Verse. 26 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاۗءِ فِيْہِ ظُلُمٰتٌ وَّرَعْدٌ وَّبَرْقٌ۝۰ۚ يَجْعَلُوْنَ اَصَابِعَھُمْ فِىْۗ اٰذَانِہِمْ مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ۝۰ۭ وَاللہُ مُحِيْطٌۢ بِالْكٰفِرِيْنَ۝۱۹
Aw kasayyibin mina alssamai feehi thulumatun waraAAdun wabarqun yajAAaloona asabiAAahum fee athanihim mina alssawaAAiqi hathara almawti waAllahu muheetun bialkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو» مثلهم «كصيِّب» أي كأصحاب مطر وأصله صيوب من صاب يصوب أي ينزل «من السماء» السحاب «فيه» أي السحاب «ظلمات» متكاثفة «ورعد» هو الملك الموكَّل به وقيل صوته «وبرق» لمعان صوته الذي يزجره به «يجعلون» أي أصحاب الصيِّب «أصابعهم» أي أناملها «في آذانهم من» أجل «الصواعق» شدة صوت الرعد لئلا يسمعوها «حذر» خوف «الموت» من سماعها. كذلك هؤلاء: إذا نزل القرآن وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات والوعيد عليه المشبه بالرعد والحجج البينة المشبهة بالبرق، يسدون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت «والله محيط بالكافرين» علماً وقدرة فلا يفوتونه.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه: أحدها: أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته. وتعظم الظلمة في عينه، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم، إذ كانوا لا يرون طريقاً ولا يهتدون، وثانيها: أن المطر وإن كان نافعاً إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن: فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضرراً في الدين. وثالثها: أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر ورابعها: أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فراراً من الموت والقتل، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه وخامسها: أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذي يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار. وسادسها: أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق. وسابعها: المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة، والمراد من قوله: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } أنه متى حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذٍ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه. وبقي على الآية أسئلة وأجوبة. السؤال الأول: أي التمثيلين أبلغ؟ والجواب: التمثيل الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ. السؤال الثاني: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ الجواب من وجوه: أحدها: لأن «أو» في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك. كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 24] أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذا قوله: {أَوْ كَصَيّبٍ } معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك. وثانيها: إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 135] وقوله: {أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 4] وثالثها: أو بمعنى بل قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 147] ورابعها: أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى: {أية : أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم} تفسير : [النور: 61] وقال الشاعر:شعر : وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها تفسير : وهذه الوجوه مطردة في قوله: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } تفسير : [البقرة: 74] السؤال الثالث: المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو؟ الجواب: لعلماء البيان ههنا قولان: أحدهما: أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحد من الممثل، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد؛ وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى أو كمثل ذوي صيب، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة: والقول الثاني: أنه تشبيه مركب، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك: أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب، قلنا لولا طلب الراجع في قوله: {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم } ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره: السؤال الرابع: ما الصيب؟ الجواب: أنه المطر الذي يصوب، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود. كان عليه الصلاة والسلام يقول: «حديث : اللهم اجعله صيباً هنيئاً»تفسير : أي مطراً جوداً وأيضاً يقال للسحاب صيب قال الشماخ:شعر : وأسحم دان صادق الوعد صيب تفسير : وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل، كما تنكرت النار في التمثيل الأول، وقرىء «أو كصائب» وصيب أبلغ: والسماء هذه المظلة. السؤال الخامس: قوله من السماء. ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء؟ الجواب من وجهين: الأول: لو قال. أو كصيب فيه ظلمات. احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلاً من بعض جوانب السماء دون بعض، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة التركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقاً، الثاني: من الناس من قال: المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء، كذا قوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } تفسير : [الفرقان: 48] وقوله: {أية : وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } تفسير : [النور: 43] السؤال السادس: ما الرعد والبرق؟ الجواب: الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقاً إذا لمع. السؤال السابع: الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته؟ الجواب: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل. السؤال الثامن: كيف يكون المطر مكاناً للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب. الجواب: لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديداً جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام. السؤال التاسع: هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات؟ الجواب: الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع، أما الرعد فإنه نوع واحد، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع. السؤال العاشر: لم جاءت هذه الأشياء منكرات. الجواب: لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. السؤال الحادي عشر: إلى ماذا يرجع الضمير في «يجعلون». الجواب: إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفاً في اللفظ لكنه باقٍ في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال: {أية : يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ } تفسير : [البقرة: 20] السؤال الثاني عشر: رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله: {أية : فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } تفسير : [المائدة: 38] المراد بعضهما. السؤال الثالث عشر: ما الصاعقة؟ الجواب: إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود. السؤال الرابع عشر: ما إحاطة الله بالكافرين. الجواب: إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عالم بهم قال تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا } تفسير : [الطلاق: 12] وثانيها: قدرته مستولية عليهم {أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَاءهُم مُحِيطٌ } تفسير : [البروج: 20] وثالثها: يهلكهم من قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } تفسير : [يوسف: 66] السؤال الخامس عشر: ما الخطف. الجواب:أنه الأخذ بسرعة، وقرأ مجاهد «يخطِف» بكسر الطاء، والفتح أفصح، وعن ابن مسعود «يختطف» وعن الحسن «يَخَطف» بفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء، وعن زيد بن علي: يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله: {أية : وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 67] أما قوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20] فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالتي ظهور البرق وخفائه، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرد فأعماهم. وأضاء إما متعدٍ بمعنى كلما نور لهم مسلكاً أخذوه، فالمفعول محذوف، وإما غير متعدٍ بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة «كلما ضاء» فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما، ومع الإظلام إذا: قلنا لأنهم حراص على إمكان المشيء، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم، ومنه قامت السوق، وقام الماء جمد، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وههنا مسألة، وهي أن المشهور أن «لو» تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنفال: 23] فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم وقوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً، وما علم فيهم خيراً وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه»تفسير : فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض، فقد علمنا أن كلمة «لو» لا تفيد إلا الربط والله أعلم. وأما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من استدل به على أن المعدوم شيء، قال: لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء. والجواب: لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئاً، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئاً. المسألة الثانية: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له، فوجب أن لا يكون شيئاً، واحتج أيضاً على ذلك بقوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }تفسير : [الشورى: 11] قال لو كان هو تعالى شيئاً لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا تتناقض هذه الآية، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج أصحابنا بوجهين: الأول: قوله تعالى: {أية : قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ }. تفسير : [الأنعام: 19] والثاني: قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئاً. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافاً لأبي علي وأبي هاشم، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافاً للمعتزلة، فإنهم يقولون: الاستطاعة قبل الفعل محال، فالشيء إنما يكون مقدوراً قبل حدوثه، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء، وكل شيء مقدور، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فبقي معمولاً به في محل النزاع، لأنه حال البقاء مقدوره، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه، أما حال الحدوث، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده، فلم يبق إلا أن يكون قادراً على إيجاده. المسألة الخامسة: تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضاً تخصيص العام جائز بدليل العقل، لأن قوله: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تفسير : [البقرة: 284] يقتضي أن يكون قادراً على نفسه ثم خص بدليل العقل، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعاً للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذباً، وذلك يوجب الطعن في القرآن، قلنا: لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع. فقد يستعمل مجازاً في الأكثر، وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قال الطبري: «أو» بمعنى الواو؛ وقاله الفرّاء. وأنشد:شعر : وقد زَعَمتْ ليْلَى بأنِّيَ فاجرٌ لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورها تفسير : وقال آخر:شعر : نَال الخلافةَ أو كانت له قَدَراً كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ تفسير : أي وكانت. وقيل: «أو» للتخيير أي مثّلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد الأمرين، والمعنى أو كأصحاب صَيِّب. والصَّيِّبُ: المطر. وٱشتقاقه من صَابَ يَصُوبُ إذا نزل؛ قال عَلْقَمة:شعر : فلا تَعْدِلي بَيني وبين مُغَمَّرٍ سَقَتكِ رَوايا المُزْنِ حيث تَصُوبُ تفسير : وأصله: صَيْوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت؛ كما فعلوا في ميّت وسيّد وهيّن وليّن. وقال بعض الكوفيين: أصله صَوِيب على مثال فعِيل. قال النحاس: «لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه، كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيب صيايب. والتقدير في العربية: مَثَلهم كَمَثل الذي ٱستوقد ناراً أو كمثل صيب». قوله تعالى: {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} السماء تذكّر وتؤنث، وتجمع على أسميةٍ وسموات وسُمِيّ، على فُعُول؛ قال العجاج:شعر : تَلُفُّه الرياحُ والسُّمِيُّ تفسير : والسماء: كل ما علاك فأظلّك؛ ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر؛ سُمّيَ به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت:شعر : ديارٌ من بني الحَسْحاسِ قَفْرٌ تُعَفِّيها الروامِسُ والسماء تفسير : وقال آخر:شعر : إذا سَقَط السماءُ بأرض قومٍ رَعَيناه وإن كانوا غِضابَا تفسير : ويسمّى الطين والكلا أيضاً سماء؛ يقال: ما زِلْنا نطأ السماء حتى أتيناكم. يريدون الكلأ والطين. ويقال لظهر الفرس أيضاً سماء لعلوّه؛ قال:شعر : وأحمرُ كالدّيباج أمّا سماؤه فَرَيّا وأمّا أرضُه فمُحُولُ تفسير : والسماء: ما علا. والأرض: ما سفل؛ على ما تقدّم. قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} ٱبتداء وخبر. {وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} معطوف عليه. وقال: ظلمات بالجمع إشارة إلى ظُلْمة الليل وظُلْمة الدَّجْن، وهو الغيم؛ ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت. وقد مضى ما فيه من اللغات فلا معنى للإعادة، وكذا كل ما تقدّم إن شاء الله تعالى. وٱختلف العلماء في الرعد؛ ففي الترمذي عن ٱبن عباس قال: "حديث : سألتِ اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: «مَلك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله». فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله» قالوا: صدقت"تفسير : . الحديث بطوله. وعلى هذا التفسير أكثر العلماء. فالرعد: ٱسم الصوت المسموع، وقاله عليّ رضي الله عنه، وهو المعلوم في لغة العرب؛ وقد قال لبِيد في جاهليته:شعر : فَجّعَني الرعدُ والصواعقُ بالـ ـفارِسِ يومَ الكريهةِ النَّجِدِ تفسير : وروي عن ٱبن عباس أنه قال: الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوّت ذلك الصوت. وٱختلفوا في البرق؛ فروي عن عليّ وٱبن مسعود وٱبن عباس رضوان الله عليهم: البرق مخراق حديد بيد المَلَك يسوق به السحاب. قلت: وهو الظاهر من حديث الترمذي. وعن ٱبن عباس أيضاً: هو سوط من نور بيد المَلَك يزجر به السحاب. وعنه أيضاً: البرق مَلَك يتراءى. وقالت الفلاسفة: الرعد صوت ٱصطكاك أجرام السحاب. والبرق ما ينقدح من ٱصطكاكها. وهذا مردود لا يصح به نقل؛ والله أعلم. ويقال: أصل الرعد من الحركة؛ ومنه الرِّعديد للجبان. وٱرتعد: ٱضطرب؛ ومنه الحديث: «حديث : فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فَرَائصهما»تفسير : الحديث. أخرجه أبو داود. والبرق أصله من البريِق والضوء؛ ومنه البُرَاق: دابّة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسرِيَ به وركبها الأنبياء عليهم السلام قبله. ورَعَدت السماء من الرعد، وبَرَقت من البرق. وَرَعَدت المرأة وبَرَقت: تحسّنت وتزينّت. ورَعَد الرجل وبَرَق: تهدّد وأوعد؛ قال ٱبن أحمر:شعر : يا جُلَّ ما بَعُدَتْ عليك بِلادُنا وطِلابُنا فٱبرُقْ بأرضِك وٱرعُدِ تفسير : وأَرعد القوم وأبرقوا: أصابهم رعد وبرق. وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو: أرعدت السماء وأبرقت، وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدّد وأوعد؛ وأنكره الأصمعي. وٱحتج عليه بقول الكُمَيْت:شعر : أبرِق وأرعِد يا يزيـ ـدُ فما وعيدُكَ لي بِضائرْ تفسير : فقال: ليس الكُمَيت بحجة. فائدة: روى ٱبن عباس قال: كنا مع عمر بن الخطاب في سَفْرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار، قال فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد، وفَرِق الناس. قال فقال لي كعب: إنه من قال حين يسمع الرعد: سبحانَ من يسبِّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته؛ عُوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق. قال: فقلتها أنا وكعب، فلما أصبحنا وٱجتمع الناس قلت لعمر: يا أمير المؤمنين، كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس. قال: وما ذاك؟ قال: فحدّثته حديث كعب. قال: سبحان الله! أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم! في رواية فإذا بَرَدة قد أصابت أنف عمر فأثّرَت به. وستأتي هذه الرواية في سورة «الرعد» إن شاء الله. ذكر الروايتين أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين. "حديث : وعن ٱبن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللَّهُمّ لا تقتلنا بغضبك ولا تُهْلكنا بعذابك وعافِنا قبل ذلك»»تفسير : قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام؛ وذلك عندهم كفر والكفر موت. وفي واحد الأصابع خمس لغات: إصْبَع بكسر الهمزة وفتح الباء، وأَصْبِع بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال بفتحهما جميعاً، وضمهما جميعاً، وبكسرهما جميعاً؛ وهي مؤنثة. وكذلك الأذن وتخفّف وتثقّل وتصغّر، فيقال: أذينة. ولو سّميت بها رجلاً ثم صغّرته قلت: أُذيْن؛ فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر. فأما قولهم: أذينة في الاسم العَلم فإنما سُمّي به مصغّراً، والجمع آذان. وتقول: أَذَنته إذا ضربت أذنه. ورجل أُذُنٌ: إذا كان يسمع كلام كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع. وأذانِيّ: عظيم الأذنين. ونعجة أَذْناء، وكَبْش آذَن. وأذّنت النعل وغيرَها تأذينا: إذا جعلت لها أُذُناً. وأذّنت الصبيّ: عَرَكت أذنه. قوله تعالى: {مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} أي من أجل الصواعق. والصّواعق جمع صاعقة. قال ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما: إذا ٱشتدّ غضب الرعد الذي هو المَلَك طار النار مِن فِيهِ وهي الصواعق. وكذا قال الخليل، قال: هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحياناً قطعة نار تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد: الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد. وحكى الخليل عن قوم: الساعقة (بالسين). وقال أبو بكر النقاش: يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنىً واحد. وقرأ الحسن: من «الصواقع» (بتقديم القاف)؛ ومنه قول أبي النَّجْم:شعر : يَحْكُون بالمَصْقُولة القواطِعِ تَشَقُّقَ البَرْقِ عن الصّواقِعِ تفسير : قال النحاس: وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة. ويقال: صَعَقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضاً صيحة العذاب؛ قال الله عز وجل: {أية : فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ} تفسير : [فصلت: 17]. ويقال: صَعِق الرجلُ صَعْقةً وتَصْعاقاً؛ أي غُشِيَ عليه؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}تفسير : [الأعراف: 143] فأصعقه غيره. قال ٱبن مُقْبِل:شعر : ترى النُّعَرات الزُّرْقَ تحت لَبانِهِ أُحادَ ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَواهِلُهُ تفسير : وقوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 68] أي مات. وشبّه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصَّيِّب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مَثَلٌ لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مَثَلٌ لما يُخَوَّفون به. وقيل: مَثَّل الله تعالى القرآن بالصَّيّب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات؛ وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحياناً أن تَبْهَرهم هو البرق. والصواعق مَثَلٌ لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. قوله: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} حَذَرَ وحِذَارَ بمعنىً؛ وقرىء بهما. قال سيبويه: هو منصوب؛ لأنه موقوع له أي مفعول من أجله؛ وحقيقته أنه مصدر؛ وأنشد سيبويه:شعر : وأغْفِرُ عَوْرَاءَ الكريم ٱدّخارَه وأعْرِض عن شَتِم اللئيم تَكَرُّما تفسير : وقال الفراء: هو منصوب على التمييز. والموت: ضدّ الحياة. وقد مات يموت؛ ويَمات أيضاً؛ قال الراجز:شعر : بُنَيّتي سَيّدةَ الَبناتِ عِيشي ولا يُؤْمَن أن تَماتِي تفسير : فهو ميِّت وميْت، وقوم موتى وأموات وميِّتون وميْتون. والمُوَات (بالضم) الموت. والمَوَات (بالفتح): ما لا رُوح فيه. والمَوات أيضاً: الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد. والمَوَتان (بالتحريك): خلاف الحيوان؛ يقال: ٱشْترِ المَوَتانَ، ولا تشتر الحيوان، أي ٱشتر الأرضين والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب. والمُوْتان (بالضم): مَوْتٌ يقع في الماشية؛ يقال: وقع في المال مُوتان. وأماته الله وموَّته؛ شُدّد للمبالغة. وقال:شعر : فَعُرْوةُ مات مَوتاً مستريحاً فهأنذا أُمَوَّتُ كلَّ يومِ تفسير : وأماتت الناقة إذا مات ولدها، فهي مُمِيت ومُميتة. قال أبو عبيد: وكذلك المرأة، وجمعها مَماوِيت. قال ٱبن السِّكيت: أمات فلان إذا مات له ٱبنٌ أو بَنُونَ. والمُتَماوِت من صفة الناسك المرائي. وموت مائتٌ، كقولك: ليلٌ لائِلٌ؛ يؤخذ من لفظه ما يؤكّد به. والمُسْتَمِيتُ للأمر: المُسْتَرسِلُ له؛ قال رُؤبة:شعر : وزَبَدُ البحرِ له كَتِيت واللّيل فوق الماءِ مُسْتَمِيت تفسير : المستميت أيضاً: المستقتلِ الذي لا يبالي في الحرب من الموت؛ وفي الحديث: «حديث : أرى القوم مُسْتَمِيتين»تفسير : وهم الذين يقاتلون على الموت. والمُوتة (بالضم): جنس من الجنون والصرع يعتري الإنسان؛ فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. ومُؤْتة (بضم الميم وهمز الواو): ٱسم أرض قُتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام. قوله تعالى: {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ} ٱبتداء وخبر؛ أي لا يفوتونه. يقال: أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذاً حاصراً من كل جهة؛ قال الشاعر:شعر : أحطنا بهم حتى إذا ما تَيَقّنُوا بما قد رأوْا مالوا جميعاً إلى السِّلْمِ تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}تفسير : [الكهف: 42]. وأصله مُحِيْط، نُقلت حركة الياء إلى الحاء فسكّنت. فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره؛ كما قال: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الزمر: 67]. وقيل: {أية : مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 19] أي عالم بهم. دليله: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} تفسير : [الطلاق: 12]. وقيل: مهلكهم وجامعهم. دليله قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ}تفسير : [يوسف: 66] أي إلا أن تهلكوا جميعاً. وخص الكافرين بالذكر لتقدّم ذكرهم في الآية. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء } عطف على الذي استوقد أي: كمثل ذوي صيب لقوله: {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم } و {أَوْ } في الأصل للتساوي في الشك، ثم اتسع فيها فأطلقت للتساوي من غير شك مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً }تفسير : [الإنسان: 24] فإنها تفيد التساوي في حسن المجالسة ووجوب العصيان ومن ذلك قوله: {أَوْ كَصَيّبٍ } ومعناه أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما، وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيهما شئت. والصيب: فيعل من الصوب، وهو النزول، يقال للمطر وللسحاب. قال الشماخ:شعر : وأسْحَمَ دانٍ صادقِ الرعْدِ صَيَّبٍ تفسير : وفي الآية يحتملهما، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر شديد. وتعريف السماء للدلالة على أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء كلها فإن كل أفق منها يسمى سماء كما أن كل طبقة منها سماء، وقال:شعر : وَمِنْ بَعْدِ أرضٍ بينَنَا وسماءِ تفسير : أمد به ما في الصيب من المبالغة من جهة الأصل والبناء والتنكير، وقيل المراد بالسماء السحاب فاللام لتعريف الماهية. {فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } إن أريد بالصيب المطر، فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر، وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وجعله مكاناً للرعد والبرق لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به. وإن أريد به السحاب، فظلماته سحمته وتطبيقه مع ظلمة الليل. وارتفاعها بالظرف وفاقاً لأنه معتمد على موصوف. والرعد: صوت يسمع من السحاب. والمشهور أن سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا حدتها الريح من الارتعاد. والبرق ما يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقاً، وكلاهما مصدر في الأصل ولذلك لم يجمعا. {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم } الضمير لأصحاب الصيب وهو وإن حذف لفظه وأقيم الصيب مقامه لكن معناه باق، فيجوز أن يعول عليه كما عول حسان في قوله:شعر : يَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريصَ عَليهم بَرَدَى يصفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ تفسير : حيث ذكر الضمير لأن المعنى ماء بردى، والجملة استئناف فكأنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك؟ فأجيب بها، وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة. {مّنَ ٱلصَّوٰعِقِ } متعلق بيجعلون أي من أجلها يجعلون، كقولهم سقاه من الغيمة. والصاعقة قصفة رعد هائل معها نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه، من الصعق وهو شدة الصوت، وقد تطلق على كل هائل مسموع أو مشاهد، يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو شدة الصوت، وقرىء من «الصواقع» وهو ليس بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف يقال صقع الديك، وخطيب مصقع، وصقعته الصاقعة، وهي في الأصل إما صفة لقصفة الرعد، أو للرعد. والتاء للمبالغة كما في الرواية أو مصدر كالعافية والكاذبة. {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } نصب على العلة كقوله:شعر : وأغْفرُ عَوراءَ الكَريم ادِّخَارَه وأَصْفَحُ عنْ شتمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا تفسير : والموت: زوال الحياة، وقيل عرض يضادها لقوله: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ }تفسير : [الملك: 2] وَرُدَّ بأن الخلق بمعنى التقدير، والاعدام مقدرة. {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ } لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، لا يخلصهم الخداع والحيل، والجملة اعتراضية لا محل لها.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم {كَصَيِّبٍ}، والصيب: المطر، قاله ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة، وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني والسدي والربيع بن أنس، وقال الضحاك: هو السحاب، والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال {ظُلُمَـٰتٍ}، وهي الشكوك والكفر والنفاق {وَرَعْدٌ} وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع كما قال تعالى: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}تفسير : [المنافقون: 4] وقال: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} تفسير : [التوبة: 56 - 57] و{البرق}: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان، ولهذا قال: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ} أي: ولا يجدي عنهم حذرهم شيئاً؛ لأن الله محيط بهم بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته كما قال: {أية : هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ}تفسير : [البروج: 17 - 20] بهم. ثم قال: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم وعدم ثباتها للإيمان. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ} يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ} أي: لشدة ضوء الحق، كلما أضاء لهم، مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم، قاموا، أي: كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كلما أضاء لهم مشوا فيه، يقول: كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر؛ كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ}تفسير : [الحج: 11]. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا، أي: متحيرين. وهكذا قال أبو العالية والحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس والسدي بسنده عن الصحابة، وهو أصح وأظهر، والله أعلم. وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك، وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة، ويضيء أخرى، ومنهم من يمشي على الصراط تارة، ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره بالكلية، وهم الخلص من المنافقين الذين قال تعالى فيهم: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} تفسير : [الحديد: 13] وقال في حق المؤمنين: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [الحديد: 12] الآية، وقال تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [التحريم: 8]. ذكر الحديث الوارد في ذلك قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ}تفسير : [الحديد: 12] الآية، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين بصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه»تفسير : رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داود القطان عن قتادة بنحوه، وهذا كما قال المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً على إبهامه، يطفأ مرة ويتقد مرة. وهكذا رواه ابن جرير عن ابن مثنى عن ابن إدريس عن أبيه عن المنهال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن علي بن محمد الطنافسي حدثنا ابن إدريس سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود: {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [التحريم: 8] قال: على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه، يتقد مرة ويطفأ أخرى. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو يحيى الحماني حدثنا عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافق، فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا. وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نوراً، فإذا انتهى إلى الصراط، طفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا، فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا. فإذا تقرر هذا، صار الناس أقساماً: مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع الإيمان، وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالاً من الذين قبلهم، وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور من ضرب مثل المؤمن، وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله. ثم ضرب مثل العباد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور: 39] الآية، ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال تعالى فيهم: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ }تفسير : [النور: 40] فقسم الكفار ههنا إلى قسمين: داعية، ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ}تفسير : [الحج: 3] وقال: { أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ}تفسير : [الحج: 8] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار. فتلخّص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين أيضاً صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»تفسير : استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق، إما عملي؛ لهذا الحديث، أو اعتقادي؛ كما دلت عليه الآية كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء؛ كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان - عن ليث عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس، فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح، فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه»تفسير : وهذا إسناد جيد حسن. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ} قال: لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} قال ابن عباس: أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير. وقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى قدير: قادر، كما معنى عليم عالم. وذهب ابن جرير ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون {أَوْ}، في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بمعنى الواو؛ كقوله تعالى {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] أو تكون للتخيير، أي: اضرب لهم مثلاً بهذا، وإن شئت بهذا، قال القرطبي: {أَوْ} للتساوي، مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري أن كلاً منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربت لهم مثلاً بهذا، أو بهذا، فهو مطابق لحالهم (قلت): وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ}تفسير : [النور: 39] إلى أن قال: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ}تفسير : [النور: 40] الآية: فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوْ } مثلهم {كَصَيّبٍ } أي كأصحاب مطر وأصله (صَيْوب) من (صاب يَصُوب) أي ينزل {مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } السحاب {فِيهِ } أي السحاب {ظُلُمَٰتٌ } متكاثفة {وَرَعْدٌ } هو الملك الموكل به وقيل صوته {وَبَرْقٌ } لمعان سَوْطِه الذي يزجره به {يَجْعَلُونَ } أي أصحاب الصِّيب {أَصَٰبِعَهُمْ } أي أناملهم {فىءَاذَانِهِم مِّنَ } أجل {ٱلصَّوٰعِقِ } شدّة صوت الرعد لئلا يسمعوها {حَذَرَ } خوف {ٱلْمَوْت } من سماعها. كذلك هؤلاء: إذا نزل القرآن وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات، والوعيدُ عليه المشبه بالرعد والحجج البينة المشبهة بالبرق يسدّون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكٰفِرِينَ } علماً وقدرةً فلا يفوتونه.

الشوكاني

تفسير : عطف هذا المثل على المثل الأول بحرف الشك لقصد التخيير بين المثلين: أي: مثلوهم بهذا أو هذا، وهي وإن كانت في الأصل للشك، فقد توسع فيها حتى صارت لمجرّد التساوي من غير شك وقيل: إنها بمعنى الواو، قاله: الفراء وغيره، وأنشد:شعر : وَقَد زَعَمَت لَيْلى بأني فَاجِرٌ لِنَفسِي تقَاهَا أو عَلَيَها فُجُورَها تفسير : وقال آخر:شعر : نال الخِلافَة أو كانت لَهُ قَدَراً كَمَا أتَى رَبَه ُموسَى على قَدَرٍ تفسير : والمراد بالصِّيب: المطر، واشتقاقه من صاب يصوب: إذا نزل. قال علقمة:شعر : فَلا تَعِدلِي بَيني وبَيَن مُعَمرَّ سَقَتْك رَوَايا الموتِ حَيْثُ تُصَوُب تفسير : وأصله صيوب، اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما فعلوا في مِّيت وسِّيد. والسماء في الأصل: كل ما علاك فأظلك. ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء أيضاً: المطر؛ سمي بها لنزوله منها، وفائدة ذكر نزوله من السماء مع كونه لا يكون إلا منها أنه: لا يختص نزوله بجانب منها دون جانب، وإطلاق السماء على المطر واقع كثيراً في كلام العرب، فمنه قول حسان:شعر : ديار من بني الحسحاس قفر تعفيها الدوامس والسماء تفسير : وقال آخر:شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم تفسير : والظلمات قد تقدّم تفسيرها، وإنما جمعها إشارة إلى أنه انضمّ إلى ظلمة الليل ظلمة الغيم. والرعد: اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب. وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: «سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال:حديث : ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله، تفسير : قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: حديث : زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمرتفسير : . قالت: صدقت» الحديث بطوله، وفي إسناده مقال. قال القرطبي: وعلى هذا التفسير أكثر العلماء، وقيل: هو: اضطراب أجرام السحاب عند نزول المطر منها، وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعاً للفلاسفة، وجهلة المتكلمين، وقيل: غير ذلك، والبرق: مخراق حديد بيد الملك الذي يسوق السحاب، وإليه ذهب كثير من الصحابة، وجمهور علماء الشريعة للحديث السابق. وقال بعض المفسرين تبعاً للفلاسفة: إن البرق ما ينقدح من اصطكاك أجرام السحاب المتراكمة من الأبخرة المتصعدة المشتملة على جزء ناري يتلهب عند الاصطكاك. وقوله: {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم } جملة مستأنفة لا محل لها كأنّ قائلاً قال: فكيف حالهم عند ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم. وإطلاق الإصبع على بعضها مجاز مشهور، والعلاقة الجزئية والكلية لأن الذي يجعل في الأذن إنما هو رأس الإصبع لا كلها. والصواعق:- ويقال الصواقع:- هي قطعة نار تنفصل من مخراق الملك الذي يزجر السحاب عند غضبه وشدة ضربه لها، ويدلّ على ذلك ما في حديث ابن عباس الذي ذكرنا بعضه قريباً وبه قال كثير من علماء الشريعة. ومنهم من قال: إنها نار تخرج من فم الملك. وقال الخليل: هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحياناً قطعة نار تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد. وقال بعض المفسرين تبعاً للفلاسفة ومن قال بقولهم: إنها نار لطيفة تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامها. وسيأتي في سورة الرعد إن شاء الله في تفسير الرعد والبرق والصواعق ماله مزيد فائدة وإيضاح. ونصب {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } على أنه مفعول لأجله. وقال الفراء: منصوب على التمييز، والموت: ضدّ الحياة. والإحاطة، الأخذ من جميع الجهات حتى لا تفوت المحاط به بوجه من الوجوه. وقوله {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ } جملة مستأنفة، كأنه قيل: فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ ويكاد: يقارب. والخطف: الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافاً لسرعته. وقرأ مجاهد {يَخْطِفُ } بكسر الطاء، والفتح أفصح. وقوله: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } كلام مستأنف كأنه قيل: كيف تصنعون في تارتي خفوق البرق، وسكونه؟ وهو: تمثيل لشدّة الأمر على المنافقين بشدّته على أهل الصيب، {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } بالزيادة في الرعد، والبرق {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } وهذا من جملة مقدوراته سبحانه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: {أَوْ كَصَيّبٍ } هو: المطر ضرب مثله في القرآن {فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ } يقول ابتلاء {وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } تخويف {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ } يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } يقول: كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزّا اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ }تفسير : [الحج: 11] الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه وإذا لم يلمع لم يبصرا قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا، كما كان ذلك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه أي: فإذا كثرت أموالهم، وأولادهم، وأصابوا غنيمة، وفتحا مشو فيه، وقالوا: إن دين محمد صلى الله عليه وسلم حينئذ صدق، واستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، فكانوا إذا هلكت أموالهم، وأولادهم، وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد صلى الله عليه وسلم، وارتدوا كفراً كما قام المنافقان حين أظلم البرق عليهما. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: {أَوْ كَصَيّبٍ } قال: هو، المطر وهو: مثل للمنافق في ضوئه، يتكلم بما معه من كتاب الله مراآة الناس، فإذا خلا، وحده عمل بغيره، فهو: في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلمات: فالضلالات. وأما البرق: فالإيمان، وهم أهل الكتاب، وإذا أظلم عليهم: فهو: رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أيضاً نحو ما سلف. وقد روي تفسيره بنحو ذلك عن جماعة من التابعين. واعلم أن المنافقين أصناف، فمنهم من يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، ومنهم من قال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما «حديث : ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه، واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»تفسير : وورد بلفظ "أربع"، وزاد «وإذا خاصم فجر». وورد بلفظ «وإذا عاهد غدر». وقد ذكر ابن جرير ومن تبعه من المفسرين أن هذين المثلين لصنف واحد من المنافقين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ} في الصيِّبِ تأويلان: أحدهما: أنه المطر، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أنه السحاب، قال علقمة بن عبدة: شعر : كَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ فَلاَ تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ تفسير : وفي الرعد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه، فَسُمِّيَ الصوتُ رعداً باسم ذلك المَلك، وبه قال الخليل. والثاني: أنه ريح تختنق تحت السحاب فَتُصَوِّبُ ذلك الصوت، وهو قول ابن عباس. والثالث: أنه صوت اصطكاك الأجرام. وفي البرق ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والثاني: أنه ضربه بسوطٍ من نور، وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنه ما ينفدح من اصطكاك الأجرام. والصواعق جمع صاعقة، وهو الشديد من صوت الرعد تقع معه قطعة نار، تحرق ما أتت عليه. وفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل: أحدها: أنه مَثَلٌ للقرآن، شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر، وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل، والدعاء إلى الجهاد في العاجل، وهذا المعنى عن ابن عباس. والثاني: أنه مَثَلٌ، لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. والثالث: أنه ضَرَبَ الصيِّب مَثَلاً بظاهر إيمان المنافق، ومثل ما فيه من الظلمات بصلابته، وما فيه من البرق بنور إيمانه، وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. قوله عز وجل: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} معناه يستلبها بسرعة. {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم قَامُوا} وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين، وفيه تأويلان: أحدهما: معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه، وإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه. والثاني: معناه كلما غنموا وأصابوا من الإسلام خيراً، اتبعوا المسلمين، وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيراً، قعدوا عن الجهاد. قوله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} فالمراد الجمع وإن كان بلفظ الواحد. كما قال الشاعر: شعر : كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا فَإِنَّ زَمَانَكُم زَمَنٌ خَمِيصُ

