة المغشاة بالغواشي المادّية من أصل تلك المادّة، ولكن لا يجرّدها من الغواشي، بل هي معها، مع اشتراط أن يكون لمحلها من الحس نسبة وضعيّة جسمانيّة إلى تلك المادة المنتزعة هي عنها، حتّى أنه لو غابت تلك المادة غابت الصورة أيضاً عن الحس. وأمّا الخيال، فيجرّد الصورة عن المادّة تجريداً أتمّ، وإلى أفق المفارقات تقريباً أشدّ، فإنّه يجرّدها عن المادّة، وعن ملابسها وغواشيها الجسمانيّة من غير اشتراط حضور المادّة أيضاً، لكن بشرط بقاء تخصّصها وتعيّنها المشابه لتعيّنها المادّي في عالم التمثل الخيالي. وأما الوهم، فيجرّد الصورة تجريداً أتمّ من تجريد الحسّ والخيال جميعاً بحيث يتصوّر المعاني الحاصلة في الأجسام، ويجرّدها عن المواد وعن صفاتها المكتنفة بها، لكن لا يمكن للوهم تجريد المعنى بالكليّة عن الموادّ الشخصية، وعن صفاتها جميعاً حتى عن اضافتها إلى الشخص، بل يتصوّر كلاً من المعاني مضافاً إلى شخص بعينه، إذ الوهم نفسه أيضاً كذلك، لأنه عبارة عن قوّة عقليّة مضافة إلى جوهر جسماني، حتّى لو تجرّد عن هذه الإضافات، صار الوهم عقلاً، والشيطان مَلَكاً، والجزبرة حكمة. وأمّا العقل فشأنه تجريد الصور عن المواد تجريداً أتمّ وأقوى من جميع ما سبق، لأنّه كما يجرّدها عن المواد وملابسها، يجرّدها عن أنحاء التعلّقات والإضافات كلّها، فيصيّرها لبّاً خالصاً صافياً مقدّساً مطهّراً عن الأرجاس والأدناس، لائقاً بحضرة القدس وحظيرة الإنس، وذلك ما أردناه. المقدمة الثالثة: إنّ هذه القوى من الإنسان من فروعات جوهره العقلي، بمنزلة أشعّة وأنوار لازمة لجوهر نوانيّ متعلق بالبدن، كمصباح في بيت تقع منه أنوار وأشعّة على جدرانه وسقوفه وزواياه وأكنافه وكلٌّ من هذه القوى، ينفعل ويستنير ويخرج من القوّة إلى الفعل بواسطة صور محسوسة تخصّها، فالبصَر بالمبصرات كالألوان، والسمع بالمسموعات كالأصوات. وبالجملة، الحسّ بالمحسوس يستنير ويخرج وجوده من القوّة إلى الفعل، والخيال بالصور المتخيّلة، يستنير ويقوى ويصير من حد النقص إلى حدّ الكمال، وقد علمت أن كل كمال ونور إنّما يحصل بضرب من التجرّد والبعد عن المادّة، وكلّ نقص وظُلمة إنّما يحصل بواسطة لصوق بالمادة وقرب منها. وعلمت أن مراتب الكمالات حسب مراتب التجريدات، ووجود هذه القوى متقدّم بحسب الحدوث على وجود القوّة العقليّة تقدّماً زمانياً وبالطبع، ووجود القوّة العقلية متقدّم بقاء على وجودها تقدّماً ذاتياً وبالعليّة والشرف، لأنّها من فروعها ومعاليلها عند تجوهر العقل وحصوله بالفعل، فالعاقلة مفتقرة إليها في أول النشأة، وعند أوان الاستكمال والحركة إلى المبدء الفعّال، وهي مفتقرة إليها في النشأة الثانية وبقاء الآخرة. فمن استكمل ذاته ما دام الكون الدنيوي بنور الإيمان واليقين، قامت مع روحه جميع قواه، وتنوّرت بنوره يوم الدين، وحشرت معه يوم حشر الخلائق أجمعين. ومن لم يستكمل ذاته هٰهنا بنور الإيمان، ولم تنفتح بصيرة باطنه إلى عالم الروح والريحان، لِفَرط جهالته، وتراكم غشاوته، وكثرة حجابه، وكثافة نقابه، سُلبت في الآخرة عنه قواه وحواسه، وبقيت نفسه في ظلمات الهاوية وأدخنة السعير أصمّ وأبكم وأعمى قائلاً بلسان الحال: {أية : لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه: 125 - 126]. المقدّمة الرابعة: إن الوجودات الفائضة من الحقّ، بعضها من عالم النور، وبعضها من عالم النار، وبعضها من عالم الظلمة والدخان. أمّا التي هي من عالم النور، فهي العقول القادسة، والنفوس الزكية، والملائكة العلويّة، والأخيار من الجنّ. وأمّا التي هي من عالَم النار، فهي النفوس الخبيثة، والشياطين والأشرار من الجن. وأمّا عالم الظلمة والدخان، فهي موادّ هذا العالم من الأفلاك، ولهذا قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الدخان:10]. وقال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصّلت:11]. وقال: {أية : وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ} تفسير : [الفجر:1 - 2]. إشارة إلى موادّ الأفلاك التسع ومادّة العناصر. وقال: {أية : جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً} تفسير : [يونس:5]. وقال: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} تفسير : [الملك:5]. فلولا ضوءُ الشمس ونورُ القمر ومصابيح الكواكب، لكانَ هذا العالم في ظلمة محضة لا أوحش منها. فاستنار هذا العالم بتلك الأنوار الحسّية المتعلّقة، وأمّا عالم الآخرة، فلا يمكن أن يستنير بشيء من هذه الأنوار الحسّية، بل لا بدّ في استنارته من نور آخر من ضروب الأنوار المعنويّة. إما العلمية فكما للمقرَّبين. وإمّا العمليّة فكما لأصحاب اليمين. كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد:12]. وقال: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} تفسير : [الحديد:13]. وأمّا عالم النار، فليست ناره من جنس هذه النارالتي في الدنيا، فإنّ هذه ليست ناراً محضةً، بل ناراً مع مادّة مقداريّة كالحطب ونحوه، ومع هيئة نوريّة حسيّة، ووضع وشكل محسوسين، وأمّا النار المحضة، فلا يكون معها هذا الصفاء والإشراق والتلألؤ واللمعان، فإن هذه كلها مسلوبة عن نار جهنّم، بل هي سوداء مظلمة كما ورد في الخبر. وإنّما تثبت هذه الأوصاف لهذه النيران الدنيوية، لأنها ليست نيراناً محضة، بل في مادّتها نار ونور سانح كما مرّ، وأمّا التي هي نارٌ محضة، فتمامها أنّها صورة جوهريّة حارّة بالذّات، محرّكة للموادّ، محلّلة مذيبة للأجساد، محرقة مؤذية مهلكة، قطّاعة نزّاعة مفسدة للصور الإتّصالية، وفساد الصور بوارها، فدار البوار هي محل ظهور سلطان النار. وأمّا عالم النور، فهو محل ظهور الحقائق من حيث إنّها حقائق وبقاؤها وسلطانها، والأبواب إليها منسدّة إلاّ من قِبَل آثارها، ومن ناحية صوَرها المحسوسة، ولهذا قيل: مَنْ فَقَد حسّاً فَقَد علماً. ومن تأمّل علِم إن النيران التي عندنا، فمحلّ ناريّتها الحقيقية في الحقيقة دار البوار لا دار القرار، لأن النار هي المحلّلة المفرّقة، وهذا المحسوس من النار ليس محرقاً حقيقة، والذي يباشر الإحراق والتفريق حقاً وحقيقة هي نار مستورة عن هذه الحواس، خارجة عن فكر الناس والقياس، مرتبطة بهذا المحسوس وبغيره ارتباطاً، وهذا شيء يوافقنا فيه علماء النظر، لاعترافهم بأن الأثر لا يبقى بعد وجود ما هو الفاعل له حقيقة، وإنما الذين يبقى بعده الأثر فهو فاعلٌ في علم الطبيعة، وباصطلاح الطبيعيّين، وذلك يسمّى في علم ما بعد الطبيعة وباصطلاح الإلهيين: "مُعِدّاً"، لا فاعلاً مفيداً. فقد تبيّن واتّضح أن ناريّة النار - أي كونها محلّلة مزيلة للصورة - ليست حاصلة فيما يفارقه، وأنّ نار الله الكبرى لا مستقرّ لها سوى دار البوار، لأن حقيقتها منبعثةً عن تنزّلات الأنوار الإلهيّة والعقليّة عند هبوطها عن عالم النور إلى عالم الاستحالة والدُثور، فالطبيعة الناريّة ساريةً في كل المستحيلات الجوهريّة. وعندنا أن جميع الجواهر الماديّة - سماويّة كانت أو أرضية - سيّالةً في ذاتها، قابلة للاستحالة الجوهريّة والتجدّد والذوبان بتأثير نيران الطبائع الغير المحسوسة، وهي نيران أخروية كامنة في بواطن الأجسام الدنيوية، والنفس الأمّارة بالسوء أيضاً نار موقدة تطّلع على الأفئدة، وهي كلها مؤلمة، إلا أن بين الناس وبين إدارك الَمِها حجاباً. والجحيم، وجودها معلوم لبعض العلماء، يدرك مرّة بإدراك يسمّى: "علم اليقين"، ومرة بادراك يسمى بـ "عين اليقين"، وعين اليقين لا يكون إلاّ في الآخرة، وعلم اليقين قد يكون في الدنيا، ولكن للذين وفّي حظّهم من نور اليقين، فلذلك قال تعالى: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} تفسير : [التكاثر:5 - 6]. أي: في الدنيا، {أية : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر:7]. أي: في الآخرة. والدليل على كون النار الأخرويّة كامنة في جميع الأجرام الدنيوية التي هي بمنزلة الوقود والحشيش لها - سواء كانت حارّة يابسة كالنار، أو باردة رطبة كالماء - قوله تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح:25]. وقوله: {أية : وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ}تفسير : [الطور:6]. وقوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة:24]. والأحاديث في هذا الباب كثيرة: منها: ما يروى أنه قال صلّى الله عليه وآله: حديث : لا يركبنَّ رجلٌ بحراً إلاّ غازياً أو معتمراً، فإن تحتَ البَحر ناراً. أو تحت النارِ بحْراً . تفسير : ومنها: أنّه قال صلى الله عليه وآله: حديث : البحْرُ كلُّه نارٌ في نارٍ . تفسير : وعن ابن عباس: إن النار تحت سبعة أبحر مطبقة. ومنها: حديث : ما ورد في حديث المعراج أنّه رأى في السماء الدنيا آدم أبا البشر، وكان عن يمينه بابٌ يأتي من قبله ريحٌ طيّبة، وعن شماله ريحٌ منتنةٌ، فأخبره جبرئيل أنّ أحدهما هو الجنّة والآخر هو النار . تفسير : ومنها: ما في حديث الكسوف، أنّه قال صلى الله عليه وآله:حديث : ما من شيء توعدونه إلاّ قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار وذلك حين رأيتموني تأخّرت مخافة أن يصيبني من نفخها (الحديث) . تفسير : ومنها أيضاً ما يدلّ على أن النار في السماء كما ذكره مجاهد والضحّاك في قوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات:22] أنّ المراد هو الجنّة والنار، وكما يروى في حديث المعراج أيضاً: إنه صلى الله عليه وآله رأى في السماء الدنيا مالكاً خازن النار، وفتح له طريقاً من طرق النار لينظر إليها حتى ارتقى من دخانها وشررها وما عن يساره من الباب. إذا تمهّدتْ هذه المقدّمات فنقول: إن الله تعالى أراد أن يكشف عن حال المنافقين الذين كانوا مشتغلين باكتساب الظواهر، والإغترار ببعض الآثار، ولم يباشر الإيمان قلوبهم، واقتصروا على البحث والتكرار، وصرفوا كدّهم في الصرْف والنحو والأشعار، وحفظ قوالب الأحاديث والأخبار، طلباً لحُطام هذه الدار، وتقرّباً إلى السلاطين والأشرار، بحال من استوقد ناراً، وهي نار النفس الوقّادة، التي تستوقد أولاً من أشعة المدارك الحسّية المتنوَّرة بنور الصور المحسوسة، وهذه الأنوار الحسّية التي تنفعل منها الحواس، وتخرج بها من القوّة إلى الفعل، أنوار حادثة متجدّدة زائلة عند فتور القوى ودُثورها حين استيلاء المرض والهرم عليها، وإنّما الفائدة فيها تنبّه النفس بصور هذه المدركات، لتنتقل منها إلى إدراك صورها العقليّة وأنوارها المعنويّة الحاصلة في عالم الأنوار، وبها تخرج قوّتها العاقلة إلى الفعل، وتستسعد بالسعادة الأخرويّة. فمَن اقتصر حاله في استعمال هذه القوى لا لأجل تحصيل المعارف الإلهيّة والتنوّر بأنوارها الدائمة، فهو كمن استوقد ناراً واستضاء ما حول نفسه بتلك النار، وهي القوى الحسّاسة والمحرّكة، وحين أضاءت النار ما حوله من القوى والمدارك الخارجة عن ذاته قبل أن يبلغ أثر الضوء إلى نفسه، ذهب الله بنورهم، أي بنوره وبنور من يَحذو حذْوه، لأن الأنوار المحسوسة كلّها زائلة داثرة تنقص وتندثر، عند عروض الشيب والموت، ثمّ لم يبق لهم نورٌ أصلاً، لا نور الحواسّ لزوالها عند الموت؛ ولا نور الإيمان والمعرفة، لعدم اكتسابهم له، فلا جرم تُركوا في ظلمات الموت والجهالة وغيرها، كظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الضلال، وظلمة سخط الله، وظلمة يوم القيامة وظلمة عذاب السرمد، كأنها ظلمات متراكمةً بعضها فوق بعض، فلا يبصرون شيئاً، وسُلبت قواهم وجوارحهم كلّها، فلا سمْع ولا نطْق ولا بصَر، كما لا أذن ولا لسان ولا عين، فهم صمٌّ بكْمٌّ عمْيٌّ لا يرجعون، لأنّ الرجوع إلى الفطرة الأولى من الممتنعات، والممتنع لا يكون مقدوراً أصلاً. فالآية مثلٌ ضربه الله لمن آتاه ضَرْباً من الهدى فأضاعه، ولم يتوصّل به إلى نعيم الأبَد وسعادة السرمد، فبقيَ متحيِّراً متحسِّراً في ظلمة لا أوحش منها، مسلوب الحواس والآلات تقريراً وتوضيحاً لما تضمنته الآية الأولى. ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقين، وكلّ من آثَر الضلالة على الهُدى المجعول له بالفطرة الأولى، ويمكن أن يكون المراد من قوله: {فَلَمَّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَه}، أنّ الرجل المنافق قد يكون من أهل الوعظ والتذكير، يستضيء بنور وعظه وتذكيره حواليه من المستمعين، وهو نفسه لا ينتفع بما يقوله ولا يعمل به، كما قيل: "مثَل العالِم بأمر الله غير العالِم بالله، كمثَل السراج يُحرق نفسه ويُضيء غيرَه" وفي الحديث عنه: "حديث : إنّ الله يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجِر ". تفسير : فهذا ما تيسّر لنا في فهم هذه الآية بفضل الله، ولنرجع إلى حلّ الألفاظ وما ذكره المفسّرون إنشاء الله. فصل ما هو ضربُ المثَل قالوا: إنّ المقصود من ضرّب المثال أنّه يؤثّر في القلوب ما لا يؤثّره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض (من المثل) تشبيه الخفيّ بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحسّ مطابقاً للعقل، وذلك هو النهاية في الايضاح، ألا ترى إن الترغيب بالإيمان والتزهيد عن الكفر مجرّدين عن ضرب المثَل، لا يتأكد تأثيرهما في القلب، وإذا مثّل الإيمان بالنور، والكفر بالظُلمة، يتأكّد تأثير حسن الإيمان وقبح الكفر في القلب؟ ولهذا أكثر لله في كتابه المبين وفي سائر كتبه ضرب الأمثال، وقال: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} تفسير : [العنكبوت:43] ومن سور الإنجيل: "سورة الأمثال". أقول: قد علمت أنّ حقيقة التمثيل ما هو، ودريت أن الغرض ليس مجرد التأثير والوقع في النفس، بل بيان حقيقة الأمر وملاكه وروحه، أوَ لا ترى أن الألفاظ المذكورة في هذه الآية، من النار والاستيقاد والإضاءَة والنور والذهاب والظلمات وغيرها، كلّها محمولة على الحقيقة، مشهودة بنظر البصيرة، بل هي حقيقة أحوالهم الباطنة، والتي هم عليها من الأحوال والأفعال الظاهرة هي مثال لتلك الأحوال، كما قرّرنا من أنّ ما في الدنيا أمثلة لما في الآخرة، لكن المماثلة لمّا كانت من الجانبين، يجوز استعمالها في كلّ من الطرفين، إذ المثَل في أصل كلامهم بمعنى المثْل، وهو النظير، يقال: مَثَل ومِثْل ومَثيل، كشَبَه وشِبْه وشَبيه، ثمّ قيل للقول السائر الممثَل مضربه بمورده: مثَل، وربما اشترط أن يكون قولاً فيه غرابة بوجه. ثم ذكروا في الآية سؤالات وأجوبة. أحدها: إنّ مستوقِد النار اكتسب لنفسه نوراً، والله تعالى أذهب بنوره وتركه في ظلمات، والمنافق لم يكتسب خيراً، وليس له نورٌ، فما وجه التشبيه؟ والجواب بوجوه: الأول: بما قال السدي: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند وصول النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، ثم نافقوا، فهم بايمانهم اكتسبوا نوراً، ثمّ بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك النور، ووقعوا في حيرة عظيمة. أقول: وهذا ليس بشيء، لأن الإيمان إن كان مجرّد الإقرار باللسان، فليس بنور، وإن كان العرفان الحقيقي الحاصل بالبرهان، فليس بقابل للزوال. والثاني: بما ذكره الحسن: وهو انهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم، وسلامة أموالهم عن الغنيمة، وأولادهم عن السبي، وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، عدّ ذلك نوراً من أنوار الإيمان، ولمّا كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليل القدر، شبّههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوءها قليلاً، ثمّ سلب ذلك، فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءت في أعقاب النار. وكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور، وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة. الثالث: أن يقال ليس وجه الشبه أن للمنافق نوراً، بل شبّه حاله في تحيّره وظلمته في القيامة، بحال المستوقد الذي زال نوره وبقي متحيّراً في طريقه المظلم. الرابع: أنّه صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان ممثّلاً بالنور، وذهابه هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق، وإنّما سمّي مجرّد القول بتلك الكلمة نوراً، وإن كان القائل بها أظهر في تلك الساعة خلافها، لأنه قول حق في نفسه. الخامس: أنّه سمّي إظهار الكلمة نوراً، لأنه يتزيّن به ظاهره، ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم، ثمّ إن الله ذهب بذلك النور، بهتْك ستر المنافق بتعريف نبيّه صلّى الله عليه وآله والمؤمنين حقيقة أمره، فيظهر له اسم النفاق، فبقي في ظلمة لا يبصر، إذ النور الذي كان قد زال بما كشف الله تعالى أمره. السادس: إن المشبّه به هو مستوقِد نار لا يرضاها الله، فشبّه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، لأن فتنتهم كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة:64]. السابع: قال سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي صلّى الله عليه وآله، واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلمّا خرج كفروا به، فكان انتظارهم لخروجه صلّى الله عليه وآله كإيقاد النار، وكفرهم به بعد خروجه كزوال ذلك النور. السؤال الثاني: إنّ الآية تقتضي تشبيه المثَل بالمثل، فما مثَل المنافقين ومثَل المستوقِد ناراً حتّى شبّه أحدهما بالآخر. الجواب: إنّه قد استعير "المثَل" للقصّة أو الصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنّه قيل: "قصّتهم العجيبة كقصّة الذي استوقد ناراً". وكذا قوله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [الرعد:35]. {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النحل:60]. والمعنى: وصفهم وشأنهم المتعجّب كحال من استوقد ناراً. السؤال الثالث: كيف مثّلت الجماعة بالواحد؟ والجواب عنه بوجوه: أحدها: إنّه يجوز وضع "الذي" موضع "الذين" كقوله: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة:69]. إن جعل مرجع الضمير في قوله: {بِنُورِهم} وإنّما جاز ذلك ولم يجز وضع "القائم" موضع "القائمين"، لكون "الذي" وصلة إلى ما بعده من الجملة التي هي صلَته، فلا قصْد إلى مطابقته بالموصوف جمعاً وإفراداً، ولكثرة وقوعه في كلامهم، وكونه مستطالاً بصلته استحقّ التخفيف، ولذلك بولِغ فيه، فحذف ياؤه ثمّ كسْرته، ثمّ اقتصر على "اللام" في أسماء الفاعلين والمفعولين، ولأنّه ليس باسم تامّ، بل هو كجزء منه، فحقّه أن لا يجمع، كما لا تجمع اخواتها وليس "الذين" جمعه المصحّح، بل ذو زيادة زيدت لزيادة المعنى، ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل. الثاني: إنّ المراد جنس المستوقِدين: أو بتأويل الجمع، أو الرهْط الذي استوقَد ناراً. الثالث: إنّ المراد من "مثَلهم"، مثَل كلّ واحد منهم، كقوله تعالى: {أية : نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [الحج:5]. أي نُخرج كلّ واحد منكم. الرابع:- وهو الأصوب والأقوى - إنّ التشبيه وقع بين القصّة والقصّة، لا بين الذوات والذوات. وهذا كما قال تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة:5]. وكقوله: {أية : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [محمد:20]. السؤال الرابع ما الوَقود؟ وما النار؟ وما الإضاءَة؟ وما النور؟ وما الظلمة؟. الجواب: وَقود النار سطوعها وارتفاع لهبها. والنار جوهرٌ لطيف، مضيءٌ، محرقٌ، حارٌّ، واشتقاقها من "نار، ينور" إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً. والنور: مشتقٌ منها، وهو ضوءها. والمنار: العلامة. والمنارة: هي الشي الذي يؤذّن عليه. ويقال أيضاً لما يوضع السراج عليه. ومنها النورة، لأنها تظهر البدن. والإضاءة: هي فرط الإنارة، ومصداقه قوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً}تفسير : [يونس:5]. والظُلمَة: عدم النور عمّا من شأنه أن يستنير. والظلْم في أصل اللغة بمعنى النقصان. قال تعالى: {أية : آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً} تفسير : [الكهف:33] أي: لم تنقص. وفي المَثل: "مَن أشبه أباه فما ظلَم"، أي ما نقص حقّ الشَبَه. والظلْم: الثلْج، لأنّه ينقص بسرعة. والظلْم: ماء السن وطراوته وبياضه تشبيهاً له بالثلْج. قال ابن الفارض: شعر : عليكَ بها صرفاً وإن شئت مزجَها فعدلُك عن ظلم الحبيب هو الظلْم تفسير : و{أَضَاءَتْ}، يجوز كونها متعدّية ولازمة، والأقرب هٰهنا هو الأول، وعلى الثاني تكون مستندة إلى: "مَا حَولَه"، والتأنيث، للحمل على المعنى، لأنّ ما حَول المستوقِد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن عبلة "ضَاءَتْ". ويجوز إسنادها إلى ضمير: "النار"، وتكون: "مَا" موصولة منصوبة على الظرفية، أو مزيدة، و "حولَه" ظرفاً. والحَوْلُ: الدور المتّصل. وتأليفه للدوران. وقيل للسَنة: حَول. لأنّها تدور. والحَوالة: إنقلاب الحقّ من شخص إلى آخر. والحَوَل: إنقلاب العيْن. والمحاولة: طلب الفعل بعد أن لم يكن طالبا له. وقوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} جواب "لمّا"، والضمير للذي، وإنّما جمع حملاً على المعنى، ولم يقل: "ذّهب الله بنارِهم"، لكون النور هو المراد من ايقادها. ويحتمل أن يكون الجواب محذوفاً كما في قوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} تفسير : [يوسف:15] لاستطالة الكلام مع أمن الالتباس للدلالة عليه، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حولَه خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيّرين متحسّرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. وعلى هذا يكون: {ذَهَبَ ٱللَّهُ} كلاماً مستأنفاً أجيب به اعتراض سائل: "ما بالهم شبّهت حالهم بحال مستوقِد انطفت ناره؟"، أو يكون بَدَلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان؛ والضمير على هٰذين الوجهين، للمنافقين، وعلى الأول، للموصول، لكونه في معنى الجمع، وأما توحيده في: {حولِه} فللحمل على اللفظ. السؤال الخامس: هلاَّ قيل: "ذهب الله بضوئهم" لقوله: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ}. الجواب: هذا أبلغ، إذ في الضوء زيادة، والغرض إزالة النور بالكلّية، ونفي الأشد لا يوجب نفي الأضعف، أوَ لا ترى كيف عقّبه بقوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} والظلْمة عدم النور وانطماسه بالكلّية، وقد جمعت ونكّرت ثمّ اتبعت زيادة في التأكيد بقوله: {لاَّ يُبْصِرُونَ}. تنبيهٌ: إسناد الإذهاب إلى الله تعالى؛ أمّا في الممثّل له: فلأنّ الكلّ واقعٌ بقضائه وقدَره، أو لأنّ الاطفاء وقع بسبب أمر خفي، أو أمر سماوي كريح أو مطَر. وأمّا في الممثّل: فقد علمت ممّا ذكر، أن ذهاب أنوار الحسّ والخيال والوهم وسائر القوى من النفس الغير المنوّرة بنور الإيمان، أمرٌ ضروري حاصل عند الموت بقضاء الله - لا صُنع لأحد غيره فيه -، ولهذا قال: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِم}، ولم يقل: "أذهَبَ الله نورَهم"، لما في الأول من الاستصحاب والاستمساك. كما في قوله تعالى: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} تفسير : [المؤمنون:91]. يقال: "ذهب السلطان بماله" إذا أخذه وأمسكه، "وما يمسك الله فلا مرسل له"، فهو أبلغ من الإذهاب. وفيه سترٌّ آخر. وقرء اليماني: "أذهبَ الله نورهم". و "تَرَكَ" في الأصل، بمعنى طرح وخلّى، وله مفعول واحد، وإذا ضمّن معنى "صيّر" علّق بشيئين فجرى مجرى أفعال القلوب. ومنه قوله {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} أصله: "هم في ظلمات" ثم دخل "ترَكَ" فنصبهما. ومفعول: {لاَّ يُبْصِرُونَ}، من قبيل المتروك المطرَّح، لا من قبيل المقدّر المنويّ، إذ الغرض سلب الإبصار، لا سلب تعلّقه بشيء، كما في قوله: {أية : وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأعراف:186]. تذكرة فيها تبصرة قد علمت تباين المسلكين في تحقيق الآية، وتفارقهما في تبيينها من حمل الألفاظ في أحدهما على الحقيقة الباطنيّة، وفي الآخر إمّا على التجوّز أو الاستعارة. وكذلك قالوا جرياً على طريقتهم في قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}، إنّه لمّا كان المعلوم من حالهم أنّهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون، امتنع حمل الآية على الحقيقة، فلم يبق إلا تشبيه حالهم - لشدة تمسّكهم بالعناد، وإعراضهم عمّا يطرق سمْعهم من القرآن، وما يظهره الرسول صلّى الله عليه وآله من الأدلّة والآيات - كمن هو أصمٌّ في الحقيقة، فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك جعلَه بمنزلة الأبكم، وإذا لم ينتفع بالأدلّة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو بمنزلة الأعمى، فحملوا هذه الألفاظ الثلاثة في حقّهم على المجاز والتشبيه لحالهم بحال من أيفت مشاعره وانتفتْ قواه كقوله: شعر : صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرت به وإن ذُكرت بسوء عندهم أذُنٌ تفسير : وكانت على طريقة قولهم: "هم ليوثٌ" للشجعان، "وهم بحورٌ" للأسخياء؛ وما حملوها على الحقيقة لكونهم مسلوبي القوى والمشاعر الأخروية التي هذه المشاعر الدنيوية قشورها وظواهرها، فإن للنفس في ذاتها سمعاً وبصراً ونطقاً وغير ذلك، أوَلا ترى أنّ الإنسان عند نومه - الذي هو أخو موته - يسمع ويبصر وينطق. والمسلوب عن الكفّار والمنافقين، هو مشاعر الآخرة، لأنّ وجودها تابعةٌ لوجود العقل المنوّر بنور الإيمان كما مرّ. ثم اختلفوا في أن إطلاقها عليهم استعارة أو تشبيهٌ بليغٌ، فالمحققون منهم على أنه تشبيهٌ بليغ وليس باستعارة، لأنّ من شرطها أن يطوى ذكر المستعار له بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة، كقول زهير: شعر : لدى أسد شاكي السلاح مقذّف له لبدٌ أظفاره لم تقلّم تفسير : ومن ثمّة ترى المفلّقين السحرة منهم يتناسبون التشبيه، ويضربون عن توهّمه صفحاً، كما قال أبو تمام: شعر : ويصعد حتى يظنّ الجَهول بأنّ له حاجة في السماء تفسير : وها هنا - وإن طوي ذكره - لكنّه في حكم المنطوق به، ونظيره: شعر : أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ فتخاء تنفر من صفير الصافر تفسير : وقيل: هذا إذا جعل الضمير للمنافقين على أن الآية فذلكةُ للتمثيل ونتيجةٌ له، وإن جُعل للمستوقدين، فهي على حقيقتها، والمعنى: أنّهم لمّا أوقدوا ناراً، ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات هائلة أدهشتهم بحيث اختلّت حواسّهم وانقضت قواهم. وقرئت الثلاثة بالنصب على الحال من مفعول تركهم.

