٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو بمنزلة الأعمى، أما قوله: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } ففيه وجوه: أحدها: أنهم لا يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذ الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبداً. وثانيها: أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، وعن الضلالة بعد أن اشتروها. وثالثها: أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} «صُمٌّ» أي هم صمّ، فهو خبر ٱبتداء مضمر. وفي قراءة عبد اللَّه ٱبن مسعود وحفصة: صُماًّ بكماً عمياً، فيجوز النصب على الذّم؛ كما قال تعالى: {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ}تفسير : [الأحزاب:61]، وكما قال: {أية : وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}تفسير : [المسد:4]، وكما قال الشاعر:شعر : سَقَوْنِي الخمرَ ثم تَكنَّفُونِي عُدَاةَ الله من كَذِبٍ وزُورِ تفسير : فنصب «عُداةَ الله» على الذم. فالوقف على «يبصرون» على هذا المذهب صواب حسن. ويجوز أن ينصب صُمًّا بـ «ـتَرَكَهُمْ»؛ كأنه قال: وتركهم صماً بكماً عمياً؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «يبصرون». والصمم في كلام العرب: الانسداد؛ يقال: قناة صمّاء إذا لم تكن مجوّفة. وصَمَمت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من ٱنسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبَكِيم؛ أي أخرس بيّن الخرس والبكم؛ قال:شعر : فلْيتَ لِسانِي كان نِصْفَينِ منهما بَكيمٌ ونِصفٌ عند مَجْرَى الكواكبِ تفسير : والعمى: ذهاب البصر؛ وقد عَمِيَ فهو أعْمَى، وقوم عُمْيٌ، وأعماه الله. وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ}تفسير : [القصص:66]. وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة مّا؛ تقول: فلان أصمّ عن الخنا. ولقد أحسن الشاعر حيث قال:شعر : أَصَمُّ عمّا سَاءَهُ سَمِيعُ تفسير : وقال آخر:شعر : وعوراءِ الكلامِ صَمَمتُ عنها ولو أني أشاء بها سمِيعُ تفسير : وقال الدارميّ:شعر : أعْمى إذا ما جارتي خرجت حتى يوارِي جارتِي الجُدْرُ تفسير : وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك:شعر : اُدخُلُ إذا ما دخلتَ أعمَى وٱخرُجْ إذا ما خرجتَ أخرس تفسير : وقال قتادة: «صمٌّ» عن ٱستماع الحق، «بكمٌ» عن التكلم به، «عميٌ» عن الإبصار له. قلت: وهذا المعنى هو المراد في وصف النبيّ صلى الله عليه وسلم وُلاة آخر الزمان في حديث جبريل: «حديث : وإذا رأيت الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ ملوك الأرض فذاك من أشراطها»تفسير : . والله أعلم. قوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم. يقال: رجع بنفسه رجوعاً، ورَجَعَه غيره؛ وهُذيل تقول: أرجعه غيره. وقوله تعالى: {أية : يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} تفسير : [سبأ:31] أي يتلاومون فيما بينهم؛ حسب ما بيّنه التنزيل في سورة «سبأ».
البيضاوي
تفسير : {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } لما سدوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصروا الآيات بأبصارهم، جُعِلُوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتفت قواهم كقوله:شعر : صُمُّ إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بهِ وإنْ ذُكِرْتُ بسوءِ عندَهُمْ أذنوا تفسير : وكقوله:شعر : أَصَمُّ عن الشيء الَّذي لا أُريدُهُ وأسمَعُ خَلْقِ الله حينَ أُريدُ تفسير : وإطلاقها عليهم على طريقة التمثيل، لا الاستعارة إذ من شرطها أن يطوي ذكر المستعار له، بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة كقول زهير:شعر : لَدَى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أَظفَارُه لم تُقَلْمِ تفسير : ومن ثم ترى المفلقين السحرة يضربون عن توهم التشبيه صفحاً كما قال أبو تمام الطائي:شعر : وَيصعَدُ حتى يَظُنَّ الجَهولُ بأنَّ لَهُ حَاجةً في السَّماءتفسير : وههنا وإن طوى ذكره بحذف المبتدأ لكنه في حكم المنطوق به، ونظيره:شعر : أُسَدٌ عليَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامة فَتْخاءُ تنفر منْ صَفِير الصَّافرِ تفسير : هذا إذا جَعَلْتَ الضمير للمنافقين على أن الآية فذلكة التمثيل ونتيجته، وإن جعلته للمستوقدين، فهي على حقيقتها. والمعنى: أنهم لما أوقدوا ناراً فذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلماتٍ هائلة أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم وانتقصت قواهم. وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من مفعول تركهم. والصمم: أصله صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل حجر أصم وقناة صماء، وصمام القارورة، سمي به فقدان حاسة السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مكتنزاً لا تجويف فيه، فيشتمل على هواء يسمع الصوت بتموجه. والبكم الخرس. والعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر وقد يقال لعدم البصيرة. {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه. أو عن الضلالة التي اشتروها، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، وإلى حيث ابتدؤوا منه كيف يرجعون. والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : هم {صُمٌّ } عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول {بِكُمْ } خرس عن الخير فلا يقولونه {عُمْىٌ } عن طريق الهدى فلا يرونه {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } عن الضلالة.
ابن عبد السلام
تفسير : {صُمُّ} أصل الصم: الانسداد، قناة صماء أي غير مجوفة، وصممت القارورة سددتها، فالأصم: المنسد خروق المسامع. {بُكْمٌ} البكم: آفة في اللسان تمنع معها اعتماده على مواضع الحروف، أو الأبكم الذي يولد أخرس، أو المسلوب الفؤاد الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه، أو الذي جمع الخرس، وذهاب الفؤاد، صموا عن سماع الحق، فلم يتكلموا به، ولم يبصروه، فهم لا يرجعون إلى الإسلام.
ابن عرفة
تفسير : قول الله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...} الآية قال ابن عطية: الأصم هو من لا يسمع. والأبكم من لا ينطق ولا يفهم، والأخرس من (يفهم) ولا ينطق. وقيل: الأبكم والأخرس واحد. قال ابن عرفة: تقدم في الأصول أنه إذا (تعارض الترادف) والتباين (فالتباين) أولى وانظر (ما معنى) كونهما سواء هل يرد الأبكم إلى الأخرس أو بالعكس (وعادتهم) يقررونه بأن معنى كونهما سواء أن الأبكم والأخرس هو الذي لا ينطق سواء فهم أو لم يفهم، ولو فسرناه برد الأخرس إلى الأبكم للزم عليه الإهمال والتعطيل، لأنّه يكون الأصم من لا يسمع والأخرس والأبكم من لا ينطق ولا يفهم، (ويبقى) من يفهم ولا ينطق واسطة بينهما مهملا. قيل (له): إنا نجد الأخرس هكذا؟ (فقال): قد يكون في الشيوخ الصم من تعطل فهمه. قال: والترتيب في الآية (قدوره) بوجهين: إما أنه على حساب الوجود الخارجي لأن المكلف يسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: أني رسول من عند الله فينطق ويقول له: ما دليل صدقك (فيريه) انشقاق القمر (أو غَيره) من الآيات. وإما لأن الأمور منها (ما يصدرُ) عن الشخص وهو منفعل، ومنها ما (يصدر) عنه وهو فاعل، فحاسة السمع من (قبيل) قسم المنفعل لا من قسم الفاعل، لأن الإنسان يسمع الشيء من غيره، وليس له فعل، وحاسة النطق من (قسم) الفاعل لأنه لا يتكلم إلا باختياره إن أراد (تكلم) وإلا سكت، وحاسة البصر جامعة (للأمرين) فالنظرة الفجائية من قسم المنفعل لا من قسم الفاعل لا تسبب (للإنسان) فيها، وما عداها من قسم الفاعل. فبدأ أولا (بقسم المنفعل) لأن الكلام في شيء مخلوق حادث والأصل في الحادث الانفعال لا الفعل، وهما خبر مبتدأ محذوف، وحسن حذف المبتدأ لكون الخبر لا يصح إلا له وتعدد الجنس فيه خلاف فمنعه بعضهم، وأجازه آخرون بشرط كون الجميع في معنى خبر واحد، ومنهمْ من كان يجعله خلافا ومنهم من يجمع بين القولين بأنّ الذي منع من التعدد إنما منع حيث يكون الخبران متناقضين كقولك: زيد قائم قاعد، أو متحرك ساكن. والذي أجازه بشرط الجمعية معنى واحد، هكذا مراده، لأن النقيضين لا يجتمعان في معنى واحد بوجه. قال الله تعالى: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قال أبو البقاء: جملة مستأنفة، وقيل: في موضع نصب على الحال فتعقبه أبو حيان بأن ما بعد الفاء لا يكون حالا. قال: لأنّ الفاء للترتيب، والحال مقارنة لا ترتيب فيها. قال ابن عرفة: الحكم بكون الفاء تمنع عمل ما قبلها فيما بعدها صحيح إلا أن هذا التعليل باطل لأنا نقول: تكون الحال مقدرة لا محصلة قال: وقوله: فهم لا يرجعون. قيل: إنه خبر وقيل دعاء. قال ابن عرفة: لا يتمّ كونه دعاء إلا أنّهم صمّ حقيقة، فإن أريد به المجاز فلا يصح الدعاء عليهم به. قيل لابن عرفة: ولا يصح كونه حقيقة لأن مقتضاه لم يقع. فقال: الدّعاء ليس من الله (فيلزم حصول متعلقه) بل هو (أمر) للنّبي صلى الله عليه وسلم والملائكة. فالدّعاء عليهم بهذا اللفظ لا يلزم وقوعه فإنه تحصل للدّاعي مطلوبه، وقد لا يستجاب له، ويثاب على الدّعاء. قال ابن عطية: وقال غيره، معناه: لا يرجعون، ما داموا على الحال التي (وصفهم بها). قال ابن عرفة: هذا تحصيل الحاصل. قيل له: قد قال أهل المنطق: كل كاتب محرك يده ما دام كاتبا، ولم يجعلوه تحصيل الحاصل. فقال: (هؤلاء) ينظرون إلى المعنى، والنحوي كلامه في صحة تركيب (الألفاظ) (والاصطلاحان) متباينان.