ابن عطية

تفسير : {أو} للتخيير، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد الأمرين، وقوله: {أو كصيّب} معطوف على {كمثل الذي}. وقال الطبري: {أو} بمعنى الواو. قال القاضي أبو محمد وهذه عجمة، والصيب المطر من صاب يصوب إذا انحط من علو إلى سفل، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : كأنهمُ: صابتْ عليهمْ سحابةٌ صواعقها لطيرِهِنَّ دبيبُ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : فلستِ لإنسيٍّ ولكن لملأكٍ تنّزلَ من جوِّ السماءِ يصوبُ تفسير : وأصل صيّب صَيْوب اجتمع الواو والياء وسبقت إحدهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما فعل في سَيّد ومَيّت. وقال بعض الكوفيين: أصل صيّب صَوِيب على مثال فعيل وكان يلزمه أن لا يعل كما لم يعل طويل، فبهذا يضعف هذا القول. وقوله تعالى: {ظلمات} بالجمع، إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفس، بخلاف السحاب والمطر إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب] شعر : فما رَوْضةٌ من رياضِ القطا كأَنَّ الْمَصَابِيحَ حوذانها بأحسنَ مِنْها ولا مَزنةٌ دلوحٌ تَكشّفُ أدجانُها تفسير : واختلف العلماء في الرعد: فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب وغيرهم: هو ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طار النار من فيه، فهي {الصواعق}، واسم هذا الملك الرعد، وقيل الرعد ملك، وهذا الصوت تسبيحه، وقيل الرعد اسم الصوت المسموع، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته: [المنسرح] شعر : فجعني الرعدُ والصواعقُ بالــ ــفارسِ يومَ الكريهةِ النجدِ تفسير : وروي عن ابن عباس أنه قال: "الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت". وقيل: "الرعد اصطكاك أجرام السحاب". وأكثر العلماء على أن الرعد ملك، وذلك صوته يسبح ويزجر السحاب. واختلفوا في البرق: فقال علي بن أبي طالب: "هو مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب". وقال ابن عباس: "هو سوط نور بيد الملك يزجي به السحاب". وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن البرق يتراءى، وقال قوم: "البرق ماء"، وهذا قول ضعيف. والصاعقة: قال الخليل: "هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحياناً نار، يقال إنها من المخراق الذي بيد الملك، وقيل في قطعة النار إنها ماء يخرج من فم الملك عند غضبه". وحكى الخليل عن قوم من العرب "الساعقة" بالسين. وقال النقاش: "يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد". وقرأ الحسن بن أبي الحسن "من الصواقع" بتقديم القاف. قال أبو عمرو: "وهي لغة تميم". وقرأ الضحاك بن مزاحم "حذار الموت" بكسر الحاء وبألف. واختلف المتأولون في المقصد بهذا المثل وكيف تترتب أحوال المنافقين الموازنة لما في المثل من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فقال جمهور المفسرين: "مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم. والعمى: هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أن تبهرهم هو البرق وتخوفهم وروعهم وحذرهم هو جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم، واشتهار كفرهم، وتكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوه هي الصواعق". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كله صحيح بين. وروي عن ابن مسعود أنه قال: "إن رجلين من المنافقين هربا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا أصبحنا فنأتي محمداً ونضع أيدينا في يده، فأصبحا وأتياه وحسن إسلامهما، فضرب الله ما نزل بهما مثلاً للمنافقين". وقال أيضاً ابن مسعود: "إن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعون القرآن، فضرب الله المثل لهم". قال القاضي أبو محمد: وهذا وفاق لقول الجمهور الذي ذكرناه. وقل قوم: "الرعد والبرق هما بمثابة زجر القرآن، ووعيده". و {محيط بالكافرين} معناه بعقابه وأخذه، يقال أحاط السلطان بفلان إذا أخذه حاصراً من كل جهة، ومنه قوله تعالى: {أية : وأحيط بثمره} تفسير : [الكهف: 42] ففي الكلام حذف مضاف، ويكاد فعل ينفي المعنى مع إيجابه ويوجبه مع النفي، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخطف الانتزاع بسرعة. واختلفت القراءة في هذه اللفظة فقرأ جمهور الناس: "يَخْطَف أبصارهم" بفتح الياء والطاء وسكون الخاء، على قولهم في الماضي خطف بكسر الطاء وهي أفصح لغات العرب، وهي القرشية. وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب: "يَخْطِف" بفتح الياء وسكون الخاء وكسر الطاء على قول بعض العرب في الماضي "خَطَف" بفتح الطاء، ونسب المهدوي هذه القراءة إلى الحسن وأبي رجاء، وذلك وهم. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري وقتادة: "يَخِطِّف" بفتح الياء وكسر الخاء والطاء وتشديد الطاء، وهذه أصلها "يختطف" أدغمت التاء في الطاء وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وحكى ابن مجاهد قراءة لم ينسبها إلى أحد "يَخَطِّف" بفتح الياء والخاء وتشديد الطاء المكسورة. قال أبو الفتح: "أصلها يختطف نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء في الطاء". وحكى أبو عمرو الداني عن الحسن أيضاً، أنه قرأ "يَخَطَّف" بفتح الياء والخاء والطاء وشدها. وروي أيضاَ عن الحسن والأعمش "يخطِّف" بكسر الثلاثة وشد الطاء منها. وهذه أيضاً أصلها يختطف أدغم وكسرت الخاء للالتقاء وكسرت الياء إتباعاً. وقال عبد الوارث: "رأيتها في مصحف أبي بن كعب "يَتَخَطَّف"بالتاء بين الياء والخاء". وقال الفراء: "قرأ بعض أهل المدينة بفتح الياء وسكون الخاء وشد الطاء مكسورة". قال أبو الفتح: "إنما هو اختلاس وإخفاء فيلطف عندهم فيرون أنه إدغام، وذلك لا يجوز". قال القاضي أبو محمد: لأنه جمع بين ساكنين دون عذر. وحكى الفراء قراءة عن بعض الناس بضم الياء وفتح الخاء وشد الطاء مكسورة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنه تشديد مبالغة لا تشديد تعدية. ومعنى: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل {البرق} في المثل الزجر والوعيد قال يكاد ذلك يصيبهم. و {كلما} ظرف، والعامل فيه {مشوا} وهو أيضاً جواب {كلما}، و{أضاء} صلة ما، ومن جعل {أضاء} يتعدى قدر له مفعولاً، ومن جعله بمنزلة ضاء استغنى عن ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة: "أضا لهم" بغير همز، وهي لغة. وفي مصحف أبي بن كعب: "مروا فيه". وفي قراءة ابن مسعود "مضوا فيه". وفي الضحاك: "وإذا أُظلِم" بضم الهمزة وكسر اللام، و{قاموا} معناه ثبتوا، لأنهم كانوا قياماً، ومنه قول الأعرابي: "وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره" يريد أثبت الدهر، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عباس وغيره كلما سمع المنافقون القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم. وروي عن ابن مسعود أن معنى الآية: كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النعم قالوا دين محمد دين مبارك. وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة سخطوه وثبتوا في نفاقهم. وقال قوم: معنى الآية: كلما خفي عليكم نفاقهم وظهر لكم منهم الإيمان مشوا فيه، فإذا افتضحوا عندكم قاموا، ووحد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. وحكى النقاش أن من العلماء من قرأ بأسماعهم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: "ولو شاء الله لأذهب أسماعهم وأبصارهم" وخص الأسماع والأبصار لتقدم ذكرها في الآية. ويشبه هذا المعنى في حال المنافقين أن الله لو شاء لأوقع بهم ما يتخوفونه من الزجر والوعيد أو لفضحهم عند المؤمنين وسلط المؤمنين عليهم، وبكل مذهب من هذين قال قوم. وقوله تعالى: {على كل شيء} لفظه العموم ومعناه عند المتكلمين على كل شيء يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه و {قدير} بمعنى قادر، وفيه مبالغة، وخص هنا صفته التي هي القدرة بالذكر لأنه قد تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَصَيِّبٍ} الصيب: المطر، أو السحاب. {الرَّعْدُ} ملك ينعق بالغيث نعيق الراعي بالغنم، سمى ذلك الصوت باسمه، أو ريح تختنق تحت السماء قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو اصطكاك الأجرام. {الْبَرْقُ} ضرب الملك ـ الذي هو الرعد ـ السحاب بمخراق من حديد قاله علي ـ رضي الله عنه ـ: أو ضربه بسوط من نور قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو ما ينقدح من اصطكاك الأجرام. {الصَّاعِقَةُ} الشديد من صوت الرعد تقع معه قطعة نار. شبه المطر بالقرآن، وظلماته بالابتلاء الذي في القرآن، ورعده بزواجر القرآن، وبرقه ببيان القرآن، وصواعقه بوعيد القرآن في الآجل، ودعائه إلى الجهاد عاجلاً قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو شبه المطر بما يخافونه من وعيد الآخرة، وبرقه بما في إظهارهم الإسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم وإرثهم، وصواعقه بزواجر الإسلام بالعقاب عاجلاً وآجلاً، أو شبه المطر بظاهر إيمانهم، وظلمته بضلالهم، وبرقه بنور الإيمان، وصواعقه بهلاك النفاق.