الجنابذي

تفسير : {مَثَلُهُمْ} فى قبول نور الاسلام والاستضاءة به {كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} المثل بالتّحريك والمثل بالكسر والاسكان والمثيل كالشّبه والشّبه والشّبيه لفظاً ومعنىً لكن استعمال المثل بالتّحريك فى التشبيه المركّب اكثر ولذا صار اسماً للقول السائر فى العرف العامّ والموصول كالمعرّف بالّلام قد يكون لتعريف الجنس وحينئذٍ يجوز ان يجرى على مفرده حكم الافراد والجمع كما هنا فانّه أفرد بعض الضّمائر الرّاجعة اليه وجمع بعضها وكما فى قوله تعالى أية : وخضتم كالّذى خاضوا تفسير : على ان يكون الفاعل عائداً لموصول ولم يأت بالعاطف هنا مع أنّه متفرّع على اشتراء الضّلالة مثل الجملتين السابقتين وجعله مستأنفاً لجواب سؤالٍ مقدّر تجديداً لنشاط السامع بتغيير الاسلوب ويحتمل ان يكون حالاً {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} أضائت متعدّ مسند الى ضمير النّار او لازم مسند الى ما باعتبار كونه بمعنى الاماكن والاشياء الّتى حوله، او لازم مسند الى ضمير النّار وما حوله بدل عنه بدل الاشتمال {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} وحّد النّور وجمع الظلمة للاشارة الى وحدة حقيقة النّور وانّ الوحدة ذاتيّة للنّور ولغيره بعرض النّور، وللاشارة الى كثرة الظّلمة وانّ الكثرة ذاتيّة لها ولغيرها عرضيّة، وسيأتى تحقيق لهذا فى اوّل سورة الانعام ان شاء الله والمراد بالظّلمات فى الممثّل له ظلمات شؤن النّفس المتراكمة فانّ الانسان كلّما ازداد بعداً من نور الاسلام ازداد توغّلاً فى شؤن النّفس المظلمة، وتعريف النّور بالاضافة وتنكير الظّلمات لما سبق من كون النّور ذاتيّاً للانسان والظّلمة عرضيّة {لاَّ يُبْصِرُونَ} حال او صفة بحذف العائد او مستأنف او مفعول ثان لترك اذا جعل بمعنى صيّر، او مفعول بعد مفعولٍ اذا جعل فى ظلمات مفعولاً ثانياً وترك المفعول لترك القصد اليه كان الفعل جعل لازماً او لقصد التّعميم فى المفعول.

اطفيش

تفسير : {مَثَلُهُمْ} أى فى صفتهم فى النفاق، والمثل فى الأصل بمعنى الشبيه، ويقال أيضاً مثل، بكسر فإسكان، ومثيل ككريم، ثم استعمل بمعنى الكلام الذى شبه مضربه بمورده، وهو استعمال عربى، وإنما سمى هذا الكلام المشبه مضربه بمورده مثلا لأنه أخذ من المعنى الأصلى المذكور وهو التشبيه، إذ جعل مضربه وهو ما يضرب فيه شبيهاً بمورده، وهو ما ورد فيه أولا قبل ضربه مثلا، وضرب المثل نوع من الاستعارة التمثيلية فهى أعم منه، وعمومها مطلق وهو أخص، وخصوصه خصوص مطلق، وبيان خصوصه أنه تعتبر فيه الشهرة، فإنه لا يضرب إلا بما فيه غرابة من بعض الوجوه، ولا يغير لأنه استعارة كما مر وهى تصر يحية، ولفظها لفظ المشبه به كما هو شأن الاستعارة التصريحية، فلو غير لم يكن لفظه لفظ المشبه به، ولم يكن مثلا، بل مأخوذ منه ومشير إليه، فقولك: الصيف ضيعت اللبن، بكسر التاء، مثل إذ لم يغير عن اللفظ المقول أولا، وبفتحها أو ضمها مأخوذ من المثل ومشير إليه. وقال الزمخشرى والقاضى: حوفظ عليه من التغير لما فيه من الغرابة، وما ذكرته أولى وهو قول السكاكى. وقد كثر ضرب المثل فى كلام الله سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء والحكماء، لأنه أوقع فى قلب المخاطب ويراه المتخيل تحققاً. والمعقول محسوساً، والغائب مشاهداً وأقمع للمعاند الشديد الخصومة، ومن سور الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال، ثم استعير لفظ المثل لكل ذى شأن وغرابة من حال أو قصة أو صفة، وهو استعمال ثالث متفرع على الثانى الذى هو الكلام المشبه، مضروب بمفرده المتفرع على الأول الذى هو الشبيه، وحمل القرآن إلى الثانى أولى، لأن أكثر أحكام القرآن معقولة غير محسوسة، من حيث الاعتقادات والوهم، وإنما يدرك المحسوس فهو ينازع العقل فى إدراك المعقولة حتى يحجبها عنه، وإذا ضرب المثل بالمحسوس أدركه الوهم فوافق العقل فزالت خصومة الخصم، إلا أن يخاصم مكابرة لعقله، ووجه الحمل على الأمثال فيما إذا صرح بأداة التشبيه أن يقال: إن مدخول الأداة والمضروب له يشملهما كلام واحد مشار إليه غير مدرك مذكور فى القرآن نصاً بلفظه، ففى الآية يقال: إن هؤلاء المنافقين والذى استوقد ناراً على الكيفية المذكورة، مثلهما الذى يضرب لهما واحد وهو الدخول فى أمر مرغوب فيه وقطعه، بحيث يكون القطع أضر من ترك الدخول من أول مرة، ألا ترى أن المنافق أسفل فى النار من المشرك المحض؟ وأن الحاصل فى ظلمة أعقبت نوراً أهم من الحاصل فيها من أول؟ فالمنافق دخل بلسانه وربما شابته موافقة من قلبه غير خالصة، وقطع دخوله بنفاقه أعنى أبطله به، وأما ما لم يصرح فيه بالأداة فكونه مثلا مضروباً ظاهراً، ولو صرح فيه بلفظ الضرب كقوله عز وجل:{أية : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط...}تفسير : إلخ السورة، ويجوز حمل القرآن على الاستعمال الأول وهو معنى الشبيه، لأن ما صدقه راجع إلى الثانى، لأنه سيق للبيان والإيضاح، ويجوز حمله على الثالث وهو ذو الشأن والغرابة من حال أو صفة أو قصة، فكأنه قبل صفة هؤلاء المنافقين الغريبة العجيبة الشأن. {كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَاراً}: أى كصفته الغريبة العجيبة الشأن، حيث استوقد ناراً فى ظلمة ثم زالت وبقى متحيراً كما قال مولانا جل وعلا: {فَلَمَّآ آضَآءَتْ}: أى النار {مَا حَوْلَهُ}: ما يقرب منه ويدور به من المواضع، فأبصر بعد أن كان لا يبصر شدة الظلمة، واستدفأ بعد أن كان مقروراً وآمن ما يخافه. {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم}: أى أذهبه. {وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}: ما حولهم فهم متحيرون عن الطريق خائفون، فكذلك هؤلاء المنافقون آمنوا ما يخافونه من القتل والأسر والغنيمة والسبى وغير ذلك، وزوال نعم حين أظهروا كلمة الشهادة وإذا ما يزال عنهم ذلك الأمن كما قال ابن عباس فى القبر وما بعده، وجاءهم الخوف والعذاب لأنهم أضمروا الشرك، ومن كان منافقاً بالفسق من أهل التوحيد، فكذلك لأنهم آمنوا فى الدنيا مما ذكر، وتوصلوا إلى مناكحة المسلمين وموارثتهم وغير ذلك، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب، وزال ما معهم من النور الضعيف القليل الذى حصلوه من التوحيد، لأنهم لم يحققوه بعمل، فيجوز أن يكون ذلك مثلا مضروباً لهؤلاء المنافقين بطريقة آخر هو أنه شبه حالهم حين أتاهم الله ضرباً من الهدى وهو التوحيد اللسانى فأضاعوه ولم يدخلوه قلوبهم، ففاتهم نعيم الأبد بمن أعطى فى ظلمة عظيمة مخوفة نورا، فلم يتسمك به ولم يحافظ عليه حتى زال، فكلاهما متحير مضر. وهذه الآية مقررة وموضحة لقوله تعالى:{أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}،تفسير : وبطريق آخر هو أنه شبه إيمانهم من حيث إنه سلمت به دماؤهم وأولادهم وأموالهم، وشاركوا المسلمين فى المغانم والأحكام، ثم فضحهم الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأظهر نفاقهم فكان لهم اسم المنافق لا اسم المؤمن بنار أوقدت فانتفع بها قليلا فى الظلمة ثم زالت، وهكذا حال الموحد المنافق بالنظر إلى انكشافه فى الآخرة وقد ينكشف أيضاً فى الدنيا، فتزول عنه الولاية وتوابعها، وبطريق آخر وهو أن نرجع ضمير الهاء للكفار المحض والكفار المنافقين بأن يشبهوا فى إعراضهم عن فطرة الإسلام أى فطروا عليها، ونمكن عقولهم من نور الهدى بمن لم يحافظ على النور الذى حصل فى ظلمة فضاع عنه، وبطريق آخر هو أن نرجع الضمير للكفار المحض الباقين على الكفر، والمرتدين إليه بعد الإسلام والكفار المنافقين، فإن كلا قد زال عنه نور الإسلام كزوال نور النار فى ظلمة، وفى معنى ذلك كل من زال عن درجة فى الإسلام إلى ما دونها، ولو لم يكن يحكم بهلاكه ولا بإطلاق أصم وأبكم وأعمى عليه، اللهم إلا بقيد النسبة إلى الدرجة التى نزل عنها، وقال قوم منهم قتادة: إن المعنى أن نطقهم بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والقرآن كإضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها، والمراد بالذى الجنس، ولذلك عاد عليه ضمير الجمع فى قوله: بنورهم، أو لكونه نعتاً لمحذوف مفرد فى اللفظ جمع فى المعنى، كالفريق والفوج والقوم ونحو ذلك، مما هو مفرد لفظاً جمع فى المعنى، أو لأن المراد مثل كل واحد منهم، كمثل الذى استوقد ناراً، ووجه الشبه بين الإسلام والنور أن كلا يزيل الحيرة والهلاك، وضرب المثل بالنار لأن المستضىء بها مستضىء بنور غيره، وإذا ذهب بقى فى ظلمة فلما أقروا بدون اعتقاد كان إيمانهم كالمستعار، ولأن النار تحتاج لمادة الحطب لتدوم، والإيمان يحتاج لمادة الاعتقاد ليدوم، واستعمل الذى بمعنى الذين تخفيفاً بإسقاط النون فهى فى الحقيقة لفظ الذين، أو استعمالا كالموصولات المشتركة مثل من، وعلى كل وجه روعى لفظه فى استوقد وحوله ومعناه فى نورهم وما بعده إلا على تأويل: مثل كل واحد منهم كمثل الذى فإنه مفرد لفظ ومعنى، وإن قلت جاز مراعاة لفظه فى وجه التخفيف من الذين قلت لأن حقيقة تخفيفه منه إسقاط نونه وجعلها نسياً منسياً، كما حذفت لام يد وهن ونحوهما وأعر بن على العين، وإنما جاز تخفيفه المذكور واستعماله مشتركاً كمن، ولم يحز وضع القائم موضع القائمين إلا بإرادة الجنس، لأنه غير مقصود بالوصف به ذاتاً، بل المقصود الوصف بصلته، وإنما هو وصله إلى نعت المعرفة بها، ولأنه ليس اسماً تاماً بل كجزء فحقه أن يستعمل مشتركاً كمن، ولا تلحقه الزوائد، وليس الذين جمعاً له بل اسم جمع، زيدت فيه زيادة لزيادة المعنى، ولذلك يقول الذين بالياء جراً ونصباً ورفعاً على اللغة الفصحى، فليس جمع مذكر سالما، ولغة من يقول رفعاً الذون ليست نعتاً فى إعرابه، وكونه جمع سلامة له الاحتمال بقائه على البناء والواو أمارة على محله، كما يقال منان ومنون فى الاستفهام ولكونه مستطالا بصلة استحق التخفيف، فقيل الذى بإسقاط النون وتناسيها وإذا أسقطت بلا تناس وجب مراعاة المعنى بخلاف القائم فإن القصد الوصف به وهو اسم تام، والقائمون جمعه وكذا ما أشبهه من اسم الفاعل والمفعول سواء، قلنا أل فى ذلك اموصولة أو حرف تعريف، وإن قلت فلعل أل بقية الذى والذين. قلت: هو بعيد لاختصاصها فى الأشهر بالاسم ولتخطئ العامل لها، ولكونها لا محل لها من الإعراب، والإعراب فى آخر الوصف: اللهم إلا أن يقال أشبهت أل الحرفية التى للتعريف قد خلت على الاسم وتخطاها العامل، فلم يكن لها إعراب محلا. وإخبار الفخر أن المنافقين لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم تشبيه الجماعة بالواحد، بل شبه قصتهم بقصة المستوقد، كما شبه الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها بالحمار يحمل أسفاراً، فالذى مفرد لفظاً ومعنى ولا يحتاج لتأويل، فالضمير على هذا فى نورهم وما بعده للمنافقين لا للذى، ومعنى استوقد طلب الوقود وسعى فى تحصيله، واختار هذه الصيغة الدالة على الطلب والعلاج ليكون التمثيل بمن احتاج إلى النور غاية الاحتياج فى لجة الظلمة، فهو يجتهد فى تحصيله ثم زال عنه فبقى فى ظلمة أشد، هكذا أقول والممثل لهم ولو لم يكونوا مريدين لنور الدين ولا طالبين له، لكنهم فى غاية الاحتياج إليه ولم يعلموا، وقال الأكثر استوقد بمعنى أوقد، ووقود النار حصول لهبها وارتفاعه من ذلك وقد فى الجبل إذا صعد وعلا فيه، والنار جسم لطيف مضىء حار محرق، وأما الجسم الذى يمتد منه فجمر، وإطلاق النار على حرارتها مجاز، والنور ضوؤها وضوء كل نير كالشمس والقمر والنجوم واللؤلؤ وهو نقيض الظلمة، ونكر النار للتعظيم، ولفظ النار مأخوذ من نارينور إذا نفر بالنون والفاء، لأن فيها حركة واضطراباً، أو نار ينور هو الذى أخذ من لفظ النار، وأما النور فقيل مأخوذ من لفظ النار، والتحقيق أنه من النور، بفتح النون، الذى هو مصدر، وإنما ساغ ذلك الاختلاف لأن باب الأخذ والاشتقاق الذى بمعناه واسع يكفى فيه وجود المادة، وأصل المعنى وهما موجودان فى كل لفظين متوافقين، ومعنى أضاءت أنارت إنارة عظيمة، فإن الضوء أعظم من النور لقوله تعالى:{أية : جعل الشمس ضياء والقمر نوراً}تفسير : ولو ترادفا لغة، لأن الترادف بحسب الوضع كالاستعمال بلغية بحسب الاستعمال، ويستعمل أضاء متعدياً بمعنى جعل الشىء للبصر زائلة ظلمته، ويستعمل لازماً بمعنى الظهور للبصر، وزوال ظلمته فيحتمل الذى فى الآية أن يكون متعدياً، وفيه ضمير مستتر فاعل عائد إلى النار، وما مفعول به وهو الواضح المتبادر، ويحتمل أن يكون لازماً وما فاعله، لوقوعه على الأمكنة، لأن ما حول المستوقد هو أماكن وأشياء كائنة فلما ظهرت للببصر الأمكنة والأشياء التى حول المستوقد، وأن يكون لازماً وفاعله ضمير مستتر عائد إلى النار وما زائدة، وحوله ظرف متعلق بأضاءت بخلافه على الوجهين الأولين، فإنه صلة. والمعنى على هذا الوجه فلما ظهرت النار وزالت بها الظلمة أو ظلمته أشرقت، وأن يكون لازماً وفاعله ضمير مستتر عائد إلى النار وما اسم موصول كالوجهين الأولين، لكنها واقعة على الأمكنة، فهى منتصبة المحل على الظرفية، وهذا أثبته الزمخشرى والقاضى، وعندى أن هذا بعيد ولو جاز وقوع الذى ونحوه ظرفاً، نحو جلست الذى جلست فيه، أى فى الموضع الذى جلست، لأن الذى ونحوه يصح النعت به، وما لا ينعت بها ولا يبعد وقوع ما الشرطية ظرفاً زمانياً، وهو متبادر فى قوله تعالى:{أية : فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم}.تفسير : ومادة الحوق تدل على الدوران والتغير والانقلاب والظهور، سواء كانت على هذا الترتيب - ح و ل أم لا، فسمى ما يقرب من المستوقد حولا لاستدارته به، وسمى العام حولا لأنه يدور، وحال الشىء واستحال تغير، وحال عن العهد انقلب وتحول إلى مكان، ولاحه السفر غيره، ولاح النجم ظهر، ووحل بالكسر وقع فى الوحل وهو الطين، كما أن مادة كمل للقوة ككمل وكلم وملك ومكل ولكم، وجواب لما هو قوله عز وجل: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}، ولم يقل بنارهم مع أنه مقتضى الظاهر، لأن النور هو المراد من إيقادها، ولأن الممثل لهم وهم المنافقون إنما يذهب عنهم نور الإيمان، ويجوز أن يكون جواب لما محذوفاً للإيجاز وأمن اللبس، لدلالة المقام عليه، وفى حذفه بلاغه كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين فى ظلام، متحيرين على خمودها بعد طلب إيقادها وعلاجه، وإذا قلنا بحذف جوابها كانت الهاء فى قوله: {بِنُورِهِمْ} عائدة إلى المنافقين، وكانت جملة: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} إما بدلا من قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ} مع الجواب المحذوف، وهو بدل نحوى لأن التحقيق ألا يشترط فى إبدال الجملة من جملة وجود محل الإعراب للجملة الأولى المبدل منها، ولو قال كثير باشتراطه، وفائدة ذلك البدل البيان، وقد أجاز الزمخشرى والقاضى الإبدال هنا، وهو طبق ما ذكرت من عدم الاشتراط، اللهم إلا أن يراد البدل اللغوى وهو أعم لا البدل الصناعى، وأن معنى البدلية قيام الجملة مقام الجملة التى وقع بها التمثيل فى المعنى مع إفادة إيضاح، وإما استئنافاً بيانيا كأنه قيل: ما بالهم شبهت حالهم بحال الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله خمدت، فقيل ذهب الله بنورهم، وليس هذا الوجه ضعيفاً لأن هذا السؤال لا يغنى عنه، فلما أضاءت ما حوله لحذف جواب لما وهو الخمود، وإن قلت: إن زوال نور الإيمان بفعلهم واختيارهم إذا اعتبرناه الفطرة التى فطروا عليها أو تمكنهم منه، فكيف شبه بمن زال نور ناره بلا فعل منه واختيار، بل بإذهاب الله؟ قلت: ساغ ذلك لأن المستوقد للنار هو أيضاً فاعل فى زوال نورها بتضييع أو تعمد يعقبه الندم، لكن فعله مخلوق لله عز وجل، فقال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أو لأن الإزالة بسبب خفى فنسب لله، سواء كان للمستوقد فيه فعل أو لم يكن، أو لأنها حصلت بأمر سماوى كريح أو مطر، أو نسبت الإزالة إلى الله تعالى نسبة الفعل إلى الفاعل، من حيث إنه فاعل لا إلى الخالق من حيث إنه خالق، وذلك مجاز ومبالغة كما تقول: ذبحه الله مجازاً أو مبالغة، ولك أن تقول: إن المستوقد استوقد نار فتنة وعداوة للإسلام، فأضاءت ترشيح أو نار حقيقة فى معصية فأطفأها الله كما عاقبهم بعد اختيارهم ونسبتهم بالخذلان وعدم إلقاء حلاوة الإيمان فى قلوبهم، فأطفئ عنهم نور الإيمان، ففى هذين الوجهين اعتبر أن المطفئ هو الله فى جانب المشبه والمشبه به، وإما إن قلنا زوال نورهم بالموت أو بالافتضاح فالإطفاء فى الجانبين من الله عز وجل، والباء للتعدية كالهمزة، إلا أن معها استصحابا وليس مع الهمزة، يقال: ذهب زيد بعمر وأى أذهبه ومضى معه، ويقال أذهبه أى جعله ذاهباً سواء ذهب معه أم لا، فإذا ذهب معه فليس لفظ أذهب هو الدال على المصاحبة، فعبر بالباء فى الآية للمبالغة لدلالتها على المصاحبة وذلك مجاز لأن الوصف بالذهاب وصف بالمكان والتحيز والانتقال، تعالى الله عنه. ووجه المبالغة إنما ذهبت به قد أزالته عن موضعه، وحافظت عليه وأمسكته وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وقرأ اليمانى أذهب الله نورهم بهمزة التعدية لا ببائها، فليس فيه مجازية الصحبة، والفرق بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بما ذكر من المصاحبة مع الباء قول المبرد والسهيلى، ورده ابن هشام بالآية، يعنى لأن الله لا يذهب مع شىء، بل يذهب الشىء ويزيله، ويرده ما ذكرت من المبالغة والمجاز، وإنما قال بنورهم ولم يقل بضوئهم مع أن مقتضى اللفظ أن يقال بضوئهم من حيث إنه المذكور فى قوله: {فَلَمَّآ أَضَآءَتْ} للمبالغة فيفند إزالة النور عنهم أصلا، ولو قيل بضوئهم احتمل ذهاب ما فى الضوء من الزيادة، وبقاء ما يسمى نوراً لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، ويدل لذلك قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ} وإنه مقرر مؤكد فى المعنى، لقوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} حيث ذكر الظلمة التى هى عدم النور وانطماسه بالكلية ونقيضه، وقيل الظلمة عرض ينافى النور وترك فى الأصل بمعنى طرح وخل متعد لمفعول واحد، فضمن معنى صير فتعدى لاثنين كقوله: شعر : فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصم تفسير : فجزر، بفتح الراء، مفعول ثان لا حال لإضافته للمعرفة والمضاف للمعرفة معرفة، والحال لا يكون معرفة، بخلاف قوله جل وعلا: {فِى ظُلُمَاتٍ} فيحتمل التعليق بمحذوف مفعول ثان، أو بمحذوف حال والتعليق بترك وجزر السباع شاة لسباع، والجزر الشاة المعدة للذبح، وجمع الظلمة ونكرها ووصفها بأنها ظلمة لا يمكن فيها الإبصار إبصار شىء ما للتعظيم والمبالغة، فذلك أيضاً من مؤكدات قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم} وقرأ الحسن بإسكان لام ظلمات، وقرأ اليمانى فى ظلمة بالإفراد، والظلمات ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة:{أية : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم}تفسير : أو ظلمة الضلال، وظلمة سخط الله تعالى، وظلمة العقاب الدائم، أو كل ذلك، والجمع للتنصيص على الأنواع مجملة، وإلا فالظلمة مصدر يصلح لذلك ولو مفرداً ولذا قرأ اليمانى بالإفراد، واشتقاق الظلمة من معنى قولك: ما ظلمك أن تفعل كذا، أى ما منعك، لأن الظلمة تسد البصر وتمنع الرؤية. قاله الزمخشرى والقاضى. والمشهور أن أصل الظلم معنى النقص كقوله تعالى:{أية : ولم تظلم منه شيئاً}تفسير : أو معنى وضع الشىء فى غير موضعه، كما قال الجوهرى، وقد يجتمع بين ذلك بأن مرادهم المنع عن عدم النقص والمنع عن وضع الشىء فى موضعه، وينصر فى الأصل متعد ونزل هنا منزلة اللام لعدم تعلق الغرض بمفعوله المطروح، فليس مفعوله مقدرا مبينا الكلام على تقديره ونيته، وجملة لا يبصرون مفعول ثان بعد مفعول، أو لمحذوف حال، أو حال من الهاء كما فى ظلمات حال منها.