ابن عادل
تفسير : الجمهور على رفعها على أنّها خبر مبتدأ محذوف، هم صم بكم، ويجيء فيه الخلاف المَشْهُور في تعدُّد الخبر، فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير تأويل، ومن منع ذلك قال: هذه الأخبار: وإن تعدّدت لفظاً، فهي متحدة معنى؛ لأن المعنى: هم غير قائلين للحق بسبب عَمَاهُمْ وَصَمَمِهِمْ، فيكون من باب: "هذا حُلْوٌ حَامِضٌ" أي: مُزٌّ، وهذا أعسر أيسر أي: أضبط، وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 237- يَنَامُ بإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ ويَتَّقِي بِأُخْرَى الأَعَادِي، فَهُوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ تفسير : أي: متحرّز. أو يقدر لكل خبر مبتدأ تقديره: هم صُمّ، هم بُكْمٌ، هم عُمْيٌ. والمعنى: أنهم جامعون لهذه الأوصاف الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكون هذه الآية من باب ما تعدّد فيه الخبر لتعدّد المبتدأ، كقولك: الزيدون فقهاء شعراء كاتبون، فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن بعضهم فقهاء، وبعضهم شعراء، وبعضهم كاتبون، وأنهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضهم اختصّ بالفقه، والبعض الآخر اختصّ بالشعر، والآخر بالكتابة. وقرأ بعضهم "صمًّا بكماً عمياً" بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حالٌ، وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير المنصوب في "تركهم". والثاني: من المرفوع في "لا يُبْصِرُون". الثاني: النَّصْب على الذَّم كقوله: {أية : حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} تفسير : [المسد: 4] وقول الآخر: شعر : 238- سَقَوْنِي الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُونِي عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ تفسير : أي: أذمُ عُدَاة الله. الثالث: أن يكون منصوباً بـ "ترك"، أي: صمَّا بكماً عمياً. والصّمم: داء يمنع من السَّمَاع، وأصله من الصَّلابة، يقال: قناة صَمّاء: أي: صلبة. وقيل: أصله من الانسداد، ومنه: صممت القَارُورَة أي: سددتها. والبَكَمُ: داءٌ يمنع الكلام. وقيل: هو عدم الفَهْمِ. وقيل: الأبكم من وُلِدَ أَخْرَسَ. وقوله: {فهم لا يرجعون} جملة خبرية معطوفة على الجملة الخبرية قبلها. وقيل: بل الأولى دعاء عليهم بالصَّمم، ولا حاجة إلى ذلك. وقال أبو البقاء: وقيل: فهم لا يرجعون حال، وهو خطأ؛ لأن "الفاء" ترتب، والأحوال لا ترتيب فيها. و "رجع" يكون قاصراً ومتعدياً باعتبارين، وهذيل تقول:: "أرجعه غيره"، فإذا كان بمعنى "عاد" كان لازماً، وإذا كان بمعنى "أعاد" كان متعدياً، والآية الكريمة تحتمل التَّقديرين، فإن جعلناه متعدياً، فالمفعول محذوف، تقديره لا يرجعون جواباً، مثل قوله: {أية : إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} تفسير : [الطارق: 8]، وزعم بعضهم أنه يضمَّن معنى "صار"، فيرفع الاسم، وينصب الخبر، وجعل منه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِب بَعْضُكُم رِقابَ بَعْضٍ ". تفسير : ومن منع جريانه مجرى "صار" جعل المنصوب حالاً. فصل في المراد بنفي السمع والبصر عنهم. لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون، وينطقون، ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يَبْقَ إلاّ تشبيه حالهم لشدة تمسُّكهم بالعناد، وإعراضهم عن سماع القرآن، وما يظهره الرسول من الأدلّة والآيات بمن هو أصمّ في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكّن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأَبْكَمِ، وإذا لم ينتفع بالأدلّة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو بمنزلة الأعمى. وقوله: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: من التمسُّك بالنفاق فهم مستمرون على نفاقهم أبداً. وقيل: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضَّلالة بعد أن اشتروها. وقيل: أراد أنّهم بمنزلة المتحيّرين الّذين بقوا خامدين في مَكَانِهِمْ لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرّون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟
ابو السعود
تفسير : {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} أخبارٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ضمير المنافقين، أو خبر واحد بالتأويل المشهور، كما في قولهم: هذا حلوٌ حامض والصممُ آفةٌ مانعة من السماع، وأصلُه الصلابة واكتنازُ الأجزاء، ومنه الحجرُ الأصم، والقناةُ الصماء، وصَمام القارورة: سِدادُها، سمي به فقدانُ حاسة السمع لما أن سببه اكتنازُ باطن الصّماخ، وانسدادُ منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواءٌ يحصل الصوت بتموجه، والبُكم الخُرس، والعمىٰ عدم البصر عما من شأنه أن يُبصَر، وُصفوا بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما أنهم حيث سدوا مسامعهم عن الإصاخة لما يتلى عليهم من الآيات والذكر الحكيم، وأبَوْا أن يتلقَّوْها بالقبول، ويُنطِقوا بها ألسنتهم، ولم يجتلوا ما شاهدوا من المعجزات الظاهرة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبة في الآفاق والأنفس بعين التدبر، وأصروا على ذلك بحيث لم يبقَ لهم احتمالُ الارعواء عنه، صاروا كفاقدي تلك المشاعر بالكلية، وهذا عند مُفْلقي سَحَرة البـيان من باب التمثيل البليغ، المؤسـس على تناسي التشبـيه كما في قول من قال: شعر : ويصعَدُ حتى يظنَّ الجهول بأن له حاجةً في السماءْ تفسير : لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ، لا من قبـيل الاستعارة التي يُطوىٰ فيها ذكرُ المستعار له بالكلية، حتى لو لم يكن هناك قرينة تحمل على المعنى الحقيقي، كما في قول زهير: [الطويل] شعر : لدى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقذَّفٍ له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ تفسير : {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها، أي هم بسبب اتصافِهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيّعوه أو عن الضلالة التي أخذوها، والآيةُ نتيجةٌ للتمثيل، مفيدةٌ لزيادة تهويلٍ وتفظيع، فإن قصارىٰ أمرِ التمثيل بقاؤهم في ظلماتٍ هائلة من غير تعرضٍ لمَشْعَريْ السمع والنطق، ولاختلال مَشعَرِ الإبصار، وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى، كالضمائر المتقدمة. فالآية الكريمة تتمة للتمثيل، وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجردَ انطفاء نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة، مع بقاء حاسة البصر بحالها، بل اختلت مشاعرُهم جميعاً، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبـيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم، لا يرجعون ولا يدْرون أيتقدّمون أم يتأخرون، وكيف يرجِعون إلى ما ابتدأوا منه، والعدولُ إلى الجملة الاسمية للدَلالة على استمرار تلك الحالة فيهم، وقرىء صماً بكماً عمياً، إما على الذي كما في قوله تعالى: {أية : حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} تفسير : [المسد، الآية 4] والمخصوصُ بالذم هم المنافقون، أو المستوقدون وإما على الحالية من الضمير المنصوب في تَرَكهم، أو المرفوع في لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم، فالضميران للمستوقدين.
القشيري
تفسير : صم عن سماع دواعي الحق بآذان قلوبهم، بكم عن مناجاة الحق بألسنة أسرارهم، عمي عن شهود جريان المقادير بعيون بصائرهم، فهم لا يرجعون عن تماديهم في تهتكم، ولا يرتدعون عن انهماكهم في ضلالتهم. ويقال صم عن السماع بالحق، بكم عن النطق بالحق، وعمي عن مطالعة الخلق بالحق. لم يسبق لهم الحكم بالإقلاع، ولم تساعدهم القسمة بالارتداع.
البقلي
تفسير : اي صمت اسماع ارواحهم عن اصوات الوصلة وحقائق الهام القربة التي يُعرف بها الحق عن صفاته لاوليائه بكم عن ترعيف علل بواطنهم عند اَطَباء القلوب عجباً ونفاقاً عثمى عن روّية خاتمتهم لهم الحرمان والشقاء وايضا عُمّى عن روية انوار جمال الحق في سيماء اوليائه وحسن افعاله في لاياته وقال بعضهم صُمٌّ لا يسمعون القرآن بكم لا يتكلمون بالايمان عمى لا يرون دلائل الرحمن وقيل صمت اذان قلوبهم وخرست السنتهم عن الذكر وعَميت اَعُين صدورهم عن الاعتبار وقال الجنيد صَمّوا عن فهم ما سمعوا بكموا عن عبارة ما عرفوا وعَمُّوا عن البصيرة فيما اليه دعواهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {صم} اى هم صم عن الحق لا يقبلونه واذا لم يقبلوا فكانهم لم يسمعوا والصم انسداد خروق المسامع بحيث لا يكاد يصل اليها هواء يحصل الصوت بتموجه {بكم} خرس عن الحق لا يقولونه لما ابطنوا خلاف ما اظهروا فكانهم لم ينطقوا وهو آفة فى اللسان لا يتمكن بها ان يعتمد مواضع الحروف {عمى} اى فاقدون الابصار عن النظر الموصل الى العبرة التى تؤديهم الى الهدى وفاقدوا البصيرة ايضا لان من لا بصيرة له كمن لا بصر له فالعمى مستعمل ههنا فى عدم البصر والبصيرة جميعا وهذه صفاتهم فى الدنيا ولذلك عوقبوا فى الآخرة بجنسها قال تعالى {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما}تفسير : [الإِسراء: 97] فلا يسمعون سلام الله ولا يخاطبون الله ولا يرونه والمسلمون كانوا سامعين للحق قائلين بالحق ناظرين الى الحق فيكرمون يوم القيامة بخطابه ولقائه وسلامه {فهم لا يرجعون} اى هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون عن الضلالة الى الهدى الذى تركوه والآية فذلكة التمثيل ونتيجته وافادت انهم كانوا يستطيعون الرجوع باستطاعة سلامة الآلات حيث استحقوا الذم بتركه وان قوله تعالى {صم بكم عمى} ليس بنفى الآلات بل هو نفى تركهم استعمالها: قال السعدى قدس سره شعر : زبان آمد ازبهر شكر وسباس بغيبت نكرد اندش حق شناس كذركاه قرآن وبندست كوش به بهتان باطل شنيدن مكوش دوجشم از بى صنع بارى نكوست زعيب بر دار فرو كير ودوست تفسير : ثم ان الله تعالى ندب الخلق الى الرجوع بالائتمار بامره والانتهاء بنهيه بقوله تعالى {أية : وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون}تفسير : [الأعراف: 174] فمن لم يرجع اليه اختيار رجعوا اليه بالموت والبعث كما قال تعالى {أية : كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}تفسير : [العنكبوت: 57]. ومن رجع اليه فى الدنيا بفعله وحقق ذلك بقوله {أية : إنا لله وإنا إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 165]. كان