ابن عرفة

تفسير : قال الله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...} قالوا: أو هنا (تحتمل معانيها) الخمسة. قال ابن عرفة: وجعلها للتفصيل أصوب من جعلها للشك فإن الشكّ من حيث ذاته يحتمل ثلاثة معان وإن كان ذلك احتمالا ضعيفا. تقول: زيد قائم أو قاعد تشك: هل هو قائم أم لا؟ ثم تشك هل هو قاعد أم لا؟ ويحتمل أن يكون غير ذلك ولا ينحصر الأمر إلا في دخولها بين نقيضين مثل زيد متحرك أو ساكن، ويبعد كونها للتخيير أو الإباحة لأنهما أكثر ما يكونان في الطلب، وهذا خبر، ويبعد الجمع بينهما هنا باعتبار الزمان لأن الناظر أولا ينظر/ إلى مستوقد النار فيشبههم به ثم ينظر إلى المطر النازل في الظلمات فيشبههم به، وهو على حذف مضاف.. فإن جعلنا الذي اسْتَوْقَدَ النَّار جمعا (في التقدير) قلنا: أو كأهل صيّب، وإن جعلناه واحدا بالنوع قدرنا المضاف أو كذي صيّب. وأورد الزمخشري سؤالا قال: ما الفائدة في قوله: (من) السماء؟ وكأنه إخبار بالمعلوم (كقولك): الماء فوقنا والأرض تحتنا ولذلك منع سيبويه الابتداء بالنكرة كقولك: رجل قائم، إذ لا فائدة فيه. وأجاب بجواب لا ينهض. قال شيخنا الإمام ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن فائدة التنبيه على كثرة ما فيه من الهول لأن حصول الألم والتأثير بشيء ينزل من موضع مرتفع بعيد الارتفاع أشد من حصوله مما ينزل من موضع دونه فى الارتفاع، فأخبر الله تعالى أن هذا المطر ينزل من السماء البعيدة، فيكون تأثيره وتأثير رعده، وبرقه وصواعقه أشد. قال الله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ...} (يحتمل أن يكون من باب القلب لأن المطر ينزل في الظلمات لأن الظلمات فيه) يحتمل أن يكون الظلمات في المطر حقيقة والأول أظهر و(كذا) تقدم لنا في قوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ} تفسير : وفي قوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} تفسير : وتقدم لنا أنه من باب القلب (فإن أعناقهم) هي التي في الأغلال لا العكس، وتقدم الجواب عنه بأنه (حقيقة) على أنّ الأغلال ضيقة جدا (فتحصر) أعناقهم وتدخل فيها حتى تصير الأغلال مضروبة في أعناقهم. قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ...} هذا الترتيب باعتبار الأعم الأغلب في الوجود لوجود الظلام في كل دورة لأن كل يوم معه ليلة، وذكر الرعد بعده لأنه أكثر وجود من البرق لأن البرق لا بد معه من الرعد، والرعد قد يكون معه برق وقد لا يكون، أو لأن الرعد في (الظّلمة) أشد على النفوس من الرّعد في (الظّلمة) أشد على النفوس من الرّعد في الضوء، (والآية خرجت) مخرج التخويف فابتدأ (فيها) بما هو أشد (في) التخويف. قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ...} ولم يقل: أنامل أصابعهم والمجعول إنما هي الأنامل إشارة إلى شدة جعلها وقوة الشدّ لها، حتى كأنّهم يجعلون الإصبع كلّها. وقال ابن عرفة: وجمع الأصابع إشارة إلى شدة تحيرهم وخوفهم وأنّهم لم يتأمّلوا ويهتدوا حتى يجعلوا إصبعا واحدة ((وهي السبابة فهم تارة يجعلون هذا وتارة هذا حتى (يجعلوا) الجميع)). قوله تعالى: {مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ...} أي حذرا من أن يقرع ذلك الصوت أسماعهم فيموتون. قال ابن عرفة: واختلفوا في وجه التشبيه (فهو عندي كما قرره) بعضهم راجع لتشبيه محسوس أي: أن المنافقين في خوفهم وفي حيرتهم مشبهون بمن يدركه هذا الصيب والرعد والبرق. قوله تعالى: {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} (هذه) تسلية للنّبي صلى الله عليه وسلّم. والمراد بالكافرين إمّا المنافقين أي لا تهتم بأمرهم فالله يكفيكهم فإنه محيط بهم إحاطة هلاك في الدنيا (وعذاب) في الآخرة، أو المراد عموم الكافرين هؤلاء منهم، وهذا كالاحتراس لأنه لما أخبر عنهم أنّهم في غاية الخوف والحذر من المؤمنين شبّههم بمن (يسدّ أذنيه خشية) الموت، والخائف في (مظنة) (السلامة لأنه يكون على حذر من عدوه وتحرز منه ويرتكب أسباب النجاة فأخبر الله تعالى أنّهم ليسوا من هذا القبيل بل لا نجاة لهم مما هم خائفون منه فالله محيط بهم إحاطة إهلاك وانتقام.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنّ هذا مثل ثانٍ للمنافقين، وكيفية المشابهة من وجوه: أحدها: أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق، واجتمع مع ظلمة السّحاب ظلمة الليل، وظلمة المَطَرِ عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّوَاعق حَذَرَ الموت، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا ذهب بَقَوا في ظلمة عظيمة، فوقفوا متحيّرين؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذَهَبَ عنه تشتدّ حيرته، وتعظم الظُّلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة، فشبّه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدِّين بهؤلاء الذين وصفهم، إذا كانوا لا يرون طريقاً، ولا يهتدون. وثانيها: أن المَطَرَ وإن كان نافعاً إلاّ أنه لما وجد في هذه الصُّورة مع هذه الأحوال الضَّارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافعٌ للمنافقين لو وافقه الباطن، فإذا فقد منه الإخلاص، وحصل معه النفاق كان ضرراً في الدِّينِ. وثالثها: أن من هذا حاله، فقد بلغ النهاية في الحَيْرَةِ لاجتماع أنواع الظلمات، وحصول أنواع المَخَافَةِ، فحصلت في المنافقين نهاية الحَيْرَةِ في الدين، ونهاية الخوف في الدنيا؛ لأنّ المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يزال الخَوْفُ في قلبه مع النفاق. ورابعها: المراد من الصَّيِّب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هي الأشياء الشَّاقة على المنافقين من التكاليف كالصَّلاة والصوم وترك الرِّيَاسات، والجهاد مع الآباء والأمّهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع شدّة استنكافهم عن الانقياد، فكأنّ الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المَطَرِ الصَّيِّب الذي [هو] أشَدُّ الأشياء نفعاً بسبب هذه الأُمُور المُقَارنة، كذلك هؤلاء. والمراد من قوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} أنّه متى حصل لهم شيء من المَنَافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم، وحصول الغنائم، فإنهم يرغبون في الدِّين. قوله: {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع، فحينئذ يكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه. فصل في "أو" في "أو" خمسة أقوال: أظهرها: أنها للتفصيل بمعنى: أنَّ الناظرين في حال هؤلاء منهم من يشبههم بحال المُسْتَوْقد، ومنهم من يشبههم بأَصْحَاب صَيِّبٍ هذه صفته. قال ابن الخطيب: "والثاني أبلغ؛ لأنه أدلُّ على فرط الحيرة". والثاني: أنها للإبهام، أي: أن الله أَبْهَمَ على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء. والثالث: أنها للشَّك، بمعنى: أنَّ الناظر يشكُّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإباحة. الخامس: أنها للتخيير، قالوا: لأن أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك: "جالس الحسن أو ابن سيرين" يريد أنهما سيّان، وأن يجالس أيهما شاء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24]، أي: الإثم والكفر متساويان في وجوب عصيانهما، وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين: أحدهما: كونها بمعنى "الواو"؛ وأنشدوا: [البسط] شعر : 239- نَال الخِلاَفَةَ أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ تفسير : وقال تعالى: {أية : تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النور: 61] وقال: [الطويل] شعر : 240- وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا تفسير : قال ابن الخطيب: وهذه الوجوه مطردة في قوله: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة: 74]. المعنى الثاني: كونها بمعنى: "بل"؛ قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] وأنشدوا: [الطويل] شعر : 241- بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى وَصُورَتِهَا أوْ أَنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ تفسير : أي: بل أنت. و "كصيب" معطوف على "كَمَثَلِ"، فهو في محل رفع، ولا بد من حذف مضافين؛ ليصح المعنى، التقدير يراد: "أو كمثل ذوي صيّب" ولذلك رجع عليه ضمير الجمع في قوله: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ ءَاذَانِهِم}، لأن المعنى على تشبيههم بأصحاب الصَّيِّب لا بالصيب نفسه. و" الصَّيب" المَطَرُ سمي بذلك لنزوله، يقال: صاب يصوب إذا نزل؛ ومنه: صوَّب رأسه: إذا خفضه؛ قال [الطويل] شعر : 242- فَلَسْتُ لإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 243- فَلاَ تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّرٍ سَقَتْكِ رَوَايَا المُزْنِ حَيْثُ تَصُوبُ تفسير : وقيل: إنه من صَابَ يَصُوب: إذا قصد، ولا يقال: صَيّب إلا للمطر الجَوَاد، كان - عليه الصلاة والسلام - يقول: "حديث : اللهم اجعله صَيِّباً هَنِيئاً" تفسير : أي: مطراً جواداً، ويقال أيضاً للسحاب: صَيّب؛ قال الشماخ: [الطويل] شعر : 244-.................................. وَأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّبِ تفسير : وتنكير "صيب" يدلّ على نوع زائد من المطر شديد هائلٍ كما نكرت "النَّار" في التمثيل الأول. وقرىء "كصائب"، والصَّيب أبلغ. واختلف في وزن "صَيِّب". فقد ذهب البصرون أنه "فَيْعِل"، والأصل: صَيْوِب أدغم كـ "مَيّت" و "هَيّن"، والأصل: مَيوت وهَيْوِن. وقال بعض الكوفيين: وزنه "فَعِيل" والأصل: صَوِيب بزنة طويل. قال النحاس: وهذا خطأ؛ لأنه كان ينبغي أن يصح ولا يُعَلّ كطويل، وكذا أبو البقاء. وقيل وزنه: "فَعْيِل" فقلب وأُدغم. واعلم أنه إذا قيل بأن الجملة من قوله: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} تفسير : [البقرة: 17] استئنافية، ومن قوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} تفسير : [البقرة: 18] إنها من وصف المنافقين كانتا جملتي اعتراض بين المتعاطفين، أعني قوله: "كَمَثَل" و "كَصَيِّبٍ" وهي مسألة خلاف منعها الفارسي ورد عليه بقول الشاعر: [الوافر] شعر : 245- لَعَمْرِكَ والخُطُوبُ مُغَيِّرَاتٌ وَفِي طُولِ المُعَاشَرَةِ التَّقَالِي لَقَدْ بَالَيْتُ مَظْعَنَ أُمِّ أَوْفَى وَلَكِنْ أُمُّ أَوْفَى لا تُبَالِي تفسير : ففصل بين القسم، وهو "لعمرك" وبين جوابه، وهو "لَقَدْ بَالَيْتُ" بجملتين إحداهما: "والخطوب مغيرات". والثانية: "وفي طول المُعَاشرة التَّقالي". و "من السماء" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتعلّق بـ "صيب"؛ لأنه يعمل عمل الفعل، والتقدير: كمطر يَصُوب من السماء، و "مِنْ" لابتداء الغاية. والثَّاني: أن يكون في محلّ جر صفة لـ "صيب"، فيتعلّق بمحذوف، وتكون "من" للتبغيض، ولا بُدّ حينئذ من حذف مضاف تقديره: كصيّب كائن من أمطار السَّماءِ. والسماء: هذه المطلّة، وهي في الأصل كل ما عَلاكَ من سَقْفٍ ونحوه، مشتقة من السُّمو، وهو الإرتفاع، والأصل: سَمَاو، وإنما قُلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة وهو بدل مُطّرد، نحو: "كساء ورداء"، بخلاف "سقاية وشقاوة" لعدم تطرف حرف العلّة، ولذلك لما دخلت عليها تاء التأنيث صحَّت؛ نحو: "سماوة". قال الشاعر: [الرجز] شعر : 246- طَيِّ اللَّيَالِي زُلَفاً فَزُلَفَا سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حَتَّى احْقَوْقَفَا تفسير : والسماء مؤنث قال تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1] وقد تذكَّر؛ قال تعالى: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18]؛ وأنشد: [الوافر]. شعر : 247- وَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءَ إلَيْهِ قَوْماً لَحِقْنَا بَالسَّمَاءِ مَعَ السَّحَابِ تفسير : فأعاد الضَّمير من قوله: "إلَيْهِ" على "السَّمَاء" مذكَّراً، ويجمع على "سَمَاوَاتٍ، وأَسْمِيَة، وَسُمِيّ"، والأصل "فعول"، إلا أنه أعلّ إعلال "عِصِيّ" بقلب الواوين ياءين، وهو قلب مطّرد في الجمع، ويقلّ في المفرد نحو: عتا - عُتِيًّا، كما شذ التصحيح في الجمع قالوا: "إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرة"، وجمع أيضاً على "سماء"، ولكن مفرده "سَمَاوة"، فيكون من باب تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ويدلّ على ذلك قوله: [الطويل] شعر : 248-.................... ...........فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِيَا تفسير : ووجه الدّلالة أنه مُيِّز به "سَبْع" ولا تُمَيَّزُ هي وأخواتها إلاّ بجمع مجرور. وفي قوله: "من السَّمَاءِ" ردّ على من قال: إن المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأَرْض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدّة برد الهواء، ثم ينزل مرة أخرى، فذاك هو المطر؛ فأبطل الله هذا المذهب بأن بَيّن أن الصَّيب نزل من السَّمَاء، وقال: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48]. وقال: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور: 43]. قوله: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون صفة لـ "صَيّب". الثاني: أن يكون حالاً منه، وإن كان نكرة لتخصصه، إما بالعمل في الجار بعده، أو بصفة بالجار بعده. الثالث: أن يكون حالاً من الضمير المُسْتَكِنّ في "من السماء" إذا قيل: إنه صفة لـ "صَيّب"، فيتعلّق في التقادير الثلاثة بمحذوف، إلاّ أنه على القول الأوّل في محلّ جر لكونه صفة لمجرور، وعلى القولين الأخيرين في مَحَلّ نَصْب على الحال. و "ظلمات" على جميع هذه الأقوال فاعل به؛ لأنَّ الجار والمجرور والظرف متى اعتمدا على موصوف، أو ذي حالٍ، أو ذي خبر، أو على نَفْي، أو استفهام عملا عمل الفعل، والأخفش يُعْمِلُهُمَا مطلقاً كالوصف، وسيأتي تحرير ذلك. الرابع: أن يكون خبراً مقدماً، و "ظلمات" مبتدأ، والجملة تحتمل وجهين: الأول: الجر على أنها صفة لـ "صيب". والثاني: النَّصْب على الحال، وصاحب الحال يحتمل أن يكون "كصيب"، وإن كان نكرة لتخصيصه بما تقدّمه، وأن يكون الضَّمير المستكن في "من السَّماء" إذا جعل وصفاً لـ "صيّب"، والضمير في "فيه" ضمير "الصيب"، واعلم أن جعل الجار صفة أو حالاً، ورفع "ظلمات" على الفاعلية به أَرْجَحُ من جعل {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} جملة برأسها في محلّ صفة أو حال؛ لأنّ الجار أقرب إلى المفرد من الجملة، وأصل الصفة والحال أن يكونا مفردين. و "رَعْدٌ وبَرْقٌ": معطوفان على "ظلمات" بالاعتبارين المتقدّمين، وهما في الأصْل مصدران تقول: رَعَدَتِ السماء تَرْعَدُ رَعْداً، وبَرَقَتْ بَرْقاً. قال أبو البقاء: وهما على ذلك مُوَحَّدَتَانِ هنا يعني على المصدرية ويجوز أن يكونا بمعنى الرَّاعد والبارق، نحو: رجل عَدْل. والظاهر أنهما في الآية ليس المُرَاد بهما المصدر، بل جعلا اسماً [للهز واللمعان]. والبرق: اللَّمَعَان، وهو مقصود الآية، ولا حاجة حينئذ إلى جعلهما بمعنى اسم فَاعِلٍ. وقال علي وابن عباس -رضي الله عنهما - وأكثر المفسرين: الرعد: اسم ملك يسوق السَّحاب، والبرق: لَمَعَانُ سَوْطٍ] من نور يزجر به الملك السحاب. وقيل: الرعد صوت انضغاط السّحاب. وقيل: تسبيح الملك. وقيل: الرعد نطق الملك، والبرق ضحكه. وقال مجاهد: الرعد اسم الملك؛ ويقال لصوته أيضاً: رعد، والبرق اسم ملك يسوق السحاب. وقال شهر بن حَوْشَبٍ: الرعد ملك يُزْجِي السحاب، فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النَّار فهي الصواعق. وقيل: الرعد صوت انحراق الريح بين السحاب. فإن قيل: لم جمع "الظّلمات"، وأفرد "الرعد والبرق"؟ فالجواب: أن في "ظلمات" اجتمع أنواع من الظُّلمة، وهي ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة تَكَاثف المطر، وأما الرعد والبرق فكلّ واحد منهما نوح واحد. ونكرت؛ لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجيةٌ، ورعد قاصف، وبرق خاطف. {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ}، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها لاستئنافها كأنه قيل: ما حالهم؟ فقيل: يجعلون. وقيل: بل لها محلّ، ثم اختلف فيه فقيل: جرّ؛ لأنها صفة للمجرور، أي: أصحاب صيب جاعلين، والضمير محذوف. أو نابت الألف واللام منابه، تقديره: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق منه أو من صواعقه. وقيل: محلُّها نصب على الحال من الضمير في "فيه". والكلام في العائد كما تقدّم، والجَعْل - هنا - بمعنى الإلقاء، ويكون بمعنى الخَلْق، فيتعدّى لواحد، ويكون بمعنى "صَيَّرَ" أو "سمى"، فيتعدى لاثنين، ويكون للشروع، فيعمل عمل "عسى". و "أَصَابِعَهُمْ" جمع إصبع، وفيها عشر لُغَات: بتثليث الهمزة مع تثليت البَاءِ، والعاشرة "أصبوع" بضم الهمزة. والواو في "يَجْعَلُون" تعود لِلْمُضَاف المحذوف، كما تقدم إيضاحه. واعلم أنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران: أحدهما: أن يلتفت إليه. والثاني: ألا يلتفت إليه، وقد جمع الأمران في قوله تعالى: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 4]، والتقدير: وكم من أهل قرية فلم يراعه في قوله: {أية : أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا} تفسير : [الأعراف: 4]، ورعاه في قوله تعالى: {أية : أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 4] وذكر الأصابع، وإن كان المجعول إنما هو رؤوس الأصابع تسمية للبعض باسم الكُلّ كما في قوله تعالى: {أية : فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38]، و {فِيۤ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} كلاهما متعلّق بالجعل، و "من" معناها التعليل. و "الصَّوَاعق": جمع صاعقة، وهي الضَّجّة الشديدة من صوت الرعد تكون معها القطعة من النار. ويقال: "ساعقة" بالسِّين، و "صاعقة"، و "صاقعة" بتقديم القاف؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 249- أَلَمْ تَرَ أَنَّ المُجْرِمِينَ أصَابَهُمْ صَوَاقِعُ لاَ بَلْ هُنَّ فَوْق الصَّواقِعِ تفسير : ومثله قول الآخر: [الرجز] شعر : 250- يَحْكُونَ بِالمَصْقُولَةِ القَوَاطِعِ تَشَقُّقَ اليَدَيْنِ بِالصَّوَاقِعِ تفسير : وهي قراءة الحسن. قال النَّحَّاس: وهي لغة "تميم"، وبعض "بني ربيعة"، فيحتمل أن تكون "صاقعة" مقلوبة من "صَاعِقة" ويحتمل ألاّ تكون، وهو الأظهر لثبوتها لغةً مستقلةً كما تقدم. ويقال: "صقعة" أيضاً، وقد قرأ بها الكسَائي في "الذاريات". يقال: صُعِقَ زيد، وأصعقه غيره قال: [الطويل] شعر : 251- تَرَى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِهِ أُحَادَ وَمَثْنَى أصعَقَتْهَا صَوَاهِلُهْ تفسير : وقيل: "الصّاعقة" [قصف رعد ينقض منها شعلة] من نارٍ لطيفة قوية لا تمرُّ بشيء إلاّ أتت عليه إلاّ أنها مع قوتها سريعة الخمود. وقيل: الصاعقة: قطعة عذاب ينزلها الله على من يَشَاءُ، "حديث : وروي عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرَّعْدِ والصواعق قال: اللَّهُمّ لا تقتلنا بغضبك ولا تُهْلكنا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قبل ذَلِكَ ". تفسير : قوله: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي: مَخَافَةَ الهلاك، وفيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول من أجله ناصبه "يجعلون"، ولا يضر تعدّد المفعول من أجله؛ لأن الفعل يعلّل يعلل. الثاني: أنه منصوب على المصدر وعامله محذوف تقديره يحذرون حذراً مثل حَذَرِ الموت. و "الحَذَرُ" و "الحِذَار" مصدران لـ "حذر" أي: خاف خوفاً شديداً. واعلم أن المفعول من أجله بالنسبة إلى نصبه وجره بالحرف على ثلاثة أقسام: قسم يكثر نصبه، وهو ما كان غير معرف بـ "أل" ولا مضاف نحو: "جئت إكراماً لك". وقسم عكسه، وهو ما كان معرَّفاً بـ "أل"؛ ومن مجيئه منصوباً قول الشاعر: [الرجز] شعر : 252- لا أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ تفسير : وقسم يستوي فيه الأمران، وهو المضاف كالآية الكريمة، ويكون معرفةً ونكرةً، وقد جمع حاتم الطائي الأمرين في قوله: [الطويل] شعر : 253- وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ وَأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا تفسير : و "حَذَرَ المَوْتِ" مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، وهو أحد المواضع التي يجوز فيها حذف الفاعل وحده. والثاني: فعل ما لم يسم فاعله. والثالث: فاعل "أفعل" في التعجُّب على الصحيح، وما عدا هذه لا يجوز فيه حذف الفاعل وحده خلافاً للكوفيين. والموت: ضد الحياة؛ يقال: مَاتَ يَمُوتُ ويَمَاتُ؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 254- بُنَيَّتي سَيِّدَةَ البَنَاتِ عِيشِي وَلاَ يُؤْمَنُ أَنْ تَمَاتِي تفسير : وعلى هذه اللّغة قريء "مِتْنا" و "مِتُّ" - بكسر الميم - كـ "خِفْنَا" و "خِفْتُ"، فوزن "مَاتَ" على اللغة الأولى" فَعَلَ" بفتح العين، وعلى الثانية" فَعِلَ" بكسرها، و "المُوَات": بالضمِّ المَوْت أيضاً، وبالفتح: ما لا روح فيه، والمَوَتَان بالتحريك ضد الحيوان؛ ومنه قولهم: "اشْتَرِ المَوَتَانَ، ولا تَشْتَرِ الحَيَوَانَ"، أي: اشتر الأَرَضِينَ، ولا تَشْتَرِ الرَّقِيق، فإنه في مَعْرِضِ الهَلاَك؛ و "المُوتَان" بضمّ "الميم": وقوع الموت في الماشية، ومُوِّتَ فلانٌ بالتشديد للمبالغة؛ قال: [الوافر] شعر : 255- فَعُرْوَةُ مَاتَ مَوْتاً مُسْتَرِيحاً فَهَا أَنَا ذَا أُمَوَّتُ كُلَّ يَوْمِ تفسير : و "المُسْتَمِيت": الأمر المُسْتَرْسِل؛ قال رؤْبَة: [الرجز] شعر : 256- وَزَبَدُ البَحْرِ لَهُ كَتِيتُ وَاللَّيْلُ فَوْقَ المَاءِ مُسْتَمِيتُ تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 19]. وهو مجاز أي: لا يفوتونه. فقيل: عالم بهم، كما قال: {أية : أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} تفسير : [الطلاق: 12]. وقيل: جامعهم وقدرته مُسْتولية عليهم؛ كما قال: {أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} تفسير : [البروج: 20]. وقال مجاهد: "يجمعهم فيعذبهم". وقيل: يهلكهم، قال تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : [يوسف: 66] أي: تَهْلِكُوا جميعاً. وقيل: "ثَمَّ" مضافٌ محذوفٌ، أي: عقابه محيطٌ بهم. وقال أبو عَمْرو، والكسَائِيُّ: "الكَافِرِينَ" [بالإمالة] ولا يميلان {أية : أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} تفسير : [البقرة: 41]، وهذه الجملة مبتدأ وخبر. وأصل "مُحِيط": "مُحْوِط"؛ لأنه من حَاطَ يَحُوط فأُعِلّ كإِعْلاَلِ "نَسْتَعِين". والإحاطةُ: حصر الشيء من جميع جهاته، وهذه الجملة قال الزمخشريُّ: "هي اعتراض لا مَحَلّ لها من الإعراب" كأنه يعني بذلك أن جملة قوله: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ}، وجملة قوله: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ} شيءٌ واحد؛ لأنهما من قصّة واحدة؛ فوقع ما بينهما اعتراضاً. "يَكَادُ" مضارع "كَادَ"، وهي لِمُقَارَبَةِ الفعل، تعمل عمل "كان" إلاَّ أن خبرها لا يكون إلاَّ مُضَارعاً، وشذَّ مجيئُهُ اسماً صريحاً؛ قال: [الطويل] شعر : 257- فَأُبْتُ إلَى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيباً وَكَمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهْيَ تَصْفِرُ تفسير : والأكثر في خبرها تجرّده من "أن"، عكس "عسى"، وقد شذّ اقترانه بها؛ قال رُؤْبَة: [الرجز] شعر : 258- قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْحَصَا تفسير : لأنها لمقاربة الفعل، و "أَنْ" تخلص للاستقبال، فتنافيا. واعلم أن خبرها - إذا كانت هي مثبتة - منفيٌّ في المعنَى، لأنها للمقاربة. فإذا قلت: "كَادَ زَيْدٌ يفْعَلُ" كان معناه: قارب الفعل إلاّ أنه لم يفعل، فإذا نُفِيَتِ، انتفى خبرها بطريق الأولَى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى؛ ولهذا كان قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} تفسير : [النور: 40] أبلغ من أن لو قيل: لَمْ يَرَهَا، لأنه لم يقارب الرُّؤْيَة، فكيف له بها؟ وزعم جماعة منهم ابن جِنِّي، وأبو البَقَاءِ، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي؛ حتى ألغز بعضُهُمْ فيها؛ فقال: [الطويل] شعر : 259- أَنحويَّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لفظةٌ جَرَتْ في لِسانَيْ جُرْهمٍ وَثَمُودِ إِذَا نُفِيتْ - والله أَعْلَمُ - أُثْبِتَتْ وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ تفسير : وحكوا عن ذي الرُّمَّة أنه لما أنشد قولَهُ: [الطويل] شعر : 260- إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ تفسير : عيب عليه؛ لأنه قال: "لم يكد يَبْرَحُ"، فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله: "لَمْ يَزَلْ" أو ما هو بمعناه. والذي غرَّ هؤلاء قوله تعالى: {أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [البقرة: 71] قالوا: "فهي هنا منفية" وخبرها مثبت في المعنى؛ لأن الذبح وقع لقوله: "فَذَبَحُوهَا"، والجواب عن هذه الآية من وجهين: أحدهما: أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي: ذبحوها في وقت، وما كادوا يفعلون في وقت آخر. والثاني: أنه عبّر بنفي مُقَاربة الفعل عن شدَّة تعنُّتهم، وعسرهم في الفعل. وأما ما حكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة، فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرمَّة في رجوعِهِ عن قوله الأوَّل، وقالوا: "هو أبلغُ وأحْسَنُ مما [غيَّره إليه]". واعلم أن خبر "كاد" وأخواتها - غير "عَسَى" - لا يكون فاعله إلاّ ضميراً عائداً على اسمها؛ لأنها للمقاربة أو للشُّرُوع، بخلاف "عسى"، فإنها للترجِّي؛ تقول: "عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومُ أَبُوهُ"، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأما قوله: [الطويل] شعر : 261- وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِميَّةَ نَاقَتِي فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْ وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ تفسير : فأتى بالفاعل ظاهراً، فقد حمله بعضهم على الشُّذُوذ، ينبغي أن يقال: إنما جاز ذلك؛ لأن الأحجار والملاعب هي عبارة عن الرَّبْعِ، فهي هو، فكأنه قيل: حتَّى كادَ يكلِّمُني؛ ولكنه عبّر [عنه] بمجموع أجزائه. وأما قول الآخَرِ: [البسيط] شعر : 262- وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُني ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ وكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً فَصِرْتُ أَمْشي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرِ تفسير : فأتى [بفاعل] [خبر] جعل ظاهراً، فقد أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه على حذْف مضاف، تقديره: وقد جعل ثوبي إذا ما قمت يثقلني. والثاني: أنه من باب إقامة السَّبب مقام المُسَبَّبِ، فإن نهوضه كذا متسبَّب عن إثقال ثوبه إيَّاه، والمعنى: وقد جعلت أنهض نَهْضَ الشارب الثَّمل لإثقال ثوبي إيَّاي. ووزن "كَادَ كَوِدَ" بكسر العين، وهي من ذوات الواو؛ كـ "خَافَ" يَخَافُ، وفيها لغةٌ أخرَى: فتح عينها، فعلى هذه اللُّغة تضم فاؤها إذا أسندت إلى تاء المتكلّم وأخواتها، فتقول: "كُدْتُ، وكُدْنَا"؛ مثل: قُلْتُ، وقُلْنَا، وقد تنقل كسر عينها إلى فائها مع الإسناد إلى ظاهر، كقوله: [الطويل] شعر : 263- وَكِيدَ ضِبَاعُ القُفِّ يَأْكُلْنَ جُثَّتي وَكِيدَ خِرَاشٌ عِنْدَ ذَلِكَ يَيْتَمُ تفسير : ولا يجوز زيادتها خلافاً [للأخفش]، وسيأتي إن شاء الله هذا كله في "كاد" الناقصة. أمّا "كاد" التامة بمعنى "مَكَرَ" فوزنها فَعَل بفتح العَيْن من ذوات "الياء"؛ بدليل قوله: {أية : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ} تفسير : [الطارق: 15، 16]. و "البرق" اسمها، و "يخطف" خبرها ويقال: خَطِفَ يَخْطَفُ [بكسر عين الماضي، وفتح المضارع، وخطَفَ يَخْطِفُ] عكس اللغة الأولى وفيه تراكيب كثيرة، والمشهور منها الأولى. الثانية: يخطِف بكسر الطاء، قرأها مجاهد. الثالثة: عن الحسن بفتح "الياء والخاء والطاء"، مع تشديد "الطاء"، والأصل: "يَخْتَطِفُ"، فأبدلت "تاء" الافتعال "طاء" للإدغام. الرابعة: كذلك، إلاّ أنه بكسر الطاء على [أنه] أصل التقاء السَّاكنين. الخامسة: كذلك، إلا أنه بكسر "الخاء" إتباعاً لكسرة الطاء. السَّادسة: كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضاً إتباعاً للخاء. السابعة: "يختطف" على الأصْل. الثامنة: يَخْطِّف بفتح الياء، وسكون الخاء، وتشديد الطاء [وهي رديئة لتأديتها إلى التقاء ساكنين. التاسعة: بضمّ الياء، وفتح الخاء، وتشديد الطاء] مكسورة، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية. العاشرة: "يَتَخَطَّفُ" عن أُبَيّ من قوله: {أية : وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]. و "الخَطْف": أخذ شيء بسرعة، وهذه الجملة - أعني قوله: "يَكَادُ البرق يخطف" لا محلّ لها، لأنه استئناف كأنه قيل: كيف يكون حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد يخطف، ويحتمل أن تكون في محلّ جر صفة لـ "ذوي" المحذوفة: التقدير: كذوي صيِّب كائدٍ البرق يخطف. قوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ}. "كُلَّ" نصب على الظرف؛ لأنها أضيفت إلى "ما" الظرفية، والعامل فيها جوابها، وهو "مشوا". وقيل: "ما" نكرة موصوفة ومعناها الوقت أيضاً، والعائد محذوف تقديره: كل وقت أضاء لهم فيه، فـ "أضاء" على الأول لا مَحَلّ له؛ لكونه صلةً، ومحلّه الجر على الثاني. و "أضاء" يجوز أن يكون لازماً. وقال المُبَرِّدُ: "هو متعدّ، ومفعوله محذوف أي: أضاء لهم البَرْقُ الطريق" فـ "الهاء" في "فيه" تعود على البَرْقِ في قول الجمهور، وعلى الطَّريق المحذوف في قول المُبَرّد. و "فيه" متعلّق بـ "مشوا"، و "في" على بابها أي: إنه محيط بهم. وقيل: بمعنى الباء، ولا بد من حذفٍ على القولين: أي: مشوا في ضوئه: أي بضوئه، ولا محل لجملة قوله: "مشوا"؛ لأنها مستأنفة، كأنه جواب لمن يقول: كيف يمضون في حالتي ظهور البرق وخفائه؟ والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصَّيِّب، وما هم فيه من غاية التحيُّر والجهل بما يأتون، وما يذرون. واعلم أن "كلّ" من ألفاظ العموم، وهو اسم جامع لازم للإضافة، وقد يحذف ما يُضَاف إليه، وهل تنوينه حينئذ تنوين عوض، أو تنوين صرفٍ؟ قولان: والمضاف إليه "كل" إن كان معرفة وحذف، بقيت على تعريفها، فلهذا انتصب عنها الحال، ولا يدخلها الألف واللام، وإن وقع ذلك في عبارة بعضهم، وربما انتصب حالاً، وأصلها أن تستعمل توكيداً كـ "أجمع"، والأحسن استعمالها مبتدأ، وليس كونها مفعولاً بها مقصوراً على السماع، ولا مختصّاً بالشعر، خلافاً لزاعم ذلك. وإذا أضيفت إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تلي العواملة اللفظية، وإذا أضيفت إلى نكرة تعين اعتبار تلك النكرة فيما لها من ضمير وغيره، تقول: "كل رجال أَتَوْكَ، فأكرمهم"، ولا يجوز أن تراعي لفظ "كل" فتقول: "كلُّ رجالٍ أتاكَ، فأكْرِمه"، و "كلُّ رجلٍ أتاكَ، فأكْرِمه" ولا تقول "كلُّ رجلٍ أتَوْك، فأكْرِمْهم"؛ اعتباراً بالمعنى، فأما قوله: [الكامل] شعر : 264- جَادَتْ عَلَيْه كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ تفسير : فراعى المعنى، فهو شاذّ لا يقاس عليه. وإذا أضيفت إلى معرفة فوجهان، سواء كانت بالإضافة لفظاً؛ نحو: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95] فراعَى لفظ "كُل". أو معنى نحو: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} تفسير : [العنكبوت: 40] فراعى لفظها، وقال: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87] فراعى المعنى. وقول بعضهم: "إن "كلما" تفيد التكرار" ليس ذلك من وضعها، وإنما استفيد من العموم التي دلّت عليه. فإنك إذا قلت: "كلما جئتني أكرمتك" كان المعنى أكرمك في كل فرد [فرد] من جيئاتك إلَيّ. وقرأ ابن أبي عبلة "ضَاءَ" ثلاثياً، وهي تدل على أن الرباعي لازم. وقرىء: "وَإِذَا أُظْلِمَ" مبنياً للمفعول، وجعله الزمخشري دالاًّ على أن "أظلم" متعدٍّ، واستأنس أيضاً بقول حَبيبٍ: [الطويل] شعر : 265- هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ظَلاَمَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ تفسير : ولا دليل في الآيَةِ؛ لاحتمالِ أنَّ أصله، "وإذَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عليهم"، فلما بني للمفعول حذف الليل، وقام "عَلَيْهِم" مقامه، وأما بينت حبيب فمولّد. وإنما صدرت الجملة الأولى بـ "كلّما" والثانية بـ "إذا"، قال الزمخشري: "لأنهم حراصٌ على وجود ما هَمّهم به، معقود من إمكان المشي وتأتِّيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقُّفُ والتَّحبُّسُ" وهذا هو الظاهر، إلاَّ أن من النحويين من زعم أن "إذا" تفيد التكرار أيضاً؛ وأنشد: [البسيط] شعر : 266- إِذَا وَجَدْتُ أُوَارَ الحُبِّ في كَبِدِي أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ تفسير : قال: "معناه معنى "كلما"". قوله: "قَامُوا" أي وقفوا أو ثبتوا في مكانهم، ومنه: "قامت السوق". قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}. "لو" حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، هذه عبارة سيبويه وهي أولى من عبارة غيره، وهي حرف امتناع لامتناع لصحة العبارة الأولى في نحو قوله تعالى: {أية : لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 109]. وفي قوله عليه السلام: "حديث : نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْب، لو لم يَخفِ الله لم يَعْصِهِ" تفسير : وعدم صحّة الثانية في ذلك كما سيأتي محرراً، ولفساد قولهم: "لو كان إنساناً لكان حيواناً"؛ إذْ لا يلزمُ من امتناع الإنْسَانِ امتناعُ الحيوان، ولا يجزم بها خلافاً لقَوْم، فأما قوله: [الرمل] شعر : 267- لو يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ لاَحِقُ الآطَالِ نَهْدٌ ذُو خُصَلْ تفسير : وقولُ الآخر: [البسيط] شعر : 268- تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ إِحْدىَ نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا تفسير : فمن تسكين المتحرك ضرورةً. وأكثر ما تكون شرطاً في الماضي، وقد تأتي بمعنى "إِنْ"؛ كقوله تعالى: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ} تفسير : [النساء: 9] وقوله: [الطويل] شعر : 269- وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيّ وَدُوني جَنْدَلٌ وَصَفَائِحُ [لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ أَوْ زَقَا إِلَيهَا صَدًى مِنْ جَانِبِ القَبْرِ صَائِحُ] تفسير : ولا تكون مصدريةً على الصحيح، وقد تُشَرَّب معنى التمني، فتنصب المضارع بعد "الفاء" جواباً لها؛ نحو: {أية : فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 102] وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب: المشهور أن "لو" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أنها لا تفيد إلا الرَّبط، واحتج عليه بالآية والخبر: أما الآية فقوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23]، فلو أفادت كلمة "لو" انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره لزم التَّنَاقض؛ لأن قوله: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 23]، يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم، وقوله: {أية : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23]، يفيد أنه ما أسمعهم، ولا تولوا؛ لكن عدم التولي خير، فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً، وما علم فيهم خيراً. وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : نعم الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لو لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِهِ" تفسير : فعلى مقتضى قولهم: يلزم أنه خاف الله وعصاه، وذلك مناقض، فعلمنا أن كلمة "لو" إنما تفيد الربط. و "شاء" أصله: "شيء" على "فعِل" بكسر العين، وإنما قلبت "الياء" "ألفاً" للقاعدة الممهدة ومفعوله محذوف تقديره: ولو شاء الله إذهاباً؛ وكثر حذف مفعوله ومفعول "أراد"، حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب؛ كقوله تعالى: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [الزمر: 4]؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 270- وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ تفسير : واللام في "لذهب" جواب "لو". واعلم أن جوابها يكثر دخول "اللام" عليه مثبتاً، وقد تحذف؛ قال تعالى: {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} تفسير : [الواقعة: 70]. ويقلّ دخولها عليه منفياً بـ "مَا"، ويمتنع دخولها عليه منفيًّا بغير "مَا"؛ نحو: "لو قمت لَمْ أَقُمْ"؛ لتوالي لامين فيثقل، وقد يحذف؛ كقوله: [الكامل] شعر : 271- لا يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إِلاَّ مُظْهِراً خُلُقَ الكِرَامِ وَلَوْ تكُونُ عَدِيمَا تفسير : و "بسمعهم" متعلّق بـ "ذهب". وقرىء: "لأَذْهَبَ" فتكون "الياء" زائدة أو تكون فَعَل وأَفْعَل بمعنى، ونحوه {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] والمراد من السمع: الأسماع، أي: لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة. وقيل: لذهب بما استفادوا من العِزِّ والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. وقرأ ابن عامر وحمزة "شاء" و "جاء" حيث كان بالإمالة. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هذه جملة مؤكّدة لمعنى ما قبلها، و "كُلّ شيء" متعلّق بـ "قدير" وهو "فعيل" بمعنى "فاعل"، مشتق من القُدْرة، وهي القوة والاستطاعة، وفعلها "قَدَرَ" بفتح العين، وله ثلاثة عشر مصدراً: "قدْرَة" بتثليث القاف، و "مَقْدرَة" بتثليث الدال، و "قَدْراً"، و "قَدَراً"، و "قُدَراً"، و "قَدَاراً"، و "قُدْرَاناً"، و "مَقْدِراً" و "مَقْدَراً" و "قدير" أبلغ من "قادر"، قاله الزَّجاج. وقيل: هما بمعنى واحد؛ قاله الهَرَوِيّ. والشيء: ما صحّ أن يعلم من وَجْه ويخبر عنه، وهو في الأصل مصدر "شاء يشاء"، وهل يطلق على المعدوم والمستحيل؟ خلاف مشهور. فَصْلٌ في بيان هل المعدوم شيء؟ استدلّ بعضهم بهذه الآية على أن المعدوم شيء، قال: "لأنه - تعالى - أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه؛ لاستحالة إيجاد الموجود، فالذي عليه القُدْرة معدوم وهو شيء، فالمعدوم شيء". والجواب: لو صَحّ هذا الكلام لزم أنَّ ما لا يقدر عليه ألا يكون شيئاً، فالموجود إذا لم يقدر الله عليه وجب ألا يكون شيئاً. فصل في بيان وصف الله تعالى بالشيء قال ابن الخطيب: احتج جَهْمٌ بهذه الآية على أنه - تعالى - ليس بشيء لأنه - تعالى - ليس بمقدور له، فوجب إلاَّ يكون شيئاً، واحتج أيضاً بقوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. قال: "لو كان الله - تعالى - شيئاً، لكان - تعالى - مثل نفسه، فكان قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] كذب، فوجب ألا يكون شيئاً؛ حتى لا تتناقض هذه الآية". قال ابن الخطيب: وهذا الخلاف في الاسم؛ لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، قال: واحتج أصحابنا بقوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ} تفسير : [الأنعام: 19]. وبقوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] والمستثنى داخل في المستثنى منه، فوجب أن يكون شيئاً. فصل في أن مقدور العبد مقدور لله تعالى قال ابن الخطيب: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى، خلافاً لأبي هَاشِم وأبي عَلِيّ. وجه الاستدلال: أن مقدور العَبْدِ شيء، وكلّ شيء مقدور لله - تعالى - بهذه الآية، فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى. فصل في جواز تخصيص العام تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضاً تخصيص العام بدليل العقل، فإن قيل: إذا كان اللَّفظ موضوعاً للكل، ثم تبين أن الكل غير مراد كان كذباً، وذلك يوجب الطَّعن في كلّ القرآن. والجواب: أن لفظ "الكُلّ" كما أنه يستعمل في المجموع، فقد يستعمل مجازاً في الأكثر، وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللَّغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً، والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {أَوْ كَصَيّبٍ} تمثيلٌ لحالهم إثرَ تمثيل، ليعُم البـيانُ منها كل دقيق وجليل، ويوفيَ حقها من التفظيع والتهويل، فإن تفنُّنهم في فنون الكفر والضلال وتنقّلَهم فيها من حال إلى حال حقيقٌ بأن يُضربَ في شأنه الأمثال، ويُرخىٰ في حلبته أعِنّةُ المقال، ويُمدَّ لشرحه أطنابُ الإطناب، ويُعقَدَ لأجله فصولٌ وأبواب، لما أن كل كلام له حظ من البلاغة، وقسط من الجزالة والبراعة، لا بد أن يُوفَّى فيه حقُّ كلَ من مقامي الإطناب والإيجاز، فما ظنُّك بما في ذُروة الإعجاز من التنزيل الجليل، ولقد نُعيَ عليهم في هذا التمثيل تفاصيلُ جناياتهم، وهو عطف على الأول على حذف المضاف لما سيأتي من الضمائر المستدعية لذلك، أي كمثل ذوي صيِّب، وكلمة أو للإيذان بتساوي القصتين في الاستقلال بوجه الشبه وبصحة التمثيل بكل واحدة منهما وبهما معاً، والصيب فيعل من الصَوْب وهو النزول الذي له وقع وتأثير، يطلق على المطر وعلى السحاب، قال الشماخ: [الطويل] شعر : عفا آيَةُ نسجُ الجنوب مع الصَّبا وأسحمُ دانٍ صادقُ الوعد صيِّبُ تفسير : ولعل الأول هو المراد ههنا لاستلزامه الثاني، وتنكيره لما أنه أريد به نوع منه شديدٌ هائل كالنار في التمثيل الأول، وأُمِدَّ به ما فيه من المبالغات من جهة مادته الأولى التي هي الصادُ المستعليةُ والياء المشددة والباء الشديدة، ومادتِه الثانية أعني الصَّوْب المنبىء عن شدة الانسكاب، ومن جهة بنائه الدال على الثبات، وقرىء أو كصائب {مّنَ ٱلسَّمَاء} متعلق بصيِّب، أو بمحذوفٍ وقع صفة له، والمرادُ بالسماء هذه المِظلة، وهي في الأصل كلُّ ما علاك من سقف ونحوه، وعن الحسن أنها موجٌ مكفوف، أي ممنوع بقدرة الله عز وجل من السيلان، وتعريفها للإيذان بأن انبعاث الصيِّب ليس من أفق واحد، فإن كل أفق من آفاقها أي كلَّ ما يحيط به كلُّ أفقٍ منها سماءٌ على حِدَة، قال: [الطويل] شعر : [فأوٍّ لِذِكراها إذا ذَكَرتُها] ومن بعدِ أرضٍ بـيننا وسماءِ تفسير : كما أن كل طبقة من طباقها سماءٍ، قال تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } تفسير : [فصلت، الآية 12] والمعنى أنه صيّب عام نازل من غمام مطبِقٍ آخذٍ بالآفاق، وقيل المراد بالسماء السحاب، واللام لتعريف الماهية. {فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ} أي أنواع منها، وهي ظُلمةُ تكاثُفِه وانتساجِه بتتابع القطر، وظلمةُ الهلال ما يلزمه من الغمام الأسحمِ المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل، وجعلُه محلاً لها مع أن بعضها لغيره كظلمتي الغمام والليل، لما أنهما جُعلتا من توابع ظلمتِه مبالغةً في شدته وتهويلاً لأمره، وإيذاناً بأنه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمتُه ظلماتِ الليل والغمام، وهو السر في عدم جعل الظلمات هي الأصلَ المستتبعَ للبواقي، مع ظهور ظرفيتها للكل، إذ لو قيل أو كظلمات فيها صيب الخ لما أفاد أن للصيب ظلمةً خاصة به فضلاً عن كونها غالبة على غيرها. {وَرَعْدٌ} وهو صوت يسمع من السحاب، والمشهور أنه يحدث من اصطكاك أجرام السحاب بعضِها ببعض، أو من انقلاع بعضِها عن بعض عند اضطرابها، بسوق الرياحِ إياه سوقاً عنيفاً {وَبَرْقٌ} وهو ما يلمع من السحاب من بَرَق الشيءُ بريقاً أي لمع، وكلاهما في الأصل مصدر، ولذلك لم يجمعا، وكونُهما في الصيب باعتبار كونِهما في أعلاه ومصبِّه ووصول أثرِهما إليه وكونِهما في الظلمات الكائنةِ فيه، والتنوين في الكل للتفخيم والتهويل كأنه قيل: فيه ظلماتٌ شديدة داجية ورعدٌ قاصفٌ وبرق خاطف، وارتفاع الجميع بالظرف على الفاعلية لتحقيق شرط العملِ بالاتفاق، وقيل بالابتداء، والجملةُ إما صفةٌ لصيب أو حالٌ منه لتخصصه بالصفة، أو بالعمل فيما بعده من الجار أو من المستكنّ في الظرف الأول على تقدير كونِه صفةً لصيب، والضمائر في قوله عز وجل: {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم} للمضاف الذي أقيم مُقامه المضافُ إليه فإن معناه باقٍ وإن حذف لفظه تعويلاً على الدليل كما في قوله: {أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } تفسير : [الأعراف، الآية 4] فإن الضمير للأهل المدلول عليه بما قام مقامه من القرية. قال حسان رضي الله عنه: [الكامل] شعر : يَسْقون من وَرَدَ البريصَ عليهم بَرَدىٰ يُصفَّقُ بالرحيق السلسلِ تفسير : فإن تذكير الضمير المستكن في يُصفَّق لرجوعه إلى الماء المضاف إلى بردى وإلا لأنّث حتماً، وإيثارُ الجعل المنبىء عن دوام الملابسة، واستمرارِ الاستقرار على الإدخال المفيدِ لمجرد الانتقال من الخارج إلى الداخل للمبالغة في بـيان سدِّ المسامع باعتبار الزمان كما أن إيرادَ الأصابع بدلَ الأنامل للإشباع في بـيان سدِّها باعتبار الذات، كأنهم سدُّوها بجملتها لا بأناملها فحسب كما هو المعتاد، ويجوز أن يكون هذا إيماءً إلى كمال حَيْرتهم وفرْطِ دهشتهم وبلوغهم إلى حيث لا يهتدون إلى استعمال الجوارحِ على النهج المعتاد، وكذا الحال في عدم تعيـين الأصبع المعتادِ أعني السبابة، وقيل: ذلك لرعاية الأدب، والجملةُ استئناف لا محل لها من الإعراب، مبني على سؤال نشأ من الكلام، كأنه قيل عند بـيان أحوالهم الهائلة: فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة، فقيل: يجعلون الخ. وقوله تعالى: {مّنَ ٱلصَّوٰعِقِ} متعلق بـيجعلون أي من أجل الصواعقِ المقارنةِ للرعد، من قولهم سقاه من الغَيْمة، والصاعقةُ قُصفةُ رعد تنقضّ معها شعلة نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه. من الصَّعَق وهو شدةُ الصوت، وبناؤها إما أن يكون صفةً لقصفة الرعد أو للرعد، والتاء للمبالغة. كما في الرواية، أو مصدر كالعافية. وقد تطلق على كل هائلٍ مسموع أو مشاهد، يقال: صَعَقَتْه الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق، أو بشدة الصوت، وسدُّ الآذان إنما يفيد على التقدير الثاني دون الأول، وقرىء من الصواقع وليس ذلك بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف، يقال: صقَع الديكُ، وخطيب مِصْقَع أي مُجهِرٌ بخطبته {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} منصوب بـيجعلون على العلة وإن كان معرفة بالإضافة كقوله: [الطويل] شعر : وأغفِرُ عوراءَ الكريم ادِّخارَه وأصفَحُ عن شتم اللئيم تكرما تفسير : ولا ضير في تعدد المفعول له، فإن الفعل يعلل بعلل شتى، وقيل هو نصب على المصدرية أي يحذرون حذراً مثل حذر الموت، والحَذر والحذار هو شدة الخوف، وقرىء حذارَ الموت، والموتُ زوال الحياة، وقيل عرَضُ يُضادُّها، لقوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ} تفسير : [الملك، الآية 2] ورُدّ بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقدرة {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ} أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ، شبه شمولَ قدرته تعالى لهم، وانطواءَ ملكوتِه عليهم، بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة الفوْت، أو شَبَّه الهيئةَ المنتزعة من شؤونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط مع المحاط، فالاستعارة المبنيةُ على التشبـيه الأول استعارة تبعيةٌ في الصفة متفرِّعة على ما في مصدرها من الاستعارة والمبنية على الثاني تمثيلية قد اقتُصِر من طرف المشبه به على ما هو العُمدة في انتزاعِ الهيئة المشبَّه بها أعني الإحاطة والباقي منويٌّ بألفاظ متخيَّلةٍ بها يحصُل التركيبُ المعتبر في التمثيل كما مر تحريره في قوله عز وجل: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [البقرة، الآية 7] والجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئاً فإن القدَرَ لا يدافعُه الحذر، والحِيَل لا ترد بأس الله عز وجل. وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيب الإيذانُ بأن ما دَهَمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} تفسير : [آل عمران، الآية 117] فإن الإهلاك الناشىءَ من السُخط أشدُّ، وقيل: هذا الاعتراض من جملة أحوالِ المشبّهِ على أن المراد بالكافرين المنافقون، قد دل به على أنه لا مدفعَ لهم من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإنما وُسِّط بـين أحوال المشبه مع أن القياس تقديمُه أو تأخيره لإظهار كمال العنايةِ وفرطِ الاهتمام بشأن المشبه.

القشيري

تفسير : معنى قوله أو لإباحته ضرب مثلهم إمَّا بهذا وإما بذلك شبَّه القرآن بمطرٍ ينزل من السماء، وشبَّه ما في القرآن من الوعد والوعيد بما في المطر من الرعد والبرق، وشبه التجاءهم إلى الفرار عند سماع أصوات الرعد. كذلك الإشارة لأصحاب الغفلات إذا طرق أسماعَهم وعظُ الواعظين، أو لاحت لقلوبهم أنوار السعادة؛ ولو أقلعوا عمَّا هم فيه من الغفلة لَسَعِدُوا، لكنهم ركنوا إلى التشاغل بآمالهم الكاذبة، وأصروا على طريقتهم الفاسدة، وتعللوا بأعذار واهية، ويحلِفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، ويسعون في الخطرِ بأيْمانهم: شعر : إن الكريم إذا حباك بوُدِّه سَتَرَ القبيحَ وأظهر الإحسانا وكذا الملول إذا أراد قطيعةً ملّ الوِصال وقال كان وكانا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أو} للتنويع، أو بمعنى الواو، و {الصيب}: المطر، فَيْعِلٌ، من صاب المطر إذا نزل، وهو على حذف مضاف، أي: أو كذي صيب، وأصله: صيوب، كسيد، قلبت الواو ياء وأدغمت، ولا يوجد هذا إلا في المعتل كميت وهين وضيق وطيب. و {الرعد}: الصوت الذي يخرج من السحاب، و {البرق}: النور الذي يخرج منه. قال ابن عزيز: رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إنَّ الله عزَّ وجلَّ ينشىءُ السَّحَابَ فَتنطِقُ أحْسَنَ النطْق، وتَضْحَكُ أحسَنُ الضحك، فنطقها الرعدُ، وضَحِكُها البَرْقُ"تفسير : . وقال ابن عباس: "الرعدُ مَلَكٌ يسوقُ السَّحابَ، والبرقُ سَوْطٌ مِنْ نُورٍ يَزْجُرُ بهِ السَّحَاب). هـ. والصواعق: قطعة من نار تسقط من المخراق الذي بيد سائق السحاب، وقيل: تسقط من نار بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: ومثل المنافقين أيضاً كأصحاب مطر غزير {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ} وهدير أصابهم في ليلة مظلمة وقفراء مُدْلهمة. فيه {بَرْقٌ} يلمع، وصاعقة تقمع، إذا ضرب الرعد وعظم صوته جعلوا {أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} من الهول والخوف حذراً من موت أنفسهم، وقد ماتت أرواحهم وقلوبهم، وإذا ضرب البرق كاد {أن يخطف أبصارهم}، فإذا لمع أبصروا الطريق، و {مشوا فيه، وإذا أظلم عيهم قاموا} متحيرين حائدين عن عين التحقيق،{أية : وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُ }تفسير : [البُرُوج: 20]. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} بصوت ذلك الرعد، {وَأَبْصَارِهِمْ} بلمعان ذلك البرق، {إن الله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء. هذا مثلهم في تحيّرهم واضطرابهم، فيحتمل أن يكون من التشبيه المركب، وهو تشبيه الجملة بالجملة، أو من المفَصَّل، فيكون المطر مثالاً للقرآن، وفيه ذكر الكفر والنفاق المُشَبَّهَيْن بالظلمات، والوعد عليه والزجر المشبّه بالرعد، والحُجج الباهرة التي تكاد أحياناً تبهرهم المشبهة بالبرق، وتخوفهم وروعُهم هو جَعْل أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعون فيميلوا إلى الإيمان، وفَضْحُ نفاقهم وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها هي الصواعق. والله تعالى أعلم. الإشارة: أهل الخصوصية إذا ظهروا بين العموم بأحوال غريبة وعلوم وَهْبية، وأسرار ربانية وأذكار نورانية، دهشوا منهم وتحيّروا في أمرهم، وخافوا على أنفسهم، فإذا سمعوا منهم علوماً لدنية وأسراراً ربانية فرّوا منها، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، خوفاً على نفسهم أن تفارق عوائدها وهواها، وإذا خاصمهم أحد من العموم ألجموه بالحجة، فتكاد تلك الحجة تخطفه إلى الحضرة، كلما لمع له شيء من الحق مشى إلى حضرته، وإذا كرّت عليه الخصوم والخواطر، وأظلم عليه الحال، وقف في الباب حيران، ولو شاء الله لذهب بعقله وسمعه وبصره، فيبصر به إلى حضرته. من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية{أية : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45]. فالصِّيَّب الذي نزل من السماء كِنَايةٌ عن الواردات والأحوال التي ترد على قلوب العارفين، ويظهر أثرها على جوارحهم، والظلمات التي فيها كناية عن اختفاء بعضها عن أهل الشريعة فينكرونها، والرعد كناية عن اللهج بذكر الله جهراً في المحافل والحلق، والبرق كناية عن العلوم الغريبة التي ينطقون بها والحجج التي يحتجون بها على الخصوم، فإذا سمعها العوام اشمأزت قلوبهم عن قبولها، فإذا وقع منهم إنصاف تحققوا صحتها فمالوا إلى جهتها، ومَشَوْا إلى ناحيتها، فإذا كَرَّت عليهم الخصوم قاموا منكرين، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعاً {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}تفسير : [هُود: 118]. ولما ذكر الحق من تخلق بالإيمان ظاهراً وباطناً، ومن تحلّى به كذلك، ومن أخفى الكفر وأظهر الإيمان، دعا الكل إلى توحيده وعبادته.