اطفيش

تفسير : {مَثَلُهُمْ} صفتهم الشبيهة فى القرابة عقلا وشرساً بما يضرب مثلا لغرابته {كَمَثَلِ} كصفة {الَّذِي} الرجل الذى، لا بأس بتشبيه الجماعة بالمفرد، والمواد الجنس، فضمير المفرد بعده للفظه، وضمير الجمع للجنس، ويجوز أنه يقدر: الفريق لذى، والكلام فى الضمائر كذلك {اسْتَوْقَدَ} ليلا {نَاراً} بالغ فى إيقادها وعالجه فى ظلمة وهذا لبقائه على الأصل أولى من تفسيرها بأوقد. ويجوز أن تكون تمثيلا بنار لا يرضى الله إبقاؤها كنار الفتنة للإسلام، أو حقيقة أوقدها الغواة للشر، فيليق بالحكيم إطفاؤها {فَلَمَّا أَضَاءَتْ} أنارت إنارة عظيمة {مَا حَوْلَهُ} ما فى جهاته من الأرض، وتمكن مما أوقدها لأجله، من الإبصار والاستدفاء، والأمن مما يخاف، والطبخ للأكل، أو نحو ذلك من المنافع {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} أذهب نورهم بإطفائه، فلا نور فضلا عن لإضاءة والنور منشأ الضياء، ووردا جميعاً فى شأن سيدنا محمد، وسيدنا موسى صلى الله عليه وسلم عليهما، وقيل الضياء ما للشىء جميعاً فى شأن سيدنا محمد، وسيدنا موسى صلى الله وسلم عليهما، وقيل الضياء ما للشىء من ذاته، والنور من غيره {وَتَرَكَهُمْ} صيَّرهم {فِى ظُلُمَٰتٍ} ظلمة واحدة كأنها ظلمات، لشدتها، أو ظلمات متراكبة من الليل أو ظلمة الليل وظلمة العمام، وظلمة انطفاء النار، وذلك من حال المستوقدين يشبه من حال هؤلاء المنافقين مضرة الكفر ومضرة النفاق، وظلمة يوم القيامة، {يَوْمَ تَرَى الْمُؤمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبأيمانهم}، ومضرة العقاب {لاَ يُبْصِرُونَ} ما حولهم من الطريق فضلا عن أن استدفئوا أو يطبخوا أو يحصل لهم الأمن من مضار الحقير والسبع والحية ونحو ذلك. وهذا منهم يشبه حال المنافقين، إذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب بعد أمنهم فى الدنيا على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بكلمة الشهادة فى ألسنتهم.