رجوعه اليه بالكرامة ويخاطب بقوله {أية : يا أيتها النفس المطمئة ارجعى إلى ربك راضية مرضية}تفسير : [ الفجر: 27-28] – حكى – ان جبارا عاتيا فى الزمن الاول بنى قصرا وشيده وزخرفه ثم آلى بيمينه ان لا يدنو من قصره هذا احد فمن وقع بصره عليه قتله فكان يفعل ذلك ويقتل حتى جاءه رجل من اهل قريته فوعظه فى ذلك فلم يلتفت الى تحذيره ولم يعبأ بقوله فخرج ذلك الرجل الصالح من قريته وبنى كوخا وهو بيت من قصب بلا كوة وجعل يعبد الله فيه فبينما هذا الجبار فى قصره واصحابه قيام بين يديه اذ تمثل له ملك الموت على صورة رجل شاب حسن الهيئة فجعل يطوف حول هذا القصر ويرفع رأسه اليه فقال بعض ندمائه ايها الملك انا نرى رجلا يطوف حول القصر وينظر اليه فتعالى الملك على منظر له فابصره فقال هذا مجنون او غريب عابر سبيل ولكن انزل اليه فأرحه من نفسه فنزل اليه الرجل فلما اراد ان يرفع اليه السيف قبض روحه فخر ميتا فقيل للملك ان هذا قد قتل صاحبك فقال للآخر انزل اليه فاقتله فلما نزل واراد ان يقتله قبض روحه فخر ميتا فرفع ذلك الى الملك فامتلأ غضا وأخذ السيف ونزل اليه بنفسه فقال من انت اما رضيت ان دنوت من قصرى حتى قتلت رجلين من اصحابى فقال أو ما تعرفنى انا ملك الموت فارتعد الملك من هيبته حتى سقط السيف من يده قال فعرفتك الآن وأراد ان ينصرف فقال له ملك الموت الى اين انى امرت بقبض روحك فقال حتى اوصى اهلى واودعهم فقال له لم لم تفعل فى طول عمرك قبل هذا فقبض روحه فخر الملك ميتا ثم جاء ملك الموت الى ذلك الرجل الصالح فى كوخه فقال له ايها الرجل الصالح ابشر فانى ملك الموت وقد قبضت روح الملك الجبار فاعلم ذلك واراد ان يرجع فاوحى الله تعالى الى ملك الموت ان اقبض روح الرجل الصالح فقال له ملك الموت انى امرت بقبض روحك قال فهل لك يا ملك الموت ان ادخل القرية فاحدث باهلى عهدا واودعهم فاوحى الله تعالى اليه ان امهله يا ملك الموت فقال ان شئت فرفع الرجل الصالح قدميه ليدخل القرية فتفكر ثم ندم فقال يا ملك الموت انى اخاف ان رأيت اهلى ان يتغير قلبى فاقبض روحى فالله خير لهم منى فقبض روحه على المكان. قال بعض العارفين والعجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه وهو مولاه الذى من عليه بكل خير واولاه ويطلب مالا بقاء له معه وهو ما يوافق النفس من شهوته وهواه وآخرته ودنياه فانها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور. واسباب عمى البصيرة ثلاثة ارساله الجوارح فى معاصى الله والتصنع بطاعة الله والطمع فى خلق الله فعند عماها يتوجه العبد للخلق ويعرض عن الحق وفى التأويلات النجمية الاشارة فى تحقيق الآيتين ان مثل المريد الذى له بداية جميلة يسلك طريق الارادة مدة ويتعنى بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الارادة فاستوقد نار الطلب فاضاءت ما حوله فرأى اسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة وعزفت نفسه عن الدنيا واقبل على قمع الهوى فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق وبرقت له من انوار الروح بوارق الذوق فامن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وازعجته الوساوس ثم رجع القهقرى الى ما اكن من حضيض الدنيا فغابت شمسه واظلمت نفسه وانقطع حبل وصاله قبل وصوله واخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمى سأمه وملاله عاد الى اسوأ حاله كما قال تعالى {وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. {صم} يعنى بآذان قلوبهم التى سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق {بكم} بتلك الالسنة التى اجابوا ربهم بها بقولهم بلى {عمى} بالابصار التى شاهدوا بها جمال ربوبيته فعرفوه {فهم لا يرجعون} الى منازل حظائر القدس بل الى ما كانوا فيه من رياض الانس وذلك لانهم سدوا روزنة قلوبهم التى كانت مفتوحة الى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق فما هبت عليهم من جناب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الارواح فمرضت قلوبهم ثم ارسل اليهم الطبيب الذى انزل الداء فانزل معه الدواء كما قال تعالى {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}تفسير : [الإِسراء: 82]. الذين يصدقون الاطباء ويقبلون الدواء فلم يصدقوهم ولم يقبلوا الدواء ظلما على انفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء كما قال تعالى {أية : ولا يزيد الظالمين الا خسارا}تفسير : [الإِسراء: 82]. فلما لم يكونوا اهل الرحمة ادركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى لقوله تعالى {أية : أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}تفسير : [محمد: 23]. {او} مثل المنافقين {كصيب} اى كحال اصحاب صيب اى مطر يصوب اى ينزل ويقع من الصوب وهو النزول اصله صيوب والكاف مرفوع المحل عطف على الكاف فى قوله {أية : كمثل الذى}تفسير : [البقرة:17]. وأو للتخيير والتساوى اى كيفية قصة المنافقين شبيهة بكيفية هاتين القصتين والقصتان سواء فى استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل فبأيتهما مثلتها فانت مصيب وان مثلتها بهما جميعا فكذلك {من السماء} متعلق بصيب. والسماء سقف الدنيا وتعريفها للايذان بان انبعاث الصيب ليس من افق واحد فان كل افق من آفاقها اى كل ما يحيط به كل افق منها سماء على حدة والمعنى انه صيب عام نازل من غمام مطبق آخذ بآفاق السماء وفيه ان السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم انه يأخذه من البحر. قال الامام من الناس من قال المطر انما يتحصل من ارتفاع ابخرة رطبة من الارض الى الهواء فينعقد هناك من شدة برد الهواء ثم ينزل مرة اخرى وابطل الله ذلك المذهب هنا بان بين ان ذلك الصيب نزل من السماء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان تحت العرش بحرا ينزل منه ارزاق الحيوانات يوحى فيمطر ما شاء من سماء الى سماء حتى ينتهى الى سماء الدنيا ويوحى الى السحاب ان غربله فيغربله فيغربله فليس من قطرة تقطر الا ومعها ملك يضعها موضعها ولا ينزل من السماء قطرة الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان من يوم الطوفان من ماء فانه نزل بلا كيل ولا وزن كذا فى تفسير التيسير {فيه} اى فى الصيب {ظلمات} انواع منها وهى ظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة اظلال ما يلزمه من الغمام المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل وليس فى الآية ما يدل على ظلمة الليل لكن يمكن ان يؤخذ ظلمة الليل من سياق الآية حيث قال تعالى بعد هذه الآية. {يكاد البرق يخطف ابصارهم} وبعده {وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20]. فان خطف البرق البصر انما يكون غالبا فى ظلمة الليالى وكذا وقوف الماشى عن المشى انما يكون اذا اشتد ظلمة الليل بحيث يحجب الابصار عن ابصار ما هو امام الماشى من الطريق وغيره وظلمة سحمة السحاب وتكاثفه فى النهار لا يوجب وقوف الماشى عن المشى كذا فى حواشى ابن التمجيد. وجعل المطر محلا للظلمات مع ان بعضها لغيره كظلمة الغمام والليل لما انهما جعلتا من توابع ظلمته مبالغة فى شدته وتهويلا لامره وايذانا بانه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمته ظلمات الليل والغمام ورفع ظلمات بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف لان الجملة فى محل الجر صفة لصيب على وجه {ورعد} هو صوت قاصف يسمع من السحاب {وبرق} هو ما يلمع من السحاب اذا تحاكت اجزاؤه وكونهما فى الصيب مع ان مكانهما السحاب باعتبار كونها فى اعلاه ومنصبه وملتبسين فى الجملة به ووصول أثرهما اليه فهما فيه والمشهور بين الحكماء ان الرعد يحدث من اصطكاك اجرام السحاب بعضها ببعض او من اقلاع بعضها عن بعض عن اضطرابها بسوق الرياح اياها سوقا عنيفا. والصحيح الذى عليه التعويل ما روى عن الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنه تعالى عنهما حديث : قال اقبلت يهود الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا اخبرنا عن الرعد ما هو قال عليه السلام "ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث شاء الله" فقالوا فما هذا الصور الذى يسمع قال "زجره حتى ينتهى الى حيث امر" فقالوا صدقت تفسير : فالمراد بالرعد فى الآية صوت ذلك الملك لاعينه كما فى بعض الروايات: من "الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه الى حيث يؤمر وانه يجوز الماء فى نقرة ابهامه وانه يسبح الله فاذا سبح الله لا يبقى ملك فى السماء الارفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر" انتهى. والمراد بالبرق ضربه السحاب بتلك المخاريق وهى جميع مخراق وهو فى الاصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا اريد انها آلة تزجر بها الملائكة السحاب. قال مرجع الطريقة الجلوتية بالجيم الشيخ الشهير بافتاده افندى البروسوى التوفيق بين قول الحكماء وبين قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الرعد صوت ملك على شكل النحل ". تفسير : هو انه يصيح من خارج هذ العالم ولكن يدخل فيه ويؤثر فى داخله فنحن نسمع من داخله كما ان واحدا اذا كل شيأ نفاخا يحصل فى داخله رياح ذات اصوات فمنشأها من الخارج وظهورها فى الداخل فكلام النبى صلى الله عليه وسلم ناظر الى مبدئها وكلام الحكماء ناظر الى مظهرها {يجعلون اصابعهم فى اذانهم} الضمائر للمضاف المحذوف لان التقدير او كاصحاب صيب كما سبق ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لانه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال كيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون اصابعهم فى آذانهم والمراد اناملهم وفيه من المبالغة ما ليس فى ذكر الانامل كأنهم يدخلون من شدة الحيرة اصابعهم كلها فى آذانهم لا اناملها فحسب كما هو المعتاد ويجوز ان يكون هذا ايماء الى كمال حيرتهم وفرط دهشتهم وبلوغهم الى حيث لا يهتدون الى استعمال الجوارح على النهج المعتاد وكذا الحال فى عدم تعيين الاصبع المعتاد اعنى السبابة وقيل لرعاية الادب لانها فعالة من السب فكان اجتنابها اولى بآداب القرآن الا ترى انهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والمهللة وغيرها ولم يذكر من امثال هذه الكنايات لانها الفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس فى ذلك العهد{من الصواعق} متعلق بيجعلون اى من اجل خوف الصواعق المقارنة للرعد وهى جمع صاعقة وهى قصفة رعد هائل تنقض معها شعلة نار لا تمر بشئ الا اتت عليه لكنها مع حدتها سريعة الخمود