الطوسي

تفسير : اللغة والتفسير: الصيب على فيعل من صاب يصوب، وأصله صَيوِبْ، لكن استقبلتها ياء ساكنة فقلبت الواو ياء وأدغمتا، كما قيل: سيد من ساد يسود، وجيد من جاد يجود، قياساً مطرداً. والصيب المطر. وكل نازل من علو إلى أسفل يقال فيه صاب يصوب قال الشاعر: شعر : كأنهم صابت عليهم سحابه صواعقها لطيرهن دبيب تفسير : وقال عبيد بن الأبرص: شعر : حيّ عفاها صيب رعده داني النواحي مغدق وابل تفسير : وهذا مثل ضربه الله للمنافقين، كان المعنى: أو كاصحاب صيب. فجعل كفر الاسلام لهم مثلا فيما ينالهم فيه من الشدائد، والخوف. وما يستضيئون به من البرق مثلا لما يستضيئون به من الاسلام. وما ينالهم من الخوف في البرق بمنزلة ما يخافونه من القتل بدلالة قوله: {أية : يحسبون كل صيحة عليهم} تفسير : وقال ابن عباس: الصيب القطر. وقال عطا: هو المطر. وبه قال ابن مسعود، وجماعة من الصحابة. وبه قال قتادة. وقال مجاهد: الصيب: الربيع. وتأويل الآية: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالاسلام مع استسرارهم الكفر كمثل مُوقِد نار، يستضيء بضوء ناره، أو كمثل مطر مظلم ودقه يجري من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة. فان قيل: فان كان المثلان للمنافقين فلمَ قال: {أو كصيب} وأو لا تكون إلا للشك وان كان مثلهم واحداً منهما، فما وجه ذكر الآخر بأو وهي موضوعه للشك من المخبر عما أخبر به؟ قيل: إن {أو} قد تستعمل بمعنى الواو كما تستعمل للشك بحسب ما يدل عليه سياق الكلام. قال توبة بن الحمير: شعر : وقد زعمت ليلى باني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها تفسير : ومعلوم أن توبة لم يقل ذلك على وجه الشك، وانما وضعها موضع الواو وقال جرير: شعر : نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر تفسير : ومثله كثير. قال الزجّاج: معنى {أو} في الآية التخيير، كأنه قال: إنكم مخيرون بان تمثلوا المنافقين تارة بموقد النار، وتارة بمن حصل في المطر. يقال: جالس الحسن أو ابن سيرين. أي: انت مخير في مجالسة من شئت منهما. والرعد: قال قوم: هو ملك موكل بالسحاب يسبح. روي ذلك عن مجاهد وابن عباس، وابي صالح. وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام). وقال قوم: هو ريح يختنق تحت السماء. رواه ابو خالد عن ابن عباس. وقال قوم: هو اصطكاك اجرام السحاب. فمن قال انه ملك قدر فيه صوته، كأنه قال: فيه ظلمات وصوت رعد، لأنه روي انه يزعق به، كما يزعق الراعي بغنمه. والصيب اذا كان مطراً. والرعد إذا كان صوت ملك، كان يجب أن يكون الصوت في المطر، لأنه قال {فيه} والهاء راجعة اليه، والمعلوم خلافه، لأن الصوت في السحاب والمطر في الجو إلى أن ينزل. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يحل الصوت المطر حين انفصاله من السحاب، ولا مانع يمنع منه، ويحتمل أن يكون المراد بفي (مع)؛ كأنه قال: معه ظلمات ورعد. وقد بينا جوازه فيما مضى. واما البرق، فمروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: مخاريق الملائكة من حديد، تضرب بها السحاب، فتنقدح منها النار. وروي عن ابن عباس: انه سوط من نور، يزجر به الملك السحاب. وقال قوم: إنه ما رواه ابو خالد عن ابن عباس. وقال مجاهد: هو مصع ملك. والمصاع: المجالدة بالسيوف وبغيرها. قال أعشى بني ثعلبة، يصف جواري لعبن بحليهن: شعر : اذا هن نازلن أقرانهن وكان المصاع بما في الجون تفسير : يقال منه: ماصعه مصاعا، والمعاني متقاربة، لأن قول علي عليه السلام: إنه مخاريق. وقول ابن عباس: إنه سياط يتقاربان. وما قال مجاهد: إنه مصاع قريب، لأنه لا يمتنع انه أراد مصاع الملك بذلك، وإزجاره به. والصواعق جمع صاعقة: وهو الشديد من صوت الرعد، فتقع منه قطعة نار تحرق ما وقعت فيه. والصاعقة: صيحة العذاب. والصاعاق: الصوت الشديد للثور والحمار صعق صعاقا. والصعق: الموت من صوت الصاعقة. والصعق الغشي من صوت الصاعقة. صعق فهو صعق. ومنه قوله: {أية : وخر موسى صعقا} تفسير : وروي شهر ابن حوشب: ان الملك اذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعق. وقيل: إن الصواعق نار تنقدح من اصطكاك الاجرام. وقريش وغيرهم من الفصحاء يقولون: صاعقة وصواعق، والقوم يصعقون. وتميم وبعض ربيعة يقولون: صواقع، والقوم يصقعون. وفي تأويل الآية، وتشبيه المثل أقاويل: روي عن ابن عباس: أنه مثل للقرآن. شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن وما فيه الظلمات بما في القرآن من الابتلاء. وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر. وما فيه من البرق بما فيه من البيان. وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلا، والدعاء إلى الجهاد عاجلا. والثاني ـ وقيل: إنه مثل للدنيا وما فيها من الشدة والرخاء، والبلاء كالصيب الذي يجمع نفعاً وضراً، فان المنافق يدفع عاجل الضر، ويطلب آجل النفع. والثالث ـ انه مثل القيمة لما يخافونه من وعيد الآخرة، لشكهم في دينهم وما فيه من البرق بما فيه من إظهار الاسلام، من حقن دمائهم، ومناكحتهم، ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الاسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. والرابع ـ أنه ضرب الصيب مثلا بضرب إيمان المنافق. ومثل ما في الظلمات بضلالته. وما فيه من البرق بنور إيمانه. وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. والوجه الأخير اشبه بالظاهر، وأليق بما تقدم. وروي عن ابن مسعود، وجماعة من الصحابة: أن رجلين من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاصابهما المطر الذي ذكره الله (فيه رعد شديد وصواعق وبرق)، فجعلا كلما اصابتهما الصواعق، جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في آذانهما فتقتلهما واذا لمع البرق مشيا في ضوئه، واذا لم يلمع، لم يبصرا، فاقاما في مكانهما لا يمشيان. فجعلا يقولان: ليتنا قد اصبحنا فنأتي محمداً، فنضع أيدينا في يده. فاصبحا فاتياه، وأسلما، وحسن إسلامهما فضرب الله شأن هذين المنافقين مثلا لمنافقي المدينة؛ وأنهم اذا حضروا النبي (صلى الله عليه وسلم)، جعلوا أصابعهم فرقاً من كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أن ينزل فيهم شيء، كما قام ذانك المنافقان، يجعلان أصابعهما في آذانهما. {وإذا أضاء لهم مشوا فيه}: يعني اذا كثرت اموالهم، وأصابوا غنيمة وفتحاً، مشوا فيه، وقالوا دين محمد (صلى الله عليه وآله) صحيح. {وإذا أظلم عليهم قاموا}: يعني اذا أهلكت أموالهم، وولد البنات، واصابهم البلاء، قالوا: هذا من أجل دين محمد (صلى الله عليه وسلم)، وارتدوا كما قام ذانك المنافقان اذا أظلم البرق عليهما. ويقوي عندي، أن هذا مثل آخر، ضربه الله بالرعد والبرق ولما هم فيه من الحيرة والالتباس. يقول لا يرجعون إلى الحق إلا خلسا كما يلمع البرق، ثم يعودون الى ضلالهم واصلهم الذي هم عليه ثابتون واليه يرجعون. والكفر كظلمة الليل والمطر الذي يعرض في خلالهما البرق لمعاً. وهم في اثناء ذلك يحذرون الوعيد والعذاب العاجل إن أظهروا الكفر كما يحذرون الصواعق من الرعد، فيضعون أصابعهم في آذانهم ارتياعا وانزعاجا في الحال ثم يعودون إلى الحيرة والضلال. {حذر الموت}: نصب على التمييز وتقديره {من حذر الموت}. ويجوز ان يكون نصباً، لأنه مفعول له فكأنه قال: يفعلون هذا الأجل حذر الموت. ويحتمل أن يكون نصباً على الحال. والموت: ضد الحياة. والاماتة: فعل بعده الموت. والميتة: ما لم تدرك ذكاته. والميتة: ألموت في حال مخصوص من ذلك ميتة سوء. والموتان: وقوع الموت في المواشي. وموّتت المواشي: اذا كثر فيها الموت. وموتان الأرض: التي لم تزرع. والحذر: طلب السلامة من المضرة. وحذّره تحذيرا، وحاذره محاذرة والحذيرة: المكان الغليظ، لأنه يتحذر منه. قوله: {محيط بالكافرين} يحتمل أمرين: احدهما ـ إنه عالم بهم ـ وإن كان عالماً بغيرهم ـ إنما خصهم لما فيه من التهديد. والثاني ـ إنه المقتدر عليهم ـ وان كان مقتدراً على غيرهم ـ، لأنه تقدم ذكرهم، ولما فيه من الوعيد. والمحيط: القادر. قال الشاعر: شعر : أحطنا بهم حتى اذا ما تيقنوا بما قدروا مالوا جميعاً إلى السلم تفسير : أي قدرنا عليهم. فاما الاحاطة بمعنى كون الشيء حول الشيء، مما يحيط به فلا يجوز على الله تعالى، لأنه من صفات الأجسام. والذي يجوز، الاحاطة بمعنى الاقدار والملك. كما يقال: أحاط ملكك بمال عظيم: يعنون أنه يملك مالا عظيما. ويقال: حاطه يحوطه حوطا: اذا حفظه من سوء يلحقه. ومنه الحائط، لأنه يحيط بما فيه. واحاط به: جعل عليه كالحائط الدائر. والاحتياط: الاجتهاد في حفظ الشيء.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قد مثّل الله تعالى حال المنافقين والكافرين بهذين التمثيلين باعتبار فساد القوّتين. أما التمثيل الأول، فهو باعتبار فساد قوّتهم العلميّة التي من شأنها مشاهدة أنوار الحقائق، وأما هذا التمثيل، فهو باعتبار بطلان قوّتهم العمليّة التي من شأنها سلوك طريق الحقّ بها. فقوله: {كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} إمّا عطف على: الذي استوقد أي كمثَل ذوي صيّبِ، بقرينة قوله {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ} أو عطف على المثَل، أي مثَلهم وحالهم كصيّب، فلا بدَ من تقدير ضمير يعود إليه. وكلمة "أو" في الأصل، للتساوي في الشكّ، ثم اتّسع فيها فاستعمل للتساوي من غير شكٍّ، مثْل جالِس الحسَن أو ابن سيرين، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان:24]. والمراد منع الخلوّ دون منع الجمع، فالمعنى: أن قصة المنافقين مشبّهة بهاتين القصّتين، وأنّهما سواء في صحّة التشبيه بهما باعتبار الجهتين، وأنت مخيّر في التمثيل بهما جميعاً، أو بأيّهما شئت، وكان الممثّل له في التمثيل الأول، حال المنافقين المنتسبين بأهل العلم لحفظ ظواهر الأقوال، المغترّين بإبداء الشبهات، وهم الذين إذا جاءتهم البيّنات يفرحون بما عندهم من العلْم. وفي هذا التمثيل حال المنافقين الذين هم من أهل النسْك وأهل التقليد من غير بصيرة تامّة وإياهما عُني في قوله صلّى الله عليه وآله: "حديث : قصم ظهرْي رجُلان عالِمٌ متهتّك وجاهلٌ متنسّك ". تفسير : وعن أمير المؤمنين عليه السلام: قطَع ظهري رجُلان من الدنيا: رجلٌ عليمُ اللّسان فاسقٌ، ورجلٌ جاهلُ القلْب ناسكٌ، هذا يصدّ بلسانه عن فسقه، وهذا بنسْكه عن جهْلِه، فاتّقوا الفاسق من العلماءِ والجاهلَ من المتعبّدين، أولئك فتنة كل مفتون..." فوجه المماثلة هٰهنا؛ أن المراد من المطَر هو الإيمان، أو القرآن لكونه منشأ الحياة المعنويّة والأرزاق الأخرويّة. والظلمات هي الشبهات والمتشابهات التي يخفى وجهها على الجهّال والأرذال ويضلّون في إدراكها، كما قال: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [البقرة:26]. والرعْد والبرْق والصواعق، هي التكاليف الشاقّة، بعضها من باب الأعمال وبعضها من باب الاعتقادات، كفعل الصلاة وال صيام والحجّ، وترك الرياسات، والمجاهدة مع الآباء والأمّهات، وترك الأديان القديمة، والاعتقاد بحقّية هذا الدين والانقياد له. فكما أن الإنسان يبالغ في الإحتراز عن المطر الصيّب، الذي هو أشدّ الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافق الجاهل، يحترز عن الإيمان أو القرآن بسبب هذه الأمور، زعماً منه أن الغرض منها ايلامه وتخويفه وتشديد الأمر عليه، بحيث تكاد توجب هلاكه، ولم يعلم أن فيها شفاءً لما في الصدور، وتنويراً للقلوب، وإحياءً للنفوس المريضة بداء الجهالة، ورحمةً للذين آمنوا، وهدى للعالمين. والمراد من قوله: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أنّ الجاهل المنافق كثيراً ما يتصامَم عن ذكر الآيات والحجَج والبيّنات، حذراً عن سماع ما يوجب فساد عاقبتهم، ويظهر عليهم مآل ما هم عليه من النفاق والفسْقِ ولا يعلم السفيه الأحمق أن التصامم والتعامي لا يدفع الداهية والموت، كما أنّ الصاعقة لو أتت إلى شخصٍ لا يمكن له دفعها بجعل إصبعيه في أذنيه. وقوله: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}: إشارةً إلى أنّ لمعات القرآن أو الإيمان، وأنواره الباهرة، تكاد تخطف أبصار بصائر الناظرين فيه، حتى كأنهم لضعف بصائرهم عن احتمال شوارقها ولوامعها، كالمبهوتين المتحيّرين. والمراد من قوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} أنّه متى ظهَر لهم، أو نقل إليهم شيءٌ من خوارق العادات والكرامات، أو متى حصل لهم شيء من المنافع كحصول الغنائم، أو التوقير والتقديم في المجالس، أو تولية الأمور كضبط الأموال وحفظ الأمانات، وسعاية الزكوات والحسبة والشهادة وغيرها، فإنّهم يرغبون في الدين ويجهدون في العمل. وإذا أظلمَ عليهم، أى متى لم يجدوا شيئاً من الكرامات أو من المنافع، فحينئذ يقفون عن العمل، ويكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه. هذا ما ظهَر في معنى الآية. ويقرب منه ما قيل: شبّه الايمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبديّة بالصيّب الذي به حياة الأرض، وما ارتكبت بها من الشبَه المبطِلة، واعترضت دونها من الاعتراضات المشكلة لأهل البدَع بالظلُمات، وما فيها من الوعْد والوعيد بالرعد، وما فيها من الآيات الباهِرة بالبرْق، وتصاممهم عمّا يسمعون من الوعيد بحال من يهوّله الرعْد فيخاف صواعقه فيسدّ أُذُنه عنها، مع أنّه لا خلاص لهم منها، وهو معنى قوله: {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ}. واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرَح ضوءِ البرق كلّما أضاء لهم، وتوقّفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهةً أو تعنّ لهم مصيبةٌ بتوقّفهم إذا أظلم عليهم، وأشير بقوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} إلى أنّه سبحانه جَعَلَ لَهم السْمعَ والأبصار ليتوسّلوا بهما إلى الهدى والفلاح ويتسبّبوا بهما إلى تحصيل السمع المعنوي والبصيرة الباطنية، لدفع الشبهات وإزالة الظلمات في طريق الهداية، وسلوك الآخرة، طلباً للحياة الباقية، وتقرّباً إلى الله معطي الخيرات الأبديّة، ثمّ إنّهم صرَفوها إلى الحظوظ العاجِلة، وسدّوها عن الفوايد الآجلة، وهذه المدركات مع مداركها، أمورٌ ذاهبة زائلة، ولو شاء الله لجعلهم عادمين للسمْع والأبصار كما هم عليه في القيامة يوم لا نور إلا نور المعرفة والإيمان. فصل [التشبيه هنا مركب، أم مفرّق] قد يقال: وقع في التمثيلين تشبيه أشياء بأشياء؛ فأين ذكر المشبّهات فيهما؟ وما المشتبه بالصيّب، والظلمات، والرعد، والبرق، والصواعق هٰهنا؟ وهلاّ صرّح بها، كما في قوله: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} تفسير : [فاطر: 19 - 21]. وكقول امرؤ القيس: شعر : كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العنّاب والحشَف البالي تفسير : فيجاب: بأنّه يجوز كون المشبه في المفردات مطويّاً ذكره على سنن الإستعارة من قوله تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} تفسير : [فاطر:12]. ولعلماء البيان في هذا الموضع قولان: أحدهما: ما سلَكنا سبيلَه وأوضحنا طريقه، وهو تشبيه مفرّق معناه أن يكون الممثّل مركّباً من أمور، والممثّل له أيضاً كذلك، ويكون كل واحد من آحاد أحدهما شبيهاً بما يوازنه من الآخر، من غير اشتراط أن يكون جميع أعداد المركّب للمشبّه مذكوراً صريحاً، كما علمت من التطبيق الذي مرّ ذكره. والثاني: ما اختاره صاحب الكشاف قائلاً: إنّ الصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطّونه إن التمثيلين جميعاً من جملة التمثيلات المركّبة، دون المفرّقة لا يتكلّف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحْل والمذهب الجَزل، أراد به أن يشبه كيفيّة منتزعة من مجموع أمور تضامّت أجزاؤه وتلاصقت حتّى صارت شيئاً واحداً بأخرى مثلها، كما في قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة:5] مثّل حال اليهود في حملهم بما معهم من التوراة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، فأمّا أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيّرة شيئاً واحداً، فلا، فكذلك لمّا وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبّهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم، بما يكابد مَنْ طفيت ناره بعد ايقادها في ظُلمة الليلِ وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق. والبحث فيه من وجهين: أحدهما: إن الهيئة الإنتزاعيّة الحاصلة من أمرين أو أمور، إذا كانت واحدة يجب أن تكون الأمور المنتزعة هي منها أيضاً متماثلة متشابهة من الوجه الذي به يصلح للانتزاع. لما تقرّر في العلوم العقليّة، أن المعنى الواحد، لا يمكن أن ينتزع من أشياء متخالفة الحقائق من جهة يخالفها، سواء كانت بسائط أو مركّبات، مثلاً: الهيئة الإنسانيّة المحسوسة المنتزعة من تركيب أجزاء الإنسان، لا يكمن أن تنتزع من تركيب أجزاء الفيل وغيره إلاّ على نحو ضعيف المشابهة لها. وثانيهما: إنّ المواضع التي ذكرها من القرآن وغيره، وادّعى فيها تشبيه المركّب بالمركّب من دون تشبيه الأفراد، لا نسلّم أن الأمر فيها كما زعمه، بل لا تخلوا المواضع عن المشابهة بين الأفراد، ففي قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} تفسير : [الجمعة:5] الآية، كما حصل تشبيه حال اليهود - وهو جهلهم بما في التوراة - بحال الحمار - وهو جهله بما حمل عليه، فكذلك قد حصلت المشابهة بين اليهود والحمار في الحمق والجهالة، فإن حقيقة الحماريّة وروحها هي الجهالة المفرطة، سواء كانت مقترنة مع شكل الحمار أو شكل الإنسان، وليس الإنسان إنساناً بشكله وصورة خِلْقته، بل بمعنى الإنسانيّة، وروح الناطقيّة التي هي عبارة عن إدراك المعارف. وكذا بين التوراة وأسفار الحكمة، لاتحادهما فيما يؤدّي إلى التعليم والهداية من العلوم الحقيقية والمعارف اليقينيّة، وكذا وقع تشبيه حمل. الألفاظ والظواهر وعدم حمْل الأسرار والمعاني منهم، بحمْل أوقار الصحُف، وعدم الشعور بما فيها. ثم لا يخفى على ذوي النُهى، أن هذا القسم ألطَف وأحكَم وأبلَغ فيما هو المقصود من التمثيل وأدلّ على القدرة؛ فينبغي حمل الآيات عليه مهما أمكن، ونحن لا ننكر وجود القسم الثاني في القرآن وغيره. فصل [نظر في العلّة الفاعليّة] فإن قيل: ما الفائدة في قوله: مِنَ ٱلسَّمَآءِ، مع أن الصيِّب لا يكون إلاّ من السماء؟ قلنا فيه فائدتان: الأولى: ما مرّ من دلالة تعريف السماء وتنكير الصيّب على أنّه مطبق آخذ بآفاق السماء. والثانية: إنّ من الناس من قصر نظره عن الأسباب العالية المنبعثة من قدرة الله وحكمته فقال: إنّ المطر إنّما يحصل من ارتفاع أبخِرةٍ رطبة من الأرض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدة البرودة الزمهريريّة، ثم تنزل مرّة أخرى على هيئة القطرات، فذاك هو المطر، ثم إنّ الله أبطَل ذلك المذهب هٰهنا بأن ذلك الصيِّب نزل من السماء. وكذلك قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان:48]. {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور:43]................................ لأنّ أسباب هذه الأمور منبعثة من عالَم السماء. واعلم أنّ العلم بحقائق الموجودات بعضها فوق بعض، وكذا العلماء بحسبها، ذوو درجات متفاضلة متعالية، كما قال تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف:77]. وقال: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الأنعام:65]. مثاله: أنّ الطبيعي والحكيم قد يتشاركان في النظر في كثير من الأشياء؛ لكن الطبيعي يأخذ الأوسط في حجّته من الطبيعة السارية في الأجسام بأمر الله، والحكيم يأخذ العلة من العالم العلوي والمفارق المحْض، والعلّة الغائيّة التي هي الخير الأعلى والعلّة القصوى للوجود، فالطبيعي يُعطي بُرهاناً لِمّياً، ما دامت المادّة القابلة والطبيعة الفاعلة موجودتين، والحكيم يعطي البرهان اللِميّ مطلقاً. وبالجملة، فإذا أعطي البرهان من الأسباب المقارنة، كان من العلْم الأسفَل، وإن أعطي من العلل المفارقة العالية، كان من العلْم الأعلى، والعلل المقارنة هي الهيولى والصورة، والعلل المفارقة هي الفاعل والغاية. وأمّا العارف المتألّة، فنظره أدقّ وأبصر، وعلْمه أعلى وأشرف من جميع العلوم، حيث يقع نظره في معرفة كلّ الأشياء الى الحقّ الأول، ويأخذ علّة مقاصده ووسط براهينه من أسماء الله الحسنى وآياته الكبرى، وليس لغيرهم هذا الشأن، ولا برهانهم هذا البرهان، وأكثر الناس مقصور النظر؛ إمّا على عالم الشهادة كالظاهريين، أو على عالم الباطن كالباطنيين، وكلاهما ينظران بالعَين العوراء. مثال ذلك الْعلم بمنشأ الرعْد والبرْق. فالرعْد، هو الصوت الذي يسمع من السحاب، كأنّ أجرام السحاب تصطدم وتضطرب وترتعد إذا جذبها الريح، فتصوّت عند ذلك من الارتعاد، والبرق: الذي يلمع من السحاب، من بَرَقَ الشيء بريقاً. واللفظان مصدران في الأصل، ولذلك لم يجمعا. وقيل: "الرعْد هو ملك موكّل بالسحاب يسبّح" روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وهو المرويّ عن أئمتنا عليهم السلام. وقيل: "إن الرعد صوت ملك يزجر السحاب". روي: "إنّه يزعق كما يزعق الراعي بغنمه". وقيل: "البرق مخاريق الملائكة من حديد، تضرب به السحاب فتنقدح عنه النار" وهو المرويّ عن علي عليه السلام. وقيل: "سوط من نور يزجر به الملك السحاب" عن ابن عباس. وقيل: "هو مصع ملك" عن مجاهد. والمصاع. المجالدة بالسيوف وغيرها. وقيل: إنّه نار تنقدح من اصطكاك الأجرام. والكلّ صحيح حسب مراتب المشاهدة لمراتب العوالِم. فإذا سمعت أيّها العاقل الطبيعي، أن ملَكاً يسوق السحاب بالزجر والصوت زجره يسمع زجل الرعود، وإذا سجت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، وأنت تحكم بعقلك أنه اصطكاك الأجرام من الحرارة الدخانيّة والبرودة البخاريّة الواقعة فوقها، فالذي أدركته بعقلك قضيّة صحيحة، لو لم تنكر ما فوقها، ولكن حرمت القضيّة الأخرى، أنّه ملك يسوق السحاب ولم تكد تراها لأنّه يدرك بنور البصيرة، وأنت في ظلمة الغشاوة وبك زمانة الجهالة، لا سبيل لك إلى سلوك عالَم النور. وقسْ عليه سائر التأثيرات العلويّة في الأمور السفليّة، كالزلازل والهدّات وغيرها، فأمّا ما ورد في باب الخسوف والكسوف، أنّه من تخويف الله عباده، وإظهار قدرته، مع ما ثبَت بالهندسة لك أنّ خسوف القمر لحجب نور الشمس عن جرمه لحيلولة الأرض، وأنّ كسوف الشمس يكون بحجاب جرْم القمر نورها عن الأبصار، فأهل الإيمان لا يُنكرون ما دلّت عليه البراهين الهندسيّة، ولكن الجاحدين لأنوار الشريعة، ينكرون أحكام الغيب ولم يتفكّروا في قوله تعالى: {أية : يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة:3]. وقوله: {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [هود:123] وقوله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} تفسير : [الأنعام:73]. {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} تفسير : [النساء:46]. فما بالك أيها الأعور، هلاّ نظرت بالعينين وأثبتَّ العالَمين، فالله أظهر الملك والشهادة لقضيّة اسمه الظاهر، والغيب والملكوت لقضيّة اسمه الباطن، فلو كنت أدركت العالَمين، لجمعت بين الفلَك والملك، وأثبتَّ المعقول والمنقول. على أنّ في نظر العارف المحقِّق، الفلَك ملكٌ متمثّل، والمنقول معقول ينتقل إلى عالَمك الذي أنت فيه، والشرع عقلٌ ظاهر، والعقل شرعٌ باطن، فالجسماني للفلك والروحاني للملك، فمن حكم بأنّ الفلك له إرادة وقدرَة فلمْ يدر أنّ الإرادة والقدرة للملك الموكّل به، وصورة الفلك من عالم التقدير والتسخير، لا من عالم الحكمة والتدبير، وهكذا الكواكب وما يضاف إليها من التأثيرات والتدبيرات، هو من الملائكة الموكّلين بعالَم السماء، وهي في ذواتها مَوات. فصل قوله: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ}، إنْ أريد بالصيِّب المطر، فظلماته تكاثفه أي تتابعه وظلُمة غمامه مضمومة إليهما ظُلمة الليل. وإن أريد به السحاب، فظلمته سحمته وتطبيقه إذا كان اسحم مطبقاً. وارتفاعها بالظرف - وفاقاً - لاعتماده على موصوف، وكون الصيِّب - بمعنى المطر - مكاناً للرعد والبرق، لأنّهما في أعلاه وأسفله. ولأنّ التعلّق بين المطَر والسحاب قوي كالتداخل، جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر فيما هو من باب الوضع. وقيل: ضمير {فيه} راجع إلى "السَّمَاءِ"، لأنّ المراد بها السحاب وهو مذكر. وإنّما لم يقل: "رُعود وبُروق"، كما قيل: {ظُلُمَات} لأنّ أنواعاً متخالفة من الظلمة قد اجتمعت، فاحتيجت إلى صيغة الجمع بخلاف صاحبيها. وإنّما جاءت الثلاثة منكّرات، لأن المراد ضروب خاصّة منها، كأنه قيل: "ظلُمات داجيةٌ ورعد قاصفٌ وبرق خاطفٌ". والضمير في: {يَجْعَلُونَ} لأصحاب الصيّب، والمرجع وإن كان محذوفاً لفظاً لكنّه باقٍ معنى، فيجوز أن يعوّل عليه. والجملة استيناف كأنّها وقعتْ في جواب منْ قال: "فَكيْفَ حالُهم مع مثْل هذه الشدّة والهول؟". وإنّما ذكر: "الأصابع" موضع "الأنامل" للمبالغة، أو لأنّ المراد بعضها، وقوله: {مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} متعلّق بـ "يَجْعَلُونَ" أي: من أجلها. والصاعقة: قصفةُ رعد شديد معها جوهرُ ناريُ قويُّ الناريّة، لا تمرّ بشيءٍ إلاّ أتت عليه، بقي بحاله إن كان متخلخلاً لطيفاً، وأذابته أو دكّته بسرعة إن كان متكاثفاً صلْباً. وهي مع قوّتها سريعة الخمود والجمود، و "التاء" فيها للمبالغة كالراوية، أو مصدريّة كالعاقبة. وقوله: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} نصب على العلّة. والموت: زوال الحياة وعدمها عما فيه قوّة قبولها. وقيل: صفة تضادّ الحياة، تمسّكاً بقوله: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك:2]. ودُفِعَ: بأنّ "الخلْق" هٰهنا بمعنى التقدير، والأعدام مقدرة وإن لم تكن مجعولة. ومعنى إحاطته تعالى بالكافرين: شمول قدرته عليهم وإحاطة أمره ونقمته بهم لقوله: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت:54]. وقيل: المعنى إنّهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، لا يخلصهم الخداع والحيَل. والجملة اعتراضيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و "الخطْف": الأخذ بسرعة. وقرء مجاهد: "يخطِف" - بكسر الطاء - والفتح أفصح؛ وعن ابن مسعود والحسن: "يَخَطّف" - بفتح الياء والخاء - على أنّه "يَخْتَطف" فأدغمت التاء في الطاء بعد نقل حركتها إلى ما قبلها. وعنه "يخطف" - بكسر الخاء - لالتقاء الساكنين واتّباع الياء لها. وعن زيد بن علي عليه السلام: "يخطف" من خطف. وعن أبَيّ: "يتخطَف" من قوله: {أية : وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت:67]. وقوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} استيناف ثالث، كأنّه جواب لمن يقول: "كيف يصنعون في حالتي ظهور البرق وخفائه"؟ فأجيب بذلك. و {أَضَآءَ} إمّا متعدٍّ، والمفعول محذوف. بمعنى: "كلّما نوّر لهم ممشى أخذوه"، أو لازم بمعنى: "كلّما لمع لهم مشوا في مطرح نوره"، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة "كلّما ضاء". وكذلك {أَظلَم} فإنّه جاء متعدّياً إلى مفعول من "ظِلْم الليل"، ويشهد له قراءة "أظلِم" على البناء للمفعول. وإنّما قال مع الإضاءة "كلّما"، ومع الإظلام "إذا"، لكونهم حرّاصاً على المشي. فكلّما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك الوقوف، ولو شاء الله في قصف الرعد فأصمّهم وفي ضوء البرق فأعماهم. ومفعول {شَآءَ} محذوف لدلالة الجواب عليه، ولقد تكاثَر حذفه في "شَاءَ" و "أرَاد" حتّى لا يكاد يذكر إلاّ في الشيء المستغرب كقوله: "وَلو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه". تنبيه: قال في التفسير الكبير: "إنّ المشهور أنّ كلمة "لَو" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أنّها لا تفيد إلاّ الربط، واحتجّ بالآية والخبر. أمّا الآية: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال:23]. فلو أفادت ذلك لزم التناقض، لأن قوله: {أية : لَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً} تفسير : [الأنفال:23] مقتضاه أنه ما علِم فيهم خيراً، وقوله: {أية : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال:23] مفاده أنّه تعالى ما أسمعهم، وهم [ما] توَلّوا، لكن [عدم] التولّي خير، فيلزم أن يكون قد علم الله فيهم خيراً؛ وما علِم فيهم خيراً. وأما الخبر: فقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : نعمَ العبد صُهيب، لو لم يخَف الله لم يعصه" تفسير : فعلى مقتضى قولهم يلزم أنّه خاف الله وعصاه، وذلك متناقض. فعلمنا أن كلمة "لو" لا تفيد ألاّ الربط" - انتهى كلامه. وفائدة هذه الشرطية على المذهب المشهور، إبداء المانع لذهاب سمْعهم وأبصارهم الظاهريتين مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبّباتها مشروط بمشيّة الله تعالى وإن كان وجودها مرتبطاً بأسبابها منوطاً بآجالها وأوقاتها والكلّ واقع بقدرته. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} كالتصريح به، والتقرير له، وفائدتها على المذهب الأخير، الإخبار عن ذهاب الحاسّتين عنهم في الحقيقة، مع أنّ الناس يزعمون أنّهما موجودتان لهم، فهم صمٌّ وعميٌ في الحقيقة. وعند أهل الكشف، مع وجود الآلتين فيهم كأنّهم أموات لا يشعرون عند الله وعند أوليائه، كما قال: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [النمل:80]، مع أنّهم يحسّون ويتحرّكون كالأحياء، وهذا من عجائب قدرة الله تعالى في خَلْق الآدمي. فصل اعلم إنّ الشيئية وإن كانت بحسب المفهوم أعمّ من الوجود، إلاّ إنّها تساوق الوجود بحسب التحقّق، وجماعة ممّن جعلها أعمّ تحقّقاً منه، خرجوا إلى خيالات عجيبة فقالوا: المعدوم الممكن شيء، وهو ثابت، لكونه محكوماً عليه بأحكام صادقة توجب تمييزه عن غيره، وليس بموجود فيكون ثابتاً، وسلّموا أنّ المحال منفيٌّ، وأنّه لا واسطة بين النفي والإثبات، وربما أثبتوا واسطة بين الموجود والمعدوم ممّا سمّوه حالاً، وبناء هوساتهم على الغفلة عن عالَم الغيب وما فيه من الأمور الذهنيّة الغائبة عنهم، ولم يعلموا أنّ التفرقة بين المعدومين عن الأعيان، باعتبار ما أضيف إلى المتصوّر الموجود في الذهن من مفهوميهما، فإنّ ما ليس له وجودٌ لا في الذهن ولا في العين، فالتصديق عليه تحكّمٌ وهذيان، والإخبار عنه ممتنع. ومما يفتضحون به أن يقال لهم: إذا كان الممكن معدوماً، فوجوده هل هو ثابت أو منفيُ، فإنّه باعترافهم لا يخرج الشيء عن النفي والإثبات، فإن كان منفيّاً - وكل منفي عندهم ممتنع - فالوجود الممكن يصير ممتنعاً، هذا خُلْف، وإن كان ثابتاً، وكلّ صفة ثابتة للشيء يجوز أن يوصف بها الشيء، فالمعدوم يصحّ أن يوصف في حال عدمه بالوجود، فيلزم التناقض، وهو محال. ثمّ من العجب أن الوجود عندهم يفيده الفاعل، وهو ليس بموجود ولا معدوم، فلا يفيد الفاعل وجود الوجود - مع أنّ الكلام يعود إليه - ولا يفيد ثباته، فإنه كان ثابتاً بامكانه في نفسه، فما أفاد الفاعل للماهيات شيئاً فهؤلاء عطّلوا العالم عن الصانع. ومنهم من استدلّ بهذه الآية على أنّ المعدوم شيء، قال: لأنّه تعالى أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه، لاستحالة ايجاد الموجود وتحصيل الحاصل، فالذي عليه القدرة معدومٌ، وهو شيء، فالمعدوم شيء. والجواب: بالحلّ والنقض. أمّا الأول؛ فلأنّ ايجاد الموجود بنفس هذا الايجاد، وكذا تحصيل الحاصل بنفس هذا التحصيل، غير مستحيل، بل هو واقع، لأنّ الإيجاد هو الاستتباع في الوجود، والممكن يفتقر في بقائه إلى العلّة، كما يفتقر في حدوثه. وأمّا الثاني؛ فلأنّه لو صحَّ هذا الكلام، لزم أنّ ما لا يقدر الله عليه أن لا يكون شيئاً، فالموجود لمّا لم يقدر الله عليه، وجَب أن لا يكون شيئاً، وهو شيءٌ عندهم. واحتجّ جهم بهذه الآية على أن الله تعالى ليس بشيء. قال: "لأنّها تدلّ على أن كل شيء مقدور لله تعالى، و "الله" ليس بمقدور له، فوجب أن لا يكون شيئاً" واحتجّ أيضاً بقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى:11]. قال: "لو كان شيئاً لكان مثلَ نفسِه، فكان يكذب قوله، فوجب أن لا يكون شيئاً لئلا يتناقض كلامه. والجواب: إنّ هذه اطلاقات عرفيّة، وتجوّزات لا يجوز التعويل عليها في أصول الإيمان والاعتقاد، فبطَل ما صنعوه وتخيّلوه. وهو كما استدلّ بعض الأشاعرة على أنّ الشيء يختصّ بالموجود، لأنّه في الأصل مصدر "شَاء" أطلق تارة بمعنى "شاء" - اسم الفاعل - وحينئذ يتناول الباري تعالى، كما قال: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:19]. وتارةً بمعنى مشيء - اسم مفعول - أي مشيء وجوده، وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة، وعليه يحمل قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:20] {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الزمر:62]. فهما على عمومهما بلا مثنوية. فصل القدْرة هي التمكين من ايجاد الشيء. وقيل: صفة تقتضي التمكين. وقيل صفة تؤثر وفق الإرادة فخرج ما لا تأثير له من الصفات، وإن توقّف تأثير القدرة عليها كالعلم في بعض القادرين، وما يؤثر لكن لا على وفق الإرادة كالطبائع المسخّرة العنصرية مثل صورة النار في إحراقها. وقيل: قدرة الحيوان، كيفيّة نفسانيّة بها يتمكّن من الفعل والترك، وهي في الحقيقة قوّة إمكانية نسبتها إلى الطرفين سواء، وقدرة الله، كون ذاته تعالى من غير اعتبار الإرادة أو انضمامها بحيث يصح عنه صدور الفعل وعدمه، والمشهور عن الحكماء، أنّ الله قادر على كلّ شيء، بمعنى إنْ شاءَ فعَل وإنْ لم يشأ لم يفعلْ، سواء شاء ففعَل، أو لم يشأ فلم يفعلْ، إذ ليس صدق الشرطيّة متعلّقاً بصدق طرفيها. والإرادة صفة ترجّح تعلّق القدرة بأحد طرفي المقدور، وهي تنبعث عن الداعي، فقيل إنّها شوق متأكّد، وقيل إنّها مغايرة للشوق، لأنّها هي الإجماع وتصميمُ العزم، إذ قد يشتهي الإنسان ما لا يريده، كالمحرّمات الشهويّة عند المؤمن العفيف، وقد يريد ما لا يشتهيه، كالأدوية البشعة النافعة. وربما يفرق بينهما، بأنّ الإرادة ميلٌ اختياريٌ، والشوق ميل طبيعيٌّ ولهذا يعاقَب المكلّف بإرادته المعاصي، ولا يعاقب بإشتهائها، وفي كون الإرادة من الأفعال الإختياريّة نظرٌ. وإلاّ لأدّى إلى التسلسل، لاحتياجه إلى إرادة أخرى، هكذا قيل، وللكلام عليه مجال ليس هٰهنا موضعه. واعلم أنّ الداعي على فعْل الباري عند المحقّقين، ليس بأمر زائد على ذاته وقدرته، كالإرادة، لأنّه عندهم عبارة عن كون ذاته عالِماً بالنظام الأعلى للعالَم، والأشاعرة لم يقولوا بالداعي، لتجويزهم ترجيح المختار أحد مقدوريه بالإرادة من غير مرجّح، وتخصيص أحد المتساويين من غير مخصّص، والمعتزلة، وكذا أصحابنا الإماميّة، قائلون بالداعي، لشهادة عقولهم باستحالة الترجيح بلا مرجّح مع استلزامه للترجيح بلا مرجّح إذا نقل الكلام في تحقّق الإرادة وعدمها، وذلك بديهيُّ الإمتناع عند كافّة العقلاء، لكن المعتزلة قالوا بزيادة الداعي على ذاته تعالى وعلى علْمه، فمنهم من يقول - موافقاً لبعض أصحابنا - إنّه مصلحةٌ راجعةٌ إلى شخص شخص من أشخاص الموجودات، ومنهم من يقول: إنّه ذات الوقت، ومنهم من يقول بامتناع وجود العالَم في غير ذلك الوقت، إذ لا وقت قبله، وهذا المقام مما لم تثبت فيه قدمٌ راسخ إلاّ لمن نوّر الله بصيرته، فإنّه من مزالّ أقدام الأقوام. واشتقاق "القُدْرَةِ" من "القَدْر"، لأنّ القادر يوقع الفعل على مقدار قوّته، أو مقدار ما تقتضيه مشيّته. واستدلّ بهذه الآية على أنّ مقدور العبد مقدور الله تعالى؛ لأنّ مقدور العبد شيءٌ، وكلّ شيءٍ مقدور له تعالى - خلافاً لأبي هاشم وأبي علي -، وعلى أن المحدث حال حدوثه مقدورٌ. لأن المحدَث حال حدوثه "شيء"، وكل شيء مقدور - خلافاً للمعتزلة - فإنّهم قائلون: بأن الاستطاعة قبل الفعل محال. واستدلّ من قال بتقدّمها على الفعل بوجهين: أحدهما: أنّه لو تحقّق قبل الفعل، لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليف العاجز، وهو غير واقع بالإتّفاق، كما قال تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة:286]. وثانيهما: أنّ القدرة يلزمها كونها محتاجاً إليها في الفعل، ومع الفعل لا يبقى الاحتياج، وقد مرّ وجه اندفاعه، لأنّ الحصول لا ينافي الحاجة إلى العلّة. وأجيب عن الأول: بأنّ تكليف الكافر بايقاع الإيمان في ثاني الحال، أعني وقت حصول الاستطاعة، وهي مع الفعل. ويرد عليه أنّه لو استمرّ على الكفر، لم تتحقّق القدرة أصلاً بناء على أنّها مع الفعل، والتالي باطلٌ بالاتفاق. تتمةٌ: من كان المؤثّر في وجود الأشياء ليس عنده إلاّ الباري تعالى كالمحقّقين من الحكماء، حيث يجعلون غيره من الأسباب من قبيل الشروط والمعدّات والروابط والمقدّمات. وكذا الأشاعرة القائلون بنفي العلّية والمعلوليّة والتقدّم والتأخّر بين الأشياء، فالآية باقية على عمومها لجميع الممكنات، سواء كانت موجودة بالفعل أو معدومة. وأمّا المعتزلة، فمنهم من عمّمها وقال إنّ قدرته على ثلاثة أوجه: على المعدومات بأن أوجدها، وعلى الموجودات بأن يفنيها؛ وعلى مقدور غيره بأن يقدر عليه ويمنع منه. ومنهم من خصّصها في مقدوراته دون مقدور غيره، لاستحالة كون مقدور واحد بين قادرين، لأنّه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد موجوداً ومعدوماً وهو تناقض محالٌ، وتخصيص العامّ جائز في الجملة، وواجبٌ بدليل العقل، لأن قوله: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة:284]، يقتضي أن يكون قادراً على نفسه، ثمّ خصّ بدليل العقل، وذلك لا يوجب الكذْب على الله والطعن في القرآن، لأنّ لفظ الكلّ، كما انّه مستعمل في المجموع، فقد يستعمل في الأكثر، وذلك مجاز مشهور في اللغة، لم يكن استعمال اللفظ كذباً. وهٰهنا تحقيق آخر، وهو أن الشيئية معناها غير الوجود، فإنّ كلّ ممكن موجود فللعقل أن يحلّله إلى وجود هو له في غيره، وإلى مهيّة هي له في نفسه؛ فالشيئيّة غير الوجود، إلاّ أنَّها لا تنفكّ عن الوجود كما مرّ، خلافاً للمعتزلة، أمّا الباري جلّ ذكره، فإذ لا مٰهيَّة له سوى الوجود البَحْت، فلا شيئية له غير شيئيّة الوجود. فإذا تقرّر هذا فنقول: نسبة الباري جلّ ذكره إلى المٰهيّات كلّها بالقدرة، وإلى الوجودات بالإيجاد والإضافة بالفعل، لأنّ معنى القدرة؛ صحّة الفعل والترك، والمٰهيَّة في نفسها قابلةٌ للوجود والعدم على التساوي دائماً، سواء كان حين الوجود أو قبله أو بعده، فالمقدوريّة ثابتةٌ لها دائماً. وأمّا الوجودات، فحقيقتها أنّها موجودة بالفعل بايجاد الله، وليست هي في أنفسها جائزة العدم، لأنّها عين جهات رحمته وَجُودِه، وامكاناتها عبارة عن كونها مفتقرة الذوات إليه تعالى، مجعولة بجعله وابداعه، والضرورة الوجوديّة الثابتة لها ضرورات ذاتية ما دامت الذات، وليست ضرورة أزليّة، والفرق بين الوجوبين ثابتٌ عند أهل الميزان المستقيم، فالله على كلّ شيء قدير، فاعلم هذا فإنه من العلوم الشريفة المحرّمة على غير أهلها.