الخليلي

تفسير : هذه الآية مسبوقة بتسع آيات هاتكة أستار أهل النفاق، كاشفة خباياهم، سواء كانوا من اليهود أو من العرب الوثنيين، وجاءت بعدها هذه الآية لترسم صورة محسوسة للنفاق وأحوال المنافقين بما فيها من ضرب المثل، وقد تُلِّي هذا المثل بمثل آخر في آية ثالثة لهذه الآية. الأمثال ترسخ المعاني وتقرِّب الحقائق: وضرب الأمثال أسلوب معروف عند العرب وعند غيرهم، ولكتاب الله سبحانه الحظ الأوفر منه، كيف لا وهو أعلى قدحا وأسمى غاية من أي كلام، فلذلك كانت أمثال القرآن أعرق الأمثال في البلاغة، وأدقها في التصوير، وأدلها على المقاصد، وقد قال تعالى {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43]، وقال: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الحشر: 21]، ومن فوائد الأمثال ترسيخ المعاني في الأذهان، وتقريب الحقائق حتى تكون كالصور البارزة للعيان، ومع ذلك ففيها إيجاز للقول بعد الاطناب، وإجمال بعد التفصيل، فإن المعاني إذا تقدمت في عبارات متفرقة ربما تتشتت في الذهن، فإذا جُمعت في الأمثال كان ذلك أدعى لأن تعيها الأذهان وترتسم في الأدمغة، على أن الوهم قد يكابر العقل في المعقولات، ولكنه أضعف من المكابرة في المحسوسات، فإذا ما أُبرزت الحقائق المعنوية في معرض الصور المحسوسة كان ذلك أدعى لأن تتضاءل الأوهام، وتتبدد الشُّبَه، فتستسيغ العقول تلك الحقائق المجلوة بدون تردد، ولذلك كثر ضرب الأمثال في معرض التفخيم والتحقير، والتكثير والتقليل، والتهويل والتهوين، والترغيب والترهيب. وأصل المثل - بالتحريك - والمِثْل - بكسر فسكون - والمَثِيل كالشَّبَه والشِّبْه والشَّبِيه، دال على تشابه أمرين في وصف، ومأخذه من مَثَل الشيء مثولا إذا انتصب، وإنما شاع المثل فيما إذا كانت المماثلة بين محسوس ومعقول، أو بين محسوسين مركبين، ولفظة المثل موحية بالاستدلال على الممثل له بالممثل به، فإن نفس التمثيل دليل إمكان وجود المثل. وما ذكرته من أن المثل إنما هو في المنافقين هو الذي يقتضيه السياق، وذهب قطب الأئمة - رحمه الله - إلى جواز أن يشمل معهم اليهود والمشركين، لأنهم طمسوا نور الفطرة بكفرهم، وذهب فريق من السلف إلى أن المثل في اليهود كما سيأتي، والأول هو الذي عليه الجمهور، وبه قال ترجمانا القرآن؛ ابن مسعود وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم -. وذهب الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده إلى أن هذا المثل والذي بعده ليس مضربهما واحدا، وإنما كل واحد منهما لفريق من اليهود والمنافقين، وحاصل ما يقوله أن هذا المثل في قوم أكرمهم الله تعالى بهداية الدين، ودرج عليها سلفهم، فجنوا ثمارها وصلحت أحوالهم، إذ استقاموا على طريقتها عندما كانوا يبصرون بنور من الوحي ويقفون عند حدود الشريعة، ثم جاء من بعدهم هؤلاء الأخلاف فانحرفوا عن تلك الطريقة إذ لم يبصروا الحقيقة، بل ظنوا أن ما كان عليه السلف من نعمة وسعادة أمر اختصوا به أو خير سيق إليهم لسبب امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ما استحقوا به هذه المزية أمرا شكليا لم يصل إلى سرائرهم فعدلوا عن الدين إلى تقاليد وعادات تمكنت في نفوسهم فلم تدع مجالا لغيرها، ولذلك لم يفكروا في الاعتصام بما اعتصم به سلفهم، ولم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اهتدى به من قبلهم لدعواهم أن فهمه خُصت به طائفة من رؤساء الدين يؤخذ بأقوالهم إذا وُجدوا وبكتبهم اذا فُقدوا، فمثل هذا الفريق المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الانتفاع بها بالمرة، وانطماس الصوى بينها وبينه مثل من استوقد نارا .. الخ، ووجه التمثيل أن من يدعي الايمان بكتاب نزل من عند الله طالب بإيمانه أن توقد له نار يهتدي بها في سره ويستضيء بها في ظلمات اللبس، ويبصر بضوئها ما يصادفه من مخاطر الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بنور الهدى والرشاد، وكاد بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، عادت إليه ظلمة التقليد، وعصب عينيه شيطان الباطل لئلا يبصر ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة فانطفأ فيه نور الفطرة، وتعطلت مداركه فلم يبصر ما بين يديه، فإذا هو بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع. وأما المثل الثاني وهو قوله {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، فيراد به فريق آخر بقيت له نظرات إلى الهدى بين آونة وأخرى، وأنوار التنزيل تسطع بين يديه فيرى الحقيقة ماثلة أمام عينيه، وفطرته بقي لها شيء من هدايتها غير أن التقاليد والبدع تطغى ظلماتها على ذلك كله، فلذلك يتخبط في المهالك مع سماعه قوارع النذر الالهية، وإبصاره بوارق البراهين الفرقانية، فإذا أضاء له ذلك البرق سار، وإذا اختفى بشبه الضلالات والغرور قام وتحير، لا يدري أين يذهب، وكثيرا ما يُعرض عن سماع النذر وأصوات الحق، كما يضع أصبعيه في أذنيه لئلا يسمع إرشاد المرشد، ولا نصح الناصح، يخاف إن أصغى إلى تلك القوارع أن تقتله، ويحذر من صواعق النذر أن تهلكه. هذا حاصل رأيه في المثلين، ويظهر منه أن المثل الأول في قوم استحكم في نفوسهم الهوى، واستولى على أفكارهم الباطل، وأحاطت بهم الضلالة من كل جانب، فلا يسمعون للحق نداء، ولا يبصرون له ضياء، وليس في نفوسهم عزم على البحث عنه، أو الرجوع إليه إن انكشف لهم، لأنهم مُخلِدون إلى ما هم فيه من الضلال، ومستمسكون بما ورثوه من آبائهم المحرفين، وقادتهم الدجالين، وهم مغترون بذلك، فلا يرون أن شيئا أفضل مما هم عليه، وأما المثل الثاني فهو مضروب فيمن تردد بين الهدى والضلال، والرشد والغي، لا يستقرون على حال، وإنما ضلالهم أبلغ من هداهم، وعماهم أعمق من بصيرتهم، قد يبصرون للحق نورا فتنكشف لهم حقيقته إلا أنهم بسبب طغيان الهوى على نفوسهم لا يمكنهم الانفلات من قيود الباطل، والانطلاق من أغلال التقاليد. هذا، والذي أراه أن ما ذكره من صفات أصحاب المثل الأول لا ينطبق على المنافقين، وإنما ينطبق على اليهود المتمسكين بيهوديتهم، المستعلين على الناس بغرورهم، فإنهم يرون أنهم أولى الناس بالهدى، وأن النبوة لا تخرج عنهم إلى غيرهم، بل أفرطوا في الغرور حتى ادعوا - زورا وبهتانا - أنهم أبناء الله وأحباؤه، ومن المعلوم أن أحبارهم حرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذُكِّروا به، وجعلوا من تلك الضلالات التي لفقوها، والافك الذي اصطنعوه دينا لهم ولأتباعهم، فلذلك لا يصغون لصوت ناصح، ولا يقبلون عذل عاذل، وقد سُلبوا هداية أنبيائهم، وانطفأت أنوار ما كان بأيديهم من الكتاب. وإذا ألقينا نظرة إلى سياق هذه الآيات لم نجدها إلا في المنافقين سواء كانوا من منافقي اليهود أو منافقي العرب، والمثلان مضروبان فيهم لا في غيرهم، ولا مانع من الانتقال من مثل إلى آخر مع كون الممثل له واحدا، فإن ذلك معروف عند العرب، وستأتي له شواهد إن شاء الله عندما نصل إلى المثل الثاني. ووجه ضرب هذا المثل في المنافقين أنهم استضاءوا بشيء من نور الاسلام حال اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، وسماعهم ما يدور في مجالسهم من مواعظ وأمثال، ومشاركتهم في الأعمال الدينية الظاهرة، ولكن سرعان ما تنطفئ هذه الشعلة عندما يفارقونهم، فتتراكم في نفوسهم ظلمات العقيدة التي يبطنونها، وهذا هو المروي عن مجاهد؛ وقال عطاء الخراساني: هذا مثل المنافق يبصر أحيانا، ويعرف أحيانا، ثم يدركه عمى القلب، وعزا ذلك ابن أبي حاتم إلى عكرمة، والحسن، والسُّدي، والربيع بن أنس، ورُوي عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم. وما ذكروه من إبصارهم أحيانا يُحتمل أن يكون عند لقائهم بالمؤمنين وسماعهم منهم، وأن يكون بمجرد تفكرهم في الأمور، فإن الفطرة داعية إلى الحق لولا ما يضعفها من الهوى والضلال. وروى ابن جرير عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية في قوم دخلوا في الاسلام عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله من قذى وأذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك إذ طَفِئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك فعرف الحلال والحرام، والخير والشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر؛ وروي عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم مثله. وأنكر ابن جرير أن يكون هؤلاء أسلموا في وقت من الأوقات لقوله تعالى فيهم {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، وتعقبه ابن كثير بأن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهو لا ينافي أن يكونوا آمنوا من قبل ثم سُلبوا الايمان، وطُبع على قلوبهم، واستدل بقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. ولابن جرير أن يتخلص بما ذكرته من قبل، وهو أن المنافقين أصناف، منهم من آمن ثم ارتد، ومنهم من لم تخالط بشاشة الإِيمان قلبه ولكنه ادعاه بلسانه. وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم رأيا آخر في الآية لابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالاسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سُلب صاحب النار ضوءه، وروي مثله عن قتادة، وهو الذي مال إليه ابن جرير مستدلا بقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد: 13]، فإن فيها ما يدل على أن المنافقين يطلبون المؤمنين يوم القيامة أن يختلطوا بهم ليستمدوا منهم المنافع كما كانوا يستمدون في دار الدنيا، ولكن لا يجديهم النفاق يومئذ شيئا، فيُفصلون عن المؤمنين إلى الذين كانوا معهم في سرائرهم. وذهب سعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن كعب، ويمان ابن رئاب إلى أن الآية في أهل الكتاب الذين كانوا على علم بمبعث النبي الخاتم، فلما بُعث وانكشفت لهم آياته، وبهرتهم معجزاته كفروا به، فكان ما عندهم من علم الكتاب كالنار المستوقدة للإِضاءة، وما كان منهم من كفر بمثابة انطفاء تلك النار، لعدم استفادتهم من الضوء، وهذا لا يتفق مع السياق كما سبق. و"الذي" يُستعمل للمفرد غالبا لوجود صيغة جمع له وهي "الذين"، وقد يُستعمل للجمع تشبيها بمن وما، وعليه قول الشاعر: شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وحُمل عليه قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69]، وهذا أولى أن يُحمل عليه هنا من دعوى بعضهم أنه وصف لموصوف محذوف دال على الجمع تقديره كالفوج الذي استوقد، أو كالجمع الذي استوقد لأن الأصل عدم الحذف، وفي مثل هذا الحال يجوز في الضمائر أن تُفرد مراعاة للفظ، وأن تُجمع مراعاة للمعنى، وكذا الصفات والأحوال، ويجوز أن يُنظر إلى اللفظ أولا ثم إلى المعنى ثانيا كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [الجن: 23]، وهذا من باب التفنن المحمود في البلاغة، وعليه يُحمل اختلاف الضمائر هنا، فقد روعي لفظ {الذي} في {استوقد} ومعناه في {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}. واستوقد بمعنى أوقد لترادف استفعل وأفعل أحيانا، ومنه استجاب وأجاب، واستنار وأنار، ويجوز أن يكون بمعنى طلب الوقود كاستعان بمعنى طلب الإِعانة، واستغاث بمعنى طلب الاغاثة، نظرا إلى أنه بمباشرة الأسباب والأخذ في الوسائل طالب لما تفضي إليه هذه الوسائل والأسباب، أو أن المراد طلب من غيره الايقاد والأول أظهر. والإِضاءة فرط الإِنارة، ويُستعمل فعل أضاء لازما ومتعديا، لتجرده تارة عن الهمزة كقول العباس - رضي الله عنه - في النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق تفسير : واقترانه بها تارة مع كونه بمعنى المجرد، وأخرى للتعدية، ويُحتمل أن يكون هنا لازما ومتعديا، فإن حُمل على اللزوم (فما) هي الفاعل، وجاز تأنيث الفعل لاعتبار التعدد في معنى {ما حوله}، لأن المراد به الأماكن المحيطة بالمستوقد، وهي متعددة، فإن الخلف غير الأمام، واليمين غير الشمال، وعضد الزمخشري هذا التأويل بقراءة ابن أبي عبله "ضاءت" بالتجريد، وذكر الزمخشري وجها آخر وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار، ويُجعل الحول ظرفا و(ما) إما مزيدة أو موصولة، بمعنى الأمكنة، وإن حُمل على التعدي (فما) موصول مفعول به، و(حوله) صلته ويُراد تصييرها الأماكن التي حول المستوقد مُنحسرا عنها الظلام. والحول يراد به المكان القريب لما أضيف إليه، ويرى الزمخشري أن تأليفه للدوران والإِطافة، ومنه تسمية العام حولا لأنه يدور، ولم ير لزوم ذلك ابن عاشور، والأظهر أن النظر إلى الدوران فيه حكم غالب وليس لازما. والمراد بذهاب الله بنورهم إطفاء النار التي هي مصدر النور، وإنما ذُكر النور دون الضياء إما لأن ذهابه يستلزم ذهاب الضياء بناء على ما تقدم من أن الإِضاءة فرط الإِنارة، وهو يعني أن النور أعم من الضوء، ولا بقاء للأخص مع ذهاب الأعم، وإما لأن المراد تلاشي فائدة تلك المظاهر الاسلامية التي كان المنافقون يخدعون بها المؤمنين، وقد شاع التعبير بالنور عن الاسلام في القرآن، فصار اختيار لفظه أنسب. وإنما عُبِّر بالذهاب بالنور دون إذهاب النور لما في ذلك من المبالغة، فإن أصل استعماله أن يكون مع استصحاب الفاعل للمفعول به، نحو قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} تفسير : [يوسف: 15]، وهو آكد فيما يراد ذهابه من مجرد الاذهاب لوقوعه تحت رقابة الفاعل نفسه، بخلاف ما لو قيل أذهبه، إذ لا يلزم منه أن يكون ذهاب المفعول تحت إشراف الفاعل وحراسته، ثم استعمل هذا اللفظ حال قصد المبالغة، ولو لم تكن مصاحبة، ولم تتصور الحراسة، نحو قول القائل "ذهب بمالِهِ الديْن". وجملة {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} جواب للشرط الذي تقتضيه لما على الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور، ولا داعي إلى تكلف الزمخشري تقدير جواب قبله نحو (فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام مُتحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار)، وهو مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه، وبناء على قوله هذا يكون قوله {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} كلاما مستأنفا استئنافا بيانيا جوابا لما ينشأ عن هذا الوصف من السؤال عن حال هذا المستوقد بعد خمود النار، وعلى هذا فهو داخل في التمثيل، أو يكون بدلا من جملة التمثيل بأسرها على البيان، فيكون مرجع الضمير فيه إلى المنافقين لعدم اتحاد البدل والمبدل منه، ويقرب من هذا الوجه الأخير ما ارتآه الإِمام ابن عاشور، وهو أن يكون الضمير في التمثيل يعود تارة إلى المشبه وهو المنافقون، لأن الغرض الأصلي الاخبار عن انطفاء نور الايمان منهم، وشبهه بتجريد الاستعارة المفردة، وعد من محسناته جمع التمثيل بين ذكر المشبه وذكر المشبه به، فالمتكلم بالخيار في مراعاة ما شاء منهما، لأن الوصف لهما، فما ثبت للمشبه به يلاحظ كالثابت للمشبه، ومن مراعاة الأمرين إفراد الضمير تارة وجمعه أخرى، ولأجل ذلك اختير هنا لفظ النور عوضا عن النار المبتدأ به تنبيها على الانتقال من التمثيل إلى الحقيقة، للدلالة على أن الله أذهب نور الايمان من قلوب المنافقين. وعد ابن عاشور هذا من الإِيجاز البديع لإِفادته ذهاب نور الايمان من قلوب المنافقين كما تنطفئ النار بعد اتقادها، وذكر أنه أسلوب لم تكن العرب تعهده، فهو من أساليب الإِعجاز، وجعل قريبا منه قوله تعالى: {أية : بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [الزخرف: 22 - 24]. حيث جمع ضمير الخطاب في {أرسلتم} حكاية لخطاب أقوام الرسل بمعرض جواب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الموجه إلى قومه بقوله {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ} وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقا لما في التشبيه الآتي من قوله {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} فإنه يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون المشبه. والذي يقوله ابن عاشور لا يبعد مما قاله الزمخشري على الوجه الأخير، وإنما الفارق بينهما أن جملة "ذهب الله بنورهم .. الخ" خارجة عن التمثيل عند الزمخشري، على هذا الوجه، وداخلة فيه عند ابن عاشور، ولكن التُفت فيها إلى المشبه كما يفرق بينهما أنها جواب "لما" عند ابن عاشور، وجوابها عند الزمخشري مقدر كما ذكرت من قبل، وما ذكره الزمخشري من الجواب المقدر ينكشف للفهم على ما ذهب إليه ابن عاشور ولو بدون تقدير. وإذا رجعت تتأمل ما أوردته من آراء السلف في الآية الكريمة علمت احتمال أن يكون ذهاب هذا النور ممن ضُرب فيهم المثل - وهم المنافقون - في الدنيا والآخرة معا، فأما ذهابه في الدنيا فما يعتريهم من الشكوك فيما أدركوا حقه من عقيدة التوحيد، وعلموا صدقه من رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وما يتبع هذه الشكوك من رسوخ الكفر في نفوسهم واستحكام الضلال، وأما في الآخرة فإن المنافق بمجرد موته أو إشرافه عليه تنكشف له حقيقة الأمر ولا يعود ينفعه ما كان يتشبث به في الدنيا عند الناس من تديُّن ظاهري، وهو معنى ما سبقت روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما. وبما أن الامام محمد عبده يرى أن هذا المثل في اليهود ومن كان على شاكلتهم كما سبق، ذهب في تطبيقه عليهم إلى أنهم استوقدوا نار الهداية الالهية بفطرتهم السليمة عندما صدقوا رسله، فلما أشرقت لهم، واستنارت لهم الطريق، انحرفت بهم التقاليد والعادات وصرفتهم عنها المنافع التي يتوهمونها والفوائد العاجلة التي يقصدونها، فحرموا الانتفاع بذلك النور واستبدلوا به ظلمات الليل البهيم. ومهما قيل في معنى المثل فليس فيه ما يدل على أنهم أُجبروا على الزيغ عن الهدى إلى الضلال، وعن النور إلى الظلمات، وإنما كان ذلك باختيار أنفسهم، وعندما يركن أحد إلى الضلال، وينحرف عن طريق الاستقامة، يتوالى عليه خذلان الله سبحانه فيسلبه نور الفطرة باستحبابه العمى على الهدى. وفسر ابن عباس - رضي الله عنهما - النور بالإِيمان، رواه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد نحوه عن مجاهد وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عن عكرمة، والحسن، والسدي، والربيع بن أنس، وروى مثله عن الضحاك. ومادة الترك تستعمل في الطرح والاهمال، ومفارقة الشيء لغيره، وكثيرا ما تذكر معها الحال التي باين التارك المتروك عليها، وفي مثل هذا الاستعمال يضمن الترك معنى الجعل والتصيير فينصب مفعولين، وغالبا ما يدل ذلك على الزهد في الشيء أو تحقيره، ويراعى إذا اعتبر المنصوب الثاني مفعولا به كونه هو محل الفائدة المقصودة بالإِخبار. والظلمات جمع ظلمة، وهي نقيض النور، وكثيرا ما يفرد النور وتجمع الظلمة في كلام العرب، ولم يأتيا في القرآن إلا كذلك، وفسر ابن عباس الظلمات بالكفر، وروي عنه تفسيرها بالضلال وهو غير بعيد مما قبله، وروي عنه أيضا تفسيرها بالعذاب، وهو مبني على ما سبق نقله من أن انحسار هذا النور إنما يكون بعد مفارقة الحياة، وروي مثل ذلك عن الحسن البصري، وعن السدي أنه فسر الظلمات بالنفاق. ولا فارق بين هذه الأقوال، فإن الضلال يصدق على الكفر والنفاق، والنفاق في حقيقته كفر، وإنما يزيد عليه بما يكون عليه المنافق من الخداع لله ورسوله وللمؤمنين، فالخلاف ما بين هذه الآراء لا يعدو أن يكون لفظيا، وإنما الخلاف المعنوي بينها وبين قول من يرى أنها العذاب، وإن كان كل من الكفر والنفاق والضلال مفضيا إلى العذاب، ذلك لأن من فسر الظلمات بها اعتبر أن ذهاب النور حاصل في الدنيا قبل الآخرة، ومن فسرها بالعذاب ذهب إلى أن النور ما يتمتع به المنافق في الدنيا بسبب كلمة التوحيد، وأن الظلمات ذهاب ذلك بعد مفارقته لها كما تقدم. أحوال المنافقين كلها ظلمات: ذهب ابن عاشور أن جمع الظلمات في هذه الآية يُشار به إلى أحوال المنافقين التي يصلح تشبيه كل منها بالظلمة، وهي الكفر والكذب والاستهزاء بالمؤمنين، وما يتبعها من آثار النفاق المتنوعة، وذكر أن طي وجه الشبه في هذا التشبيه لأجل الاعتماد على فِطنة السامع، فإنه يمكنه أن يستظهره من مجموع ما تقدم من شرح أحوالهم؛ ابتداء من قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا..} الخ، وما يتضمنه المثلان من الاشارة إلى وجوه المشابهة بين أجزاء أحوالهم وأجزاء الحالة التي شُبّهوا بها، فإن إظهارهم الإِيمان بقولهم {آمنا بالله}، وقولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، وقولهم عند لقاء المؤمنين {آمنا}، أحوال ومظاهر حسنة تلوح على المنافقين حينما يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما يتظاهرون بالاسلام، ويأتون بواجباته؛ كالصلاة والصدقة والصيام، ويصدر منهم طيب القول، وقويم السلوك، وتُشرق عليهم الأنوار النبوية، فيكاد نور الايمان يخترق إلى قلوبهم، ولكن سرعان ما تنقلب تلك الحالة إلى نقيضها عندما ينفضُّون عن تلك المجالس، ويجتمعون ببطانتهم من كبرائهم أو من أتباعهم، فتعاودهم الأحوال الذميمة؛ من مزاولة الكفر، وخداع المؤمنين، والحقد عليهم والاستهزاء بهم، ووصفهم بالسّفه، فهذا التظاهر وما تبعه من الإِنقلاب مُثِّلا بحال الذي استوقد نارا ثم ذهب عنه نورها. وأتبع ذلك ابن عاشور أن من بدائع هذا التمثيل كونه - مع ما فيه من تركيب الهيئة المشبه بها ومقابلتها للهيئة المركبة من حالهم - قابلا لتحليله بتشبيهات مفردة لكل جزء من هيئة أحوالهم بجزء مفرد من الهيئة المشبه بها، فيشبه استماعهم القرآن باستيقاد النار، ويتضمن تشبيه القرآن في إرشاد الناس إلى الخير والحق بالنار في إضاءة المسالك للسالكين، ويشبه رجوعهم إلى كفرهم بالظلمات، ويُشبَّهون بقوم انقطع إبصارهم. ولم يُذكر مفعول {لا يبصرون} لقصد عموم المبصرات، لأن الفعل المتعدي قد يُنزل في مثل هذه الحالة منزلة اللازم لافادة تأكيد العموم، فكأنه قيل ليس من شأنهم الابصار رأسا، وجملة "وتركهم في ظلمات .. الخ" جاءت تقريرا لمضمون ما تقدمها؛ لأن من شأن مَن ذهب نوره أن يكون في ظلمة لا يبصر، والجملة التقريرية وإن كان مدلولها تتضمنه الجملة المقررة قبلها؛ فإن فيها من الفائدة إيقاظ الذهن الخامل لما قد يعزب عنه من هذا المدلول، وذلك أن الذهن قد لا يتصور النتيجة المترتبة على ذهاب الله بنورهم إلا عندما يوقظ، بأنها كانت تَخَبُّطهم في ظلماتهم بعدم إبصارهم. ولا يخلو إما أن يكون ترك هنا متعديا إلى مفعول واحد أو إلى مفعولين؛ إن ضُمِّن معنى صيَّر وجعل كما تقدم، وعلى الأول فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول، وجملة {لا يبصرون} حال مرادفة، ويجوز أن يكون {في ظلمات} متعلقا بترك، و{لا يبصرون} حال، وعلى الثاني فالمفعول الثاني {في ظلمات} و{لا يبصرون} جملة حالية من المفعول أيضا، ولا يجوز أن تكون جملة {لا يبصرون} هي المفعول الثاني، و{في ظلمات} في موضع الحال، لأن المفعول الثاني خبر في الأصل، والأخبار لا تُساق للتأكيد، ومن المعلوم أن من تُرك في الظلمات لا يبصر، فإذا صرح بعدم إبصاره كان في هذا التصريح تأكيد لما سبقه.