للطافتها – حكى – انها سقطت على نخلة فاحرقت نحو النصف ثم طفئت. قالوا بين السماء وبين الكلة الرقيقة التى لا يرى اديم السماء الا من ورائها نار منها تكون الصواعق تخرج النار فتفتق الكلة ويكون الصوت منها كما فى روضة العلماء. وقيل تنقدح من السحاب اذا اصطكت اجرامه او جرم ثقيل مذاب مفرغ من الأجزاء اللطيفة الارضية الصاعدة المسماة دخانا والمائية المسماة بخارا حار حاد فى غاية الحدة والحرارة لا يقع على شئ الا ثقب واحرق ونفذ فى الارض حتى بلغ الماء فانطفأ ووقف. قالوا اذا اشرقت الشمس على ارض يابسة تحللت منها اجزاء نارية يخالطها اجزاء ارضية يسمى المركب منهما دخانا ويخلط بالبخار ويتصاعدان معا الى الطبقة الباردة فينعقد البخار سحابا وينحبس الدخان فيه ويطلب الصعود ان بقى على طبيعته والنزول ان ثقل وكيف كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث منه الرعد ثم قد يحث شدة حركة ومحاكة فيحدث منه البرق ان كان لطيفا والصاعقة ان كان غليظا قال ابن عباس رضى الله عنهما من سمع صوت الرعد فقال {أية : سبحان الذى يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته}تفسير : {الرعد:13]. فان اصابته صاعقة فعلى ديته وكان صلىالله عليه وسلم يقول اذا سمع الرعد وصواعقه "حديث : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ". تفسير : كذا فى تفسير الشيخ وشرح الشرعة {حذر الموت} منصوب بيجعلون على العلة اى لاجل مخافة الهلاك والموت فساد بنية الحيوان {والله محيط} اصل الاحاطة الاحداق بالشئ من جميع جهاته وهو مجاز فى حقه تعالى اى محدق بعلمه وقدرته {بالكافرين} اى لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط حقيقة فيحشرهم يوم القيامة ويعذبهم والجملة اعتراضية منبهة على ان ما صنعوا من سد الآذان بالاصابع لا يغنى عنهم شيأ فان القدر لا يدافعه الحذر والحيل لا ترد بأس الله عز وجل وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع الى اصحاب الصيب الايذان بان ما دهمهم من الامور الهائلة المحكية بسبب كفرهم. {يكاد البرق} اى يقرب استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدر كانه قيل فكيف حالهم مع ذلك البرق فقيل يكاد ذلك {يخطف ابصارهم} اى يختلسها ويستلبها بسرعة من شدة ضوئه {كلما اضاء لهم} كلما ظرف والعامل فيه جوابها وهو مشوا واضاء متعد اى انار البرق الطريق فى الليلة المظلمة وهو استئناف ثالث كانه قيل كيف يصنعون فى تارتى خفوق البرق وخفيته أيفعلون بابصارهم ما يفعلون بآذانهم ام لا فقيل كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا {مشوا فيه} اى فى ذلك المسلك اى فى مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف ان يخطف ابصارهم وايثار المشى على ما فوقه من السعى والعدو للاشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم {واذا ظلم عليهم} اى خفى البرق واستتر فصار الطريق مظلما {قاموا} اى وقفوا فى اماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لحظة اخرى عسى يتسنى لهم الوصول الى المقصد او الالتجاء الى ملجأ يعصهم {ولو شاء الله} مفعوله محذوف اى لو اراد ان يذهب الاسماع التى فى الرأس والابصار التى فى العين كما ذهب بسمع قلوبهم وابصارها {لذهب بسمعهم وابصارهم} بصوت الرعد ونور البرق عقوبة لهم لانه لا يعجز عن ذلك {ان الله على كل شئ} اى على كل موجود بالامكان والله تعالى وان كان يطلق عليه الشىء لكنه موجود بالوجوب دون الامكان فلا يشك العاقل ان المراد من الشئ فى امثال هذا ما سواه تعالى فالله تعالى مستثنى فى الآية مما يتناوله لفظ الشئ بدلالة العقل فالمعنى على كل شئ سواه قدير كما يقال فلان امين على معنى امين على من سواه من الناس ولا يدخل فيه نفسه وان كان من جملتهم كما فى حواشى ابن التمجيد {قَدِير} اى فاعل له على قدر ما تقتضيه حكمته لا ناقصا ولا زائدا ثم ان هذا التمثيل كشف بعد كشف وايضاح بعد ايضاح ابلغ من الاول شبه الله حال المنافقين فى حيرتهم وما خبطوا فيه من الضلالة وشدة الامر عليهم وخزيهم وافتضاحهم بحال من اخذته السماء فى ليلة مظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والموت هذا اذا كان التمثيل مركبا وهو الذى يقتضيه جزالة التنزيل فانك تتصور فى المركب الهيئة الحاصلة من تفاوت تلك الصور وكيفاتها المتضامة فيحصل فى النفس منه ما لا يحصل من المفردات كما اذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر وصوت الرعد الهائل والبرق الخاطف والصاعقة المحرقة ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من تحذر الموت حصل لك منه امر عجيب وخطب هائل بخلاف ما اذا تكلفت لواحد واحد مشبها به يعنى ان حمل التمثيل على التشبيه المفرق فشبه القرآن وما فيه من العلوم والمعارف التى هى مدار الحياة الابدية بالصيب الذى هو سبب الحياة الارضية وما عرض لهم بنزوله من الغموم والاحزان وانكساف البال بالظمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وتصاممهم عما يقرع اسماعهم من الوعد بحال من يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد اذنه ولا خلاص له منها واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه او رفد يحرزونه بمشيهم فى مطرح ضوء البرق كلما اضاءلهم وتحيرهم فى أمرهم حين عن لهم مصيبة بوقوفهم اذا أظلم عليهم فهذه حال المنافقين قصارى عمرهم الحيرة والدهشة. فعلى العاقل ان يتمسك بحبل الشرع القويم والصراط المستقيم كى يتخلص من الغوائل والقيود ومهالك الوجود وغاية الامر خفية لا يدرى بما يختم. قال رجل للحسن البصرى كيف اصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن ثم قال لا تسأل عن حالى ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم فتلعق كل اناسن منهم بخشبة على أى حال هم قال الرجل على حال شديد قال الحسن حالى اشد من حالهم فالموت بحرى والحياة سفينتى والذنوب خشبتى فكيف يكون حال من وصفه هذا يا بنى فلا بد من ترك الذنوب والفرار الى علام الغيوب وفى الحديث "حديث : من كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه"تفسير : تأمل كيف كان جزاء كل مؤمل ما امل واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكانه كلا وجود كما قيل شعر : بر مرد هشياء دنيا خسست كه هر مدتى جاى ديكر كسست تفسير : وانظر الى قوله عليه السلام "حديث : فهجرته الى ما هاجر اليه"تفسير : وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر ذكر الدنيا والمرأة مع انها منها اذ يشعر بان المراد كل شئ فى الدنيا من شهوة او مال واليه يرجع الاكوان وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شئ لله تعالى: قال الحافظ شعر : غلام همت آنم كه زير جرخ كبود زهرجه رنك تعلق بذيرد آزادست تفسير : يعنى عن كل شئ يقبل التعلق من المال والمنال والاولاد والعيال فلا بد من التعلق بمحبة الملك المتعال وفى التأويلات النجمية {او كصيب من السماء} الاشارة فى تحقيق الآيتين ان الله تعالى شبه حال متمنى هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن فى البداية وتجلدهم فى الطلب وما يفتح لهم من الغيب الى ان تظهر النفس الملالة وتقع فى آفة الفترة والوقفة بحال من يكون فى المفازة سائرا فى ظلمة الليل والمطر وشبه الذكر والقرآن بالمطر لانه ينبت الايمان والحكمة فى القلب كما ينبت الماء البقلة {فيه ظلمات} اى مشكلات ومتشابهات تطهر لسالك الذكر فى اثناء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها الا لمن كان له عقل منور بنور الايمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى {أية : الرحمن علم القرآن}تفسير : [الرحمن: 1]. فكما ان السير لا يمكن فى الظلمات الا بنور السراج كذلك لا يمكن السير فى حقائق القرآن ودقائقه ولا فى ظلمات البشرية الا بنور هداية الربوبية ولهذا قال تعالى {كلما اضاء لهم مشوا فيه} يعنى نور الهداية {وإذا أظلم عليهم قاموا} يعنى ظلمة البشرية {ورعد} اى خوف وخشية ورهبة تتطرق الى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى {أية : لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} تفسير : [الحشر: 21]. هو تلألؤ انوار الذكر والقرآن يهتدى الى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله فيظهر فيه حقيقة القرآن والدين فيعرفها القلوب لقوله تعالى {أية : واذا سمعوا ما أنزل الرسول}تفسير : [المائدة: 83] لآية. ولما لاح لهم انوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الارادة لينالوا درجات الفائزين ولكن يجعلون اصابعهم اى اصابع آمالهم الفاسدة وامانيهم الباطلة {فى آذانهم} الواعية {من الصواعق} ودواعى الحق {حذر} من {الموت} موت النفس لان النفس سمكة حياتها بحر الدنيا وماء الهوى لو اخرجت لماتت فى الحال وهذا تحقيق قوله عليه السلام "حديث : موتوا قبل ان تموتوا"تفسير : {والله محيط بالكافرين} فيه اشارة الى ان الكافر الذى له حياة طبيعية حيوانية لو مات بالارادة من مألوفات الطبيعة لكان احياء الله تعالى بانوار الشريعة كما قال تعالى {أية : أومن كان ميتا فأحييناه}تفسير : [الأنعام: 122]. فلما لم يمت بالارداة فالله محيط بالكافرين اى مهلكهم ومميتهم فى الدنيا بموت الصورة وموت القلب وفى الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى {يكاد البرق} اى نور الذكر والقرآن {يخطف ابصارهم} اى ابصار نفوسهم الامارة بالسوء {كلما اضاء لهم} نور الهدى {مشوا فيه} سلكوا طريق الحق بقدم الصدق {واذا اظلم عليهم} ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى ومالوا الى الدنيا {قاموا} اى وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت اليهم الآفات واعرترتهم الفترات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم انفسهم الشهوات حتى وقعوا فى ورطة الهلاك {ولو شاء الله} اى لو كانت ارادته ان يهديهم {لذهب بسمعهم} اى بسمع نفوسم التى تصغى الى وساوس الشيطان وغروره {وابصارهم} اى ابصار نفوسهم التى بها تنظر الى زينة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى {أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}تفسير : [السجدة: 13]. ان الله على كل شئ قدير} اى قادر على سلب اسماعهم وابصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفاسنية ولا يبصروا المزخرفات الدنيوية والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبعوا الدين بالدنيا ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد انتهى.