الجنابذي

تفسير : {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} اى حال المنافقين فى قرع الكلمات المهدّدة المندرجة فيها الرّحمة المستنيرة بنورها القلوب اسماعهم كصيّب اى مطر او سحاب فهو معطوف على قوله كمثل الّذى استوقد لا على الّذى استوقد كما قيل {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} ظلمة اللّيل وظلمة تتابع المطر وظلمة تراكم السّحاب. تحقيق الرعد والبرق والسّحاب والمطر {وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} اعلم انّ السّحاب والرّعد والبرق من جملة كائنات الجوّ وسبب تكوّن السّحاب تصاعد البخار من الاراضي الرّطبة المتسخنّه بالشمس او بكونها كبريّتية او مالحة سبخة فاذا تصاعد البخار ووصل قبل تحلّله واستحالته الى الهواء الى قريب كرة الزمهرير تراكم وصار سحاباً حاجباً لما وراءه، والبخار عبارة عن أجزاء رشّيّة مائيّة مختلطة بأجزاء هوائيّة وبعد التّراكم يجتمع الاجزاء المائيّة ويستحيل شيئ من الاجزاء الهوائيّة الى الماء فان لم تنعقد ببرودة الهواء صارت مطراً، وان انعقدت بعد الاجتماع صارت برداً، وان انعقدت قبل الاجتماع التّامّ صارت ثلجاً، وقد يتصاعد من الاراضى السّبخة والكبريّتية دخان مختلط مع البخار، والدّخان مركّب من الاجزاء الارضيّة والاجزاء النّاريّة المختلطة بالاجزاء الهوائيّة، فاذا وصل ذلك البخار الى كرة الزّمهرير وتراكم واحتبس الاجزاء الدخانيّة بين الاجزاء البخاريّة والحال انّ الاجزاء الارضيّة مائلة بالطّبع الى السّفل والاجزاء النّاريّة مائلة بالطّبع الى العلو فما دام النّاريّة غالبة يتحرّك الاجزاء الدّخانيّة من بين السّحاب الى العلو بالشدّة وان كانت الاجزاء الارضيّة غالبة تتحرّك الى السّفل بالشدّة وبحركتها الشّديدة تخرق السّحاب الّذى هو أغلظ من الهواء ويحصل من خرقها الصّوت الّذى يسمّى رعداً، فان كان مادّة الدخان لطيفة يشتعل بتسخين الحركة وسخونة الاجزاء النّاريّة وينطفى بسرعة ويسمّى برقاً، وان كانت غليظة يشتعل ولا ينطفى بسرعة بل يبقى حتّى يصل الى الارض ويسمّى صاعقة، ولا ينافى ما ذكر ما ورد فى الاخبار من انّ الرّعد أصوات أسواط الملائكة الموكّلة على السّحاب {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} حال او صفة او مستأنف جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل ما حال النّاس والضّمير راجع الى النّاس المستفاد بالملازمة {مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} من اجل الصّواعق جمع الصاعقة {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} من خرق صوت الصّاعقة اصمختهم او ضمير يجعلون راجع الى المنافقين كأنّه سأل سائل عن حال المنافقين الممثّل لهم، ويكون الصّواعق حينئذٍ مجازاً عن الكلمات الّتى تقرع أسماعهم ممّا فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ وهذا أوفق بقوله {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ} اى بهم فوضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بذمٍّ آخر لهم، هذا على ان يكون ضمير يجعلون راجعاً الى المنافقين والجملة حالاً من فاعل يجعلون والمعنى لا ينفعهم الحذر اذ لا يمكن الفرار من حكمه.

الهواري

تفسير : ثم ضرب مثلاً آخر فقال: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ}. يقول هذا المثل أيضاً مثل المنافق. والصيِّب المطر. ذكروا عن النبي عليه السلام أنه حديث : كان إذا استسقى قال:اللهم صيّباً هيّناً تفسير : وهو تفسير مجاهد: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} قال [بعضهم]: كان المنافقون إذا أصابوا في الإِسلام رخاء وطمأنينة طابت أنفسهم في ذلك وسروا به في حال دنياهم، وإذا أصابتهم فيه شدة لم يصبروا عليها ولم يرجوا عاقبتها. فالظلمات هي الشدة، والرعد هو التخوّف إذا تخوّفوا أن تأتيهم شدّة. والمطر فيه الرزق، وتكون فيه الظلمة والرعد والبرق، فضرب الله ذلك مثلاً، والبرق مَثَل نور الإِسلام في تفسير الحسن. وقال ابن عباس: هو نور القرآن. وهو واحد. {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} وهذا كراهية من المنافقين للجهاد لأنهم لم تكن لهم حسبة في الشهادة والجهاد في سبيل الله. قال الله: {وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرينَ}. يقول: والله محيط بالمنافقين، وهو كفر دون كفر الشرك. يقول: هو من وراء المنافقين حتى يخزيهم بنفاقهم وكفرهم. قوله: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ} أي مضوا فيه {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [أي بقوا لا يبصرون]، يعني بذلك المنافقين يقول: إن المنافقين إذا رأوا في الإِسلام رخاء وطمأنينة طابت أنفسهم بذلك وسرّوا به في حال الدنيا، وإذا أصابتهم شدة قطع بهم عند ذلك فلم يصبروا على بلائها، ولم يحتسبوا أجرها، ولم يرجوا عاقبتها. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} حين أقروا ولم يوفوا. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