الالوسي

تفسير : {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} جملة مقررة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا فلذا لم تعطف على ما قبلها، ولما كان ذلك جارياً على ما فيه من استعارات وتجوزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين وبيان أحوالهم عقبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في صورة المشاهد بضرب المثل تتميماً للبيان، فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا يطفى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ويميط اللثام عن محيا الدقائق ويبرز المتخيل في معرض اليقين ويجعل الغائب كأنه شاهد، وربما تكون المعاني التي يراد تفهيمها معقولة صرفة، فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسوس فيساعد الوهم العقل في إدراكها، وهناك تنجلي غياهب الأوهام ويرتفع شغب الخصام {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [الحشر: 21] وقيل: الأشبه أن تجعل موضحة لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ }تفسير : [البقرة: 16] الخ ولا بعد فيه؛ والحمل على الاستئناف بعيد لا سيما والأمثال تضرب للكشف والبيان. والمثل بفتحتين - كالمثل - بكسر فسكون - والمثيل في الأصل النظر والشبيه، والتفرقة لا أرتضيها، وكأنه مأخوذ من المثول - وهو الانتصاب - ومنه الحديث: «حديث : من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار»تفسير : ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إما على تشبيه بلا شبيه، أو استعارة رائقة تمثيلية وغيرها، أو حكمة وموعظة نافعة، أو كناية بديعة، أو نظم من جوامع الكلم الموجز، ولا يشترط فيه أن يكون استعارة مركبة خلافاً لمن وهم، بل لا يشترط أن يكون مجازاً، وهذه أمثال العرب أفردت بالتآليف وكثرت فيها التصانيف وفيها الكثير مستعملاً في معناه الحقيقي ولكونه فريداً في بابه، وقد قصد حكايته لم يجوزوا تغييره لفوات المقصود وتفسيره بالقول السائر الممثل مضربه بمورده يرد عليه أمثال القرآن لأن الله تعالى ابتدأها وليس لها مورد من قبل، اللهم إلا أن يقال إن هذا اصطلاح جديد أو أن الأغلب في المثل ذلك، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة. ومن ذلك: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النحل: 60] و {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الرعد: 35] وهو المراد هنا في المثل دون التمثيل المدلول عليه بالكاف. والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد ناراً الخ فيما سيكشف عن وجهه إن شاء الله تعالى، فالكاف حرف تشبيه متعلقة بمحذوف خبر عن المبتدأ، وزعم ابن عطية أنها اسم مثلها في قول الأعشى:شعر : أينتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل تفسير : وهذا مذهب ابن الحسن، وليس بالحسن إلا في الضرورة والقول بالزيادة كما في قوله: فصيروا مثل: {أية : كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ }تفسير : [الفيل: 5] زيادة في الجهل، والذي وضع موضع ـ الذين ـ إن كان ضمير {بِنُورِهِمْ} راجعاً إليه وإلا فهو باق على ظاهره إذ لا ضير في تشبيه حال الجماعة بحال الواحد وجاز هنا وضع المفرد موضع الجمع، وقد منعه الجمهور فلم يجوزوا إقامة القائم مقام القائمين لأن هذا مخالف لغيره لخصوصية اقتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه، ولأنه مع صلته كشيء واحد، وعلامة الجمع لا تقع حشواً فلذا لم/ يلحقوها به ووضعوه لما يعم كمن وما، والذين ـ ليس جمعاً له بل هو اسم وضع مزيداً فيه لزيادة المعنى، وقصد التصريح بها ولذا لم يعرف بالحروف كغيره على الأفصح، ولأن استطال بالصلة فاستحق التخفيف حتى بولغ فيه إلى أن اقتصر على اللام في نحو اسم الفاعل، قاله القاضي وغيره، ولا يخلو عن كدر لا سيما الوجه الأخير، وما روي عن بعض النحاة من جواز حذف نون ـ الذين ـ ليس بالمرضي عند المحققين، ولئن تنزل يلتزم عود ضمير الجمع إليه كما في قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } تفسير : [التوبة: 69] على وجه، وقول الشاعر:شعر : يا رب عيسى لا تبارك في أحد في قائم منهم ولا فيمن قعد إلا الذي قاموا بأطراف المسد تفسير : وإفراد الضمير لم نسمعه ممن يوثق به ولعله لأن المحذوف كالملفوظ، فالوجه أن يقال إنه نظر إلى ما في ـ الذي ـ من معنى الجنسية العامة إذ لا شبهة في أنه لم يرد به ـ مستوقد ـ مخصوص ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول كالمعرف باللام يجري فيه ما يجري فيه، واسم الجنس وإن كان لفظه مفرداً قد يعامل معاملة الجمع كـ {أية : عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ }تفسير : [الإنسان: 21] وقولهم: الدينار الصفر، والدرهم البيض، أو يقال: إنه مقدر له موصوف مفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فيحسن النظام، ويلاحظ في ضمير ـ استوقد ـ لفظ الموصوف، وفي ضمير {بِنُورِهِمْ} معناه، و (استوقدوا) بمعنى أوقدوا، فقد حكى أبو زيد أوقد واستوقد بمعنى كأجاب واستجاب وبه قال الأخفش، وجعل الاستيقاد بمعنى طلب الوقود وهو سطوع النار كما فعل البيضاوي محوج إلى حذف، والمعنى حينئذٍ طلبوا ناراً واستدعوها فأوقدوها {فَلَمَّا أَضَاءتْ} لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب وإنما تتسبب عن الإيقاد. والنار جوهر لطيف مضىء محرق، واشتقاقها من نار ينور نوراً إذا نفر لأن فيها على ما تشاهد حركة واضطراباً لطلب المركز، وكونه من غلط الحس كأنه من غلط الحس، نعم أورد على التعريف أن الإضاءة لا تعتبر في حقيقتها وليست شاملة لما ثبت في «الكتب الحكمية» أن النار الأصلية حيث الأثير شفافة لا لون لها وكذا يقال في الإحراق، والجواب أن تخصيص الأسماء لأعيان الأشياء حسبما تدرك أو للمعاني الذهنية المأخوذة منها، وأما اعتبار لوازمها وذاتياتها فوظيفة من أراد الوقوف على حقائقها وذلك خارج عن وسع أكثر الناس، والناس يدركون من النار التي عندهم الإضاءة والإحراق ويجعلونهما أخص أوصافها، والتعريف للمتعارف وعدم الإحراق لمانع لا يضر على أن كون النار التي تحت الفلك هادية غير محرقة وإن زعمه بعض الناس أبطله الشيخ، واحتراق الشهب شهاب على من ينكر الإحراق، وأغرب من هذا نفي النار التي عند الأثير؛ وقريب منه القول بأنها ليست غير الهواء الحار جداً. وقرأ ابن السميقع (كمثل الذين) على الجمع وهي قراءة مشكلة جداً، وقصارى ما رأيناه في توجيهها أن إفراد الضمير على ما عهد في لسان العرب من التوهم كأنه نطق بمن ـ الذي ـ لها لفظاً ومعنى كما جزم بالذي على توهم من الشرطية في قوله:شعر : كذاك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع تفسير : أو أنه اكتفى بالإفراد عن الجمع كما يكتفي بالمفرد الظاهر عنه فهو كقوله:شعر : وبالبدو منا أسرة يحفظونها سراع إلى الداعي عظام كراكره تفسير : أي كراكرهم، أو أن الفاعل في استوقد عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ } تفسير : [يوسف: 35] على وجه، والعائد حينئذٍ محذوف على خلاف القياس أي لهم أولاً: عائد في الجملة الأولى اكتفاءً بالضمير من الثانية المعطوفة بالفاء، وفي القلب من كل شيء. {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} (لما) حرف وجود لوجود، أو وجوب لوجوب كما نص عليه سيبويه، أو ظرف بمعنى حين، أو إذ، والإضاءة جعل/ الشيء مضيئاً نيراً، أو الإشراق وفرط الإنارة. وأضاء يكون متعدياً ولازماً، فعلى الأول: (ما) موصولة أو موصوفة والظرف صلة أو صفة وهي المفعول والفاعل ضمير النار، وعلى الثاني: فما كذلك وهي الفاعل وأنث فعله لتأويله بمؤنث كالأمكنة والجهات أو الفاعل ضمير النار وما زائدة أو في محل نصب على الظرفية، ولا يجب التصريح بفي حينئذٍ كما توهم لأن الحق أن ما الموصولة أو الموصوفة إذا جعلت ظرفاً فالمراد بها الأمكنة التي تحيط بالمستوقد وهي الجهات الست وهي مما ينصب على الظرفية قياساً مطرداً فكذا ما عبر به عنها، وأولى الوجوه أن تكون (أضاءت) متعدية و (ما) موصولة إذ لا حاجة حينئذٍ إلى الحمل على المعنى، ولا ارتكاب ما قل استعماله لا سيما زيادة ما هنا حتى ذكروا أنها لم تسمع هنا، ولم يحفظ من كلام العرب جلست ما مجلساً حسناً ولا قمت ما يوم الجمعة. ويا ليت شعري من أين أخذ ذلك الزمخشري وكيف تبعه البيضاوي؟! وإذا جعل الفاعل ضمير النار والفعل لازم يكون الإسناد إلى السبب لأن النار لم توجد حول المستوقد ووجد ضوؤها فجعل إشراق ضوئها حوله بمنزلة إشراقها نفسها على ما قيل، وهو مبني على أن الظرف إذا تعلق بفعل قاصر له أثر متعد يشترط في تحقق النسبة الظرفية للأثر والمؤثر فلا بد في إشراق كذا في كذا من كون الإشراق والمشرق فيه، وهذا كما إذا تعلق الظرف بفعل قاصر ـ كقام زيد في الدار ـ فإن زيداً والقيام فيها ذاتاً وتبعاً ـ وإلى ذلك مال الزمخشري ـ ومن الناس من اكتفى بوجود الأثر فيه وإن لم يوجد المؤثر فيه بذاته كما في الأفعال المتعدية فأضاءت الشمس في الأرض حقيقة على هذا مجاز على الأول. وحول ظرف مكان ملازم للظرفية والإضافة ـ ويثنى ويجمع ـ فيقال حوليه وأحواله وحوال مثله فيثنى على حوالي، ولم نظفر بجمعه فيما حولنا من الكتب اللغوية ولا تقل حواليه بكسر اللام كما في «الصحاح». ولعل التثنية والجمع ـ مع ما يفهم من بعض الكتب أن حول وكذا حوال بمعنى الجوانب وهي مستغرقة ـ ليسا حقيقين، وقيل: باعتبار تقسيم الدائرة كما أشار إليه المولى عاصم أفندي في ترجمة «القاموس» بالرومية وفيه تأمل، وأصل هذا التركيب موضوع للطواف والإحاطة كالحول للسنة فإنه يدور من فصل أو يوم إلى مثله، ولما لزمه الانتقال والتغير استعمل فيه باعتباره كالاستحالة والحوالة وإن خفي في نحو الحول بمعنى القوة، وقيل: أصله تغير الشيء وانفصاله. و (ذهب) الخ جواب (لما) والسببية ادعائية فإنه لما ترتب إذهاب النور على الإضاءة بلا مهلة جعل كأنه سبب له على أنه يكفي في الشرط مجرد التوقف نحو ـ إن كان لي مال حججت ـ والإذهاب متوقف على الإضاءة، والضمير في {بِنُورِهِمْ } للذي أو لموصوفه وجمعه لما تقدم. واختار النور على النار لأنه أعظم منافعها والمناسب للمقام سباقاً ولحاقاً، وقيل: الجملة متسأنفة جواباً عما بالهم شبهت حالهم بذلك، أو بدل من جملة التمثيل للبيان والضمير للمنافقين وجواب (لما) محذوف أي خمدت نارهم فبقوا متحيرين، ومثله {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ }تفسير : [يوسف: 15] وحذفه للإيجاز وأمن الإلباس ولا يخفى ما فيه على من له أدنى إنصاف وإن ارتضاه الجم الغفير، ويجل عن مثل هذا الإلغاز كلام الله تعالى اللطيف الخبير. وإسناد الفعل إليه تعالى حقيقة فهو سبحانه الفعال المطلق الذي بيده التصرف في الأمور كلها بواسطة وبغير واسطة، ولا يعترض على الحكيم بشيء، وحمل النار على نار لا يرضى الله تعالى إيقادها إما مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام أو حقيقية أوقدها الغواة للفساد أو الإفساد، فحينئذٍ يليق بالحكيم إطفاؤها وإلا يرتكب المجاز لم يدع إليه إلا اعتزال وإيقاد نار الغواية والإضلال، وعدي بالباء دون الهمزة لما في "المثل السائر" أن ذهب بالشيء يفهم منه أنه استصحبه وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى ولا كذلك أذهبه فالباء والهمزة وإن اشتركا في معنى التعدية فلا يبعد أن ينظر صاحب المعاني إلى معنى الهمزة والباء الأصليين، أعني الإزالة/ والمصاحبة والإلصاق. ففي الآية لطف لا ينكر كيف والفاعل هو الله تعالى القوي العزيز الذي لا رادّ لما أخذه ولا مرسل لما أمسكه. وذكر أبو العباس أن ذهبت بزيد يقتضي ذهاب المتكلم مع زيد دون أذهبته، ولعله يقول: إن ما في الآية مجاز عن شدة الأخذ بحيث لا يرد أو يجوز أن يكون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به كما وصف نفسه سبحانه بالمجىء في ظاهر قوله تعالى: {أية : وَجَاء رَبُّكَ } تفسير : [الفجر: 22] والذي ذهب إليه سيبويه إلى أن الباء بمعنى الهمزة فكلاهما لمجرد التعدية عنده بلا فرق فلذا لا يجمع بينهما. والنور منشأ الضياء ومبدؤه كما يشير إليه استعمال العرب حيث أضافوا الضياء إليه كما قال ورقة بن نوفل:شعر : ويظهر في البلاد ضياء نور تفسير : وقال العباس رضي الله تعالى عنه:شعر : وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق تفسير : ولهذا أطلق عليه سبحانه النور دون الضياء، وأشار سبحانه إلى نفي الضياء الذي هو مقتضى الظاهر بنفي النور وإذهابه لأنه أصله وبنفي الأصل ينتفي الفرع، وهذا الذي ذكرنا هو الذي ارتضاه المحققون من أهل اللغة، ومنه يعلم وجه وصف الشريعة المحمدية بالنور في قوله تعالى: {أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } تفسير : [المائدة: 15] والشريعة الموسوية بالضياء في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ }تفسير : [الأنبياء: 48] وفي ذلك إشارة إلى مقام نبينا صلى الله عليه وسلم الجامع الفارق ومزيته على أخيه موسى عليه السلام الذي لم يأت إلا بالفرق ولفرق ما بين الحبيب والكليم:شعر : وكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم تفسير : وكذا وجه وصف الصلاة ـ الناهية عن الفحشاء والمنكر في حديث مسلم ـ بالنور والصبر بالضياء، ويعلم من هذا أنه أقوى من الضياء كذا قيل واعترض بأنه قد جاء وصف ما أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم بالضياء كما جاء وصف ما أوتيه موسى عليه السلام بالنور وإليه يشير كلام الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» فتدبر، وذهب بعض الناس إلى أن الضياء أقوى من النور لقوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس: 5] وعلى هذا يكون التعبير بـ {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} دون ذهب الله بضوئهم دفعاً لاحتمال إذهاب ما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً مع أن الغرض إزالة النور رأساً، وذكر بعضهم أن كلاً من الضوء والنور يطلق على ما يطلق عليه الآخر فهما كالمترادفين والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة، ومن هنا قال الحكماء: إن الضوء ما يكون للشيء من ذاته، والنور ما يكون من غيره، واستعمل الضوء لما فيه حرارة حقيقة كالذي في الشمس، أو مجازاً كالذي ذكر فيما أوتيه موسى عليه السلام مما فيه شدة ومزيد كلفة، ومنه «الصبر ضياء» ومعلوم أنه كاسمه، والنور لما ليس كذلك كالذي في القمر وفيما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم من الشريعة السهلة السمحة البيضاء، ومنه «حديث : الصلاة نور»تفسير : ولا شك أنها قرة العين وراحة القلب وإلى ذلك يشير: «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة» «حديث : وأرحنا يا بلال» تفسير : واستعمل النور لما يطرأ في الظلم كما ورد: «كان الناس في ظلمة فرش الله تعالى عليهم من نوره» وقول الشاعر:شعر : بتنا وعمر الليل في غلوائه وله بنور البدر فرع أشمط تفسير : والضوء ليس كذلك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع، والذي يميل القلب إليه أن الضياء يطلق على النور القوي/ وعلى شعاع النور المنبسط فهو بالمعنى الأول أقوى وبالمعنى الثاني أدنى ولكل مقام مقال ولكل مرتبة عبارة ولا حجر على البليغ في اختيار أحد الأمرين في بعض المقامات لنكتة اعتبرها ومناسبة لاحظها، وآية الشمس لا تدل على أن الضياء أقوى من النور أينما وقع ـ فالله نور السمٰوات والأرض ولله المثل الأعلى ـ وشاع إطلاق النور على الذوات المجردة دون الضوء ولعل ذلك لأن انسياق العرضية منه إلى الذهن أسرع من انسياقها من النور إليه فقد انتشر أنه عرض وكيفية مغايرة للون، والقول بأنه عبارة عن ظهور اللون ـ أو أنه أجسام صغار تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضىء ـ مما بين بطلانه في «الكتب الحكمية» وإن قال بكل بعض من الحكماء، ثم التعبير بالنور هنا دون الضوء يحتمل أن يكون لسر غير ما انقدح في أذهان الناس وهو كونه أنسب بحال المنافقين الذين حرموا الانتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله مما سماه سبحانه نوراً في قوله تعالى: {أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ } تفسير : [المائدة: 15] فكأن الله عز شأنه أمسك عنهم النور وحرمهم الانتفاع به، ولم يسمه سبحانه ضوءاً لتتأتى هذه الإشارة ـ لو قال هنا ذهب الله بضوئهم ـ بل كساه من حلل أسمائه وأفاض عليه من أنوار آلائه فهو المظهر الأتم والرداء المعلم. هذا وإضافة النور إليهم لأدنى ملابسة لأنه للنار في الحقيقة لكن لما كانوا ينتفعون به صح إضافته إليهم، وقرأ ابن السميقع وابن أبـي عبلة فلما أضاءت ثلاثياً وتخريجها يعلم مما تقدم، وقرأ اليماني أذهب الله نورهم وفيها تأييد لمذهب سيبويه. {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} عطف على قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} وهو أوفى بتأدية المراد فيستفاد منه التقرير لانتفاء النور بالكلية تبعاً لما فيه من ذكر الظلمة وجمعها وتنكيرها، وإيراد {لاَّ يُبْصِرُونَ} وجعل الواو للحال بتقدير قد مع ما فيه يقتضي ثبوت الظلمة قبل ذهاب النور ومعه، وليس المعنى عليه ـ والترك ـ في المشهور طرح الشيء كترك العصا من يده أو تخليته محسوساً كان أو غيره وإن لم يكن في يده كترك وطنه ودينه، وقال الراغب: ترك الشيء رفضه قصداً واختياراً أو قهراً واضطراراً. ويفهم من «المصباح» أنه حقيقة في مفارقة المحسوسات ثم استعير في المعاني، وفي كون الفعل من النواسخ الناصبة للجزأين لتضمينه معنى صير أم لا خلاف ـ والكل هنا محتمل ـ فعلى الأول: (هم) مفعوله الأول، و {فِى ظُلُمَـٰتِ} مفعوله الثاني، و {لاَّ يُبْصِرُونَ} صفة لظلمات بتقدير فيها أو حال من الضمير المستتر، أو من (هم) ولا يجوز أن يكون في ظلمات حالاً، و {لاَّ يُبْصِرُونَ } مفعولاً ثانياً لأن الأصل في الخبر أن لا يكون مؤكداً وإن جوزه بعضهم. وعلى الثاني: (هم) مفعوله، و {فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} حالان مترادفان من المفعول أو متداخلان، فالأول: من المفعول والثاني: من الضمير فيه أو {فِى ظُلُمَـٰتِ } متعلق بـ {تركهم} و {لاَّ يُبْصِرُونَ} حال. والظلمة في المشهور عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مستضيئاً، فالتقابل بينها وبين الضوء تقابل العدم والملكة، واعترض بأن الظلمة كيفية محسوسة ولا شيء من العدم كذلك وبأنها مجعولة كما يقتضيه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] والمجعول لا يكون إلا موجوداً، وأجيب عن الأول بمنع الصغرى فإنا إذا غمضنا العين لا نشاهد شيئاً البتة كذلك إذا فتحنا العين في الظلمة؛ وعن الثاني بالمنع أيضاً فإن الجاعل كما يجعل الموجود يجعل العدم الخاص كالعمى والمنافي للمجعولية هو العدم الصرف، وقيل: كيفية مانعة من الإبصار فالتقابل تقابل التضاد، واعترض بأنه لو كانت كيفية لما اختلف حال من في الغار المظلم ومن هو في الخارج في الرؤية وعدمها إلا أن يقال المراد أنها كيفية مانعة من إبصار ما فيها فيندفع الاعتراض عنه، وربما يرجح عليه بأنه قد يصدق على الظلمة الأصلية السابقة على وجود العالم دونه كما قيل، وقيل: التقابل بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب وجمع الظلمات إما لتعددها في الواقع سواء رجع ضمير الجمع إلى المستوقدين أو المنافقين أو لأنها في الحقيقة، وإن/ كانت ظلمة واحدة لكنها لشدتها استعير لها صيغة الجمع مبالغة ـ كما قيل رب واحد يعدل ألفاً ـ أو لأنه لما كان لكل واحد ظلمة تخصه جمعت بذلك الاعتبار كذا قالوا. ومن اللطائف أن الظلمة حيثما وقعت في القرآن وقعت مجموعة والنور حيثما وقع وقع مفرداً، ولعل السبب هو أن الظلمة وإن قلت تستكثر والنور وإن كثر يستقل ما لم يضر، وأيضاً كثيراً ما يشار بهما إلى نحو الكفر والإيمان والقليل من الكفر كثير والكثير من الإيمان قليل فلا ينبغي الركون إلى قليل من ذاك ولا الاكتفاء بكثير من هذا، وأيضاً معدن الظلمة بهذا المعنى قلوب الكفار {أية : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ }تفسير : [الحشر: 14] ومشرق النور بذلك المعنى قلوب المؤمنين وهي كقلب رجل واحد، وأيضاً النور المفاض هو الوجود المضاف وهو واحد لا تعدد فيه كما يرشدك إليه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : [النور: 35] وفي الظلمة لا يرى مثل هذا، وأيضاً الظلمة يدور أصل معناها على المنع فلذا أخذت من قولهم ـ ما ظلمك أن تفعل كذا ـ أي ما منعك، وفي «مثلثات» ابن السيد الظلم بفتح الظاء شخص كل شيء يسد بصر الناظر يقال لقيته أول ذي ظلم أي أول شخص يسد بصري وزرته والليل ظلم أي مانع من الزيارة فكأنها سميت ظلمة لأنها تسد في المشهور وتمنع الرؤية، فباعتبار تعدد الموانع جمعت ولم يعتبر مثل هذا في أصل معنى النور فلم يجمع إلى غير ذلك وإنما نكرت ظلمات هنا ولم تضف إلى ضميرهم كما أضيف النور اختصاراً للفظ واكتفاءً بما دل عليه المعنى، والظرفية مجازية كيفما فسرت الظلمة على بعض الآراء، و {لاَّ يُبْصِرُونَ} منزل منزلة اللازم لطرح المفعول نسياً منسياً، ولعدم القصد إلى مفعول دون مفعول فيفيد العموم. وقرأ الجمهور: {فِى ظُلُمَـٰتِ} بضم اللام، والحسن وأبو السماك بسكونها، وقوم بفتحها، والكل جمع ظلمة. وزعم قوم أن (ظلمات) بالفتح جمع ظلم جمع ظلمة فهي جمع الجمع، والعدول إلى الفتح تخفيفاً مع سماعه في أمثاله أسهل من ادعاء جمع الجمع إذ ليس بقياسي ولا دليل قطعي عليه، وقرأ اليماني (في ظلمة)، وفي الآية إشارة إلى تشبيه إجراء كلمة الشهادة على ألسنة من ذكر ـ والتحلي بحلية المؤمنين ونحو ذلك ـ مما يمنع من قتلهم ويعود عليهم بالنفع الدنيوي من نحو الأمن والمغانم، وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنفاق الضار في الدين بإيقاد نار مضيئة للانتفاع بها أطفأها الله تعالى فهبت عليهم الرياح والأمطار وصيرت موقدها في ظلمة وحسرة، ويحتمل أنهم لما وصفوا بأنهم {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ }تفسير : [البقرة: 16] عقب ذلك بهذا التمثيل لتشبيه هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع الله تعالى بها على قلوبهم بذهاب الله تعالى بنورهم وتركه إياهم في الظلمات، والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه ابن جرير عنه أن ذلك مثل للإيمان الذي أظهروه لاجتناء ثمراته بنار ساطعة الأنوار موقدة للانتفاع والاستبصار ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها، ويحتمل التشبيه وجوهاً أخر. ومن البطون القرآنية التي ذكرها ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الآية مثل من دخل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق فعمل عمل الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال، أو مثل من استوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقة المعنى فأضاءت ظواهره بالصيت والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بين الخلق حتى نبذوه في الآخر ولا يجد مناصاً من الفضيحة يوم تبلى السرائر، وقال أبو الحسن الوراق: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم يصحح أحوال الإرادة فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر فكان يضيء عليه أحوال إرادته لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله تعالى عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها، نسأل الله تعالى العفو والعافية ونعوذ به من الحور بعد الكور.