الطوسي
تفسير : التفسير واللغة: قال قتادة {صم} لا يسمعون الحق {بكم} لا ينطقون به {عمي} لا يرجعون عن ضلالتهم صم رفع على انه خبرابتداء محذوف، وتقديره هؤلاء الذين ذكرناهم في القصة: صم بكم عمي والأصم هو الذي ولد كذلك وكذلك الأبكم هو الذي ولد أخرس. ويقال الأبكم: المسلوب الفؤاد. ويجوز أن يجمع أصم: صمان: مثل اسود وسودان. واصل الصم: السد، فمنه الصم: سد الأذن بما لا يقع معه سمع وقناة صماء: كبيرة الجوف صلبة، لسد جوفها بامتلائها. وفلان أصم، لسد خروق مسامعه عن ادراك الصوت. وحجر أصم، أي صلب. وفتنة صماء: أي شديدة. والتصميم: المضي في الأمر. والصمام: ما يشد به رأس القارورة، لسده رأسها. والفعل: أصمها. والصميم: العظم الذي هو قوام العضو، لسد الخلل به وأصل البكم: الخرس. وقيل هو الذي يولد أخرس وبكم عن الكلام: اذا امتنع منه جهلا أو تعمداً كالخرس والأبكم: الذي لا يفصح، لأنه كالخرس واصل العمى: ذهاب الادراك بالعين والعمى في القلب كالعمى في العين بآفة تمنع من الفهم واعماه: إذا اوجد في عينيه عمىً. وعمّى الكتاب تعمية، وتعامى عن الأمر تعامياً وتعمى الأمر: تطمس كأن به عمى وما اعماه: من عمى القلب، ولا يقال ذلك من الجارحة. والعماية: الغواية. والعماء: السحاب الكثيف المطبق. والرجوع: مصدر رجع يرجع رجوعا، ورجعه رجعا. والارتجاع: اجتلاب الرجوع. والاسترجاع: طلب الرجوع. وتراجع: تحامل. وترجع: تعمد للرجوع ورّجع: كثر في الرجوع. ورجع الجواب: رده. والمرجوعة: جواب الرسالة. والرجع: المطر، ومنه قوله: {أية : والسماء ذات الرّجْع} تفسير : والرجع: نبت الربيع والرجوع عن الشيء بخلاف الرجوع اليه والمعنى: إنهم صم عن الحق لا يعرفونه، لأنهم كانوا يسمعون بآذانهم، وبكم عن الحق لا ينطقون مع ان ألسنتهم صحيحة عمي لا يعرفون الحق واعينهم صحيحة، كما قال: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}. {فهم لا يرجعون} ويحتمل امرين: أحدهما ـ ما روي عن ابن عباس، أنه على الذم والاستبطاء. والثاني ـ ما روي عن ابن مسعود، انهم لايرجعون إلى الاسلام. وقال قوم: إنهم لا يرجعون عن شراء الضلالة بالهدى. وهو أليق بما تقدم وهذا يدل على أن قوله: {ختم الله على قلوبهم} وطبع الله عليها، ليس هو على وجه الحيلولة بينهم وبين الايمان، لأنه وصفهم بالصم والبكم، والعمى مع صحة حواسهم. وانما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحق والايمان كأنهم ما سمعوه ولا رأوه فلذلك قال: {طبع الله على قلوبهم} {وأضلهم} {وأصمهم} {وأعمى أبصارهم} {وجعل على قلوبهم أكنة} {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وكان ذلك إخباراً عما أحدثوه عند امتحان الله إياهم وأمره لهم بالطاعه والايمان لأنه ما فعل بهم ما منعهم من الايمان. وقد يقول الرجل: حب المال قد اعمى فلاناً واصمه ولا يريد بذلك نفي حاسته لكنه اذا شغله عن الحقوق والقيام بما يجب عليه قيل: اصمه واعماه وكما قيل في المثل: حبك للشيء يعمي ويصم ـ يريدون به ما قلناه ـ وقال مسكين الدارمي: شعر : اعمى اذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما سمعي وما بي غيره وقر تفسير : وقال آخر: اصم عما ساءه سميع. فجمع الوصفين. وانما جاز {صم وبكم} بعد وصف حالهم في الآخرة كما في قوله: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} لامرين: احدهما ـ ان المعتمد من الكلام على ضرب المثل لهم في الدنيا في الانتفاع باظهار الايمان. الثاني إنه اعتراض بين مثلين بما يحقق حالهم فيهما على سائر امرهما. وقيل إن معناه: التقديم والتأخير
الجنابذي
تفسير : {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} قد علمت فيما مضى انّ السّمع والبصر لكل منهما قوةٌ الى الخارج وقوتان من جهة الباطن الى عالم الملائكة وعالم الجنّة وقوتهما الى عالم الملائكة ذاتيّة وقوتهما الى عالم الجنّة عرضيّة وختمهما عبارة عن سدّ قوتهما الى عالم الملائكة، والصّمم والعمى عبارة عن سدّ القوتين اللّتين هما الى عالم الملائكة بحيث لا يسمع من المسموعات جهتها الحقانيّة الّتى تؤدّى الى عالم الملائكة ولا يسمع من عالم الملائكة ولا من الملك الزّاجر ولا يبصر من المبصرات جهتها الحقّانيّة وبعبارة أخرى مدارك الانسان مسخّرة تحت حكم الخيال فان كان الخيال مسخّراً تحت حكم العاقلة كان ادراكها من الجهة المطلوبة من ادراكها وان كان مسخّراً تحت حكم الشّيطان لم يكن ادراكها من الجهة المطلوبة منها وهكذا حكم اللّسان {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} عن دار الضَلالة الى دار الهدى لعدم سماعهم نداء المنادى لهم الى دار الهدى والى طريق النّجاة ولاصداء الغيلان فى دار الضّلالة حتّى يستوحشوا ولعدم ابصارهم مؤذِيات دار الضّلالة ولا ملذّات دار السّعادة ولا طريق الخروج منها الى دار السّعادة ولعدم نطق لهم يستغيثون به بغيرهم ويذكرون مالهم من الآلام حتّى يرحموا والمقصود من التّمثيل الّذى كثر فى كلام الله وكلام خلفائه بيان الاحوال الباطنة لاهل الانظار الحسيّة بالاحوال الظّاهرة ولذلك قد يذكر المثل قبل اداة التشبيه وبعدها وقد يذكر نفس الاحوال كما فى قوله تعالى {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}.
اطفيش
تفسير : {صُمُّ}: عن الهدى فلا يسمعونه سماع قبول، فإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه، فإذا لم يسمعوه فكأنهم لا يسمعون شيئاً أصلا، إذ لا عبرة بسماع الأشياء مع عدم سماع الهدى، ولك أن تقول: الآية إخبار عن كونهم صما عن كل شىء الهدى وسائر المباحات، كما يدل عليه الإطلاق، إذ كان سمعهم لا ينفعهم لعدم الاهتداء وهو جميع أصم، والأصم من لا يسمع، وسببه أن يكون باطن خرق الأذن مجتمعاً لا تجويف فيه يشمل على هواء يسمع الصوت بتموجه فيه، وأصله الصم الذى هو صلابة من اجتماع الأجزاء وتصامها وكثافتها، ومنه حجر أصم وصخرة صماء وصمام القارورة وهو سدادها. {بُكْمٌ}: عن الهدى لا ينطقون به، وإذا نطقوا به فنطق لا يطابقه اعتقادهم، فإذا كانت هذه حالهم فكأنهم بكم فى كل شىء لا يطيقون النطق بشىء ما، إذ لا عبرة بنطق بالأشياء مع عدم النطق بالهدى، النطق بالمطابقة للاعتقاد، والمراد أنهم بكم عن كل كلام إذ كان نطقهم لا يكون نطقاً موافقاً له الاعتقاد، فهو لا ينفعهم فكأنهم لا ينطقون أصلا وهو جمع أبكم وهو من لا ينطق، ويقال له أيضاً أخرس، وقيل: من لا ينطق ولا يفهم أبكم وهو الذى ولد أخرس، ومن لا ينطق ولكنه يفهم أخرس، وهو الذى يسمع فكان يفهم ثم كان لا يسمع. {عُمْىٌ}: عن طريق الهدى فلا يبصرونه، وإذا ادعوا إبصاره ودخوله والعمل به فخداع لا تحقيق، فإذا لم يبصروه تحقيقاً فكأنهم لم يبصروه، فكأنهم لا يبصرون بعيون وجوههم، إذ لا عبرة بالنظر بالعين مع عدم الاستدلال بها، أو المراد أنهم عمى عن نظر الأشياء رأساً من حيث الإطلاق، ومن حيث الاستدلال، إذا النظر بلا استدلال لا عبرة به، فكأنه لم يكن وهو جمع أعمى، والعمى عدم البصر كما من شأنه أن يبصر فلا يقال لغير الحيوانات أعمى، ولما لما لا عين له منها، فمن خلق بلا عينين لا يقال له أعمى لأنه ليس من شأنه أن ينظر بلا عين، وكذا من خلق بعين واحدة لا يقال لموضع عينه الأخرى أعمى، ويطلق العمى أيضاً على عدم نور القلب، فمن لا نور فى قلبه يميز به الحق فلا فائدة فى نظر عينيه، لما لم يستعملوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم فيما خلقت له من الهدى، سموا بأسماء من لا سمع ولا نطق ولا بصر لهم إذ لم ينتفعوا بها، فكانت كالعدم فهم كمن إيفت حاسته، بكسر الهمزة وإسكان الياء، كبيعت أى أصيبت بآفة. قال الشاعر: شعر : ما بال قوم صديق ثم ليس لهم عهد وليس لهم دين إذا أتمنوا صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا تفسير : أى إذا مسعوا خيراً ذكرت به صاروا كمن لا يسمع فلا ينطقون به ولا ينشرونه، وإن ذكرت بسوء كانت لهم آذان السمع فيعونه وينشرونه أو من أذنت للشىء إذا أصغيت إليه. وقال آخر: شعر : أصم عما ساءه سميع تفسير : وقال آخر: شعر : أصم عن الشىء الذى لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد تفسير : وعدى أصم بعن لتضمين معنى التغافل. وقال آخر: شعر : وأضممت عمراً وأعميته عن الجود والفخر يوم الفخار تفسير : وكل من لفظ أصم وأبكم وأعمى صفة مشبهة لا اسم تفضيل، والآية من باب الاستعارة التصريحية باعتبار كل واحد من لفظ صم ولفظ بكم ولفظ عمى، فتلك ثلاث استعارات أو ذلك كله استعارة تمثيلية، وإنما قلت بأن ذلك من الاستعارة مع كون المشبه والمشبه به كليهما مجتمعين فى الكلام، من حيث إن المشبه به خبر للمشبه المحذوف المقدر المجعول من أجزاء الكلام، فكأنه مذكور، أى هم صم بكم عمى، أو هؤلاء صم بكم عمى، لأنه لا فرق عندى فى الاستعارة بين عدم كون المشبه من أجزاء الكلام، وكونه من أجزائه مذكوراً أو مقدراً، إذا لم يقصد المتكلم التشبيه، بل قصد أن المشبه هو نفس المشبه به مبالغة، فقولك فى زيد المقدام زيد أسد استعارة وهو مختار السعد، وكذا قال السبكى مؤلف "جمع الجوامع الأصولى فى شرح تلخيص القزوينى" بجواز ذلك، إذ قال ما حاصله إنه تارة يقصد فى نحو زيد أسد التشبيه بأداة مقدرة فلا استعارة، وتارة لا يقصد