اطفيش

تفسير : {أَوْ كَصَيِّبٍ}: عطف على قوله:{أية : كمثل الذى استوقد ناراً}تفسير : بتقدير مضافين، أى كمثل أصحاب صيب كما ذكر فى المعطوف عليه المثل، وصاحب الاستيقاد، ويدل لتقدير أصحاب أيضاً رجوع الضمير إليه فى قوله {يَجْعَلُونَ} وأن الممثل به أصحاب الصيب لا الصيب نفسه، أو لأحد الشيئين أو الأشياء، وإن شئت فقل لتلعيق الحكم بأحد الشيئين فصاعدا بقطع النظر عن التخيير والإباحة والشك والتشكيك والإبهام والتقسيم والإضراب، فإن المقيدة لأحد المعانى المذكورة بخصوصه هو التركيب بواسطتها لا هى نفسها، فإنها لا تفيد بذاتها إلا تحصيل الحكم لأحد شيئين أو أشياء، وإذا أضيف إليها أفادت أحد تلك المعانى فمجاز مثل أن يقال أو تقيد الشك أو التخيير أو الإباحة أو نحو ذلك وأما أن يقال أو للشك أو للتخير أو نحو ذلك بمعنى أنها تستعمل حيث أريد ذلك، أو أنها معونة فيه فليس بمجاز، ويعلم من قولى بقطع النظر.. إلخ أن أو حقيقة فى المعنى الموجود فى تلك المعانى جميعاً وهو مطلق حصول الحكم لأحد الشيئين أو الأشياء، مجاز فى تعيين ذلك الحصول على طريق التخيير أو طريق الإباحة أو نحوهما، وهذا أقعد من قول الزمخشرى والقاضى: إن أو فى الأصل للتساوى فى الشك، ثم اتسع فيها فأطلقت للتساوى من غير شك، مثل: جالس الحسن وابن سيرين، فإنها تفيد التساوى فى حسن مجالسة الحسن وابن سيرين من غير شك، ومثل قوله عز وجل:{أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}تفسير : فإنها تفيد التساوى فى وجوب عصيانه الآثم والكفور، لكن قولهما وفق باللغة، وإذا استعملت أو بمعنى الواو فمجاز لا غير، وأو فى قوله عز وعلا: {أَوْ كَصَيْبٍ} تحتمل أن تكون بمعنى الواو وأن تكون مستعملة فى تحصيل الحكم لأحد الشيئين، والحكم هو التشبيه، وذلك التحصيل على طريق التخير بمعنى أنه يصح تشبيه المنافقين بالذى استوقد ناراً، أو يصح بأصحاب الصيب كلاهما سواء فى الجواز فأنت مخير فى تشبيههم بالمستوقد أو بأصحاب الصيب، والمشهور فى التخير عدم صحة الجمع، فإيضاح تخريج الآية أن يقال المعنى: إنك إذا أردت الاختصار وتشبيههم تشبيهاً واحداً فقط فشبههم بالمستوقد فقط، أو بأصحاب الصيب فقط، وإن شئت فقل التحصيل فى الآية على طريق الإباحة، أى شبههم بهما أو بأحدهما، ولست أريد أنهما سواء فى التشبيه من كل وجه، بل سواء فى أصل الجواز كما صرحت به، إذا قلت سواء فى أصل الجواز، وإلا فتشبيههم بأصحاب الصيب أبلغ لأنه أدل على شدة الحيرة والأمر وفظاعته، ولذلك أخر فى الآية على سبيل الترقى من الأهون إلى الأغلظ. وتعلم من كلامى أنه لا يشترط التصريح بالطلب فى التخير والإباحة أو تقديره، بل تكفى عنايته وهو ظاهر كلام ابن مالك، فإن معنى الآية شبه المنافقين بالمستوقد أو بأصحاب الصيب فإن الطلب لم يصرح به فيها، ولم يكن محذوفاً مقدراً واشترط كثير أن يكون مصرحاً به أو محذوفاً مقدراً، والصيب المطر سواء فسرنا السماء بالسحاب أو بسماء الدنيا، ويجوز تفسير الصيب بالسحاب على أن السماء سماء الدنيا، وسمى المطر والسحاب صيباً من الصوب بمعنى النزول، لأنهما ينزلان إلى الأرض، ونزول السحاب إليها نزول مائه، وقد قيل أيضاً إنهما ينزلان من السماء، وأيضاً قد يدنو السحاب من الأرض بعد ما كان أبعد، ومن استعمال الصيب وصفاً للسحاب قول الشماخى: شعر : محا آيه نسج الجنوب مع الصبا وأسحم دان صادق الوعد صيب تفسير : وآيه جمع آية ونسج والهاء للمنزل الجنوب مع الصبا تخالفهما كتخالف الطعم والغزل لتقابلهما، فيدخل كل فى الآخر، فالجنوب ريح من ناحية سهيل عن يمين مستقبل المشرق، والصبا ريح من المشرق، والأسحم السحاب الأسود والدانى القريب من الأرض، سمى كونه بحال يطمع فى أمطاره مطراً نافعاً وعدا تنزيلا لحالة منزلة النطق بوعد الأمطار، فوصفه بصدق الوعد، والصيّب الكثير الأمطار وتلك الصفات أولى بالسحاب، فحمل الصيب عليه أولا، وإن كان يجوز حمله على المطر باطلاق أوصاف السحاب على المطر مجازاً لتقاربهما غالباً، والأكثر فى الآية على المراد المطر وهو تفسير مجاهد، وكان صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال:"حديث : اللهم صيباً هنيئاً"تفسير : وأصله صيوب بفتح الصاد وإسكان الياء الزائدة وكسر الواو، اجتمعت الواو والياء وسكنت السابقة منهما فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فوزنه فيعل بذلك الضبط، ويجوز أن يكون أصله صويبا بوزن كريم، قدمت الياء على الواو فكان الاجتماع المذكور فالإدغام المذكور، وسكون الياء قبل التقديم ميت لكونها بعد كسرة، وبعده حى لكونها بعد فتحة، فوزنه على هذا قبل التقديم فيعل ككريم، وبعده بحسب اللفظ فيعل وفيه فى سيد من الأوجه، وقد ذكرتها فى شرح عصام الدين، ونكر الصيب تعظيماً لأن المراد نوع من المطر أو من السحاب شديد، كما نكر النار فى قوله: {أية : كمثل الذى استوقد ناراً}تفسير : وقرى أو كصائب والصيب أبلغ. {مِنَ السَّمَآءِ}: من السحاب أو من سماء الدنيا أحد السماوات السبع، وكلما علاك وأظلك يسمى سماء كسحاب وسقف وثوب منشور فوقك، وإذا قلنا السماء سماء الدنيا، فأل للعهد الحضورى أو الذهنى أو الذكرى، فإنه قد عهد فى الذهن من ذكر صيب ومن ذكر غيره فى غير هذه الآية، وتقرر أن الماء من السماء على المتبادر من سائر الآيات، وكذا السحاب ويؤيد هذا التبادر قوله عز وجل:{أية : وينزل من السماء من جبال فيها من برد}تفسير : إلا إن أراد ينزل من جهة السماء، وفى ظاهر ذلك رد على الحكماء الزاعمين أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض، وعلى من قال ينعقد من البحر فذكر السماء مع أن المطر لا يكون إلا منها للرد عليهم، ويجوز أن تعتبر كل قطعة من السماء سماء فيكون كلما تحت تلك القطعة من أفق يسمى سماء، فتكون أل للاستغراق فيفيد أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء، ولا شك أن المطبق المظلم المريد المبرق كذلك أعظم تخويفاً من الغمام الذى هو دون ذلك، فهذه مبالغة عظيمة مع المبالغة لتنكير الصيب ويجمع الصاد المستعلية وتشديد ما بعدها مع الباء الموحدة التى صفتها الشدة، وبها قيل إن الصوب فرط الانسكاب والوقوع، وبأن صيب فعيل وهو صفة مشبه دالة على الثبوت سواء قلنا أصله فعيل ككريم، أو غير منقول عن فعيل أو بأنه صفة مبالغة محولة عن صائب وأصله صويب كنصير، وإذا قلنا السماء السحاب فأل للحقيقة، وإن قلنا السماء السحاب وسماء الدنيا لنزول الماء منها جميعاً وعلوها كما جمعاً بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد إن قيل السماء حقيقة فى أحد السماوات مجاز فى السحاب، وكان جمعاً بين معنيى كلمة واحدة قيل حقيقة فيهما وفى كلما علاك. {فِيهِ}: أى فى الصيب بمعنى السحاب أو بمعنى المطر أو فى السماء بمعنى السحاب. {ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ}: بيان حصول الظلمة والرعد والبرق فى الصيب بمعنى السحاب، أو فى السماء بمعنى السحاب أن فيه ظلمة سواده، وظلمة تكاثفه وظلمة تطبيقه، وظلمة الليل الحاصلة فيه وتحته، وأن فيه الرعد والبرق وإنما يصلنا البرق من داخلة، وقيل ظلمات السحاب ظلمات تكاثفه وفقط، وبيان حصول ذلك فى الصيب بمعنى المطر إن فيه ظلمة تكاثفه بتتابع القطر، وظلمة غمامه، وظلمة الليل الحاصلة فيه، وأن الرعد والبرق فى أعلاه، وحيث يصوب ملتمسين به فكأنهما فيه، فلفظة فى جاءت استعارة تبعية للملابسة المخصوصة الشبيهة بملابسة الظرفية، الحقيقة تقول زيد فى البلد وما هو إلا فى موضع واحد يشغله جسمه، وما يلتحق به من ثياب التى لبسها ونحوها تشبيهاً لكونه فى بعض البلد، يكون مظروف عم جميع الظرف، ولكن يلزم على ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة، فإن حصول الظلمات فى المطر حقيقة، اللهم إلا أن يقال إن ذلك من عموم المجاز، واختلف فى الجمع بينهما على جوازه مرجوحة، وخلاف الأصل، ويتخرج أيضاً من الجمع بينهما بتقدير فيه هكذا، فيه ظلمات وفيه رعد وبرق، وبيان التجوز المذكور كله، أن الرعد والبرق فى الجزء المتصل بحيث ينحدر المطر لا فى كله ولا هما تابعان له حيث ما تصوب، وإن قلنا المراد بالظلمات ظلمات السحاب، أضيفت إلى المطر، كان الكلام مجازاً أيضاً فى جهة الظلمات، ولذلك أن تقول المجاز مرسل لعلاقة المحاورة بأن تعتبر ظلمات السحاب، فإنهن والرعد والبرق مجاورات للمطر لا فيه، إذ لم نعتبر حصول الرعد والبرق فى المطر حيث ينحدر ويصوب، وفيه خبر، وظلمات مبتدأ، والجملة نعت لصيب أو حال من السماء أو من صيب لنعته بقوله: {مِنَ السَّمَآءِ} أو لتعلقه به أو نعت للسماء إذا جعلنا فيه للحقيقة، فإنه يجوز نعته حينئذ والحالية له، ويجوز كون النعت أو الحال فى ذلك كله هو قوله: {فِيهِ} فيكون ظلمات فاعل له مرفوعاً به، لاعتماده على منعوت أو ذى حال، وقرئ بإسكان لام ظلمات كما مر، وللتعظيم والتهويل نكر الظلمة وجمعها، ونكر الرعد والبرق، وللتنويع كأنه قيل نوع عظيم من الظلمات والرعد والبرق، فهن ظلمات داجنة ورعد قاصف وبرق خاطف، ولم يجمع رعد وبرق لأنهما فى الأصل مصدران، والمصدر يصلح للقليل والكثير، فالجمع المقصود فيهما يفيده لفظهما بلا تغيير له إلى صيغة الجمع، واعتبر أصلهما فى جواز استعمالهما فى معنى الجمع أو لأنهما باقيان على المصدرية، كأنه قيل وإرعاد وإبراق بكسر الهمزتين مصدرى أرعد وأبرق، ويقال أيضاً رعدت السماء رعداً، وبرقت برقاً، والرعد صوت يسمع من السحاب كما قال الجوهرى، وسببه فيما ألهمنى ربى سبحانه وتعالى ضرب الملك الماء بعضه ببعض، والمشهور أن سببه اضطراب اجرام السحاب واصطكاكها إذ ساقتها الريح، فاضطرابها واصطكاكها بالريح، ويطلق الرعد على الملك والمشهور الأول وهو أنسب بالآية، وهو مشترك بين الملك والصوت. ففى بعض الأحاديث أنه ملك موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه إلى حيث يشاء الله، وصوته ما يسمع، وفى بعض الأحاديث أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعى بغنمه، وفى بعضها أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادى الإبل بحدائه، وفى بعضها أنه ملك يسمى به وهو الذى يستمعون صوته، فعن ابن عباس وشهر بن حوشب ومجاهد وغيرهم: هو ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفته سحابة صاح بها، فاشتد غضبه فطارت النار من فيه هى الصواعق، وأكثر العلماء أن الرعد ملك، وذلك الصوت تسبيحه وزجر للسحاب، وقال على بن أبى طالب: الرعد اسم الصوت المسموع وهو مأخوذ من الرعدة، سواء بمعنى الصوت أو الملك، فإن ذلك الصوت مرتعد والملك مرتعد من صوته، وأيضاً ذلك الصوت على القول بأنه من الماء، سببه ارتعاد الماء واضطرابه، والبرق هو النور الذى يلمع من السحاب مأخوذ من قولك برق الشىء بريقاً أى لمع، قيل هو لمعان الصوت الذى يزجر به السحاب، وقال على بن أبى طالب عن النبى صلى الله عليه وسلم: المخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب، وقال ابن عباس: هو سوط نور بيد الملك يزجر به السحاب، وعنه أن البرق ملك يتراءى. {يَجْعَلُونَ}: هذا وما بعده إلى قوله: {قاموا} عائد إلى تهويل الصيب وظلماته ورعده وبرقه، فالجملة نعت أو حال لصيب أو لرعد وبرق، وهو أولى لعدم الفصل بالعطف والرابط محذوف، أى الصواعق منه أو منهما أو الرابط أل أى صواعقه أو صواعقهما هذا ما أقول. وقال غيرى الجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: كيف حالهم مع تلك الشدة والهول الحاصلين من الظلمات والرعد والبرق والصيب؟ فقيل: يجعلون أى يجعل أصحاب الصيب، فحذف المضاف للصيب وروى هنا كقوله: شعر : يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل تفسير : فمن، بفتح الميم، مفعول يسقون، والبريص مفعول ورد، ومعنى ورد بلغ ووصل، والبريص نهر تشعب من بردى، وبردى نهر كبير بدمشق وألفه للتأنيث، وهو فعلى من البرودة، مفعول ثان يسقون على حذف مضاف، أى ماء بردى، وقد روعى هذا المضاف فى قوله: يصفق بالتذكير أى يصفى ماؤها، ولو روعى المضاف إليه وهو بردى لقيل تصفق، والباء بمعنى مع. {أَصَابِعَهُمْ}: أى أناملهم وهى رءوس الأصابع، فأطلق اسم الكل على البعض للمبالغة فى سدهم آذانهم حتى لا يسمعوا شيئاً من الصوت، فهو مجاز مرسل علاقته الكلية أو البعضية، أو هما، إذ سمى البعض باسم الكل، فالأصابع كلمة مستعملة فى غير ما وضعت له، ويجوز أن يقدر مضاف أى أنامل أصابعهم أو رءوس أصابعهم، فيكون مجاز الحذف، وعليه فالأصابع كلمة مستعملة فيما وضعت له، وفى حذفت المضاف أيضاً مبالغة إذا يبقى ظاهر اللفظ كأنهم يجعلون أصابعهم كلها لا أناملها فقط، وذلك على سبيل التوزيع، أى يجعل كل واحد أصبعاً فى أذنيه، فلكل واحد أذنان يجعل فى كل واحدة أصبعاً من أصابعه، كقولك لبس القوم نعالهم، والمراد بالأصابع السبابات إذ هى المعهودة فى سد الآذان، ولم تذكر لأن اسمها من السب فتركت لآداب القرآن ولم يسمها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدعاء لأنهم لا يعرفونها بهذه الأسماء، لأنهن مستحدثات، أو أطلق ولم يعين بالاسم، لأنهم قد يسدون آذانهم بغيرها كالصغيرة لرقتها، فيدخل منها ما لا يدخل من غيرها، والتى تليها لغلظ أعلاها فتعم السد، وكالوسطى لغلظ أعلاها وطولها وقوتها، وكالإبهام لأنها أمكن فى العمل وأقوى وأغلظ وأوسع، ويشير إلى أنهم لشدة هولهم لا يتخيرون أصبعاً بل ما تيسر من الأصابع. {فِى ءَآذانِهِم}: جمع أذن. {مِنَ الصَّوَاعِقِ}: من للتعليل متعلقة بيجعلون نحو سقاه من العيمة بفتح العين أى سقاه لأجل شدة اشتهائه اللبن، وإنما جمعت الصاعقة على صواعق لأنها ليست صفة في الحال، وإن أبقيناها على الوصفية فصفة غير عاقل، تجمع على فواعل قياساً، والصاعقة قصفة رعد هائل معها نار لا تمر بشىء إلا أهلكته، وتؤثر فى الجبل، وهى لطيفة سريعة الخمود سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف وطفئت، وقد تكون بلا رعد. والقصف الكسر، والمراد بقصف الرعد صوته أو شدة صوته. وقال التفتازانى: شدة صوته، والتعريف المذكور ذكره الزمخشرى والقاضى وهو مجاز. والحقيقة ما قال الجوهرى: الصاعقة نار تسقط من السماء فى رعد شديد، وذكر بعض أن الصاعقة ثلاثة الموت كقوله تعالى:{أية : فصعق من فى السماوات}،تفسير : والعذاب كقوله تعالى: {أية : أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}،تفسير : والنار كقوله تعالى:{أية : ويرسل الصواعق}.تفسير : قال الطيبى: هذه الأشياء متولدة من الصاعقة، فإنها الصوت الشديد من الجو، ثم يكون منه نار أو عذاب أو مزن، وهو مبنى على أنها الصوت، وقد مر أنه مجاز، ومثله قول بعض: الصاعقة الصيحة التى يموت كل من سمعها أو يغشى عليه، وقيل قطعة من العذاب ينزلها الله على من يشاء. وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال:"حديث : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"تفسير : رواه الترمذى، وقال: حديث غريب، ولفظ الصاعقة مأخوذ من الصعق وهو شدة الصوت، وقد يطلق لفظ الصاعقة على كل هائل مسموع أو مشاهد، ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو شدة الصوت، ولفظ الصاعقة فى الأصل اسم فاعل، أى قصفة صاعقة، أو صيحة صاعقة، أى مهلكة، وتغلبت عليه الاسمية، والتاء للنقل، أعنى أنها مستصحبة من حيث كان اسم فاعل لا محدثة للتأنيث، ويجوز أن يكون فى الأصل، قبل تغلب الاسمية نعتاً للرعد، أى رعد صاعق، أى قاصف، وعلى هذا الوجه فالتاء محدثة للمبالغة، أى كثير الصعق، كما يقال زيد راوية، أى كثير الرواية، ويجوز أن يكون مصدراً بوزن اسم فاعل كعافية، وكما يستعمل لفظ كاذبة كقوله تعالى:{أية : ليس لوقعتها كاذبة}تفسير : أى كذب، وكاشفة كقوله:{أية : ليس لها من دون الله كاشفة}تفسير : أى كشف، ولاغية كقوله تعالى:{أية : لا تسمع فيها لاغية}تفسير : أى لغو، وخائنة كقوله تعالى:{أية : لا تزال تطلع على خائنة}تفسير : أى خائنة. والعاقبة كقوله تبارك وتعالى:{أية : والعاقبة للمتقين}تفسير : أى العقبى على أحد أوجه فى الآيات، وقرأ الحسن (من الصواقع) بتقديم القاف على العين، يقال صقعته الصاعقة وصقعه وصعقه بمعنى واحد، فليس أحدهما مقلوباً من الآخر، وفرعاً عليه، لأن كلا مستقل يتصرف، يقال صقع يصقع فهو صاقع صقعاً، وهن صواقع، يقال: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع، أى مجهر بخطبته، فهما كجبذ وجذب فلو كان مقلوباً لم يتجاوز عن صورة واحدة، وقال الرغب، اللفظان متقاربان وهما الهدة الكبيرة، إلا أن الصقع يقال فى الأجسام الأرضية، والصعق فى الأجسام العلوية. انتهى، أى غالباً. أو معنى قوله يقال بعت وبدليل الآية فى القراءة الثانية وبدليل صعق عمر، وبمعنى هلك أو سكر وصعق بزلزلة الأرض. {حَذَرَ الْمَوتِ}: مفعول لأجله منصوب مضاف لمعرفة، والكثير فى مثله الجر بحرف التعليل قيل وهو نادر، واختلف فى قياسه كما بسطته فى النحو ورويت فى قراءتى فى شرح الشريف بن يعلى الحسنى الفاسى على الأجرومية شاهدا على ذلك قول حاتم الطائى: شعر : * وأغفر عوراء الكريم ادخاره * تفسير : أى أغفر فعلته أو كلمته أو خصلته السيئة لادخاره وتمامه. شعر : * وأعرض عن شتم اللئيم تكرما* تفسير : والشاهد فى الأول، وأما تكرماً فمفعول لأجله نكرة، ولذلك شواهد أخر، وقرأ ابن أبى ليلى: حذار الموت، بكسر الحاء، وبالألف بعد الذال، وفيه مبالغة أو هو مصدر حاذر، وفى الإتيان به أيضاً مبالغة، لأن المفاعلة صيغة مجالدة ومعاندة، وإن قلت كيف صح تعليلان لشىء واحد بلا بدلية ولا عطف ولا بيان ولا تأكيد لفظى، فإن من التعليلية وحذر تعليلا ليجعل؟ قلت: التعليل بحذر منظور فيه إلى يجعلون مع قوله: {مِنَ الصَّوَاعِقِ} لا لمجرد قوله: {يَجْعَلُونَ} كأنه قال سبب جعلهم أصابعهم فى آذانهم الحاصل لأجل الصواعق هو حذر الموت، أو من بمعنى عن أو فى أو عند، أى فى حال الصواعق أو عند الصواعق، أو حذر حال مبالغة أو حال بتقدير مضاف، أى ذوى حذر الموت أو بالتأويل بحاذرين أى حاذرين الموت، بنصب الموت أو حاذرين الموت بجره، او مفعول مطلق ليجعلون.. إلخ، لأن الجعل محاذرة للموت أو المحذوف أى يحذرون الموت حذراً، فحذف يحذرون وأضيف حذر الموت كسبحان الله، أى يحذرون سماع الصواعق حذر الموت، كضربته ضرب الكافر، ثم رأيت الوجه الأول قد ذكره ابن هشام، إذ قال: وزعم عصرى فى تفسير له على سورة البقرة وآل عمران فى قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ} أن من متعلقة بحذر أو بالموت، وفيهما تقديم معمول المصدر، وفى الثانى أيضاً تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وحامله على ذلك أنه لو علقه بيجعلون وهو فى موضع المفعول له لزم تعدد المفعول له من غير عطف، إذ كان حذر الموت مفعولا له، وقد أجيب بأن الأول تعليل للجعل مطلقاً والثانى تعليل له مقيد بالأول، والمطلق والمقيد متغايران، فالمعلل متعدد فى المعنى وإن اتحد فى اللفظ... انتهى. والعصرى بإسكان الصاد نسبة إلى العصر، والمراد به ابن عقيل، وهما فى عصر واحد وبيان تعدد المعلل أن {يَجْعَلُونَ} معلل بقوله من الصواعق، وأن {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ مِّنَ الصَّوَاعِق} معلل بقوله: {حَذَرَ المَوْتِ} والموت زوال الحياة عما كانت فيه، وإن شئت فأسقط قولك عما كانت فيه، لأن لفظ الزوال يعنى عنه لأن أصل الزوال العدم بعد الوجود، وذكر صاحب شرح المواقف أن الموت عدم الحياة عما اتصف بها الفعل، وإنما ذكر قولك عما اتصف بها بالفعل لأنه عبر بالعدم، والعدم كما شاع استعماله فى العدم بعد الوجود شاع فى العدم بدون وجود، فيكون بمعنى نفى الوجود، واعتبر صاحب المطالع: الزوال بمعنى العدم، فذكر ما نصه: الموت زوال الحياة عما من شأنه الحياة، فزاد عما من شأنه الحياة ليخرج ما عدمت فيه الحياة، ولم تكن فيه بل ذلك كالحجر، ولو أبقى الزوال على ظاهره لم يحتج لهذه الزيادة، مع أن عبارته توهم تسمية الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتاً، وعلى هذه الحدود التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة، وقال بعض: الموت عرض يضاد الحياة لقوله تعالى:{أية : خلق الموت والحياة}تفسير : فجعل الموت مخلوقاً والعدم لا يخلق، ورد قول هذا البعض بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقدرة، وإن قلنا الخلق بمعنى الإيجاد فالمعنى خلق أسباب الموت والحياة، وعلى قول ذلك البعض التقابل بين الموت والحياة تقابل التضاد، وفى معناه عبارة بعضهم الموت عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة، والصحيح ما ذكرته أولا، وهو المشهور عن أهل اللغة، ويوافقه أن نقول: الموت مفارقة الروح الجسد، وعلى جميع الأقوال هو عرض، وأما ما ورد فى الأحاديث من أنه جسم حيث قيل إنه على صورة كبش لا يمر على أحد إلا مات فمؤول بأنه لم يقصد بالموت حقيقة، بل أراد أنه تصور بصورة كبش، كما ورد فى البخارى ومسلم:"حديث : يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار..."تفسير : الحديث، ومن لازم الموت على كل قول فساد بنية الحيوان، فتفسير الزمخشرى له بفساد بنية الحيوان تفسير باللازم، وإن قلت ما معنى تقابل العدم والملكة؟ قلت معناه تقابل انتفاء الشىء وصلاحيته للثبوت، فالملكة الإمكان والصلوح، وأقسام التقبل فيما يظهر لى أربعة، لأن المتقابلين إما وجوديان أو وجودى وعدمى، فإن كانا وجوديين لا يتصور أحدهما إلا بالآخر كالبنوة مع الأبوة، والأخوة بين الاثنين فمتضايفان، وتقابلهما تقابل التضايف، وإن تصور أحدهما مستقل ولو لم يكن الآخر فمتضادان، وتقابلهما تقابل التضاد، كالسواد والبياض، والموت والحياة، إذا فسرنا الموت بالعرض الذى لا يجامع الحياة، فإن حاصله موجود فى نحو الحجر، وليس حاصل الآخر وهو الحياة موجوداً فيه، وإن كان أحدهما عدمياً والآخر وجوديا فإن اعتبر فى العدمى كون الموضوع قابلا للوجود بحسب شخصه كعدم اللحية عن الأمرد، أو نوعه كعدمها عن المرأة، أو جنسه القريب كعدمها عن الفرس، أو جنسه البعيد كعدمها عن الشجر فهما متقابلان، وتقابلهما تقابل العدم والملكة، ومنه عدم الحياة عمن كانت فيه المسمى بالموت وعدمها من الجنين عند صاحب المطالع، وإن لم يعتبر ذلك فمتقابلان تقابل الإنجاب والسلب، كالسواد وأن لا سواد، والحياة وأن لا حياة، وقيل معنى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعِهُمْ.. إلخ} أنهم كرهوا الجهاد إذ لا رغبة لهم فى الشهادة. {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}: أى وعقاب الله أو إهلاكه محيط بهم إذا جاء فى الدنيا والآخرة لا يجدون عنه خلاصاً، فحذف المضاف، ويجوز أن يكون ذلك استعارة تمثيلية، بأن يشبه إنفاذ وعده فيهم، وتعميمه إياهم، وعدم خلاصهم منه، بخدع أو حيلة، بإحاطة المحيط على المحاط به كله للانتقام، وعدم الخلاص بحيلة أو خدع، أو شبه شمول علمه بهم، وقدرته عليهم بإحاطة القوم المحصى المطلق على المطلق به وفعل الله وصفته أقوى، ومع ذلك يشبهان بفعل غيره وذلك للإفهام والتصوير للحس، ويجوز أن تكون الاستعارة مفردة فى قوله: {مُحِيطٌ} فتكون تبعية تصريحية، بأن يشبه مجرد إنفاذ وعيده أو شمول علمه بهم، أو شمول قدرته بالإحاطة بالشىء بقطع النظر عن توابع ذلك فلا تدخل فى التشبيه، فلا منافاة بين الاستعارتين التمثيلية والمفردة، كما قيل إلا أن يقال إنه أراد المنافاة فى جمعهما فى حال واحد، فإن جمعهما لا يصح، بل تحمل على هذه فقط أو هذه فقط، والجملة معترضة، لأن ما قبلها وما بعدها متصل معنى من قصة واحدة. قلنا ما قبلها فى تهويل أمر الصيب وما بعده كذلك، لإن الصواعق من ذلك الصيب والبرق الذى كاد يخطف أبصارهم منه أيضاً، والجملة بعدها مستأنفة ونكتة الاعتراض تعقيب ذكر حذرهم بذكر أنه لا يفيدهم خلاصاً، فالاعتراض كما يكون بين المتصلين صناعة ومعنى كالفعل والفاعل، والتابع والمتبوع يكون بين المتصلين معنى وإن جعلنا جملة يكاد البرق حالا أو نعتاً لصيب أو للسماء أو حالا من هاء فيه كان الاعتراض بين متصلين صناعة ومعنى.

اطفيش

تفسير : {أَوْ كَصَيِّبٍ} أو كمثل أهل صيب، أو بل كمثل أهل صيب، أو يتنوع من ينظر إليهم فى شأنهم بعقله إلى من يشبههم بالمستوقد المذكور، وإلى من يشبههم بأهل الصيب، أو يشك الناظر فى شأنهم أو هم كالمستوقد أو كالصيب أو يباح للعاقبل أن يشبههم بمن شاء منهما، أو يخير أن يقصر التشبيه على أحدهما، والصيب المطر المنحدر من السماء، والصواب الانحدار، والأصل صيوب على الخلاف فى باب سيد، قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وهو وزن فى معل العين. وشذ فى الصحيح كصيقل، وقيل: هو بوزن طويل، فقلب وشهر أن لفظ صيب اسم، وقيل: وصف بمعنى نازل، وزعم بعض أنه بمعنى منزل، وبعض أنه اسم بمعنى السحاب {مِّنَ السَّمَاءِ} السحاب، أو من جهة السماء وجهتها السحاب. وذكر ذلك مع أنه لا يكون الصيب إلا من السحاب وجهة السماء تلويحا إلى أنه من جميع آفاقها {فِيهِ} فى الصيب كما يتبادر، أو فى السماء أى السحاب. وهو أولى لأن الرعد ملكا كان أو صوته أو صوت ماء هو فى السحاب، لا فى المطر؛ ولو كان البرق يصل الأرض لأنه أولا يجىء من السحاب {ظُلُمَٰتٌ} متراكمات، ظلمة السحاب، ففيه ظلمة ولو فى أجزائه، وظلمة المطر وظلمة الليل المدلول عليه بقوله: "أية : كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ" تفسير : [البقرة: 20] ويجوز كون فيه نعتا لصيب أو حالاً، وظلمات فاعلة {وَرَعْدٌ} الرعد ملك سمى صوته باسمه، أو يقدر مضاف، أى وصوت رعد، أو اسم موضوع لصوت ملك السحاب. أو هو صوت تضارب الماء، وذلك الصوت مطلقا صاعقة، كما ذكر تقريباً، والمراد أصوات. بدليل جمع الصواعق {وَبَرْقٌ} ملك على هيئة النور، أو نور صوته الذى يزجر به السحاب، لا كما قيل إنه سوط من نار يزجر به السحاب، وأفردا لأنهما مصدران الآن، أو فى الأصل وزعم بعض أنهما أفردا لأن الرعد يسوق السحاب فلو كثر لتفرق السحاب ولم يكن مطبقاً، فتزول شدة الظلمة ولو كثُر البقر ولم تطبق الظلمة، وبعض أنه لم يجمع النور فى القرآن فلم يجمع البرق {يَجْعَلُونَ} يحمل الناس الذين حضرهم الصيب، دل عليهم أن المقام لذكر ظلمة الصيب، والجمل لكونه أول على الإحاطة أبلغ من الإدخال {أَصَٰبِعَهُمْ} أطراف أصابعهم على المجاز بالحذف، أو سماهم باسم الأصابع لأنها بعضها، والمجاز لغوى، ونكتته التهويل بصورة جعل الأصابع إلى أصولها، أو لا مجاز، لأن وضع طرف إصبعه على شىء بصدق جعل أنه وضع إصبعه عليه بلا قرينة ولا علاقة، كما أن قولك سسته بيدى حقيقة ولو كان المس ببعضها ولما فى قوله {فِي ءَاذَٰنِهِمْ} فإنه حقيقة مع أن الجعل ليس فى كل الأذن، وأطبق الأصابع مع أن المعبود السبابة لدهشتهم، حتى إنهم يدخلون أى إصبع اتفقت، ويجوز أن يكون المجاز عقليا بإسناد الجمع للأصابع مع أنه للأنامل {مِّنَ الصَّوَّٰعِقِ} المعهودة بالمعنى فى قوله ورعد، لا باللفظ، كقوله تعالى " أية : وليس الذكر كالأنثى" تفسير : [آل عمران: 36] فإن قولها، ما فى بطنى، أرادت به الذكر، والمراد بها شدة الصوت، والأكثر فى الصاعقة صوت مع نار، أو نار بلا صوت، لا تمر على شىء إلا أحرقته، وذلك من الجو، وقد يكون معها حجر أو حديد، ويجوز حمل الآية على الصوت مع النار، على أنهم توهموا أن عدم سماع ذلك الصوت منج لهم من أن تصيبهم نار، فيكون الكلام تمثيلا بقوم شأنهم التوهم، فجعلوا أصابعهم فى آذانهم لئلا يسمعوا. ولا يصح ما قيل، إن المشهور أن الصاعقة لرعد الشديد معه قطعة نار، بل هى قطعة النار سواء مع صوت أو دونه وهو فى الأصل صفة من الصعق، بمعنى الصراخ وتاؤه للتأنيث صفة لمؤنث، أو للمبالغة، كراوية لكثير رواية الشعر، وليس قولهم للنقل من الوصفية إلى الاسمية خارجا عن ذلك لأن حاصله أنه كان وصفاً مؤنثاً بالتاء، ثم صار اسماً وقيل مصدر كالعافية والعاقبة {حَذرَ الْمَوْتِ} لأجل حذر الموت بالسمع، وهو تعليل للعلة الأولى التى هى قوله من الصواعق مع معلله، وإنما الممنوع ترادف علل على معلول مجرد بلا تبعية، أو يقدر حاذر بن الموت. أو ذى حذر الموت، أو يجدونها حذر الموت وحاصل الشبه بالصيب المذكور أن القرآن شبيه بالمطر، إذ هو سبب لحياة الدنيا، والقرآن سبب لحياة القلوب، وأن الكفر شبيه بالظلمات فى مطلق الإهلاك وعدم الاهتداء، وفى مطلق الحيرة، والوعيد عليه شبيه بالرعد فى الإرهاب، والحجج شبيهة بالبرق فى الظهور والحسن. وسد آذانهم عن سماع القرآن شبيه بسدها عن الصواعق، وترك دينهم شبيه بالموت عندهم، وذلك تشبيه مفردات بمفردات، وإن شئت فتشبيه مجموع بمجموع تمثيلى {وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَٰفِرِينَ} بأجسامهم واعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم، ولا يخفى عنه ما يعاقبهم عليه، أو قل، وعقاب الله محيط بالكافرين، شبه قدرته بإحاطة المحيط بالشىء، تشبيه الكامل بالناقص على الاستعارة الأصلية، واشتق منه محيط على التبعية، أو الاستعارة تمثيلية، أو الإحاطة الإهلاك ون معناه، أحاطت به خطيئته، أو عالم علم مجازاة، ومن معناه، وأحاط بما لديهم.