ابن عاشور

تفسير : {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}. أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، وهذه طريقة تشبيه التمثيل، إلحاقاً لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة، لأن النفس إلى المحسوس أميل. وإتماماً للبيان بجمع المتفرقات في السمع، المطالة في اللفظ، في صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعاً من نفوس السامعين. وتقريراً لجميع ما تقدم في الذهن بصورة تخالف ما صور سالفاً لأن تجدد الصورة عند النفس أحب من تكررها. قال في «الكشاف»: «ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المِثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كالمشاهد». واستدلالاً على ما يتضمنه مجموع تلك الصفات من سوء الحالة وخيبة السعي وفساد العاقبة، فمن فوائد التشبيه قصد تفظيع المشبه. وتقريباً لما في أحوالهم في الدين من التضاد والتخالف بين ظاهر جميل وباطن قبيح بصفة حال عجيبة من أحوال العالم فإن من فائدة التشبيه إظهار إمكان المشبه، وتنظير غرائبه بمثلها في المشبه به. قال في «الكشاف»: «ولأمر ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين أمثاله وفشت في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء قال تعالى: {أية : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}تفسير : [العنكبوت: 43] ا هـ. والتمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم. وهو هنا من قبيل التشبيه لا من الاستعارة لأن فيه ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه وهي لفظ مثل. فجملة: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} واقعة من الجمل الماضية موقع البيان والتقرير والفذلكة، فكان بينها وبين ما قبلها كمال الاتصال فلذلك فصلت ولم تعطف، والحالة التي وقع تمثيلها سيجىء بيانها في آخر تفسير الآية. وأصل المثل بفتحتين هو النظير والمشابه، ويقال أيضاً مثل بكسر الميم وسكون الثاء، ويقال: مثيل كما يقال: شَبَه وشبْهٌ وشبيه، وبدَل وبِدْل، وبديل، ولا رابع لهذه الكلمات في مجيء فَعَل وفِعْل وفَعِيل بمعنى واحد. وقد اختص لفظ المَثَل (بفتحتين) بإطلاقه على الحال الغريبة الشأن لأنها بحيث تمثل للناس وتوضح وتشبه سواء شبهت كما هنا، أم لم تشبه كما في قوله تعالى: {أية : مثل الجنة}تفسير : [الرعد: 35]. وبإطلاقه على قول يصدر في حال غريبة فيحفظ ويشيع بين الناس لبلاغة وإبداع فيه، فلا يزال الناس يذكرون الحال التي قيل فيها ذلك القول تبعاً لذكره وكم من حالة عجيبة حدثت ونسيت لأنها لم يصدر فيها من قول بليغ ما يجعلها مذكورة تبعاً لذكره فيسمى مثلاً وأمثال العرب باب من أبواب بلاغتهم وقد خصت بالتأليف ويعرفونه بأنه قول شبه مضربه بمورده وسأذكره قريباً. فالظاهر أن إطلاق المثل على القول البديع السائر بين الناس الصادر من قائله في حالة عجيبة هو إطلاق مرتب على إطلاق اسم المثل على الحال العجيبة، وأنهم لا يكادون يضربون مثلاً ولا يرونه أهلاً للتسيير وجديراً بالتداول إلا قولاً فيه بلاغة وخصوصية في فصاحة لفظ وإيجازه ووفرة معنى، فالمثل قول عزيز غريب ليس من متعارف الأقوال العامة بل هو من أقوال فحول البلاغة فلذلك وصف بالغرابة أي العزة مثل قولهم: «الصيف ضيعتِ اللبن» وقولهم: «لا يطاع لقصير أمر» وستعرف وجه ذلك. ولما شاع إطلاق لفظ المثل (بالتحريك) على الحالة العجيبة الشأن جعل البلغاء إذا أرادوا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة أعني وصفين منتزعين من متعدد أتوا في جانب المشبه والمشبه به معاً أو في جانب أحدهما بلفظ المثل وأدخلوا الكاف ونحوها من حروف التشبيه على المشبه به منهما ولا يطلقون ذلك على التشبيه البسيط فلا يقولون مثل فلان كمثل الأسد وقلما شبهوا حالاً مركبة بحال مركبة مقتصرين على الكاف كقوله تعالى: {أية : إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه}تفسير : [الرعد: 14] بل يذكرون لفظ المثل في الجانبين غالباً نحو الآية هنا، وربما ذكروا لفظ المثل في أحد الجانبين كقوله: {أية : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء}تفسير : [يونس: 24] الآية وذلك ليتبادر للسامع أن المقصود تشبيه حالة بحالة لا ذات بذات ولا حالة بذات فصار لفظ المثل في تشبيه الهيئة منسياً من أصل وضعه ومستعملاً في معنى الحالة فلذلك لا يستغنون عن الإتيان بحرف التشبيه حتى مع وجود لفظ المثل فصارت الكاف في قوله تعالى: {كمثل}دالة على التشبيه وليست زائدة كما زعمه الرضى في «شرح الحاجبية»، وتبعه عبد الحكيم عند قوله تعالى: {أية : أو كصيب}تفسير : [البقرة: 19] وقوفاً مع أصل الوضع وإغضاء عن الاستعمال ألا ترى كيف استغنى عن إعادة لفظ المثل عند العطف في قوله تعالى: {أو كصيب}ولم يستغن عن الكاف. ومن أجل إطلاق لفظ المثل اقتبس علماء البيان مصطلحهم في تسمية التشبيه المركب بتشبيه التمثيل وتسمية استعمال المركب الدال على هيئة منتزعة من متعدد في غير ما وضع له مجموعه بعلاقة المشابهة استعارة تمثيلية وقد تقدم الإلمام بشيء منه عند قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وإنني تتبعت كلامهم فوجدت التشبيه التمثيلي يعتريه ما يعتري التشبيه المفرد فيجىء في أربعة أقسام: الأول: ما صرح فيه بأداة التشبيه أو حذفت منه على طريقة التشبيه البليغ كما في هذه الآية وقوله: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}تفسير : [البقرة: 16] إذا قدرنا أولئك كالذين اشتروا كما قدمنا. الثاني: ما كان على طريقة الاستعارة التمثيلية المصرحة بأن يذكروا اللفظ الدال بالمطابقة على الهيئة المشبه بها ويحذف ما يدل على الهيئة المشبهة نحو المثال المشهور وهو قولهم: إني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى. الثالث: تمثيلية مكنية وهي أن تشبه هيئة بهيئة ولا يذكر اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها بل يرمز إليه بما هو لازم مشتهر من لوازمه، وقد كنت أعد مثالاً لهذا النوع خصوص الأمثال المعروفة بهذا اللقب نحو الصيف ضيعت اللبن وبيدي لا بيد عمرو ونحوها من الأمثال فإنها ألفاظ قيلت عند أحوال واشتهرت وسارت حتى صار ذكرها ينبىء بتلك الأحوال التي قيلت عندها وإن لم يذكر اللفظ الدال على الحالة، وموجب شهرتها سيأتي. ثم لم يحضرني مثال للمكنية التمثيلية من غير باب الأمثال حتى كان يوم حضرت فيه جنازة، فلما دفنوا الميت وفرغوا من مواراته التراب ضج أناس بقولهم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة» فقلت إن الذين سنوا هذه المقالة في مثل هذه الحالة ما أرادوا إلا تنظير هيئة حفرهم للميت بهيئة الذين كانوا يحفرون الخندق مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يكررون هذه المقالة كما ورد في كتب السنة قصداً من هذا التنظير أن يكون حفرهم ذلك شبيهاً بحفر الخندق في غزوة الأحزاب بجامع رجاء القبول عند الله تعالى فلم يذكروا ما يدل على المشبه به ولكنهم طووه ورمزوا إليه بما هو من لوازمه التي عرف بها وهو قول النبي تلك المقالة ثم ظفرت بقول أحمد بن عبد ربه الأندلسي:شعر : وقُلْ لمن لامَ في التصابي خَلِّ قليلاً عن الطريق تفسير : فرأيته من باب التمثيلية المكنية فإنه حذف المشبه به وهو حال المتعرض لسائر في طريقه يسده عليه ويمنعه المرور به وأتى بشيء من لوازم هذه الحالة وهو قول السائر للمتعرض: خل عن الطريق. رابعها: تمثيلية تبعية كقول أبي عطاء السندي:شعر : ذكرتكِ والخطيُّ يخطُر بيننا وقد نَهِلت منى المُثَقّفَةُ السُّمْر تفسير : فأثبت النهل للرماح تشبيهاً لها بحالة الناهل فيما تصيبه من دماء الجرحى المرة بعد الأخرى كأنها لا يرويها ما تصيبه أولاً ثم أتى بنَهلتْ على وجه التبعية، ومن هذا القسم عند التفتزاني الاستعارة في (على) من قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]وقد تقدم الكلام عليه هناك. فأما المثل الذي هو قول شبه مضربه بمورده، وهو الذي وعدت بذكره آنفاً فمعنى تشبيه مضربه بمورده أن تحصل حالة لها شبه بالحالة التي صدر فيها ذلك القول فيستحضر المتكلم تلك الحالة التي صدر فيها القول ويشبه بها الحالة التي عرضت وينطق بالقول الذي كان صدر في أثناء الحالة المشبه بها ليذكِّر السامع بتلك الحالة، وبأن حالة اليوم شبيهة بها ويجعل علامة ذِكر ذلك القول الذي قيل في تلك الحالة وإذا حققت التأمل وجدت هذا العمل من قبيل الاستعارة التمثيلية المكنية لأجل كون تلك الألفاظ المسماة بالأمثال قد سارت ونقلت بين البلغاء في تلك الحوادث فكانت من لوازم الحالات المشبه بها لا محالة لمقارنتها لها في أذهان الناس فهي لوازم عرفية لها بين أهل الأدب فصارت من روادف أحوالها وكان ذكر تلك الأمثال رمزاً إلى اعتبار الحالات التي قيلت فيها، ومن أجل ذلك امتنع تغييرها عن ألفاظها الواردة بها لأنها إذا غيرت لم تبق على ألفاظها المحفوظة المعهودة فيزول اقترانها في الأذهان بصور الحوادث التي قيلت فيها فلم يعد ذكرها رمزاً للحال المشبه به التي هي من روادفها لا محالة وفي هذا ما يغني عن تطلب الوجه في احتراس العرب من تغيير الأمثال حتى تسلموا من الحيرة في الحكم بين صاحب «الكشاف» وصاحب «المفتاح» إذ جعل صاحب «الكشاف» سبب منع الأمثال من التغيير ما فيها من الغرابة فقال: «ولم يضربوا مثلاً ولا رأوه أهلاً للتسيير، ولا جديراً بالتداول إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه ومن ثم حوفظ عليه وحمي من التغيير» فتردد شراحه في مراده من الغرابة، وقال الطيبي الغرابة غموض الكلام وندرته وذلك إما أن يكون بحسب المعنى وإما أن يكون بحسب اللفظ، أما الأول فكأن يرى عليه أثر التناقض وما هو بتناقض نحو قول الحكم بن عبد يغوث: رب رمية من غير رام، أي رب رمية مصيبة من غير رام أي عارف وقوله تعالى: {أية : ولكم في القصاص حياة}تفسير : [البقرة: 179] إذ جعل القتل حياة. وأما الثاني بأن يكون فيه ألفاظ غريبة لا تستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر: «أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجَّب» أو فيه حذف وإضمار نحو رمية من غير رام. أو فيه مشاكلة نحو: «كما تدين تدان». أراد كما تفعل تجازى. وفسر بعضهم الغرابة بالبلاغة والفصاحة حتى صارت عجيبة وعندي أنه ما أراد بالغرابة إلا أن يكون قولاً بديعاً خاصياً إذ الغريب مقابل المألوف والغرابة عدم الإلف يريد عدم الإلف به في رفعة الشأن. وأما صاحب «المفتاح» فجعل منعها من التغيير لورودها على سبيل الاستعارة فقال: ثم إن التشبيه التمثيلي متى شاع واشتهر استعماله على سبيل الاستعارة صار يطلق عليه المثل لا غير ا هـ. وإلى طريقته مال التفتزاني والسيد. وقد علمت سرها وشرحها فيما بيناه. ولورود الأمثال على سبيل الاستعارة لا تغير عن لفظها الذي ورد في الأصل تذكيراً وتأنيثاً وغيرهما. فمعنى قولهم في تعريف المثل بهذا الإطلاق: «قول شبه مضربه بمورده» أن مضربه هو الحالة المشبهة سميت مضرباً لأنها بمنزلة مكان ضرب ذلك القول أي وضعه أي النطق به يقال ضرب المثل أي شبه ومثل قال تعالى: {أية : أن يضرب مثلاً ما}تفسير : [البقرة: 26] وأما مورده فهو الحالة المشبه بها وهي التي ورد ذلك القول أي صدر عند حدوثها، سميت مورداً لأنها بمنزلة مكان الماء الذي يرده المستقون، ويقال الأمثال السائرة أي الفاشية التي يتناقلها الناس ويتداولونها في مختلف القبائل والبلدان فكأنها تسير من بلد إلى بلد. و{الذي استوقد ناراً}مفرد مراد به مشبه واحد لأن مستوقد النار واحد ولا معنى لاجتماع جماعة على استيقاد نار ولا يريبك كون الحالة المشبه حالة جماعة المنافقين، كأن تشبيه الهيئة بالهيئة إنما يتعلق بتصوير الهيئة المشبهة بها لا بكونها على وزن الهيئة المشبهة فإن المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره مع تعقبه بالضلالة ودوامه، بحال من استوقد ناراً. واستوقد بمعنى أوقد فالسين والتاء فيه للتأكيد كما هما في قوله تعالى: {أية : فاستجاب لهم ربهم}تفسير : [آل عمران: 195] وقولهم استبان الأمر وهذا كقول بعض بني بولان من طي في «الحماسة»:شعر : نَسْتَوْقِد النبل بالحَضيض ونَصْـ ـطَادُ نُفوسا بُنَتْ علَى الكرم تفسير : أراد وقوداً يقع عند الرمي بشدة. وكذلك في الآية لإيراد تمثيل حال المنافقين في إظهار الإيمان بحال طالب الوقود بل هو حال الموقد وقوله: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}. مفرع على {استوقد}. و{لما} حرف يدل على وقوع شيء عند وقوع غيره فوقوع جوابها مقارن لوقوع شرطها وذلك معنى قولهم حرف وجود لوجود أي حرف يدل على وجود الجواب لوجود شرطها أي أن يكون جوابها كالمعلول لوجود شرطها سواء كان من ترتب المعلول على العلة أو كان ترتب المسبب العرفي على السبب أم كان ترتب المقارن على مقارنه المهيأ والمقارن الحاصل على سبيل المصادفة وكلها استعمالات واردة في كلام العرب وفي القرآن. مثال ترتب المعلول على العلة لما تعفنت أخلاطه حُمَّ، والمسبب على السبب، {أية : ولما جاءت رسلنا لوطاً سِيءَ بهم وضاق بهم ذرعاً}تفسير : [هود: 77]، وقولُ عمرو بن معد يكرب:شعر : لما رأيتُ نساءنا يفحصن بالمعزاء شدا نازَلْتُ كبشهم ولم أر من نزال الكبش بدا تفسير : ومثال المقارن المهيأ قول امرىء القيس:شعر : فلما أَجزْنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خَبت ذي حقاف عقنقل هَصَرْتُ بفوْدَيْ رأسها فتمايلت عليّ هضيم الكشح ريَّا المخلخَل تفسير : ومثال المقارن الحاصل اتفاقاً {أية : ولما جاءت رسلُنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا...}تفسير : [العنكبوت: 31] وقوله: {أية : ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه}تفسير : [يوسف: 69] فمن ظن أن لما تؤذن بالسببية اغتراراً بقولهم وجود لوجود حملاً لِلاَّم في عبارتهم على التعليل فقد ارتكب شططاً ولم يجد من كلام الأئمة فرطاً. و(أضاء) يجىء متعدياً وهو الأصل لأن مجرده ضَاء فتكون حينئذٍ همزته للتعدية كقول أبي الطمحان القيني:شعر : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دُجى الليل حتى ثقب الجزع ثاقبه تفسير : ويجىء قاصراً بمعنى ضاء فهمزته للصيرورة أي صار ذا ضوء فيساوي ضاء كقول امرىء القيس يصف البرق:شعر : يُضِىء سنَاه أو مصابيح راهب أمال السليط بالذبال المفتل تفسير : والآية تحتملهما أي فلما أضاءت النار الجهات التي حوله وهو معنى ارتفاع شعاعها وسطوع لهبها، فيكون ما حوله موصولاً مفعولاً لأضاءت وهو المتبادر، وتحتمل أن تكون من أضاء القاصر أي أضاءت النار أي اشتعلت وكثر ضوءها في نفسها، ويكون ما حوله على هذا ظرفاً للنار أي حصل ضوء النار حولها غير بعيد عنها. و{حوله} ظرف للمكان القريب ولا يلزم أن يراد به الإحاطة فحوله هنا بمعنى لديه ومن توهم أن {ما حوله} يقتضي ذلك وقع في مشكلات لم يجد منها مخلصاً إلا بعناء. وجمع الضمير في قوله: {بنورهم} مع كونه بلصق الضمير المفرد في قوله: {ما حوله} مراعاة للحال المشبهة وهي حال المنافقين لا للحال المشبه بها؛ وهي حال المستوقد الواحد على وجه بديع في الرجوع إلى الغرض الأصلي وهو انطماس نور الإيمان منهم، فهو عائد إلى المنافقين لا إلى (الذي)، قريباً من رد العجز على الصدر فأشبه تجريد الاستعارة المفردة وهو من التفنين كقول طرفة:شعر : وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن مظاهرُ سِمطَيْ لؤلؤ وزبرجد تفسير : وهذا رجوع بديع، وقريب منه الرجوع الواقع بطريق الاعتراض في قوله الآتي: {أية : والله محيط بالكافرين}تفسير : [البقرة: 19] وحسنه أن التمثيل جمع بين ذكر المشبه وذكر المشبه به فالمتكلم بالخيار في مراعاة كليهما لأن الوصف لهما فيكون ذلك البعض نوعاً واحداً في المشبه والمشبه به، فما ثبت للمشبه به يلاحظ كالثابت للمشبه. وهذا يقتضي أن تكون جملة {ذهب الله بنورهم} جواب (لمّا) فيكون جمع ضمائر "بنورهم وتركهم" إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر إذ مقتضى الظاهر أن يقول ذهب الله بنوره وتركه، ولذلك اختير هنا لفظ النور عوضاً عن النار المبتدأ به، للتنبيه على الانتقال من التمثيل إلى الحقيقة ليدل على أن الله أذهب نور الإيمان من قلوب المنافقين، فهذا إيجاز بديع كأنه قيل فلما أضاءت ذهب الله بناره فكذلك ذهب الله بنورهم وهو أسلوب لا عهد للعرب بمثله فهو من أساليب الإعجاز. وقريب منه قوله تعالى: {أية : بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون}تفسير : [الزخرف: 22 ـــ 24] فقوله: {أرسلتم}حكاية لخطاب أقوام الرسل في جواب سؤال محمد صلى الله عليه وسلم قومه بقوله: {أوَلو جئتكم.} وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقاً لما في الآية بعدها من قوله تعالى: {يجعلون أصابعهم في آذانهم} إذ يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون المشبه. وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون قوله: {ذهب الله بنورهم} استئنافاً ويكون التمثيل قد انتهى عند قوله تعالى {فلما أضاءت ما حوله} ويكون جواب (لما) محذوفاً دلت عليه الجملة المستأنفة وهو قريب مما ذكرته إلا أن الاعتبار مختلف. ومعنى {ذهب الله بنورهم}: أطفأ نارهم فعبر بالنور لأنه المقصود من الاستيقاد، وأسند إذهابه إلى الله تعالى لأنه حصل بلا سبب من ريح أو مطر أو إطفاء مطفىء، والعرب والناس يسندون الأمر الذي لم يتضح سببه لاسم الله تعالى كما تقدم عند قوله: {أية : ويمدهم في طغيانهم}تفسير : [البقرة: 15] و{ذهب} المعدى بالباء أبلغ من أذهب المعدى بالهمزة وهاته المبالغة في التعدية بالباء نشأت من أصل الوضع لأن أصل ذهب به أن يدل على أنهما ذهبا متلازمين فهو أشد في تحقيق ذهاب المصاحب كقوله: {أية : فلما ذهبوا به}تفسير : [يوسف: 15] وأذهبه جعله ذاهباً بأمره أو إرساله فلما كان الذي يريد إذهاب شخص إذهاباً لا شك فيه يتولى حراسة ذلك بنفسه حتى يوقن بحصول امتثال أمره صار ذهب به مفيداً معنى أذهبه، ثم تنوسي ذلك بكثرة الاستعمال فقالوا ذهب به ونحوه ولو لم يصاحبه في ذهابه كقوله: {أية : يأتي بالشمس من المشرق}تفسير : [البقرة: 258] وقوله: {أية : وجاء بكم من البدو}تفسير : [يوسف: 100] ثم جعلت الهمزة لمجرد التعدية في الاستعمال فيقولون: ذهب القمار بمال فلان ولا يريدون أنه ذهب معه، ولكنهم تحفظوا ألا يستعملوا ذلك إلا في مقام تأكيد الإذهاب فبقيت المبالغة فيه. وضمير المفرد في قوله {وما حوله} مراعاة للحال المشبهة. واختيار لفظ النور في قوله: {ذهب الله بنورهم}دون الضوء ودون النار لأن لفظ النور أنسب؛ لأن الذي يشبه النار من الحالة المشبهة هو مظاهر الإسلام التي يظهرونها وقد شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن فصار اختيار لفظ النور هنا بمنزلة تجريد الاستعارة لأنه أنسب بالحال المشبهة، وعبّر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في اصطلاح المتكلم كما قدمنا الإشارة إليه في وجه جمع الضمير في قوله: {بنورهم.} {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}. هذه الجملة تتضمن تقريراً لمضمون {ذهب الله بنورهم} لأن من ذهب نوره بقي في ظلمة لا يبصر، والقصد منه زيادة إيضاح الحالة التي صاروا إليها فإن للدلالة الصريحة من الارتسام في ذهن السامع ما ليس للدلالة الضمنية فإن قوله {ذهب الله بنورهم} يفيد أنهم لما استوقدوا ناراً فانطفأت انعدمت الفائدة وخابت المساعي ولكن قد يذهل السامع عما صاروا إليه عند هاته الحالة فيكون قوله بعد ذلك: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} تذكيراً بذلك وتنبيهاً إليه، فإنهم لا يقصدون من البيان إلا شدة تصوير المعاني ولذلك يطنبون ويشبهون ويمثلون ويصفون المعرفة ويأتون بالحال ويعددون الأخبار والصفات فهذا إطناب بديع كما في قول طرفة:شعر : ندامَايَ بيضٌ كالنجوم وقَينة تَرُوح إلينا بَيْن بُرد ومِجْسَد تفسير : فإن قوله تروح إلينا الخ لا يفيد أكثر من تصوير حالة القينة وتحسين منادمتها، وتفيد هذه الجملة أيضاً أنهم لم يعودوا إلى الاستنارة من بعد، على ما في قوله {وتركهم} من إفادة تحقيرهم، وما في جمع {ظلمات} من إفادة شدة الظلمة وهي فائدة زائدة على ما استفيد ضمناً من جملة {ذهب الله بنورهم} وما يقتضيه جمع {ظلمات} من تقدير تشبيهات ثلاثة لضلالات ثلاث من ضلالاتهم كما سيأتي. وبهذا الاعتبار الزائد على تقرير مضمون الجملة قبلها عطفت على الجملة ولم تفصل. وحقيقة الترك مفارقة أحد شيئاً كان مقارناً له في موضع وإبقاؤه في ذلك الموضع. وكثيراً ما يذكرون الحال التي ترك الفاعل المفعول عليها، وفي هذا الاستعمال يكثر أن يكون مجازاً عن معنى صَيَّر أو جَعَل. قال النابغة:شعر : فلا تتركّني بالوعيد كأنني إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجرب تفسير : أي لا تصيرني بهذه المشابهة، وقول عنترة:شعر : جادت عليه كل عينٍ ثرةٍ فترَكن كل قرارة كالدرهم تفسير : يريد صيرن، والأكثر أن يكنى به في هذا الاستعمال عن الزهادة في مفعوله كما في بيت النابغة، أو عن تحقيره كما في هذه الآية. والفرق بين ما يعتبر فيه معنى صيَّر حتى يكون منصوبه الثاني مفعولاً، وما يعتبر المنصوب الثاني معه حالاً، أنه إن كان القصد إلى الإخبار بالتخلية والتنحي عنه فالمنصوب الثاني حال وإن كان القصد أولاً إلى ذلك المنصوب الثاني وهو محل الفائدة فالمنصوب الثاني مفعول وهو في معنى الخبر فلا يحتمل واحد منهما غير ذلك معنى وإن احتمله لفظاً. وجمع {ظلمات} لقصد بيان شدة الظلمة كقوله تعالى: {أية : قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر}تفسير : [الأنعام: 63] وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة» تفسير : فإن الكثرة لما كانت في العرف سبب القوة أطلقوها على مطلق القوة وإن لم يكن تعدد ولا كثرة مثل لفظ كثير كما يأتي عند قوله تعالى: {أية : وادعوا ثبوراً كثيراً}تفسير : في سورة الفرقان (14)، ومنه ذكر ضمير الجمع للتعظيم، للواحد، وضمير المتكلم ومعه غيره للتعظيم، وصيغة الجمع من ذلك القبيل، قيل لم يرد في القرآن ذكر الظلمة مفرداً، ولعل لفظ ظلمات أشهر إطلاقاً في فصيح الكلام وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى: {أية : وجعل الظلمات والنور} تفسير : في سورة الأنعام (1) بخلاف قوله تعالى: {أية : في ظلمات ثلاث}تفسير : [الزمر: 6] فإن التعدد مقصود بقرينة وصفه بثلاث. ولكن بلاغة القرآن وكلام الرسول عليه السلام لا تسمح باستعمال جمع غير مراد به فائدة زائدة على لفظه المفرد، ويتعين في هذه الآية أن جمع (ظلمات) أشير به إلى أحوال من أحوال المنافقين كل حالة منها تصلح لأن تشبه بالظلمة وتلك هي: حالة الكفر، وحالة الكذب، وحالة الاستهزاء بالمؤمنين، وما يتبع تلك الأحوال من آثار النفاق. وهذا التمثيل تمثيل لحال المنافقين في ترددهم بين مظاهر الإيمان وبواطن الكفر فوجه الشبه هو ظهور أمر نافع ثم انعدامُه قبل الانتفاع به، فإن في إظهارهم الإسلام مع المؤمنين صورة من حسن الإيمان وبشاشته لأن للإسلام نوراً وبركة ثم لا يلبثون أن يرجعوا عند خلوهم بشياطينهم فيزول عنهم ذلك ويرجعوا في ظلمة الكفر أشد مما كانوا عليه لأنهم كانوا في كفر فصاروا في كفر وكَذب وما يتفرع عن النفاق من المذام، فإن الذي يستوقد النار في الظلام يتطلب رؤية الأشياء فإذا انطفأت النار صار أشد حيرة منه في أول الأمر لأن ضوء النار قد عوَّد بصره فيظهر أثر الظلمة في المرة الثانية أقوى ويرسخ الكفر فيهم. وبهذا تظهر نكتة البيان بجملة: {لا يبصرون} لتصوير حال من انطفأَ نورُه بعد أن استضاء به. ومفعول {لا يبصرون} محذوف لقصد عموم نفي المبصرات فنزل الفعل منزلة اللازم ولا يقدَّر له مفعول كأنه قيل لا إحساس بصر لهم، كقول البحتري:شعر : شَجْوُ حساده وغيظُ عداه أن يَرى مبصرٌ ويسمَعَ واعٍ تفسير : وقد أجمل وجه الشبه في تشبيه حال المنافقين اعتماداً على فطنة السامع لأنه يَمْخَضه من مجموع ما تقدم من شرح حالهم ابتداء من قوله: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 8] الخ ومما يتضمنه المثَلان من الإشارة إلى وجوه المشابهة بين أجزاء أحوالهم وأجزاء الحالة المشبه بها، فإن إظهارهم الإيمان بقولهم: {آمنا بالله} وقولهم: {أية : إنما نحن مصلحون}تفسير : [البقرة: 11] وقولهم عند لقاء المؤمنين: {أية : آمنا}تفسير : [البقرة: 14] أحوالٌ ومظاهر حسنة تلوح على المنافقين حينما يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وحينما يتظاهرون بالإسلام والصلاةِ والصدقةِ مع المسلمين ويصدر منهم طيِّب القول وقويم السلوك وتشرق عليهم الأنوار النبوية فيكاد نور الإيمان يخترق إلى نفوسهم ولكن سرعان ما يعقب تلك الحالة الطيبةَ حالةٌ تضادها عند انفضاضهم عن تلك المجالس الزكية وخلوصهم إلى بطانتهم من كبرائهم أو من أتباعهم فتعاودهم الأحوال الذميمة من مزاولة الكفر وخداع المؤمنين والحقد عليهم والاستهزاء بهم ووصفهم بالسفه، مُثِّلَ ذلك التظاهر وذلك الانقلاب بحال الذي استوقد ناراً ثم ذهب عنه نورها. ومن بدائع هذا التمثيل أنه مع ما فيه من تركيب الهيأة المشبه بها ومقابلتها للهيأة المركبة من حالهم هو قابل لتحليله بتشبيهاتٍ مفردة لكل جزء من هيأة أحوالهم بجزء مفرد من الهيأة المشبه بها فشبه استماعهم القرآن باستيقاد النار، ويتضمن تشبيه القرآن في إرشاد الناس إلى الخير والحق بالنار في إضاءة المسالك للسالكين، وشبه رجوعهم إلى كفرهم بذهاب نور النار، وشبه كفرهم بالظلمات، ويشبهون بقوم انقطع إبصارهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 17- حال هؤلاء فى نفاقهم كحال من أوقد ناراً لينتفع بها مع قومه، فلما أنارت ما حوله من الأشياء ذهب الله بنورهم وترك موقديها فى ظلمات كثيفة لا يبصرون معها شيئاً، لأن الله قدَّم إليهم أسباب الهداية فلم يتمسكوا بها فصارت بصائرهم مطموسة، فاستحقوا أن يبقوا فى الحيرة والضلال. 18- هؤلاء كالصُّمِّ، لأنهم قد فقدوا منفعة السمع، إذ لا يسمعون الحق سماع قبول واستجابة، وهم كالبُكْم الخُرس؛ لأنهم لا ينطقون بالهدى أو الحق، وهم كالذين فقدوا أبصارهم لأنهم لا ينتفعون بها فى اعتبار أو انزجار، فهم لا يرجعون عن ضلالتهم. 19- أو حالهم فى حيرتهم وشدة الأمر عليهم وعدم إدراكهم لما ينفعهم ويضرهم، كحال قوم نزل عليهم مطر من السماء ورعد وصواعق، يضعون أطراف أصابعهم فى آذانهم كى لا يسمعوا أصوات الصواعق خائفين من الموت، زاعمين أن وضع الأصابع يمنعهم منه. وهؤلاء إذا نزل القرآن - وفيه بيان لظلمات الكفر والوعيد عليه، وبيان الإيمان ونوره المتألق، وبيان النذر وألوان العذاب - أعرضوا عنه وحاولوا الخلاص منه زاعمين أن إعراضهم عنه سيعفيهم من العقاب ولكن الله عليم بالكافرين مسيطر عليهم من كل جهة بعلمه وقدرته. 20- إن هذا البرق الشديد يكاد يخطف منهم أبصارهم لشدته، وهو يضئ لهم الطريق حيناً فيسيرون خطوات مستعينين بضوئه، فإذا انقطع البرق واشتد الظلام يقفون متحيرين ضالين، وهؤلاء المنافقون تلوح لهم الدلائل والآيات فتبهرهم أضواؤها فيهمون أن يهتدوا، ولكنهم بعد قليل يعودون إلى الكفر والنفاق. إن الله واسع القدرة إذا أراد شيئاً فعله، لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مثلهم: صفتهم وحالهم. استوقد: أوقد ناراً. صمٌ، بكم عميٌ: لا يسمعون ولا ينطقون ولا يبصرون. الصيّب: المطر. الظلمات: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر. الرعد: الصوت القاصف يُسمع حال تراكم السحاب ونزول المطر. البرق: ما يلمع من نور حال تراكم السحاب ونزول المطر. الصواعق: جمع صاعقة: نار هائلة تنزل أثناء قصف الرعد ولمعان البرق يصيب الله تعالى بها من يشاء. حَذَرَ الموت: توقيا للموت. محيط: المحيط المكتنف للشيء من جميع جهاته. يكاد: يقرب. يخطف: يأخذه بسرعة. أبصارهم: جمع بصر وهو العين المبصرة. معنى الآيات: مثل هؤلاء المنافقين فيما يظهرون من الإيمان مع ما هم مبطنون من الكفر كمثل من أوقد ناراً للاستضاءة بها فلما أضاءت لهم ما حولهم وانتفعوا بها أدنى انتفاع ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. لأنهم بإيمانهم الظاهر صانوا دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم من القتل والسبي وبما يضمرون من الكفر إذا ماتوا عليه يدخلون النار فيخسرون كل شيء حتى أنفسهم هذا المثل تضمنته الآية الأولى [17] وأما الآية الثانية [18] فهي إخبار عن أولئك المنافقين بأنهم قد فقدوا كل استعداد للاهتداء فلا آذانهم تسمع صوت الحق ولا ألسنتهم تنطق به ولا أعينهم تبصر آثاره وذلك لتوغلهم في الفساد فلذا هم لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان بحال من الأحوال. واما الآية الثالثة والرابعة [19] [20] فهما تتضمنان مثلا آخر لهؤلاء المنافقين. وصورة المثل العجيبة والمنطقبة على حالهم هي مَطر غزير في ظلمات مصحوب برعد قاصف وبرق خاطف وهم في وسطه مذعورون خائفون يسدون آذانهم بأنامل أصابعهم حتى لا يسمعوا صوت الصواعق حذراً أن تنخلع قلوبهم فيموتوا، ولم يجدوا مفراً ولا مهرباً لأن الله تعالى محيط بهم هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن البرق لشدته وسرعته يكاد يخطف أبصارهم فيعمون، فإذا أضاء لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه وإذا انقطع ضوء البرق وقفوا حيارى خائفين، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم لأنه تعالى على كل شيء قدير هذه حال أولئك المنافقين والقرآن ينزل بذكر الكفر وهو ظلمات وبذكر الوعيد وهو كالصواعق والرعد وبالحجج والبينات وهي كالبرق في قوة الإضاءة، وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم وإزاحة الستار عنهم فيؤخذوا، فإذا نزل بآية لا تشير إليهم ولا تتعرض بهم مشوا في إيمانهم الظاهر. وإذا نزل بآيات فيها التنديد بباطلهم وما هم عليه وقفوا حائرين لا يتقدمون ولا يتأخرون ولو شاء الله أخذ أسماعهم وأبصارهم لفعل لأنهم لذلك أهل وهو على كل شيء قدير: هداية الآيات: من هداية هذه الآيات ما يلي: 1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. 2- خيبة سعي أهل الباطل وسوء عاقبة أمرهم. 3- القرآن تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بماء المطر. 4- شر الكفار المنافقون.