فيكون لفظ أسد مستعملا فى حقيقته، وذكر زيد والإخبار عنه به قرينه صارفة إلى الاستعارة، فيكون لفظ أسد استعارة، ولا تنافى الاستعارة كونه مستعملا فى حقيقته، لأن معنى كونه فى حقيقته أنه ليس على طريق التشبيه والاستعارة، إنما هى فيه من حيث إنه على حقيقته وادعى أن زيداً أسد حقيقته هكذا ظهر فى توجيه كلامه، وقال قوم منهم الزمخشرى والقاضى: إن الآية والمثال ونحوهما ليست على الاستعارة، بل تشبيه بليغ، لأن المشبه مذكور أو مقدر الذكر بناء على الاشتراط فى الاستعارة ألا يذكر المشبه، ولا يكون محذوفاً مقدراً من أجزاء الكلام، بل يطوى عنه بحديث يمكن حمل الكلام على المشبه به لولا القرينة، وبحيث يقبل ظاهر الكلام الحمل على الحقيقة، وإذا قلت فى الضال السامع بالإذن مجرد السمع إنه أصم لم يكن لعارفه أنه سامع أن يحمل ظاهر الكلام على الصمم الحقيق، وإذا قلت فى زيد المقدام زيد أسد لم يقبل ظاهر الكلام أنه أسد حقيقى. وكذا قول عمران بن حطان رحمه الله فى الحجاج: شعر : أسد على وفى الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر تفسير : وفتخاء مسترخية الجناح، والنعامة مثل فى الجبن بخلاف قول زهير: شعر : لدى أسد شاكى السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم تفسير : فإنه لم يذكر لفظ المشبه ولا نوى ذكره فحذفه، فاحتمل ظاهر الكلام لولا القرينة الحمل على الحقيقة، والقرينة هى لدى، وشاكى السلاح أى تامه تجريد عن بعض المبالغة فى جعل الشجاع من جنس السبع، لأن تمام السلاح مما يلائم المشبه، وأصل شاكى شائك أخرت الياء عن الكاف فلم تقلب بعدها همزة كما قلبت إذا كانت قبلها، وقد تحذف الياء المنقلبة همزة قبل الكاف فيعرب على الكاف، كما إذا ثبتت، ويحتمل حذفها بعد تأخيرها عنها، وفيه ضعف لان فيه خروجاً عن الأصل مرتين: التأخير والحذف، غير أن الحذف من الآخر أنسب ولو كان الآخر فى نية التقديم، ومقذف مرمى باللجم أى مكثر فيه أو مرمى به فى الحروب، وله لبد ترشيح وتقوية للمبالغة، لأنه ملائم المشبه به، فإن اللبد الشعر المتلبد على رقبة الأسد، ومعنى أظفاره لم تقلم لم يعتره ضعف، لأنه يقال فلان مقلوم الأظفار أى ضعيف، ويحتمل أن يكون المراد ظاهره من عدم تقليم الأظفار، فإن السبع لا تقلم أظفاره بخلاف الإنسان فيكون ترشيحاً آخر، وقد تكلمت فى شرحى على شرح عصام الدين على البيت، وترى الآيتين بالأمر الفلق، بكسر اللام، أعنى العجيب يعرضون عما يوهم التشبيه إعراضاً إذا أراد إكثار المبالغة، وتأتون بما ينافيها كقول أبى تمام: شعر : ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة فى السماء تفسير : فإن ظن الجهول أن له حاجة فى السماء ينافى أن يكون صعوده على التشبيه، مع أن المراد فى نفس الأمر التشبيه، وما ذكر من الاستعارة أو التشبيه مبنى على المبتدأ المحذوف ضمير عائد إلى المنافقين، أو اسم إشارة عائد إليهم كما مر التقدير على أن الآية فذلكة التمثيل، والفذلكة ذكر الشىء مجملا بعد ذكره مفصلا أخذاً من قولك بعد التمام، فذلك كذا، وإن قلنا بعوده إلى الذى استوقد نارا على أحد الأوجه فى رد ضمير الجماعة إليه، فالكلام حقيقة مجرد عن التشبيه بالصم والبكم والعمى، بل هو من تمام المستوقد الممثل به، كأنه قيل ترك المستوقدين فى ظلمة عظيمة لا يمكن فيها إبصار ما، بحيث اختلت آذانهم عن السمع وألسنتهم عن النطق، وعيونهم عن الإبصار لقوة الدهش، وجملة المبتدأ والخبر حال من الضمير فى لا يبصرون، أو من هاء تركهم على كل وجه ويدل له قراءة بعضهم صما بكماً عمياً بالنصب على الحالية، أو الجملة مستأنفة وهذا الوجه مختص برد ذلك إلى المنافقين. {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}: عن الضلالة التى اشتروها إلى الهدى الذى باعوه، فإن كانت الآيات فى منافقين معينين عند الله سبحانه وتعالى، أو عنده وعند النبى صلى الله عليه وسلم، فذلك واضح، إن كانت مسوقة على الإجمال، فالمعنى أنهم لا يرجعون ما داموا على الحال التى وصفهم بها، وهذا الوجه أصح ويجوز جعل هذا المعنى فى وجه تعينهم بحسب ما يظهر للخلق من إمكان زوالهم على الحال المذكور، ولو كانوا عند الله لا يزولون عنها، ويجوز أن يكون لا يرجعون بمعنى أنهم محيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، ولا يدرون كيف ترجعون إلى الوضع الذى ابتدءوا منه، وهذا الوجه يحتمل عود الجملة إلى المستوقد وهو أنسب، وإلى المنافقين. وما قيل هذا الوجه يختص بهم، وقالوا من كتب سبع شينات فى خرقة حرير صفراء وثلاث واوات ثم كتب بعدها {صُمُ بكْمٌ عمىٌ فُهُمْ لاَ يَرْجِعُون} وقابلها للنجوم ثلاثة ليال، وحرز عليها وحملها على تاجه دخل بها على من أراد انعقد لسانه بإذن الله تعالى.
اطفيش
تفسير : {صُمٌّ} أى أولئك مشترو الضلالة صم أو هم صم {بُكْمٌ عُمىٌ} شبهوا فى عدم قبول الحق بمن لا يسمع ولا يتكلم ولا يبصر، فهم لا يعرفون الحق، كأنهم لم يسمعوه ولا يتكلمون به. ولا يبصرون طريق الهدى {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} إلى الحق كما أن الأصم لا يسمع، والأخرس لا يتكلم، والأعمى لا يبصر، كمثل الذى استوقد ناراً... الخ.
الخليلي
تفسير : اختُلف في هذه الآية هل هي من ضمن التمثيل، أو هي خارجة عنه ويعود ما فيها من الوصف إلى المقصودين بالتمثيل وهم المنافقون؟ وعلى الأول فوجه علاقتها بالمثل أن مستوقدي النار لافتقارهم إلى الضوء تشتد حسرتهم، وتتضاعف مصيبتهم، إذا ما أتى عليها عاصف من الريح فأطفأها بعد إشراق ضوئها، وبُدُوِّ منفعتها، كيف وقد فاتهم ما يأملون مما هم في أمسِّ الحاجة إليه من الانتفاع بها؛ مع ضياع جهدهم الجهيد في إيقادها، فإذا ولي ذلك إلمام حادث فظيع ذهب بسمعهم ونطقهم، وإبصارهم، كان ذلك أنكى لهم، وأبلغ في حيرتهم، إذ لا أمل لهم يبقى في الاهتداء بصوت يُسمع، ولا بشبح يُرى، ولا بسؤال يجاب، فلا مناص لهم عن الاستسلام للأمر الواقع حيث لا داعي ولا مجيب. وهذا شأن الذين ضُرب فيهم المثل، فهم بعد أن طفئت نار هدايتهم لم تَعُدْ لهم وسيلة إلى الخير بعد ما قطعوا جميع الوسائل باستحبابهم العمى على الهدى، فطبع الله على قلوبهم، وطمس حواسهم ومشاعرهم. وعلى الثاني فإن في الآية عوْدا إلى المشبه بعد التشبيه بتجلية بعض صفاته لا عن طريق التمثيل، ويؤيد هذا الرأي الأخير أنَ ذكر الاستيقاد يدل على إبصار المستوقد، فإذا ما وُصف بعد بالعمى وسائر العاهات المذكورة، كان في هذا الوصف منافاة لما تقدم من قبل. حواس المنافقين فقدت منافعها: وإنما وُصفوا بما وصفوا به من الصّمَم والبَكَم والعمى - مع اكتمال حواسهم - لأجل فقدانهم منافعها، فأسماعهم لا تصغي إلى الحق، وإن أصغت إليه لم تعقله لعدم تقبُّلها إياه، وألسنتهم لا تتحدث به ولا تدعو إليه، وأبصارهم لا تتوصل إليه؛ لأنها معرضة عنه، فهم لا يختلفون عمن فقد هذه الحواس رأسا. واختُلف في هذه الطريقة؛ هل هي من باب الاستعارة أو الحقيقة؟ فذهب الزمخشري وأكثر علماء التفسير من المتقدمين والمتأخرين؛ إلى أن ذلك من باب التشبيه البليغ، وهو ضرب من الحقيقة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا مع طي ذكر المشبه - وهو المستعار له - بحيث يكون تركيب الكلام صالحا لأن يُراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا القرينة المعينة للمراد، والمشبه هنا في حكم المذكور لأجل بناء الكلام على تقديره، وتعقّب ذلك السيد الجرجاني في حواشيه على الكشاف بما معناه: أنه لم يقصد هنا تشبيه ذوات بذوات، وإنما قصد تشبيه صفات بصفات، والصفات المشبهة مطوية، فلا مانع من عد ذلك من باب الاستعارة التصريحية التبعية، ورُدّ عليه بأن تشبيه الصفات بالصفات يتعدّى إلى تشبيه الذوات بالذوات، فلذلك كان هذا الاستعمال معدودا من التشبيه البليغ الذي تُحذف منه آلة التشبيه مع جواز ذكرها، إذ لا مانع من أن يقال هم كالصم البكم العمي، وإنما في التشبيه البليغ من الفائدة ما لا يوجد فيما لو ذكرت آلة التشبيه، فإن المراد هنا الإِيغال في وصفهم بفقدان منافع حواسهم؛ حتى اعتبروا كأن ذواتهم ذوات صم بكم عمي. وأجاز الألوسي أن يكون الضمير المنوي المسند إليه يرمز إلى ذوات هؤلاء مع استحضار ما سبق من أوصافهم، ككونهم لا يشعرون ولا يعلمون، فيكون ذلك دليلا على المراد بصممهم وبكمهم وعماهم، ولا يخرج عن دائرة التشبيه البليغ. والذي يتبادر لي أن نية المسند إليه لا تمنع من عد هذه الطريقة من باب الاستعارة؛ فإن للمشتقات أحكاما تختلف عن أحكام الجوامد، ألا ترى أن قول القائل: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى" معدود في الاستعارة التمثيلية باتّفاق البلغاء، مع ذكر الضمير المنصوب العائد إلى ذات المستعار له هذا الوصف، ومثله قول القائل: "فلان يوقد النار" والقصد إثارة الفتنة والبغضاء، فإن ذكر اسمه صريحا لا يمنع من عد هذا الأسلوب من باب الاستعارة، وقد عدوا قول الشاعر: شعر : ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة في السماء تفسير : من أبلغ أنواع الاستعارة مع نية ضمير الموصوف. ولا أرى فارقا بين الفعل وسائر المشتقات، وتشبيه الصفات بالصفات لا يتعدى إلى تشبيه الذوات بالذوات، ففي هذه الآية مثلا لم يُرد التشبيه بذوات معينة