الخليلي

تفسير : هذا انتقال من تمثيل إلى آخر لتعرية أحوالهم وبيان أوصافهم، والانتقال من مثل إلى آخر مألوف في القرآن الكريم، وفي كلام بلغاء العرب منظومه ومنثوره، وهو لا يأتي إلا مع قصد التأكيد على الشيء لأجل مزيد العناية به، سواء كان لقصد تحبيبه إلى النفوس وتأليفها عليه، أو لقصد تكريهه إليها وتنفيرها منه، ومن أمثلة ما ورد منه في القرآن قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 39 - 40]، ومن أمثلة ما ورد من ذلك في كلام العرب قول امرئ القيس: شعر : أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبيٍ مكلل يضيء سناه أو مصابيح راهب أمال السليط بالذبال المفتل تفسير : فقوله "أو مصابيح راهب .. الخ" معطوف على التشبيه في قوله "كلمع اليدين"؛ وقول لبيد في وصف ناقته: شعر : فلها هباب في الزمام كأنه صهباء خف مع الجنوب جهامها أو ملمع وسقت لأحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها أفتلك أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصواري قوامها تفسير : ونحوه قول ذي الرُّمَّة: شعر : وثب المسحج من عانات معقلة كأنه مستبان الشك أو جنب تفسير : ثم قال: شعر : أذاك أم نمش بالوشي أكرعه مسفع الخد غاد ناشع شبب تفسير : ثم قال: شعر : أذاك أم خاضب بالسي مرتعه أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب تفسير : ويجوز أن يكون العطف في مثل ذلك بأو وبغيرها كما علمت، وأصل أو لتساوي الأمرين في الشك، ثم استعملت في مطلق التسوية، وهي هنا دالة على جواز التمثيل بما سبقها وما وليها. ولا إشكال في ورود مثلين، أو تعاقب عدة أمثال لحالة واحدة كما عرفت من الشواهد، وهذا ينبئك أن المقصود بضرب هذا المثل هو نفس الفريق الذي ضرب له المثل السابق، وهو فريق المنافقين، وهذا هو المأثور عن السلف كما سيأتي إن شاء الله، وعليه أكثر المفسرين، وقد تقدم أن الامام محمد عبده يرى أن تنوع المثلين لاختلاف المراد بكل منهما، وقد سبقه إلى مثل رأيه هذا الإِمام ابن كثير في تفسيره، ورأيهما وإن اختلف في بعض الوجوه فهو متقارب، وذلك أن ابن كثير يتفق مع الامام محمد عبده على أن أصحاب المثل الأول أسوأ حالا من أصحاب المثل الثاني، فعنده أن الفريق الأول أعمق في النفاق وأنأى عن الحق، أما الفريق الثاني فهم منافقون يترددون بين الحق والباطل، والهدى والضلال، فتارة يلمع لهم نور الايمان فيبصرون، وتارة يخبو فيبقون في ضلالهم يعمهون، وحمل على مثل ذلك مَثَلَيْ سورة النور في الذين كفروا، فخص أولهما بأولي الجهل المركب، وثانيهما بأصحاب الجهل البسيط. وقد سبق ملخص تفسير الأستاذ الامام لأحوال أصحاب المثلين، وحصره كلتا الطائفتين في اليهود، غير أننا نجده في تفسيره للمثل الثاني يجعل أصحابه فتنة للبشر، ومرضا في الأمم، وحجة على الدين في جميع العصور، لأنهم يصارعون بهواهم عقولهم، ويقاومون بشهواتهم مشاعرهم ومداركهم، ويستطرد في تبيان أحوالهم بأسلوبه البليغ حتى ينتهي به المطاف إلى أنهم نبذوا كتاب الله إذ لم يدرسوه على حقيقته، بل درسوه بجدليات النحو والكلام، فطمسوا أنواره الهادية إلى الحق، وقرأوه بالتجويد والأنغام مع إهمالهم حِكَمَه وأحكامه، ولم يقصدوا من دراسته إلا جمع حطام الدنيا، والاستكثار من منافعها، ولم يُعنوا بما فيه من تفاصيل الحلال والحرام، وعدلوا عن إصلاح القلوب به، ومعالجة النفوس بهداه إلى معالجة الأبدان من الأسقام بكتابته، إلى آخر ما وصفهم به. وأنتم ترون أن ما ذكره هنا ينافي ما حدده أولا من أن الفريقين من اليهود، فإن هذه الصفات التي ذكرها إنما تنطبق على ضُلاّل هذه الأمة؛ الذين اكتفوا من القرآن الكريم بتلاوته بالأنغام الشجية والألحان المطربة في الحفلات والمؤتمرات، ولم يعنوا بإصلاح نفوسهم به، وتنشئة أولادهم عليه، كأنما القرآن أنزل للاطراب والتسلية، لا للاصلاح والعمل والهداية، اللهم إلا أن يكون الأستاذ أراد مما أورده هنا، أن المثل وإن كان مضروبا في اليهود الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، واستحبوا العمى على البصيرة بإهمالهم ما أنزل عليهم، وإطفائهم أنوار الفطرة في نفوسهم بعواصف الأهواء، فإنه ينطبق على من سلك مسلكهم من هذه الأمة، كأولئك الذين وصفهم بما وصفهم به. وقد علمتم مما سبق أن الذي يقتضيه السياق، ويدل عليه اللفظ، هو أن هذه الأوصاف شاملة لمنافقي هذه الأمة، بغض النظر عن كونهم من العنصر اليهودي، أو من العرب، كما علمتم أن هذه العناية بشرح أوصافهم، وتجلية حالاتهم النفسية، وإماطة الستار عن طواياهم دليل على أنهم لم يكونوا محصورين في زمن الرسالة، وأنهم لم يكونوا مصدر خطر على هذه الأمة ودينها في ذلك العصر فحسب، بل هم مصدر بلاء وعنت وشقاق في كل عصر، فإنهم بالتواء مسالكهم واختلاف مداخلهم ومخارجهم، وتعدد وجوههم، يعسر الحذر منهم، ويقل الانتباه لمكرهم. والصيب؛ المطر، مأخوذ من صاب يصوب إذا نزل، ومنه قول علقمة: شعر : فلا تعدلي بيني وبين مُعَمَّر سقتك روايا المزن حيث تصوب تفسير : وأصله صيْوِب - بإسكان الياء وكسر الواو - ولكن أبدلت الواو ياء وأدغمت، ونحوه ميت وسيد وهين، وتفسيره بالمطر هو رأي الأكثرين، وعُزي إلى ابن مسعود وابن عباس، وآخرين من الصحابة، وأبي العالية ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وروي عن الضحاك أنه السحاب، واستدل له بقول الشاعر: شعر : وأسحم دان صادق الرعد صيب تفسير : وهو في هذا المثل مشبه به القرآن، روى ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، واستُدل له بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث أصاب أرضا فكانت منها نقية .. الخ ". تفسير : والسماء ما كان أعلى الأرض، وسنتكلم إن شاء الله عنها فيما يأتي، والصيّب لا ينزل إلا من جهة السماء، فالاخبار عنه أنه من السماء؛ إما لمزيد الكشف والبيان لأجل التهويل والتعظيم، نحو قول امرئ القيس: شعر : كجلمود صخر حطه السيل من عل تفسير : مع العلم أن الحط لا يكون إلا من أعلى، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32]، وإما للدلالة على غزارة الصيّب لانحداره من جميع جهات السماء، بناء على اعتبار كل أفق سماء، وأن التعريف للجنس، وهو قاض بعموم جميع مدلولاته، وهذا هو توجيه الزمخشري، وفيه نظر لأن دلالة التعريف الجنسي على العموم إنما هي في جزئيات الكلي لا في أجزاء الكل، وإما للاشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه، وليس ملاكُهُ في أيديهم، وقد اشتهر عند العرب التعبير عما ألم بالناس ولم يكونوا يملكون دفعه بأنه نازل من السماء، وهو توجيه الإِمام محمد عبده، وبناه على أن المقصود بالصيّب في المثل الإِرشادات الإِلهية التي تسنح للأفكار عندما ينقدح ضوء الفطرة، وهو أمر وهبي واقع ما له من دافع، ولا يخلو هذا الوجه من النظر أيضا، فإن المتبادر هنا من كون الصيّب من السماء أمر حسي مشاهد؛ وليس حقيقة معنوية معقولة، والأصل أن لا يعدل عن المتبادر إلى غيره، وبهذا يتضح أن التوجيه الأول هو الذي ينبغي أن لا يعدل عنه. والظلمات جمع ظُلمة، وقد تقدم معناها، فإن أريد بالصيّب المطر - كما هو رأي الجمهور - فالمراد بالظلمات ظلمة تتابع قطره، وظلمة تطبيق غمامه مع ظلمة الليل الساجي، وتكون "في" هنا بمعنى مع، وإن كان المراد به السحاب - كما هو رأي الضحاك - فالمراد بالظلمات ظلمة سحمته، وظلمة الليل، وظلمة غزارة قطره. والرعد هو الصوت الذي يصدر من السحاب، والبرق هو اللمعان المضيء في الأفق، وغالبا ما يكون في السحاب، وقد هام أكثر المفسرين في تفسيرهما، وكانت أقوالهم تدور بين ما تلقوه من الأكاذيب الإِسرائيلية والأوهام الإِغريقية؛ فمنهم من قال: إن الرعد ملك يزجر السحاب بصوته، ومنهم من قال: هو ملك يُسَبِّح، والصوت المسموع هو من تسبيحه، وذهب آخرون إلى أنه اسم لصوت الملَك، وذهبوا إلى أن البرق مخراق من حديد يسوق به الملَك السحاب، ومنهم من قال: إنه سوط من نور، إلى ما وراء ذلك من الأقوال العارية عن الدليل، وقد عزاها جماعة من المفسرين إلى جماعة من الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم - كابن جرير - أسانيد إلى من رُويت عنهم من الصحابة والتابعين، وهي أسانيد كلها معلولة، لم يثبت شيء منها، ولم يُعْزَ شيء من ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: "حديث : سألَت اليهودُ النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: "مَلَك من الملائكة بيده مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟" قال: "زجْرُهُ بالسحاب إذا زجره، حتى ينتهى إلى حيث أمره". قالت: صدقت"تفسير : . وهو حديث ضعيف اتفق على ضفعه أئمة الحديث، وإن تعجب فاعجب لأولئك الذين ينُصُّون على ضعف هذا الحديث، ثم يُعوِّلون عليه في تفسير الرعد والبرق في القرآن، ويبطلون به سائر الأقوال. الأدلة على منشأ الرعد والبرق: والأدلة العلمية تدل على أن منشأ الرعد والبرق؛ ما يكون من التَّماسِّ بين السالب والموجب من الكهرباء التي هي في السحاب بجانب كهرباء الأثير، فإن الطاقة الكهربائية منبثة في كل هذه المخلوقات، فإذا حصل هذا التَّماسُّ انقدح هذا النور اللامع ونتج عنه هذا الصوت الهادر، وإذا ما ازداد هذا التماس نزلت هذه الصواعق المهلكة والعياذ بالله، وعندما أدرك الناس هذه الحقيقة وانجلت عنها سُتُر الأوهام، أخذوا يتوقون وقع الصواعق بما يرفعونه على مبانيهم الشاهقة من عمد، يسمونها عمد الصاعقة، على أنه لو كان ما يروونه صحيحا، وثبتت نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان في ذلك منافاة للحقيقة العلمية الثابتة، إذ غاية ما كانت تدل عليه هذه الروايات أن وراء هذه الظواهر الطبيعية ملائكة يسيِّرونها، ومع عدم صحة تلك الروايات، لا داعي إلى تكلف هذا التأويل، هذا مع إيماننا الجازم بأن كل شيء مسخر بأمر الله. ولم يجمع الرعد والبرق كما جمعت الظلمات؛ إما لأن المراد بالرعد والبرق مصدر رَعَد وبَرَق، والأصل في المصادر أن لا تجمع، وإما لأجل النظر إلى هذا الأصل، وإن كان المراد به هو عينهما، وتنكير صيب ورعد وبرق لأجل النوعية، فكأنه قيل صيب غدق، ورعد قاصف، وبرق وامض. والتمثيل بأصحاب الصيّب - وإن لم يذكروا - لاقتضاء المقام ذلك، فالضمائر لا بد لها من مرجع، وفي قوله: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} ثلاثة ضمائر جمعية، فلذلك قدروا أو كذوي صيب، أو أصحاب صيب. وذهب الأكثرون من المفسرين والبلغاء إلى أن الأصابع عنا مجاز عن الأنامل لعلاقة الجزئية والكلية، والداعي إلى التجوز المبالغة في وصف حالهم وما أصابهم من الهلع، حتى يكاد أحدهم أن يغرز جميع أصبعه في أذنه، ولا داعي إلى ما ذهبوا إليه، فإن جعل الأصبع في الأذن يصدق حقيقة على إدخال بعضها أو كلها، كما لو قال قائل: لمست بدن فلان، فلا يلزم منه أن يحيط اللمس بجميع بدنه، ومثله يقال في أي عضو، فإن الاخبار عنه بشيء لا يقتضي الاحاطة حتى لا يخرج جزء منه عن مدلول ذلك الخبر، ألا ترون أن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38] على القطع من الرسغ، مع أن لفظ اليد يصدق على الكف والساعد والعضد إلى المنكب. وجملة "يجعلون أصابعهم .. الخ" قيل: إنها حاليّة لايضاح المقصود من الهيئة المشبه بها؛ لأنها كانت مجملة، ولا أدري ما هو العامل فيها عند هذا القائل، على أن المعهود في الأحوال أن تأتي للكشف عن المفردات لا الجُمل، وقد قالوا إن للجمل حكم النكرات ولا تأتي حال من نكرة إلا إذا تقدمتها نحو "لمية موحشا طلل". وقيل إنها استئناف بياني لأنه لما ذكر الصيب ورعده وبرقه تبادر سؤال سائل، كيف كانوا يفعلون مع ذلك؟ فأجيب بها. وقد سبق الكلام عن الصواعق وهي مأخوذة من الصعق؛ وهو الصوت الشديد، ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، كما يقال صعق إذا مات، وقوله {من الصواعق} تعليل قوله {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم}، فهو سادٌّ مَسد المفعول لأجله، وقوله: {حذر الموت} تعليل للمعلول مع علته فلا يرد عليه أنه لا يترادف تعليلان لمعلول واحد، أفاد ذلك ابن هشام وقطب الأئمة، وذلك أن التعليل الأول بمثابة القيد والمقيد غير المطلق. والتمثيل يدل على حماقة أصحاب هذه الصورة الممثل بها واستيلاء الحيرة عليهم، فهم عندما انهمر الصيب، وطبق سحابه الأرجاء، وتوالى قصف رعده، ولمعان برقه، كانوا يلجأون إلى سداد آذانهم خشية أن يلج إلى مسامعهم هذا الصوت المزعج فيهلكهم، ظانين أن عدم وصوله إلى مسامعهم مظنة لسلامتهم مما يحذرون، مع أن الموت إنما يكون بمفارقة الأرواح الأجساد، فلا يقي منه اتقاء شيء من الأصوات بسد الآذان دونه، ولكن ذلك شأن الحماقة والجبن إذا استحكما في النفس، ولذلك أردف الله سبحانه بقوله {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} للتنبيه على أن ما يفعلونه لم يكن ليقيهم شيئا من أمر الله الذي خلق الموت والحياة. واختُلف في هذا التذييل؛ هل هو داخل في التمثيل أو هو خارج عنه جاء معترضا لبيان أن ما استحقه المنافقون إنما كان بسبب كفرهم الذي يوارونه بخداعهم، وفي هذا تقرير لحال الذين ضُرب فيهم المثل لئلا يشتغل السامع بالمثل عن الممثل له، كما أنه يتضمن وعيدا لأصحاب هذه الحالة، وتحذيرا لهم بأن الله تعالى لا تخفى عنه طواياهم. وإحاطة الله يمكن أن تكون إحاطة علمية كما في قوله: {أية : أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} تفسير : [الطلاق: 12]، أو إحاطة قدرة كما في قوله: {أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} تفسير : [البروج: 20]، أو بمعنى الاهلاك كما في قوله: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : [يوسف: 66]، فإن المقام قابل لكل معنى من هذه المعاني، والتعبير بالاحاطة من باب الاستعارة، إما على طريقة التمثيلية وإما على طريقة التبعية. وقوله {يكاد البرق} يصح أن يكون استئنافا بيانيا لجواز التساؤل عن حالهم مع البرق بعد الاخبار عن حالهم مع الرعد، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في {يجعلون}. والخطف؛ الأخذ بسرعة، والتعبير بكلما في جانب الاضاءة، وبإذا في جانب الإِظلام، يفيد أنهم حريصون على المشي، فلا يترددون - إذا ما أبصروا الطريق من لمعان البرق - في الإِسراع فيه، وقد تقدم أن "أضاء" يصح أن يكون لازما وأن يكون متعديا، وكذلك "أظلم" غير أن اللزوم في هذا الأخير أكثر، وإنما يترجح التعدي هنا لمقارنته "أضاء" مع قرائن الحال الدالة على أنهم كانوا ينتفعون بإضاءة الطريق فيحرصون عليها، وعليه فيقدر المفعول - وهو الطريق أو الممشى - في الموضعين، والمراد بقيامهم إمساكهم عن المشي. واختُلف في أفراد هذه الصورة التمثيلية، هل كل فرد منها واقع إزاء نظير له في الصورة الممثلة؛ بحيث يصح أن يستقل بالتشبيه، أو هي مندمجة بالتركيب، ولا داعي إلى الالتفات إلى ما بين كل فرد وآخر من التناسب؟ أقوال في مفردات هذا التمثيل: وعلى القول الأول فلا محيص عن البحث عما يقابل كل فرد من الهيئة المشبه بها من أفراد الهيئة المشبهة، وهو الذي عليه جمهور أهل التفسير من السلف والخلف، وقد سبق أن جماعة من الصحابة فمَن بعدهم قالوا: إن المراد بالصيب القرآن؛ بجامع أن كلا منهما سبب للمنفعة والحياة، وإليكم بعض ما قيل في المراد بهذه المفردات من التمثيل: 1- الصيب هو القرآن، وما فيه من الاشكال عليهم والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج التي تبهر عقولهم هي البرق، وتخوفهم وروعهم وحذرهم هي جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم واشتهار كفرهم وما يكرهونه من تكاليف الشرع كالجهاد والزكاة هي الصواعق، وعزا ذلك ابن عطية إلى الجمهور، وحمل عليه ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب الله المثل لهم. 2- أن الصيب مثل الاسلام، والظلمات مثل لما في قلوبهم من النفاق والبرق والرعد مثلان لما يخوّفون به. 3- أخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: الصيب هو المطر، وهو مثل للمنافق في ضوئه يتكلم بما معه من القرآن مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما الظلمات فالضلالات، وأما البرق فالايمان. 4- البرق مثل للاسلام، والظلمات مثل للفتنة والبلاء. 5- أن الصيب هو القرآن وهدى الاسلام، والظلمات ما يعتريهم من الوحشة عند سماعه؛ كما تعتري السائر في الليل وحشة الغيم، والرعد قوارع القرآن وزواجره، والبرق ظهور أنوار هديه من خلال الزواجر. 6- أن الصيب هو القرآن، وأن الظلمات هي الكفر؛ بجامع أن كلا منهما مهلك، وسبب للحيرة، والرعد هو الوعيد، والبراهين الساطعة هي البرق، وإعراضهم عن القرآن هو سداد آذانهم عن الصواعق، وتركهم دينهم هو الموت عندهم. وثَم أقوال أخرى كثير منها قريب مما ذكرنا، وبعضها بعيد عن مدلول الآية، ليس على صحته من دليل. والقول الثاني: هو الذي ذهب إليه الزمخشري وعزاه إلى علماء البيان، وتابعه عليه السيد الجرجاني وأبو السعود وأبو حيان، وحاصله أنه لا داعي إلى تكلف البحث عن وجه الشبه بين مفرد وآخر، لأن القصد من التمثيل تشبيه هيئة مركبة من عدة أفراد، تضامت حتى صارت شيئا واحدا بهيئة أخرى مثلها، والصورة المشبه بها إذا ما اندمجت أفرادها كانت ذات أثر نفسي بالغ، بخلاف ما إذا عزل بعضها عن بعض، فتشبيه المنافقين بالساري في ظلمات الليل، إذا انهمرت عليه السماء بودقها، وأحاط به رعدها وبرقها، وهو في صحراء لا يجد مأوى ولا واقيا، أدل على حيرتهم مما لو فكك التشبيه فشبه كل فرد بآخر، وكذلك تشبيههم في المثل الأول بمن طفئت ناره - بعد إيقادها وإضاءتها ما حوله - فتخبط في ظلمته، وهام في حيرته أبلغ في تصوير حالتهم النفسية وما يعتريهم من الاضطراب مما لو رُوعي في التمثيل التشابه بين كل فرد في الهيئة المشبهة ونظير له في الهيئة المشبه بها، وهذا يعني تناسي الأفراد رأسا في التشبيه المركب، ووصف الزمخشري هذا الرأي بأنه القول الفحل، والمذهب الجزل، وبناء عليه لا داعي إلى تقدير مضاف قبل لفظة صيب، لولا ما يقتضيه من ضرورة وجود معاد للضمائر في قوله {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم}، وما في الآية الثانية من الضمائر. والمراد بمشيهم فيه مشيهم حيث يشرق نوره، واختُلف في قوله {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}، قيل: هو داخل في التمثيل، وعليه فمعاد ضمائره إلى أصحاب الصيب، وقيل: هو عائد إلى المنافقين الذين ضُرب لهم المثل؛ وعلى الأول فالمراد؛ ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق، وهو يدل على هول ما لقوا، فقد كان الرعد من قوة الصوت بحيث يذهب بالأسماع؛ لولا أن الله لم يشأ ذلك، وهكذا كان لمعان البرق من الشدة بحيث يذهب بالأبصار؛ لولا مشيئة الله غير ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ذهاب السمع والأبصار كناية عن الموت، لأن من مات فقد سمعه وبصره؛ وعلى الثاني فالمقصود أن الله عز وجل لو شاء لأتى على جميع وسائل الهداية عند المنافقين حتى لا يجدي فيهم وعظ واعظ، ولا يفيدهم إرشاد مرشد، غير أنه تعالى أبقى عليهم هذه الأسباب لتكون حجة على من أصر على كفره، وطريقا إلى رشد من عدل عن غيه. وبناء على الرأي الأول يُعد هذا الوصف ساريا من الصورة المشبه بها إلى الصورة المشبهة، ويقصد بذلك ما أشرنا إليه من أن الله تعالى أمهل لأولئك المنافقين ليتوب من تاب منهم، وليزداد المصرون ضلال وإثما، وهو يتضمن وعيدا لهم إن لم يبادروا بالاقلاع عن غيهم، والتخلص من النفاق الذي مردوا عليه، ويتأكد ذلك بقوله من بعد {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فمن خلق السماوات والأرض، وبيده ملكوت كل شيء، لا يعجزه إتلاف حواس من شاء من خلقه بما شاء من الأسباب، بل لا يعجزه القضاء على حياة من شاء متى شاء. وهذا التذييل يتلاءم كل الملاءمة مع ما تقدم من تهديد أهل النفاق، وكل ما سبق في وصف المنافقين من بداية قوله تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا} إلى خاتمة هذه الآية، ينطبق على المنافقين في كل عصر، وكذا ما تجدونه هنا وفيما سبق من الوعيد يشمل منافقي جميع العصور، فلا يغرّن أحد نفسه بأن هذا الوعيد خاص بطائفة مخصوصة في عصر معين، فالنفاق هو النفاق في أي عصر كان، ولا أثر لاختلاف الأزمان في اختلاف وعيده، نسأل الله تعالى العافية وحسن الخاتمة.

الالوسي

تفسير : {أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء} شروع في تمثيل حالهم إثر تمثيل وبيان لكل دقيق منها وجليل فهم أئمة الكفر الذين تفننوا فيه وتفيؤا ظلال الضلال بعد أن طاروا إليه بقدامى النفاق وخوافيه فحقيق أن تضرب في بيداء بيان أحوالهم الوخيمة خيمة الأمثال وتمد أطناب الإطناب في شرح أفعالهم ليكون أفعى لهم ونكالاً بعد نكال وكل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لا بد أن يوفى فيه حق كل من مقامي الإطناب والإيجاز فماذا عسى أن يقال فيما بلغ الذروة العليا من البلاغة والبراعة والإعجاز؟ ولقد نعى سبحانه عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم العديمة المثيل وهو معطوف على {أية : ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } تفسير : [البقرة: 17] ويكون النظم كمثل ذوي صيب فيظهر مرجع ضمير الجمع فيما بعد وتحصل الملائمة للمعطوف عليه والمشبه. و(أو) عند ذوي التحقيق لأحد الأمرين ويتولد منه في الخبر الشك والإبهام والتفصيل على حسب اعتبارات المتكلم، وفي الإنشاء/ الإباحة والتخيير كذلك، وحينئذٍ لا يلزم الاشتراك ولا الحقيقة والمجاز، وبعضهم يقول: إنها باعتبار الأصل موضوعة للتساوي في الشك، وحمل على أنه فرد من أفراد المعنى الحقيقي ثم اتسع فيها فجاءت للتساوي من غير شك كما ـ فيما نحن فيه ـ على رأي إذ المعنى مثل بأي القصتين شئت فهما سواء في التمثيل ولا بأس لو مثلت بهما جميعاً وإن كان التشبيه الثاني أبلغ لدلالته على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذا أخر ليتدرج من الأهون إلى الأهول، وزعم بعضهم أن {أَوْ} هنا بمعنى الواو وما في الآيتين تمثيل واحد، وقيل: بمعنى بل، وقيل: للإبهام، والكل ليس بشيء، نعم اختار أبو حيان أنها للتفصيل وكأن من نظر إلى حالهم منهم من يشبهه بحال المستوقد؛ ومنهم من يشبهه بحال ذوي صيب مدعياً أن الإباحة وكذا التخيير لا يكونان إلا في الأمر أو ما في معناه انتهى. ولا يخفى على من نظر في معناه وحقق ما معناه أن ما نحن فيه داخل في الشق الثاني على أن دعوى الاختصاص مما لم يجمع عليه الخواص، فقد ذكر ابن مالك أن أكثر ورود (أو) للإباحة في التشبيه نحو {أية : فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }تفسير : [البقرة: 74] والتقدير نحو {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ }تفسير : [النجم: 9]. والصيب في المشهور المطر من صاب يصوب إذا نزل وهو المروي هنا عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، ويطلق على السحاب أيضاً كما في قوله:شعر : حتى عفاها صيب ودقه داني النواحي مسبل هاطل تفسير : ووزنه فيعل بكسر العين عند البصريين وهو من الأوزان المختصة بالمعتل العين إلا ما شذ من صيقل بكسر القاف علم لامرأة، والبغداديون يفتحون العين وهو قول تسد الأذن عنه، وقريب منه قول الكوفيين: إن أصله فعيل كطويل فقلب، وهل هو اسم جنس أو صفة بمعنى نازل أو منزل؟ قولان أشهرهما الأول، وأكثر نظائره في الوزن من الثاني، وقرىء (أو كصائب) وصيب أبلغ منه، والتنكير فيه للتنويع والتعظيم. والسماء كل ما علاك من سقف ونحوه والمعروفة عند خواص أهل الأرض والمرئية عند عوامهم، وأصلها الواو من السمو وهي مؤنثة وقد تذكر كما في قوله:شعر : فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالسماء مع السحاب تفسير : وتلحقها هاء التأنيث فتصح الواو حينئذ كما قاله أبو حيان لأنها بنيت عليها الكلمة فيقال سماوة وتجمع على سمٰوات وأسمية وسمائيّ، والكل كما في «البحر» شاذ لأنها اسم جنس وقياسه أن لا يجمع، وجمعه بالألف والتاء خال عن شرط ما يجمع بهما قياساً، وجمعه على أفعلة ليس مما ينقاس في المؤنث، وعلى فعائل لا ينقاس في فعال. والمراد بالسماء هنا الأفق والتعريف للاستغراق لا للعهد الذهني كما ينساق لبعض الأذهان فيفيد أن الغمام آخذ بالآفاق كلها فيشعر بقوة المصيبة مع ما فيه من تمهيد الظلمة ولهذا القصد ذكرها، وعندي أن الذكر يحتمل أن يكون أيضاً للتهويل والإشارة إلى أن ما يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم وذلك أبلغ في الإيذاء كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ ٱلْحَمِيمُ } تفسير : [الحج: 19] وكثيراً ما نجد أن المرء يعتني بحفظ رأسه أكثر مما يعتني بحفظ سائر أطرافه حتى أن المستطيع من الناس يتخذ طيلساناً لذلك، والعيان الوجدان أقوى شاهد على ما قلنا. و{مِنْ} لابتداء الغاية، وقيل: يحتمل أن تكون للتبعيض على حذف مضاف أي من أمطار السماء وليس بشيء، وزعم بعضهم أن الآية تبطل ما قيل: إن المطر من أبخرة متصاعدة من السفل وهو من أبخرة الجهل إذ ليس في الآية سوى أن المطر من هذه الجهة وهو غير مناف لما ذكر، كيف والمشاهدة تقضي به فقد حدثني من بلغ مبلغ التواتر أنهم شاهدوا وهم فوق الجبال الشامخة سحاباً/ يمطر أسفلهم وشاهدوا تارات أبخرة تتصاعد من نحو الجبال فتنعقد سحاباً فيمطر، فإياك أن تلتفت لبرق كلام خُلَّب ولا تظن أن ذلك علم فالجهل منه أصوب، ثم حمل الصيب هنا على السحاب وإن كان محتملاً غير أنه بعيد بعد الغمام وكذا حمل السماء عليه. {فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} أي معه ذلك كما في قوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ فِى أُمَمٍ }تفسير : [الأعراف: 38] وإذا حملت {فِى} على الظرفية كما هو الشائع في كلام المفسرين احتيج إلى حمل الملابسة التي تقتضيها الظرفية على مطلق الملابسة الشاملة للسببية والمجاورة وغيرهما ففيه بذلك المعنى ظلمات ثلاث ظلمة تكاثفه بتتابعه، وظلمة غمامه من ظلمة الليل التي يستشعرها الذوق من قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ }تفسير : [البقرة: 20] وكذا فيه رعد وبرق لأنهما في منشئه ومحل ينصب منه، وقيل: فيه ـ وهو كما قال الشهاب ـ وهم نشأ من عدم التدبر، وإن كان المراد بالصيب السحاب فأمر الظرفية أظهر، والظلمات حينئذ ظلمة السحمة والتطبيق مع ظلمة الليل، وجمع الظلمات على التقديرين مضيء، ولم يجمع الرعد والبرق وإن كانا قد جمعا في لسان العرب، وبه تزداد المبالغة وتحصل المطابقة مع الظلمات والصواعق لأنهما مصدران في الأصل، وإن أريد بهما العينان هنا كما هو الظاهر، والأصل في المصدر أن لا يجمع على أنه لو جمعا لدل ظاهراً على تعدد الأنواع كما في المعطوف عليه، وكل من الرعد والبرق نوع واحد. وذكر الشهاب مدعياً أنه مما لمعت به بوارق الهداية في ظلمات الخواطر نكتة سرية في إفرادهما هنا وهي أن الرعد كما ورد في الحديث وجرت به العادة يسوق السحاب من مكان لآخر فلو تعدد لم يكن السحاب مطبقاً فتزول شدة ظلمته وكذا البرق لو كثر لمعانه لم تطبق الظلمة كما يشير إليه قوله تعالى:{أية : كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ }تفسير : [البقرة: 20] فإفرادهما متعين هنا وعندي ـ وهو من أنوار العناية المشرقة على آفاق الأسرار ـ أن النور لما لم يجمع في آية من القرآن ـ لما تقدم ـ لم يجمع البرق إذ ليس هو البعيد عنه كما يرشدك إليه {أية : كُلمَا أَضَاء لَهُم}تفسير : [البقرة: 20] والرعد مصاحب له فانعكست أشعته عليه:شعر : أو ما ترى الجلد الحقير مقبلا بالثغر لما صار جار المصحف تفسير : وارتفاع ظلمات إما على الفاعلية للظرف المعتمد على الموصوف أو على الابتدائية والظرف خبره وجعل الظرف حالاً من النكرة المخصصة وظلمات فاعله لا يخلو عن ظلمة البعد كما لا يخفى. وللناس في الرعد والبرق أقوال: والذي عول عليه أن الأول: صوت زجر الملك الموكل بالسحاب، والثاني: لمعان مخاريقه التي هي من نار. والذي اشتهر عند الحكماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار وهو الحادث بسبب الحرارة السماوية إذا أثرت في البلة ويتصاعدان معا إلى الطبقة الباردة وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه ويطلب الصعود إن بقي على طبعه الحار والنزول إن ثقل وبرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه فيحدث منه الرعد، وقد تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته ـ نار لامعة وهي البرق إن لطفت والصاعقة إن غلظت، وربما كان البرق سبباً للرعد فإن الدخان المشتعل ينطفىء في السحاب فيسمع لانطفائه صوت كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا، والرعد والبرق يكونان معا إلا أن البرق يرى في الحال لأن الأبصار لا يحتاج إلى المحاذاة من غير حجاب، والرعد يسمع بعد لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء إلى القوة السامعة وذلك يستدعي زماناً كذا قالوه، وربما يختلج في ذهنك قرب هذا ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسري به ليلاً بلا رعد ولا برق على ظهر البراق وعرج إلى ذي المعارج حيث لا زمان ولا مكان فرجع وهو أعلم خلق الله على الإطلاق صلى الله عليه وسلم فأنا بحول من عز حوله وتوفيق من غمرني فضله أوفق بما يزيل الغين عن العين ويظهر سر جوامع الكلم التي أوتيها سيد الكونين صلى الله عليه وسلم. / فأقول: قد صح عند أساطين الحكمة والنبوة مما شاهدوه في أرصادهم الروحانية في خلواتهم ورياضاتهم وكذا عند سائر المتألهين الربانيين من حكماء الإسلام والفرس وغيرهم أن لكل نوع جسماني من الأفلاك والكواكب والبسائط العنصرية ومركباتها رباً هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر له حافظ إياه وهو المنمي والغاذي والمولد في النبات والحيوان والإنسان لامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة في النبات والحيوان عن قوة بسيطة لا شعور لها وفينا عن أنفسنا وإلا لكان لنا شعور بها، فجميع هذه الأفعال من الأرباب وإلى تلك الأرباب أشار صاحب الرسالة العظمى صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : وإن لكل شيء ملكاً»تفسير : حتى قال: «حديث : إن كل قطرة من القطرات ينزل معها ملك» تفسير : وقال: «حديث : أتاني ملك الجبال وملك البحار»تفسير : وحكى أفلاطون عن نفسه أنه خلع الظلمات النفسانية والتعلقات البدنية وشاهدها، وذكر مولانا الشيخ صدر الدين القونوي قدس سره في «تفسيره الفاتحة» أنه ما ثم صورة إلا ولها روح، وأطال أهل الله تعالى الكلام في ذلك، فإذا علمت هذا فلا بعد في أن يقال: أراد صلى الله عليه وسلم بالملك الموكل بالسحاب في بيان الرعد هو هذا الرب المدبر الحافظ وبزجره تدبيره له حسب استعداده وقابليته، وأراد بصوت ذلك الزجر ما يحدث عند الشق بالأبخرة الذي يقتضيه ذلك التدبير، وأراد بالمخاريق ـ في بيان البرق وهي جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف وتضرب به الصبيان بعضهم بعضاً ـ الآلة التي يحصل بواسطتها الشق، ولا شك أنها كما قررنا من نار أشعلتها شدة الحركة والمحاكة فظهرت كما ترى، وحيث فتحنا لك هذا الباب قدرت على تأويل كثير مما ورد من هذا القبيل حتى قولهم: إن الرعد نطق الملك والبرق ضحكه، وإن كان بحسب الظاهر مما يضحك منه، ولم أر أحداً وفق فوفق وتحقق فحقق والله تعالى الموفق وهو حسبي ونعم الوكيل. {يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم مّنَ ٱلصَّوٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} الضمائر عائدة على المحذوف المعلوم فيما قبل وكثيراً ما يلتفت إليه كما في قوله تعالى: {أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 4]. والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل عند بيان أحوالهم الهائلة فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة فقال: {يَجْعَلُونَ } الخ، وجوزوا وجوهاً أخر ككونها في محل جر صفة للمقدر وجوز فيها وفي {أية : يَكَادُ }تفسير : [البقرة: 20] كونها صفة صيب بتأويل نحو ـ لا يطيقونه ـ أو في محل نصب على الحال من ضمير فيه، والعائد محذوف أو اللام نائبة عنه أي صواعقه، والجعل في الأصل الوضع. والأصابع جمع إصبع وفيه تسع لغات حاصلة من ضرب أحوال الهمزة الثلاث في أحوال الباء كذلك، وحكوا عاشرة وهي أصبوع بضمها مع واو وهي مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإبهام فبعض بني أسد يذكرها والتأنيث أجود. وفي الآية مبالغة في فرط دهشتهم وكمال حيرتهم كما في الفرائد من وجوه. أحدها: نسبة الجعل إلى كل الأصابع وهو منسوب إلى بعضها وهو الأنامل وثانيها: من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود إدخال السبابة فكأنهم من فرط دهشتهم يدخلون أي أصبع كانت ولا يسلكون المسلك المعهود وثالثها: في ذكر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأول من إدخاله فيه، وهل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكل باسم جزئه أو للتجوز في الجعل أو هو من المجاز العقلي بأن ينسب الجعل للأصابع وهو للأنامل؟، فيه خلاف والمشهور هو الأول وعليه الجمهور. وابن مالك وجماعة على الأخير ظناً منهم أن المبالغة في الاحتراز عن استماع الصاعقة إنما يكون عليه ولم يكتفوا فيها بتبادر الذهن إلى أن الكل أدخل في الأذن قبل النظر للقرينة، وقيل: لا مجاز هنا أصلاً لأن نسبة بعض الأفعال إلى ذي أجزاء تنقسم يكفي فيه تلبسه ببعض أجزائه كما يقال: دخلت البلد وجئت ليلة الخميس/ ومسحت بالمنديل فإن ذلك حقيقة من أن الدخول والمجيء والمسح في بعض ـ البلد والليلة والمنديل ـ ولا يخفى أن كون مثل ذلك حقيقة ليس على إطلاقه، والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر. و{مِنْ} تعليلية تغني غناء اللام في المفعول له وتدخل على الباعث المتقدم والغرض المتأخر وهي متعلقة بـ {يَجْعَلُونَ} وتعلقها بالموت بعيد ـ أي يجعلون ـ من أجل الصواعق وهي جمع صاعقة ولا شذوذ، والظاهر أنها في الأصل صفة من الصعق وهو الصراخ وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث أو للمبالغة إن لم تقدر ـ كراوية ـ أو للنقل من الوصفية إلى الإسمية ـ كحقيقة ـ وقيل: إنها مصدر كالعافية والعاقبة وهي اسم لكل هائل مسموع أو مشاهد، والمشهور أنها الرعد الشديد معه قطعة من نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه، وقد يكون معه جرم حجرى أو حديدي، وسد الآذان إنما ينفع على المعنى الأول، وقد يراد المعنى الثاني ويكون في الكلام إشارة إلى مبالغة أخرى في فرط دهشتهم حيث يظنون ما لا ينفع نافعاً، وقرأ الحسن (من الصواقع) وهي لغة بني تميم كما في قوله:شعر : ألم تر أن المجرمين أصابهم صواقع لا بل هن فوق الصواقع تفسير : وليس من باب القلب على الأصح إذ علامته كون أحد البناءين فائقاً للآخر ببعض وجوه التصريف والبناءان هنا مستويان في التصرف. و{حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} نصب على العلة لـ {يَجْعَلُونَ} وإن كان من الصواعق في المعنى مفعولاً له كان هناك نوعان منصوب ومجرور، ولزوم العطف في مثله غير مسلم خلافاً لمن زعمه ولا مانع من أن يكون علة له مع علته كما أن من الصواعق علة له نفسه، وورد مجيء المفعول له معرفة وإن كان قليلاً كما في قوله:شعر : وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً تفسير : وجعله مفعولاً مطلقاً لمحذوف أي يحذرون حذر الموت ـ بعيد. وقرأ قتادة والضحاك وابن أبـي ليلى (حذار) وهو كحذر شدة الخوف. والموت في المشهور زوال الحياة عما يتصف بها بالفعل وإطلاقه على العدم السابق في قوله سبحانه: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] مجاز ولا يرد قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ } تفسير : [الملك: 2] إذ لخلق فيه بمعنى التقدير وتعيين المقدار بوجه ما وهو مما يوصف به الموجود والمعدوم لأن العدم كالوجود له مدة ومقدار معين عنده تعالى، وقيل: المراد بخلق الموت إحداث أسبابه، وقيل: إنه العدم مطلقاً وإن لم يكن مخلوقاً إلا أن إعدام الملكات مخلوقة لما فيها من شائبة التحقق بمعنى أن استعداد الموضوع معتبر في مفهومها وهو أمر وجودي فيجوز أن يعتبر تعلق الخلق والإيجاد باعتبار ذلك، وصحح محققو أهل السنة أن الموت صفة وجودية خلقت ضداً للحياة، ولهذا يظهر كما في الحديث: «حديث : يوم تتجسد المعاني ـ كما قال أهل الله تعالى ـ بصورة كبش أملح»تفسير : ويصير عدماً محضاً إذ يذبح بمدية الحياة التي لا ينتهي أمدها. {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ} أي: لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط فإحاطته تعالى بهم مجاز تشبيهاً لحال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور أصلاً بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته فيكون في الإحاطة استعارة تبعية وإن شبه حاله تعالى ـ وله المثل الأعلى ـ معهم بحال المحيط مع المحاط بأن تشبه هيئة منتزعة من عدة أمور بمثلها كان هناك استعارة تمثيلية لا تصرف في مفرداتها إلا أنه صرح بالعمدة منها وقدر الباقي فافهم. وجوز أبو علي في {مُحِيطٌ } أن يكون بمعنى مهلك كما في قوله تعالى: {أية : وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ } تفسير : [البقرة: 81] أو عالم علم مجازاة كما في قوله تعالى: {أية : وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ }تفسير : [الجن: 28] وكل هذا من الظاهر، ولأهل الشهود كلام من ورائه محيط ـ والواو اعتراضية لا عاطفة ولا حالية والجملة معترضة بين جملتين من قصة واحدة وفيها تتميم للمقصود من التمثيل/ بما تفيده من المبالغة لأن ـ الكافرين ـ وضع موضع الضمير وعبر به إشعاراً باستحقاق ذوي الصيب ذلك العذاب لكفرهم فيكون الكلام على حد قوله تعالى: {أية : مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ }تفسير : [آل عمران: 117] فإن التشبيه بحرث قوم كذلك لا يخفى حسنه لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ وفيه تنبيه على أن ما صنعوه من سد الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئاً وقد أحاط بهم الهلاك ولا يدفع الحذر القدر وماذا يصنع مع القضاء تدبير البشر. وجعل الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد (بالكافرين) المنافقون ولا محيص لهم عن عذاب الدارين ووسط بين أحوال المشبه به لإظهار كمال العناية بشأن المشبه والتنبيه على شدة الاتصال مما يأباه الذوق السليم.

ابن عاشور

تفسير : {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ}. عطف على التمثيل السابق وهو قوله: {أية : كمثل الذي استوقد ناراً}تفسير : [البقرة: 17] أعيد تشبيه حالهم بتمثيل آخر وبمراعاة أوصاف أخرى فهو تمثيل لحال المنافقين المختلطة بين جواذب ودوافع حين يجاذب نفوسهم جاذب الخير عند سماع مواعظ القرآن وإرشاده، وجاذب الشر من أعراق النفوس والسخرية بالمسلمين، بحال صيب من السماء اختلطت فيه غيوث وأنوار ومزعجات وأكدار، جاء على طريقة بلغاء العرب في التفنن في التشبيه وهم يتنافسون فيه لا سيما التمثيلي منه وهي طريقة تدل على تمكن الواصف من التوصيف والتوسع فيه. وقد استقريْتُ من استعمالهم فرأيتهم قد يسلكون طريقة عطف تشبيه على تشبيه كقول امرىء القيس في معلقته:شعر : أصاحِ ترى برقاً أُريك وميضَه كلمعِ اليدين في حَبِيَ مُكَلَّل يُضيءُ سَناه أو مصابيحِ راهب أَمال السليطَ بالذُّبال المُفَتَّل تفسير : وقولِ لَبيد في معلقته يصف راحلته:شعر : فلها هِبَاب في الزمام كأنها صهباءُ خفَّ مع الجَنوب جَهَامها أو مُلْمِعٌ وسَقَتْ لأَحْقَبَ لاَحَه طَرْدُ الفُحول وضَرْبُها وكِدَامُها تفسير : وكثر أن يكون العطف في نحوه بأو دون الواو، وأو موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء فيتولد منها معنى التسوية وربما سلكوا في إعادة التشبيه مسلك الاستفهام بالهمزة أي لتختار التشبيه بهذا أم بذلك وذلك كقول لبيد عقب البيتين السابق ذكرهما:شعر : أَفتلك أم وحْشية مسبوعة خذلت وهادية الصِّوار قِوامها تفسير : وقال ذو الرمة في تشبيه سير ناقته الحثيث:شعر : وثْبَ المُسَحَّجِ من عَانَاتِ مَعْقُلَةٍ كأنَّه مستبان الشَّكِّ أو جَنِبُ تفسير : ثم قال:شعر : أذاك أم نَمِشٌ بالوشْي أَكْرُعُه مسفَّع الخَد غَادٍ نَاشِعٌ شَبَبُ تفسير : ثم قال:شعر : أَذاك أم خاضب بالسَّيِّ مَرْتَعُه أبو ثلاثين أَمسى وهو مُنْقلب تفسير : وربما عطفوا بالواو كما في قوله تعالى: {أية : ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون}تفسير : [الزمر: 29] الآية ثم قال: {أية : وضرب الله مَثَلاً رجلين}تفسير : [النحل: 76] الآية. وقوله: {أية : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور}تفسير : [فاطر: 19 ـــ 21] الآية بل وربما جمعوا بلا عطف كقوله تعالى: {أية : حتى جعلناهم حصيداً خامدين}تفسير : [الأنبياء: 15] وهذه تفننات جميلة في الكلام البليغ فما ظنك بها إذا وقعت في التشبيه التمثيلي فإنه لعزته مفرداً تعز استطاعةُ تكريره. و(أو) عطفت لفظ (صيب) على {أية : الذي استوقد}تفسير : [البقرة: 17] بتقدير مَثَل بين الكاف وصيب. وإعادةُ حرف التشبيه مع حرف العطف المغني عن إعادة العامل، وهذا التكرير مستعمل في كلامهم وحسَّنه هنا أن فيه إشارة إلى اختلاف الحالين المشبهين كما سنبينه وهم في الغالب لا يكررونه في العطف. والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة، فالغرض من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ في قوله تعالى: {أية : مَثَلُهم كمَثَل الذي استوقد}تفسير : [البقرة: 17] بنوع إطلاق وتقييد. فقوله: {أَو كصيب} تقديره أو كفريق ذي صيب أي كقوم على نحو ما تقدم في قوله: {كمثل الذي استوقد}دل على تقدير قوم قوله: {يجعلون أصابعهم في آذانهم} وقولُه: {أية : يخطف أبصارهم}تفسير : [البقرة: 20]. الآية، لأن ذلك لا يصح عوده إلى المنافقين فلا يَجيء فيه ما جازَ في قوله: {أية : ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17] الخ. فشبهت حال المنافقين بحال قوم سائرين في ليل بأرض قوم أصابها الغيث وكان أهلها كانِّين في مساكنهم كما عُلم ذلك من قوله: {أية : كلَّما أضاءَ لهم مشَوْا فيه}تفسير : [البقرة: 20] فذلك الغيث نفع أهل الأرض ولم يصبهم مِمَّا اتصل به من الرعد والصواعق ضُر ولم ينفع المارين بها وأضرَّ بهم ما اتصل به من الظلمات والرعد والبرق، فالصيب مستعار للقرآن وهدى الإسلام وتشبيهه بالغَيث وارد. وفي الحديث الصحيح: «حديث : مَثَل ما بَعثني الله به من الهُدى كمثل الغيث أصابَ أرضاً فكان منها نَقِيَّةٌ»تفسير : الخ. وفي القرآن: {أية : كمثل غيث أعجب الكفار نباته}تفسير : [الحديد: 20]. ولا تَجد حالة صالحة لتمثيل هيئة اختلاط نفع وضر مثل حالة المطر والسحاب وهو من بديع التمثيل القرآني، ومنه أخذ أبو الطيب قوله:شعر : فتى كالسحاب الجَوْن يُرجَى ويُتَّقَى يُرَجَّى الحَيَا منه وتُخْشى الصواعق تفسير : والظلمات مستعار لما يعتري الكافرين من الوحشة عند سماعه كما تعتري السائر في الليل وحشة الغيم لأنه يحجب عنه ضوء النجوم والقمر، والرعد لقوارع القرآن وزواجره، والبَرْق لظهور أنوار هديه من خلال الزواجر فظهر أن هذا المركب التمثيلي صالح لاعتبارات تفريق التشبيه وهو أعلى التمثيل. والصيب فيعل من صاب يصوب صوباً إذا نزل بشدة، قال المرزوقي إن ياءه للنقل من المصدرية إلى الاسمية فهو وصف للمطر بشدة الظلمة الحاصلة من كثافة السحاب ومن ظلام الليل. والظاهر أن قوله: {من السماء} ليس بقيد للصيب وإنما هو وصف كاشف جيء به لزيادة استحضار صورة الصيب في هذا التمثيل إذ المقام مقام إطناب كقول امرىء القيس:شعر : كجلمود صخرٍ حَطَّه السيل من عَلِ تفسير : إذ قد علم السامع أن السيل لا يحط جلمود صخر إلا من أعلى ولكنه أراد التصوير، وكقوله تعالى: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38]، وقوله: {أية : كالذي استهوته الشياطين في الأرض}تفسير : [الأنعام: 71] وقال تعالى: {أية : فأَمْطِرْ علينا حجارة من السماء}تفسير : [الأنفال: 32]. والسماء تطلق على الجو المرتفع فوقنا الذي نخاله قبة زرقاء، وعلى الهواء المرتفع قال تعالى: {أية : كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}تفسير : [إبراهيم: 24] وتطلق على السحاب، وتطلق على المطر نفسه ففي الحديث: «حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر سماء» تفسير : الخ، ولما كان تكوُّن المطر من الطبقة الزمهريرية المرتفعة في الجو جعل ابتداؤه من السماء وتكرر ذلك في القرآن. ويمكن أن يكون قوله: {من السماء}تقييداً للصيب إما بمعنى من جميع أقطار الجو إذا قلنا إن التعريف في السماء للاستغراق كما ذهب إليه في «الكشاف» على بعد فيه إذ لم يعهد دخول لام الاستغراق إلا على اسم كلي ذي أفراد دون اسم كل ذي أجزاء فيحتاج لتنزيل الأجزاء منزلة أفراد الجنس ولا يعرف له نظير في الاستعمال فالذي يظهر لي إن جعلنا قوله: {من السماء} قيداً للصيب أن المراد من السماء أعلى الارتفاع والمطر إذا كان من سمت مقابل وكان عالياً كان أدوم بخلاف الذي يكون من جوانب الجو ويكون قريباً من الأرض غير مرتفع. وضمير (فيه) عائد إلى (صيب) والظرفية مجازية بمعنى معه، والظلمات مضى القول فيه آنفاً. والمراد بالظلمات ظلام الليل أي كسحاب في لونه ظلمة الليل وسحابة الليل أشد مطراً وبرقاً وتسمى سارية. والرعد أصوات تنشأ في السحاب. والبرق لامع ناري مضيء يظهر في السحاب، والرعدُ والبرق ينشآن في السحاب من أثر كهربائي يكون في السحاب فإذا تكاثفت سحابتان في الجو إحداهما كهرباؤُها أقوى من كهرباء الأخرى وتحاكّتا جذبت الأقوى منهما الأضعف فحدث بذلك انشقاق في الهواء بشدة وسرعة فحدث صوت قوي هو المسمى الرعد وهو فرقعة هوائية من فعل الكهرباء، ويحصل عند ذلك التقاء الكهرباءين وذلك يسبب انقداح البرق. وقد علمت أن الصيب تشبيه للقرآن وأن الظلمات والرعد والبرق تشبيه لنوازع الوعيد بأنها تسر أقواماً وهم المنتفعون بالغيث وتسوء المسافرين غير أهل تلك الدار، فكذلك الآيات تسر المؤمنين إذ يجدون أنفسهم ناجين من أن تحق عليهم وتسوء المنافقين إذ يجدونها منطبقة على أحوالهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} الآية الصيب: المطر، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم بالمطر. لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام. وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}تفسير : [الأعراف: 58]. وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً. فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأَ والعشب الكثير، وكانت منها أَجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأَصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أَرسلت به ". تفسير : قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ}. ضرب الله تعالى في هذه الآية المثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر المضروب مثلاً للقرآن، وبين بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم. لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 143]. لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوماً جهة، ويوماً آخر جهة أخرى، كما قال تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}تفسير : [البقرة: 143]. وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 143] وكقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} تفسير : [الإسراء: 60] لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سبباً لاعتقاد الكفار أنه صلى الله عليه وسلم كاذب. لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه. فهو سبب لزيادة الضالين ضلالاً. وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم. فهي سبب أيضاً لزيادة ضلال الضالين ضلالاً. وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم. فهي سبب أيضاً لزيادة ضلال الضالين منهم. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 64] قالوا: ظهر كذبه. لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار. وكقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [المدثر: 31]. لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر: 30]. قال بعض رجال قريش: هذا عدد قليل فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة. لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أنا سندخلها. والله تعالى إنما يفعل ذلك اختباراً وابتلاء، وله الحكمة البالغة في ذلك كله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. قوله تعالى: {وَرَعْدٌ}. ضرب الله المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب. وذكر بعضاً منها في آيات أخر كقوله: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً}تفسير : [فصلت: 13] الآية - وكقوله: {أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} تفسير : [النساء: 47] الآية - وكقوله: {أية : إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} تفسير : [سبأ: 46]. وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور. فلما بلغ هذه الآية {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الطور: 35] - إلى قوله - {أية : ٱلْمُسَيْطِرُونَ} تفسير : [الطور: 37] كاد قلبي أن يطير. إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال الله تعالى فيهم: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ} تفسير : [المنافقون: 4]، والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. قوله تعالى: {وَبَرْقٌ}. ضرب تعالى المثل بالبرق لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. وقد صرح بأن القرآن نور يكشف الله به ظلمات الجهل والشك والشرك. كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله: {أية : وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] وقوله: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى: 52] وقوله: {أية : وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} تفسير : [الأعراف: 157]. قوله تعالى: {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ}. قال بعض العلماء: محيط بالكافرين: أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى: {أية : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : [يوسف: 66] أي: تهلكوا عن آخركم. وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه. وكذلك المغلوب. ومنه قول الشاعر: شعر : أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعاً إلى السلم تفسير : ومنه أيضاً بمعنى الهلاك قوله تعالى: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} تفسير : [الكهف: 42] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} تفسير : [يونس: 22] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ظُلُمَاتٌ} {أَصَابِعَهُمْ} {ٱلصَّوَاعِقِ} {آذَانِهِم} {بِٱلْكَافِرِينَ} (19) - وَحِينَما جَاءَتْ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ دَعْوَةُ اللهِ، وَبَيِّناتُهُ وآياتُهُ، وَوُجِّهَتْ أَبْصَارُهُمْ إِلى حُجَجِ اللهِ القَائِمَةِ في الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ الْتَمَعَ في نُفُوسِهِمْ قَبَسٌ مِنْ نُورِ الهِدَايَةِ، وَلكِنَّهُمْ سُرْعَانَ مَا اعْتَرَضَتْهُمْ ظُلمَاتُ الشُّبَهِ وَالتَّقَالِيدِ وَالخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ، إِذا أَخَذُوا بمَا يُخَالِفُ آراءَ مَنْ حَوْلَهُمْ، فَاعْتَرَتْ نُفُوسَهُمُ الحَيْرَةُ والقَلَقُ والاضْطِرابُ. وَقَدْ مَثَّلَ اللهُ حَالَ هؤلاءِ المُنَافِقِينَ بِحَالِ قَوْمٍ في إِحدَى الفَلَواتِ نَزَلَ بِهِمْ - بَعْدَ حُلُولِ ظَلاَمِ اللَّيلِ - مَطَرٌ شَدِيدٌ يَتَسَاقَطُ مِنَ السَّمَاءِ، تُصَاحِبُهُ رُعُودٌ قَاصِفَةٌ، وَبُرُوقٌ لاَمِعَةٌ، وَصَوَاعِقُ مُنْقَضَّةٌ فَتَولاَّهُمُ الدَّهَشُ والرُّعْبُ، وَأَهْوَوْا بِأَصَابِعِهِمْ لِيَضَعُوهَا فِي آذانِهِمْ لِيَمْنَعُوا وُصُولَ الأَصْوَاتِ المُخِيفَةِ المُزْعِجَةِ إِلى أَسْمَاعِهِمْ، لِمَا يَحْذَرُونَهُ مِنَ المَوْتِ. وَلكِنْ هَلْ يُنْجِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ؟ إِنَّ الله قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ بأَسْمَاعِهِم وَأبْصَارِهِمْ وَلكِنَّهُ إِذا لمْ يَفْعَلْ فَمَا ذلِكَ إِلاَّ لحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهَا مَشِيئَتُهُ. الصَّيِّبُ - المَطَرُ الذِي يَنْزِلُ. الرَّعْدُ - الصَّوتُ الذِي يُسْمَعُ فِي السَّحَابِ وَقْتَ البَرْقِ. البَرْقُ - النُّورُ اللاَّمِعُ في السَّحَابِ. الصَّاعِقَةُ - نَارٌ تَنْقَضُّ مِنْ بَيْنِ السَّحَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقول الحق سبحانه وتعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 19] .. الصيب هو المطر .. والله تبارك وتعالى ينزل الماء فتقوم به الحياة .. مصداقاً لقوله جل جلاله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..} تفسير : [الأنبياء: 30]. ومن البديهي أننا نعرف أن إنزال المطر .. هو من قدرة الله سبحانه وتعالى وحده .. ذلك أن عملية المطر فيها خلق بحساب، وفيها عمليات تتم كل يوم بحساب أيضاً، وفيها عوامل لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى .. فمسألة المطر أعِدَّت الأرض لها حين الخلق .. فكانت ثلاثة أرباع الأرض من الماء والربع من اليابسة .. لماذا؟ من حِكَمِ الله في هذا الخلق أن تكون عملية البخر سهلة وممكنة .. ذلك أنه كلما اتسع سطح الماء يكون البخر أسهل، وإذا ضاق السطح تكون عملية البخر أصعب .. فإذا جئنا بكوب مملوء بالماء ووضعناه في حجرة مغلقة يوماً .. ثم عدنا إليه نجد أن حجم الماء نقص بمقدار سنتيمتر أو أقل، فإذا أخذنا الماء الذي في هذا الكوب وقذفناه في الحجرة .. فإنه يختفي في فترة قصيرة .. لماذا؟ لأن سطح الماء أصبح واسعاً فتمت عملية البخر بسرعة. والله سبحانه وتعالى حين خلق الأرض .. وضع في الخلق حكمة المطر في أن تكون مساحة الماء واسعة لتتم عملية البخر بسهولة، وجعل أشعة الشمس هي التي تقوم بعملية البخر من سطح الماء .. وتم ذلك بحساب دقيق، حتى لا تُغرق الأمطار الأرض أو يحدث فيها جفاف .. ثم سخَّر الريح لتدفع السحاب إلى حيث يريد الله أن ينزل المطر، وقمم الجبال الباردة ليصطدم بها السحاب فينزل المطر .. كل هذا بحساب دقيق في الخلق وفي كل مراحل المطر.. وما دام الماء هو الذي به الحياة على الأرض، فقد ضرب الله لنا به المثل كما ضرب لنا المثل بالنار وضوئها .. فكلها أمثلة مادية لتقرِّب إلى عقولنا ما هو غيب عنا، فالماء يعطينا الحياة. لكن هؤلاء المنافقين لم يلتفتوا إلى هذا الخير، الذي ينزل عليهم من السماء من غير تعب أو جهد منهم. بل التفتوا إلى أشياء ثانوية، كان من المفروض أن يرحبوا بها لأنها مقدمات خير لهم. فالمطر قبل أن ينزل من السماء لا بد أن يكون هناك شيء من الظلمة في السحاب الذي يأتي بالمطر، فيحجب أشعة الشمس إن كنا نهاراً، ويخفي نور القمر والنجوم إن كنا ليلاً. هذه الظلمة مقدمات الخير والماء. إنهم لم يلتفتوا إلى الخير الذي ملأ الله به سبحانه وتعالى الأرض. بل التفتوا إلى الظلمة فنفروا من الخير .. كذلك صوت الرعد ونور البرق. الرعد يستقبله الإنسان بالأذن وهي آلة السمع، والبرق تستقبله العين، وصوت الرعد قوي، أقوى من طاقة الأذن. ولذلك عندما يسمعه الإنسان يفزع، ويحاول أن يمنع استقبال الأذن له، بأن يضع أنامله في أذنيه. وهؤلاء المنافقون لم يضعوا الأنامل، ولكن كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم ..} [البقرة: 19] ولم يقل أناملهم. وذلك مبالغة في تصوير تأثير الرعد عليهم. فكأنهم من خوفهم وذعرهم يحاول كل واحد منهم أن يدخل كل أصبعه في أذنه؛ ليحمي نفسه من هذا الصوت المخيف، فكأنهم يبالغون في خوفهم من الرعد. ونلاحظ هنا أن الحديث ليس عن فرد واحد، ولكن عن كثيرين .. لأنه سبحانه وتعالى يقول {أَصَابِعَهُمْ ..} [البقرة: 19] نقول: إن الأمر لجماعة يعني أمراً لكل فرد فيها، فإذا قال المدرس للتلاميذ: أخرجوا أقلامكم، فمعنى ذلك أن كل تلميذ يخرج قلمه .. وإذا قال رئيس الجماعة اركبوا سياراتكم، فمعنى ذلك أن كل واحد يركب سيارته .. لذلك فإن معنى {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم ..} [البقرة: 19] أن كل واحد منهم يضع أصبعه في أذنيه .. لماذا يفعلون ذلك؟! إنهم يفعلونه خوفاً من الموت؛ لأن الرعد والبرق يصاحبهما الصواعق أحياناً، ولذلك فإنهم من مبالغتهم في الخوف يحس كل واحد منهم بأن صاعقة ستقتله .. فكأنهم يستقبلون نعمة الله سبحانه وتعالى بغير حقيقتها .. وهم لا يرون النعمة الحقيقية في أن هذا المطر يأتي لهم بعوامل استمرار الحياة. ولكنهم يأخذون الظاهر في البرق والرعد. وكذلك المنافقون لا يستطيع الواحد منهم أن يصبر على شهوات نفسه ونزواتها .. إنه يريد ذلك العاجل ولا ينظر إلى الخير الحقيقي الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الآخرة .. وهو ينظر إلى التكاليف كأنها شدة ومسألة تحمل النفس بعض المشاق. ويغفل عن حقيقة جزاء التكاليف في الآخرة، وكيف أنها ستوفر لهم النعيم الدائم .. تماماً كما ينظر الإنسان إلى المطر على أنه ظلمة ورعد وبرق، وينسى أنه بدون هذا المطر من المستحيل أن تستمر حياته. هم يأخذون هذه الظواهر على أنها كل شيء. بينما هي في الحقيقة تأتي لوقت قصير وتختفي، فهي قصيرة كالحياة الدنيا، وقتية. ولكن نظرتهم إليها وقتية ومادية لأنهم لا يؤمنون إلا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة .. غفلوا عن ذلك الماء التي يبقى فترة طويلة، وتنبهوا إلى تلك الظواهر الوقتية التي تأتي مع المطر فخافوا منها، وكان خوفهم منها يجعلهم لا يحسون بما في المطر من خير. والمنافقون يريدون أن يأخذوا خير الإسلام دون أن يقوموا بواجبات هذا الدين!! ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية مهمة، وهي أن خوفهم من زوال متع الدنيا ونفوذها لن يفعل لهم شيئاً. لأن الله محيط بالكافرين .. والإحاطة معناها السيطرة التامة على الشيء بحيث لا يكون أمامه وسيلة للإفلات، وقدرة الله سبحانه وتعالى محيطة بالكافرين وغير الكافرين. إذن عدم التفاتهم للنفع الحقيقي، وهو منهج الله، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ}[الآية: 19]. [يقول: جامعهم في جهنم]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 23] / 2و/ يعني ناساً يشهدون. أَنا عبد الرحمن، قال: نا [إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن] ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [الآية: 25]. يقول: ما أَشبهه (به) يقول: من كل صنف مثل. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [الآية: 25]. قال: خيار أَيضاً. وفي قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [الآية: 25]. قال: طهرن من الحيض والغائط والبول والبزاق والنخامة والمني والولد. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} يعني الأَمثال كلها، صغيرها وكبيرها، يؤمن بها المؤمنون. و {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}، ويهديهم الله بها و {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} [الآية: 26] يقول: يعرفه الفاسقون فيكفرون به. أَنبا عبد الرحمن قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: نعظمك ونكبرك، فقال الله، عز وجل: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: 30] قال علم من إِبليس المعصية وخلقه لها. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاء عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [الآية: 25]. قال: خيار أَيضاً. أَنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}. يعني ما خلق الله كله. فقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} [الآية: 31]. بأَسماء هذه التي حدث بها آدم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الآية: 36]. يعني إِبليس وآدم.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} فالصَّيِّبُ: المطرُ. وجمعُهُ صَيَائِبُ.

الأندلسي

تفسير : {أَوْ كَصَيِّبٍ} معطوف على كمثل وأوهنا للتفصيل وكان من نظر في حالهم منهم من شبهه بحال المستوقد ومنهم من شبهه بحال ذي صيب فهو على حذف مضاف يدل عليه الضمير في يجعلون. والصيّب: المطر النازل والسحاب أيضاً، ووزنه عند البصريين فيعل بكسر العين، وعند البغداديين بفتحها، وعند القراء فعيل فقلب. "والسماء" المظلة والسماء ما علاك من سقف ونحوه، وجمعت على سماوات واسمية وسماء وهي جموع لا تنقاس وقرىء أو كصايب اسم فاعل من صاب يصوب وصيب أبلغ. "والرعد" الصوت المزعج المسموع من جهة السماء. "والبرق" الجرم النوراني الذي يشاهد ولا يثبت وجعل الصيب مقراً لهذه الأشياء على سبيل المجاز مجاز المصاحبة. {يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم} إن كان بمعنى يلقون تعدى إلى واحد وفي آذانهم متعلق يجعلون وإن كان بمعنى يصيرون كان في آذانهم في موضع المفعول الثاني. "والصاعقة" الوقعة الشديدة من صوت الرعد معها قطعة من نار تسقط مع صوت الرعد لا تمر بشيء إلا أتت عليه وهي سريعة الخمود والصاعقة لغة تميم والتصريف جاء على التركيبين فلا تكون صاقعة مقلوباً من صاعقة خلافاً لمن ذهب إلى ذلك. وقال ابن عرفة: والصاعقة أيضاً العذاب ومن في من السماء متعلق بصيب أو في موضع الصفة أي كائن من أمطار السماء وظلمات الصيب بتكاثفه وانتساجه وتتابع قطره وظلمة ظلال غمامه وظلمة الليل وأفرد ورعد وبرق وإن كانوا قد قالوا رعود وبروق أما لأنهم أرادوا المصدر فكأنه إرعاد وإبراق وإما أن أريد بهما المعنيان فلان كلا منهما يسمى بالمصدر فروعي حكم أصلهما وإن كان المعنى على الجمع ونكرت الثلاثة لأنه ليس المقصود العموم، والظاهر أن يجعلون جواب سؤال مقدر، أي فكيف حالهم لا في موضع جر صفة لذوي المحذوفة، ولا في موضع حال من الضمير في فيه والعائد محذوف ثابت عنه أل في الصواعق أي من صواعقة ومن سببية متعلقة بيجعلون. وقرىء {من الصواقع وحذر الموت} أعربوه مفعولاً من أجله ولا يكون للفعل إلا مفعول له واحد إلا بالعطف فقد يتعدد أو بالبدل وقيل: حذر مصدر، أي يحذرون حذر الموت. وقرىء: حذار مصدر حاذر، وإحاطته تعالى بهم كناية عن كونه لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به وإحاطته بالعلم والقدرة على إهلاكهم. {يَكَادُ} مضارع كاد وفيها لغتان فعل وفعل ولذلك تقول كدت وكدت وهي من أفعال المقاربة. {يَخْطَفُ} و"الخطف" أخذ الشيء بسرعة وجوزوا في يكاد أن يكون جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: كيف حالهم في ذلك البرق. وأن يكون في موضع جر صفة لذوي المقدر حذفه في صيب وأل في البرق نائب مناب الضمير وهي للعهد إذ قد تقدم ذكره. وقرىء يخطب - بكسر الطاء - مضارع خطف - بفتحها وكسرها - في الماضي لغة قريش ويتخطّف ويخطّف ويخطّف ويخطف، وما مصدرية ظرفية وانتصاب كل على الظرف سرت إليه الظرفية من إضافته لما المصدرية الظرفية وما مثل هذه يراد به العموم. تقول: أصحبك ما ذر شارق يريد العموم فكل في مثل هذا أكدت العموم الذي أفادته ما الظرفية ولا يراد مطلق الفعل والتقدير كل وقت اضاءة واضاءان كان متعدياً فالمفعول محذوف أي أضاء لهم الطريق وعاد الضمير في فيه على الطريق أو يكون التقدير. {مَّشَوْاْ} في نوره فيعود على البرق وإن كان لازماً أي كل ما لمع البرق مشوا في نوره وهذه الجملة استئناف كأنه قيل: فما حالهم في حالتي وميض البرق وخفائه قيل كذا. وقرىء {أَظْلَمَ} مبنياً للمفعول وتخريجه على أن التقدير وإذا أظلم الليل بنفسه وقال: قد جاء في شعر حبيب متعدياً "قال": هما أظلما جائي ثمت أجليا ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب. "قاموا" ثبتوا لا يبرحون لشدة الظلمة. وفاعل أظلم ضمير يعود على الليل المفهوم من سياق الكلام وصدرت الجملة بكلما والثانية بإِذا. قال الزمخشري: لأنهم حراص على وجود ما هممهم به معقودة من إمكان المشي وثابتة فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف والتجسد "انتهى". ولا فرق هنا بين كلما وإذا لأنه متى فهم التكرار من كلما لزم منه التكرار في إذا لأن الأمر دائر بين إضاءة البرق والاظلام فمتى وجد هذا فقد هذا يلزم من تكرار وجود هذا تكرار عدم هذا ومفعول شاء محذوف وكثيراً ما يحذف لدلالة المعنى عليه خصوصاً بعد لو وأدوات الشرط وتقدم ذكر الآذان والأبصار فقال: "لذهب بسمعهم وأبصارهم" وقرىء بأسماعهم وأعقب تعالى ما علقه على المشيئة بالقدرة، لأن بالمشيئة والقدرة تمام الأفعال وكان بصيغة المبالغة إذ لا أحق بها منه ولما بالغ في حال المستوقد وما عرض له بالغ في حال هؤلاء النفر وما عرض لهم من الحيرة والمبالغة في حال المشبّه بهما تقتضي شدة المبالغة في حَال المشبّه ونحن نختار أن هذين التشبيهين هما من التمثيلات المركبة ومن المفسرين من جعل ذلك من قبيل التمثيلات المفردة فقابل شيئاً من أوصاف المشبه به لشيء من أوصاف المشبه وقد تقدم شيء من ذلك في تمثيل المستوقد وأما هنا فقال قابل الله القرآن بالصيب لنزوله من علو وعماهم عن تعقله بالظلمات، والوعيد والزجر بالرعد، والنور والحجج الباهرة بالبرق وتخويفهم بجعل أصابعهم في آذانهم وتكاليف الشرع بالصواعق، ولما ذكر الله تعالى المكلفين من المؤمنين والكفار المختوم عليهم بالموافاة على الكفر والمنافقين وصفاتهم وأحوالهم وما يؤل إليه حال كل منهم وأبرز حال المنافقين في أسوأ صور الأمثال خاطب جميع الناس فقبلا عليهم بالنداء لأن فيه هدى لما يلقيه إليهم من أمر العبادة له. ويا حرف نداء ومع كثرة النداء في القرآن لم يناد إلا بيادون سائر حروف النداء. وأيّ: لها محامل وهي هنا المنادى يوصل بها إلى نداء ما فيه ألْ. وهما: حرف تنبيه لازم لا يجوز حذفه. و{ٱلنَّاسُ} صفة لأي واجب رفعهما. ولفظ {رَبَّكُمُ} مناسب إذ هو السيد والمصلح ومن كان مالكاً أو مصلحاً أحوال العبد فجدير أن يعبد ولا يشرك به ونبه بوصف الخلق على استحقاقه للعبادة دون غيره أفمن يخلق كمن لا يخلق. والخلق والاختراع والإِيجاد على تقدير وترتيب. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} قدم خلف المخاطبين وإن كان من قبلهم تقدم زمان خلقهم لأن علم الانسان بحال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة فتنبيههم أولاً على أحوال أنفسهم أهم وآكد. وبدا أولاً بصفة الخلق إذ كانت العرب مقرة بأن الله خالقها وهم المخاطبون والناس تبع لهم إذ نزل القرآن بلسانهم ودخلت من هنا على الزمان، إذ التقدير من زمن قبل زمان خلقكم وقرىء في بفتح الميم قبل منصوبا. وخرج الزمخشري ذلك على إقحام الموصول الثاني كما أقحم في يا تيم تيم عدي والأحسن في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يكون على إضمار مبتدأ محذوف تقديره والذين هم من قبلكم وذكر خلق من قبلهم لأنهم أصولهم فخلق أصولهم إنعام على الفروع. ولعل فيها لغات ولم يجيىء في القرآن إلا أفصحها وهي للترجي والاطماع وذلك بالنسبة إلى المخاطبين والمعني إذا عبدتم ربكم رجوتم حصول التقوى وهي التي تحصل بها الوقاية من النار والفوز بالجنة فتعلقت جملة الرجاء باعبدوا. وذكر الزمخشري وابن عطية تعلقها بخلقكم والذي تؤدوا لأجله هو الأمر بالعبادة والموصول وصلته على سبيل المدح الذي تعلقت به العبادة فلم يجيىء الموصول ليحدث عنه بل في ضمن المقصود بالعبادة وأما صلته فلم يجيىء لإِسناد مقصود إنما جيء بها لتتميم ما قبلها فلا يتعلق بها ترج بخلاف اعبدوا فإِنها الجملة المفتتح بها أولاً والمطلوبة من المخاطبين وإذا تعلقت باعبدوا ناسب خطاب لعلكم تتقون.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 3 : 6 - سفين عن أبي الهيثم عن سعيد بن جبير في قوله جل وعز {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قال، السحاب فيه المطر. [الآية 19].