القطان

تفسير : المفردات: المِثل والمثَل كالشِبه والشَبه والشبيه، يُستعمل في تمثيل حالة الشيء وبيانه. وللمَثَل وقع كبير مؤثر في الكلام. وقد اكثر القرآن من ضرب الأمثال {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت:43]. شبّه الله حال المنافقين بقومٍ أوقدوا ناراً لتضيء لهم وينتفعوا بها، فلما أنارت ما حولهم من الأشياء ذهب اللهُ بنورهم، وترك موقديها في ظلماتٍ كثيفة لا يبصرون معها شيئاً. وذلك لأن الله تعالى قدّم لهم أسباب الهداية فأبصروا وعرفوا الحق بالإيمان، ثم عادوا الى النفّاق والكفر. انهم لم يتمسكوا بهداية الله، فصارت بصائرهم مطموسة بسبب نفاقهم وتذبذبهم، فاستحقوا ان يبقوا في الحيرة والضلال. وهؤلاء كالصُمّ، لأنهم فقدوا منفعة السمع، إذ لا يسمعون الحق سماع قبولٍ واستجابة. وهم كالبُكم أي الخرس، لأنهم لا ينطقون بالهدى والحق. كذلك هم كالذين فقدوا ابصارهم لأنهم لا ينتفعون بها ولا يعتبرون. لقد سُدت عليهم منافذ الهدى وظلوا حائرين في ظلمة الكفر والنفاق فهم لا يرجعون عن ضلالهم. وتبين حقيقتُهم في سورة المنافقين {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. والله سبحانه وتعالَى لمّا وصفهم في الآية السابقة بأنهم اشتروا الضلالة لأنفسهم بالهدى الذي تخلّوا عنه مثّل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة لما حولها، ومثل الضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وبقائهم في ظلمات لا يبصرون. وهناك صورة اخرى للمنافقين، وهي صورة مفزعة تبيّن حالهم في حيرتهم بعد كذبهم على الله والناس وعلى أنفسهم ـ مثلَ قوم نزل عليهم "صيّب من السَماءِ:، أي سحاب فيه مطر شديد ورعد وصواعق، في ليلة مظلمة. لقد ارعدت السماء وأبرقت، ولم يجد القوم ملاذاً يلتجئون اليه الا خداع أنفسهم. لقد أخذوا يجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويرتجفون خائفين من الموت لا يدرون الى اين يهربون. ذاك فَرَقهم من الرعد، أما البرق الشديد الوهج فهو يكاد يخطف أبصارهم من شدته، وكّلما أضاء لهم مشوا في ضوئه خطوات، ثم يزول. واذا ذاك يشتد الظلام فيقفون متحيرين ضالين. هذه صورة ناطقة لحال المنافقين: تلوح لهم الدلائل والآيات فتبهرهم أضواؤها، فيهمّون ان يهتدوا، لكنهم إذا خلَوا الى شياطينهم من اليهود عادوا الى الكفر والنفاق. ولو أراد الله لأذهب أسماعهم وأبصارهم من غير إرعاد ولا برق، فهو واسع القدرة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لكنه جاء بالصورة المذكورة تقريباً لغير المحسوس بالمحسوس، ومن باب ضربِ المثل. انه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة.. والحقّ ان الحركة التي تغمر المشهد كلَّه لَتصوّر موقف الاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها اولئك المنافقون. فيا له من مشهدٍ حيّ يرمز لحالة نفسية، ويجسّم صورة شعورية. وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال لنفوس كأنها مشهد محسوس.

د. أسعد حومد

تفسير : {ظُلُمَاتٍ} (17) - يُصوِّرُ اللهُ تَعَالى حَالَ المُنَافِقِينَ الذِينَ أَسْلَمُوا وَدَخَلَ نُورُ الإِيمَانِ إِلى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ دَاخَلَهُمُ الشَّكُّ فِيهِ فَكَفَرُوا، فَيَقُولُ: إِنَّ حَالَهُمْ يُشْبِهُ حَالَ جَمَاعَةٍ أَوْقَدوا نَاراًً لِيَنْتَفِعُوا بِها فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُمْ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالأَمَاكِنِ، عَرَضَ لَهَا عَارِضٌ أَطْفَأَهَا فَأَصْبَحُوا فِي ظَلامٍ دَامِسٍ لا يَتَسَنَّى لَهُمْ مَعَهُ الإِبْصَارُ والاهْتِدَاءُ، ذلِكَ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا فَضَائِلَ الإِيمَانِ وَمَحَاسِنَهُ، فَأَصْبَحُوا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ لاَ يُبْصِرُونَ مَسْلَكاً مِنْ مَسَالِكِ الهِدَايَةِ وَالنَّجَاةِ. المَثَلُ - الشَّبَهُ. اسْتَوْقَدَ نَاراً - طَلَبَ إِيقَادَها.