متصفة بالصمم والبكم والعمى، وإنما الملاحظ في التشبيه نفس هذه الأحوال ولو لم توجد في الخارج. وما تقدم من صفات هؤلاء المنافقين لا يصرف هذه الصورة عن حكم الاستعارة، وإفهامها للمراد لا يعدو أن يكون من باب القرينة المشخصة للمراد من اللفظ، وهو مما يفتقر إليه كل مجاز، على أنهم اتفقوا بأن ذكر المشبه في غير جملة الاستعارة لا يؤثر شيئا على حكمها، نحو قول الشاعر: شعر : قامت تظللني من الشمس نفس أعز عليّ من نفسي قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني من الشمس تفسير : فقد اتفقوا على أن لفظة شمس في البيت الثاني استعارة، مع أن المراد بها منصوص عليه في البيت الذي قبله، وإذا كان هذا مع التقارب بين الحقيقة والاستعارة، فكيف إذا كانت بينهما آيات متعددة، وأقرب مما في البيتين قول الآخر: شعر : لا تعجبوا من بلى غلالته قد زرّ أزراره على القمر تفسير : والصمم هو عدم السمع ممن من شأنه أن يسمع، ولفظه دال على السداد، فإنهم يسمون السداد صمّاما لحيلولته دون دخول ما كان خارجه إلى داخله، ومن هذا الباب قولهم "صخرة صماء"، فإن تلاحم ذراتها مانع من وصول الهواء أو غيره إلى داخلها، وبما أن العروق السمعية إذا أصيبت انسدت، فلا يصلها الأثير المتموج الناقل للأصوات، سميت هذه الاصابة بالصمم. والبكم هو عدم النطق ممن مِن شأنه أن ينطق، وقيل عدم النطق والفهم، وفُرّق بينه وبين الخَرس؛ بأن البكم ما كان بالطبع، والخرس ما كان بحدوث آفة، وقيل الخرس عدم النطق، والبكم عدم النطق والسمع. والعمى هو عدم البصر ممن مِن شأنه الإِبصار، ولذلك لا توصف به الأشجار والأحجار، فلا يقال شجرة عمياء، ولا صخرة عمياء، وهكذا فيما ماثلهما. ومَن إيف بما تقدم تعذر عليه الاهتداء، واستحالت عليه النجاة، فإن الحواس والنطق وسائل لتسيير الانسان نفسه وتبصيرها بخيرها وشرها، فإذا ما فقدها وهو في صحراء قاحلة بحيث لا يجد من يأخذ بيده، فإما أن يهلكه السَّغب والظمأ، وإما أن تفترسه السباع الكاسرة، وليس له عن ذلك مناص. وفصل الآية بقوله {لا يرجعون} دون غيره نحو {لا يهتدون}؛ لأن من اهتدى بعد ضلالِه، ورَشَد بعد غيه، هو آئب إلى الفطرة التي نشز عنها. وقد حمل بعض المفسرين هذا الوصف الشنيع في الآية على طائفة من المنافقين علم الله عدم ارعوائها، وهم الذين قال الله فيهم: {أية : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 80]، وحملها آخرون على جميعهم حال إخلادهم إلى النفاق وعدم تأثرهم بالوعظ.
الالوسي
تفسير : الأوصاف جموع كثرة على وزن/ فعل وهو قياس في جمع فعلاء وأفعل الوصفين سواء تقابلا كأحمر وحمراء أم انفردا لمانع في الخلقة كغرل ورتق فإن كان الوصف مشتركاً ولكن لم يستعملا على نظام أحمر وحمراء كرجل أليّ، وامرأة عجزاء فالوزن فيه سماعي، والصمم داء في الأذن يمنع السمع، وقال الأطباء: هو أن يخلق الصماخ بدون تجويف يشتمل على الهواء الراكد الذي يسمع الصوت بتموجه فيه أو بتجويف لكن العصب لا يؤدي قوة الحس فإن أدى بكلفة سمي عندهم طرشاً، وأصله من الصلابة أو السد، ومنه قولهم قناة صماء وصممت القارورة. والبكم الخرس وزناً ومعنى وهو داء في اللسان يمنع من الكلام وقيل: الأبكم هو الذي يولد أخرس، وقيل: الذي لا يفهم شيئاً ولا يهتدي إلى الصواب فيكون إذ ذاك داء في الفؤاد لا في اللسان، والعمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً، وقيل: ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات، ويطلق على عدم البصيرة مجازاً عند بعض وحقيقة عند آخرين، وهي أخبار لمبتدأ محذوف هو ضمير المنافقين أو خبر واحد وتؤول إلى عدم قبولهم الحق وهم وإن كانوا سمعاء الآذان فصحاء الألسن بصراء الأعين إلا أنهم لما لم يصيخوا للحق وأبت أن تنطق بسائره ألسنتهم ولم يتلمحوا أدلة الهدى المنصوبة في الآفاق والأنفس وصفوا بما وصفوا به من الصمم والبكم والعمى على حد قوله:شعر : أعمى إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر وأصم عما كان بينهما أذني وما في سمعها وقر تفسير : وهذا من التشبيه البليغ عند المحققين لذكر الطرفين حكماً، وذكرهما قصداً حكماً أو حقيقة مانع عن الاستعارة عندهم، وذهب بعضهم إلى أنه استعارة، وآخرون إلى جواز الأمرين، وهذا أمر مفروغ عنه ليس لتقريره هنا كثير جدوى، غير أنهم ذكروا هنا بحثاً وهو أنه لا نزاع أن التقدير: هم صم الخ لكن ليس المستعار له حينئذٍ مذكوراً لأنه لبيان أحوال مشاعر المنافقين لا ذواتهم، ففي هذه الصفات استعارة تبعية مصرحة إلا أن يقال تشبيه ذوات المنافقين بذوات الأشخاص الصم متفرع على تشبيه حالهم بالصمم، فالقصد إلى إثبات هذا الفرع أقوى وأبلغ، وكأن المشابهة بين الحالين تعدت إلى الذاتين فحملت الآية على هذا التشبيه برعاية المبالغة، أو يقال ـ ولعله أولى ـ إن هم المقدر راجع للمنافقين السابق حالهم وصفاتهم وتشهيرهم بها حتى صاروا مثلاً فكأنه قيل هؤلاء المتصفون بما ترى صم على أن المستعار له ما تضمنه الضمير الذي جعل عبارة عن المتصفين بما مر، والمستعار ما تضمن الصم وأخويه من قوله: صم الخ فقد انكشف المغطى وليس هذا بالبعيد جداً. والآية فذلكة ما تقدم ونتيجته إذ قد علم من قوله سبحانه: {أية : لاَّ يَشْعُرُونَ }تفسير : [البقرة: 12] و {أية : لاَّ يُبْصِرُونَ } تفسير : [البقرة: 17] أنهم صم عمي، ومن كونهم يكذبون أنهم لا ينطقون بالحق فهم كالبكم ومن كونهم غير مهتدين أنهم لا يرجعون وقدم الصمم لأنه إذا كان خلقياً يستلزم البكم وأخر العمى لأنه كما قيل: شامل لعمى القلب الحاصل من طرق المبصرات والحواس الظاهرة، وهو بهذا المعنى متأخر لأنه معقول صرف ولو توسط ـ حل بين العصا ولحائها ـ ولو قدم ـ لأوهم تعلقه بـ {أية : لاَّ يُبْصِرُونَ} تفسير : [البقرة: 17] ـ أو الترتيب على وفق حال الممثل له لأنه يسمع أولاً دعوة الحق ثم يجيب ويعترف ثم يتأمل ويتبصر. ومثل هذه الجملة وردت تارة بالفاء كما في قوله تعالى: {أية : وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً }تفسير : [الأعراف: 142] وأخرى بدونها كما في قوله تعالى: {أية : فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } تفسير : [البقرة: 196] لأن استلزام ما قبلها وتضمنه لها بالقوة منزل منزلة المتحد معه فيترك العطف ومغايرتها له وترتبها عليه ترتب النتاج، والفرع على أصله يقتضي الاقتران بالفاء وهو الشائع المعروف، وبعض الناس يجعل الآية من تتمة التمثيل فلا يحتاج حينئذٍ إلى التجوز ويكفي فيه الفرض وإن/ امتنع عادة كما في قوله:شعر : أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد تفسير : فيفرض هنا حصول الصمم والبكم والعمى لمن وقع في هاتيك الظلمة الشديدة المطبقة، وقيل: لا يبعد فقد الحواس ممن وقع في ظلمات مخوفة هائلة إذ ربما يؤدي ذلك إلى الموت فضلاً عن ذلك، ويؤيد كونها تتمته قراءة ابن مسعود وحفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم صماً وبكماً وعمياً بالنصب فإن الأوصاف حينئذٍ تحتمل أن تكون مفعولاً ثانياً لترك و {أية : في ظلمات}تفسير : [البقرة: 17] متعلقاً به أو في موضع الحال و {أية : لاَّ يُبْصِرُونَ }تفسير : [البقرة: 17] حالاً أو منصوبة على الحال من مفعول {أية : تَرَكَهُمْ} تفسير : [البقرة: 17] متعدياً لاثنين أو لواحد أو منصوبة بفعل محذوف أعني أعني، والقول بأنها منصوبة على الحال من ضمير {أية : لاَّ يُبْصِرُونَ} تفسير : [البقرة: 17] جهل بالحال، وقريب منه في الذم من نصب على الذم إذ ذاك إنما يحسن حيث يذكر الاسم السابق، وأما جعل هذه الجملة على القراءة المشهورة دعائية وفيها إشارة إلى ما يقع في الآخرة من قوله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا }تفسير : [الإسراء: 97] فنسأل الله تعالى العفو والعافية من ارتكاب مثله ونعوذ به من عمى قائله وجهله، ومثله ـ بل أدهى وأمرّ ـ القول بأن جملة {لاَ يَرْجِعُونَ } كذلك ومتعلق ـ لا يرجعون ـ محذوف أي لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، وقد لا يقدر شيء ويترك على الإطلاق. والوجهان الأولان مبنيان على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط من {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} تفسير : [البقرة: 16] الخ والأخير على تقدير أن يكون من {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ }تفسير : [البقرة:17] الخ بأن يراد به أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورطوا في حيرة، فالمراد هنا أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكاناتهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، وكيف يرجعون إلى حيث ابتدؤا منه، والأعمى لا ينظر طريقاً وأبكم لا يسأل عنها وأصم لا يسمع صوتاً من صوب مرجعه فيهتدي به والفاء للدلالة على أن اتصافهم بما تقدم سبب لتحيرهم واحتباسهم كيف ما كانوا. ومن البطون: صم آذان أسماع أرواحهم عن أصوات الوصلة وحقائق إلهام القربة بكم عن تعريف علل بواطنهم عند أطباء القلوب عجباً عمي عن رؤية أنوار جمال الحق في سيماء أوليائه. وقال سيدي الجنيد قدس سره: صموا عن فهم ما سمعوا وأبكموا عن عبارة ما عرفوا وعموا عن البصيرة فيما إليه دعوا.
ابن عاشور
تفسير : أخبار لمبتدأ محذوف هو ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضمير {أية : مَثَلُهم}تفسير : [البقرة: 17] ولا يصح أن يكون عائداً على {أية : الذي استوقد}تفسير : [البقرة: 17] لأنه لا يلتئم به أول التشبيه وآخرُه لأن قوله: {كمثل الذي استوقد ناراً} يقتضي أن المستوقد ذو بصر وإلا لمَا تأتى منه الاستيقاد، وحذف المسند إليه في هذا المقام استعمال شائع عند العرب إذا ذكروا موصوفاً بأوصاف أو أخبار جعلوه كأنه قد عُرِف للسامع فيقولون: فلان أو فتىً أو رجلٌ أو نحو ذلك على تقدير هو فلان، ومنه قوله تعالى: {أية : جزاءً من ربك عطاءً حساباً ربُّ السماوات والأرض وما بينهما}تفسير : [النبأ: 36، 37] التقدير هو رب السماوات عُدل عن جعل (رب) بدلاً من ربك، وقول الحماسي:شعر : سأشكر عَمرا إن تراختْ منيتي أياديَ لم تُمْنَنْ وإنْ هيَ جَلَّتِ فتىً غيرُ محجوبِ الغِنى عن صديقه ولا مُظْهر الشكوى إذا النعل زلت تفسير : وسمى السكاكي هذا الحذف «الحذفَ الذي اتبع فيه الاستعمال الوارد على تركه». والإخبار عنهم بهذه الأخبار جاء على طريقة التشبيه البليغ شبهوا في انعدام آثار الإحساس منهم بالصم البكم العمي أي كل واحد منهم اجتمعت له الصفات الثلاث وذلك شأن الأخبار الواردة بصيغة الجمع بعد مبتدأ هو اسم دال على جمع، فالمعنى كل واحد منهم كالأصم الأبكم الأعمى وليس المعنى على التوزيع فلا يفهم أن بعضهم كالأصم وبعضهم كالأبكم وبعضهم كالأعمى، وليس هو من الاستعارة عند محققي أهل البيان. قال صاحب «الكشاف»: ((فإن قلت هل يسمى ما في الآية استعارة قلت مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون)) ا هـ أي لأن الاستعارة تعتمد على لفظ المستعار منه أو المستعار له في جملة الاستعارة فمتى ذكرا معاً فهو تشبيه، ولا يضر ذكر لفظ المستعار له في غير جملة الاستعارة لظهور أنه لولا العلم بالمستعار له في الكلام لما ظهرت الاستعارة ولذلك اتفقوا على أن قول ابن العميد:شعر : قامت تظللني من الشمس نفسٌ أعزُّ عليّ من نفسي قامت تظللني ومن عجب شمسٌ تظللني من الشمس تفسير : أن قوله شمس استعارة ولم يمنعهم من ذلك ذكر المستعار له قبل في قوله نفس أعز، وضميرها في قوله قامت تظللني وكذا إذا لفظ المستعار غير مقصود ابتناء التشبيه عليه لم يكن مانعاً من الاستعارة كقول أبي الحسن ابن طَبَاطَبَا:شعر : لا تعجبوا من بلى غلالته قد زرّ أزراره على القمر تفسير : فإن الضمير لم يذكر ليبنى عليه التشبيه بل جاء التشبيه عقبه. والصم والبكم والعمى جمع أصم وأعمى وأبكم وهم من اتصف بالصمم والبكم والعمي، فالصمم انعدام إحساس السمع عمن من شأنه أن يكون سميعاً، والبكم انعدام النطق عمن من شأنه النطق، والعمي انعدام البصر عمن من شأنه الإبصار. وقوله: {فهم لا يرجعون} تفريع على جملة: {صم بكم عمي} لأن من اعتراه هذه الصفات انعدم منه الفهم والإفهام وتعذر طمع رجوعه إلى رشد أو صواب. والرجوع الانصراف من مكان حلول ثان إلى مكان حلول أول وهو هنا مجاز في الإقلاع عن الكفر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} الآية - ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى. ولكنه تعالى بين في موضع أخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله جل وعلا: {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الأحقاف: 26].
الواحدي
تفسير : {صمٌّ} لتركهم قبول ما يسمعون {بُكْمٌ} لتركهم القول بالخير {عُمْيٌ} لتركهم ما يُبصرون من الهداية {فهم لا يرجعون} عن الجهل والعمى إلى الإسلام، ثمَّ ذكر تمثيلاً آخر فقال: {أو كصيِّبٍ} أو كأصحاب مطرٍ شديدٍ {من السَّماء}: من السَّحاب {فيه} : في ذلك السَّحاب {ظلماتٌ ورعدٌ} وهو صوت مَلَكٍ مُوكَّلٍ بالسَّحاب {وبرق} وهي النَّار التي تخرج منه. {يجعلون أصابعهم في آذانهم} يعني: أهل هذا المطر {من الصواعق} من شدَّة صوت الرَّعد يسدُّون آذانهم بأصابعهم كيلا يموتوا بشدَّة ما يسمعون من الصَّوت، فالمطر مَثَلٌ للقرآن لما فيه من حياة القلوب، والظُّلماتُ مَثَلٌ لما خُوِّفوا به من الوعيد وذكر النَّار، والبرقُ مثلٌ لحجج القرآن وما فيه من البيان، وجعل الأصابع في الآذان حذر الموت مثَلٌ لجعل المنافقين أصابعهم في آذانهم كيلا يسمعوا القرآن مخافةَ ميل القلب إلى القرآن، فيؤدِّي ذلك إلى الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وذلك عندهم كفرٌ، والكفر موتٌ. {واللَّهُ محيطٌ بالكافرين} مُهلكهم وجامعهم في النَّار.
د. أسعد حومد
تفسير : (18) - وَهؤُلاءِ كَأَنَّهُمْ صُمٌّ لاَ يَسْمَعُونَ، وَبُكْمٌ لاَ يَنْطِقُونَ، وَعُمْيٌ لاَ يُبْصِرُونَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِحَوَاسِّهِمْ مَعَ سَلاَمَتِهَا، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلى الحَقِّ لأَنَّ مَنْ فَقَدَ حَوَاسَّهُ لاِ يَسْمَعُ صَوْتاً يَهْتَدِي بِهِ، وَلاَ يَصِيحُ لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ، وَلاَ يَرَى بَارِقاً مِنْ نُورٍ يَتَّجِهُ إِليهِ وَيَقْصُدُهُ، وَلاَ تَزَالُ هَذِهِ حَالُهُ: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَهُوَ يَتَرَدَّى فِي مَهَاوِي الهَلاَكِ. الصَّمَمُ - آفَّةٌ تَمْنَعُ السَّمعَ. البَكَمُ- الخَرَسُ، وَفَقْدُ القُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالحق سبحانه وتعالى .. بعد أن أخبرنا أنه بظلم هؤلاء المنافقين لأنفسهم .. ذهب بنور الإيمان من قلوبهم فهم لا يبصرون آيات الله .. أراد أن يلفتنا إلى أنه ليس البصر وحده هو الذي ذهب، ولكن كل حواسهم تعطلت .. فالسمع تعطل فهم صُمٌّ، والنطق تعطل فهم بُكْمٌّ، والبصر تعطل فهم عُمْيٌّ، وهذه هي آلات الإدراك في الإنسان .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. إذن: كونهم في ظلمات لا يبصرون .. فقد تعطلت وسائل الإدراك الأخرى؛ فآذانهم صُمَّتْ فهي لا تسمع منهج الحق، وألسنتهم تعطلت عن نقل ما في قلوبهم .. وأبصارهم لا ترى آيات الله في الكون .. إذن: فآلات إدراكهم لهدى الله معطلة عندهم. وقوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] .. أي: لن تعود إليهم هذه الوسائل ليدركوا نور الله في كونه .. الإدراك غير موجود عندهم، ولذلك فلا تطمعوا أن يرجعوا إلى منهج الإيمان أبداً .. لقد فسدت في قلوبهم العقيدة .. فلم يُفرِّقوا بين ما هو ضُرٌّ عاجل وما هو نفع آجل .. نور الهداية كان سيجعلهم يبصرون الطريق إلى الله .. حتى يسيروا على بينة ولا يتعثروا، ولكنهم حينما جاءهم النور رفضوه وانصرفوا عنه .. فكأنهم انصرفوا عن كل ما يهديهم إلى طريق الله!!. فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة .. أعطانا وصفاً آخر من صفات المنافقين هو أن أدوات الإدراك التي خلقها الله جل جلاله معطلة عندهم .. ولذلك فإن الإصرار على هدايتهم وبذل الجهد معهم لن يأتي بنتيجة .. لأن الله تبارك وتعالى بنفاقهم وظلمهم عطل وسائل الهداية التي كان من الممكن أن يعودوا بها إلى طريق الحق .
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: {صُمٌّ} [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، {بُكْمٌ} [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، {عُمْيٌ} [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلماً على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}تفسير : [الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى: {أية : أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}تفسير : [محمد: 23]. ثم ضرب لهم مثلاً آخر بقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائراً في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، {فِيهِ ظُلُمَٰتٌ} [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2]. فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: {أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: {وَرَعْدٌ} [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 21]. {وَبَرْقٌ} [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ}تفسير : [المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن {يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ} [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، {فِيۤ آذَانِهِم} [البقرة: 19]، الواعية {مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ} [البقرة: 19]، دواعي الحق {حَذَرَ} [البقرة: 19]، من {ٱلْمَوْتِ} [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : موتوا قبل أن تموتوا ". تفسير : {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ}تفسير : [الأنعام: 122]. فلما لم يمت بالإرادة {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ} [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن {يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ} [البقرة: 20]، أي أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قَامُواْ} [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ} [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة: 13]، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يصبروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموماً أجمعين بقوله تعالى: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 21]، إلى {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية. {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا. {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشاً كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}تفسير : [الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعاً لوجودهم وما كان وجودهم تبعاً لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجوداً للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له. قال تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى: {أية : قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}تفسير : [الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله منَّ على عباده بإخراج الثمرات وقال: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى: {أية : مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات: 33]. كذلك القرآن بثمراته كان رزقاً مختصاً بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال. قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معانٍ: أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أنداداً في العبودية. وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أنداداً لي، {أية : لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ}تفسير : [فصلت: 37]. وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظاً في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أنداداً وتحبونهم كحب الله. {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}تفسير : [البقرة: 165]، فألانداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}تفسير : [البقرة: 165]، يعني الذين اتخذوا من دون الله أنداداً في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدّاً ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل. ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقاً لقوله تعالى: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}تفسير : [البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات غزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريباً على ريب وخساراً على خسار، كما قال تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):