الثعلبي

تفسير : {مَثَلُهُمْ} شبههم. {كَمَثَلِ ٱلَّذِي} بمعنى الذين، دليله سياق الآية نظير قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} تفسير : [الزمر: 33] ثم قال {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]. وقال الشاعر: شعر : وانّ الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أُمّ خالد تفسير : {ٱسْتَوْقَدَ}: أوقد ناراً كما يُقال: أجاب واستجاب. قال الشاعر: شعر : وداع دعانا من يجيب الى الندّى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ} النار {مَا حَوْلَهُ} يقال: ضاء القمر يضوء ضوءاً، وأضاء يضيء إضاءةً وأضاء غيره: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ} النار يكون لازماً ومتعدّياً. وقرأ محمد بن السميقع (ضاءت) بغير ألف. و(حوله) نصب على الظرف. {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي أذهب الله نورهم، وإنما قال: (بنورهم) والمذكور في أوّل الآية النار؛ لأنّ النار شيئان النّور والحرارة فذهب نورهم وبقيت الحرارة عليهم. {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}: قال ابن عباس وقتادة والضحّاك ومقاتل والسدي: نزلت هذه الآية في المنافقين. يقول: مثلهم في كفرهم ونفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فأستضاء بها فاستدفأ ورأى ما حوله فأتّقى ما يحذر ويخاف فأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلماً خائفاً متحيّراً، كذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها واعتزّوا بعزّها وناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمّنوا على أموالهم وأولادهم، فاذا ماتوا عادوا الى الخوف والظلمة وهووا في العذاب والنقمة. وقال مجاهد: إضاءة النار: إقبالهم الى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم الى المشركين والضّلالة. سعيد بن جبير ومحمد بن كعب وعطاء، ويمان بن رئاب: نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم وإيمانهم به واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلمّا خرج كفروا به، وذلك بأنّ قريظة والنضير وبنو قينقاع قدموا من الشام الى يثرب حتى إنقطعت النبوة من بني اسرائيل وافضت الى العرب، فدخلوا المدينة يشهدون لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة وأنّ أمّته خير الأمم وكان يغشاهم رجل من بني إسرائيل يقال له: عبد الله بن هيبان قبل أن يوحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّ سنة فيعظهم على طاعة الله تعالى وإقامة التوراة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول إذا خرج: فلا تفرّقوا عنه وانصروه وقد كنت أطمع أن أدركه، ثمّ مات قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا منه، ثم لمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به فضرب الله لهم هذا المثل. وقال الضحاك: لمّا أضاءت النار أرسل الله عليه ريحاً قاصفاً فأطفأها، فكذلك اليهود كلمّا أوقدوا ناراً لحرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأها الله. ثم وصفهم جميعاً فقال: {صُمٌّ}: أي هم صمٌّ عن الهدى فلا يسمعون. {بُكْمٌ}: عنه فلا يقولون. {عُمْيٌ}: عنه فلا يرونه. وقيل: {صُمٌّ} يتصاممون عن سماع الحقّ، {بُكْمٌ} يتباكمون عن قول الحقّ، {عُمْيٌ} يتعامون عن النظر الى الحق بغير إعتبار. وقرأ عبد الله: (صمّاً بكماً عمياً) على معنى وتركهم كذلك، وقيل: على الذّم، وقيل: على الحال. {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان. ثم قال: {أَوْ كَصَيِّبٍ} هذا مثل آخر ضربه الله لهم أيضاً معطوف على المثل الأوّل مجازه: مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ومثلهم أيضاً كصيّب. قال أهل المعاني: (أو) بمعنى الواو، يريد وكصيّب، كقوله تعالى: {أية : أَمْ تُرِيدُونَ}تفسير : [البقرة: 108] وأنشد الفرّاء: شعر : وقد زعمت سلمى بأنّي فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها تفسير : وأنشد أبو عبيدة: شعر : يصيب قد راح يروي الغُدُرا [فاستوعب] الأرض لمّا أن سرا تفسير : وأصله من صاب يصوب صوباً إذا نزل. قال الشاعر: شعر : فلست لأنسي ولكن لملاك تنزّل من جوّ السماء يصوب تفسير : وقال أمرؤ القيس: شعر : كأن المدام وصوب الغمام وريح الخزامي ونشر القطر تفسير : فسمّي المطر صيّباً لأنّه ينزل من السماء. واختلف النّحاة في وزنه من الفعل، فقال البصريون: هو على وزن فيعل بكسر العين، ولا يوجد هذا المثال إلاّ في المعتل نحو سيّد وميّت وليّن وهيّن وضيّق وطيّب، وأصله صهيوب، فجعلت الواو ياء فأُدغمت إحدى اليائين في الأُخرى. وقال الكوفيون: هو وأمثاله على وزن فعيل بكسر العين وأصله: صَييِبْ فاستثقلت الكسرة على الياء فسُكّنت وأدغمت إحداهما في الأخرى وحرّكت الى الكسر. والسماء: كلّ ما علاك فأظلك وأصله: سماو؛ لأنه من سما يسمو، فقلبت الواو همزة لأنّ الألف لا تخلو من مدّة وتلك المدّة كالحركة، وهو من أسماء الأجناس، يكون واحداً أو جمعاً، قال الله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 29] ثم قال: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29]. وقيل: هو جمع واحدتها سماوة، والسموات جمع الجمع. قال الرّاجز: شعر : سماوة الهلال حتى احقوقفا طي الليالي زلفا فزلفا تفسير : {فِيهِ} أي في الصيّب، وقيل: في الليل كناية عن [ضمير] مذكور، وقيل: في السماء؛ لأنّ المراد بالسماء السّحاب، وقيل: هو عائد الى السماء على لغة من يذكرها. قال الشاعر: شعر : فلو رفع السماء إليه قوماً لحقنا بالسماء مع السّحاب تفسير : والسماء يذكّر ويؤنّث. قال الله تعالى: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18]. وقال: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الإنفطار: 1]. {ظُلُمَاتٌ}: جمع ظلمة، وضُمّت اللام على الإتباع بضمّ الظاء. وقرأ الأعمش: (ظُلْمات) بسكون اللام على أصل الكلام لأنّها ساكنة في التوحيد. كقول الشاعر وهو ذو الرّمّة: شعر : أبتْ ذكر مَنْ عوّدن أحشاء قلبه خفوقاً ورفصات الهوى في المفاصل تفسير : ونزّل الفاء ساكنة على حالها في التوحيد. وقرأ أشهب العقيلي: (ظلمات) بفتح اللام، وذلك إنّه لمّا أراد تحريك اللام حرّكها الى أخفّ الحركات. كقول الشاعر: شعر : فلمّا رأونا بادياً ركباتنا على موطن لا نخلط الجدّ بالهزل تفسير : {وَرَعْدٌ}: وهو الصوت الذي يخرج من السحاب. {وَبَرْقٌ}: وهو النار الذي تخرج منه. قال مجاهد: الرعد ملك يسبّح بحمده، يقال لذلك الملك: رعد، والصّريم أيضاً رعد. والبرق: ملك يسوق السحاب. وقال عكرمة: الرعد ملك موكّل بالسحاب يسوقها كما يسوق الراعي الإبل. شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب كما يحثّ الراعي الإبل فاذا انتبذت السحاب ضمّها فاذا اشتدَّ غضبه طار من فيه النار فهي الصواعق. ربيعة بن الأبيض عن علي عليه السلام قال: البرق مخاريق الملائكة. وقال أبو الدرداء: الرعد للتسبيح، والبرق للخوف والطمع، والبرد عقوبة، والصواعق للخطيئة، والجراد رزق لقوم وزجر لآخرين، والبحر بمكيال، والجبال بميزان. وأصل البرق من البريق والضوء، والصواعق: المهالك، وهو جمع صاعقة، والصاعقة والصاقعة والصّعقة: المهلكة، ومنه قيل: صعق الإنسان، إذا غشيَ عليه، وصعق، إذا مات. {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي مخافة الموت، وهو نصب على المصدر، وقيل لنزع حرف الصفة. وقرأ قتادة: حذار الموت. {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} أي عالم بهم، يدل عليه قوله: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} تفسير : [الطلاق: 12]. وقيل: معناه: والله مهلكهم وجامعهم، دليله قوله: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : [يوسف: 66]: أي تهلكوا جميعاً. وأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) في حال الخفض والنّصب ولكسرة الفاء والراء. {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ} أي يقرب. يقال: كاد، أي قرب ولم يفعل، والعرب تقول: كاد يفعل ـ بحذف ـ أن فاذا سببّوه بقي قالوا: كاد أن يفعل، والأوّل أوضح وأظهر. قال الشاعر: شعر : قد كاد من طول البلى أن تمسحا تفسير : {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}: أي يخطفها ويشغلها، ومنه الخطّاف. وقرأ أُبيّ: يتخطف. وقرأ ابن أبي إسحاق: نصب الخاء والتشديد (يخطّف) فأدغم. وقرأ الحسن: كسر الخاء والطّاء مع التشديد أتبع الكسرة الكسرة. وقرأ العامة: التخفيف لقوله: {أية : فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} تفسير : [الحج: 31] وقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} تفسير : [الصافات: 10]. {كُلَّمَا}: حرف علة ضمّ إليه (ما) الجزاء فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة بالظرف، ومعناهما: متى ما. {أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ}: وفي حرف عبد الله [.....]. {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}: أي أقاموا ووقفوا متحيّرين. القول في معنى الآيتين ونظمهما وحكمهما قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ} أي كأصحاب صيّب، كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] شبههم الله في كفرهم ونفاقهم وحيرتهم وترددّهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة فأصابهم مطرفيه ظلمات من صفتها إنّ الساري لا يمكنه المشي من ظلمته، فذلك قوله: {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}. ورعد من صفته أن يضع السامع يده الى أذنه من الهول والفرق مخافة الموت والصعق، ذلك قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ}. وبرق من صفته أنْ يقرب من أن يخطف أبصارهم ويذهب بضوئها ونعيمها من كثرته وشدّة توقدّه، وذلك قوله {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}. وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن واجماع الناس والكافرين معه: فالمطر: هو القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان. {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} وهو ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك والشك وبيان الفتن والمحن. {وَرَعْدٌ}: وهو ما خوّفوا به من الوعيد وذكر النار والزّواجر والنواهي. {وَبَرْقٌ}: وهو ما في القرآن من الشفاء والبيان والهدى والنّور والرعد وذكر الجنة. فكما أنّ أصحاب الرعد والبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت كذلك المنافقون واليهود والكافرون يسدّون آذانهم عند قراءة القرآن ولا يصغون إليه مخافة ميل القلب الى القرآن فيؤدّي ذلك الى الإيمان؛ لأنّ الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عندهم كفر والكفر موت. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلاّ ظنّ أنه قد أُتي ولا يسمع صياحاً إلاّ ظنّ إنه ميّت أجبن قوم وأخذ له للحق كما قال في آية أخرى: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ} تفسير : [المنافقون: 4]. وقوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} يعني المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان أمِنوا وصارت لهم نوراً فاذا ماتوا عادوا الى الخشية والظلمة. قتادة: والمنافق إذا كثر ماله وحَسُن حاله وأصاب في الإسلام رخاءً وعافية ثبت عليه فقال: أنا معكم، وإذ ذهب ماله وأصابته شدّة، قام متحيراً وخفق عندها فلم يصبر على بلائها ولم يحتسب أجرها. وتفسيره في سورة الحجّ {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} تفسير : [الحج: 11] الآية. الوالبي عن ابن عباس: هم اليهود لما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله النبي الذي بشرّنا به موسى لا تردّ له راية، فلمّا نكب بأُحد ارتدّوا وسكتوا. {وَلَوْ}: حرف تمنّي وشك وفيه معنى الجزاء وجوابه اللام. ومعنى الآية: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}: أي أسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنية حتى صاروا صمّاً بكماً عمياً. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قادر، وكان حمزة يكسر شاء، وجاء وأمثالها لانكسار فاء الفعل، إذا أخبرت عن نفسك قلت: شئت وجئت وزدّت وطبت وغيرها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقرب صفات التمزق في المنافقين إلى فهمنا، ولذلك فهو يضرب لنا الأمثال، والأمثال جمع مثل وهو الشبيه الذي يقرب لنا المعنى ويعطينا الحكمة، والأمثال باب من الأبواب العريقة في الأدب العربي. فالمثل أن تأتي بالشيء الذي حدث وقيل فيه قولة موجزة ومعبرة، رأى الناس أن يأخذوا هذه المقولة لكل حالة مشابهة. ولنضرب مثلاً لذلك، ملك - من الملوك - أراد أن يخطب فتاة من فتيات العرب، فأرسل خاطبة اسمها "عصام" لِترى هذه العروس وتسأل عنها وتخبره، فلما عادت قال لها: ما وراءك يا عصام؟ أي بماذا جئت من أخبار، قالت له: أبدي المخض عن الزبد. المخض هو أن تأتي باللبن الحليب وتخضُّه في القربة حتى ينفصل الزبد عن اللبن، فصار الاثنان ـ السؤال والجواب ـ يُضربان مثلا. تأتي لمَنْ يجيئك تنتظر منه أخباراً فتقول له: ما وراءك يا عصام. ولا يكون اسمه "عصام" .. ولم ترسله لاستطلاع أخبار، بينما تريد أن تسمع ما عنده من أخبار. وحينما تريد مثلاً .. أن تصور تنافر القلوب .. وكيف أنها إذا تنافرت لا تلتئم أبداً .. ويريد الشاعر أن يقرب هذا المعنى فيقول: شعر : إنّ القلوبَ إذا تَنَافَرَ وُدُّها مثل الزجاجةِ كَسْرها لا يشعبُ تفسير : (أي: لا يُجْبَر) وساعة تنكسر الزجاجة لا تستطيع إصلاحها، ولكي يسهل هذا المعنى عليك وتفهمه في يسر وسهولة .. فإنك لا تستطيع أن تصور أو تشاهد معركة بين قلبين .. لأن هذه مسألة غيبية، فتأتي بشيء مُشاهَد وتضرب به المثل، وبذلك يكون المعنى قد قرب، لأنك شبهته بشيء محسوس، تستطيع أن تفهمه وتشاهده. ولقد استخدم الله سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن الكريم في أكثر من موضع .. ليُقَرِّبَ من أذهاننا معنى الغيبيات التي لا نعرفها ولا نشاهدها .. ولذلك ضرب لنا الأمثال في قمة الإيمان .. وحدانية الله سبحانه وتعالى، وضرب لنا المثل بنوره جل جلاله، الذي لا نشهده وهو غيب عنا، وضرب لنا الأمثال بالنسبة للكفار والمنافقين .. لنعرف فساد عقيدتهم ونتنبه لها، وضرب لنا الأمثال فيما يمكن أن يفعله الكفر بالنعمة .. والطغيان في الحق، وغير ذلك من الأمثال .. قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 89]. وقد ضرب الله جل جلاله لنا الأمثال في الدنيا وفي الآخرة، وفي دقة الخلق، وقمة الإيمان، ومع ذلك فإن الناس منصرفون عن حكمة هذه الأمثال .. كافرون بها، مع أن الحق تبارك وتعالى ضربها لنا لتقرِّبَ لنا المعنى .. تشبيهاً بماديات نراها في حياتنا الدنيا .. وكان المفروض أن تزيد هذه الأمثال الناس إيماناً؛ لأنها تقرب لهم معاني غائبة عنهم، ولكنهم بدلاً من ذلك ازدادوا كفراً!! ولا بد قبل أن نتعرض للآية الكريمة: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .. أن نتحدث عن بعض الأمثال التي ضُربت في القرآن الكريم، لنرى كيف أن الله سبحانه وتعالى حدثنا عن قضايا غيبية بمحسات دنيوية: ضرب الله - تبارك وتعالى - لنا مثلاً بالقمة الإيمانية .. وهي أنه: لا إله إلا الله، وكيف أن هذه رحمة من الله سبحانه وتعالى يجب أن نسجد له شكراً عليها .. لأن فيها وقاية لنا من شقاء، ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يريد بعباده الرحمة، ولكن بعض الناس يريد أن يُشقي نفسه فيشرك بالله جل جلاله، وبدلاً من أن يأخذ طريق الإيمان الميسَّر .. يأخذ طريق الكفر والنفاق والشرك بالله الذي يملك كل شيء في الدنيا والآخرة .. يقول الحق جل جلاله: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. بهذه الصورة المحسة التي نراها، ولا يختلف فيها اثنان .. يريد الله تبارك وتعالى أن يقرب إلى أذهاننا صورة العابد لله وحده، وصورة المشرك بالله، ويعطينا المثل في عبد مملوك لشركاء .. رجل مملوك لعشرة مثلاً .. وليس هؤلاء الشركاء العشرة متفقين .. بل هم متشاكسون أي: أنهم مختلفون، ورجل آخر مملوك لسيد واحد .. أيهما يكون مستريحاً يعيش في رحمة؟ .. طبعاً المملوك لسيد واحد في نعمة ورحمة .. لأنه يتبع أمراً واحداً ونهياً واحداً، ويطيع رباً واحداً، ويطلب رضا سيد واحد .. أما ذلك الذي يملكه شركاء حتى لو كانوا متفقين، سيكون لكل واحد منهم أمر ونهي .. ولكل واحد منهم طلب .. فما بالك إذا كانوا مختلفين؟ أحد الشركاء يقول له تعال .. والآخر يقول له لا تأت، وأحد الشركاء يأمره بأمر، والآخر يأمره بأمر مناقض، ويحتار أيهما يرضى وأيهما يغضب؟ .. وهكذا تكون حياته شقاء وتناقضاً. إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يُقرِّبَ لنا الصورة في قضية هي قمة اليقين، وهي الإيمان بالواحد الأحد .. يريدنا أن نلمس هذه الصورة، بمثل نراه ونشهده، وأن نرى فيض الله برحمته على عباده، ويمضي الحق سبحانه ليلفتنا إلى أن نفكر قليلاً في مثل يضربه لنا في القرآن الكريم: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [النحل: 76]. فالحق تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة، يطلب منا أن نفكر في مثل مادي محسوس .. أيهما خير؟ .. أذلك الصنم الذي يعبده الكفار وهو لا يأتي لهم بخير أبداً .. لأنه لا يستطيع أن ينفع نفسه فكيف يأتي بالخير لغيره؟! بل هو عبء على مَنْ يتخذونه إلهاً، فإنهم يجب أن يضعوه وأن يحملوه من مكان إلى آخر إذا أرادوا تغيير المعبد أو الرحيل، وإذا سقط فتهشمت أجزاء منه، فإنه يجب أن يصلحوها. إذن: فزيادة على أنه لا يأتي لهم بخير، فإنه عبء عليهم يكلفهم مشقة، ويحتاج منهم إلى عناية ورعاية. أعبادة مثل هذا الصنم خير؟ أم عبادة الله سبحانه الذي منه كل الخير وكل النعم .. والذي يأمر بالعدل .. فلا يُفضِّل أحداً من عباده على أحد، والذي يعطي لعباده الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، والمُوَصِّل إلى الجنة في الآخرة .. إن الله سبحانه وتعالى يُبَيَّنُ بهذا المثل غباء فكر المشركين الذين يعبدون الأصنام ويتركون عبادة الله تبارك وتعالى. وهكذا يعطينا الحق سبحانه هذين المثلان توضيحاً لقضية الوحدانية والألوهية .. ثم يأتي الله سبحانه وتعالى بمثل آخر .. يضرب لنا مثلاً لنوره .. هذا النور الإلهي الذي يضيء الدنيا والآخرة، فيضيء القلوب المؤمنة .. إنه يريد أن يضرب لنا مثلاً لهذا النور بشيء مادي محس .. فيقول جل جلاله: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} تفسير : [النور: 35]. كأن الله سبحانه وتعالى .. يريدنا أن نعرف بتشبيه محس .. أن مثل نوره كمشكاة، والمشكاة هي (الطاقة) .. وهي فجوة في الحائط بالبيت الريفي، ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة .. إذن: المصباح ليس في الحجرة كلها، ولكن نوره مركز في هذه الطاقة فيكون قوياً في هذا الحيز الضيق، ولكن المصباح في زجاجة .. تحفظه من الهواء من كل جانب .. فيكون الضوء أقوى .. صافياً لا دخان فيه .. كما أن الزجاج يعكس الأشعة فيزيد تركيزه، والزجاجة غير عادية ولكنها: "كوكب دري" .. أي: هي مضيئة بذاتها وكأنها كوكب، ووقودها من شجرة مباركة يملؤها النور لا شرقية ولا غربية .. أي يملؤها النور من الوسط ويخرج صافياً، والزيت مضيء بذاته دون أن تَمَسَّهُ النار .. فهي نور على نور .. أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة الصغيرة مظلماً، أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟. وهذا ليس نور الله تبارك وتعالى عن التشبيه والوصف، ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الأذهان، فكأن نور الله يضيء كل ركن وكل بقعة، ولا يترك مكاناً مظلماً .. فهو نور على نور. ولقد أراد أحد الشعراء أن يمدح الخليفة وكانت العادة أن يشبه الخليفة بالأشخاص البارزين ذوي الصفات الحسنة .. فقال: شعر : إقدامُ عمرٍو في سماحة حاتمٍ في حِلْمِ أحنفَ في ذكاءِ إياسِ تفسير : وكل هؤلاء الذين ضرب بهم الشاعر المثل كانوا مشهورين بهذه الصفات، فعمرو كان مشهوراً بالإقدام والشجاعة، وحاتم كان مشهوراً بالسماحة، وأحنف يُضرب به المثل في الحلم، وإياس شعلة في الذكاء .. وهنا قام أحد الحاضرين وقال: الأمير أكبر من كل شيء ممن شبهته بهم .. فقال أبو تمام على الفور: شعر : لا تنكروا ضَرْبي لَه مَنْ دُونَهُ مثلاً شَرُوداً في النَّدَى والباسِ فاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلَّ لنـوره مثلاً من المِشْـكَاةِ والنّبْراسِ تفسير : فأُعْجِب أحمد بن المعتصم والحاضرون من ذكائه وأمر بأن تُضَاعَفَ جائزته. والله سبحانه وتعالى يضرب لنا المثل بما سيشهده المؤمنون في الجنة .. فيقول جل جلاله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} تفسير : [محمد: 15]. هذه ليست الجنة .. ولكن هذا مثل يُقَرِّبُ الله سبحانه وتعالى لنا به الصورة بأشياء موجودة في حياتنا .. لأنه لا يمكن لعقول البشر أن تستوعب أكثر من هذا، والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .. ومن هنا فإنه لا توجد أسماء في الحياة تعبر عما في الجنة .. واقرأ قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 17]. فإذا كانت النفس لا تعلم، فلا توجد ألفاظ تعبر عما يوجد في الجنة، والمثل متى شاع استعماله بين الناس سمي مثلاً .. فأنت إذا رأيت شخصاً مغتراً بقوته، وتريد أن تُفْهِمه أنك أقوى منه تقول له: "إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً"، ولا توجد ريح ولا إعصار فيما يحدث بينكما، وإنما المراد المعنى دون التقيد بمدلول الألفاظ. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عما في داخل قلوب المنافقين، من اضطراب وذبذبة وتردد في استقبال منهج الله، وفي الوقت نفسه ما يجري في القلوب غيب عنا، وأراد الله أن يُقَرِّبَ هذا المعنى إلينا .. فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} [البقرة: 17] .. أي حاول أن يوقد ناراً، والذي يحاول أن يوقد ناراً .. لابد أن له هدفاً، والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي .. وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك .. المهم أن يكون هناك هدف لإيقاد النار.. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .. ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم .. كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد: أتى، فقرروا أن يؤمنوا به، ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان، ولكنه كان عن محاولة للحصول على أمان دنيوي .. لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وإرم .. فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود، فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقاً أن يحصلوا على الأمن. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة .. إنهم أوقدوا هذه النار .. لتعطيهم نوراً يريهم طريق الإيمان .. وعندما جاء هذا النور بدلاً من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه، وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم .. فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان .. فهم الذين طلبوا نور الإيمان أولاً .. فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه .. فكأن الفساد في ذاتهم .. وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد، وساعة فعلوا ذلك ذهب الله بنور الإيمان من قلوبهم. ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ولم يقل ذهب الله بضوئهم مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء .. ما هو الفرق بين الضوء والنور؟ .. إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ..} تفسير : [يونس: 5]. نجد أن الضوء أقوى من النور، والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ذاتي .. فالشمس ذاتية الإضاءة .. ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور، وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نوراً، ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس .. فلو أن الحق تبارك وتعالى قال: ذهب الله بضوئهم .. لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور، ولكنه أبقى لهم النور، ولكن قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ ..} [البقرة: 17] .. معناها أنه لم يُبْقِ لهم ضوءاً ولا نوراً .. فكأن قلوبهم يملؤها الظلام، ولذلك قال الله بعدها؛ {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .. لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني .. كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور الله. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى .. لم يقل وتركهم في ظلام، بل قال: {فِي ظُلُمَاتٍ ..} [البقرة: 17] .. أي أنها ظلمات متراكمة .. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبداً. من أين جاءت هذه الظلمات؟ .. جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة، وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم. مثلاً إذا أخذنا قصة زعيم المنافقين "عبد الله بن أُبَيِّ" نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة وأهلها يستعدون لتتويج "عبد الله بن أُبَيِّ" ملكاً عليها، وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف الناس عن "عبد الله بن أُبَيِّ" إلى استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام .. فوصول الرسول عليه الصلاة والسلام ضَيَّعَ على عبد الله بن أُبَيِّ الْمُلْك، ولقد كان من الممكن أن يؤمن، وأن يلتمس النور من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولو آمن حينئذ ربما أُعطِي في الآخرة مُلْكاً دائماً .. يفوق المِلك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا، ولكن لأن في قلبه الدنيا وليس الدين، ولأنه يريد رفعة في الدنيا، ولا يريد جنة في الآخرة، فقد ملأ الحقد قلبه فكان ظُلْمَة، وملأ الحسد قلبه فكان ظلمة .. وملأت الحسرة قلبه فكانت ظلمة .. وملأت الكراهية والبغضاء قلبه فكانت ظلمة .. إذن هي ظلمات متعددة. وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة .. ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم، وظلمة تمني هزيمة الإيمان، وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر، وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي قلوبهم الكفر .. كل هذه ظلمات، ولكن لا تحاول أن تأخذها بمقاييس عقلك، والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى .. لأنك إذا قرأت قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء: 45]. كيف يكون الحجاب مستوراً؟ .. مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئاً عن شيء .. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم .. أنه برغم أن الحجاب يستر شيئاً عن شيء، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه، وبعض العلماء يقولون: إن مستوراً اسم مفعول، وهو في معنى اسم الفاعل ساتر .. نقول: لا .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} تفسير : [مريم: 61]. مَأْتِيّاً اسم مفعول واسم الفاعل "آتٍ"، ويقول البعض: وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل .. نقول إنك لم تفهم .. هل وعد الله يلح في طلب العبد .. أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه .. والموعود هو المستفيد وليس الوعد .. إذن من دقة القرآن الكريم .. أنه يريد أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد، وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم الفاعل. فحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .. نفى النور عنهم، والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس، ولكنه قانون البصر. وانظر إلى دقة التعبير القرآني .. إذا امتنع النور امتنع البصر .. أي: أن العين لا تُبْصِر بذاتها، ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ثم انعكاسه على العين.. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..} تفسير : [الإسراء: 12]. فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور .. فإذا ضاع النور ضاع الإبصار، ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام، وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن .

الجيلاني

تفسير : بل {مَثَلُهُمْ} أي: شأنهم وحالهم بهذا الاستبدال، والاختيار في يوم الجزاء {كَمَثَلِ} كحال الشخص {ٱلَّذِي} طلب شيئاً في الظلمة وترقبه، ولم يهتد إليه و{ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} ليستضيء بها، وفاز بمبتغاه {فَلَمَّآ} استوقده {أَضَآءَتْ} النار {مَا حَوْلَهُ} أي: حول المستوقد، وترقب وجدان مطلوبه {ذَهَبَ} ضوؤها، وسكن لهبها فضلَّ عن مطلوبه، وخسر خسراناً عظيماً، كما ذهب {ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} أطفأ الله نيران المنافقين وسرجهم التي هي كفرهم ونفاقهم على زعمهم، وأفسد إظاءتهم في يوم الجزاء حين ترقبهم بوجدان مطالبهم ولم يهتدوا بها، بل عذبهم الله بسببها {وَتَرَكَهُمْ} لأجلها {فِي ظُلُمَٰتٍ} ظلمة الضلالة المتقررة الراسخة في نفوسهم بتقليد آبائهم، المنتجة للكفر والنفاق، وظلمة فقدان المطلوب المترتب عليها في زعهمم مع ترقبهم، والظلمة العارضة لهم بعد استضاءتهم، وبسبب هذه الظلمات {لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] ولا يرجى نجاتهم عن عذاب الله بل يبقون فيه أبداً وهم: {صُمٌّ} لعدم إصغائهم لقول الحق عن ألسنة الرسل صلوات الله عليهم {بُكْمٌ} لعدم قولهم بالإيمان المقارن بالتصديق {عُمْيٌ} لعدم التفاتهم إلى الدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة، وبالجملة: {فَهُمْ} في هذه الحالة {لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] ولا يطمعون الرجوع إلى الهداية لتذكيرهم الإفراط والتفريط الذي صدر عنهم في النشأة الأولى المستتبع لهذا العذاب. {أَوْ} مثلهم في هذا الاستبدال والاتجار { كَصَيِّبٍ} نازل {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ} متوالية متتالية، بعضها فوق بعض شدة وضعفاً بحسب تخلخل السحب وتكاثفها {وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} بسبب الأدخنة والأبخرة المحتسبة فيه، متى أبصرها الناس وسمعوا أصوات بروقه ورعوده {يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ} أنامل أصابعهم {فِيۤ آذَانِهِم} خوفاً {مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ} النازلة منها، المهلكة غالباً لمن أُصيب بها، وإنما يفعلون ذلك {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي: حذر أن يموتوا في إصابتها؛ يعني: إنهم لما شبهوا في نفوسهم دين الإسلام بالصيب المذكور في ظهوره من غير ترقب، واشتمال في زعمهم على ظلمات التكاليف المتفاوتة المتنوعة، ورعود الوعيدات الهائلة وبروق الأحكام الخاطفة، وجب عليهم الاحتراز عن غوائله فمالوا عنه وأعرضوا، وجعلوا أصابع عقولهم في آذان قبولهم؛ خوفاً من الصواعق النازلة المصفية المفنية ذواتهم في ذات الله حذر الموت الإداري، وهم بسبب هذا الميل والإعراض يعتقدون أنهم خلصوا عن الفناء في ذاته {وَ} لم يعلموا أنهم مستهلكون فيها إذ {ٱللَّهُ} المتجلي في ذاته لذاته {مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 19] الساترين بذواتهم في زعمهم الفاسد ذات الله، غافلين عن تجلياته، وكيف يغفلون عنها؟.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده معدة، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار [وبئس القرار]. فلهذا قال تعالى [عنهم]: { صُمٌّ } أي: عن سماع الخير، { بُكْمٌ } [أي]: عن النطق به، { عُمْيٌ } عن رؤية الحق، { فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعا منهم. ثم قال تعالى: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل بكثرة، { فِيهِ ظُلُمَاتٌ } ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات المطر، { وَرَعْدٌ } وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، { وَبَرْقٌ } وهو الضوء [اللامع] المشاهد مع السحاب. { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ } البرق في تلك الظلمات { مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي: وقفوا. فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا تمكن له السلامة. وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتم الجزاء. ولما كانوا مبتلين بالصمم، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } أي: الحسية، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية، ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض. وفي هذه الآية وما أشبهها، رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى، لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . __________